العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ الضَّمَانِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(1) قال الغزالي: وَفِيهِ بَابَانِ:

البَابُ الأَوَّلُ في أَرْكَانِهِ

وَهِيَ خَمْسَةٌ: الأَوَّلُ: المَضْمُون عَنهُ وعلاَ يُشْتَرَطُ رِضَاهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لغَيْرِهِ أَنْ يُؤَدِّيَ دَيْنَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَيَصُحُّ (ح) الضَّمَانُ عَلَى الميِّتِ المُفْلِسِ، وَأَصَحُّ الوَجْهَيْنِ أنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ مَعْرِفَتُهُ.
قال الرَّافِعِىُّ: الإجماع والأخبار متعاضدة على صِحَّة الضمان، روى عن أبي أمامة -رضي الله عنه- أن النَّبِي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ" 2. وعن أبي سعيد الخدري: -رضي الله عنه- قال: "كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي جَنَازَةٍ، فَلَمَّا وُضِعَتْ قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ مِنْ دَيْنٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ دِرْهَمَانِ، قَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ -كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ-: هُمَا عَلَىَّ يَا رَسُولَ الله، وَأَنَا لَهُمَا ضَامِنٌ، فَقَامَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ فَقَالَ: جَزَاكَ اللهُ عَنِ الإسْلاَمِ خَيْراً، وَفَكَّ رِهَانَكَ كَمَا فَكَكْتَ رِهَانَ أَخِيكَ" 3. وروى أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- أُتِيَ بِجَنَازَةٍ فَقَالَ: هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ مِنْ دَيْن؟ قَالُوا نَعَمْ دِينَارَانِ، فَقَالَ: أَبُو قَتَادَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- هُمَا عَلَىَّ يَا رَسُولَ اللهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-" 4.1

الجزء: 5 - الصفحة: 143

ثم نقل العُلَمَاءُ أن هذا كان في أول الإسْلاَم، ولم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي على من لم يخلف وفاء من المديونين؛ لأن صلاته -صلى الله عليه وسلم- شَفَاعة موجبة للمغفرة، ولم يكن حينئذ في الأموال سعة، فلما فتح الله الفتوح قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ" 5. ونقل عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال في خطبته: "مَنْ خَلَفَ مَالاً أَوْ حَقّاً فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ خَلَفَ كَلاًّ أَوْ دَيْناً فَكَلُّهُ إِليَّ وَدَيْنُهُ عَلَىَّ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ وَعَلى كُلِّ إِمَامٍ بَعْدَكَ؟ قال: وَعَلَى كُلِّ إِمَامٍ بَعْدِي" 6. وقد ضمن حُجَّة الإِسْلام مسائل الضمان في بابين: أحدهما: في أركان صِحّة الضَّمان.
والثاني: في أنه إذا صح فما حكمه؟ وهذا ترتيبه في أغلب الأبواب.
أما الأركان فأولها: المضمون عنه وهو الأَصِيل، ولا يشترط رضاه لصِحَّة الضَّمان وفاقاً، إذ يجوز أداء دَيْنِ الغير بغير إذنه، فالتزامه في الذمة أولى بالجَواز، ويدل عليه أنه يصح الضَّمَان عن الميت، ومعلوم أنه لا يتصور منه الرّضا، والدليل على صحته ما قدمناه من ضمان عليّ وأبي قتادة -رضي الله عنهما-، ولا فرق بين أن يخلف الميت وفاءً أو لا يخلف، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- يبحث عن ذلك، وبهذا قَالَ مالك وأحمد.
وعند أبي حنيفة: لا يصح، إلا إذا خَلَف وَفَاءً أو كان به ضَامِن، وساعدنا فيما إذا ضَمِن عنه في حَيَاتِهِ ثم مات وهو مُعْسِر أنه لا يبطل الضَّمَان، وهل يشترط معرفة المضمون عنه لِصِحَّةِ الضمان؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يشترط ليعرف حاله، ولأنه هَلْ يستحق اصطناع المعروف إليه؟ وهذا ما أورده الصَّيْدَلاَنِيُّ.
وأصحهما: أنه لا يشترط، كما لا يشترط رِضَاه.
واعلم أن الشَّافعي -رضي الله عنه- قال في مسألة ضمان الميت: "ولو ضمن دَيْن مَيِّتٍ بعد ما تعرفه وتعرف لمن هو، فالضَّمان في ذلك لازم"، واختلفوا فيما يعود إليه في قوله: "بعد ما يعرفه"، بحسب اختلافهم في اشتراط معرفة المضمون عنه، فمن شرطها قال: هي عائدة إلى الميت المضمونِ عَنْه، ومن لم يشترطها قال: هي عائدة إلى = (1619)

الجزء: 5 - الصفحة: 144

الدَّيْنِ، إذ لا بد من معرفة جنسه وقدره وهو الصَّحِيح، ويدل عليه أن أَبَا بَكْرٍ الفَارِسِي نقل هذا النَّص بعينه في عيون المسائل، وأنه قال في توجيهه لأنه عرف ما ضمنه، ولمن ضمنه.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّانِي: المَضْمُونُ لَهُ وَفِي اشْتِرَاطِ مَعْرِفَتِهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ شُرِطَتْ فَفِي اشْتِرَاطِ رِضَاهُ وَجْهَانِ، فَإِنْ شُرِطَ فَفِي اشْتِرَاطِ قَبُولِهِ وَجْهَانِ، وَهَذَا لِأَنَّ الضَّمَانَ تَجْدِيدُ سُلْطَةٍ لَهُ لَمْ تكُنْ فَلَمْ يَجُزْ إِلاَّ بِإذْنِهِ بِخِلاَفِ المَضْمُونِ عَنْهُ.
قال الرَّافِعِىُّ: المضمون له هو مستحق الدَّيْنِ، وفي اشتراط معرفته وجهان: أحدهما: أنها لا يشترط، لأنه لم يقع التعرض والبحث عنه في ضَمَانِ عَلِيٍّ وأبِي قَتَادَةَ -رضي الله عنهما-.
وأصحهما: أن لا بد وأن يعرف الضَّامِن؛ لأن النَّاس يتفاوتون في الاقتضاء والاستيفاء تشديداً وتسهيلاً، والأغراض تختلف بِذَلِكَ، والضمان مع إهماله غرر وضرر من غير ضرورة، وعلى هذا فَفِي اشتراط رِضَاه وجهان.
قال الأكثرون: لا يشترط؛ لأن الضَّمَانَ محض التزام، وليس موضوعاً على قواعد المعاقدات، وقال صاحب "الإفصاح" والقاضي ابْنُ كِجٍّ: يشترط لأن الضمان يجدد له سلطنة وولاية لم تكن، ويبعد أن يتملك بتمليك الغَيْر شيئاً من غير رِضَاه، وبهذا قال أبو حنيفة، إلا أنه قال: لو التمس المريض من الورثة أن يضمنوا دينه فأجابوا صح، وإن لم يرض المَضْمُونُ له وإذا قلنا: باشتراط رِضَاه ففي اشتراط قبوله وَجْهَان: وجه الاشتراط أنه يملك في مقابلة تَمْلِيك الضَّامِنِ فيعتبر فيه القبول كسائر التمليكات والتَّمَلُّكَات.
والأصح: أنه لا يشترط، وفرقوا بينه وبين سَائِرِ التملكات بأن الضَّمَان لا يُثْبِت مِلْكَ شَيْءٍ جديد، وإنما يتوثق به الدّين الذي كان مملوكاً، وهذا يشكل بالرَّهن فإنه لا يفيد إلا التوثيق، ويعتبر فيه القبول، وعن الشيخ أَبِي مُحَمَّدٍ تقريب هذا الخِلاَف من الخلاف في اشتراط القبول في الوكالة؛ لأن كل واحدٍ منهما يجدد سلطة لم تكن، فإن شرطنا القبول فليكن بينه وبين الضَّمَان مثل ما بين الإيجاب والقبول في سائر العقود، وإن لم نشترط فيجوز أن يتقدم الرِّضَى على الضَّمَانِ، وإن تأخر عنه فهو إجازة إن جوزنا وقف العقود ذَكَرَهُ الإِمَام، وفرع على قولنا: لا يشترط رِضَاه، فقال إِذا ضمن بغير رِضَاه فينظر إن ضمن بغير إذن المضمون عنه فالمضمون له بالخيار إن شاء طالب الضَّامِن، وإن شاء تركه، وإن كان الضمان بإذنه فحيث قلنا: يرجع الضَّامِن على المضمون عنه يتخير المضمون لَهُ على قَبُولِهِ؛ لأن ما يؤديه في حكم لملك المضمون عَنْه، وحيث

الجزء: 5 - الصفحة: 145

قلنا: لا يرجع، فهو كما لو قال لغيره: أَدِّ ديْنِي ولم يشترط الرجوع وقلنا: إنه يرجع، وهل لمستحق الدين والحالة هذه أن يمتنع من القبول؟ فيه وَجْهَان بناءً على أن المؤدي يقع فِدَاء، أو موهوباً ممن عليه الدين إن قلنا بالثاني، لم يكن له الامتناع وهو الأَشْهَر، هذا بيان الخلاف في اشتراط معرفة المضمون له دون معرفة المضمون عنه؛ لأنه لا معاملة بينه وبين الضَّامِنِ، وزاد الإمام وَجْهاً رَابِعاً، وهو اشتراط معرفة المَضْمُون عَنْهُ دون المضمون له، وفي طريقة الصَّيْدَلاَنِيّ ما يقتضيه وَهُوَ غَرِيبٌ 7. قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الضَّامِنُ وُيشْتَرَطُ فِيهِ صِحَّةُ العِبَارَةِ وَأَهْلِيَّةُ التَّبرُّعِ، وَيَصِحُّ (م) ضَمَانُ الزَّوْجَةِ دُونَ إِذْنِ الزَّوجِ، وَفي ضَمَانِ الرَّقِيقِ دُونَ إِذْنِ السَّيِّد وَجْهَانِ، فَإِنْ صَحَّ فَيُتْبَعُ بِهِ إِذَا عُتِقَ، فَإِنْ ضُمِنَ بِالأِذْنِ فَيَتَعَلَّقُ بِكَسْبِهِ فِي وَجْهٍ، وَلاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ في وَجْهٍ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ المَأْذُونِ فِي التِّجَارَةِ وَغَيْرِهِ في وَجْهٍ.
قال الرَّافِعِىُّ: ضبط من يصح ضمانه بأن يكون صحيح العبارة أهلاً للتبرع.
أما صحة العبارة فيخرج عنه الصَّغِير والمَجْنُون والمُغْمَى عليه والمُبَرْسَم الذي يهذي، فلا يصح ضمانهم كَسَائِرِ التصرفات.
ولو ضَمِن ضَامِنٌ، ثم قال: كنت صبياً يوم الضَّمان، وكان محتملاً فالقول قول مع يمينه، وكذا لو قال: كنت مجنوناً وقد عرف له جنون سابق أو أقام عليه بينة، وإلا فالقولُ قولُ المضمونِ لَهُ مع يمينه.
وفي ضمان السكران الخلاف المذكور في سائر تصرفاته 8 لاَ يَصِح ضَمَانُه، وَالأَخْرَس الذي إشَارَتُه مَفْهُومَةٌ، والأخرس الذي ليست له إشارة مفهومة يَصِح ضَمَانُه بِهَا كبيعه وسائر تصرفاته، وعن أبي الحُسَيْنِ: أن من الأصحَاب من أَبْطَلَه، وقال: لا ضرورة إلى الضَّمَان بخلاف سائر التَّصَرُّفَاتِ، ولو ضمن بالكِتَابَةِ فَوَجْهَانِ، سواء أحسن الإِشَارةَ أَمْ لاَ.
أظهرهما: الصِّحة، وذلك عند وجود القرينة المُشْعِرة بالمَقْصُود، ويجري الوَجْهَانِ في النَّاطِقِ وفي سَائِرِ التصرفات.
وأما أَهْلِيَّةِ التَّبرُّع فإنه قصد بها التحرز عن المَحْجُورِ عليه بالسَّفَهِ، ونحا: فيه نَحْوَ الإِمَامِ، بحيث قال المحجور عليه وإن كان تصح عبارته عند إذن وليه فَضَمَانُه مَرْدُودٌ،

الجزء: 5 - الصفحة: 146

من قبل أنه تبرع وتبرعات المُبَذِّر مَرْدُودَة، ولا يصح من الولي الإِذْن فيها.
واعلم أن القول بِكون الضَّمَانِ تبرعاً إنما يظهر حيث لا يثبت الرُّجُوع، فأما حيث ثبت فهو إقراض لا محض تبرع، وَيَدُلُّ عليه أن القَاضِيَ الرّويَانِي حكى في "البحر" عن نص الشَّافعي -رضي الله عنه-: أنه إذا ضَمن في مَرَضِ المَوْتِ بغَيْرِ إذن من عليه الحق فهو محسوب من ثُلُثِهِ، وإن ضمن بإذنه فهو مَحْسُوبٌ من رأس المال؛ لأن للورثة أن يرجعوا على الأَصِيل، وهو وإن لم يكن تبرعاً فلا يصح من المحجور كالبيع وسائر التصرفات المالية، فإن أذن فِيهِ الوَلِي، فليكن كما لو أذن في البيع 9. أما المحجور عليه بالفلس، فضمانه.
كشرائه.
ثم في الفصل مسألتان: إحداهما: ضمان المرأة صَحِيح خلية كَانَتْ أم مزوجة، ولا حاجة إلى إذْنِ الزوج كما في سَائِرِ تصرفاتها، وعن مالك أنه لاَ بُدَّ من إذنه.
الثانية: في ضَمَانِ العَبْدِ بغير إذْنِ سيده مأذوناً كان في التجارة أو لم يكن، وجهان عن ابْنِ سُرَيْج: أحدهما: وبه قال أبو إسحاق: أنه صحيح، ويتبع به بعد العتق؛ لأنه لا ضَرَرَ فيه على السَّيد، فصار كما لو أقَرَّ بِإِتْلاَفِ مَالٍ وكذبه السيد.
وأصحهما وبه قال الإصْطِخْرِي: أنه بَاطِلٌ؛ لأنه إثبات مال في الذمة بِعَقْدٍ فأشْبَهَ النِّكَاحَ، وإن ضمن بِإذْنِ سيده صَحَّ، ثم إن قال: اقضه مما تكتسبه أو قال للمأذون: اقضه من المال الذي في يدك قضى منه، وإن عَيَّن مالاً وأمر بالقضاء منه فكمثل، وإن اقتصر على الإذن في الضَّمان، فإن لم يكن العبد مأذوناً له في التِّجَارَةِ فوجهان: أحدهما: أنه يكون في ذِمَّتِهِ إلى أن يعتق؛ لأنه إنما أَذِن في الالتزام دون الأداء.
وأظهرهما: أنه يتعلق بما يكتسبه بعد الإذْنِ، كما لو أذن له في النِّكَاحِ يتعلق المهر

الجزء: 5 - الصفحة: 147

باكتسابه، وعن الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ حكاية وَجْه غريب أنه يتعلق برقبته، وإن كان مأذوناً له في التجارة فيتعلق بِذِمَّتِهِ، أم كيف الحال؟ فيه وَجْهَانِ رتبهما الإمام على الوَجْهَيْنِ فِي غَيْرِ المأذون، وأولى بأن لا يحال على الذِّمَة لإشعار ظَاهِرِ الحَالِ بِخِلاَفِهِ، وعلى هذا فيتعلق بما يكتسبه من بعد إِذْنِهِ، وبما في يده من الرِّبحِ الحَاصِلِ أَمْ بَهِمَا، وبرأس المَالِ أيضاً؟ فيه وجوه أشبهها الثَّالِثُ، والوجوه التي أوردها صَاحِب الكتاب فيما إذا ضَمِن بالإذن تخرج من الترتيب الذي أشار إليه الإمام، فَعَلَى رأي إن كان مأذوناً له تعلق بكسبه وإلا لم يتعلق إلا بالذِّمة، وحيث قلنا: يؤدي مما في يده، فلو كان عليه دُيُونٌ ففيه ثلاث أوجه عن ابْنِ سُرَيْجٍ.
أحدها: أن المضمون له يشارك الغرماء؛ لأنه دين لزم بإذن المولى، فأشبه سَائِرَ الدُّيون.
والثاني: أن الضمان لا يتعلق بما في يده أصْلاً؛ لأنه كالمَرْهُونِ بحقوق الغُرَماء.
والثالث: أنه يتعلق بما فضل عن حقوقهم رعاية لِلْجَانَبِيْنِ، وهذا إذا لم يحجر القَاضِي عليه، فإن حجر باستدعاء الغرماء لم يتعلق الضَّمَانُ بما في يده لا محالة، والمدبر وأم الولد كالقِنِّ في الضَّمَانِ، وكذا من بعضه حر وبعضه رقيق، وإن لم يكن بينه وبين السيد مهايأة أو كانت وضمن في نوبة السيد، وإن لم يكن بينهما مهايأة، كما لو اشترى بنفسه شيئاً، ويجوز أن يخرج على الخلاف في المؤن والأكساب النَّادِرَة أنها هل تدخل في المهايأة؟ وضمان المكاتب بغير إذن السيد كضمان القِنِّ وبالإذن قالوا: هو على الخلاف في تبرعاته.
فرع: إذا ضمن العبد بإِذْنِ السَّيِّدِ، وأدى مَالَ الضَّمان في رقه فحق الرجوع للسَّيِّدِ، وإن أداه بعد ما عتق فَحَقّ الرجوع للعبد في أَصَحِّ الوجهين، ووجه الثَّانِي أن مَالَ الضَّمَانِ كالمستثنى عن اكتسابه فلا يستحقها بالعتق، ولو ضَمِنَ العَبْدُ شيئاً لسيدِهِ عن أجنبي لَمْ يَصِح لأنه يؤديه من كَسْبِهِ، وكسبُه لِسَيِّدِهِ، فهو كما لو ضَمِن المستحق لِنَفْسِهِ، ولو ضَمِن لأجنبي عن سيده، فهذا لم يأذن السَّيِّد فَهُوَ كَمَا لَوْ ضَمِنَ عَنْ أَجْنَبِي، وإن ضمن بإذنه صَحَّ، ثم إن أدى قَبْلَ العِتْقِ فلا رُجوعَ لَهُ، وإن أَدَّى بَعْدَهُ ففي رجوعه على السَّيِّد وَجْهَانِ بناء على الوَجْهَيْنِ فيما لو أَجَّرَ عبده ثم أعتقه، في أثناء المُدَّة هَلْ يرجع بِأُجْرَةِ المهثْلِ لبقية المدة؟ 10.

الجزء: 5 - الصفحة: 148

قال الغزالي: الرُّكْنُ الرَّابعُ المَضْمُونُ بِهِ وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ حَقّاً ثَابِتاً (م ح و) لاَزِماً (م ح و) مَعْلُوماً (م ح و) وَاحْتَرَزْنَا بِالثَّابِتِ عَنْ ضَمَانِ دَيْنِ سَيَلْزَمُ بِبَيْع أَوْ قَرْضٍ بَعْدَهُ فَإنَّهُ لاَ يَصِحُّ (م ح) فِي الجِدِيدِ، وَفِي ضَمَانِ مَا سَبَقَ سَبَبُ وُجُوِبهِ وَلَمْ يَجِبْ كَنَفَقَةِ الغَدِ لِلْمَرَأَةِ قَوْلاَنِ فِي الجَدِيدِ، وَضَمَانُ العُهْدَةِ لِلمُشْتَرِي صَحِيحٌ (و) بَعْدَ قَبضِ الثَّمَنِ لِأَجْلِ الحَاجَةِ إِلَى مُعَامَلَةِ الغُرَبَاءِ، وَكَذَلِكَ ضَمَانُ نُقْصَانِ الصَّنْجَةِ وَرَدَاءَةِ الجنْسِ فِي المَبِيعِ، وَفِي صحَّةِ ضَمَانِ عُهْدَةٍ تَلْحَقُ بِالعَيْبِ أَوْ بِالفَسَادِ مِنْ أُخْرَى لاَ بِخِرُوجِهِ مُسْتَحِقّاً وَجْهَانِ، فَإِنْ صَحَّحَ صَرِيحاً ففي انْدِرَاجِهِ تَحْتَ مُطْلَقِ ضَمَانِ العُهْدَةِ وَجْهَانِ.
قال الرَّافِعِىُّ: يشترط في الحق المَضْمُونِ ثلاث صفات: كونه ثابتاً، ولازماً ومعلومَ الصِّفَة.
الأولى: الثبوت، وفيه مَسَائِل: إحداها: إذا ضمن ديناً لم يجب بعد، وسيجب كقرض أو بيع وما أشبههما، ففيه طريقان حكاهما الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وغيره.
وأشهرهما وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ: أنه على قولين: القديم: أنه يَصِح؛ لأنه قد تَمَسّ الحَاجَة إليه، وهذا كما أنه جوز في القديم ضَمَان نفقة يَوْمِ المستقبل، وبهذا قَالَ أبو حنيفة ومالك.
والجديد: المنع، وبه قال أحمد؛ لأن الضمان لو تبعه الحق، فلا يسبق وجوب الحق كالشَّهَادَةِ.
والثاني: وهو اختيار الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ القطع بالمنع، ويخالف ضَمَان النّفقة؛ لأن النفقة على القديم تجب بالعقد، فضمانها ضَمَان وَاجِبٌ لا غير وَاجِب، والمذكور في الكتاب هو الطريقة الأُولَى، ويجوز إعلام قوله: (في الجديد) بالواو للثانية، وإعلام قوله: (لا يصح) بالحاء والميم لما ذكرنا، وذكر الإمام أموراً مفرعة على القديم.
أحدها: إذا قال: ضمنت لك ما تبيع من فلان، فباع الشَّيْءَ بعد الشيء كان ضامناً لِلكُلِّ؛ لأن "ما" من أدوات الشَّرط، فتقتضي التعميم بخلاف ما إذا قال: إذا بعت من فلان فأنا ضَامِنٌ حيث لا يكون ضامناً إلا ثمن مَا بَاعَه أولاً؛ لأن "إذا" ليست من أدوات الشرط.
الثاني: إن شرطنا معرفة المضمون له عند ثبوت الدين فهاهنا أولى وإلا فوجهان، وكذا معرفة المَضْمُون عنه.
الثالث: لا يطالب الضامن ما لم يلزم الدَّيْن على الأَصِيل، وليس له الرجوع بعد لزومه.

الجزء: 5 - الصفحة: 149

وأما قبله فعن ابْنِ سُرَيْجِ: أن له أن يرجع، وقال غيره: لا؛ لأن وضع الضَّمَانِ على اللزوم.
وإذا قلنا بالجديد، فلو قال: أقرض فلاناً كذا وعلى ضمانه فأقرضه قال القَاضِي الرّويَانِي -في المَذْهب-: أنه لا يجوز، وعن ابْنِ سُرَيْجِ تجويزه؛ لأنه ضمان مَقْرُونٌ بالقرض.
المسألة الثانية: ضمان نفقة المدة المَاضِية للزَّوْجَةِ صحيحة، سواء كانت نفقة المُوسِرِين أو المعسرين، وكذا ضمان الادام ونفقة الخَادِمة وسائر المُؤَن، ولو ضمن نفقة اليوم فكمثل، لأنها تَجِب بطلوع الشَّمْس، وفي ضمان نفقة الغَد والشَّهْرِ المستقبل.
قولان، بناءً على أن النفقة تجب بالعقد أو بالتمكين.
إن قلنا: بالأول وهو القديم، صَحّ وإن قلنا: بالثَّانِي فَلاَ، وَهُوَ الأَصح، هكذا نقل عَامَّةُ الَأصْحَابِ، وأشار الإمام إلى أنه على قولين مع تفريعنا على أن ضَمَان مَا لاَ يَجِب بَاطِل؛ لأن سبب وجوب النفقة على تعاقب الأيام نَاجِز وهو النِّكَاح، وهذا ما أورده المصنف، وقال: (وفي ضمان ما سبق سبب وجوبه، ولم يجب) إلى آخره وفيه إشكال؛ لأن سبب وجوب النفقة إما النِّكَاح، أو التمكين في النِّكَاح، إن كان الأول فالنفقة واجبة، فكيف قال: (ولم يجب)، وإن كان الثاني فالسبب غَيْر موجود، ويجوز أن يقال في الجواب: المراد من سبب الوجوب هاهنا ما تقرر به الوجوب، بل المراد منه الأمر الذي إذا وجد، استعقب الوجوب ظاهراً عند وجود أمر آخر.
وبيان ذلك بأنهم نقلوا قولين فيما إذا ضَمِن أرش الجنَاية وما يتولد منها، ومعلوم أن الجناية ليست سبباً لما يتولد منها إلا على هذا التفسير، أما عند قولنا: سبب الوجوب النكاح والتمكين، فنعني به ما يقترن به الوُجوب، فهذا جوزنا ضمان نفقة المستقبل، فَلَهُ شَرْطَانِ: أحدهما: أن يقدر مدة، أما إذا أطلق لم يصح فيما بَعْدَ الغَدِ، وفيه وجهان أَخْذاً من الخِلاَفِ فيما إذا قال: أجرتك كل شَهْرٍ بِدِرْهَمٍ، ولم يقدر هل يصح في الشَّهرِ الأول؟ والثاني: أن يكون المضمون في نفقة المُعْسِرِين، وإن كان المضمون عنه موسراً أو متوسطاً؛ لأنه ربما يعسر، وفي "التتمة" وجه آخر: أنه يجوز ضَمَان نَفَقَةِ المُوسِرِينَ والمُتَوَسِّطِينَ؛ لأن الظاهر استمرار ماله، وضمان نفقة القريب للمدة المستقبلة لاَ يجوز، وفي ضَمَانِ نفقة اليوم وَجْهَان، والفرق أن سبيلَها سبيلُ البِرِّ والصِّلَةِ، لا سبيل للدُّيُون؛ ولهذا تسقط بمضي الزَّمَانِ وضيافة الغَيْرِ.

الجزء: 5 - الصفحة: 150

المسألة الثالثة: من باع شَيْئاً فخرج مستحقاً فعليه رَدُّ الثَّمَنِ ولا حاجة فيه إلى شَرْطٍ والْتِزَامٍ، قال القَفَّالُ: ومن الحماقة اشتراط ذلك في القبالات، وإن ضمن عَنْهُ ضَامِنُ ليرجع المشتري عليه بالثمن لو خرج المبيع مستحقاً فهذا ضمان العُهْدَة ويسمى ضَمَانُ الدرك أيضاً.
أما ضمان العهدة فقد قال في "التتمة": إنما سمي به لالتزامه ما في عُهْدَةِ البَائِعِ رده، ويجوز أخذه من شيئين آخرين: أحدهما: قال في "الصحاح": يقال في الأمر عهدة، أي لم يحكم بعد، وفي عقله عهدة أي ضَعْف، فكأن الضَّامِنَ ضمن ضعف العقد والتزم ما يحتاج فِيهِ مِنْ غُرْمٍ.
والثَّانِي: قال العهدة الرجعة، يقال: أبيعك الملسى لا عهدة، أي تتملس وينقلب فلا يرجع إلى، فالضامن التزم رجعة المُشْتَرِي عليه عند الحَاجَةِ.
وأما الدَّرك فقد قال في "الصحاح": الدرك التبعة تسكن وتحرك، وفي "التتمة": أنه سمي ضمان الدرك لالتزامه الغرامة عند إدراك المستحق من مَالِهِ، وفي صحة هذا الضَّمَان طريقان: أظهرهما: أنها على قولين: أحدهما: خرجه ابْنُ سُرَيْجٍ وغيره: أنه لا يصح؛ لأنه ضمان ما لم يجب؛ ولأنه لا يجوز الرَّهْنُ بِهِ فكذلك الكفيل.
وأصحهما: وهو نَصّه في آخر كتاب الإقرار أنه صَحِيح، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد لإطباق النَّاسِ عليه، وإيداعه الصكوك في جميع الأعصار، والمعنى فيه أن الحَاجَة تمس إلى مُعَامَلَةِ من لا يعرف من الغُرَماء، ولا يوثق بيده وملكه ويخاف عدم الظَّفر بِهِ، لو ظهر الاستحقاق فيحتاج إلى التَّوْثِيق.
والثاني: القطع بالصِّحة حكاه القَاضِي ابْنُ كِجٍّ عن أبي إسحاق وابْنِ القَطَّانِ، وأجيب عن توجيه قَوْلِ المنع بأنه إذا بان الاستحقاق بَان، إن رد الثمن كان واجباً إلا أنا كنا لا نَعْرِفه.
وأما الرهْنُ فالكلام فيه قد مرَّ فِي كتاب الرَّهْنِ.
التفريع: إن قلنا: بالصحة فَذَاك إذا ضَمِنَ بعد قبض الثَّمَنِ، أما قبله فَوَجْهَانِ: أحدهما: الصحة؛ لأن الحَاجَةَ تدعو إليه، إذ ربما لا يثق المشتري بتسليم الثَّمَنِ إلا بعد الاستيثاق.
وأصحهما: المنع؛ لأن الضامن إنما يضمن ما يدخل في ضمان البائع ويلزمه

الجزء: 5 - الصفحة: 151

رده، وقبل القبض لم يتحقق ذلك، وكما يصِحَ ضَمَن العُهْدَة للمشتري يصح ضمان نقصان الصنّجة 11 للبَائِع، بأن جاء المشتري بصنجة ووزن بها الثمن، فاتهمه البائع فيها، فضَمِنَ ضَامِنٌ النقصانَ إن كانت نَاقِصة، وكذا ضمان رداءة الثمن إذا شَكَّ البائع في أن المؤدى هَلْ هو من الضرب الذي يستحقه؟ فهذا خرج ناقصاً أو رديئاً طالب البائع الضامن بالنّقْصَان، وبالضرب المستحق إذا رَدّ المقبوض على المشتري.
ولو اختلف البائع والمشتري في نُقْصَان الصنجة صدق البائع بيمينه، فإذا حَلَف طَالَبَ المُشْتَرِي بالنقصان، ولا يطالب الضَّامن على أقيس الوجهين؛ لأن الأصل براءة ذمته، فلا يطالب إلا إذا اعترف بالنقصان، أو قامت بينة عليه، ولو اختلف البَائِعُ والضَّامِنُ في نقصانها فالمصدق الضَّامِنُ على أصَحِّ الوجهين؛ لأن الأصْلَ براءة ذِمَّتِهِ بخلاف المُشْتَرِي، فإن ذمته كانت مَشْغُولةً بحق البائع، والأصل بقاء الشَّغْل.
واعلم أن الأئمة صوروا ضَمانَ نقصان الصّنجة والرداءة في الثمن كما أوردناه، قالوا: هذا الضَّمَانُ للبائع كضمان العُهْدَة للمشتري، وحكى هذا صاحب الكتاب في "الوسيط"، فأما هاهنا فإنه قال: (وكذلك ضمان نقصان الصنجة ورداءة الجنس في المبيع)، فصور ضمان الرداءة في المبيع وهذا يمكن فرضه فيما إِذَا بَاعَ وشرطه كونه من نَوْعِ كَذَا، فخرج المبيع من نوع أردأ منه ثبت للمشتري الخِيَار والرجوع بالثَّمن، وإذا ضمن ضامن كان له الرجوع على الضَّامِن أَيضاً، وكذا نقصان الصّنْجَة، يمكن تصوير ضمانه في المبيع، بأن باع بشرط أنه كَذَا منا فإنه إذا خرج دونه يبطل المبيع على قول، ويثبت للمشتري الخيار على قولٍ كَمَا مَرَّ، فإذا ضمنه ضامن رجع بالثمن عليه، وفي الصورتين يكون الضَّمَانُ للمشتري كضمان العهدة، ولو ضمن عهدة الثمن لو خرج المبيع معيباً فرده أو بان فساد المبيع بسبب غير الاستحقاق لتخلف شرط معتبر في المبيع أو اقتران شَرْطٍ فاسد ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يصح.
أما في خروجه معيباً فلأن وجوب رَدِّ الثمن على البائع هاهنا بسببٍ حَادِثٍ، وهو الفسخ فالضمان سَابِقٌ عليه، فيكون ضَمَان مَا لَمْ يجب.
وأما في ظهور الفساد بغير الاستحقاق فلأن هَذَا الضمان إنما جوِّز للحَاجَةِ، وإنما تظهر الحاجة في الاستحقاق، ولأن التجوز عند ظهور الاستحقاق لا يمكن والتحرز عن سائر أسباب الفساد ممكن ولأن حبس المبيع إلى استرداد الثمن بسائر أسباب الفساد

الجزء: 5 - الصفحة: 152

ممكن بخلاف حالة ظهور الاستحقاق لا يمكن، والتحرز عن سائر أسباب الفساد ممكن.
والثاني: يصح؛ لأن الحَاجَة قد تمس إليه أيضاً في معاملة الغرماء ومن لا يوثق بالظفر به كما تمس إلى الضمان بسبب الاستحقاق، وذكر في "التتمة": أن المذهب هو الوَجْه الأَوَّل، لكن أصحابَنَا العراقيين أجابوا بالثَّانِي، ورووه عن ابْنِ سُرَيْجٍ، ونفى صاحب "البيان" الخلاف فيه.
فإن قلنا: بالصِّحَّة إذا ضمن ذَلِكَ صَرِيحاً، فقد حكى الإمام وصاحب الكتاب وجهين في اندراجه تحت مطلق ضَمَانِ العُهْدَة، ونحن نجمع ما يطالب به ضَامِن العَهْدَة، في فَصْلٍ محتوش بفصلين، ويضمن ثلاثتهما بقية مسائل الباب.

فَصْلٌ أَوَّلُ

من ألفاظ هذا الضَّمان، أن تقول للمشتري: ضمنت لك عهدته، أو دركه أو خلاصك منه، ولو قال: ضمنت لك خلاص المَبِيع لَمْ يَصِح؛ لأنه لم يستقل بتخليصه بعد ظهور الاستحقاق، ولو ضمن عهدة الثَّمَنِ وخلاص المبيع معاً، لم يصح ضمان الخلاص، وفي العهدة قولا تفريق الصفقة ولو شرط في المبيع كفيلاً بخلاص المبيع بطل بخلاف ما لو شرط كفيلاً بالثمن.
ويشترط أن يكون قدر الثمن معلوماً لِلضَّامِنِ، فإن لم يكن فهو كما لو لم يكن قدر الثمن معلوماً في المرابحة.
ويجوز ضَمَانُ المسلم فيه للمسلم إليه، لو خرج رأس المال مستحقاً بعد تسليم المسلم فيه، وقبله لا يجوز في أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، ولا يجوز ضمانَ رأسِ المَالِ للمسلم لو خرج المسلم فيه مستحقاً؛ لأن المسلم فيه في الذِّمَّة والاستحقاق لا يتصور فيه، وإنما يتصور في المقبوض، وحينئذ يطالب المسلم بمثله لا برأس المال.

فَصْلٌ ثانٍ

إذا ظهر الاستحقاق، فالمشتري يطالب من شاء من البائع والضامن، ولا فرق في الاستحقاق بين أن يخرج مغصوباً، وبين أن يخرج شقصاً، قد ثبتت فيه الشُّفْعَة ببيع سابق فأخذه الشفيع بِذَلِك المبيع ولو بأن فساد البيع بشرط أو غيره ففي مطالبة الضَّامِنِ وجهان: أحدهما: يطالب كما لو خرج مستحقاً.
والثاني: لا؛ للاستغناء عنه بإمكان حبس المبيع إلى استرداد الثَّمَنِ؛ لأن السابق

الجزء: 5 - الصفحة: 153

إلى الفَهْمِ من ضمان العهدة هو الرجوع بسبب الاستحقاق، ولو خرج المبيع معيباً فرده المُشْتَرِي، ففي مطالبة الضَّامِنِ بالثمن وَجْهَانِ، وأولى بأن لا يُطَالَب، وبه قال المُزَنِي وَابْنُ سُرَيْجٍ؛ لأن الرَّد هاهنا سبب حادث وهو مختار فيه، فأشبه ما إذَا فسخ بِخِيَارِ شَرْطٍ أو مجلس أو تقابلا، وهذا إذا كان العيب مقروناً بالعَقْدِ، أما إذا حدث في يد البَائِعِ بعد العَقْدِ، ففي "التتمة": أنه لا يطالب الضَّامن بالثَّمَنِ وجهاً وَاحِداً؛ لأنه لم يكن سبب رد الثمن مقروناً بالعقد، ولم يوجد من البَائِعِ تفريط فيه، وفي العيب الموجود عند البيع سَبَب الرَّدِّ مقرونٌ بالعَقْدِ، والبائع مفرط بالإِخْفَاءِ فالتحق بالاستحقاق على رأي (1) ولو تلف المبيع قبل القَبْض وبعد قبض الثمن وانفسخ العقد فهل يطالب الضامن بالثَّمن؟ إن قلنا: إنه ينفسخ من أصله، فهو كظهور الفَسَادِ بغير الاستحقاق، وإن قلنا: من حينه كالرد بالعيب ولو خرج بعض المبيع مستحقاً ففي صِحَّةِ البيع في الباقي قولا تفريق الصفقة.
إن قلنا: يصح فاختار المشتري إن قلنا: يختر بجميع الثَّمن لم يطالب الضَّامِن بشيء، وإن قلنا: يختر بالحِصَّة طالبهُ بحصة المُسْتَحق من الثَّمَن، وإن فسخ طالب بحصة المستحق من الثَّمن ومطالبته بحصة الباقي من الثمن كمطالبته عند الفسخ بالعيب وإن قلنا: لا يصح ففي مطالبته بالثّمن طريقان: أحدهما: أنه كما لو بأن فساد العَقْدِ بشرط ونحوه.
والثاني: القطع بتوجيه المطالبة لاستناد الفساد إلى الاستحقاق، وهذا كله فيما إذا كانت صيغة الضمان شيئاً مما ذكرنا في الفَصْلِ الأول، أما إذا كان قد عيَّن جهة الاستحقاق، فقال: ضمنت لك الثمن متى خرج المبيع مستحقاً لم يطالب بجهة أخرى [وكذا لو عين جهة غير الاستحقاق لم يطالب عند الاستحقاق].

فَصْلٌ ثَالِثٌ

اشترى أرضاً وبنى فيها أو غرس، ثم خرجت مستحقة وقلع المستحق البناء والغراس، فهل يجب أرش النقصان على البَائِع، وهو ما بين قيمته قائماً ومقلوعاً؟ فيه خلاف مذكور في الكِتَاب في آخر الغَصْبِ، والظاهر وجوبه، وهو الذي حكاه القاضي أَبُو القَاسِمِ الصَّيْمَرِيُّ عَنِ الشَّافِعِي -رضيَ الله عنه - في "علل الشروط" وحكى عن أبي حنيفة إن كان البائع حاضراً رجع المشتري بقيمة البناء والغراس عليه.12
= عيب ففي رجوعه بالأرش على الضامن الوجهان.
ينظر الروضة 3/ 481.

الجزء: 5 - الصفحة: 154

فاتمام المستحق إن شاء أعطى البائع قيمته مقلوعاً وإن شاء أمره بقلعه، وإن كان البائع غائباً قال المستحق للمشتري: إن شئت أعطيتك قيمته مقلوعاً وإلا فاقلعه، فإن قلعه رَجَعَ على المشتري بقيمته على البائع مقلوعاً؛ لأنه سلمه إليه مقلوعاً، وإذا قلنا بوجوب الأرش على البَائِع فلو ضمنه ضَامِن نظر إن كان قبل ظهور الاستحقاق لَمْ يَصِحِ؛ لأنه مجهول ولأنه ضَمَانُ ما ليس بواجب، وإن كان بعد الاستحقاق وقبل القلع فكمثل.
وقال أبو حنيفة: يصح في الصورتين وإن ضمنه بعد القلع وكان قدره معلوماً صَحّ.
وإن ضمن ضامن عهدة الأرض وأرض نقص البناء والغراس في عقد واحد لم يصح في الأَرْش، وفي العهدة قولا تفريق الصَّفقة، ولو كان البيع بشرط أن يعطيه كفيلاً فهو كما لو شرط في البيع رهناً فاسداً، وذكر جماعة من الأصحاب أن ضَمَان نَقْصِ البناء والغِرَاس، كما لا يصح من غَيْرِ البَائِع، لا يصح من البائع، وهذا إن أريد به أنه لَغْوٌ، كما لو ضَمِن العهدة لوجوب الأَرْشِ عليه من غير إلزام، فهو مُسْتَمِرٌ على ظاهر المذهب، وإلا فهو ذهاب منه إلى أنه لا أرش عليه، والله أعلم.
قال الغزالي: وَاحْتَرَزْنَا بِاللاَّزِمِ عَنْ نُجُومِ الكِتَابَةِ فَلاَ يَصِحُّ ضَمَانُهَا، وَيصِحُّ (و) ضَمَانُ الثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الخِيَارِ إِذْ مَصِيرُهُ إِلَى اللُّزُومِ، وَفي ضَمَانِ الجُعْلِ فِي الجَعَالَةِ وَجْهَانِ.
قال الرَّافِعِىُّ: الصفة الثَّانِية: اللزوم.
والديون الثَّابتة ضربان: أحدهما: مَا لاَ مصير له إلى اللُّزومِ بِحَالٍ، مثل نجوم الكِتَابة فلا يَصِح ضَمَانُها، كما لا يصح الرَّهْنُ بِهَا، هذا هو المَشْهُورَ، وفيه وجه أنه يَصِح، وبه قال أَبُو حَنِيفة ولم أجد هذا الوجه عن الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ أن ابن سريج خَرَّجَهُ على ضمان ما لم يجب وَوُجِدَ سَبب وجوبه، وذكر القاضي ابْنُ كِج أنه مأخوذ من تجويز ضمان الجُعْلِ في الجَعالة على أحد الرأيين.
ولو ضمن إنسانٌ عن المكاتب عين نُجوم الكِتَابة نظر إن ضمنه لأجنبي صَحَّ، وإذا غرم رجع على المُكَاتَبِ، إذا كان الضَّمَانُ بإذنه، وإن ضمنه لِسَيّده يُبْنَى ذلك على أن الدَّيْنَ هل يسقط بعجزه؟ وهو على وجهين: إن قلنا: نعم، لَمْ يَصِح الضَّمان للنُّجومِ في الأَصَحِّ.
والضَّرْبُ الثَّانِي: ما له مَصِير إِلَى اللُّزُوم، فينظر إن كان لازماً في حَالِ الضَّمَانِ صَحَّ ضَمَانُه، سواء كان مستقراً أَو لَمْ يَكُن كالمَهْرِ قَبْلَ الدُّخُولِ، والثمن قَبْلَ قَبْضِ

الجزء: 5 - الصفحة: 155

المَبِيع لحاجة التوثيق، ولا نظر إلى احتمال سقوطه، كما لا نظر إلى احتمال سقوط المستقر بالإبْرَاء والرد بالعيب وما أشبههما، وإن لم يكن لازماً حَالَ الضَّمَانِ فهو على قِسْمَيْن.
أحدهما: ما الأَصْل فِي وضعه اللُّزوم كالثَّمَنِ في مُدَّةِ الخِيَارِ فِي ضَمَانِهِ وَجْهَان: أحدهما: المنع؛ لأنه لَيْسَ بِلاَزِم.
وأصحهما: وقد قطع به بَعْضُهم الجَواز؛ لأنه ينتهي إلى اللزوم بنفسه عن قريب فيحتاج فيه إلى التَّوْثِيق ثم فيه نَظَرَان.
أحدهما: أن الخِلاَف على ما ذكره صاحب "التتمة" مفروض فيما إذا كان الخيار للمشتري أولهما، أما إذا كان للبائع وحده صَحَّ ضمانُه بلا خِلاَف؛ لأن الدَّيْنَ لازِمِ في حَقِّ مَنْ عليه.
والثاني: أشار الإمام إلى أن تَصْحِيح الضَّمَان مفرع على أن الخِيَار لا يمنع نَقْلَ المِلْكِ في الثَّمَنِ إلى البَائِع.
أما إذا منعه فهو ضَمَان ما لم يثبت بعد، وقد ذكر مثل هذا الاستدراك في الرَّهْنِ على ما مَرَّ.
القسم الثاني: ما الأصل في وضعه الجواز، كالجُعْلِ في الجعالة فيه وجهان كما ذكر في صِحَّة الرَّهْن به، وموضع الوَجْهَيْن بعد الشروع فيه العَمَلِ، وقبل تمامه على ما بيناه ثم، وضمان مال المُسَابقَة يبنى على أنها جَعَالة أو إِجَارة، إن كان إجارة صَحَّ، وإلا فهو كَضَمَانِ الجُعْلِ.
قال الغزالي: وَاحْتَرَزْنَا بالمَعْلُومِ عَنْ ضَمَانِ المَجْهُولِ وَهُوَ بَاطِلٌ (ح) عَلَى الجَدِيد، وَكَذَلِكَ الإِبْرَاءُ (ح) عَنِ المَجْهُولِ، وَالصَّحِيحُ: جَوَازُ ضَمَانِ إِبِلِ الدِّيَةِ كَمَا يَجُوزُ الاِبرَاءُ عَنْهَا، وَلَوْ قَالَ: ضَمِنْتُ مِنْ واحِدٍ إِلَى عَشَرَةٍ فَأَشْهَرُ القَوْلَيْنِ الصِّحَّةُ.
قال الرَّافِعِىُّ: الصفة الثَّالثة: كونه معلوماً، وفيها صور: إحداها: في ضمان المجهول طريقان كالطريقين المذكورين في ضمان مَا لَمْ يجب، ووجه الجَدِيد أنه إثباتُ مَالٍ في الذِّمَّة بعقد، فأشْبَهَ البَيْعَ وَالإِجَارَةِ.
وإذا قلنا: بالقديم وبه قال أبو حنيفة وَمَالِك فالشَّرْطُ أن تتأتى الإحاطَة به، بأن يقول: أنا ضَامِنٌ لثمن مَا بِعْت من فُلاَن، وهو جَاهِلٌ به فإن معرفته مُتَيَسِّرَةٌ.
أما إذا قال: ضمنت لك شيئاً مما لك على فُلاَنٍ فهو بَاطِلٌ لا محالة، والقولان في صِحَّة ضمان المجهول جَارِيَان في صِحَّةِ الإبْرَاءِ عَنِ المَجْهُولِ بِطَرِيقِ الأَوْلَى؛ لأن الضَّمَانَ الْتِزَامٌ، والإبراءُ إسْقَاطٌ، وذكروا لِلْخِلاَفِ في الإبراء مَأخَذَيْنِ.

الجزء: 5 - الصفحة: 156

أحدهما: الخلاف في صِحّة شرط البراءة من العيوب، فإن العيوب مجهولة الأنواع والأقْدَار.
والثاني: إن الإِبْراء محض إسْقَاط كالإعتاق، أو هو تَمْلِيك للمديون ما في ذمته، ثم إذا ملكه سقط؟ وفيه رأيان: إن قلنا: إسقاط صَحَّ الإبراء عن المجهول، وهو قول أبي حنيفة ومالك.
وإن قلنا: تَمْلِيك لَمْ يَصِح، وهو ظَاهِرُ المَذْهَبِ، وخرجوا على هذا الأَصْلِ مسائل.
منها: لو عرف المشتري قدر الدَّيْن ولم يعرف المبرأ عنه، وسنذكره في الوِكَالة، فإن في الكِتَاب تعرضاً له هناك.
ومنها: لو كان له دَيْن على هذا ودين على هَذَا فقال: أبرأت أحدكما إن قلنا: إنه إسْقَاطٌ صَحَّ، وأخذ بِالْبَيَانِ.
وإن قلنا: تمليك لَمْ يَصِح، كما لو كان في يد كل واحد منهما عبد، فقال: ملكت أحدكما العبد الذي في يَدِه.
ومنها: لو كان لأبيه دَيْن على إنْسَانٍ فأبرأه هو، ولا يعلم موت مورثه.
إن قلنا: إنه إسقاط صَحَّ، كما لو قال لعبد أبيه: أعتقه وهو [لا] يعلم موت الأب.
وإن قلنا: تمليك فهو كما لو بَاعَ مَالَ أَبِيه على ظَنِّ أنه حَيّ وهو ميت.
ومنها أنه لا يحتاج إلى القَبُول إن جعلناه إسْقَاطاً، وإن جعلناه تمليكاً فنص ابْنُ سُرَيْجٍ أنه لا بد من القَبُول، وظاهر المذهب: أنه لا حَاجَةَ إليه؛ لأنه إن كان تمليكاً فالمقصود منه الإسْقَاط، وقد نَصَّ على هذا في كِتَاب الأَيْمَان، فإن اعتبرنا القبول ارتد بالرد، وإن لم تعتبره ففي ارتداده بالرد وَجْهَان 13، وهذه المسائل مخرجة على المأخذ المذكور، أوردها صاحب "التتمة" مع أخوات لها، واحتج للرأي الذاهب إلى كَوْنِهِ تَمْلِيكاً بأنه لو قال للمديون: ملكتك ما في ذِمَّتِكَ صَحَّ، وبرئت ذمته من غَيْرِ نِيَّةٍ وقرينة، ولولا أنه تمليك لافتقر إلى نِيَّةٍ أو قرينة، كما إذا قال لعبده: ملكتك رقبتك، أو لزوجته ملكتك نَفْسَكِ يحتاج إلى النِّيَّةِ.
فرع: لو جاء المغتاب إلى من اغتابه فقال: إني اغتبتك فاجعلني في حل ففعل وهو لا يدري بما اغتابه فوجهان:

الجزء: 5 - الصفحة: 157

أحدهما: أنه يبرأ؛ لأن هذا إسقاط محض، فصار إذا كما عرف أن عبداً قطع عضواً من عبده ولم يعرف عين العضو المقطوع فعفى عن القِصَاص يصح.
والثاني: لا؛ لأن المقصود حصول رضاه، والرضَا بمجهول لا يمكن، ويخالف مسألة القِصَاص؛ لأن العَفْوَ على القصاص مبني على التَّغْلِيب والسراية، وإسقاط المَظَالم غَيْر مبني عليه.
الصورة الثانية: ضمان أروش الجِنَايَاتِ صَحِيحٌ إن كان دراهم أو دنانير، وفي ضمان إبل الدية إذا لم نجوز ضمان المَجْهُول وجهان ويقال: قولان: أحدهما: المنع؛ لأنها مَجْهُولَةُ الصِّفَةِ وَاللَّوْنِ.
والثَّانِي: أنه صحيح أيضاً؛ لأنها معلومة السنن والعدد، والرجوع في اللون والصفة إلى غَالِبِ إِبل البَلَدِ، ولأن الضمان تِلْو الإبراء، والابراء عَنْهَا صَحِيح، هكذا الضَّمَان وهذَا الأَظْهَرُ ومنهم من قَطَعَ به، ثم إذا كان الضَّمَانُ بحيث يقتضي الرّجوع فيرجع بالحَيَوان أو بالقيمة؟ قال الإِمام: لا يمتنع أن يَجْرِي فيه الخِلاَف المَذْكُور في إقراض الحَيَوان، ولا يجوز ضَمَان الدية على العَاقِلة قبل تَمَامِ السَّنَةِ؛ لأنها غَيْرُ ثابتة بعد.
الثالثة: إذا منعنا ضَمان المَجْهُول، فلو قال: ضمنت مالك على فُلاَن من درهم إلى عشرة ففيه قولان على ما رواه الغَزَالِي والصَّيْدَلاَنِي، ووجهان على ما رواه الإمام وآخرون.
أحدهما: أنه لاَ يَصِح؛ لما فيه من الجَهَالة.
وأظهرهما: الصِّحَّة, ولأن المَنْعَ مِنْ ضَمَانِ المَجْهُولِ لما فيه من الغَرَرِ، وإذَا ثبتت الغاية الملتزمة فقد وطن نفسه عَلَيْهَا، وانتفى الغرر.
وإذا قلنا: بالصِّحَّة، وكان عليه عشرة أو أكثر، يلزمه عَشْرة إدخالاً للطريقين في الملتزم، أو ثمانية إخْراجاً لهما، أو تسعة إدخالاً للطرف الأَول 14؛ لأنه مبدأ الالتزام فيه ثلاثة أوْجُه، سيعود مثلها في الإقرار، وقال في "التهذيب": والأصَحُّ الأول، ولو قال: ضمنت لك ما بين درهم وعشرة فإن عرف أن دينه لا ينقص عن عشرة صَحَّ، وكان ضامناً لثمانية، وإن لم يعرف ففي صِحَّته في الثَّمَانِية قَوْلاَنِ أَو الوَجْهَان.
ولو قال: ضمنت لك الدَّرَاهِم التي لك على فُلاَن وهو لا يعرف مبلغها فهل يصح في ثلاثة لِدُخُولِهَا في اللفظ على كل حال؟ فيه وَجْهَان، كما لو قال: أجرتك كُل شَهْرٍ بدرهم، هل يصح في الشَّهْرِ الأَوَّل، وهذه المسائل بعينها جارية في الإبراء فإذَا عرفت

الجزء: 5 - الصفحة: 158

ما ذكرنا، لم يخف عليك أن قوله في أول الركن: (ثابتاً لازماً معلوماً) ينتظم إعلام ثلاثتها بالحاء والميم والواو، وأنه يدخل في الضَّبْطِ المَذْكُور في الزَّكَاة، فيجوز ضمانها عَمّن هِيَ عَلَيْهِ، وفي تجربة الرّويَانِي ذكر وجه آخر أنه لا يجوز؛ لأنها حَقّ الله -تعالى- فأشبه الكفالة بندب الشَّاهِد لأداء الشَّهادة، وعلى الصَّحِيح هل يعتبر الإذن عَنْدَ الأَداء؟ قال: فيه وجهان: أظهرهما: الاعْتِبَار، ويجوز ضمان المنافع الثابتة في الذِّمم كالأموال.
قال الغزالي: وَيَصِحُّ (و) كَفَالَةُ البَدَنِ عَنْ كُلِّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الحُضُورُ بِمَجْلِسِ الحُكْمِ مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ عَبْدٍ آبِقٍ أَوْ مَنْ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ لآدَمِيِّ عَلَى الأَظْهَرِ لِأَنَّهُ حَقٌّ كَالدَّيْنِ فَلاَ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَالاً، وَكَذَلِكَ ضَمَانُ عَيْنِ المَغْصوبِ وَالمَبِيعِ، وَكُلُّ مَا يَجِبُ مُؤْنَةُ تَسْلِيمِهِ دُونَ الوَدِيعَةِ وَالأَمَانَاتِ، وَتَصِحُّ كَفَالَةُ البَدَنِ مِمَّنِ ادَّعى عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَقُم عَلَيْهِ البَيِّنَةُ بالدَّيْنِ إِذِ الِحُضُورُ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، وَمَعْنَاهَا إِلْزَامُ إِحْضَارِهِ، وَتَصِحُّ الكَفَالَةُ بِبَدَنِ المَيِّتِ إِذْ قَدْ يَسْتَحِقُّ إِحْضَارَهُ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ عَلَى صُورَتِهِ.
قال الرَّافِعِىُّ: الكلام في هذا الموضع إلى آخر الرُّكن في كفالة البَدَن، وتسمى كفالة الوَجْه أيضاً، وإنما أوردوها في هذا المَوْضع؛ لاستغنائها عن المَضْمُون فإن الشيء المضمون قد يكون حقاً على الشَّخصِ، وقد يكون نَفْس الشَّخْص، ولفظ الكتاب في أول الباب عند ذكرنا الأركان في بعض النّسَخ وهي ستة، وذلك على عد كفالة البَدن ركناً برأسها، وكذلك أورد في "الوسيط" ركن الصيغة هو الركن السَّادِس، وهو بعض النُّسُخ وهي خَمْسَة، وركن الصِّيغَة هو الركن الخامس، وهذا أحسن.
وفِقْهُ الفَصْلِ أن الشافِعي -رضي الله عنه- نص في أكثر المواضع على أن كفالة البَدَنِ صَحِيحة، وبه قال أَبُو حَنِيفة وَمَالِكٌ وأحمد -رحمهم الله- وذكر في الدَّعْوى والبينات أن كَفَالة البَدَنِ ضعيفة، وللأصحاب طريقتان: أشهرهما: وبها قال المُزَنِي وَأَبُو إسحاق: أن فيها قولين: أصحهما: الصِّحة لإطباق النَّاسِ عليها في الأَعْصار، ومساس الحاجة إليها.
والثاني: المنع؛ لأنها ضمان ما لا يدخل تَحْتَ اليد، ولا يقدر على تسليمه.
والثانية: القَطْع بالصِّحة، وحمل ما ذكره في الدَّعاوى على ضعفها من جهة القياس، ويتفرع على القول بصحتها مسائل وتَفْرِيعَات، يشتمل الفَصْل منها على مسألتين: إحداهما: فيمن يتكفل بِبَدَنِهِ، وتجوز الكفالة ببدن مَنْ عليه مَالٌ، ولا يشترط

الجزء: 5 - الصفحة: 159

العِلْم بمبلغ ذلك المَالِ؛ لأن الكَفَالَةَ بالبَدَنِ لا بِالْمَالِ.
وفيه وجه: أنه يشترط بناء على أنه لو مات غرم الكَفِيل مَا عليه، ويشترط أن يكون ذَلك المَالُ بحيث لو ضمنه لَصَحَّ، حتى لو تَكَفَّلَ إنسانٌ ببدن المُكَاتَبِ للنّجُومِ التي عليه لم يصح؛ لأنه لو ضَمِنَ النّجُوم لَمْ يَصِح فالكفالة بالبَدَنِ للنجوم أَوْلَى أَنْ تَصِح، ذكره العِرَاقِيُّونَ وغيرهم.
أما إذا كَانَ عليه عقوبة، فينظر إن كانت من حقوق الآدميين كالقِصَاصِ، وَحَدّ القَذْفِ، فقد نَصَّ في اللعَانِ: أنه لا يضمن رَجُلٌ في حَدِّ ولا لِعَان، وعن نقل المُزَنِي في "الجامع الكبير" أنه قال: تجوز الكَفَالَةُ بِمَنْ عليه حَقٌّ أو حدٌّ، واختلف الأصْحَاب فيه على طرق: أظهرها: ويحكى عن ابْنِ سُرَيْجٍ: أنه على قولين: أحدهما: الجَوَاز؛ لأنه حَقٌّ لاَزِمٌ فأشبه المَالَ، ولأن الحضور مُسْتَحق عَلَيْهِ فجاز التزام إحْضَاره.
والثاني: المنع؛ لأن العُقُوباتِ مبنية على الدَّفعْ، فتقطع الذَّرائع المؤدية إلى تَوَسّعها، وعن الشَّيخِ أَبِي حَامِدٍ: بناء القولين على أنه إذا مَاتَ المكفول ببدنه هل يغرم الكَفِيل ما عليه من الدين؟ إن قلنا: نعم لم تصح الكفالة هاهنا, لأنه لم يمكن مؤاخذته بما عليه.
وإن قلنا: لا، صَحَّت كما لو تكفل بِبَدَنٍ مَنْ عليه مَال، وقضية هذا البناء أن يكون قول التصحيح أظْهَر، وهو اخْتِيَار القَفَّال وَصَاحِبِ الكِتَابِ، وادعى القَاضِي الرّويَانِي أن المَذْهَبَ المَنْع.
والطَّرِيق الثَّاني: القطع بالجواز، وحمل ما ذكره في اللّعان على الكَفَالة بِنَفْسِ الحَدّ.
والثَّالِثُ: القطع بالمَنْع؛ لأنه لا تجوز الكَفَالة بِمَا عَلَيْهِ، فلا تجوز الكَفَالة بِبَدَنِهِ، رواه القَاضِي الرّوَيانِي في اللّعَانِ، وإن كانت العقوبةُ مِن حُدودِ الله -تعالى- فالمشهور أنه لاَ تَصِح الكَفَالَةُ بِبَدَنِهِ؛ لأنها للتوثيق وحدود الله -تعالى- يسعى في دَفْعِها ما أمكن، وعن أَبِي الطَّيِّبِ بْنِ سَلَمَةَ وَابْنِ خَيْرَانَ: طرد القولين فيه، والخلاف في هذا الباب شبيه بالخلاف في ثُبوت العقوبات بالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَةِ، وكتاب القَاضِي إِلَى القَاضِي، هذا حكم من عليه مال أو عقوبة، وضبط الإمام والمصنف من يكفل بِبَدَنِهِ بما يدخل فيه هذان وغيرهما، فقال: حاصل كفالة البدن التزام إحضار المكفول ببدنه، وبكل من يلزمه حضوره مَجْلِس الحُكْم عند الاستعداء، أو يستحق إحضاره تَجُوز الكفالة ببدنه، ويخرج على هذا الضبط صور:

الجزء: 5 - الصفحة: 160

منها: الكفالة ببدن امرأة يَدَّعِي رجلٌ زوجيتها صحيحة؛ لأن الحضور مستحق عليها، وكذلك الكفالة بها لمن ثبتت زَوْجِيته، وقال في "التتمة": الظاهر أن حكم هذه الكفالة، حكم الكفالة ببدن مَنْ عَلَيْهِ القِصَاص؛ لأن المستحق عليها لا يقبل النيابة.
ومنها: لو تكفل ببدن عبد آبق لمالكه عن ابْنِ سُرَيْجٍ أنه يصح، ويلزمه السعي في رده، ويجيء فيه مثل ما حَكَيْنَاه في الزَّوْجَة.
ومنها: الميت قد يستحق إحضاره ليقيم الشّهُود الشهادة عَلَى صورتِهِ إذا تحملوها كذلك، ولم يعرفوا اسمه ونسبه، وإذا كان كذلك فتصح الكَفَالة بِبَدَنِهِ، ولو تكفل ببدن حي فمات فسيأتي -إن شاء الله تعالى-.
ومنها: الصَّبِّي والمَجْنُون، قد يستحق إِحضارهما؟ لإقامة الشَّهادة على صورتهما في الإتلافات وغيرها، فتجوز الكفالة بها، ثم إن كفل بإذن وليهما فله مُطَالبة الوَلِيّ بِإحْضَارِهِمَا عند الحَاجَةِ، وإن كَفَل بغير إِذْنِهِ فهو كالكفالة بِبَدَنِ العاقل البَالِغ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، ومنها: قال الإمام: لو تكفل رَجُلٌ ببغداد ببدن رَجُلٍ بالبصرة فالكفالة باطلة؛ لأن من بالبصرة لا يلزمه الحُضُور ببغداد في الخُصُومَات، والكفيل فرع المكفول ببدنه، فإذا لم يجب عليه الحُضُور لا يمكن إيجاب الإِحْضَار على الكَفِيل.
واعلم أن الحق الذي تجوز بسببه الكفالة، إن ثبت على المكفول ببدنه بإقرار أو بينة فذاك، وإن لم يثبت لكنه ادعى عليه فلم ينكر وسكت صحت الكَفَالَةُ أَيضاً، وإن أنكر فوجهان: أحدهما: أنها لاَ تَصِح؛ لأن الأصْلَ أن لا حق عليه، وقد تأيد ذلك بصريح إنكاره، والكفالة بِبَدَنِ مَنْ لا حق عليه بَاطِلَة.
وأصحهما: الجواز؛ لأن الحُضُور مستحق عليه فجاز التزام إحْضَاره، ومعظم الكفالات في الخُصُومات إنما يتفق قَبْلَ ثبوت الحقوق، وتجوز الكفالة ببدن الغائب والمَحْبُوس وإن تعذر تحْصِيل الغَرَضِ فِي الحَالِ كما يجوز للمعسر ضَمَان المَالِ.
وقال أَبُو حَنِيفَة: لا يجوز ويجب أن يكون المكفول ببدنه معيناً، فلو قال: كفلت ببدن أحد هذين لَمْ يَصِح كما لو ضمن أحد الدّينين.
المسألة الثانية: في ضمان الأعيان.
إذا ضمن عيناً لمالكها وهي في يَدِ غَيْرِهِ نظر إن كانت مضمونةً عليه كالمغصوب والمستعَارِ والمستام، والأمانات إذا خان فيها فله تصويران.
أحدهما: أن يضمن رد أعْيَانِها.
والمشهور: تخريجه على قولي كَفَالَة الأَبْدَان، ومنهم من قطع بالْجَوَازِ مع إِثْبات

الجزء: 5 - الصفحة: 161

الخِلاَف في كفالة الأَبْدَان، والفرق أن حضور الخصم ليس مقصوداً في نفسه وإنَّما هو ذريعة إلى تَحْصِيل المَالِ، فالتزام المقصود أولى بالصِّحَّة من التزام الذَّرِيعَة، وإن جوزنا وبه قال أَبُو حنيفة وأحمد فردّها بَرِئ من الضَّمَانِ، وإن تلفت وتعذر رَدّها فهل عَلَيْهِ قيمتها؟ فيه وجهان كالوجهين في وجوب الغُرْم على الكَفِيل إذا مات المكفول بِبَدنِهِ، فإن أوجبنا فَيَجِبْ في المَغْصُوب أقْصَى القيَم، أم قيمته يوم التَّلَف؛ لأن الكفيل لَم يكن متعدياً؟ حكى الإمام فيه وَجْهَيْنِ 15. ولو ضمن تسليم المبيع وهو بعد بيد البَائِع جرى الخِلاَف في الضَّمَانِ إن صححناه، وتلف انفسخ البيع، فإن لم يوف المُشْتَرِي الثَّمن لم يطالب الضَّامِن بِشَيْءٍ، وإن كان قد وفاه، عَادَ الوَجْهَان في أن الضَّامِن هل يَغْرَم؟ فإن غرمناه فيغرم الثَّمن أو أقل الأمْرَيْنِ من الثَّمَنِ وقيمة المبيع؟ فيه وَجْهَانِ أظهرهما: أولهما.
والتصوير الثَّانِي: أن يضمن قيمتها لو تلفت، قال في "التهذيب": يبنى ذلك على أن المكفول ببدنه إذا مات هل يغرم الكَفِيل الدَّيْن؟ إن قلنا: نعم صح ضَمَان القِيمَة لو تلفت العَيْن، وإلا لم يَصِح، وَهُو الأَصَحُّ، وأيضاً فإن القيمة قبل تلف العَيْنِ ليست بِوَاجِبَةٍ، فيكون مَا لَمْ يجب، وإن لم تكن العين مضمونة على صَاحِب اليد كالوديعة ومال الشَّركة والمَالِ في يد الوَكِيل والوصي لم يصح ضمانها؛ لأنها غير مضمونة العين، ولا مضمون الرد، وإنما الذي يجب على الأَمين مجرد التخلية.
ولو تكفل ببدن العَبْدِ الجَانِي جناية توجب المال فهو كما لو ضمن عيناً من الأعيان.
ومنهم: من جَزَمَ بِالمَنْعِ، والفرق أن العَيْنَ المضمونة مستحقة ونفس العبد ليست بمستحقة، وإنما المقصود تحصيل الأَرْش من بدله، وبدله مجهول.
ولو باع ثوباً بِشَيْءٍ أو دراهم معينة فضمن ضامن عهدة المبيع حتى إذا خرج مستحقاً رد عليه الثمن، وهو قائم في يد البائع فهذا من صُور ضمان الأعيان، وإن تلف في يَدِ البائع فضمن قيمته، فهو كما لو كان الثّمن في الذِّمة وضمن العُهْدَة.
ولو رهن ثوباً من إنسان ولم يقبضه، فضمن رجل تسليمه لَمْ يَصِح؛ لأن ضمانه ضمان ما ليس بلازم.
أما لفظ الكتاب فقد وقع في ترتيبه بعض التغيير لا عن غفلة، ولكنه اكتفى بالشرح.
وقوله: (ويصح كفالة البدن) مُعلَّم بالواو.
وقوله: (عن كل من وجب عليه الحضور بمجلس الحكم) هو الضبط الذي ذَكَرَه

الجزء: 5 - الصفحة: 162

الإمَام، وقوله: (على الأظهر) أي: في من عليه عقوبة لآدمي، ولم يقصد صرف الخلاف إلى الزوجة والعبد الآبق على ما هو واضح في "الوسيط"، كما أسلفنا فيهما ما يقتضي الخِلاَف، فيجوز إعلام الزوجة والعبد بالواو.
وقوله: (من عليه عقوبة لآدمي) يصح إعلامه بالألف, لأن أحمد لا يجوز الكفالة ببدنه.
وقوله: (فلا يشترط كونه مالاً) ليس مسألة أخرى، بل هو تتمة وإيضاح لما سبق.
وقوله: (وكذلك ضمان عين المغصوب) مُعَلَّم بالواو.
قال الغزالي: وَيَخْرُجُ الكَفِيلُ عَنِ العُهْدَةِ بتَسْلِيمِهِ فِي المَكَانِ الَّذِي شَرَطَ أَرَادَهُ المُسْتَحِقُّ أَوْ أَبَاهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ دُونَهُ يَدٌ جَلِيلَةٌ مَانَعَةٌ فَلاَ يَكُونُ تَسْلِيماً، وَيَلْزَمُهُ اتِّبَاعُهُ فِي غَيْبَتِهِ إِنْ عُرِفَ مَكَانُهُ، فَإِنْ مَاتَ أَوْ هَرَبَ أَو اخْتَفَى فَالصَّحِيحُ أنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الدَّيْنُ إِنْ قَامَتْ بِهِ البَيِّنَةُ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَلزَمُهُ شَيْءٌ سِوَى الإِحْضَار فَلاَ تَجُوزُ الكَفَالَةُ دُونَ رِضَا المَكْفُولِ بِبَدَنِهِ، وَتَجُوزُ الكَفَالَةُ بِبَدَنِ الكَفِيلِ كَمَا يَجُوزُ ضَمَانُ الضَّامِنِ، فَإذَا مَاتَ المَكْفُولُ لَهُ انْتَقَل الحَقُّ إِلَى وَرَثَتِهِ عَلَى الأَظْهَرِ، وَمَهْمَا حَضَرَ بِنَفْسِهِ بَرِئَ الكَفِيلُ كَمَا لَوْ أَدَّى الأَصِيلُ الدَّيْنَ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفَصْلِ مَسَائِل مُفَرَّعة على صِحَّة الكَفَالَة بعضُها مُصَرَّحٌ بِهِ وبعضها مشار إليه: الأولى: إن عَيَّنَ في الكَفَالَةِ مكاناً لِلتَّسْلِيمِ تَعَيَّن، وإن أطلق ففي "التتمة": أنه كما لو أطلق السَّلم ولم يعين مَكَانَ التَّسْلِيم، وقال الإِمَام وغيره: يحمل على مكان الكَفَالَة، ولا يجيء فيه ذلك الخِلاَف، وسواء جاء الخلاف أم لا فالظَّاهِر جوازه، وحمل على ذلك المكان، فلو أَتَى الكَفِيل بالمكفول به في غير المكان المستحق جَازَ قَبُولُه، وله أن يمتنع إن كان له فيه غرض بأن كان قد عَيَّنَ مَجْلِسَ الحُكْم أو بقعة يجد فيها من يعينه على خصمه فَسَلَّمَهُ الكَفِيل في مَكَانٍ آخر، وإن لم يختلف الغرض فالظاهر أنه يلزمه قبوله، فإن امتنع رفعه إلى الحاكم ليستلم عنه، فإن لم يكن حاكم أشهد عليه شَاهِدَيْنِ أنه سَلَّمَهُ إليه.
الثَّانِية: يخرج الكفيل عن العُهْدَة بتسليمه في المَكَان الذي وجب فيه التسليم، طَلَبَهُ المُسْتَحِق أو لم يطلبه بل أباه بشرط أن لا يكون هناك حَائِل كَيَدِ سُلْطَانٍ أو متغلب، وحبس بغير حق لينتفع بتسليمه ويطالب الخصم، وحبس الحَاكِم بالحق لا يمنع صِحَّة التسليم، لإمكان إحْضَاره ومطالبته بالحَقّ، ولو حضر المكفول به وقال: سلمت نفسي إليك عن جِهَةِ الكَفِيلِ بَرِئَ الكَفِيلُ كما يبرأ الضَّامِنُ بأداء الأَصِيل الدَّيْن، ولو لم يسلم نفسه عن جِهَة الكَفِيل لم يبرأ الكفيل؛ لأنه لم يسلمه إليه ولا أحداً من جِهَتِهِ حتى قال

الجزء: 5 - الصفحة: 163

القَاضِي حسين لو ظفر به المكفول له في مَجْلِس الحُكْم وادعى عليه لم يبرأ الكفيل وكذا لو سَلَّمه أجنبي لاَ عَنْ جِهَةِ الكَفِيلِ، ولو سَلَّمَهُ عن جهة الكفيل فإن كان بإذنه فهو كما لو سلمه بِنَفْسِهِ، وإن كان بغير إِذْنِهِ فليس على المَكْفُولِ لَهُ القبول، لكن لو قَبِلَ بَرِئَ الكَفِيلُ، ولو كفل برَجُلٍ لرجلين فسلمه إلى أَحَدِهِمَا لم يبرأ عن حَقِّ الآخر كما لو ضَمِن لِشَخْصَيْنِ دينين فأدى دين أحدهما, ولو كفل رَجُلاَن لِرَجُلٍ فجاء به أحدهما وَسلَّمه إلى المكفول له، نقل صاحب "التهذيب" أنهما إن كفلا على الترتيب وقَعَ تسليمه دون صَاحِبه، سواء قال: سلمت عن صاحبي، أو لم يقل، وإن كفلا معاً فوجهان، قال المُزَنِي: يبرأ صاحبه كما يبرأ المسلم، أما إذا أَدَّى أحد الضَّامنين الدَّيْن يبرآن جميعاً، وقال ابْنُ سُرَيْجٍ والأكثرون: لا يبرأ كما لو كان بالدَّيْنِ رهنان فانفك أحدهما لا ينفك الآخر، ويخالف أداء أحدهما الدَّين فإنه يوجب براءة الأَصِيل، وإذا برئ الأصيل بَرِئَ كُلُّ ضَامِنٍ، وإن كانت المسألة بِحَالها وكفل كُلُّ واحدٍ من الكفيلين ببدن صاحبه ثم أحضر أحدهما المكفول به وسلمه فعلى ما ذكره المزني يبرأ كُلُّ واحدٍ منهما عن كَفَالَةِ صَاحِبِهِ، وكفالله الذي كفلا به، وعلى ما ذكره ابْنُ سُرَيْجٍ يبرأ المسلم عن كَفَالَةِ صَاحِبهِ وكفالة الذي كفلا به، وكما يخرج الكفيل عن العُهْدَة بالتسليم يبرأ أيضاً بإبراء المكفولَ له كما يخرج الضامن عن العهدة بأموال المضمون له، وكذا يبرأ بأموال المكفول به.
ولو قال المكفول له: لاَ حَقَّ لي قبل المكفول به أو عليه فوجهان عن ابْنِ سُرَيْجٍ.
أحدهما: أنه يبرأ الأَصِيل وَالكَفِيل.
والثاني: أنه يراجع فإن فسر بنفي الدَّيْنِ فَذَاكَ، وإن فسر بنفي الشَّركة والوديعة ونحوهما، قُبِلَ قوله فإن كذباه حلف.
الثالثة: إذا غَابَ المكفول ببدنه نظر إن غاب غيبة منقطعة، والمراد منها أن لا يعرف موضعه وينقطع خَبَرُه، فلا يكلف الكَفِيلُ بإحضاره لِعَدَم الإمكان، وإن عرف موضعه فإن كان دون مسافة القصر فعليه إحضاره لكنه يمهل مدة الذَّهَاب والإِيَاب ليتبعه، فإن مَضَت المُدَّة ولم يحضره حبس حينئذٍ، وإن كان على مَسَافة القَصْرِ فوجهان: أظهرهما: أنه كما لو كان دون مسافة القَصْرِ، وكما لو كان مال المَدْيُون غائباً إلى هذه المسافة يؤمر بإحْضَاره.
الثَّانِي: أنه لا يطالب به إلحاقاً لهذه الغيبة بالغيبة المنقطعة، كما أنه لو غاب غيبة منقطعة ولو كان غائباً حين كفل، فالحُكْمُ في إِحْضَاره كما لو غاب بعد الكفالة، وما حَكَيْنَا عَنِ الإِمَامِ في كَفَالَةِ مَنْ بالبصرة جوابٌ على أنه لاَ يَلْزَم الإِحْضَار؛ بأن الكَفَالَةَ حينئذٍ لاَ فَائِدَة فِيها فبطل.

الجزء: 5 - الصفحة: 164

ولو مات المكفول به ففي انقطاع طلب الإحْضَار عن الكَفِيل وجهان: أصحهما: أنه لا ينقطع، بل عليه إحْضَاره ما لم يُدْفَن، إذا أراد المكفول له إقامة الشهادة على صُورَتِهِ كما لو تَكَفَّل ابتداء ببدن الميت.
والثاني: ينقطع حملاً للإحْضَار الملتزم على حَالِ الحَيَاةِ فإنه الذي يَخْطُر بالبال غالباً، وهو يُطَالُب الكفِيل بِمَال؟ فيه وجهان: أصحهما: لا، وبه قال أبُو حنيفة -لأنه لم يلتزمه، وهذا كما لو ضمن ضَامِنٌ المُسَلّم فِيهِ فانقطع لا يطالب بِرَدِّ رَأْسِ المَالِ.
والثَّاني: وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ ويحكى عن مالك: أنه يطالب؛ لأن الكفالة وَثِيقة فيستوفى الحَقّ منها إذا تَعَذَّر تَحْصَيلُه مِمَّنْ عليه كالرَّهْنِ، وعلى هذا فالمطالبة بالدَّيْنِ أو بالأقل من الدين، ودية المكفول به، فيه وجهان بناء على القولين في أن السيد يفدي العبد الجاني بالأرش أو بالأقل من الأَرْش وَقِيمَة العَبْد 16. وإن هرب المكفول به إلى حيث لاَ يَعْلم أو توارى فالخلاف في مطالبة الكفيل بالمال مرتب على حَالِ المَوْت، وأولى بأن لا يطالب إذا لم يحصل اليأْس من إحْضَاره، ولو تكفل ببدن رجل وشرط عليه أنه إذا عجز عن تسليمه غرم الدين، فإن قلنا: إنه يغرم عند الإطْلاق فَلاَ بَأْس، وإلا بَطلت الكَفَالة.
الرابعة: ظاهر المَذْهَب أن الكَفَالة بغير رضا المَكْفُول به لاَ تَصِح، ومنهم من قال: تَصِح، والخلاف مَبْنِيٌّ على أن الكَفِيل هل يغرم عند العَجْزِ؟ إن قلنا: لا لم تصح؛ لأنه إذا تكفل بغير إذنه لا يمكنه إحْضَاره؛ إذ لا يلزمه الإجابة فلا تقضي الكفالة إلى مقصودها.
وإن قلنا: نعم صحت، ويغرم المَال عند العَجْزِ فتظهر فائدة الكَفَالة، وعن صاحب "التقريب" حكايه وجه: أنها تَصِح.
وإن قلنا: إنه لاَ يَغْرَم عِنْدَ العجز -وسنبينه إن شاء الله تعالى في التفريع- وتَصِح الكَفَالَة مِنْ غَيْرِ رِضَا المكفول له، ويجري في

الجزء: 5 - الصفحة: 165

الوجه المذكور في اعتبار رِضَا المضمون له في ضَمَانِ المَالِ، قال الإمام: إذا تقرر ذلك فإن كفل برضا المكفول به، وأراد إحْضَاره بطلب المكفول له، نظر إن قال: أحضر خَضْمِي فللكفيل مطالبته بالحْضُور، وعليه الإِجَابة لا بِسَبَبِ الكفالة، ولكن لأنه قد وكله بِإِحْضَارِه، وإن لم يقل ذلك ولكن قال: اخرج عَنْ حَقِّي فهل له مطالبته المفكول به؟ فيه وجهان عن ابْنِ سُرَيَج: أحدهما: لا، كما لو ضمن بغَيْرِ إِذْنِهِ مالاً، وطلب المضمون له الضَّامِن فإنه لا يطالب الأَصِيل، وذكر على هذا أنه يحبس، واستبعده الأَئِمة؛ لأنه حبس عَلى مَا لاَ يَقْدِر عليه.
والثاني: نعم؛ لأن المُطَالبة بالخروج عن العُهْدَة تتضمن التوكيل والإحْضَار، ومن هذا خرج الذي حكاه صاحب "التقريب" فإنه إذا طالب الكفيل المكفول بالحضور فتظهر الفائدة.
الخامسة: لو تَكَفَّل ببدن الكَفِيل كفيل جَازَ؛ لأنه تكفل بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ حَقّ لاِزِم، وكذا لو تكفل بِذَلِكَ الكفيل كفيل آخر، ولا حصر كما في ضَمَانِ المَالِ، ثم مهما بَرِئَ الكَفِيلُ الأَولُ برئ كل من بعده، ولو برئ الآخر لَمْ يبرأ من قبله، ولو برئ بَعْضُ الكفلاء المتوسطين برئ من بعده دون من قبله.
السادسة: في مَوْتِ المكفول له ثلاثة أوجه عن ابْنِ سُرَيْجٍ.
أظهرها: إبقاء الكفالة، وقيام ورثته مقامه، كما لو ضمن له المال.
والثاني: أنها تنقطع؛ لأنها ضَعِيفَة فلا نحكم بثبوتها.
والثالث: إن كان له وَصِي أو عليه دَيْنٌ بقيت الكَفَالة؛ لأن الوَصِي نائبه، وتمس حَاجَتُه إلى قضاء الدَّيْنِ، وإن لم يكن وَصِي ولا دين انقطعت.
وقوله في الكتاب: (ويلزمه إتباعه في غيبته) يجوز إعلامه بالواو لأحد الوجهين المذكورين فيما إذا كانت الغيبة إلى مَسَافَةِ القَصْرِ وقوله: (لا يلزمه شيء) يجوز إعلامه بالميم، وكذا إعلام قوله: (يلزمه الدين) بالحاء.
وقوله: (فإن قلنا: لا يلزمه شيء سوى الإحضار فلا تجوز) بالواو للوجه الذي حكاه صاحب "التقريب" أنها جَائِزةٌ دُونَ رِضَاه وإن قلنا: لا يجب على الكفيل شيء سوى الإِحْضَار.
وقوله: (ومهما حضر بنفسه برئ الكَفِيل) يحتاج إلى تقييد معنى حضر وسلم نفسه عن جِهَةِ الكَفِيل.

الجزء: 5 - الصفحة: 166

قال الغزالي: الرُّكْنُ الخَامِسُ: الصِّيغَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ: ضَمِنْتُ، وَتَكَفَّلْتُ، وَتَحَمَّلْتُ، وَمَا يُنْبِئُ عَنِ اللُّزُومِ، وَلَوْ قَالَ: أُؤَدِّي أَوْ أُحْضِرُ لَمْ يَكُنْ ضَامِناً، وَلَوْ شَرَطَ الخِيَارَ فِي الضَّمَانِ فَسَدَ، وَلَوْ عَلَّقَهُ بِمَجِيْءِ الشَّهْرِ فَسَدَ (ح)، وَلَوْ عَلَّقَ الكَفَالَةَ بِالبَدَنِ بِمَجِيْءِ الشَّهْرِ أَوْ بِوَقْتِ الحَصَادِ فَفِيهِ خِلاَفٌ لِأَنَّهُ بُنِيَ عَلَى المَصْلَحَةِ، وَلاَ يَجُوزُ تَعْلِيقُ الِإبْرَاءِ كَمَا لاَ يَجُوزُ تَعْلِيقُ ضَمَانِ المَالِ، وَلَوْ نَجَّزَ كَفَالَةَ البَدَنِ وَشَرَطَ التَّأْخِيرَ فِي الإِحْضَارِ شَهْراً جَازَ لِلْحَاجَةِ، وَلَوْ شَرَطَ الأَجَلَ فِي ضَمَانِ المَالِ الحَالِّ فَفِيهِ خِلاَفٌ، وَلَوْ ضَمِنَ المُؤَجَّلَ حَالّاً فَفِي فَسَادِ الشَّرْطِ وَجْهَانِ، فَإِنْ فَسَدَ فَفِي فَسَادِ الضَّمَانِ وَجْهَانِ، وَلَوْ تَكَفَّلَ بِعُضْوِ مِنْ بَدَنِهِ صَحَّ في الكُلِّ عَلَى وَجْهٍ، وَفَسَدَ عَلَى وَجْهٍ، وَصَحَّ إِنْ كَانَ العُضْوُ لاَ يَبْقَى البَدَنُ دُونَهُ عَلَى وَجْهٍ وإِلاَّ فَلاَ.
قال الرَّافِعِىُّ: المقصود، الكلام في صيغة الضَّمَان، وما يقترن بها من الشّروطِ والتعليقات، وفيه مسائر نضرب فيها كلُ واحد من ضَمَان المَال، وكفالة البَدَنِ بِسَهْم.
الأولى: لاَ بُدّ من صيغةٍ دَالةٍ على التزام كقوله: ضمنت لَكَ مَا عَلَى فلان، وأنا بهذا المَالِ أو بإِحْضَار هذا الشَّخْص كَفِيل أو ضَامِن أو زَعِيم أو حَمِيل أَوْ قَبِيل، وفي "البيان" وجه في لفظ القبيل أنه لَيْسَ بِصَرِيحٍ، ويطرد في الحَمِيل وما ليس بِمَشْهُورٍ في العقد، ولو قال: خل عن فلان والدَّيْن الذي لَك عندي فهذا لَيْسَ بِصَرِيح في الضّمان خلافاً لأبي حنيفة، فيما رواه صاحب "البيان"، وذكره وجهين فيما إذا قال: دين فلان إليّ 17، ولو قال أؤدي المال أو أحضر الشَّخص فهذا ليس بالتزام، وإنما هو وَعْد، ولو كان قد تكفل بِبَدنِ إنسان فابرأَه المكفول له، ثم وجده ملازماً للخَصْم، فقال: خله، وأنا على ما كُنْتُ عليه من الكَفَالة حكم ابْنُ سُرَيْجٍ بكونه كفيلاً؛ لأنه إما مبتدئ بالكَفَالة بهذا اللَّفظ أو مخبر عن كفالة واقعة بعد البراءة.
الثَّانية: لو شرط الضَّامِن الخيار لنفسه لَمْ يَصِح؛ لأنه ينافي مَقصود الضَّمَان، ولا حَاجَةَ إِلَيْهِ، فإن الضَّامن على يقين من الغُرْم، ولو شرط الخِيَار للمضمون له لَمْ يَضُر، لأن الخيرة في الإبراء، والمُطَالبة إليه أبداً، وكذا الحُكْم في الكَفَالَةِ وعن أَبِي حَنِيفَة أن شرط الخِيَار لا يبطلها لكنه يَلْغُو.
ولو علق الضَّمان بوقت أو غيره فقال: إذا جاء رأس الشَّهْر فقد ضمنت أو إن لم يؤد مالك غداً، فأنا ضَامِن لَمْ يَصِح؛ لأنه عقد من العقود فلا يقبل التَّعْلِيق كالبيع

الجزء: 5 - الصفحة: 167

ونحوه، وهذا كما أنه لا يقبل التأقيت بأن يقول: أنا ضَامِن إلى شَهْر فإذا مضى ولم أغرم فأَنَا بَرِئ، وعن ابْنِ سُرَيْجٍ أنه إذا جاز على القَدِيم ضمان المَجْهُول، وما لم يَجِب جَازَ التَّعْلِيق؛ لأن من ضرورة الضَّمَان قبل الوُجوب تعليق المَقْصُود بالوُجُوبِ, وبه قال أَبُو حنيفة فيما رواه صاحب "البيان"، قال الإمام: ويجيء في تَعْلِيق الإبراء القَوْلاَن بِطَرِيقِ الأَوْلَى، فإن الإِبْرَاء إسْقَاط، قال: وكان لا يمتنع من جِهَةِ القياس المسامحة به في الجديد أيضاً؛ لأن سبب امتناع التعليق في العقود المشتملة على الإيجاب والقبول خروج الخِطَاب، والجواب بسببه عن النظم اللاَّئِق بهما، فإذا لم يشترط فيه القبول كان بمثابة الطَّلاق والعتاق.
فإذا فرعنا على القديم فلو قال: إذا بعت عَبْدَك بألف فأنا ضَامِن للثَّمَنِ، فباعه بَألْفَيْنِ فعن أَبِي يُوسف أنه يصير ضَامِناً لألف؛ لأن مَقْصُود الضَّامِن أن الزِّيَادَةَ على الألف غير مُلْزمة، ولا غَرَضَ له في قَدْرِ الثمن، وجعله صاحب "التقريب" وجهاً لنا، قال ابْنُ سُرَيْجٍ: لا يكون ضامناً لِشَيْء؛ لأن الشَّرْطَ وهو البيع بألف لم يتحقق ولو باعه بخمسمائة ففي كونه ضَامِناً لها الوَجْهَان.
ولو قال: إذا أقرضته عَشْرة فإنا ضَامِنٌ لَكَ، فأقرضه خَمْسَةَ عَشَرَ فهو ضَامِنٌ لعشرة على الوجهين؛ لأن من أقرض خَمْسةَ عَشَرَ فقد أقرض عشرة، والبيع بخمسة عشر ليس بيعاً بعشرة، وإن أقرضه خَمْسة فعن ابْنِ سُرَيْجٍ تسليم كونه ضامناً لها، قال الإمام: وهو خلاف قِيَاسه؛ لأن الشَّرْطَ لم يتحقق، ولو علق كفالة البَدَنِ لمجيء الشَّهْرِ فإن جوزنا تعليق ضَمَان المَالِ فهذا أولى، وإن منعنا منه ففيه وجهان كالخلاف في تعليق الوكالة، والفرق أن الكفالة مبنية على المَصْلَحَة والحَاجة، فتتبع فيها الحَاجة، وإن علقها بحصاد الزَّرْعِ فالوجهان بالترتيب، وأولى بالمنع لانضمام الجهالة لوقت حُصُوله إلى التعليق، فإن عَلَّقها بقدوم زيد فالوجهان بالترتيب، وأولى بالمَنْعِ للجهل بأصْلِ حصول القُدُوم، والحصاد يحصد تقدم أو تأخر، فإن جوزنا فإذا وجد الشَّرط المعلق عليه صَارَ كَفِيلاً، وهذنه الصورة وترتيبها عزاها الإمام إلى ابْنِ سُرَيْجٍ.
ولو أقت كفالة البَدَن فقال: أنا كفيل به إلى شَهْرٍ، فإذا مضى برأت ففيه وجهان، وفي "التهذيب" قولان: أظهرهما: المنع كما في ضَمَانِ المَالِ، ولو أنجز الكفالة وشرط التَّأْخِير في الإِحْضَار شهراً جَازَ لِلْحَاجة، وكذا في الوكالة وتوقف الإمام فيه من جهة أن المعتمد في الباب الحُضور، والحضور حق نَاجِز، إذ المدعى مهما أراد أحضره، فكان شرط التأخير فيه كَشَرْطِ التَّأجِيل في ضَمَانِ المَالِ الحَالِّ، وسنذكره على الإثر -إن شاء الله تعالى- وسياق المصنف ما رآه وجهاً في "الوسيط"، فأعلم بذلك قوله: هاهنا (جاز للحاجة)

الجزء: 5 - الصفحة: 168

بالواو.
وإذا قلنا بظاهر المَذْهب، فلو أحضره قبل مضي المدة وسلمه وامتنع المكفول له من قبوله، فينظر هل له غرض من الامتناع مثل أن تكون بينته غائبة أو دينه مؤجلاً أم لا؟ وحكم القسمين على ما ذكرنا فيما إذا سلمه في غير المَكَان المُعَيَّن، ولو شرط لإِحْضَاره أجلاً مجهولاً كالحصاد، ففي صِحَّة الكفالة وَجْهَان نقلهما العراقيون.
وأصحهما: المنع، وبالثاني: قال أبو حنيفة.
الثالثة: لو ضمن الدّين الحالّ حالاً، أو أطلق لَزِمَه الدَّيْن حَالاًّ، وإن ضمن الدين المُؤَجَّل مؤجلاً بذلك الأَجل أو أطلق لزمه كذلك، فإن ضمن الحَال مؤجلاً، إلى أجلٍ معلومٍ فوجهان: أحدهما: أنه لا يصح الضمان، لكون الملتزم مخالفاً لما عَلَى الأصِيل.
وأصحهما: الصحة؛ لأن الضَّمَان تبرع، فيحتمل فيه اختلاف الدينين في الكيفية لِلْحَاجَةِ، وعلى هذا فالذي يوجد لعامة الأصْحَاب أنه يثبت الأَجَل، ولا يطالب إلا كما ألزم ولا يقول: التحق الأجل بالدَّيْنِ الحَالّ، وإنما يثبت عليه مؤجلاً ابتداء، ولا يبعد الحلول في حق الأَصِيل دُونَ الكَفِيل، كما لو مات الأَصِيل وعليه الدَّيْنُ المؤجل، وادعى الإمام إجماع الأصْحَاب على أن الأَجَلَ لاَ يثبت، وأن في فساد الضَّمَانِ لفساده وجهان: أظهرهما: الفساد، ولو كان الدين مؤجلاً إلى شَهْرٍ، فضمنه مؤجلاً إلى شهرين كما لو ضمن الحَال مؤجلاً، ولو ضمن المؤجل حالا والتزم التبرع بالتعجيل مضموماً إلى التبرع بأَصْلِ الضمان فوجهان، كما في عكسه، والأصح الصِّحّة، وعلى هذا فَهَلْ عليه الوَفَاء بشرط التَّعْجِيل؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم كأصْلِ الضمان.
وأشبههما: لا، كما لو التزم الأَصِيل التعجيل، وأيضاً، فإن الضَّامن فرع الأَصِيل، فينبغي أن يكون بالذِّمَّة مضاهياً لما على الأَصِيل، وعلى هذا فالأَجَل يثبت في حَقِّه مقصوداً أم تبعاً لقضاء حق المُشَابَهة، نقل في "النهاية" فيه وجهين، وتظهر فائدتهما فيما لو مات الأَصِيل والحالة هذه، وعكس صاحب "التقريب" فقال: في صحة شَرْط التعجيل وجهان، فإن فسد ففي إفساد الضَّمان وجهان، وهو قريب وله نظائر في الشَّرْطِ الفاسد.
ولو ضمن المؤجل إلى شَهْرَيْنِ، مؤجلاً إلى شهر كما لو ضَمِن المؤجل حالاً: وقوله في الكتاب: (ولو شرط الأجل في ضمان المال الحال ففيه خلاف)، أي في إفْسَاده الضمان، هذا إذا راعينا طريقة الأكثرين، وحكى في "الوسيط" وجهين في ثبوت الأجل، ووجهين في فَسَادِ الضمان به إذا لم يثبت الأجل، كما حكاهما الإمام

الجزء: 5 - الصفحة: 169

فيمكن على طريقته أن يريد بقوله: (ففيه خلاف)، أي في ثبوته.
الرابعة: لو تكفل ببدن فلان أو نفسه أو جِسْمِه صَحّ، وكذا لو قال: بروحه، ذكره في "التهذيب" ولو تكفل بعضو من أعضائه ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: وبه قال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ والقاضي أَبُو الطَّيِّبِ، واختاره ابْنُ الصَّبَّاغِ: أنه بَاطِلٌ، كما لو أَضاف البيع والإجارة إلى بَعْضِ الأعضاء، ويخالف الطلاق والعتاق لأنهما مبنيان على الغَلَبة والسراية.
والثاني: أنه يصح؛ لأنه لا يمكن تسليمه بحاله إلا بتسليم الكل، ويجوز أن يحتمل فيه ما لاَ يحتمل في البيع ونحوه للحَاجَة.
وثالثها: إن كان عضواً لا يبقى البَدَن دونه، كالرأس والقلب والكَبِد والدماغ صَحّ، وإن كان مما يبقى البَدَن دونه كاليد والرجل لَمْ يصح، قال في "التهذيب": وهذا أصح.
رابعها: إنما يعبر به عن جَمِيع البدن كالرأس والرقبة إذا تكفل به صَحَّ، وما لا يعبر به عن الجميع كاليد والرجل، إذا أضاف به لم يَصِح، أورده القَفَّالُ فِي "شرح التلخيص"، وقال: إنه الأصح، وفي قوله: لا يعبر باليد عن الجملة في أحد الوجهين كما سيأتي في موضعه، والوجه بمثابة سائر الأعضاء فيما أورده المعظم، وفي "النهاية" تصح الإضافة إليه جزماً؛ لشهرة هذا العَقْد بكفالة الوَجْهِ، والجزء الشَّائع كالنصف والثلث كالجزء الذي لا يبقى البَدَن دونه، فيجيء فيه وَجْهَان 18 والله أعلم.
ونختم الباب بفروع هي من بابه وتُراعي الاختصار.
ضمن عن رجل ألفاً، وشرط للمضمون له أن يدفع إليه كل شَهْرهِ درهماً، ولا يحسبه من مَالِ الضَّمَان فالشرط باطلٌ، وفي بطلان الضَّمَان وجهان 19 ذكرهما القاضي ابْنُ كِجٍّ.
ولو كفل ديناً أو كفل ببدن إنسان ثم ادعى أنه كفل ولا حق على المضمون عنه، أو المكفول به، فالقول قول المكفول له؛ لأن الضَّمان والكفالة لا تكون إلا بَعْدَ ثبوت الحَقِّ، وهل يحلف أم يقبل قوله من غير يمين؟ فيه وجهان عن ابْنِ سُرَيْجٍ، فإن قلنا بالأول نكلَ حَلَفَ الكَفِيلُ وسقطت المطالبة عنه، ولو أقر أَنَّه ضَمِن أوكفل وأنكر = وفؤاده وغيرها مما لا يحيي دونه أو جزء شائع.
ينظر روضة الطالبين 3/ 495.

الجزء: 5 - الصفحة: 170

المضمون له الشرط بني ذلك على تَبْعِيض الإِقْرَار.
إن قلنا: لا يتبعض، فالقول قول الضَّامِن مع يمينه وإن قلنا: يتبعض فَالقَوْلُ قول المَضْمُونِ له.
ولو ادعى الكفيل أن المكفول به بَرِئ من الحَقِّ وارتفعت الكفالة، وأنكره المكفول له فالقول قول المكفول له مع يمينه، فإن نكل وحلف الكفيل بَرِئ، وإن لم يبرأ بيمينه المكفول به.
ولو قال: تكفلت ببدن زَيْدٍ فإن جئتك به وإلا فأنا كَفِيل ببدن عمرو، لم يجز، أما كفالة زَيْدٍ فلأنه لم يلتزمها، وكأنه قال: كفلت ببدن هذا أو ذاك، وأما كفالة عمرو، فبناء على أنها مُعَلَّقة.
ولو قال قائل للمكفول له: أبرئ الكفيل وأنا كفيل بمن تكفل به فعن ابْنِ سُرَيْجٍ أنه يصح, لأنه نقل الضَّمَان إلى نفسه، كما لو أحال الضَّامن المضمون له على غيره، وقال الأكثرون: لاَ يَصِح, لأنه تكفل بشرط إبراء الكَفِيل وأنه فاسد، والكفالة ببدن الأجير المعين صَحِيحة، ومن كرم الكفيل عند العَجْزِ عن التسليم لم يصححها؛ لأنه إذا مات انفسخ العقد، وسقط الحق قاله في "التتمة" والله أعلم.

البَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ الضَّمَانِ الصَّحِيحِ

قال الغزالي: وَلَهُ أَحْكَامٌ: الأَوَّلُ -يَجُوزُ (م) مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعِ الطَّلَبَةِ عَنِ المَضْمُونِ عَنْهُ، وَمَهْمَا أُبْرِئَ الأَصِيلُ بِرَئَ الكَفِيلُ، وَإِنْ أُبْرِئَ الكَفِيلُ لَمْ يَبْرَإِ الأَصِيلُ، وَلَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلاً فَمَاتَ الأَصِيلُ لَمْ يُطَالِبَ الكَفِيلُ لِأَنَّهُ حَيٌّ.
قال الرَّافِعِيُّ: مقصود الباب بيان ما يترتب على الضَّمَانِ الصَّحِيح من الآثار والأحكام، فمنها: أنه يتجدد للمَضْمون له جوازُ مطَالبة الضَّامن، ولا تنقطع مطالبته عن المضمون عنه، بل يتخير في مطالبتهما ومطالبة وَاحِدٍ منهما؛ لأن غرض العقد التوثيق.
وعن مالك -رضي الله عنه- أنه لا يطالب الضَّامن إلا إذا عَجَزَ عن تَحْصِيلِه من الأصيل، لغيبة أو إعسار، هذا إذا أطلق الضَّامن.
أما إذا ضَمِن بشرط براءة الأَصيل ففي صِحَّته وجهان عن ابْنِ سُرَيْج: أشبههما: المنع؛ لأنه قرن به شرطاً يخالف مقتضى الضَّمان.
والثاني: يصح، كما روى أنه لما ضمن أبو قتادة -رضي الله عنه- الدينارين عن الميِّت، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- "هُمَا عَلَيْكَ حَقُ الْغَرِيمِ وَبَرِئَ الْمَيِّتُ، فَقَالَ: نَعَمْ فَصَلَّى

الجزء: 5 - الصفحة: 171

عَلَيْهِ" 20. فإن قلنا: بالصِّحَّة، ففي صِحَّة الشرط وجهان، يشتمل الخلاف في براءة المُحِيل إذا أحال على من لاَ دَيْن عليه، وصَحَّحْنَا هذه الحوالة وقد مَرَّ ذَلِك، وقد يعكس الترتيب فيقال في صِحَّة الشرط: إن فَسَدَ ففي فَسَاد الضَّمَانِ وجهان، وإذا صَحَّحْنَا العقد والشَّرط بَرِئَ الأَصِيل، وكان للضَّامن الرجوع عليه في الحَالِ إن ضمن بإذنه؛ لأنه حصل براءة ذمته كما لو أدى ومهما أبرأ مستحق الدَّيْن الأصيل برئ الضِّامن لسقوط الحق كما لو أدى الأصيل الدين أو أحال الأصيل مستحق الدَّيْن على إنسان أو أحال المستحق غَرِيمه عليه، وكذلك يبرأ ببراءة ضَامِن الضَّامن، ولو أبرأ الضَّامن لم يبرأ الأَصِيل؛ لأن إبراءه إسقاط للوثيقة، وذلك لا يقتضي سُقوط أَصْلِ الدَّيْنِ كَفَكِّ الرَّهْن، ويبرأ بإبراء المَضْمُونِ لَهُ، ولا يبرأ الضَّامن بإبراء ضَامِن الضَّامن، كما ذكرنا في الضَّامن والأَصِيل.
ولو ضمن ديناً مؤجلاً فمات الأَصِيل وحلَّ عليه الدَّيْن لم يحل على الضَّامِنِ؛ لأنه حَيٌّ يرتفق بالأَجلِ، وخرج ابْنُ القَطَّانِ: أنه يحل على الضَّامِن أيضاً لأنه فرع الأَصِيل، وعلى المَذْهَب لو أخر المستحق المطالبة كان للضَّامِنِ أن يطالبه بأخذ حقه من تَرِكَةِ الأَصِيل في الحال، أو إبراء ذمته؛ لأنه قد تهلك التركة، فلا يجد مرجعاً إذا غرم، وعن رواية الشيخ أَبِي عَلِيُّ وجه: أنه ليس للضَّامِن هذه المُطَالبة، ولو مات الضَّامن حل عليه الدين، فإن أخذ المستحق المال من تركته لم يكن لورثته الرجوع على المَضْمُون عنه قبل حُلُولِ الأَجل، ونقل القَاضِي ابْنُ كِجٍّ وجهاً آخر أنه لا يَحِل على الضَّامن كما لا يحل على الأَصِيل.
قال الغزالي: الثَّانِي: أَنَّ لِلضَّامِنِ إِجْبَارَ الأَصِيلِ عَلَى تَخْلِيصِهِ إِنْ طُولِبَ، وَفِي مُطَالَبَتِهِ بِالتَّخْلِيصِ قَبْلَ أنْ يُطَالَبَ خِلاَفٌ، وَكَذا في قُدْرَتِهِ عَلى المُطَالَبَةِ بِتَسْلِيمِ المَالِ اِلَيْهِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ بِنَفْسِهِ فَيَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: أصل مسائل الفَصْل وجهان، خرجهما ابْنُ سُرَيْجٍ في أن مجرد الضَّمَان هل يثبت حقاً للضَّامن على الأَصِيل، ويوجب علقة بينهما أم لا؟ ففي وجه يوجب, لأنه اشتغلت ذمته بالحَقِّ كما ضمن، فليثبت له عوضه على الأَصِيل، وفيه وجه لا؛ لأنه لا يفوت عليه قبل الغُرْم شيء، فلا يثبت له شَيْءٌ إلا بالغُرْمِ.
إذا عرفت ذلك، فلو طَالَبَ المَضْمُون لَهُ الضَّامِن بأداء المَالِ كان له أن يُطَالِب

الجزء: 5 - الصفحة: 172

الأصيل بتحصيله إن ضَمِن بالإِذْنِ، كما أنه يغرمه إذا غرم، وعن القَفَّالِ وجه: أنه لا يملك مطالبته، والمشهور الأول، وهل يطالبه التخليص قبل أن يُطَالب؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ كما لو استعار عبد الغير للرّهن ورهنه، كان للمالك المطالبة بالفَكِّ.
وأصحهما: لا؛ لأنه لم يغرم شيئاً ولا توجهت عليه طلبة، ويخالف الرَّهْن فإنه محبوس بالدَّينِ، وفيه ضَرَرٌ ظَاهِرٌ، ومعنى التخليص أن يؤدي دين المضمون له ليبرأ ببراءته الضَّامن، وفي تمكن الضامن من تغريم الأَصِيل قبل أن يغرم حيث ثبت له الرُّجُوع وجهان ذكرهما الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ والإمام بناء على الأَصْلِ المذكور، إن أثبتنا له حقاً على الأَصِيلِ بمجرد الضَّمَانِ فله أخْذُه، وإلاَّ فَلاَ.
وقوله في الكتاب: (وكذا في قدرته على المُطَالبة بتسليم المال إليه، حتى يؤديه بنفسه فيخرج عن العهدة) محمول على هذه الصورة، وأنه يستظهر بالمأخوذ ويؤدي الدَّيْن، إما منه أو من غيره، فيخرج عن العُهْدَة، وظَاهِرُ اللَّفْظِ يشعر بأخذه منه ليباشر أداءه نيابة عنه، ويستفيد بِعَيْنِ البراءة، لكن الحمل عليه بعيد لِبُعْدِ الخِلاَفِ في الإخبار على الإِنَابة، وأيضاً فإنه ليس له ذكر في كُتُبِ الأئمة، ولكن الوَجْهَان في تمكينه من التَّغْرِيم مفرعاً على أن ما يأخذه عوضاً عما يقضي به دَيْن الأَصِيل هل يملكه؟ فيه وَجْهَان بناءً على الأَصُلِ السَّابِقِ، فإن دفعه الأصيل ابتداء من غير إجْبَارٍ ومطالبة، فإن قلنا يملكه فله التَّصرف فيه كالفقير إذا أخذ الزَّكَاة المُعَجَّلة، لكن لا يستقر ملكه عليه إلا بالغُرْم، حتى لو أبرأه المستحق كان عليه رَدُّه ما أخذه، كرد الزَّكَاة المُعَجَّلة إذا هَلَكَ المَالُ قبل الحَوْل فإن قلنا: لا يملكه فعليه رَدُّه ولو هلك عنده ضمن كالمقبوض بالشراء الفاسد، ولو دفعه إليه وقال: اقض به ما ضمنت عنِّي، فهو وكيل الأصِيل والمال أَمَانةٌ في يده، ويخرج على ذَلِك الأَصْل صُوَر أخرى: منها: أن الضَّامن هل يحبس الأَصِيل إذا حبس المَضْمُون لَهُ الضَّامِن؟ إن أثبتنا العلقة بين الضَّامن والأَصِيل، يجوز للضَّامِن حبسه، وبه قال أبُو حَنيفَة، وإلا فَلاَ، وهو الأَصَحّ.
ومنها: لو أبرأ الضَّامن الأَصِيل عما سيغرم، إن أثبتنا العُلْقَة في الحال صَحَّ الإبراء، وإلّا خرج على الإبراء عَمَّا لَمْ يَجِب، ووجد سبب وجوبه.
ومنها: لو صالح الضَّامن الأَصِيل عن العشرة التي سيغرمها على خَمْسَة إن أثبتناها في الحال صَحَّ الصُّلْحُ, لأنه أخذ عوض بعض الحَقّ، وأبرأ عن البَاقِي وإلا لَمْ يَصِح، ومنها: لو ضمن ضَامِنِ عن الأصيل للضَّامِنِ ففي صحته الوجهان وكذا لو رهن الأصيل عند الضامن شيئاً مِمَّا ضَمِن، والأصَحّ في الكُلِّ المنع، ولو شرط في ابتداء الضمان أن يعطيه الأصيل ضامناً، ففي صحة الشرط الوجهان إن صَحَّ فإن وفّى الأصيل وأعطاه

الجزء: 5 - الصفحة: 173

ضَامِناً فَذَاك، وإلا فله فسخ الضمان، وإن فسد فسد به الضمان على أصح الوجهين.
والله أعلم.
قال الغزالي: الثَّالِثُ: الرُّجُوعُ وَمَنْ أَدَّى دَيْنَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ يَرْجِعْ، وَإِنْ أَدَّى بِشَرْطِ الرُّجُوعِ وَإِذْنِهِ رَجَعَ، وَإِنْ أَدَّى بِالإِذْنِ دُونَ شَرْطِ الرُّجُوعِ فَوَجْهَانِ، وَالضَّامِنُ يَرْجِعُ إِنْ ضَمِنَ وَأَدَّى بِالإِذْنِ، وَإِنْ اَسْتَقَلَّ بِهِمَا لَمْ يَرْجِعْ، وَإِنْ ضَمِنَ دُونَ الإِذْنِ وَأَدَّى بِالإِذْنِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ يَرْجِعُ، وَإِنْ ضَمِنَ بِالإِذْنِ وَأَدَّى بِغَيْرِ الإِذْنِ عَنْ مُطَالَبَةٍ فَيَرْجِعُ.
قال الرَّافِعِىُّ: الغرض الآن بيان المَوْضع الذي يستحق الضَّامِن الرّجُوع على الأَصِيل بالمَغْرُومِ والذي لا يستحق، وقَدَّم عليه الكلام في أن من أَدَّى دَيْنَ الغَيْرِ من غير ضمان متى يرجع؟ وتفصيله أنه إن أدَّاه بغير إِذْنِ المَدْيُونِ لم يكن له الرّجُوع؛ لأنه مُتَبَرِّع بِمَا فَعَلَ، ويخالف مَا لَوْ أوجر طَعَامَهُ للمضْطَر حيث يَرْجِع عليه، وإن لم يأذن المُضْطَر لأنه ليس متبرعاً، بل يجب عليه إطْعَام المضطر استبقاء لمهجته ويخالف الهبة، فإن في اقتضائها الثَّواب، خلاف يذكر في موضعه, لأن الهِبَةَ متعلقة باختيار المُتَّهِبِ، ولا اختيار للمَدْيُون هاهنا.
وعن مالك يثبت له الرّجُوع، إلا إذا أدى العدو دين العدو، فإنه يتخذه ذريعة إلى إيذائه بالمُطَالَبَةِ، وإن أداه بِإِذْنِ المديون، فَإِنْ جَرَى بينهما شَرْط الرجوع ثَبَتَ الرّجُوع، وإلا فَوَجْهَان: أحدهما: لا رجوع؛ لأنه لم يوجد منه إلا الإذْن في الأَدَاء، وليس من ضَرُورة الأداء الرّجوع.
وأصحهما: الرجوع؛ بناءً على المُعْتَادِ في مثله من المُعَامَلاَتِ، وأفاد الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ هاهنا كلامين: أحدهما: تقريب هذا الخِلاَف من الخلاف في أن الهبة المُطْلَقة هَلْ تقتضي الثَّوَابَ وترتيبه عليه؟ والحكم بالرجوع أولى من الحُكم بالثواب، ثم لأن الهِبَةَ مصرحة بالتبرع والأداء خلافه، ولأن الواهب مبتدئ بالتبرع، والأداء هاهنا مستوف بالاستدعاء الذي هو كالقرينة المشعرة بالرّجوع.
والثاني: أن في الهِبَةِ فَارقاً بين أن يكون الوَاهِبِ ممن يطمع مثله في ثَوابِ مثل الملتهب أو لا يكون، فيخرج وَجْةٌ ثالث مثله هاهنا.
وأما الضَّامِن فله أربعة أحوال: أولها: أن يضمن بإذن الأَصِيل ويؤدي بِإِذْنِهِ، فيرجع عليه لأنه صَرْفُ مَاله إلى

الجزء: 5 - الصفحة: 174

منفعة الغَيْرِ بأمره، فأشبه ما إذا قال: اعلف دابتي فأعلفها، وعن أبي حَنِيفة: أنه يرجع، إذا قال: اضمن عني وأدّ عني.
أما إذا لم يقل: عَنِّي فلا يرجع، إلا إذا كان بينهما مُخَالَطَةُ شَرِكَةٍ، أو زَوْجِيَّةٍ أو نحوهما, ولا فرق في ثبوت الرّجوع بين أن يشترط الرّجوع أو لا يَشْتَرِط، قال الإمام: ويحتمل في القياس أن ينزل الإذْن في الضَّمَان، والأداء منزلة الإذن في الأداء من غير ضَمَانٍ, حتى يقول: إن شرط الرجوع ثبت، وإلا فَعَلى الخِلاَف، وفي الكلام لصاحب "التقريب" رمز إليه.
وثانيها: أن يضمن ويؤدي بغير إذْنِهِ، فلا رجوع له على الأصيل، خلافاً لمالك وأحمد.
واحتج الأصحاب بحديث عليّ وأبي قتادة بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- صَلَّى عَلَى المَيِّتِ بَعْدَ ضَمَانِهِمَا, ولو كان لهما الرجوع لما صَلَّى لبقاء الدَّيْنِ، وأيضاً فإنه عليه السلام قال: "الآنَ بَرَدَتْ جِلْدَتُهُ عَنِ النَّارِ" 21. ولو بقي الدَّيْن لما حصل التبريد.
وثالثها: أن يضمن بغير إذنه ويؤدي بإذنه، ففي وجه يرجع لأنه إسْقَاط الدَّيْنِ عن الأَصِيل بإذنه.
والأصح: المنع؛ لأن اللّزُوم بالضَّمَانِ ولم يأذن فيه، ورتب الوَجْهَيْنِ في "النهاية" على الوَجْهَيْن فيما إذا أَدَّى دين الغَيْرِ بإذنه من غير ضَمَانٍ، ومن غير شَرْطِ الرجوع، وقال: هذه الصورة أولى بأن يمتنع الرجوع؛ لأن الإذن في الأداء بعد اللزوم بالضمان في حكم اللغو، وأبدى احتمالين فيما إذا أذن في الأداء بِشَرْطِ الرّجُوعِ والحَالَة هذه.
أحدهما: يرجع، كما لو أذن في الأداء بهذا الشَّرْط من غير ضَمَان، ووجه الثَّانِي أن الأداء استحق الضَّمَان، والمستحق بلا عوض لاَ يجُوز أن يقابل بعوض كَسَائِرِ الحُقُوق الواجبة 22. والرَّابعة: أن يضمن بالإذْن ويؤدي بغير الإذْن، ففيه وجهان عن ابْنِ سُرَيْجٍ، ووجه ثالث عن أبي إسحاق أحد وجهي ابْنِ سُرَيْجٍ وهو الأصَح المَنْصُوص: أنه يرجع؛ لأن الأصْل في البَابِ الالتزام، وقد صادفه الإذْن فليلتقي به.
والثاني: لا يرجع؛ لأن الغرم حَصَل بِغَيْرِ إِذْنِ الأَصِيلِ، وِإنَّما لم يقصد إلا التوثيق بالضَّمَان.

الجزء: 5 - الصفحة: 175

والثالث: وهو الذي ذكره أبو إسحاق أنه إن أدى من غَيْرِ مُطَالَبَةٍ أو عن مُطَالبه ولكن أمكنه مراجعة الأَصِيل واستئذانه فلم يفعل، لمي ثبت له الرجوع؛ لأنه لم يكن مضطراً إلى الأَدَاء، وإن لم يمكن مراجعته لكونه غائباً أو محبوساً، فله الرجوع.
وأما ما ذكره في الكتاب: أنه إن كان الأداء عن مطالبته فيرجع، فإن ابتدأ فوجهان، فإن فقهه ما ذكرناه في الوَجْهِ الثالث إلا أنه رَأَى الرّجُوعَ فيما إذا كان الأداء عن مُطَالَبَةٍ كالظاهر المَقْطُوع به، وتخصيص ذكر الخِلاَف بما إذا ابتدأ بالأداء.
واعلم أن الفرق غير منوط بمجرد كونه مطالباً أو مبتدئاً، بل المطالب الذي يحضر في المُرَاجعة كالمبتدئ على ما سبق، فليضم في قوله: (عن مطالبة العبد المحتاج إليه).
فرع: حوالة الضَّامن رَبّ الدَّيْنِ على إنسان، وقبوله حوالة رَبّ الدَّيْنِ عليه ومصالحتهما عن الدَّيْن على عوض، وصيرورة الدَّيْنِ ميراثاً للضَّامِن، كالأداء في ثبوت الرّجوع وعدمه.
قال الغزالي: وَلَوْ صَالَحَ المَأْذُونَ فِي الأَدَاءِ بِشَرْطِ الرُّجُوعِ عَلَى غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ رَجَعَ عَلَى الأَصَحِّ، وَلَوْ صَالَحَ الضَّامِنَ عَنْ أَلْفٍ بِعَبْدٍ يُسَاوِي تِسْعِمائةٍ يَرْجِعُ بِتِسْعِمَائَةٍ عَلَى وَجْهٍ، وَعَلَى وَجْهٍ بِالأَلْفِ، لِأَنَّ المُسَامَحَةَ جَرَتْ مَعَهُ، وَلَوْ سُومِحَ الضَّامِنُ بِحَطِّ قَدْرٍ مِنَ الدَّيْنِ أَوْ صَفَتِهِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَّا بِمَا بَذَلَ.
قال الرَّافِعِيُّ: قد بان في الفَصْل السابق مَوْضِع أصل الرّجُوع والنظر بعده فيما يرجع به، فإن كان ما دفعه إلى رَبِّ الدَّيْنِ من جِنْسِ الدَّيْنِ، وعلى صفتِه فَرَجَعَ به، وإن اختلف الجنس، فالكلام في المَأْذون في الأَداء من غير ضَمَان ثم في الضامن أما الأول فالمأذون بِشَرْطِ الرجوع أو دونه إذا أثبتنا له الرُّجُوع لو صالح رَبّ المال على غير جِنْسِهِ فهل له الرجوع أو لا؟ فيه ثلاثة أوجه: أصحها: نعم؛ لأن مقصوده أن يبرئ ذِمَّته، وقد فَعَل.
وثانيها: لا؛ لأنه إنما أذن في الأداء دون المُصَالَحَةِ.
وثالثها: الفرق بين أن يقول: أَدّ ما عليّ من الدَّنَانِير مثلاً فلا يرجع، وبين أن يقتصر على قوله: أد دَيْنِي، أو ما عليّ فيرجع.
فإن قلنا بالرّجوع فيما يرجع حُكْمُه؟ ما يذكر في الضامن.
أما الضَّامِن، فلو صَالَحَ على غير الجِنْسِ يرجع بِلاَ خِلاَف؛ لأن بالضَّمَانِ ثبت الحَقّ في ذِمَّتِهِ ثبوته في ذِمَّة الأَصِيلِ، والمصالحة معاملة منية عليه بِخِلاَفِ المأذون مِنْ

الجزء: 5 - الصفحة: 176

غَيْرِ ضَمَانٍ، ثم ينظر إن كانت قيمة المصالح عليه أكثر من قَدْرِ الدَّيْنِ لم يرجع بالزِّيَادَة؛ لأنه متطوع بها، وإن لم تكن أكثر كما لو صَالَح مِنْ أَلْفٍ عَلَى عَبْدٍ يساوي تسعمائة فوجهان، وقيل: قولان.
أصحهما: أنه لا يرجع إلا بتسعمائة؛ لأنه لم يغرم سِوَاها.
والثاني: يرجع بِالأَلْفِ؛ لأنه قد حَصَّلَ براءة الذِّمَّة بما فَعَل، ومسامحة رَبّ الدّيْنِ جرت معه، ولو أنه باع العَبْدَ بألف وتقاصا فالرّجُوعُ بِأَلْفِ بلا خِلاَف؛ لأنه ثبت في ذِمَّتِهِ أَلْف، ذكره في "التهذيب"، ولو قال للمضمون له، بعت منك هذا العبد بما ضمنته لك عن فُلاَن ففي صِحَّةِ البَيْعِ وَجْهَانِ، حكاهما الأستاذ أَبُو مَنْصُور البُغْدَادِيُّ، فإن صَحَّحْنَا فيرجع بما ضمنه، أم بالإِقل مما ضمنه ومن قِيمَةِ العَبْدِ؟ قال: فيه وجهان 23 وأما الصِّفَة، فإن كان المؤدى خيراً كما لو أَدَّى الصِّحَاح عن المكسرة لَمْ يَرْجِع بالصّحَاحِ، وإن كان بالْعَكْس ففيه الخِلاَفُ المَذْكُور فِي خِلاَف الجِنْسِ، وعن الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ القطع: بأنه يرجع بما أَدَّى، وهذا ما يقتضيه نَظْمُ الكِتَابِ، والفرق أن غير الجنس يقع عوضاً والمكسرة لا تقع عوضاً عن الصِّحَاحِ، فلا يبقى إلا رعاية حكم الإيفاء والاستيفاء قاله الإمام، ويتعلق بالرّجُوعِ مَسَائِل أُخَر نوردهَا موجزين: منها لو ضمن عشرة وَأَدَّى خمسة وأبرأه رَبّ الدَّيْن عن البَاقِي لم يرجع إلا بالخَمْسَة المغرومة، وتبقى الخمسة الأُخْرَى عَلَى الأَصِيل؛ لمَا مَرَّ أَنَّ إبْرَاء الضَّامن لا يوجب براءة الأَصِيل، ولو صالحه من العَشْرة عَلَى خمسة فلا يرجع إلا بالخَمْسَة أيضاً، لكن يبرأ الضَّامن والأصيل عن البَاقِي، وإن كان صلح الحَطِيطة أبرأ في الحقيقة؛ لأن لفظ الصُّلْح يشعر بقناعة المستحق بالقليل عن الكَثِير، بخلاف ما إذا صَرَّحَ بِلَفْظِ الإبراء، هكذا أورده الشَّيْخَان الفَرَّاء والمتولى، ولو قال قائل: لفظ الصّلح يتضمن القناعة بالقليل ممن يجري الصُّلْح معه على الإطْلاَق، والثَّاني: ممنوع لم يصحح الجَوَاب.
ومنها: ضَمِن ذِمِّيِّ لِذِمي ديناً عن مُسْلِم، ثم تَصَالَحَا على خَمْرٍ فَهَلْ يبرأ المُسْلِم لأن المصالحة بين الذميين أم لا يَبْرأ كما لو دفع الخَمْرَ بنفسه؟ فيه وجهان: إن قلنا: بالأول ففي رُجوعِ الضَّامِنِ عَلَى المُسْلِمِ وجهان، إن اعتبرنا بما أدى لم يرجع بشيء، وإن اعتبرنا بما أسقط رَجَع بالدَّيْنِ.
ومنها: ضمن عن الضَّامن ضامن وأدى الثَّاني فرجوعه على الأول كرجوع الضَّامِن على الأَصِيل فيراعى الإذن وعدمه وإذا لم يكن له الرجوع على الأول لم يثبت بادائه

الجزء: 5 - الصفحة: 177

الرجوع للأول على الأصيل لأنه لم يَغْرم، ولو ثبت له الرجوع على الأول فَرَجع رجع الأول على الأَصِيل إذا وجد شَرْطه، فلو أراد الثاني أن يرجع على الأَصيل ويترك الأَوَّل نظر إن كان الأَصِيل قد قال له: اضمن عن ضَامِنِي، ففي رجوعه عليه وَجْهَان، كما لو قال الإنسان: أدِّ ديني فأدى، وليس هذا كما لو قال: اقض دين فلان ففعل حيث لا يرجع على الآمر؛ لأن الحق لم يتعلق بذمته، وإن لم يقل له: اضمن عن ضامني فإن كان الحَالُ بحيث لا يَقْتَضِي رجوع الأول على الأَصِيل لم يَرْجِع الثَّانِي عَلَيْهِ، وإن كان يقتضيه فكذلك في أَصَحِّ الوجهين؛ لأنه لم يَضْمَن عَنِ الأَصِيلِ، ولو أن الثَّانِي ضمن عن الأَصِيل أيضاً فلا رجوع لأحد الضَّمامنين على الآخر، وإنما الرّجوعُ للمؤدى على الأَصِيل، ولو ضمن عن الأول والأصيل جَمِيعاً، فهذا أدى كان له أن يرجع على أيهما شَاءَ، وأن يرجع بالبَعْضِ على هذا وبالبعض على ذَاك تم للأول الرجوع على الأَصِيل بما غرم إذا وجد شَرْطه.
ومنها: على زيد عَشرة ضمنها اثنان، كُلّ وَاحِدٍ منهما خمسة وضمن أحدهما عن الآخر، فلرب الدِّيْنِ مطالبة كُلُّ وَاحِدٍ منهما بالعَشْرَة، نصفها على الأَصِيل ونصفها على الضَّامِنِ الآخَرِ، فإنَ أَدَّى أحدُهُمَا جميع العَشرة رجع بالنصف على الأَصيلِ وبالنّصْفِ على صَاحِبِهِ، وهل له الرّجُوعُ بالكُلِّ عَلَى الأَصيلِ إذا كان لِصَاحِبِهِ الرّجوع عليه لو غرم؟ فيه الَوَجْهَان، وإن لم يؤدِ إلا خَمْسَة فينظر إن أداها عن الأَصِيل أو عن صَاحِبهِ أو عنهما ويثبت الرجوع بخمسة: ومنها: ضمن الثّمن فهلك المَبيع قَبْلَ القَبْضِ أو وجد به عيباً فرده، أو ضمن الصَّداق فارتدت المرأة قبل الدّخُولِ، أَو فسخت بِعَيْبٍ، نظر إن كان ذلك قبل أن يؤدي الضَّامن بَرِئَ الضَّامِنُ والأَصِيل، وإن كان بعده فإن كان بحيث يثبت له الرّجوع رجع بالمغروم على الأَصِيل، وضمن رَبّ الدَّيْنِ للأصيل ما أخذ إن كان هَالِكاً، وإن كان باقياً يرد عينه، وهل له إمساكه وَرَدّ بَدَله؟ فيه الخلاف المَذْكُور فيما إذا رَدَّ المَبِيع بِعَيْبٍ وعين دراهمه عِنْدَ البَائِعِ، فأراد إمْسَاكها ورد مِثْلها.
والأصح: المنع، وإنما يغرم الأَصِيل دون الضَّامِن؛ لأن في ضمن الأدَاء عنه إقراضه وتمليكه إياه، وإن كان بحيث لا يثبت له الرجوع فلا شَيْءَ للضَّامِن على الأَصِيل، وعلى المَضْمُون له رَدّ ما أخذه، وعلى من يرد هو كما لو تَبَرَّعَ بِالصَّدَاقِ وطلق الزَّوْج قبل الدّخُولِ، وسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى.
ومنها: أدى الضَّامِن الدَّيْن، ثم وهبه رَبّ الدين منه، ففي رجوعه على الأَصِيل وَجْهَانِ مبنيان على القَوْلَينِ، فيما لو وَهَبَتِ الصَّداق من الزَّوْجِ، ثم طَلَّقَهَا قَبْلَ

الجزء: 5 - الصفحة: 178

الدّخُولِ 24. ومنها: له على رَجُلَيْنِ عشرة، وضمن كل واحدِ منهما للآخر ما عليه، فلا شَكَّ أن رب الدين يطالبهما أو من شاء منهما بالعَشْرة، فإن أَدَّى أحدهما جميع العشرة برئا جميعاً، وللمؤدى الرجوع بالخمسة إن كان التَّصْوِير في حالة ثبوت الرّجُوع، وإن أَدَّى كل واحد منهما خمسة عَمَّا عليه فَلاَ رجوع، وإن أَدَّاها عن الآخر فَلِكُلِّ وَاحِدٍ الرجوع على الآخر، ويجيء خِلاَف التقاص، فإن أَدَّى أحدهما خَمْسة ولم يؤد الآخر شيئاً، فإن أَدَّاهَا عن نفسه برئ المؤدى عَمَا كَانَ عَلَيْهِ وصاحبه عن ضَمَانِهِ، وبقي على صَاحِبِهِ ما كان عَلَيْهِ والمؤدي ضَامِنٌ له، وإن أَدَّاها عن صَاحِبِهِ رَجَعَ عليه بالمَغْرُوم، وبقي عليه مَا كَانَ صاحِبُهُ ضامِناً له، وإن أَدَّاها عنهما فلكل نِصْف حكمه، وإن أَدَّى ولم يقصد شيئاً فيقسط عليهما، أو يقال: اصرفه إلى مَا شِئْت؟ فيه وجهان سبق نظيرهما في آخرِ الرَّهْنِ.
ومن فوائد الوجهين أن يكون بنصيب أحدهما رَهْن، فإذا قلنا له: صرفه إلى ما شاء، فصرفه إلى نصيبه انفك الرَّهْن، وإلاَّ لم ينفك، ولو اختلفا فقال المؤدى: أديت عَمَّا عليّ، وقال رَبُّ الدَّيْنِ: بل أديت عَمَّا عَلَى صَاحِبِكِ، فالقولُ قولُ المؤدي مَعَ يَمِينِهِ، فإذا حَلَفَ بَرِئَ عما كان عليه، لكن لِرَبِّ الدين مطالبته بخمسة؛ أنه إما صَادِقٌ فالأصل باق عليه، أو كاذب فالضمان بَاقٍ، وعن بعض الأصحاب: أنه لا مطالبة له، لأنه إما أن يطالب عن جِهَة الأصالة، وقد صَدَق الشرع المؤدى في البَرَاءة عنها أو عن جهة الضّمان، وقد اعترف رب الدين بأنه أدى عنها.
هذا حكم الأداء في المسألة، ولو أبرأ رَبّ الدين أحدهما عن جَمِيع العشرة، برئ أصلا وضماناً 25 ويبرأ الآخر عن الضَّمان دون الأَصِيلِ، ولو أبرأ أحدهما عن خَمْسَةٍ، نظر إن أبرأه عن الأَصِيلِ برئ عنه، وبرئ صَاحِبُهُ عن ضَمَانِهِ، وبقي عليه ضَمَانُ مَا عَلَى صَاحِبِهِ، وإن أبرأه عن الضَّمَانِ برئ عنه وَبَقِيَ عَلَيْهِ الأَصْلُ، وبقي عَلَى صَاحِبِهِ الأَصْلُ والضَّمَان، وإن أبرأه عن الخَمْسَة عَنِ الجِهَتَيْنِ جميعاً سقط عنه نِصْفُ الأصل ونصف الضَّمان، وعن صاحبه نِصْف الضّمان وبقي عليه الأَصْل ونصف الضَّمان، فيطالبه بسبعةٍ وَنِصْف، ويطالب المبرأ عنه بخمسة، وإن لم ينو عند الإبراء شيئاً فيحمل على النصف أو يخير ليصرف إلى مَا شَاء؟ فيه الوجهان.
ولو قال المبرئ: أبرأت عن الضَّمان، وقال المبرأ عنه: بَلْ عن الأصل، فالقول قول المبرئ.
ومنها: ادعى على رَجُلٍ أن له عليه وعلى فلان الغَائِب ألف درهم من

الجزء: 5 - الصفحة: 179

ثمن عَبْدٍ باعه منهما وأقبضه أو عن جِهَةٍ أخرى، وأن كل واحد منهما ضَمِنَ عن الآخر ما عليه وأقام على ذلك بينة وأخذ الألف من الحَاضِرِ، قال المُزَنِيُّ في "المختصر": يرجع الحَاضِرُ بنصف الألْفِ عَلَى الغَائِبِ.
واعترض عليه بأن البينة إنما تقام عند الإنْكار، وإذا أنكر كان مكذباً للبينة، زاعماً ظلمَ المدعى عليه بما أخذه، وكيف يرجع على الغَائِب بما ظلم به؟ وأجاب الأصحاب عنه، بأن لا نسلم أن البينة إنما تقام عند الإنْكَار، بل يجوز أن يقر الحَاضِر ويقيم المدعي البينة للإثْبَاتِ على الغَائِبِ، ثم هب أنه لم يقر لِكِنَّ البينة لا تستدعي الإنكار بخصوصه، بل للإنكار أو ما يقوم وهو السّكوت، فلعله كان ساكتاً، ثم هب استدعاءها للإنكار لكن لا تستدعي الإنكار منه بخصوصه، بل يكفي صدور الإنْكَار من وكيله في الخصومات، فَلَعَلَّ البينة أُقِيمَتْ في وجه وكيله المُنْكِر، ثم هَبْ أنه أنكر، لكنه رُبَّمَا أنكر الضَّمَان وسلم البَيْع، وهذا الإنْكَار لو كان مانعاً لكان مانعاً للرجوع بجهة غرامة المَضْمُون ومن الجائز أن يكون هذا الرّجوع باعتبار أن المُدَّعى ظلمه، بأخذ ما علي الغَائِبِ منه، والظَّالِم مثل المأخوذ على الغَائِب فيأخذ حَقَّه بما عنده، والذاهبون إلى شَيْءٍ من هذه التأويَلات، سلَّموا أنه لا وجد التكذيب القَاطِع لكل احتمال يمتنع الرّجوع، وهو الأصح على ما ذَكَرَهُ المَسْعُودِيّ والإِمَامُ.
ومنهم من قال: لا يمتنع الرّجوع، وإن وجد صَرِيح التكذيب، وبه قال ابْنُ خَيْرَانَ؛ لأن البينة أبطلت حكم إنْكَاره، فكأنه لم يُنْكِر، وهذا كما لو اشترى عبداً فادعى مدع أنه ملكه وأن بائعه غَصَبَهُ، فقال في الجَوَاب: لا، بل كان ملكًا لبائعي، وإنه الآن مِلْكي، فاقامِ المُدَّعي بينة، يرجع المُشْتَرِي على البائع وإن أقر بالملك على أن في هذه الصورة أيضاً خلاف، وسيأتي في موضعه -إن شاء الله تعالى-.
قال الغزالي: هَذَا كُلُّهُ إِذَا أَشْهَدَ عَلَى الإِدَاءِ، فَإِنْ قَصَّرَ فِي الإِشْهَادِ وَلَمْ يُصَدِّقْ لاَ يَرْجِعُ، وَإِنْ صَدَّقَهُ المَضْمُونُ عَنْهُ فَلا يَرْجِعُ أَيْضاً في وَجْهٍ؛ لأِنَّهُ لَمْ يَنْفَعْهُ أَدَاؤُهُ، وَإِنْ صَدَّقَهُ المَضْمُونُ لَهُ رَجَعَ فِي أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ إِقْرَارَهُ أَقْوَى مِنْ البَيِّنَةِ مَعَ إِنْكَارِهِ، وَلَوْ أَشْهَدَ رَجُلاً وَامْرَأَتَيْنِ جَازَ، وَفِي رَجُلٍ وَاحِدٍ لِيَحْلَفَ مَعَهُ خِلاَفٌ خَوْفاً من قَاضٍ حَنَفِيٍّ، وَفِي المَسْتُورِينَ خِلاَفٌ، وَلَو ادَّعىَ مَوْتَ الشُّهُودِ وَأَنْكَرَ المَضْمُونَ عَنْهُ أَصْلَ الإِشْهَادِ فَوَجْهَانِ في أَنَّ القَوْلَ قَوْلُ مَنْ لَتَقَابُلِ القَوْلَيْنِ.
قال الرَّافِعِىُّ: كل ما مر من رجوع المأذون في الأداء والضَّامِن على الأَصِيل مفروض فيمَا إذا أشهد على الأداء ولا فرق بين إشهاد رجلين أو رجل وامرأتين ولو أشهد واحداً اعتماداً على أنْ يحلف معه فوجهان:

الجزء: 5 - الصفحة: 180

أصحهما: أنه يكفي؛ لأن الشَّاهِدَ مع اليمين حجة كافية لإثبات الأداء.
والثاني: لا؛ لأنهما قد يَتَرَافَعَانِ إلى حَنَفِىٍّ لا يقضي بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فكان ذلك ضرباً من التَّقْصِيرِ، ولو أشهد مستورين فبانا فَاسِقَيْنِ فوجهان: أحدهما: أنه كَمَا لَوْ لَمْ يَشْهَد؛ لأن الحَقّ لا يثبت بِشَهَادَتِهِمَا، وأولاهما: الاكتفاء؛ لأنه لا اطلاع لَهُ عَلَى البَاطِنِ فكان معذوراً.
ولا يكفي إشهاد مَنْ يعرف ظنّه عَنْ قَرِيب؛ لأنه لا يفضي إلى المَقْصُود.
أما إذا أدى من غير إشهاد فينظر إن أَدَّى في غيبة الأَصِيل فهو مُقَصِّر بِتَرْكِ الإشْهَاد؛ إذْ كان من حقه الاحتياط وتمهيد طَرِيق الإثبات.
ولو جَحَد رَبُّ الدين ولا رجوع له على الأصيل إن كذبه، وإن صَدَّقه فوجهان: أحدهما: وبه قال ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنه يرجع؛ لاعترافه بأنه أبرأ ذِمَّته بإذنه.
وأظهرهما: مَنْعُ الرُّجُوع، وبه قال أبو إسحاق لأنه لَمْ يؤد بِحَيْث ينتفع به الأَصِيلِ، فإن رَبَّ الدَّيْنِ مُنْكِرٌ وطلبت بحالها، وهل يَخْلِف الأَصِيلِ إِذَا كَذَّبه؟ قال في "التتمة": ينبني على أنه لو صدقه، هَلْ يرجع عليه؟ إن قلنا: نعم، حَلَفَ على نَفْي العِلْمِ بالأداء، وإن قلنا: لا، فينبني على أن النُّكُولَ وَرَدَّ اليمين كالإقرار أو كالبينة، إن قلنا: بالأول لم يحلف؛ لأن غايته أن ينكل فيحلف الضَّامن، فيكون كما لو صدقه، وذلك لا يفيد الرجوع.
وإن قلنا: بالثَّاني، طَمعاً في أن ينكل وَيَحْلِف، فيكون كما إذا أَقَامَ البينة.
ولو كَذَّبَهُ الأَصِيلِ وَصَدَّقَهُ رَبُّ المال، فوجهان: أحدهما: أنه لا رجوع له، ولا ينهض قولُ رَبِّ المال حجةً على الأَصِيل.
وأظهرهما: ثبوت الرجوع لسقوط الطلبة بإقْرَارِه، وإقراره أقوى من البَيِّنَةِ مع إِنْكَارِه، فإن أدى في حضور الأَصِيل فقد حكى الشَّيْخُ أبُو حَامِدٍ وَآخَرُونَ وَجْهاً: أنه لا يرجع، كما لو ترك الإشْهَادَ في غيبته، وظاهر المَذْهَبِ المَنْصُوصِ: أنه يرجع؛ لأنه في الغَيْبَةِ مستبد بالأَمْرِ، فعليه الاحتياط والتوثيق، فإذا كان الأصيل حاضراً فهو أولى بالاحتياط، والتقصيرُ وتَرْكُ الإشْهَاد مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ، وإذا توافق الأَصِيل والضَّامِن على أنه أشهد ولكن مَاتَ الشهود أو غَابُوا ثبت له الرجوع؛ لأنه أَتَي بمَا عَلَيْهِ، ونقل الإمام وجهاً بعيداً: أنه لاَ رُجُوعَ إذا لم ينتفع بادائه إذ القولُ قولُ رَبِّ الدَّيْن في نفي الاستيفاء، ولو قال الضَّامِن: أشهدت، وماتوا، فأنكر الأَصِيل الإشْهَاد، ففيه وَجْهَان: أصحهما: أن القولَ قولُ الأَصِيل لأن الأَصْلَ عدم الإِشْهَاد.

الجزء: 5 - الصفحة: 181

والثاني: أن القولَ قولُ الضَّامِنِ؛ لأن الأَصْلَ عدم التَّقْصِير، ولأنه قد يكون صادقاً، وعلى تقدير الصِّدْق يكون مَنْعُه مِنَ الرّجُوعِ إضْرَاراً فليصدق للضرورة كما يُصَدَّق الصبي في دَعْوَى البُلوغِ إذ لا يعرف إلا من جِهَتِهِ.
ولو قال: أشهدت فلانًا وفلانًا، فكذباه فهو كما لَوْ لَمْ يُشْهِد ولو قالا: لاَ نَدْرِي وربمَا نَسِينا ففيه ترددٌ لِلإمَام، ومتى لم يقم البينة على الأَدَاءِ وحلف رَبُّ المَالِ بقيت مطالبته بِحَالِهَا، فإن أخذَ المَال من الأَصِيل فَذَاكَ، وإن أَخَذَهُ مِنَ الكَفِيلِ مرة أُخْرَى لم يرجع بهما؛ لأنه مظلوم بِأخْذِها، ولا يرجع إلا على من ظَلَمَه وبم يرجع؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يرجع بِشَيْءٍ، أما المبلغ الأول، فلأنه قَصَّر عِنْدَ أدائه بترك الإشْهَادِ وأما الثَّانِي، فلاعترافه بأنه مَظْلُوم.
وأظهرهما: أَنَّهُ يَرْجِعُ؛ لأنه غَرم لإبراء ذِمَّته، فعلى هذا هَلْ يرجع بالأول لأنه المُبْرِئ للذِّمة، أو بالثَّانِي لأنه المُسْقط للمُطَالَبة؟ فيه وجهان 26. خاتمة: قال في "التلخيص": لو كان على رجل تسعون درهماً، فجاء مريض فَضَمِنَ عنه بأمره، ولا مَالَ لَهُ غَيْرُه فمات من عَلَيْهِ الحَقُّ ولم يترك إلا خمسةً وأربعينَ درهماً، ومات الضَّامِن وكان لصاحب الحَقِّ بمطالبة ورثة الضَّامن بستين دِرْهَماً، ويرجع ورثة الضَّامِن على المَيِّتِ بثلاثين، ويرجع صَاحِبُ الحق على المَيِّتِ بخمسةَ عشرَ دِرْهَمًا، هذا لفظه.
واعلم أن الضَّمَان في مرض الموت إذا كان بحيث يثبت الرّجوع ووجد الضامِنُ مرجعاً فهو محسوب من رَأَسِ المَالِ، وإن كان بحيث لا يثبت الرّجوع أو لم يجد مرجعاً كموت الأصيل معسراً، فهو محسوب من الثُّلُثِ، وهذا قد مَرَّ طرفٌ مِنْهُ في أوائل الضَّمَانِ، وبه تعرف أنه لم يشترط في صُورة المسألة مَوْت الأَصِيل، ومتى وَفَّتْ تركة الأَصِيل بثلثي الدَّيْنِ فلا دور؛ لأن صَاحِبَ الحَقِّ إن أخذ الحَقَّ من تركة الضَّامِن، رجع ورثته بثلثيه في تَرِكة الأَصِيل، وإن أَخَذَ تركة الأَصِيل وَفضل شَيْءٌ أخذه من تركة الضَّامن ويقع تبرعاً؛ لأن ورثة الضَّامِن لا يجحدون مرجعاً، وإن لم تف التركة بالثلثين فقد يتفق الدّور في المسألة كالصورة المنقولة عن "التلخيص" وهي أن يضمن المريض تسعين وَيَمُوت، وليس له إلا تسعون، ويموت الأَصيل وليس له إلا خمسة وأربعون، فصاحب الحَقِّ بالخيار، إن شاء أخذ تركة الأصيل بتمامها، وحينئذِ لا يقع دور أيضاً، وله مطالبة ورثة الضامِن بثلاثين درهماً، ويقع تبرعاً إذا لم يبق للأصيل تركة حتى يفرض

الجزء: 5 - الصفحة: 182

فيها رُجوع، فإن أراد الأخْذَ من تركة الضَّامِنِ لزم الدور؛ لأن ما يغرمه ورثة الضَّامن يرجع إليهم بَعْضُه من جهة أنه يصير المغروم ديناً لهم على الأَصِيلِ، فيضاربون به مع صَاحِب الحَقِّ في تركته، ويلزم من رجوع بعضه زيادة التركة ومن زيادة التركة زِيَادَةِ المَغْرُومَ، ومن زيادة المغروم زيادة الرَّاجِعِ.
وطريق استخراجه أن يقال: يأخذ صَاحِب الحَقِّ من ورثة الضَّامِن شيئاً، ويرجع إليهم مِثْل نِصْفِهِ؛ لأن تركة الأَصِيل نصف تركة الضَّامِن، فيبقى عندهم تِسْعُونَ إلاَّ نِصْف شَيْءٍ، وهو يعدل مِثْلِي ما تَلَفَ بالضمان، والتألف نصف شَيْءٍ ومثلا شيء، فإذاً تسعون إلا نِصْف شيء يَعْدِل شيئاً، فإذا اخترنا وقابلنا عدل تسعون شيئاً ونصفاً، فيكون الشيء ستين، فبان لنا أن المأخوذ سِتُّون، وحينئذ تكون الستون دينًا لهم على الأَصِيل، وقد بقي لِصَاحِبِ الحق ثَلاَثُونَ، فيتضاربون في تركته بسهمين وسَهْم، وتركته خَمْسَة وأربعون يأخذ منها للورثة ثلاثين، وصاحب الحق خمسة عشر، ويتعطل بَاقِي دينه وهو خمسة عشر، ويكون الحَاصِل للورثة ستين، ثلاثونُ بقيت عِنْدَهم، وثلاثون أَخَذُوهَا من تَرِكَةِ الأَصِيلِ، وذلك مِثْلاً مَا تَلَفَ ووقع تبرعاً وهو ثلاثون، ولو كان التصوير كما مَرَّ، لكن تركة الأصيل ثلاثون لقلنا: يأخذ صاحب الحقِّ شيئاً، ويرجع إلى وَرَثَةِ الضَّامِنِ مثل ثلثه؛ لأن تركة الأصيل ثلث تركة الضَّامِن، فيبقى عِنْدَهُمْ تِسْعُون نَاقِصَةٌ ثلثي شَيْءِ، يعدل مِثْليَ التالف بالضَّمَان وهو ثُلُثَا شَيْءٍ فمثلاه شَيْءٌ وثلث، فإذن تسعون إلا ثلثي شَيْءٍ، يعدل شيئاً وثلثاً، فإذا جبرنا وقابلنا عدل تِسْعون شيئين، فيكون الشَّيء جميعه خمسة وأربعين، وذلك ما أخذه صَاحِبُ الحَقِّ وصار ديناً لورثة الضَّامِنِ عَلَى الأَصِيل، وبقي لِصَاحِبِ الحَقِّ عليه خمسة وأربعون أيضاً، فيتضاربون في تركته بِسَهْم، وسهم فتجعل بينهما مُنَاصَفة، ولو كان تركة الأَصِيل ستين فَلاَ دور، بل لِصَاحِبِ الحَقِّ أخذ تركة الضَّامِن كُلّها ثم هم يأخذون تركة الأصيل كلها بِحَقِّ الرجوع، ويقع الَبَاقِي تبرعاً؛ ثم قال في "التلخيص": ولو كانت المسألة بِحَالِهَا، وكان قد ضمن أيضاً عن الضَّامِنِ ضَامِنٌ ثَانٍ ومات الضَّامِنُ الثَّانِي ولم يترك إلا ستين درهماً أيضاً كان لصاحب الحق أن يطالب ورثة أيهما شَاء، فإن طالب به ورثة الضَّامِن الأول، كان كالمَسالة الأولى يأخذ منه سِتّين، ومن ورثة مَنْ كان عليه أصل المَالِ خمسةَ عشر، ويرجع وَرثةُ الضَّامِنِ الثَّانِي على ورثة الَّذي كَانِ عَلَيْهِ الحق بِثَلاَثِين، وإن طَالَبَ ورثة الضَّامِن الثَّانِي أخذ منهم سَبْعِينَ دِرْهَماً، ومن ورثة مَنْ كَانَ عَليه الأصْل خَمْسة عَشَر، ويرجع ورثة الضَّامِن الثاني على الضَّامن الأول بأربعين درهماً، ويرجع الضَّامِن الأَول في مَالِ مَنْ عليه أَصْلُ الحَقِّ بثلاثين، أما قوله: (إن طالب ورثة الضَّامن الأول، كان كالمسألة الأولى) معناه: أنه لا يأخذ منهم إلا ستين، ويأخذ من تركة الأَصِيل خمسةَ عَشر كما في الصُّورة السُّابِقة، لكن لا يتلف مِنْ مَالِهِ شَيْءٌ هاهنا، بل يطالب بالباقي وهو خَمْسَة عشر ورثة الضَّامن الثاني.

الجزء: 5 - الصفحة: 183

أما جوابه فيما إذا طالب ورثة الضَّامِن الثَّاني، فقد غلطه الأصْحَاب فيه من جهة أنه أتلف مِنْ مَالِ الثَّانِي ثلاثين؛ لأنه أخذ منهم سَبْعِين، وأثبت لهم الرجوع بِأَرْبَعِين، وكان البَاقِي عندهم عِشْرين، فالمجموع سِتّون، ولم يتلف من مَالِ الأَول إلا عشرة؛ لأنه أخذ منهم أَرْبَعِين، وأثبت لهم الرُّجوع بثلاثين، ومعلوم أن الضَّامن الثاني إنما ضَمِن لهم تسعين عَمَّنْ يملك تسعين، والأول ضمن تسعين عمن يملك خمسةً وأربعين فكيف يؤخذ من الثاني أكثر مما يؤخذ من الأَوَّل؟ ثم اختلفوا في الجواب فقال الأستاذ أَبُو مَنْصُور في "الوصايا" يأخذ صَاحِبُ الحَقِّ من ورثة الضَّامِن الثاني خَمْسَةً وَسَبْعِينَ، ويرجعون بمثلها على وَرَثَةِ الأَوَّلِ، ويرجع ورثةُ الأَوَّلِ عَلَى وَرَثَةِ الأَصِيلِ بِتَرِكَتِهِ وهي خَمْسَةٌ وأربعون، فيكون جملة ما معهم سِتِّين خمسة عشر من الأَصِيل، والباقي من العِوَض، وذلك مثلا الثلاثين التَّالِفة عَلَيْهِم، ولم يثبت لِصَاحِبِ الحَقِّ مطالبة ورثة الثَّانِي بكمال الدَّيْنِ، وقال القَفَّالُ والأكْثَرُونَ: له مطالبة وَرثة الثَّانِي بجميع الدَّينِ، ثم هم يرجعون على ورثة الأَوَّل بخمَسةٍ وسَبْعِينَ يتلف عليهم خَمْسَة عشر للضَّرورة، ويرجع ورثة الأول على ورثة الأَصِيل بتركته، كما ذكره الأُسْتَاذُ، وقال الإمام رحمه الله: كأنَّ الأستاذَ اعتقد أن الضمان الأول لاَ يَصِح إلا في قَدرٍ لو رجع معه في تركة الأصيل لما زاد التَّالِف من تركته على ثُلُثِهَا، وإذا لم يَصِحّ ضَمَانُه فِيمَا زَادَ لَمْ يَصِح ضَمَان الثَّانِي عَنْهُ، والآخرون قالوا: إنما لاَ يؤخذ أكْثَر من الثُّلُثِ بِحَقٌ الورثة، لكنه صَحِيحٌ في الجَمِيع متعلق بذِمَّتِهِ، فيكون ضَمَانُ الثَّانِي عنه فيما زَادَ كَالضَّمَانِ عَنِ المُعْسِر، ويجب أن يكون هَذَا الَخِلاَف جَارياً في مطالبتهم بتتمة التِّسْعِين، إذا طَالَب أولاً ورثة الضَّامِن الأَوَّل، وإن لم يذكر ثَمّ، وإن أخذ المستحق أولاً تركة الأَصِيل بَرِئَ الضَّامِنَانِ عَنْ نِصْفِ الدَّيْنِ، ثم المستحق على جواب الأكثرين إنْ شَاءَ أخذ مِنْ وَرَثَةِ الأَوَّلِ ثَلاَثِينَ، ومن وَرَثَةِ الثَّانِي خَمْسَةَ عَشَرَ، وإن شاء أخذ الكُلَّ من ورثة الأَول ولا رُجوع، وإن شَاء أخذها من وَرَثَة الثَّانِي، وهم يرجعون على ورثة الأول بثلاثين، فَيَصِل إلى تَمَامِ حَقِّه بالطريقين.
وعلى جواب الأستاذ: ليس له من الثَّاني إلا ثلاثون، إن شاء أخذها من ورثة الأول ولا رجوع وإن شَاء أَخَذ مِنْ وَرَثَةِ الثَّانِي، وهم يرجعون على وَرَثَةِ الأَوَّلِ.

الجزء: 5 - الصفحة: 184

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل