بهذا الباب؛ لأن أهم الصلوات الوظائف الخمس، وأهم ما يعرف منها مواقيتها، لأنها بدخول الوقت تجب وبخروجه تفوت.
وفي الباب ثلاثة فصول:
أولها: في وقت الرفاهية.
والثاني: في وقت العذر، وفي كلام الشافعي -رضي الله عنه- أن الوقت وقتان: وقت مقام ورفاهية، ووقت عذر وضرورة.
قال الشارحون: المقام: الإقامة، والرفاهية: الفسحة والدعة، يقال: فلان رَافِهُ إذا كان حاضرًا غير ظاعن، وفلان في رَفَاهِيَةٍ من عَيْشِهِ أي خفض ودَعَةٍ، واتفقوا على أن الغرض بهما في كلامه شيء واحد، وهو وقت المترفه الذي ليس به عذر ولا ضرورة، وهو الوقت الأصلي للصّلوات، واختلفوا في العذر والضرورة، فمنهم من قال: وقت العذر غير وقت الضرورة، فالعذر ما يرخص في التقديم والتأخير من غير إلجاء إليه وهو السفر والمطر، والضرورة ما تدفع وتلجئ إليه وذلك في، الصبي يبلغ والمجنون يفيق، والكافر يسلم، والحائض والنفساء ينقطع دمهما.
وعلى هذا قالوا: الأوقات ثلاثة، لكن الشافعي -رضي الله عنه- جعلهما على قمسين، وجعل وقتاً في حيز، ووقتين في حيز؛ لما بينهما من التناسب، ومنهم من
الجزء: 1 - الصفحة: 366
قال: العذر والضرورة وَاحِدٌ، وأراد به وقت الصبي يبلغ ومن في معناه.
وإذا عرفت ذلك فاعلم أن صاحب الكتاب جعل الفصل الأول في وقت الرفاهية، والثاني في وقت الضرورة، وسماها وقت العذر، كأنه وافق الفرقة الصائرة إلى أن المراد بالعذر والضرورة واحد.
فأما الفصل الأول فالأصل فيه ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ بَاب الْبَيْتِ مَرَّتَيْن فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَت الشَّمْسُ" (1)، وروي "حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْلَ الشِّرَاكِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرُ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَدْر ظِلِّهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ بقَدرِ ظِلِّهِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ لِلْقَدَرِ الأَوَّلِ لَمْ يُؤَخِرْهَا، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ ذهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَصَلَّى بِيَ الفَجْرَ حِينَ أَسْفَرَ، ثُمَّ الْتَفَتَ فَقَال يَا مُحَمَّدُ: هذَا وَقْتُ الْأنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ"، ويروى مثل ذلك عن ابن عمر -رضي الله عنهما- وأبي هريرة وأبي موسى وجابر وأنس وغيرهم -رضي الله عنهم- (2).
ولهذا الحديث بدأ الأئمة بصلاة الظهر.
القول في وقت صلاة الظهر
: ووقتها يدخل بالزَّوَال، وبيانه: أن الشمس إذا طلعت وقع ظل كل شخص في جانب المغرب طويلاً، ثم ما دامت الشَّمس ترتفع فالظل ينقص حتى إذا بلغت كبد السماء وهي حالة الاستواء انتهى نقصانه، وقد لا يبقى له ظل أصلاً، وذلك في بعض البلاد "كمكة" و"صنعاء اليمن" في أطول أيام السنة، وإذا بقي فهو مختلف المقدار12
الجزء: 1 - الصفحة: 367
باختلاف البلاد والفصول، ثم إذا مالت الشمس إلى جانب المغرب فإن لم يبق ظل عند الاستواء حدث الآن في جانب المشرق، وإن بقي شيء زاد الآن وتحول إلى المشرق.
فحدوثه أو زيادته هو الزوال، ثم إذا صار ظل الشاخص مثله من أصل الشاخص إن لم يبق شيء من الظل عند الاستواء أو من نهاية القدر الباقي في حالة الاستواء إن بقي شيء فقد خرج وقت الظهر.
وقوله في الكتاب: "وهو عبارة عن ظهور زيادة الظل" يريد به أغلب الأحوال وهو بقاء الظل في حالة الاستواء وإن قل.
فأما إذا لم يبق شيء عند الاستواء فالزوال بظهور الظل، ولا معنى للزيادة، لكنه نادر لا يكون إلا في يوم واحد من السنة في بعض البلدان.
وقوله: "ويتمادى وقت الاختيار إلى أن يصير ظل الشخص مثله من موضع الزيادة" جار على الغالب أيضاً كما بيناه، فإذا كان الشاخص ذراعين مثلاً والباقي من ظله عند الاستواء ربع ذراع فإنما يخرج الوقت إذا صار الظل ذراعين وربع ذراع.
وأراد بوقت الاختيار ما اشتمل عليه بيان جبريل عليه السلام بعد وقت الفضيلة ألا تراه يقول: في "وقت العصر ووقت الفضيلة في الأول ما بعده وقت الاختيار" وفسر بعضهم وقت الاختيار بما يشتمل عليه بيان جبريل من غير التقييد بكونه بعد وقت الفضيلة، وعلى هذا فوقت الاختيار ينقسم إلى وقت الفضيلة وإلى ما بعده، وليكون قوله: "إلى أن يصير ظل الشخص مثله" معلماً بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- يبقى وقت الظهر إلى أن يصير ظل الشيء مثله ثم يدخل وقت العصر، وبالميم أيضاً؛ لأن عند مالك يبقى وقت الظهر إلى أن يصير ظل الشخص مثله، ولكن إذا صار ظل الشيء مثليه دخل وقت العصر، وفي مصير الظل مثله إلى مصيره مثليه وقت لكل واحدة من الصلاتين، هكذا روى مذهبه طائفة من أصحابنا.
وروى آخرون أنه قال: يدخل وقت العصر بمصير الظل مثليه، ولا يخرج وقت الظهر حتى يمضي قدر أربع ركعات، وهذا القدر هو المشترك بين الصلاتين، ويروى هذا عن المزني أيضاً، فليضف الزاي إلى الحاء والميم.
قال الغزالي: وبِهِ يَدْخُلُ وَقْتُ العَصْرِ (ح ز) وَيتَمَادَى (م) إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَوَقْتُ الفَضِيلَةِ في الأَوَّلِ وَمَا بَعْدَهُ وَقْتُ الاخْتِيَارِ إلى مَصِيرِ الظِّلِّ مِثْلَيهِ، وَبَعْدَهُ وَقْتُ الجَوَازِ إِلَى الاصْفِرَارِ، وَوَقْتُ الكَرَاهِيَةِ عِنْدَ الاصْفِرَارِ.
القول في وقت صلاة العصر
: قال الرافعي: إذا صار ظل الشيء مثليه فقد دخل وقت العصر، لما روينا من
الجزء: 1 - الصفحة: 368
حديث ابن عباس، وقد يوهم الخبر اشتراكًا بين الظهر والعصر في قدر من الوقت كما حكيناه عن مالك؛ لأنه قال: صلّى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مِثليه، [وصلى العصر في اليوم الأول حين صار ظلُّ كلَّ شيء مثليه] 3 وأوَّله الشافعي -رضي الله عنه- على أنه ابتدأ العصر من اليوم الأول حين صار ظل الشّيء مثليه، وفرغ من الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل الشيء مثليه.
ودليل التأويل ما روي عن ابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَقْتُ الظُّهْرِ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُ الْعَصْرِ" 4. ثم يمتد وقت العصر إلى غروب الشمس؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِن الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَد أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أن تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أدْرَكَ الْعَصْرَ" 5. وفيه وجه آخر، وإليه ذهب أبو سعيد الإصطخري: أنه لا يمتد إلى غروب الشمس، بل آخر وقت العصر إذا صار ظل الشيء مِثْلَيْهِ، لأنه لو زاد عليه لبينه جبريل عليه السلام، وعلى ظاهر المذهب وقت الاختيار إلى مصير الظل مِثْلَيْهِ، وبعده وقت الجواز بلا كراهية إلى اصفرار الشمس، ومن اصفرار الشمس إلى الغروب، وقت الكراهية، ومعناه أنه يكره تأخيرها إليه.
روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "تِلْكَ صَلاَةُ الْمُنَافِقِ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حَتَّى إذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرَنَي الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا، لاَ يَذْكُرً اللهَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً" 6.
وأما ما يتعلق بألفاظ الكتاب، فقوله: "وبه يدخل وقت العصر" ينبغي أن يعلم بالحاء؛ لما قدمناه، وقوله: "ويمتد إلى غروب الشمس" بالواو للوجه المنسوب إلى الإصطخري.
فإن قلت: قال الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر": "ثم لا يزال وقت الظهر قائماً حتى يصير ظل كل شيء مثله، فإذا جاوز ذلك بأقل زيادة، فقد دخل وقت العصر ظاهراً"، هذا يقتضي اعتبار زيادة على مصير الظل مثله، ليدخل وقت العصر، وذلك ينافي قوله: "وبه يدخل وقت العصر" فهل في ذلك اختلاف قول أم وجه أم كيف الحال؟ فالجواب أنه لا خلاف في دخول وقت العصر حتى يخرج وقت الظهر عندنا.
وكلام الشافعي محمول على أن خروج وقت الظهر لا يكاد يعرف إلا بزيادة الظل على المثل وإلا فتلك الزيادة من وقت العصر.
وقوله: ووقت الفضيلة في الأول لا يختص به العصر، بل وقت فضيلة جميع الصلوات أول أوقاتها على ما سيأتي، لكن اجتماع الأوقات الأربعة الفضيلة، والاختيار، والجواز، والكراهية من خاصية وقت العصر والصبح وما عداهما.
الجزء: 1 - الصفحة: 369
أما ذات وقتين: الفضيلة والاختيار كالظهر، وأما ذات ثلاث أوقاتِ الفضيلة، والاختيار، والجواز، كالعشاء، والعصر أول الصلاتين المخصوصتين بالأوقات الأربعة في الترتيب المذكور، فهذا هو الداعي إلى تقسيم وقت العصر إلى الفضيلة وغيرها.
قال الغزالي: وَوَقْتُ المَغْرِبَ يَدْخُلُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ وَيمْتَدُّ (م) إِلَى غُرُوبِ الشَّفَقِ فِي قَوْلٍ، وَعَلَى قَوْلٍ: إِذَا مَضَى بَعْدَ الغُرُوبِ وَقْتُ وُضُوءٍ وَأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ وَقَدْرِ خَمْسَ (و) رَكَعَاتٍ فَقَدِ انْقَضَى (ح) الوَقْتُ، لِأَنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام صَلاَّهَا فِي الْيَومَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَعَلَى هَذَا فَلَوْ شَرَعَ فِي الصَّلاَةٍ فَمَدَّ آخِرَ الصَّلاَةِ إلَى وَقْتِ غُرُوبِ الشَّفَقِ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: لا خلاف في أن وقت المغرب يدخل بغروب الشمس، والاعتبار بسقوط قرصها، وهو ظاهر في الصحارى.
وأما في العمران، وقلل 7 الجبال، فالاعتبار بأن لا يرى من شعاعها شيء على أطراف الجدران وقلل الجبال، ويُقبل 8 الظلام من المشرق، وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا أَقْبَلَ الظَّلاَمُ مِنْ هَاهُنَا -وَأَشَارَ إلَى الْمَشْرِقِ، وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا- وَأَشَارَ إِلَى الْمَغْرِبِ - فَقَد أَفْطَرَ الصَّائِمُ" 9. وإلى متى يمتد وقت المغرب؟ فيه [قولان] 10 القديم: أنه يدوم وقتها إلى غيبوبة الشفق، لما روي عن بريدة "أَنَّ رَجُلاً سَألَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ وَقْتِ الصَّلاَةِ فَقَالَ: صَلِّ مَعَنَا هذَيْنِ"، يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ إِلَى أَنْ قَالَ: "وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ " 11.
وروي في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَوَقْتُ صَلاَةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ" 12.
ويعبر عن هذا القول بأن للمغرب وقتين كسائر الصلوات، وفي "الجديد" إذا مضى قدر وضوء وستر عورة وآذان وإقامة وخمس ركعات فقد إنقضى الوقت؛ لأن جبريل عليه السلام صلاها في اليومين في وقت واحد، ولو كان لها وقتان لبين كما في سائر الصلوات؛ ثم معلوم أن ما لا بد منه من شرائط الصَّلاَةِ لا يجب تقديمه على الوقت،
الجزء: 1 - الصفحة: 370
فيحتمل التأخير بعد الغروب قدر ما يشتغل بها، والاعتبار في جميع ذلك بالوسط المعتدل 13، ويحتمل أيضاً أكل لقم يكسر بها سورة الجوع 14.
وفي وجه: ما يمكن تقديمه على الوقت كالطهارة، وستر العورة يسقط من الاعتبار.
وفي وجه: لا يعتبر خمس ركعات، وإنما يعتبر ثلاث ركعات، ويعبر عن هذا القول بأن للمغرب وقتاً واحداً يعتبر تقديره بالفعل، وعلى هذا القول لو شرع في المغرب في الوقت المضبوط فهل يجوز أن يستديم صلاته إلى أن ينقضي هذا الوقت؟ إن قلنا: إن الصلاة التي وقع بعضها في الوقت وبعضها بعد الوقت أداء، وأنه 15 يجوز تأخيرها إلى أن يخرج عن الوقت بعضها - فله ذلك لا محالة، وإن قلنا: لا يجوز ذلك في سائر الصلوات، ففي المغرب وجهان: أحدهما: المَنْعُ كسائر الصلواتِ.
وأصحهما: أنه يجوز مدها إلى غروب الشفق، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "قرأ سورة الأعْرَافِ في المغرب" 16 فظاهر المذهب القول الجديد.
واختار طائفة من الأصحاب القول الأول، ورجحوه، وعندهم أن المسألة مما يفتى فيها على القديم 17.
وإذا عرفت ذلك فعد إلى ألفاظ الكتاب وعلم قولَه: (ويمتد إلى غروب الشفق) بالميم، لأن مذهب مالك مثل القول الجديد في أظهر الروايتين، وقوله: (فقد انقضى الوقت) بالحاء والألف؛ لأن مذهبهما مثل القول القديم، ولفط (الوضوء) بالواو، وكذا قوله: (وقدر خمس ركعات) لما حكينا من الوجهين، وادعى القاضى الروياني أن المذهب: اعتبار الثلاث دون الخمس، وقوله) (وعلى هذا، فلو مد آخر الصلاة إلى غروب الشفق، فوجهان) فيه، إشارة إلى أن الوجهين مبنيان على قولنا أن من سائر الصلوات لا يجوز الإتيان بها، بحيث يقع بعضها بعد الوقت، لا ما إذا جوزنا ذلك، فلا اختصاص للامتداد بغروب الشفق، مهما كان الشروع في الوقت المضبوط.
الجزء: 1 - الصفحة: 371
قال الغزالي: وَوَقْتُ العِشَاءِ يَدْخُلُ بِغَيْبُوبَةِ الشَّفَقِ، وَهُوَ الحُمْرَةُ (ح) الَّتِي تَلِي الشَّمْسَ دُونَ البَيَاضِ والصُّفُرَةِ، ثُمَّ يَمْتَدْ وَقْتُ الاخْتِيَارِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ عَلَى قَوْلٍ، وَإِلَى النِّصْفِ عَلَى قَوْلٍ، وَوَقْتُ الجَوَازِ اِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ.
القول في وقت صلاة العشاء
:
قال الرافعي: إذا غاب الشفق دخل وقت العشاء، لما روينا من [خبر] 18 جبريل عليه السلام: "والشَّفَقُ هُوَ الْحُمْرَةُ" 19 وبه قال مالك وأحمد خلافاً لأبي حنيفة والمزني، حيث قال: هو البياض الذي يعقب الحمرة، ويروى عن أحمد أن الاعتبار في الصحراء بالحمرة، وفي البنيان بالبياض.
لنا: ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: في الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ فَإذَا غَابَ الشَّفَقُ وَجَبَتِ الصَّلاَةُ".
وإلى متى يمتد وقت الاختيار؟ فيه قولان.
أصحهما: إلى ثلث الليل لبيان جبريل عليه السلام.
والثاني: إلى نصف الليل.
وبه قال أبو حنيفة، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرتُهُمْ بالسَّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاَةٍ، وَلَأَخَّرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ" 20. وعن أحمد روايتان، كالقولين ثم يستمر وقت الجواز إلى طلوع الفجر الثاني.
وفيه وجه آخر: أنه إذا ذهب وقت الاختيار على اختلاف القولين فقد ذهب وقت الجواز أيضاً، أما على قول: "الثلث" فلحديث جبريل عليه السلام حيث قال: "الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ".
وأما على قول النصف فلما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَقْتُ الْعِشَاءِ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ نِصْفِ اللَّيْلِ" 21، إلى هذا الوجه ذهب الإصطخري، وكذلك أبو بكر الفارسي فيما حكى المعلق عن الشيخ أبي محمد، والمذهب الأول.
واحتجوا له بما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "صَلاَةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصَّبْحَ فَلْيُوتِرْ بِرَكْعَةٍ" 22.
الجزء: 1 - الصفحة: 372
وبما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ التَّفْرِيطُ فِي النَّوْمِ، وَإِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ، أَنْ تُؤَخَّرَ صَلاَةٌ حَتَّى يَدْخُلُ وَقْتُ صَلاَةٍ أُخْرَى" (1).
ظاهره يقتضي امتداد وقت كل صلاة إلى دخول وقت الأخرى، ولا يخفى عليك مما ذكرناه المواضع المستحقة للعلامات من ألفاظ الكتاب، وأن قوله: "ووقت الجواز إلى طلوع الفجر المراد منه الفجر الثاني" وقوله: في تفسير الشفق "دون البياض والصفرة" لا كلام في أن البياض خارج عن تفسير الشفق عندنا، وأنه لا يعتبر غروبه.
وأما الصفرة فقد ذكر إمام الحرمين في "النهاية": أن أول وقت العشاء يدخل بزوال الحمرة والصفرة، والشمس إذا غربت تعقبها حمرة ثم ترق إلى أن تنقلب صفرة ثم يبقى بياض.
قال: وبين غيبوبة الشمس إلى زوال الصفرة كما بين الصبح الصادق إلى طلوع قرن الشمس، وبين زوال الصفرة إلى انمحاق البياض يقرب مما بين الصبح الصادق والكاذب، ونقل صاحب الكتاب في "البسيط" هذا الكلام، لكن الذي يوافق إطلاق المعظم ما ذكره في هذا الموضع، وهو الاكتفاء بغيبوبة الحمرة.
ولفظ الشافعي -رضي الله عنه- دال عليه، ألا تراه يقول في "المختصر": وإذا غاب الشفق وهو الحمرة فهو أول وقت العشاء، ثم غروب الشفق ظاهر في معظم النواحي.
أما الساكنون بناحية تقصر لياليهم ولا يغيب عنهم الشفق فيصلون العشاء، إذا مضى من الزمان قدر ما يغيب فيه الشفق في أقرب البلدان إليهم، ذكره القاضي حسين في "فتاويه".
قال الغزالي: وَوَقْتُ الصُّبْحِ يَدْخُلُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ الصَّادِقِ الُمْستَطِيرِ ضَؤْءُهُ لاَ بِالفَجْرِ الكَاذِبِ الَّذِي يَبْدُو مُسْتَطِيلاً كَذَنَبِ السِّرْحَانِ، ثُمَّ يَنْمَحِقُ أَثَرُهُ ثُمَّ يَتَمَادَى وَقْتُ الاخْتِيَارِ إلَى الإِسْفَارِ، وَوَقْتُ الجَوَازِ اِلَى الطُّلُوعِ.
القول في صلاة الصبح
:
قال الرافعي: يدخل وقت الصبح بطلوع الفجر الصادق ولا عبرة بالفجر الكاذب.
والصادق هو المستطير الذي لا يزال ضوؤه يزداد ويعترض في الأفق، سمى مستطيراً لانتشاره قال الله تعالى: ﴿كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ 24 والكاذب يبدو مستطيلاٍ ذاهباً في السماء، ثم ينمحق وتصير الدنيا أظلم مما كانت والعرب تشبهه بذنب السرحان، لمعنيين:23
الجزء: 1 - الصفحة: 373
أحدهما: طوله.
والثاني: أن الضوء يكون في الأعلى دون الأسفل كما أن الشعر يكثر على أعلى ذنب الذئب دون أسفله وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَغُرَّنَّكُمُ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ" 25. ويتمادى وقت الاختيار إلى الإسفار، لحديث جبريل عليه السلام.
وهل يزيد الوقت عليه؟ قال أبو سعيد الإصطخري: لا، والمذهب أنه يبقى وقت الجواز إلى طلوع الشمس لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ" 26 ثم من الإسفار إلى طلوع الحمرة جواز بلا كراهية، ووقت طلوع الحمرة وقت الكراهية فيكره تأخير الصلاة إليها من غير عذر، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ، وكذلك [أورده] 27 في "التهذيب" فيحصل للصبح أربعة أوقات كما للعصر.
وقوله: "ووقت الجواز إلى الطلوع" إن كان المراد منه ما تشترك فيه حالة الكراهية وحالة عدمها فلا مخالفة بينه وبين ما حكيناه، ولكنه خص اسم الجواز بما لا كراهة معه في فصل العصر، ألا تراه يقول: "وبعده وقت الجواز إلى الاصفرار ووقت الكراهية عند الاصفرار" فيشبه أن يريد بالجواز هاهنا مثل ذلك أيضاً، وحينئذ يكون ما ذكره مخالفاً لما حكيناه والله أعلم.
قال الغزالي: ثُمَّ يُقَدَّمُ (وح) أَذَانُ هَذِهِ الصَّلاَةِ عَلَى الوَقْتِ فِي الشِّتَاءِ لِسَبْعِ بَقين مِنَ اللَّيْلِ، وَفي الصَّيْفِ بِنِصْفِ سُبْعٍ، وَقِيلَ: يَدْخُلُ وَقْتُ أَذَانِهِ بِخُرُوجِ وَقْتِ اخْتِيَارِ العِشَاءِ، ثُمَّ لْيَكُنْ لِلْمَسْجِدِ مُؤَذِّنَانِ يؤَذِّنُ أحَدُهُمَا قَبْلَ الصُّبْحِ والأخَرُ بَعْدَهُ.
قال الرافعي: صلاة الصبح تختص في حكم الأذان بأمور، ذكر منها هاهنا شيئين:
أحدهما: أنه يجوز تقديم آذانها على دخول الوقت خلافاً لأبي حنيفة.
لنا ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّ بِلاَلاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ" 28 والمعنى فيه إيقاظ النُّوَامِ، فإن الوقت وقت النوم والغفلة ليتأهبوا للصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 374
وقال الشيخ يحيى اليمني في "البيان": ذكر بعض أصحابنا أنه إذا جرت عادة أهل بلد بالأذان بعد طلوع الفجر لم يقدم فيها الأذان على الوقت كيلا يشتبه عليهم الأمر، وهذا التفصيل غريب، وليكن قوله: "ثم يقدم" معلماً بالواو مع الحاء لذلك، ثم في القدر الذي يجوز به التقديم وجوه، ذكر منها في الكتاب وجهين:
أحدهما: أنه يقدم في الشتاء لِسُبُعٍ بقي من الليل، وفي الصيف لِنْصِف سُبُع [بقي من الليل، وروي عن سعد القرظي 29 قال: "كَانَ الأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فِي الشِّتَاءِ لِسُبْعٍ بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ وَفِي الصَّيْفِ لِنِصْفِ سُبْعٍ"] 30 31 وهذا القدر لا يعتبر تحديداً، وإنما يعتبر تقريباً، والغرض أن يتأهب الغافلون لأسباب الصلاة وفي التنبيه قريباً من السحر ما يحصل هذا المقصود.
والثاني: أنه إذا خرج وقت اختيار العشاء إما الثلث وإما النصف على اختلاف القولين فقد دخل وقت أذان الصبح؛ لأنه لا يخاف اشتباه أحد الأذانين بالآخر فإن الظاهر أن العشاء لا تؤخر عن وقت الاختيار.
والوجه الثالث: أن وقته النصف الأخير من الليل، ولا يجوز قبل ذلك، وإن قلنا: إن وقت اختيار العشاء لا يجاوز ثلث الليل وشبه ذلك بالدفع من "المزدلفة" والمعنى فيه ذهاب معظم الليل.
والرابع: حكاه القاضي أبو القاسم بن كج وآخرون: أن جميع الليل وقت له كما أنه وقت لنية صوم الغد.
واحتج له بإطلاق قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ بلاَلاً يُؤَذِّنْ بِلَيْلٍ" وأظهر الوجوه أنما هو الأول، ولم يفصل في "التهذيب" بين الصيف والشتاء، واعتبر السبع على الإطلاق تقريباً، وكل هذا في الأذان.
أما الإقامة فلا تقدم على الوقت بلا خلاف.
وهذا الفصل ليس من أحكام الأذان إلا أن الشافعي -رضي الله عنه- ذكره في هذا الموضع لتعلقه بالمواقيت وتأسى به الأصحاب.
الجزء: 1 - الصفحة: 375
الثاني: يستحب أن يكون للمسجد مؤذنان يؤذن أحدهما قبل الصبح والآخر بعده كما كان لمسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والأول أولى بالإقامة، وإن لم يكن إلاَّ مؤذن واحد فيؤذن مرتين، مرة قبل الصبح، وأخرى بعده، ويجوز أن يقتصر على مرة واحدة، إما قبل الصبح أو بعده، أو بعض الكلمات قبل الصبح وبعضها بعده، فإذا اقتصر على مرة فالأولى أن تكون بعد الصبح على المعهود في سائر الصلوات 32.
قال الغزالي: قَاعِدَةٌ، تَجِبُ الصَّلاَةُ بأَوَّلِ (ح) الوَقْتِ وُجُوباً مُوَسَّعاً (ح)، فَلَوْ مَاتَ فِي وَسَطِ الوَقْتِ قَبْلَ الأَدَاءِ عَصَى عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ أَخَّرَ حَتَّى خَرَجَ بَعْضُ الصَّلاَةِ عَنِ الوَقْتِ فَفِي كَوْنهِ أَدَاءً ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ، وَفِي الثَّالِثُ يُجْعَلُ القَدْرُ الخَارجُ قَضَاءً (ح).
قال الرافعي: الصلاة تجب بأول الوقت وجوبًا موسعاَ، ومعنى كونه موسعاً أن له أن يؤخرها إلى آخر الوقت ولا يأثم.
وعند أبي حنيفة تجب بأخر الوقت، لكن لو صلى في أول الوقت سقط الفرض.
لنا قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ 33 والأمر للوجوب.
ولو أخر من غير عذر ومات في أثناء الوقت فهل يعصى؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه ترك الواجب.
وأصحهما: لا (لأنه أبيح له التأخير) 34، بخلاف ما لو أخر الحج بعد الوجوب فمات بعد إمكان الأداء يعصى؛ لأن آخر الوقت غير معلوم، وأبيح له التأخير بشرط أن يبادر الموت، فإذا مات قبل الفعل أشعر الحال بتقصيره وتوانيه وفي الصلاة آخر الوقت معلوم فلا ينسب إلى التقصير ما لم يؤخر عن الوقت.
ولو وقع بعض الصلاة في الوقت وبعضها بعد خروج الوقت، فقد حكى صاحب الكتاب فيه ثلاثة أوجه ولم يفرق بين أن يكون الواقع في الوقت ركعة أو دونها.
أحدها: أن الكل أداء اعتباراً بأول الصلاة.
والثاني: أن الكل قضاء اعتباراً بالآخر، فإنه وقت سقوط الفرض بما فعل.
الجزء: 1 - الصفحة: 376
والثالث: أن الواقع في الوقت أداء وفي الخارج قضاء كما أنه لو وقع الكل في الوقت كان أداء وإذا وقع خارجه كان قضاء.
والذي ذكره معظم الأصحاب الفرق بين أن يكون الواقع في الوقت ركعة فصاعداً أو دونها واقتصروا على وجهين:
أصحهما: أنه إن وقع في الوقت ركعة فالكل أداء، وإلا فالكل قضاء، وبه قال ابن خيران؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْح قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ" 35.
وأيضاً فإن للركعة من التأثير ما ليس بغيرها.
ألا ترى أنه تدرك الجمعة بركعة، ولا تدرك بما دونها.
والوجه الثاني: أن ما وقع في الوقت أداء والخارج عنه قضاء، وأورد إمام الحرمين الأوجه الثلاثة المذكورة في الكتاب ولكن بعد الفرض في الركعة، ثم قال: إن الأئمة ذكروا الركعة فيما يقع في الوقت، وكان شيخي يرد ذلك إلى تفصيل المذهب فيما يدرك به أصحاب الضرورات الفرض.
قال: والذي ذكره غير بعيد.
وإذا عرفت ذلك، فإن كان صاحب الكتاب أراد بالبعض الذي [أطلقه] 36 الركعة، فذاك وإلا فهو جري على المنقول عن الشيخ أبي محمد.
ثم فيما يدرك به أصحاب الضرورة الفرض قولان: أحدهما: ركعة.
والثاني: تكبيرة.
ففرض الخلاف في مطلق البعض تكون جواباً على هذا القول الثاني، وليكن قوله: "يجعل القدر الخارج قضاء" معلماً بالألف؛ لأن القاضي الروياني روى أن عند أحمد إذا وقعت ركعة من الصلاة في الوقت فالكل أداء، كما هو الصحيح عندنا، ولا بأس بإعلامه بالحاء أيضاً؛ لأن عند أبي حنيفة لو طلعت الشمس -في خلال صلاة الصبح- بطلت، ولا يعتد بها لا قضاء ولا أداء، وسلم أنه لو غربت الشمس في خلال الصلاة من عصر يومه لا تبطل الصلاة.
لنا: ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلاتَهُ وَإذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلاَةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلاتَهُ" 37. ومتى قلنا الخارج عن الوقت قضاء، أو قلنا الكل قضاء لم يجز للمسافر قصر تلك الصلاة على قولنا أن القصر لا مدخل له في القضاء، وهل يجوز تأخير الصلاة إلى حد يخرج بعضه عن الوقت؟ إن قلنا إنها مقضية، أو أن بعضها مقضي
الجزء: 1 - الصفحة: 377
فلا، وإن قلنا مؤداة فقد حكى إمام الحرمين عن أبيه ترديد الجواب في ذلك، ومال إلى أنه لا يجوز، وهذا هو الذي أورده في "التهذيب" من غير ترديد وبناء على خلاف، ولو شرع فيها وقد بقي من الوقت ما يسع الجميع لكن مدها بطول القراءة حتى خرج الوقت.
لم يأثم، ولا يكره أيضاً في أظهر الوجهين.
قال الغزالي: ثُمَّ تَعْجِيلُ الصَّلَوَاتِ أَفْضَلُ (ح) عِنْدَنَا، وَفَضِيلَةُ الأَوَّليَّةِ بِأنْ يَشْتَغِلَ بِأسْبَابِ الصَّلاَة كَمَا دَخَلَ الوَقْتُ، وَقِيلَ: تَتَمَادَى الفَضِيلَة اِلَى نِصْفِ وَقْتِ الاخْتِيَارِ، وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ العِشَاءِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، ويُسْتَحَبُّ الإبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ إِلَى وُقُوعِ الظِّلِّ الَّذِي يَمْشِي فِيهِ السَّاعي إِلَى الجَمَاعَةِ، وَفِي الإبْرَادِ بِالجُمُعَةِ وَجْهَانِ لِشِدَّةِ الخَطَرِ في فَوَاتِهَا.
قال الرافعي: روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أَوَّلُ الْوَقْتِ رِضْوَانُ اللهِ، وَآخِرُ الْوَقْتِ عَفْوُ اللهِ" 38 قال الشافعي -رضي الله عنه-: "رضوان الله إنما يكون للمحسنين "والعفو" يشبه أن يكون للمقصرين.
وروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الصَّلاَةُ لِأوَّلِ وَقْتِهَا" 39. وبم تحصل فضيلة الأولية؟ حكى الإمام فيه ثلاثة أوجه:
أقربها: عنده وهو الذي ذكره صاحب "التقريب" أنها تحصل بأن يشتغل بأسباب الصلاة كالطهارة والأذان فإن دخل الوقت، فإنه لا يعد حينئذ متوانياً ولا مؤخراً.
والثاني: يبقى وقت الفضيلة إلى نصف الوقت؛ لأن معظم الوقت باقٍ ما لم يمض النصف، فيكون موقعاً للصلاة في حد الأول، وإلى هذا مال الشيخ أبو محمد واعتبر نصف وقت اختيار.
والثالث: لا تحصل الفضيلة إلا إذا قدم [قبل الوقت] ما يمكن تقديمه من الأسباب لتنطبق الصلاة على أول دخول الوقت، وعلى هذا قيل: لا ينال المتيمم فضيلة الأولية 40، وعلى الأول: لا يشترط تقديم ستر العورة كالطَّهَارَةِ، وعن الشيخ أبي محمد اشتراطه؛ لأن ستر العورة لا تختص بالصلاة، والشغل الخفيف كأكل لُقَمٍ وكلام قصير لا يمنع إدراك الفضيلة، ولا يكلف العجلة على خلاف العادة 41. ولنتكلم في الصلاة
الجزء: 1 - الصفحة: 378
واحدة واحدة.
أما الظُّهْرُ فيستحب فيها التعجيل، إلا إذا اشتد الحر، وظاهر المذهب، أنه يستحب الإبراد به، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ، فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاَةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحُرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ" 42. ومن الأصحاب من قال الإبراد رخصة 43، فلو تحمل القوم المشقة،44
الجزء: 1 - الصفحة: 379
وصلوا في أول الوقت، فهو أفضل.
والأول المذهب، ثم الإبراد المحبوب أن يؤخر إقامة الجماعة عن أول الوقت في المسجد (48) الذي يأتيه الناس من بُعد بقدر ما يقع للحيطان ظل يمشي فيه الساعون إلى الجماعة.
فلا ينبغي أن يؤخر عن النصف الأول من الوقت ولو كانت منازل القوم قريبة من454647 = له، وإن أقدم عليها لم يأثم، وإن أخذ بالعزيمة وبذل نفسه حبسة في دينه، فامتنع عن إجراء كلمة الكفر مراعاة لحقه تعالى صورة ومعنى، لأن الممتنع مطيع لربه مظهر الصلابة في الدين، فهو جهاد، فيكون أفضل وأولي.
الجزء: 1 - الصفحة: 380
المسجد، أو حضر جمع في موضع، ولا يأتيهم غيرهم: فلا يبردون بالظهر.
وفيه قول آخر: أنهم يبردون بها، ولو أمكنهم المشي إلى المسجد في ركن، أو في ظل، أو كان يصلي منفردًا في بيته، فلا إبراد أيضاً.
وفي وجه يستحب الإبراد، فمن قال الإبراد -في هذه الصور- احتج بإطلاق الخبر، ومن منع قال: المعنى المقتضي للإبراد دفع المشقة، والتأذي بسبب الحر، وليس في هذه الصور كبير مشقة، وهذا هو الأظهر.
وهل يختص الاستحباب بالبلاد الحارة أم لا؟ فيه وجهان:
منهم من قال: لا، وبه قال الشيخ أبو محمد؛ لأن التأذي في إشراق الشمس حاصل في البلاد المعتدلة أيضاً، وهذا بخلاف النهي عن استعمال الشمس يختص بالبلاد الحارة على الظاهر؛ لأن المحذور الظني لا يتوقع مما يشمس في البلاد المعتدلة.
ومنهم من قال: باختصاصه بالبلاد الحارة، وبه قال الشيخ أبو علي؛ لأن الأمر هَيِّنٌ في غيرها، وهذا أظهر وحكاه القاضي ابن كج عن نص الشافعي -رضي الله عنه-.
وهل يلحق صلاة الجمعة بالظهر في لإبراد؟.
فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كالظهر في سائر الأيام.
والثاني: لا، لشدة الخطر في فواتها، فإنها إذا أخرت ربما تكاسلوا فيها، وإذا حضروا فلا بد من تقديم الخطبة، ولأن النَّاسَ يبكرون إليها فلا يتأذون بالحر، وهذا أظهر.
وأما العصر والمغرب، فالأفضل أن يعجلهما في جميع الأحوال.
وأما العشاء، ففيها قولان:
أظهرهما: أن تعجيلها أفضل كسائر الصلوات، لعموم الأخبار.
والثاني: أن تأخيرها أفضل ما لم يجاوز وقت الاختيار لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأمَرْتُهُمْ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ" 49.
وأما الصبح، فيستحب فيها التعجيل أيضاً مطلقاً؛ لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ النِّسَاءُ يَنْصَرفْنَ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُنَّ مُتَلَفِّعَات بِمُرُوطِهِنَّ لاَ يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ" 50. وينبغي أن يعرف مما يتعلق بنظم الكتاب سببين 51:
أحدهما: أن كلمة "عندنا" في قوله: "ثم تعجيل الصلاة أفضل عندنا" على خلاف عادة الكتاب، ثم ليس فيه كبير فائدة، فإنا إذا أطلقنا الكلام أطلقناه بما عندنا لا بما عند
الجزء: 1 - الصفحة: 381
غيرنا، وغايته الإشارة إلى خلاف في المسألة، لكن لا يعرف به المخالف من هو، وأنه ماذا يقول، ولا نعني عن الرموز التي هي عادة الكتاب، فليكن قوله: "هو أفضل" معلماً بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة الأفضل في صلاة الصبح الإسفار بها، وفي العصر التأخير ما لم تتغير الشمس، وفي العشاء التأخير ما لم يجاوز ثلث الليل، وساعدنا في المغرب على استحباب التعجيل، وكذلك في الظهر إذا لم يشتد الحر، وليكن معلماً بالميم أيضاً، لما روي عن مالك، أنه يستحب تأخير الظهر إلى أن يصير الفيء قدر ذراع، وفي العصر أيضاً يستحب التأخير قليلاً.
والثاني: أن قوله: "تعجيل الصلاة أفضل" يشمل الصلاة كلّها.
وقوله بعد ذلك: "يستحب تأخير العشاء على قول، ويستحب الإبراد" استثناء في الحقيقة عما أطلقه أولاً وإن لم يكن لفظه لفظ الاستثناء.
وينبغي أن يعلم قوله: "ويستحب الإبراد" بالواو للوجه الصائر إلى أنه رخصة.
قال الغزالي: فَرْعٌ مَنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الوَقْتُ يَجْتَهِدُ وَيسْتَدِلُّ بِالأَوْرَادِ وَغَيْرِهَا فَإِنْ وَقَعَتْ صَلاتُهُ فِي الوَقْتِ أَوْ مَا بَعْدَهُ فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَقَعَتْ قَبْلُ قَضَى عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَكذَا فِي طَلَبِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالقَادِرُ عَلَى دَرْكِ اليَقِينِ بِالصَّبْرِ هَلْ لَهُ المُبَادرَةُ بِالاجْتِهَادِ فِي أَوَّلِ الوَقْتِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: إذا اشتبه عليه وقت الصلاة بغيم، أو حبس في موضع مظلم، أو غيرهما اجتهد، واستدلَّ عليه بالدرس والأعمال والأوراد وما أشبهها.
ومن جملة الأمارات صياح الديك المجرب إصابة صياحِهِ الوقت، وكذلك أذان المؤذنين في يوم الغيم، إذا كثروا، وغلب على الظن لكثرتهم أنهم لا يخطئون.
والأعمى يجتهد في الوقت كالبصير.
وإنما يجتهدان إذا لم يخبرهما عدل عن دخول الوقت عن مشاهدة.
فلو قال رأيت الفجر طالعاً والشفق غارباً، فلا مساغ للاجتهاد ووجب قبول قوله.
ولو أخبر عن اجتهاد فليس للبصير القادر على الاجتهاد تقليده، والأخذ بقوله، وهل للأعمى ذلك؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، ويسوغ له الاجتهاد، والتقليد جميعاً، ويترتب على هذا الاعتماد على أذان المؤذن، فإن كان بصيراً لم يعتمد عليه في يوم الغيم، لأنه يؤذن عن اجتهاد، ويعتمد عليه في يوم الصحو، إذا كان المؤذن عدلاً عالماً بالمواقيت، لأنه يؤذن عن مشاهدة، وإن كان أعمى فهل يعتمد عليه؟ فيه الوجهان المذكوران في جواز التقليد له وحكى في "التهذيب" وجهين في تقليد المؤذن من غير فرق بين الأعمى والبصير.
وقال: الأصح الجواز، واحتج عليه بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "الْمُؤَذِّنُونَ أمَنَاءُ النَّاسِ عَلَى
الجزء: 1 - الصفحة: 382
صَلَوَاتِهِمْ" 52. ويحكى: أن ابن سريج ذهب إليه والتفصيل أقرب، وهو اختيار القاضي الروياني وغيره 53. وإذا لزم الاجتهاد فصلى -من غير اجتهاد- لزمه الإعادة وإن وقعت صلاته في الوقت، وإن لم يكن دلالة أو كانت ولم يغلب على ظنه شيء أخَّرَ إلى أن يغلب على ظنه دخول الوقت.
والاحتياط أن يؤخر إن لم يغلب على ظنه أنه لو أخر عنه خرج الوقت.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- في يوم الغيم يؤخر الظهر، ويعجل العصر، ويؤخر المغرب، ويعجل العشاء وحكم الفجر - كما ذكر في يوم غير يوم الغيم، وهل يجتهد إذا قدر على الصبر إلى استيقان دخول الوقت؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو اختيار الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني أنه لا يجتهد؛ للقدرة على الإيقاع في الوقت يقيناً.
وأظهرهما: أنه يجتهد؛ إذ لا قدرة على اليقين في حالة الاشتباه، وهذا كالخلاف فيما إذا اشتبه عليه إناءان ومعه ماء طاهر بيقين.
فإن قلت: وما من حالة إلا ويمكن الصبر فيها إلى درك اليقين، فإن الأوقات في المضي والاشتباه إنما يقع في أوائلها، فإذا صبر زال الاشتباه.
قلنا: يجوز أن يكون محبوساً في مطمورة 54، لا يعرف شيئاً من الأوقات أصلاً، ولا يدري أن الساعة التي هو فيها ليل أو نهار ويجوز في حق غيره أيضاً ألا يحصل له يقين أصلاً، بأن لا يعرف في يوم إطباق الغيم هل دخل وقت الظهر أم لا؟ ولا يعرف أنه إن دخل هل بقي أم لا؟.
ثم إذا اجتهد وصلى، فإن لم يتبين الحال فذاك، وإن تبين نظر: إن وقعت صلاته في الوقت أو بعده فلا قضاء عليه، وما فعله بعد الوقت قضاء، أو أداء فيه جهان:
أصحهما: أنه قضاء، حتى لو كان مسافر يجب عليه إعادة الصلاة تامة إذا قلنا لا
الجزء: 1 - الصفحة: 383
يجوز قصر القضاء، فإن وقعت صلاته قبل الوقت نظر: إن أدرك الوقت، أعاد، وإلا فقولان، وكل ذلك خلافاً ووفاقاً يجري فيما إذا اشتبه شهر رمضان على الأسير فاجتهد وأخطأ، وأصح القولين وجوب الإعادة، وهما مبنيان على أن المفعول بعد الوقت قضاء كما في غير حالة الاشتباه، أو أداء قائم مقام الواقع في الوقت؛ لمكان العذر، فإن قلنا بالأول لم يعتد بما تقدم على الوقت، وإن قلنا: بالثاني اعتد به.
الفَصْلُ الثَّانِي فِي وَقْتِ المَعْذُورِينَ
قال الغزالي: وَنَعْنِي بِالعُذْرِ مَا يُسْقِطُ القَضَاءَ كَالْجُنُونِ وَالصِّبَا وَالحَيْضِ وَالكُفْرِ، وَلَهَا ثَلاَثةُ أَحْوَال: الأُولَى أَنْ يَخْلُو عَنْهَا آخِرَ الوَقْتِ بِقَدْرِ رَكْعَةٍ كَمَا لَوْ طَهُرَتِ الحَائِضُ قَبْلَ الغُرُوبِ بِرَكْعَةٍ يَلْزَمهَا العَصْرُ (ز) وَكَذَا بِقَدْرِ تكْبِيرَةٍ (م ز) عَلَى أَقْيَسِ القَوْلَيْنِ.
القول في وقت أصحاب الأسباب المانعة من وجوب الصلاة:
قال الرافعي: ذكرنا في أول الباب أن الغرض من هذا الفصل هو الكلام في الوقت الذي سماه الشافعي -رضي الله عنه- وقت الضرورة، سواء قلنا إنه ووقت العذر شيء واحد أم لا، والمراد من وقت الضرورة الوقت الذي يصير فيه الشخص من أهل لزوم الصلاة عليه بزوال الأسباب المانعة من اللزوم، وهي الصِّبا، والجنون، والكفر، والحيض، وفي معنى الجنونِ الإغماءُ، وفي معنى الحيضِ النفاسُ.
ثم لهذه الأسباب أحوال ثلاثة، لأنها إما ألاَّ تستغرق وقت الصلاة، أو تستغرقه، وإن لم تستغرقه، فإما أن يوجد في أول الوقت ويخلو عنها في آخره، أو يكون بالعكس من ذلك:
الحالة الأولى: أن يوجد في أول الوقت، ويخلو عنها آخره، كما لو طهرت عن الحيض أو النفاس في آخر الوقت، فننظر إن بقي من الوقت قدر ركعة فصاعداً لزمها فرض الوقت.
واحتجوا عليه بقوله -صلى الله عليه وسلم- "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ".
والمعتبر في الركعة أخف ما يقدر عليه أحد، وإنما يلزم فرض الوقت بإدراك قدر ركعة بشرطٍ وهو أن تمتد السلامة عن الموانع، قدر إمكان فعل الطهارة وتلك الصلاة، أما لو عاد مانع قبل ذلك فلا.
مثاله: إذا بلغ الصبي في آخر وقت العصر، ثم جن، أو فاق المجنون ثم عاد
الجزء: 1 - الصفحة: 384
جنونه، أو طهرت حائض ثم جنت، أو أفاقت مجنونة ثم حاضت، فإن مضى في حال السلامة، قدر ما يسع أربع ركعات بعد الطهارة لزم العصر، وإلا فلا، هذا إذا كان الباقي من الوقت مقدار ركعة، أما إذا كان الباقي مقدار تكبيرة، أو فوقها ودون ركعة، ففي لزوم فرض الوقت به قولان في الجديد:
أصحهما: وبه قال أبو حنيفة، نعم؛ لأنه أدرك جزءاً من الوقت، فصار كما لو أدرك قدر ركعة؛ ولأن الإدراك الذي تعلق به الإيجاب - تستوي فيه الركعة وما دونها.
ألا ترى أن المسافر إذا اقتدى بمقيم في جزء يسير من الصلاة لزمه الإتمام كما لو اقتدى به في ركعة ثم اللزوم على هذا القول، إنما يكون بالشرط الذي ذكرناه فيما إذا بقي قدر ركعة.
والقول الثاني: وبه قال المزني أنه لا يلزم به فرض الوقت، لأن الإدراك في الخبر منوط بمقدار ركعة، وصار كما إذا أدرك من الجمعة ما دون ركعة، لا يكون مدركًا لها، هذا مذهبه في القديم.
ويحكي عن مالك مثل ذلك، وقد نقل الناقلون عن الجديد اللزوم، والقديم منعه اقتصاراً من قولي الجديد، على ما يقابل القديم.
وقوله في الكتاب: "ونعني بالعذر ما يسقط القضاء" أي: إذا استغرق الوَقْتَ، واستبشع بعضهم عد الكفر من الأعذار، وقال: الكافر غير معذور بكفره ولا معنى للاستبشاع بعد العناية، وتفسير العذر بما يسقط القضاء، ولا شك أن القضاء ساقط عن الكافر، ويجوز أن يعد عذراً بعد الإسلام؛ لأنه غير مؤاخذ بما تركه في حال الكفر.
وقوله: (وكذا بقدر تكبيرة) معلم بالميم والزاي.
قال الغزالي: وَهَل يَلْزَمُهَا (ح) الظُّهْرُ بِمَا يَلْزَمُ بِهِ العَصْرُ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ: فَعَلَى قَوْلٍ يَلْزَمُ (م ح)، وَعَلَى الثَّانِي لاَ بُدَّ مِنْ زِيَادَةِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يُتَصَوَّرَ الفَرَاغُ مِنَ الطُّهْرِ فِعْلاً ثُمَّ يُفْرَضُ لُزُومُ العْصَرِ بَعْدَهُ، وَهَذِهِ الأرْبَعَةُ فِي مُقَابَلَةِ الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِي المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ.
قال الرافعي: ما ذكرناه من لزوم فرض الوقت، بإدراك ركعة، أو بما دونها على أحد القولين -يشمل الصلوات كلها، ثم الصلوات التي يتفق في آخر وقتها زوال العذر إما أن تكون صلاة لا يجمع بينها وبين ما قبلها، أو صلاة يجمع بينها وبين ما قبلها- على ما سيأتي كيفية الجمع في بابه-.
فالقسم الأول: هو الصبح والظهر والمغرب، فلا يلزم بزوال العذر في آخر وقت الواحدة من هذه الصلوات سوى تلك الصلاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 385
والقسم الثاني: هو العصر والعشاء، فيجب على الجملة بإدراك وقت العصر الظهر، وبإدراك وقت العشاء المغرب، خلافاً لأبي حنيفة والمزني.
قال صاحب "المعتمد" وقول مالك يشبه ذلك.
لنا ما روي عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس -رضي الله عنهما- أنهما قالا: في الحائض تطهر قبل طلوع الفَجْر بِرَكْعَةٍ يَلْزُمُهَا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ 55. وأيضاً فإن وقت العصر وقت الظهر في حالة العذر، ففي حالة الضرورة -وهي فوق العذر- أولى.
لماذا عرفت ذلك، فينبغي أن يعرف أن صاحب الكتاب إنما فرض الكلام في وقت العصر حيث قال في الفصل السابق: "كما لو طهرت الحائض قبل الغروب" لأن العصر من القسم الثاني، فأراد أن يرتب لزوم الظهر عليه بعد بيان حكم العصر، فقال: "وهل يلزمها الظهر بما يلزم به العصر .... " إلى آخره.
وشرح ذلك أن الشافعي -رضي الله عنه- بعد الجزم بأن الظهر قد يلزم إدراك وقت العصر اختلف قوله: في أنه بماذا يلزم فأصح قوليه: أنه يلزم بما يلزم به العصر، وذلك ركعة على قول، وتكبيرة على قول:
ووجهه: أنا جعلنا وقت العصر وقتاً للظهر، ومعلوم أنه لو أدرك من وقت الظهر ركعة أو تحريمة يلزمه الظهر، فكذلك إذا أدرك من وقت العصر، لأنا لا نعتبر إمكان فعل الصلاتين، فيكفي إدراك وقت مشترك.
والقول الثاني: أنه لا يلزم بل لا بد من زيادة أربع ركعات بعد ذلك القدر؛ لأنَّا إنما نجعلها مدركة للصلاتين حملاً على الجمع، وإنما يتحقق سورة الجمع، إذا تمت إحدى الصلاتين وبعض الأخرى في الوقت.
ثم الأربع الزائدة تقع في مقابلة الظهر أو العصر؟ فيه قولان: وليسا بمنصوصين لكنهما مخرجان، ولذلك عبر الصيدلاني وغيره عنهما بوجهين:
أصحهما: أن الأربع في مقابلة الظهر؛ لأنها السابقة، وعند الجمع لا بد من تقديمها وجوباً أو استحباباً على ما سيأتي في موضعه؛ ولأنه لو لم يدرك إلا قدر ركعة أو تحريمة -لما لزمه الظهر- على هذا القول الذي عليه تفرع وإذا زال قدر الأربع لزم الظهر، فدل على أن هذه الزيادة في مقابلة الظهر.
والثاني: أنها في مقابلة العصر لأن الظهر هاهنا تابعة للعصر في الوقت واللزوم،
الجزء: 1 - الصفحة: 386
فإذا اقتضى الحال الحكم بإدراك الصلاتين وجب أن يكون الأكثر في مقابلة المتبوع، والأقل في مقابلة التابع.
وفائدة هذا الخلاف الأخير لا يظهر في هذه الصورة، وإنما يظهر في المغرب والعشاء، وذلك أن في لزوم المغرب بما يلزم به العشاء قولين، كما في لزوم الظهر بما يلزم به العصر، أصح القولين: أنه يلزم به.
والثاني: لا بد من زيادة على ذلك.
فإن قلنا في الصورة الأولى: الأربع في مقابلة الظهر كفى هاهنا قدر ثلاث ركعات للمغرب، زيادة على ما يلزم به العشاء، وإن قلنا إنها في مقابلة العصر وجب أن يزيد قدر أربع ركعات.
وقوله في الكتاب: "حتى يتصور الفراغ من الظهر فعلاً، ثم يفرض لزوم العصر بعده".
المراد منه ما قدمناه أن سورة الجمع، إنما يتحقق إذا تمت إحدى الصلاتين، وبعض الأخرى (في الوقت) وتعيين الظهر ولزوم العصر بعده 56، كأنه مبني على أن الظهر لا بد من تقديمه عند الجمع.
قال الغزالي: وَهَل تُعْتَبَرُ مُدَّةُ الوُضُوءِ مَعَ الوَقْتِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فَعَلَى قَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: وهل يعتبر مع القدر المذكور للزوم الصلاة الواحدة أو صلاتي الجمع إدراك زمان الطهارة؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم؛ لأن الصلاة إنما تمكن بعد تقديم الطهارة.
وأصحهما: لا، لأن الطهارة لا تختص بالوقت، ولا تشترط في الإلزام، وإنما تشرط في الصحة ألا ترى أن الصلاة تلزم على المحدث ويعاقب على تركها.
وإذا جمعت بين الأقوال التي حكيناها حصل عندك في القدر الذي تلزم به كل صلاة من إدراك آخر وقتها أربعة أقوال:
أصحها: قدر تكبيرة.
وثانيها: هذا مع زمان طهارة.
وثالثها: قدر ركعة.
ورابعها: هذا مع زمان طهارة، وفيما يلزم به الظهر مع العصر؟ ثمانية أقوال، هذه الأربعة.
وخامسها: قدر أربع ركعات مع تكبيرة.
وسادسها: هذا مع زمان طهارة.
وسابعها: قدر خمس ركعات.
وثامنها: هذا مع زمان طهارة.
وفيما يلزم به العشاء مع المغرب -مع هذه الثمانية- أربعة أخرى.
أحدها: ثلاث ركعات وتكبيرة.
والثاني: هذا مع زمان طهارة.
والثالث: أربع ركعات.
والرابع: هذا مع زمان طهارة -والله أعلم-.
الجزء: 1 - الصفحة: 387
قال الغزالي: وَإِنْ زَالَ الصِّبَا بَعْدَ أَدَاءِ وَظِيفَةِ الوَقْتِ فَلاَ يَجِبُ (ح وز) إِعَادَتُهَا، وَكَذَا يَوْمُ الجُمُعَةِ وَإِنْ أَدْرَكَ الجُمُعَةَ بَعْدَ الفَرَاغِ مِنَ الظُّهرِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَكَذَا لَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ بالسِّنِّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهَا وَقَعَ عَنِ الفَرْضِ.
قال الرافعي: جميع ما ذكرنا فيما إذا كان زوال العذر قبل أداء وظيفة الوقت؟ وهكذا يكون حال ما سوى الصِّبا من الأعذار، فإنها كما تمنع الوجوب تمنع الصحة.
فأما الصِّبا فيجوز أن يزول بعد أداء وظيفة الوقت، أو في أثنائها، لأنها لا تمنع الصحة وإن منع الوجوب، فإذا صلى الصبي وظيفة الوقت ثم بلغ وقد بقي شيء من الوقت إما بالسن أو بالاحتلام، فيستحب له أن يعيد وهل يجب عليه الإعادة؟ ظاهر المذهب -وهو المذكور في الكتاب- أنه لا يجب، لأنه أدى وظيفة الوقت وَصَحَّت منه فلا تلزمه الإعادة، كالأمة إذا صلت مكشوفة الرأس ثم عتقت والوقت باق -لا تعيد، وخرج ابن سريج أنه يجب الإعادة لأن ما أداه في حال الصغر واقع في حال النقصان، فلا يجزئ عن الفرض بعد حصول الكمال في الوقت، والمفعول مع النقصان كغير المفعول، وهذا مذهب أبي حنيفة والمزني، ورواه القاضي الروياني- عن مالك.
قال: وعن أحمد روايتان، ولا فرق عند ابن سريج، بين أن يكون الباقي من الوقت حين بلغ قليلاً أو كثيراً.
وعن الإصطخري أنه إن بلغ، والباقي من الوقت ما يسع لتلك الصلاة لزمت الإعادة، وإلا فلا.
ولو بلغ في أثناء الصلاة -وإنما يكون ذلك بالسن- فقد قال الشافعي -رضي الله عنه- "أحببت أن يتم ويعيد، ولا يتبين لي أن عليه الإعادة".
واختلفوا في معناه بحسب الاختلاف فيما إذا بلغ بعض الصلاة.
فقال جمهور الأصحاب: يجب الإتمام وتستحب الإعادة، أما وجوب الإتمام فلأن صلاته صحيحة وقد أدركه الوجوب فيها فيلزمه إتمامها، وقد تكون العبادة تطوعاً في الابتداء ثم يجب إتمامها كحج التطوع، وكما إذا ابتدأ الصوم وهو مريض، ثم شفي، وكما لو شرع في صوم التطوع ثم نذر إتمامه يجب عليه الإتمام.
وأما استحباب الإعادة فليؤدي الصلاة في حال الكمال، ومعنى قوله: "أحببت أن يتم ويعيد" عند هؤلاء، هو استحباب الجمع بينهما، وهذا الوجه هو الذي ذكره في الكتاب، حيث قال: "وقع عن الفرض".
وقال ابْنُ سُرَيجٍ: الإتمام يستحب والإعادة واجبة وهذا خلاف قوله، ولا يبين لي أن عليه الإعادة، والإصطخري جرى على التفصيل الذي سبق.
وقال: إذا كان الباقي قدراً لا يسع للصلاة أشبه ما إذا بلغ في أثناء صوم يوم من رمضان لا يجب عليه القضاء؛ لأن الباقي لا يسع صوم يوم.
الجزء: 1 - الصفحة: 388
واعلم أن مسألة الصوم قد سلم فيها أبو حنيفة.
والمزني نفى القضاء، تعليلاً بما ذكره الإصطخري، واختلف سائر أصحابنا في تعليله، منهم من ساعدهم على هذا التعليل، وقال: بقية اليوم لا يسع الصوم ولا يمكن إيقاع بعضه في الليل بخلاف الصلاة يمكن إيقاع بعضها بعد خروج الوقت، ومنهم من علل بأن الصوم المأتي به صحيح واقع عن الفرض، وينبني على هاتين العلتين ما إذا بلغ وهو مفطر، فعلى التعليل الأول: لا قضاء عليه، وعلى الثاني: يجب.
وعن ابْن سريج: أنه يجب القضاء في الصوم كما في الصلاة بلغ مفطراً أو صائماً، هذا في غير الجمعة من الصلوات، أما إذا صلى الظهر يوم الجمعة، ثم بلغ -والجمعة غير فائتة بعد- هل يلزمه حضورها؟ من قال في سائر الصلوات تلزم الإعادة أولى أن يقول باللزوم هاهنا، ومن نفى الإعادة في سائر الصلوات، اختلفوا هاهنا على وجهين:
أحدهما: -وبه قال ابْن الحداد-: أنه يجب عليه الجمعة لأنه لم يكن من أهل الفرض حين صلى الظهر، وقد كمل حاله بالبلوغ بخلاف سائر الصلوات؛ لأنه بالبلوغ لا ينتقل إلى فرض أكمل مما فعل هاهنا ينتقل إلى الجمعة وهو أكمل من الظهر، ألا ترى أنها تتعلق بأهل الكمال، وبخلاف المسافر والعبد إذا صليا الظهر ثم أقام المسافر، وعتق العبد، وأدركا الجمعة لا تلزمهما جمعة، لأنهما حين صليا الظهر، كانا من أهل الفرض.
والوجه الثاني: وهو الأصح أنها لا تلزم كسائر الصلوات، ومنعوا قوله: "إنه ليس من أهل الفرض"؛ لأنه مأمور بالصلاة مضروب على تركها، ولا يعاقب أحد على ترك التطوع.
وعن الشيخ أبي زيد يُخَرَّج هذا الخلاف على الخلاف في أن المتعدي بترك الجمعة، هل يعتد بظهره قبل فوات الجمعة (لأن الصبي مأمور بحضور الجمعة، فإذا بلغ، ولم يصل الجمعة كان مؤدياً للظهر قبل فوات الجمعة) 57. ولا يخفى بعد حكاية هذه المذاهب، الحاجة إلى إعلام قوله: (فلا يجب إعادتها) بالحاء والميم والألف والزاي وبالواو أيضاً لما ذكره ابن سريج، والإصطخري، وكذا إعلام قوله: "وقع عن الفرض" بهذه العلامات، وكذا إعلام قوله: "وكذا يوم الجمعة" ما سوى الواو من العلامات.
قال الغزالي: الحَالَةُ الثَّانِيَةُ أَنْ يَخْلُوَ أَوَّلُ الوَقْتِ، فَإذَا طَرَأَ الحَيْضُ وَقَدْ مَضَى مِنَ الوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يَسَعُ الصَّلاةَ لَزِمَتْهَا وَلاَ يَلْزَمُ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ: لاَ يَلْزَم مَا لَمْ تُدْرِكْ جَمِيعَ الوَقْتِ فِي صُورَة الطَّرَيَانِ، وَأَمَّا العَصْرُ فَلاَ يَلْزَمُ بِإدْرَاكِ أَوَّلِ الظُّهْرِ، لِأَنَّ وَقْتَ الظُّهْرِ لاَ يَصْلُحُ لِلْعَصْرِ فِي حَقِّ المَعْذُورِ مَا لَمْ يَفْرُغْ مِنْ فِعْلِ الظُّهْرِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 389
قال الرافعي: هذه الحالة الثانية عكس الأولى، وهي: أن يخلو أول الوقت عن الأعذار المذكورة، ثم يطرأ منها في آخر الوقت ما يمكن أن يطرأ منها -وهو الحيض، والنفاس، والجنون والإغماء، فأما الصِّبا فلا يتصور عروضه (والكفر) 58 وإن تصور عروضه، لكنه ردة 59 لا تسقط القضاء- كما سيأتي، فإذا حاضت في أثناء الوقت، نظر في القدر الماضي من الوقت إن كان قدر ما يسع لتلك الصلاة استقرت في ذمتها وعليها القضاء إذا طهرت، لأنها أدركت من الوقت ما يمكن فيه فعل الفرض، فلا يسقط بما يطرأ بعده، كما لو هلك النصاب بعد الحول وأمكن الأداء فلا تسقط الزكاة.
وعن مالك أنه لا تلزمها تلك الصلاة ما لم تدرك آخر الوقت، وبه قال أبو حنيفة.
قال الكرخي في "مختصره": وإن كانت طاهرة فحاضت في آخر الوقت، فلا قضاء عليها.
وخرج ابن سريج مثل ذلك على أصل الشافعي -رضي الله عنه- وقال: لا يلزم القضاء ما لم تدرك جميع الوقت، أخذاً مما لو سافر الرجل في أثناء الوقت، يجوز له القصر، وإن مضى من الوقت ما يسع الصلاة الثانية.
واعلم أن في تلك المسألة أيضاً تخريجاً مما نحن فيه، لأنه لا يقصر، وقد ذكر الاختلاف في المسألتين جميعاً في الكتاب في "باب صلاة المسافرين" نشرحه في موضعه -إن شاء الله تعالى- ثم على ظاهر المذهب المعتبر أخف ما يمكن من الصلاة، حتى لو طولت في صلاتها، فحاضت في أثنائها والماضي من الوقت يسمع تلك الصلاة لو خففت لزمها القضاء، ولو كان الرجل مسافراً فطرأ عليه جنون أو إغماء بعد ما مضى من وقت الصلاة المقصورة ما يسع ركعتين -لزمه قضاؤها، لأنه لو قصر لأمكنه أداؤها، ولا يعتبر مع إمكان فعل الصلاة زمان إمكان الطهارة من الوقت؛ لأن الطهارة يمكن تقديمها على الوقت إلا إذا لم يجز تقديم طهارة صاحب الواقعة على الوقت كالتيمم، وطهارة المستحاضة وإن كان الماضي من الوقت دون ما يسع لتلك الصلاة- لم تلزم تلك الصلاة.
وقال أبو يحيى البلخي 60 من أصحابنا: إذا أدرك من أول الوقت قدر ركعة أو تكبيرة على اختلاف القولين المذكورين في آخر الوقت لزمه القضاء، اعتباراً لأول
الجزء: 1 - الصفحة: 390
الوقت بآخره، حكاه أبو علي صاحب "الإفصاح" فمن بعده عنه، وخطأه فيما قال؛ لأنه لم يدرك من الوقت ما يتمكن فيه من فعل الفرض، فأشبه ما لو هلك النصاب بعد الحول، وقبل إمكان الأداء، ويخالف آخر الوقت؛ لأنه إذا أدرك جزءاً من الوقت أمكن البناء على ما أوقعه فيه بعد خروج الوقت، ثم ذكرنا في الحالة الأولى أن من الصلوات ما إذا أدرك صاحب العذر آخر وقتها لزمه التي قبلها معها، كالظهر يلزم بإدراك آخر وقت العصر، والمغرب يلزم بإدراك آخر وقت العشاء، وأما هاهنا فالعصر لا يلزم بإدراك وقت الظهر، ولا العشاء بإدراك وقت المغرب خلافاً لأبي يحيى البلخي، حيث قال: "إذا أدرك من وقت الظهر ثماني ركعات، ثم طرأ العذر لزمه الظهر والعصر، كما لو أدرك ذلك من وقت العصر، لزمه الصلاتان معا".
والفرق على ظاهر المذهب أن الحكم بلزوم الصلاتين إذا أدرك وقت العصر مأخوذ من الجمع بينهما عند قيام سببه، ولأن كل واحدة منهما مؤداه في وقت الأخرى، ومعلوم أن وقت الظهر إنما يكون وقتاً للعصر على سبيل تبعية العصر للظهر، ألا ترى أنه إذا جمع بالتقديم لم يجز له تقديم العصر على الظهر، فإذا لم يفعل الظهر فليس وقتها بوقت العصر، وأما وقت العصر فليس وقتاً للظهر على سبيل تبعية الظهر للعصر.
ألا ترى أنه إذا جمع بالتأخير جاز له تقديم الظهر على العصر، بل هو أولى على وجه، ومتعين على وجه كما سيأتي في "باب الجمع" وكان وقت العصر وقتاً للظهر من غير التوقف على فعل العصر، فلهذا المعنى افترق الطرفان.
جئنا إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
أما قوله: "فإذا طرأ الحيض، وقد مضى من الوقت مقدار ما يسع للصلاة" وليس المراد منه مطلق الصلاة، بل المراد أخف ما يمكن من الصلاة بصفة العصر، إن وجد المعنى المجوز للقصر على ما بيناه.
قوله: (لزمتها) معلم بالحاء والميم، لما قدمناه، ولا حاجَة إلى إعلامه بالواو إشارة إلى تخريج ابن سريج؛ لأن قوله بعد ذلك، وقيل: لا يلزم ما لم يدرك جميع الوقت في صورة الطريان، وهو ذلك التخريج.
ثمن اعلم أن الحكم بلزوم الصلاة إذا أدرك من الوقت ما يسعها لا يختص بما إذا كان المدرك من أول الوقت، بل لو كان المدرك من وسطه لزمت الصلاة أيضاً.
ونظيره ما إذا أفاق مجنون في أثناء الوقت، وعاد جنونه في الوقت، أو بلغ صبي ثم جن أو أفاقت مجنونة، ثم حاضت.
وقوله: "لا يلزم بأقل من ذلك" معلم بالواو للوجه المشهور عن البلخي.
وقد حكاه القاضي ابن كج عن غيره من الأصحاب أيضاً، وكذلك قوله: "فأما العصر فلا يلزم بإدراك أول الظهر" وليس لفظ الأول في قوله: "بإدراك أول الظهر" لتخصيص
الجزء: 1 - الصفحة: 391
الحكم به، فإن العصر لا يلزم بإدراك آخر وقت الظهر أيضاً؛ بل بإدراك جميعه، وإنما جرى لفظ الأول في مقابلة الآخر في الحالة الأولى.
وقوله: "لأن وقت الظهر لا يصلح للعصر ... " إلى آخره المراد منه ما شرحناه في الفرق بين الأول والآخر، وأراد بالمعذور هاهنا الذي يجمع لسفر أو مطر، بخلاف ما في أول الفصل، فإنه أراد بالمعذور، ثم صاحب الضرورة على ما سبق إيضاحه.
واعلم أن الأخيرة من صلاتي الجمع، وإن لم يلزم بإدراك وقت الأولى، لكن الأولى منهما قد يلزم بإدراك وقت الأخيرة، كما أنها تلزم بإدراك آخر وقتها.
مثاله: إذا أفاق المغمى عليه في أول وقت العصر قدر ما يسع للعصر، والظهر جميعاً لزمتاه، فإن كان مقيماً، فالمعتبر قدر ثماني ركعات، وإن كان مسافراً يقصر كفى قدر أربع ركعات، ويقاس المغرب والعشاء في جميع ما ذكرناه بالظهر والعصر والله الموفق.
قال الغزالي: الحَالَةُ الثَّالِثَةُ، أَنْ يَعُمَّ الْعُذْرُ جَمِيعَ الوَقْتِ فَيَسْقُطَ القَضَاءُ، وَلاَ تَلْتَحِقُ الرِّدَّةُ بِالكُفْرِ بَلْ يَجِبُ (م ح) القَضَاءُ عَلَى المُرْتَدِّ (م ح)، والصَّبِيُّ يُؤْمَرُ بِالصَّلاَةِ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينٍ، ويُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهَا بَعْدَ الْعَشْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ علَيْهِ قَضَاءٌ، والإِغْمَاءُ فِي مَعْنَى الجُنُونِ (ح) قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَزَوَالُ الْعَقْلِ بِسُكْرِ أَوْ بِسَبَبٍ مُحَرَّمٍ لاَ يُسْقِطُ القَضَاءَ، وَلَوْ سَكِرَ ثُمَّ جُنَّ فَلاَ يَقْضِي أَيَّامَ الجُنُونِ، وَلَوِ ارْتَدَّ ثُمَّ جُنَّ قَضَى أَيَّامَ الجُنُونِ، وَلَوِ ارْتَدَّتْ أَوْ سَكِرَتْ ثُمَّ حَاضَتْ لاَ يَلْزَمُهَا قَضَاءُ أَيَّامِ الحَيْضِ، لِأَنَّ سُقُوطَ القَضَاءِ عَنِ المَجْنُونِ رُخْصَةٌ وَعَنِ الحَائِضِ عَزِيمَةٌ.
قال الرافعي: قوله: أن يعم العذر جميع الوقت فيه شيئان:
أحدهما: أنه فسر العذر قبل بما يسقط القضاء، والمراد ما إذا استغرق جميع الوقت كما تقدم فكأنه قال: إن يعم ما يسقط القضاء فيسقط، وغير هذا أجود منه، وليس في قولنا إذا وجد ما يسقط القضاء يسقط القضاء [وليس] في مثل هذا المقام كثير فائدة.
والثاني: أن قوله: "جميع الوقت" ليس المراد منه الأوقات المخصوصة بالصلوات وكيف وقد ذكرنا أنه إذا زالت الضرورة في آخر وقت العصر لزم الظهر أيضاً مع أنه عم العذر جميع وقت الظهر، فإذاً المراد منه وقت الرفاهية والضرورة جميعاً.
وغرض الفصل أن الأسباب المانعة من لزوم الصلاة -وقد عددناها من قبل- مسقطة للقضاء.
أما الحيض فإنه يمنع وجوب الصلاة وجوازها، ويسقط القضاء على ما سبق في "كتاب الحيض".
الجزء: 1 - الصفحة: 392
وأما الكافر الأصلي مخاطب بالشرائع على أشهر وجهي أصحابنا في الأصول، لكن إذا أسلم لا يجب عليه قضاء صلوات أيام الكفر لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ 61 المعنى فيه أن إيجاب القضاء ينفره عن الإسلام، والردة لا تلحق بالكفر بل يجب على المرتد قضاء صلوات أيام الردّة خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: الردة تسقط قضاء الصلوات أيام الردة والصلوات المتروكة قبلها أيضاً.
لنا أنه التزم الفرائض بالإسلام فلا يسقط عنه بالردة كحقوق الأدميين.
فأما الصبي فلا تجب عليه الصلوات قال -صلى الله عليه وسلم-: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَفِيقَ" 62 فلا يؤمر أحد ممن لا تجب عليه الصلاة بفعلها سوى الصبي فإنه يؤمر بها إذا بلغ سبع سنين، ويضرب على تركها إذا بلغ عشراً لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مُرُوا أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ واضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ" 63.
قال الأئمة: فيجب على الآباء والأمهات تعليم الأولاد الطهارة والصلاة والشرائع بعد السَّبْعِ، والضرب على تركها بعد العشر، وذكروا في اختصاص الضرب بالعشر معنيين:
أحدهما: أنه زمان احتمال البلوغ بالاحتلام فرُبَّمَا بلغ ولا يصدق.
والثاني: أنه حينئذ يقوى ويحتمل الضرب.
واحتج بعض أصحابنا بهذا على أنه لا يجوز أن يختن الصبي قبل العشر؛ لأن ألم الختان فوق ألم الضرب، ويؤمر بالصَّوْمِ أيضاً إن أطاقه كما يُؤمر بالصَّلاَةِ، وأجرة تعليم الفرائض من مال الطفل، فإن لم يكن له مال فعلى الأب، وإن لم يكن فعلى الأم.
الجزء: 1 - الصفحة: 393
وهل يجوز أن تعطى الأجرة من مال الطفل على تعليم ما سوى الفاتحة والفرائض من القرآن والأدب؟ فيه وجهان 64.
وأما المجنون فلا صلاة عليه أيضاً؛ للخبر، والأصل أن من لا تجب عليه العبادة لا يجب قضاؤها، وإنما خالفنا ذلك في حق النائم والناسي؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذَا نَسِيَ أحَدُكُمْ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَليُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" 65، والإغماء في معنى المجنون يستوي قليله وكثيره في إسقاط القضاء إذا استغرق وقت العذر والضرورة، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا تسقط الصلاة بالإغماء ما لم يزد على يوم وليلة، ولأحد حيث قال: إنه لا يسقط القضاء قَلَّ أو كثرَ.
لنا القياس على المجنون، ولا يلحق بالجنون زوال العقل بسبب محرم كشرب مسكر، أو دواء مزيل للعقل، بل يجب عليه القضاء؛ لأنه غير معذور وهذا إذا تناول الدواء وهو عالم بأنه مزيل للعقل من غير حاجة كما إذا شرب المسكر وهو عالم 66 أنه مسكر، أما إذا لم يعلم أن الدواء مزيل للعقل، وأن الشراب مسكر فلا قضاء عليه كما في الإغماء، ولو عرف أن جنسه مسكر لكن ظن أن ذلك القدر لا يسكر لقلته فليس ذلك بعذر.
ولو وثب من موضع لحاجة فزال عقله فلا قضاء عليه، وإن فعله عبثًا قضى، ثم في الفصل فرعان:
أحدهما: لو ارتد ثم جن قضى أيام المجنون وما قبلها إذا أفاق وأسلم تغليظاً على المرتد.
ولو سكر ثم جن قضى بعد الإفاقة صلوات المدة التي ينتهي إليها السكر لا محالة.
وهل يقضي صلوات أيام المجنون؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لأن السكران يغلظ عليه أمر الصلاة كما يغلظ على المرتد، وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يقضي أيام المجنون.
والفرق أن من جن في ردته مرتد في جنونه حكماً، ومن جن في سكره ليس بسكران في دوام جنونه قطعاً.
الثاني: لو ارتدت المرأة ثم حاضت أو سكرت فلا تقضي أيام الحيض، ولا فرق بين اتصالها بالرّدة واتصالها بالسكر، بخلاف المجنون، حيث افترق الحال بين اتصاله بالردة وبين اتصاله بالسكر.
الجزء: 1 - الصفحة: 394
والفرق أن سقوط القضاء عن الحائض ليس من باب الرخص والتخفيفات بل هو عزيمة، فإنها مكلفة بترك الصلاة، والمجنون ليس مخاطباً بترك الصلاة، كما ليس مخاطباً بفعلها، وإنما أسقط القضاء عنه تخفيفاً، فإذا كان مرتدًّا لم يستحق التخفيف، ومما يوضح الفرق أنها لو شربت دواء حتى حاضت لا يلزمها القضاء، بخلاف ما لو شربت دواء يزيل العقل، وكذلك لو شربت دواء حتى ألقت الجنين ونفست، لا يجب عليها قضاء الصلوات على المذهب الصحيح؛ لأن سقوط الصلاة عن الحائض والنفساء عزيمة.
فالحاصل أن من لم يؤمر بالترك لا يستحيل أن يؤمر بالقضاء، فإذا لم يؤمر كان تخفيفاً.
ومن أمر بالترك فامتثل الأمر، لا يتوجه أن يؤمر بالقضاء (1)، وهذا يشكل لفصل الصوم، فإن الحائض مأمورة بترك الصوم ثم تؤمر بالقضاء؛ إلا أن ذلك معدول به عن القياس اتباعاً للنص.
والمواضع المستحقة للعلامات من الفصل بينة، والذي لا بأس بذكره قوله: "ولو ارتد ثم جن قضى أيام المجنون" ينبغي أن يعلم: قوله: "قضى" بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة لا قضاء في الرّدة فكيف يؤثر في إيجاب قضاء أيام المجنون؟
الفَصْلُ الثَّالِثُ
في الأَوْقَاتِ المَكْرُوهَةِ
قال الغزالي: وَهِيَ خَمْسَةٌ، بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ صَلاَةِ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ الطُّلُوعِ إِلَى أَنْ يَرْتَفِعَ قُرْصُ الشَّمْسِ، وَوَقْتُ الاسْتِوَاءِ إِلَى أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ، وَوَقْتُ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ إِلَى وَقْتِ تَمَامِ الغُرُوبِ.
قال الرافعي: الأوقات المكروهة خمسة: وقتان: تعلق النهي فيهما بالفعل، وهي بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشَّمْسُ.
روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ صَلاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلاَ صَلاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ" 68 ووجه تعلق النهي فيهما بالفعل أن صلاة التطوع فيهما مكروهة لمن صلى الصبح 69 والعصر دون من لم يصلهما، ومن صلاهما، فإن عجلهما في أول الوقت طال في حقه وقت الكراهية، وإن أخرهما قصر.
وثلاثة أوقات: يتعلق النهي فيهما بالزمان:67
الجزء: 1 - الصفحة: 395
[الأول]: وهي عند طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح ويستولي سلطانها بظهور شعاعها، فإن الشعاع يكون ضعيفاً في الإبتداء.
[الثاني]: وعند استواء الشمس حتى تزول.
[الثالث]: عند اصفرار الشمس حتى يتم غروبها؛ لما روي: "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قالَ: "إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإذَا ارْتَفَعَت فَارَقَهَا، ثُمَّ اسْتَوَتْ قَارَنَهَا، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوب قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرُبَتْ فَارَقَهَا وَنَهَى عَنِ الصَّلاَةِ فِي هذِهِ الأَوْقَاتِ".
وقوله: "ومعها قَرن الشيطان"، قيل: معناه قوم الشيطان وهم عبدة الشمس يسجدون لها في هذه الأوقات، نهى عن الصلاة فيها لذلك.
وقيل: معناه أن الشيطان يقرب رأسه من الشمس في هذه الأوقات؛ ليكون الساجد للشمس ساجدًا له، ولك أن تُعَلِّم قول المصنف "إلى أن يرتفع قرص الشمس" بالواو؛ لأن من الأصحاب من قال: يخرج وقت الكراهية بطلوع القرصة بتمامها، ولم يعتبر الارتفاع.
وإيراده في "الوسيط" يشعر بترجيح هذا الوجه، وظاهر المذهب الوجه الأول، ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَإذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا" 70.
واعلم أن حالة الاصفرار داخلة في الوقت الثاني، وهو ما بعد العصر حتى تغرب الشمس، لكن في حق من صَلَّى العصر -وحالة الطلوع إلى الارتفاع- متصلة بما بعد الصبح في حق من صلى الصبح، وذكر بعضهم في العبارة عن الوقت الأول من أوقات الكراهية أنه ما بعد صلاة الصبح حتى ترتفع الشمس قيد رمح، وعلى هذا فتنقص أوقات الكراهية عن الخمسة، وربما انقسم الواحد منها إلى متعلق بالفعل، وإلى متعلق بالزمان.
قال الغزالي: وَذَلِكَ في كُلِّ صَلاَةٍ لاَ سَبَبَ لَهَا بِخِلاَفِ الفَائِتَةِ وَصَلاة الجَنَازَةِ وَسُجُودِ التِّلاَوَةِ وَتَحِيَّةِ المَسْجِدِ وَرَكْعَتَي الطَّوَافِ، وَفِي الاسْتِسْقَاءِ تَرَدُّدٌ، وَرَكْعَتَا الإحْرَامِ مَكْرُوهَةٌ لِأَنَّ سَبَبَهَا مُتَأخِّرٌ.
قال الرافعي: الأوقات المكروهة لا ينهى فيها عن الصلاة على الإطلاق، بل عن بعض أنواعها، وما ورد فيها من النهي المطلق محمول على ذلك البعض، فالغرض من هذا الفصل بيان ما ينهى عنه من الصلوات في هذه الأوقات وما لا ينهى عنه.
وقوله: "وذلك في كل صلاة لا سبب لها" أي النهي والكراهة.
وقول الأصحاب في هذا المقام: صلاة لا سبب لها، وصلاة لها سبب، ما أرادوا
الجزء: 1 - الصفحة: 396
به مطلق السبب.
إذ ما من صلاة إلا ولها سبب، ولكن أرادوا بقولهم: "صلاة لها سبب" أن لها سبباً متقدماً على هذه الأوقات أو مقارناً لها، وبقولهم: صلاة لا سبب لها أي ليس لها سبب متقدم ولا مقارن، فعبروا بالمُطْلَقِ عن المُقَيَّدِ، وقد يفسر قولهم: "لا سبب لها" بأن الشارع لم يخصها بوضع وشرعية، بل هي التي يأتي بها الإنسان ابتداء وهي النوافل المطلقة، وعلى هذا التفسير فكل ما لا سبب له مكروه ولكن كل ما له سبب ليس بجائز.
ألا ترى أن ركعتي الإحرام لهما سبب بهذا التفسير.
وهما مكروهتان كما سنذكر إن شاء الله، ولفظ الكتاب يوافق التفسير الأول؛ لأنه خص النهي والكراهة بما لا سبب له من الصلوات، ثم إنه عد أنواعاً من الصلوات التي لها سبب، فمنها الفائتة فلا تكره في هذه الأوقات، لعموم قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ، أَوْ نَسِيَهَا، فَليُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ ذلِكَ وَقْتُهَا لاَ وَقْتَ لَهَا غَيْرُهُ" 71.
ويستوي في الجواز قضاء الفرائض والسُّنَنِ والنوافل التي اتخذها وِرْداً له.
ومنها صلاة الجنازة.
روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَا عَلِيُّ لاَ تُؤَخِرْ أَرْبَعَاً" 72. وذكر منها: الجنازة إذا حضرت.
ومنها: سجود التلاوة.
فلا يكره في هذه الأوقات؛ لأن سبب سجدة التلاوة قراءة القرآن، وهي مقارنة لهذه الأوقات، فلا يؤخر عن وقتها، وفي معناه سجود الشكر، فإن سببه السرور الحادث فليس ذكرهما في هذا الموضع، لكونهما من أنواع الصلاة، لكن لأنهما كالصلاة في الشرائط والأحكام.
ومنها تحية المسجد، فإن اتفق دخوله في هذه الأوقات -لغرض في الدخول- كاعتكاف، ودرس علم، وقراءة فيه لم تكره التحية بما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ" 73، ولأن سبب التحية هو الدخول في المسجد، وقد اقترن بهذه الأوقات، ولو دخل في هذه الأوقات ليصلي التحية لا لحاجة في الدخول فهل يكره؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لما سبق، وأقيسهما نعم، كما لو أخر الفائتة ليقضيها في هذه الأوقات، ويدل عليه ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ الصَّلاةَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
الجزء: 1 - الصفحة: 397
وَغُرُوبِهَا" 74، ومنهم من لا يفصل ويجعل في التحية وجهين على الإطلاق، وينسب القول بالكراهية إلى عبد الله الزبيري -رضي الله عنه- وليكن قوله: وتحية المسجد" معلماً بالواو، لما حكيناه.
ومنها: ركعتا الطواف فلا يكرهان في هذه الأوقات؛ لأنهما يؤديان بعد الطواف، فسببهما موجود في هذه الأوقات.
ومنها صلاة الاستسقاء وفيها وجهان: عبر عنهما المصنف بالتردد.
أحدهما: إنما يكره؛ لأن الغرض منها الدعاء والسؤال وهو لا يفوت بالتأخير، فأشبهت صلاة الاستخارة، وهذا هو الذي ذكره صاحب "التهذيب" وآخرون.
وأظهرهما: لا تكره؛ لأن الحاجة الداعية إليها موجودة في الوقت، ومن قال بهذا قد يمنع الكراهة في صلاة الاستخارة أيضاً، ومن هذه الصلوات صلاة الخسوف فإنها لو أخرت عن هذه الأوقات فربما انجلت الشمس، وفاتت الصلاة.
ومنها: إذا تطهر في هذه الأوقات جاز له أن يصلي ركعتين، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لبلال: "حَدَّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلاَمِ، فَإنِّي سَمِعْتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلاً أَرْجَى عِنْدِي إلا أَنِّي لَمْ أَتَطَّهَّرَ طُهُورًا فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إلاَّ صَلَّيْتُ بِذلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِيَ أَنْ أُصَلِّي" 75. وهل يلحق ركعتا الإحرام بهذه الصلوات؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لحاجته إلى الإحرام في هذه الأوقات بالحج أو العمرة.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: لا؛ لأن سببهما الإحرام وهو متأخر عنهما، وقد يتفق بعدهما، وقد يعوق دونه عائق؛ ولك أن تعلم قوله: "وذلك في كل صلاة لا سبب لها"، بالحاء؛ لأنه يقتضي حصر النهي في الصلاة التي لا سبب لها في الأوقات الخمسة جميعاً.
وعند أبي حنيفة: الوقتان اللذان يتعلق النهي فيهما بالفعل يكره فيهما التطوع ولا يكره فيهما الفرض، ولا بأس بأن يصلي فيهما على الجنازة، ويقضي فوائت الفرائض، ويسجد للتلاوة والسهو، ولكن لا يصلي المنذورة ولا ركعتي الطواف والتطوعات.
وأما في الأوقات الثلاثة فلا تجوز صلاة ما إلاَّ عصر اليوم عند غروب الشمس، فلو دخل في تطوع قال: يقطعه ويقضيه في الوقت المأمور به، فلو مضى فيه أساء وأجزأه، وإن صلى فيها فرضاً أو واجباً أعاد إلا عصر يومه، وصلاة الجنازة، وسجدة
الجزء: 1 - الصفحة: 398
التلاوة، ولك أن تعلمه بالميم والألف أيضاً؛ لأنه روي عن مالك: أنه يقضي الفرائض في الأوقات الخمسة، ولا يصلي فيها النافلة، سواء كان لها سبب أو لم يكن، وبه قال أحمد، واستثنى على مذهبه ركعتا الطواف وصلاة الجماعة مع إمام الحي، وأبو حنيفة يكره إعادتها في الجماعة.
لنا ما تقدم، وأيضاً ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "دَخَلَ بَيْتَ أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- بَعْدَ صَلاَةِ الْعَصْرِ، وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَسَأَلَتْهُ عَنْهُمَا فَقَالَ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ" 76.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- "رَأَى قَيْسَ بنَ فَهْدٍ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الصُّبْحِ فَقَالَ: مَا هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَكُنْ صَلَّيْتُ رَكْعَتَي الْفَجْرِ فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ" 77 ويتبين مما نقلناه أنه لو علم الفائتة وما بعدها بالحاء لجاز.
قال الغزالي: وَقَدْ وَرَدَ الخَبَرُ بِاسْتِثْنَاءِ يَوْمِ الجُمُعَةِ عَن الكَرَاهِيَةِ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ ذلِكَ بِمَنْ يَغْشَاهُ النُّعَاسُ عِنْدَ حُضُورِ الجُمُعَةِ، وَوَرَدَ أَيْضًا بِاسْتِثْنَاءِ مَكَّةَ فَلاَ يُكْرَهُ فِيهَا صَلاَةٌ وَلاَ طَوَافٌ فِي وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ.
فَرْعٌ: لَوْ تَحْرَّمَ بِالصَّلاَةِ فِي وَقْتِ الكَرَاهِيَةِ انْعَقَدَتْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ كَالصَّلاَةِ فِي الحَمَّامِ.
قال الرافعي: الصلاة المنهى عنها في الأوقات الخمسة على التفصيل الذي وضح، لا ينهى عنها على الإطلاق عندنا بل يستثنى عنها زمان ومكان.
أما الزمان فهو يوم الجمعة، فيسثنى وقت الاستواء يوم الجمعة، ولا تكره فيها التطوعات خلافاً لأبي حنيفة ومالك وأحمد.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنْ صَلاَةٍ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلاَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ" وهل يستثنى باقي الأوقات الخمسة يوم الجمعة فيه وجهان:
أحدهما: نعم كوقت الاستواء، تخصيصاً للجمعة وتفضيلاً وقد روي: "إِنَّ جَهَنَّمَ لاَ تُسَجَّرُ 78 يَوْمَ الْجُمُعَةِ".
الجزء: 1 - الصفحة: 399
وأصحهما: لا؛ لأن الرخصة قد وردت في وقت الاستواء فيبقى الباقي على عموم النهي.
فإن قلنا بالوجه الأول جاز التنقل في وقت الاستواء وغيره، وإن قلنا بالثاني فهل يجوز ذلك لكل واحد.
فيه وجهان:
أحدهما: نعم لمطلق قوله: "إِلاَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ" وإيراد المصنف يقتضي ترجيح هذا الوجه، لأنه حكم بالاستثناء.
ثم رُوي عن بعضهم تخصيص الاستثناء بمن يغشاه النعاس، وبترجيحه قال صاحب "التهذيب" وغيره.
واحتجوا عليه أيضاً بما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "كَرِهَ الصَّلاةَ نِصْفَ النَّهَارِ إِلاَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالَ: "إنَّ جَهَنَّمَ تُسَجَّرُ إِلاَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ" 79.
والوجه الثاني: أنه لا يجوز التنفل لكل أحد؛ لأن المعنى المرخص لا يشمل الكل، وذكروا في الترخيص معنيين.
أحدهما: أن الناس عند الاجتماع يوم الجمعة يشق عليهم مراعاة الشَّمْسِ والتمييز بين حالة الاستواء وما قبلها وما بعدها، فخفف الأمر عليهم بتعميم الترخيص.
والثاني: أن الناس يبتكرون إليها فيغلبهم النوم فيحتاجون إلى طرد النعاس بالتنفل كيلا يبطل وضوءهم فيفتقرون في إعادة الوضوء إلى تخطي رقاب الناس، فعلى هذين المعنيين جميعاً المتخلف القاعد في بيته وقت الاستواء لعذر أو غير عذر ليس له التنفل فيه، وأما الذي حضر الجمعة، فقضية المعنى الأول تجويز التنفل له مطلقاً، وقضية المعنى الثاني تخصيص الجواز بالذي يبتكر إليها ثم يغلبه النعاس، أما الذي لم يبتكر ولم يُؤْذِهِ النعاس فلا يجوز له ذلك، وقول صاحب الكتاب: "وقيل: يختص ذلك بمن يغشاه النعاس عند حضور الجمعة" يوافق المعنى الثاني من جهة اعتبار غشيان النعاس، ولكن قضية تجويز التنفل بمن يغشاه النعاس وإن لم يبتكر إليها، وفي كلام غيره ما يقتضي اعتبار التبكير وكون غلبة النعاس لطول الانتظار.
واعلم أن قوله: "وقد ورد الخبر باستثناء يوم الجمعة عن الكراهية" ظاهره يقتضي استثناء جميع الأوقات الخمسة كما حكيناه وجهاً عن بعض الأصحاب، ولكن قوله: "وهل يختص ذلك بمن يغشاه النعاس؟ " يبين أنه أراد بالأول وقت الاستواء لا غير، وفيه اشتهر الخبر وهو الأصح في المذهب، وأما المكان فقد روي عن أبي ذر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ صَلاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ صَلاةَ
الجزء: 1 - الصفحة: 400
الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ إِلاَّ بِمَكَّةَ" 80.
واختلف الأصحاب في هذا الاستثناء ومنهم من قال: مكة كسائر البلاد في أوقات الكراهة والاستثناء لركعتي الطواف، فإن له أن يطوف متى شاء وإذا طاف بالبيت يصلي ركعتي الطواف؛ لأنها صلاة لها سبب، والأصح وهو المذكور في الكتاب أن مكَّة، تخالف سائر البلاد لشرف البقعة وزيادة لفضيلة الصلاة فلا يحرم فيها عن استكثار الفضيلة بحال ويدل عليه ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ مَنْ وَليَ مِنْكُمْ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ شيَئاً فَلاَ يَمْنَعَنَّ أَحَداً طَافَ بِهذَا الْبَيْتِ أَوْ صَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ" 81.
وليكن قوله: "فلا يكره فيها صلاة" معلماً بالواو للوجه الأول وبالحاء والميم، لأن عندهما لا فرق بين مكة وسائر البلاد، ثم ليس المراد من مكة نفس البلد بل جميع الحرم للإستواء في الفضيلة.
وفي وجه: يختص بالاستثناء المسجد الحرام، وما عداه كسائر البلاد، والمشهور الصحيح الأول، ومتى ثبت النهي والكراهة فلو تحرم بالصلاة في الأوقات 82 المنهية هل ينعقد، أم لا؟ هذا هو الذي رسمه فرعاً في الكتاب، وفيه وجهان:
أحدهما: نعم كالصلاة في الحمام، لا خلاف في انعقادها مع ورود النهي.
وأظهرهما: لا كما لو صام يوم العيد لا يصح، وعلى هذين الوجهين يخرج ما لو نذر أن يصلي في الأوقات المنهية، إن قلنا: تصح الصلاة فيها، يصح النذر، وإن قلنا: لا تصح فلا يصح النذر كما لو نذر صوم يوم العيد: فإن صححنا النذر فالأولى أن يصلي في وقت آخر، كمن نذر أن يضحي شاة بسكين مغصوب يصح نذره ويذبحها بسكين غير مغصوب.
وأما إذا نذر صلاة مطلقاً فله أن يفعلها في الأوقات المكروهة فإنها من الصلوات التي لها سبب كالفائتة، وتختم الفصل بشيئين:
أحدهما: أن قوله في أول الفصل: "في الأوقات المكروهة وهي خمسة" يقتضي العصر في الخمسة المذكورة، وهو المشهور، والحصر في الخمسة حكم بإثبات الخمسة ونفي الزائد لكن في كلام الأصحاب حكاية وجهين في أن بعد طلوع الفجر هل يكره ما سوى ركعتي الفجر من النوافل أم لا؟
الجزء: 1 - الصفحة: 401
أحدهما: نعم، وبه قال أبو حنيفة، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ صَلاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، إِلاَّ رَكْعَتَا الْفَجْرِ" 83.
والثاني: لا، وبه قال مالك؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ صَلاةَ بَعْدَ صَلاَةِ الصُّبْحِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ" 84. والمفهوم من صلاة الصبح هو الفريضة، فالتخصيص بالفريضة يدل على عدم الكراهة قبلها.
والوجه الثاني: هو الذي يوافق كلام معظم الأصحاب حيث قالوا بأن النهي في الوقتين يتعلق بالفعل، وإلا فإذا ثبتت الكراهة من طلوع الفجر لم يختلف زمان الكراهة بتقديم الصبح وتأخيرها طولاً وقصرًا، وهذا استدلال بين على ترجيح هذا الوجه، وصرح به الشيخ أبو محمد وغيره.
لكن ذكر صاحب "الشامل" أن ظاهر المذهب هو الوجه الأول، ولم يورد في "التتمة" سواه، وإن قلنا: به دخل وقت الكراهية بطلوع الفجر، فإن عد ما قبل صلاة الصبح وقتاً بانفراده -زاد الأوقات المكروهة على خمسة، وإن جعل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وقتاً واحداً، وأدرجنا وقت الاصفرار فيما بعد صلاة العصر- كما سبق، عادت الأوقات المكروهة إلى أربعة وأن نضم حالة الطلوع إليه فتعود الأوقات المكروهة إلى ثلاثة، والشيخ أبو إسحاق الشَّيرَازِيُّ في آخرين ما أطلقوا الوجهين في الكراهة، من حين طلوع الفجر لكن نقلوا الوجهين في كراهة التنفل بعد ركعتي الفجر، وذلك يقتضي الجزم بنفي الكراهة قبل أن يصلي ركعتي الفجر.
وما يتعلق بالحصر على بينته، لا يختلف بالطريقتين:
الثاني: إذا فاتته راتبة أو نافلة اتخذها وِرْداً فقد ذكرنا أنه يجوز أن يقضيها في أوقات الكراهة ويدل عليه ما سبق من حديث أم سلمة.
ثم إذا فعل ذلك، فهل له أن يداوم على تلك الصلاة في وقت الكراهة فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن في حديث أم سلمة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "دَاوِمْ عَلَىَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ" 85. وعليه حمل ما روي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت:
الجزء: 1 - الصفحة: 402
"مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَأْتينِي فِي يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلاَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ" (1). وأصحهما: أنه لا يجوز لعموم الأخبار الناهية وما فعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان مخصوصاً به فإنه كان يداوم على عمل، وقد روي عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ، وَينْهِي عَنْهَا" (2). فإن قلنا: بالأول فهذه الحالة، مما تستثنى عن عموم إخبار النهي.
الْبَابُ الثَّانِي فِي الأَذَانِ
وَفِيهِ ثَلاَثةُ فُصُولٍ
قال الغزالي: الأَوَّلُ فِي مَحَلِّهِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ سُنَّةٌ عَلَى أَظْهَرِ الرَّأْيَيْنِ فِي الجَمَاعَةِ الأُولَى مِنْ صَلَوَاتِ الرِّجَالِ فِي كُلِّ مَفْرُوضَةِ مُؤَدَّاةٍ، وَفِي الْجَمَاعَةِ الثَّانِيَةِ فِي المَسْجِدِ المَطْرُوقِ قَوْلاَنِ، وَفِي جَمَاعَةِ النِّسَاءِ ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ، وَفِي الثَّالِثِ أَنَّهَا تُقِيمُ وَلاَ تُؤَذِّنُ وَلاَ تَرْفَعُ الصَّوْتَ بِحَالٍ، وَفِي المُنْفَرِدِ فِي بَيْتِهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ، وَفِي الثَّالِثِ إِنَّمَا يُؤَذِّنُ إِذَا انْتَظَرَ حُضُورَ جَمْعٍ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ يُؤَذِّنُ فَفِي إِقَامَتِهِ خِلاَفٌ، وَإِنْ قُلْنَا: يُؤَذِّنُ فَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَلاَ أَذَانَ فِي غَيْرِ مَفرُوضَةٍ كَصَلاَةِ الخُسُوفِ وَالاسْتِسْقَاءِ وَصَلاَةِ الجَنَازَةِ وَالعِيدَينِ، بَل يُنَادِي لَهَا الصَّلاة جَامِعَةً، وَفِي الصَّلاَةِ الفَائِتَةِ المَفْرُوضَةِ ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ، وَفِي الثَّالِثِ يُقِيمُ وَلاَ يُؤَذِّنُ (ح) وَلَو قَدَّمَ العَصْرَ إلَى وَقْتِ الظُّهْرِ يُؤَذِّنُ لِلظُّهْرِ وَيُقِيمُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ أَخَّرَ الظُّهْرِ إلَى العَصْرِ يُؤَدِّيهِمَا بِإقَامَتَيْنِ (ح) بِلاَ أَذَانٍ (و) بِنَاءً عَلَى أَنَّ الظُّهْرَ كَالفَائِتَةِ فَلاَ يُؤَذَّنُ لَهَا.
قال الرافعي: لا شك أن الأذان دعاء إلى الصلاة إعلام للوقت، ولكن لا يدعى به8687 = الترمذي وابن حبان من حديث ابن عباس وفيه: ثم لم يعد لهما، وهو من رواية جرير عن عطاء بن السائب، وإنما سمع منه بعد الاختلاط، نعم في البخاري ومسلم من حديث عائشة "ما تركهما قط عندها" وفي رواية "ما تركهما حتى لقي الله".
الجزء: 1 - الصفحة: 403
إلى كل صلاة، بل إلى بعض الصلوات، وليس دعاء على أي وجه اتفق بل له كيفية مخصوصة، ولا يدعو به كل أحد بل بعض الناس، فتمس الحاجة إلى بيان الصلاة التي هي محل الأذان، وبيان كيفية الأذان وصفات المؤذن؛ فتكلم في هذه الأمور في ثلاثة فصولها وافتتح القول في الأول يذكر الخلاف في أنه سنة أم فرض كفاية؟ ولو قدم هذه المسألة على الفصول أجمع، وقصر كلام الفصل الأول على بيان الصلوات التي تشرع فيها الأذان سُّنة كان أم فرضا كان أليق بترجمة الفصل، وكذلك فعل في "الوسيط"؛ واختلفوا في الأذان والإقامة أهما سنتان أم فرضاً كفاية؟ على ثلاثة أوجه:
أصحهما: أنهما سنتان لأنهما للإعلام، والدعاء إلى الصلاة، فصار كقوله: "الصلاة جامعة" في العيدين ونحوهما، ولأَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم-: "جَمَعَ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ وَأَسْقَطَ الأَذَانَ مِنَ الثَّانِيَةِ" 88. والجمع سنة، فلو كان الأذان واجباً لما تركه لسنة.
والوجه الثاني: أنهما فرضا كفاية لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإذَا حَضُرَتْ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ" 89.
وظاهر الأمر للوجوب، ولأنه من شعائر الإسلام فليؤكد بالفرضية، وهذان الوجهان هما اللذان أرادهما المصنف بالرأيين.
والثالث: أنهما مسنونتان في غير الجمعة، وفرضا كفاية في الجمعة؛ لأنها اختصت بوجوب الجماعة فيها فاختصت بوجوب الدعاء إليها، وبالوجه الثالث قال ابن خيران، ونسبه القاضي ابن كج والشيخ أبو حامد إلى أبي سعيد الإصطخري، ونسب آخرون إلى أبي سعيد الوجه الثاني دون الثالث، فإن قلنا: هما سُّنة فلو اتفق أهل بلدٍ على تركها، هل يقاتلون عليه فيه وجهان:
أصحهما: لا، كسائر السنن.
والثاني: نعم ينسب إلى أبي إسحاق المروزي، لأنه من شعائر الإسلام فلا يمكن من تركه، وإن قلنا: هما فرضا كفاية فإنما يسقط الحرج بإظهارهما في البلدة أو القرية بحيث يعلم جميع أهلها أنه قد أذن فيها لو أصغوا؛ ففي القرية الصغيرة يؤذن في موضع واحد، والبلدة الكبيرة لا بد منه في مواضع ومحال، فلو امتنع قوم منها قوتلوا، ومن قال: بافتراضهما في صلاة بالجمعة خاصة فقد اختلفوا؛ منهم من قال: الأذان الواجب هو الذي يقام بين يدي الخطيب فإنه الذي يختص الجمعة فلا يبعد إيجابه كالجماعة والخطبة وغيرهما، وهذا ما حكاه الشيخ أبو محمد عن أحمد بن سيار من
الجزء: 1 - الصفحة: 404
أصحابنا 90؛ قال الشيخ: ووجدت لفظ الوجوب في هذا الأذان لفظا للشافعي -رضي الله عنه- فلعله أراد توكيد أمره.
ومنهم من قال: يسقط الوجوب بالأذان الذي يؤتى به لصلاة الجمعة وإن لم يكن بين يدي الخطيب.
ولك أن تعلم قوله: "مشروع سنة" بالألف؛ لأن بعض أصحاب أحمد ذكر: أن الأذان والإقامة فرضان على الكفاية عندهم وبالميم؛ لأن في تعاليق الشيخ أبي حامد أن مالكاً يقول بوجوب الأذان، ويلزم الإعادة ما بقي من الوقت، فإن ذهب الوقت وصلى من غير أذان جاز.
ونعود بعد هذا إلى بيان محل الأذان وقد ضبطه المصنف فقال: "محله الجماعة الأولى من صلاة الرجال في كل مفروضة مؤداة" وفيه خمسة قيود: أولها الجماعة فالمنفرد في الصحراء أو في العصر هل يؤذن؟ الجديد: أنه يؤذن لما روي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: "إِنَّكَ رَجُلٌ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْكَ وَقْتُ الصَّلاَةِ فَأذِّنْ وَارْفَعْ صَوْتَكَ فَإِنَّهُ لاَ يَسْمَعُ صَوْتَكَ حَجَرٌ وَلاَ شَجَرٌ وَلاَ مَدَرٌ إِلاَّ شَهِدَ لَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" 91.
وحكى عن القديم: أنه لا يؤذن، لأن المقصود من الأذان الإبلاغ والإعلام، وهذا لا ينتظم في المنفرد، وقال بعض أصحابنا: إن كان يرجو حضور جمع أذن وإلا فلا، وحمل حديث أبي سعيد على أنه كان ينتظر حضور غلمانه ومن معه في البادية.
هذا إذا لم يبلغ المنفرد أذان المؤذنين، فأما إذا بلغه بالخلاف فيه مرتب على هذا فالخلاف، وأولى بأن لا يؤذن كآحاد الجمع، فإن قلنا: لا يؤذن المنفرد فهل يقيم فيه وجهان:
أحدهما: لا كالأذان، وأصحهما نعم؛ لأنها للحاضرين فيقيم لنفسه، وإذا قلنا: يؤذن فهل يرفع الصوت؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم؛ لحديث أبي سعيد.
والثاني: إن انتظر حضور جمع رَفَع، وإلا فلا، ولا شك في أنه إذا أذن يقيم.
واعلم أن هذا الترتيب يشتمل عليه كلام إمام الحرمين وهذا الذي اقتبسه منه
الجزء: 1 - الصفحة: 405
المصنف إلا أنه جعل الفرق بين أن ينتظر حضور جمع أو لا ينتظر قولاً، وأْطلق في المسألة ثلاثة أقوال، والإمام لم يروه إلا عن بعض الأصحاب، والجمهور اقتصروا على ذكر المذهب المنسوب إلى الجديد ولم يتعرضوا لخلاف، نعم حكى القول القديم في "التتمة" ولكن إذا كان المنفرد يصلي في العصر خاصة ولم يطرده في المنفرد في الصحراء.
وقوله في الكتاب: (وفي المنفرد في بيته) تخصيص البيت بالذكر يمكن أن يحمل على موافقة ما رواه في "التتمة" ولكنه لم يرد ذلك بل طرد الخلاف في السفر والحضر، وفي "الوسيط".
وأما الفرق بين أن يرجو حضور جمع أو لا يرجو فسنبيّن في الأذان للفائتة أنه من أين أخذ، وليكن قوله: (وإن قلنا: يؤذن فيستحب رفع الصوت) مَرْ قُوماً بالواو لما قدمناه.
ويدل على استحباب الأذان للمنفرد وعلى أن الإقامة أولى بالرعاية ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ بأَرْضٍ فَلاَةٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلاَةٍ فَإِنْ صَلَّى بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلاَ إِقَامَةٍ صَلَّى وَحْدَهُ فَإِنْ صَلَّى بِإِقَامَةٍ صَلَّى بِصَلاَتِهِ مَلَكَاهُ وإنْ صَلَّى بِأَذَانٍ وإقَامَةٍ صَلَّى خَلْفَهُ صَفٌّ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ أَوَّلُهُمْ بِالْمَشْرِقِ وَآخِرُهُمْ بِالْمَغْرِبِ" 92.
ويستثنى مما ذكرنا من أن المنفرد يرفع صوته بالأذان صورة وهي: ما إذا صلى في مسجد أقيمت الجماعة فيه وانصرفوا، فهاهنا لا يرفع الصوت لئلا يتوهم السامعون دخول وقت صلاة أخرى سيما في يوم الغيم.
وثانيهما: كونها جماعة أولى ومهما أقيمت الجماعة في مسجد ثم حضر قوم فإن لم يكن له إمام راتب لم يكره لهم إقامة الجماعة فيه، وإن كان ففيه وجهان:
أصحهما: أنه يكره، وبه قال أبو حنيفة.
وإذا أقاموا جماعة ثانية مكروهة كانت أو غير مكروهة فهل يُسن لهم الأذان؟ حكى إمام الحرمين عن رواية صاحب "التقريب" فيه قولين:
أحدهما: لا؛ لأن كل واحد منهم مدعوّ بالأذان الأول وقد أجاب بالحضور، فصاروا كالحاضرين في الجماعة الأولى بعد الأذان.
والثاني: نعم؛ لأن الأذان الأول قد انتهى حكمه بإقامة الجماعة الأولى، لكن الأذان الثاني لا يرفع فيه الصوت كيلا يلتبس الأمر على الناس، وهذا أظهر، والأول مذهب أبي حنيفة.
قال الكرخي في "مختصره"، ولا يؤذن في مسجد له إمام معروف
الجزء: 1 - الصفحة: 406
مرتين.
وأما ذكر المصنف للمطروق في صورة المسألة فليس للتقييد؛ لأن رواية صاحب "التقريب" مطلقة ولعله إنما ذكره؛ لأن إقامة الجماعة بعد الجماعة إنما تتفق غالباً في المساجد المطروقة -والله أعلم-.
وثالثهما: صلاة الرجال، ففي جماعة النساء ثلاثة أقوال حكاها في النهاية.
أصحها: وهو نصه في "الأم" و"المختصر": أنه يستحب لهن الإقامة دون الأذان، أما أن الأذان لا يستحب، فلأن الأذان للإبلاغ والاعلام، ولا يحصل ذلك إلا برفع الصوت، وفي رفع النساء الصوت خوف الافتتان، وقد روى عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، أنه قال: "لَيْس عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ" 93 وأما أن الإقامة تستحب فلأنها لاستفتاح الصلاة واستنهاض الحاضرين فيستوي فيها الرجال والنساء، فلو أذنت على هذا القول من غير رفع الصوت لم يكره، وكان ذكراً لله تعالى.
والثاني: أنه لا أذان ولا إقامة، أما الأذان، فلما سبق، وأما الإقامة فلأنها تبع الأذان.
والثالث: أنه يستحب الأذان والإقامة؛ لما روى عن عائشة -رضي الله عنها-: "أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَذِّنُ وَتُقِيمُ" 94.
ثم لا يختص هذا الخلاف بما إذا صَلَّيْنَ جماعة بل هو جار في المرأة المنفردة، ولكن بالترتيب على الرجل، إن قلنا: لا يؤذن الرجل المنفرد فالمرأة أولى، وإن قلنا يؤذن ففي المرأة هذا الخلاف.
وقوله: "ولا يرفع الصوت بحال" أي: لا ترفع المؤَذِّنَةُ صوتها فوق ما تسمع صواحبها، ويحرم عليها أن تزيد على ذلك.
قال: "في النهاية" وحيث قلنا: في أذان الجماعة الثانية في المسجد الدم أقيم فيه الجماعة الأولى والأذان الراتب: إنه لا يرفع الصوت فلا يعني به [أنه يحرم الرفع، بل يعني به الأولى أن لا يرفع، وإذا قلنا إن المنفرد لا يرفع صوته به ولا يعني به] 95 أن الأولى أن لا يرفع فإن الرفع أولى في حقه، ولكن يعني به أنه يعتد بأذانه دون الرافع.
ورابعهما: المفروضة، فليس في غير المفروضة أذان ولا إقامة، سواء فيه الصلاة
الجزء: 1 - الصفحة: 407
التي يسن له الجماعة كالعيدين والكسوفين والاستسقاء، والتي لا يسن كصلاة الضحى، لأنه لم ينقل الأمر به عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا عن خلفائه الراشدين -رضي الله عنهم- ولكن ينادي لصلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء "الصَّلاةَ جَامِعَةٌ" 96 وكذلك لصلاة التراويح إذا أقيمت جماعة، واختلف الناقلون في صلاة الجنازة فعدها المصنف من جملة ما يستحب فيه هذا النداء، وكذلك نقله القاضي ابن كج وآخرون.
وقال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وطبقته: لا يستحب لها الأذان والإقامة ولا هذا النداء، ووافقهم صاحب "التهذيب" فلا بأس لإعلام قوله: "بل ينادي لها "الصلاة جامعة"" لهذا السبب.
وخامسها: المؤداة، ففي الفائتة ثلاثة أقوال:
الجديد: أنه لا يؤذن لها؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "حُبِسْنَا عَنْ الصَّلاَةِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْمَغْرِب هَوَيَا مِنَ اللَّيْلِ فَدَعَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِلاَلاً فَأَقَامَ لِلْظُّهْرِ فَصَلاَّهَا ثُمَّ أَقَامَ لِلْعَصْرِ فَصَلاَّهَاَ ثُمَّ أَقَامَ لِلْمَغْرِبِ فَصَلاَّهَا ثُمَّ أَقَامَ لِلْعَشَاءِ فَصَلاَّهَا وَلَمْ يُؤَذِّنْ لَهَا مَعَ الإقَامَةِ" 97.
والقديم: أنه يؤذن لها، وبه قال مالك، وأبو حنيفة وأحمد لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- كان في سفر فقال: "احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلاتَنَا" 98 يعني ركعتي الفجر فضرب على أذانهم فما أيقظهم إلا حر الشمس فقاموا فساروا هيبة، ثم نزلوا فتوضأوا، وأذن بلال فصلوا ركعتي الفجر، وركبوا.
وقال في "الإملاء": إن أمل اجتماع قوم يصلون معه أذن، وإلا فلا.
قال الأئمة: الأذان في "الجديد" حق الوقت، وفي "القديم" حق الفريضة، وفي "الإملاء" حق الجماعة.
وهذا الخلاف في الأذان.
أما الإقامة فنأتي بها على الأقوال كلها، ثم استفيد من هذا الخلاف شيئان:
أحدهما: أن الفرق في المنفرديين أن ينتظر حضور جمع أو لا ينتظر مخرج من قول "الإملاء" مصيراً إلى أن الأذان حق الجماعة، حكى تخريجه منه عن أبي إسحاق المرْوزي.
والثاني: ظهور القول بأن المنفرد في المؤداة [يؤذن، ولولاه لما خض الفائتة في هذه الأقوال بالتنصيص عليها، ومتى استثنى الخلاف في المنفرد بالمؤداة هل] 99 يؤذن
الجزء: 1 - الصفحة: 408
لها؟ وجب أن يرتب فنقول: إن قلنا: المؤداة لا يؤذن لها فالفائتة أولى، وإن قلنا: يؤذن ففي الفائتة خلاف.
ولو أقيمت الفائتة جماعة فلا جريان للقول الثالث.
واعلم بعد هذا أن قول المصنف: (في صلاة الفائتة المفروضة ثلاثة أقوال) لفظ (المفروضة) مستغني عنها فإنا عرفنا بالتقييد سابقاً أن غير المفروضة لا أذان لها إذا كانت مؤداة فكيف يتوهم لها الأذان إذا كانت مؤداة فائتة ثم قوله: (فيه ثلاثة أقوال: في الثالث يقيم ولا يؤذن) يقتضي أن يكون أحد الأقوال أنه يؤذن لها.
والثاني: أنه لا يؤذن لها ولا يقيم.
والثالث: ما ذكره، وتكون هذه الأقوال حينئذ على مثال ما قدمته في جماعة النِّسَاء لكنه سهو هاهنا بلا شك، فقد أطبقت النقلة على أن الفائتة يقيم لها وإنما الأقوال في الأذان، وأن ثالثها الفرق بين أن ينتظر حضور جمع أو لا ينتظره، وقد نقلها المصنف على الصحة في "الوسيط" فقال في "الجديد": يقيم ولا يؤذن، وفي "القديم": يقيم ويؤذن، وفي "الإملاء" إن انتظر حضور جمع أذن، إلا اقتصر على الإقامة، وهي متفقة على أنه يقيم لها، وهذا كله في الفائتة الواحدة، فإن كانت عليه فوائت وقضاها على التوالي ففي الأذان للأولى هذه الأقوال، ولا يؤذن لما عداها بلا خلاف، ويقيم لكل واحدة منها الأولى وغيرها.
وعند أبي حنيفة: يتخير فيما بعد الأولى إن شاء أذن وأقام، وإن شاء اقتصر على الإقامة.
ولو وإلى بين فريضة وقت وفائتة فإن قدم فريضة الوقت أذن وأقام لها واقتصر على الإقامة للفائتة، وإن قدم الفائتة أقام لها، وفي الأذان الأقوال.
وأما فريضة الوقت فقد قال في "النهاية": إن قلنا: يؤذن للفائتة فلا يؤذن للمؤداة بعدها كيلا يتوالى الأذانان، وإن قلنا: يقتصر للفائتة على الإقامة فيؤذن للأداء بعدها ويقيم.
والأظهر: أنه يقتصر لصلاة الوقت بعد الفائتة على الإقامة بكل حال؛ لحديث أبي سعيد الخدري، فإنه لم يأمر للعشاء بالأذان، وإن جمع بين صلاتي جمع لِسَفَرٍ أو مطر فإن قدم الأخيرة إلى وقت الأولى كتقديم العصر إلى الظهر فيؤذن ويقيم للأولى، ويقتصر للثانية على الإقامة، لما روى أنَّه -صلى الله عليه وسلم-: "جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ بِأَذَانٍ وَإقَامَتَيْنِ" 100، وأيضاً فإنه لو أذن للثانية 101 لأخلَّ بالموالاة وهي مرعية عند التقديم لا محالة، وإن أخر الأولى إلى وقت الثانية كتأخير الظهر إلى العصر أقام لكل واحدة منهما، ولم يؤذن للعصر محافظة على الموالاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 409
وأما الظهر فتجري فيه أقوال الفائتة؛ لأنها تشبهها من جهة أنها خارجة عن وقتها الأصلي، والأصح: أنه لا يؤذن لها أيضاً؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ فِي وَقْتِ الْعِشَاءِ بِإِقَامَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَذَانٍ".
قال إمام الحرمين -قدس الله روحه- وينقدح أن يقول: يؤذن قبل الظهر (1)، وإن قلنا الفائتة لا يؤذن لها إما لأنها مؤداة ووقت الثانية وقت الأولى عند العذر، وإما لأن إخلاء صلاة العصر عن (الأذان وهي واقعة في وقتها فيعيد) (2) الأذان الواقع قبل صلاة الظهر للعصر، وقد يؤذن الإنسان لصلاة ويأتي بعده بتطوع وغيرها إلى أن تتفق الإقامة وتخلله لا يقدح في كون الأذان لتلك الصلاة.
وعند أبي حنيفة يصلي للمغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان وإقامة، ولا يقيم للعشاء ويجوز أن يعلم بالواو قوله: "بلا أذان" وكذا قوله في حالة التقديم: "فيؤذن للظهر" لأنه لتخصيص الأذان بالظهر، وقد حكى القاضي أبو القاسم بن كج أن أبا الحسن بن القطان خرج وجهاً أنه يؤذن لكل واحدة من صلاتي الجمعة قدم أو أخر وقوله: (بناء على أن الظهر كالفائتة فلا يؤذن لها) هذا وحده لا يوجب نفي الأذان فيهما لكنه يفيد نفي الأذان للظهر، وأما العصر فإنما لا يؤذن لها لمعنى الموالاة، ويلزم من مجموع الأمرين أن يكون أداؤهما بلا أذان، وقد نجد في بعض النسخ التعرض بسبب نفي الأذان للعصر أيضاً -والله أعلم-.
وإذا عرفت ما ذكرناه فلا يخفى عليك أن القيود الخمسة مختلف فيها كلها سوى القيد الرابع؛ فإن الظاهر عدم اعتبار الأول والثاني واعتبار الثالث والخامس.
فرع: لا يشرع الأذان في الصلاة المنذورة كذلك رواه صاحبُ التهذيب وغيره، ويخرج عن الضابط بقيد الجماعة فإن الجماعة لا يشرع فيها.
الفَصْلُ الثَّانِي فِي صِفَةِ الأَذَانِ
قال الغزالي: وَهُوَ مَثْنًى مَثْنًى، وَالإِقَامَةُ فُرَادَى (ح) مَعَ الإِدْرَاجِ، وَالتَّرْجِيعُ (ح).102103
الجزء: 1 - الصفحة: 410
مَأْمُورٌ بِهِ وَكَذَا التَّثْوِيبُ (ح) فِي أَذَانِ الصُّبْحِ عَلَى القَدِيمِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَالقِيَامُ وَالاسْتِقْبَالُ شَرْطٌ لِلْصِّحَّةِ فِي أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، ثُمَّ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَلْتَفِتَ فِي الحَيَّعَلَتَيْنِ يَمِيناً وَشِمالاً، وألا يُحَوِّلُ (م ح) صَدْرَهُ عَنِ القِبْلَةِ.
القول في صفة الأذان
:
قال الرافعي: الفصل ينتظم مسائل:
أحدها: الأذان مثنى والإقامة فرادى خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: "والإقامة كالأذان، إلا أنه يزاد فيها كلمة الإقامة".
لنا: ما روى عن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: "كَانَ الأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَثْنَى وَالإقَامَةِ فُرَادَى إِلاَّ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ كَانَ يَقُولُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ مَرَّتَيْنِ" 104.
ثم قولنا: (الأذان مثنى) ليس المراد منه أن جميع كلماته مثناه؛ لأن كلمة: "لا إله إلا الله" في آخره لا يؤتى بها إلا مرة واحدة فكلمة التكبير يؤتى بها في أوله أربع مرات خلافاً لمالك حيث قال: "لا يؤتى بالتكبير في أوله إلا مرتين".
لنا: "أَنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ 105 كَذَلِكَ حَكَاهُ عَنْ تَلْقِين رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِيَّاهُ" وكذلك هو في قصة رؤيا عبد الله بن زيد في الأذان، وهي مشهورة 106.
وقولنا: (الإقامة فرادى) لا نعني به أن جميع كلماتها موحدة، بل كلمة التكبير مثناه في الابتداء والانتهاء، وكذلك كلمة الإقامة، هذا قوله في "الجديد" وفي "القديم" لا يقول هذه الكلمات أيضاً إلا مرة، وبه قال مالك: لما روى: "أَنَّهُ أَمَرَ بِلاَلاً أنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَيُوتِرِ الإقَامَةَ" 107. وهذا يقتضي إيتار جميع الكلمات، وحجة الجديد ما قدمنا من خبر ابن عمر -رضي الله عنهما- ومنهم من يقتصر في حكاية القديم على إفراد كلمة الإقامة دون التكبير، ويجوز أن يعلم قوله: (والإقامة فرادى) مع الحاء بالواو؛ لأن
الجزء: 1 - الصفحة: 411
محمد بن إسحاق بن خزيمة من أصحابنا قال: إن رجع في الأذان ثنى الإقامة وإلا أفردها جمعاً بين الأخبار في الباب، وذكر في "التهذيب" أنه قول الشافعي -رضي الله عنه-، لما روي عن أبي محذورة أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "عَلَّمَهُ الأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً وَالإِقَامَةَ سَبْعَ عَشَرَ كَلِمَةً" 108.
الثانية: المستحب أن يرتل الأذان ويدرج الإقامة، والترتيل: أن يأتي بكلماتها مبينة من غير تمطيط يجاوز الحد.
والإدراج أن يأتي بالكلمات حدراً من غير فصل، لما روى عن جابر -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لبلال: "إِذَا أَذنت فَتَرَسَّلْ وإِذَا أَقَمْتَ فَأحْدِرْ" 109، والترسل: هو الترتيل.
الثالثة: ينبغي أن يرجِّع في أذانه خلافاً لأبي حنيفة وأحمد، والترجيع هو أن يأتي بالشهادة مرتين مرتين بصوت خفيق ثم يمد صوته فيأتي بكل واحدة منهما مرتين آخريين بالصوت الذي افتتح الأذان به.
لنا: ما روي عن أبي محذورة قال: "أَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- التَّأْذِينَ بِنَفْسِهِ فَقَالَ: قُلْ: اللهُ أكبَرُ اللهُ أَكبَرُ اللهُ أكبَرُ اللهُ أَكبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، أَشْهَدُ أَن مُحَمدًا رَسُولُ اللهِ أَشْهَدُ أَن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: ارْجعْ فَمُدَّ صَوْتَكَ أشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ أَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلهَ إلاَّ اللهُ أشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ" وذكر باقي الأذان 110 ووافقنا مالك على أنه يرجع، لكن الصيدلاني روى من مذهبه: أنه لا يزيد في كلمات الأذان بل الترجيع أن يقول مرة: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم مرة أشهد أن محمداً رسول الله ثم يرجع فيمد صوته ويعيد الكلمتين مرة مرة بصوتٍ عالٍ، ثم إن المصنف لم يزد في الكتاب على كون الترجيع مأموراً به، والأمرُ به يشمل المستحق والمستحب فمن أي القسمين هو؟ الأصح أنه مستحب، ولو تركه لم يضر كالتثويب، ولأن المقصودَ الإعلامُ والإبلاغُ والذي يأتي به بصوت خفيض لا يسمعه إلا من حوله فلا يتعلق به إبلاغ.
وفيه وجه آخر: أنه مستحق
الجزء: 1 - الصفحة: 412
فيه كسائر الكلمات المأمور بها، ومنهم من يحكيه قولاً:
الرابعة: "التَّثْوِيبُ فِي أَذَانِ الصُّبْح وَرَدَ الْخَبَرُ بِهِ 111، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ: الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ الْنَّوْمِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يَأتِي بِبَاقِي الأَذَانِ".
وسمى تثويباً من قولهم ثاب إلى الشيء أي عاد، والمؤذن يعود به إلى الدعاء إلى الصَّلاة بعد ما دعى إليها بالحيعلتين.
وفيه طريقان:
أحدهما: وهو المذكور في الكتاب: أن فيه قولين:
القديم: أنه يثوب.
والجديد: أنه لا يثوب.
والثاني: القطع بأنه يثوب، وبه قال مالك وأحمد؛ لما روي عن بلال -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ تُثَوِّبَنَّ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ إِلاَّ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ" 112. وبهذه الطريقة قال أبُو عَلِيِّ الطَّبَرِيُّ والشَّيْخُ أبو حامد والقاضي ابن كج، وحكاها الصيدلاني واعتمدها، قال هؤلاء: وإنما كرهه في الجديد معللاً بأن أبا محذورة لم يحكه، وقد ثبت عن أبي محذورة أنه قال: "عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الأَذَانَ وَقَالَ: "إذَا كُنْتَ فِي أَذَانِ الصُّبْح فَقُلْتَ حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ فَقُلِ الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ" 113. فيحتمل: أنه لم يبلغه عن أبي محذورة، وبنى التثويب في القديم على رواية غيره، ويحتمل أنه بلغه في "القديم" ونسبه في "الجديد"، وعلى كل حال فاعتماده في الجديد على خبر أبي محذورة وروايته فكأنه قال: مذهبي ما ثبت في حديثه، ومن أثبت القولين قال المسألة مما يفتى فيها على "القديم".
وأما أبو حنيفة فقد روي عنه مثل مذهبنا، وروي أنه يمكث بعد الأذان بقدر عشرين آية ثم يقول: حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين، وقال: إنه التثويب، ثم المشهور في التثويب القطع بأنه ليس بركن في الأذان.
وقال إمام الحرمين: فيه احتمال عندي من جهة أنه يضاهي كلمات الأذان في شرع 114. رفع الصوت به فكان أولى بالخلاف من الترجيع.
الجزء: 1 - الصفحة: 413
وقوله: "وكذا التثويب في أذان الصبح" مطلق يشمل الأذان الأول والثاني للصبح لكن ذكر في "التهذيب" أنه إذا أذن مرتين وَثَّوَب في الأول لا يثوب في الثاني على أصح الوجهين:
الخامسة: ينبغي أن يؤذن ويقيم قائماً: "لَأَنَّ الْمَلَكَ الَّذِي رَآهُ عَبْدُ اللهِ بنُ زَيْدٍ فِي الْمَنَام أَذَّنَ قَائِماً 115 وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ بِلاَلُ وَغَيْرُهُ مِنْ مُؤَذِّنِي رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-" ولأنه أبلغ في الإعلام، فلو ترك القيام مع القدرة ففيه وجهان:
أصحهما: أن الأذان والإقامة صحيحان لحصول أصل الإبلاغ والإعلام؛ ولأنه يجوز ترك القيام في صلاة النفل ففي الأذان أولى إلا أنه يكره ذلك إلا إذا كان مسافراً فلا بأس بأن يؤذن راكباً قاعداً.
والثاني: أنه لا يعتد بأذانه وإقامته كما لو ترك القيام في الخطبة، وهذا لأن شرائط الشعار تتلقى من استمرار الخلق واتفاقهم، وهذا مما استمروا عليه، وينبغي أن يستقبل فيهما القبلة بمثل ما قدمنا، ولو تركه وأذن مستديراً ففيه الخلاف المذكور في ترك القيام 116. ويستحب الالتفات في الحَيْعَلَتَيْنِ يميناً وشمالاً وذلك بأن يلوي رأسه وعنقه من غير أن يحول صدره عن القبلة أو يزيل قدميه عن مكانهما، لما روي عن أبي جحيفة قال: "رَأَيْتُ بلاَلاً خَرَجَ إلَى الأَبْطَح فَأذَّنَ فَلَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ حَيَّ عَلَى الْفَلاَحِ لَوَى عُنُقَهُ يَمِينَاً وَشِمَالاً وَلَمْ يَسْتَدبِرْ" 117.
وكيفيته: أن يلتفت يميناً فيقول: حي على الصَّلاَة مرتين، ثم يلتفت شمالاً فيقول: حي على الفلاح مرتين، وهذا هو الأصح وعليه العمل، وبه قال أبو حنيفة.
وعن القفال، أنه يقسم كل حيعلة على الجهتين فيقول: حي على الصلاة مرة عن يمينه ومرة عن يساره، وكذلك قوله: حي على الفلاح، ولفظ الكتاب يصلح لهذا الوجه بأن يكون المعنى أن يلتفت في كل حيعلة يميناً وشمالاً ولكنه لم يرد ذلك، وإنما أراد الهيئة المشهورة، والمعنى مستحب أن يلتفت في الحيعلتين يميناً في الأُولى وشمالاً في الثانية، ثم حكى صاحب "البيان" على الوجه الأول وجهين.
فيما يفعل إلى إتمام كل واحدة من الحَيْعَلَتَيْن.
أحدهما: أنه يلتفت يميناً ويقول: حي على الصّلاة مرتين، ثم يرد وجهه إلى
الجزء: 1 - الصفحة: 414
القبلة ثم يلتفت شمالاً ويقول: حي على الفلاح مرتين، وهذا ما عليه العمل.
والثاني: يلتفت يميناً ويقول: حي على الصلاة مرة، ثم يرد وجهه إلى القبلة ثم يلتفت يميناً، ويقول: حي على الصلاة مرة أخرى وكذلك يفعل بالجهة الثانية، وإنما اختصت الحيعلتان بالالتفات دون سائر الأذان؛ لأن سائر الأذان ذكر الله تعالى وهنا خطاب الآدمي فلا يعدل عن القبلة فيما ليس بخطاب الآدمي، وهذا كالسلام في الصلاة ويلتفت فيه، ولا يلتفت في سائر الأذكار، وإنما لم يستحب في الخطبة أن يلتفت يميناً وشمالاً، لأن ألفاظها تختلف، والغرض منها الوعظ والإفهام فلا يخص بعض الناس بشيء منها كيلاَ يختل الفهم بذهاب بعض الكلام عن السماع، وهاهنا الغرض الإعلام بالصوت، وذلك يحصل بكل حال، وفي الالتفات إسماع النواحي، وهل يستحب الالتفات في الإقامة؟ فيه وجهان:
أشهرهما: نعم كما في الأذان.
والثاني: لا، لأن المقصود منها إعلام الحاضرين فلا حاجة إلى الإلتفات إلا أن يكبُرَ المسجد، ويحتاج إليه وليكن قوله: "ولا يحول صدره عن القبلة" معلماً بالحاء والألف؛ لأن عند أبي حنيفة وأحمد إن أذن على المنارة دار عليها، وإن أذن على وجه الأرض اقتصر على الالتفات.
قال الغزالي: وَرَفْعُ الصَّوْتِ في الأذان رُكْنٌ.
قال الرافعي: ينبغي للمؤذن أن يرفع الصوت بالأذان وأن يبالغ فيه ما لم يجهده، وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "يُغْفَرُ لِلْمُؤَذِّنِ مَدَى صَوْتِهِ" 118.
ثم الأذان ينقسم إلى ما يأتي به الإنسان لنفسه وإلى ما يأتي به للجماعة.
أما الأول: فيكفي فيه أن يسمع نفسه على المشهور؛ لأن الغرض منه الذكر، دون الإعلام.
وقال الإمام: الاقتصار على إسماع النفس يمنع كون المأتي به أذاناً وإقامة، فليرد عليه قدر ما يسمع من عنده لو حضر، ثم يقر، بخلاف الذي قدمناه في أن المنفرد إذا أذن هل يرفع صوته؟ مفروض على المشهور في أنه هل يستحب الرفع؟ وعلى ما ذكره الإمام في أنه هل يعتد به دون الرفع؟ وأما الأذان للجماعة فقد ثقل عن نصه أنه لو جهر بشيء من الأذان وخافت بشيء لم يكن عليه إعادة ما خافت به كما لو أسر بالقراءة في موضع بالجهر، وللأصحاب فيه ثلاثة أوجه:
الجزء: 1 - الصفحة: 415
أحدها: أنه لا بأس بالإسرار جرياً على ظاهر النص.
وثانيها: أنه لا يجوز الإسرار بالكل، ولو أسر بكلمة أو بكلمتين فلا بأس، والنص محمول على هذه الحالة.
وأصحها: وبه قال صاحب "الإفصاح" أنه لا يجوز الإسرار بشيء منه؛ لأن ذلك مما يبطل مقصود الأذان، وهو الإبلاع والإعلام، والنص محمول على أذان المنفرد، وقد عرفت بما ذكرنا أن لفظ الكتاب محمول على أذان الجماعة، ثم هو معلم بالواو للوجهين الآخرين، وأما الإقامة فلا يكفي فيها الاقتصار على إسماع النفس كما في الأذان على الأصح، ولكن الرفع فيها دون الرفع في الأذان لأنها للحاضرين.
قال الغزالي: وَالتَّرْتِيبُ فِي كَلِمَاتِ الأذانِ شَرْطٌ فَلَوْ عَكَسَهَا لاَ يُعْتَدُّ بِهَا، وَإن طَوَّلَ السُّكُوتَ في أَثْنَائِهَا فَقَوْلاَنِ، وَلَوْ بَنَى عَلَيْهِ غَيْرَهُ فَقْوَلانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالْبُطْلاَنِ، وَلَوْ ارْتَدَّ فِي أَثْنَاءِ الأذَانِ بَطُلَ وَإِنْ قَصُرَ الزَّمَانُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةُ تُحْبِطُ العِبَادَةَ.
قال الرافعي: لعلك تقول لم عد رفع الصوت ركناً والترتيب شرطاً فاعلم أنه ليس في هذا كبير شيء، وكلاهما مما لا بد منه، ولو عد الترتيب ركناً في الأذان كما فعل في الوضوء لم يبعد، لكن يمكن أن يقال: ركن الشيء ما يفوت بفواته المقصود من ذلك الشيء، والشرط زينة الشيء وتتمته، وإذا كان كذلك فرفع الصوت مما يفوت بفواته المقصود من الأذان وهو الإعلام، والترتيب زينة وهيئة للكلمات، وبهذا فرقنا بين الترتيب وسائر الأركان في الوضوء، فجعلنا النسيان عذراً فيه دون غيره على قول: إن الظن إنه ما قصد تحقيق فرق بينهما، وفي سياق كلامه في "الوسيط" ما يفهم ذلك وغرض الفصل: أنه يعتبر في الأذان شيئان:
أحدهما: الترتيب بين كلماته؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "علمه مرتباً" فيتبع، ولأنه لو لم يكن لها ترتيب خاص لأورث ذلك اختلال الإعلام والإبلاغ، فلو عكس الكلمات لم يعتد بها معكوسة، ويبني على القدر المنتظم، ولو نزل بعض الكلمات من خلاله أتى به وأعاد ما بعده.
الثاني: الموالاة؛ لأن غرض الإعلام يبطل إذا تخلل الفصل الطويل ويظن السامعون أنه لعب أو تعليم.
ويتعلق بهذا الشرط مسائل:
إحداها: لو سكت في أثناء الأذان يسيراً لم يضر؛ لأن مثله يقع للنفس والاستراحة ولا ينقطع به الولاء، وإن طول السكوت فقد حكى في الكتاب فيه قولين، وبناهما الإمام على القولين في الطهارة، وهذا أولى باعتبار الموالاة فيه كيلا يلتبس الأمر على السامعين ولا يبطل غرض الإعلام، فإن أعتبرنا الموالاة بطل المأتي به بالسكوت
الجزء: 1 - الصفحة: 416
الطويل ووجب الاستئناف، وإلا فله البناء على المأتي به، وبنى بعض الأصحاب القولين على القولين في جواز البناء على الصَّلاَة، إذا سبقه الحدث.
الثانية: الكلام في خلال الأذان بمطلقه لا يبطله؛ لأنه ليس بآكد من الخطبة، وهي لا تبطل به، ولكن ينظر إن كان يسيراً لم يضر كما في الخطبة وكما في السكوت اليسير، هذا هو المشهور، وعن الشَّيْخِ أبي محمد تردد في تنزيل الكلام اليسير إذا رفع الصوت به منزلة السكوت الطويل، لأن الكلام أيقع وأشد جرًا للبس من السكوت، وإن تكلم بكلام كثير ففيه قولان مرتبان على السكوت الطويل وهو أولى بإبطال الولاء لما ذكرنا، وإذا خرج عن أهلية الأذان بغير الردة كما إذا أغمي عليه أو نام في خلال الأذان، فهو على هذا التفصيل: إن كان يسيراً أو زال على قرب لم يضر وجاز البناء عليه، وإن طال ففيه القولان، وإن خرج عن أهلية الأذان بالردة فسيأتي.
واعلم أن صاحب "الإفصاح" والعراقيين قالوا: يجوز البناء في هذه الصور وإن طال الفصل، وحكوه عن نص الشافعي -رضي الله عنه-، لكن الأشبه وجوب الاستئناف عند تخلل الفصل الطويل؛ لأنهم اتفقوا على اشتراط الترتيب في الأذان، وما يقتضي اشتراط الترتيب فيه هو بعينه يقتضي اشتراط الموالاة، وهذا هو الذي أورده الصيدلاني والشيخ أبو علي وتابعهما صاحب "التهذيب" وغيره، وحملوا كلام الشافعي -رضي الله عنه- على الفصل اليسير، ثم في الإغماء والنوم يستحب الاستئناف وإن لم يجب إما لقصر الزمان أو على قولنا أنه لا يضر وإن طال الزمان، وكذلك يستحب الاستئناف في الكلام والسكوت الكثيرين وإن قلنا: إنهما لا يبطلان ولا يستحب الاستئناف إذا كانا يسيرين.
الثالثة: المستحب أن لا يتكلم في أذانه بشيء، فلو عطس حمد الله تعالى في نفسه وبنى، ولو سلم عليه إنسان أو عطس لم يجب ولم يشمت حتى يفرغ، ولو أجاب أو شمت أو تكلم بما فيه مصلحة لم يكره، وإن ترك المستحب، وإن رأى أعمى يكاد يقع في بئر فلا بد من إنذاره.
الرابعة: إذا لم يحكم ببطلان الأذان بالفصل المتخلل فله أن يبني على أذانه، وهل لغيره البناء عليه؟ فيه [قولان] (1) بناهما بعضهم على جواز الاستخلاف في الصلاة.
وقال: إن جوزنا صلاة واحدة بإمامين ففي الأذان أولى، وإن لم نجوز ففي الأذان قولان.
والفرق أن الأذان لا يتأثر بالكلام اليسير والإغماء بخلاف الصلاة، ومنهم من بناهما على جواز البناء على خطبة الخطيب إذا أغمي عليه في أثنائها، وهما قريبان، لأن (1)
الجزء: 1 - الصفحة: 417
الخلاف في الخطبة أيضاً مبني على قولي الاستخلاف في الصلاة، ولذلك إذا جوزنا البناء شرطنا أن يكون الذي يبني ممن سمع الخطبة من أولها، ومنهم: من رتب بناء غيره على بنائه على أذان نفسه عند طول الفصل وهو أولى بالبطلان؛ لأن صدور الآذان من رجلين أبلغ في أثارة اللبس، وهذا الترتيب هو المذكور في الكتاب، وظاهر المذهب المنع من بناء الغير عليه.
الخامسة: لو ارتد بعد الفراغ عن أذانه ثم أسلم وأقام جاز، لكن المستحب أن لا يصلي بأذانه وإقامته بل يعيد غيره الأذان ويقيم؛ لأن ردته تورث شبهة في حاله، ولو ارتد في خلال الآذان لم يجز البناء عليه في الردة بحال، لأن أذان الكافر لا يعتد به كما سيأتي، ولو عاد إلى الإسلام فهل يجوز البناء عليه؟ منهم من يحكي فيه قولين، وكذلك فعل المصنف، ومنهم من رواهما وجهين، وهم الأكثرون، وإنما كان كذلك لأنهما ليس بمنصوصين، لكن روي عن نصه في الآذان أنه لا يبني، وفي المعتكف إذا ارتد ثم أسلم أنه يبني فخرجوهما على قولين:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة: أنه لا يجوز البناء؛ لأنه عبادة واحدة فتحبط بعروض الردة فيها كالصلاة وغيرها، وأصحهما الجواز، والردة إنما تمنع العبادة في الحال فلا تبطل ما مضى إلا إذا اقترن بها الموت، وتخرج عليه الصلاة ونحوها من العبادات؛ لأنها لا تقبل الفصل بحال، وقطع بعضهم بهذا الوجه الثاني، وحمل كلام الشافعي -رضي الله عنه- على ما إذا أطال زمان الردة، فالحاصل في الردة طريقتان:
إحداهما: طرد الخلاف في مطلق الارتداد، طال زمانه أم قصر، وعلى هذا فللبطلان عند طول الزمان مأخذان طول الفصل، وكون الردة مبطلة للعبادة.
والطريقة الثانية: تخصيص الخلاف بما إذا طال زمان الارتداد، وتجويز البناء إذا قصر جزماً، وعلى هذا فالردة بمثابة الإغماء والكلام وغيرهما، وهل لغير المرتد البناء على أذانه؟ فيه الخلاف الذي سبق، وكذا لو مات في خلال الأذان.
وقوله: "ولو ارتد في أثناء الأذان بطل وإن قصر الزمان على أحد القولين" جرى على الطريقة الأولى وإثبات للخلاف في طول الزمان وقصره تعليلاً بأن الردة مبطلة للعبادة.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي صِفَةِ المُؤَذِّنِ
قال الغزالي: وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُسْلِماً عَاقِلاً ذَكَراً، فَلاَ يَصِحُّ أَذَانُ كَافِرٍ وَامْرَأَةٍ وَمَجْنُونٍ وَسَكْرَانَ مُخَبطٍ، وَيصِحُّ أَذَانُ الصَّبِي المُمَيِّزِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 418
قال الرافعي: الصفات المعتبرة في المؤذن تنقسم إلى مستحقة ومستحبة، فبدأ بالمستحقة وهي الإسلام، والعقل، والذكررة.
أما الإسلام فلا يصح أذان الكافر؛ لأنه ليس من أهل العبادة، ولأنه لا يعتقد مضمون الكلمات، ولا الصلاة التي هي دعاء إليها فإتيانه به ضرب من الاستهزاء، ثم الكفار ضربان:
أحدهما: الدين يستمر كفرهم مع الإتيان بالأذان وهم العيسوية فرقة من اليهود، ويقولون: محمد رسول الله إلى العرب خاصة، فلا ينافي لفظ الأذان مقالتهم.
والثاني: سائر الكفار، وفي الحكم بإسلامهم بكلمتي الشهادة في الأذان وجهان نقلهما صاحب "البيان":
أحدهما: لا تحكم؛ لأنه يأتي به على سبيل الحكاية.
وأصحهما: وهو المشهور في الكتب: أنه يحكم بالإسلام، كما لو تكلم بالشهادتين باستدعاء غيره، فعلى هذا لا يستمر كفر هؤلاء مع الإتيان بالأذان، ولكنه لا يعتد بأذانهم؛ لوقوع أوله في الكفر.
وأما العقل: فهو شرط، فلا يصح أذان المجنون، لأنه ليس أهلاً للعبادة، وفي أذان السكران وجهان مبنيان على الخلاف في تصرفاته واعتبار قصده.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه يلحق بالمجنون تغليظاً للأمر عليه، وإنما شرط كونه مخبطاً إشارة إلى أن الذي هو في أول النشو ومبادئ النشاط يصح أذانه كسائر تصرفاته لانتظام قوله وفعله.
وأما الذكورة فلا يصح من المرأة أن تُؤَذِّنَ للرجال كما لا يجوز أن تؤمهم، وكذلك لا يعتد بأذان الخنثى المشكل، للرجال، وأما أذان المرأة لنفسها ولجماعة النساء فقد سبق حكمه.
وقوله: "ولا يصح أذان كافر وامرأة" المراد منه ما إذا أذنت للرجال، وإن كان الكلام مطلقاً، ويصح الأذان من الصبي المميز، لوجود الشرائط الثلاث وصار كإمامته للبالغين وليكن قوله: "ذكراً" وقوله: "وامرأة" مرقوماً بالحاء؛ لأن المحكي عن أبي حنيفة أنه يعتد بأذانها للرجال، وبالواو لأن صاحب التتمة روي وجهان مثل ذلك وليكن قوله: "ويصح أذان الصبي المميز" معلماً بالواو أيضاً لأن صاحب التتمة روى أنه لا يعتد بأذانه.
ومأخذ الوجهين الغريبين تنزيل الأذان منزلة الإخبار، لأنه بناء عن دخول الوقت وخبر المرأة مقبول، وخبر الصبي غير مقبول.
قال الغزالي: وَتُسْتَحَبُّ الطَّهَارَةُ في الأَذَانِ، وَيَصِحُّ بِدُونِهَا، وَالكَرَاهِيَةُ فِي الجُنُبِ أَشَدُّ، وَفي الإِقَامَةِ أَشَدُّ.
الجزء: 1 - الصفحة: 419
قال الرافعي: يستحب الطهارة في الأذان ولا تجب خلافاً لأحمد وبعض أصحابه.
لنا: ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "حَقٌّ وَسَنَّةٌ أَنْ لاَ يُؤَذِّنَ الرَّجَلُ إِلاَّ وَهُوَ طَاهِرٌ" 119. وهذا يقتضي الاستحباب وينفي الوجوب، وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يُؤَذِّنُ إِلاَّ مُتَوَضِئٌ" 120.
وأيضاً: فإنه يدعو إلى الصلاة فينبغي أن يكون هو بصفة تمكنه أن يصلي، إلا فهو واعظ غير متعظ، فلو أذن، أو أقام جنباً، أو محدثاً فقد فعل مكروهاً، ولكن يحسب أذانه؛ لحصول مقصوده وكونه أهلاً، وأذان الجنب أشد كراهةً من أذان المحدث؛ لأن الجنابة أغلظ، وما يحتاج إليه الجنب لتمكنه الصلاة فوق ما يحتاج إليه المحدث، والإقامة مع أي واحد من المحدثين اتفقت أشد كراهة من الأذان مع ذلك الحدث؛ لأن الإقامة يتعقبها الصلاة، وتكون بعد حضور القوم فإن انتظروه ليتطهر ويعود شق عليهم، إلا ساءت الظنون فيه واتهم بالكسل في الصلاة.
قال الغزالي: وَلْيَكُنِ المُؤَذِّنُ صَيِّتاً حَسَنَ الصَّوْتِ لِيَكُونَ أَرَقَّ لِسَامِعِيهِ، وَلْيَكُنْ عَدْلاً ثِقَةً لِتَقَلُّدِهِ عُهْدَةَ المَوَاقِيتِ.
قال الرافعي: مما يستحب في المؤذن أن يكون صيّتاً لقوله -صلى الله عليه وسلم-، في قصة عبد الله بن زيد: "أَلْقِهِ عَلَى بِلاَلٍ، فَإنَّهُ أَنْدَى مِنْكَ صَوْتًا" 121.
والمعنى فيه: زيادة الإبلاغ والإسماع؛ ولهذا يستحب أن يضع أصبعيه في صماخي أذنيه لتنسد خروق الأذنين فيكون أجمع للصوت، وأن يؤذن على موضع عالٍ من منارة وسطح ونحوهما، ومما يستحب فيه أن يكون حسن الصوت "لأَنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- اخْتَارَ أَبَا مَحْذُورَةَ لِحُسْنِ صَوْتِهِ" 122 ولأن الدعاء إلى العبادة جذب للنفوس إلى خلاف ما تقتضيه طباعها، فإذا كان الداعي حلو المقال رقت قلوب السامعين فيكون ميلهم إلى الإجابة أكثر، ومما يستحب فيه أن يكون عدلاً لمعنيين:
أحدهما: أن السنة أن يؤذن على موضعٍ عالٍ، وحينئذ يشرف على العورات، فإذا كان عدلاً غض البصر وأُمِنَ منه.
والثاني: أنه يتقلد عهدة المواقيت، فإذا كان فاسقاً لم يؤمن أن يؤذن قبل الوقت، وهذا المعنى الثاني هو الذي ذكره في الكتاب، فإن قلت: قد قَدَّمْتُم فيما سبق خلافاً في
الجزء: 1 - الصفحة: 420
أنه هل يجوز الاعتماد على أذان المؤذن أم لا؟ فإن جاز فربما يؤذن قبل الوقت فيفطر الصائم ويصلي المبادر، فيلزم المحذور، أما إذا لم يجز فكل يعمل بعمله واجتهاده فلا يستمر هذا المعنى، قلنا الأذان قبل الوقت غير محسوب ولا يؤمن أن نقدمه على الوقت فيكون القوم مصلين بغير أذان، وكل أحد وإن اجتهد للصلاة فلا يجتهد للآذان فظهر المحذور على التقدير الثاني أيضاً.
وأما قوله: "عدلاً ثقة" فلعلك تقول: لم جمع بين اللفظين؟ فاعلم أنهما جميعاً موجودان في كلام الشافعي -رضي الله عنه-، واختلف الأصحاب منهم من قال: إنه تأكيد في الكلام، ومنهم من قال: أراد عدلاً في دينه ثقةً في العلم بالمواقيت، ومنهم من قال: أراد عدلاً إن كان حراً، ثقة إن كان عبدًا؛ لأن العبد لا يوصف بالعدالة لكن يوصف بالثقة والأمانة.
قال الغزالي: والإِمَامَةُ أَفْضَلُ مِنَ التَّأْذِينِ عَلَى الأَصَحِّ لِمُوَاظَبَةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَيْهَا.
قال الرافعي: كل واحد من الأذان والإمامة عمل فيه فضيلة، ثم لا يخلو إما أن تكون الإمامة أفضل من الأذان أو بالعكس أو لا يكون واحد منهما أفضل من الآخر، ورابع هذه الأقسام محال.
فأما القسم الثالث: وهو التسوية بينهما فهو وجه غريب لبعض الأصحاب حكاه صاحب "البيان" وغيره، وأما القسمان الأولان ففيهما وجهان مشهوران:
أحدهما: أن الإمامة أفضل؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- واظب عليها دون الأذان، وكذا الخلفاء بعده.
والثاني: أن الأذان أفضل لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "الْأَئِمَّةُ ضُمَنَاء وَالْمُؤَذِّنُونَ أُمَنَاءُ فَأرْشِدِ اللَّهُمَّ الأَئِمَّةَ واغْفِرْ لِلْمُؤذِّنِينَ" 123، والأمين أحسن حالاً من الضمين، والدعاء بالمغفرة خيرٌ من الدعاء بالإرشاد، واعتذر الصائرون إلى هذا الوجه عن ترك الرسول -صلى الله عليه وسلم- الأذان بوجوه:
أحدها: أنه إذا قال: حي على الصلاة لزم أن يتحتم حضور الجماعة؛ لأنه أمر ودعاء وإجابة النبي -صلى الله عليه وسلم- واجبة، فتركه شفقة على أمته.
والثاني: إنه لو أذن لكان إما أن يقول أشهد أن محمَّدًا رسول الله وليس ذلك يجزل والقائل محمد الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وإما أن يقول أشهد أني رسول الله وهو تغيير لنظم الآذان.
الجزء: 1 - الصفحة: 421
والثالث: أنه ما كان يفرغ للمحافظة على الآذان لاشتغاله بسائر مهمات الدِّين، وغيره والصلاة لا بد من إقامتها بكل حال فأثر الإمامة فيها، وإلى هذا الوجه أشار عمر رضي الله عنه بقوله: "لَوْلاَ الخِلَّيْفَى لَأذَّنْتُ" 124 ولمن نصر الوجه الأول أن يقول: لا أسلم أنه لو أذن لتحتم الحضور وإنما يلغ ذلك أن لو كان الأمر والدعاء في هذا الموضع للإيجاب، ومعلوم أن الأوامر منقسمة إلى ما يكون للإيجاب، وإلى ما يكون للاستحباب 125.
وأما الثاني فلم قلتم: أنه لو قال أشهد أن محمداً رسول الله لاختلت الجزالة ألا ترى أن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ 126 ونظائر ذلك 127 لا تحصى، ثم ما قولكم في كلمة الشهادة في التشهد أكان يقول أشهد أن محمدًا رسول الله أو يقول أشهد أني رسول الله، فإن كان الأول فلا اختلال، وإن كان الثاني هو المنقول فلم احتمل تغيير النظم فيه، ولا يحتمل هاهنا.
وأما الثالث فلا نسلم أن الاشتغال بسائر المهمات يمنع من الأذان مع حضور الجماعة وإقامة الصلوات في أول الوقت بتقدير التسليم فلا شك أنه كان له أوقات فراغ فينبغي أن يؤذن في تلك الأوقات.
وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الذي اختاره كثيرون من أصحابنا منهم الشيخ أبو حامد وأتباعه أن الأذان أفضل وَغلَّطُوا من صار إلى تفضيل الإمامة وبالغوا فيه وتابعهم صاحب "التهذيب" وعكس المصنف ذلك فجعل تفضيل الإمامة أصح، والذي فعله أولى وإليه ذهب صاحب "التقريب" والقفال، والشيخ أبو محمد وغيرهم.
ورجحه القاضي الرّوياني أيضاً، وحكاه عن نص الشافعي -رضي الله عنه- في كتاب "الإمامة" وعلل بأن الإمامة أشق فيكون الفضل فيها أكثر، وتوسط بعض علمائنا بين المذهبين، منهم أبو علي الطبري والقاضي ابن كج، والمسعودي، والقاضي الحسين، فقالوا: إن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة وما ينوب فيهما واستجمع خصالها فالإمامة أفضل له، وإلا فالآذان
الجزء: 1 - الصفحة: 422
أفضل، وأما الجمع بين الآذان والإمامة فلا يستحب [لأنه] لم يفعله الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولا أمر به، ولا السلف الصالح بعده 128، وأغرب القاضي ابن كج فقال: الأفضل لمن يصلح لهما أن يجمع بينهما، ولعله أراد الآذان لقوم والإمامة لآخرين والله أعلم.
قال الغزالي: وَللإمَامِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عَلَى الأَذَانِ مِنْ بَيْتِ المَالِ، وَهَلْ لِآحَادِ النَّاسِ ذَلِكَ؟ فِيهِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: المؤذن يستحب له التطوع بالأذان، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أذَّنَ سَبْعَ سِنِينَ مُحْتَسِبًا كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ" 129.
فإن لم يتطوع وطمع في شيء ففيما يصرف إليه؟ طريقان:
أحدهما: إدرار رزق عليه.
والثاني: أن يعطي أجرة في إجارة، والمذكور في الكتاب هو الثاني، فأما الطريق الأول فللإمام أن يرزق المؤذن من مال المصالح وهو خمس خمس الفيء، والغنيمة المضاف إلى الله تعالى ورسوله، ولا يرزقه من أربعة أخماس خمسها؛ لأنها لأقوام مخصوصين كالزكاة، وكذا لا يرزقه من أربعة أخماس الغنيمة؛ لأنها للغانمين، وفي أربعة أخماس الفيء قولان يأتي ذكرهما في موضعهما إن شاء الله تعالى، إن جعلناها للمصالح جاز أن يرزقه منها، وإلا فلا، ثم إنما يرزق عند الحاجة وعلى قدر الحاجة، فلو وجد فاسقاً يتطوع بالأذان [وأميناً لا يتطوع] فله أن يرزق أميناً لا يتطوع.
وفيه وجه: بعيد، ولو وُجِدَ أميناً يتطوع وثَمَّ آخر حسن صوتاً منه فهل يجوز أن يرزقه؟ فيه وجهان:
أحدهما: ينسب إلى ابن سريج: نعم.
الجزء: 1 - الصفحة: 423
والثاني: ويحكى عن القفال: لا، وإذا كان في البلد مساجد: فإن لم يمكن جمع الناس في مسجد واحد رزق عدداً من المؤذنين تحصل بهم الكفاية ويتأدى الشعار، وإن أمكن فوجهان.
أحدهما: يجمع ويقتصر على رزق واحد نظراً لبيت المال.
والثاني: يرزق الكل حتى لا تتعطل المساجد ولو لم يكن في بيت المال سعة بدأ بالأهم وهو رزق مؤذن الجامع، وأذان صلاة الجمعة أهم من غيره، وكما يجوز الرزق من بيت المال يجوز للإمام أن يرزق من مال نفسه، وكذلك للواحد من الرعايا وحينئذ لا حجر، يرزق كما شاء ومتى شاء.
وأما الطريق الثاني: وهو أن يستأجر على الأذان ويعطي أجرة عليه فهل يجوز ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة وأحمد: أنه لا يجوز، لأنه عمل يعود نفعه إلى الأجير، فلا يصح الاستئجار عليه كالاستئجار على القضاء لا يجوز وإن جاز أن يرزق القاضي من بيت المال، وهذا اختيار الشيخ أبي حامد، ويقال: إن ابن المنذر نقله عن الشافعي -رضي الله عنه-.
وأصحهما: أنه يجوز، وبه قال مالك؛ لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه، فيجوز أخذ الأجرة عليه ككتبة المصاحف، وعلى هذا فهل يختص الجواز بالإمام أم يجوز لكل واحد؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يختص بالإمام، أو من أذن له الإمام؛ لأنه من الشعائر والمصالح العامة، والإمام هو القوام بها فيصرف مال بيت المال إلى هذه الجهة.
وأظهرهما: إنه يجوز لآحاد الناس من أهل المحلفة وغيرهم الاستئجار عليه من مالهم، كالاستئجار على الحج، وتعليم القرآن، ويحصل من هذا الترتيب ثلاثة أوجه:
المنع المطلق، والجواز المطلق والفرق بين الإمام وغيره، وقد ذكرها المصنف جميعاً في باب "الإجارة" من الكتاب وإن لم يذكر في الإمام خلافاً في هذا الموضع، فلو أعلمت قوله: "وللإمام أن يستأجر" بالواو مع الحاء والألف لكان صحيحاً، والمذكور في الإجارة يشتمل على القدر المذكور هاهنا مع زيادة، فلو طرحه لما ضر، وإذا فرعنا على جواز الاستئجار فإنما يجوز للإمام الاستئجار من بيت المال حيث يجوز له الرزق منه خلافاً ووفاقاً، وذكر في "التهذيب" أنه لا يحتاج إلى بيان المدة إذا استأجر من بيت المال؛ بل يكفي أن يقول: استأجرتك لتؤذن في هذا المسجد في أوقات الصلاة كل شهر بكذا، وإن استأجر من مال نفسه أو استأجر واحد من عرض الناس ففي
الجزء: 1 - الصفحة: 424
اشتراط بيان المدة وجهان.
قال: والإقامة تدخل في الاستئجار للأذان، فلا يجوز الاستئجار على الإقامة إذ لا كلفة فيها، وفي الآذان كلفة لمراعاة الوقت، وليست هذه الصورة بصافية عن الإشكال.
قال الغزالي: فَرْعٌ: إِذَا كَثُرَ المُؤَذِّنُونَ فَلا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَرَاسَلُوا بَلْ إنْ اتَّسَعَ الوَقْتُ تَرَتَّبُوا، ثُمَّ مَنْ أَذَّنَ أَوَّلاً فَهُوَ يُقِيمُ فَإِنْ تَسَاوَوْا أُقْرعَ بَيْنَهُمْ، وَوَقْتُ الإِقَامَةِ مَنُوطٌ بِنَظَرِ الْإمَامِ، وَوَقْتُ الأَذَان بِنَظَرِ المُؤَذِّنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
قال الرافعي: الفرع يشتمل على قاعدتين:
أحدهما يستحب أن يكون للمسجد مؤذنان كما "كَانَ لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-بِلاَلٌ وَابْنُ أَمَّ مَكْتُومٍ".
ومن الفوائد فيه: أن يؤذن أحدهما لصلاة الصبح قبل الفجر والآخر بعده كما تقدم، وتجوز الزيادة لكن الأحب أن لا يزاد على أربعة، فقد اتخذ عثمان -رضي الله عنه- أربعةً من المؤذنين، ولم يزد الخلفاء الراشدون على هذا العدد 130، وإذا ترشح للأذان اثنان فصاعداً فلا يستحب أن يتراسلوا بالأذان إذ لم يفعله مؤذنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولكن ينظر إن وسع الوقت ترتبوا فإن تنازعوا في البداية أقرع بينهم، وإنضاق الوقت فإن كان المسجد كبيراً أذنوا متفرقين في أقطار المسجد فإنه أبلغ في الإسماع، وإن كان صغيرًا وقفوا معاً وأذنوا، وهذا إذا لم يؤدّ اختلاف الأصوات إلى تشويش، فإن أدى لم يؤذن إلا واحد، فإن تنازعوا أقرع بينهم، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَوْ يَعلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلاَّ أَنْ يَسْتهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا عَلَيْهِ" 131.
وإذا انتهى الأمر إلى الإقامة فإن أذنوا على الترتيب فالأول أولى بالإقامة لما روى عن زياد الصدائي قال: "أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ أُؤَذِّنَ فِي صَلاَةِ الْفَجْرِ فَأَذَّنْتُ فَأَرَادَ بِلاَلُ أَنْ يُقِيمَ فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: إِنَّ أَخَا صَدَاءٍ قَدْ أَذَّنَ وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ" 132.
وهذا إذا لم يكن مؤذناً راتباً أو كان السابق هو المؤذن الراتب، فأما إذا سبق غير المؤذن الراتب فأذن فهل يستحق ولاية الإقامة؟ فيه وجهان:
الجزء: 1 - الصفحة: 425
أحدهما: نعم لإطلاق الخبر.
وأظهرهما: لا؛ لأنه مسيء بالتقدم، وفي القصة المروية كان بلال غائباً وزياد أذن بإذن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وإذا قلنا: ولاية الإقامة لمن أذن أو لا فليس ذلك على سبيل الاستحقاق، بل لو أذن واحد، وأقام غيره اعتد به روى أن عبد الله بن زيد: "لَمَّا أَلْقَى الأَذَانَ عَلَى بِلاَلٍ فَأذَّنَ قَالَ عَبْدُ اللهِ أَنَا رَأَيْتُهُ وَأَنَا كُنْتُ أرِيدُهُ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ فَأَقِمْ أَنْتَ" 133.
وحكى صاحب "التتمة" وغيره وجهاً أنه لا يعتد به تخريجاً من قول الشافعي -رضي الله عنه- أنه لا يجوز أن يخطب واحد ويصلي آخر، فهذا إذا أذنوا على الترتيب.
أما إذا أذنوا معاً فإن اتفقوا على إقامة واحد فذاك، وإلا أُقرع بينهم، ولا يقيم في المسجد الواحد إلا واحد، فإنها لاستنهاض الحاضرين، إلا إذا لم تحصل الكفاية بواحد.
وقيل: لا بأس، وبأن يقيموا معاً أيضاً إن لم يؤد إلى التشويش.
ونعود إلى لفظ الكتاب قوله: (فلا يستحب أن يتراسلوا بل إن وسع الوقت ترتبوا) نفي لاستحباب التراسل مطلقاً وبيان لما يتسحب على أحد التقديرين، وهو سعة الوقت، وكان اللائق أن يبين معه حكم التقدير الثاني، فالتعرض لأحدهما والسكوت عن الثاني ترك غير مستحسن لا إيجاز.
فإن قلت: تقدير للترتيب بما إذا وسع الوقت يفيد أن الحكم بخلافه فيما إذا لم يسع الوقت.
قلنا: نعم، لكن لا يفيد إلاَّ أنهم يترتبون، ولا يعرف من ذلك أنهم يؤذنون جميعاً؛ لأن هاهنا قسمًا آخر وهو: أنه لا يؤذن إلا أحدهم، وبتقدير أنه يفيد أنهم يؤذنون جميعاً إما وحده أو بقرينة قوله بعد ذلك: "فإن استووا أقرع بينهم" لكنه لا يفيد أنهم يؤذنون مجتمعين أو متفرقين في نواحي المسجد، فإذا القدر المذكور لا يفيد معرفة الحكم المطلوب، وأما الإقامة فقد بين حكمها على التقديرين.
وأما إذا أذنوا مرتبًا فحيث قال: "ثم من أذن أو لا فهو يقيم" وأما إذا أذنوا معاً فحيث قال: فإن استووا أقرع بينهم" والمعنى فإن استووا في الأذان وتنازعوا في الإقامة وإلا فلو سلموها لواحد فلا حاجة إلى القرعة.
وقوله: "من أذن أو لا فهو يقيم" وإن كان مطلقاً لكنه محمول على ما إذا لم يكن السابق مسيئاً بمبادرة [المؤذن] 134 الراتب كما قدمناه، ثم الحكم بأنه يقيم استحقاق أو استحباب قد ذكرناه.
الجزء: 1 - الصفحة: 426
الثانية: وقت الأذان منوط بنظر المؤذن لا يحتاج فيه إلى مراجعة الإمام، ووقت الإقامة منوط بنظر الإمام، فإنما يقيم المؤذن عند إشارته لما: روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْمُؤَذِّنُ أمْلَكُ بِالأَذَانِ وَالإمَامُ أَمْلَكُ بِالإقَامَةِ" 135. والمعنى فيه أن الإقامة سببها أن تعقبها الصلاة على الاتصال، والصلاة إلى الإمام فينبغي أن يكون عازماً على الشروع عند تمامها ولهذا لم يقولوا بترتيب الإقامة عند كثرة المؤذنين، لأن ما سوى الإقامة الأخيرة لا يتصل بها الصلاة.
ونختم الباب بذكر محبوبات مما يتعلق بالأذان، أهملها المصنف.
منها: أن يكون المؤذن ممن جعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو بعض صحابته الآذان في أبائهم إذا وجد وكان عدلاً صالحًا له، وأن يصلي المؤذن ومن يسمح الأذان على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد الأذان، ويقول: "اللَّهُمَّ رَبَّ هذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلاَةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْتَهُ" 136.
وأن يجيب من يسمح الآذان المؤذن فيقول مثل ما يقول.
وإن كان السامع جنبًا أو محدثاً، إلا في الحَيْعَلَتَيْنِ فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإلا في كلمة الإقامة فإنه يقول أقامها الله وأدامها وجعلني من صالحي أهلها، وإلا في التثويب، فإنه يقول: "صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ" 137 وفي وجه يقول: "صَدَقَ رَسُول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الصَّلاَةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْم" فإن كان في قراءة أو ذكر، فيستحب أن يقطعهما ويجيب، فإن ذلك لا يفوت، ولو كان في الصلاة فالمستحب لا يجيب حتى يفرغ منها، بل يكره أن يجيب في أظهر القولين، لكن لو أجاب بما استحببناه لم تبطل صلاته، لأنها أذكار، نعم لو قال حي على الصلاة، أو تكلم بكلمة التثويب بطلت صلاته؛ لأنه كلام، ولو أجاب في خلال الفاتحة استأنفها، فإن الإجابة في الصلاة غير محبوبة، ويستحب أن يقول من سمع آذان المغرب: "اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك فاغفر لي" 138.
الجزء: 1 - الصفحة: 427
ويستحب الدعاء بين الآذان والإقامة، وأن يتحول المؤذن، إلى موضع آخر للإقامة.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الاسْتِقْبَالِ
قال الغزالي: وَالنَّظَرُ فِيهِ فِي أَرْكَان ثَلاَثةِ: الأَوَّلُ الصَّلاَةُ وَيَتَعَيَّنُ الاسْتِقْبَالُ فِي فَرَائضِهَا (و) إلاَّ فِي القِتَالِ، فَلاَ تُؤَدَّى فَرِيضَةٌ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَلاَ مَنْذُورَةٌ إنْ قُلْنَا: يَسْلُكُ بِهَا مَسْلَكَ وَاجِبِ الشَّرْعِ وَلاَ صَلاَةُ جَنَازَةٍ، (ح) لِأَنَّ الرُّكْنَ الأَظْهَرَ فِيهَا القِيَامُ.
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ 139 الآية.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "دَخَلَ الْبَيْتَ وَدَعَا فِي نَوَاحِيهِ، ثُمَّ خَرَجَ وَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قِبَلِ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ: هذِه الْقِبْلَةُ" 140.
واعلم أن الاستقبال يفتقر إلى مُسْتَقْبِل، ومُسْتَقْبَل وهو المسمى قبله، ولا بد من حالة يقع فيها الاستقبال، ومعلوم أن الاستقبال لا يجب في غير حالة الصلاة والحاجة تمس إلى الكلام في الأمور الثلاثة، فلذلك قال: "والنظر فيه في ثلاثة أركان، وهي الصلاة، والقبلة والمستقبل".
أولها: الصلاة، وتنقسم إلى فرائض ونوافل:
أما الفرائض: فيتعين الاستقبال فيها إلا في حالة واحدة وهي حالة شدة الخوف في القتال، فإنه يأتي بها بحسب الإمكان، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ 141.
قال: ابن عمر -رضي الله عنهما-: "مُسْتَقْبِلي الْقِبْلَةِ، وَغَيْرِ مُسْتَقْبِلِهَا".
قال نافع: لا أراه ذكر ذلك إلا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 142 وقوله في الكتاب: (إلا في القتال) يعني به حالة شدة الخوف لا مطلق القتال، ثم الشرط أن يكون القتال مباحًا على ما سيأتي في "صلاة الخوف" إن شاء الله تعالى، ويلتحق بهذا الخوف ما إذا انكسرت السفينة فبقي على لوح منها وخاف الغرق لو ثبت على وجه القبلة، وكذلك سائر وجوه الخوف، فليس القتال معنياً لعينه، وإنما المعتبر الخوف.
الجزء: 1 - الصفحة: 428
وأما النوافل فكذلك يجب الاستقبال فيها إلا في حالة الخوف وفي السفر على ما سيأتي، فالمستثنى في قسم الفرائض حالة واحدة، وفي قسم النوافل حالتان، والشافعي -رضي الله عنه- عبر عن الفرض بعبارة أخرى من غير تقسيم الصلوات إلى الفرائض، والنوافل فقال: لا تجوز الصلاة من غير الاستقبال إلا في حالتين:
إحداهما: النافلة في السفر.
والثانية: شدة الخوف، فإن قيل: الاستثناء لا ينحصر في هاتين الحالتين ألا ترى أن المريض الذي لا يجد من يوجهه إلى القبلة ولا يطيق التوجه معذور، وكذلك المربوط على الخشبة؟ قلنا: الكلام في القادر على أن يصلي متوجهاً، فأما العاجز فلا يكلف بما ليس في وسعه، ولا حاجة إلى استثنائه من موارد إمكان التكليف.
وإذا عرفت هذه المقدمة فيتفرع عليها أنه لا يجوز فعل الفريضة على الراحلة لاختلال أمر الاستقبال، وينبغي أن تعرف من قوله: فلا يؤدي فريضة على الراحلة شيئين:
أحدهما: أنه ليس المراد منه الأداء الذي هو ضد القضاء، فإن الفريضة كما لا تؤدى على الراحلة لا تقضى أيضاً، وإنما المراد منه الفعل.
والثاني: أنه وإن كان مطلقاً لكن الفرض ما إذا لم يلحقه خوف فأما إذا خاف الانقطاع عن الرفقة لو نزل لأداء الفريضة، أو خاف على نفسه، أو ماله من وجه آخر فله أن يصلي على الدابة؟ لكنه يعيد إذا نزل، وهل يجوز فعل المنذورة على الراحلة؟ يبني على أصل سبق ذكره، وهو أن المنذورة من العبادة عند الإطلاق يحمل على أقل واجب، ويعطي أحكام الواجبات أم لا؛ إن قلنا: لا، جاز ذلك، وإن قلنا: نعم.
لم يجز، وهو الصحيح، والمحكي عن نصه في "الأم" ولك أن تعلم قوله: (ولا منذورة) بالحاء لأن أبا الحسن الكرخي حكى في مختصره أنه لا يصلي على الراحلة صلاة نذر أوجبها، وهو بالأرض فإن أوجب صلاة وهو راكب أجزأه فعلها على الدابة، وأما صلاة الجنازة ففي جواز فعلها على الرَّاحلة ثلاث طرق، بيناها في "التيمم"، والظاهر: ما ذكره في الكتاب وهو المنع؛ لأن الركن الأظهر فيها القيام، وفعلها على الراحلة يمحو صورة القيام، وذكر بعضهم للمنع معنى آخر سنذكره من بعد، ويجب أن يكون قوله: (ولا صلاة جنازة) مرقوماً بالواو لما تقدم.
قال الغزالي: وَلاَ تَصِحُّ فَرِيضَةٌ عَلَى بَعِيرٍ مَعْقُولٍ، وَفِي أُرْجُوحَةٍ مُعَلَّقَةٍ بِالْحِبَالِ، لأَنَّهُمَا لَيْسَا لِلْقَرَارِ بِخِلاَفِ السَّفِينَةِ الجَارِيَةِ لِأنَّ الْمُسَافِرَ مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا، وَبِخِلاَفِ الزَّوْرَقِ المَشْدُودِ عَلَى السَّاحِلِ؛ لِأَنَّهُ كَالسَّريرِ وَالْمَاءُ كَالأَرْضِ.
قال الرافعي: فعل الفريضة على الراحلة كما يشتمل على الإخلال بأمر القيام،
الجزء: 1 - الصفحة: 429
والاستقبال ففيه شيء آخر، وهو إقامة الفريضة على ما لا يصلح للقرار، وفي اشتراط إقامتها على ما يصلح للقرار كلام، فأراد المصنف أن (يبين أن) 143 امتناع فعل الفريضة على الراحلة ليس لاختلال أمر الاستقبال فحسب، بل من شرط الفريضة فعلها على ما هو للقرار، وهذا الشرط فأئت إذا أقيمت على الراحلة.
وفقه الفصل أن استقرار المصلي في نفسه شرط، فليس له أن يصلي الفريضة وهو سائر ماشٍ؛ لأن المشي يشتمل على الحركات والأصل أنه لا يحتمل أصلاً فخالفنا في النوافل في السفر لما سيأتي، وهل يجوز فعلها على الدَّابَةِ؟ نظر إن أخل فعلها بالقيام، أو الاستقبال فلا يجوز، وإن أمكنه إتمام أركان الصلاة بأن كان في هودج، أو على سرير موضوع على الدابة، فالذي ذكره المصنف أن الفريضة لا تصح، وإن كانت الدابة واقفة معقولة، واتبع فيه إمام الحرمين حيث فقال: لا تقام الفريضة على الراحلة وإن كان المصلي قادراً على المحافظة على الأركان كلها مستقبلاً، وكان البعير معقولاً، لأنه مأمور بأداء الفرائض متمكناً على الأرض، أو ما في معناها، وليست الدابة للاستقرار عليها، وكذلك القول في الأرجوحة المشدودة بالحبال فإنها لا تعد في العرف مكان التمكن، وهو مأمور بالتمكن والاستقرار، وهذا بخلاف السفينة حيث تصح الصلاة فيها وإن كانت تجري وتتحرك بمن فيها، كالدواب تتحرك بالراكبين؛ لأن ذلك إنما يجوز لمسيس الحاجة إلى ركوب البحر، وتعذر العدول في أوقات الصلاة عنه، فجعل الماء علي الأرض كالأرض، وجعلت السفينة كالصفائح المبطوحة على الأرض، وألحق بالسفينة الجارية الزورق المشدود على الساحل، تنزيلاً له منزلة السرير، والماء منزلة الأرض، وتحركه تسفلاً وتصعداً كتحرك السرير ونحوه على وجه الأرض فلا يمنع صحة الفريضة.
وأما الزورق البخاري، فهل للمقيم في "بغداد" وغيره إقامة الفريضة فيه مع تمام الأركان والأفعال.
قال إمام الحرمين: فيه احتمال وتردد ظاهر، فإن الأفعال تكثر بجريان الزوارق، وهو قادر على دخول الشط وإقامة الصلاة قال: وإن احتمل رجال سريراً وعليه إنسان لم يصح عليه الفرض فإن محمول الناس كمحمول البهائم، هذا كلامهما، ولا يخفى أن من حكم بالمنع والدابة معقولة فلأن يحكم به وهي سائرة أولى، وأورد أكثر أصحابنا -منهم صاحب "المعتمد" والحسين الفراء، وأبو سعيد المتولي، والقاضي الروياني، وغيرهم- أنه يجوز فعل الفريضة على الدابة مع إتمام الأفعال والأركان بأن كان في
الجزء: 1 - الصفحة: 430
هودج أو على سرير ونحوهما إذا كانت الدابة واقفة ولم يذكروا خلافاً فيه، وإن كانت سائرة ففيه وجهان:
أحدهما: الجواز، كما لو صلى في سفينة جارية، ومنهم من قاسة على ما لو صلى على سرير يحمله جماعة كأنهم اتخذوا هذه الصورة متفقاً عليها.
وأصحهما: وهو المحكي عن نصه في "الإملاء" أنه لا يجوز؛ لأن سير الدابة منسوب إليه، ولهذا يجوز الطواف عليها، وسير السفينة بخلافه فإنها بمثابة الدار في البر، وأيضاً فإن البهيمة لها اختيار في السير، ء فلا يكاد تثبت على حالة 144 واحدة، والسفينة كما يسير تسير، إذ لا اختيار لها.
وإذا وقفت على ما حكيته تبين لك أنه يجب أن يكون قوله: (ولا تصح الفريضة على بعير) معلماً بالواو، بل الظاهر الجواز، إذا كانت الدابة واقفة على خلاف ما في الكتاب نقلاً عن المذهب في معنى.
أما النقل فقد بيناه.
وأما المعنى فلأن المصنف وإمام الحرمين لم يريدا في التوجيه على أن المصلي في الفريضة مأمور بالاستقرار على الأرض، أو غيرها.
مما يصلح للقرار، وهذا لا يسلمه أصحاب الطريقة الأخرى، إنما المسلم عندهم أنه مأمور بالاستقرار في نفسه، ثم هو مشكل بالزورق المشدود على الشط، فإنه لا تتعلق به الحاجة المفروضة في السفينة والزورق الجاريين وهو قادر على الخروج إلى الساحل، والاستقرار على الأرض، فلم كان الزورق المشدود كالسرير على الأرض، ولم تكن الدابة المعقولة كعدل أو متاع ساقط على الأرض؟ فإن حاولت رفع الخلاف، وقلت: الفارقون بين أن تكون الدابة واقفة أو سائرة صوروا المسألة فيما إذا كان في هودج، أو سرير على الدابة، وليس في الكتاب تعرض لذلك، فلعل مسألة الكتاب فيما إذا وقف على ظهر الدابة من غير سرير ونحوه، وحينئذ لا يتنافى الكلامان؛ لتغاير الصورتين، نعم.
يجب طلب الفرق فالجواب أن هذا فاسد من وجوه ثلاثة:
أحدها: أن الدابة الواقفة إذا لم تصلح للقرار فالمحمول عليها من السرير ونحوه أولى ألا يصلح للقرار، فمحال أن يمنع من الوقوف عليها، ولا يمنع من الوقوف على ما عليها.
والثاني: أن الفارقين بأسرهم ما صوروا المسألة في الهودج، والسرير، بل منهم من تعرض لذلك إيضاحاً؛ لأن إتمام الأركان والأفعال حينئذ يتيسر، ومنهم من فصل بين وقوف الدابة وسيرها من غير تعرض للسرير، هذا الشيخ إبراهيم المروزي ذكره فيما علق عنه إن أمكنه القيام والاستقبال في جميع الفريضة على الدابة نظر، إن كانت واقفة
الجزء: 1 - الصفحة: 431
جاز، وإن كانت تسير فيه فوجهان، ولم يشترط أن يكون عليها سرير ونحوه.
والثالث: أنا حكينا عن إمام الحرمين أنه ألحق ما إذا احتمل السرير رجال فصلى عليه بما إذا صلى على ظهر الدابة، وذلك يوضح أنه لا فرق بين أن يكون على الدابة سرير أم لا -والله أعلم-.
قال الغزالي: أَمَّا النَّوَافِلُ فَيَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، وَفِي السَّفَرِ القَصِيرِ قَوْلاَنِ، وَلاَ يَجُوزُ (و) فِي الحَضَرِ.
قال الرافعي: تكلمنا في حكم إقامة الفرائض على الرواحل.
وأما النوافل فيجوز إقامتها في السفر الطويل عند السير راكباً، أو ماشياً، متوجهاً طريقه؛ لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَت بهِ" 145. وخالف أبو حنيفة في الماشي، ويحكي مثله عن أحمد، فليكن قوله: (وماشيًا) معلماً برقميهما.
لنا أن الإنسان قد يكون له أوراد، ووظائف، ويحتاج إلى السفر لمعاشه، فلو منع من التنفل في سيره لفاته أحد أمرين، إما أوراده، أو مصالح معاشه، ولا فرق في ذلك بين الراكب والماشي.
وهل يختص ذلك بالسفر الطويل؟ فيه قولان:
أحدهما: -وبه قال مالك-: نعم، كالقصر والفطر.
وأصحهما: لا؛ لإطلاق الخبر الذي رويناه، وروي مثله عن جابر 146، ولأن الحاجة كما تمس إلى الأسفار الطويلة تمس إلى الأسفار القصيرة، أو هي أغلب، ومنهم من قطع بالجواز في السفر القصير وامتنع من إثبات خلاف فيه [فيجوز] 147 لك أن تعلم بالواو لفظ القولين من قوله: (وفي السفر القصير قولان) وأما في الحضر فظاهر المذهب أنه لا يجوز ترك استقبال القبلة في النوافل، وهي والفرائض سواء في أمر القيام، وذلك لأن الغالب من حال المقيم اللبث والاستقرار.
وقال أبو سعيد الإصْطَخري: يجوز للحاضر ترك الاستقبال فيها، والتنقل متوجهاً إلى مقصده في الترددات؛ لأن المقيم أيضاً محتاج إلى التردد في دار إقامته، وعلى هذا فالراكب والراجل سواء، وذكر في "التتمة" أن هذا اختيار القفال، ولم يحكه غيره عن اختياره على هذا الإطلاق، لكن الشيخ أبا محمد ذكر أنه اختار الجواز بشرط أن يكون
الجزء: 1 - الصفحة: 432
مستقبلاً في جميع صلاته.
فليكن قوله: (ولا يجوز في الحضر) معلماً بالواو لمكان هذا الوجه.
ثم يتعلق بلفظ الكتاب في الفصل مباحثتان:
إحداهما: أنه قال: (أما النوافل فيجوز إقامتها في السفر الطويل) ولفظ النوافل تدخل فيه الرواتب وغيرها، فما ليس بفرض، فهل يشمل الجواز الكل أم لا، والجواب أن طائفة من أصحابنا منهم القاضي ابن كج ذكروا أنه لا تقام صلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء على الراحلة، وإنما تقام الرواتب وصلاة الضحى، وما يكثر ويتكرر، وأما هذه الصلوات فهي نادرة فأشبهت صلاة الجنازة، وبهذه العلة منع بعضهم صلاة الجنازة على الراحلة، وهذه العلة والتي قدمناها من نحو صورة القيام ينبغي أن تختلفا في التفريع إذا صلاهما على الراحلة قائماً.
وقضية هذه العلة المنع، وقضية تلك العلة الجواز، وبه أجاب إمام الحرمين -رحمه الله-، وقضية لفظ الكتاب توافق إطلاق القول في النوافل بالجواز، وهو الظاهر عند الأكثرين، ولذلك قالوا في ركعتي الطواف، إن قلنا: بالافتراض فلا تؤدي على الراحلة، وإلا فتؤدي، ولم يبالوا بالندرة وقال في "التهذيب" يستوي فيه الرواتب وغيرها مما ليس بفرض.
والثانية: أنه قال: (راكبًا وماشيًا) والركوب كما يستعمل في الدابة يستعمل في السفينة، فيقال: ركب السفينة أو الدابة وركب البحر، فهل يجوز أن يتنفل في السفينة حيث ما توجهت كما يجوز على الدابة؟ والجواب لا؛ حكى ذلك عن نص الشافعي -رضي الله عنه- ذلك، لأنه متمكن من الاستقبال، ولهذا تقول لو كان في هودج على الدابة يتمكن فيه من الاستقبال يلزمه ذلك على الصحيح كما سيأتي، واستثنى في العدة عن راكبي السفينة الملاح الذي يسيرها فله أن يتنفل إلى حيث توجه؛ لأن تكليفه الاستقبال يقطعه عن النافلة أو عن عمله وسيره.
قال الغزالي: وَلاَ يَضُرُّ انْحِرَافُ الدَّابَّةِ عَنِ القِبْلَةِ، وَقِيلَ: يَجِبُ الاسْتِقْبَالُ عِنْدَ التَّحَرمِ (و)، وَقِيلَ: لاَ يَجبُ إلاَّ إِذَا كَانَ العِنَانُ بِيَدِهِ، ثُمَّ صَوْبُ الطَّرِيقِ بَدَلٌ عَنِ القِبْلَةِ فِي دَوَامِ الصَّلاَةِ، وَلاَ يُصَلِّي رَاكِبُ التَّعَاسِيفِ إِذْ لَيْسَ لَهُ صَوْبٌ مُعَيَّنٌ، وَإنْ حَرَّفَ الدَّابَّةَ عَمْدًا عَنْ صَوْبَ الطَّرِيقِ بَطُلَتْ صَلاتُهُ، وإنْ كَانَ نَاسِياَ لَمْ تَبْطُلْ إنْ قَصُرَ الزَّمَانُ لَكِنْ يَسْجُدُ لِلْسَّهْوِ، وَإِنْ طَالَ فَفِي البُطْلاَنِ خِلاَفٌ يَجْرِي مِثْلُهُ فِي الاسْتِدْبَارِ نَاسِيًا، وإنْ كَانَ بِجِمَاحِ الدَّابَّةِ بَطُلَ إنْ طَالَ الزَّمَانُ، وَإِنْ قَصُرَ فَوَجْهَانِ، ثُمَّ عَلَى الرَّاكِبِ أَنْ يُومِئَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودَ، وَيَجْعَلَ السُّجُودَ (ح) أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ، وإنْ كَانَ فِي مَرْقِدٍ أتَمَّ السُّجُودَ وَالرُّكُوعَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 433
قال الرافعي: المتنفل في سيره إما راكب أو ماشٍ، ولا بد في الحالتين من النظر في الاستقبال وكيفية الأفعال، فبدأ بالكلام في الراكب ثم تكلم في الماشي، [أما الراكب] 148 فإما أن يكون على سرج ونحوه، ولا يمكنه إتمام السجود والركوع والاستقبال في جميع صلاته، وإما أن يكون في مرقد يمكنه ذلك، فأما في الحالة الأولى فلا يمنع من الصلاة بتعذر الاستقبال في جميعها، ولكن هل يجب عليه أن يستقبل القبلة عند التحرم؟ فيه وجوه:
أحدها: لا كما في دوام الصلاة؛ لأن تكليف الاستقبال يشق عليه ويشوش عليه سيره.
والثاني: نعم ليكون ابتداء الصلاة على صفة الكمال، ثم يخفف الأمر في الدوام كما أن النية يشترط اقترانها بالتكبير، ولا يشترط في دوام الصلاة فعلى، هذا الوجه لو تعذر الاستقبال في تلك الحالة لم تصح الصلاة أصلاً.
والثالث: أنه إن سهل عليه الاستقبال عند التحرم وجب وإلا فلا، فلو كانت الدابة واقفة وأمكنه الانحراف عليها إلى القبلة لو أدارها إليها أو كانت سائرة والزمام في يده ولا حران بها، فالاستقبال سهل، وإن كانت مقطرة أو صعبة الإدارة لحرانها فهو عسير.
أما الاشتراط عند السهولة، فلما روي عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ إذَا سَافَرَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةِ بِنَاقَتِهِ، وَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ" 149.
وأما عدم الاشتراط عند الصعوبة، فلدفع المشقة واختلال أمر السير عليه، ولهذا رخصنا في ترك الاستقبال في دوام الصلاة، وهذه الوجوه الثلاثة هي التي أوردها في الكتاب.
واعلم أن الأكثرين سكتوا عن الوجه الثاني، واقتصروا على إيراد الأول والثالث، لكن حكاه الصيدلاني وتابعه إمام الحرمين، والمصنف على نقله، ثم إيراد الكتاب يقتضي أن يكون عدم الاشتراط مطلقاً أظهر؛ لأنه قال: "ولا يضر انحراف الدابة عن القبلة" ثم ذكر الوجهين الآخرين، والمذهبيون إذا أطلقوا الحكم، ثم قالوا: وقيل: كذا كأنه إشارةً منهم إلى ترجيح الأول إلا إذا نصوا على خلافه، لكن الذي رجحه معظم الأئمة إنما هو الوجه الثالث، وفيه جمع بين الخير والمعنى كما تقدم، ثم ظاهر لفظه في حكاية الوجه الثالث يقتضي الإيجاب فيما إذا كان العنان بيده ونفيه في غير هذه
الجزء: 1 - الصفحة: 434
الحالة، لكن لو كانت الدابة واقفة وسهل الانحراف عليها يلزمه ذلك على هذا الوجه وإن لم يكن العنان بيده فكأنه جعل هذا مثالاً لصورة سهولة الاستقبال، ليلحق به ما هو في معناه، ويمكن أن يكون الذي حكاه ثانياً وجهاً مغايراً للوجه الثالث الذي قدمنا روايته، فإن الصيدلاني وغيره نقلوه كما نقله المصنف لكن الأول أقرب، فإن الفرق بين ما إذا كان العنان بيده وبين سائر صور السهولة بعيد.
وفي لفظ الكتاب شيء آخر يحتاج إلى تأويله وذلك أنه قال: "ولا يضر انحراف الدابة عن القبلة" ومعلوم أنه لا اعتبار بانحراف الدابة واستقبالها، وإنما الاعتبار بحال الراكب، حتى لو استقبل الركب عند التحرم حصل الغرض وارتفع الخلاف وإن كانت الدابة منحرفة واقفة كانت أو سائرة فإذا المعنى ولا يضر انحرافه على الدابة أو لانحراف الدابة وما أشبه ذلك.
وفي المسألة وجه رابع: وهو: أنه لو كانت الدابة متوجهة به عند افتتاح الصلاة، إما إلى القبلة أو إلى طريقه تحرم بالصلاة كما هو، ولو كانت منحرفة به إلى غيرها لم يجز التحرم إلا إلى القبلة، لأن تكليف صرف الدابة عن صوب الطريق إذا كانت متوجهة إليه قد يعسر، أما عند الانحراف إلى غير القبلة والطريق فلا بد من صرفها فليصرفها لهم القبلة أولاً ثم إلى الطريق فليس فيه كثير عسر، وإذا شرطنا الاستقبال عند التحرم ففي اشتراطه عند السلام وجهان:
أحدهما: يشترط: لأنه أحد طرفي الصلاة، ولهذا اعتبرنا نية الخروج على رأي اعتباراً بالطرف الأول.
وأصحهما: لا يشترط كما في سائر الأركان وهذا قضية نظم الكتاب، لأنه قال: "لا يضر الانحراف" ولم يستثن على بعض الوجوه سوى حالة التحرم.
وإذا عرفت الخلاف في التحرم والتحلل، فاعرف أن فيما عداهما من أركان الصلاة يجعل صوب الطريق بدلاً عن القبلة، وكذلك عند التحرم والتحلل إذا لم يشترط فيهما الاستقبال، وإنما كان كذلك؛ لِأن المصلي لا بد وأن يستمر على جهة واحدة ليجتمع همه ولا يتوزع فكره، وجعلت تلك الجهة جهة الكعبة لشرفها، فإذا عدل عنها لحاجة السير فليلزم الجهة التي قصدها؛ محافظةَ على المعنى المقتضي للاستمرار على الجهة الواحدة، ثم الطريق في الغالب لا يستد؛ بل يشتمل على معاطف يلقاها السالك يمنة ويسرة، فيتبعه كيف ما كان لحاجة السير، وإنما قال: "صوب الطريق" لأنه لا يشترط أن يكون سلوكه في نفس الطريق المعبد، فقد يعدل المسافر عنه لزحمه ودفع غبار أو نحوهما، فالمعتبر الصوب دون نفس الطريق.
ويتعلق بهذه القاعدة مسائل:
الجزء: 1 - الصفحة: 435
إحداها: ليس لراكب التعاسيف 150 ترك الاستقبال في شيء من صلاته، وهو الهائم الذي يستقبل تارة ويستدبر أخرى، إذ ليس له صوب ومقصد معين.
وقوله: "ولا يصلي راكب التعاسيف" معناه أنه لا يتنفل متوجهاً إلى حيث تسير دابته كما يفعله غيره، لا أنه لا يتنفل أصلاً، فإن هذا الرجل لو تنفل مسقبلاً في جميع صلاته أجزأه، ولو كان له مقصد معلوم، لكن لم يسر في طريق معين، فهل يتنفل مستقبلاً صوبه، فيه قولان:
أظهرهما: نعم؛ لأن له مقصداً معلوماً.
والثاني: لا: إذ لم يسلك طريقًا مضبوطًا، وقد لا يؤدي سيره إلى مقصده.
الثانية: لو انحرف [المصلي] 151 عن صوب الطريق أو انحرفت الدابة عنه، فيبني ذلك على ما لو انحرف المصلي على الأرض عن القبلة، وينظر فيه إن استدبر القبلة في صلاته أو تحول إلى جهة أخرى عمداً بطلت صلاته، وإن فعله ناسيًا للصلاة فإن تذكر على القرب وعاد إلى الاستقبال لم تبطل صلاته؛ كما لو تكلم في صلاته ناسيًا بكلام قليل، وإن طال الفصل ففي البطلان وجهان -كما لو تكلم ناسيًا بكلام كثير-:
أصحهما: البطلان وهو الذي ذكره الصيدلاني، وصاحب "التهذيب"، لأن الصلاة لا تحتمل الفصل الطويل، ولأن ذلك مما يندر.
والثاني: الصحة كما لو قصر الزمان للعذر، وهو الذي ذكره أبو حامد وطبقته، ولو أماله إنسان عن جهة القبلة قهرًا وطال الزمان بطلت صلاته، فإن عاد إلى الاستقبال على قرب فوجهان: أصحهما: البطلان.
والفرق بين النسيان وقهر الغير إياه أن النسيان مما يكثر ويعم، والإكراه في مثل ذلك يندر، ولهذا المعنى نقول: لو أكره على الكلام في صلاته تبطل صلاته على الصحيح، بخلاف النسيان.
جئنا إلى الانحراف عن صوب الطريق، أو تحريف الدابة عنه، فلو فعل ذلك عمداً فقد قال في الكتاب: بطلت صلاته، وهذا غير مجرى على إطلاقه، لأنه لو
الجزء: 1 - الصفحة: 436
انحرف إلى جهة القبلة لا تبطل صلاته، وكيف تبطل وقد توجه إلى الجهة التي هي الأصل، فإذا المراد ما إذا حرف الدابة عن صوب الطريق إلى غير جهة القبلة، أو انحرف عليها وهكذا قيده سائر الأئمة، وإنما حكمنا بالبطلان لما ذكرنا من كون هذه الجهة قائمة مقام جهة القبلة، وإن حرف الدابة أو انحرف عليها إلى غير القبلة ناسيًا؛ فإن تذكر وعاد على قرب لم تبطل صلاته، وإن طال الزمان فوجهان كما ذكرنا في استدبار المصلي على وجه الأرض ناسيًا، والأصح البطلان.
ولو أخطأ وظن أن الذي توجه إليه طريقه فهو كما لو انحرف ناسيًا للصلاة، ولو انحرف إلى غير القبلة لجماح الدابة فهذه الصورة تشبه ما لو أماله غيره قهرًا، فإن طال الزمان بطلت صلاته، وذكر الشيخ أبو حامد، أنها لا تبطل، كما ذكر في النسيان: فقوله: (بطل) معلم بالواو كذلك (وإن قصر) فقد حكى في الكتاب: فيه وجهين، كما رويناه في سورة الإمالة ولم يأت إمام الحرمين بحكاية الخلاف في الجماح، لكن قال: قد ذكرنا في مثل هذه الصورة خلافاً فيمن يصرف عن القبلة، والظاهر هاهنا أن الصلاة لا تبطل؛ لأن جماح الدابة مما يعم به البلوى، بخلاف صرف الرجل فهو نادر لا يعهد، وإن أراد أن الظاهر القطع بهذا والامتناع من تخريجه على الخلاف في سورة الصرف؛ لأنه قال -بعد الفرق بين الصورتين-: ولهذا قطع الأئمة بأن جماح الدابة في زمن قريب لا يبطل الصلاة، ولم أر ما يخالف هذا للأصحاب فالأمر على ما ذكرناه، فإذا بحثت وجدت كتب الأصحاب متفقة على أن الصلاة، لا تبطل في سورة جماح الدابة، إذا ردها على القرب، على أن الأكثرين سووا بين صورة النسيان وصورة الجماح، سواء منهم الحاكم بالصحة عند طول الزمان والحاكم بالبطلان، ويتبين من هذا أن المصنف كالمنفرد برواية الوجهين في بطلان الصلاة عند قصر المدة في سورة الجماح، فاعلم ذلك.
الثالثة: إذا لم يحكم بالبطلان في النسيان والجماح فهل يسجد للسهو؟ أما عند النسيان فقد ذكر في الكتاب أنه يسجد للسهو عند قصر الزمان، وهكذا حكى الصيدلاني، والإمام وصاحب "التهذيب" ووجهه: أن [الانحراف] 152 عمداً مبطل للصلاة، فإذا اتفق سهوًا اقتضى سجود السهو، لكن الشيخ أبا حامد في طائفة حكوا عن نص الشافعي -رضي الله عنه- أنه لا يسجد للسهو إذا عاد عن قريب، فإن طال الزمان فحينئذ يسجد، فليكن قوله: (يسجد للسهو) معلماً بالواو، لذلك، وأما عند الجماح فمنهم من قال: لا يسجد إذا لم نحكم ببطلان الصلاة، لأنه لم يوجد منه ترك مأمور ولا فعل منهي، والذي وجد فعل الدابة، ومنهم من قال: -وهو الأظهر- يسجد، وفعل الدابة كفعله، وطريقة الشيخ
الجزء: 1 - الصفحة: 437
أبي حامد هاهنا كما في النسيان، فالحاصل في الجماح ثلاثة أوجه:
الأول: يسجد.
الثاني: لا يسجد.
الثالث: يفرق بين أن يطول الزمان أو يقصر، وفي النسيان لا يحصل إلا وجهان، وهذا كله متفرع على ظاهر المذهب وهو أن السهو في النافلة يقتضي السجود كما في الفريضة، وحكى قول: أنه لا مدخل لسجود السهو في النافلة بحال، هذا تمام الكلام في استقبال الراكب على السرج ونحوه.
وأما كيفية إقامة الأركان فليس عليه وضع الجبهة على عُرف الدابة، ولا على السرج، والإكاف لما فيه من المشقة وخوف الضرر من نزقات الدابة، ولكن ينحني للركوع والسجود إلى الطريق، ويجعل السجود أخفض من الركوع.
قال إمام الحرمين: والفصل بينهما عند التمكن محتوم، والظاهر أنه لا يجب مع ذلك أن تبلغ غاية وسعه في الانحناء، وأما كيفية سائر الأركان، فبينة.
الحالة الثانية: أن يكون الراكب في مرقد ونحوه يسهل عليه الاستقبال وإتمام الأركان، فعليه الاستقبال في جميع الصلاة كراكب السفينة، إذ لا مشقة عليه في ذلك، وينبغي أن يتم الركوع والسجود أيضاً، فلو اقتصر على الإيماء كان بمثابة المتمكن على الأرض إذا تنفل مضطجعاً مقتصراً على الإيماء، وفي جوازه وجهان مذكوران في موضعهما، وحكى القاضي ابن كج عن نص الشافعي -رضي الله عنه- أنه لا يلزم الاستقبال ولا إتمام الركوع والسجود في المحمل الواسع، كما لا يجب على راكب السرج ذلك، وفرق بينه وبين راكب السفينة، بأن حركة راكب السفينة لا تؤثر فيها، وحركة راكب الدابة تؤثر في المحمل فيخاف الضرر، فإذاً قوله: (أتم الركوع والسجود) ينبغي أن يعلم بالواو لما رواه ابن كج أو للوجه الصائر إلى تجويز التنفل مومياً مضطجعاً، ألاَّ يريدَ بقوله: (أتم) أنه يلزم ذلك؛ بل يريد أنه الأحسن والأولى، والظاهر إرادة اللزوم.
قال الغزالي: وَأَمَّا المَاشِي فَاسْتِقْبَالُهُ كَمَنْ بِيَدِهِ زِمَامُ نَاقَتِهِ وَيرْكَعُ وَيَسْجُدُ وَيقْعُدُ لاَبثًا فِي هَذِهِ الأَرْكَانِ، وَلاَ يَمْشِي إِلاَّ فِي حَالِ القيامِ، وَفيهِ قَوْلٌ أنَّهُ يُوْمِيءُ بِذَلِكَ كُلِّهِ.
قال الرافعي: لما فرغ من الكلام في استقبال الراكب وكيفية إقامته الأركان، اشتغل بالكلام فيهما في حق الماشي، وقد حكى الأصحاب على طبقاتهم عن نصِّ الشافعي -رضي الله عنه- أن الماشي يركع ويسجد على الأرض ولا يقتصر على الإيماء، لسهولة الأمر عليه، بخلاف الراكب فإن إتمامهما عسير عليه، أو متعذر، والنزول لهما أعسر وأشق، وزاد الشيخ أبو محمد فحكي ذلك عن نصه أنه يقعد في موضع التشهد أيضاً، ويسلم، ولا يمشي إلا في حال القيام، وتابعه إمام الحرمين
الجزء: 1 - الصفحة: 438
والمصنف، فقال: ويركع ويسجد ويقعد لابثاً في هذه الأركان إلى آخره، ونفى الشيخ أبو حامد والعراقيون من أصحابنا هذه الزيادة، وقالوا: لا يجب القعود، بل يمشي في حال التشهد كما في حال القيام، وهو ظاهر المذهب، لطول زمان التشهد كالقيام، وهذا ما أورده الشيخ الحسين وأبو سعيد المتولي، ثم ذكر إمام الحرمين أن ابن سريج خرج قولاً [ثالثًا] 153 أنه لا يلبث ولا يضع جبهته على الأرض بل يومئ راكعًا وساجداً كالراكب، لأن كثرة اللبث قد يفضي إلى الانقطاع عن الرفقة ويشوش عليه أمر السفر، وعلى هَذا فيجعل السجود أخفض من الركوع كالرَّاكِبِ، ولا يقعد في التشهد، وحكى الشيخ أبو محمد هذا القول المنسوب إلى ابن سريج عن القفال، وأنه أوَّلَ نص الشافعي -رضي الله عنه- على الاستحباب.
قال الشيخ: ثم وجدت ما ذكره القفال منصوصاً للشافعي -رضي الله عنه- فحصل في الأركان المذكورة، هل يتمها الماشي لابثاً أم لا؟ قولان منصوص ومخرج على ما ذكره في الكتاب، أو منصوصان على ما رواه الشيخ، ويترتب على ما ذكرناه القول في استقبال القبلة، أما إذا قلنا: إنه يركع ويسجد ويقعد لابثاً فيها فلا شك في أنه يستقبل القبلة فيها، ويتحلل عن صلاته وهو مستقبل، وإذا لزم الاستقبال في هذه الأحوال فهو عند التحرم ألزم، فإن الراكب يستقبل عند التحرم على الأظهر، وإن لم يستقبل في سائر الأفعال والأركان، وإن استثنينا حالة التشهد عن النص وقلنا: لا يقعد فيها بل يمشي، ففي وجوب الاستقبال عند السلام وجهان، كما قدمناهما في الراكب، وأما إذا قلنا: بالاقتصار على الإيماء فلا يجب الاستقبال في الركوع والسجود ولا في التشهد، وحكمه التحرم حكم الراكب الذي بيده زمام دابته.
والحاصل من الخلاف الذي سبق في هذا الراكب وجهان:
أظهرهما: لزوم الاستقبال، فكذلك في الماشي.
وإذا عرفتِ هذا فلك في عبارة الكتاب -أعني- قوله: (أما الماشي فاستقباله كمن بيده زمام دابته) نظران:
أحدهما: أنه أطلق الكلام إطلاقًا ولم يقيد بحالة التحرم، ومعلوم أن استقبال الماشي ليس كاستقبال من بيده زمام دابته على الإطلاق، فإن الراكب لا يؤمر بالاستقبال في الركوع والسجود وإن كان بيده زمام دابته، والماشي يؤمر به على الأظهر.
والثاني: أنه قيد بحالة التحرم، لكن هذا الكلام إما أن يكون موصولاً بما بعده،
الجزء: 1 - الصفحة: 439
أو يكون منقطعًا عنه مستقلاً بنفسه، فإن كان موصولاً بما بعده على معنى أنه مقول على قولنا: أنه يركع ويسجد ويقعد لابثاً، فيكون هذا إثباتًا للخلاف في الاستقبال مع الحكم بإتمام هذه الأركانِ، لأن استقبال [هذا] 154 الراكب الذي بيده زمام دابته مختلف في وجوبه، ولا خلاف في وجوب الاستقبال عند التحرم على هذا المذهب، كذلك ذكره إمام الحرمين وغيره، وهو المعقول.
وإن كان مستقلاً بنفسه منقطعًا عما بعده كان هذا إثباتاً للخلاف في أنه، هل يلزمه الاستقبال عند التحرم على الإطلاق؟ والظاهر القطع، بأنه يلزمه ذلك؛ لأن الظاهر أنه يتم الركوع والسجود، وحينئذ لا خلاف فيه على ما ذكرناه، وإنما الخلاف فيه على القول المخرج، فكان ينبغي أن يرتبت قوله: (استقبال الماشي كمن بيده زمام دابته) على القول المخرج كما نقله الإمام.
وقوله في حكاية القول المخرج: أنه يومئ في ذلك كله ويرجع إلى الركوع والسجود دون القعود، وإن عمم اللفظ فإنه لا إيماء إلى القعود، بل يعتدل قائماً بعد الإيماء بالسجود ويتشهد فيقع قيامه بدلاً عن القعود كما يقع القعود بدلاً عن القيام في حق العاجز عن القيام ثم صوب الطريق، حيث لا يجب استقبال القبلة، يكون بدلاً عن القبلة في حق الماشي كما ذكرناه في الراكب ويعود فيه إلى المسائل السابقة.
قال الغزالي: فَرْعٌ: لَوْ مَشَى فِي نجاسَةٍ قَصْداً بَطُلَتْ صَلاتُهُ بخِلاَفِ مَا لَوْ وَطِئَ فَرَسُهُ نَجَاسَةٌ، وَلاَ يَلْزَمُهُ المُبَالَغَةُ في التَّحَفُّظ عِنْدَ كَثْرَةِ النَّجَاسَةِ فِي الطَّرِيقِ.
قال الرافعي: يجب أن يكون ما يلاقي الراكب وثيابه طاهراً من السرج وغيره.
ولو بالت الدابة أو وطئت نجاسة لم يضر، لأن تلك النجاسة لا تلاقي بدنه وثيابه، ولا هو حامل لها، بل لو كان السرج نجساً فألقى عليه ثوباً طاهراً وصلى عليه جاز، أما لو أوطأ الدابة نجاسة فالذي ذكره في الكتاب أن ذلك لا يضر، كما لو وطئت بنفسها، وكذلك أورده صاحب "النهاية" لكن قال في "التتمة": لو سيرها على النجاسة عمداً بطلت صلاته لإمكان التحرز عنها، فليكن قوله: (بخلاف ما لو أوطئ فرسه نجاسة) معلماً بالواو، وأما الماشي فلا كلام في أنه لو مشى على نجاسة قصداً فسدت صلاته؛ لأنه يصير ملاقياً لها بخفة الملبوس، ولا يجب عليه التحفظ والاحتياط في المشي؛ لأن النجاسات تكثر في الطرق وتكليفه التحفظ يشوش عليه غرض السير، ولو انتهى إلى نجاسة ولم يجد معدلاً عنها فقد قال إمام الحرمين: وهذا فيه احتمال:
قال: ولا شك أنها لو كانت رطبة فمشى عليها بطلت صلاته وإن كان عن غير
الجزء: 1 - الصفحة: 440
قصد؛ لأنه يصير حاملاً للنجاسة وما سبق في النجاسة اليابسة.
وأعلم أنه يشترط في جواز التنفل راكبًا وماشيًا دوام السفر والسير؛ فلو بلغ المنزل في خلال الصلاة وجب إتمام الصلاة متمكناً متوجهًا إلى القبلة، وينزل إن كان راكباً.
ولو دخل بلد إقامته فعليه النزول أول ما دخل البنيان وإتمام الصلاة مستقبلاً إلا إذا جوزنا للمقيم التنفل على الراحلة، وكذلك لو نوى الإقامة ببلدة أو قرية.
ولو مر ببلدة مجتازاً فله إتمام الصلاة راكبًا، وإن كان له بها أهل فهل يصير مقيمًا بدخولها؟ قولان:
إن قلنا: نعم وجب النزول والإتمام، وحيث أمرناه بالنزول فذلك عند تعذر البناء على الدابة، فلو لم يتعذر بأن أمكنه الاستقبال وإتمام الأفعال عليها وهي واقفة جاز، ويشترط أيضاً الاحتراز عن الأفعال التي لا يحتاج إليها، فلو ركض الدابة للحاجة إليه فلا بأس، ولو أعارها بغير عذر أو كان ماشيًا فعدا قصداً بغير عذر بطلت صلاته في أصح الوجهين.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّانِي الْقِبْلَةُ: وَمَوَاقِفُ المُسْتَقْبِلِ مُخْتَلِفَةٌ، فَالمُصَلِّي في جَوْفِ الكَعْبَةِ يَسْتَقبِلُ أَيَّ جِدَارٍ شَاءَ، وَيَسْتَقْبِلُ البَابَ وَهُوَ مَردُودٌ، وَإِنْ كَانَ مَفْتُوحًا وَالعَتَبَةُ مُرْتَفِعَةٌ قَدْرَ مُؤَخَّرَةِ الرَّجُلِ جَازَ، وَلَو انْهَدَمَتِ الكَعْبَةُ وَالعِيَاذُ باللهِ صَحَّتْ صَلاتُهُ خَارِجَ العَرْصَةِ مُتَوَجِّهًا إِلَيْهَا كَمَنْ صَلَّى عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ وَالكَعْبَةُ تَحْتَهُ، وإنْ صَلَّى فِيهَا لَمْ يَجُزْ (ح م) إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَجَرَةٌ أَوْ بَقِيَّةُ حَائِطٍ، وَالوَاقِفُ عَلَى السَّطْحِ كَالوَاقِفِ فِي العَرْصَةِ، فَلَوْ وَضَعَ بَيْنَ يَدَيهِ شَيْئًا لاَ يَكْفِيهِ، وَلَوْ غَرَزَ خَشَبَةٌ فَوَجْهَانِ.
القول في استقبال القبلة على الأرض
:
قال الرافعي: مسائل الركن مبنية على النظر في موقف المصلي، وهو إما أن لا يكون وراء الكعبة، أو يكون وراءها وإن كان وراءها فإما أن يكون في المسجد الحرام أو وراءه، وإن كان وراءه فإما أن يكون بمكة أو المدينة أو غيرهما، والفصل يشتمل على القسم الأول وهو أن لا يكون وراء الكعبة وحينئذ له ثلاثة أحوال؛ لأنها إما أن تكون على هيئتها مبنية، أو تنهدم -والعياذ بالله- فيقف في عرصتها؛ وإذا كانت على هيئتها مبنية فإما أن يقف في جوفها أو على سطحها.
الحالة الأولى: أن يقف في جوفها فتصح صلاته فريضة كانت أو نافلة خلافاً لمالك وأحمد في الفريضة.
لنا أنه صلى متوجهاً إلى بعض أجزاء الكعبة فتصح صلاته كالنافلة، وكما لو توجه
الجزء: 1 - الصفحة: 441
إليها من خارج، ثم يتخير في استقبال أي جدارٍ شاء؛ لأنها أجزاء البيت، ويجوز أن يستقبل الباب أيضاً إن كان مردوداً، فإن باب البناء معدود من أجزائه، ألا ترى أنه يدخل في بيعه، وإن كان مفتوحاً نظر في العتبة إن كانت قدر مؤخرة الرحل صحت صلاته، وإن كانت دونها فلا، ومؤخرة الرحل ثلثا ذراع إلى ذراع تقريباً 155.
قال إمام الحرمين: وكأن الأئمة راعوا في اعتبار هذا القدر أن يكون في جلوسه يسامت بمعظم بدنه الشاخص ولكنه يكون في القيام خارجاً بمعظم بدنه عن المسامتة، فليخرج على الخلاف فيما إذا وقف على طرف ونصف بدنه في محاذاة ركن من الكعبة، وليكون قوله: (والعتبة مرتفعة قدر مؤخرة الرحل) معلماً بالواو؛ لأنه مذكور قيداً في الجواز وقد حكى في "البيان" عن الشيخ أبي حامد، وابن الصباغ: أنه يكفي للجواز أن تكون العتبة شاخصة بأي قدر كان وإن قل؛ لأنه استقبل جزءاً من البيت، وكذا قوله (جاز) لأن إمام الحرمين حكى وجهاً آخر أنه لا يكفي أن يكون الشاخص قدر المؤخرة بل يجب أن يكون بقدر قامة المصلي طولاً وعرضاً ليكون مستقبل بجميع بدنه الكعبة، والعتبة لا تبلغ هذا الحد غالباً فلا تصح الصلاة إليها على الوجه.
الحالة الثانية: أن تنهدم الكعبة -حاشاها- ويبقى وضعها عرصة فإن وقف خارجها وصلى إليها جاز؛ لأن المتوجه إلى هواء البيت والحالة هذه يسمى مستقبلاً، وصار كمن صلى على جبل أبي 156 قبيس والكعبة تحته يجوز لتوجهه إلى هواء البيت، ولو صلى فيها فالحكم فيه كالحكم في الحالة الثالثة وهو: أن يقف على سطحها، فينظر إن لم يكن بين يديه شيء شاخص من نفس الكعبة ففيه وجهان:
أحدهما: -وبه قال أبو حنيفة وابن سريج- يجوز كما لو وقف خارج العرصة متوجهاً إلى هواء البيت.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه لا يجزئه، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى عَنِ الصَّلاَةِ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ" 157، ولأنه والحالة هذه مصل على البيت لا إلى البيت وخص بعضهم نقل الجواز عن ابن سريج بصورة العرصة دون السَّطح، لكن قال إمام الحرمين: لا شك أنه يجزئه في ظهر الكعبة وصرح في "التهذيب" بنقل الجواز عنه في الواقف
الجزء: 1 - الصفحة: 442
على ظهر الكعبة فلا فرق، وإن كان بين يديه شاخص من نفس الكعبة فإن كان قدر مؤخرة الرَّحْل جاز، وإلا فلا كما ذكرناه في العتبة، ويجري الوجهان الآخران المذكوران في العتبة فيما نحن فيه.
أحدهما: اشتراط كون الشاخص بقدر قامة المصلي.
والثاني: الاكتفاء بأي قدر كان.
ولذا عرفت ذلك فلو وضع بين يديه متاعاً لم يكفه، وإن استقبل بقية حائط أو شجرة نبتت في العرصة جاز، وكذا لو جمع ترابها واستقبله، أو حفر حفرة ووقف فيها، وكذا لو وقف في آخر السطح، أو العرصة وتوجه إلى الجانب الآخر وكان الجانب الذي وقف فيه أخفض من الجانب الذي استقبله يجوز، ولو نبتت حشيشة وعلت قال في "النهاية": لا حكم لها في الاستقبال، وألحق صاحب "التهذيب" الزرع بالشجرة، وما ذكره الإمام أظهر، ولو غرز عصا أو خشبة فوجهان:
أحدهما: يكفي لحصول الاتصال بالغرز، ولذلك تعد الأوتاد المغروزة من الدار وتدخل في البيح.
وأصحهما: لا كما لو وضع متاعاً بين يديه، ومطلق الغرز لا يوجب كون المغروز من البناء، والأوتاد جرت العادة بغرزها لما فيها من المصالح فقد تعد من البناء لذلك، والوجهان في الغرز المجرد، أما لو كانت مثبتة أو مسمرة كفت للاستقبال، نعم قال إمام الحرمين: الخشبة وإن كانت مثبتة فبدن الواقف خارج عن محاذاتها من الطرفين فيكون على الخلاف الذي يأتي ذكره فيمن وقف على طرف ونصف بدنه في محاذاة ركن من الكعبة.
قال الغزالي: وَالوَاقِفُ فِي المَسْجِدِ لَوْ وَقَفَ عَلَى طَرَفٍ وَنصْفُ بَدَنِهِ فِي مُحَاذَاةِ رُكْنٍ، فَفِي صِحَّةِ صَلاَتِهِ وَجْهَانِ، وَلَوِ امْتَدَّ صَفٌّ مُسْتَطِيلٌ قَرِيبٌ مِنَ البَيْتِ، فَالخَارجُ عَنْ سَمْتِ البَيْتِ لاَ صَلاةَ لَهُ، وَهَؤُلاَءِ قَد يُفْرَضُ تَرَاخِيهِمْ عَنْ أُخْرَيَاتِ المَسْجِدِ، فَتَصِحُّ صَلاتُهُمْ لِحُصُولِ اسْمِ الاسْتِقْبَالِ.
قال الرافعي: سنذكر اختلاف قول في أن المطلوب في الاستقبال عين الكعبة أو جهتها، وذلك الخلاف في حق البعيد عن الكعبة، أما الحاضر في المسجد الحرام فيجب عليه لا محالة استقبال عين الكعبة؛ لأنه قادر عليه، وقد روينا أنه -صلى الله عليه وسلم- "دَخَلَ الْبَيْتَ ثُمَّ خَرَجَ فَاسْتَقبَلَهُ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ: هذِهِ الْقِبْلَةُ" 158 أشار إلى عين الكعبة
الجزء: 1 - الصفحة: 443
وحصر القبلة فيها.
وإذا عرفت ذلك ففي الفصل ثلاث صور:
إحداها: لو وقف على طرف من أطراف البيت وبعض بدنه في محاذاة ركن والباقي خارج ففي صحة صلاته وجهان:
أحدهما: تصح؛ لأنه توجه إلى الكعبة بوجه وحصل أصل الاستقبال، وأصحهما لا تصح؛ لأنه يصدق أن يقال ما استقبل الكعبة إنما استقبلها بعضه.
الثانية: الإمام يقف خلف المقام والقوم يقفون مستدبرين بالبيت، فلو استطال الصف خلفه ولم يستديروا فصلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة باطلة؛ لأنهم لا يسمون مستقبلين، وذكر صاحب "التهذيب" وغيره من أصحابنا أن أبا حنيفة يصحح صلاة الخارجين عن محاذاة الكعبة، لأن الجهة كافية عندها وعلم لهذا قوله في الكتاب: (والخارج عن سمت البيت لا صلاة له) بالحاء، لكن أبا الحسن الكرخي وغيره من أصحاب أبي حنيفة فَصَّلوا وقالوا: الفرض على المصلي استقبال القبلة وإصابة عينها إذا قدر عليها، أو الجهة إذا لم يقدر على عينها وهذا يدل على أنه إنما يكتفي بالجهة حق البعيد الذي لا يقدر على إصابة العين لا مطلقاً.
الثالثة: لو تراخى الصف الطويل ووقفوا في آخر باب المسجد صحت صلاتهم؛ لأن المتبع اسم الاستقبال وهو يختلف بالقرب والبعد، ولهذا يزول اسم الاستقبال عن القريب بانحراف يسير، ولا يزول عن البعيد بمثلة، والمعنى فيه أن الحرم الصغير كلما ازداد القوم عنه بعداً ازدادوا له محاذاة كغرض الرماة وغيره.
قال الغزالي: وَالوَاقِفُ بِمَكَّةَ خَارجَ المَسْجِدِ يَنْبَغِي أَنْ يُسَوِّيَ مِحْرَابَهُ بَنَاءً عَلَى عِيَانِ الكَعْبَةِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِر اسْتَدَلَّ عَلَيْهَا بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا.
قال الرافعي: المصلي بمكة خارج المسجد إن كان يعاين الكعبة كمن هو على جبل "أبي قبيس" صلى إليها بالمعاينة، ولو سوى محرابه بناء على العيان صلى إليه أبداً؛ لأنه يستيقن الإصابة، ولا حاجة في كل صلاة إلى معاينة الكعبة، وفي معنى المعاين المكي الذي نشأ بمكة وتيقن إصابة الكعبة وإن لم يشاهدها حين يصلي، وأما إذا لم يعاين الكعبة ولا تيقن الإصابة فيستدل بما أمكنه ويسوي محرابه بناء على الأدلة، هذا ما ذكره في الكتاب، وحكاه في "النهاية" عن العراقيين، وأنهم قالوا: لا يكلف الرقي إلى سطح الدّار مع إمكان العيان، واعتمدوا فيه ما صادفوا أهل مكة عليه في جميع الأعصار.
قال: وفيه نظر عندي فإن اعتماد الاجتهاد بمكة مع إمكان البناء على العيان بعيد، وسنذكر في الركن الثالث -إن شاء الله تعالى- ما يزداد به هذا الفصل وضوحاً.
قال الغزالي: وَالوَاقِفُ بِالمَدِينَةِ يُنَزِّلُ مِحْرَابَ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فِي حَقّهِ مَنْزِلَةَ الْكَعْبَةِ
الجزء: 1 - الصفحة: 444
فَلَيْسَ لَهُ الاجْتِهَادُ فِيه بالتَّيَامُنِ والتَّيَاسُرِ، وَهَلْ لَه ذلِكَ فِي سَائِرِ البِلاَدِ؟ فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: محراب الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة نازل منزلة الكعبة؛ لأنه لا يقر على الخطأ فهو صواب قطعاً، وإذا كان كذلك فمن يعاينه يستقبله، ويسوي محرابه عليه، إما بناء على العيان أو استدلالاً كما ذكرنا في الكعبة، ولا يجوز العدول عنه إلى جهة أخرى بالاجتهاد بحال، وفي معنى المدينة سائر البقاع التي صلى فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا ضبط المحراب، وكذلك المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين، وفي الطرق التي هي جادتهم يتعين التوجه إليها، ولا يجوز الاجتهاد معها، وكذلك في القرية الصغيرة إذا نشأ فيها قرون من المسلمين، ولا اعتماد على العلامة المنصوبة في الطريق الذي يندر مرور الناس بها، أو يستوي فيه مرور المسلمين والكفار، وفي القرية الخربة التي لا يدري أنها من بناء المسلمين أو الكفار، ولا بد من الاجتهاد في هذه المواضع، وإذا منعنا من الاجتهاد في الجهة فهل يجوز الاجتهاد في التيامن والتياسر؟ أما في محراب الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلا، ولو تخيل عارف بأدلة القبلة أن الصواب فيه يتبامن أو يتياسر فليس له ذلك، وخياله باطل.
وأما في سائر البلاد فعلى وجهين أصحهما: -ولم يذكر الأكثرون- سواه أنه يجوز؛ لأن الخطأ في الجهة مع استمرار الخلق واتفاقهم ممتنع، لكن الخطأ في الانحراف يمنة ويسرة مما لا يبعد، ويقال إن عبد الله بن المبارك كان يقول بعد رجوعه من الحج: "تياسروا يا أهل مرو".
والثاني: أنه لا يجوز احتمال إصابة الخلق الكثير أقرب وأظهر من احتمال إصابة الواحد، وهذا يستوي فيه الجهة والانحراف يمنة ويسرة، وفصل القاضي الرُّويَاني وغيره بين البلاد بعد المدينة، فجعلوا قبلة "الكوفة" صواباً يقيناً كقبلة المدينة؛ لأنه صلى إليها الصحابة، ولم يجعلوا قبلة البصرة يقيناً، وقضية هذا الكلام جواز الاجتهاد في التيامن والتياسر في قبلة البصرة دون الكوفة، وفيما علق عن ابن يونس القزويني 159 مثل هذا الفرق فإنه قال: قبلة الكوفة قد صلى إليها عليٌّ -كرم الله وجهه- مع عامة الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين-، ولا اجتهاد مع إجماع الصحابة -رضي الله عنهم-.
قال: واختلف أصحابنا: في قبلة البصرة، فمنهم من قال: هي صواب أيضاً كقبلة الكوفة ومنهم من جوز فيها الاجتهاد وفرق بأن قبلة الكوفة نصبها علي -رضي الله عنه- وقبلة البصرة نصبها عتبة بن غزوان، والصواب في فعل علي -رضي الله عنه- أقرب، ثم حكى في قبلة سائر البلاد وجهين، وجعل أصحهما جواز الاجتهاد فيها، وهذا إن عني به الاجتهاد في الجهة من أصلها فهو بعيد بمرة، بل الذي قطع به معظم الأصحاب منع (1)
الجزء: 1 - الصفحة: 445
ذلك في جميع البلاد في المحاريب المتفق عليها بين أهلها، وإن عني به الاجتهاد في التيامن والتياسر فالفرق بين الكوفة والبصرة كما نقله الروياني وهو بعيد أيضاً؛ لأن كل واحدة منهما قد دخلها الصحابة وسكنوها وصلوا إليها، فإن كان ذلك مما يفيد اليقين وجب استواؤهما فيه، وإن لم يفد اليقين فكذلك والله أعلم.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي المُسْتَقْبِلِ: فَالقَادِرُ عَلَى مَعْرِفةِ القِبْلَةِ لاَ يَجُوزُ لَهُ الاجْتِهادُ، والقَادِرُ عَلَى الاجْتِهَادِ لاَ يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ، وَالأَعْمَى العَاجِزُ يُقَلِّدُ شَخْصاً مُكَلَّفًا مُسْلِماً عَارِفاً بِأدِلَّةِ القِبْلَةِ، وَلَيْسَ لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يُقَلِّد غَيْرَهُ، وَإِنْ تَحَيَّرَ فِي الحَالِ فِي نَظَرِهِ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ وَقَضَى، وَقِيلَ: يُقَلِّدُ وَيَقْضِي، وَقِيلَ: إنَّهُ يُقَلِّدُ وَلاَ يَقْضِي، أَمَّا البَصِيرُ الجَاهِلُ بِالأَدِلَّةِ إنْ قَلَّدَ يَلْزَمُهُ القَضَاءُ إلاَّ إذَا قُلْنَا: لاَ يَجِبُ تَعَلُّمْ أَدِلَّة القِبْلَةِ عَلَى كُلِّ بَصِيرٍ، فَعِنْدَ ذلِكَ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الأَعْمى.
قال الرافعي: المصلي إما أن يقدر على معرفة القبلة يقيناً أو لا يقدر عليها، فإن قدر على اليقين فليس له الاجتهاد كالقادر على العمل بالنص لا يجوز له الاجتهاد، وحكى القاضي الروياني وجهين فيما إذا استقبل المصلي حجر الكعبة وحده بناء على هذا الأصل.
وقال: الأصح المنع؛ لأن كونه من البيت غير مقطوع به، وإنما هو مجتهد فيه، فلا يجوز العدول عن اليقين إليه.
ثم المعرفة يقيناً قد تحصل بالمعاينة، وقد تحصل بغير المعاينة كالناشئ بمكة يعرف القبلة بأمارات تفيده اليقين وإن لم يعاين كما سبق، وكما لا يجوز للقادر على اليقين الاجتهاد لا يجوز له الرجوع إلى قول الغير أيضاً، وإن لم يقدر على درك اليقين فلا يخلو: إما أن يجد من يخبره عن القبلة عن علم وكان المخبر ممن يعتمد قوله أَوْ لاَ يجد فإن وجد رجع إلى قوله ولم يجتهد أيضاً كما في الوقت إذا أخبره عدل عن طلوع الفجر يأخذ بقوله ولا يجتهد، وكذلك في الحوادث إذا روى العدل خبراً يؤخذ به، وكل ذلك قبول الخبر من أهل الرواية وليس من التقليد في شيء، ويشترط في المخبر أن يكون عدلاً يستوي فيه الرجل والمرأة، والحر والعبد.
وفي وجه لا تشترط العدالة بل يقبل خبر الفاسق؛ لأنه لا يتهم في مثل ذلك، والمذهب الأول، ولا يقبل خبر الكافر بحال، وفي الصبي بعد التمييز وجهان كما في رواية إخبار الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
والأكثرون على أنه لا يقبل.
ثم الإخبار عن القبلة قد يكون صريحاً وقد يكون دلالة.
أما الصريح فلا يخفى.
وأما الدلالة فنصب المحاريب في المواضع التي يعتمد عليها كما سبق في التفصيل، ولا فرق في لزوم الرجوع إلى الخبر بين أن يكون الشخص من أهل الاجتهاد
الجزء: 1 - الصفحة: 446
وبين أن لا يكون، حتى إن الأعمى يعتمد بالمحراب إذا عرفه باللمس حيث يعتمد البصير بالرؤية، وكذا البصير إذا دخل المسجد في ظلمة الليل اعتمد المحراب باللمس، هكذا ذكر صاحب "التهذيب" وغيره، وقال في "العد" إنما يعتمد الأعمى على المس إذا شاهد محراب المسجد قبل العمى، أما لو (1) لم يشاهد فلا يعتمد عليه.
ولو اشتبهت عليه طيقان المسجد فلا شك أنه يصبر حتى يخبره غيره صريحاً، وإن خاف فوات الوقت صلى على حسب الحال وأعاد، هذا إذا وجد من يخبره عن علم وكان ممن يعتمد قوله، أما إذا لم يجد فلا يخلو: إما أن يكون قادراً على الاجتهاد أو لا يكون، فإن قدر على الاجتهاد لزمه الاجتهاد والتوجه إلى الجهة التي يظنها جهة القبلة، ولا تحصل القدرة على الاجتهاد إلا بمعرفة أدلة القبلة وهي كثيرة صنفوا لذكرها كتبًا مفردة، وأضعفها الرياح، لأنها تختلف وأقواها القطب وهو نجم صغير في نبات نعش الصغرى بين الفرقدين والجدي إذا جعله الواقف خلف أذنه اليمنى كان مسقبلاً للقبلة، هكذا يكون بناحية الكوفة وبغداد وهمذان 160 وقزوين 161 والري 162 وطبرستان وجرجان 163، وما والاها إلى نهر الشاش، وليس على القادر على الاجتهاد أن يقلد غيره فيعمل باجتهاده كما في الأحكام الشرعية، ولو فعل يلزمه القضاء، ولا فرق بين أن يخاف فوت الوقت لو اشتغل بالاجتهاد أو أتمه وبين أن لا يخاف في أنه لا يقلد، لكن عند ضيق الوقت يصلي لِحَقِّ الوقت كيفما كان ثم يجتهد ويقضي.
وقال ابن سريج: يقلد عند خوف الفوات.
وقال في "النهاية": لو كان في نظره وعلمه أن وقت الصلاة ينتهي قبل انتهاء نظره فيقلد ويصلي في الوقت أم يتمادى إلى إتمام الاجتهاد في نظره؟ وهذا كما لو تناوب جمع على بئر وعلم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد الوقت، وقد ذكرنا خلافاً في أنه هل يصبر أو يتيمم ويصلي في الوقت؟ فتحصل من هذا الكلام وجه ثالث أنه يصبر إلى إتمام
الجزء: 1 - الصفحة: 447
الاجتهاد ولا يصلي وإن فات الوقت لا كيفما كان ولا بالتقليد.
وما ذكرناه من الاجتهاد يتصور في حق الغائب عن مكة، فأما الحاضر بمكة إذا لم يعاين الكعبة لحائل بينه وبين الكعبة نظر: إن كان الحائل أصليًا كالجبل فله الاجتهاد والاستقبال بالاستدلال، ولا يكلف صعود الجبل أو دخول المسجد لما فيه من المشقة، وإن كان الحائل حادثًا كالأبنية فوجهان:
أحدهما: لا يجوز لأن الفرض في مثل هذا الموضع قبل حدوث البناء إنما هو المعاينة دون الاجتهاد فلا يتغير بما طرأ من البناء.
وأصحهما: الجواز كما في الحائل الأصلي لما في تكليف المعاينة من المشقة، وما ذكره في الكتاب قبل هذا الفصل أن الواقف بمكة خارج المسجد إذا لم يعاين الكعبة يستدل عليها بما يدل عليها كأنه جواب على هذا الوجه، ولو خفيت الدلائل على المجتهد إما لتغيم اليوم أو لكونه محبوسًا في ظلمة فتحير لذلك أو لتعارض الدلائل عنده ففي المسألة ثلاثة طرق:
أظهرها: أن فيها قولين:
أصحهما: عند الأكثرين: أنه لا يقلد لأنه قادر على الاجتهاد والتحير عارض وقد يزول عن قريب.
والثاني: -وهو اختيار ابن الصباغ-: أنه يقلد؛ لأنه عجز عن استبانة الصواب بنظره فأشبه الأعمى.
والطريق الثاني: القطع بالقول الأول.
والثالث: القطع بالثاني، فإذا قلنا: لا يقلد فيصلي كيف اتفق ويقضي كالأعمى لا يجد من يقلده يصلي لحق الوقت ويقضي، وإن قلنا: إنه يقلد فهل يقضي؟ ذكر في "النهاية" أنه على وجهين مبنيين على القولين في لزوم القضاء إذا صلى بالتيمم لعذر نادر، لا يدوم كما سيأتي نظائره.
وقضية هذا الكلام: أن يكون الأظهر وجوب القضاء على قولنا: إنه يقلد، كما أن الأظهر لزوم القضاء على من تيمم في الحضر لفقد الماء، ولكن الذي أورده الجمهور تفريعاً على قولنا: أنه يقلد أنه لا قضاء عليه كالأعمى إذا صلى بالتقليد، ثم قال إمام الحرمين -قدس الله روحه-: الخلاف المذكور في تحير المجتهد موضعه ما إذا ضاق الوقت وخشي الفوات، فأما في أول الوقت ووسطه يمتنع التقليد لا محالة إذ لا حاجة إليه، ثم قال: وفي المسألة نوع احتمال وسببه الإلحاق بالتيمم في أول الوقت مع العلم بأنه ينتهي إلى الماء في آخر الوقت، وهذا آخر الكلام في القادر على الاجتهاد؛ أما
الجزء: 1 - الصفحة: 448
العاجز عنه فينقسم إلى عاجز لا يمكنه تعلم الأدلة كالأعمى وإلى عاجز يمكنه التعلم.
أما الأول فالأعمى لا سبيل له إلى معرفة أدلة القبلة، لأنها تتعلق بالصبر فالواجب عليه التقليد كَالْعَاميِّ في الأحكام، وإنما يجوز تقليد المكلف المسلم العدل العارف بأدلة القبلة، يستوي فيه الرجل والمرأة، والحر والعبد، وتقليد الغير هو قبول قوله المستند إلى الاجتهاد، حتى إن الأعمى لو أخبره بصير بمحل القطب منه وهو عالم بدلالته، أو قال: رأيت الخلق الكثير من المسلمين يصلون إلى هذه الجهة كان الأخذ بمقتضاه قبول خبر لا تقليد، ولو وجد مجتهدين واختلف اجتهادهما قلد من شاء منهما، والأحب أن يقلد الأوثق والأعلم عنده.
وقيل: يجب ذلك فإن تساوى قول اثنين عنده تخير.
وقيل: يصلي مرتين إلى الجهتين، وفي معنى الأعمى البصير الذي لا يعرف الأدلة وليس له أهلية معرفتها، فيقلد كالأعمى؛ لأن عدم البصيرة أشد من عدم البصر.
القسم الثاني: العاجز الذي يمكنه التعلم فيبني أمره على أن تعلم أدلة القبلة هل هو من فروض الأعيان أم لا، فيه وجهان:
أحدهما: لا بل، هو من فروض الكفايات كالعلم بأحكام الشريعة، ولأن الحاجة إلى استعمالها نادرة فإن الاشتباه مما يندر وأصحهما أنه من فروض الأعيان كأركان الصلاة وشرائطها بخلاف تعلم الأحكام فإنه يحتاج 164 إلى زمن طويل وتحمل مشقة كبيرة.
فإن قلنا لا يجب التعلم فله أن يصلي بالتقليد ولا يقضي كالأعمى.
وإن قلنا: يتعين فليس له التقليد، فإن قلد قضى لتقصيره، وإذا ضاق الوقت عن التعلم فهو كالعالم إذا تحير في اجتهاده وقد قدمنا الخلاف فيه.
وأرجع بعد هذا إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب خاصة فأقول.
أما قوله: (فالقادر على معرفة القبلة لا يجوز له الاجتهاد) فاعلم: أن القادر على معرفتها وإن كان يمتنع عليه الاجتهاد لكن امتناع الاجتهاد لا يختص به، لأن من وجد عدلاً يخبره عن القبلة إخباراً يستند إلى علم في زعم المخبر يمتنع عليه الاجتهاد، ومع أن قوله لا يحصل المعرفة فإن قلت: قوله: يحصل الظن وإن لم تحصل المعرفة، والفقهاء كثيراً ما يعبرون بلفظ العلم والمعرفة عن الظن، وعن المشترك بين العلم والظن بالعلم في كونه معمولاً به في الشرعيات، فلعله أراد بالمعرفة ذلك، والجواب: أن لفظ المعرفة وإن كان يستعمل فيما ذكرت لكنه ما أراد به في هذا الموضع إلا العلم اليقيني، ألا تراه يقول في "الوسيط": فإن كان قادرًا على معرفة جهة القبلة يقينًا، لم يجز له الاجتهاد على أنه لا يمكن إرادة المشترك بين العلم والظن في هذا السياق؛ لأن الاجتهاد
الجزء: 1 - الصفحة: 449
يفيد ضربًا من الظن، فإذا كان المراد من المعرفة المشترك دخل القادر على الاجتهاد في قوله: (فالقادر على معرفة القبلة) وحينئذ لا ينتظم الحكم بأنه لا يجوز له الاجتهاد.
وأما قوله: (والقادر على الاجتهاد، لا يجوز له التقليد فإنه يفيد بما يفيده.
قوله بعد ذلك: (وليس للمجتهد أن يقلد غيره) فالثاني تكرار والغالب (على الظن أنه) 165 إنما أعاده تمهيداً لبناء مسألة التحير عليه، لكن المحوج إلى الإعادة لهذا الغرض توسيط حكم الأعمى بين الكلامين، فلو عقب الكلام الأول بمسألة التحير وأخر حكم الأعمى لاستغنى عن ذلك.
وأما قوله: "والأعمى العاجز يقلد شخصاَ مكلفاً ... " إلى آخره، فليعلّم المكلف بالواو؛ لأن في كلام الأصحاب وجهاً أنه يجوز تقليد الصبي، وهو كالخلاف المذكور في الرجوع إلى إخباره، ثم الصفات المذكورة غير كافية في المقلد، بل يشترط فيه شيء آخر وهو العدالة وليس لفظ العاجز للتقيد، فإن كل أعمى عاجز وإنما هو وصف له، وتنبيه على المعنى المجوز للتقليد، ومسألة التحير قد أطلق الخلاف فيها، وهو محمول على ما إذا ضاق الوقت كما حكيناه من قبل.
وقوله: (أما البصير الجاهل بالأدلة إن قلد يلزمه القضاء) ليس مجرى على إطلاقه أيضاً؛ لأن البصير الجاهل إذا كان بحيث لا يمكنه التعلم فهو كالأعمى يقلد ولا يقضي كما تقدم.
قال الغزالي: ثُمَّ مَهْمَا صَلَّى بالاجْتِهَادِ فَتَيَقَّنَ الخَطَأ وَبَانَ جِهَةُ الصَّوَابِ وَجَبَ (ح م) عَلَيْهِ القَضَاءُ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، فَإِنْ تَيَقَّنَ الخَطَأ وَلَمْ يَظْهَرِ الصَّوَابُ إلاَّ بالاجْتِهَادِ، فَفي القَضَاءِ قَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَجِبَ، وَمَنْ صَلَّى أَرْبَعَ صلَوَاتٍ إلَى أَرْبَعِ جِهَاتٍ بِأرْبَعِ اجْتِهَادَاتٍ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ لَهُ الخَطَأَ فَلاَ قَضَاءَ (و) عَلَيْهِ.
قال الرافعي: المصلي بالاجتهاد إذا ظهر له الخطأ في اجتهاده فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يظهر له الخطأ قبل الشروع في الصلاة.
والثانية: أن يظهر بعد الفراغ منها.
والثالثة: أن يظهر في أثناءها.
أما الحالة الأولى فهي غير مذكررة في الكتاب وحكمها أن ننظر: إن تيقن الخطأ في اجتهاده أعرض عن مقتضاه وتوجه إلى الجهة التي يعلمها أو يظنها جهة الكعبة، وإن
الجزء: 1 - الصفحة: 450
ظن الخطأ في اجتهاده وظن أن الصواب 166 جهة أخرى إن كان دليل الاجتهاد الثاني أوضح عنده من الأول أعرض عن مقتضى الأول، وإن كان دليل الأول أوضح عنده جرى على مقتضاه، وإن تساويا تخير.
وقيل: يصلي إلى الجهتين مرتين.
وأما الحالة الثانية وهي: أن يظهر الخطأ بعد الفراغ من الصلاة، فهذا الفصل مسوق لها، ولا يخلو، إما أن يظهر الخطأ يقيناً، أو ظناً، والقسمان مذكوران في الكتاب.
أما القسم الأول: وهو أن يظهر الخطأ يقينًا ففي وجوب القضاء قولان:
أصحهما: الوجوب، لأنه تعين له الخطأ فيما يأمن مثله في القضاء، فلا يعتد بما فعله كالحاكم إذا حكم ثم وجد النص بخلافه، واحترزوا بقولهم: فيما يأمن مثله في القضاء عن الخطأ في الوقوف بعرفة حيث لا يجب القضاء، لأن مثله غير مأمون في القضاء، ويمكن أن يقال في قولنا: تعين الخطأ ما يفيد هذا الاحتراز؛ لأن الأمر ثَمَّ مبني على رؤية الهلال ولا يقين يكون الرائيين مصيبين أو على استكمال العدد، وهو مبني على الرؤية في الشهور المتقدمة والإصابة فيها مظنونة، والمبني على المظنون مظنون.
والقول الثاني: أنه لا يجب القضاء؛ لأنه ترك القبلة بعذر فأشبه تركها في حالة المسايفة.
قال الصيدلاني: ومعنى القولين أنه كلف الاجتهاد لا غير، أو كلف التوجه إلى القبلة، فإن قلنا بالأول فلا قضاء، وإن قلنا بالثاني وجب القضاء، وبالقول الثاني قال أبو حنيفة ومالك وأحمد والمزني.
وقوله في الكتاب: (وجب القضاء) معلم برقمهم جميعاً.
وللمسألة نظائر:
منها ما إذا اجتهد في وقت الصلاة فتبين بعد إنقضاء الوقت أنه أخطأ بالتقديم، أو اجتهد المحبوس في الصيام فوافق اجتهاده شعبان وتبين الحال بعد إنقضاء رمضان، ففي وجوب القضاء قولان:
قال إمام الحرمين: وهذا إذا لم يتأت الوصول إلى اليقين، فإن تأتى ذلك فالوجه القطع بوجوب القضاء، وإن اجتهاده إنما يغني بشرط الإصابة.
ومنها ما إذا رأوا سوادًا فظنوه عدواً فصلوا صلاة شدة الخوف ثم بان الخطأ ففي القضاء قولان:
ومنها ما إذا دفع الزكاة إلى رجل ظنه فقيراً فَبَانَ غنياً ففي الضمان قولان؛ ثم اختلفوا في موضع القولين فيما نحن فيه على طريقين.
الجزء: 1 - الصفحة: 451
قال الأكثرون: القولان جاريان فيما إذا تبين الصواب يقينًا مع يقين الخطأ وفيما إذا لم يتبين الصواب يقيناً مع يقين الخطأ ولا فرق، ومنهم من قال: القولان فيما إذا بَانَ يقين الخطأ مع يقين الصواب.
أما إذا تيقن الخطأ دون الصواب فلا يجب القضاء بحال؛ لأنه لا يأمن الخطأ في القضاء أيضاً فأشبه خطأ الحجيج في الوقوف بعرفة، فإنهم لما لم يأمنوا مثله في القضاء لم يلزمهم القضاء، وهذا معنى قوله في الكتاب: (فإن تيقن الخطأ ولم يظهر الصواب إلا باجتهاد ففي القضاء قولان مرتبان، وأولى بأن لا يجب) ومتى رتب المذهبيون صورة على صورة في الخلاف وجعلوا الثانية أولى بالنفي أو الإثبات حصل في الصورة المرتبة طريقان: أحدهما: طرد الخلاف.
والثاني: القطع بما في الصورة الأخيرة أولى به من النفي أو الإثبات.
وقد يعبر عن هذا الغرض بعبارة أخرى مثل أن يقال: فيما نحن فيه هل يجب القضاء عند تيقن الخطأ؟ فيه ثلاثة أقوال:
الأول: يجب.
الثاني: لا يجب.
الثالث: يفرق بين أن يتيقن معه الصواب فيجب وبين أن لا يتيقن فلا يجب، والأظهر طريقة طرد القولين، واعترض إمام الحرمين على التشبيه بخطأ الحجيج بأن قال: الخطأ ثَمَّ غير مأمون في السنين المستقبلة بحال، وهاهنا إن لم يأمن الخطأ في حالة الاشتباه فيمكنه الصبر حتى ينتهي إلى بقعة يستيقن فيها الصواب وما ذكرناه من الخلاف في أن المجتهد إذا بَانَ له يقين الخطأ هل يقضي بجري بعينه في حق الأعمى الذي قلده.
القسم الثاني: أن يظهر الخطأ بعد الفراغ من الصلاة ظنًا وذلك لا يوجب القضاء؛ لأن الاجتهاد لا ينقصض بالاجتهاد، ألا ترى أن القاضي لو قضى باجتهاده ثم تغير اجتهاده لا ينقض قضاؤه الأول، وينبني على هذا ما لو صلى أربع صلوات إلى أربع جهات بأربعة اجتهادات فلا يجب عليه قضاء واحدة منها؛ لأن كل واحدة منها مؤداة باجتهاد لم يتعين فيه الخطأ، هذا ظاهر المذهب وهو الذي ذكره في الكتاب وعن صاحب "التقريب" وجهان آخران:
أحدهما: إنه يجب عليه قضاء الكل؛ لأن الخطأ مستيقن في ثلاث صلوات منها، وإن لم يتعين فأشبه ما إذا فسدت عليه صلاة من صلوات، وحكي في "التتمة" هذا الوجه عن الأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني.
والثاني: أنه يجب قضاء ما سوى الصلاة الأخيرة، ويجعل الاجتهاد الأخير ناسخاً
الجزء: 1 - الصفحة: 452
لما قبله، وعلى هذا الخلاف لو صلى صلاتين إلى جهتين باجتهادين أو ثلاثاً إلى ثلاث جهات باجتهادات، فعلى ظاهر المذهب لا قضاء عليه، وعلى الوجه الثاني يقضي الكل، وعلى الثالث يقضي ما سوى الأخيرة وأعلم أنا سنذكر خلافاً في أنه إذا صلى بالاجتهاد هل يجب عليه تجديد الاجتهاد للصلاة الثانية، وحكم هذه الصورة لا يختلف بين أن نوجب تجديد الاجتهاد فيجدد وبين ألا نوجب لكن اتفق له ذلك.
قال الغزالي: وَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ اسْتَدْبَرَ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ تَحَوَّلَ وَبَنى إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: يَجِبُ القَضَاءُ عِنْدَ الخَطَإ، فَههُنَا أَولَى بِالإبْطَالِ كَيْلاَ يُجْمَعَ فِي صَلاَةٍ وَاحِدَةٍ بَيْنَ جِهَتَيْنِ، أَمَّا إِذَا ظَهَرَ الخَطَأ يَقِيناً أَوْ ظَنًّا وَلَكِنْ لَمْ يَظْهَر جِهَةُ الصَّوَاب، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الدَّرْكِ بِالاجْتِهَادِ بَطُلَتْ صَلاَتهُ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى ذلِكَ عَلَى القُرْبِ، فَفِي البُطْلاَنِ قَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ عَلَى تَيَقُّن الصَّوَابِ، وَأَولَى بِالبُطْلاَنِ لِأَجْلِ التَّحَيُّرِ فِي الحَالِ.
قال الرافعي: هذا الفصل لبيان الحالة الثالثة وهي أن يظهر الخطأ في الاجتهاد في أثناء الصلاة ولا يخلو إما أن يظهر (له الصواب مقترناً بظهور الخطأ) 167 وإما أن لا يكون كذلك.
فهما ضربان:
الضرب الأول: أن يظهر له الصواب مقترناً بظهور الخطأ فننظر: إن كان الخطأ مستيقناً فنبني ذلك على القولين في وجوب القضاء عند ظهور يقين الخطأ بعد الصلاة إن قلنا: يجب بطلت صلاته هاهنا ولزمه الاستئناف، وإن قلنا: لا يجب فهاهنا وجهان، وربما قيل: قولان:
أحدهما: أنه يستأنف؛ لأن الصلاة الواحدة لا تؤدي إلى جهتين، كالحادثة الواحدة لا يتصور إمضاؤها بحكمين مختلفين.
وأصحهما: أنه ينحرف إلى جهة الصواب، ويبني على صلاته احتساباً لما مضى من صلاته، كما يحتسب بجميع صلاته على هذا القول إذا بَانَ يقين الخطأ بعد الصلاة، ولا ننكر إقامة الصلاة الواحدة إلى جهتين، ألا ترى أن أهل قباء كذلك فعلوا، وإن كان الخطأ ظاهراً بالاجتهاد، فقد ذكرنا أنه إذا وقع ذلك بعد الصلاة لم يؤثر، فإذا اتفق في أثنائها فهو على هذين الوجهين أو القولين.
وأصحهما: أنه ينحرف ويبني، لأن الأمر بالاستئناف نقض لما أدى من الصلاة، والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
الجزء: 1 - الصفحة: 453
والثاني: أنه يستأنف كيلا يجمع في صلاة واحدة بين جهتين، فعلى الوجه الأول لو صلى أربع ركعات إلى أربع جهات بأربعة اجتهادات فلا إعادة عليه كما ذكرنا في الصلاة، وخص في "التهذيب" رواية الوجهين بما إذا تغير اجتهاده وكان الدليل الثاني أوضح من الأول.
فأما إذا كان الدليل الثاني مثل الأول أو دونه قال: لا يتحول بل يتم صلاته إلى تلك الجهة ولا إعادة عليه، ولك أن تقول: إن كان الدليل الثاني دون الأول فلا يتغير الاجتهاد ولا يظهر الخطأ، لأن أقوى الظنين لا يترك بأضعفهما، وإنا كانا مثلين فقضيته التوقف والتحير، وحينئذ لا يكون الصواب ظاهراً، فتكون الصورة من الضرب الثاني وسنذكر حكمه.
الضرب الثاني: أن لا يظهر الصواب مع ظهور الخطأ، فإن عجز عن درك الصواب بالاجتهاد على القرب بطلت صلاته إذ لا سبيل إلى الاستمرار على الخطأ، ولا وقوف على جهة الصّواب لينحرف وإن قدر على ذلك على القرب، فهل يبني وينحرف أم يستأنف؟ فيعود فيه الخلاف الذي ذكرناه في الضرب الأول بالترتيب، وهاهنا أولى بأن يستأنف؛ لأن ثمَّ يمكن من الانحراف إلى الصواب كما ظهر الخطأ وهاهنا بخلافه، فإنه متحير في الحال.
مثال هذا الضرب: عرف أن قبلته يسار المشرق [والسماء متغيمة فتوجه إلى جهة على ظن أنها يسار المشرق] 168 فانقشع الغيم بحذائه وظهر كوكب قريب من الأفق فقد علم الخطأ يقينًا إذ تبين له أنه مشرق أو مغرب، ثم قد يعرف الصواب على القرب بأن يرتفع الكوكب فيعلم أنه مشرق أو ينحظ فيعلم أنه مغرب، ويترتب على ذلك معرفة القبلة، وقد يعجز عن ذلك بأن يطبق الغيم، ويستمر الالتباس.
ولنبين ما يشتمل عليه الكتاب مما ذكرناه.
واعلم: أنا قسمنا الضرب الأول قسمين:
أحدهما: أن يستيقن الخطأ.
والثاني: أنه لا يستيقنه فقوله: "وإن تيقن أنه استدبر" هو القسم الأول من هذا الضرب، فإن المستيقن للاستدبار عارف بالخطأ يقينًا وعارف بالصواب أيضاً مع معرفة الخطأ يقينًا، ولا فرق بعد تيقن الخطأ بين أن يظهر الصواب يقينًا أو ظناً وإن كانت الصورة المذكورة في الكتاب هو يقين الصواب مع يقين الخطأ.
وقوله: (تحول وبني) جواب على قولنا أنه إذا بَانَ يقين الخطأ بعد الصلاة لا يجب
الجزء: 1 - الصفحة: 454
عليه القضاء، وقد روينا وجهين على هذا القول فما ذكره جواب على أصحهما، ثم أشار إلى التفريع على القول الثاني بقوله: (إلا إذا قلنا يجب القضاء عند الخطأ) أي إذا أوجبنا القضاء عند ظهور الخطأ يقيناً بعد الصلاة فنحكم ببطلان الصلاة عند ظهوره في أثنائها، ولا يعتد بما أتى به بل البطلان هاهنا أولى كيلا يجمع في صلاة واحدة بين جهتين:
وأما القسم الثاني من هذا الضرب فهو غير مذكور في الكتاب، وحكمه قريب من حكم القسم الأول؛ إنا وإن رتبنا الحكم ثم على القولين في أن تعين الخطأ بعد الصلاة هل يوجب القضاء كما سبق فلا يحصل إلا وجهان:
أحدهما: أنه يبني.
والثاني: أنه يستأنف، وهما جاريان في القسم الثاني على ما بينا، ولهذا قال في "الوسيط": وإن تبين بالاجتهاد أنه مستدبر فحكمه حكم المتيقن نعم يختلف التوجيه بحسب القسمين كما قدمناه.
وأما قوله: "إذا ظهر الخطأ يقينًا أو ظناً ... " إلى آخره، فهو الضرب الثاني، وهاهنا صرح بالتسوية بين تيقن الخطأ وظنه.
وقوله: (ففي البطلان قولان مرتبان على يقين الصواب) أي يقين الصواب مع الخطأ وهو صورة الاستدبار، وقد ذكر فيها قولين: أنه تبطل صلاته: أو يبني، وهذه مرتبة عليها والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ بَانَ لَهُ الخَطَأُ فِي التَّيَامُنِ وَالتَّيَاسُرِ، فَهَلْ هُوَ كَالخَطَأ فِي الْجِهَةِ؟ فَعَلَى وَجْهَيْن يَرْجِعُ حَاصِلُهُمَا إِلَى أَنَّ بَيْنَ الْمُشْتَدِّ فِي الاسْتِقْبَالِ وَبَيْنَ الأَشَدِّ تَفَاوُتًا عِنْدَ الحَاذِقِ، فَهَلْ يَجِبُ طَلَبُ الأَشَدِّ أَمْ يَكْفِي حُصُولُ أَصْلِ الاشْتِدَادِ؟ فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: جميع ما ذكرنا من الأحوال الثلاث فيما إذا بَانَ له الخطأ في الجهة، فأما إذا كانت الجهة واحدة وبَانَ له الخطأ في التيامن والتياسر فهذا يستدعي تقديم أصل وهو أن المطلوب بالاجتهاد عين الكعبة أم جهتها؛ وفيه قولان:
أظهرهما: أن المطلوب عين الكعبة لظاهر قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ 169. وقوله -صلى الله عليه وسلم- في الخبر الذي تقدم ذكره مشيراً إلى العين: "هذِهِ الْقِبْلَةَ" 170 وهما مطلقان ليس فيهما فصل بين القريب والبعيد.
والثاني: أن المطلوب جهة الكعبة، لأن حرم الكعبة صغير يستحيل أن يتوجه إليه أهل الدنيا فيكتفي بالجهة، ولهذا تصح صلاة الصف الطويل إذا بعدوا عن الكعبة ومعلوم أن بعضهم خارجون عن محاذاة العين، وهذا القول يوافق المنقول عن أبي
الجزء: 1 - الصفحة: 455
حنيفة وهو: أن المشرق قبلة أهل المغرب، والمغرب قبلة أهل المشرق، والجنوب قبلة أهل الشمال، [والشمال قبلة أهل الجنوب] 171. وعن مالك أن الكعبة قبلة أهل المسجد، والمسجد قبلة أهل مكة، ومكة قبلة أهل الحرم، والحرم قبلة أهل الدنيا.
وإذا ثبت هذا الأصل فنقول: الخطأ في التيامن والتياسر إن ظهر بالاجتهاد وكان ذلك بعد الفراغ من الصلاة فلا يقتضي وجوب الإعادة؛ لأن الخطأ في الجهة والحالة هذه لا يؤثر في التيامن، والتياسر أولى، وإن كان في أثناء الصلاة فينحرف ويبني، ولا يعود فيه الخلاف المذكور في نظيره من الخطأ في الجهة؛ لأنا استبعدنا الصلاة الواحدة إلى جهتين مختلفتين.
فأما الالتفات اليسير فإنه لا يبطل الصلاة وإن كان عمداً.
أما إذا ظهر الخطأ في التيامن والتياسر يقيناً، فيبنى على أن الفرض إصابة عين الكعبة، أما إصابة جهتها فإن قلنا: الفرض إصابة الجهة فلا أثر لهذا الخطأ في وجوب الإعادة إن ظهر بعد الصلاة ولا في وجوب الاستئناف إن ظهر في أثنائها.
وإن قلنا: الفرض إصابة العين ففي الإعادة والاستئناف القولان المذكوران في الخطأ في الجهة؛ ثم قال صاحب "التهذيب" وغيره: لا يستيقن الخطأ في الانحراف مع بعد المسافة عن مكة وإنما يظن.
أما إذا قربت المسافة فكل منهما ممكن، وهذا كالتوسط بين اختلاف أطلقه أصحابنا العراقيون في أنه هل يتيقن الخطأ في الانحراف من غير معاينة الكعبة بلا فرق بين قرب المسافة وبعدها.
فقالوا: قال الشافعي -رضي الله عنه- لا يتصور ذلك، إلا بالمعاينة.
وقال بعض الأصحاب يتصور -والله أعلم- هذا شرح المسألة.
وأما قوله: (يرجع حاصلهما إلى أن بين المشتد في الاستقبال ...) إلى آخره، فهو كلام نحا فيه نحو إمام الحرمين -رحمة الله عليه-، وذلك أنهما حكيا أن الأصحاب بنوا الخلاف في خطأ التيامن والتياسر على الخلاف في أن مطلوب المجتهد عين الكعبة أو جهتها، واعترضا على هذه العبارة فقالا: محاذاة الجهة غير كافية؛ لأن القريب من الكعبة إذا خرج عن محاذاة العين لا تصح صلاته، وإن كان مستقبلاً للجهة ومحاذاة العين لا يمكن اعتبارها، فإن البعيد عن الكعبة على مسافة شاسعة لا يمكنه إصابة العين ومسامتتها، والمحال لا يطلب.
وأيضاً فالصف الطويل في آخر المسجد تصح صلاته جميعهم مع خروج بعضهم عن محاذاة العين، وإذا بطل ذلك فما موضع الخلاف؟ وما معنى العين والجهة؟ ذكرنا
الجزء: 1 - الصفحة: 456
أن الانحراف اليسير لا يسلب اسم الاستقبال عن البعيد عن الكعبة في المسجد وإن كان يسلبه عن القريب من الكعبة، وإذا لم يسلبه عن البعيد الواقف في المسجد [كان أولى] 172 أن لا يسلبه عن الواقف في أقصى المشرق والمغرب، ثم البصير بأدلة القبلة يجعل التفاوت البعيد وانحرافه على درجتين:
إحداهما: الانحراف السالب لاسم الاستقبال، وهو الكثير منه وإن لم ينته إلى أن يولي الكعبة يمينه أو يساره.
والثاني: الانحراف الذي لا يسلب اسم الاستقبال، وفي هذه الدرجة مواقف يظن الماهر في الأدلة أن بعضها أشد من بعض، وإن شملها أصل الشداد، فهل يجب طلب الأشد أم لا؟ فيه الخلاف، وربما أشعر كلام إمام الحرمين بإثبات ثلاثة درجات: التفات بقطع البصير بأنه يسلب اسم الاستقبال، والتفات يقطع بأنه لا يسلبه، والتفات يظن أنه لا يسلب لكنه لا يقطع به، فهل تجوز القناعة بالشداد المظنون أم يجب طلب المقطوع به؟ فيه الخلاف، هذا ما ذكراه، والجمهور على التعبير عن الخلاف بالعين والجهة، واتفق العراقيون والقفال على ترجيح القول الصائر إلى أن المطلوب العين، ولهم أن يقولوا: لا نسلم أن البعيد لا يمكنه إصابة عين الكعبة بل عليه ربط الفكر في اجتهاده بالعين دون الجهة، وأما الصف الطويل فلا نسلم خروج بعضهم عن محاذاة العين؛ وذلك لأن التباعد من الحرم الصغير يوجب زيادة محاذاة العين كما تقدم.
قال الغزالي: فُرُوعٌ أَرْبَعَةٌ: الأَوَّلُ إِذَا صَلَّى الظُّهْرِ بِاجْتِهَاد، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الاسْتِئْنَافُ لِلْعَصْرِ؟ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَلَوْ أدَّى اجْتهَادُ رَجُلَيْنِ إِلَى جِهَتَيْنِ فَلاَ يَقْتَدِي أَحَدُهُمَا بِالآخَرِ، وَإِذَا تَحَرَّمَ المُقَلِّدُ فِي الصَّلاَةِ، فَقَالَ لَهُ مَنْ هُوَ دُونِ مُقَلِّدِهِ أَوْ مِثْلُهُ: أَخْطَأَ بِكَ فُلاَنٌ لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ وَإِنْ كَانَ أَعْلَمَ فَهُوَ كَتَغَيُّرِ اجْتِهَادِ البَصِيرِ فِي أَثْنَاءِ صَلاَتِهِ فِي نَفْسهِ، وَلَوْ قَطَعَ بِخَطَئِهِ وَهُوَ عَدْلٌ لَزِمَهُ القُبُولُ؛ لِأنَّ قَطْعَةُ أَرْجَحُ مِنْ ظَنِّ غيْرِهِ، وَلَوْ قَالَ البَصِيرُ لِلأعْمَى: الشَّمْسُ وَرَاءَكَ وَهُوَ عَدْلٌ فَعَلَى الأعْمَى قَبُولُهُ؛ لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ مَحْسُوسٍ لاَ عَنِ اجْتِهَادٍ.
قال الرافعي: خَتَمَ البابَ بِفروعٍ:
أحدها: إذا صلى إلى جهة بالاجتهاد، ثم دخل عليه وقت صلاة أخرى، أو أراد قضاء فائته فهل يحتاج إلى تجديد الاجتهاد للفريضة الثانية؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن الأصل استمرار الظن الأول، فيجري عليه إلى أن يتبين خلافه.
الجزء: 1 - الصفحة: 457
وأظهرهما: نعم سعياً في إصابة الحق؛ لأن الاجتهاد الثاني إن وافق الأول تأكد الظن، وإن خالفه فكذلك، لأن تغيير الاجتهاد لا يكون إلا لأمارة أقوى من الأمارة الأولى، وآكد الظنين أقرب إلى اليقين، وهذان الوجهان كالوجهين في طلب الماء في التّيمم، وكالوجهين في المفتي إذا استفتى عن واقعة واجتهد وأجاب فاستفتى مرة أخرى عن تلك الواقعة هل يحتاج إلى تجديد الاجتهاد؟ وأما النوافل فلا يحتاج إلى تجديد الاجتهاد لها [كما لا يحتاج إلى تجديد التّيمم لها] 173 ذكره صاحب "التهذيب" وغيره فإن قلت: ذكرتم أن الوجهين في وجوب تجديد الطلب مخصوصان بما إذا لم يبرح عن مكانه، فهل الأمر كذلك هاهنا؟ قلنا: في كلام بعض الأصحاب ما يقتضي تخصيص الوجهين بما إذا كان في ذلك المكان هاهنا أيضاً، لكن الفرق ظاهر؛ لأن الطلب في موضع لا يفيد معرفة العدم في موضع آخر، والأدلة المعرفة لكون الجهة جهة القبلة قد لا تختلف بالمكانين فإن أكثرها سماوية، ولا تختلف دلالتها بالمسافات القريبة.
الثاني: لو أدى اجتهاد رجلين إلى جهتين فكل واحد منهما يعمل باجتهاده، ولا يقتدي أحدهما بالآخر، فإن كل واحد منهما مخطئ عند الثَّانِي، فصار كما لو اختلف اجتهادهما في الإناءين والثَّوْبَيْنِ، ولو اجتهد جماعة وتوافق اجتهادهم فأمهم واحد منهم، ثم تغير اجتهاد واحد من المأمومين فعليه أن يفارقه، وينحرف إلى الجهة الثانية، وهل عليه أن يستأنف أم له البناء؟ فيه الخلاف الذي قدمناه في تغيير الاجتهاد في أثناء الصلاة، وللخلاف هاهنا مأخذ آخر، وهو أنا سنذكر خلافاً في أن المأموم هل له أن يفارق الإمام أم لا، وهل يفترق الحال بين أن يفارق بعذر أو غير عذر؟ ثم منهم من قال: هذه المفارقة بعذر، ومنهم من قال: هو مقصر بترك إمعان البحث والنظر، ولو عذر ولو تغير اجتهاد الإمام فينحرف إلى الجهة الأخرى، إما بانياً أو مستأنفاً على الخلاف الذي سبق، وهم يفارقونه فلو اختلف اجتهاد رجلين في التيامن والتياسر والجهة واحدة [فإن أوجبنا على المجتهد رعاية ذلك فهو الاختلاف في الجهة فلا يقتدي أحدهما بالآخر] 174، وإلا فلا بأس.
الثالث: إذا شرع المقلد في الصلاة بالتقليد ثم قال: له عدل أخطأ بك من قلدته، فلا يخلو إما أن يقول ذلك عن اجتهاد أيضاً أو عن علم ومعاينة، فهما حالتان:
فأما في الحالة الأولى فننظر: إن كان قول الأول أرجح عنده وأولى بالاتباع إما لزيادة عدالته وهدايته إلى الأدلة فلا اعتبار بقول الثاني إذ الأقوى لا يرفع بالأضعف، وإن كان قول الثاني مثل قول الأول، أو لم يعرف أنهما مثلان أو أحدهما أقوى من
الجزء: 1 - الصفحة: 458
الآخر فكذلك لا أثر لقول لثاني، وإن كان قول الثاني أرجح عنده فهو كتغيير اجتهاد البصير المجتهد في نفسه فيعود فيه الخلاف المقدم في أنه يبني أو يستأنف كذا هو في "التهذيب" وغيره، ولو اجتهد المجتهد الثاني بعد الفراغ من الصلاة لم يلزمه الإعادة، وإن كان قول الثاني أرجح، كما لو تغير اجتهاد المجتهد بعد الفراغ.
وقوله: (فقال له من هو دون مقلده أو مثله) أراد به هذه الحالة الأولى أي قال ذلك عن اجتهاد.
وأما قوله: (لم يلزمه قبوله) فلعلك تقول قد عرفت أنه لا يلزمه فهل يجوز قبوله فالجواب أن هذا يرتب على أن المقلد إذا وجد مجتهدين قبل الشروع في الصلاة أحدهما أعلم من الآخر فهل يجب عليه أن يأخذ بقول الأعلم أم يتخير؟ فإن قلنا بالأول فلا يجوز قبوله، وإن قلنا بالثاني ففيه خلاف؛ لأنه إن بني كان مصليًّا للصلاة الواحدة إلى جهتين وإن استأنف كان مبطلاً للفرض من غير ضرورة، وفي نظائر كل واحد منهما خلاف.
الحالة الثانية: أن يخبره عن علم ومعاينة فيجب الرجوع إلى قوله لاستناده إلى اليقين واعتماد الأولى على الاجتهاد، ولا فرق هاهنا بين أن يكن قول الثاني أصدق عنده أو لا يكون، ومن هذا القبيل أن يقول للأعمى: أنت مستقبل للشمس أو مستدبر، والأعمى يعرف أن قبلته ليست في صوب المشرق ولا المغرب فيجب قبول قوله، ويكون هذا بمثابة ما لو تيقن المجتهد الخطأ في أثناء الصلاة، فيلزمه الاستئناف على الصحيح، ولو قال الثاني: إنك على الخطأ قطعاً فكذلك يجب قبوله، فإن قطعه أرجح من ظن الأول، فينزل قطعه منزلة الإخبار عن محسوس، ثم القاطع بالخطأ قد يخبر عن الصواب قاطعًا به وقد يخبر عنه مجتهداً ويجب قبوله على التقديرين لبطلان تقليد الأول بقطعه، ولا يمكن أن يكون قطعه بالخطأ عن اجتهاد فإن الاجتهاد لا يفيد القطع، فلا عبرة بالعبادة الفارغة عن المعنى، وكل ما ذكرناه مفروض فيما إذا أخبره الثاني عن الصواب والخطأ جميعاً، فأما إذا أخبره عن الخطأ على وجه يجب قبوله ولم يخبره هو ولا غيره عن الصواب فهو كتغيير اجتهاد المجتهد في أثناء الصلاة وقد سبق حكمه -والله أعلم-.
فإن قلت: وعد في الكتاب بأربعة فروع ولم يذكر إلا ثلاثة قلت: المسائل المذكورة في هذا الفصل لم يعدها في "الوسيط" إلا ثلاثة فروع وجعل في أولها فرعاً آخر، هاهنا عدها أربعة من غير ذلك المضموم فيجوز أن يقال جعل حالتي الفرع الأخير فرعين ويجوز غير ذلك والأمر فيه هين.
الجزء: 1 - الصفحة: 459
الْبَابُ الرَّابعُ فِي كَيْفِيَّةِ الصَّلاَةِ
قال الغزالي: وَأَرْكَانُهَا أَحَدَ عَشَرَ: التَّكْبِيرُ وَالقِرَاءَةُ وَالْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالاعْتِدَالُ عَنْهُ وَالسُّجُودُ، وَالْقَعْدَةُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ مَعَ الطُّمَأنِينَةِ فِي الْجَمِيع، وَالتَّشَهُّدُ الأخِيرُ، وَالقُعُودُ فِيهِ، وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وَالسَّلاَمُ (ح)، وَالنِّيَّةُ بِالشَّرْطِ أشْبَهُ.
قال الرافعي: الصلاة في الشريعة عبارة عن الأفعال المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، ولا بد من رعاية أمور أُخَر ليقع الاعتداد بتلك الأفعال وتسمى هذه الأمور شروطاً وتلك الأفعال أركانًا فجعل هذا الباب في الأركان والذي يليه في الشروط، ولا بد من معرفة الفرق بينهما.
واعلم أن الركن والشرط يشتركان في أنه لا بد منهما وكيف يفترقان؟ منهم من قال: يفترقان افتراق العام والخاص، ولا معنى للشرط إلا ما لا بد منه، فعلى هذا كل ركن شرط ولا ينعكس.
وقال الأكثرون: يفترقان افتراق الخاصين ثم فسر قوم الشرط بما يتقدم على الصلاة كالطهارة وستر العورة 175، والأركان بما تشتمل عليه الصلاة، ويرد على هذا ترك الكلام والفعل الكثير وِسائر المفسدات فإنها لا تتقدم على الصلاة وهي معدودة من الشروط دون الأركان، ولك أن تفرق بينهما بعبارتين:
إحداهما: أن تقول يعني بالأركان المفروضات المتلاحقة النبي أولها التكبير وآخرها التسليم، ولا يلزم التروك فإنها دائمة لا تَلْحَقُ وَلاَ تُلْحَقُ، ونعني بالشروط ما عداها من المفروضات.
والثانية: أن نقول يعني بالشرط ما يعتبر في الصلاة بحيث يقارن كل معتبر سواه، وبالركن ما يعتبر لا على هذا الوجه.
مثاله: الطهارة تعتبر مقارنتها للركوع والسجود وكل أمر معتبر ركنًا كان أو شرطًا، والركوع معتبر لا على هذا الوجه.
إذا تبين ذلك فحقيقة الصلاة تتركب من هذه الأفعال المسماة أركاناً وما لم يشرع فيها لا يسمى شارعاً في الصلاة وإن تطهر وستر العورة واستقبل القبلة، وهذا واضح في عرف الشرع وإطلاقاته ثم إن المصنف عد الأركان أحد عشر يعني أجناسها، ثم منها ما لا يتكرر كالسلام ومنها ما يتكرر إما في الركعة الواحدة كالسجود، أو بحسب عدد
الجزء: 1 - الصفحة: 460
الركعات كالركوع، ولم يعد الطمأنينة في الركوع وغيره أركاناً، بل جعلها في كل ركن كالجزء منه والهيئة التابعة له، وبه يشعر قوله -صلى الله عليه وسلم- للأعرابي: "ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا" 176 [ومنهم من جعلها أركانًا مستقلة] 177 وضم صاحب "التلخيص" إلى الأركان المذكورة استقبال القبلة، واستحسنه القفال وصوبه، ومن فرض نية الخروج والموالاة والصَّلاَة على آل النبي -صلى الله عليه وسلم- ألحقها بالأركان، ومنهم من ضم إلى الأحد عشر التي ذكرها الترتيب في الأفعال، وهكذا أورد صاحب "التهذيب"، ويظهر عده من الأركان على العبارة الثانية (في تفسير الركن، وأما النية) (2) فقد حكى الشيخ أبو حامد وغيره وجهين في أنها من قبيل الشرائط أو من الأركان.
أحدهما: وهو الأشبه عند صاحب الكتاب: أنها من الشرائط؛ لأن النية تتعلق بالصلاة فتكون خارجة عن الصلاة وإلا لكانت متعلقة بنفسها ولا اقترن إلى نية أخرى.
وأظهرهما: عند الأكثرين: أنها من الأركان لاقترانها بالتكبير وانتظامها مع سائر الأركان، ولا يبعد أن تكون من الصلاة وتتعلق بسائر الأركان ويكون قول الناوي أصلي عبارة بلفظ الصلاة عن سائر الأركان تعبيراً باسم الشيء عن معظمه، وبهذا الطريق سماها المصنف في الصوم ركنًا، وإلا فما الفرق؟ ولك أن تعلم قوله: (وأركانها أحد عشر) بالواو لما حكينا من الاختلات على أن أكثره يرجع إلى التعبيرات وكيفية العد وحظ المعنى لا يختلف، وأبو حنيفة وسائر العلماء -رحمة الله عليهم- يخالفون في بعض الأركان المذكورة، وسنذكر مذهبهم عند تفصيل القول فيها فإن الغرض الآن تزاحم جملته، وإذا ذكرنا مذهبهم تبينت المواضع المحتاجة إلى العلامات من هذا الفصل.
قال الغزالي: وَالأَبْعَاضُ أَرْبَعَة: القُنُوتُ وَالتَّشَهُّدُ الأَوَّلُ وَالقُعُودُ فِيهِ وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ وَعَلَى الآلِ فِي التَّشَهُّدِ الأخِيرِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، وَهَذهِ الأَرْبَعُ تُجْبَرُ بِالسُّجُودِ وَمَا عدَاهَا فَسُنَنٌ لاَ تُجْبِرُ بِالسُّجُودِ.
قال الرافعي: للصلاة مفروضات ومندوبات.
أما المفروضات فهي الأركان والشروط.
وأما المندوبات فقسمان: مندوبات يشرع في تركها سجود السهو، ومندوبات لا يشرع فيها ذلك، والتي تقع في القسم الأول تسمى أبعاضاً، ومنهم من يخصها باسم
الجزء: 1 - الصفحة: 461
المسنونات، وتسمى التي تقع في القسم الثاني هيئات.
قال إمام الحرمين: وليس في تسميتها أبعاضاً توقيف ولعل معناها أن الفقهاء قالوا: يتعلق السجود ببعض السنن دون البعض، والتي يتعلق بها السجود أقل مما لا يتعلق، ولفظ البعض في أقل قسمي الشيء أغلب إطلاقاً، فلذلك سميت هذه الأبعاض، وذكر بعضهم أن السنن المجبورة بالسجود وقد تأكد أمرها وجاوز حد سائر السنن، وبذلك القدر من التأكيد شاركت الأركان فسميت أبعاضاً تشبيهاً بالأركان التي هي أبعاض وأجزاء حقيقة، وسيأتي وجه شرعية سجود السهو فيها في باب السجدات، وقد ذكرها المصنف في ذلك الباب، ولو لم يتعرض لها في هذا الموضع لما مر، لكنه لما ترجم الباب بكيفية الصلاة وعدت هذه السنن 178 من أبعاضها استحسن ذكرها في هذا
الموضع أيضاً، ثم أنه عدها أربعة:
أحدها: القنوت.
وثانيها: التشهد الأول.
وثالثها: القعود فيه.
ورابعها: الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه، وفي استحبابها قولان يذكران من بعد، فإن قلنا بالاستحباب فهو من الأبعاض، وألحق بهذه الأربعة شيئان:
أحدهما: الصلاة على الآل في التشهد الثاني إن قلنا إنها مستحبة لا واجبة، وكذلك في التشهد الأول إن استحببناها تفريعاً على استحباب الصلاة على الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيه، وهذا الخامس قد ذكره في الكتاب في باب السجدات، ونشرح الخلاف فيه من بعد إن شاء الله تعالى.
والثاني: القيام للقنوت 179 عد بعضاً برأسه، وقراءة القنوت بعضاً آخر، حتى لو وقف ولم يقرأ سجد للسهو، وهذا هو الوجه إذا عددنا التشهد بعضًا والقعود له بعضاً آخر، وقد أشار إلى هذا التفصيل في القنوت إمام الحرمين -قدس الله روحه- وصرح به في "التهذيب" ثم كون القنوت بعضاً لا يختص بصلاة الصبح بل هو بعض في الوتر أيضاً في النصف الأخير من رمضان، وقوله: (وما عداها فسنن لا تجبر بالسجود) ينبغي أن يعلم بالحاء والميم والألف لما سيأتي في باب "سجود السهو".
قال الغزالي: الرُّكْنُ الأَوَّلُ التَّكْبِيرُ، وَلْتَكُنِ النِّيَّة مَقْرُونَةً بِهِ بِحَيْثُ تُحْضَرُ فِي العِلْمِ صفَاتُ الصَّلاَةِ، وَيقْتَرِنُ القَصْدُ إلَى هَذا المَعْلُومِ بِأوَّلِ التَّكْبِيرِ، وَيَبْقَى مُسْتَدِيمًا لِلْقَصْدِ وَالْعِلْمِ إلَى آخِرِ التَّكْبِيرِ، فَلَ عَزُبَتْ بَعْدَ التَّكْبِيرِ لَمْ يَضُرَّ، وَلَوْ عَزُبَت قَبْلَ تَمَامِ التَّكْبِيرِ فَوَجْهَانِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 462
قال الرافعي: لما لم يعد النية ركنًا خلط مسائلها بمسائل التكبير؛ لأن وقت النية هو التكبير، ويجب أن تكون النية مقارنة للتكبير خلافاً لأبي حنيفة وأحمد حيث قالا: لو تقدمت النية على التكبير بزمان يسير ولم يعرض شاغل عن الصلاة جاز الدخول في الصلاة بتلك النية.
لنا أن التكبير أول أفعال العبادة فيجب مقارنة النية له كالحج وغيره؛ ولهذا لو تقدمت بزمانٍ طويلٍ لم يجز بخلاف الصوم لما في اعتبار المقارنة ثم من عسر مراقبة طلوع الفجر، ولهذا يحتمل فيه المتقدم بالزمان الطويل، ثم في كيفية المقارنة وجهان:
أحدهما: أنه يجب أن يبتدئ النية بالقلب مع ابتداء التكبير باللسان، ويفرغ منها مع الفراغ من التكبير.
وأصحهما: أنه لا يجب ذلك بل لا يجوز لأن التكبير من الصلاة فلا يجوز الإتيان بشيء منه قبل تمام النية، وعلى تقدير التوزيع يكون أول التكبير خاليًا عن تمام النية المعتبرة، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب حيث قال: (ويقترن القصد إلى هذا المعلوم بأول التكبير) ثم اختلفوا على هذا الوجه، فقال قوم منهم أبو منصور بن مهران شيخ الأودني: يجب أن تتقدم النية على التكبير ولو بشيء يسير ليأمن من تأخر أولها عن أول التكبير، واستشهد عليه بالصوم.
وقال الأكثرون: لا يجب ذلك، ولو قدم فالاعتبار للنية المقارنة بخلاف الصوم، فإن المتقدم كان لورود الشرع بالتبييت، ثم سواء قدم، أو لم يقدم فهل يجب استصحاب النية إلى أن يفرغ من التكبير فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن ما بعد أول التكبير في حكم الاستدامة، واستصحاب النية في دوام الصلاة لا يجب.
وأصحهما: نعم؛ لأن النية مشروطة في الانعقاد، والانعقاد لا يحصل إلا بتمام التكبير، ألا ترى أنه لو رأى المتيمم الماء قبل تمام التكبير يبطل تيممه، وأما بعد التكبير فلا يشترط استصحاب النية، ولا يضر عزوبها لما في تكليف استصحابها من العسر.
وأما قوله: "بحيث تحضر في العلم صفات الصلاة ... " إلى آخره، فهو بيان لحقيقة النية وما تفتقر إليه، وذلك أن النية قصد، والقصد يتعلق بمقصود، ولا بد وأن يكون المقصود معلومًا، فالناوي يحضر في ذهنه أولا ذات الصلاة وما يجب التعرض لها من صفات كالظهرية والعصرية وغيرهما كما سيأتي، ثم يقصد إلى هذا المعلوم ويجعل قصده مقارناً الأول التكبير، ولا يغفل عن تذكره حتى يتم التكبير.
وقوله: (ويبقى مستديماً للقصد والعلم إلى آخر التكبير) ينبغي أن يتنبه فيه لشيئين:
الجزء: 1 - الصفحة: 463
أحدهما: أنه لو لم يتعرض في مثل هذا الموضع للعلم لكان الفرض حاصلاً؛ لأن المستدام هو القصد إلى الصلاة بصفاتها المعتبرة ولا يمكن استدامة هذا القصد إلا باستدامة حصور المقصود في الذهن وهو العلم.
والثاني: أن هذا الكلام بيان لما ينبغي أن يفعله المصلي، ثم هو واجب أو مسنون قد نبه آخر بقوله: (وإن عَزُبت قبل تمام التكبير فوجهان) وإن قلنا يجوز فالاستدامة مسنونة وإلا فواجبة.
قال الغزالي: وَلَوْ طَرَأَ فِي دَوَامِ الصَّلاَةِ مَاَ يُناقِضُ جَزْمَ النِّيَّةِ بَطُلَ، كَمَا لَوْ نَوَى الخُرُوجَ فِي الحَالِ أَوْ فِي الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةِ أَوْ تَرَدَّدَ فِي الخُرُوجِ، وَلَوْ عَلَّقَ نِيَّةَ الخُرُوجِ بِدُخُولِ شَخْصٍ إِنْ دَخَلَ فَفِي البُطْلاَنِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: استدامة النية وإن لم يكن شرطاً في دوام الصلاة، إلا أن الامتناع عما يناقض جزم النية شرط، فإن هذا هين وإن كان الأول عسيراً وهذا كالإيمان لا يشترط فيه استحضار العقد الصحيح على الدوام، ولكن يستدام حكمه ويشترط الامتناع عما يناقضه.
إذا تبين ذلك فنقول: لو نوى الخروج من الصلاة في أثنائها بطلت صلاته، فإن هذه النية تتناقض قصده الأول، ولو تردد في أنه يخرج أو يستمر فلذلك تبطل صلاته، لما بين التردد والجزم من التنافي.
قال إمام الحرمين: والمراد من هذا التردد أن يطرأ له الشك المناقض للجزم واليقين، ولا عبرة بما يجري في الفكر أنه لو تردد في الصلاة 180، كيف يكون الحال فإن ذلك مما يبتلي به الموسوس، وقد يقع له ذلك في الإيمان بالله تعالى أيضاً فلا مبالاة به.
ولو نوى الخروج من صلاته في الركعة الثانية أو علق الخروج بشيء آخر يقع 181 في صلاته لا محالة بطلت صلاته في الحال؛ لأنه قطع موجب النية، فإن موجبها الاستمرار على الصلاة إلى انتهائها وهذا يناقضه، وحكى في "النهاية" عن كلام الشيخ أبي علي: أنه لا تبطل صلاته في الحال.
ولو رفض هذا التردد قبل الانتهاء إلى الغاية المضروبة صحت صلاته فلا بأس بإعلام قوله: (أو في الركعة الثانية) بالواو لهذا الكلام وإن كان غريباً، ولو علق نية الخروج بدخول الشخص ونحوه مما يجوز عروضه في الصلاة وعدمه فهل تبطل صلاته في الحال؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، كما لو قال: إن دخل فلان تركت الإسلام، فإنه يكفر في
الجزء: 1 - الصفحة: 464
الحال، وكما لو شرع في الصلاة على هذه النية لا تنعقد صلاته بلا خلاف.
والثاني: لا تبطل في الحال فإن ذلك المعلق عليه ربما لا يوجد فتبقى النية على استمرارها، فعلى هذا لو دخل الشخص ووجدت الصفة المعلق عليها فهل تبطل الصلاة حينئذ؟ وجهان عن الشيخ أبي محمد: أنها لا تبطل إذ لو بطلت لبطلت في الحال لقيام التردد، فإذا لم تبطل لم يكن لهذا التردد وقع، وكان وجوده وعدمه بمثابة واحدة، وقطع الأكثرون بأنها تبطل عند وجود الصفة فإنه مقتضى تعليقه.
قال إمام الحرمين: ويظهر على هذا أن يقال: يتبين عند وجود الصفة أن الصلاة بطلت من وقت التعليق لا بوجود الصفة يعلم أن التعليق خالف مقتضى النية المعتبرة في الصلاة، وموضع الوجهين المفرعين على الوجه الثاني ما إذا وجدت الصفة وهو ذاهل عن التعليق المقدم.
أما إذا لم يكن ذاهلاً فلا خلاف في بطلان صلاته؛ وليكن قوله: (ولو طرأ في دوام الصلاة ما يناقض جَزْم النية بطل) معلماً بالحاء؛ لأن عنده لا أثر لنية الخروج لا في الحال ولا في المآل، ولا للتردد في الخروج.
وليس قوله: (ما يناقض جزم النية) مجرى على إطلاقه؛ لأن الغفلة عن جزم النية يناقضه، وهي غير قادحة 182 كما سبق والمراد ما عدا الغفلة.
واعلم أنه لو لم ينو الخروج مطلقاً ولكن نوى الخروج من الصلاة التي شرع فيها وصرفها إلى غيرها كان قصد الخروج المطلق في أن الصلاة المشروع فيها تبطل، ثم ينظر إن صرف فرضاً إلى فرض كما لو شرع في الظهر ثم صرفها إلى العصر لا يصير عصراً، وإن صرف فرضاً إلى سنة راتبة أو بالعكس فكذلك، وفي بقاء صلاته نفلاً في هذه الصورة قولان نذكرهما من بعد:
قال الغزالي: وَلَوْ شَكَّ فِي أَصْلِ النِّيَّةِ وَمَضَى مَعَ الشَّكِّ رُكْنٌ لاَ يُزَادُ مِثْلُهُ فِي الصَّلاَةِ كَرُكُوع بَطُلَ، وَإِنْ لَمْ يَمْضِ وَقَصُرَ الزَّمَانُ لَمْ يَبْطُلْ، وَلَوْ طَالَ فَوَجْهَانِ، وَالصَّوْمُ يَبطُلُ بِالتَّرَدُّد فِي الخُرُوج عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ عَقْدٌ وَتَحْرِيمٌ يُؤَثِّرُ القَصْدُ فيه.
قال الرافعي: الفصل يشتمل على مسألتين وثانيتهما في نظام الكتاب أولاهما بالتقديم لمضاهاتها المسائل المتقدمة على هذا الفصل فنقدمها، ونقول: لو تردد الصائم في أنه هل يخرج من صومه أم لا أو علق نية الخروج بدخول شخص فقد ذكر المعظم أن صومه لا يبطل، وأشعر كلامهم بنفي الخلاف فيه، وذكر ابن الصباغ في "كتاب الصوم" أن أبا حامد حكى فيه وجهين كما سنذكره في الصورة الآتية، ولو جزم نية الخروج ففيه وجهان:
الجزء: 1 - الصفحة: 465
أحدهما: تبطل كما في الصلاة.
وأظهرهما: وبه قال أبو حنيفة: لا كما في الحج.
والفرق بين الصوم والصلاة أن الصلاة يتعلق تحرمها وتحللها بقصد الشخص واختياره، والصوم بخلافه، فإن النَّاوي ليلاً يصير شارعًا في الصوم بطلوع الفجر وخارجًا منه بغروب الشمس، وإن لم يكن له شعور بهما، وإذا كان كذلك كان تأثر الصلاة بضعف النية فوق تأثر الصوم، ولهذا يجوز تقديم النية على أول الصوم وتأخيرها في الجملة عن أوله، ولا يجوز ذلك في الصلاة، والمعنى فيه أن الصلاة أفعال وأقوال، والصوم ترك وإمساك والأفعال إلى النية أحوج من الترك.
إذا تقرر ذلك فقوله في الكتاب: (وكذا يحرم الخروج) مقطوع عما قبله على ما أشعر به كلام المعظم، ولا جريان للوجهين في سورة التردد، وعلى ما رواه ابن الصباغ: يجوز صرف الوجهين إلى الصورتين، والأول هو قضية إيراده في "الوسيط".
المسألة الأخرى: لو شك في صلاته في أنه هل أتى بالنية المعتبرة في ابتدائها، سواء شك في أصلها أو في بعض شروطها، فينظر: إن أحدث على الشك ركنًا فعليًا كالركوع والسجود بطلت صلاته، وإن أحدث ركنًا قوليًا كالقراءة والتشهد فهل هو كالفعلي حتى تبطل الصلاة بمضيه على الشك أيضاً؟ اختلف الناقلون فيه: فمنهم من قال: لا فرق بأن المأتي به على التردد غير محسوب فلا بد من إعادته والأركان الفعلية إذا زيدت عمداً بطلت الصلاة، ولئن عد معذوراً في الإعادة فهو غير معذور في الإنشاء على الشّك، بل كان من حقه التوقف، وأما الأركان القولية فزيادتها عمداً لا تبطل الصلاة فلا يضر إحداثها على التردد، وهذه الطريقة هي المذكورة في الكتاب فإنه قال: (ومضى مع الشك ركن لا يزاد مثله في الصلاة) وقصد به الاحتراز عن القراءة والتشهد ومد الطمأنينة، وهذا مبني على ظاهر المذهب في أنه لا تبطل الصلاة بتكرير الفاتحة والتشهد عمداً بخلاف تكرير الركوع والسجود.
وفيه وجه منقول عن أبي الوليد النيسابوري وغيره، أن تكرير الفاتحة كتكرار الركوع، فلا فرق على ذلك الوجه، ومنهم من سوى بين الأركان القولية والفعلية وعللوا البطلان بأن المأتي به على الشك إذا لم يكن محسوباً فالاشتغال به تلاعب بالصلاة، فليمتنع مما ليس من الصلاة ولا فائدة فيه، وليتوقف إلى التذكر، وهذه الطريقة أظهر، وبها قال العراقيون ورووها عن نص الشافعي -رضي الله عنه- وليكن قوله: (لا يزاد مثله في الصلاة) معلماً بالواو لأنه مذكور للتقييد، ولا تقييد على هذه الطريقة الأخيرة وإن لم يحدث شيئاً من فروض الصلاة على التردد حتى يذكر النية نظر: إن قصر الزمان لم يضر أيضاً؛ لأنه معذور في عروضه وكثيراً ما يعرض الشك ويزول فيعفى عنه، وإن طال فوجهان:
الجزء: 1 - الصفحة: 466
أحدهما: أنه لا يضر أيضاً؛ لأنه قد أتى بما يليق بالحال حيث لم يحدث على الشك قولاً ولا تقصير منه في عروضه.
وأظهرهما: البطلان لانقطاع نظم الصلاة وندرة مثل هذا الشك، وشبهوا الوجهين بالوجهين فيما إذا أكثر الكلام ناسيًا.
والفرق بين طول الزمان وقصره سيأتي في نظائر المسألة.
قال الغزالي: ثُمَّ كَيْفِيَّةُ النِّيَّةِ أَنْ يَنْوِي الأدَاءَ أَوِ الظُّهْرَ، وَهَلْ يَجِبُ التَعَرُّضُ لِلْفَرْضِيَّةِ وَالإِضَافَةِ إلَى اللهِ عَزَّ وَجلَّ؟ فَوَجْهَانِ، والنِّيَّةُ بِالقَلْبِ لاَ بِاللِّسَانِ، وَأَمَّا النَّوَافِلُ فلاَ بُدَّ مِنْ تَعيِينِ الرَّوَاتِبِ بِالإِضَافَةِ، وَغيْرُ الرَّوَاتِبَ يَكْفِي فِيهَا نِيَّةُ الصَّلاَةِ مُطْلَقَةً.
قال الرافعي: الصلاة قسمان: فرائض ونوافل، أما الفرائض فيتعين فيها قصد أمرين بلا خلاف.
أحدهما: فعل الصلاة لتمتاز عن سائر الأفعال، فلا يكفي إخطار نفس الصلاة بالبال مع الغفلة عن الفعل.
الثاني: تعيين الصلاة المأتي بها من ظهر وعصر وجمعة لتمتاز عن سائر الصلوات، ولا يجزئه نية فريضة الوقت عن نية الظهر والعصر في أصح الوجهين؛ لأنه لو تذكر فائتة غير الظهر في وقت الظهر كان الإتيان بها فيه إتيانًا في الوقت.
قال -صلى الله عليه وسلم-: "فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذلِكَ وَقْتُهَا" 183. وليست هذه بظهر، ولا يصح الظهر بنية الجمعة.
وفيه وجه ضعيف، وتصح الجمعة بنية الظهر المقصورة إن قلنا: إنها ظهر مقصورة، وإن قلنا: هي صلاة على حيالها لم تصح، ولا تصح بنية مطلق الظهر على التقديرين، واختلفوا في اعتبار أْمور سوى هذين الأمرين منها التعرض للفريضة في اشتراطه وجهان أداء كانت الفريضة أو قضاء.
أحدهما: وبه قال ابن أبي هريرة: لا يشترط؛ لأن الشافعي قال في الصبي يصلي ثم يبلغ في آخر الوقت: يجزئه، ولو كانت نية الفرض مشروطة لما أجزأه ذلك؛ لأنه لم ينو الفرضية.
وأظهرهما عند الأكثرين: وبه قال أبو إسحاق: تشترط بأن الظهر قد يوجد من الصبي وممن صلى منفرداً ثم أعادها في الجماعة ولا يكون فرضاً فوجب التمييز.
ولك أن تقول قولنا: المصلي ينوي الفرضية إما أن يعني بالفرضية في هذا المقام
الجزء: 1 - الصفحة: 467
كونها لازمة على المصلي لعينة، أو كونها من الصلوات اللازمة على أهل الكمال، أو شيئاً آخر.
إن عنينا به شيئاً آخر فلنلخصه أولاً ثم لنبحث عن لزومه، وإن عنينا الأول وجب أن لا ينوي الصبي الفريضة بلا خلاف، ولم يفرق الأئمة بين الصبي والبالغ بل أطلقوا الوجهين، وأيضاً فإنهم قالوا -فيمن صلى منفردآ ثم أدرك جماعة-: الصحيح أنه ينوي الفرض بالثاني، وهو غير لازم عليه.
وإن عنينا الثاني فمن تعرض للظهر والعصر فقد تعرض لإحدى الصلوات اللازمة على أهل الكمال، وكونها ظهراً أخص من كونها صلاة لازمة عليهم، والتعرض للأخص يغني عن التعرض للأعم؛ ولهذا كان التعرض للصلاة مغنياً عن التعرض للعبادة ونحوها من الأوصاف، وبهذا البحث يضعف ما ذكر في توجيه الوجهين، ومنها الإضافة إلى الله تعالى بأن يقول: لله أو فريضة الله، فيها وجهان:
أحدهما: وبه قال ابن القاصي: يشترط ليتحقق معنى الإخلاص.
وأصحهما: عند الأكثرين: لا يشترط؛ لأن العبادة لا تكون إلا لله تعالى.
ومنها التعرض لكون المأتي به قضاء أو أداء في اشتراطه وجهان:
أحدهما: يشترط أنه ليمتاز كل واحد منهما عن الآخر، كما يشترط التعرض للظهر والعصر.
والثاني: -وهو الأصح عند الأكثرين- أنه لا يشترط بل يصح الأداء بنية القضاء وبالعكس؛ لأن القضاء والأداء كل واحد منهما يستعمل بمعنى الآخر قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ 184 أي: أديتم.
ويقال: قضيت الدين وأديته بمعنى، واستشهدوا لهذا الوجه بنص الشافعي -رضي الله عنه- على أنه لو صلى يوم الغيم بالاجتهاد ثم بان أنه صلى بعد الوقت يحكم بوقوعه عن القضاء مع أنه نوى الأداء، ولك أن تقول القول بأن نية الأداء هل تشترط في الأداء ونية القضاء هل تشترط في القضاء، وفرض الخلاف فيه منقدح، لكن قولنا: هل يصح الأداء بنية القضاء وبالعكس إما أن يعني به أن يتعرض في الأداء لحقيقته ولكن ما يجري في قلبه أو على لسانه لفظ القضاء، وكذلك في عكسه، أو يعني به أنه يتعرض في الأداء لحقيقة القضاء وفي القضاء لحقيقة الأداء أو شيئاً آخر إن عنينا به شيئاً آخر فلا بد من معرفته، وإن عنينا الأول فلا ينبغي أن يقع النزاع في جوازه؛ لأن الاعتبار في النية بما في الضمائر، ولا
الجزء: 1 - الصفحة: 468
عبرة بالعبارات، وإن عنينا الثاني فلا ينبغي أن يقع نزاع في المنع؛ لأن قصد الأداء مع العلم بخروج الوقت والقضاء مع العلم ببقاء الوقت هزء 185 وعبث، فوجب أن لا ينعقد به الصلاة كما لو نوى الظهر ثلاث ركعات أو خمساً 186.
ومنها التعرض لاستقبال القبلة شرطه بعض أصحابنا، واستبعده الجمهور؛ لأنه إما شرط أو ركن، وليس على النّاوي التعرض لتفاصيل الأركان والشرائط.
ومنها التعرض لعدد الركعات شرطه بعضهم، والصحيح خلافه؛ لأن الظهر إذ لم يكن قصراً لا يكون إلا أربعاً.
القسم الثاني: النوافل وهي ضربان:
أحدهما: النوافل المتعلقة بوقت أو سبب فيشترط فيها أيضاً نية فعل الصلاة والتعيين فينوي سنة الاستسقاء، والخسوف، وسنة عيد الفطر، والتراويح، والضحى، وغيرها، وفي الرواتب يعين الاضافة فيقول أصلي ركعتي الفجر أو راتبة الظهر أو سنة العشاء.
وفي الرواتب وجه: أن ركعتي الفجر لا بد فيهما منع التعيين بالإضافة وفيما عداهما يكفي نية أصل الصلاة إلحاقاً لركعتي الفجر بالفرائض لتأكدها إلحاقاً لسائر الرواتب بالنوافل المطلقة، وفي الوتر ينوي سنة الوتر ولا يضيفها إلى العشاء فإنها مستقلة بنفسها، وإذا زاد على واحدة ينوي بالجميع الوتر كما ينوي في جميع ركعات التراويح، وحكى القاضى الروياني وجوها أخرى:
أحدها: أنه ينوي بما قبل الواحدة صلاة الليل.
والثاني: ينوي سنة الوتر.
والثالث: مقدمة الوتر، ويشبه أن تكون هذه الوجوه في الأولوية دون الاشتراط، وهل يشترط التعرض للنفلية في هذا الضرب؟ اختلف كلام النافلين فيه وهو قريب من الخلاف في اشتراط التعرض للفرضية في الفرائض والخلاف في التعرض للقضاء والأداء والإضافة إلى الله تعالى يعود هاهنا أيضاً.
الضرب الثاني: النوافل المطلقة فيكفي فيها نية فعل الصلاة؛ لأنها أدنى درجات الصلاة، فإذا قصد الصلاة وجب أن يحصل له، ولم يذكروا هاهنا خلافاً في التعرض للنفلية، ويمكن أن يقال: قضية اشتراط قصد الفرضية لتمتاز الفرائض عن غيرها اشتراط التعرض للنفلية هاهنا بل التعرض لخاصيتها وهي الإطلاق والانفكاك عن الأسباب والأوقات كالتعرض لخاصية الضرب الأول من النوافل، ثم النية في جميع العبارات
الجزء: 1 - الصفحة: 469
معتبرة بالقلب فلا يكفي النطق مع غفلة القلب ولا يضر عدم النطق ولا النطق بخلاف ما في القلب، كما إذا قصد الظهر وسبق لسانه إلى العصر، وحكى صاحب "الإفصاح" وغيره عن بعض أصحابنا أنه لا بد من التلفظ باللسان؛ لأن الشافعي -رضي الله عنه- قال في الحج: ولا يلزمه "إذا أحرم ونوى بقلبه أن يذكره بلسانه، وليس كالصلاة التي لا تصح إلا بالنطق".
قال الجمهور: لم يرد الشافعي -رضي الله عنه- اعتبار التلفظ بالنية، وإنما أراد التكبير، فإن الصلاة تنعقد به، وفي الحج يصير محرماً من غير لفظ وإن عقب النية بقوله إن شاء الله بالقلب أو باللسان فإن قصد التبرك أو وقوع الفعل بمشيئة الله تعالى لم يضره، وإن قصد الشك لم تصح صلاته.
وأعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب فأقول: قوله: (أن ينوي الأداء والظهر) قصد بلفظ الأداء التعرض لشيئين:
أحدهما: أصل الفعل وهذا لا بد منه.
والثاني: الوصف المقابل للقضاء وهو الوقوع في الوقت، وهذا فيه خلاف بين الأصحاب كما سبق ذكره 187، وما ذكره جواب على وجه اشتراط نية الأداء في الأداء فليكن [كلمة (الأداء) معلمة بالواو، وقوله: (والنية بالقلب لا باللسان)] 188 معلم بالواو للوجه الذي حكيناه فيه، وهذه المسألة لا تختص بنية الفرائض ولا بنية النوافل بل تعمهما فلو ذكرها في أول مسائل النية أو آخرها لكان أحسن من ذكرها بين قسم الفرائض والنوافل.
وقوله: (فلا بد من تعيين الرواتب بالإضافة) معلم بالواو أيضاً للوجه المنقول فيهما سوى ركعتي الفجر، ثم أهم 189 الرواتب في الشهور للنوافل التابعة للفرائض وهي التي أرادها بلفظ الرواتب في باب صلاة التطوع لكن لا يمكن حمل اللفظ في هذا الموضع عليها وحدها؛ لأنه قال: وغير الرواتب يكفي فيه نية الصلاة مطلقة، وهذه النية غير كافية في صلاة العيد، وأخواتها مع أنها غير النوافل التابعة للفرائض.
قال الغزالي: وَلَوْ نَوَى الفَرْضَ قَاعِدًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى القِيَامِ لَمْ يَنْعَقِدْ فَرْضُهُ، وَهَل يَنْعَقِدُ نَفْلاً فِيْهِ قَوْلاَنِ، وَكَذا الخِلاَفُ فِي التَّحَرُّم بِالظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَكُلُّ حَالَةٍ تُنَافِي الفَرْضِيَّةَ دُونَ النَّفْلِيَّةِ، هَذَا حُكْمُ النَّيَّةِ.
قال الرافعي: الأصل الجامع لهذه المسائل: أن من أتى بما ينافي الفرضية دون النفلية إما في أول صلاته أو في أثنائها وبطل فرضه، فهل تبقى صلاته نافلة أم تبطل مطلقاً؟ فيه قولان، ذكر الأئمة إنهما مأخوذان بالنقل والتخريج من نصوص مختلفة
الجزء: 1 - الصفحة: 470
للشافعي -رضي الله عنه- في صور هذا الأصل فمنها لو دخل في الظهر قبل الزوال لا يصح ظهراً، ونص أنه ينعقد نفلاً، كذلك رواه الصيدلاني وتابعه صاحب "التهذيب".
ولو تحرم بالفرض منفرداً وجاء الإمام وتقدم ليصلي بالناس قال: أحببت أن يسلم عن ركعتين تكونان نافلة له، ويصلي الفرض في الجماعة فقد صحح النفل مع إبطال الفرض، ونص فيما إذا وجد القاعد خفه في أثناء الصلاة فلم يقم أنه تبطل الصلاة رأساً.
ولو قلب فرضه نفلاً بلا سبب يدعو إليه فقد حكى ابن كج في نصه أن صلاته تبطل، فجعل الأئمة في هذه الصور وأخواتها كلها قولين:
أحدهما: أن صلاته لا تبطل بالكلية وتكون نفلاً؛ لأن الاختلال إنما وقع في شرط الفرض لا في شرط الصلاة بمطلقها، وقد نوى صلاة بصفة الفرضية، فإن بطلت الصفة بقي فرض الصلاة وهذا القصد مصروف إلى النافلة.
والثاني: أنها تبطل؛ لأن المنوي هو الفرض والنفل غير منوي فإذا لم يحصل المنوي فلأن لا يحصل غير المنوي كان أولى.
وهذان القولان كالقولين فيما إذا أحرم بالحج قبل أشهر الحج هل ينعقد عمرة أم لا؟ ولتوجيههما شبه بتوجيه القولين فيما إذا قال لفلان: عليّ ألف من ثمن الخمر هل يلغو جميع كلامه أم تلغو الإضافة ويلزمه، الألف.
ومن صور هذا الأصل ما إذا نوى الفرض قاعداً وهو قادر على القيام، والمسبوق إذا وجد الإمام في الركوع فيبادر إلى الركوع وأتى ببعض تكبيرة الإحرام بعد مجاوزة حد القيام فلا يصح الفرض فيهما، وهل يكون نفلاً؟ فيه القولان، وأما الأصح من القولين فقد ذكر الأصحاب أنه مختلف اختلاف الصور، ففي إذا تحرم الظهر قبل الزوال إن كان عالماً بحقيقة الحال فالأصح البطلان؛ لأنه متلاعب بصلاته، وإن كان يظن دخول الوقت بالاجتهاد فتبين خلافه فالأصح أنها تكون نفلاً؛ لأنه نوى التقرب إلى الله تعالى وبنى قصد الفرض على اجتهاد، فإذا ظهر الخطأ حسن أن لا يضيع سعيه، وفيما إذا تحرم بالفرض منفرداً، ثم أقيمت الجماعة فانفرد بركعتين وسلم، الأصح أن صلاته تبقى نفلاً؛ لأنه قصد النفل بعد الإعراض عن الفرض، وإنما فعل ذلك لأمر محبوب وهو استئناف الصلاة بالجماعة، وفيما إذا وجد القاعد خفة فلم يقم أو قلب فرضه إلى النفل لا لسبب وعذر الأظهر البطلان؛ لأن الخروج عن الفرض بغير عذر وإبطاله مما لا يجوز، وفيما إذا نوى الفرض قاعدًا وهو قادر على القيام الأظهر البطلان أيضاً؛ لتلاعبه بالصلاة، وأما مسألة السبوق فإن كان عالمًا بأنه لا يجوز إيقاع التكبيرة فيما بعد مجاوزة حد القيام فالأظهر البطلان، وإن كان جاهلاً فالأظهر أنها تنعقد نفلاً كما ذكرنا في التحرم بالظهر قبل الزوال.
الجزء: 1 - الصفحة: 471
قال الغزالي: أَمَّا حُكْمُ التَّكْبِيرِ فَتَتعَيَّنُ كَلِمَتُهُ عَلَى القَادِرِ، فلاَ تُجْزِئُ (ح) تَرْجَمَتُهُ، وَلَوْ قَالَ: اللهُ الأكْبَرُ فَلاَ بَأْسَ، لِأَنَّهُ لَم يغَيِّرِ النَّظْمَ وَالْمَعْنَى، وَلَوْ قَالَ: اللهُ الجَلِيلُ أكْبَرُ فَوَجْهَاِنِ لِتَغيُّر النَّظْم، وَلَو قَالَ: الأكْبَرُ اللهُ نَصَّ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ، وَنَصَّ فِي قَوْلهِ: عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ أنَّهُ بَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يُسَمِّى تَسْلِيماً وَذلِكَ لاَ يُسَمَّى تَكْبِيرًا، وَقِيْلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ.
قال الرافعي: عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "مِفْتَاحُ الصَّلاَةِ الْوُضُوءُ وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ" 190. والكلام في التكبير في القادر والعاجز.
أما القادر فيتعين عليه كلمة التكبير 191 فلا يجوز له العدول إلى ذكر آخر وإن قرب منها كقوله: "الرحمن أجل"، و"الرب أعظم" بل لا يجزئه قوله: الرحمن أو الرحيم أكبر أيضاً، ولا يجزئه ترجمة التكبير بلسان آخر.
وخالفنا أبو حنيفة في الفصلين جميعاً فحكم بإجزاء الترجمة وإجزاء التسبيح والتهليل وسائر الأذكار والأدعية إلا أن يذكر اسماً على سبيل النداء كقوله: يا الله أو يقول: اللهم اغفر لي ونحوه من الأدعية.
لنا أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَبْتَدِئُ الصَّلاَةَ بِقَوْلِهِ: اللهُ أَكْبَرُ" 192 هكذا روته عائشة -رضي الله عنها- وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" 193.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاةَ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَضَعَ الطُّهُورَ مواضِعَهُ ويسْتَقبِلَ الْقِبْلَةَ فَيَقُولُ: اللهُ أَكبَرُ" 194، وحكى القاضي ابن كج وجهًا لأصحابنا أنه تنعقد الصلاة بقوله الرحمن أكبر والرحيم أكبر كأنه 195 اعتبر لفظ الكبرياء على ذلك، ولم يعتبر اسماً من أسماء الله تعالى يعني بخصوصه.
الجزء: 1 - الصفحة: 472
ولو قال: الله الأكبر أجزأه؛ لأن زيادة الألف واللام لا تبطل لفظة التكبير ولا المعنى بل قول القائل: الله الأكبر يشتمل على ما يشتمل عليه قول، الله أكبر مع زيادة مبالغة في التعظيم للإشعار بالاختصاص، والزيادة التي لا تغير النظم ولا المعنى لا تقدح كزيادة المد حيث يحتمله، وكقوله: الله أكبر من كل شيء أو أكبر، أو أجل وأعظم.
وقال مالك وأحمد: لا يجزئه قول: الله الأكبر لظاهر الخبر السابق، وحكى قول عن "القديم" مثل مذهبهما، وممن حكاه القاضي أبو الطيب الطبري، ذكر، أن أبا محمد الكرابيسي نقل عن الأستاذ أبي الوليد روايته فليكن قوله: (فلا بأس) مرقومًا بالميم والألف والقاف، ولو قال: الله الجليل أكبر ففي انعقاد الصلاة به وجهان:
أظهرهما: الانعقاد؛ لأن هذه الزيادة لا تبطل اسم التكبير ومعناه فأشبهت الزيادة في قوله: الله الأكبر.
والثاني: المنع لتغير النظم بها بخلاف قوله: الله الأكبر فإن الزائد ثم غير مستقل ولا مفيد، ويجري هذا الخلاف فيما إذا أدخل بين كلمتي التكبير شيئاً آخر من نعوت الله تعالى، بشرط أن يكون قليلاً كقوله: الله عز وجل أكبر وما أشبهه ذلك، فأما إذا كثر الداخل بينهما كقوله: الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس أكبر فلا يجزئه؛ لأن هذه الزيادة تخرج المأتي به عن أن يسمى تكبيراً في اللغة ولهذا السبب لا يجوز أن يقف بين كلمتيه وقفة متفاحشة، ولو عكس فقال: الأكبر الله فظاهر كلامه في "الأم" و"المختصر" أنه لا يجوز، ونص في "الأم" على أنه لو قال في آخر الصلاة عليكم السّلام يجزئه، وإن كان مكروهًا فاختلف الأصحاب على طريقين:
أظهرهما: تقرير النصين.
والفرق أنه مأمور بالتكبير، وقول القائل الأكبر الله يسمى تكبيراً وعند السلام هو مأمور بالتسليم وقوله: عليكم السّلام، يسمى تسليمًا، ولأصحاب الطريق الثاني أن ينازعوا في تحقيق هذا الفرق فيقولوا: ذاك يسمى تكبيرًا إن كان هذا يسمى تسليمًا.
والثاني: أن المسألتين على القولين نقلاً وتخريجًا.
أحدهما: الجواز؛ لأن المعنى واحد قدم أو أخر فصار كما لو ترك الترتيب في التشهد.
وأظهرهما: المنع؛ لما سبق من الظواهر، ويتأيد بترك الترتيب في الفاتحة، وأصحابنا العراقيون حكوا في عكس التكبير وجهين بدل القولين بالنقل والتخريج وهما متقاربان، والخلاف في قوله: الأكبر الله يجري في قوله أكبر الله أيضاً، وقيل: لا يجزئ أكبر الله بلا خلاف، ويجب على المصلي أن يحترز في لفظ التكبير عن زيادة تغير المعنى
الجزء: 1 - الصفحة: 473
بأن يقول الله أكبر؟ فينقلب الكلام استفهاماً أو يقول: الله أكبار فالأكبار جمع كبر وهو الطبل، ولو زاد واواً بين الكلمتين إما سكانة أو متحركة فقد عطل المعنى فلا يجزئه أيضاً، ويجب أن يكبر بحيث يسمع نفسه، ويجب أن يكبر قائماً حيث يلزمه القيام.
قال الغزالي: أَمَّا العَاجِزُ فَيَلْزَمُهُ تَرْجَمَتُهُ وَلاَ يُجْزِئُهُ ذِكْرٌ آخَرُ لاَ يؤَدِّي مَعْنَاهُ، وَالبَدَوِيُّ يَلْزَمُة قَصْدُ البَلْدَةِ لِتَعَلُّمِ كَلِمَةِ التَّكْبِيرِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلاَ يَكْفِيهِ التَّرْجَمَةُ بَدَلاً بِخِلاَف التَّيَمُّمِ.
قال الرافعي: العاجز عن جميع كلمة التكبير أو بعضها له حالتان:
إحداهما: أنه لا يمكنه كسب القدرة عليها، فإن كان لخرس ونحوه حرك لسانه أو شفتيه ولهاته بالتكبير بحسب ما يمكنه، وإن كان ناطقاً لكن لم يطاوعه لسانه على هذه الكلمة فيأتي بترجمتها؛ لأنه ركن عجز عنه فلا بد له من بدل، وترجمته أولى ما يجعل بدلاً عنه لأدائها معناها، ولا يعدل إلى سائر الأذكار بخلاف ما لو عجز عن الفاتحة لا يعدل إلى الترجمة، [لأن القرآن معجز، وسائر السور تشتمل أيضاً على النظم المعجز 196]، وينبغي 197 أن يعلم قوله: (ولا يجزئه ذكر آخر) بالحاء؛ لأن أبا حنيفة يجوز سائر الأذكار في حال القدرة ففي حال العجز أولى وإنما قال: لا يؤدي معناه؛ لأنه لو أدى معناه كان كالترجمة بلغة أخرى وترجمة التكبير بالفارسية "خداي بزر كتر" ذكره الشيخ أبو حامد والقاضي الروياني، فلو قال: "خداي بزرك" وترك صيغة التفضيل لم يجز كقوله: الله الكبير.
وجميع اللغات في الترجمة سواء فيتخير بينهما.
وقيل: السريانية والعبرانية قد أنزل الله بهما كتاباً فإن أحسنهما لم يعدل عنهما، والفارسية بعدهما أولى من التركية والهندية.
والحالة الثانية: أن يمكنه كسب القدرة عليها إما بالتعلم من إنسان أو مراجعة موضع كتبت هذه الصيغة عليه فيلزمه ذلك، فلو كان بدوياً لا يجد في موضعه من يعلمه الكلمة فهل يلزمه المسير إلى بلدة أو قرية لتعلمها فيه وجهان:
أحدهما: لا بل له الاقتصار على الترجمة بدلاً كما لا يلزمه الانتقال ليتطهر بالماء ويجزئه التيمم بدلاً.
وأصحهما: نعم، لأنه قادر على السير والتعلم إذا تعلم عاد إلى موضعه، وانتفع بالكلمة طول عمره بخلاف التّيمم فإن استصحاب الماء للمستقبل لا يمكن، ومفارقة الموضع بالكلية قد يشق عليه، ويدل على الفرق بين الفصلين أن العادم في أول الوقت
الجزء: 1 - الصفحة: 474
يجوز له أن يتيمم ولا يلزمه التأخير ليصلي بالوضوء كما سبق، والجاهل بالكلمة لا يجوز له الاقتصار على الترجمة في أول الوقت إذا أمكنه التعلم والإتيان بها في آخر الوقت.
فإن قلت: وهل على العاجز قضاء الصلوات التي أتى بها بتكبير؟ فالجواب أما في الحالة الأولى فلا، لأن العبادة المختلة إذا قضيت فإنما تقضي بعد ارتفاع الخلل، وثم لا يتوقع ارتفاعه.
وأما في الحالة الثانية فإن ضاق الوقت أو كان بليدًا لا يمكنه التعلم إلا في يوم فصاعداً، لم يلزمه قضاء الصلوات المؤداة بالترجمة في الحال؛ لأنه معذور ولا تقصير منه.
ولو أخر التعلم مع القدرة فإذا ضاق وقت الصلاة فلا بد من أن يصلي بالترجمة لحرمة الوقت، وهاهنا يلزمه القضاء لتفريطه بالتأخير.
وفيه وجه آخر ضعيف.
قال الغزالي: وَسُنَنُ التَّكْبِيرِ ثَلاَثٌ: أَنْ يَرْفَعَ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ إلَى حَذوِ المَنْكِبَيْنِ فِي قَوْلٍ، وَإِلَى أَنْ تُحَاذِيَ رُءُوسُ الأَصَابِعِ أُذُنَيهِ فِي قَوْلٍ، وَإِلَى أَن تُحَاذِيَ أَطْرَافُ أَصَابِعِهِ أُذُنَيهِ، وَإبْهَامُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ، وَكَفَّاهُ مَنْكبَيْهِ فِي قَوْلٍ، ثُمَّ قِيلَ: يَرْفَعُ غَيْرَ مُكَبِّرٍ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ التَّكْبِيرَ عِنْدَ إِرْسَالِ اليَدِ، وَقِيلَ: يَبْتَدِيءُ الرَّفْعَ مَعَ التَّكْبِيرِ، وَقِيلَ يُكَبِّرُ وَيَدَاهُ قَارَّتَانِ بَعْدَ الرَّفْعِ وَقَبْلَ الإِرْسَالِ، ثُمَّ إذَا أَرْسَلَ يَدَيْهِ وَضَعَ اليُمْنَى عَلَى كُوعِ (ح) اليُسْرَى تَحْتَ صَدْرِهِ.
قال الرافعي: لما فرغ من ذكر ما يجب رعايته في التكبير عدل إلى بيان السنن وذكر منها ثلاثاً:
أحدها: رفع اليدين عند التكبير، وقد حكي في بعض نسخ الكتاب في قدر الرفع ثلاثة أقوال:
أحدها: أن يرفع يديه إلى حذو المنكبين.
والثاني: أن يرفعهما إلى أن تحاذي رؤُوس أصابِعِهِ أذنَيهِ.
والثالث: إلى أن تحاذي أطراف أصابعه أعلى أذنيه وإبهامه شحمتي أذنيه، وكفاه منكبيه، وليس في بعض النسخ إلا ذكر القول الأول والثاني، ويمكن أن يحتج للقول الأول بما روي عن ابن عمر -رضي الله عنه- أنه -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مِنْكَبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاَةَ" 198 وللقول الثاني، بما روي عن وائل بن حجر أنه -صلى الله عليه وسلم- "لَمْا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَذْوَ أُذُنَيْهِ" 199 وللثالث لاستعمال هذين الخبرين، ولما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "رَفَعَ يَدَيْه إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ" 200 واعرف في ما نقله شيئين:
الجزء: 1 - الصفحة: 475
أحدهما: أن المراد من القول الأول وهو الرفع إلى حذو المنكبين أن لا يجاوز بأصابعه منكبيه، هذا قد صرح به إمام الحرمين.
وقوله في حكاية القول الثاني: وإلى أن تحاذي برءوس أصابعه أذنيه كأنه يريد شحمة الأذنين وأسافلهما، وإلا فلو حاذت برءوس أصابعه أعلى الأذنين حصلت الهيئة المذكورة في القول الثالث وارتفع الفرق.
والثاني: أنه كالمنفرد بنقل الأقوال الثلاثة في المسألة أو بنقل القولين؛ لأن معظم الأصحاب لم ينقلوا فيه اختلاف قول بل اقتصر بعضهم على ما ذكره في المختصر أنه يرفع يديه إذا كبر حذو منكبيه، واقتصر آخرون على الكيفية المذكورة في القول الثالث، وبعضهم جعلها تفسيراً لكلامه في "المختصر" وللشافعي -رضي الله عنه- فيها حكاية مشهورة مع أبي ثور 201 والكرابيسي 202، حين قدم بغداد، ولم أر حكاية الخلاف في المسألة إلاَّ للقاضي ابن كج وإمام الحرمين لكنهما لم يذكرا إلا القول الأول والثالث، فظهر تفرده بما نقل من القولين أو الثلاثة وكلامه في "الوسيط" لا يصرح بهذا جميعاً، وكيف ما كان فظاهر المذهب الكيفية المذكورة في القول الثالث.
وأما أبو حنيفة فالذي رواه الطحاوي والكرخي: 203 أنه يرفع يديه حذو أذنيه.
وقال القدوري: يرفع بحيث يحاذي إبهامه شحمة أذنيه، وهذا يخالف القول الأول وذكر بعض أصحابنا منهم صاحب "التهذيب": أن مذهبه رفع اليدين بحيث تحاذي الكفان الأذنين، وهذا بخلاف القول الثالث، ذلك أن تعلمهما معاً بالحاء للروايتين، ولو كان المصلي مقطوع اليدين أو إحداهما من المعصم رفع السَّاعد، وإن كان القطع من المرفق رفع عظم العضد في أصح الوجهين تشبيهاً بالرافعين، ولو لم يقدر على رفعهما أو رفع أحداهما القدر المسنون، بل كان إذا رفع زاد أو نقص أتى بالممكن، فإن قدر عليهما جميعاً فالزيادة أولى:
الجزء: 1 - الصفحة: 476
الثانية: في وقت الرفع وجوه.
أحدها: أنه يرفع غير مكبر، ثم يبتدئ التكبير مع ابتداء الإرسال، وينهيه مع انتهائه: "رُوِيَ ذلِكَ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِي عَنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- 204 ".
وثانيها: أن يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير، ويروى ذلك عن وائل بن حُجْرٍ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- 205.
وثالثهما: أن يرفع ثم يكبر ويداه قارَّتان ثم يرسلهما فيكون التكبير بين الرفع والإرسال، ويروى ذلك عن ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- 206؛ وذكر في "التهذيب" أن هذا أصح لكن الأكثرين على ترجيح الوجه الثاني المنسوب إلى رواية وائل وهو أنه يبتدئ الرفع مع ابتداء التكبير واختلفوا على هذا في انتهائه، فمنهم من قال: يجعل انتهاء الرفع والتكبير معاً كما جعل ابتداؤهما معاً، ومنهم من قال: يجعل انتهاء التكبير والإرسال معاً وقال الأكثرون: الاستحباب في الانتهاء، فإن فرغ من التكبير قبل تمام الرفع أو بالعكس أتم الباقي، وإن فرغ منهما حط يديه ولم يستدم الرفع، ولو ترك رفع اليدين حتى أتى ببعض التكبير رفعهما في الباقي، وإن أتمه لم يرفع بعد ذلك.
الثالثة: يسن بعد التكبير وحط اليدين من رفعهما أن يضع اليمنى على اليسرى، خلافاً لمالك في إحدى الروايتين عنه حيث قال: يرسلهما.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "ثَلاَثٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينُ، تَعْجِيلُ الْفِطْرِ، وَتَأْخِيرُ السُّحُورِ، وَوَضْعُ اليُمْنَى عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلاَةِ" 207. ثم المستحب أن يأخذ بيمينه على
الجزء: 1 - الصفحة: 477
شماله بأن يقبض بكفه اليمنى كوع اليسرى وبعض الرسغ والساعد، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يضع كفه اليمنى على ظهر كفه اليسرى من غير أخذ كذلك رواه أصحابنا.
لَنَا مَا رُوِيَ عَنْ وَائِل أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم-: "كَبَّرَ ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ" 208.
ويروى عنه: "ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ والسَّاعِدِ" 209.
ويتخير بين بسط أصابع اليمنى في عرض المفصل وبين نشرها في صوب الساعد، ذكره القفال؛ لأن القبض باليمنى على اليسرى حاصل في الحالتين ثم يضع يده كما ذكرنا تحت صدره وفوق سرته خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يجعلهما تحت سرته، وبه قال أحمد في إحدى الروايتين، ويحكي عن أبي إسحاق المروزي من أصحابنا.
لنا: ما روي عن علي -رضي الله عنه- أنه فسر قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ 210 بوضع اليمين على الشمال تحت النحر.
ويروى: أن جبريل عليه السلام كذلك فسره للنبي -صلى الله عليه وسلم-.
إذا عرفت ذلك فأعلم قوله: (وضع اليمنى) بالميم وقوله: (على كوع اليسرى) بالحاء؛ لأنه يقول: يضع على ظهر كفه اليسرى دون الكوع.
وقوله: (تحت صدره) بالحاء والألف والواو، ولك أن تبحث عن لفظ الإرسال الذي أطلقه في هذه السنة والتي قبلها وتقول: كيف يفعل المصلي بعد رفع اليدين عند التكبير أيد لي يديه كما يفعله الشيعة في دوام القيام ثم يضمها إلى الصدر أم يحطها ويضمها إلى الصدر من غير أن يدليهما.
والجواب: أن المصنف ذكر في "الإحياء" أنه لا ينفض يديه يميناً وشمالاً إذا فرغ من التكبير، لكن يرسلهما إرسالاً خفيفاً رفيقاً ثم يستأنف وضع اليمين على الشمال.
قال: وفي بعض الأخبار أنه كان يرسل يديه إذا كبر فإذا أراد أن يقرأ وضع اليمنى على اليسرى فهذا ظاهر في أنه يدلي ثم يضمها إلى الصدر.
قال: صاحب "التهذيب" وغيره: المصلي بعد الفراغ من التكبير يجمع بين يديه، وهذا يشعر بالاحتمال الثاني، ونختم الفصل بكلامين:
أحدهما: أن لمضايق أن ينازع في عد هذا المندوب الثالث من سنن التكبير، ويقول: إنه واقع بعد التكبير مقارن لحال القيام، فكان عده من سنن القيام أولى، وكذلك فعل أبو سعد المتولي.
الجزء: 1 - الصفحة: 478
والثاني: أن ظاهر قوله: (وسنن التكبير ثلاث) حصر سننه فيها، وله مندوبات أخر.
منها: أن يكشف يديه عند الرفع للتكبير.
وأن يفرق بين أصابعه تفريقاً وسطاً.
وأن لا يقصر التكبير بحيث لا يفهم ولا يمططه، وهو أن يبالغ في مده بل يأتي به مبيناً، والأولى فيه الحذف لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "التَّكْبِيرُ جَزْم وَالتَّسْلِيمُ جَزْمٌ" 211؛ أي: لا يمد.
فيه وجه: أنه يستحب فيه المد، والأول هو ظاهر المذهب بخلاف تكبيرات الانتقالات، فإنه لو حذفها على باقي انتقاله عن الذكر إلى أن يصل إلى الركن الثاني، وهاهنا الأذكار مشروعة على الاتصال بالتكبير.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّانِي، القِيَامُ وَحَدُّهُ الانْتِصَابُ مَعَ الإقْلاَلِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإقْلاَلِ انْتَصَبَ مُتَّكِئاً، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الانْتِصَابِ قَامَ مُنْحَنِيًا، فإِنْ لَمْ يَقْدِرْ إلاَّ عَلَى حَدِّ الرَّاكِعِينَ قَعَدَ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ دُونَ القِيَامِ قَامَ (ح) وَأَوْمَأَ بِهِمَا.
قال الرافعي: القيام بعينه ليس ركنًا في مطلق الصلاة بخلاف التكبير والقراءة؛ لأن القعود في النقل جائز مع القدرة عى القيام فإذًا الركن هو القيام أو ما يقوم مقامه فيحسن أن لا يعد القيام بعينه ركناً بل يقال: الركن هو القيام أو ما في معناه.
وإذا عرفت ذلك فنقول: اعتبر في حد القيام أمرين: الانتصاب والإقلال؛ أما الإقلال: فالمراد منه أن يكون مستقلاً غير مستند ولا متكئ على جدار وغيره، وهذا الوصف قد اعتبره إمام الحرمين، وأبطل صلاة من اتكأ في صلاته من غير حاجة وضرورة، وإن كان منتصباً وتابعه المصنف عليه، وحكى صاحب "التهذيب" وغيره: أنه لو استند في قيامه إلى جدار أو إنسان صحت صلاته مع الكراهة.
قالوا: ولا فرق بين أن يكون استناده بحيث لو رفع السناد لسقط [وبين ألئلا يكون كذلك مهما كان منتصباً.
وفي بعض "التعاليق": أنه إن كان بحيث لو رفع السناد] 212
الجزء: 1 - الصفحة: 479
لسقط لم تجزه صلاته فيحصل من مجموع ذلك ثلاثة أوجه:
أحدها -وهو المذكور في الكتاب-: أنه لا يجوز الاتكاء عند القدرة بحال.
والثاني: الجواز ولعله أظهر؛ لأن المأمور به القيام ومن انتصب متكئاً فهو قائم.
والثالث: الفرق بين الحالتين، وهذا الكلام في الاتكاء الذي لا يسلب اسم القيام، أما لو اتكأ بحيث لو رفع قدميه عن الأرض لأمكنه فهذا معلق نفسه بشيء، وليس بقائم، ولو لم يقدر على الإقلال انتصب متكئاً فإن الانتصاب ميسور له إن كان الإقلال معسوراً، والميسور لا يسقط بالمعسور، وحكى في "التهذيب": وجهاً آخر، أنه لا يلزمه 213 القيام والحالة هذه بل له أن يصلي قاعدًا فليكن قوله: (انتصب متكئاً) مرقومًا بالواو لهذا الوجه، أما الانتصاب فلا يخل به إطراق الرأس وإنما يعتبر نصب الفقار، فليس للقادر عليه أن يقف مائلاً إلى اليمين أو اليسار زائلاً عن سنن القيام، ولا أن يقف منحنياً في حد الراكعين؛ لأنه مأمور بالقيام، ويصدق أن يقال؛ هذا راكع لا قائم، وإن لم يبلغ انحناؤه حد الركوع لكن كان أقرب إليه منه إلى الانتصاب فوجهان:
أظهرهما: أنه لا يجوز أيضاً هذا عند القدرة على الانتصاب، فأما إذا لم يقدر عليه بل تقوس ظهره لكبر أو زَمَانَة وصار في حد الراكعين، فقد قال في الكتاب: إنه يقعد؛ لأن حد الركوع يفارق حد القيام، فلا يتأدى هذا بذاك، وذكر إمام الحرمين مثل ما ذكره استنباطاً عن كلام الأئمة فقال: الذي دل عليه كلامهم أنه يقعد ولا يجزئه غيره، لكن الذي ذكره العراقيون من أصحابنا وتابعهم صاحب "التهذيب" و"التتمة": أنه لا يجوز له القعود، بل يجب عليه أن يقوم، فإذا أراد أن يركع زاد في الانحناء إن قدر عليه ليفارق الركوع القيام في الصورة، وهذا هو المذهب، فإن الواقف راكعًا أقرب إلى القيام من القعود فلا ينزل عن الدرجة القربى إلى البعدى، وقد حكى القاضي ابن كج: ذلك عن نص الشافعي -رضي الله عنه- 214 فيجب إعلام قوله: (قعد) بالواو، ومعرفة ما فيه ولو عجز عن الركوع والسجود دون القيام [لعلة بظهره تمنعه من الانحناء لزمه القيام خلافاً لأبي حنيفة.
لنا أنه مستطيع للقيام] 215 فيلزمه لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: لعمران بن الحصين: "صَلِّ قَائِماً فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِداً فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ" 216، ولأنه عجز
الجزء: 1 - الصفحة: 480
عن ركن فلا يسقط عنه غيره كما لو عجز عن القيام لا تسقط عنه القراءة، ثم إذا انتهى إلى الركوع والسجود يأتي بهما على حسب الطاقة فيحني صلبه بقدر الإمكان فإن لم يطق حنى رقبته ورأسه فإن احتاج فيه إلى الاعتماد على شيء أو إلى أن يميل على جنبه لزمه ذلك، فإن لم يطق الانحناء أصلاً أومأ بهما.
قال الغزالي: وَلَوْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَام قَعَدَ كَيْفَ شَاءَ، لَكِنَّ الإِقْعَاءَ مَكْرُوهٌ، وَهُوَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى وِرْكَيهِ وَينْصِبَ رُكْبَتَيْهِ، وَالافْتِرَاشُ أَفْضَلُ فِي قَوْلٍ، وَالتَّرَبُّعُ فِي قَوْلٍ، وَقِيلَ: يَنْصِبُ رُكْبَتَهُ الْيُمْنَى كَالقَارِئِ يَجْلِسُ بَيْنَ يَدَي المُقْرِئِ لِيُفَارِقَ جِلْسَةَ التَّشَهُّدِ.
قال الرافعي: إذا عجز عن القيام في صلاة الفرض عدل إلى القعود لما سبق في خبر عمران، ولا ينتقص ثوابه لمكان العذر، ولا يعني بالعجز عدم التأتي فحسب بل خوف الهلاك، وزيادة المرض، ولحوق المشقة الشديدة في معناه، ومن ذلك خوف الغرق، ودوران الرأس في حق راكب السفينة.
ولو جلس الغازون في مكمن فأدركتهم الصلاة، ولو قاموا لرآهم العدو وفسد التدبير فلهم أن يصلوا قعودًا لكن يلزمهم القضاء فإن هذا سبب نادر، وإذا قعد المعذور فلا يتعين للقعود هيئة بل يجزئه جميع هيئات القعود لإطلاق الخبر الذي تقدم لكن يكره الإقعاء، هذا في القعود وفي جميع قعدات الصلاة، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى أَنْ يُقْعِيَ الرَّجُلُ فِي صَلاَتِهِ" 217 ويروى أنه قال: "لاَ تُقْعُوا إِقْعَاءَ الْكِلاَبِ" 218 واختلفوا في تفسيره على ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الإقعاء أن يفترش رجليه ويضع أليتيه على عقبيه.
والثاني: أن يجعل يديه على الأرض ويقعد على أطراف أصابعه.
والثالث: وهو الذي ذكره في الكتاب أن الإقعاء: هو الجلوس على الوركين ونصب الفخذين والركبتين، وهذا أظهر؛ لأن الكلب هكذا يقعد، وبهذا فسره أبو عبيد لكن زاد فيه شيء آخر وهو وضع اليدين على الأرض، وما الأولى من هيئات القعود فيه قولان.
ووجهان أحد القولين: أن يقعد متربعاً لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "لَمَّا صَلَّى جَالِساً
الجزء: 1 - الصفحة: 481
تَرَبَّعَ" 219. ويروى هذا عن مالك وأحمد وأبي حنيفة ثم يركع متربعًا أو مفترشاً إذا أراد الركوع عن أبي حنيفة وأصحابه فيه اختلاف رواية.
وأصحهما: أنه يقعد مفترشاً؛ لأنه قعود لا يعقبه سلام فأشبه التشهد الأولى، وسيأتي معنى الافتراش في موضعه وتأويل الخبر: أنه ربما لم يمكنه الجلوس على هيئة الافتراش أو أراد تعليم الجواز وإلا فالتربع ضرب من التنعم لا يليق بحال العبادة، ويجري القولان فيما إذا قعد في النافلة.
وأما الوجهان:
فأحدهما: وقد ذكره في الكتاب: أنه ينصب ركبته اليمنى ويجلس على رجله اليسرى كالقارئ يجلس بين يدي المقرئ ولا يتربع لما ذكرنا، ولا يفترش لتفاوت هيئة الجلوس هاهنا هيئة الجلوس في التشهد، وهذا يحكى عن القاضي الحسين.
والوجه الثاني: حكى في "النهاية" أن بعض المصنفين ذكر أنه يتورك في هذا القعود، ويمكن أن يوجه هذا بأن مدة القيام طويلة وهذا القعود بدل عنه فاللائق به التورك كما في آخر الصلاة، وأما الافتراش فإنه يؤمر به عند الاستيفاز.
وإذا عرفت ما ذكرناه فلا يخفى عليك أن تفسير الإقعاء من لفظ الكتاب ينبغي أن يعلم بالواو، وقوله: (الافتراش أفضل) بالميم والألف والحاء، وكذلك ينصب ركبتيه اليمنى وقوله: "ليفارق جلسة التشهد" بعض التوجيه معناه لا يفترش لهذا المعنى ولا يتربع؛ لأنه هيئة تنعم، وأما هذه فهي لائقة بالتعظيم.
قال الغزالي: ثُمَّ إِنْ قَدَرَ القَاعِدُ عَلَى الإرْتفَاعِ إِلَى حَدِّ الرُّكُوعِ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فِي الرُّكُوعِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِر فَيَرْكَعُ قَاعِدًا إِلَى حَدٍّ تَكُونُ النِّسْبَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّجُودِ كَالنِّسْبَةِ بَيْنَهُمَا فِي حَالِ القِيَامِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ وَضْعِ الجَبْهَةِ انْحَنَى لِلسُّجُودِ، وَلْيَكُنِ السُّجُودُ أَخْفَضَ مِنْهُ لِلْرُّكُوعِ.
قال الرافعي: حكم المصنف بأن القاعد لو قدر على الارتفاع عند الركوع إلى حد الراكعين عن القيام لزمه ذلك، ذكره إمام الحرمين، ووجهه، بأن الركوع مقدور عليه فلا يسقط بالمعجوز عنه، وهذا الكلام تفرع منهما على أن من بلغ انحناؤه حد الركوع يقعد، فأما إذا فرعنا على أنه يقف كذلك وهو الأظهر على ما تقدم، فلا تجئ هذه المسألة إلا أن يفرض لحوق ضرر في الوقوف قدر القيام دون الوقوف قدر الركوع، فحينئذ يقعد لخوف الضرر لا بسبب الانحناء، ويرتفع عند الركوع وأما من لا يقدر على الارتفاع، فنتكلم في
الجزء: 1 - الصفحة: 482
ركوعه قاعداً ثم في سجوده، فأما في ركوعه فقد ذكر الأئمة فيه عبارتين:
إحداهما: أنه يعني حتى يصير بالإضافة إلى القاعد المنتصب كالرافع قائماً بالإضافة إلى القائم المنتصب فيعرف النسبة بين حالة الانتصاب وبين الركوع قائماً، ويقدر كان المائل من شخصه عند القعود هو قدر قامته فينحنى بمثل تلك النسبة.
والثانية -وهي المذكورة في الكتاب-: أنه ينحني إلى حد تكون النسبة بينه وبين السجود كالنسبة بينهما في حال القيام ومعناه أن أكمل الركوع عند القيام أن ينحني بحيث يستوي ظهره ورقبته ويمدهما، وحينئذ يحاذي جبهته موضع سجوده، وأقله: أن ينحني بحيث تنال راحتاه ركبتيه، وحينئذ يقابل وجهه أو بعض وجهه ما وراء ركبته من الأرض، ويبقى بين الموضع المقابل وبين موضع السجود مسافة، فيراعى هذه النسبة في حال القعود، فأقل ركوع القاعد أن ينحني قدر ما يحاذي وجهه وراء ركبته من الأرض، والأكمل أن ينحني بحيث تحاذي جبهته موضع سجوده ولا يخفى أنه لا منافاة بين العبارتين، وكل واحدة منهما مؤدية للغرض.
وأما السجود: فلا فرق فيه بينه وبين القادر على القيام، هذا إذا قدر القاعد على الركوع والسجود، فإن عجز لعلة بظهره أو غيرها أتى بالقدر الممكن من الانحناء.
ولو قدر على الركوع وعجز عن وضع الجبهة على الأرض للسجود فقد قال في الكتاب: إنه ينحني للسجود أخفض منه للركوع، ويجب هاهنا معرفة شيئين:
أحدهما: أن هذا الكلام غير مجرى على إطلاقه، ولكن للمسألة ثلاث صور أوردها صاحب "النهاية":
احداها: أن يقدر على الانحناء إلى حد أقل الركوع، أعني ركوع القاعدين، ولا يقدر على الزيادة عليه، فلا يجوز تقسيم المقدور عليه من الانحناء إلى الركوع والسجود بأن يصرف بعضه إلى الركوع وتمامه إلى السجود حتى يكون الانحناء للسجود أخفض، وذلك لأنه يتضمن ترك الركوع مع القدرة عليه، بل يأتي بالمقدور عليه مرة للركوع ومرة للسجود وإن استويا.
الثانية: أن يقدر على أكمل ركوع القاعدين من غير زيادة فله أن يأتي به مرتين، ولا يلزمه الاقتصار للركوع على حد الأقل حتى يظهر التفاوت بينه وبين السجود، فإن المنع من إتمام الركوع في حالة الركوع بعيد.
الثالثة: أن يقدر على أكمل الركوع وزيادة، فيجب هاهنا أن يقتصر على حد الكمال للركوع ويأتي بالزيادة للسجود؛ لأن الفرق بين الركوع والسجود واجب عند الإمكان وهو ممكن هاهنا.
قال إمام الحرمين: وليس هذا عرياً عن احتمال فليتأمل.
الجزء: 1 - الصفحة: 483
إذا عرفت ذلك تبين أنه لا يجب أن يكون الانحناء للسجود أخفض منه للركوع في الصورة الأولى ولا الثانية بل لو وجب إيماء وجب في الصورة الثالثة.
والثاني: أن ظاهر كلامه يقتضي الاكتفاء بجعله الانحناء للسجود أخفض منه للركوع [لقوله في الراكب المتنفل يومئ للركوع والسجود ويجعل السجود أخفض منه للركوع] 220 فإنه يكفيه ارتفاع التفاوت بينهما على ما تقدم، وليس الأمر على الظاهر هاهنا بل يلزمه مع جعل الانحناء للسجود، أخفض أن يقرب جبهته من الأرض أقصى ما يقدر عليه حتى قال الأصحاب: لو أمكنه أن يسجد على صدغه أو عظم رأسه الذي فوق الجبهة وعلم أنه إذا فعل ذلك كانت جبهته أقرب إلى الأرض يلزمه أن يسجد عليه، فإذا كان الأحسن أن يقول: يجعل السجود أخفض من الركوع ويقرب جبهته من الأرض بقدر الإمكان فيجمع بينهما وكذلك فعله في "الوسيط".
قال الغزالي: فَإِنْ عَجَزَ عَنِ القُعُودِ صَلَّى (ح) عَلَى جَنْبِهِ الأيْمَنِ (و) مُسْتَقْبِلاً بِمَقَادِيم (ح) بَدَنِهِ إِلَى القِبْلَةِ كالمَوْضُوعِ (و) فِي اللَّحْدِ، فَإِنْ عَجَزَ فَيُومِئُ (ح) بِالطَّرَفِ أَوْ يُجْرِي الأَفْعَالَ عَلَى قَلْبِهِ لِقَوْلهِ عليه السلام إِذَا أَمَرْتُكُم بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ 221.
قال الرافعي: ذكرنا أن العجز عن القيام يتحقق بتعذره وفي معناه ما إذا لحقه خوف ومشقة شديدة، وأما العجز عن القعود فهو معتبر به، ولم يفرق الجمهور بينهما.
وقال في "النهاية": لا أكتفي في ترك القعود بما اكتفى به في ترك القيام بل يشترط فيه عدم تصور القعود أو خيفة الهلاك أو المرض الطويل؛ إلحاقًا له بالمرض الذي يعدل بسببه إلى التّيمم.
إذا عرف ذلك فنقول: العاجز عن القعود كيف يصلي؟ فيه وجهان، ومنهم من قال: قولان:
أصحهما: أنه يضطجع على جنبه الأيمن مستقبلاً بوجهه مقدم بدنه القبلة كما يضجع الميت في اللَّحْدِ وبهذا قال أحمد، وهو المذكور في الكتاب، ووجهه قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث عمران: "فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ" 222 وعلى هذا لو اضطجع على جنبه الأيسر مستقبلاً جاز إلا أنه ترك سنة التيامن.
والثاني: أنه يستلقي على ظهره، ويجعل رجليه إلى القبلة، فإنه إذا رفع وسادته قليلاً كان وجهه إلى القبلة، وإذا أومأ بالركوع والسجود، كان إيماؤه في صوب القبلة، والمضطجع على الجنب إذا أومأ لا يكون إيماؤه في صوب القبلة، وبهذا قال أبو
الجزء: 1 - الصفحة: 484
حنيفة، وهذا الخلاف فيمن قدر على الاضطجاع والاستلقاء، أما إذا لم يقدر إلاَّ على إحدى الهيئتين أتى بها، وذكر إمام الحرمين أن هذا الخلاف ليس راجعًا إلى الأول بخلاف ما سبق من الكلام في هيئة القاعد، وإنما هو خلاف فيما يجب؛ لأن أمر الاستقبال يختلف به، وفي المسألة وجه ثالث ضعيف، أنه يضطجع على جنبه الأيمن وأخمصاه إلى القبلة، وإذا صلى على هذه الهيئة المذكورة؛ فإن قدر على الركوع والسجود أتى بهما، إلا أومأ بهما منحنياً، وقرب جبهته من الأرض بحسب الإمكان، وجعل السجود أخفض من الركوع، فإن عجز عن الإشارة بالرأس أومأ بطرفه، فإن لم يقدر على تحريك الأجفان أجرى أفعال الصلاة على قلبه، وإن اعتقل لسانه، أجرى القرآن والأذكار على قلبه، وما دام عاقلاً لا تسقط عنه الصلاة خلافاً لأبي حنيفة حيث قال، إذا عجز عن الإيماء بالرأس لا يصلي ولا يومئ بعينه ولا بقلبه، ثم يقضي بعد البرء، ولمالك حيث قال: لا يصلي ولا يقضي.
لنا ما روي عن علي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِماً فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى جَالِسًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ السُّجُودَ أَوْمَأَ، وَجَعَلَ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوع فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى عَلَى جَنْبهِ الأَيْمَنَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى عَلَى قَفَاهُ مُسْتَلْقِيًا وَجَعَلَ رِجْلَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ" 223.
وجه الاستدلال أنه قال: "أوْمَأَ بِطَرَفِهِ"، وفيه: دليل على أن العاجز عن القعود يصلي على جنبه الأيمن، فإن عجز حينئذ يستلقي، واحتج في الكتاب للترتيب المذكور لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعتُمْ "؛ ولا يتضح الاحتجاج به في هذا المقام، لأن هذا الخبر أمر بالإتيان بما يشتمل عليه المأمور عند العجز عن ذلك المأمور فأنه قال: "فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعتُمْ" والقعود المعدول إليه عند العجز لا يشتمل عليه القيام المأمور به حتى يكون مستطاعاً من المأمور به، وكذلك الاضطجاع لا يشتمل عليه القعود وإجراء الأفعال على القلب لا تشتمل عليه الأفعال المأمور بها، ألا ترى أنه إذا أتى بالأفعال ولم يحضرها في ذهنه حين ما يأتي بها أجزأته صلاته، فلا تكون هذه المسائل متناولة بالخبر.
ولنعد إلى أمور تتعلق بلفظ الكتاب قوله: (فإن عجز عن القعود صلى على جنبه الأيمن) كلمة (صلى) قد أعلم في النسخ بالخاء؛ لأن المصنف روى في "الوسيط": أن أبا حنيفة -رحمة الله عليه- قال: إذا عجز عن القعود سقطت الصلاة، لكن هذا النقل لا يكاد يلقى في كتبهم ولا في كتب أصحابنا، وإنما الثابت عن أبي حنيفة إسقاط الصلاة إذا عجز عن الإيماء بالرأس فإذاً موضع العلامة بالحاء.
قوله: (فيومئ بالطرف) وليعلم بالميم أيضاً لما قدمنا حكايته وبالواو أيضاً؛ لأن
الجزء: 1 - الصفحة: 485
صاحب "البيان" حكى عن بعض أصحابنا وجهاً مثل مذهب أبي حنيفة.
وقوله: (على جنبه الأيمن) ينبغي أن يرقم بالحاء؛ لأنه عند ذلك يستلقي على ظهره، وكذلك بالواو إشارة إلى الوجه الصائر إلى مثل مذهبه، وكذلك قوله: (مستقبلاً بمقاديم بدنه القبلة) بالواو إشارة إلى الوجه الثالث.
وقوله: (أو يجري الأفعال على قلبه) ليست كلمة (أو) للتخيير بل للترتيب.
واعلم: أن جميع ما ذكر من أول الركن إلى هذه الغاية من ترتيب المنازل والهيئات مفروض من الفرائض، فأما النوافل فسنذكر حكمها في الفرع الثالث.
قال الغزالي: فرُوعٌ ثَلاثَةٌ: الأَوَّلُ مَنْ بِهِ رَمَدٌ لاَ يَبْرَأَ إلاَّ بِالاضْطِجَاعِ، فَالأَقْيَسُ أَنْ يُصَلِّيَ مُضْطَجِعاً وَإِنْ قَدرَ عَلَى القِيَامِ، وَلَمْ تُرَخِّصْ عَائِشَةُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ لابْنِ عَباَّسٍ فِيهِ.
قال الرافعي: القادر على القيام إذا أصابه رمد وقال له طبيب يوثق بقوله: إن صليت مستلقياً أو مضطجعاً أمكن مداواتك وإلا خفت عليك العمى فهل له أن يستلقي أو يضطجع بهذا العذر؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال الشيخ أبو حامد: لا؛ لما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- لما وقع الماء في عينيه قال له الأطباء إن مكثت سبعاً لا تصلي إلا مستلقياً عالجناك، فسأل عائشة وأم سلمة وأبا هريرة وغيرهم من الصحابة -رضي الله عنهم- فلم يرخصوا له في ذلك فترك المعالجة، وكف بصره، ويروى هذا الوجه عن مالك.
وأظهرهما: وبه قال أبو حنيفة وأحمد: له ذلك كما يجوز له الإفطار في رمضان بهذا العذر، وكما يجوز ترك الوضوء والعدول إلى التيمم به كما يجوز ترك القيام لما فيه من المشقة الشديدة والمرض المضجر فلأن يجوز تركه لذهاب البصر كان أولى، ولو كانت المسألة بحالها وأمره الطبيب بالقعود فقد قال إمام الحرمين: الذي أراه أنه يجوز القعود بلا خلاف، وبنى هذا على ما حكيناه عنه في أنه يجوز ترك القيام بما لا يجوز به ترك القعود، قال: ولهذا فرض شيوخ الأصول الخلاف في المسألة في صورة الاضطجاع، وسكتوا عن صورة القعود والمفهوم من كلام غيره أنه لا فرق، -والله أعلم-.
قال الغزالي: الثَّانِي: مَهْمَا وَجَدَ القَاعِدُ خِفَّةً في أَثْنَاءِ الفَاتِحَةِ فَلْيُبَادِرْ إلَى الْقِيَامِ، وَلْيَتْرُكِ القِرَاءَةَ فِي النُّهُوضِ إِلَى أَنْ يَعْتَدِلَ، وَلَوْ مَرِضَ فِي قِيَامِهِ فَلْيَقْرَأ فِي هَوِيِّه، وَإِنْ خَفَّ بَعْدَ الفَاتِحَةِ لَزِمَ القِيَامُ دُونُ الطُّمَأْنِينَةِ لِيَهْوِيَ إلَى الرُّكُوعِ، فَإِنْ خَفَّ فِي الرُّكُوعِ قَبْلَ الطُّمَأْنِينَةِ كَفَاهُ أَنْ يَرْتَفِعَ مُنْحَنِياً إلَى حَدِّ الرَّاكِعِينَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 486
قال الرافعي: إذا عجز المصلي [في أثناء صلاته] 224 عن القيام قعد وبنى، وكذا لو كان يصلي قاعداً [فعجز عن القعود في أثناء صلاته يضطجع ويبني، ولو كان يصلي قاعداً] 225 فقدر على القيام في صلاته يقوم ويبني، وكذا لو كان يصلي مضطجعاً فقدر على القيام أو القعود يأتي بالمقدور عليه ويبني خلافاً لأبي حنيفة في هذه الصورة الأخيرة حيث قال: يستأنف.
لنا أنه قدر على الركن المعجوز عنه في صلاته فيعدل إليه ويبني كما لو صلى قاعداً فقدر على القيام.
إذا عرف ذلك فنقول تبدل الحال، إما أن يكون من النقصان إلى الكمال أو بالعكس.
القسم الأول: كما إذا وجد القاعد قدرة على القيام لخفه المرض ينظر فيه إن اتفق ذلك قبل القراءة قام وقرأ قائماً، فإن كان في أثناء القراءة فكذلك يقوم ويقرأ بقية الفاتحة في القيام، ويجب أن يترك القراءة في النهوض إلى أن ينتصب ويعتدل، فلو قرأ بعض الفاتحة في نهوضه لم يحسب، وعليه أن يعيده؛ لأن حالة النهوض دون حالة القيام وقد قدر على أن يقرأ في أكمل الحالتين، وإن قدر بعد القراءة وقبل الركوع فيلزمه القيام أيضاً ليهوي منه إلى الركوع، ولا يلزمه الطمأنينة في هذا القيام فإنه غير مقصود لنفسه وإنما الغرض منه الهَوِيّ إلى الركوع لا غير، ويستحب في هذه الأحوال إذا قام أن يعيد الفاتحة لتقع في حالة الكمال، ولو وجد المريض الخفة في ركوعه قاعداً نظر إن وجدها قبل الطمأنينة لزمه الارتفاع إلى حد الراكعين عن قيام، ولا يجوز له أن ينتصب قائماً ثم يركع؛ لأنه لو فعل ذلك لكان قد زاد ركوعاً وإن وجدها بعد الطمأنينة فقد تم ركوعه، ولا يلزمه الانتقال إلى ركوع القائمين؛ وفي لفظ الكتاب ما ينبه على افتراق هاتين الحالتين في وجوب الارتفاع إلى حد الراكعين عن قيام وإن لم يصرح بذكرهما؛ لأنه قيد الخفة في الركوع بما قبل الطمأنينة فيشعر بأنه لو خف بعد الطمأنينة كان الأمر بخلافه.
وقوله: (كفاه أن يرتفع) يفهم أن هذا الكافي لا بد منه وأنه يجب عليه الارتفاع منحنياً إلى حد الراكعين عن قيام، وهذا التفصيل ذكره إمام الحرمين هكذا بعد ما حكى عن الأصحاب أنهم قالوا: لا يجوز أن يرتفع راكعًا ولم ينصوا على أنه يجب ذلك.
واعلم: أنهم لم يفرقوا في جواز الارتفاع إلى حد الراكعين بين أن يخف قبل الطمأنينة وبعدها؛ لأنه لا بد له من القيام للاعتدال إما مستويًا أو منحنياً، فإذا ارتفع منحنياً فقد أتى بصورة ركوع القائمين في ارتفاعه الذي لا بد له منه فلم يمنع منه، بخلاف ما لو انتصب قائمًا ثم ركع فإنه زاد ما هو مستغن عنه فقلنا: ببطلان صلاته.
ولو خف المريض في الاعتدال عن الركوع قاعدًا فإن كان قبل أن يطمئن لزمه أن
الجزء: 1 - الصفحة: 487
يقوم للاعتدال ويطمئن فيه، بخلاف ما إذا خف بعد القراءة فقام ليهوي منه إلى الركوع حيث لا تجب الطمأنينة فيه لما سبق، وإن كان بعد الطمأنينة فهل يلزمه أن يقوم ليسجد عن قيام؟ حكى في "التهذيب" فيه وجهين: أحدهما: نعم كما يلزمه إذا خف بعد القراءة ليركع عن قيام.
وأظهرهما: لا؛ لأن الاعتدال ركن قصير فلا يعد زمانه، نعم لو اتفق ذلك في الركعة الثانية من صلاة الصبح قبل القنوت فليس له أن يقنت قاعدًا، ولو فعل بطلت صلاته بل يقوم ويقنت.
وأما القسم الثاني: وهو أن يتبدل حاله من الكمال إلى النقصان كما إذا مرض في صلاته فعجز عن القيام فيعدل فيه إلى المقدور عليه بحسب الإمكان، فإن اتفق في أثناء الفاتحة فيجب عليه إدامة القراءة في هوية؛ لأن حالة الهَوِيّ أعلى من حالة القعود.
قال الغزالي: الثَّالِثُ: القَادِرُ عَلَى القُعُودِ لاَ يَتَنَفَّلُ مُضْطَجِعاً عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ إِذْ لَيْسَ الاضْطِجَاعِ كالقُعُودِ فَإِنَّهُ يَمْحُو صُورَةَ الصَّلاَةِ.
قال الرافعي: النوافل، يجوز فعلها قاعدًا، مع القدرة على القيام، لكن الثواب يكون على النصف من ثواب القائم؛ لما روي عن عمران بن الحصين -رضي الله عنه- قال: "سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ صَلاَةِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَاعِدٌ فَقَالَ: مَنْ صَلَّى قَائِمًا، فَهُوَ أَفْضَلُ وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِماً فَلَهُ نِصْفُ أجْرِ الْقَاعِدِ" 226، ويروي "صلاة النائم على النصف من صلاة القاعد" 227 ولو تنفل مضطجعاً مع القدرة على القيام والقعود فهل يجوز؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لأن قوام الصلاة بالأفعال، فإذا اضطجع فقد ترك معظمها وانمحت صورتها بخلاف القعود، فإن صورة الصلاة تبقى منظومة معه.
وأصحهما: الجواز؛ لما روينا من الخبر، ثم المضطجع في صلاة الفرض إن قدر على الركوع والسجود يأتي بهما كما تقدم، وهاهنا الخلاف في جواز الاضطجاع جار في جواز الاقتصار على الإيماء؛ لكن الأظهر منع الاقتصار على الإيماء ثم قال الإمام: ما عندي أن من يجوّز الاضطجاع يجوِّز الاقتصار في الأركان الذكرية كالتشهد والتكبير وغيرهما على ذكر القلب، وبهذا يضعف الوجه الثاني من أصله، وإن ارتكبه من صار إليه كان طارداً للقياس لكنه يكون خارجاً عن الضبط مقتحماً، ولمن جوز الاضطجاع أن يقول: ما روينا من الخبر صريح في جواز الاضطجاع فليجز، ثم المضطجع وإن جوزنا
الجزء: 1 - الصفحة: 488
له الاقتصار على الإيماء في الركوع والسجود فلا يلزم من جواز الاقتصار على الإيماء في الأفعال جواز الاقتصار على ذكر القلب في الأذكار، فإن الأفعال أشق من الأذكار، فهي أولى بالمسامحة، ولا فرق في النوافل بين الرواتب وصلاة العيدين وغيرهما.
وقال القاضي ابن كج في "شرحه": صلاة العيدين والاستسقاء والخسوف لا يجوز فعلها عن قعود كصلاة الجنازة.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّالِثُ القِرَاءَةُ: وَدُعَاءُ الاسْتِفْتَاحِ بَعْدَ التَّكْبِيرِ مُسْتَحَبٌّ (م ح)، ثُمَّ التَّعَوُّذُ (م) بَعْدَهُ مِنْ غيْرِ جَهْرٍ (و)، وَفِي اسْتِحْبَابِ التَّعَوُّذِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَجْهَانٍ.
قال الرافعي: لركن القراءة سنتان سابقتان وأخريان لاحقتان، أما السابقتان فأولاهما: دعاء الاستفتاح، فيستحب للمصلي إذا كبر أن يستفتح بقوله: "وَجَّهْتُ وَجهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا مُسْلِماً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْركِينَ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ " خلافاً لمالك حيث قال: لا يستفتح بعد التكبير إلا بالفاتحة والدعاء، والتعوذ يقدمهما على التكبير، ولأبي حنيفة وأحمد حيث قال: يستفتح بقوله: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك".
لنا ما روي عن علي -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "إنَّهُ كَانَ إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلاةَ كَبَّرَ ثُمَّ قَالَ: وَجَّهْتُ وَجْهِيَ إلى آخره" 228 وقال في آخره: "وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ" لأنه -صلى الله عليه وسلم-، أول مسلمي هذه الأمة.
وروي أنه كان يقول بعده: "اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِر لِي ذُنُوبِي جَمِيعاً، إِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الأَخْلاَقِ، لاَ يَهْدِي لِأحْسَنِهَا إلاَّ أَنْتَ وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَهَا، لاَ يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، لاَ مَلْجَأَ وَلا مَنْجَى مِنْكَ إِلاَّ إِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ" 229. وروي بعد قوله: "وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ" (2). قال المزني: أي لا يضاف إليك على انفراده.
وقيل: أي لا يتقرب به إليك، والزيادة على ما ذكرنا أولاً نستحبها للمنفرد، والإمام إذا علم رضاء المأمومين بالتطويل.
الجزء: 1 - الصفحة: 489
إذا عرفت ذلك فأعلم قوله: (ودعاء الاستفتاح بعد التكبير مستِحب) بالميم، واللفظ لا يقتضي الإعلام بالحاء والألف، لأنهما يساعدان على أنه يستفتح قبل القراءة بشيء، وإنما يخالفان في أنه بم يستفتح وكل واحد من الذكرين، أعني "وجهت" و"سبحانك اللهم" يسمى دعاء الاستفتاح وثناءه، وليس في لفظ الكتاب تعرض للأول بعينه إلا أنه هو الذي أراده؛ فلذلك أعلم بهما أيضاً، ومن ترك دعاء الاستفتاح عمداً أو سهوًا حتى تعوذ أو شرع في الفاتحة لم يعد إليه ولم يتداركه في سائر الركعات، وفرع عليه ما لو أدرك الإمام المسبوق في التشهد الأخير فكبر وقعد فسلم الإمام كما يقعد يقوم، ولا يقرأ دعاء الاستفتاح؛ لفوات وقته بالقعود، ولو سلم الإمام قبل قعوده يقعد ويقرأ دعاء الاستفتاح، ولا فرق في دعاء الاستفتاح بين الفريضة وغيرها، وحكى بعض الأصحاب أن السنة في دعاء الاستفتاح أن يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك ... " إلى آخره، ثم يقول: "وجهت وجهي ... " إلى آخره، جمعاً بين الأخبار، ويحكى هذا عن أبي إسحاق المزوزي وأبي حامد وغيرهما.
الثانية: يستحب بعد دعاء الاستفتاح أن يتعوذ؛ خلافاً لمالك إلا في قيام رمضان.
لنا ما روي عن جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِم وغَيْرِهِ "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَتَعَوَّذُ فِي صَلاَتِهِ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ".
وصيغة التعوذ: "أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" ذكره الشافعي -رضي الله عنه- وورد في لفظ الخبر، وحكى القاضي الروياني عن بعضَ أصحابنا: أن الأحسن أن يقول: "أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ"، ولا شك أن كلا منهما جائز مؤدٍ للغرض، وكذا كل ما يشتمل على الاستعاذة بالله من الشيطان، وهل يجهر به؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه يستحب الجهرية في الصلاة الجهرية كالتسمية والتأمين.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أن المستحب فيه الإسرار في كل حال؛ لأنه ذكر مشروع بين التكبير والقراءة فيسن فيه الإسرار كدعاء الاستفتاح، وذكر الصيدلاني وطائفة من الأصحاب: أن الأول قول "القديم"، والثاني "الجديد"، وحكى في "البيان": القولين على وجه آخر، فقال أحد القولين: إنه يتخير بين الجهر والإسرار ولا يرجح.
والثاني: أنه يستحب فيه الجهر، ثم نقل عن أبي علي الطبري أنه يستحب الإسرار به، فيحصل في المسألة ثلاثة مذاهب.
ثم استحباب التعوذ يختص بالركعة الأولى أم لا؟ منهم من قال: لا، بل يسن في كل ركعة، إلا أنه في الركعة الأولى آكد، وحكوا ذلك عن نص الشافعي -رضي الله عنه-، أما أنه يستحب في كل ركعة، فلظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ 230 وقد وقع الفصل بين القراءتين، فأشبه ما لو قطع القراءة خارج الصلاة بشغل ثم عاد إليها يستحب له التعوذ.
الجزء: 1 - الصفحة: 490
وأما أن الاستحباب في الركعة الأولى آكد فلأن افتتاح قراءته في صلاته إنما يكون في الركعة الأولى، وقد اشتهر ذلك من فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم يشتهر في سائر الركعات، ومنهم من قال: فيه قولان:
أحدهما: الاستحباب، لما ذكرنا.
والثاني: لا يستحب في سائر الركعات، ويروى ذلك عن أبي حنيفة؛ كما لو سجد للتلاوة في قراءته ثم عاد إلى القراءة لا يعيد التعوذ، فكأن رابطة الصلاة تجعل الكل قراءة واحدة، وعلى هذا فلو تركه في الركعة الأولى عمداً أو سهوًا تدارك في الثانية بخلاف دعاء الاستفتاح، وسواء أثبتنا الخلاف في المسألة أم لا؟ فالأظهر أنه يستحب في كل ركعة، وبه قال القاضي أبو الطيب الطبري وإمام الحرمين والروياني وغيرهم، وبعضهم يروي في المسألة وجهين بدل القولين ومنهم إمام الحرمين والمصنف.
قال الغزالي: ثُمَّ الفَاتِحَةُ بَعْدَهُ متَعَيَّنَةٌ (ح) لاَ يَقُومُ (ح) تَرْجَمَتُهَا مَقَامَهَا، وَيسْتَوِي فِيه الإِمَامُ وَالمَأْمُومُ (ح) فِي السِّرِّيَّةِ وَالجَهْرِيَّةِ (ح) إِلاَّ فِي رَكْعَةِ المَسْبُوقِ، وَنَقَل المُزَنِيُّ سُقُوطَهَا عَنْ المَأْمُومِ فِي الجَهْرِيَّةِ.
قال الرافعي: للمصلي حالتان:
إحداهما: أن يقدر على قراءة الفاتحة.
والثانية: أن لا يقدر عليها، فأما في الحالة الأولى، فيتعين عليه قراءتها في القيام أو ما يقع بدلاً عنه، ولا يقوم مقامها شيء آخر من القرآن ولا ترجمتها، وبه قال مالك وأحمد، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: الفرض من القراءة آية من القرآن سواء كانت طويلة أو قصيرة، وبأي لسان قرأ جاز، وإن كان ترك الفاتحة مكروهًا والعدول إلى لسان آخر إساءة.
لنا ما روي عن عبادة بن الصامت أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" 231. ولا فرق في تعيين الفاتحة بين الإمام والمأموم في الصلاة السرية.
وفي الجهرية قولان:
أحدهما: إنها لا تجب على المأموم، وبه قال مالك وأحمد لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "انْصَرَفَ مِنْ صَلاَةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ فَقَالَ: هَلْ قَرَأَ مَعِيَ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ.
فَقَالَ: مَا لِيَ أُنَازعُ بِالقُرْآنِ فَانْتَهَى النَّاسُ عَن الْقِرَاءَةِ فِيمَا يَجْهَرُ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ" 232.
الجزء: 1 - الصفحة: 491
وأصحهما: أنه تجب عليه أيضاً؛ لما روي عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: "كُنَّا خَلْفَ رَسُولَ اللهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ- فِي صَلاَةِ الفَجْرِ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فرَغَ قَالَ: لَعَلَّكُم تَقْرَؤُنَ خَلْفِي، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: لاَ تَفْعَلُوا ذلِكَ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" 233.
وهذا القول يعرف "بالجديد"، ولم يسمعه المزني من الشافعي -رضي الله عنه- فنقله عن بعض أصحابنا عنه، يقال: إنه أراد الربيع، وأما القول الأول فقد نقله سماعاً عن الشافعي -رضي الله عنه- وقال أبو حنيفة: لا يقرأ المأموم لا في السرية ولا في الجهرية، وحكى القاضي ابن كج أن بعض أصحابنا قال به، وغلط فيه.
التفريع إن قلنا: لا يقرأ المأموم في الجهرية فلو كان أصم أو كان بعيداً لا يسمع قراءة الإمام فهل يقرأ؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، ولو جهر الإمام في صلاة السّر أو بالعكس، فالاعتبار بالكيفية المشروعة في الصلاة أم بفعل الإمام؟ فيه وجهان:
قال صاحب "التهذيب": أصحهما: أن الاعتبار بصفة الصلاة، وهذا ظاهر لفظ المصنف حيث قال: (سقوطها عن المأموم في الجهرية) والصلاة الجهرية إن أسر الإمام بها والذي ذكره المحاملي حكايةً عن نص الشافعي -رضي الله عنه- يقتضي الاعتبار بفعل الإمام وهو الموافق للوجه الأصح في المسألة المتقدمة، وهل يسن للمأموم على هذا القول أن يتعوذ؟ روى في "البيان" فيه وجهين:
أحدهما: لا، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه لا يقرأ.
والثاني: نعم؛ لأنه ذكر سوى فيشارك الإمام فيه، كما لو أسر بالفاتحة، وإذا قلنا: المأموم يقرأ فلا يجهر بحيث يغلب جاره ولكن يأتي بها سراً بحيث يسمع نفسه لو كان سميعاً، فإن ذلك أدنى القراءة، ويستحب للإمام على هذا القول أن يسكت بعد قراءة الفاتحة قدر ما يقرأ المأموم الفاتحة، ذكره في "التهذيب".
وإذا عدت إلى ألفاظ الكتاب عرفت أن قوله: (متعينة) وقوله: (لا تقوم ترجمتها مقامها) لم أعلم كل واحد منهما بالحاء.
= الحميدي والبيهقي وقوله: فانتهى الناس .. إلى آخره هو من كلام الزهري موقوفاً، قاله البخاري والذهبي وابن فارس وأبو داود والخطابي وابن حبان وغيرهم.
الجزء: 1 - الصفحة: 492
وقوله: (يستوي فيه الإمام والمأموم) ينبغي أن يعلم بالحاء، ثم إن كان المراد استواءهما في معنى الفاتحة فالحاء عليه، كهو على قوله: (متعينة) فإن أبا حنيفة لا يقول بتعينها على الإمام ولا على المأموم، فقوله يخالف قول القائل باستوائهما في تعينها عليهما؛ لأنه يقول باستوائهما في عدم تعينها عليهما، وأن المراد استواءهما في أصل ركن القراءة، فتكون الحاء إشارة إلى أن القراءة غير واجبة على المأموم أصلاً بخلاف الإمام، وليعلم هذا الموضع بالواو أيضاً للوجه الذي نقله القاضي ابن كج.
وقوله: (والجهرية) بالميم والألف، لما رويناه من مذهبهما.
وقوله: (إلا في ركعة المسبوق) إنما استثناهما؛ لأن من أدرك الإمام في الركوع كان مدركًا للركعة على ما سيأتي وإن لم يقرأ الفاتحة في تلك الركعة، ثم كيف يقول: أيتحمل الإمام عنه الفاتحة أم لا يجب عليه أصلاً؟ فيه مآخذان للأصحاب، وفي هذا الاستثناء إشارة إلى أن اشتمال الصلاة على القراءة في الجملة غير كافٍ، بل هي واجبة في كل ركعة من ركعات الصلاة خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: لا تجب القراءة في الفرائض إلا في ركعتين، فإن كانت الصلاة ذات ركعتين فذاك، وإن كانت أكثر من ركعتين فالواجب القراءة في ركعتين وفيما سواهما يتخير بين أن يقرأ أو يسبح أو يسكت، ولمالك حيث قال: تجب القراءة في معظم الركعات، ففي الثلاثية يقرأ في ركعتين، وفي الرباعية في ثلاث ركعات، ويروى هذا عن أحمد، والمشهور عنه مثل مذهبنا.
لنا ما روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ نَقْرَأَ فَاتِحَةَ الكِتَابِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ" 234.
وقوله: (ونقل المزني) أي سماعًا عن الشافعي -رضي الله عنه- وإلا فقد نقل القول الأول أيضاً عن غيره عن الشافعي كما ذكرنا، وهم جميعاً مذكوران في "المختصر".
قال الغزالي: ثُمَّ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ (ح م) مِنْهَا، وَهِيَ آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ إِمَّا مَعَ الآيَةِ الأُولَى أَوْ مُسْتَقَلَة بِنَفْسِهَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: التسمية آية من الفاتحة لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَقَرَأَ بِسْمِ
الجزء: 1 - الصفحة: 493
اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَعَدَّهَا آيَةَ مِنْهَا" 235.
وروي أنه قال: "إِذَا قَرَأتُم فَاتِحَةَ الْكِتَاب فَاقْرَؤُا بِسْم اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَإِنَّهَا أُمُّ الْقُرْآنِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَإِنَّ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ آيَةٌ مَنْهَا" 236.
وأما حكم التسمية في سائر السور سوى سورة "براءة" لأصحابنا فيه طريقان:
أحدهما: أن في كونها من القرآن في أول السور قولين:
أصحهما: أنها من القرآن؛ لأنها مثبتة في أوائلها بخط المصحف فتكون من القرآن كما في الفاتحة، ولو لم تكن كذلك لما أثبتوها بخط القرآن.
والثاني: أنها ليست من القرآن وأنما كتبت للفصل بين السورتين، لما روي عن ابن عباس قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لاَ يَعْرِفُ فَضْلَ السُّورَتَيْنِ حَتى يَنْزِلَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ" 237.
والطريقة الثانية: وهي الأصح: أنها مِن القرآن في أول سائر السور أيضاً بلا خلاف، وإنما الخلاف في أنها آية مستقلة منها أم هي مع صدر السورة آية، ولا يستبعد التردد في كونها آية أو بعض آية في أول سائر السور مع القطع بأنها آية من أول الفاتحة، ألاّ ترى أنهم اتفقوا على أنها بعض آية من "سورة النَّمْلِ" وأن "الحمد لله رب العالمين" آية تامة من الفاتحة، وهو بعض آية في قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعوَاهُم أَنِ الحَمدُ للهِ رَب العَالَمِينَ﴾ 238 فأحد القولين: أنها بعض الآية من سائر السور؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "سُوَرةٌ تَشْفَعُ لِقَارئهَا وَهِيَ ثَلاثُونَ آيَةٌ وَهِيَ الْمُلْكُ" 239.
وتلك السورة ثلاثون آية سوى التسمية؛ وأصحهما: أنها آية تامة كما في أول الفاتحة.
واعلم: أن جمهور أصحابنا لم ينقلوا الطريقتين جميعاً، بل اقتصر بعضهم على نقل الثانية، والأكثرون على نقل الأولى، لكن جمع بينهما الصيدلاني، وتابعه إمام الحرمين وغيره، هذا مذهبنا.
وقال مالك: ليست التسمية من القرآن إلا من سورة
الجزء: 1 - الصفحة: 494
النَّمْلِ، وهي أشهر الروايتين عن أبي حنيفة.
وقال بعض أصحابه: مذهبه: أنها آية في كل موضع أثبتت فيه، لكنها ليست من السورة.
وإذا عرفت ذلك فعندنا يجهر المصلي بالتسمية في الصلاة الجهرية في الفاتحة وفي السورة بعدها، خلافاً لمالك حيث قال: لا يقرأها أصلاً لا في الجهرية ولا في السرية، ولأبي حنيفة حيث قال: يسر بها، وبه قال أحمد، إلا أنه يوجب ذلك في كل ركعة؛ لأن التسمية عنده من الفاتحة، وأبو حنيفة لا يأمر بها إلا استحباباً، ويقال: إنه لا يأمر بها إلا في الركعة الأولى كالتعوذ.
لنا ما روي عن ابن عمر أنه قال: "صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَكَانُوا يَجْهَرُونَ بِالتَّسْمِيَةِ" 240.
وعن علي وابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ يَجْهَرُ بِهَا فِي الصَّلاَةِ بَيْنَ السُّورَتَيْنِ" 241.
وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب، فقوله: (آية منها) معلم بالميم والحاء، وكذا قوله: (في كل سورة) ولا يخفى أن المراد ما سوى براءة.
ويروى عن أحمد: أن التسمية حيث أثبتت آية وليست من السورة، ورأيت في "رءوس المسائل" لبعض أصحابه أنها ليست من الفاتحة، ولا من سائر السور، والمشهور عنه في كتب أصحابنا أنه يوافقنا في كونها من القرآن، وإنما يخالف في الجهر، فعلى المشهور لتكن الكلمتان معلمتين بالألف أيضاً.
وقوله: "وهي آية من كل سورة .... " [إلى آخره، فيه كلامان:
أحدهما: أن ظاهر قوله: (وهي آية من كل سورة) أنها آية] 242 مستقلة، لأنها إذا كانت مع صدر السورة آية، فلا تكون آية وإنما تكون بعض آية، وإذا كان كذلك فلا يحسن أن يرتب عليه التردد في أنها مستقلة أم لا، فإن الشيء الذي أثبتناه لا ينتظم من التردد فيه؛ ومعنى الكلام أنها من جملة السور معدودة من القرآن، وهل هي آية مستقلة؟ فيه الخلاف.
والثاني: أن لفظ الكتاب يمكن تنزيله على الطريقة الثانية بأن يجعل جازماً بأنها
الجزء: 1 - الصفحة: 495
من السورة وتردد الخلاف إلى أنها مستقلة أم لا؟ ويكون تقدير الكلام إما مع الآية الأولى على أحد القولين أو مستقلة بنفسها على أحد القولين، وهذا هو الذي أراده، ويمكن تنزيله على ذكر الخلاف الذي اشتمل عليه الطريقان جميعاً بأن يصرف قوله على أحد القولين إلى أول الكلام وهو قوله: (وهي آية من كل سورة).
والقول المقابل له أنها ليست من السور، ويجعل الترديد في قوله: "إما مع الآية الأولى أو مستقلة بنفسها" إشارة إلى الخلاف المذكور في الطريقة الثانية، تفريعاً على أنها من القرآن، وإذا انتظم التردد في أنها آية على استقلالها أم لا بعد القطع بأنها من القرآن ينتظم التردد بعد إثبات الخلاف تفريعاً على أنها من القرآن.
قال الغزالي: ثُمَّ كُلُّ حَرْفٍ وَتَشْدِيدٍ رُكْنٌ، وَفِي إِبْدَالِ الضَّادِ بِالظَّاءِ تَرَدُّدٌ.
قال الرافعي: لا شك أن فاتحة الكتاب عبارة عن هذه الكلمات، الكلمات المنظومة، والكلمات المنظومة مركبة من الحروف المعلومة، وإذاقال الشارع -صلى الله عليه وسلم- "لاَ صَلاةَ إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" 243 فقد وقف الصلاة على جملتها، والموقوف على أشياء مفقود عند فقد بعضها كما هو مفقود عند فقد كلها، فلو أخل بحرف منها لم تصح صلاته، ولو خفف حرفاً مشدداً فقد أخل بحرف؛ لأن المشدد حرفان مثلان، أولهما ساكن، فإذا خفف فقد أسقط أحدهما، ولو أبدل حرفًا بحرف فقد ترك الواجب، وهل يستثنى إبدال الضاد في قوله: ﴿غيرِ الْمَغضُوبِ عَلَيهِم وَلاَ الضَّالِينَ﴾ بالظاء؟ ذكروا فيه وجهين 244.
الجزء: 1 - الصفحة: 496
أحدهما: نعم، فيحتمل ذلك لقرب المخرج، وعسر التمييز بينهما.
وأصحهما: لا يستثنى، ولو أبدل كان كإبدال غيرهما من الحروف، وكما لا يحتمل [الإخلال بالحروف لا يحتمل] 245 اللحن المخل للمعنى كقوله: (أنعمت عليهم) (وإياك نعبد)، بل تبطل صلاته إن تعمد، ويعيد على الاستقامة إن لم يتعمد، ويسوغ القراءات السبع، وكذا القراءة الشاذة 246 إن لم يكن فيها تغيير معنى ولا زيادة حرف ولا نقصانه.
وقوله: (ثم كل حرف وتشديد ركن) يجوز أن يريد به أنه ركن [من الفاتحة، لأن ركن الشيء أحد الأمور التي يلتثم منها ذلك الشيء، ويجوز أن يريد به أنه ركن] 247 من الصلاة؛ لأن الفاتحة من أركان الصلاة وجزء الجزء جزء، والأول أصوب، لئلا تخرج أركان الصلاة عن الضبط.
قال الغزالي: ثُمَّ التَّرْتِيبُ فِيهَا شَرْطٌ، فَلَوْ قَرَأَ النِّصْفَ الأخَيرَ أَوَّلاً لَمْ يُجْزِهِ، وَلَوْ قَدَّمَ آخِرَ التَّشَهُدِ فَهُو كَقَوْلِهِ: عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ، وَالمُوَلاَةُ أَيْضًا شَرْطٌ بَيْنَ كَلِمَاتِهَا، فَلَوْ قَطَعَهَا بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ وَجَبَ الاسْتِئْنَافُ (و) وَكَذَا بِتَسْبِيحٍ يَسِيرٍ، إلاَّ مَا لَهُ سَبَبٌ فِي الصَّلاَةِ كَالتَّأمِينِ لِقِرَاءَةِ الإمَامِ، وَالسُّؤَالِ وَالاسْتِعَاذَةِ أَوْ سُجُودِ التِّلاَوَةِ عِنْدَ قِرَاءَةِ الإمَامِ آيَةَ سَجْدَةٍ أَوْ رَحمَةٍ أَوْ عَذَاب، فَإِنَّ الوَلاَءَ لاَ يَنْقَطِعُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَينِ، وَلَوْ تَرَكَ المُوَالاةَ نَاسِيًا فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، وَلَو طَوَّلَ رُكْنًا قَصِيرًا نَاسِيًا لَمْ يَضُرَّ.
قال الرافعي: الفصل يشتمل على جملتين مشروطتين في الفاتحة:
إحداهما: الترتيب فيجب رعايتها؛ لأن الإتيان بالنظم المعجز مقصودٍ، والنظم والترتيب هو مناط البلاغة والإعجاز، فلو قدم مؤخراً على متقدم نظر إن كان عامداً بطلت قراءته، وعليه الاستئناف، وإن كان ساهياً عاد إلى الموضع الذي أخل منه بالترتيب فقرأ منه.
قال الصيدلاني: إلا أن يطول فيستأنف، وعلى كل حال لا يعتد بالمؤخر الذي قدمه، وينبغي أن يحمل قوله: "فلو قدم النصف الأخير قبل الأول لم يجزه" على هذا؛ = ذلك فإن عاد إليه بعد ذلك أو كان عالماً به عُزر تعزيراً فظيعاً إلى أن ينتهي عن ذلك ويجب على كل مكلف قادر على الإنكار أن ينكر عليه فإن قرأ الفاتحة في الصلاة بالشاذ وذكر عبارة الروضة.
قال: وإذا قرأ بقراءة من السبع استحب أن يتم القراءة بها فهو قرأ بعض الآيات بها وبعضها بغيرها من السبع جاز بشرط أن لا يكون ما قرأه بالثانية مرتبطاً بالأول.
الجزء: 1 - الصفحة: 497
أي: لا يجزئه النصف الأخير، فأما النصف الأول فهل يجزئه ويبني عليه أم يلزمه الاستئناف؟ فيه التفصيل الذي ذكرناه.
ولو أخل بترتيب التشهد نظر إن غير تغيراً مبطلاً للمعنى، فليس ما جاء به محسوباً، وإن تعمده بطلت صلاته؛ لأنه أتى بكلام غير منظوم قصداً، وإن لم يبطل المعنى وكان كل واحد من المقدم والمؤخر مفيداً مفهوماً ففيه الطريقان المذكوران فيما إذا عكس لفظ السلام فقال: عليكم السلام، والأظهر الجواز؛ لأنه لا يتعلق بنظمة إعجاز.
وقوله: (ولو قدم آخر التشهد) يعني به هذه.
الحالة الثانية: وهي أن لا يغير المعنى، وإن كان اللفظ مطلقاً.
واعلم أن تغيير الترتيب على وجه يبطل المعنى كما يفرض في التشهد، يفرض في الفاتحة، فوجب أن يقال: ثم أيضاً إذا غير تغييراً مبطلاً للمعنى عمداً تبطل صلاته.
والثانية: الموالاة بين كلماتها، والاخلال بها على ضربين:
أحدهما: أن يكون الشخص عامداً فيه، فإن سكت في أثنائها نظر؛ إن طالت مدة السكوت وذلك بأن يشعر مثل ذلك السكوت بقطعه القراءة وإعراضه عنها، إما اختياراً أو لعائق فتبطل قراءته، ويلزمه الاستئناف، لأنه -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ يُوَالِي فِي قِرَاءَتِهِ، وَقَدْ قَالَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" 248.
وروى إمام الحرمين والمصنف في "الوسيط" وجهاً آخر عن العراقيين: إن ترك الموالاة بالسكوت الطويل عمداً لا يبطل القراءة؛ واعلم لهذا الوجه قوله: (وجب الاستئناف) بالواو، وإن قصرت مدة السكوت فلا يؤثر؛ لأن السكلوت [اليسير] 249 قد يكون لتنفس وسعال ونحوهما، فلا يشعر بقطع القراءة، ونظيره التفريق اليسير في الوضوء لا يؤثر وإن أوجبنا الموالاة فيه، وهذا إذا لم ينو مع السكوت قطع القراءة، فإن نواه والسكوت يسير ففيه وجهان -حكيا عن الحاوي-:
أحدهما: أنه لا تبطل القراءة أيضاً؛ لأن السكوت اليسير لا أثر له بمجرده، ولا للنية بمجردها، فلا يضر أنضمام أحدهما إلى الآخر.
وأصحهما: -وهو الذي ذكره المعظم-: أنها تبطل، ويجب الاستئناف لاقتران الفعل بنية القطع، وقد تؤثر النية مع الفعل فيما لا يؤثر فيه أحدهما؛ ألا ترى أن نية التعدي من المودع لا توجب كون الوديعة مضمونة عليه، وكذلك مجرد النقل من موضع إلى موضع، وإذا اقترنا صارت مضمونة عليه، وإنما لم تؤثر مجرد النية هاهنا بخلاف نية قطع
الجزء: 1 - الصفحة: 498
الصلاة فإنها تؤثر فيها؛ لأن النية ركن في الصلاة تجب إدامتها حكمًا إن لم تجب إدامتها حقيقة، ولا يمكن إدامتها حكماً مع نية القطع، فتبقى الأفعال بلا نية، [وقراءة الفاتحة لا تفتقر إلى نية خاصة فلا يؤثر فيها نية القطع] 250 فلو أتى بتسبيح أو تهليل في أثنائها، أو قرأ آية أخرى فيها بطلت الموالاة، قل ذلك أم أكثر؛ لأن الاشتغال بغيرها يغير النظم، ويوهم الإعراض عنها، وهذا فيما لا يؤمر به في الصلاة، أما ما يؤمر به وتتعلق به مصلحة الصلاة، كما إذا أَمَّنَ الإمام والمأموم في خلال الفاتحة فأمن معه، أو قرأ الإمام آية رحمة فسألها المأموم، أو آية عذاب فاستعاذ منه، أو آية سجدة فسجد المأموم معه، أو فتح على الإمام قراءته، ففي بطلان الموالاة في جميع ذلك وجهان:
أحدهما، وبه قال الشيخ أبو حامد: تبطل، كما لو فتح على غير إمامه أو أجاب المؤذن، أو عطس فحمد الله تعالى.
وأصحهما، وبه قال صاحب "الإفصاح" والقاضي أبو الطيب والقفال: لا تبطل صلاته، لأنه ندب إلى هذه الأمور في الصلاة لمصلحتها، فالاشتغال بها عند عروض أسبابها لا يجعل قادحاً، وهذا مفرع على استحباب هذه الأمور للمأموم وهو المشهور.
وفيه وجه آخر: لم يجروا هذا الخلاف في كل مندوب إليه، فإن الحمد عند العطاس مندوب إليه، وإن كان في الصلاة فهو قاطع للموالاة، ولكن في المندوبات التي تختص بالصلاة، وتعد من صلاحها.
وقوله: "إلاَّ ما له سبب في الصلاة" محمول على هذا، ولما كان السكوت مبطلاً للموالاة بشرط أن يكون طويلاً، وكان التسبيح ونحوه مبطلاً من غير هذا الشرط، قيد في لفظ الكتاب السكوت بالطويل، وجعل التسبيح يوصف كونه يسيراً مبطلاً للموالاة؛ تنبيهًا على الفرق بينهما، ثم لا يخفى أن ما يبطل قليله فكثيره أولى أن يبطل.
الضرب الثاني: أن يخل بالموالاة ناسياً، ونذكر أولاً مسألة وهي: أنه لو ترك الفاتحة ناسياً هل تجزئه صلاته؟ الجديد -وهو المذهب- أنه لا يعتد بتلك الركعة، بل إن تذكر بعدما ركع عاد إلى القيام وقرأ، وإن تذكر بعد القيام إلى الركعة الثانية صارت هذه الركعة أولاه ويلغي ما سبق، ووجهة الأخبار الدالة على اعتبار الفاتحة، والإلحاق بسائر الأركان.
وقال في "القديم" تجزئه صلاته تقليداً لعمر -رضي الله عنه- "فَإنَّهُ نَسِيَ الْقِرَاءَةَ فِي صَلاَةِ الْمَغْرِبِ فَقِيلَ لَه فِي ذلِكَ فَقَالَ: كَيفَ كَانَ الرُّكُوعُ وَالسجُودُ قَالُوا: كَانَ حَسَنًا
الجزء: 1 - الصفحة: 499
قَالَ: فَلاَ بَأْسَ" 251 وقد ذكرت ما قيل في الفرق بين الفاتحة وسائر الأركان، في فصل الترتيب في الوضوء.
إذا عرف ذلك فنقول: إن ترك الموالاة ناسياً، فالذي ذكره الجمهور ونقلوه عن نص الشافعي -رضي الله عنه-: إنه لا تنقطع الموالاة، وله أن يبني، وليس هذا تفريعاً على القول القديم في ترك الفاتحة ناسياً بل نقلوا ذلك مع القول بأنه إذا ترك الفاتحة ناسياً لم يعتد بالركعة، ومال إمام الحرمين، إلى أنه ينقطع الولاء بالنسيان إذا قلنا: النسيان ليس بعذر في ترك الفاتحة، حتى لا يجزئه ما أتى به، كما لو ترك الترتيب ناسياً، وتابعه الإمام الغزالي -رحمه الله- فجعل المسألة على التردد، واعترض إمام الحرمين -قدس الله روحه- على كلام الجمهور فقال: ترك الولاء إذا كان مما تختل به القراءة؛ فجريانه النسيان يجب أن يكون بمثابة ترك القراءة ناسياً حتى لا يعذر به، وللجمهور أن يقولوا: سلمت في هذا الاعتراض مقدمة مطلقة وهي أن ترك الولاء مما تختل به القراءة، وعندنا لا تختل به القراءة إلا عند التعمد، فإن قال: إذا اختلت به عند التعمد وجب أن تختل به عند النسيان، كما أن ترك القراءة من أصلها لا يفترق حكمه في الحالتين، فلهم أن يقولوا في الفرق: الموالاة هيئة من الكلمات تابعة لها، فإذا ترك القراءة فقد ترك التابع والمتبوع، وإذا ترك الموالاة فقد ترك التابع دون المتبوع، فلا يبعد أن يجعل النسيان عذرًا هاهنا ولا يجعل عذراً ثَم، ونظيره غسل الأعضاء في الوضوء، لا يحتمل تركها عمداً ولا سهواً، وترك الموالاة سهوًا يحتمل على الأظهر إن أوجبنا فيه الموالاة، وأما ما ذكره من ترك الترتيب ناسياً، فقد فرق الشيخ أبو محمد بينه وبين الموالاة؛ بأن أمر الموالاة أهون؛ ألا ترى أنه لو أخل المصلي بترتيب الأركان ناسياً فقدم السجود على الركوع لم يعتد بالسجود المقدم، ولو أخل بالموالاة بأن طَوَّلَ ركنًا قصيراً من الصلاة ناسياً لم يضر، واعتد بما أتى به، وكذلك لو ترك سجدة من الركعة الأولى أقيمت السجدة المأتي بها في الركعة الثانية مقامها وإن اختلت الموالاة؛ ولهذا يحتمل غير أفعال الصلاة في خلالها إذا كانت يسيرة كالخطوة وقتل الحية ونظائرهما، مع أنها تخل بصورة الموالاة، فلا يلزم من جعل النسيان عذرًا في أضعف المعتبرين جعله عذرًا في أقواهما، وقد حكى الإمام بعض هذا الفرق عن الشيخ، ولم يعترض عليه بأزيد مما سبق، وربما وجه النص المنقول في أن ترك الموالاة لا يضر بمسائل الموالاة ناسياً في الصلاة لتطويل الركن القصير ونحوه والله أعلم.
وينكشف لك من هذا الشرح ما هو السبب الداعي إلى إيراد المصنف مسألة
الجزء: 1 - الصفحة: 500
تطويل الركن القصير في خلال مسائل القراءة؟ ومن لم يعرف هذا السبب، ولم تكن فيه غباوة فإنه يتعجب من ذلك، وليس في لفظ الكتاب ما ينبه عليه، وأما تسميته كل واحد من الترتيب والموالاة شرطاً، والحروف والتشديدات أركاناً، فقد تقدم في باب الأذان ما يناظر ذلك والقول فيهما قريب.
قال الغزالي: أَمَّا العَاجِزُ فَلاَ يُجْزِئُهُ تَرْجَمَتُهُ (ح) بِخِلاَفِ التَّكْبِيرِ بَلْ يَأْتي بِسَبْعِ آيَاتٍ مِنَ القُرْآنِ مُتَوَالِيَةً لاَ تَنْقُصُ حُرُوفُهَا عَنْ حُرُوفِ الفَاتِحَةِ، فَإنْ لَمْ يُحْسِنْ فَمُتَفَرِّقَة، فإنْ لَمْ يُحْسِنْ فَيَأْتِى بِتَسْبِيحِ وَتَهْلِيل لاَ تَنْقُصُ حُرُوفُهُ عَنْ حُرُوفِ الفَاتِحَةِ.
قال الرافعي: ذكرنا أن للمصلي حالتين:
إحداهما: أن يقدر على قراءة الفاتحة، وما ذكرناه إلى الآن كلام فيها.
والثانية: أنه لا يقدر فيلزمه كسب القدرة عليها، إما بالتعلم أو التوصل إلى مصحف يقرأها منه، سواء قدر عليه بالشراء، أو الاستئجار، أو الاستعارة 252، فإن كان بالليل، أو كان في ظلمة فعليه تحصيل السراج أيضاً عند الإمكان، فلو امتنع من ذلك مع الإمكان فعليه إعادة كل صلاة صلاها إلى أن قدر على قراءتها.
وإذا تعذر التعلم عليه أو تأخر لضيق الوقت، أو بلادته وتعذرت القراءة من المصحف أيضاً.
فكيف يصلي؟ هذا غرض الفصل؛ وجملته أنه لا تجزئه الترجمة، وخلاف أبي حنيفة يعود هاهنا بطريق الأولى، ويخالف التكبير حيث يعدل العاجز إلى ترجمته لما قدمناه: إن نظم القرآن معجز وهو المقصود، فيراعي ما هو أقرب منه، وأما لفظ التكبير فليس بمعجز، ومعظم الفرض معناه فالترجمة أقرب إليه.
وإذا عرفت ذلك فينظر إن أحسن غير الفاتحة من القرآن فيجب عليه أن يقرأ سَبْعَ
الجزء: 1 - الصفحة: 501
آيات من غيرها، ولا يجوز له العدول إلى الذكر؛ لأن القرآن بالقرآن أشبه، ولا يجوز أن ينقص عدد الآيات المأتي بها عن السبع وإن كانت طويلة؛ لأن عدد الآي مَرْعيٌّ فيها، قال الله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ 253 "وَعَدَّهَا رَسُول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- سَبْعَ آيَاتٍ" فيراعي هذا العدد في بدلها، وهل يشترط مع ذلك ألئلا تنقص حروفها عن حروف الفاتحة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، ويكفي اعتبار الآيات كما لو فاته صوم يوم طويل يجوز قضاؤه في يوم قصير، ولا ينظر إلى الساعات.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه يشترط؛ لأنها معتبرة في الفاتحة، وقد أمكن اعتبارها في البدل فأشبهت الآيات.
وهذان الوجهان في جملة الفاتحة مع جملة البدل، فلا يمتنع أن يجعل آيتين بدلاً عن آية.
وفي وجه: يجب أن تعدل حروف كل آية بآية من الفاتحة على الترتيب، وينبغي أن تكون مثلها، أو أطول منها، ويحكي هذا عن الشيخ أبي محمد، ثم إن أحسن سبع آيات متوالية بالشرط المذكور لم يجز العدول إلى المتفرقة، فإن المتوالية أشبه بالفاتحة، وإن لم يحسنها أتى بها متفرقة.
واستدرك إمام الحرمين فقال: لو كانت الآيات المفردة لا تفيد معنى منظوماً إذا قرأت وحدها، كقوله: "ثُمَّ نَظَرَ" 254 فيظهر أن لا نأمره بقراءة هذه الآيات المتفرقة، ونجعله كمن لا يحسن شيئاً من القرآن أصلاً [وإن] 255 كان ما يحسنه من القرآن دون السبع كآية أو آيتين، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يجب عليه أن يكرر حتى يبلغ قدر الفاتحة.
وأصحهما: أنه يقرأ ما يحسنه، ويأتي بالذكر للباقي، هذا كله إذا أحسن شيئاً من القرآن 256. أما إذا لم يحسن، فيجب عليه أن يأتي بالذكر كالتسبيح والتهليل، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يلزمه الذكر ويقف ساكتاً بقدر القراءة، ولمالك حيث قال: لا يلزمه الذكر، ولا الوقوف بقدر القراءة.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُم إِلَى الصَّلاَةِ فَليَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ فَإِنْ كَانَ لاَ يُحْسِنُ شَيْئاً مِنَ الْقُرْآنِ فَلْيَحْمَد اللهَ وَلْيُكَبِّرْهُ".
الجزء: 1 - الصفحة: 502
وروي أن رجلاً جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "إنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ أَنْ آخَذَ شَيْئاً مِنَ الْقُرْآنِ، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِيني فِي صَلاَتِي، فَقَالَ: قُلْ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ للْهِ، وَلاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرَ، وَلاَ حَولَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ " 257 ثم هل يتعين شيء من الأذكار أم يتخير فيها؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن الكلمات المذكورة في الخبر الثاني متعينة لظاهر الأمر، وعلى هذا اختلفوا: منهم من قال: تكفيه هذه الكلمات الخمس؛ لأنه قال: "علمني ما يجزيني في صلاتي" والنبي -صلى الله عليه وسلم- علمه هذه الكلمات، وبهذا قال أبو علي الطبري والقاضي أبو الطيب، ومنهم من قال: يضم إليها كلمتين أخرتين حتى تصير سبعة أنواع، فيكون كل نوع بدلاً عن آية.
والمراد بالكلمات هاهنا أنواع: الذكر لا الألفاظ المفردة.
وأصحهما: أنه لا يتعين شيء من الأذكار، وبه قال أبو إسحاق المَرُوزي، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب؛ لأنه أطلق فقال: فيأتي بتسبيح وتهليل، وعلى هذا فتعرض الخبر للكلمات الخمس جرى على سبيل التمثيل، وهل يشترط أن لا تنقص حروف ما يأتى به عن حروف الفاتحة؟ فيه وجهان: كما ذكرنا فيما إذا أحسن غير الفاتحة من القرآن.
أصحهما -وهو المذكور في الكتاب- أنه يشرط، ثم قال إمام الحرمين: لا يرعى هاهنا إلا الحروف بخلاف ما إذا أحسن غير الفاتحة من القرآن، فإنه يراعي عدد الآيات، وفي الحروف الخلاف.
وقال في "التهذيب": يجب أن يأتي بسبعة أنواع من الذكر، ويقام كل نوع مقام آية، وهذا أقرب تشبيهاً لمقاطع الأنواع بغايات الآيات، وهل الأدعية المحضة كالأثنية؟ فيه تردد للشيخ أبي محمد.
قال إمام الحرمين: والأشبه أن ما يتعلق بأمور الآخر، يقوم دون ما يتعلق بالدنيا، ويشترط أن لا يقصد بالذكر المأتي به شيئاً آخر سوى البلدية، كما إذا استفتح أو تعوَّذَ على قصد إقامة سنتهما، ولكن لا يشترط قصد البدلية فيهما ولا في غيرهما من الأذكار في أظهر الوجهين، وإن لم يحسن شيئاً من القرآن والأذكار فعليه أن يقوم بقدر الفاتحة، ثم يركع، وكل ما ذكرناه فيما إذا لم يحسن الفاتحة أصلاً.
قال الغزالي: فَإِنْ لَمْ يُحْسِنِ النِّصْفَ الأَوَّلَ مِنْهَا أَتَى بِالذِّكْرِ بَدَلاً عَنْهُ، ثُمَّ يَأْتِي بِالنِّصْفِ الأَخِيرِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 503
قال الرافعي: أصل المسألة: أن من يحسن بعض الفاتحة دون بعض يكرره، أو يأتي به ويبدل الباقي؟ فيه وجهان: وقيل: قولان:
أحدهما: أنه يكرر ما يحسنه قدر الفاتحة، ولا يعدل إلى غيره؛ لأن بعضها أقرب إلى الباق من غيرها، فصار كما إذا أحسن غيرها من القرآن لا يعدل إلى الذكر.
وأصحهما: أنه يأتي به، ويبدل الباقي؛ لأن الشيء الواحد لا يكون أصلاً وبدلاً، ويدل عليه "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ ذلِكَ السَّائِلَ بِالْكَلِمَاتِ الْخَمْسِ"، ومنها: "الْحَمْدُ للهِ"، وهذه الكلمة من جملة الفاتحة، ولم يأمره بتكريرها، وهذا الخلاف فيما إذا كان يحسن للباقي بدلاً أما إذا لم يحسن إلا ذلك البعض فيكرره بلا خلاف.
إذا تقرر ذلك فلو أحسن النصف الثاني دون الأول فقد قال في الكتاب: يأتي بالذكر بدلاً عن النصف الأول، ثم يأتي بالنصف الثاني، وهذا جواب على الوجه الأصح، ويجب أن يقدم البدل للنصف الأول على قراءة النصف الثاني رعايةً للترتيب، كما يجب الترتيب في أركان الصلاة وفي كلمات الفاتحة.
وحكى في "التهذيب" وجهاً أنه لا يشترط الترتيب بين البدل والأصل، وكيف ما قرأ جاز.
وأما إذا فرعنا على الوجه الأول وهو أنه يكرر القدر الذي يحسنه، فلا يأتي في هذه الصورة للنصف الأول ببدل، بل يكرر النصف الأخير، وليعلم هذا الوجه قوله: (أتى بالذكر بدلاً عنه) بالواو، وكذا قوله: (ثم يأتي بالنصف الأخير)؛ لأن كلمة ثم للترتيب، وقد ذكرنا وجهاً أنه لا يجب الترتيب، ولو كان الأمر بالعكس فكأن يحسن النصف الأول دون الثاني، فعلى الوجه الأول: يكرره، وعلى الأصح، يأتي بالنصف الأول، ثم [يأتي] 258 بالذكر بدلاً عن الثاني.
قال الغزالي: فَإِنْ تَعَلَّمَ قَبْلَ قِرَاءَةِ البَدَلِ لَزِمَتْهُ قِرَاءَتُهَا، وإنْ كَانَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَلاَ، وإنْ كَانَ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَ الفَرَاغِ فَوَجْهَانِ.
قال الرافعي: جميع ما سبق فيما إذا استمر العجز عن القراءة في الصلاة، فأما إذا تعلم الفاتحة في أثنائها، أو لقنه إنسان، أو أحضر مصحف، وتمكن من القراءة منه فينظر، إن اتفق ذلك قبل الشروع في قراءة البدل، فعليه أن يقرأ الفاتحة، وإن كان في خلال قراءة البدل مثل أن أتى بنصف الأذكار ثم قدر على قراءة الفاتحة فعليه قراءة النصف الأخير، وفي الأول وجهان:
أحدهما: لا يجب، كما إذا شرع في صوم الشهرين، ثم قدر على الإعتاق، لا يلزمه العدول إلى الإعتاق.
الجزء: 1 - الصفحة: 504
وأظهرهما: يجب كما إذا وجد الماء قبل تمام التيمم يبطُل تيممه وإن كان ذلك بعد قراءة البدل، وبعد الركوع فلا يجوز الركوع، وقد مضت تلك الركعة على الصحة، وإن كان بعد القراءة وقبل الركوع فوجهان:
أحدهما: عليه قراءة الفاتحة؛ لأن محل القراءة باقٍ، وقد قدر عليها.
وأظهرهما: لا يجب؛ لأن البدل قد تم، وتأدى الفرض به، وأشبه ما لو أتى المكفر بالبدل ثم قدر على الأصل، أو صلى بالتيمم، ثم قدر على الوضوء، ويجوز أن يعلم قوله: "لزمه قراءتها" بالواو؛ لأن قوله: "قبل قراءة البدل" يتناول ما إذا لم يشرع في البدل أصلاً ما إذا شرع، لكن لم يتمه حتى تعلم الفاتحة، وقد ذكرنا في الصورة الثانية وجهين، ويجوز أن يعلم قوله: (فوجهان) في الصورة الأخيرة أيضاً؛ لأن صاحب "البيان" ذكر طريقًا آخر أنه لا يجب قراءة الفاتحة وجهاً واحداً.
قال الغزالي: ثُمَّ بَعْدَ الفَاتِحَةِ سُنَّتَانِ: (إِحْدَاهُمَا): التَّأْمِينُ مَعَ تَخْفِيفِ الميم مَمْدُودَة أَوْ مَقْصُورَةً، وَفِي جَهْرِ الإمَامِ بِهِ خِلاَفٌ، وَالأظْهَرُ الجَهْرُ، وَلْيؤَمِّنِ المَأْمُومُ مَعَ تَأْمِينِ الإمَامِ لاَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ.
قال الرافعي: بينا أن لركن القراءة سنتين لاحقتين، فاشتغل بذكرهما حين فرغ من أحكام الفاتحة.
إحداهما: التأمين، فيستحب لكُلِّ من قرأ الفاتحة خارج الصلاة، أو في الصلاة، أن يقول عقيب الفراغ منها: "آمين".
ثبت ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعنى الكلمة، ليكن كذلك، وفيها لغتان: القصر، والمد، والميم مخففة في الحالتين، وينبغي أن يفصل بينها وبين قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ بسكتة لطيفة؛ تمييزًا بين القرآن وغيره، ويستوي في اَستحبابها الإمام والمأموم والمنفرد، ويجهر بها الإمام والمنفرد في صلاة الجهر تبعاً للقراءة، وقد روي عن وائل بن حُجْر قال: "صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمَّا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾.
قَالَ: آمِينَ وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ" 259.
وأما المأموم فقد نقل عن القديم أنه يؤمن جهراً أيضاً، وعن الجديد أنه لا يجهر، واختلف الأصحاب فقال الأكثرون في المسألة قولان:
أحدهما: أنه لا يجهر [كما لا يجهر بالتكبيرات وإن كان الإمام يجهر بها].
وأصحهما: وبه قال أحمد: أنه يجهر] 260 لما روي عن عطاء قال: "كُنْتُ أَسْمَعُ
الجزء: 1 - الصفحة: 505
الأَئِمَّةَ، وَذَكَرَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَمَنْ بَعْدَهُ يَقُولُونَ: آمِينَ، وَيقُولُ مِنْ خَلْفِهِمْ: آمِينَ حَتَّى إِنَّ لِلْمَسْجِدِ لَضَجّةً" 261.
ويروى عن أبي هريرة قال: "كَانَ إِذَا أمَّنَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَمَّنَ مَنْ خَلْفَهُ حَتَّى كَانَ لِلْمَسْجِدِ ضَجَّةٌ" 262 ولأن المقتدي متابع للإمام في التأمين، فإنه إنما يؤمن لقراءته، فيتبعه في الجهر كما يتبعه في التأمين، ومنهم من أثبت قولين في المسألة ولكن لا على الإطلاق، بل فيما إذا لم يجهر الإمام، فيجهر المأموم ليتنبه الإمام وغيره، ومنهم من حمل النصين على حالين، فحيث قال: "لا يجهر المأمومون" أراد: ما إذا قل المقتدون، أو صغر المسجد وبلغ صوت الإمام القوم فيكفي إسماعه إياهم التأمين، كأصل القراءة، وإن أكثر القوم يجهرون حتى يبلغ الصوت الكل، والأحب أن يكون تأمين المأموم مع تأمين الإمام، لا قبله ولا بعده؛ لما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا أَمَّنَ الإمَامُ أَمَّنَتِ المَلاَئِكَةُ، فَأمِّنُوا فَإِنَّ كُلَّ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" 263. فإن لم يتفق ذلك أمن عقيب تأمينه.
وأما لفظ الكتاب: ذلك أن تعلم قوله: (التأمين) بالميم؛ لأنه روي عن مالك أنه لا يسن التأمين للمصلي أصلاً.
وعنه رواية أخرى أن الإمام لا يؤمن في الجهرية.
ورواية أخرى أن الإمام والمأموم يؤمنان، لكن يسران وهو مذهب أبي حنيفة، ولذلك أعلم قوله: (والأظهر الجهر) بعلامتهما، وقوله: (ممدودة، أو مقصورة) التأنيث على تقدير الكلمة، وقوله: (وفي جهر المأموم به خلاف) أي [في] 264 الصلاة الجهرية، وأما في السرية فالمحبوب الإسرار للمأموم وغيره بلا خلاف، ثم قوله: "يجوز أن يريد به قولين" جواباً على الطريقة المشهورة، ويجوز أن يريد به طريقين: وهما الأول والثالث، فقد ذكرهما في "الوسيط"، فإن كان الأول فقوله: (الأظهر الجهر) أي: من
الجزء: 1 - الصفحة: 506
القولين، وإن كان الثاني، فالمعنى والأظهر مما قيل في المسألة أنه يجهر.
قال الغزالي: (الثانِيَةُ): السُّورَةُ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ لِلْإمَامِ وَالمُنْفَرِدِ في رَكْعَتَيِ الصُّبْحِ وَالأَوَّليَّيْنِ مِنْ غَيْرِهِمَا، وَفِي الثَّالِثةَ وَالرَّابِعَةِ قَوْلاَنِ مَنْصُوصَانِ الجَدِيدُ: أَنَّهَا تُسْتَحَبُّ (ح) وَإنْ كَانَ العَمَلُ عَلَى القَدِيمِ، وَالمَأمُومُ لاَ يَقْرَأُ السُّورَةَ فِي الجَهْرِيةِ بَلْ يَسْتَمِعُ، فإنْ لَمْ يَبْلُغْهُ الصَّوْتُ فَيِ قِرَاءَتِهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: يسن للإمام والمنفرد قراءة سورة بعد الفاتحة في ركعتي الصبح، والأوليين من سائر الصلوات لما سيأتي، وأصل الاستحباب يتأدى بقراءة شيء من القرآن، لكن السورة أحب، حتى إن السورة القصيرة أولى من بعض سورة طويلة، وروى القاضي الروياني عن أحمد: أنه يجب عنده قراءة شيء من القرآن، وهل يسن قراءة السورة [في] 265 الثالثة من المغرب، وفي الثالثة والرابعة من الرباعيات فيه قولان: "الجديد": أنها تسن، لكن تجعل السورة فيهما أقصر؛ لما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلاَةِ الظُّهْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلاَثِينَ آيَةٍ وفِي الأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً، وَفِي الْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْن الأولَيَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةَ، وَفِي الأخْرَيَيْنِ قَدْرَ نِصْفِ ذلِكَ" 266 والقديم: به قال أبو حنيفة ومالك وأحمد: أنها لا تسن؛ لما روي عن أبي قتادة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهرِ في الأُوْلَيَيْنِ بأُمِّ الْكِتَاب وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ، وَيُسْمِعُنَا الآيةَ، وَيُطَوِّلُ في الرَّكْعَةِ الأولَى مَا لاَ يُطَوِّلُ فِي الثَّانِيَةِ" 267.
وهل يفضل الركعة الأولى على الثانية؟ فيه وجهان:
أحدهما: أظهرهما؛ لا، ويدل عليه حديث أبي سعيد.
والثاني: وبه قال الإمام السرخسي: نعم، ويدل عليه حديث أبي قتادة، ويجري الوجهان في الركعتين، الأخريين إن قلنا: تستحب فيهما السورة.
وقال أبو حنيفة: يستحب تفضيل الأولى على الثانية في الفجر خاصة، ويستحب أن يقرأ في الصبح بطوال المفصل "الحجرات"، نعم في الركعة الأولى من صبح يوم الجمعة يستحب قراءة "ألم" السجدة، وفي الثانية "هل أتى"، ويقرأ في الظهر بما يقرب من القراءة في الصبح، وفي العصر والعشاء بأوساط المفصل، وفي المغرب بقصاره، وأما المأموم فلا يقرأ السورة في الصلاة التي يجهر بها الإمام وهو يسمع صوته بل ينبغي
الجزء: 1 - الصفحة: 507
أن ينصت ويسمع، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ 268 ولهذا يستحب للإمام أن يسكت بعد الفاتحة قدر ما يقرأ فيه المأموم الفاتحة كيلا يفوته استماع الفاتحة ولا استماع السورة، وإن كانت الصلاة سرية أو جهرية والمأموم لا يسمع لبعد، أو صم، فوجهان:
أحدهما: أنه لا يقرأ؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا كُنْتُمْ خَلْفِي فَلاَ تَقْرَؤُا إِلاَّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ" 269.
وأصحهما: يقرأ كالمنفرد، وإنما لا يؤمر بالقراءة حيث يستمع؛ ليستمع، وأما الحديث فله سبب، "وهو أَنَّ أَعْرَابيًّا رَاسَلَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي قِرَاءَةِ الشَّمْسِ وَضُحَاهَا فَتَعَسَّرَت القِرَاءَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمَّا تَحَلَّلَ عَنْ صَلاَتِهِ قَالَ ذلِكَ"، ويستحب للقارئ في الصلاة وخارج الصلاة أن يسأل الرحمة إذا مر بآية رحمة، وأن يتعوذ إذا مر بآية عذاب، وأن يسبح إذا مر بآية تسبيح، وأن يتفكر إذا مر بآية مثل ذلك، وأن يقول: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ 270، ويقول: "آمنا باللهِ" إذا قرأ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ 271 والمأمَوم يفعل ذلك لقراءة الإمام.
وقوله في الكتاب: (فقولان: منصوصان) التصريح بكونهما منصوصين يعرف أنهما ليسا ولا واحد منهما مخرج، ولا يتوهم من ذلك أنه إذا أرسل ذكر القولين كان ثم تخريج، كما أن التعرض "للقديم" و"الجديد" يعرف تاريخ القولين، ولا يلزم من إرسال القولين أن يكون أحدهما قديمًا والآخر جديدًا.
وقوله: (وإن كان العمل على القديم) إشارة إلى ترجيح القول القديم، وبه أفتى الأكثرون، وجعلوا المسألة من المسائل التي يفتى فيها على القديم، ونازع الشيخ أبو حامد وطائفة فيه ورجحوا الجديد.
واعلم أن مسألة جهر المأموم بالتأمين في جملة تلك المسائل، إذا أثبتنا الخلاف فيها، كما تبين في الفصل السابق.
وقوله: (والمأموم لا يقرأ السورة في الجهرية ...) إلى آخره التعرض لحكم قراءته في الجهرية، وإهماله في السرية، فيه إشعار بأنه يقرأ في السرية، وهو الأظهر، كما بيناه، وإن لم يكن متفقاً عليه.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الرَّابعُ: الرُّكُوعُ وَأَقَلُّهُ أَنْ يَنْحَنِي بِحَيْثُ تَنَالُ رَاحَتَاهُ رُكْبَتَيْهِ
الجزء: 1 - الصفحة: 508
وَيطْمَئِنُّ (ح) بِحَيْثُ يَنْفَصِلُ هَوِيُّهُ عَنْ ارتِفَاعِهِ، وَلاَ يَجِبُ الذِّكْرُ.
قال الرافعي: تكلم في أقل الركوع، ثم في أكمله، أما أقله فقد ذكر فيه شيئين لا بد منهما:
أحدهما: أن ينحني بحيث تنال راحتاه ركبتيه، يقال إنه ورد في لفظ الخبر، ومعناه: أنه يصير بحيث لو أراد أن يضع راحتيه على ركبتيه لتمكن، وهذا عند اعتدال الخلقة وسلامة اليدين والركبتين، وفي لفظ الكتاب الانحناء إشارة إلى أنه لو انخنس وأخرج ركبتيه، وهو مائل منتصب لم يكن ذلك ركوعاً، وإن صار بحيث لو مد يديه لنالت راحتاه ركبتيه؛ لأن نيلهما ركبتيه لم يكن بالانحناء.
قال إمام الحرمين: ولو مزج الانحناء بهذه الهيئة، وكان التمكن من وضع الراحتين على الركبتين بهما جميعاً لم يعتد بما جاء به ركوعاً أيضاً، ثم إن لم يقدر على أن ينحني إلى الحد المذكور إلا بمعين، أو الاعتماد على شيء، أو بأن ينحني على شق لزمه ذلك، وإن لم يقدر انحنى القدر المقدور عليه، وإن عجز أومأ بطرفه عن قيام.
واعلم أن الذي ذكره في هذا الوضع هو حد ركوع القائمين، فأما إذا كان يصلي قاعداً صار حد أقل ركوعه وأكمله مذكورًا في فصل القيام.
والثاني: أن يطمئن، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا تجب الطمأنينة.
لنا ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: "أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاء، فَسَلَّمَ عَلَيهِ، فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ، ارْجِعْ فَصَلِّ فَإنَّكَ لَمْ تُصَلِّ.
فَرَجَعَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ؟ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: عَلِّمنِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَأَسْبغ الْوُضُوء ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَ رَاكِعًا" 272.
ومعنى الطمأنينة في الركوع: أن يصير حتى تستقر أعضاؤه في هيئة الركوع، وينفصل هويُّه عن ارتفاعه منه، فلو جاوز حد أقل الركوع وزاد في الهَوِيِّ، ثم ارتفع والحركات متصلة فلا طمأنينة، وزيادة الهوى لا تقوم مقام الطمأنينة، فهذا بيان الأمرين اللذين لا بد منهما.
وأما قوله: (ولا يجب الذكر) فالغرض من ذكره هاهنا بيان خروجه عن حد الأقل، خلافاً لأحمد، فإنه يحكى عنه إيجاب التسبيح في الركوع والسجود مرة واحدة، وكذلك إيجاب التكبير للركوع والسجود.
الجزء: 1 - الصفحة: 509
لنا: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ يَأْمُرِ المُسِئَ صَلاتَهُ بِالذِّكْرِ فِيهِمَا" 273 ويجوز أن يعد في حد الأقل 274، شيء آخر وهو أن لا يقصد بهويه غير الركوع.
لأن صاحب "التهذيب" وغيره ذكروا أنه لو قرأ في صلاته آية سجدة، فهوى ليسجد للتلاوة ثم بدا له بعد ما بلغ حد الراكعين أن يركع لم يعتد بذلك عن الركوع.
لأنه لم يقطع القيام لقصد الركوع.
بل يجب عليه أن يعود إلى القيام، ثم يركع وسيأتي لهذا نظائر.
ولك أن تعلم قوله: (بحيث تنال راحتاه ركبتيه) [بالحاء؛ لأن] 275 القاضي ابن كج حكى عن أبي حنيفة أنه لا يعتبر ذلك ويكتفي بأصل الانحناء.
قال الغزالي: وَأَكْمَلُهُ أَنْ يَنْحَنِي بِحَيْثُ يَسْتَوِي ظَهْرُهُ وَعُنُقُهُ، وَينْصِبَ رُكْبَتَيهِ وَيَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَيْهِمَا، وَيُجَافِي الرَّجُلُ مِرْفَقَيهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَلاَ يُجَاوِزُ فِي الانْحِنَاءِ الاسْتِوَاءَ، ويقُولُ: اللهُ أكْبَرُ رَافِعًا يَدَيْهِ عِنْدَ الْهَوِيَ مَمْدُوداً عَلَى قَوْلٍ، وَمَحْذُوفاً عَلَى قَوْلٍ كَيْلاَ يُغَيَّرَ المَعْنَى بالمَدِّ، وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ ثَلاَثاً، وَلاَ يَزِيدُ الإمَامُ عَلَى الثَّلاَثِ.
قال الرافعي: الكلام في أكمل الركوع يقع في جملتين:
إحداهما: في هيئته، وهي أن ينحني بحيث يستوي ظهره وعنقه، ويمدهما كالصفحة الواحدة، فلا تكون رأسه ورقبته أخفض من ظهره، ولا أعلى، يروى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يُسَوِّي ظَهرَهُ فِي الرُّكُوعِ بِحَيْثُ لَوْ صُبَّ المَاءُ عَلَى ظَهْرِهِ لاَسْتَمْسَكَ" 276.
وروى أنه -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنِ التَّذْبِيح فِي الصَّلاَةِ" 277. وفي رواية: "نَهَى أَنْ يُذَبِّحَ الرَّجُلُ فِي الرُّكُوعِ كَمَا يُذَبِّحُ الْحِمَارِ".
والتَّذْبِيحُ: أن يبسط ظهره ويطأطئ رأسه، فتكون رأسه أشد إنحطاطاً من إليتيه، وهذا اللفظ يذكر بالدال، والذال.
والأول أشهر، وينبغي للراكع أن ينصب ساقيه إلى الحقو، ولا يثني ركبتيه وهذا هو الذي أراده بقوله: (وينصب ركبتيه) ويستحب له وضع اليدين على الركبتين وأخذهما بهما، ويفرق بين أصابعه حينئذ ويوجههما نحو القبلة، روى أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يُمْسِكُ رَاحَتَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فِي الرُّكُوعِ كَالْقَابِضِ عَلَيْهِمَا".
الجزء: 1 - الصفحة: 510
ويفرج بين أصابعه، فإن كان أقطع أو كانت إحدى يديه عليلة، فعل بالأخرى ما ذكرنا، فإن لم يمكنه وضعهما على الركبتين أرسلهما.
وَيُجَافِي الرَّجُلُ مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيهِ، فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَفْعَلُ ذلِكَ 278. والمرأة لا تجافي فإنه أستر لها، والخنثى كالمرأة.
وأما قوله: (ولا يجاوز في الانحناء حد الاستواء) فالمراد منه استواء الظهر والرقبة، وفي قوله: أولاً: (وأكمله أن ينحني بحيث يستوي ظهره وعنقه) ما يفيد هذا الغرض، فإنا إذا عرفنا استحباب استواء الظهر والعنق، نعرف أنه لا ينبغي أن لا يجاوز الاستواء فإعادته ثانياً، إما أن تكون تأكيداً، أو يكون الغرض الإشارة إلى أن المجاوزة مكروهة، قضيته، النهي عن التذبيح، وعلى هذا فالإعادة لا تكون [إلا] لمحض التأكيد، إذ لا يلزم من استحباب الشيء أن يكون تركه منهيًا عنه مكروهًا، وعلى كل حال، فلو ذكر قوله: (ولا يجاوز) متصلاً بالكلام الأول، لكان أحسن.
الجملة الثانية في الذكر المستحب.
ويستحب أن يكبر للركوع؛ لما روي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ، وَرَفْعٍ، وَقِيَامٍ، وَقُعُودٍ" 279 ويبتدئ به في ابتداء الهَوِيَّ، وهل يمده؟ فيه قولان:
و"القديم": وبه قال أبو حنيفة: لا يمده بل يحذف؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "التَّكْبِيرُ جَزْمٌ" 280 أي: لا يمد؛ ولأنه لو حاول المد لم يأمن أن يجعل المد على غير موضعه؛ فيغير المعنى مثل أن يجعله على الهمزة فيصير استفهاماً.
و"الجديد": أنه يمده إلى تمام الهَوِيِّ حتى لا يخلو جزء من صلاته عن الذِّكْر، والقولان جاريان في جميع تكبيرات الانتقالات، هل يمدها من الركن المنتقل عنه إلى أن يحصل في المنتقل إليه ويرفع يديه إذا ابتدأ التكبير؟ خلافاً لأبي حنيفة.
لنا ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكَبَيْهِ، إِذَا كَبَّرَ، وَإِذَا رَكَعَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ " 281.
ويستحب أن يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثاً [وذلك أدنى درجات
الجزء: 1 - الصفحة: 511
الكمال، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَقَالَ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيم ثَلاَثاً] 282 فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ وَذَلِكَ أَدْنَاهُ، فَإذَا سَجَدَ فَقَالَ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى ثَلاَثاً فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ 283.
واستحب بعضهم أن يضيف إليه "وبحمده" قال: إنه ورد في بعض الأخبار.
والأفضل أن يضيف إليه: "اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَلَكَ خَشَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي، وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي وَشَعْرِي وَبَشَرِي، وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي لِلَّهِ رب العالمين" 284 فقد روى ذلك في الخبر، وهو أتم الكمال، وحكى عن "الحاوي" أن أتم الكمال.
من سبع تسبيحات إلى إحدى عشرة، وأوسطه: ثم الزائد على أدنى الكمال من سبع تسبيحات إلى إحدى عشرة، وأوسطه خمس.
أدنى الكمال إنما يستحب للمنفرد، أما الإمام فلا يزيد على التسبيحات الثلاث؛ كيلا يطول على القوم.
وقال القاضي الروياني في "الحلية": لا يزيد على خمس تسبيحات وذكره غيره أيضاً.
فليكن قوله: (ولا يزيد الإمام على الثلاث) معلماً بالواو، واستحباب التخفيف للإمام فيما إذا لم يرض القوم بالتطويل، أما إذا كان الحاضرون لا يزيدون، ورضوا بالتطويل، فيستوفئ أتم الكمال، ويكره قراءة القرآن في الركوع والسجود.
قال الغزالي: ثُمَّ يَعْتَدِلُ عَنْ رُكُوعِهِ، وَيطْمَئِنُّ (ح) وَيسْتَحَبُّ رَفْعُ اليَدَيْنِ إلَى المَنْكَبَيْنِ، ثُمَّ يَخْفِضُ يَدَيْهِ بَعْدَ الاعْتِدَالِ، وَيَقُولُ عِنْدَ رَفعِهِ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، يَسْتَوِي (ح) فِيهِ الإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ.
قال الرافعي: الاعتدال ركن في الصلاة لكنه غير مقصود في نفسه ولذلك عد ركناً قصيراً، فمن حيث إنه ركن عده في ترجمة الأركان في أول الباب، ومن حيث إنه ليس مقصوداً في نفسه جعله هاهنا تابعاً للركوع، وأوردهما في فصل واحد، وهكذا فعل، بالجلسة بين السجدتين.
وقال أبو حنيفة: لا يجب الاعتدال، وله أن ينحط من الركوع ساجداً.
وعن مالك روايتان:
الجزء: 1 - الصفحة: 512
إحداهما: كمذهبنا.
والأخرى كمذهب أبي حنيفة.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال للمسئ صلاته: "ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِماً" 285.
ولو كان يصلي قاعداً لمرض فيعود إلى القعود بعد الركوع وبالجملة، فالاعتدال الواجب أن يعود بعد الركوع إلى الهيئة التي كان عليها قبل الركوع، فلو ركع عن قيام وسقط في ركوعه نظر، إن لم يطمئن في ركوعه فعليه أن يعود إلى الركوع، ويعتدل منه، وإن اطمأن فيعتدل قائماً، ويسجد منه.
ولو رفع الراكع رأسه، ثم سجد، وشك في أنه هل أتم اعتداله؟ وجب عليه أن يعتدل قائماً، ويعيد السجود، وتجب الطمأنينة في الاعتدال كما تجب في الركوع.
وقال في "النهاية": في قلبي من الطمأنينة في الاعتدال شيء؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث المسيء صلاته ذكر الطمأنينة في الركوع، والسجود، ولم يذكرها في الاعتدال والقعدة بين السجدتين، فقال: "ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ جَالِساً" 286.
قال: وفي كلام الأصحاب ما يقتضي التردد فيها، والمنقول هو الأول ويستحب عند الاعتدال رفع اليدين إلى حذو المنكبين، فإذا اعتدل قائماً حطهما.
وقال أبو حنيفة: لا يرفع.
لنا ما روي عن ابنَ عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكَبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلاةَ، وإذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوع، وإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذلِكَ، وَقَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ" 287.
ويستحب أن يقول عند الارتفاع: "سمع الله لمن حمده" ويكون ابتداؤه برفع الرأس من الركوع، ورفع اليدين، والتسميع دفعة واحدة، فإذا استوى قائماً، قال: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدَ، وروينا في خبر ابن عمر: "وَلَكَ الْحَمْدُ" 288.
والروايتان معاً صحيحتان ويستوي في الذكرين الإمام والمأموم والمنفرد، خلافاً لمالك وأبي حنيفة، حيث قالا: "لا يزيد الإمام على سمع الله لمن حمده، ولا المأموم على ربنا ولك الحمد".
وأما المنفرد فقد روى صاحب "التهذيب" عنهما: أنه يجمع بين الذكرين، ثم روى مثل مذهبهما عن أحمد.
والأشهر عن أحمد: أنه يجمع الإمام والمنفرد بينهما، ولا يزيد المأموم على:
الجزء: 1 - الصفحة: 513
ربنا ولك الحمد، ويستحب أن يزاد فيه ما روي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ من الرُّكُوعِ قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ، وَملْءَ الأرْضِ، وَمَلْءَ مَا شِئْتَ مِنَ شَيْءٍ بَعْدُ" 289. وعن علي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول مع ذلك: "أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالمَجْدِ أحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، كُلُّنَا لَكَ عَبْدُ، لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ" 290.
والإمام لا يأتي بهذه الزيادة الأخيرة 291.
ولنتكلم فيما يتعلق بلفظ الكتاب، قوله: (ثم يعتدل عن ركوعه ويطمئن، إشارة منه إلى واجب الاعتدال، ولذلك قال عقيبة: (ويستحب رفع اليدين) ليمتاز واجبه عن مسنونه.
واعلم أن واجب الاعتدال لا ينحصر في الأمرين المذكورين، بل له واجب ثالث: وهو أن لا يقصد بالارتفاع شيئاً آخر، حتى لو رأى حية في ركوعه فاعتدل؛ فزعاً منها، لم يعتد به، وواجب رابع: وهو أن لا يطوله، فلو طوله عمداً بذكر أو قراءة بطلت صلاته على الأصح؛ لأنه ركن قصير، وسيأتي الكلام فيه من بعد في باب سجود السهو.
إن شاء الله تعالى.
وقوله: (ويستحب رفع اليدين إلى المنكبين ويجوز أن يعلم لفظ (إلى المنكبين) بالواو؛ لأن رفع اليدين في الاعتدال، وفي الركوع مثل رفعهما في حالة التحرم، وقد سبق، ثم ذكر الخلاف في أنه يرفع إلى المنكبين، أو يزيد، فيعود ذلك الخلاف هاهنا، وقوله: (ويقول عند رفعه: سمع الله لمن حمده) ويجوز أن يكون المعنى عند رفعه رأسه من الركوع، ويجوز أن يكون المعنى عند رفع اليدين؛ لأن المستحب في الرفعين المقارنة، فما يقارن هذا يقارن ذلك، أيضاً، وظاهر الكلام يوهم أن يكون قوله: "سمع الله لمن حمده"، وقوله: "ربنا لك الحمد" عند الرفع، لكن المستحب أن يكون الأول في حال الرفع، والثاني بعد أن يعتدل قائماً، كما بيناه، ولك أن تعلم قوله: (عند الرفع)
الجزء: 1 - الصفحة: 514
بالواو؛ ولأن القاضي ابن كج ذكر أنه يبتدئ بقوله: سمع الله لمن حمده وهو راكع، ثم إذا ابتدأ به أخذ في رفع الرأس واليدين.
وقوله: (يستوي فيه الإمام والمنفرد) معلم بالحاء والميم، وعلى رواية صاحب "التهذيب" بالألف أيضاً.
قال الغزالي: وَيُسْتَحَبُّ (ح) القُنُوت فِي الصُّبْحِ، وَإِنْ نَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ وَرَأَى الإِمَامُ القُنُوتَ فِي سَائِرِ الصْلَوَاتِ فَقَوْلاَنِ، ثُمَّ الْجَهْرُ بِالقُنُوتِ مَشْرُوعٌ عَلَى الظَّاهِرِ، وَالمَأْمُومُ يُؤَمِّنُ فَإِنْ لَمْ يُسْمَعُ صَوْتَهُ قَنَتَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: لما كان القنوت مشروعاً في حال الاعتدال ذكره متصلاً بالكلام في الاعتدال وأذكاره.
واَعلم أن القنوت يشرع في صلاتين.
إحداهما: من النوافل، وهي الوتر في النصَف الأخير من رمضان، وسيأتي في "باب النوافل".
والثانية: من الفرائض؛ وهي الصبح، فيستحب القنوت فيها في الركعة الثانية، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يستحب.
وعن أحمد: أن القنوت للأئمة يدعون للجيوش، فإن ذهب إليه ذاهب فلا بأس.
لنا ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "قَنَتَ شَهْراً، يَدْعُوَ عَلَى قَاتِلِي أَصْحَابِهِ بِبِئْرِ مَعُونَةَ، ثُمَّ تَرَكَهُ" 292. "فَأمَّا فِي الصُّبْح فَلَمْ يَزَل يَقْنُتْ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا"، وَرُوِيَ ذلِكَ عَنْ خُلَفَائِهِ الأَرْبَعَةِ.
-رضوان الله عليهم- أجمعين 293. ومحله بعد الرفع من الركوع، خلافاً لمالك
الجزء: 1 - الصفحة: 515
حيث قال: يقنت قبل الركوع.
لنا ما روي عن ابن عباس، وأبي هريرة وأنس -رضي الله عنهم-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَنَتَ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ مِنَ الرُّكُوعِ فِي الرَّكعَةِ الأَخِيرَةِ" والقنوت أن يقول: "اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ تُقْضِي وَلاَ يَقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لاَ يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ" 294 هذا القدر يروى عن الحسن بن علي -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- علمه 295، والإمام لا يخص نفسه، بل يذكر بلفظ الجمع، وزاد العلماء: "وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ" 296 قبل: "تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ" وبعده: "فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا قَضَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ" 297 ولم يستحسن القاضي أبو الطيب كلمة: "وَلاَ يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ"، وقال: لا تضاف العداوة إلى الله تعالى.
قال سائر الأصحاب: ليس ذلك ببعيد، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ 298. وهل يسن فيه الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن أخبار القنوت لم ترد بها.
وأظهرهما: وبه قال الشيخ أبو محمد: نعم؛ لأنه روي في حديث الحسن: أنه قال -صلى الله عليه وسلم-: "تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ، وَصَلَّى اللَّهَ عَلَى النَّبِيَّ وَسَلَّمْ 299، وأيضاً، فقد قال الله
الجزء: 1 - الصفحة: 516
تعالى: "وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ" 300. قال المفسرون: أي: لا أذكر إلا وتذكر معي 301.
إذا عرفت ذلك فقوله: (ويستحب القنوت في الصبح) ينبغي أن يعلم بالحاء والألف؛ لما ذكرناه، ويجوز أن يعلم بالواو أيضاً؛ لأن أبا الفضل ابن عبدان، حكى عن أبي علي بن أبي هريرة أنه قال: المستحب ترك القنوت في صلاة الصبح إذ صار شعار قوم من المبتدعة، إذا الاشتغال به تعريض النفس للتهمة، وهذا غريب وضعيف.
وهل تتعين كلمات القنوت؟ فيه وجهان:
أحدهما: وهو الذي ذكره المصنف في "الوسيط"؛ نعم كالتشهد.
وأظهرهما: عند الأكثرين: لا.
بخلاف التشهد؛ لأنه فرض، أو من جنس الفرض، وعلى هذا قالوا: لو قنت بما روي عن عمر -رضي الله عنه- كان حسناً، وسنذكره في باب النوافل -إن شاء الله تعالى-، وأما ما عدا الصبح من الفرائض، فقال: معظم الأصحاب: إن نزلت بالمسلمين نازلة من وباء، أو قحط، فيقنت فيها أيضاً، في الاعتدال عن ركوع الركعة الأخيرة، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث بئر معونة على ما سبق، وإن لم تنزل نازلة، ففيه قولان:
أصحها: لا يقنت؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- ترك القنوت فيها.
والثاني: أنه يتخير إن شاء قنت، وإلا فلا.
وعن الشيخ أبي محمد: أنه قلب هذا الترتيب، فقال: إن لم تكن نازلة فلا قنوت إلا في الصبح، وإن كانت نازلة فعلى قولين: وجه المنع القياس على سائر أركان = على النبي محمد، وقال النووي في شرح المهذب إنها زيادة بسند صحيح أو حسن قلت: وليس كذلك فإنه منقطع، فإن عبد الله بن علي وهو ابن الحسين بن علي لم يلحق الحسن بن علي، وقد اختلف على موسى بن عقبة في إسناده، فروى عنه شيخ ابن وهب هكذا، ورواه محمد بن أبي جعفر بن أبي كثير عن موسى بن عقبة عن أبي إسحاق عن بريد عن بن أبي مريم بسنده، رواه الطبراني والحاكم ورواه أيضاً الحاكم من حديث إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة عن الحسن بن علي قال: علمني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في وتري إذا رفعت رأسي ولم يبق إلا السجود فقال: اختلف فيه على موسى بن عقبة كما ترى، وتفرد يحيى بن عبد الله بن سالم عنه بقوله عن عبد الله بن علي وبزيادة الصلاة فيه.
الجزء: 1 - الصفحة: 517
الصلاة، وركعاتها، لا يراد فيها الدعاء بنزول النوازل، وهذه الطريقة الثانية هي التي أوردها في الكتاب، فإنه خص القولين بما إذا نزلت نازلة إشعاراً بأنها إذا لم تنزل فلا قنوت في غير الصبح بحال.
وينبغي أن يعلم قوله: (فقولان) بالواو؛ لأن أصحاب الطريقة الأولى قالوا: يقنت عند نزول النازلة، ونفوا الخلاف فيه.
وأما قوله: "ورأى الإمام القنوت في سائر الصلوات" فليس على معنى إن جواز القنوت فيها للناس موقوف على رأي الإمام وإذنه، بل من أراد القنوت جاز له ذلك، وكأنه أراد إمام القوم إذا صَلُّوا جماعة، فقال: إن رأى قنت: والقوم يتبعونه كما في الصبح، وإن أراد ترك، ولا بد للمقتدين من الترك أيضاً.
وفيه إشارة إلى أنه لا يستحب القنوت في غير الصبح بحال، وإنما الكلام في الجواز، فحيث يجوز فالأمر فيه إلى اختيار المصلي، وهذا قضية كلام أكثر الأئمة، ومنهم من يشعر إيراده بالاستحباب، -والله أعلم-.
ثم الإمام في صلاة الصبح هل يجهر بالقنوت؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا كالتشهد، وسائر الدعوات المشروعة في الصلاة.
وأظهرهما: أنه يجهر؛ "لَأَنَّهُ رُوِيَ الْجَهْرُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-" 302.
وقوله: (على الظاهر) أي: من هذين الوجهين:
وقوله: (مشروع) أي: بصفة الاستحباب، وليس المراد مجرد الجواز، ولفظ الكتاب وإن كان مطلقاً فالوجهان في الإمام.
أما المنفرد فيسر به كسائر الأذكار والدعوات، وذكره في "التهذيب"، وأما المأموم فالقول فيه مبني على الوجهين في الإمام إن قلنا لا يجهر الإمام به فيقنت المأموم، كما يقنت الإمام قياساً على سائر الأذكار، وإن قلنا: يجهر الإمام به، فإن كان المأموم يسمع صوته فوجهان:
أصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه يؤمن، ولا يقنت، لما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَقْنُتُ، وَنَحْنُ نؤَمِّنُ خَلْفَهُ".
والثاني: ذكره ابن الصباغ: أنه يتخير بين أن يؤمن، وبين أن يقنت معه، فعلى الأول فيما إذا يؤمن فيه وجهان، حكاهما القاضي الروياني وغيره، أوفقهما لظاهر لفظ الكتاب أنه يُؤَمِّن في الكل.
الجزء: 1 - الصفحة: 518
وأظهرهما: أنه يُؤَمِّنُ في القدر الذي هو دعاء، أما في الثناء فيشاركه، أو يسكت وإن كان لا يسمع صوت الإمام؛ لبعد؛ وغيره.
وقلنا: إنه لو سمح لأمن، فهاهنا وجهان: أحدهما: يقنت.
والثاني: يُؤَمِّن كالوجهين في قراءة السورة، إذا كان لا يسمع صوت الإمام، وإنما لم يجر الخلاف على قولنا الإمام يسر بالقنوت مع جريانه في قراءة السورة في الصلاة السرية؛ لأن السورة على الجملة مجهور بها، والقنوت إذا لم ير الجهرية ينزل منزلة سائر الأذكار، فيشارك المأموم الإمام فيه لا محالة، فهذا حكم الجهر بالقنوت في الصبح، وأما في سائر الصلوات إذا قنت فيها فإيراده في "الوسيط" يشعر بأنه يسر في السريات، وفي الجهريات الخلاف المذكور في الصبح، وإطلاق غيره يقتضي طرد الخلاف في الكل، وحديث (بئر معونة) يدل على أنه كان يجهر به في جميع الصلوات 303، وهل يسن رفع اليدين في القنوت؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا دَعَوْتَ فَادْعُ بِبُطُونِ كَفَّيْكَ، فَإِذَا فَرَغْتَ فَامْسَحَ رَاحَتَيْكَ عَلَى وَجْهِكَ" 304.
وقد روى الرفع في القنوت عن ابن مسعود، بل عن عمر وعثمان -رضي الله عنهم- وهو اختيار أبي زيد، والشيخ أبي محمد، وابن الصباغ، وهو الذي ذكره في "الوسيط".
وأظهرهما: عند صاحبي "المهذب" و"التهذيب": أنه لا يرفع لما روي عن أنس - رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لَمْ يَكُنْ يَرْفَعْ الْيَدَ إلاَّ فِي ثَلاثَةِ مَوَاطِنَ، الإسْتِسْقَاءِ، وَالإِسْتِنْصَارِ، وَعَشِيَّةَ عَرَفَةَ" 305 وهذا اختيار القفال، وإليه ميل إمام الحرمين، فَإِنْ قلنا: لا
الجزء: 1 - الصفحة: 519
يرفع فذاك، وإن قلنا: يرفع فوجهان.
في أنه هل يمسح بهما وجهه؟ قال في "التهذيب".
أصحهما: أنه لا يمسح.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الخَامِسُ: السُّجُودُ وَأَقَلُّهُ وَضْعُ الْجَبْهَةِ عَلَى الأَرْضِ مَكْشُوفَةً بِقَدْر مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسْمُ، وَفِي وَضْعِ اليَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالقَدَمَيْنِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ أوْجَبْنَا وَضْعَ اليَدَيْنِ فَفِي كَشْفِهِمَا قَوْلاَنِ، وَكَشْفُ الْجَبْهَةِ وَاجِبٌ وَلَوْ سَجَدَ عَلَى طُرَّتِهِ (ح) أَوْ كُورِ عِمَامَتِهِ (ح) أَوْ طَرَفِ كُمِّهِ المُتَحَرِّكِ بحَرَكتِهِ لَمْ يَجُزْ (ح)، وَالتَّنَكُّسُ وَاجِبٌ فِي السُّجُودِ، وَهُوَ اسْتِعْلاَءُ الأَسَافِلِ، وَلَوْ تَعَذَّرَ التَّنَكُّسُ لِمَرَضٍ وَجَبَ وضْعُ وِسَادَةٍ لِوَضْعِ الجَبْهَةِ علَيْهَا فِي أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: الكلام في السجود في الأقل والأكمل.
أما الأقل فهذا الفصل يتكفل ببيانه، وفيه مسائل:
أحدها: فيما يجب وضعه على مكان السجود، ولا بد من وضع الجبهة؛ خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: الجبهة والأنف يجزئ وضع كل واحد منهما عن الآخر، ولا تتعين الجبهة.
لنا ما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنَ الأَرْضِ، وَلاَ تَنْقُرْ نَقْراً" 306.
ولا يجب وضع جميع الجبهة على الأرض، بل يكفي 307 ما يقع عليه الاسم منها.
وذكر القاضي ابن كج: أن أبا الحسين بن القطان حكى وجهاً أنه لا يكفي وضع البعض لظاهر خبر ابن عمر، والمذهب الأول؛ لما روى عن جابر -رضي الله عنه- قال: "رَأَيْتُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- سَجَدَ بِأعْلَى جَبْهَتِهِ عَلَى قِصَاصِ الشَّعْرِ" 308.
ولا يجزئ وضع الجبين عن وضع الجبهة، وهما جانبا الجبهة، وهل يجب وضع اليدين والركبتين والقدمين على مكان السجود؟ فيه قولان:
أحدهما: وبه قال أحمد: يجب، وهو اختيار الشيخ أبي علي؛ لما روي عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أُمِرْتَ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُم
الجزء: 1 - الصفحة: 520
عَلَى الْجَبْهَةِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ" 309 ويروى: "عَلَى سَبعَةِ آرَابٍ" 310.
وأظهرهما: لا يجب، وبه قال أبو حنيفة، ويروى عن مالك أيضاً؛ لأنه لو وجب وضعها لوجب الإيماء بها عند العجز، وتقريبها من الأرض كالجبهة، فإن قلنا: يجب فيكفي وضع جزء من كل واحد منها، والاعتبار في اليدين بباطن الكف، وفي الرجلين ببطون الأصابع، وإن قلنا: لا يجب فيعتمد على ما شاء منها، فيرفع ما شاء، ولا يمكنه أن يسجد مع رفع الجميع 311، هذا هو الغالب، أو المقطوع به، ولا يجب وضع الأنف على الأرض في السجود، خلافاً لأحمد، في إحدى الروايتين، حيث قال: يجب وضعه مع الجبهة.
لنا ما سبق من حديث جابر -رضي الله عنه-، ومعلوم أن من سجد بأعلى الجبهة لا يكون أنفه على الأرض.
الثانية: يجب كشف الجبهة في السجود؛ لما روي عن خباب قال: "شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حَرَّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِنَا، وَأَكُفِّنَا فَلَمْ يُشْكِنَا 312 -أَيْ: لَمْ يُزِلْ شَكْوَانَا"-.
ولا يجب كشف الجميع، بل يكفي ما يقع عليه الاسم كما في الوضع، ويجب أن يكون المكشوف من الموضوع على الأرض، فلو كشف شيئاً، ووضع غيره لم يجز، وإنما يحصل الكشف إذا لم يكن بينه وبين موضع السجود حائل متصل به يرتفع بارتفاعه، فلو سجد على طرته، أو كور عمامته لم يجز؛ لأنه لم يباشر بجبهته موضع السجود.
وقال أبو حنيفة: يجوز السجود على كور العمامة وعلى الناصية، والكُمّ، وعلى اليد أيضاً إذا لم تكن مرفوعةً عن الأرض بحيث لا يبقى اسم السجود، وعن أحمد روايتان، كالمذهبين.
واختلف نقل أصحابنا عن مالك.
لنا حديث خباب، وأيضاً فقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْزَقْ جَبْهَتَكَ بِالأَرْضِ".
ولو سجد على طرف كُمِّهِ، أو ذيله نظر: إن كان يتحرك بحركته قياماً وقعوداً لم يجز ككور العمامة، وإن طال وكان لا يتحرك بحركته فلا بأس؛ لأنه في حكم المنفصل عنه، فأشبه ما لو سجد على ذيل غيره، وإذا أوجبنا وضع الركبتين والقدمين فلا نوجب كشفهما، أما الركبتان فلأنهما من العورة أو متصلان بالعورة، فلا يليق بتعظيم الصلاة كشفهما، وأما القدمان فلأنه قد يكون ماسحاً على الخف، وفي كشفهما إبطال لطهارة
الجزء: 1 - الصفحة: 521
المسح، وتفويت تلك الرخصة، وأما اليدان إذا أوجبنا وضعهما.
ففي كشفهما قولان:
أحدهما: يجب لحديث خباب.
وأصحهما: لا يجب؛ لأن المقصود من السجود إظهار هيئة الخضوع، وغاية التواضع، وقد حصل ذلك بكشف الجبهة، وأيضاً فلأنه قد يشق ذلك عند شدة الحر والبرد، بخلاف الجبهة فإنها بارزة بكل حال، فإن أوجبنا الكشف، كفى كشف البعض من كل واحد منهما، كما ذكرنا في الجبهة.
الثالثة: إذا هوى من الاعتدال ووضع الجبهة وسائر أعضائه على الأرض، فَلِوَضْع أعالي أعضائه مع الأسافل.
ثلاث هيئات:
حداها: أن تكون الأعالي أعلى، كما لو وضع رأسه على شيء مرتفع، وكان رأسه أعلى من حقوه فلا يجزئه ذلك؛ لأن اسم السجود لا يقع على هذه الهيئة، فصار كما لو أكب، ومد رجليه.
والثانية: أن تكون الأسافل أعلى، فهذه هيئة التنكس وهي المطلوبة، ومهما كان المكان مستوياً، فيكون الحقو أعلى لا محالة، وإن كان موضع الرأس مرتفعاً قليلاً فقد ترتفع أسافله، وتحصل هذه الهيئة أيضاً.
والثالثة: أن يتساوى الأعالي والأسافل؛ لارتفاع موضع الجبهة، وعدم رفعة الأسافل ففيها تردد للشيخ أبي محمد وغيره.
والأظهر: أنها غير مجزئة أيضاً؛ وهذا هو المذكور في الكتاب؛ وكذلك أورد صاحب "التهذيب" حيث قال: وحد السجود أن تكون أسافل بدنه أعلى من أعاليه، فلو تعذرت هذه الهيئة لمرض أو غيره فهل يجب وضع وسادة ونحوها ليضع الجبهة عليها؟ أم يكفي إنهاء الرأس إلى الحد الممكن من غير وضع الجبهة على شيء؟ فيه وجهان.
وحكاهما في "النهاية".
أظهرهما: عند صاحب الكتاب: أنه يجب وضع شيء؛ ليضع الجبهة عليه؛ لأن الساجد يلزمه هيئة التنكس، ووضع الجبهة، فإذا تعذر أحد الأمرين يأتي بالثاني؛ محافظة على الواجب بقدر الإمكان.
والثاني: أنه لا يجب ذلك؛ لأن هيئة السجود فاتته، وإن وضع الجبهة على شيء فيكفيه الانحناء بالقدر الممكن، وهذا أشبه بكلام الأكثرين، ولا خلاف أنه لو عجز عن وضع الجبهة على الأرض، وقدر على وضعها على وسادة مع رعاية هيئة التنكس يلزمه ذلك، وإن عجز عن الانحناء أشار بالرأس، ثم بالطرف كما تقدم نظيره؛ هذا شرح مسائل الكتاب: أما ما يتعلق بألفاظه.
الجزء: 1 - الصفحة: 522
فقوله: (وأقله وضع الجبهة) يجوز أن يعلم بالحاء؛ لأن عنده الجبهة غير متعينة، كما سبق.
وقوله: (مكشوفة) كذلك؛ لأن عنده يجوز أن يسجد على كور العمامة.
وقوله: (بقدر ما ينطلق عليه الاسم) يجوز أن يرجع إلى القدر الموضوع منها، ويجوز أن يرجع إلى المكشوف، وعلى التقديرين فليعلم بالواو؛ إشارةً إلى الوجه الذي حكاه ابن القطان.
وقوله: (فإن أوجبنا وضع اليدين، ففي كشفهما قولان) بعد ذكر القولين فيهما.
وفي الركبتين والقدمين جميعاً، ففيه تنبيه على أن كشف الركبتين والقدمين لا يجب بلا خلاف.
وقوله: (وكشف الجبهة واجب) لا حاجة إليه بعد قوله: أولاً (مكشوفة).
واعلم أنه يعتبر في أقل السجود وراء ما ذكره أمور.
أحدها: الطمأنينة كما في الركوع، خلافاً لأبي حنيفة.
وكأنه ترك ذكرها هاهنا اكتفاء بما سبق.
والثاني: لا يكفي في وضع الجبهة إلامساس، بل يجب أن يتحامل على موضع سجوده بثقل رأسه وعنقه، حتى تستقر جبهته وتثبت، قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنَ الأَرْضِ" 313. فلو كان يسجد على قطن أو حشيش، أو على شيء محشو بهما، فعن الشيخ أبي محمد، أنه ينبغي أن يتحامل قدر ما يظهر أثره على يده لو فرضت تحته.
وقال في "التهذيب": ينبغي أن يتحامل عليه حتى ينكس وتثبت جبهته عليه، فإن لم يفعل لم يجز، والكلامان متقاربان.
وقال إمام الحرمين: بل يكفي عندي أن يرجي رأسه ولا يقله، ولا حاجة إلى التحامل، كيفما فرض موضع السجود؛ لأن الغرض إبداء هيئة التواضع 314، وذلك لا يحصل بمجرد الإمساس، فإنه ما دام يقل رأسه كان كالضنين بوضعه، فإذا أرخى حصل الغرض، بل هو أقرب إلى هيئة التواضع من تكلف التحامل، إليه الإشارة بقول عائشة -رضي الله عنها-: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي سُجُودِهِ كَالْخِرْقَةِ الْبَالِيَةِ" 315.
وهذا ما أورده المصنف في "الوسيط".
الثالثة: ينبغي أن لا يقصد بهويه غير السجود، فلو سقط على الأرض من الاعتدال قبل قصد الهَوِيذُ للسجود لم يحسب، بل يعود إلى الاعتدال ويسجد منه، ولو
الجزء: 1 - الصفحة: 523
هَوَى ليسجد فسقط على الأرض بجبهته نظر، إن وضع جبهته على الأرض بنية الاعتماد لم يحسب عن السجود، وإن لم تحدث هذه النية يحسب لو هوى ليسجد فسقط على جنبه فانقلب وأتى بصورة السجود على قصد الاستقامة والاستداد لم يعتد به، وإن قصد السجود اعتد به -والله أعلم -.
قال الغزالي: وَأَمَّا أَكْمَلُ السُّجُودِ، فَلْيَكُنْ أَوَّل مَا يَقَعُ مِنْهُ عَلَى الأَرْضِ رُكْبَتَاهُ (ح م)، وَلْيُكَبِّرْ عِنْدَ الهَوِيِّ، وَلاَ يَرْفَع اليَدَ، وَيَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَيَضَعُ الأَنْفَ (ح) مَعَ الْجَبْهَةِ مَكْشُوفاً، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ رُكْبَتَيهِ، وَيُجَافِي مِرْفَقَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَيُقِلُّ بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ وَهُوَ التَّخْوِيَةُ، وَالمَرْأَةُ لاَ تُخَوِّي، وَيَضَعُ يَدَيْهِ بِإزَاءِ مَنْكِبَيْهِ مَنْشُورَةَ الأَصَابع وَمَضْمُومَتَهَا.
قال الرافعي: السنة أن تكون أول ما يقع من الساجد على الأرض ركبتاه، ثم يداه، ثم أنفه، وجبهته خلافاً لمالك، حيث قال: يضع يديه قبل ركبتيه، وربما خيّر فيه.
لنا ما روي وائل بْن حُجْر -رضي الله عنه- قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيهِ" 316.
ويبتدئ التكبير مع ابتداء الهَوِيّ، وهل يمد أو يحذف؟ فيه ما سبق من القولين؛ ولا يرفع اليد مع التكبير هاهنا؛ لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنه- أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ لاَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي السُّجُودِ" 317.
ويقول في سجوده: "سُبْحَانَ رَبِّي الأَعْلَى ثَلاَثاً"؛ لما روينا من الخبر في فصل الركوع.
وذلك أدناه.
والأفضل: أن يضيف إليه ما روي عن علي -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبكَ آمَنْتُ وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِيَ لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" 318.
وهذا أتم الكمال، وما ذكرناه في فصل الركوع، أن المستحب للإمام ماذا،
الجزء: 1 - الصفحة: 524
وللمنفرد ماذا؟ يعود كله هاهنا، ويستحب للمنفرد أن يجتهد في الدعاء في سجوده، ويضع الساجد الأنف مع الجبهة مكشوفاً؛ لما روي عن أبي حميد قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِذَا سَجَدَ مَكَّنَ أنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ مِنَ الأرْضِ، وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْه حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ".
وبجوز أن يعلم قوله: (ويضع الأنف) بالألف؛ لأنه معدود من السنن، وقد قدمنا 319 أن إحدى الروايتين عن أحمد أن الجمع بين وضع الأنف والجبهة واجب، ويستحب له أن يفرق بين ركبتيه وبين مرفقيه وجنبيه، وبين بطنه وفخذيه.
أما التفريق بين الركبتين فمنقول عن فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض الأخبار، وأما بين المرفقين والجنبين، فقد رواه أبو حميد كما سبق، وأما بين البطن والفخذين فقد روي عن البراء -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذه الجملة يعبر عنها بالتخوية 320 وهو ترك الخواء بين الأعضاء، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ إِذَا سَجَدَ خَوَّى فِي سُجُودِهِ" 321. والمرأة لا تفعل ذلك، بل تضم بعضها إلى بعضٍ فإنه أستر لها، ويضع يديه بإزاء منكبيه؛ لما سبق من حديث أبي حميد، ولتكن الأصابع منشورة، ومضمومة مستطيلة في جهة القبلة؛ لما روي عن وائل بن حجر -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ إِذَا سَجَدَ ضَمَّ أَصَابِعَهُ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ" 322.
قال الأئمة: وسنة أصابع اليدين إذا كانت منشورة في جميع الصلاة التفريج، المقتصد، إلا في حالة السجود، وينبغي أن لا يفرش زراعيه، بل يرفعهما، وأما أصابع القدمين فيوجهها إلى القبلة، وينصب قدميه، وتوجيهها إلى القبلة إنما يحصل بالتحامل عليها، والاعتماد على بطونها.
وقال في "النهاية": الذي صححه الأئمة، أنه يضع أطراف الأصابع على الأرض من غير تحامل، والأول أظهر، والله أعلم.
قال الغزالي: ثُمَّ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا (ح) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى يَطْمَئِنَّ، وَيَضَعُ يَدَيْهِ قرِيباً مِنْ رُكْبَتَيهِ مَنْشُورَةَ الأَصَابعِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ليَ واجْبُرْنِي وَعَافِني وَارْزُقْنِي وَاهْدِنِي.
قال الرافعي: يجب أن يعتدل جالساً بين السجدتين، خلافاً لأبي حنيفة، ومالك
الجزء: 1 - الصفحة: 525
حيث قال: لا يجب، بل يكفي أن يصير إلى الجلوس أقرب، وربما قال أصحاب أبي حنيفة: يكفي أن يصير إلى الجلوس أقرب، وربما قال أصحاب أبي حنيفة 323: يكفي أن يرفع رأسه قدر ما يمر السيف عرضاً، بين جبهته وبين الأرض.
لنا قوله -صلى الله عليه وسلم- في خبر المسيء صلاته.
"ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ رَأْسَكَ حَتَّى تَعْتَدِلَ جَالِسًا، ثمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِداً" 324.
ويجب فيه الطمأنينة؛ لأنه قد روي في بعض الروايات: "ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِساً".
وينبغي ألاّ يقصد بالارتفاع شيئاً آخر، وأن لا يطول الجلوس كما ذكرنا في الاعتدال عن الركوع، والسنة أن يرفع رأسه مكبراً؛ لما تقدم من الخبر، وكيف يجلس؟ المشهور، وهو الذي ذكره في الكتاب أنه يجلس مفترشاً؛ لما روي عن أبي حميد الساعدي -رضي الله عنه- في وصفه صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- "فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الأُولَى ثَنَى رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَقَعَدَ عَلَيْهَا" 325، وحكى قول آخر أنه يضجع قدميه، ويجلس على صدرهما، ويروى ذلك عن ابن عباس -رضي الله عنهما- فليعلم قوله: (مفترشًا) بالواو 326 لذلك؛ وبالميم أيضاً؛ لأن أصحابنا حكوا عن مالك: أنه أمر بالتورك في جميع جلسات الصلاة، ويضع يديه على فخذيه قريباً من ركبتيه منشورة الأصابع.
قال في "النهاية": ولو انعطف أطرافها على الركبة فلا بأس؛ ولو تركها على الأرض من جانبي فخذيه كان كإرسالها في القيام، ويقول في جلوسه: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ، واجْبُرْنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي، وَاهْدِنِي".
وقال أبو حنيفة: لا يسن فيه ذكر.
لنا ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول ذلك، ويروي: "وَارْحَمنِي" بدل قوله: "وَاجْبُرْنِي".
قال الغزالي: ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَةً أُخْرَى مِثْلَهَا، ثُمَّ يَجْلِسُ جَلْسَةً خَفِيْفَةً لِلْاسْترَاحَةِ، ثُمَّ يَقُومُ مُكَبِّراً وَاضِعاً يَدَيْه علَى الأَرْضِ كَمَا يَضَعُ العَاجِنُ.
مضمون الفصل مسألتان:
إحداهما: أنه يسجد السجدة الثانية بعد الجلسة السجدة الأولى، في واجباتها، ومندوباتها بلا فرق.
الجزء: 1 - الصفحة: 526
الثانية: إذا رفع رأسه من السجدة الثانية في ركعة لا يعقبها تشهد، فما الذي يفعل؟ نص في "المختصر": أنه يستوي قاعداً، ثم ينهض، وفي "الأم": أنه يقوم من السجدة وللأصحاب فيه طريقان:
أحدهما: أن فيه قولين:
أحدهما: أنه يقوم من السجدة الثانية، ولا يجلس؛ وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد؛ لما روي عن وائل -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَتَيْنِ اسْتَوَى قَائِمًا" 327.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه يجلس جلسة خفيفة ثم يقوم، وتسمى هذه الجلسة جلسة الاستراحة، ووجهة ما روي عن مالك بن الحويرث "أنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي، فَإذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلاَتِهِ لَمْ يَنْهَضُ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِداً 328، وَوَصَفَ أَبُو حُمَيدٍ السَّاعِدِي فِي عَشْرَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ- أَجْمَعِينَ صَلاةَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَذَكَرَ هذِهِ الْجِلْسَةِ".
والطريق الثاني: قال أبو إسحاق: المسألة على حالتين: إن كان بالمصلي ضعف لكبر، وغيره جلس للاستراحة، إلا فلا.
فإن قلنا: لا يجلس المصلي للاستراحة فيبتدئ التكبير مع ابتداء الرفع، وينهيه مع استوائه قائماً، ويعود قول الحذف 329 كما تقدم.
فإن قلنا: يجلس فمتى يبتدئ التكبير؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يرفع رأسه غير مكبر، ويبتدئ التكبير جالساً، ويمده إلى أن يقوم؛ لأن الجلسة للفصل بين الركنين 330، فإذا قام منها وجب أن يقوم بتكبير، كلما إذا قام إلى الركعة الثالثة 331، ويحكى هذا عن اختيار القفال.
وأصحهما: أنه يرفع رأسه مكبراً؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "كانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ" 332، فعلى هذا، فمتى يقطع؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه إذا جلس يقطعه، ويقوم غير مكبر؛ لأنه لو مد إلى أن يقوم لطال،
الجزء: 1 - الصفحة: 527
ويتغير النظم، وبهذا قال أبو إسحاق والقاضي الطَّبَرِي.
وأصحهما: أنه يمده إلى أن يقوم، ويخفف الجلسة حتى لا يخلو شيء من صلاته عن الذكر؛ وهذان الوجهان الأخيران كأنهما مفرعان على أن التكبير يمد ولا يحذف، وإذا لم يميز الابتداء عن الانتهاء حصل في وقت التكبيل ثلاثة أوجه، وصاحب الكتاب أورد منها في "الوسيط":
الأول: الذي اختاره القفال.
والثاني: الذي قال به أبو إسحاق، ولم يورد.
الثالث: الذي هو الأظهر عند جمهور الأصحاب، وكذلك فعل إمام الحرمين والصيدلاني.
وقوله هاهنا: (ثم يقوم مكبراً) بعد، قوله: (ثم يجلس) جوابٌ على اختيار القفال وهو أبعد الوجوه عند الأكثرين، ويجب أن يعلم قوله: (مكبراً) بالواو، إشارة إلى الوجه الثاني، وهو أنه يقوم عن الجلسة غير مكبر، وإلى الوجه الثالث أيضاً، فإنه عند القائلين به لا يقوم مكبرًا، إنما يقوم متمماً للتكبير، ولا خلاف في أنه لا يُكَبِّر تكبيرتين.
والسُّنة في هيئة جلسة الاستراحة الافتراش، كذلك رواه أبو حميد 333، ثم سواء قام من جلسة الاستراحة أو من السجدة، فإنه يقوم معتمداً على الأرض بيديه، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يقوم معتمداً على صدور قدميه، ولا يعتمد بيديه على الأرض.
لنا ما روي عن مالك بني الحويرث -رضي الله عنه- في صفة صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الأَخِيرَةِ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَاسْتَوى قَاعِداً قَامَ وَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ بِيَدَيْه" 334. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ إِذَا قَامَ فِي صَلاَتِهِ، وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الأَرْضِ، كَمَا يَضَعُ الْعَاجِنُ" 335. قال صاحب "المجمل" (العاجن) 336 هو الذي إذا نهض اعتمد على يديه كأنه يعجن أي الخمير، ويجوز أن يكون معنى الخبر كما يضع عاجن الخمير، وهما متقاربان.
قال الغزالي: الرُّكْنُ السَّادِسُ: التَّشَهُّدُ وَالتَّشَهُّدُ الأَوَّلُ سُنَّةٌ، وَالقُعُودُ فِيهِ عَلَى هَيْئَةِ الافْتِرَاشِ (م) لأنَّهُ مُسْتَوفِزُ لِلْحَرَكَةِ، وَالمَسْبُوقُ يَفْتَرِشُ فِي التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ لاسْتِيفَازِهِ، وَمَنْ عَلَيْهِ سُجُودُ السَّهْوِ هَلْ يَفْتَرِشُ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَالافْتِرَاشُ أَنْ يَضَعَ الرَّجْلَ اليُسْرَى وَيَجْلِسَ عَلَيْهَا وَيَنْصِبَ القَدَمَ الْيُمْنَى؛ وَيَضَعَ أَطْرَافَ الأَصَابِعِ عَلَى الأَرْضِ، وَالتَّوَرُّكُ سُنَّةٌ فِي
الجزء: 1 - الصفحة: 528
التَّشَهُّدِ الأَخِيرِ، (ح) وَهُوَ أَنْ يَضَعَ رِجْلَيْهِ كَذَلِكَ ثُمَّ يُخْرِجَهُمَا مِنْ جِهَةِ يَمِينِهِ، وَيُمَكِّنُ ورْكَهُ مِنَ الأَرْضِ.
قال الرافعي: أدرج في هذا الركن أركانًا ثلاثة: القعود، والتشهد، والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولو فصل القعود والتشهد، والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- عنهما لجاز، كما فصل القيام عن القراءة، فإن القيام للقراءة كالقعود لهما، وهكذا فعل في ترجمة الأركان، وعدها ثلاثة:
وفقه الفصل: أن التشهد والقعود ينقسمان إلى واقعين في آخر الصلاة، كتشهد الصبح، وتشهد الركعة الرَّابعة من الظهر إلى واقعين لا في آخر الصلاة، كالتشهد بعد الثانية من الظهر.
فالأول: من القسمين مفروض.
والثاني: مسنون، ثم لا يتعين للقعود هيئة متعينة فيما يرجع إلى الأجزاء، بل يجزئه القعود على أي وجه كان، لكن السُّنَّة في القعود في آخر الصلاة التورك، وفي القعود الذي لا يقع في آخرها الافتراش، وقال أحمد: إن كانت الصلاة ذات تشهدين تَوَرَّكَ في الأخير وإن كانت ذات تشهد واحد افترش فيه، والافتراش أن يضجع الرِّجْلَ اليسرى، بحيث يلي ظهرها الأرض، ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويضع أطراف أصابعها على الأرض متوجهة إلى القبلة.
والتورك: أن يخرج رجليه وهما على هيأتهما في الافتراش من جهة يمينه، وبمكن الورك من الأرض.
وقال أبو حنيفة: السُّنة في القعودين الافتراش.
وقال مالك: السنة فيهما التَّورُّكَ.
لنا ما روي عن أبي حميد الساعدي أنه وصف صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ على رِجْلِهِ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْيُمْنَى، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ، قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأخْرَى وَقَعَدَ عَلَى مِقْعَدَتِهِ 337.
والفرق من جهة المعنى أن المصلي في التشهد الأول مستوفز 338 للحركة، يبادر إلى القيام عند تمامه، وذلك عن هيئة الافتراش أهون، وأما الجَلْسَة الأخيرة فليس بعدها عمل فيناسبها التورك الذي هو هيئة السكون والاستقرار، ويترتب على هذه القاعدة مسألتان:
إحداهما: المسبوق إذا جلس مع الإمام في التشهد الأخير يفترش ولا يتورك، نص عليه؛ لأنه مستوفز يحتاج إلى القيام عند سلام الإمام، ولأنه ليس آخر صلاته،
الجزء: 1 - الصفحة: 529
والتورك إنما ورد في آخر الصلاة.
وحكى الشيخ أبو محمد وجهاً عن بعض الأصحاب أنه يتورك متابعة للإمام.
وذكر أبو الفرج البزاز: أن أبا طاهر الزيادي، حكى في المسألة هذين الوجهين، ووجهًا ثالثاً أنه إن كان محل تشهد المسبوق كان أدرك ركعتين من صلاة الإمام جلس منتصباً وإلا جلس متوركًا؛ لأن أصل الجلوس لمحض المتابعة، فيتابعه في هيئته أيضاً، والأكثرون على الوجه الأول.
الثانية: إذا قعد في التشهد الأخير وعليه سجود سهو فهل يفترش أم يتورك؟ فيه وجهان:
أحدهما: يتورك؛ لأنه قعود آخر الصلاة.
قاله الروياني في "التلخيص" وهو ظاهر المذهب.
والثاني: أنه يفترش، ذكره القفال، وساعده الأكثرون؛ لأنه يحتاج بعد هذا القعود، إلى عمل وهو السجود، فأشبه التشهد الأول، بل السجود عن هيئة التورك أعسر من القيام عنها، فكان أولى بأن لا يتورك، وأيضاً فلأنه جلوس يعقبه سجود، فأشبه الجلوس بين السجدتين، وينبغي أن يعلم قوله: (والتشهد الأول مسنون) بالألف، لأن أحمد يقول بوجوبه.
لنا أنه -صلى الله عليه وسلم- "قَامَ مِنَ اثْنَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ، وَلَمْ يَجْلِسْ، فَسَبَّحَ النَّاسُ لَهُ، فَلَمْ يُعِدْ، فَلَمَّا كَانَ آَخِرَ صَلاَتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ ". ولو كان واجباً لعاد إليه، ولما جبره السجود، ولا تخفى سائر المواضع المستحقة للعلامات.
وقوله: (ويضع أطراف الأصابع على الأرض) كذلك، أي منتصبة.
وقوله في التورك: (أن يضع رجليه كذلك) أي على هيئتهما في الافتراش، فاليمنى منصوبة مرفوعة العقب، واليسرى مضجعة.
قال الغزالي: ثُمَّ يَضَعُ اليَدَ الْيُسْرَى عَلَى طَرَفِ الرُّكْبَةِ مَنْشُورَةً مَعَ التَّفْرِيجِ الْمُقْتَصِدِ، وَاليَدُ اليُمْنَى يَضَعُهَا كَذلِكَ لَكِنْ يَقْبِضُ الخِنْصَرَ وَالبِنْصَرَ وَالْوُسْطَى وَيُرْسِلُ المُسَبِّحَةَ، وَفِي الإِبْهَامِ أَوْجُهٌ قِيلَ يُرْسِلُهَا وَقِيلَ: يُحَلِّقُ الإِبْهَامَ وَالوُسْطَى، وَقِيلَ يَضُمُّهَا إلَى الوُسْطَى المَقْبُوضَةِ كَالقَابِضِ ثَلاَثاً وَعِشْرِينَ، ثُمَّ يَرْفعُ مُسَبِّحَتَهُ فِي الشَّهَادَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: اِلاَّ الله، وَفِي تَحْرِيكِهَا عِنْدَ الرَّفْعِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: السنة في التشهدين جميعاً، أن يضع يده اليسرى على فخذه اليسرى؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلاَةِ، وَضعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى" 339.
الجزء: 1 - الصفحة: 530
وينبغي أن ينشر أصابعه، ويجعلها قريبة من طرف الركبة، بحيث تسامت رؤوسها الركبة، وهل يفرج بين أصابع اليسرى أو يضمها؟ الذي ذكره في الكتاب أنه يفرج تفريجًا مقتصدًا، وهذا هو الأشهر، ألا تراهم قالوا: لا يؤمر بضم الأصابع مع نشرها إلا في السجود على ما قدمناه، وحكى الكرخي وغيره من أصحاب الشيخ أبي حامد أنه يضم بعضها إلى بعض حتى الإبهام؛ ليتوجه جميعها إلى القبلة، وهكذا ذكر القاضي الروياني، فليكن قوله: (مع التفريج) معلماً بالواو، وأما كونه مقتصدًا فليس من خاصية هذا الموضع، بل لا يؤمر بالتفريج المتفاحش في موضع ما.
وأما اليد اليمنى فيضعها على طرف الركبة اليمنى كما ذكرنا في اليسرى، وهو المراد من قوله: (فيضعها كذلك) ولكن لا ينشر جميع أصابعه، بل يقبض الخنصر والبنصر ويرسل المسبحة، وفيما يفعل بالإبهام والوسطى، وثلاثة أقاويل:
أحدها: "أَنَّهُ يَقْبِضُ الْوُسْطَى مَعَ الخنْصر والْبنْصَرِ وَيُرْسِلُ الإبْهَامَ مَعَ المُسَبِّحَةِ، لِمَا روي أَنَّ أَبَا حُمَيْدٍ السَّاعِدِي، وَصَفَ صَلاَة رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَذَكَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ هكَذَا" 340.
والثاني: "أَنَّهُ يُحَلِّقُ بَيْنَ الإبْهَام وَالْوُسْطَى، لِمَا رُوِيَ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَعَلَ هكَذَا" 341. وفي كيفية التحليق وجهان:
أحدهما: أنه يضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإِبهام.
وأصحهما: أنه يحلِّق بينهما برأسيهما.
والقول الثالث، وهو الأصحّ: أنه يقصهما لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ إذَا جَلَسَ فِي الصَّلاَةِ وَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا وَأَشَارَ بِالْأُصْبَعِ الَّتِي تَلِي الإبْهَامَ" 342.
وفي كيفية وضع الإبهام على هذا القول وجهان:
أحدهما: أنه يضعهما على أصبعه الوسطى، كأنه عاقد ثلاثة وعشرين، لما روي عن ابن الزبير -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ يَضَعُ إِبْهَامَهُ عِنْدَ الْوُسْطَى" 343.
وأظهرهما: أنه يضعها بجنب المسبحة كأنه عاقد ثلاثة وخمسين، لما روي عن
الجزء: 1 - الصفحة: 531
ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ إِذَا قَعَدَ فِي التَّشَهُّدِ، وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى وَعَقَدَ ثَلاثَةً وَخَمْسِينَ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ" 344.
ثم قال ابن الصباغ وغيره: وكيفما فعل من هذه الهيئات، فقد أتى بالسُّنة؛ لأن الأخبار قد وردت بها جميعاً، وكأنه -صلى الله عليه وسلم- كان يضع مرة هكذا، ومرة هكذا، وعلى الأقوال كلها فيستحب له أن يرفع مسبحته في كلمة الشهادة إذا بلغ همزة: "إلا الله"، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يرفعها.
لنا ما سبق، أنه كان يشير بالسبابة، وهل يحركها عند الرفع؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، لما روي عن وائل -رضي الله عنه - قال: "ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أصْبَعَهُ، فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا" 345.
وأصحهما: لا؛ لما روي عن ابن الزبير -رضي الله عنه- "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُشِيرُ بِالسَّبَّابَةِ وَلاَ يُحَرِّكُهَا، وَلاَ يُجَاوِزُ بَصَرَهُ إِشَارَتَهُ" 346.
وقوله في الكتاب: (ويقبض الخنصر، والبنصر والوسطى) إن أراد بالقبض هاهنا القدر الذي يشارك فيه الوسطى الخنصر، والبنصر، وهو ترك البسط والإرسال، فهذا لا خلاف فيه؛ وإن أراد أن يصنع بالوسطى ما يصنع بالخنصر، والبنصر فهذا، تنازع فيه قول التحليق فاعرفه.
وأما التعبير عن الخلاف المذكور بالأوجه فإنما اقتدى فيه بإمام الحرمين، وعامة الأصحاب حكوه أقوالاً منصوصة للشافعي -رضي الله عنه-، معزية إلى كتبه.
وقوله: "أيرسلها" هو القول الأول، و"التحليق" الثاني، والذي ذكره آخراً أحد الوجهين على القول الثالث.
وقوله: (ثم يرفع) معلم بالحاء.
وقوله: (عند قوله إلا الله) يجوز أن يعلم بالواو؛ لأن أبا القاسم الكرخي حكى وجهين في كيفية الإشارة بالمسبحة:
أصحهما: أنه يشير بها وقت التَّشَهُّد، وهو الذي ذكره الجمهور.
والثاني: أنه يُشِيرُ بها في جميع التَّشَهُّدِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 532
قال الغزالي: أَمَّا التَّشَهُّدُ الأَخِيرُ فَواجِبٌ (ح م) وَالصَّلاةُ عَلَى الرَّسُولِ عليه السلام وَاجِبَةٌ مَعَهُ (ح م) وَعَلَى الآلِ قَوْلاَنِ، وَهَل تُسَنُّ الصَّلاَةُ عَلَى الرَّسُولِ فِي الأَوَّلِ؟ قَوْلاَنِ:
قال الرافعي: القعود للتشهد الأخير، والتَّشهد فيه واجبان خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: القعود بقدر التشهد واجب، ولا يجب قراءة التشهد فيه، ولمالك حيث قال: لا يجب لا هذا ولا ذاك.
لنا أن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ: السَّلاَم عَلَى اللهِ قَبْلَ عِبَادِهِ، السَّلاَمُ عَلَى جِبْرِيلَ" إلى آخره 347، دل على أنه قد فرض، ثم التشهد الأخير، إنما يكون لصلاة لها تشهد أول، وقد تكون الصلاة بحيث لا يشرع فيها إلا تشهد واحد كالصبح والجمعة، فحكمه حكم التشهد الأخير، في ذات التشهدين، والعبارة الجامعة أن يقال: التشهد الذي يعقبه التحلل عن الصلاة واجب.
وتجب الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في التشهد الواجب، خلافاً لأبي حنيفة ومالك.
لنا ما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَقْبَلُ الله صَلاَةً إِلاَّ بِطُهُورٍ وَالصَّلاَةِ عَلَيَّ" 348.
وهل تجب الصلاة على الآل؟ فيه قولان وبعضهم يقول: وجهان:
أحدهما: تجب لظاهر ما روي أنه قيل: يا رسول كيف نصلي عليك؟ فقال: "قُولُوا اللَّهُمَّ صَلّي عَلَى محَمَّدٍ، وَعَلَى آل مُحَمَّدٍ" 349.
وأصحهما: لا؛ وإنما هي سنة تابعة للصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهل يسن الصلاة على الرسول في التشهد الأول؟ فيه قولان:
أحدهما: -وبه قال أبو حنيفة وأحمد- لا؛ لأنها مبنية على التخفيف؛ روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كان في التشهد الأول 350 كمن يجلس على الرضف" 351 وهي الحجارة المحماة، وذلك يشعر بأنه ما كان يطول بالصَّلاَةِ والدعاء.
الجزء: 1 - الصفحة: 533
وأصحهما: ويروى عن مالك: أنها تسن؛ لأنها ذكرت، يجب في الجلسة الأخيرة، فيسن في الأولى كالتشهد، وأما الصلاة فيه على الآل، فتبنى على إيجابها في التشهد الأخير، إن أوجبناها ففي استحبابها في الأول الخلاف المذكور في الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وإن لم نوجبها -وهو الأصحّ- فلا نستحبها في الأول، وإذا قلنا: لا تسن الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأول فصلى عليه كان ناقلاً للركن إلى غير موضعه، وفي بطلان الصلاة به كلام يأتي في "باب سجود السهو" وكذا إذا قلنا: لا يصلي على النّبي
-صلى الله عليه وسلم- في القنوت، وهكذا الحكم إذا أوجبنا الصلاة على الآل في الأخير، ولم نستحبها في الأول فأتى بها.
وآل النبي -صلى الله عليه وسلم- بنوا هاشم، وبنوا المطلب، نص عليه الشَّافعي -رضي الله عنه-.
وفيه وجه: أن كل مسلم آله.
قال الغزالي: ثُمَّ أَكْمَلُ التَّشَهُّدِ مَشْهُورٌ، وَأَقَلُّهُ التَّحِيَّاتِ لِلَّهِ سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ سَلاَمٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ اِلَهَ إِلاَّ الله وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَهُوَ الْقَدْرُ المُتَكَرِّرُ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ، وَأَوْجَزَ ابْنُ سُرَيْجٍ بِالْمَعْنَى، وَقَالَ: التَّحِيَّات لِلَّهِ سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ سَلاَمٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِيَنَ أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ اِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ.
قال الرافعي: الكلام في أكمل التشهد، ثم في أقله: أما أكمله، فاختار الشافعي -رضي الله عنه- ما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما- وهو: "التَّحِيَاتُ الْمُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللهِ، وَبَرَكَاتُهُ، سَلاَمُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ" هكذا روى الشافعي -رضي الله عنه- 352.
وروى غيره: "السَّلاَمُ عَلَيْكَ"، "السَّلاَمُ عَلَيْنَا"، بإثبات الألف واللام، وهما صحيحان، ولا فرق وحكى في "النهاية" عن بعضهم؛ أن الأصل إثبات الألف واللام.
وقال أبو حنيفة وأحمد: والأفضل ما رواه ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطِّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا، وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ" 353.
وقال مالك: الأفضل أن يتشهد بما علمه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الناس على المنبر وهو: "التَّحِيَّات لله، الزَّاكِيَات لِلَّهِ، الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلاَمُ
الجزء: 1 - الصفحة: 534
عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ" إِلَى آخره 354. كما رواه ابن مسعود -رضي الله عنه-، ووجه اختيار الشافعي -رضي الله عنه-، يستوي في الخلاف على أن الأمر فيه قريب، فإن الفضيلة تتأدى بجميع ذلك، ثم جمهور الأصحاب على أنه لا يقدم التسمية، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- كان أول ما يتكلم به عند القعدة: "التَّحِيَّاتِ لِلَّهِ" 355 وعن أبي على الطبري، وغيره من أصحابنا، أن الأفضل أن يقول: "بِسْمِ اللهِ، وَبِاللهِ التَّحِيَّاتُ" ويروى: "بِسم اللهِ خَيرِ الأَسمَاءِ" 356، نقل عن جابر -رضي الله عنه-، عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعن بعَض أصحابنا أن الأفضل: أن يقول: "التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ، الزَّاكِيَاتُ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ" 357؛ ليكون آتيا بما اشتملت عليه الروايات كلّها.
وأما الأقل: فالمنقول عن نص الشافعي -رضي الله عنه- أن أقل التشهد: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، سَلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنَّ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ" هكذا روى أصحابنا العراقيون، وتابعهم القاضي الروياني، وكذا صاحب "التهذيب" إلا أنه نقل: "وَأَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ"، وأسقط الصيدلاني في نقل نصه كلمة وبركاته، وجعل صيغة الشهادة الثانية: "وَأَشْهَدُ أَن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ" وهذا هو الذي أورده في الكتاب وحكاية القاضي ابن كج؛ فإذا حصل الخلاف في المنقول عن الشافعي -رضي الله عنه- في ثلاثة مواضع:
أحدها: في كلمة "وبركاته".
والثاني: في كلمة "وأشهد" في الكرة الثانية.
والثالث: في لفظ "الله" في الشهادة الثانية، فمنهم من اكتفى بقوله: (رسوله) ثم نقلوا عن ابن سريج في الأقل، طريقة أخرى، وهي: "التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، سَلاَمٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، سَلاَمٌ عَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، [أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُهُ".
هذا ما ذكره في الكتاب، ورواه طائفة، وأسقط بعضهم لفظ السلام الثاني واكتفى بأن يقول: "أيها النبي وعلى عباد الله الصالحين] 358، وأسقط بعضهم لفظ "الصالحين"
الجزء: 1 - الصفحة: 535
ويحكى هذا عن الحليمي، ووجه ذلك بأن لفظ العباد، مع الإضافة ينصرف غالباً إلى "الصالحين"، كقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ 359 ونظائره، فاستغنى بالإضافة عنه ثم قال الأئمة: كأن الشافعي -رضي الله عنه- اعتبر في حد الأقل ما رأه مكررًا في جميع الروايات، ولم يكن تابعًا لغيره، وما انفردت به الروايات، أو كان تابعًا لغيره جوز حذفه 360، وابن سريج نظر إلى المعنى، وجوز حدف ما [لا] يتغير به المعنى، واكتفى بذكر السَّلام عن الرحمة والبركة، وقال بدخولهما فيه.
وقوله في الكتاب: "وهو القدر المتكرر في جميع الروايات، وأوجز ابن سريج بالمعنى" (إشارة إلى هذا الكلام، لكن لم يتعرض إلا للتكرر في جميع الروايات) 361 ولا بد من التعرض للوصف الأخير، وهو أن يكون تابعاً للغير، إلا فالصلوات والطيبات متكررة في جميع الروايات، وقد جوز حذفها.
واعلم أن ما ذكره الأصحاب من اعتبار التكرر وعدم التبعية أن جعلوه ضابطًا لحد الأقل فذاك، وإن عللوا حد الأقل به ففيه إشكال؛ لأن التكرر في الروايات، يشعر بأنه لا بد من القدر المتكرر، فأما إنه مجزئ فلا، ومن الجائز أن يكون المجزي هذا القدر مع ما تفردت به كل رواية.
ولك أن تعلم قوله في طريقة الشافعي -رضي الله عنه- "وأشهد" في الكرة الثانية]
بالواو 362 وكذا كلمة "السلام" الثاني، و"الصالحين"، في طريقة ابن سريج إشارة إلى ما سبق من الخلاف.
قال الغزالي: وَيَقُولُ بَعْدَهُ اللَّهُمَّ صَلِّ علَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ مَا بَعْدَهُ مَسْنُونٌ إِلَى قَوْلهِ: إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، ثُمَّ الدُّعَاءُ بَعْدَهُ مَسْنُونٌ، وَلْيَخْتَرْ كُلٌّ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ.
قال الرافعي: أقل الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يقول: اللهم صل على محمد، ولو قال: صلَّى الله على محمد، أو صلى الله على رسوله جاز.
وفي وجه: يجوز أن يقتصر على قوله: "صلى الله عليه وسلم" والكناية ترجع إلى ذكر محمد -صلى الله عليه وسلم- في كلمة الشهادة، وهذا نظر إلى المعنى، وأقل الصلاة على الآل أن يقول: "وآله"، ولفظ الكتاب يشعر بأنه يجب أن يقول: وعلى آل محمد؛ لأنه ذكر ذلك، ثم حكم بأن ما بعده مسنون:
الجزء: 1 - الصفحة: 536
والأول: هو الذي ذكره صاحب "التهذيب"، وغيره.
والأولى أن يقول: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَعَلَى آَلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْراهِيمَ، وَعَلَى آلِ إِبْراهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ".
روى كعب بن عجرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سئل عن كيفية الصلاة عليه، فأمرهم بذلك 363.
قال الصيدلاني: ومن الناس من يزيد: "وارحم محمداً وآل محمد، كما رحمت على آل إبراهيم" وربما يقول: كما ترحمت على إبراهيم، قال: وهذا لم يرد في الخبر، وهو غير فصيح، فإنه لا يقال: ترحمت عليه، وإنما يقال: رحمته، وأما الترحم، ففيه معنى التكلف والتصنع، فلا يحسن إطلاقه في حق الله تعالى.
ثم يستحب الدعاء في التشهد الأخير، بعد الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وله أن يدعو بما شاء من أمر الدنيا والآخرة، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يدعو إلا بما يشبه ألفاظ القرآن، وبالأدعية المأثورة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا يدعو بما يشبه كلام الناس، ومن أصحابه من قال: يجزئ الدعاء بما لا يطلب إلا من الله تعالى، فأما إذا دعا بما يمكن أن يطلب من الآدميين بطلت صلاته.
وقال أحمد: إذا قال: "اللهم ارزقني جاريةً حسناءَ ونحو ذلك " فسدت صلاته؛ لما روي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- في آخر حديث التشهد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو" 364. وروي أنه قال: "وَلْيَدْعُ بَعْدَ ذلِكَ بِمَا شَاءَ" 365.
والأفضل أن يكون دعاؤه لأمور الآخرة، وما ورد في الخبر أحب من غيره.
ومن ذلك: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِيَ مَا قَدَّمْتُ، وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَّدِمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، لاَ إِلهَ إِلاَّ أَنْتَ.
وأيضاً: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَعَذَاب القَبْرِ، وَفِتْنَةِ المَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَفِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَالِ" 366.
وأيضاً: "اللَّهُمَّ إِنّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْتَمِ وَالْمَغْرَمِ" 367، "اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلمًا كَثِيراً، وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِيَ مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" 368 وقوله: (ثم الدعاء بعده مسنون) أي في التشهد الأخير، فأما في الأول
الجزء: 1 - الصفحة: 537
فيكره، بل لا يصلي على الآل أيضاً على الصحيح، كما سبق، ويجوز أن يعلم قوله: (مسنون) بالواو لأنه يقتضي الاستحباب مطلقاً، وقد ذكر الصيدلاني في طريقته: أن المستحب للإمام أن يقتصر على التشهد والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- ليخفف على من خلفه، فإن دعا جعل دعاؤه دون قدر التشهد، ولا يطول.
وأما المنفرد: فلا بأس له بالتطويل، هذا ما ذكره، والظاهر الذي نقله الجمهور: أنه يستحب للإمام الدعاء، كما يستحب لغيره، ثم الأحب أن يكون الدعاء أقل من التشهد، والصلاة على النبي في لأنه تبع لهما فإن زاد لم يضر، إلا أن يكون إماماً فيكره له التطويل.
وقوله: (وليتخير) مُعَلَّم بالحاء والألف؛ لما روينا، ويجوز أن يعلم بالواو أيضاً، لأن إمام الحرمين حكى في "النهاية" عن شيخه: أنه كان يتردد في مثل قوله: اللهم ارزقني جارية صفتها 369 كذا، ويميل إلى المنع منه وأنه يبطل الصلاة.
قال الغزالي: فَرْعٌ العَاجِزُ عَنِ التَّشَهُّدِ يَأْتِي بِتَرْجَمَتِهِ كَتَكْبِيرَةِ التَّحَرُّمِ، وَالعَاجِزُ عَنِ الدُّعَاءِ بِالعَرَبِيَّةِ لاَ يَدْعُو بِالْعَجَمِيَّةِ بِحَالٍ، وَفِي سَائِرِ الأَذْكَارِ هَلْ يَأْتي بِتَرْجَمَتِهَا بِالْعَجَمِيَّةِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: لا يجوز لمن أحسن التشهد بالعربية أن يعدل إلى ترجمته كالتكبير، وقراءة الفاتحة، فإن عجز أتى بترجمته كتكبيرة الإحرام بخلاف القرآن، لا يأتي بترجمته؛ لأن نظمه معجز كما سبق، والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى الآل إن أوجبناها كالتشهد، وأما ما عدا الواجبات من الألفاظ المشروعة في الصَّلاَةِ إذا عجز عنها بالعَرَبية، فقد قَسَّمَهَا المُصَنِّفُ قسمين:
أحدهما: الدعاء، فمنعه من أن يدعو بالعجمية مطلقاً.
والثاني: سائر الأذكار كثناء الاستفتاح، والقنوت، وتكبيرات الانتقالات، وتسبيحات الركوع، والسجود، فقد روي منها في "الوسيط" ثلاثة أوجه:
أحدها: ليس له أن يأتي بترجمتها، لأنها مسنونة لا ضرورة إلى الإتيان بها.
والثاني: أنه يأتي بمعانيها، ويقيمها مقام العربية، كالتكبير والتشهد.
والثالث: ما يجيز تركه بالسجود يأتي بترجمته، وما لا فلا.
وقضية هذه الطريقة المنع من أن يأتي بالترجمة عند القدرة على العربية بطريق الأولى، ولم يجعل إمام الحرمين الدعاء قسمًا على إطلاقه لكن قال: ليس للمصلي أن يخترع دعوة بالعجمية ويدعو بها في صلاته، وإن كان له أن يدعو بغير الدعوات
الجزء: 1 - الصفحة: 538
المأثورة بالعربية، ثم حكى الوجوه الثلاثة في "الأذكار المسنونة"، وإيراده يشعر بالمنع من الذكر المخترع، كالدعاء المخترع، وتطرد الوجوه في الدعاء المسنون كما في سائر الأذكار المسنونة، ولا فرق، وصرح سائر الأصحاب بهذا الذي أشعر به كلامه، فقالوا: إذا عجز عن الأذكار العربية والأدعية المَسْنُونَةِ، هل يأتي بترجمتها؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لا ضرورة إليها بخلاف الواجبات.
وأصحهما: نعم.
ليجوز فضلها، ولو أحسن العربية فهل يجوز له أن يأتي بالترجمة؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يجوز، كما في التكبير، والتشهد، ولو فعل تبطل الصلاة وذكر في "التهذيب" هذين الوجهين فيما إذا دعا بالعَجَمِيَّةِ مع القدرة على العربية، وأْطلقها في بعض التعاليق في جميع الأذكار.
إذا عرفت ذلك فقوله: (والعاجز عن الدعاء لا يدعو بالعجمية بحال) إن أراد به الدعاء المخترع الذي لم يؤثر -كما ذكره إمام الحرمين- فلا يلزم منه المنع من أن يأتي العاجز بترجمة الدعاء المسنون بعد التشهد جزماً؛ بل يجري فيه الخلاف المذكور في سائر الأذكار، وإن أراد به مطلق الدعاء فما الفرق بين الدعاء المسنون، وبين التسبيح المسنون، ولم يمنع من ترجمة أحدهما جزماً، ويجعل ترجمة الآخر على الخلاف، ويلزم على ذلك أن لا يأتي بترجمة: "اللهم اغفر لي وارحمني".
في الجلوس بين السجدتين، وظاهر لفظه الاحتمال الثاني، ولذلك أعلم بالواو؛ إشارة إلى الوجه المجوز للترجمة مع القدرة على العربية، فإنه أولى بتجويزها عند العجز، ويجوز أن يعلم بالحاء أيضاً؛ لأن أبا حنيفة يجوز ترجمة القرآن، وإن كان قادراً على نظمه، فترجمة الدعاء عند العجز أولى، بأن يجوزها، واعلم أنه إذا حمل كلامه على المحمل الثاني أشبه أن يكون هو منفرداً بنقل الفرق بين الدعاء وغيره، -والله أعلم-.
قال الغزالي: الرُّكْنُ السَّابِعُ السَّلاَمُ وَهُوَ وَاجِبٌ، وَلاَ يَقُومُ (ح) مَقَامَهُ أَضْدَادُ الصَّلاَةِ، وَأَقَلُّهُ أَنْ يَقُولَ، السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ، وَلَو قَالَ: سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ فَوَجْهَانِ، وَفِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الخُرُوجِ وَجْهَانِ، وَأكْمَلُهُ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ مَرَّتَيْنِ (ح م) فِي الجَدِيدِ مَعَ الالْتِفَاتِ مِنَ الجَانِبَيْنِ بِحَيْثُ تُرَى خَدَّاهُ وَمَعَ نِيَّةِ السَّلاَمِ عَلَى مَنْ عَلَى جَانِبَيْهِ مِنَ الجِنِّ وَالإنْسِ وَالمَلاَئِكَةِ، وَالمُقْتَدِي يَنْوِي الرَّدَّ عَلَى إِمَامِهِ بِسَلاَمِهِ.
قال الرافعي: لما وصف السلام بكونه ركنًا، فلو لم يقل -وهو واجب- لما ضره؛ لأن ركن الصلاة لا بد وأن يكون واجباً، وإذا ذكرهما، فينبغي أن يعلما بالحاء، وكذلك قوله: (ولا يقوم مقامه أضداد الصلاة).
لأن عند أبي حنيفة لو أتى بما ينافي
الجزء: 1 - الصفحة: 539
الصلاة اختياراً من حدث، أو كلام خرج به عن الصَّلاَةِ، وقام مقام السلام.
قال: ولو كان ناسياً فلا يخرج به من الصلاة، ولا تبطل صلاته، لكي يتوضأ ويبني، ولو وقع ذلك من غير اختياره كانقضاء مدة المسح، ورؤية المتيمم الماء في الصلاة، تبطل صلاته.
لنا قوله -صلى الله عليه وسلم-: "وَتَحْلِيلُهَا للتَّسْلِيمُ" 370 جعل التحليل بالتسليم 371 فوجب ألا يحصل بغيره، ثم القول في أقل السلام وأكمله.
أما الأقل: فهو أن يقول: "السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ"، ولا بد من هذا النّظم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كذلك كان يسلم، وهو كاف؛ لأنه تسليم، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ".
ولو قال: سلامٌ عليكم، فوجهان:
أحدهما: أنه لا يجزئه؛ لأنه نقص الألف واللام، فأشبه ما لو قال: سلام عليكم من غير تنوين.
وأظهرهما: أنه يجزئه، ويقوم التنوين مقام الألف واللام كما في التشهد يجزئه السلام، وسلام، ولو قال عليكم السلام فقد سبق حكمه في فصل التكبير، ولا يجزئه قوله: السلام عليك، ولا سلامي عليكم، ولا سلام الله عليكم، ولا: السلام عليهم، وما لا يجزئ فيبطل الصلاة إذا قاله عمداً، سوى قوله: السلام عليهم، فإنه دعاء لا على وجه الخطاب، وهل يجب أن ينوي الخروج عن الصلاة بسلامه فيه وجهان: أحدهما: نعم، وبه قال ابن سريج، وابن القاص، ويحكى عن ظاهر نصه في البويطي؛ لأنه ذكر واجب في إحدى طرفي الصلاة، فتجب فيه النية، كالتكبير ولأن نظم السلام يناقض الصلاة في وصفه، من حيث هو خطاب الآدميين، ولهذا لو سلم قصداً في الصلاة بطلت صلاته، فإذا لم يقترن به نية صَارِفَة إلى قصد التحلل كان مناقضاً.
والثاني: لا 372 يجب ذلك وبه قال أبو حفص بن الوكيل، وأبو الحسين بن القطان، ووجهه القياس على سائر العبادات لا يجب فيها نية الخروج؛ لأن النية تليق بالإقدام دون التَّرْكِ، وهذا هو الأصح عند القفال.
واختيار معظم المتأخرين، وحملوا نصه على الاستحباب.
الجزء: 1 - الصفحة: 540
فإن قلنا: تجب نية الخروج فلا تحتاج إلى تعيين الصلاة عند الخروج، بخلاف حالة الشُّرُوع، فإن الخروج لا يكون إلا عن المشروع فيه، ولو عين غير ما هو فيه عمداً لبطلت صلاته على هذا الوجه، ولو سها سجد للسهو وسلم ثانياً مع النية، بخلاف ما إذا قلنا: لا تجب نية الخروج، فإنه لا يضر الخطأ في التعيين، وعلى وجه الوجوب ينبغي أن ينوي الخروج مقترناً بالتسليمة الأولى، فلو سلم ولم ينو بطلت صلاته، ولو نوى الخروج -قبل السلام- بطلت صلاته أيضاً.
ولو نوى قبله الخروج عنده، فقد قال في "النهاية": لا تبطل صلاته بهذا ولكنه لا يكفيه، بل يأتي بالنية مع السلام، ويجب على المصلي أن يوقع السلام في حال القعود إذا قدر عليه.
وأما الأكمل فهو أن يقول: الكلام عليكم ورحمة الله.
وهل يزيد على مرة واحدة؟ الجديد: أنه يستحب أن يقوله المصلي مرتين، لما روي عن ابن مسعود -رضي الله عنه- "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُسَلِّمْ عَنْ يَمِينِهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، وَعَنْ يَسَارِهِ، السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحمَةُ اللهِ" 373. ويحكى عن القديم قولان:
أحدهما: أن المستحب تسليمة واحدة؛ لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ يُسَلِّمُ تسليمة وَاحِدَةً، تِلْقَاءَ وَجْهِهِ" 374.
والثاني: أن غير الإمام يسلم تسليمة واحدة، ويفرق في حق الإمام بين أن يكون في القوم كثرة، أو كان حول المسجد لغط، فيستحب أن يسلم تسليمتين؛ ليحصل الإبلاغ، وإن قلوا: ولا لغط ثم فيقتصر على تسليمة واحدة؛ فإن قلنا: يقتصر على تسليمة واحدة 375 فتجعل تلقاء وجهه، كما روي عن عائشة -رضي الله عنها- وإن قلنا بالصحيح -وهو أنه يسلم تسليمتين، فالمستحب أن يلتفت [في الأولى عن يمينه، وفي الأخرى عن شماله، وينبغي أن يبتدئ بها مستقبل القبلة، ثم يلتفت] 376 بحيث يكون انقضاؤها مع تمام الالتفات، وكيف يلتفت؟ قال الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر" حتى يرى 377 خداه، وحكى الشارحون أن الأصحاب اختلفوا في معناه.
الجزء: 1 - الصفحة: 541
منهم من قال: معناه حتى يرى خداه من كل جانب.
ومنهم من قال: حتى يرى من كل جانب خده، وهو الصحيح؛ لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضَ خَدِّهِ الأَيْمَنِ، وَعَنْ يَسَارِهِ السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْسَرِ" 378.
ثم المصلي إن كان إماماً فيستحب له أن ينوي بالتسليمة الأولى السلام على من على يمينه من الملائكة، وعلى [ومسلمي] الجن والإنس، وبالثانية السلام على من على يساره منهم، والمأموم ينوي مثل ذلك.
ويختص بشيء آخر: وهو أنه إن كان على يمين الإمام ينوي بالتسليمة الثانية الرد على الإمام، وإن كان على يساره ينويه بالتسليمة الأولى، وإن كان في محاذاته ينويه بأيهما شاء، وهو في التسلمية الأولى أحب، ويحسن أن ينوي بعض المأمومين الرد على البعض، وروي عن سمرة قال: "أَمَرَنَا رَسُول اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ نُسَلِّمَ عَلَى أَنْفُسِنَا، وأنْ يَنْوِيَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضَ" 379، وقال علي -رضي الله عنه-: "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعاً، وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا، وَقَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعاً، يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِالتَّسْلِيم عَلَى الْمَلاَئِكَةِ الْمُقَربِينَ وَالنَّبِيِّينَ وَمَنْ تَبِعَهم مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" 380. وأما المنفرد فينوي بهما السلام على من على جانبيه من الملائكة، وكل منهم ينوي بالتسليمة الأولى الخروج من الصلاة أيضاً إن لم نوجبها.
فقوله في الكتاب: (مرتين) ينبغي أن يعلم بالميم؛ لأن المنقول عن مالك أن الاختيار للإمام والمنفرد الاقتصار على تسيلمة واحدة، وأما المأموم فيسلم تسليمتين، ويروي عنه استحباب الاَقتصار على التسليمة الواحدة مطلقاً.
وقال أحمد في أصح الروايتين: التسليمتان جميعاً واجبتان مطلقاً، فيجوز أن يعلم قوله: (مرتين) بالألف؛ لأن عنده ليس ذلك من حد الكمال، ويجوز أن يعلم به قوله: (وأقله السلام عليكم) أيضاً.
الجزء: 1 - الصفحة: 542
وقوله: (بحيث يرى خداه) أراد به المعنى الثاني الصحيح على ما صرح به في "الوسيط"، فليكن مرقوماً بالواو للوجه الأول.
قال الغزالي: خَاتمَةٌ: لاَ تَرْتيبَ فِي قَضَاءِ الفَوَائِتِ، لَكِنَّ الأَحَبَّ تَقْدِيمُ الفَائِتَةَ عَلَى المُؤَدَّاة إِلاَّ إِذَا ضَاقَ وَقْتُ الأَدَاءِ، فَإِنْ تَذَكَّرَ فَائِتَةٌ وَهُوَ فِي المُؤَدَّاةِ أَتَمَّ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالقَضَاءِ.
قال الرافعي: إذا فاتت الفريضة وجب قضاؤها، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَليُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" 381.
أمر المعذور بالقضاء، ويلزم مثله في حق غير المعذور بطريق الأولى، وينبغي أن يقضي على الفور؛ محافظةً على الصلاة وتبرئة الذمة، وهل يجب ذلك؟ فيه كلام أخرناه إلى كتاب الحج؛ لأن صاحب الكتاب أورد المسألة ثم.
وإذا قضى فائتة الليل بالليل جهر فيها، وإن قضى فائتة النهار بالنهار لم يجهر فيها، وإن قضى فائتة الليل بالنهار أو بالعكس؟ فالاعتبار بوقت القضاء في أصح الوجهين، وبوقت الأداء في الثاني، وإذا فاتته صلاة فالمستحب في قضائها الترتيب؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- فاتته أربع صلوات يوم الخندق، فقضاها على الترتيب 382، ولا يستحق في قضائها الترتيب، وكذا لا يستحق الترتيب بين الفائتة وصلاة الوقت، خلافاً لمالك وأبي حنيفة وأحمد:
لنا أنها عبادات مستقلة، والترتيب فيها من توابع الوقت وضروراته، فلا يبقى معتبراً في القضاء، كصيام أيام رمضان، ولنفصل المذاهب فيه:
أما عندنا: فيجوز تقديم الفائتة المؤخرة على المقدمة، وتأخير المقدمة، ولو دخل عليه وقت فريضة، وتذكر فائتة نظر، إن كان وقت الحاضرة واسعاً فالمستحب له أن يبدأ بالفائتة، ولو عكس صحتا.
وإن كان الوقت ضيقًا -بحيث لو بدأ بالفائتة لفاتته الحاضرة-، فيجب أن يبدأ بالحاضرة كيلا تفوت، ولو عكس صحتا أيضاً، وإن أساء ولو أنه تذكر الفائتة بعد شروعه في صلاة الوقت - أتمها، سواء كان الوقت واسعاً أو ضيقًا، ثم يقضي الفائتة، ويستحب أن يعيد صلاة الوقت بعدها، ولا تبطل بتذكر الفائتة الصلاة التي هو فيها، وروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلاةً فَذَكَرَهَا، وَهُوَ فِي صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ، فَلْيَبْدَأْ بِالَّتِي هُوَ فِيهَا، فَإذَا فَرَغَ مِنْهَا صَلَّى الَّتِي نَسِيَ" 383.
وقال أبو حنيفة: يجب الترتيب في قضاء الفوائت ما لم يدخل في حد التكرار،
الجزء: 1 - الصفحة: 543
[بأن لا يزيد على صلوات يوم وليلة] 384، فإن زادت جاز التنكيث، [وكذا لو كان عليه فائتة ودخل وقت الحاضرة، إن دخلتا مع ما بينهما في حد التكرار] (1) لم يجب إعادة الترتيب، إلا وجب الترتيب ولم يجز تقديم الحاضرة مع تذكر الفائتة، إلا أن يخشى فوات الحاضرة، فله تقديمها، وإن تذكرها في خلال صلاة الوقت بطلت إن وسع الوقت، فيقضي الفائتة ثم يعيد صلاة الوقت، وإن كان الوقت ضيقاً فلا تبطل، وإن تذكرها بعد ما فرغ من صلاة الوقت، فقد مضت على الصحة، ويشتغل بقضاء الفائتة.
ومذهب مالك يقرب من هذا، لكن نقل عنه أنه يستحب إذا تذكر الفائتة في خلال الحاضرة، أن يتمها، ثم يقضي الفائتة، ثم يعيد الحاضرة؛ ونقل أيضاً أنه إذا تذكرها بعد الفراغ من الحاضرة، فعليه قضاء الفائتة، وإعادة الحاضرة، ولا يجعل النسيان عذراً في سقوط الترتيب.
وقال أحمد: يجب الترتيب في قضاء الفوائت وإن كثرت، حتى لو تذكر فائتة، ولم يعدها حتى طالت المدة، وهو يأتي بصلاة الوقت، فعليه قضاء تلك الفائتة، وإعادة جميع ما صلى بعدها.
قال: ولو تذكر فائتة، وهو في الحاضرة، يجب عليه إتمامها، وقضاء الفائتة، وإعادة الحاضرة.
إذا عرفت ذلك لم يخف عليك إعلام قوله: (لا ترتيب في قضاء الفوائت) بعلامتهم جميعاً، وكذا إعلام قوله: (أتم التي هو فيها) بالحاء؛ لأنها تبطل عنده؛ وبالميم؛ لأنا نعني بقولنا: (أتم)، أنه يجب عليه الإتمام، ومالك لا يوجبه، ولا حاجة إلى إعلامه بالألف.
وقوله: (لكن الأحب تقديم الفائتة على المؤداة، إلا إذا ضاق وقت الأداء) أي فيجب تقديم المؤداة، ولا يجوز تقديم الفائتة، وليس الغرض مجرد سلب الأحبية.
واعلم أن هذه المسائل لا اختصاص لها بباب صفة الصلاة، لكن طرفاً منها مذكور في "المختصر" في أواخر هذا الباب، فتبرك المصنف بترتيب المزني -رحمه الله- أو الشافعي -رضي الله عنه- وجعلها خاتمة الباب.
تم الجزء الأول
ويليه الجزء الثاني، وأوله:
الباب الخامس من كتاب الصلاة: "في شرائط الصلاة"
الجزء: 1 - الصفحة: 544
فهرس محتويات الجزء الأول من العزيز شرح الوجيز
الجزء: 1 - الصفحة: 545
العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير تأليف الإمام أبي القاسم عبدالكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني الشافعي المتوفي سنة 623 هـ تحقيق وتعليق الشيخ على محمد معوض ... الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الجزء الثاني يحتوي على الكتب التالية: تتمة الصلاة - صلاة الجماعة - صلاة المسافرين - صلاة الجمعة صلاة الخوف - صلاة العيدين - صلاة الخسوف - صلاة الاستسقاء صلاة الجنائز - الزكاة دار الكتب العلمية بيروت - لبنان
الجزء: 2 - الصفحة: 1
جميع الحقوق محفوظة جميع حقوق الملكية الادبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلميه بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملا أو مجزأ أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطياً الطبعة الأولى 1417 هـ - 1997 م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان العنوان: رمل الظريف، شارع البحتري، بناية ملكارت تلفون وفاكس: 364398 - 366135 - 602132 (9611). صندوق بريد: 9424 - 11 بيروت - لبنان
الجزء: 2 - الصفحة: 2
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
البَابُ الخَامِسُ في شَرَائِطِ الصَلاَةِ
قال الغزالي: وَهِيَ سِتَّةٌ: الأوَّلُ الطَّهَارَةُ، عَنِ الحَدَثِ فَلَوْ أَحْدَثَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا بَطُلَتْ صَلاتُهُ، وَلَوْ سَبَقَهُ الحَدَثُ بَطُلَتْ (ح) عَلَى الجَدِيدِ، وَعَلَى القَدِيمِ يتَوَضَّأُ وَيَبْنِي بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَتَكَّلَمَ وَلاَ يُحْدِثَ عَمْداً.
قال الرافعي: ترجم الباب بشروط الصلاة، ولم يرد جميع شروطها؛ لأن منها 385 الاستقبال، وقد سبق له باب منفرد.
ومنها: إيقاع الصَّلاةِ بعد العِلْم بدخول وقتها، أو بعد غلبة الظن به، وقد صار ذلك مذكوراً في باب المواقيت، ولكن الغرض هاهنا الكلام في ستة شروط سوى ما سبق.
أحدها: طهارة الحدث، وقد تبين في كتاب الطهارة أنها كيف تحصل، فلو لم يكن عند الشروع في الصلاة متطهراً لم تنعقد صلاته بحال، سواء كان عامداً أو ساهياً، ولو شرع فيها وهو متطهر، ثم أحدث، نظر إن أحدث باختياره بطلت صلاته، لأنه قد بطلت طهارته، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ صَلاَةَ إِلاَّ بِطَهَارَةٍ" 386 ولا فرق بين أن يكون ذاكرًا للصلاة، أو ناسياً لها، وهو المراد من قوله في الكتاب: (فلو أحدث عمداً أو سهْواً بَطُلَتْ صَلاتُه) وإن أحدث بغير اختياره؛ كما لو سبقه الحدث فلا خلاف في بطلان طهارته، وهل تبطل صلاته؟ فيه قولان:
الجديد: أنها تبطل؛ لأنه لا صلاة إلا يطهارةِ، ولما روي عن عليّ بْنِ أَبي طَالِبٍ، قال: "قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَنْصرِفْ، وَلْيَتَوَضَّأ،
الجزء: 2 - الصفحة: 3
وَلْيُعِد الصَّلاَةَ" 387 وبهذا قال أَحْمَدُ، ويروى عن مالك أيضاً.
والقديم: وبه قال أبو حنيفة، أنها لا تبطل؛ بل يتوضأ، ويبنى على صلاته، وهو أشهر الروايتين عن مالك، لِمَا رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ أَوْ أَمْذَى فِي صَلاَتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ، وَلْيَتَوضَّأ، وَلَيَبْنِ عَلَى صَلاَتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ" 388، وليس المراد ما إذا فعل ذلك باختياره بالإجماع، فيتعين السبق مرادًا [فإذا] 389 فرعنا على القديم، فلا فرق بين الحدث الأصغر والأكبر، كما إذا غلب عليه النوم في صلاته فاحتلم، فإنه يغتسل ويبني.
وقال أبو جنيفة: تبطل صلاته هاهنا، وكيف يبني؟ أيعود إلى الركن الذي سبقه الحدث فيه أم يشتغل بما بعده؟ قال الصيدلاني: لو سبقه الحدث في الركوع فيعود إلى الركوع لا يجزئه غيره.
قال: ووافقنا أبو حنيفة فيه، وفصل إمام الحرمين فقال: إن سبقه الحدث قبل أن يطمئن في ركوعه فلا بد من العود إليه، وإن كان بعد أن يطمئن فالظاهر أنه لا يعود إليه؛ لأن ركوعه قد تم في الطهارة، وهذا التفصيل هو الذي أورده المصنف في "الوسيط"؛ فيجوز أن يجري كلام الصيدلاني على إطلاقه، ويقال: لا بد من العود إليه، وإن اطمأن قبل الحدث لينتقل منه إلى الركن الذي بعده فإن الانتقال من الركن إلى الركن واجب، وقد قدمنا له نظائر.
ويجب على المصلي إذا سبقه الحدث وأراد أن يتوضأ ويبني أن يسعى في تقريب الزمان، وتقليل الأفعال بحسب الإمكان، فليس له أن يعود إلى الموضع الذي كان يصلي فيه بعد ما تطهر إن كان يقدر على الصلاة في موضع أقرب منه إلا إذا كان إماماً لم يستخلف، أو مأموماً يبغي فضيلة الجماعة، فهما معذوران في العود إليه، ذكره في "التتمة" وما لا يستغنى عنه من السعي إلى الماء والاستسقاء وما أشبه ذلك، فلا بأس به، ولا يؤمر بالعود والبدار الخارج عن الاقتصاد، ويشترط أن لا يتكلم على ما ورد في الخبر إلا إذا احتاج إليه في تَحْصِيل الْمَاء، وهل يشترط أن يمتنع عن أسْبَابِ الحَدَثْ عَمْدًا إلى أن يتوضأ؟ حكى أصحابنا العراقيون وغيرهم عن نص الشافعي -رضي الله عنه
الجزء: 2 - الصفحة: 4
- تفريعاً على القديم أنه لو سَبَقَهُ البَوْل فخرج واسْتَتَّم الباقي لم يضر ذلك: لأن طهارته [فيها] 390 قد بطلت بما سبق، ولم تتأثر الصَّلاة به، فالبول بعده يَطْرَأ على طهارةٍ باطلةٍ فلا يؤثر.
وقال إمام الحرمين: تبطل صلاته بما فعله إذا أمكنه التماسك؛ لأن الفعل الكثير يبطل صلاته إذا كان مستغنىً عنه، فكذلك الحدث إذا كان مختاراً فيه، وهذا هو الذي أورده في الكتاب، فقال: ولا يحدث عمداً، والذي أورده الجمهور هو الأول، ونقل صاحب "البيان" هذه الصورة وحكمهما عن النص، قال: واختلفوا في المعنى، فمنهم من علل بحاجته إلى إخراج البقية، ومنهم من علل بأن الطهارة قد بطلت بالقدر الذي سبقه فلا أثر لما بعده، فعلى الأول لا يجوز أن يحدث حدثاً آخر مستأنفاً، وعلى الثاني يجوز، ولا يخفى أن جميع ما ذكرناه في "طهارة الرفاهية" فأما صاحب طهارة الضرورة كالمستحاضة فلا أثر لحدثه المتجدد، لا عند الشروع، ولا في أثناء الصلاة.
قال الغزالي: وَيَجْرِي هَذَا القَوْلُ في دَفْعِ كُلِّ مُنَاقِضٍ لاَ تَقْصِيرَ مِنْهُ فِيهِ كَمَا إِذَا انْحَلَّ إِزَارُهُ فَرَدَّهُ، وَكَمَا لَوْ وقع عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ يَابِسَةٌ فَدَفَعَهَا فِي الحَالِ، وَانْقِضَاءُ مُدَّةِ المَسْحِ مَنْسُوبٌ إلَى تَقْصِيرِهِ، وَفِي تَخَرُّقِ الخُفِّ تَرَدُّدٌ، لِتَقْصِيرِهِ بِالذُّهُولِ عَنْهُ.
قال الرافعي: ما سوى الحدث من الأسباب المناقضة للصلاة إذا طرأت في الصلاة باختياره بَطلت صلاتُه، كما لو أحدث باختياره، وكل ما يبطل الصَّلاة إذا طَرأ باختياره يبطلها أيضاً إذا طَرأ لا باختياره، لكن إذا كان منتسباً فيه إلى تقصير؛ كما لو كان ماسحاً على الخف، فانقضت مدة مسحه في أثناء الصلاة، واحتاج في ذلك إلى غسل القدمين، أو استئناف الوضوء فتبطل صلاتُه، ولا يخرج على قول سبق الحدثِ، لأنه مُقَصِّرٌ بإيقاع الصَّلاة في الوقت الذي تنقضي مدّة المَسْح في أثنائها، فأشبه المختار في الحدث.
وقضية هذا أن يقال: لو شرع في الصَّلاَةِ على مُدَافَعَةِ الأَخْبَثَيْنِ وهو يعلم أنه لا تبقى له قوة التماسك في أثنائها، ووقع ما علمه تبطل صَلاتُه لا محالة، ولا يخرج على القولين، ولو تَخَّرَق خُفَّ الماسِحِ في صلاته، وظهر شىِء من محل الفرض، فوجهان: أحدهما: أنه تبطل الصَّلاة بلا خلافٍ، لأنه مقصر من حيث ذَهَل عن الخُفّ، ولم يتعهده ليعرف قوته وضعفه، فأشبه انقضاء المدة.
وأظهرهما: أنه على قَولَيْ سَبْقِ الحدث؛ لأن الإنسان لا يتعهد الخف كل ساعة،
الجزء: 2 - الصفحة: 5
فلا يعد مقصراً بترك البَحْثِ عنه، وقد يفجأ الخرق لبعض العوارض أيضاً؛ أما إذَا حدث مناقِضٌ في الصلاة لا باختياره ولا تقصير منه فإن أمكن إزالته على الاتصال بحدوثه؛ كما لو انكشفت عورتُه فرد الثوب في الحال، أو وقعت عليه نجاسة يابسة فنفض ثوبه وسقطت في الحال، فلا يقدح في صحة الصلاة، وكذا لو ألقى الثوب الذي وقعت عليه النجاسة في الحال صحت صَلاتُه، ولا يجوز أن ينحيها بيده أو كمه، هكذا نقل صاحب "التهذيب" وغيره، وإن احتاج في الدفع إلى زمان يتخلل بين عروضه واندفاعه، ففيه القولان المذكوران في سبق الحدث.
وقوله: (يجري هذا القول في دفع كل مناقض لا تقصير منه فيه) -يعني- به هذه الحالة، وإن كان اللفظ مطلقاً، فأما إذا دفعه في الحال، فالصلاة صحيحة بلا خلاف.
ومثال ما يحتاج في دفعه إلى زمان: ما إذا تنجس ثوبه، أو بدنه واحتاج إلى الغسل، أو طيرت الريح ثوبه وأبعدته.
ولو أصاب المصلي جرح، وخرج منه دم على سبيل الدَّفْقِ، ولم يلوث البَشرة فقد قال في "التتمة": لا تبطل صلاته بحال، لأن المنفصل منه غير مضافٍ إليه، ولعل هذا فيما إذا لم يمكن غسل موضع الانفتاق، أو كان ما أصابه قليلاً، وقلنا: القليل من الدّم معفوٌّ عنه كما سيأتي، وإلا فقد صار ذلك من الطَّاهِرِ فيجب غسله.
قال الغزالي: الشّرْطُ الثَّانِي: طَهَارَةُ الخَبَثِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ فِي الثَّوْبَ وَالبدَنِ وَالمَكَانِ (وَأَمَّا الثَّوْبُ) فإِنْ أَصَابَ أَحَدَ كُمَّيهِ نَجَاسَةٌ فَأدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى أَحَدِهِمَا فَغَسَلَهُ لَمْ تَصِحَّ صَلاتُهُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ استَيقَنَ نَجَاسَةَ الثَّوْبِ وَلَمْ يْسَتَيقِنْ طَهَارَتَهُ.
قال الرافعي: النجاسة قسمان:
أحدهما: النجاسة التي تقع في مظنة العذر والعفو.
والثاني: التي تقع فيها.
أما الأول: فيجب الاحتراز عنه في ثلاثة أشياء: في الثوب، والبدن، والمكان، ويجوز أن يعلم قوله: (فهي واجبة) بالميم؛ لأن أصحابنا نقلوا عن مالك أن إزالة النجاسة عنده لا تجب للصلاة، وإنما تستحب، ويدل على وجوب طهارة الثَّوْبِ قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ 391. وقد قال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- لأسماء -رضي الله عنها- "حِتِّيهِ، ثُمَّ [اقْرِضِيهِ] 392 ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالمَاءِ، ثُمَّ صَلِّي فِيهِ" 393 فإن أصابه نجاسة، وعرف موضعها منه،
الجزء: 2 - الصفحة: 6
فطريق إزالتها بالغسل كما سبق، ولو قطع موضع النجاسة حصل الغرض، ويلزمه ذلك إذا تعذر الغسل، وأمكن ستر العورة بالطاهر منه، ولم ينقص من قيمته بالقطع أكثر من أجرة مثل الثوب لو استأجره، وإن لم يعرف موضع النجاسة من الثوب، وكان يجوزه في كل جزء منه، وجب غسل جميعه وكذلك في البدن، ولا يجوز الاقتصار على غسل البعض لا بالتحري، ولا دونه، وإن أفاد ذلك الشك في نجاسة الباقي؛ لأن حصول النجاسة في هذا الثوب متيقن، واليقين لا يدفع بالشَّكِّ.
ولو شَقَّه نِصْفيْن لم يجز التَحَرِّي فيهما؛ لجواز أن يكون الشَّقُّ في موضع النجاسة فيكونا نَجِسَيْنِ، ولو أصاب شيء رطب طرفاً من هذا الثَّوب لا نحكم بنجاسته؛ لأنا لا نتيقن نجاسة موضع الإصابة، ولو غسل أحد نصفيه، ثم غسل النصف الثاني، فهو كما لو تيقن نجاسة الكُلِّ، وغسله هكذا، وفيه وجهان:
أحدهما: أنه لا يطهر حتى يغسل الكل دفعة واحدة.
وأظهرهما: أنه إن غسل مع النصف الثاني القدر الذي يجاوره من الأول طهر الكل، وإن لم يغسل إلا النصف في الدفعة الثانية طهر الطرفان، وبقي المنتصف نجساً في صورة اليقين، ونجساً في الصورة الأولى.
ولو نجس واحد من موضعين منحصرين، أو مواضع وأشكل عليه؛ كما لو تنجس أحد الكُمَّيْنِ فأدى اجتهاده إلى نجاسة أحدهما فغسله وصلّى فيه، فهذه مسألة الكتاب، وفي صحة صلاته وجهان:
أحدهما: وينسب إلى ابن سريجَ؛ أنها تَصِحّ، لحصول غلبة الظَّنِّ بالطَّهَارة.
وأصحهما عند معظم الأصحاب: أنها لا تصح؛ لأن الثوب واحدٌ، وقد تيقن نجاسَتَه، ولم يتيقن الطَّهارة، فيستصحب اليقين، وصار كما لو خفي موضع النجاسة ولم تنحصر في بعض المواضع، فلو فصل أحد الكُمَّيْنِ عن الثوب واجتهد فيهما فهما كالثَّوْبين إن غسل ما ظنه نجسًا وصلى فيه جاز، وإن صلَّى فيما ظنه طاهراً جاز أيضاً؛ لأنه لم يستيقن نجاسته أصلاً، فاجتهاده متأيد باستصحاب أصل الطهارة، بخلاف ما قبل الفصل.
ويجري الوجهان فيما إذا نجس إحدى يديه، أو إحدى أصابعه، وغسل النجس عنده وصلى؛ وكذلك فيما لو اجتهد في ثوبين، وغسل النجس عنده، وصلى فيهما معاً؛ لأنه استيقن النجاسة في المجموع ولم يستيقن الطهارة، لكن الأظهر هاهنا الجواز، وفرقوا بأن محل الاجتهاد الاشتباه بين الشيئين، فأما إذا اشتبه عليه أجزاء الشيء الواحد، فلا يؤمر فيه بالاجتهادِ، ولهذا لا يجتهد إذا خفي عليه موضع النجاسة، ولم ينحصر في
الجزء: 2 - الصفحة: 7
موضعين، أو مواضع مخصوصة، وفإذا كان كذلك، فتأثير الاجتهاد فيه أضعف.
ولو غسل إحدى الكُمَّين بالاجتهاد وفصله عن الباقي فجواز الصَّلاة فيما لم يغسله وحده على الخلاف [وإذا غسل أحد الثوبين بالاجتهاد تجوز الصلاة في كُلِّ واحدٍ منهما وحده بلا خلاف] 394.
ولو اشتبه عليه ثوبان طاهر ونجس، أو أثواب بعضها طاهر وبعضها نَجِس، فيجتهد كما سبق في الأواني، فإن لم يغلب على ظنه شيء، وأمكنه غسل واحد ليستصحبه في صلاته لزمه ذلك، وإلا فهو كما لو لم يجد إلا ثوباً نجساً، وسيأتي حكمه في الشَّرْطِ الثَّالِثِ 395، ولو غلب على ظنه طهارة أحد الثَّوْبَيْن، واستصحبه، ثم تغير اجتهاده عمل بمقتضى الاجتهاد الثاني في أظهر الوجهين، كما في القبلة 396، بخلاف الأواني، حيث لا يعمل فيها بالاجتهاد الثاني على النص لما سبق أنه يلزم منه نقض الاجتهاد بالاجتهاد.
قال الغزالي: وَلَوْ أَلْقَى طَرَفَ عِمَامَتِهِ عَلَى نَجَاسَةٍ بَطُلَتْ صَلاتُهُ وَإِنْ كَانَ لاَ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ، وَلَو قَبَضَ طَرَفَ حَبْلٍ مُلْقى عَلَى نَجَاسةٍ بَطُلَتْ صَلاتُهُ إِنْ كَانَ المُلاَقِي يَتَحرَّكُ بِحَرَكَتِهِ وإلاَّ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى سَاجُورِ كَلْبٍ أَوْ عُنُقِ حِمَارٍ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالجَوَازِ، وَلَوْ كَانَ رَأسُ الحَبْلِ تَحْتَ رِجْلِهِ فَلاَ بَأْسَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ حَامِلاً.
قال الرافعي: ما لبسه المصلي يجب أن يكون طَاهِراً، سواء كان يتحرك بحركته في قيامه وقعوده، أو كان لا يتحرك بعض أطرافه كذنابة العَمَامَةِ، وكما لا يجوز أن يكون شيء من ملبوسه نجساً لا يجوز أن يكون ملاقياً للنجاسة، فلو ألقى طرف عمامته على أرض نجسة، أو عين نجسة بطلت صَلاتُهُ، وإن لم يتحرك بحركته؛ لأنها ملبوسة له أو معدودة من ثيابه، فصار كما لو لبس قميصاً طويلاً لا يرتفع زيله بارتفاعه، وكان نجساً لا تصح صلاته، وذكر الصيدلاني وآخرون أن عند أبي حنيفة: إن لم يتحرك طرف العمامة الملقى على النجاسة بحركته جازت صلاته، فليكن قوله: (وإن كان لا يتحرك بحركته) معلماً بالحاء لذلك، ولو قبض على طرف حبل، أو ثوب وطرفه الآخر
الجزء: 2 - الصفحة: 8
نجس، أو ملقى على نجاسة، فإن كان يتحرك ذلك الطرف بارتفاعه وانخفاضه بطلت صلاته؛ لأنه حامل للشيء النجس، أو لما هو متصل بالنجاسة [وإن كان لا يتحرك فوجهان:
أحدهما: تبطل صلاته كما في العَمَامة، لأنه حامل لشيء متصل بالنجاسة] 397.
والثاني: أنها لا تبطل، لأن الطَّرف الملاقي للنجاسة ليس محمولاً له، فإنه لا يرتفع بارتفاعه، بخلاف العمامة فإنها منسوبة إليه لبساً، والمصلي مأخوذ بطهارة ثيابه، وكلام الأكثرين يدل على أن الوجه الأول أرجح عندهم، ولو كان طرف الحبل ملقى على ساجور 398 كلب، أو مشدوداً به، فوجهان مرتبان على الصورة السابقة، وهذه الصورة أولى بصحة الصلاة، لأن بين الكلب وطرف الحبل واسطة، وهي الساجور، فيكون أبعد عن النجاسة.
ولو كان طرف الحبل على الكلب فهو والصورة السابقة سواء.
ولو كان طرف الحبل على موضع طاهر من حمار، وعليه نجاسة في موضع آخر، فالخلاف فيه مرتب، وهذه الصورة أولى بالصحة من سورة السَّاجُور؛ لأن الساجور قد يعد من توابع الحبل وأجزائه، بخلاف الحمار، هكذا رتب السائل إمام الحرمين وصاحب الكتاب في "الوسيط" وأشار هاهنا إلى معظم الغرض وإذا تركت الترتيب، وقلت: أخذ بطرف حبل طرفه الآخر نجس، أو متصل بنجاسة حصل في الجواب ثلاثة أوجه:
أحدها: تصح.
والثاني: لا.
والثالث: إن كان الطرف الآخر نجساً أو متصلاً بعين النجاسة كما لو كان في عنق كلب فلا تصح، وإن كان متصلاً بشيء طاهر، وذلك الطاهر متصل بنجاسة، كما لو كان مشدوداً في ساجور، أو خرقة وهما في عنق كلب أو عنق حمار وعليه حِمْلٌ نَجِسٌ فلا بأس، وهكذا أورد الخلاف الصيدلاني، وتابعه صاحب "التهذيب".
ثم اعرف هاهنا أموراً.
أحدها: أن فرض صاحب الكتاب الصورة فيما إذا قبض بيده على طرف الحبل، ليس لتخصيص الحكم بالقبض، بل لو شده في يده، أو رجله، أو في وسطه كان كما
الجزء: 2 - الصفحة: 9
لو قبض عليه، على أن صاحب "التهذيب" جعل صورة الشد أولى بالمنع، حيث ألحقها بمسألة العمامة، ولم يحك فيها خلافاً، وفي القبض باليد روى الوجوه الثلاثة.
الثاني: الفرق بين أن يكون الطرف الملقى على النجاسة يتحرك بحركته، وبين أن لا يتحرك في الجزم بالمَنْعِ في الحالة الأولى، وتخصيص الخلاف بالحالة الثانية لم أره إلا للمصنف، وإمام الحرمَين، ومن تابعهما، وعامة الأصحاب أرسلوا الكلام إرسالاً، سواء منهم من جزم بالمنع، ومن أثبت الخلاف.
الثالث: أطلق الكلام في الكلب، وهكذا فعل الشيخ أبو محمد، والصيدلاني، وابن الصباغ، وفصل الأكثرون وقالوا: إن كان الكلب صغيراً، أو ميتاً؛ وطرف الحبل مشدود عليه بطلت صلاته بلا خلاف؛ لأنه حامل للنجاسة، ويعنون به أنه لو مشى لجره، وإن كان الكلب كبيراً حياً، فأصح الوجهين: أنها تبطل أيضاً؛ لأنه حامل لشيء متصل بالنجاسة.
والثاني: لا؛ لأنه يمشي باختياره، وله قوة الامتناع، وإذا كان مشدوداً في سفينة وموضع الشد طاهر، وفي السفينة نجاسة فإن كانت صغيرةً تنجر بالجر فهي كالكلب، وإن كانت كبيرةً فلا بأس، كما لو كان مشدوداً في باب دار فيها نجاسة، وحكوا وجهاً بعيداً في السفينة الكبيرة أيضاً، ويعرف من هذا الفصل صحة قولنا من قبل.
إن قضية كلام الأكثرين ترجيح وجه البطلان.
الرابع: قوله: (على ساجور كلب، أو عنق حمار عليه نجاسة) يفهم أن الشد ليس بشرط، بل يجري الخلاف عند حصول الاتصال والالتقاء والعراقيون من أصحابنا أطبقوا على التصوير في الشَّد، ولعل السبب فيه أنهم ينظرون إلى الانجرار عند الجر، ولا يكون ذلك إلا بتقدير الشد، ثم اتفقت الطوائف على أنه لو جعل رأس الحبل تحت رجله صحت صلاته في الصور جميعها؛ لأنه ليس حاملاً لنجاسة، ولا لما هو متصل بنجاسة، وما تحت قدمه طاهر، فأشبه ما لو صلى على بساط طرفه الآخر نجس.
قال الغزالي: وَأَما البَدَنُ: فَيَجِبُ تَطْهِيُرُه كَمَا سَبَقَ في الطَّهَارَةِ، وَفِيهِ مَسْألَتَان: إِحْدَاهُمَا: إِذَا وَصَلَ عَظْمَهُ بِعَظْمٍ نَجِسٍ وَجَبَ (ح و) نَزْعُهُ وإِنْ كَانَ يَخَافُ الهَلاَكَ عَلَى المَنْصُوصِ، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ مُتَعَدِّياً فِي الجَبْرِ بأن وَجَدَ عَظْماً طَاهِراً وَإِذَا لَمْ يَكْتِسِ العَظْمُ بِاللَّحْمِ فَإِنِ استَتَرَ سَقَطَ حُكْمُ النَّجَاسَةِ عَنْهُ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ النَّزْعِ لَمْ يَنْزَع عَلَى النَّصِّ لِأَنَّهُ مَيِّتٌ كُلُّهُ، وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ أنَّهُ لاَ يَنْزعُ عِنْدَ خَوْفِ الهَلاَكِ.
قال الرافعي: "فيجب تطهيره كما سبق في الطهارة" لا اختصاص له بالبدن، بل حكم إزالة النجاسة فيه، وفي الثوب والمكان واحد، فلو ذكر هذا الكلام عند قوله:
الجزء: 2 - الصفحة: 10
(وهي واجبة في الثوب والبدن والمكان) لكان أحسن، إلا أن يريد به الإشارة إلى الاستنجاء أيضاً، فإن النجاسة التي تصيب البدن تنقسم إلى: ما يزال بالماء لا غير، وإلى ما يخفف بالحجر ونحوه، وهذا من خاصية البدن، ثم تكلم هاهنا في مسألتين:
إحداهما: وَصَل العَظم.
ومن انكسر عظم من عظامه فجبره بعظم طاهر 399 فلا بأس، إن جبره بعظم نجس ينبغي أن يتذكر أولاً: إن هذا يتفرع على ظاهر المذهب في نجاسة العظام، فينظر إن احتاج إلى الجبر ولم يجد عظماً طاهراً يقوم مقامه فهو معذور للضرورة، وليس عليه نزعه، وإن لم يحتج إليه، أو وجد طاهراً يقوم مقامه، فيجب عليه النزع إن كان لا يخاف الهلاك، ولا تلف عضو من أعضائه، ولا شيئاً من المحذورات المذكورة في التيمم، فإن لم يفعل أجبره السلطان عليه، ولم تصح صلاته.
معه؛ لأنه حامل لنجاسة يمكنه إزالتها، وقد تعدى بحملها، ولا عبرة بالألم الذي يلحقه، ولا يخاف منه، ولا فرق بين أن يكتسي باللحم، وبين ألا يكتسي خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: إذا اكتسى باللحم لم يجب النزع، وإن كان لا يخاف الهلاك.
لنا: أنه حامل لنجاسة أصابته من خارج، ولم تحصل في معدن النجاسة، فيلزمه الإزالة عند القدرة، كما لو كانت على ظاهر البدن، ومال إمام الحرمين إلى ما ذكره أبو حنيفة، وذكر القاضي ابن كج: أن أبا الحسين حكاه عن بعض الأصحاب، وإن خاف من النزع الهلاك أو ما في معناه ففي وجوب النزع وجهان:
أحدهما: يجب؛ لتفريطه، ولو لم ينزع لكان مصلياً عمره مع النجاسة، ونحن نحتمل سفك الدم في ترك صلاة واحدة.
والثاني: وهو المذهب الذي لا يجب إبقاء للروح، كما لو كان عليه نجاسة يخاف من غسلها التلف لا يجب عليه غسلها، بل يحرم وهذا في حالة الحياة، أما لو مات قبل النزع، فهل ينزع منه العظم الذي يجب نزعه في الحياة؟ فيه وجهان:
أظهرهما: وهو الذي نص عليه في "المختصر"، وغيره: أنه لا ينزع؛ لأن فيه مثلة، وهتكًا لحرمة الميت، ولأن النزع في حالة الحياة إنما أمر به، محافظةً على شرائط الصلاة، فإذا مات زال التكليف، وسقط التعبد.
والثاني: أنه ينزع؛ لئلا يلقى الله -تعالى- حاملاً للنجاسة، ومنهم من خصص هذا
الجزء: 2 - الصفحة: 11
الوجه بما إذا لم يستتر باللحم، وقطع بنفي النزع بعد الموت عند استتاره، ولنعد إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
قوله: (وجب نزعه، وإن كان يخاف الهلاك على المنصوص)، الخلاف في وجوب النزع يرجع إلى حالة خوف الهلاك، وليس هو مختلفاً فيه على الإطلاق.
وقوله: (ولكن إذا كان متعديًا في الجبر) لا يختص بقولنا: يوجب النزع عند خوف الهلاك، بل حيث وجب النزع، إما وفاقاً وهو [في] 400 حالة عدم الخوف، أو على أحد المذهبين في حالة الخوف، فشرطه أن يكون متعدياً في الجبر.
وقوله في آخر المسألة: (فيه قول مخرج أنه لا ينزع عند خوف الهلاك) هو المقابل لقوله: هاهنا؛ (إن كان يخاف الهلاك على المنصوص) ولا تعلق له بقوله: (لم ينزع على النص)، لأنه ميت كله، وتعبيره عن الخلاف في وجوب النزع بالقولين المنصوص، والمخرج من تفرداته، وسائر الأصحاب لم يطلقوا في المسألة إلا وجهين، كما قدمنا، ورجحوا القول بعدم الوجوب، وايراده يشعر بترجيح الوجوب، ويجوز أن يقال: إنما عبر عن وجوب النزع بالمنصوص؛ لأن الشافعي -رضي الله عنه- قال في "المختصر": "ولا يصل ما انكسر من عظمه إلا بعظم ما يؤكل لحمه ذكيًا، وإن رقعه بعظم ميته، أجبره السلطان على قلعه" وهذا مطلق يتناول حالة الخوف وعدمه، ولك أن تعلم قوله: (وإن كان يخاف الهلاك) بالحاء؛ لأن الصيدلاني روى عن أبي حنيفة، أنه لا ينزع عند خوف الهلاك، سواء التحم، أو لم يلتحم، وعند الالتحام لا ينزع خيف الهلاك، أم لم يخف.
وقوله: (بأن وجد عظماً طاهراً) معناه عظماً طاهراً يقوم مقام العظم النجس عند الحاجة إلى الجبر، وإلا فالتعدي لا يحصل بمجرد وجدان العظم الطاهر.
وقوله: "وإذا لم يستتر العظم باللحم، فإن استتر سقط حكم نجاسته" جواب عن الوجه [الأول] 401 الذي ذكرنا، أن إمام الحرمين مال إليه، والظاهر عند الجمهور أنه لا فرق بين أن يستتر، أو لا يستتر، حيث أوجبنا النزع فليكن، قوله: (وإذا لم يستتر) معلماً بالواو؛ لأنه جعله مشروطًا، وكذا قوله: (سقط حكم نجاسته) وقوله: (فإن مات قبل النزع لم ينزع على النص، لعلك تقول: ما معنى قوله: (لم ينزع) معناه أنه لا يجوز النزع، أم أنه لا يجب؟.
والجواب أن قضية التعليل بهتك الحرمة، أنه لا يجوز، وقضية التعليل الثاني، أنه
الجزء: 2 - الصفحة: 12
لا يجب، وقد اختلف كلام الناقلين في الوجه المقابل له، وهو أنه ينزع، منهم من روى الوجوب، ومنهم من قال: الأولى النزع.
وقوله: (لأنه ميت كله)، لفظ الشافعي -رضي الله عنه- قال في "المختصر": "فإن مات صار ميتاً كله، والله حسيبه" أي: محاسبه، فإن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه، واختلفوا في معنى قوله: (صار ميتاً) منهم من قال: أراد أنه صار نجساً كله، مثل ذلك العظم، فلا معنى لقلعه، واستخرجوا من هذا اللفظ أن له قولاً في نجاسة الآدمي بالموت [ومنهم من قال: أراد أنه سقط عنه حكم التكليف بالموت] 402 وكنا نأمره بالقلع لحق الصلاة، فلا حاجة إلى النزع الآن، واعلم أن مداواة الجرح بالدواء النجس، والخيط النجس كالوصل بالعظم النجس، فيجب النزع، حيث يجب نزع العظم النجس، وكذا لو شق موضعاً من بدنه، وجعل فيه دماً، وكذا لو وشم يده بالنؤورة، أو العِظْلِم 403 فإنه ينجس عند الغرز، وحكى عن "تعليق" الفراء أنه يزال الوشم بالعلاج، فإن لم يمكن إلا بالجرح لا يجرح، ولا إثم عليه بعد التوبة.
قال الغزالي: الثَّانِيَةُ: قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: لَعَنَ الله الوَاصِلَةَ وَالمُسْتَوصِلَةَ وَالوَاشِمَةَ والمُسْتَوشِمَةَ وَالوَاشِرَةَ وَالمُسْتَوشِرَةَ 404، وَعِلَّةُ تَحْرِيمِ الوَصْلِ أَنَّ الشَّعْرَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ نَجِسًا أو شَعْرَ أجْنَبيِّ لاَ يَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُبَانًا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإِنْ كَانَ شَعْرَ بَهِيمَةٍ وَلَمْ تَكُنِ المَرْأَةُ ذَاتَ زَوْجٍ فَهِيَ مُتَعَرضَةَ لِلتُّهْمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ فَهِيَ مُلَبِّسَةٌ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ بإذْنِ الزَّوْجِ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، وَفِي تَحْمِيرِ الوَجْنَةِ تَرَدُّدٌ فِي إلْحَاقِهِ بِالوَصْلِ.
قال الرافعي: المسألة الثانية: "وصل الشَّعْرِ" والأصل فيه ما روي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لَعَنَ اللهُ الوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوشِمَةَ، وَالْوَاشِرَةَ وَالْمُسْتَوْشِرَةَ".
قال علماء العرب: الوَاصِلَة: هي التي تَصْلُ الشَّعْرُ بِشَعْرٍ آخرَ.
والمستوصلة: هي التي تسأل أن يفعل بها ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 13
والوَشم: غرز ظهر الكف ونحوه بالإبرة، وأشباهه بالعِظْلِم 405 ونحوه حتى يخضر.
والوَاشِمَةُ: هي التي تفعل ذلك.
والمُسْتَوْشِمَة [هي] 406 التي يفعل بها.
والوَاشِرَة التي تشِر الأسنان حتى يكون لها أَشَرٌ، وهو التحدد، والرِّقَةُ في طرف الأسنان، تفعله الكبيرة تشبهاً بالصغائر، ويروى [بدل] (3) "المستوشمة والمستوشرة" "المتوشمة والمتوشرة" والمعنى واحد.
وإذا عرفت ذلك فاعلم أن وصل الشَّعْرِ حَرَامٌ وِفاقاً في بعض الأحوال، وخلافاً في بعضها.
ثم قد يحرم لمعنى واحدٍ، وقد يجتمع له معان، وتفصيله أن الشَّعْرَ إما نجس، وإما طاهر، وهذا التقسيم مفرع على ظاهر المذهب، وهو أن الشعر قد ينجس بالموت، فأما الشعر النجس فيحرم وصله؛ لأنه لا يجوز استصحابه في الصلاة، وفي غير الصلاة يكون مستعملاً للشيء النجس العين في بدنه استعمال اتصال، وذلك حرام في أصح القولين، ومكروه في الثاني إلا عند ضرورة أو حاجة حاقة، ونظيره الادهان بالدهن النجس، ولبس جلد الميتة والكلب والخنزير، والامتشاط بمشط عاج، كل ذلك حرام على الأصح.
وأما غير النجس فينقسم إلى شعر الآدمي وغيره، وهذا التقسيم مفرع على ظاهر المذهب، وهو أن شعر الآدمي لا ينجس بالموت والإبانة، فأما شعر الآدمي
فيحرم وَصْلُه؛ لأن من كرامته أن لا ينتفع بشيء منه بعد مَوْتِهِ وانفصاله عنه، بل يدفن؛ وأيضاً فلأنه إن كان شعر رجل فيحرم على المرأة استصحابه والنظر إليه، وإن كان شعر امرأة فيحرم على زوجها، أو سيدها النظر إليه، وهذا بتقدير أن يكون شعر رجل أجنبي عنها، أو شعر امرأة أجنبية عن زوجها أو سيدها، وبتقدير أن يتفرع على أن العضو المبان يحرم النظر إليه، ومسه، وفيه وجهان، فإن كان شعر رجل من محارمها، أو شعر امرأة من محارم زوجها، أو لم يكن لها زوج، أو فرعنا على جواز النظر إلي العضو المبان، فلا تكاد تطرد هذه العلة الأخيرة.
ويثبت التحريم بظاهر الخبر، وبالمعنى الأول، ولا فرق في تحريم الوَصْلِ بالشعر النجس، وشعر الآدمي، بين أن تكون المرأة خَلِيَّة، أو ذات زوج.
وأما شعر غير الآدمي فينظر فيه إلى حال المرأة، إن لم يكن لها زوج ولا سيد فلا يجوز لها وصله للخبر، ولأنها تعرض نفسها للتُّهمَةِ، ولأنها تغر الطَّالِبَ، وذكر الشَّيْخُ أبو حامد، وطائفة: أنه يكره، ولا يحرم.
الأول: أظهر، وبه قال القاضي ابن كج والأكثرون، فإن كان لها زوج، أو سيد
الجزء: 2 - الصفحة: 14
فلا يجوز لها الوصل بغير إذنه، لأنه تغرير له، وتلبيس عليه، وإن وصلت بإذنه فوجهان:
أحدهما: المنع أيضاً؛ العموم الخبر.
وأقيسهما وأظهرهما: الجواز كسائر وجوه الزينة المحببة إلى الزوج.
وقال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ومتبعوه: لا يحرم، ولا يكره إذا كان لها زوج، ولم يفرقوا بين أن يأذن، أو لا يأذن، وسوي ابن كج بين حالتي الإذن وعدمه، وحَكَى في الجواز وجهين فيهما، هذا حاصل المسألة.
وقوله: (وعلة تحريم الوصل) يوهم الجزم بالتحريم على الإطلاق، ورد الكلام إلى العلة؛ لكنه لم يرد ذلك؛ ألا تراه يقول آخراً: (لم يحرم على أقيس الوجهين).
وإنما أراد أن يبين مواضع التحريم؛ خلافاً ووفاقاً مع التعرض للمعاني الموجبة للتحريم، فقوله: (إما أن يكون نجساً)، أي: فيحرم.
وهو إشارة إلى قسم النَّجِسِ من الشُّعْورِ، وغير النجس على ما ذكرناه في شعر الآدمي.
وقوله: (أو شعر أجنبي) إشارة إليه، وأما شعر غيره، وهو قوله: (أو شعر بهيمة) وإنما قال: (أو شعر أجنبي)، لأنه أراد التعليل بالمعنى الثاني على ما سبق، دون المعنى الأول، وهو كرامة الآدمي، والشَّعْرُ الموصول مبان فبين أن في تحريم النظر إلى العضو المبان وجهين؛ ليعرف أن التحريم معللاً بهذا المعنى إنما يستمر على قولنا بتحريم النظر.
واعلم أنه نص في هذا الموضع على وجهين في تحريم النظر، والذي أجاب به في أول كتاب النكاح، إنما هو التحريم، حيث قال: (والعضو المبان كالمتصل)، وسنشرح المسألة ثم -إن شاء الله تعالى-.
وقوله: (فهي متعرضة للتهمة)، أي: فيحرم عليها، وكذا قوله: (فهي ملبسة عليه)، وكأنه حذف ذكر التحريم اكتفاء بقوله أولاً: (وعلة تحريم الوصل) ولا بأس لو أعلمت قوله: (إما أن يكون نجساً) بالحاء، والواو؛ لأن عنده الشَّعْر لا يكون نجساً أصلاً، وهو قول لنا، وأما قوله: (وفي تحمير الوجنة 407 تردد) فاعلم أن الصيدلاني، والقاضي الحسين ذكرا في طريقهما أن تحمير الوجنة كوصل الشَّعْرِ الطاهر، فلا يجوز إن كانت المرأة خلية، ولا إذا كانت ذات زوج ولم يأذن لها، وإن فعلته بإذنه ففيه وجهان، واستبعد إمام الحرمين -قدس الله روحه- الخلاف فيما إذا كان بإذن الزَّوْجِ، وخصه بالوَصْل؛ لأنه ورد فيه النَّهْيُ، وفيه تغيير للخِلْقَة، وليس في التحْمِير نَهْيً، وَلا
الجزء: 2 - الصفحة: 15
تغيير ظاهر، إذا الوجنة قد تحمر لعارض غضب، أو فرح، فعلى هذا لا [يلتحق تحمير] 408 الوجنة بوصل الشَّعْرِ الطاهر على الإطلاق، بل هو جائز عند الإذن بلا خلاف، وعلى الأول يلتحق به مطلقاً، فهذا تنزيل التردد المذكور في الكتاب ومعناه؛ ونسب في "الوسيط" التردد في المسألة إلى الصيدلاني، وليس في كلامه ما يقتضي ذلك، ولا حكاه إمام الحرمين عنه، والخضاب بالسواد، وتطريف الأصابع ألحقوه بالتحمير.
قال في "النهاية": ويقرب منه تجعيد الشَّعْرِ، ولا بأس بتصفيف الطرة 409 وتسوية الأصداغ، وأطلقوا القول باستحباب الخضاب بالحناء لها بكل حال، وقد تنازع معنى التعرض للتهمة في بعض هذه الأحوال 410 إذا كانت خَلِيَّة، فليكن الأمر على تفصيلٍ سنحكيه في فصل سُنَنِ الإِحْرَامِ -إن شاء الله تعالى-.
وأما الوشم المذكور في الخبر فلا يجوز بحال، والوشر كوصل الشعر الظاهر.
قال الغزالي: (وَأَمَّا المَكَانُ) فَلْيَكُن كُلُّ مَا يُمَاسُّ بَدَنَهُ طَاهِراً (ح) وَمَا لاَ يُمَاسُّ فَلاَ بَأْسَ بِنَجَاسَتِهِ إلاَّ مَا يُحَاذِي صَدْرَهُ فِي السُّجُودِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَنَّهُ كالْمَنْسُوبِ إِلَيْهِ.
قال الرافعي: يجب أن يكون ما يلاقي بدن المصلي وثيابه من موضع الصلاة طاهراً، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يشترط إلا طهارة موضع القدمين، وفي رواية: طهارة موضع القدمين والجبهة، ولا يضر نجاسة ما عداه إلا أن يتحرك بحركته.
لنا النهي عن الصلاة في المزبَلة والمجزرة، كما سيأتي، ولا سبب له إلا نجاستهما، وكما يعتبر ذلك في جهة السفل، يعتبر في جهة العلُوّ والجوانب المحيطة به، حتى لو وقف بحيث يحتك في صلاته بجدار نَجِسٍ [أو سقف نجس] 411 بطلت صلاته، ولو صلى على بُسَاطٍ تحته نجاسة، أو على طرف آخر منه نجاسة، أو على سرير قوائمه على نجاسة لم يضر، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال [إذا كان] 412 يتحرك ذلك الموضع بحركته لم يجز، وإذا نجس أحد البيتين تحرى كما في الثياب والأواني، وإذا اشتبه مكان من بيت أو بساط فوجهان:
أصحهما: أنه لا يجزئ؛ كما لو خفي موضع النجاسة من الثوب الواحد.
الجزء: 2 - الصفحة: 16
والثاني: نعم، كما لو اشتبه ذلك في الصحراء يتحرى ويصلي، ولو كان ما يلاقي بدنه وثيابه من موضع الصلاة طاهراً، لكن كان ما يحاذي صدره، أو بطنه، أو شيئاً من بدنه في السجود نجساً فهل تصح صلاته؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن القدر الذي يوازيه منسوب إليه بكونه مكان صلاته، فيعتبر طهارته كقميصه الفوقاني الذي لا يلاقي بدنه، لما كان منسوباً إليه نعتبر طهارته.
وأصحهما: أن صلاته صحيحة؛ لأنه ليس حاملاً للنجاسة، ولا ملاقياً لها، فصار كما لو صَلَّى على بُسَاطٍ أحد طرفيه نجس تصح صلاته، وإن عد ذلك مصلاة ونسب إليه.
وقوله: (فليكن كل ما يماس بدنه طاهراً) ينبغي أن يعلم بالحاء، وكذا قوله: (فلا بأس بنجاسته) لما ذكرناه، والمراد ما يماس بدنه وثيابه.
وقوله: (وما لا يماس) أي: لا يماسهما، وفي لفظ المماسة إشارة إلى أنه لو كان تحت البساط الذي يصلي عليه نجاسة لم يضر، وإن كان يصلي على نجاسة؛ لأنه لا مماسة، ولو بسط على النجاسة ثوباً مهلهل النسيج وصلى عليه فإن كان يحصل المماسة والالتقاء في الفُرَج لم تصح الصلاة، وإن كان لا يحصل الالتقاء لكن النجاسة تحاذي من الفُرَجِ يده الموضوعة عليه في السجود أو سائر بدنه، فهذا على الوجهين السابقين في نجاسة ما يحاذي صدره.
قال الغزالي: وَقَد نَهَىَ عليه السلام عنِ الصَّلاَةِ فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: المَزْبَلَةِ وَالْمَجْزَرَةِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَبَطْنِ الوَادِي وَالحَمَّامِ وَظَهْرِ الكَعْبَةِ وَأَعْطَانِ الإبِلِ 413، أَمَّا مَسْلَخُ الحَمَّامِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، وَأَعْطَانُ الإِبِلِ مُجْتَمَعُهَا عِنْدَ الصَّدْرِ عنِ المَنْهَلِ إِذْ لاَ يُؤْمَنُ نِفَارُهَا، هَذَا حُكْمُ النَّجَاسَاتِ الَّتِى لاَ عُذْرَ فِي اسْتِصْحَابِهَا.
قال الرافعي: مما يتعلق بمكان الصلاة الكلام في الأماكن التي ورد النهي عن الصلاة فيها، وقد روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الصلاة في سبعة مواطن: المَزْبَلَةِ والمجزَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّريق، وبطن الوادي، والحَمَّامِ، ومَعَاطِنِ الإبل، وفوق ظهر بيت الله تعالى ويروى بدل بطن الوادي: المَقْبَرَةُ 414.
فأما المزبلة والمجزرة، فالنهي فيهما لنجاسة المكان، فلو فرش 415 عليه ثوباً أو
الجزء: 2 - الصفحة: 17
بساطًا طاهراً صحت الصلاة، وتبقى الكراهية لكونه مصلياً على النجاسة، وإن كان بينه وبينها حائل.
وأما قارعة الطَّريق فللنهي فيها معنيان:
أحدهما: غلبة النجاسة في الطرق.
والثاني: أن مرور الناس يشغله عن الصلاة.
قال في "التتمة": اختلفوا في أن العلة ماذا؟ وبنى عليه الصلاة في جوار الطرق في البراري، إن قلنا: النهي للمعنى الأول يثبت فيها أيضاً، وإن قلنا: للمعنى الثاني فلا، وفي صحة الصلاة في الشوارع مع غالبة النجاسات فيها القولان اللذان ذكرناهما في باب الاجتهاد؛ لتعارض الأصل والغالب، فإن صححناها فالنهي للتنزيه، وإلا فللتحريم، فلو بسط شيئاً طاهراً صحت لا محالة، وتبقى الكراهة بسبب الشغل.
وأما بطن الوادي فسبب النهي فيه خوف السيل السالب للخشوع، فإن لم يتوقع السيل ثم فيجوز أن يقال: لا كراهة، ويجوز أن يتبع ظاهر النهي 416.
وأما الحَمَّام فقد اختلفوا في سبب النهي فيه، منهم من قال سببه أنه يكثر فيه النجاسات والقاذورات، فيخاف إصابة الرشاش إياه، ومنهم من قال: بل سببه أنه مأوى الشيطان، فلا يصلى فيه، وفي المسلخ وجهان مبنيان على هذين المعنيين، إن قلنا: بالأول فلا تكره الصلاة فيه، وإن قلنا: بالثاني فتكره، وأيضاً فإن دخول الناس يشغله، وهذا الوجه أظهر، وتصح الصلاة بكل حال في المسلخ وغيره إذا علم طهارة الموضع؛ خلافاً لأحمد.
وأما ظهر الكعبة، فحكمه ما سبق في باب الاستقبال.
وأما أعطان الإبل ففد فسرها الشافعي -رضي الله عنه- بالمواضع التي تنحى إليها الإبل الشَّاربة، ليشرب غيرها، فإذا اجتمعت استبقت، وهو المراد من قوله: (مجتمعها عند الصدر من المنهل)، وليس النهي فيها لمكان النجاسة، فإنه لا كراهة في مراح الغنم، وأمر النجاسة لا يختلف، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا أَدْرَكْتُكُمُ الصَّلاَةُ، وَأَنْتُمْ فِي
الجزء: 2 - الصفحة: 18
مَرَاحِ الْغَنَم، فَصَلُّوا فِيهَا، فَإنَّهَا سَكِينَةٌ وَبَرَكَةٌ، وَإِذَا أَدْرَكَتُكُمُ، وَأَنْتُمْ فِي أَعْطَانِ الإبِلِ؛ فَاخْرُجُوا مِنْهَا، وَصَلُّوا، فَإِنَّهَا جِنٌّ خُلِقَتْ مِنْ جِنٍّ، [أَلاَ تَرَى إِذَا نَفَرَتْ كَيْفَ تَشْمَخُ بِأَنْفِهَا" 417.
والفرق من وجهين:
أحدهما: قال الشافعي -رضي الله عنه- يبين الخبر أنها خلقت من جن] 418، والصلاة تكره في مأوى الجن والشياطين، ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: "اخْرُجُوا مِنَ هذَا الْوَادِي، فَإِنَّ فِيهِ شَيْطَاناً" 419.
والثاني: أنه يخاف من نفارها، وذلك يبطل الخشوع، وهذا المعنى لا يوجد في الغنم، ومراح الغنم هو مأواها لَيْلاً، وقد يُصَوَّرَ في الغنم مثل ما صُوِّرَ في أعطان الإبل، وحكمهما واحد، ومأوى الإبل ليلًا كالموضع المعبر عنه بالعطن، نظراً إلى أنها مخلوقة من الجن، ويخاف منها أيضاً، نعم النّفار في الموضع الذي تقف فيه صادرة من المنهل أقرب لاجتماعها، وازدحامها جاثية وذاهبة، فتكون الكراهة فيه أشد، وكل واحد من العطن والمراح إذا كان نجساً بالأبوال والأبعار لم تجز الصلاة فيه، وإن كانا طاهرين صحت مع افتراقهما في الكراهة.
وقال أحمد: لا تصح الصلاة في العطن بحال.
وأما المقبرة فالصلاة فيها مكروهة بكل حال، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ، إلاَّ الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ" 420. ثم إن كانت جديدة لم تنبش، أو فرش على نبشها ثوباً طاهراً، وصلى صحت صلاته، خلافاً لأحمد، وإن صلى في مقبرة يعلم أن موضع الصلاة منها منبوش لم تصح الصلاة؛ لاختلاط صديد الموتى به، وإن شك في نبشه فقولان سبقاً في نظائر المسألة.
أظهرهما: الجواز؛ لأن الأصل الطهارة، وبه قال [مالك، وابن أبي هريرة] 421.
الجزء: 2 - الصفحة: 19
والثاني: المنع؛ لأن الغالب في المقابر النبش، وبه قال أبو إسحاق، ويكره استقبال القبور في الصلاة؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى أَنْ تُتَّخَذَ الْقُبُور مَحَارِيبَ" 422. هذا تمام الكلام في النَّجاسات التي ليست هي في مظنة العفو والعذر.
قال الغزالي: أَمَّا مَظَانُّ الأعْذَارِ فَخَمْسَةٌ: (الأوُلِىَ) الأَثَرُ عَلَى مَحَلِّ النَّجْو، وَلَوْ حَمَلَ المُصَلِّي مَنِ اسْتَجْمَرَ لَمْ يَجُزْ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، لِأَنَّ العَفْوَ فِي مَحَلِّ نَجْوِ المُصَلِّي لِلْحَاجَةِ وَلَوْ حَمَلَ طَيْرًا جَازَ، وَمَا فِي البَطْنِ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ قَبْلَ الخُرُوجِ لِأَنَّهَا مُسْتَتِرَةٌ خِلْقَةٌ، وَمَا عَلَى مَنْفَذِهِ لاَ مُبَالاةَ بِهِ عَلَى الأَظْهَرِ، وَفِي إِلْحَاقِ البَيْضَةِ المَذِرَةِ بِالحَيَوانِ تَرَدُّدٌ، لِأَنَّ النَّجَاسة مُسْتَتِرَةٌ خِلْقَةٌ، وَالقَارُورَةُ المُصَمَّمَةُ الرَّأْسِ لَيْسَتْ كَالْبَيْضَةِ (و).
قال الرافعي: القسم الثاني من النجاسات: النجاسات الواقعة مظنة العذر والعفو، وقد جعل مظان العذر خمساً:
إحداها: الأثر على محل النجو إذا استنجى بالحجر، فهو معفو عنه، وإن كان ذلك الأكل نجساً، أما كونه معفوًا عنه؛ فلما سبق من جواز الاقتصار على الحجر، وأما كونه نجساً، فلأن المطهر هو الماء، فلو خاض في ماء قليل نجس الماء؛ لأن العفو رخصة، وتخفيف الخوض في الماء مما تندر الحاجة إليه، ولو حمل المصلي من استنجى بالحجر ففي صحة صلاته وجهان:
أحدهما: تصح؛ لأن ذلك الأثر واقع في محل العفو، فلا عبرة به، كما لو صلى المحمول معه، وكما يعفى عنه من الحامل.
وأصحهما: أنها لا تصح؛ لأن العفو عنه من المستجمر إنما كان للحاجة، ولا حاجة به إلى حمل الغير، فصار كما لو حمل شيئاً آخر نجساً، وينسب الوجه الأول إلى الشيخ أبي علي، والثاني إلى القفال.
ويجري الوجهان فيما إذا حمل المصلي من على ثوبه نجاسة معفو عنها 423، ويقرب منهما الوجهان فيما لو عرق وتلوث بمحل النجو غيره، لكن الأصح هاهنا العفو لتعذر الاحتراز 424 بخلاف حمل الغير ولو حمل طيراً، أو حيواناً آخر لا نجاسة عليه
الجزء: 2 - الصفحة: 20
صحت صلاته، ولا نظر إلى ما في بطنه من النجاسة؛ لأنها في معدنها الخلقي، فلا يعطى لها حكم النجاسة، كما في جوف المصلي، وما قدمناه من الفرق بين المصلي والمحمول ينقدح هاهنا، لكن روي: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- حَمَلَ أُمَامَةَ بنْتَ أَبِي الْعَاصِ فِي صَلاتِهِ، وَهِيَ بِنْتُ بنْتِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- زَيْنَبُ" 425؛ فلذلك قلنا بالصَحة، وهذا إذا كان الحيوان المحمول طاهر المنفذ، فإن لم يكن فهو جزء طاهر تنجس بما يخرج من النجاسة، فهل تصح الصلاة؟ فيه وجهان:
أظهرهما: عند المصنف: أنها تصح، ولا مبالاة بذلك القدر اليسير.
والثاني: لا تصح، كما لو كان جزء آخر منه نجساً، وهذا أظهر عند إمام الحرمين، ولم يورد في "التتمة" سواه.
والوجهان جاريان فيما لو وقع هذا الحيوان في ماء قليل، أو مائع آخر، وخرج حيًّا هل يحكم بنجاسته؛ لنجاسة المنفذ؟ لكن الظاهر ثم العفو، لأن الحمل لا تعرض الحاجة إليه إلا على سبيل الندور، وصيانة الماء وسائر المائعات عنها مما يشق، وأيضاً فإن الطيور لم تزل تَغُوص في المياه الكثيرة والقليلة، وكان الأولون لا يحترزون عنها.
ولو حمل بيضة صار حشوها دماً، وظاهرها طاهراً، ففي صلاته وجهان، حكاهما القفال، وغيره:
أحدهما: تصح صلاته، كما لو حمل حيواناً طاهراً؛ لأن النجاسة في الصورتين مستترةٌ خلقة.
وأظهرهما: أنها لا تصح، كالنجاسات الطاهرة إذا حملها، بخلاف باطن الحيوان؛ لأن للحيوان أثراً في درء النجاسات، ألاَ ترى أنها إذا زالت نجس جميع الأجزاء، وأما البيضة فهي جماد، ويجري هذا الخلاف فيما إذا حمل عنقود استحال باطن حياته خمراً، ولا رشح على ظاهرها، وكذلك في كل استتار خِلْقِي.
ولو حمل قارورة مصممة الرأس بصفر ونحوها، وفيها نجاسة، فظاهر المذهب -وهو المذكور في الكتاب-، أن صلاته تبطل؛ لأن استتار النجاسة هاهنا ليس بخلقي، بخلاف البيضة والحيوان، وعن أبي علي بن أبي هريرة أنها تصح؛ لأن النجاسة باطنة لا يخرج منها شيء فأشبهت ما في البيضة، وباطن الحيوان.
ولو حمل حيواناً مذبوحًا بعد غسل الدم عن موضع الذبح، فالذي قاله الأئمة أن الصلاة باطلة، بخلاف الحمل في حال الحياة، ولم يذكروا هاهنا الخلاف المذكور في
الجزء: 2 - الصفحة: 21
البيضة ونحوها، وذلك جواب منهم على ظاهر المذهب، وإلا فالنجاسة مستترة هاهنا أيضاً خِلْقَة، ويجوز أن يجعل منافذ الحيوان فارقاً -والله أعلم-.
وقوله: في مسألة حمل الطير: (لأنها مستترة خلقة) ظاهر اللفظ إنما هو التعليل بمجرد الاستتار خلقة، ولو كان كذلك لوجب أن لا يقع التردد في البيضة لوجود العلة، لكن في الحيوان وجد أمران الاستتار الخِلقي، وكونه [في] 426 باطن الحيوان، فكأن بعضهم جعل العلة مجموع الأمرين، ومنع من حمل البيضة، وبعضهم اكتفى بالوصف الأول، وجوز حمل البيضة، فإذًا قوله: (لأنها مستترة خلقة) إشارة إلى الوصف الذي لا بد منه، ثم يبقى الكلام في أنه مؤثر وحده، أو مع شيء آخر، وأراد بالبيضة المذكورة التي صار حشوها دماً، وإلا فهي كالملح المنتن، وهو طاهر.
وقوله: القارورة المصممة الرأس، يعني بالصفر والنحاس وما أشبه ذلك، أما التصميم بالخرقة ونحوها فلا يغني كَلَفِّ النجاسة في الخرقة، والشمع عند بعضهم كالخرقة، وألحقه القاضي ابن كج بالرصاص.
قال الغزالي: (الثَّانِيَةُ) يُعْذَرُ مِنْ طِينِ الشَّوَارعِ فِيمَا يَتَعَذَّرُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ غَالِبًا، وَكَذَا مَا عَلَى الخُفِّ فِي حَقِّ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ.
قال الرافعي: طين الشوارع ينقسم إلى ما يغلب على الظن اختلاطه بالنجاسات، وإلى ما يستيقن، وإلى غيرهما، فأما غيرهما فلا بأس به، وأما ما يغلب على الظن اختلاطه بالنجاسات، ففيه قولان: سبق ذكرهما في باب الاجتهاد، وأما ما تستيقن نجاسته فيعفى عن القليل منه؛ لأن الناس لا بد لهم من الانتشار في حوائجهم، وكثير منهم لا يملك إلا ثوباً واحداً، فلو أمروا بالغسل لَعَظُمَ العناء والمشقة، وأما الكثير فلا يعفى عنه كسائر النجاسات، والقليل هو الذي يتعذر الاحتراز عنه، والرجوع في الفرق بينه، وبين الكثير إلى العادة، ويختلف الأمر فيه بالوقت وبموضعه من البدن، وذكر الأئمة له تقريباً.
فقالوا القليل المعفو عنه؛ هو الذي لا ينسب صاحبه إلى سقطة، أو نكبة، أو قلة تَحَفُّظٍ، فإن نسب إلى شيء من ذلك فهو كثير.
وقوله: (ويعذر من طين الشوارع) أراد به القسم الثالث: وهو المستيقن النجاسة على ما صرح به في "الوسيط"، ثم الذي يغلب على الظن نجاسته في معناه إن فرعنا علي العمل بالغالب.
وأما قوله: (وكذا ما على الخف في حقْ من يصلي معه) فاعلم أولاً أن أصحابنا
الجزء: 2 - الصفحة: 22
حكوا عن الشافعي -رضي الله عنه- قولين في أنه إذا أصابت أسفل خفه أو نعله نجاسة فدلكه بالأرض حتى ذهب أجزاؤها، هل تجوز صلاته فيه؟ قالوا: وهما مبنيان 427 على أنه لا يطهر، والكلام في العفو.
أحدهما -وهو القديم-: أنه تجوز صلاته فيه، وبه قال أبو حنيفة، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا أَصَابَ خُفَّ أَحَدِكُمْ أَذًى فَلْيدْلِكْهُ بِالأَرْضِ" 428.
ولأن النجاسة تكثر في الطرق، وغسله كل مَرَّةٍ مما يشق، فعفى عنه، فاكتفى بالمسح كمحل النجو.
والثاني -وهو الجديد-: أنه لا يجوز الصلاة فيه ما لم يغسل كالثوب إذا أصابه نجاسة، والأذى في الخبر محمول على المستقذرات، وذكروا للقولين شروطاً:
أحدهما: أن يكون تنجسه بنجاسة لها جُرْمٌ يلتصق به، أما البول ونحوه فلا يكفي فيه الدلك بحال.
والثاني: أن يقع الدلك في حال الجفاف، فأما ما دام رطباً فلا يغنى الدلك بلا خلاف.
والثالث: حكي عن الشيخ أبي محمد بأن الخلاف فيما إذا كان يمشي في الطريق فأصابته النجاسة من غير تعمد منه، فأما إذا تعمد تلطيخ الخف بها وجب الغسل لا محالة، ثم قال الأصحاب: الفتوى على الجديد، ولم يفرقوا في حكاية القولين بين القليل والكثير من طين الشوارع المستيقن نجاسته وبين سائر النجاسات الغالبة في الطرق.
واعلم ثانياً أن قوله: (وكذا ما على الخف) يعني: من طين الشوارع، وسائر النجاسات الغالبة في الطرق، كالروث وغيره، لأن لفظه في "الوسيط" (وكذا ما على الخف من نجاسة، لا يخلو الطريق عن مثلها) وإذا عرفت ذلك ذلك أن تقول: إن قلنا بالقديم فيحتمل نجاسة الخف، ويكتفي بانتشار جرم النجاسة عنه بالدلك بعد الجفاف، وإن قلنا بالجديد فلا يحتمل ذلك، فما معنى قوله: (وكذا ما على الخف) أهو جواب على القديم أم كيف الحال؟ والجواب: أن خروجه على القديم واضح لا ينكر ووراءه احتمالان أقربهما أن يكون القولان مفروضين في الكثير الذي يعفى عنه من النجاسات، وهل يجب غسله إذا أصاب الخف أم يكتفي فيه بالدلك؟ ويكون المراد مما ذكره في
الجزء: 2 - الصفحة: 23
الكتاب القليل من الطين المستيقن نجاسته، ومن الروث وغيره، فيعفى عنه في الخف كما في الثوب والبدن من غير غسل ولا دلك؛ بل العفو فيه؛ لأن الاحتراز أشق، وكذلك يكتفي فيه بالدلك على قول، ولا يكتفي به في الثوب والبدن بحال، فعلى هذا لا يتعين كلام الكتاب جوابًا على القديم، بل القليل معفو عنه بلا خلاف، والأثر الباقي على القديم أيضاً فينتظم فيهما الحكم بالعفو مما على الخف.
والاحتمال الثاني هو: أن يؤخذ بإطلاق القولين، ويطرد في القليل والكثير من هذه النجاسات، ويجوز أن يفرق على هذا بين الخف والثوب بأن الحاصل على الخف قدر كبير، وأيضاً فإن الخف ينزع في الغالب، ولا يحتاج إلى استصحابه بخلاف الثياب، فعلى هذا يتعين كلام الكتاب جوابًا على القديم، ومتى وقع التفريع على القديم مراداً سواء كان ذلك كل المراد، أو من المراد، فيجب أن يريد بقوله: (وكذا ما على الخف) أثر النجاسات المذكورة بعد الجفاف دون عينها، فإنه لو بقي العين فلا يحتمل على القديم أيضاً، كما لا يحتمل على الجديد، وعلى الاحتمال الأول ينبغي أن يعفى عن اللوث الحاصل على جميع أسفل الخف وأطرافه، وبعد ذلك قليلاً بخلاف ما لو كان على الثوب والبدن، وكذا يعفى عن اللوث في حال الرطوبة كما في الثوب البدن، بخلاف ما إذا فرعنا على القديم، فإن العفو يختص بالأثر الباقي بعد الجفاف والدَّلْكِ، ثم العفو بكل حال فيما يحصل من غير قصد منه، أما لو تعمد التلطيخ فلا، وهكذا يكون الحكم في الثوب والبدن، ولهذا قال في باب الاستقبال: الماشي المتنفل لو مشى على نجاسة قصداً بطلت صلاته، ولا تجب المبالغة في التحفظ عند كثرة النجاسات في الطرق فإن قلت حكيتم ثَم عن إمام الحرمين أنه لو مشى على نجاسة رطبة بطلت صلاته، سواء كان قاصدًا إليها، أو لم يكن، وهذا يخالف ما ذكرتم الآن قلنا: ذاك إذا جرينا على الاحتمال الأول، الأقرب محمول على ما إذا حصل تلويث كثير لا يقع في حد العفو.
واعلم أن قوله في باب المسح على الخفين: (يمسح أعلى الخف، وأسفله إلا أن يكون على أسفله نجاسة) إن كان تجويزًا للصلاة معه، وعفوًا فتنزيله على قضية القولين كما ذكرنا في قوله: (وكذا ما على الخف) ويمكن أن يقال: ليس الغرض ثَمَّ، سوى أنه لا يصح على الأسفل إذا كان عليه نجاسة كما قدمناه.
قال الغزالي: الثَّالِثَةُ: دَمُ البَرَاغيثِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ إِلاَّ إِذَا كَثُرَ كَثْرَةَ يَنْدُرُ وُقُوعَهُ وَيَخْتَلِفُ ذلِكَ بِالأَوْقَاتِ وَالأمَاكِنِ، فَإِنْ وَقَع كَثْرَتُهُ فِي مَحَلِّ الشَّكِّ فَالاْحْتِيَاطُ أَحْسَنُ، وَالتَّرَخَّصُ بهِ جَائِزٌ أَيْضًا.
قال الرافعي: دم البراغيث ينقسم إلى قليل وكثير، فالقليل مَعْفُو عنه في الثوب
الجزء: 2 - الصفحة: 24
والبدن جميعاً، لأنه مما تَعم [البلوى به] 429 ويشق الاحتراز عنه، فعفى عنه نفياً للحرج، وأما الكثير ففيه وجهان:
أصحهما عند العراقيين، والقاضي الروياني وغيرهم، أنه يعفى 430 عنه أيضاً، لأنه من جنس ما يتعذر الاحتراز عنه، والغالب في هذا الجنس عسر الاحتراز، فيلحق غير الغالب منه بالغالب كما أن المسافر يترخص، وإن لم يلحقه في سفره مشقة اعتباراً بالغالب، وبأن الحاجة إلى الفرق والتمييز بين القليل والكثير مما توجب المشقة.
والوجه الثاني: أنه لا يعفى عنه؛ لأن الأصل اجتناب النجاسات، وإنما خالفنا في القليل لعموم البلوى به، وهذا أصح عند إمام الحرمين، وهو المذكور في الكتاب، وفي معنى دم البراغيث دم القمل، والباعوض وما أشبه ذلك، وكذا ونيم 431 الذباب، وبول الخفاش، ولو كان قليلاً فعرق وانتشر اللطخ بسببه، ففيه الوجهان المذكوران في الكثير، واختيار القاضي الحسين أنه لا يعفى عنه لمجاوزته محله، واختيار أبي عاصم العبادي 432 العفو، لتعذر الاحتراز، ثم بماذا يفرق بين القليل والكثير في دم البراغيث وغيره؟ حكي فيه قولان قديمان:
الجزء: 2 - الصفحة: 25
أحدهما: أن القليل قدر دينار فما دونه وإن زاد عليه فهو كثير.
والثاني: أن القليل ما دون قدر الكف، والجديد: أنه لا عبرة بذلك، واختلفوا فيما يضبط به على قياسه في الجديد على وجهين:
أحدهما: أنه إذا بلغ حدًا يظهر للناظر من غير تأمل وإمعان طلبًا فهو كثير، وإن كان دونه فهو قليل؛ لأن المقصود من الاحتراز عن النجاسات تعظيم أمر الصلاة وأداؤها على الهيئة الحسنى، وإذا صارت النجاسة بحيث تظهر للناظرين فقد اختل معنى التعظيم.
وأظهرهما: أن الرجوع فيه إلى العادة مما يقع التلطيخ به غالباً، ويعسر الاحتراز عنه، فهو قليل، وإن زاد عليه فهو كثير، وذلك لأن أصل العفو إنما أثبتناه لتعذر الاحتراز عن هذه النجاسة، فينظر في الفرق بين القليل والكثير إليه أيضاً، فعلى الوجه الأول لا يختلف الحال بالأماكن والأوقات، وعلى الوجه الثاني هل يختلف؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل يعتبر الوسط المعتدل، ولا ينظر في الأزمنة والأمكنة إلى ما يندر فيه ذلك، ولا إلى ما يتفاحش فيه.
وأظهرهما: أنه يختلف الأمر باختلاف الأوقات والأماكن؛ لأن لها تاثيراً ظاهراً في سهولة الاحتراز وعسره، فعلى هذا يجتهد المصلي فيه وينظر؛ أهو قليل أم كثير؟ وإذا فرعنا على ما ذكره في الكتاب، وهو أن الكثير لا يعفى عنه؛ فلو شك في أن ما أصابه قليل أو كثير فقد ذكر إمام الحرمين فيه احتمالين:
أحدهما: أنه لا يعفى عنه؛ لأن الأصل اجتناب النجاسة، والرخصة إنما تثبت في القليل، فإذا شككنا في أنه قَلِيلٌ أم لا، فقد شككنا في المرخص.
والثاني: أنه يعفى: لأن الأصل في هذه النجاسة العفو إلا إذا تيقنا الكثرة، وهذا هو الذي رجحه وذكره في الكتاب، حيث قال: (والترخص جائز أيضاً) والأول هو الاحتياط.
ولنبين المواضع المستحقة للعلامات من هذا الفصل.
قوله: (إلا إذا كثر) ينبغي أن يعلم بالواو للوجه الصائر إلى العفو في الكثير والقليل، وكذلك بالحاء والألف؛ لأن الحكاية عن أبي حنيفة أن دم البراغيث طاهر، وبه قال أحمد في أصح الروايتين، فلا فرق بين القليل والكثير، وهذا مذهبهما في الرطوبة المنفصلة عن كل ما ليس له نفس سائلة كونيم الذباب، ونحوه.
وقوله: (كثرة يندر وقوعها) بالواو، إشارة إلى القولين القديمين، فإنهما لا ينظران إلى غلبة الوقوع وندرته، ولا يعتبران الكثرة بندرة الوقوع.
الجزء: 2 - الصفحة: 26
وقوله: (ويختلف ذلك بالأوقات والأماكن) للوجه الصائر إلى مراعاة الظهور، والوجه المعتبر للوسط أيضاً.
وقوله: (والترخيص جائز أيضاً) ينبغي أن يعلم (أيضاً) للاحتمال الأول على ما سبق.
قال الغزالي: (الرَّابِعَةُ) دَمُ البَثَرَاتِ وَقَيْحُهَا وَصَدِيدُهَا مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وإنْ أَصَابَهُ مِنْ بَدَنِ غَيْرِهِ فَوَجْهَانِ، وَلَطَخَاتُ الدَّمَامِيلِ والفِصْدَانِ دَامٍ غالِباً فَكَدَمِ الاسْتِحَاضَةِ، وإنْ لَمْ يُدْمَ فَفِي إِلْحَاقِهَا بِالبَثَرَاتِ تَرَدُّدٌ.
قال الرافعي: دم البثرات كدم البراغيث، لأن الإنسان قلما يخلو عن بثرة يترشح منها شيء، فلو وجب الغسل كل مرة لَشقَّ، بل ليس دم البراغيث إلا رشحات تمصها البراغيث من بدن الإنسان، ثم تمجها، وإلا فليس لها دماء في نفسها، ذكره إمام الحرمين، ولذلك عدت البراغيث مما ليس له نفس سائلة.
إذا تمهد ذلك، فالقليل منه معفو عنه بلا خلاف، وفي الكثير وجهان كما في دم البراغيث، ولفظ الكتاب هاهنا وإن كان مطلقاً إلا أنه أراد به القليل لوجهين:
أحدهما: أنه أجاب بعدم العفو في دم البراغيث إذا كان كبيراً والخلاف في الدمين واحد، فلا ينتظم أن نحكم هاهنا بالعفو في الكثير.
والثاني: أنه قال: متصلاً به (وإن أصابه من بدن الغير فوجهان) والخلاف فيما يصيبه من بدن الغير في القليل دون الكثير على ما سيأتي، وإذا كان مراده القليل فلا حاجة إلى إعلامه بالواو من حيث إن اللفظ يتناول الكثير، وهو مختلف فيه؛ لأن القلة مضمرة فيه، لكن يجوز أن يعلم بالواو من جهة أنه يشمل ما إذا عصر البثرة قصداً، وأخرج ما فيها، وقد نقل صاحب "التتمة" في هذه الصورة وجهين، لأنه مستغنى عنه، وإلا ظهر العفو على ما يقتضيه إطلاق الكتاب، لما روي أن ابن عمر -رضي الله عنه- عصر بثرة على وجهه، ودلك بين أصابعه بما خرج منها، وصلى، ولم يغسله 433، ولو أصابه دم من بدن غيره، من آدمي، أو بهيمة، أو غيرهما، نظر إن كان كثيراً فلا عفو عنه؛ لأنه قدر فاحش، والاحتراز عنه سهل، وإن كان قليلاً وهو المراد من لفظ الكتاب، فقد حكى فيه وجهين، وكذلك فعل الصيدلاني، وجماعة من الجمهور حكوهما قولين:
أحدهما: وهو نصه في "الإملاء": أنه لا يعفى عنه، لأنه لا يشق الاحتراز عنه، فأشبه القليل من الخمر وسائر النجاسات.
الجزء: 2 - الصفحة: 27
والثاني: وهو نصه في "القديم" وفي "الأم": أنه يعفى عنه، لأن جنس الدم يتطرق إليه العفو، فيقع القليل منه في محل السامحة.
والأصح منهما عند العراقيين، إنما هو العفو، وتابعهم صاحب "التهذيب"، وعند إمام إلحرمين وجماعة عدم العفو، وهو الأحسن، ولو أصابه شيء من دم نفسه، ولكن لا من البثرات، بل من الدماميل [والقروح، ومن موضع القصد والحجامة.
ففيه وجهان:
أحدهما: ويحكى عن ابن سريج: أنه كدم البثرات؛ لأنها دمان لم تكن غالبة فليست بنادرة أيضاً، وإذا وجدت دامت وعسر الاحتراز عن لطخها، [ولأن الفرق بين البثرات والدماميل] 434 الصغار قد يعسر.
والثاني: أنها لا تلحق بدم البثرات؛ لأن البثرات لا يخلو معظم الناس عنها في معظم الأحوال، بخلاف الدماميل والجراحات، وعلى هذا فينظر إن كان مثلها مما يدوم غالباً فهي كدم الاستحاضة، وحكمه ما سبق في "الحيض" وإن كان مما لا يدوم غالباً فيلحق بدم الأجنبي، حتى لا يعفى عن كثيره بحال، وفي قليله الخلاف الذي سبق.
والوجه الأول: هو قضية كلام الأكثرين، حيث لم يفرقوا في الدم الخارج من البدن بين أن يخرج من البَثَرَاتِ، أو غيرها.
والوجه الثاني: هو اختيار القاضي ابن كَج، والشيخ أبي محمد، وإمام الحرمين -رحمهم الله- وهو الأولى.
وإذا أردت تلخيص حكم الدماء بعد دم البراغيث فطريقه على قضية الوجه الأول أن نقول: ما سوى دم البراغيث ينقسم إلى الخارج من بدنه، فهو كدم البراغيث، وإلى غيره فلا يعفى عن كثيره، وفي قليله الخلاف، وعلى قضية الوجه الثاني أن نقول: ما سوى دم البراغيث ينقسم إلى الخارج من بدنه على وجه يعم، وهو دم البثرات فهو كدم البراغيث، وإلى غيره ويدخل فيه ما يخرج من بدنه وعلى وجه لا يعم، وما يخرج عن غيره فلا يعفى عنه كثيره، وفي قليله الخلاف.
وحكم القيح والصديد حكم الدم في جميع ما ذكرناه؛ لأنهما دمان مستحيلان إلى نتن وفساد، وأما ماء القروح والنفطات فإن كان له رائحة كريهة فهو نجس كالقيح، والصديد، وإلا ففيه طريقان 435:
أحدهما: القطع بطهارته تشبيهاً له بالعرق.
الجزء: 2 - الصفحة: 28
والثاني: فيه قولان:
أحدهما: هذا.
وأظهرهما: النجاسة كالصديد الذي لا رائحة له ويحكى هذا عن الشيخين أبي محمد، وأبي علي.
وأما ما يتعلق بلفظ الكتاب فمنه ما اندرج في أثناء الكلام، ومنه أن قوله: (وإن أصابه من بدن الغير) راجع إلى أول كلامه، وهو دم البثرات 436، لكن الخلاف في دم الغير لا يختص بالخارج من بثراته، بل يستوي فيه الخارج من البثرات وغير البثرات، وقوله: (ولطخات الدماميل والفصد)، وقد يقرأ بعضهم بدل الفصد العقد، ولا بأس به، فموضع الفصد والحجامة والدماميل كلها في الحكم سواء.
وقوله: (وإن دام غالباً) أي: إن دام مثلها غالباً، وكذا قوله: (إن لم يدم) أي: مثلها، وما أشبه ذلك، وإلا فلا يمكن أن يكون قوله دام، ولم يدم صفة الدماميل، ولا صفة اللطخات، لأن منها ما هو دائم، ومنها ما هو غير دائم، فلا يجوز وصف كلها لا بالدوام، ولا بعدم الدوام، ثم لك أن تستدرك فتقول: نظم الكتاب يقضي أن يكون التردد في إلحاقها بدم البثرات مخصوصاً بلطخات الدماميل التي لا تدوم، وأن تكون لطخات الدماميل الدائمة ملحقة بدم الاستحاضة من غير تردد، وليس الأمر كذلك، بل حكى إمام الحرمين وغيره في إلحاقها بدم البثرات وجهين مطلقاً كما قدمنا، ثم يفصل على وجه عدم الإلحاق فيقال: ما يدوم منها كدم الاستحاضة، وما لا يدوم كدم الأجنبي، وإيراده في "الوسيط" محتمل لما ذكره في "الوجيز"، ولما هو الحق.
قال الغزالي: الخَامِسَةُ: الجَاهِلُ بِنَجَاسَةِ ثَوْبِهِ فِيهِ قَوْلاَنِ: الجَدِيدُ: وُجوُبُ القَضَاءِ فَإِنْ كانَ عَالِمًا ثُمَّ نَسِيَ فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِالوُجُوبِ (م)، وَمَثَارُ التَّرَدُّدِ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ المَنَاهِي فَيَكُونُ النِّسْيَانُ عُذْراً فِيهِ أَوْ مِنْ قَبِيلِ الشُّرُوطِ كَطَهَارَةِ الحَدَثِ.
قال الرافعي: إذا صلى وعلى ثوبه أو بدنه أو موضع صلاته نجاسة غير معفو عنهما، وهو لا يدري نظر إن لم يعلم بها أصلاً ثم تبين الأمر له، ففي وجوب القضاء قولان:
الجديد وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ: أنه يجب؛ كما لَو بَانَ له بعد الفراغ من الصلاة أنه كان محدثاً، والقديم: أنه لا يجب لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "خَلَع نَعْلَه فِي الصَّلاَةِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُم، فَلَمَّا قَضَى صَلاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى مَا صَنَعْتُم، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَكَ
الجزء: 2 - الصفحة: 29
فألْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ أتَانِي وَأَخْبَرنِي أَنَّ فِيهَا قَذَرًا" 437.
والاستدلال أنه بعد تبين الحال مضى في صلاته، ولم يستأنف، ولو علم بالنجاسة، ثم نَسِيَ فصلى، ثم تذكر فطريقان:
أحدهما: القطع بوجوب القضاء، لتفريطه.
والثاني: أنه على القولين، لأن النسيان عذر كالجهل ويقال: إن القول بعدم وجوب الإعادة مخرج من القول القديم في نسيان الماء في الرحل ولا يمكن اعتبارها بالحدث، فإن العفو إلى النجاسات أسرع منه إلى الحدث، فيجوز أن يعد الجهل والنسيان فيها من الأعذار، ثم إذا أوجبنا الإعادة فيجب إعادة كل صلاة تيقن أنه صلاها مع تلك النجاسة، وإن احتمل أنها حدثت بعد ما صلى، فلا شيء عليه.
وعن أبي حنيفة: إن كانت النجاسة رطبة أعاد صلاة واحدة، وإن كانت يابسةً وكان في الصيف فكذلك، وإن كان في الشتاء أعاد صلاة يوم وليلة.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أن قوله: (الجاهل بنجاسة ثوبه) - المراد منه النجاسة التي لا يعفى عنها؛ والخلاف لا يختص بالثوب بل البدن والمكان في معناه، وإنما ذكر الثوب مثالاً.
قوله: (الجديد وجوب القضاء) اعلم لفظ (الوجوب) بالميم، لأن المنقول عن مالك إن كان الوقت باقياً يعيد، وإلا فلا.
قال الشيخ أبو حامد: ومهما قال مالك ذلك فلا يوجب الإعادة، ولكن يستحبها في الوقت، وحكى إمام الحرمين مثل ذلك عن أئمة مذهبه، ويجوز أن يعلم بالألف أيضاً؛ لأنه روي عن أحمد روايتان في المسألة كالقولين، وقوله: فقولان مرتبان في الصورة الثانية يشير إلى أن فيها طريقين 438 كما رويناهما.
وقوله: (وأولى بالوجوب) يجوز أن يعلم لفظ "الوجوب" بالميم والألف؛ إشارة إلى مذهبهما، والحكم عندهما واحد في الصورتين.
وقوله: "ومثار التردد ... " إلى آخره، شرحه أن خطاب الشارع قسمان:
أحدهما: خطاب التكليف بالأمر، أو النهي، والنسيان يؤثر في هذا القسم ألا ترى أن الناسي لا يأثم بترك المأمور، ولا بفعل المنهي، لأنه لم يبق مكلفاً عند النسيان، بل التحق بالمجنون وبسائر من لا يخاطب.
الجزء: 2 - الصفحة: 30
والقسم الثاني: خطاب الأخبار 439 وهو ربط الأحكام بالأسباب، وجعل الشيء شرطاً من هذا القبيل، فإن معناه أن يقول: إذا لم يوجب كذا في كذا فهو غير معتد به، والنسيان لا يؤثر في هذا القسم، ولهذا يجب الضمان على من أتلف مال الغير ناسياً، لأنه مأخوذ من قوله: (من أتلف ضمن) واختلاف القولين مستند إلى أن استصحاب النجاسة من قبيل المناهي في الصلاة، حتى إذا كان ناسياً يعذر، ولا يعد مقصراً مخالفاً، أو الطهارة عنها من قبيل الشروط، فلا يؤثر الجهل والنسيان كما في طهارة الحدث، وقد ورد في الباب ألفاظ ناهية، نحو قوله -صلى الله عليه وسلم-: "تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلِ" 440.
وقوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ 441.
وألفاظ شارطة نحو ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "تُعَادُ الصَّلاَةُ مِنْ قَدْرِ الدَّرْهَمِ مِنَ الدَّمِ" 442 فهذا بيان ما ذكره.
وأعلم أن هذا الكلام يوجب أن يكون قوله من قبيل الشرط.
الثاني: طهارة الحدث بناء على قوله الجديد، وأن يكون القوم القديم منازعاً فيه، ثم لك أن تقول: إنه عد ترك الكلام من الشروط، ومعلوم أن الكلام ناسياً لا يضر بلا خلاف بيننا، فإن كانت الشروط لا تتأثر بالنسيان فمن الواجب أن لا يعده شرطاً، وحيث أدرجه في الشروط، فكأنه أراد بالشروط عند عد الأشياء الستة ما لا بد منه في الصَّلاَةِ عند العلم، وأراد بالشروط في قوله هاهنا: ومن قبيل الشروط ما لا بد منه مطلقاً، وما لا بد منه عند العلم قد يكون بحيث لا بد منه على الإطلاق، وقد لا يكون كذلك، ثم بتقدير أن يكون استصحاب النجاسة من المناهي في الصلاة، فلم تبطل الصلاة إذا أستصحبها عالمًا، أيلزم ذلك من نفس النهي أم يؤخذ من دليل زائد؟ فيه كلام أصولي لا أطول منها بذكره.
خاتمة لهذا الشرط: قوله في أول القسم الثاني: (أما مظان الأعذار فخمس) يشعر بانحصارها في الخمس المذكورة، لكن للعذر مظاناً أخر.
الجزء: 2 - الصفحة: 31
منها: النجاسة التي تستصحبها المستحاضة، وسلس البول في صلاته.
ومنها ما إذا كان على جرحه دَمٌ كثير يخاف من إزالته.
ومنها: تلطخ سلاحه بالدم في صلاة شدة الخوف.
ومنها الشَّعْرُ الذي ينتف ولا يخلو عنه ثوبه وبدنه، وحكمه حكم دم البراغيث.
ومنها القدر الذي لا يدركه الطرف من البول، والخمر، وغير الدم من النجاسات، ففيه خلاف ذكرناه في الطهارة.
وقال أبو حَنِيفَةَ: النجاسة قسمان: مُغَلَّظَةْ، ومخففة [فالمغلظة] 443 كالخمر، وللعذرة، وبول ما لا يؤكل لحمه، فيعفى عنها في الثوب والبدن والمكان بقدر الدرهم البغلي 444 فما دونه، فإن زاد لم يجز، والمخففة كبول ما يؤكل لحمه، فتجوز الصلاة معه ما لم يتفاحش، وهو أن لا يبلغ ربع الثوب، ومنهم من قال: التفاحش الشبر في الشبر 445.
قال الغزالي: الشَّرْطُ الثَّالِثُ: سَتْرُ العَوْرَةِ، وَهُوَ وَاجِبٌ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ، وَفِي وُجُوبهِ فِي الخَلْوَةِ تَرَدُّدٌ، وَالمُصَلِّي فِي خَلْوَةٍ يَلْزَمُهُ السَّتْرُ فهي الصَّلاَةِ.
القول في ستر العورة:
قال الرافعي: وجوب ستر العورة عند القدرة لا يختص بحالة الصلاة، بل يجب في غير حالة الصلاة أيضاً، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَكْشِفْ فَخْذَكَ، ولا تَنْظُر إِلَى فَخِذِ حَيٍّ، وَلاَ مَيِّتٍ" 446.
وروي: "لاَ تُبْرِزْ فَخْذَكَ".
وهذا إذا كان معه غيره، فأما إذا كان في الخلوة فوجهان:
أحدهما، وبه قال الشيخ أبو محمد: لا يجب إذ ليس ثم من ينظر إليه، وروي هذا عن أبي حنيفة، وأحمد.
وأصحهما، وبه قال الشيخ أبو علي: يجب لظاهر الخبر، وللتستر عن الجن والملائكة، وأيضاً فإن الله تعالى أحق أن يُسْتَحَى منه.
الجزء: 2 - الصفحة: 32
وأما في حالة الصلاة فهو شرط للصحة، فلو تركه مع القدرة بطلت صلاته، سواء كان في خلوة، أو معه غيره 447 خلافاً لمالك، حيث قال: إنه ليس بشرط؛ لكنه واجب في الصلاة وغيرها، وروى بعضهم عن مذهبه أن الستر شرط عند الذكر، ولا يشترط حالة النسيان.
لنا قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ 448.
عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: يعني الثياب عند الصلاة.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَقْبَل الله صَلاَةَ حائِضٍ إلاَّ بِخِمَارٍ" 449.
والمراد بالحائض البالغة 450، ذلك أن تعلم قوله: (الشرط الثالث ستر العورة) بالميم لما حكينا عن مذهب مالك.
وقوله: (يلزمه الستر في الخلوة) إن كان المراد منه الاشتراط، فكذلك ينبغي أن يعلم بالميم، وإن كان المراد منه الوجوب فلا يجوز أن يعلم قوله: (ستر العورة) بالحاء، والألف أيضاً؛ لأنه يشير إلى أن ستر الكل شرط، فإنه لو كان البعض مكشوفاً صح أن يقال: ما ستر عورته، ستر بعضها.
وعند أبي حنيفة: لو ظهر من العورة المُغَلَّظَةِ قدر درهم بطلت صلاته، ولا بأس بظهور ما دونه، ولو ظهر من العورة المخففة قدر ربع عضو بطلت الصَّلاة، ولا بأس بظهور ما دونه.
قال: والمغلظة السوأتان، والمخففة ما سواهما على تفاوته بين الرجل والمرأة كما سيأتي.
وعند أحمد لو ظهر اليسير من العورة، لم يضر، ولم يقدر كما فعله أبو حنيفة -رحمه الله-.
قال الغزالي: وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، وَعَوْرَةُ الحُرَّةِ جَمِيعُ بَدَنِهَا إلاَّ الوَجْهَ
الجزء: 2 - الصفحة: 33
وَاليَدَيْنِ إِلى الكُوعَينِ، وَظُهُورُ القَدَمَيْنِ عَورَةٌ فِي الصَّلاَةِ، وَفِي أُخْمُصَيْهَا وَجْهَانِ، وَأَمَّا الأَمَةُ فَمَا يَبْدُو مِنْهَا فِي حَالِ المِهنَةِ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ، وَمَا بَيْنَهُ إِلَى مَحَلِّ عَوْرَةِ الرَّجُلِ فِيه وَجْهَانِ:
قال الرافعي: ترجمة هذا الشرط الثالث إنما هي ستر العورة، فيجب بيان العورة، وبيان كيفية السَّتْرِ، وأنه بم يحصل؟ وهذا الفصل لبيان حد العورة، وهي من الرجل حراً كان أو عبداً: ما بين السُّرَّةِ والرُّكْبَةِ، وليست السرة من العورة ولا الركبة على ظاهر المذهب؛ لما روي عن أبي اْيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا فَوْقَ الرُّكْبَةِ وَدُونَ السُّرَّةِ عَوْرَةٌ" 451.
وروي أنه قال: "عَوْرَةُ الرَّجُلِ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتِهِ" 452.
وليكن قوله: (ما بين السّرة والركبة) معلماً بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة الركبة غير خارجة عن حد العورة، وإن كانت السرة خارجة، وبالميم؛ لأن عن مالك الفخذ ليس بعورة، وبالواو لأمور ثلاثة:
أحدها: أْنهم حكوا وجهاً عن بعض الأصحاب أنهما جميعاً من العورة.
والثاني: أن أبا عبد الله الحناطي حكى عن الإصطخري أن عورة الرجل هي القبل والدبر فقط.
والثالث: أن أبا عاصم العبادي حكى عن بعضهم أن الركبة من العورة دون السُّرة، وليكن معلماً بالألف أيضاً؛ لأن عن أحمد رواية أن عورة الرجل القبل والدبر لا غير، وعنه رواية أخرى مثل مذهبنا، وهي أظهر عندهم، وأيضاً فإن المراد من العورة هاهنا ما يجب ستره في الصلاة، وعنده يجب ستر المنكب في الصلاة المفروضة، وهو خارج عما بين السرة والركبة.
أما المرأة فإن كانت حرة فجميع بدنها عورة، إلا الوجه واليدين 453 لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ 454.
الجزء: 2 - الصفحة: 34
قال المفسرون: هو الوجه والكفان، وليس المراد الراحة وحدها، بل اليدان ظهراً وبطناً إلى الكوعين خارجتان عن حد العورة، ولا يكاد يفرض ظهور باطن اليدين دون ظاهرهما، ولا يستثنى ظهور قدميها خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: ليست القدمان من العورة، وبه قال المزني.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ تُصَلِّي فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ مِنْ غَيرِ إِزَارٍ فَقَالَ: لاَ بَأْسَ إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا" 455.
وهل يستثنى أخمصا القدمين؟ حكى صاحب الكتاب وطائفة فيه وجهين، وجعلهما 456 آخرون قولين، منهم القفال.
أحدهما: أنهما ليستا من العورة، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- خص ظهور القدمين بالذكر، فأشعر ذلك بأن تغطية باطن القدمين لا تجب.
وأصحهما: أنها من العورة تسوية بين ظاهرهما وباطنهما، كما يسوى بين ظاهر اليدين وباطنهما في الخروج عن حد العورة، ولك أن تعلم قوله: (واليدين) بالألف لأن أصحابنا حكوا عن أحمد أنه لا يستثني إلا الوجه، ويدها عورة.
وقوله: (وظهر القدمين عورة في الصلاة) كالمستغنى عنه، ولو اقتصر على قوله: (إلا الوجه واليدين، وفي أخمصي قدميها وجهان) لحصل الغرض، لأنه إذا لم يستثن إلا الوجه واليدين بقي ظهر القدمين داخلاً في المستثنى منه، وإذا ذكره فاليعلم بالحاء والزاي لما قدمناه.
وقوله: (عورة في الصلاة) أشار به إلى أن العورة قد تطلق لمعنى آخر، وهو ما يحرم [النظر إليه، وكلامنا الآن فيما يجب ستره] 457 في الصلاة، فأما ما يجوز النظر إليه، وما لا يجوز فيذكر في أول كتاب النكاح، هذا ما قصده، لكن هذه الإشارة لا اختصاص لها بظهر القدم، فلو تعرض لها في أول ما ذكر العورة لكان أحسن.
وأما الأمة فقد جعل بدنها على ثلاث مراتب:
أحدها: ما هو عورة من الرجل فلا شك في كونه عورة منها.
والثانية: ما يبدو وينكشف في حال المهنة، فليس بعورة منها، وهو الرأس والرقبة والساعد وطرف السّاقِ، لأنها تحتاج إلى كشفه، ويعسر عليها ستره.
الجزء: 2 - الصفحة: 35
وفيه وجه أن جميع ذلك عورة كما في حق الحرة، سوى الرأس، لأنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رَأَى أَمَةً سَتَرَتْ رَأْسَهَا فَمَنَعَهَا عَنْ ذلِكَ، وَقَالَ: أَتَتَشَبَّهِينَ بِالْحرائِرِ؟! فليكن قوله: (مما يبدو منها في حالة المهنة) معلماً بالواو لهذا الوجه.
والثالثة: ما عداهما كالصدر والظهر، وفيه وجهان:
أحدهما: إنه عورة كما في حق الحرة، وإنما اَحتملنا الكشف فيما يظهر عند المهنةِ، لأن الحاجة تدعو إليه.
وأصحهما: أنه ليس بعورة، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في الرجل يشتري الأمة.
"لاَ بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا إِلاَّ إِلَى الْعَوْرَةِ، وَعَوْرَتُهَا بَيْنَ مَعْقِدِ إِزَارِهَا إِلَى رُكْبَتِهَا" 458.
وحكم المكاتبة والمدبرة والمستولدة ومن بعضها رقيق حكم الأمة، وحكم الخنثى المشكل إن كان رقيقاً، وقلنا بظاهر المذهب وهو أن عورة الأمة كعورة الرجل، فلا يلزمه أن يستر في صلاته إلا ما بين السرة والركبة، وإن كان حراً أو رقيقاً وقلنا: إن عورة الأمة أكثر من عورة الرجل، وجب عليه ستر الزيادة على عورة الرجل أيضاً؛ لجواز الأنوثة، فلو خالف ولم يستر إلا ما بين السرة والركبة، فهل تجزئه صلاته؟ فيه وجهان نقلهما في "البيان":
أحدهما: نعم، لأن كون الزيادة عورة مشكوك فيه.
والثاني: لا؛ لاشتغال ذمته بفرض الصلاة، والشك في براءتها 459.
قال الغزالي: وَأَمَّا السَّاتر فَكُلُّ مَا يَحُولُ بَيْنَ النَّاظِرَ وَبَيْنَ البَشَرَةِ، فَلاَ يَكْفِي الثَّوْبُ السَّخِيفُ وَلاَ المَاءُ الصَّافِي، وَيَكْفِي المَاءُ الكَدِرُ والَطِّينُ، وَفي وُجُوبِ التَّطيينِ عِنْدَ فَقْدِ الثَّوْبِ وَجْهَانِ، وَإِذَا كَانَ القَمِيصُ مُتَّسِعَ الَّذيْلَ فَلاَ بَأْسَ، وَإِنْ كَانَ مُتَّسِعَ الأَزْرَارِ لَمْ يَجُزْ إلاَّ إِذَا كَانَتْ كثَافَةُ لِحْيَتِه تَمْنَعُ مِنَ الرُّؤْيَةِ عِنْدَ الرُّكُوعِ فَيَجُوزُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَكذَا لَوْ سَتَرَ بِاليَدِ بَعْضَ عَوْرَتَهِ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:
إحداهما: في صفة السَّاتر، ويجب أن يستر عورته بما يحول بين الناظر ولون
الجزء: 2 - الصفحة: 36
البشرة، فلا يكفي الثوب الرقيق الذي يشاهد من وراءه سواد البشرة وبياضها، وكذا الغليظ المهلهل النسج الذي تظهر بعض العورة من فُرَجِهِ، فإن مقصود السَّتْرِ لا يحصل بذلك، أما لو 460 ستر اللون ووصف حجم الأعضاء فلا بأس كما لو لبس سروالاً ضيقاً، أو ثوباً صفيقاً، ووقف في الشمس، وكان حجم أعضائه يبدو من ورائه، ولو وقف في ماءٍ صافٍ لم تصح صلاته، لأنه لا يحول بين الناظر وبين لون البشرة إلا إذا غلبت الخضرة لتراكم الماء، فإن خاض فيه إلى عنقه ومنعت الخضرة من رؤية لون أبي البشرة فحينئذ يجوز، وقوله: (ولا الماء الصافي) المراد منه غير هذه الحالة وإن كان اللفظ مطلقاً.
ولو وقف في ماء كدر وصلى، فهل يجزئه؟ فيه وجهان:
أصحهما: وهو المذكور في الكتاب، أنه يجزئه؛ لأنه يمنع مشاهدة اللون، فأشبه ورق الشَّجَرِ، والجلد، وغيرها.
والثاني: لا يجزئه؛ لأنه لا يعد ساتراً، حكي هذا عن "الحاوي" 461 ونقله أبو اَلْحَسَنِ العَبَّادِيّ عن القفال أيضاً، وإنما تفرض الصلاة في الماء إذا قدر على الركوع والسجود [على الأرض، أو كان في صلاة الجنازة حتى لا يحتاج إلى الركوع، والسجود] 462 ولو طين عورته واستتر اللون أجزأه، وإن قدر على الستر بالثياب لحصول مقصود الستر هذا هو المشهور، وذكر إمام الحرمين أنه متفق عليه بين الأصحاب، لكن صاحب "العدة" قال فيه وجه آخر: أنه لا يجوز؛ لأنه إذا جف تشقق فلا يحصل به السَّتْر، وهذا قريب من [الوجه] 463 المحكى في الماء الكدر، فإن السَّتْرَ بهما مما لا يعتاد بحال، فليكن كل واحد من اللفظين (الماء الكدر والطين) معلماً بالواو.
وإذا فرعنا على الظاهر فلو لم يجد ثوباً ونحوه وأمكنه التطيين، فهل يجب عليه ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، وبه قال أبو إسحاق لما فيه من المشقة والتلويث.
وأصحهما: نعم؛ لحصول السَّتْر، وإذا طين فإن كان الطين ثخينًا، وأمكن الاحتراز عن مس الفرج بثخنه فذاك، وإن كان رقيقًا فيلف خرقة على اليد إن وجدها، وله أن يستعين فيه بغيره، وكل هذا إذا عجز عن تقديم التطيين على الوضوء
الجزء: 2 - الصفحة: 37
القول في صفة الستر:
المسألة الثانية: في كيفية الستر، قال الأصحاب: الستر يرعى من الجوانب، ومن فوق ولا يرعى من أسفل الإزار والذيل، حتى لو صلى في قميص متسع الذيل جاز، وإن كان على طرف سطح يرى عورته من نظر من الأسفل؛ [لأن الستر إنما يلزم من الجهة التي جرت العادة بالنظر منها، والعادة لم تجر بالنظر من أسفل] (1) وتوقف إمام الحرمين، وصاحب "المعتمد" في سورة الواقف على طرف السطح؛ [لأن الستر من الأسفل إنما لا يراعى إذا كان على وجه الأرض، فإن التطلع من تحت الإزار لا يمكن إلا بحيلة وتعب، أما إذا كان على طرف السطح] (2) [فالأعين] 464 تبتدر إدراك السَّوْءَة، فليمتنع ذلك، ولو صلَّى في قميص واسع الجيب ترى عورته من الأعلى في حال من أحوال الصلاة إما في الركوع والسجود، أو غيرهما، لم تصح الصلاة لما روي عن سلمة بن الأكوع قال: "قلت يا رسول الله إني رجل أسيد أفأصلي في القميص الواحد؟ قال: "نَعَمْ، وَأزْرُرْهُ وَلَو بِشَوْكَةٍ" 465.
وطريقه عند سعة الجيب أن يزره كما أرشد إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- أو يشد وسطه بخيط، أو يشتد موضع الجيب بشيء يلقيه على عاتقه، أو ما أشبه ذلك، وكذا لو لم يكن واسع الجيب، لكن كان على صدر القميص، أو ظهره خرق تبدو منها العورة، فلا بد من شيء مما ذكرناه، ولو كان القميص بحيث يرى من سعة جيبه شيئاً من العورة عند الركوع والسجود لكن منع منها لحيته، أو شعر رأسه، ففيه وجهان:
أحدهما: لا تجزئه صلاته؛ لأن الساتر لا بد وأن يكون غير المستتر، فلا يجوز أن يكون بعضه لباساً له، وهذا ما ذكره القاضي ابن كج، والروياني.
وأصحهما: أنه يجوز لحصول مقصود الستر كما لو ستره بمنديل، وكما لو كان على إزاره ثقبة فجمع عليها الثوب بيده، ولو ستر باليد الثقبة ففيه الوجهان، ولا يخفى أن الكلام فيما إذا لم تمس السوءة، ولو كان القميص بحيث تظهر منه العورة عند الركوع، ولا مانع وكان لا يظهر شيء منها في القيام فهل تنعقد صلاته ثم إذا انحنى بطل، أو لا تنعقد أصلاً؟ قال إمام الحرمين: فيه هذان الوجهان؛ لأن سبب عدم التكشف التصاق صدره في القيام بموضع إزاره.
وتظهر فائدة الخلاف فيما لو اقتدى به غيره قبل الركوع، وفيما لو ألقى ثوباً على (1)، (2) سقط في "ب".
الجزء: 2 - الصفحة: 38
عاتقه قبله، ويتبين بما ذكرناه أن قوله: (إلا إذا كانت كثافة لحيته مانعة من الرؤية) ليس لحصر الاستئناء في هذه الصورة، بل لو صلى في قميص متسع الجيب وشد وسطه، أو أتى بطريق آخر يمنع الرؤية كما سبق جاز [وقوله] 466 (وكذا لو ستر باليد بعض عورته) في جريان الوجهين، والأصح منهما.
وأعلم: أنه يشترط في الستر أن يكون الساتر شيئاً يشتمل المستور عليه إما باللبس كالثوب والجلد، أو بغير اللبس كما في سورة التطيين، فأما الفسطاط الضيق ونحوه فلا عبرة به؛ لأنه لا يعد مشتملاً عليه، وإنما يقال: هو داخل فيه.
ولو وقف في جب وصلى على جنازة، فإن كان واسع الرأس تظهر منه العورة لم يجز، وإن كان ضيق الرأس فقد قال في "التتمة": يجوز ذلك، ومنهم من قال: لا يجوز؛ لأنه لا يعد ذلك سترًا 467.
قال الغزالي: وَلَوْ وَجَدَ خِرْقَةً لاَ تَكْفِي إِلاَّ لإحْدَى سَوْءَتَيْهِ لَمْ يَسْتُرْ بِهَا الفَخِذَ، وَيُخَيَّرُ بَيْنَ السَّوْءَتَيْنِ عَلَى أَعْدَلِ الوُجُوهِ إِذْ لاَ تَرْجِيحَ، وَلَوْ عُتِقَتِ الأَمَةُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ تَسَتَّرَت وَاسْتَمَرَّتْ فَلَوْ كَانَ الخِمَارُ بَعِيداً فَعَلَى قَوْلي سَبْقِ الحَدَثُ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان نذكرهما، وما يليق بهما في قاعدتين:
أحدهما: إذا لم يجد المصلي ما يستر به العورة صلى عارياً، والقول في إنه كيف يصلي؟ وإذا صلى هل يقضي؟ قد سبق في آخر كتاب التيمم، ولو حضر جمع من العراة؛ فلهم أن يصلوا جماعة، وينبغي 468 أن يقف إمامهم وسطهم كالنسوة إذا عقدن الجماعة، وهل يسن لهم إقامة الجماعة أم الأولى أن ينفردوا؟ فيه قولان: "القديم" أن الانفراد أولى 469، ويحكى عن ابن حنيفة، ولو كان فيهم لاَبِسٌ فليؤمهم، وليقفوا صفاً واحداً خلفه فإن خالفوا فأم عارٍ واقتدى به اللابس جاز خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: لا يجوز اقتداء اللابس بالعاري، ولو اجتمع رجال ونساء فلا يصلون معاً، لا في صف واحد ولا في صفين، بل يصلي الرجال أولاً، والنساء جالسات خلفهم مستدبرات
الجزء: 2 - الصفحة: 39
للقبلة، ثم يصلي الرجال والنساء جالسون خلفهن، كذلك ولو وجد المصلي ما يستر به بعض العورة، فعليه أن يستر به القدر الممكن بلا خلاف، لا كمن يجد من الماء ما لا يكفيه لطهارته، فإن فيه خلافاً قدمناه؛ لأن للماء بدلاً ينتقل إليه، والستر بخلافه، ثم إن كان ما وجده يكفي للسوءتين بدأ بهما، ولو كان لا يكفي إلا إحداهما لم يعدل إلى ستر غيرهما كالفخذ؛ لأن ما سوى السوءتين كالتابع والحريم لهما، فسترهما أهم وأولى، وفيهما ثلاثة أوجه:
أصحها: عند جمهور الأصحاب، وحكوه عن نَصِّ الشافعي -رضي الله عنه- أنه يستر القبل رجلاً: كان أو امرأة؛ لأنه لا حائل دون القبل، ودون الدبر حائل وهو الأليتان.
والثاني: أنه يستر الدبر؛ لأنه أفحش عند الركوع والسجود.
والثالث: أنه يتخير لتعارض هذين المعنيين، حكى هذا الوجه القاضي ابن كج وغيره، وهو أرجح عند المصنف، وأعدل لتقابل الأمرين وانتفاء الترجيح، لكن من صار إلى الوجه الأول ذكر شيء آخر وهو أنه يستقبل بالقبل القبلة، فيكون ستره أهم تعظيماً لها، وهذا كله في واضح الذكورة والأنوثة.
أما الخنثى المشكل إن وجد ما يستر به قبله ودبره قدم سترهما، فإن لم يف الموجود بهما وفرعنا على أنه يقدم القبل فيستر قُبُليه، فإن كان لا يكفي إلاَّ لأحدهما سَتَرَ أيهما شاء، والأولى أن يستر آلة الرجال إن كان ثَمّ امرأة، وآلة النساء إن كان ثم رجل، ثم ما ذكرناه من تقديم السوءتين أو أحدهما على الفخذ وغيره، ومن تقديم إحدى السوءتين على الأخرى على الخلاف الذي فيه كلام في الاستحقاق، أو في الأولوية والاستحباب.
قال إمام الحرمين: لا يمتنع أن يقال: الكلام في الأولوية، وله ستر ما شاء؛ لأن الفخذ وما دون السّرَّة من العورة، ولا فرق عندنا بين السوءة وغيرها في وجوب الستر.
وأبو حنيفة -رحمه الله- هو الذي يفصل ويقسم العورة إلى مُغَلَّظَة ومخففة.
قال: وفي كلام الأصحاب ما يدل على أنه في التحتم نظر إلى عرف الناس، فإن من ستر فخذه وترك السوءة بادية يعد منكشفاً.
واعلم: أن الأول من هذين الاحتمالين هو الذي أورده طائفة منهم القاضي والروياني، وردوا 470 الكلام إلى الأولوية صريحاً.
والثاني: قضية كلام الأكثرين وهو الأولى.
الجزء: 2 - الصفحة: 40
وقوله في الكتاب: (لم يستر بها الفخذ) إن كان المراد منه أحد الاحتمالين، فليعلم بالواو لمكان الثاني، وإن كان المراد المشترك بينهما وهو الظاهر فذاك.
الثانية: لو كانت الأمة: تصلي مكشوفة الرأس فعتقت في خلال الصلاة، نظر إن لم تقدر على السترة مضت في صلاتها كالعاجز يأتي بجميع الصّلاة في العرى، وإن كانت قادرة على الستر لكنها لم تشعر بقدرتها عليه، أو لم تشعر بالعتق حتى فرغت من الصلاة، ففي وجوب القضاء عليها القولان المذكوران فيما إذا صلى جاهلاً بنجاسة ثوبه، ومنهم من قطع بالوجوب هاهنا، لأنها كانت متمكنة من السَّتْرِ قبل الشُّرُوع في الصلاة، وإن شعرت بهما فإن كان الخمار قريباً منها فطرحته على رأسها، أو طرحه غيرها عليها مضت في صلاتها، وكان ذلك بمثابة ما لو كشف الريح عورته فرد الثوب في الحال، وإن كان بعيداً، أو احتاجت 471 في التستر إلى أفعال كثيرة، ومضى مدة في التكشف ففيه القولان المذكوران في سبق الحدث، فإن فرعنا على القديم فلها أن تسعى في طلب الساتر، كما يسعى في طلب الماء، وإن وقفت حتى أتيت به نظر، إن وصل إليها في المدة التي كانت تصل إليه لو سعت فلا بأس، وإن زادت المدة فوجهان:
أحدهما: يجوز ذلك، لما فيه من ترك المشي والأفعال.
وأظهرهما: لا يجوز وتبطل صلاتها لزيادة المدة، وكثرة الأفعال لا بأس بها على القول الذي يفرع عليه، وينبغي أن يطرد هذا التفصيل، والخلاف في طلب الماء عند سبق الحدث، وإن لم تذكره ثم هو لو شرع العاري في الصلاة ثم وجد السترة في أثنائها، فحكمه على ما ذكرناه في الأمة تعتق وهي واجدة السترة 472.
وتختم الكلام في هذا الشرط بفروع مهمة:
منها: أنه ليس للعاري أخذ الثوب من مالكه قهرًا 473 ولو وهبه منه لم يلزمه قبوله 474، وحكي فيه وجهان آخران:
الجزء: 2 - الصفحة: 41
أحدهما: أنه يلزمه القبول والصلاة فيه، ثم له الرد.
والثاني: عليه القبول، وليس له الرد، ولو أعاره منه فعليه القبول، فلو لم يقبل وصلى عُرْيَانًا لم تصح صلاته 475.
ولو باعه أو أجره منه فهو كما لو بيع الماء منه، وقد ذكرناه في "التيمم" وإقراض الثوب كإقراض الثمن.
ولو احتاج إلى شراء الثوب والماء، ولم يقدر على شرائهما يقدم شراء الثوب.
ومنها: لو أوصى بثوبه لأولى النَّاس به في ذلك الموضع فالمرأة أولى من الرجل والخنثى أولى من الرجل.
ومنها: لو لم يجد إلا ثوباً نجساً، ولم يجد ما يغسله به فقولان:
أحدهما: يصلي فيه تستراً عن أعين الناس كما أنه يجب التستر به خارج الصلاة، وعلى هذا تجب الإعادة.
وأصحهما: أنه يصلي عارياً ولا يلبسه، فإن لم يجد إلا ثوب حرير فأصح الوجهين أنه يصلِّي فيه؛ لأن لبس الحرير يياح للحاجة 476.
ومنها: يستحب أن يصلي الرجل في أحسن ما يجده من ثيابه يتعمَّم، ويتقمَّص ويرتدي، فإن اقتصر على ثوبين فالأفضل قميص ورداء، أو قميص وَسَرَاوِيل؛ فإن اقتصر على واحد فالقميص أولى، ثم الإزار ثم السراويل، وإنما كان الإزار أولى؛ لأنه يتجافى، ثم في الثوب الواحد، إن كان واسعًا التحف به وخالف بين طرفيه، كما يفعل القصار في الماء، وإن كان ضَيِّقًا عقده فوق سرته، ويجعل على عاتقه شيئاً.
ويستحب أن تصلي المرأة في قميص سابغ وخمار وتتخذ جلبابًا كثيفًا فوق ثيابها ليتجافى عنها؛ ولا يبين حجم أعضائها 477.
الجزء: 2 - الصفحة: 42
قال الغزالي: الشَّرْطُ الرَّابعُ تَرْكُ الكَلاَمِ، وَالعَمْدُ مِنْهُ مَعَ العِلْمِ بِتَحْرِيمِهِ مُبْطِلٌ لِلصَّلاَةِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ فَتَبْطُلُ الصَّلاَةُ بِالحَرْفِ الوَاحِدِ إنْ كَانَ مُفْهِمًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُفهِمًا فَلاَ تَبْطُلُ إِلاَّ بِتَوَالِي حَرْفَيْنِ، وَفِي حَرْفٍ بَعْدَهُ مَدَّةٌ تَرَدُّدٌ، وَالتَّنَحْنُحُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ مُبْطَلٌ فِي أَصَحِّ الوُجُوهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَتِ القِرَاءَةُ إِلاَّ بِهِ لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ تَعَذَّرَ الجَهْرُ فَوَجْهَانِ.
القول في الكلام في الصلاة
قال الرافعي: عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ صَلاتَنَا هَذِهِ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ الآدَمِّيِينَ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَتِلاَوَةُ الْقُرْآنِ" 478.
وروي أن -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ اللهَ يُحْدِثُ مَن أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ وإنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَنْ لاَ تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلاَةِ" 479.
للمتكلم في الصلاة حالتان:
أحداهما: أن لا يكون معذوراً فيه.
والثانية: أن يكون معذوراً، وهذا الفصل مسوق لبيان الحالة الأولى فينظر إن نطق بحرف واحد لم تبطل صلاته، إلا إذا كان مفهمًا أما أنه لا تبطل إذا لم يكن مفهماً، فلأن أقل ما بني عليه الكلام حرفان، والحرف الواحد ليس من جنس الكلام، وأما أنه تبطل إذا كان مفهمًا فلاشْتِمَالِهِ على مقصود الكلام، والإعراض به عن الصلاة، ومثال الحرف الواحد المفهم "ق" و"ش" و"من" و"قي" و"وشي" وما أشبه ذلك، فإنه يفهم وإن كان ينبغي أن يسكت عليها بالهاء، وإن نطق بحرفين، بطلت صلاته، سواء أفهما أم لا؛ لأن ذلك من جنس الكلام، والكلام ينقسم إلى مفيد وغير مفيد، ولو أتى بحرف ومدَّة بعده، فهل هما كالحرفين؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنها قد تتفق لإشباع الحركة ولا يعد حرفًا.
= بالتيمم ويكره أن يصلي في ثوب فيه صور، ويكره أن يصلي الرجل ملثماً؛ والمرأة منتقبه، وأن يغطي فاه إلا أن يتثاءب فإن السنة حينئذ أن يضع يده على فمه، ويكره أن يشتمل الصماء، وأن يئتمل اشتمال اليهود، فالصماء: أن يجلل بدنه بالثوب ثم يرفع طرفيه على عاتقه الأيسر، واشتمال اليهود كذلك إلا أنه لا يرفع طرفيه، وقيل: هما بمعنى، والمراد بهما الثاني.
الروضة (1/ 393، 394).
الجزء: 2 - الصفحة: 43
وأظهرهما: نعم؛ لأن المدة ألف أو ياء أو واو، وهي حروف مخصوصة فضمها إلى الحرف كضم حرف آخر إليه؛ ومال إمام الحرمين إلى رفع هذا الخلاف، بحمل الوجه الأول على ما إذا اتبعه بصوت غفل لا يقع على صورة المدات، والجزم بالمنع إذا اتبعه بحقيقة المدِّ، وفي التنحنح ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه إن لم يبن منه حرفان فلا تبطل الصلاة، وإلا فيبطلها، كما لو أتى بحرفين على وجه آخر.
والثاني: أنه لا تبطل، وإن بَانَ منه حرفان؛ لأنه ليس من جنس الكلام، ولا يكاد يتبين منه حرف محقق فأشبه الصوت الغفل، وحكي هذا عن نص الشافعي -رضي الله عنه-.
والثالث: ذكره القَفَّالُ أنه إن كان مطبقًا [فمه] 480 لم يضر، وإن كان فاتحًا فمه ننظر حينئذ: هل يبين منه حرفان أم لا؟.
والفرق أنه إن كان مطبقاً شفتيه كان التنحنح كقرقرة في التجاويف، فإذا فرعنا على الأول وهو الذي قطع به الجمهور، فذلك إذا أتى به قصداً من غير حاجة، فأما إذا كان مغلوباً فلا بأس، ولو تعذرت القراءة إلا به تنحنح، وهو معذور، وإن أمكنه القراءة لكن تعذر عليه الجهر لو لم يتنحنح ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يعذر به إقامةً لشعار الجهر، ولأن التنحنح في أثناء القراءة لا يعد منقطعاً عن القراءة، بل يعد من توابعها.
وأظهرهما: أنه ليس بعذر؛ لأن الجهر أدب وسنة، ولا ضرورة إلى احتمال التنحنح له، ولو تنحنح الإمام وظهر منه حرفان؛ فهل للمأموم أن يدوم على متابعته؟ فيه وجهان ذكرهما القاضي الحسين:
أحدهما: لا، بل يفارقه؛ لأن الأصل سلامته، وصدور أفعاله عن اختياره.
وأظهرهما: أن له أن يدوم على متابعته؛ لأن الأصل بقاء العبادة، والظاهر من حالة الاحتراز عن مبطلات الصلاة، فيحمل على كونه مغلوباً، والضحك والبكاء والنفخ والأنين كالتنحنح، إن بَانَ منها حرفان بطلت صلاته، وإلا فلا؛ ولا فرق بين أن يكون بكاءه لأمر الدّنيا أو الآخرة.
وعند أبي حنيفة إن كان الأنين والبكاء لأمر الجنة والنَّار لم يضر، وإن كان لمرض ونحوه بطلت صلاته بكل حال.
الجزء: 2 - الصفحة: 44
إذا عرفت ذلك فعد إلى ألفاظ الكتاب: واعلم أن قوله: (والعمد منه مبطل للصلاة) الغرض منه بيان حكم الكلام في غير المعذور لإدارة الحكم على وصف العَمْدِية، فإنه قد يتكلم عامدًا ولا تبطل صلاته على ما سيأتي في الأعذار، لكن الوصف المقابل للعمدية وهو النسيان أشهر الأعذار، فكنى بالعامد من غير المعذور.
وقوله: (فتبطل الصلاة بالحرف الواحد ...) إلى آخره، إشارة إلى حد القليل، معناه: ما قَلَّ، هو الحرف الواحد، إن كان مفهماً أو حرفان كيفما كانا.
وقوله: (والتنحنح لغير ضرورة مبطل في أصح الوجوه) مطلق، والمراد منه ما إذا ظهر منه حرفان، فإن قُلْتَ: لو لم يظهر إلا حرف واحد لم يقع عليه اسم التنحنح، وقد تعرض في الكتاب للتنحنح، فلا حاجة إلى التقييد المذكور.
فالجواب أن انتفاء ظهور الحرفين قد يكون لانحصار 481 ما ظهر في الحرف الواحد، وقد يكون لاسترسال سعال، لا يبين منه حرف أصلاً فلا بد من التقييد.
قوله: "لغير ضرورة" كان المراد بالضرور الحاجة، وإلا فيدخل في قوله: (والتنحنح لغير ضرورة مبطل) ما إذا تعذرت القراءة إلا به؛ لأنه يمكنه الصبر، فلعلها تتيسر على قربٍ، وحينئذ يكون ما ذكره حكماً بالبطلان في تلك الصورة، ومعلوم أنه ليس كذلك.
قال الغزالي: وَلاَ تَبْطُلُ الصَّلاَةُ بِسَبْقِ اللِّسَانِ وَلاَ بِكَلاَمِ النَّاسِي (ح)، وَلاَ بِكَلاَمِ الجَاهِلِ (ح) بِتَحْرِيمِ الكَلاَمِ إِنْ كَانَ قَرِيبَ العَهْدِ بِالْإِسْلاَمِ، وَهَلْ تَبْطُلُ بِكَلاَمِ المُكْرَهِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَمَصْلَحَةُ الصَّلاَةِ لَيْسَتْ عُذْرًا (م) فِي الكَلاَمِ.
قال الرافعي: غرض هذا الفصل القول في أعذار الكلام.
فمنها: سباق اللسان إلى الكلام عن غير قصد منه، لا يقدح في الصَّلاة بحال؛ لأنا سنبين أن الناسي معذور، فهذا أولى؛ لأن الناسي يتكلم قاصداً إليه وإنما غفل عن الصلاة، وهذا غير قاصد إلى الكلام، وكذلك لو غلبه الضحك أو السعال لم يضر وإن بَانَ منه حرفان، ومنها النّسيان، فلا تبطل الصلاة بكلام الناسي للصلاة خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: كلام الناسي ككلام العابد، وسلم أبو حنيفة أن كلام الناسي لا يبطلها، وعن أحمد روايتان:
أحداهما: مثل مذهبه، والأشهر مثل مذهبنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 45
لنا ما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الْعَصْرَ وَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ، فَقَامَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالَ: أَقُصِرَتِ الصَّلاَةُ أَمْ نَسِيَتَ، فَقَالَ: كُلَّ ذلِكَ لَمْ يَكُنْ.
[فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذلِكَ فَأَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ] 482 فَقَالَ: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ فَقِيلَ: نَعَمْ فَأتَمَّ مَا بَقِيَ مِنَ الصَّلاَةِ، وَسَجَدَ للسَّهْوِ" 483.
ووجه الاستدلال: أنه تكلم معتقدًا أنه ليس في الصلاة، ثم بني عليها.
وأيضاً القياس على السلام ناسياً، وعلى الأكل في الصوم ناسياً.
ومنها: الجهل بتحريم الكلام على المصلي، لما روي عن معاوية بن الحكم قال: "لَمَّا رَجَعْتُ مِنَ الْحَبَشَةِ، صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَعَطَسَ بَعْضُ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ فَحَدَقَنِي النَّاسُ بأَبْصَارِهِمُ، فَقُلْتُ: مَا شَأَنكُم تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، فَضَرَبُوا بِأيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِم يُسَكِّتُونَنِي، فسَكت، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: يَا مُعَاوَيةُ إِنَّ صَلاتَنَا هذِهِ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ" 484.
وهذا عذر في حق قريب العهد بالإسلام، فإن كان بعيد العهد به بطلت صلاته، لأنه مقصر بترك التعلم، ولو علم أن الكلام حرام "في الصلاة" ولكن لم يعلم أنه مبطل لها لم يكن ذلك عذرًا، كما لو علم أن شرب الخمر حرام ولم يعلم أنه يوجب الحد، بخلاف ما لو لم يعلم التحريم، والسبب فيه أنه بعد ما عرف التحريم حقه الامتناع.
وقال في "الوسيط" عقيب هذه المسألة: الجهل بكون التنحنح أو ما يجري مجراه مبطلاً فيه تردد -يعني- وجهين، والأصح أنه عذر، ويبعد أن يكون التصوير فيما إذا جهل كون التنحنح مبطلاً بعد العلم بتحريمه، فإنا إنما اكتفينا في المسألة السابقة بالعلم بالتحريم من حيث إنه إذا علم التحريم فينبغي أن يمتنع عن الحرام، ولا حاجة إلى العلم بكونه مبطلاً، وهذا موجود في التنحنح فلا يظهر بينهما فرق مع التسوية في الحرمة، والقول 485 بكونهما مبطلين، ولكن الأقرب شيئان:
أحدهما: أن يكون هذا التردد في الجاهل، لكون التنحنح مبطلاً بعد العلم بكون الكلام مبطلاً، أو حراماً؛ لأن التنحنح وإن بَانَ منه حرفان لا يعد كلاماً، فلا يلزم من العلم بالمنع عن الكلام العلم بالمنع منه، والتردد على هذا التنزيل قريب من التردد فيما إذا علم أن جنس الكلام محرم ولم يعلم أن ما أتى به، هل هو
الجزء: 2 - الصفحة: 46
[محرم] 486 أم لا؟ والظاهر في الصورتين أنه معذور.
والثاني: أن يكون التردد في حق بعيد العهد بالإسلام، إذا جهل كون التنحنح مبطلاً هل يعذر أم لا؟ فعلى رأي لا، كما إذا جهل كون الكلام مبطلاً، وعلى رأي: نعم؛ لأن ذلك مشهور لا يكاد يجهله مُسْلِمٌ، وهذا ما يختص بمعرفته الفقيه -والله أعلم-.
ومنها: الإكراه فلو أكره حتى تكلم، هل تبطل صلاته؟ فيه قولان، كالقولين فيما لو أكره الصائم على الأكل.
أحدهما: لا تبطل صلاته إلحاقًا للإكراه بالنسيان.
وفي الخبر: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" 487.
وأصحهما: ولم يذكر في "التهذيب" سواه: أنها تبطل؛ لأنه أمر نادر بخلاف النسيان، وصار كما لو أكره على أن يصلي بلا وضوء أو قاعداً تجب عليه الإعادة، ولا يكون عذراً، ثم جميع هذه الأعذار في الكلام اليسير، فأما إذا كثر ففي صورة النسيان وجهان مشهوران:
أحدهما: أنها لا تبطل الصلاة؛ لأنه لو أبطلها 488، لأبطلها القليل، كما في حالة التعمد، وبهذا قال أبو إسحاق.
وأظهرهما: عند الجمهور: أنها تبطل، وعليه يدل كلام الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر" وذكروا له معنيين:
أحدهما: أن الاحتراز عن الكثير سهلٌ غالباً؛ لأن النسيان فيه يبعد ويندر، وما يقع نادراً لا يعتد به.
والثاني: أنه يقطع نِظْمَ الصَّلاَةِ وهيئتها، والقليل يحتمل لقلته، ورتبوا على هذه المسألة بطلان الصوم بالأكل الكثير ناسياً، إن قلنا: لا تبطل الصلاة فالصوم أولى بالاَّ يبطل، وإن قلنا: ببطلان الصلاة، ففي الصوم وجهان مبنيان على المحنيين، إن قلنا: بالمعنى الأول يبطل وإن قلنا: بالثاني فلا إذ ليس في الصوم أفعال منظومة حتى يفرض انقطاعها، وإنما هو انكفاف مجرد، وأجرى صاحب "المهذب" وغيره هذا الخلاف في
الجزء: 2 - الصفحة: 47
حالة الجهل أيضاً، وكذلك في سبق اللسان، وما الحد الفارق بين القليل والكثير؟ حكي في "البيان" عن الشيخ أبي حامد أن الكلام اليسير حده الكلمة والكلمتان والثلاث ونحوها 489، [وعن] ابن الصباغ أن اليسير هو: القدر الذي تكلم به النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث ذي اليدين وكل واحد منهما للتمثيل أصلح منه للتحديد، والأظهر فيه وفي نظائره الرجوع إلى العادة على ما سيأتي.
إذا عرفت ذلك عرفت أن قوله: (ولا تبطل لسبق اللسان، ولا بكلام الناسي ...) إلى آخره المراد منه الكلام اليسير وإن كان اللفظ مطلقاً إلا أن يريد الجواب على الوجه المنسوب إلى أبي إسحاق، فحينئذ لا حاجة إلى التقييد، ويحتاج إلى الإعلام بالواو والظاهر أنه ما أراد إلا اليسير.
وقوله: (ولا بكلام النَّاسِي) معلم بالحاء والألف لما قدمناه، ولك أن تعلم قوله: (ولا بكلام الجاهل) بالحاء أيضاً لأن في كلام أصحابنا حكاية الخلاف عن أبي حنيفة في صورة الجهل أيضاً.
وقوله: (بأن كان قريب العهد بالإسلام) في بعض النسخ إن كان قريب العهد، وهو أولى؛ لأن الغرض تقييد الجاهل، وإنما يقال: بأن يكون كذا في موضع التفسير والبيان.
وقوله: (ومصلحة الصلاة ليست عذراً في الكلام) الغرض منه بيان أنه لا فرق بين أن يتكلم لمصلحة الصلاة مثل أن يقول: لإمامه الساهي بالقيام: اقعد، أو بالقعود: قم، أو تكلم لا لمصلحتها، وكونه لمصلحتها ليس من جملة الأعذار، خلافاً لمالك -رضي الله عنه- وهو رواية عن أحمد في حق الإمام خاصة.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْكَلاَمُ يَنْقُضُ الصَّلاَةَ وَلاَ يَنْقُضُ الوُضُوءَ" 490.
وهذا مطلق.
واحتج الأصحاب أيضاً بأن المأموم إذا أراد تنبيه الإمام على سهوه فالسُّنة له أن يسبح إن كان رجلاً، وإن تصفق إن كانت امرأة فلو جاز أن ينبه بالكلام لما أمر بالعدول إلى التسبيح، وغيره.
واعرف هاهنا شيئين:
الجزء: 2 - الصفحة: 48
أحدهما: أن التسبيح والتصفيق لا اختصاص لهما بحالة تنبيه الإمام، بل متى ناب الرجل شيء في صلاته كما إذا رأى أعمى يقع في بئر واحتاج إلى تنبيهه أو استأذنه إنسان في الدخول، وأراد إعلام غيره أمراً فالسُّنَّة له أن يسبح، والمرأة تصفق، في جميع ذلك لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا نَابِ أَحَدُكُمْ شَيْءٌ فِي صَلاَته، فَلْيُسَبِّحْ، فَإِنَّمَا التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ" 491.
والثاني: أن المراد من التصفيق أن تضرب بطن كلها الأيمن على ظهر كلها الأيسر.
وقيل: أن تضرب أكثر أصابعها اليمنى على ظهر أصابعها اليسرى.
وقيل: هو ضرب أصبعين على ظهر الكف، والمعاني متقاربة، والأول أشهر، ولا ينبغي أن تضرب بطن الكف على بطن الكف، فإن ذلك لعب، ولو فعلت ذلك على وجه اللعب بطلت صلاتها، وإن كان ذلك قليلاً، لأن اللعب ينافي الصلاة، فهذا شرح مسائل الكتاب، وينخرط في سلك الأعذار سوى ما ذكره أمور:
منها: ما يقع جوابًا للرسول -صلى الله عليه وسلم- فإذا خاطب مصلياً في عصره وجب عليه الجواب، ولم تبطل بذلك صلاته.
ومنها: لو أشرف إنسان على الهلاك، فأراد إنذاراه وتنبيهه ولم يحصل ذلك إلا بالكلام فلا بد له من أن يتكلم، وهل تبطل صلاته؟ فيه وجهان:
أحدهما -وبه قال أبو إسحاق واختاره جماعة من الأصحاب-: لا كإجابة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وأصحهما: عند الأكثرين، نعم للنصوص المطلقة، ويستثنى جواب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لشرفه، ولهذا أمر المصلي بأن يقول: سلام عليك أيها النبي؛ ولا يجوز أن يقول ذلك لغيره.
ومنها: ما حكى المحاملي وغيره: أنه لو قال: آه من خوف النار لم تبطل صلاته، والمشهور خلافه.
قال الغزالي: وَلَوْ قَالَ: ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ عَلَى قَصْدِ القِرَاءَةِ لَمْ يَضُرَّ وَإِنْ قَصَدَ التَّفْهِيمَ، فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ إِلاَّ التَّفْهِيمَ بَطُلَتْ، وَفِي السُّكُوتِ الطَّوِيلِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ وَجْهَانِ.
الجزء: 2 - الصفحة: 49
قال الرافعي: الكلام الذي يقدح في الصلاة عند عدم الأعذار هو ما عدا القرآن والأذكار، وما في معناها فأما القرآن: فإذا أتى بشيء من نظمه قاصداً به القراءة لم يضر، وإن قصد مع القراءة شيئاً آخر كتنبيه الإمام أو غيره والفتح على من ارتج عليه، وتفهيم أمر من الأمور مثل أن يقول لجماعة يستأذنون في الدخول (ادْخُلُوهَا بِسَلاَمٍ آمِنِينَ) أو يقول: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ) وما أشبه ذلك ولا فرق بين أن يكون منتهياً في قراءته إلى تلك الآية أو ينشئ قراءتها حينئذ.
وقال أبو حنيفة: إذا قصد شيئاً آخر سوى القراءة بطلت صلاته، إلا أن يريد تنبيه الإمام أو المَارِّ بَيْنَ يديه، وكذا لو أتى بذكر وتسبيح في الصلاة، وقصد به مع الذكر شيئاً آخر ففيه مثل هذا الخلاف، وذلك مثل أن يحمد الله تعالى على عطاس، أو بشارة يبشر بها، أو يخبر بما يسوءه فيقول: "إنا لله وإنا إليه راجعون".
لنا: ما روي عن علي -رضي الله عنه- قال: "كَانَتْ لِي سَاعَةٌ أَدْخُلُ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَإنْ كَانَ فِي الصَّلاَةِ سَبَّحَ، وَذلِكَ إِذْنُهُ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ أَذِنَ" 492 ولأنه قصد الإفهام والإعلام بشيء مشروع في الصلاة فلا يضر؛ كما لو قصد تنبيه الإمام والمار بين يديه، ونقل صاحب "البيان" وغيره وجهاً عن بعض أصحابنا أيضاً، أنه إذا قصد مع التلاوة شيئاً آخر بطلت صلاته، فليكن قوله: (وإن قصد التفهيم) معلماً بالحاء والواو كذلك، وإن لم يقصد إلا الإفهام والإعلام فلا خلاف في بطلان الصلاة، كما لو أفهم بعبارة أخرى، ولو أتى بكلمات لا توجد في القرآن على نظمها وتوجد مفرداتها، مثل أن يقول: (يا إبراهيم)، (سلام) (كن) بطلت صلاته ولم يكن لها حكم القرآن بحال.
وأما الأذكار والتسبيحات والأدعية بالعربية فلا تقدح أيضاً، سواء المسنون وغير المسنون منها، نعم ما فيه خطاب مخلوق غير رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجب الاحتراز منه فلا يجوز أن يقول للعاطس: يرحمك الله.
وعن يونس بن عبد الأعلى 493 عن الشافعي -رضي الله عنه- أنه لا يضر ذلك، وصحح القَّاضِي الرّوَيانِي هذا القول، والمشهور الأول، ويدلُّ عليه ما قدمنا من حديث
الجزء: 2 - الصفحة: 50
معاوية بن الحكم، ولم ينقل خلاف في أنه لا يجوز أن يسلم، ولا أن يرد السلام لفظًا ويرده إشارة بيده أو برأسه، خلافاً لأبي حنيفة.
ولو قال: يرحمه الله، أو عليه السلام لم يضر، هذا هو الكلام في إحدى مسألتي الغسل وما يتعلق بها.
والثانية: السكوت اليسير في الصَّلاَةِ لا يضر بحال، وفي السكوت الطويل إذا تعمده وجهان:
أحدهما: أنه يبطل الصلاة؛ لأنه كالإضراب عن وظائفها، إذ اللائق بالمصلي الذكر والقراءة والدعاء، ومن رآه في سكتة طويلة سبق إلى اعتقاده أنه ليس في الصلاة كما إذا رآه يتكلم.
وأصحهما: لا تبطل؛ لأن السكوت لا [يحرم] 494 هيئة الصلاة وما يجب فيها من رعاية الخضوع والاستكانة، وخص في "التهذيب" الوجهين بما إذا سكت لغير غرض، فأما لو سكت طويلاً لغرض بأن نسي شيئاً فتوقف لتذكر: فلا تبطل صلاته ولا محالة، ولو سكت سكوتًا طويلاً ناسياً، وقلنا: إن عمده مبطل فطريقان:
أحدهما: التخريج على الخلاف المذكور في الكلام الكثير ناسياً.
والثاني: أنه لا يضر جزماً تنزيلاً له منزلة الكلام اليسير، ولهذا عند التعمد جعل طويل السكوت كقليل الكلام، وسومح بقليل السكوت.
قال في "الوسيط": وهذا أصح.
واَعلم: أن الإشارة المفهمة من الأخرس نازلة منزلة عبارة الناطق في العقود، وهل تبطل الصلاة بها؟ أجاب الإمام الغزالي -رحمه الله- في "الفتاوى" بأنها لا تبطل ورأيت بخط والدي -رحمه الله- حكاية وجه آخر أنها تبطل ككلام الناطق.
قال الغزالي: الشَّرْطُ الْخَامِسُ: تَرْكُ الأَفْعَالِ الكَثِيرَةِ، والكَثِيرُ مَا يُخَيِّلُ لِلنَّاظِرِ الإِعْرَاضَ عَنِ الصَّلاَةِ كَثَلاَثَ خُطُوَاتٍ أوْ ثَلاثِ ضَرَبَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ، وَلاَ تَبْطُلُ بِمَا دُونَهُ، وَلاَ بِمُطَالَعَةِ القُرْآن، وَلاَ بِتَحْرِيكِ الأَصَابع فِي سُبْحَةٍ أَوْ حَكَّةٍ عَلَى الأظْهَرِ.
قال الرافعي: ما ليس من أفعال الصلاة ضربان:
أحدهما: ما هو من جنسها، فإن فعله ناسياً عُذِّر، ولم تبطل صلاته، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الحَالُ سَجَدَ للسَّهْوِ وَلَمْ يُعِدِ
الجزء: 2 - الصفحة: 51
الصَّلاَةِ" 495، وإن كَانَ عامدًا بطلت سواء كثر أو قلّ كركوع وسجود ونحوهما؛ لأنه تلاعب في الصلاة، وإعراض عن نظام أركانها.
وقال أبو حنيفة: لا تبطل صلاته بزيادة الركوع والسجود عمداً، وإنما تبطل بزيادة ركعة.
والضرب الثاني: ما ليس من جنس أفعال الصَّلاَةِ، وهو المقصود في الكتاب، فلا خلاف أنه يفرق فيه بين القليل والكثير؛ لما روي "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- صَلَّى وَهُوَ حَامِلُ أُمَامَةَ بِنْتِ أَبِي الْعَاصِ فَكَانَ إِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا وَإِذَا قَامَ رَفَعَهَا".
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلاَةِ الحية وَالعَقْرَبِ" 496.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- "أَخَذَ بِأُذُنِ ابْنِ عَبَّاس -رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا- وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ فَأدَارَهُ مِنْ يَسَارِهِ إِلَى يَمِينِهِ" 497.
ودخل أبو بكر المسجد والنبي -صلى الله عليه وسلم- في الركوع فركع خيفة أن يفوته الركوع ثم خطا خطوة ودخل الصف، فلما فرغ قال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "زَادَكَ اللهُ حِرصاً، وَلاَ تَعُدْ" 498 ولم يأمره بالإعادة.
وروي "أَنَّهُ صَلَّى -صلى الله عليه وسلم- سَلَّمَ عَلَيهِ نَفَر مِنَ الأَنصَارِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بِالإشَارَةِ" 499.
دلت هذه الأخبار ونحوها، على احتمال الفعل القليل في الصلاة، وإلى هذا أشار المصنف حيث قال في ترجمة الشرط "ترك الأفعال الكثيرة" وفي الكلام لما استوى قليله وكثيره في الإبطال، أطلق فقال: (ترك الكلام).
والمعنى فيه: أنه يعسر على الإنسان أو يتعذر الكون على هيئة واحدة في زمان طويل، بل لا يخلو عن حركة واضطراب، ولا بد للمصلي من رعاية التعظيم والخشوع، [فعفى عن القدر الذي لا يحمل على الاستهانة بهيئة الخشوع] 500 وأما في
الجزء: 2 - الصفحة: 52
الكلام فالاحتراز عن قليله وكثيره هين، ثم بماذا يفرق بين القليل والكثير؟ للأصحاب فيه عبارتان غريبتان، وعبارتان مشهورتان، فإحدى الغريبتين أن القليل: ما لا يسع زمانه لفعل ركعة من الصلاة فإن وسع فهو كثير، حكاها صاحب "العدة".
الثانية: أن كل عمل لا يحتاج فيه إلى كلتا اليدين فهو قليل، وما يحتاج فيه إليهما فهو كثير.
فالأول: كرفع العمامة وحل أشرطة السراويل.
والثاني: كتكوير العمامة وعقد الإزرار والسراويل.
وأما المشهورتان:
فإحداهما: ما حكي عن القفال وغيره أن القليل هو القدر الذي لا يظن الناظر إليه أن فاعله ليس في الصلاة، والكثير الذي يظن أن فاعله ليس في الصلاة، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب، فقال: "والكثير ما يخيل إلى الناظر الإعراض عن الصلاة" واعترضوا عليها بأن هذا الظن والتخيل إما أن ينشأ من أنه غير محتمل في الصَّلاَة شرعاً، أو أن غالب عادة المصلين الاحتراز عنه من غير أن ينظر إلى محتمل، أم لا، فإن كان الأول فإنما يحصل هذا الظن أو الخيال لمن عرف حد الكثير المبطل، ونحن عنه نبحث، فكأنا قلنا: الكثير هو الذي يحكم ببطلان الصلاة به من عرف أنه مبطل، ومعلوم أن هذا لا يفيد شيئاً، وإن كان الثَّانِي فهو يشكل بما إذا رآه يحمل صبيًا، أو يقتل حية، أو عقربًا، فإنه محتمل مع أن الناظر إليه يتخيل أنه ليس في الصلاة؛ لأنه على خلاف عادة المصلين غالباً.
والثانية: أن الرجوع [في الفرق بينهما] 501 إلى العادة فلا يضر ما يعده النَّاس قليلاً، كالإشارة برد السلام، وخلع النعل، ولبس الثوب الخفيف ونزعه، وما أشبه ذلك، وهذه العبارة هي التي اختارها الأكثرون ومنهم الشيخ أبو حامد ومن تابعه، ولم يذكر صاحب "التهذيب" سواها، وأوردها الصيدلاني مع الأولى، وأشعر إيراده بترجيح هذه الثانية أيضاً، وعند هذا لا يخفى عليك أن قوله: (والكثير ما يخيل إلى الناظر) ينبغي أن يعلّم بالواو إشارة إلى العبارات الآخر، ثم أطبق أصحاب العبارتين المشهورتين على أن الفعلة الواحدة معدودة من القليل 502، كالخطوة الواحدة والضربة الواحدة، وقد
الجزء: 2 - الصفحة: 53
نص عليه الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- وعلى أن الثلاث فصاعداً من الكثير، وفي الفعلتين وجهان محكيان عن رواية القاضي أبي الطيب وغيره.
أحدهما: أنهما من حد الكثير لمكان التكرار، وكالثلاث.
وأصحهما: أنهما من القليل لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "خَلَعَ نَعْلَيْهِ في الصَّلاَةِ" وهما فعلتان، ورأيت في كثير من نسخ الكتاب قوله: (ولا تبطل بما دونه) معلماً بالواو، كأنهم أشاروا به إلى الوجه الأول لكن إنما ينتظم ذلك لو رجعت الكناية في قوله: (بما دونه) إلى الخطوات والضربات ورجوعها إلى قوله: (والكثير أظهر) من رجوعها إلى الخطوات، ألا ترى أنه ذكر الكناية ولم يؤنثها، ثم أجمعوا على أن الكثير إنما يبطل بشرط أن يوجد على التوالي، وإليه أشار بقوله: (متوالية) أما لو تفرق كما لو خطا خطوة، ثم بعد زمانٍ خَطَا خطوة أخرى، وهكذا مراراً لم تبطل صلاته، وكذلك لو خطا خطوتين، ثم بعد زمان خطوتين أخريين إذا قلنا: إن الفعلتين من حد القليل.
واحتجوا عليه بحديث حمل أمامة، فَإِنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَحْمِلُهَا وَيَضَعُهَا، ولم يضر ذلك لتفريق الأفعال، والتفريق بأن يعد الثاني منقطعاً عن الأول في العادة.
وقال في "التهذيب": فيما إذا ضرب ضربتين، ثم بعد زمان ضربتين أخرتين.
وحد التفريق عندي أن يكون بين الأوليتين والأخرتين قدر ركعة لحديث أمامة، ثم ما ذكره الأئمة أن الفعلة الواحدة تعد من القليل أرادوا به نحو الطعنة والضربة والخطوة، فأما إذا أفرطت كالوثبة الفاحشة، فإنها تبطل الصلاة، ذكره صاحب [التهذيب] 503 وغيره، وهو قضية العبارتين المشهورتين، وكذلك قولهم: (الثلاث المتوالية من الكثير المبطل) أرادوا من الخطوة وما يشبهها، وأما الحركات الخفيفة، كتحريك الأصابع في سبحة، أو حكة، أو عقد حل، ففيها وجهان:
أحدهما: أنها إذا كثرت وتوالت أبطلت؛ لأنها أفعال متعددة فأشبهت الخطوات.
وأظهرهما: أنها لا تؤثر؛ لأنها لا تخل بهيئة الخشوع، فهي مع كثرة العدد بمثابة الفعل القليل، وقد حكي عن نص الشافعي -رضي الله عنه- أنه لو كان يعد الآي في صلاته عقداً باليد، لم تبطل صلاته، وإن كان الأولى أن لا يفعله، وبه قال أبُو حَنِيفَةَ، وجميع ما ذكرناه في ما إذا تعمد الفعل الكثير، فأما إذا أتى به ناسياً فقد حكى في "النهاية" فيه طريقين:
أحدهما: أنه على الوجهين في الكلام الكثير ناسياً.
الجزء: 2 - الصفحة: 54
والثاني: أن أول حد الكثرة لا يؤثر كالكلام اليسير من الناسي، فإن أول حد الكثرة هو الذي يبطل عند التعمد، كالكلام الكثرِ عند التعمد، وما جاوز أول حد الكثرة وانتهى إلى السرف، فهو على الخلاف في الكلام الكثير ناسياً، والذي حكاه الجمهور من هذا الخلاف أنه لا فرق في الفعل الكثير بين العمد والسهو، وهو الذي يوافق ظاهر قوله: (الشرط الخامس ترك الأفعال الكثيرة) وفرقوا بينه وبين الكلام، بأن الفعل أقوى من القول، ولهذا ينفذ إحبال المجنون دون إعتاقه، قالوا: ولا يعارض هذا بأن القليل من الفعل محتمل، والقليل من الكلام غير محتمل؛ لأن القليل من الفعل لا يتأتي الاحتراز عنه، والْكَلاَمُ مما يتأتى الاحتراز عنه من النَوْعَين، -والله أعلم-.
واعلم أنه يستثنى عن إبطال العمل الكثير الصلاة حال شدة الخوف، فيحتمل فيها الركض والعدو عند الحاجة، وهل يحتمل عند عدم الحاجة؟ فيه كلام مذكور في الكتاب في صلاة الخوف على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
وأما قوله: (ولا بمطالعة القرآن) فاعلم أنه لو قرأ القرآن من المصحف لم يضر، بل يجب ذلك إذا لم يحفظ الفاتحة على ما سبق، ولو قلب الأوراق أحيانًا لم يضر؛ لأنه عمل يسير.
وعن أبي حنيفة أنه لو قرأ القرآن من المصحف بطلت صلاته؛ لأن النظر عمل دائم، وعندنا لو كان ينظر في غير القرآن، ويردد في نفسه ما فيه لا تبطل صلاته أيضاً؛ لأن النظر لا يشعر بالإعراض عن الصلاة، وحديث النفس معفو عنه، وحكى القاضي ابن كج وجهاً أن حديث النفس إذا أكثر أبطل الصلاة، وقوله بعد: (مطالعة القرآن): (ولا بتحريك الأصابع في سُبْحَة، أو حكَّة على الأظهر) الوجهان المخصوصان بالتحريك، لا جريان لهما في مطالعة القرآن، فلا يتوهم من العطف غير ذلك.
قال الغزالي: وَإِذَا مَرَّ المَارُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدفَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتَلْهُ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ هَذَا لَفْظُ الخَبَرِ، وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِكَرَاهِيةِ المُرُورِ وَاسْتحْبَابِ الدَّفْعِ، فَإِنْ لَمْ يَنصِبِ المُصَلِّي بَيْنَ يَدَيْهِ خَشبَةً أَوْ لَمْ يَسْتَقْبِلْ جِدَارًا أَوْ عَلاَمَةً لَمْ يَكُنْ لَهُ الدَّفْعُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِتَقْصِيرِهِ، وَلاَ يَكْفِيهِ أَنْ يَخُطَّ عَلَى الْأرْضِ بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ شَيْءٍ مُرْتَفِعٍ أَوْ مُصَلَّى طَاهِرٍ، فَإذَا لَمْ يَجِدِ المَارُّ سَبِيلاً سِوَاهُ فَلاَ دَفْعَ لَهُ بِحَالٍ.
قال الرافعي: السبب الداعي إلى إيراد هذا الفصل هاهنا الاستدلال بالأمر بالدفع على أن الفعل القليل لا بأس به في الصلاة، ثم يتعلق به مسائل مقصودة فجرت العادة بذكرها في هذا الموضع، والخبر المشار إليه ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا مَرَّ المَارَّ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ، وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَدفَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيَدفَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّهُ
الجزء: 2 - الصفحة: 55
شَيْطَانٌ" 504 وروى البخاري في "الصحيح" عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءِ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيطَانٌ" 505.
قيل: معناه شيطان الإنس.
وقيل: معناه فإن معه شيطانًا، فإن الشيطان لا يجسر أن يمر بين يدي المصلي وحده، فإذا مر إنسي رافقه.
والمستحب للمصلي أن يكون بين يديه ستره من جدار، أو سارية أو غيرهما، ويدنو منها بحيث لا يزيد ما بينه وبينها على ثلاثة أذرع، وإن كان في الصحراء فينبغي أن يغرز عصا ونحوها، أو يجمع شيئاً من رحله ومتاعه، وليكن قدر مؤخرة الرحل، فإن لم يجد شيئاً شاخصاً خط بين يديه خطاً، أو بسط مصلَّى؛ لما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئاً؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبَّ عَصاً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصاً فَلْيَخُطَّ خَطًّا؛ ثُمَّ لاَ يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ" 506 ثم إذا صلى إلى سترة كره لغيره أن يمر بينه وبين السترة، وهل هذه الكراهة للتحريم أو للتنزيه؟ الذي ذكره في "التهذيب" أنه لا يجوز المرور، وصاحب الكتاب أراد بقوله وهو تأكيد لكراهية المرور التنزيه؛ لأنه صرح في "الوسيط" بأن المرور ليس بمحزور، وإنما هو مكروه، وكذلك ذكره إمام الحرمين، والأول أظهر؛ لأنه صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال.
"لَوْ يَعْلُمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ، لكَانَ أنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ" 507.
والإثم إنما يلحق بالحرام، وليكن قوله: (بكراهية المرور) معلماً بالواو، لما ذكرناه، وذكر القاضي الروياني في "الكافي" أن للمصلي أن يدفعه، وله أن يضربه على ذلك، وإن أدى إلى قتله، وكل ذلك لا يكون إلا إذا حرم المرور، ولو لم يجعل بين يديه ستره؛ فهل له دفع المار؟ فيه وجهان حكاهما صاحب "النهاية" وغيره.
الجزء: 2 - الصفحة: 56
أحدهما: نعم، لعموم الخبر المذكور في الكتاب.
وأصحهما: وهو الذي أورده في "التهذيب": لا؛ لتقصيره وتضييعه خط نفسه، ورواية الصحيح مقيدة بما إذا صلى إلى السترة، والمطلق محمول على المقيد.
ولو وقف بعيداً من السترة فهو كما لو صلَّى لا إلى سترة.
ولو وجد الداخل فُرْجَةً في الصف الأول فله أن يمر بين يدي الصَّفِّ الثاني ويقف فيها؛ لتقصير أصحاب الصَّف الثاني بإهمالها، ذكره الشَّيْخُ أَبُو محمد.
وأما قوله: (فلا يكفيه أن يخط على الأرض) فاعلم أن إمام الحرمين نقل أن الشافعي -رضي الله عنه- مال إلى الاكتفاء بالخط في القديم، وروى في الجديد ذلك أيضاً، وحض عليه.
قال: وما استقر عليه الأمر أن الخط لا يكفي إذ الغرض الإعلام 508 وذلك لا يحصل بالخط، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب، وقال: لا بد من شيء مرتفع، أو مصلى ظاهر ليقف المار عليه ليعدل عن حريم صلاته، وقد تعرض لما نقله عن "الجديد" متعرضون، لكن لم يثبتوه قولاً، واتفقت كلمة الجمهور على الاكتفاء بالخط [وقالوا 509 إذا خط فليس لغيره أن يمر بينه وبين الخط] كما إذا استقبل شيئاً شاخصًا 510، فليكن قوله: (ولا يكفيه أن يخط) معلماً بالواو، لذلك فإن توهمت الجمع بين كلام الكتاب، وما ذكره الأكثرون، وقلت، إنهم وإن ذكروا استحباب الخط لم يذكروا أنه يمتنع به المرور، ويثبت للمصلي ولاية الدفع، فلعله وإن كان مستحبًا لا يفيد جواز الدفع، وحينئذ لا يكون بين قوله: (ولا يكفيه أن يخط) وبين ما ذكروه منافاة، وبتقدير أن يكون هذان الحكمان متلازمين، فإنما ذكروا الاستحباب فيما إذا لم يجد شيئاً شاخصًا فليحمل ما ذكره إمام الحرمين، والمصنف على ما إذا وجد فالجواب؛ أما الأول فممتنع نقلاً وحجاجًا، أما النقل فلأن صاحب "البيان" حكى عن المسعودي امتناع المرور، وولاية الدفع فيما إذا خط حسب ثبوتهما فيما إذا صلى إلى سترة، أو عصا.
الجزء: 2 - الصفحة: 57
وأما الحجاج فمن وجهين:
أحدهما: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في آخر خبر أبي هريرة -رضي الله عنه-: "ثُمَّ لاَ يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ" أي: من وراء العلامات المذكورة، ومنها الخط.
والثاني: أن المقصود من أمر المصلي بنصب السترة وغيرها أن يظهر حريم صلاته، ليضطرب فيه في حركاته وانتقالاته، ولا يزحمه غيره ويشغله عن صلاته.
وأما الثاني: فلو أنهما أرادا إحالة وجدان الشاخص لسويا بينه وبين بسط المصلى، كما أن الدين قالوا باستحباب الخط عند فقدان الشَّاخِصِ سووا بينه وبين بسط المصلى، ذكره صاحب "التهذيب" وغيره، ولم يفعلا ذلك، بل ألحقا بسط المصلي بنصب الخشبة، ويدل عليه ظاهر لفظ الكتاب في موضعين من الفصل، وبالجملة فليس في لفظه هاهنا، ولا في "الوسيط" ما يشعر بهذا التأويل، بل فيه ما يدل على أنه لا عبرة بالخط بحال.
وقوله: (فإن لم ينصب المصلي بين يديه خشبة، أو لم يستقبل جداراً، أو علامة) عني بالعلامة بسط المصلى، وقضية ما سبق نقله حمل، أو في قوله: (أو علامة) على الترتيب، وكذا في قوله: أو مصلى ظاهر دون التخيير والتسوية.
وأما قوله: (وإذا لم يجد المار سبيلاً سواه، فلا يدفع بحال)، فقد ذكره إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أيضاً.
وقال: النهي عن المرور، والدفع إذا وجد سواه سبيلاً أما إذا لم يجد، وازدحم الناس فلا نهي عن المرور، ولا يشرع الدفع، وهذا فيه إشكال؛ لأن البخاري روى في "الصحيح" عن أبي صالح السمان قال: رأيت أبا سعيد الخدري -رضي الله عنه- في يوم جمعة يصلي إلى سترة، فأراد شاب أن يمر بين يديه فدفع أبو سعيد -رضي الله عنه- في صدره، فنظر الشَّابُ فَلَمْ يَجِد مَسَاغًا إِلاَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، فعاد ليجتاز، ودفعه أبو سعيد أشد من الأولى، فلما عوتب في ذلك روى الحديث الذي قدمناه 511.
وأكثر الكتب ساكتة عن تقييد المنع بما إذا وجد سواه سبيلاً 512 -والله أعلم-.
الجزء: 2 - الصفحة: 58
قال الغزالي: الشَّرْطَ السَّادِسُ تَرْكُ الأكْلِ، وَقَلِيلُهُ مُبْطِلٌ لِأَنَّهُ إِعْرَاضٌ، وَهَلْ تَبْطُلْ بِوصُولِ شَيْءٍ إِلَى جَوْفِهِ كَامْتِصَاصِ سُكَّرَةٍ مِنْ غَيْرِ مَضْغٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ:
قال الرافعي: الأكل نوع من الأفعال فإفراده بالذكر يبين أنه أراد بترك الأفعال في الشرط الخامس ما عدا الأكل من الأفعال.
والفرق بينه وبين سائر الأفعال أن قليلها لا يبطل كما سبق، وقليل الأكل يبطل؛ لأنه ينافي هيئة الخشوع، ويشعر بالإعراض عن الصلاة، فلو كان بين أسنانه شيء، أو نزلت نخامة من رأسه فابتلعها عمداً بطلت صلاته، هذا ظاهر المذهب، وهو الذي ذكره في الكتاب، فقال: (فقليله مبطل) وليكن معلماً بالواو؛ لأن صاحب "التتمة" حكى في القليل وجهاً: أنه لا يبطل كالقليل من سائر الأفعال، ثم الحكم بالبطلان فيما إذا أكل عمداً، أما [إذا] 513 كان مغلوباً كما لو جرى الريق بباقي الطعام، أو نزلت النخامة ولم يمكنه إمساكها لم تبطل صلاته، ولو أكل [ناسياً، أو] 514 جاهلاً بالتحريم، فإن كان قليلاً لم تبطل، وإن كان كثيراً فوجهان:
أصحهما: البطلان، هكذا ذكره الأئمة، وجعلوه كالكلام في الصلاة ناسياً والأكل في الصوم ناسياً، ولم يجعلوه كسائر الأفعال في الصلاة، إذ الجمهور على أن الفعل لا فرق فيه بين العمد والسهو على ما تقدم.
واعلم أنه لا يعني بالقليل هاهنا ما يقابل الكثير بالمعنى الذي ذكره في الأفعال؛ لأن تفسير الكثير ثَمَّ ما يخيل إلى الناظر الإعراض عن الصلاة، فالقليل المقابل له ما لا يخيل، والأكل أيْ قَدر كان يخيل الإعراض، فيكون كثيراً بذلك التفسير بكل حال، وإنما المراد من القليل والكثير هاهنا ما يعده أهل العرف قليلاً وكثيراً، ولو وصل شيء إلى جوفه من غير أن يفعل فعلاً من ابتلاع ومضغ كما لو وضع في فمه سكرة كانت تذوب وتسوغ، ففي بطلان صلاته وجهان:
أحدهما: وبه قال الشيخ أبو حامد: لا تبطل صلاته؛ لأنه لم يوجد منه مضغ وازدراد، وهذا ذهاب إلى أن الأكل إنما يبطل لما فيه من العمل.
وقضيته: أن لا يبطل القليل منه، كما حكاه صاحب "التتمة".
وأظهرهما: أنها تبطل، ويعبر عنه بأن الإمساك شرط في الصلاة، كما يشترط الانكفاف عن الأفعال، وعن مخاطبة الآدميين ليكون حاضر الذهن راجعاً إلى الله تعالى وحده، تاركاً للعادات، فعلى هذا تبطل الصلاة بكل ما يبطل به الصّوم.
الجزء: 2 - الصفحة: 59
وقوله: "كامتصاص سكرة من غير مضغ" ينبغي أن يعرف أن الامتصاص لا أثر له، بل متى كانت في فمه وهي تذوب وتصل إلى جوفه يحصل الخلاف، وإن لم يكن امتصاص، وإنما قال: من غير مضغ، لأن المضغ فعل من الأفعال يبطل الكثير منه، وإن لم يصل شيء إلى الجوف حتى لو كان يمضغ علكاً في فمه بطلت صلاته، [وإن لم يمضغه وكان جديداً فهو كالسكرة، وإن كان مستعملاً لم تبطل صلاته] 515 كما لو أمسك في فمه أجاصة 516 ونحوها.
قال الغزالي: خَاتِمَةٌ لِلْمُحْدِثِ المُكْثُ فِي المِسْجِدِ، وَلِلْجُنُبِ العبُورُ دُونَ المَكْثِ، وَلَيْسَ لِلْحَائِضِ العُبُورُ عِنْدَ خَوْفِ التَّلْوِيثِ، وَعِنْدَ الأَمْنِ وَجْهَانِ، وَالكَافِرُ يَدْخُلُ المَسْجِدَ بِإذْنِ المُسْلِمِ وَلاَ يَدْخُلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإنْ كَانَ جُنُبًا مُنِعَ كَالمُسْلِمِ وَقِيلَ: لاَ لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِم تَفْصِيلَ شَرْعِنَا.
قال الرافعي: مسائل: (الخاتمة) إلى قوله: (فوجهان) مكررة إما أن المحدث له المكث 517 فقد صار معلوماً بقوله في باب الغسل؛ (ثم حكم الجنابة حكم الحدث مع زيادة تحريمه قراءة القرآن، والمكث في المسجد) وفيه تصريح بتحريم المكث وجواز العبور للجنب.
أما حكم الحائض فقد ذكره في "كتاب الحيض" وشرحنا المسائل في الموضعين، ثم جميع ذلك في حق المسلم.
أما الكافر فلا يمكن من دخول حرم مكة بحال، يستوي فيه مساجده وغيرها، قال الله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ 518.
وأما مساجد غير الحرم فله أن يدخلها بإذن المسلم خلافاً لمالك، ووافقه أحمد في أظهر الروايتين.
لنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "رَبَطَ ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ إِسْلاَمِهِ" 519.
الجزء: 2 - الصفحة: 60
"وَقَدِمَ علَيْهِ قَوْمٌ مِنْ ثَقِيفٍ فَأنْزَلَهُمْ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَمْ يُسْلِمُوا بَعْدُ" 520.
وهل يدخلها بغير إذن أحد من المسلمين؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه ببذل الجزية فصار من أهل دار الإسلام، والمسجد من المواضع العامة فيها فصار كالشوارع، وهذا أظهر عند القاضي الروياني، وجماعة.
والثاني: وهو الأصح عند الأكثرين ولم يذكر صاحب "التهذيب" و"التتمة" سواه؛ أنه ليس له ذلك ولو فعله عزر، ووجهه: أنه لا يؤمن أن يدخل على غفلة من المسلمين فيلوثه، ويستهين به، ولأنه ليس من أهل [ما] 521 بني المسجد له "وكان المسجد مختصاً بالمسلمين" اختصاص دار الرجل به، وذكر في "التهذيب": أنه لو جلس الحاكم في المسجد يحكم فللذِّمِّي الدخول للمحاكمة، ويتنزل جلوسه فيه منزلة التصريح بالإذن، وإذا استأذن في الدخول بعض المسلمين لنوم، أو أكل ينبغي أن لا يأذن له، وإن استأذن لسماع القرآن، أو علم؛ أذن له رجاء أن يسلم، هذا كله إذا لم يكن جنبًا، فإن كان جنبًا فهل يمكن من المكث في المسجد أم يجب منعه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يمنع؛ لأن المسلم ممنوع عند الجنابة لحرمة المسجد، فالكافر أولى بأن يمنع.
وأصحهما: أنه لا يمنع: "لأَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَدْخُلُونَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- ويُطِيلُونَ الْجُلُوسَ، وَلاَ شَكَّ بِأنَّهُمْ كَانُوا يُجْنِبُونَ" 522، ويخالف المسلم، فإنه يعتقد حرمة المسجد، فيؤخذ بموجب أعتقاده، والكافر لا يعتقد حرمته، ولا يلتزم تفاصيل التكليف، فجاز أن لا يؤخذ به، وهذا كما أن الكافر لا يحد على شرب الخمر؛ لأنه لا يعتقد تحريمه والمسلم يحد، وأما الكافرة الحائض فتمنع حيث تمنع المسلمة؛ لأن المنع تم لخوف التلويث ولهذا يمنع من به جرح يخاف منه التلويث، وكذا الصبيان والمجانين يمنعون من دخوله 523.
الجزء: 2 - الصفحة: 61
وقوله: (والكافر يدخل المسجد) يعني به غير مساجد الحرم وإن كان اللفظ مطلقاً، وقوله: (فإن كان جنبًا منع) أي: من المكث، فإنه الذي يمنع منه المسلم دون أصل الدخول ثم إيراده يشعر بترجيح هذا الوجه، لكن الوجه الثاني أرجح على قضية كلام أكثر الأصحاب، وأوفق لكلام الشافعي -رضي الله عنه- وصرح بترجيحه الشيخ أبو محمد، والقاضي الروياني -والله أعلم-.
الْبَابُ اَلسَّادِسُ فِي السَّجْدَاتِ
قال الغزالي: وَهِيَ ثَلاَثةٌ: الأُولَى سَجْدَةُ السَّهْوِ، وَهِيَ سُنَّةٌ (ح م) عِنْدَ تَرْكِ التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ أَوِ الجُلُوسِ فِيهِ أَوِ القُنُوتِ أَوِ الصَّلاَة عَلَى الرَّسُولِ فِي التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ أَوْ عَلَى الآلِ فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي إِنْ رَأَيْنَاهُمَا سُنَّتَيْنِ، وَسَائِرُ السُّنَنِ تُجْبَرُ بِالسُّجُودِ، وَأَمَّا الأَرْكَانُ فَجَبْرُهَا بِالتَّدَارُكِ، فَإنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ هَذِهِ الأَبْعَاضِ لَمْ يَسْجُدْ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ.
القول في سجود السهو
:
قال الرافعي: السجدات ضربان:
أحدهما: سجدات طلب الصلاة، ولا يخفى أمرها.
والثاني: غيرها وهي ثلاث:
إحداها: سجدة السهو، وليست بواجبة، وإنما هي سنة خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال بوجبها مع تسليم أن الصلاة لا تبطل بتركها، وبعض أصحابنا يرويه عن الكرخي، وعن مالك أنه إن كان السهو لنقصان يجب السجود، ويروى عن أحمد وأصحابه الوجوب مطلقاً.
لنا أن الصلاة لا تبطل بتركها، فلا تجب كالتشهد الأول، وأيضاً فإن سجود السهو = بإغلاقه في غير وقت الصلاة، والبصاق في المسجد خطيئة فإن خالف فبصق، فقد ارتكب النهي، فكفارتها دفنه في رمل المسجد.
وترابه ولو مسحه بيده، أو غيرها كان أفضل، ويكره لمن أكل ثوماً، أو بصلاً أو غيرهما، مما له رائحة كريهة دخول المسجد بلا ضرورة ما لم يذهب ريحه، ويكره غرس الشجر فيه فإن غرس قطعه الإمام قال الصيمري: ويكره حفر البئر فيه، ويكره عمل الصنائع.
ولا بأس بالأكل والشرب فيه والوضوء، إذا لم يتأذَّ به الناس، ويقدم في دخول المسجد رجله اليمنى، وفي الخروج اليسرى، ويدعو بالدعوات المشهورة.
ولحائط المسجد من خارجه حرمة المسجد في كل شيء.
الروضة (1/ 403، 404).
الجزء: 2 - الصفحة: 62
مشروع لترك ما ليس بواجب، ويدلُّ ما ليس بواجب لا يكون واجباً، ثم إنه جعل الكلام في سجود السهو قسمين:
أحدهما: فيما يقتضيه.
والثاني: في محله وكيفيته.
أما مقتضيه فشيئان ترك مأمور، وارتكاب منهي.
أما ترك المأمور: فاعلم أن المأمورات تنقسم إلى أركان وغيرها، أما الأركان فلا تنجبر بالسجود؛ بل لا بد من التدارك، ثم قد يقتضي الحال بعد التدارك السجود على ما سيأتي.
وأما غير الأركان فتنقسم إلى الأبعاض وهي التي عددناها في أول صفة الصلاة، إلى غيرها، فالأبعاض مجبورة بالسجود، أما التشهد الأول فلما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "صَلَّى الظُّهْرَ بِهِمْ، فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُوَلَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاَةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ، وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، ثُمَّ سَلَّمَ" 524.
ولو قعد ولم يقرأ يسجد أيضاً، فإن القعود مقصود للذكر، وأما الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في التشهد الأول إذا استَحْببناها وهو الصحيح؛ فلأنه لو تركها في التشهد الأخير عامداً بطلت صلاته، فيسجد لها في التشهد الأول كالتشهد، وأما الصلاة على الآل في التشهد الثاني فإن قلنا بوجوبها فهي من الأركان يجب تداركها، وإن قلنا: إنها سُّنة فهي من الأبعاض وتجبر بالسجود، وكذلك الحكم لو جعلناها سُّنة في التشهد الأول، وقد سبق بيان الخلاف فيه، وأما القنوت فلأنه ذكر مقصود في نفسه فيشرع لتركه سجود السهو كالتشهد الأول.
ومعنى قولنا: "مقصود في نفسه" أنه شرع له محل مخصوص به، ويخرج عن سائر الأذكار، فإنها كالمقدمة لبعض [الأذكار] 525 كدعاء الاستفتاح، أو كالتابع كالسورة، وأذكار الركوع، والسجود، وأما موضع القنوت فإنما شرع فيه التطويل للقنوت، وحيث لا يقنت يمنع من تطويله، فهذا حكم الأبعاض إذا تركتِ سهواً، وإن تركت عمداً فهل يشرع لها السجود؟ فيه: فيه وجهان:
الجزء: 2 - الصفحة: 63
أحدهما: لا، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ؛ لأن الساهي معذور، فيشرع له سبيل الاستدراك ومن تعمد الترك فقد التزم النقصان، وفوت الفضيلة على نفسه.
وأصحهما: نعم؛ لأن الخلل عند تعمد الترك أكثر، فيكون الجبر أهم، وصار كالحلق في الإحرام لا فرق فيه بين العمد والسهو.
وأما الأبعاض من السنن فلا يجبر بالسجود، خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: يسجد لترك تكبيرات العيد، وترك السورة، وكذلك لو أسر في موضع الجهر، أو جهر بثلاث آيات في موضع الإسرار.
ولمالك حيث قال: يسجد لترك كل مسنون ذِكْراً كان أو عملاً، وعن أبي إسحاق أن للشافعي -رضي الله عنه- في القديم قولاً مثل ذلك، حكاه ابن الصباغ، قال: وهو مرجوع عنه، وحكى ابن يونس القزويني 526 عن عبد الباقي 527 أن الداركي 528 ذكر وجهاً فيمن نسي التسبيح في الركوع والسجود أنه يسجد للسهو.
وعند أحمد: لا يسجد لترك تكبيرات العيد والسورة، وعنه في تبديل الجهر بالإسرار وعكسه روايتان:
أصحهما: أنه لا يسجد، وقال في تكبيرات الانتقالات، وتسبيح الركوع، والسجود، والتسميع، والتحميد: يسجد لتركها.
لنا ظاهر ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ سَهْوِ إِلاَّ فِي قِيَامٍ عَنْ جُلُوسٍ، أَوْ جُلُوسٍ عَنْ قِيَامٍ" 529.
الجزء: 2 - الصفحة: 64
وعلى أبي حنيفة القياس على دعاء الاستفتاح، وسائر المسنونات، وكذلك عن أحمد.
وعلى مالك ما روي: "أَنَّ أنسًا جَهَرَ فِي الْعَصْرِ، فَلَمْ يُعِدْهَا، وَلَمْ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ" 530.
فهذا هو الكلام في ترك المأمورات، ونعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب قوله: (وهي سُّنة) ينبغي أن يعلّم بالحاء والميم والألف، وكذا قوله: (وسائر السنن لا تجبر بالسجود) ولا بأس بإعلامه بالواو أيضاً؛ لما سبق حكايته، وليس المراد من قوله: (سنة عند ترك التشهد الأول ...) إلى آخرها تخصيص الاستحباب بترك هذه الأمور؛ لا بمعنى أنها لا تشرع إلا عند تركها، ولا بمعنى أن في سائر الأسباب تجب، بل حيث تشرع سُّنة، وأراد في هذا الفصل ذكر شيئين:
أحدهما: أن سجدة السهو سنة.
والثاني: أن الكلام فيما يقتضيها من ترك المأمورات، ثم وصل أحدهما بالآخر فقال: هي سنة عند كذا وكذا، وهذا بَيِّنٌ من كلامه في "الوسيط".
وقوله: "عند ترك التشهد" إلى قوله: (لا يجبر بالسجود) مذكورة في أول الباب الرابع؛ نعم زاد هاهنا ذكر الصلاة على الآل وما عداها مكرر، وأحقَ الموضعين بذكره هذا الباب.
وقوله: (إن رأيناهما سنتين) المقابل لهذا الرأي في الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- في التشهد الأول عدم الشرعية إيجاباً واستحباباً، وفي الصلاة على الآل في التشهد الثاني الإيجاب دون عدم الشرعية.
وقوله: (وأما الأركان فجبرها بالتدارك) فمعناه أنه لا بد من جبرها من التدارك؛ لأن كل الجبر يحصل به؛ لأنه قد يؤمر مع التدارك بسجود السهو على ما سيأتي بيانه.
وقوله: (لم يسجد على أظهر الوجهين) خلاف ما ذكره جمهور الأئمة، فإنهم حكوا أن الأظهر في المذهب أنه يسجد، منهم أصحابنا العراقيون، وصاحب "التهذيب"، وغيرهم، ومن الأئمة من لم يذكره سواه كالشيخ أبي حامد، والصيدلاني، وعبر بعضهم عن الخلاف في المسألة بالقولين، وجعل المنصوص أنه يسجد، والثاني من تخريج أبي إسحاق المروزي.
قال الغزالي: وَلَوِ ارْتَكَبَ مَنْهِيًّا تَبْطُلُ الصَّلاَةُ بِعَمْدِهِ كَالأكْلِ وَالأَفْعَالِ الكَثِيرَةِ
الجزء: 2 - الصفحة: 65
فَلْيَسْجُدْ عِنْدَ ارتِكَابِهِ سَهْوًا، وَمَوَاضِعُ السُّجُودِ سِتَّةٌ: (الأَوَّلُ) إِذَا قَرَأَ التَّشَهُّدَ أَوِ الْفَاتِحَةَ فِي الاعْتِدَالِ مِنَ الرُّكُوعِ عَمْدًا بَطُلَت صَلاتُهُ وَإِنْ سَهَا سَجَدَ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ تَطْوِيلِ رُكْنٍ قَصِيرٍ وَنَقْلِ رُكْنٍ، وَلَوْ وَجَدَ أَحَدَ المَعْنَييْنِ دُونَ الثَّانِي، فَفِي البُطْلاَنِ بِعَمْدِهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ تَبْطُلُ فَفِي السُّجُودِ بِسَهْوِهِ وَجْهَانِ، وَالأَظْهَرُ أَنَّ الجَلْسَةَ بَين السَّجْدَتَيْنِ رُكْنٌ طَوِيلٌ.
قال الرافعي: المقتضى الثاني لسجود السهو ارتكاب المنهي والمنهيات قسمان:
أحدها: ما لا تبطل الصلاة بعمده، كالالتفات والخطوة والخطوتين.
والثاني: ما تبطل بعمده نحو الكلام، والركوع الزائد، وما أشبه ذلك، فقال الأصحاب: ما لا تبطل الصلاة بعمده لا يقتضي السهو به السجود، وما تبطل الصلاة بعمده يقتضي سهوه السجود، أما الأول فلأن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "فَعَلَ الْفِعْلَ الْيَسِيرَ فِي الصَّلاَةِ، وَرَخصَ فِيهِ، وَلَمْ يَسْجُدْ لِلسَّهْوِ، وَلاَ أَمَرَ بِهِ" 531.
وأما الثاني فلما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "صَلَّى الظُّهْرِ خَمْساً، ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ" 532 وقد ذكر الطرف الثاني في الكتاب صريحاً، وأشار به إلى الأول، ولا شك في جريان هذا الضابط من الطرفين في أغلب الصور، ومنهم من وفي بطرده على الإطلاق كما سنفصله.
والطرف الثاني المذكور في الكتاب، وهو أنَّ ما تَبْطُلُ الصَّلاَةُ بعمده يسجد عند ارتكابه سهواً يرد عليه شيئان:
أحدهما: أن الفعل الكثير سوى الأكثرون بين عمده، وسهوه في إبطال الصلاة كما سبق، فجلى ما ذكروه الفعل الكثير منهي عنه تبطل الصلاة بعمده، ولا يسجد عند سهوه، بل تبطل الصلاة أيضاً، وكذلك الأكل والكلام الكثير عمدهما يبطل الصلاة، وكذلك سهوهما في أصح الوجهين كما قدمنا.
والثاني: أنه لو أحدث عمداً بطلت صلاته، ولو أحدث سهوًا فكذلك تبطل، ولا يسجد للسهو، فأدرج صاحب "التهذيب" في هذا الضابط ما يخرج عنه الثاني فقال: ما يوجب عمده بطلان الصلاة يوجب سهوه سجود السهو إن لم تبطل الطهارة، وإذا أحدث فعمده وسهوه يستوي في إبطال الطهارة، وأما الأول فما احترز عنه، بل أدخل العمل في أمثلة، هذا الضابط، ولم يحسن فيه مع تسويته في فصل العمل بين العمد والسهو من كثيره، ولو قيل: ما تبطل الصَّلاة بعمده يسجد عند ارتكابه سهواً إذا لم
الجزء: 2 - الصفحة: 66
تبطل الصلاة لخرجت المسائل كلها، وقد ذكر أبو سعيد المتولي هذه اللفظة، وقيداً آخر، وبذلك القيد قصد الاحتراز، لكن فيها غُنْيَة عنه، ثم تكلَّم في الكتاب في ستة من مواضع السهو منها ما يتعلق بترك المأمور.
ومنها ما يقع في قسم أرتكاب المنهي، وهذا الفصل يشتمل على أولها، وهو يتضمن مسائل يقتضي الشرح أن نفصلها أولاً، ثم نطبق نظم الكتاب عليها.
أحدها: الاعتدال عن الركوع ركن قصير، أمر المصلى فيه بالتخفيف، ولهذا لا يسن تكرير الذكر المشروع فيه بخلاف التسبيح في الركوع والسجود، وكأنه ليس مقصوداً لنفسه وإن كان فرضاً، وإنما الغرض منه الفصل بين الركوع والسجود، ولو كان مقصودًا لنفسه لشرع فيه ذكر واجب؛ لأن القيام هيئة معتادة فلا بد من ذكر يصرفها عن العادة إلى العبادة كالقيام قبل الركوع، والجلوس في آخر الصلاة، لما كان كل واحد منهما هيئة تشترك فيه العادة والعبادة وجب فيها شيء من الذّكر، وبهذا الفقه أجاب أصحابنا أحمدَ بْنَ حنبل -رحمه الله- حيث قال: بوجوب التسبيح في الركوع والسجود كالقراءة في القيام والتشهد في القعود، فقالوا: الركوع والسجود لا تشترك فيهما العادة والعبادة؛ بل هما محض عبادة فلا حاجة إلى ذكر مميز بخلاف القيام والقعود، فإن قيل 533: لو كان الغرض الفصل لما وجبت الطمأنينة فيه، فالجواب أن الطمأنينة إنما وجبت ليكون على سكينة وثبات، فإن تناهى الحركات في السرعة يخل بهيئة 534 الخشوع والتعظيم، ويخرم الأبهة.
إذا عرف ذلك، فلو أطاله عمداً بالسكوت أو بالقنوت أو بذكرٍ آخر ليس بركن فهل تَبْطُل صلاته؟ فيه وجهان حكاهما صاحب: "النهاية" وغيره.
أحدهما: لا؛ لما روي عن حذيفة قال: "صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لَيْلَةً فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ وَالنِّسَاءَ وَآلَ عِمْرَانَ فِي [رَكْعَةٍ] 535 ثُمَّ رَكَعَ فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحوًا مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَقَامَ قَرِيباً مِنْ رُكُوعِهِ، ثُمَّ سَجَدَ" 536.
والثاني: أنها تبطل إلا حيث ورد الشرع بالتطويل بالقنوت، أو في صلاة التسبيح؛ لأن تطويله يعتبر لموضوعه، فأوجب عمده بطلان الصلاة، كما لو قصر الأركان الطويلة ونقص بعضها، وهذا الوجه هو الذي أورده في "التهذيب"، وذكر إمام الحرمين أنه ظاهر المذهب أيضاً، وحكي وجهاً ثالثاً عن القفال أنه إن قنت عامداً في اعتداله بطلت صلاته، وإن طَوَّلَ بذكر آخر لا يقصد القنوت لم تبطل، ويقرب من هذا كلام الشيخ أبي
الجزء: 2 - الصفحة: 67
إسحاق في "المهذب"، فإنه عد من المبطلات تطويل القيام بنية القنوت في غير موضع القنوت، واحتج إمام الحرمين للوجه الأظهر بأنه لو جاز تطويله لبطل معنى الموالاة فإن سائر الأركان قابلة للتطويل، فإذا طوله أيضاً لم تبق الموالاة، ولا بد من الموالاة في الصَّلاَةِ، ولمن ذهب إلى الوجه الأول أن يقول: إن كان معنى الموالاة أن لا يتخلل فصل طويل بين أركان الصلاة بما ليس منها، فلا يلزم من تطويله وتطويل سائر الأركان فوات الموالاة، وإلا فلا أسلم اشتراط الموالاة بمعنى آخر.
المسألة الثانية: لو نقل ركنًا ذِكْرياً عن موضعه إلى ركن آخر طَوِيل، كما لو قرأ الفَاتِحَة أو بعضها في الرُّكُوع أو الجلوس آخر الصلاة، أو قرأ التشهد أو بعضه في القيام عمداً، فهل تبطل صلاته؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما لو نقل الأركان الفعلية إلى غير موضعها.
وأصحهما: لا، لأن نقل الأركان الذكرية لا يغير هيئة الصلاة؛ ولهذا قلنا: لو كرر الفاتحة أو التشهد عمداً لا تبطل صلاته على الصحيح، بخلاف الركوع والسجود، وقطع قاطعون بهذا الوجه الثاني، ويجري الخلاف فيما لو نقله إلى الاعتدال ولم يطل بأن قرأ بعض الفاتحة، أو التشهد.
الثالثة: لو اجتمع المعنيان فطول الاعتدال بالفاتحة، أو التشهد، فقد ذكر في "النهاية" ما يخرج منه طريقان:
أظهرهما: طرد الوجهين فيه، ولا يخفى أن الأصح بطلان الصلاة لما ذكرنا.
والثاني: القطع بالبطلان؛ لانضمام نقل الركن إلى التطويل.
الرابعة: الجلوس بين السجدتين ركن طويل أم قصير؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه طويل حكاه إمام الحرمين عن ابن سريج، والجمهور؛ تشبيهاً بالجلوس بين السجدتين.
والثاني: أنه قصير، حكاه عن الشيخ أبي علي، وهذا هو الذي ذكره الشيخ أبو محمد في "الفروق" وتابعه صاحب "التهذيب" وغيره وهو الأصح لمثل ما ذكرناه في الاعتدال؛ فإن قلنا بالأول فلا بأس بتطويله، وإن قلنا بالثاني ففي تطويله عمداً الخلاف المذكور في الاعتدال.
الخامسة: إذا قلنا: في هذه الصور ببطلان الصَّلاة؛ فلو فرضنا السهو بذلك الشيء سجد سهواً، وحصل الوفاء بما سبق أن ما يبطل عمده يسجد لسهوه إذا لم يبطل، وإذا قلنا بعدم البطلان فهل يسجد عن الارتكاب سهواً؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كالالتفات، والخطوة، والخطوتين، وسائر ما لا يبطل عمده
الجزء: 2 - الصفحة: 68
الصلاة، وعلى هذا يحصل الوفاء بالطرف الثاني أيضاً، وهو أن ما لا يبطل عمده الصلاة، لا يقتضي سهوه السجود.
وأصحهما: نعم، أما في تطويل الركن القصير فكما لو قصر الركن الطويل فلم يتم الواجب، وعدل إلى غيره سهواً؛ وأما في نقل الركن فكما لو نقل الركوع إلى غير محله سهواً، وهذا لأن المصلي مأمور بالتحفظ وإحضار الذهن حتى لا يتكلم، ولا يزيد في صلاته ما ليس منها، وهذا الأمر مؤكد عليه تأكد التشهد الأول، فإذا غفل فطول الركن القصير أو نقل الركن، فقد ترك الأمر المؤكد، وغير شعار فاقتضى الحال الجبر بالسجود، وكترك التشهد الأول، والقنوت، وعلى هذا الوجه تستثنى هذه الصورة 537 على قولنا: ما لا تبطل الصلاة بعمده لا يقتضي سهوه السجود، فهذه هي المسائل أما ما يتعلق بلفظ الكتاب.
فقوله: (إذا قرأ التشهد، أو الفاتحة في الاعتدال من الركوع عمداً) هو صورة المسألة الثالثة.
وقوله: (بطلت صلاته) يجوز أن يكون جواباً على الطريقة القاطعة بالبطلان، ويجوز أن يكون جواباً على الأصح مع إثبات الخلاف، وعلى التقديرين فليكن معلماً بالواو.
الجزء: 2 - الصفحة: 69
واعلم أن الحكم بالبطلان في هذه الصورة قد نقل عن الشافعي -رضي الله عنه-، وذكر الشيخ أبو محمد وغيره أن الأصحاب اختلفوا في معناه، منهم من قال: إنما بطلت الصَّلاَة لتطويل الركن القصير، فلم يحكم بالبطلان إذا قرأ الفاتحة في القيام، أو الركوع، ومنهم من قال: إنما بطلت لنقل الركن، فحكم بالبطلان [حيث وجد النقل].
وقوله: "ولو وجد أحد المعنيين دون الثاني" [إن وجد التطويل] 538 وحده، فهو صورة المسألة الأولى، والأظهر فيها البطلان، وإن وجد النقل وحده فهو صورة المسألة الثانية، والأظهر فيها عدم البطلان، ويجوز أن يعلم قوله: (وجهان) بالواو إشارة إلى طريقة القاطعين بعدم البطلان في الصورة الثانية وقوله: (فإن قلنا: لا تبطل) هو المسألة الأخيرة.
وقوله: (والأظهر ...) إلى آخره هو المسألة الرابعة، لكن الحكم بأنها قصيرة أظهر على ما سبق، ولا يتضح فرق بين الاعتدال والجلسة.
قال الغزالي: (الثَّانِي) مَنْ تَرَكَ أرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ سَهْوًا لَمْ يَكْفِهِ أَنْ يَقْضِيهَا فِي آخِرِ صَلاَتهِ بَلْ لاَ يُحْتَسَبُ لَهُ مِنَ الأَرْبَعِ إِلاَّ رَكْعَتَانِ، وَلَوْ تَرَكَ مِنَ الأُولَى وَاحِدَةً وَمِنَ الثَّانِيَةِ ثِنْتَيْنِ وَمِنَ الرَّابِعَةِ وَاحِدَةً فَلْيَسْجُدْ سَجْدَةً وَاحِدَةً ثُمَّ لْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ تَرَكَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ وَلَمْ يَدْرِ مِنْ أَيْنَ تَرَكَهَا فَعَلَيْهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ وَرَكْعَتَانِ أَخذاً بِأَشَقِّ التَّقْدِيرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، فَرْعٌ: لَوْ تَذَكَّرَ فِي قِيَامِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ نَسِيَ سَجْدَةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَكُنْ قد جَلَسَ بَعْدَ السَّجْدَةِ الأُولَى فَلْيَجْلِس ثُمَّ لْيَسْجُدْ، والقِيَامُ لاَ يَقُومُ مَقَامَ الجَلْسَةِ، وَإِنْ كَانَ قَد جَلَسَ بَعْدَ السَّجْدَةِ الأُولَى فَيَكْفِيهِ أَنْ يَسْجُدَ عَنْ قِيَامِهِ، فَإنْ كَانَ قَصَدَ بِتِلْكَ الجَلْسَةِ الاسْتِرَاحَةَ، فَفِي تأدِّي الفَرْضِ بِنيَّةِ النَّفْلِ وَجْهَانِ، ثُمَّ لاَ يَخْفِى أنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْو فِي جَمِيعِ ذَلِكَ.
قال الرافعي: قاعدة الفصل أن الترتيب في أركان الصلاة واجب الرعاية، وإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يرتب، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي" 539 فلو ترك الترتيب عمداً بطلت صلاته، ولو تركه سهواً لم يعتد بما فعله بعد الركن المتروك حتى يأتي بما تركه، فإن تذكر الحال قبل فعل مثله في ركعة بعدها فكما تذكر يشتغل به، وإن تذكر بعد فعل مثله في ركعة أخرى تمت الركعة الأولى به، ولغى ما بينهما، هذا إذا عرف عين المتروك وموضعه إن لم يعرف أخذ بأدنى الممكن، وأتى بالباقي وفي الأحوال كلها
الجزء: 2 - الصفحة: 70
يسجد للسهو إلا إذا وجب الاستئناف بأن ترك ركنًا، وأشكل عينه عليه، وجوز أن يكون ذلك الركن هو النية، أو التكبير، وإلا إذا كان المتروك هو السلام فإنه إذا تذكر ولم يطل الفصل يسلم، ولا حاجة إلى سجود السهو، وقد ذكر في الكتاب مسألتين مما يترتب على هذه القاعدة.
إحداهما: لو تذكر في الركعة الثانية أنه ترك سجدة من الأولى، فلا يخلو: إما أن يتذكر قبل أن يسجد في الثانية، أو بعد أن يسجد فيها، فأما الحالة الأولى فيشتمل عليها الفرع المرسوم في الكتاب آخرًا ولا بأس أن تقدمه، فنقول: إذا تذكر في قيام الثانية أنه ترك سجدة من الأولى، فلا بد من الإتيان بها كما تذكر، ثم ننظر إن لم يجلس عقيب السجدة المفعولة، فهل يكفيه أن يسجد عن قيام أم يجلس مطمئناً ثم يسجد؟ فيه وجهان:
أحدهما: أنه يخر ساجداً، والقيام يقوم مقام الجلسة بين السجدتين؛ لأن الغرض منها الفصل بينهما، وقد حصل ذلك بالقيام.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه يجب أن يجلس مطمئناً، ثم يسجد؛ لأنه وإن كان المقصود الفصل، فالفصل واجب بهيئة الجلوس، فلا يقوم القيام مقامها كما لا يقوم مقام الجلوس للتشهد، وإن جلس عقيب السجدة المفعولة نظر إن قصد به الجلسة بين السجدتين ثم غفل ولم يسجد الثانية فمن قال، في الصورة الأولى: يكفيه أن يسجد عن قيامه فهاهنا أولى، ومن قال: ثم يجلس ثم يسجد اختلفوا هاهنا فقال أبو إسحاق وغيره: يجب أن يجلس هاهنا أيضاً لينتقل منه إلى السجود؛ كما لو قدر المريض على القيام بعد القراءة يجب عليه أن يقوم ليركع عن قيام، وظاهر المذهب وهو المذكور في الكتاب أنه يكفيه أن يسجد عن القيام، كما لو ترك أربع سجدات من أربع ركعات ثم تذكر تحتسب له ركعتان، كما سيأتي، وإن كانت السجدة التي في الثانية والتي في الرابعة واقعتين عن قيام، وإن قصد بتلك الجلسة الاستراحة لظنه أنه أتى بالسجدتين جميعاً فوجهان مذكوران في الكتاب.
أحدهما: لا يحسب ذلك الجلوس، ويجب أن يجلس ثم يسجد؛ لأنه قصد بتلك الجلسة السُّنة، فلا تنوب عن الفرض كما في سجدة التلاوة لا تقوم مقام سجود.
الفرض، وبهذا قال ابْن سُرَيْجٍ وبه يقول أبو إِسْحَاقَ أيضاً لينتقل من الجلوس إلى السجود.
والثاني: أنه يكفيه أن يسجد عن قيام، ولا يضر اعتقاده أنه يجلس للاستراحة كما لو جلس في التشهد الأخير وهو يظن أنه الأول ثم تذكر يجزئه ذلك، وما الأظهر من هذين الوجهين؟ قال في "التهذيب": المذهب هو الأول؛ لكن الأكثرين منهم العراقيون والقاضي الروياني رجحوا الوجه الثاني.
الجزء: 2 - الصفحة: 71
والوجهان في المسألة كالوجهين فيما إذا أغفل المتوضئ لمعة في المرة الأولى، وانغسلت في الثانية، أو الثالثة، هل يجزئه؟ وقد ذكرنا في "باب الوضوء" أن الأصح عند المعتبرين الإجزاء بخلاف ما إذا انغسلت في تجديد الوضوء، لأن قضية نيته في ابتداء الوضوء أن لا يقع شيء عن السنة حتى يرتفع الحدث، كذلك هاهنا قضية نيته السابقة أن لا يكون الجلوس عن الاستراحة إلا بعد الفراغ من السجدتين، ولو تردد في أنه جلس بعد السجدة المفعولة أم لا؟ فالحكم كما إذا علم أنه لم يجلس.
وقوله في الكتاب: (فليجلس ثم ليسجد) ينبغي أنه يعلم بالميم؛ لأن عند مالك أن ذكر الحال بعد أن ركع في الثانية واطمأن فلا يعود إلى السجود، بل تلغى الأولى وتصير الثانية أولاه، وإنما يعود للسجود إذا تذكر قبل الركوع وبالألف أيضاً؛ لأن عند أحمد إن ذكر بعد الشروع في القراءة لا يعود إلى السجود، بل تلغى الأولى ويعتد بالثانية، وإنما يعود إذا ذكر قبل الشروع في القراءة.
لنا أن ما أتى به من الأولى وقع صحيحاً فلا يبطل بترك ما بعده كما إذا تذكر قبل الركوع عند مالك، وقبل القراءة عند أحمد، ويجوز أن يعلم بالحاء أيضاً؛ لأن عند أبي حنيفة -رحمة الله عليه-: يكفيه أن يسجد في آخر صلاته سجدة فتلحق بموضعها، ولا يرجع إلى السجود، وكذلك الحكم عنده لو ترك سجدة عمداً، حكاه القاضي الروياني، وغيره، وليعلم قوله: (فليجلس) بالواو أيضاً، وكذلك قوله: (والقيام لا يقوم مقام الجلسة) إشارة إلى الوجه الذي ذكرناه أنه يسجد عن قيام ولا يجلس.
وفي قوله: (فليجلس ثم ليسجد) ما يفيد أصل الفرض 540، ويبين أن القيام لا يقوم مقام الجلسة، لكن عقبه به إيضاحاً وتنبيهاً على ما يتمسك به صاحب الوجه البعيد.
وقوله: (بعد السجدة الأولى) في موضعين من الفرع إنما سماها أولى بالنسبة إلى ما سيفعله من بعد، وإلا فليس قبل التذكر إلا سجدة واحدة.
الحالة الثانية: أن يتذكر الحال بعد أن يسجد في الثانية، فينظر إن تذكر بعد السجدتين معاً، أو في الأخرى منهما فقد تم بما فعل ركعته الأولى، ولغى ما بينهما، ثم إن كان قد جلس في الأولى على قصد الجلسة بين السجدتين فتمامها بالسجدة الأولى، وكذا إن كان قد جلس على قصد الاستراحة وأقمناها مقام الجلسة بين السجدتين، وإن لم يجلس أصلاً، أو جلس على قصد الاستراحة ولم يكتف بها، فإن قلنا: إذا تذكر في القيام والحالة هذه يجلس ثم يسجد، وهو الأصح، فتمام الركعة الأولى هاهنا بالسجدة الثانية، وإن قلنا: ثم يسجد عن قيام فتمامها بالسجدة الأولى،
الجزء: 2 - الصفحة: 72
وينبني على هذا الخلاف ما إذا تذكر بعد السجدة الأولى، فإن قلنا: بالأول فركعته غير تامة فيسجد سجدة ثم يقوم إلى ركعة ثانية، وإن قلنا بالثاني فركعته تامة، فيقوم إلى أخرى هذه مسألة.
والثانية: إن تذكر في جلوس الركعة الرابعة أنه ترك من صلاته الرباعية أربع سجدات، فلا يكفيه أن يقضيها فيأتي بأربع سجدات ولاءً ويسلم؛ لأن الترتيب يقتضي أن لا يعتد بشيء بعد الركن المتروك حتى يأتي به في ركعة أخرى، ثم ترك السجدات الأربع من الصلاة الرباعية قد يقتضي الاحتساب بثلاث ركعات إلا سجدتين، وقد يقتضي الاحتساب بركعتين ناقصتين بسجدة، فهذه ثلاثة أوجه، والثالث أسوأها، والمصنف ذكر لكل واحد من الوجهين الأخيرين مثالاً دون الوجه الأول، ونحن نذكرها جميعاً على الاختصار، فلو ترك ثنتين من الثالثة، وثنتين من الرَّابِعَةِ صحت له الركعتان الأوليان، وصحت الركعة الثالثة أيضاً، لكن لا سجدة فيها وفيما بعدها حتى يتم بها فيسجد سجدتين ويقوم إلى ركعة رابعة، فهذه الصورة من صور الوجه الأول؛ وكذلك لو ترك واحدة من الأولى وواحدة من الثانية وثنتين من الرابعة، وكذا ترك واحدة من الثانية، وواحدة من الثالثة، وثنتين من الرابعة.
وأما الوجه الثاني فمن صوره أن يترك من كل ركعة سجدة، فيحصل له ركعتان؛ لأن الأولى تتم بالسجدة التي في الثانية، ويلغى ما بينهما، وكذلك تتم الركعة الثالثة بالسجدة التي في الرّابعة.
ومنها ترك ثنتين من الثانية وثنتين إما من الأولى أو الثالثة، ومنها: ترك ثنتين من الثانية وواحدة من الأولى وأخرى من الثالثة، ومنها ترك ثنتين من الثانية، وواحدة من الثالثة، وأخرى من الرابعة، ومنها ترك ثنتين من الأولى، واثنتين من ركعتين بعدها متواليتين، ومنها ترك واحدة من الأولى، وواحدة من الثانية، واثنتين من الثالثة، ومنها ترك واحدة من الثانية، واثنتين من الثالثة، وواحدة من الرابعة، فيحصل في هذه الصور كلها ركعتان، ويقوم إلى ركعتين أخريين.
وأما الوجه الثالث: فمن صوره: أن يترك من الأولى واحدة ومن الثانية ثنتين، ومن الرابعة واحدة، فالحاصل ركعتان إلا سجدة، وذلك لأن ما بعد السجدة في الركعة الأولى غير محسوب حتى تتم هي، وليس في الثانية ما يتمها فتتم بسجدة من الثالثة، وتلغى سجدتها الأخرى؛ لأن الركعة إذا تمت فالواجب بعدها القيام، وتحتسب ركعته الرابعة، وليس فيها إلا سجدة فيسجد أخرى ليتمها، ويقوم إلى ركعتين أخريين، ومنها لو ترك من الأولى ثنتين، وواحدة من الثانية، وأخرى من الرابعة، وكذلك كل صورة ترك فيها ثنتين من ركعة، وثنتين من ركعتين أخريين غير متواليتين.
الجزء: 2 - الصفحة: 73
إذا عرفت ذلك فإن عرف السَّاهِي موضع الأربع المتروكة، فالحكم ما بينا، وإن لم يعرف أخذ بالأسوأ ليخرج عن العهدة بيقين، والأسوأ أن يأتي بسجدة وركعتين، وحكى إمام الحرمين عن أبيه أنه كان يقول: يلزمه في سورة الإشكال أن يسجد سجدتين، ثم يقوم إلى ركعتين أخريين لاحتمال أنه ترك ثنتين من الثالثة، وثنتين من الرابعة، أو على سورة أخرى من صور الوجه الأول، ولو كان كذلك لكان عليه أن يسجد سجدتين، ثم يقوم إلى ركعة أخرى فيجب أن يسجد سجدتين لجواز أن يكون الترك على وجه يقتضي ذلك، ثم لا يجزئه إلا ركعتان لجواز أن يكون الترك على وجه آخر فيصلي ركعتين أخريين ليكون آتيا بكل ما تعذر وجوبه، واعترض عليه بأن السجدة الثانية غير معتد بها، فإنه إذا سجد سجدة واحدة والإشكال مستمر حصل له مما فعل ركعتان قطعاً، ولا شك أنا نأمره بركعتين أخريين فالزيادة لغو والله أعلم.
ثم جميع ما ذكرناه فيما إذا كان قد جلس عقيب السجدات كلها على قصد الجلسة بين السجدتين، أو على قصد الاستراحة، وأقمناها مقام الجلسة المفروضة، وإذا فرعنا على أن القيام يقوم مقام الجلسة، فأما إذا لم يجلس في بعض الركعات، أو في شيء منها إلا في الرابعة وفرعنا على الصَّحِيح، وهو أن القيام لا يقوم مقام الجلسة لم يحسب ما بعد السجدة المفعولة إلى أن يجلس حتى لو تذكر أنه ترك من كل ركعة سجدة، ولم يجلس إلا في الأخيرة، أو جلس بنية الاستراحة، أو جلس في الثانية على قصد التشهد الأول، وقلنا: الفرض لا يتأدى بالنفل فلا يحصل له مما فعل إلا ركعة ناقصة بسجدة؛ لأنه لم يأت بعدها بجلوس على قصد الفرضية، ثم هذا الجلوس الذي نذكر الحال فيه يقوم مقام الجلسة بين السجدتين، فيسجد سجدة، ويقوم إلى ثلاث ركعات، فهذا ما يتعلق بترك أربع سجدات من صلاة رباعية.
ولو تذكر أنه ترك منها سجدة واحدة فإن علم أنه نسيها من الأخيرة سجدها، واستأنف التشهد إن كان قد تشهد، وإن علم أنه تركها من غير الأخيرة فعليه أن يقوم إلى ركعة أخرى، وإن أشكل أْخذ بالاحتمال الأخير، وإن تذكر ترك سجدتين منها فإن كانتا من الركعة الأخيرة كفاه أن يأتي بسجدتين، وإن كانتا من غير الأخيرة فإن كانتا من ركعة واحدة فعليه أن يقوم إلى ركعة، وإن كانتا من ركعتين فقد يكفيه أن يقوم إلى ركعة، وقد يلزمه أن يقوم إلى ركعتين؛ لأنه ترك واحدة من الأولى وواحدة من الثالثة، وإن أشكل أخذ بهذا الأسوأ، وإن تذكر ترك ثلاث سَجَدَات فقد يقتضي ذلك حصول ثلاث ركعات إلا سجدة فيسجد سجدة، ويقوم إلى ركعة، وذلك مثل أن يكون اثنتان من الأولى أو الثانية أو الثالثة وواحدة من الرابعة، وقد يكون بحيث يحصل له ثلاث ركعات إلا سجدتان مثل أن تكون واحدة من الأولى واثنتان من الرابعة، وقد يكون بحيث لا يحصل له إلا رَكْعَتَان، مثل أن يكون الثَّلاَثُ من الثَّلاَثِ الأوليات فإن أَشْكَل
الجزء: 2 - الصفحة: 74
أخذ بهذا الأَسْوَأ 541، وإن تذكر ترك خمس، فقد يحصل ركعتان سوى سجدتين بأن تكون واحدة من الأولى، وثنتان من الثَّانية، وثنتان [من الرابعة، وقد لا يحصل إلا ركعة، مثل أن تكون واحدة من الأولى، وثنتان من الثانية، وثنتان] 542 من الثالثة، فإن أشكل الحال فقد قال في "المهذب" يلزمه سجدتان وركعتان.
وقال غيره: لا؛ بل ثلاث ركعات وهو الصحيح، ولا وجه للأول، ولو ترك ست سجدات فلا يحصل له إلا ركعة، ولو ترك سبعاً فلا يحصل إلا ركعة ناقصة بسجدة، وحكم الثمان لا يخفى، ونعود إلى ما يتعلق بألفاظ الكتاب سوى ما تقدم.
قوله: (من ترك أربع سجدات من أربع ركعات) عني به ما إذا ترك كل سجدة من ركعة، وإن كان اللفظ مطلقاً، وقد صرح به في "الوسيط" وهذه الصورة من جملة الصور التي تقتضي ترك السجدات الأربع فيها الاحتساب بركعتين على ما سبق ذكرها، ولو اقتصر في الحكم على قوله: (لم يكفه أن يقضيها في آخر صلاته) لأمكن إجراؤه على إطلاقه، فإنه لا يكتفي قضاء السجدات في آخر الصلاة بحال، ولكن لما عقبه
الجزء: 2 - الصفحة: 75
بقوله: "بل لا يحتسب له من الأربع إلا ركعتان" تعذر إجراؤه على الإطلاق، ثم شرط الاحتساب بالركعتين أن يجلس عقيب السجدات كما سبق، وإن لم يتعرض له لفظ الكتاب.
وقوله: (لم يكفه) معلم بالحاء، لأن أبا حنيفة يقول في الصورة المرادة: يكفيه أن يسجد أربع سجدات، ولا يسلم، وليس ذلك؛ لأن الترتيب في أفعال الصلاة ليس بشرط عنده، فإنه سلم أنه لو ترك ثماني سجدات لم يكفه الإتيان بها في آخر الصلاة، بل لا يحتسب له إلا ركعة بلا سجدة، كما هو مذهبنا، لكنه اكتفى هاهنا بالسجدات؛ لأن عنده إذا تقيدت الركعة بسجدة واعتد بها، حتى لو ترك من كل ركعة سجدة قصداً كفاه فعلها في آخر الصلاة أيضاً.
لنا أنه لو وقع الاعتداد بالركعة المقيدة بسجدة لما وجب فعل السجدات في آخر الصلاة كركعة المسبوق لما أعتد بها لم يجب تدارك القيام والقراءة منها.
وقوله "في آخر صلاته" إنما [سماها] 543 آخر الصلاة على تقدير أنا لو كان قضاؤها كافياً أو بالإضافة إلى ظن المصلي أولاً؛ وإلا فليس الجلوس الذي فرضنا فيه التذكر آخر صلاته في الحقيقة، ثم هذه اللفظة إشعار بأنه أراد تصوير الكلام فيما إذا تذكر سهوه قبل أن يسلم من صلاته، وإلا فالسجدات لو قضيت لا تكون في آخر صلاته، بل بعد آخرها، وأما الحكم لو تذكر في السهو في المسائل المذكورة بعد السلام إن لم يطل الفصل فهو كما لو تذكر قبل السَّلاَم بلا فرق، وإن طال وجب الاستئناف، ومعنى طول الفصل سيأتي.
وقوله: (إلا ركعتان) يجوز أن يعلم بالميم والألف؛ لأنهما لا يصححان إلا الركعة الأخيرة، وهي ناقصة بسجدة، فيسجد سجدة ويقوم إلى ثلاث ركعات.
وروي عن مالك: أن صلاته تبطل.
فأما قوله: "ولو ترك من الأولى واحدة ... " إلى آخره فهي من الصور التي يقتضي ترك السجدات الأربع فيها الاحتساب بركعتين إلا سجدة.
وفوله في الصورة الثَّالثه: (ولم يدر من أين تركها) يوضح أنه أراد بالصورة الأولى ما إذا دري من أين ترك، وهو مَا بَيَّنَّاه.
وقوله: (فعليه سجدة واحدة)، يجوز أن يُعَلَّم بالواو ولما حَكَيْنَاه عن الشَّيْخ أبي محمد -رحمه الله-.
الجزء: 2 - الصفحة: 76
وقوله: (أخذ بأسوأ التقديرين المذكورين وأسوأ التقديرين) 544 ما إذا ترك سجدة من الأولى، وثنتين من الثانية، وواحدة من الرابعة، ولا يجب عند الإشكال الحمل على هذه الصورة بعينها، فإن لها أخوات في معناها كما بَيَّنا، وإنما الواجب الحمل عليها، أو على شيء منها.
وقوله في آخر الفصل: (ثم لا يخفى أنه يسجد للسهو في جميع ذلك) أي: في جميع مسائل الفصل، ويمكن عدّها من قسم ترك المأمور؛ لأن الترتيب مأمور به، وتركه عمداً مبطل، فإذا سها سجد، ومن قسم ارتكاب المنهي أيضاً؛ لأنه إذا ترك الترتيب فقد زاد في الأفعال والأركان.
قال الغزالي: الثَّالِثُ: إِذَا قَامَ إِلَى الثَّالِثَةِ نَاسِيًا فَإنْ انْتَصَبَ لَمْ يَعُدْ إِلَى التَّشَهُّدِ، لِأَنَّ الفَرْضَ لا يُقْطَعُ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ عَادَ عَالِمًا بَطُلَتْ صَلاتُهُ، وَإِنْ عَادَ جَاهِلاً لَمْ تَبْطُلْ لَكِنْ يَسْجُدُ لِلسَّهْو، وإنْ كَانَ مَأْمُومًا وَقَعَدَ إِمَامُهُ جَازَ الرُّجُوعُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ القُدْوَةَ فِي الجُمْلَةِ وَاجِبَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنِ التَّقَدُّمُ بِهَذَا القَدْرِ مُبْطِلاً، وَإِنْ تَذَكَّرَ قَبْلَ الانْتِصَابِ فَيَرْجِعُ ثُم يَسْجُدُ للسَّهْو إِنْ كَانَ قَدِ انْتَهَى إِلَى حَدِّ الرَّاكِعِينَ لِأَنَّهُ زَادَ رُكُوعاً.
قال الرافعي: قد سبق أن فوات التشهد الأول يقتضي سجود السهو، وفي هذا الفصل يتبين أنه متى يفوت، وإلى متى يجوز تداركه بالعود إليه، وإذا عاد إليه هل يحتاج إلى سجود السَّهْوِ أم لا؟ فنقول: إذا نَهَضَ من الركعة الثانية ناسياً للتشهد، أو جلس ولم يقرأ التشهد، ونهض منه ناسياً، ثم تذكر فلا يخلو إما أن يتذكر بعد الانتصاب أو قبله.
الحالة الأولى: أن يتذكر بعد الانتصاب، فلا يجوز له العود إلى التشهد خلافاً لأحمد، حيث قال: يجوز ما لم يشرع في القراءة، والأولى أن لا يعود، وحكى القاضي ابن كج عن أبي الحسين [عن بعض 545 الأصحاب] مثل ذلك.
لنا ما روي عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ الرَّكْعَتَينِ فَلَم يَسْتَتِمَّ قَائِماً، فَلْيَجْلِسْ، وَإِذَا اسْتَتَمَّ قَائِماً فَلاَ يَجْلِسْ وَيسْجُدْ سَجْدَ السَّهْوِ" 546 ولأن القيام فرض، والتشهد الأول سُّنة لما سبق، والفرض لا يقطع بالسُّنَّة، فلو خالف وعاد؛ نظر إن تعمده وهو عالم بأنه لا يجوز العود بطلت صلاته،
الجزء: 2 - الصفحة: 77
وإن عاد ناسياً لم تبطل، وعليه أن يقوم كما تذكر، وإن عاد جاهلاً بعدم الجواز؟ ففيه وجهان منقولان في "التهذيب" وغيره.
أحدهما: أنه لا يعذر وتبطل صلاته لتقصيره بترك التعلم.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: يعذر ولا تبطل صلاته كالناسي، لأنه مما يخفى على العوام، ولا يمكن تكليف كل واحد تعلمه، وعلى هذا يسجد للسهو لما زاد في صلاته سهواً، وكذلك في سورة النسيان، وهذا الذي ذكرناه في المنفرد والإمام في معناه، فلا يرجع بعدم الانتصاب إلى التشهد، ولا يجوز للمأموم أن يشتغل به، ولو فعل بطلت صلاته، نعم لو نوى مفارقته ليتشهد جاز، وكان مفارقاً بالعذر، ولو انتصب مع الإمام، ثم عاد الإمام لم يجز للمأموم أن يعود؛ بل يخرج عن متابعته، لأنه إما مخطئ بالعود فلا يوافقه في الخطأ، أو عامداً فصلاته باطلة، وهل يجوز أن ينتظره قائماً حملاً على أنه عاد ناسياً، حكى في "التهذيب" فيه وجهين، وقد سبق في التنحنح نظيره، ولو قعد الإمام للتشهد الأول، وقام المأموم ساهياً، أو نهضاً، ثم تذكر الإمام فعاد قبل الانتصاب، والمأموم قد انتصب: هل يعود المأموم في الصورتين؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم؛ لأن متابعة الإمام فرض بخلاف متابعة الإمام والمنفرد فإنهما لو رجعا لرجعا من فرض إلى سنة.
والثاني: أنه لا يعود، بل يصبر إلى أن يلحقه الإمام، لأنه حصل في ركن القيام، وليس فيما فعله إلا تقدم الإمام بركن، وأنه غير مبطل، وإن كان عمداً فلا حاجة إلى الرجوع، وقوله في الكتاب: (لأن القدوة في الجملة واجبة، وإن لم يكن المتقدم بهذا القدر مبطلاً) إشارة إلى توجيه الوجهين، وفي بعض النسخ: "لأن القدوة في الكملة واجبة".
الثاني: لا، لأن سبق الإمام بركن لا يبطل، وهما قريبان، ويجوز أن يعلم قوله: (وإن لم يكن المتقدم مبطلاً) بالواو؛ لأن في وجه المتقدم على الإمام يبطل الصلاة ولو بركن واحد، وقد أورده في الكتاب في الصلاة بالجماعة، والذي ذكره هاهنا مفرع على ظاهر المذهب، وصاحب "النهاية" قد صرح بذلك، ثم ذكر أن الخلاف في المسألة في جواز الرجوع وعدم الجواز، ولا خلاف في أنه لا يجب الرجوع، لأنه لو قام قصداً لم يقض ببطلان صلاته، ووافقه المصنف فقال: (جاز الرجوع على أحد 547 الوجهين) ففرض الخلاف في الجواز، لكن الشيخ أبا محمد 548 ومن تابعه نقلوا الوجهين في أنه هل يجب الرجوع؟ وقالوا:
الجزء: 2 - الصفحة: 78
أصحهما: الوجوب، ولو لم يرجع بطلت صلاته؛ لأن متابعة الإمام فرض، ولم يورد صاحب "التهذيب" الأوجه الوجوب، ثم قطع إمام الحرمين بأن في صورة قصد القيام ليس له أن يعود، كما لو ركع قبل الإمام، أو رفع رأسه قبله عمداً لا يجوز أن يعود، ولو عاد بطلت صلاته؛ لأنه زاد ركناً عمداً، ولو فعل ذلك سهواً كما لو سمع حساً فظن أن الإمام ركع فركع، ثم تبين أنه لم يركع بعد، أو ظن أنه اعتدل عن الركوع فاعتدل، ثم بَانَ أنه لم يعتدل بعد، فقد ذكر في "النهاية" وجهين في أنه هل يجوز له أن يرجع؛ لأنه غالط فيما فعل، وصاحب "التهذيب" وآخرون حكوا الوجهين في هذه المسألة في وجوب الرجوع أيضاً، وقالوا في وجه: تبطل صلاته لو لم يرجع، وفي وجه: يتخير بين أن يرجع أو لا يرجع وهو الأصح، وللنزاع في سورة قصد القيام أيضاً مجال ظاهر؛ لأن أصحابنا العراقيين أطبقوا على أنه لو ركع قبل الإمام عمداً فينبغي أن يرجع ليركع مع الإمام فاستحبوا الرجوع فضلاً عن الجواز، وربما تعود المسألة في باب الجماعة.
وقوله: (لم يعد إلى التشهد) معلم بالألف والواو لما قدمنا، وكذا قوله: (بطلت صلاته) وقوله في الجاهل: (لم تبطل) معلم بالواو.
الحالة الثانية: أن يتذكر قبل الانتصاب، فقد نص الشافعي -رضي الله عنه- على أنه يرجع إلى التشهد، وحكى الروياني خلافاً للأصحاب في أنه ما الذي أراد بالانتصاب؟ فمنهم من قال: أراد الاعتدال والاستواء، ومنهم من قال: أراد به أن يصير إلى حالة هي أرفع من حد أقل الركوع، والأول ظاهر اللفظ وهو الذي ذكره الجمهور، ويدل عليه حديث المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه-، وبالثاني فسر المسعودي كلام الشافعي -رضي الله عنه- وبه قال الشيخ أبو محمد، وهذا الاختلاف يرجع إلى شيء وهو أن من قام في صلاته منحنياً فوق حد أقل الركوع هل يجزئه ذلك أم لا؟ فيه وجهان حكيناهما في ركن القيام، فمن قال: لا يجزئه وهو الأصح قال، هاهنا: له أن يعود، ومن قال: يجزئه قال: إذا صار في ارتفاعه إلى هذا الحد لا يعود؛ لأنه حصل في حد الفرض.
وقوله في الكتاب: (فيرجع) معلم بالميم؛ لأن عند مالك إن كان إلى الانتصاب أقرب لم يرجع، وعن ابْنِ المُنْذِر عنه أنه إذا فارقت إليتاه الأرض لم يرجع، وبالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة إن كان إلى القيام أقرب لم يعدد، ذكره القدوري 549، ويجوز أن يعلم بالواو أيضاً؛ لأن مراده من الانتصاب الاستواء، ومن ذهب إلى التفسير الثاني لا يطلق
الجزء: 2 - الصفحة: 79
الرجوع إذا لم يستو، ثم إذا عاد قبل الانتصاب فهل يسجد للسهو؟ حكى الشيخ أبو حامد وأصحابنا العراقيون فيه قولين:
أظهرهما: عندهم أنه لا يسجد؛ لأنه روي في حديث المغيرة أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "وإنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَتِمَ قَائِماً جَلَسَ، وَلاَ سَهْوَ" 550، ولأنه عمل قليل، فلا يقتضي سجود السهو.
والثاني: وبه قال أحمد واختاره القاضي أبو الطيب أنه يسجد، لما روي أن أنساً - رضي الله عنه- "تَحَرَّكَ لِلْقِيَامِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ فَسَبَّحُوا بِهِ فَجَلَسَ، ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ" 551 ولأن ما أتى به زيادة من جنس الصلاة، فأشبه ما إذا زاد ركوعاً، وقال كثير من الأصحاب: إن صار أقرب إلى القيام منه إلى القعود ثم عاد سجد السهو، وإن كان يعد أقرب إلى القعود، لم يسجد، ويحكى هذا عن القفال أيضاً، ووجهه: أنه إذا صار إلى القيام أقرب فقد أتى بفعل يغير نظم الصلاة، ولو أتى به عمداً في غير موضعه لبطلت صلاته، فيقتضي سهوه السجود، وهذا كالتوسط بين القولين، وحمل للقولين على الحالين، وذكر في "النهاية" هذه العبارة، وزاد أنه لو عاد من حد يكون نسبته إلى القعود كنسبته إلى القيام لا يسجد أيضاً، وذكر عبارة أخرى عن الشيخ أبي محمد وآخرين وهي: أنه لو عاد قبل أن ينتهي إلى حد الراكعين فلا يسجد، وإن عاد بعد أن ينتهي إلى حد الراكعين يسجد؛ لأنه زاد ركوعاً سهواً، وهذه العبارة هي التي ذكرها في الكتاب، وليس المراد من حد الركوع هاهنا أقل الركوع؛ فإن المرتفع إذا انتهى إلى حد أقل الركوع فقد جاوز أكمله، وزاد ركوعاً، ولم يبلغه فهو في حد الراكعين أيضاً، نص عليه في "النهاية"، وهذا الخلاف في الوجه الذي حكيناه عن بعضهم في تفسير الانتصاب، حيث يعتبر أقل الركوع؛ لأن النظر ثم إلى الحصول في حد فرض القيام والعبارة الأولى أوفى بالغرض، فإن الثانية لا تجزى إلا إذا انتهض منحنياً، ومن الجائز أن لا ينحني في انتهاضه فيحتاج إلى الرجوع إلى العبارة الأولى، وهما متقاربتان، وليستا على التنافي، بل من قال بالأولى قال: بأنه إذا انتهى إلى حد الراكعين وعاد يسجد للسهو، ومن قال بالثانية سلم بأنه إذا عاد بعد ما صار أقرب إلى القيام من غير انحناء يسجد، وليكن قوله: (ثم يسجد [للسَّهْوِ] 552) معلماً بالواو لمكان طريقة القولين المطلقين في العود قبل الانتصاب، والظاهر التفصيل، وبه أجاب صاحب "التهذيب" والروياني في "الحلية" وجميع ما ذكرناه من الحالتين في ما إذا ترك التشهد الأول، ونهض ناسياً، فأما إذا فعل ذلك عمداً، ثم عاد قبل الانتصاب والاعتدال فإن عاد بعدما
الجزء: 2 - الصفحة: 80
صار إلى القيام أقرب بطلت صلاته، وإن عاد قبله لم تبطل، ذكره في "التهذيب"، ولو كان يصلي قاعداً فافتتح القراءة بعد الركعتين فإن كان على ظن أنه فرغ من التشهد وجاء وقت الثالثة لم يعد بعد ذلك إلى قراءة التشهد في أصح الوجهين، وإن سبق لسانه إلى القراءة وهو عالم بأنه لم يتشهد فله أن يعود إلى قراءة التشهد، وترك القنوت يقاس بما ذكرنا في التشهد، فإذا نسيه ثم تذكر بعد وضع الجبهة [على الأرض] 553 لم يجز العود، وإن كان قبله فله العود، ثم إن عاد بعد بلوغه حد الراكعين يسجد للسهو، وإن كان قبله فلا.
قال الغزالي: (الرَّابعُ) إِذَا تَشَهَّدَ فِي الأَخِيرِ قَبْلَ السُّجُودِ تَدَارَكَ السُّجُودَ وَأَعَادَ التَّشَهُّدَ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ؛ لأنَّهُ زَادَ قُعُودًا طَوِيلاً، وَلَوْ تَرَكَ السَّجْدَةَ الثَّانِيَةَ وَتَشَهَّدَ ثُمَّ تَذَكَّرَ لَمْ يَسْجُدْ لِهذَا السَّهْوِ، لِأَنَّهُ رُكْنٌ طَوِيلٌ فَلَمْ يُوجَدْ إِلاَّ نَقْلُ التَّشَهُّدِ وَهُوَ غيْرُ مُبْطِلٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وإنْ جَلَسَ عَنْ قِيَامٍ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ لَكِنْ طَوَّلَ سَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَإِنْ تَذَكَّرَ عَلَى القُرْبِ فَلاَ لِأَنَّ قَدْرَ جَلْسَةِ الاسْتِرَاحَةِ فِي مِثْلِ هذَا الوَقْتِ عَمْداً لاَ يُبْطِلُ الصَّلاةَ.
قال الرافعي: صورة المسألة الأولى أن يجلس في الركعة الأخيرة عن قيامه ظاناً أنه إذا أتى بالسجدتين فتشهد، ثم تذكر الحال بعد التشهد، فيجب عليه تدارك السجدتين وإعادة التشهد؛ مراعاةً لترتيب الصلاة، ويسجد للسَّهْوِ والحالة هذه؛ لمعنيين:
أحدهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه زاد قعوداً طوِيلاً في الصَّلاَةِ، ولو فعل ذلك عَمْداً لَبَطَلَتْ صلاته، فإذا فعله سَهْواً سجد.
والثاني: أنه نقل ركن التَّشهد عن مَوْضِعِهِ إلى غير موضعه، وذلك يقتضي سجود السَّهْوِ على أظْهُرِ الوجهين، كما تقدَّم، ويتفرع على هذا ما لو جلس بعد السجدتين في الركعة الأولى، أو الثالثة وقرأ التَّشَهُّدَ، أو بعضه، ثم تذكر سجد للسهو، نص عليه الشافعي -رضي الله عنه- لأنه نقل ركن التشهد إلى غير موضعه ولو لم يقرأ شيئاً، فإن طوّل سجد للسهو، لأنه زاد قعوداً طويلاً، وإن لم يطول فلا لانتفاء المعنيين، والتطويل بأن يزيد على قدر جَلْسَة الاستراحة.
وأعلم أن الحكم المذكور لا يختص بالركعة الأخيرة، بل لو اتفق له ذلك في الركعة الثانية من صلاة رباعية أو ثلاثية فكذلك يتدارك السجود ويعيد التشهد، ويسجد للسهو إلا أن إعادة التشهد هاهنا تكون مسنونة، ولو اتفق ذلك في ركعة لا يعقبها تشهد فإذا تذكر تدارك.
الجزء: 2 - الصفحة: 81
المسألة الثانية: لو سجد في الركعة الأخيرة سجدة وتشهد على ظن أنه فرغ من السجدتين، ثم تذكر فلا شك في أنه يتدارك السجدة الثانية، ويعيد التشهد، وهل يسجد للسهو؟ قال في الكتاب: [لا يسجد] 554 بناء على شيئين:
أحدهما: أن الجلوس بين السجدتين ركن طويل، فلم يوجد منه زيادة قعود طويل.
والثاني: أن نقل الركن الذكري عن موضعه لا يقتضي السجود، فتكون قراءة التشهد هاهنا بمثابة ما لو أتى بذكرٍ آخر، ويحكى هذا عن ابن سريج، لكن كل واحد من هذين الأصلين مختلف فيه، والظاهر أن الجلسة بين السجدتين ركن قصير وأن نقل الركن الذكري عن موضعه يقتضي السجود على ما بيناه من قبل، فإذًا الظاهر في المسألة أنه يسجد للسهو، وبه قال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيِّ وَغَيْرُهُ، وذكر في "التهذيب" أنه المذهب، ولو كانت المسألة بحالها وطول لا بالتشهد فهاهنا لا نقل، لكن الظاهر أنه يسجد للسهو أيضاً تفريعاً على قولنا: إن الجلسة بين السجدتين ركن قصير.
واعرف من لفظ الكتاب [في المسألة] 555 أموراً ثلاثة.
أحدهما: قوله: (لم يسجد لهذا السهو) ليس جواباً ينفي السجود [جزماً؛ لأنه ذكر الخلاف فيما جعله علة لنفي السجود حيث قال] 556 (لأنه ركن طويل) ولم يوجد إلا نقل التشهد، وهو غير مبطل، يعني إذا كان عمداً على أحد الوجهين، والخلاف في العلة يوجب الخلاف في المعلول، فتبين بذلك أنا إذا قلنا: إن عمده مبطل يسجد للسَّهْو، فإذًا لا حاجة إلى إعلام قوله: (لم يسجد) بالواو؛ لأنه بمثابة قوله: "لم يسجد على أحد الوجهين".
الثاني: قوله: (أحد الوجهين) يجوز أن يرجع إلى النقل وحده، ويجوز أن يرجع إليه، وإلى قوله قبله: "ركن طويل" فإن الخلاف ثابت فيهما، فإن كان الأول فليعلم قوله: (ركن طويل) بالواو.
الثالث: لفظ الكتاب يشعر بأن الحكم بأن عمده غير مبطل مع قولنا: الجلسة ركن طويل يقتضي نفي السجود هاهنا، لكنه قد ذكر من قبل إنا وإن لم نجعل عمد النقل مبطلاً ففي السجود لسهوه وجهان، فإذًا القول بنفي السجود هاهنا بناء على الأصلين جواب على أنه إذ ما لم يبطل عمده لا يسجد لسهوه، فالأظهر أنه وإن لم يبطل عمده يسجد لسهوه كما تقدم.
الجزء: 2 - الصفحة: 82
المسألة الثالثة: لو جلس عن قيام ولم يتشهد، ثم تذكر اشتغل بالسجدتين، وبما بعدهما على ما يقتضيه ترتيب صلاته، ثم إن طال جلوسه سجد للسهو لما سبق أن زيادة القعود الطويل عمداً مبطلة، وإن لم يطل بل كان في حد جلسة الاستراحة لا يسجد للسهو؛ لأن العمد منه في غير موضعه لا يبطل الصلاة بخلاف الركوع والسجود والقيام يبطل عمدها الصلاة وإن قصر زمانه، وذلك لأن الجلوس معهود في نفس الصلاة من غير أن يكون ركناً كجلوس التشهد الأول، وجلسة الاستراحة، وهي لا تقع في نفس الصلاة إلا أركاناً، فيكون تأثيرها في تغيير نظم الصلاة أشد، والمسألتان الأخيرتان لا اختصاص لهما بالركعة الأخيرة كما ذكرنا في المسألة الأولى، لكن هذا السهو حيث يكون بين يديه تشهد أقرب وقوعاً وإذا كان التشهد فرضاً يجب عليه إعادته بعد تبين الحال، فلذلك كانت مسائل الكتاب مصورة في الركعة الأخيرة.
قال الغزالي: (الخَامِسُ) إِذَا قَامَ إِلَى الخَامِسَةِ نَاسِياً بَعْدَ التَّشَهُّدِ فَإِنْ تَذَكَّرَ جَلَسَ وَسَلَّمَ، وَالقِيَاسُ أَنَّهُ لاَ يُعِيدُ التَّشَهُّدَ، وَالنَّصُّ أَنَّهُ يَتَشَهّدُ لِرِعَايَةِ الوَلاَءِ بَينَ التَّشَهُّدِ وَالسَّلاَمِ وَكَيْ لاَ يَبْقَى السَّلاَمُ فَرْداً غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِرُكْنٍ مِنْ أَحَدِ الجَانِبَيْنِ.
قال الرافعي: إذا قام إلى الخامسة في صلاة رباعية، ثم تذكر قبل أن يسلم فعليه أن يعود إلى الجلوس ويسجد للسهو، سواء تذكر في قيام الخامِسة، أو ركوعها، أو سجودها، وإن تذكر بعد الجلوس فيها سجد للسَّهْوِ ويسلم.
وقال أبُو حَنِيفَةَ: إن تذكر قبل أن يسجد في الخامسة يعود إلى الجلوس، وإن تذكر بعد ما سجد فيها فإن لم يكن قعد في الرَّابِعَةِ بَطَلَ فرضُه وتحولت صَلاتُه نفلاً، وعليه أن يضم إليها ركعةً سادسةً، وإن كان قد قعد في الرابعة ضم إليها ركعة أخرى، وتكون أربُع رَكَعَاتٍ من صلاته فرضاً، وركعتان نَفْلاً.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "صَلَّى الظُّهْرَ خَمْساً.
فقيل له أتزيد في الصلاة، قال: "وَمَا ذَاكَ" قالوا: صليت خَمْساً، فسجد سجدتين بعدما سَلَّمَ" 557.
والاستدلال أنه لا يخلو إما أن كان قد قعد في الرابعة، أو لم يقعد، فإن قعد فيها لم يضم إلى صلاته ركعة أخرى، وإن لم يقعد فيها لم يعد الصلاة.
وقوله في الكتاب: (جلس وسلم) بعد سجود السهو، وهل يتشهد بعدما تذكر الحال؟ نظر إن تذكر بعد الجلوس والتشهد في الخامسة فلا حاجة إلى إعادته بحال، وإن تذكر قبل الجلوس فيها فجلس، أو بعد الجلوس فيها، وقبل التشهد، فإن لم يكن
الجزء: 2 - الصفحة: 83
تشهد في الرابعة فلا بد وأن يتشهد الآن، وإن كان قد تشهد فيها وهذه الحالة هي المذكورة في الكتاب، فهل يحتاج إلى إعادة التشهد؟ فيه وجهان:
أصحهما: وبه قال معظم الأصحاب: لا؛ لأنه أتى به في موضعه، فأشبه ما إذا قام إلى الخامسة من السجود ثم تذكر فإنه يقعد ويتشهد، ولا يحتاج إلى العود إلى السجود.
والثاني: وبه قال ابن سريجَ: أنه يجب إعادته، وينسب هذا إلى نَصِّ الشافعي -رضي الله عنه- لأنه قال في "المختصر": وإن ذكر أنه في الخامسة سجد، وإن لم يسجد قعد في الرابعة، أو لم يقعد فإنه يجلس للرابعة، ويتشهد، ويسجد للسهو، حكم بأنه يجلس ويتشهد سواء قعد في الرابعة، أو لم يقعد، وذكر ابْن سُرَيْجٍ لهذا الوجه الثاني معنيين:
أحدهما: رعاية الموالاة بين التشهد والسَّلام، فإن تشهده في الرابعة قد انقطع بالركعة الزائدة فلا بد من إعادته ليليه السَّلام.
والثاني: أنه لو لم يعد التشهد لبقي السلام فرداً غير متصل بركن قبله ولا بعده، والكتاب يشتمل على هذين المعنيين معاً، وفرع ابن سريج عليهما ما إذا ترك الركوع ثم تذكره في السجود [فإن] 558 قلنا بالمعنى الأول، يجب أن يعود إلى القيام ويركع منه، وإن قلنا بالمعنى الثاني كفاه أن يقوم راكعاً، فإنه لا يبقى فرداً لاتصاله بالسجود وما بعده، والأول مثل ما حكيناه عن أبي إسحاق فيما إذا تذكر في قيام الثانية أنه ترك سجدة من الأولى، وكان قد جلس بعد السجدة المفعولة أنه يجلس ثم يسجد.
قال أصحاب الوجه الأول: أما لفظ الشافعي -رضي الله عنه- فإنما يتعرض للقعود، ولم يقل تشهد أو لم يتشهد، فالمراد ما إذا قعد ولم يتشهد.
أما المعنيان فضعيفان، أما الأول فلأن الفصل بالنسيان لا يقدح في الموالاة، لأنه إذا أعاد التشهد فإما أن يكون المعتد به تشهده الأول، أو يكون هو الثاني، فإن كان المعتد به الأول فلا معنى للأمر بالثاني، ثم المحذور هو انقطاع الموالاة بين التشهد والسلام يبقى بحالة، وإن كان المعتد به الثاني فلا موالاة بينه وبين ما قبله من الأركان، فلم يحتمل انقطاع الموالاة بين التشهد وما قبله، ولا يحتمل بين التشهد والسلام.
وأما المعنى الثاني فهو مفرع على انقطاع الموالاة، وإلا فالسلام ليس فرداً؛ بل هو متصل بما قبله.
الجزء: 2 - الصفحة: 84
وهذا كله إذا كان قد تشهد على قصد التشهد الأخير، وهو المراد من مسألة الكتاب، فأما إذا تشهد على ظَنِّ أنه التشهد الأول عاد الوجهان في تأدي الفرض بنية النفل 559 إن قلنا: يتأدى ففيه الخلاف المذكور، وإن قلنا: لا يتأدى فيجب إعادة التشهد بلا خلاف.
وإذا عرفت ما ذكرناه تبين لك أنه لم قال: القياس أنه لا يتشهد، والنص أنه يتشهد لكن في اللفظ شيئين:
أحدهما: أنه سلم أن النص أنه يتشهد، وأصحاب الوجه الأول لم يسلموا ذلك بل منهم من يمنع دلالته عليه، ومنهم من أوله.
والثاني: أن قوله في مقابلته القياس: أنه لا يتشهد إنما يذكر مثله في إبداء الشيء على سبيل الاحتمال، وهو منقول منصوص عليه من جهة معظم الأصحاب، والله أعلم.
قال الغزالي: (السَّادِسُ) إِذَا شَكَّ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ أَخَذَ بِالأَقَلِّ (ح) وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ، وَلَوْ شَكَّ بَعْدَ السَّلاَمِ فَقَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُومَ إِلَى التَّدَارُكِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ، وَالثَّانِي: أنَّهُ لاَ يُعْتَبَرُ بَعْدَ الفَرَاغِ لِمَا فِيهِ مِنَ العُسْرِ، وَإِنْ لَمْ يَشُكَّ إِلاَّ بَعْدَ طُولِ الزَّمَانِ، فَالقِيَاسَ 560 أنَّهُ لاَ يُتَلَفَّتُ إِلَيْهِ.
قال الرافعي: ليس في هذا الموضع السادس سهو محقق، فكأنه أراد بقوله أولاً: (ومواضع السهو ستة مواضع سجود السهو) ثم ليس ذلك على سبيل العصر، بل الصور المفردة التي يشرع فيها السجود تزيد على أضعاف هذا العدد، ويمكن التقسيم الجملي على وجه ينتقص عنه.
وقوله: (إِذَا شك في أثناء الصلاة) يعني في عدد الركعات، وسبب الأخذ بالأقل وسجود السهو قد ذكره في الكتاب بعد هذا، وأعاد المسألة كما سنشرحها، وليعلم قوله: (أخذ بالأقل) بالحاء والألف لما سيأتي، وإن وقع الشك في عدد الركعات، أو في ترك ركن من الأركان بعد السلام، فينظر إن لم يطل الزمان ففيه قولان:
أحدهما: أنه يشتغل بالتدارك ويسجد للسهو كما لو وقع الشَّكُّ في أثناء الصَّلاَةِ؛ لأن الأصل أنه لم يفعله، وأيضاً فلأنه لو تيقن بعد السلام ترك ركن، أو ركعة ولم يطل
الجزء: 2 - الصفحة: 85
الفصل يتدارك كما لو كان ذلك قبل السلام، فكذلك يتساويان في حكم الشَّكِّ؛ وأظهر هما أنه لا عبرة بهذا الشك، لأن الظاهر أن ختم الصلاة كان على تمام الركعات والأركان، ولو اعتبر الشك الطارئ بعد الفراغ لعسر الأمر على الناس، وفي المسألة طريق آخر وهو القطع بهذا القول الثاني، فليكن قوله: (فقولان) معلماً بالواو لذلك، ولفظ الكتاب وإن لم يصرح بوضع القولين فيما إذا لم يطل الزمان لكنه اشتمل على ما يبين ذلك.
ألا ترى أنه قال بعد القولين: (فإن لم يشك إلا بعد طول الزمان) فأفهم أنهما فيما إذا لم يطل، وإن طال الزمان ثم شك ففيه طريقان حكاهما في "النهاية".
أحدهما: طرد القولين.
وأصحهما: القطع بأنه لا عبرة بالشِّكِّ بعده؛ لأن الإنسان بعد طول المدة تكثر تردداته وشكوكه فيما مضى من أفعاله، ولو اعتبر ذلك لكان الطريق أن يؤمر بالقضاء، ومثل هذا الشك غير مأمون في القضاء أيضاً.
وقوله: "على الصحيح" أي: من الطريقين، وبه قال الشيخ أبو محمد، ويجوز أن يريد من القولين جواباً على الطريقة الأولى، وإذا لم يفصل بين طول الزمان وقصره، قلت: في الشَّكِّ الطارئ بعد الفراغ طريقان:
أحدهما: أنه لا يعتبر بحال.
والثاني: وهو المذكور في "الوسيط" فيه ثلاثة أقوال:
أصحها: الفرق بين أن يطول الزمان فلا يعتبر، وبين أن لا يطول فيعتبر.
فإن قلت: وبم يضبط الزمان الطويل، ويميز عن غير الطويل؟ وهذا البحث يحتاج إليه هاهنا، وفيما إذا تيقن أنه ترك [ركعة] 561 أو ركناً بعد السلام؛ فإن الحكم فيه يختلف بطول الزمان وقصره على ما سبق؟
فالجواب: أنه حكي عن البويطي أن الطويل ما يزيد على قدر ركعة، وبه قال أبو إسحاق المرْوزي.
وعن ابن أبي هريرة أن الطويل قدر الصلاة التي كان فيها، والأظهر أن الاعتبار فيه بالعرف والعادة، ويحكى ذلك عن [الأم] 562 وإذا جوزنا البناء فلا فرق بين أن يتكلم بعد السلام ويخرج من المسجد ويستدبر القبلة، وبين أن لا يفعل ذلك.
وقيل: القدر الذي نقل عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الفصل محتمل فإن زاد فلا، والمنقول أنه قام ومضى إلى ناحية المسجد، وراجع ذا اليدين، وسأل الصحابة فأجابوا.
الجزء: 2 - الصفحة: 86
قال الغزالي: قَوَاعِدُ أَرْبَعٌ، الأُولَى: مَن شَكَّ فِي تَرْكِ مَأمُورٍ سَجَدَ لِلسَّهْوِ إِذِ الأَصْلُ أنَّهُ لَمْ يَفْعَلُهُ، وَإِنْ شَكَّ فِي ارْتِكَابِ مَنْهِيٍّ لَمْ يَسْجُدْ لِأَنَّ الأَصْلَ العَدَمُ، وَلَو شَكَّ فِي أنَّهُ سَجَدَ لِلسَّهْوِ أَوْ فِي أنَّهُ سَجَدَ وَاحِدَةٌ أَوْ ثِنْتَيْنِ لِلسَّهْوِ، فَالأَصْلُ العَدَمُ إِلاَّ فِي مَسْأَلَةٍ، وَهُوَ أنَّهُ لَو شَكَّ أنَّهُ صَلَّى ثَلاَثاً أَوْ أَرْبَعًا أَخَذَ بِالأَقَلِّ قِيَاسًا وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ جَبْراً وَإِنْ كَانَ الأَصْلُ أنَّهُ لَمْ يَرْدْ، وَقِيلَ: إِنَّ عِلَّتَهُ أنَّهُ أَدَّى الرَّابِعَةَ عَلَى تَرَدُّدٍ حَتَّى لَوْ تَيَقَّنَ قَبْلَ السَّلاَمِ أنَّهِا رَابِعَةٌ سَجَدَ أَيْضًا، وَقِيلَ لاَ يَسْجُدُ عِنْدَ زَوَالِ التَّرَدُّدِ.
قال الرافعي: هذه القواعد أصول في الباب لا بد من معرفتها، والأولى منها مبنية على أصل كثير الولوج في أبواب الفقه، وهو أنا إذا تيقنا وجود شيء، أو عدمه ثم شككنا في تغيره، وزواله عما كان فإنا نستصحب اليقين الذي كان، ونطرح الشك، إذا تذكرت ذلك.
فلو شك في ترك مأمور ينجبر تركه بالسجود وهو الأبعاض، فالأصل أنه لم يفعله فيسجد للسهو.
قال في "التهذيب": هذا إذا كان الشَّك في ترك مَأْمُورٍ مفصل، فأما إذا شك في الجملة في أنه هل ترك مأموراً أم لا؟ فلا يسجد كما لو شك هل سها أم لا؟ ولو شك في ارتكاب منهي مثل شكه في أنه تكلم ناسياً أم لا، أو سلم ناسياً أم لا، فالأصل أنه لم يفعل، ولا سجود عليه، ولو تيقن السَّهْوَ وشك في أنه هل سجد للسَّهْوِ أم لا فيسجد؟ لأن الأصل أنه لم يسجد، ولو شك في أنه سجد للسهو سجدة أو سجدتين فيأخذ بأنه لم يسجد إلا واحدة ويسجد أخرى، لأن الأصل في الثانية العدم 563.
ولو شك في صلاته فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً أخذ بالأقل، وأتى بالمشكوك فيه، وسجد للسهو، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: إن كان هذا الشك أول ما عرض له بطلت صلاته، وإن كان يعرض له كثيراً تحرى وبنى على غالب ظنه، فإن لم يغلب على ظنه شيء بنى على اليقين.
وعن أحمد رواية أن الإمام يتحرى خاصة، ويعمل بغالب ظنه، والظاهر عنه مثل مذهبنا.
لنا ما روى أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي- قال: "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلاَثاً أَمْ أَربَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا
الجزء: 2 - الصفحة: 87
اسْتَيقَنَ، وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَتْ صَلاتُهُ تَامّةٌ كَانَتْ الرَّكْعَةُ وَالسَّجْدَتَيْنِ نَافِلَةً، وَإِنْ كَانَتْ صَلاتُهُ نَاقِصَةً كَانَتْ الرَّكْعَةُ تَمَاماً، والسَّجْدَتَانِ تَرْغِيماً لِلشَّيْطَانِ" 564.
وعن عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فَلَمْ يَدْرِ أَوَاحِدَةٌ صَلَّى أَمْ اثْنَتَيْنِ، فَلْيَبْن عَلَىِ وَاحِدَةٍ، وَإنْ لَمْ يَدْرِ ثِنْتَيْنِ صَلَّى أوْ ثَلاثَاً، فَلْيَبْن عَلى ثِنْتَيْن، فإنْ لَمْ يَدْرِ ثَلاَثاً صَلَّى أَمْ أْرْبَعاً؟ فَلْيَبْنِ عَلَى ثَلاَثٍ، وَيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمِ" 565.
وعندنا لا مجال للاجتهاد في هذا الباب، ولا يجوز العمل بقول الغير أيضاً.
وفيه وجه: أنه يجوز الرجوع إلى قول جمع كثيرين كانوا يرقبون صلاته، وكذلك إذا قام الإمام إلى ركعة يظنها رابعته، وعند القوم أنها خامسة، فنبهوه لا يرجع إلى قولهم.
وفي وجه: وإن أكثر عددهم رجع إلى قولهم، والمشهور الأول لأنه تردد في فعل نفسه، فلا يرجع إلى قول غيره فيه، كالحاكم إذا نسي حكمه لا يأخذ بقول الشهود عليه.
إذا عرف ذلك، فالبناء على الأصل مستمر على الأصل الذي تقدم؛ لأن الأقل فيما سوى القدر المستيقن العدم، وأما الأمر بسجود السهو فمخالف لذلك الأصل؛ لأنه إذا بني على اليقين، وأتى بركعة أخرى فقد تمت صلاته خالية عن السهو بالزيادة ظاهراً، فلماذا يسجد؟ حكى إمام الحرمين خلافاً في تنزيله قال: قال شيخي، وطائفة: المعتمد فيه ما روينا من الخبر، ولا اتجاه له من جهة المعنى.
وقال الشيخ أبو علي: المقتضى للسجود تردده في أمر الركعة الأخيرة، فإن كانت زائدة فزيادتها تقتضي السجود، وإلا فالتردد فيها أهي أصلية مفروضة، أم زائدة يوجب ضعف النية، ويحوج إلى الجبر بالسجود، قال: ويتفرع على هذا الخلاف ما لو زال تردده قبل السَّلاَمِ، وعرف أن الركعة الأخيرة هي الرابعة حقاً، وأنه ما زاد شيئاً، هل يسجد للسهو؟ قطع الشيخ أبو محمد بأنه لا يسجد، فإن المتبع الحديث، والحديث ورد في دوام الشَّكِّ والتردد.
وقال الشيخ أبو علي: يسجد؛ لأن تلك الركعة تأدت على التردد، وضعف النية فيها، فزوال التردد بعد ذلك لا يغني عن الجبر الذي مال إليه إمام الحرمين كلام شيخه وأنه لا يسجد عند زوال التردد، واعترض على كلام الشيخ أبي علي، وقال إنه منقوض
الجزء: 2 - الصفحة: 88
بما إذا لم يدر الرجل أقضى الفائتة التي كانت عليه أم لا؟ فإنا نأمره بقضائها، ولا يسجد للسهو إذا قَضَاها، وإن كان هو متردداً في أنها هل هي مَفْرُوضَة عليه من أول الصَّلاَةِ إلى آخرها أم لا؟ وفي لفظ الكتاب ما يشعر بموافقته الإمام على اختياره، فإنه أسند سجود السهو في المسألة إلى الخبر، ثم قال: وقيل: إن عليه كذا، وقد بَيَّنَّا أن هذا السِّياق يشعر بترجيح الأول، لكن المنقول عن القفال يوافق ما نسبه في المسألة إلى الشيخ أبي علي، ولم يورد صاحب "التهذيب" وكثيرون سواه، وضبطوا صور عروض الشك وزواله، فقالوا: إن كان ما فعله من وقت عروض الشك إلى زواله ما لا بد منه على كل احتمال فلا يسجد للسهو، فإن كان زائداً على بعض الاحتمالات سجد للسهو.
مثاله: لو شك في قيام من صلاة الظهر أن تلك الركعة ثالثة أو رابعة فركع وسجد على هذا الشَّك، وهو على عزم القيام إلى ركعة أخرى أخذاً باليقين، ثم تذكر قبل القيام إلى الأخرى أنها ثالثته، أو رابعته فلا يسجد للسَّهْوِ؛ لأن ما فعله في زمان الشَّكِّ لا بد منه على التقديرين جميعاً، وإن لم يتذكر حتى قام إلى الأخرى سجد للسَّهْوِ، وإن تذكر أنها كانت ثالثته، وهذه رابعة لأنه كان احتمال الزيادة، وكونها خامسة ثابت حين قام 566.
وقوله في الكتاب: (فالأصل العدم إلا في مسألة) -يعني- أنه يعمل بقضية هذا الأصل إلا في هذه المسألة، فلا يعمل به، لأن هذه المسألة تغاير ما قبلها في نفس الأصل حتى لا يكون الأصل فيها العدم، وليس الغرض استثناء هذه الصورة الفردة؛ بل نظائرها في معناها كما إذا شك في ترك ركن سوى النية والتكبير يبنى على اليقين، ويسجد للسهوِ، وتَرْكُ الأَصْلِ في هذه الصورة ليس في الأخذ بالأقل، ولكنه في الأمر بسجود كما بَيَّنَّا، ولذلك قال: (أخذ بالأقل قياساً، ومسجد للسهو جبراً)، والصورة المستثناة قد ذكرها وحكمها في الفصل السابق على هذا الفصل فهي معادة هاهنا، لكن هذا الموضع أحق بذكرها، ولذلك زاد هاهنا الكلام في سبب سجود السَّهْو، وفرع عليه وكأنه قصد بذكرها في الفصل السابق التدرج منعاً إلى الشك بعد السلام، ولو اقتصر على ذكرها في هذا الموضع وعقبها بمسألة الشَّكِّ بعد السلام لم يكن به بأس.
وقوله آخراً: (وقيل: لا يسجد عند زوال التردد) تفريع على إسناد سجود السهو إلى الجبر، وليس شيئاً مستأنفاً، ولو قال: وعلى الأول لا يسجد عند زوال التردد لكان أوضح.
الجزء: 2 - الصفحة: 89
قال الغزالي: الثَّانِيَةُ: إِذَا تكَرَّرَ منه 567 السَّهْوُ فَيَكْفِي سَجْدَتَانِ فِي آخِرِ الصَّلاَةِ، وَإِنَّمَا يَتَعَدَّدُ سُجُودُ السَّهْوِ فِي حَقِّ المَسْبُوقِ إِذَا سَجَدَ لِسَهْوِ الإِمَامِ فَإنَّهُ يُعِيدُ فِي آخِر صَلاَةِ نَفْسِهِ، وَكَذا إِذَا صَلَّوا صَلاَةَ الجُمُعَةِ ثُمَّ بَانَ لَهُمْ بَعْدَ سُجُودِ السَّهْوِ أَنَّ الوَقْتَ خَارجٌ تَمَّمُوهَا ظُهْراً وَأَعادُوا السُّجُودَ، وَلَوْ ظَنَّ الإِمَامُ سَهْواً فَسَجَدَ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنْ لاَ سَهْوَ فَقَدْ زَادَ سَجْدَتَيْنِ فَيَسْجُدُ لِهذَا السَّهْوِ سَجْدَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، وَقِيلَ: هُمَا جَابِرَتَانِ لِأَنْفُسِهِمَا كَشَاةٍ مِنْ أَرْبعِينَ شَاةً تُزَكِّي نَفْسَهَا وَغيْرَهَا.
قال الرافعي: لا يتكرر سجود السهو بتكرر السهو وتعدده، بل يكفي سجدتان في آخر الصلاة، سواء تكرر نوع واحد، أو وجد نوعان فصاعداً، ووجهه الخبر والمعنى.
أما الخبر فهو حديث ذي اليدين فإن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "سَلَّمَ وَتَكَلَّمَ، وَاسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ، وَمَشَى، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى سَجْدَتَيْنِ" 568.
وأما المعنى: أن سجود السهو مؤخر إلى آخر الصلاة، ولولا أنه يتداخل لأمر به عند السهو، كسجود التلاوة يأتي عند التلاوة.
قال الأئمة: "ولا يتعدد سجود السهو إلا في مواضع" قالوا: ونعني بذلك صورة السجود، وإلا فالمعتمد به سجدتان بلا استثناء، فمنها المسبوق إذا سجد مع الإمام لسهوه يعيد في آخر صلاة نفسه على اختلاف يأتي من بعد، والغرض هاهنا الإشارة إلى أنه من المستثنيات، واقتصر على ذكر الأصح، وهو أنه يعيد في آخر صلاة نفسه، ويجوز أن يعلم قوله: (يعيد) بالواو للخلاف الذي يأتي ذكره، ومنها: لو سها الإمام في صلاة الجمعة، فسجدُوا للسهْوِ، ثم تبَيَّن لهم قبل أن يسلموا خروج وقت الظُّهْرِ، فعليهم إتمامها ظهراً، ويعيدون سجود السهو؛ لأن محل السجود في آخر الصلاة، وقد تبين أن الأول لم يقع في آخر الصلاة، وهذا تفريع على ظاهر المذهب، وفي المسألة قول آخر يأتي ذكره في الجمعة أنهم لا يتمونها ظهراً؛ بل يستأنفون، فعلى ذلك القول لا تستمر المسألة، ولا بأس لو أعلمت قوله: (تمموها ظهراً) بالواو؛ لمكان ذلك القول.
ومنها لو ظن أنه سها في صلاته فسجد للسهو، ثمَ بَانَ قبل أن يسلم أنه لم يسه، فهل يسجد؟ فيه وجهان:
أصحهما: أنه يسجد؛ لأنه زاد سجدتين سهواً، فيجبر هذا الخلل بالسجود.
الجزء: 2 - الصفحة: 90
والثاني: وبه قال الشيخ أبو محمد: لا يسجد؛ لأن سجود السهو يجبر كل خلل في الصلاة، فيجبر نفسه كما يجبر غيره، وهذا كوجوب شاة في أربعين إذا أخرج واحدة تزكي نفسها وغيرها، فإنها من جملة الأربعين، فهذه الصور الثلاث هي المذكورة في الكتاب.
وقوله: (وإنما يتعدد سجود السهو) يشعر بالحصر فيها، ولكن وراءها صوراً أخرى منها: لو شرع المسافر في الصلاة بنية القصر فسها وسجد للسهو، ثم نوى الإتمام قبل أن يسلم، أو صار مقيماً بانتهاء السفينة إلى دار الإقامة يجب عليه أن يتم الصلاة ويعيد السجود في آخر صلاته؛ لأن محله آخر الصلاة.
ومنها: لو سجد للسَّهو، ثم سَهَا قبل أن يسلم بكلام، أو غيره هل يسجد للسهو؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال ابن القاص: نعم؛ لأنه وإن جبر ما قبله وما فيه فلا يجبر ما يقع بعده.
وأصحهما: لا يسجد، كما لو تكلم في سجود السهو أو سلم بينهما.
والمعنى فيه أنه لا يؤمن من وقوع مثله في السجود ثانياً أو بعده فيتسلسل، ولو سجد للسهو ثلاثاً سهواً لا يسجد لهذا السَّهْوِ، وكذلك لو شك في "أنه سجد للسهو سجدة، أو سجدتين فأخذ بالأقل، وسجد أخرى كما أمرناه به، ثم تحقق أنه كان قد سجد سجدتين لا يسجد ثانياً للمعنى الذي ذكرناه، وعبروا عن هذا الوجه بالأصح وعن الأصح في الثالثة من صور الكتاب بأن قالوا: السهو في سجود السهو لا يقتضي السجود، والسهو بسجود السهو يقتضي السجود.
ومنها لو ظن أن سهوه ترك القنوت، فسجد للسهو، ثمَ بَانَ له قبل أن يسلم أن سهوه شيء آخر.
هل يسجد ثانياً؟ فيه جوابان للقاضي الحسين:
أحدهما: نعم؛ لأنه قصد بالأول جبر ما لا حاجة إلى جبره وبقي الخلل بحاله.
وأظهرهما: لا؛ لأنه قصد جبر الخلل، وأنه يجبر كل خلل.
قال الغزالي: الثَّالِثَةُ إِذَا سَهَا المَأْمُومُ لَمْ يَسْجُدْ بَلِ الإِمَامُ يَتَحَمَّلُ عَنْهُ كَمَا يَتَحَمَّلُ عَنْهُ سُجُودَ التِّلاَوَةِ وَدُعَاءَ الْقُنُوتِ وَالْجَهْرَ وَالْقِرَاءَةَ عَنِ المَسْبُوقِ وَالتَّشَهُّدَ الأَوَّلَ عَنِ المَسْبُوقِ بِرَكْعَة، وَلَو سَهَا بَعْدَ سَلاَمِ الإِمَامِ لَمْ يَتَحَمَّلْهُ، وَلَوْ ظَنَّ أَنَّ الإِمَامَ سَلَّمَ فَقَامَ لِيَتَدَارَكَ ثُمَّ جَلَسَ قَبْلَ سلاَمِ الإِمَامِ، فَكُلُّ مَا جَاءَ بِهِ سَهْوٌ وَلاَ سُجُودَ عَلَيْهِ، فَإِذَا سَلَّمَ الإمَامُ فَلْيَتَدَارَكِ الآنَ، وَإن تَذَكرَ فِي القِيَامِ أَنَّ الإِمَامَ لَمْ يَتَخَلَّلْ فَلْيَرْجِع إِلَى الْقُعُودِ أَوْ
الجزء: 2 - الصفحة: 91
لِيَنْتَظِر قَائِماً سَلاَمَهُ ثُمَّ لْيَشْتَغِلْ بِقِرَاءَةِ الفَاتِحَةِ بَعْدَهُ.
قال الرافعي: إذا سها المأموم خلف الإمام لم يسجد، ويتحمل الإمام سهوه؛ لما روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ عَلَى مَنْ خَلْفَ الْإمَامِ سَهْوٌ، وَإِنْ سَهَا الْإمَامُ فَعَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ" 569.
ولحديث معاوية بن الحكم الذي رويناه في فصل الكلام، فَإِنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَم يَأْمُرْهُ بِالسُّجُودِ مَعَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ خَلْفَهُ" 570.
وشبه في الكتاب تحمله سهو المأموم بأمور أخر يتحملها.
أحدها: سجود التلاوة؛ فإن المأموم لو قرأ آية سجدة لا يسجد على ما سيأتي.
والثاني: دعاء القنوت على ما سبق.
والثالث: الجهر، فإن المأموم لا يجهر في الصلاة الجهرية ولو كان منفرداً لجهر، ويجوز أن يعلم هذا بالحاء، لأن عند أبي حنيفة لا يجهر المنفرد، وإذا كان كذلك فلا معنى للتحمل.
والرابع: القراءة يتحملها عن المسبوق الذي أدركه في الركوع، وكذلك يتحمل عنه اللبث في القيام، لا يتحمل عنه أصل القيام فإنه لا بد له من إيقاع التكبيرة في حد القيام.
والخامس: التشهد الأول يتحمله عن المسبوق الذي لحقه في الركعة الثانية، فإنه إذا قعد الإمام للتشهد الأول يتابعه، وهو غير محسوب للمسبوق من صلاته، وموضع تشهده الأول آخر الركعة الثالثة للإمام وهو لا يقعد فيه، بل يقوم مع الإمام، فهذه الخمسة هي المذكورة في الكتاب.
ومنها: القنوت في صلاة الصبح إذا لحق المسبوق في الركعة الثانية، على ما ذكرنا في التشهد الأول 571.
ومنها قراءة السورة على التفصيل المتقدم.
ومنها قراءة الفاتحة في الجهرية على القول القديم.
ولو سها المأموم بعد سلام الإمام لم يتحمله الإمام، لانقطاع رابطة الاقتداء، وذلك في المسبوق إذا سها فيما يتفرد بتداركه، وكذلك المأموم الموافق لو تكلم ساهياً
الجزء: 2 - الصفحة: 92
عقيب سلام الإمام والمنفرد إذا سها في صلاته، ثم دخل في جماعة وجوزنا ذلك على ما سيأتي، فلا يتحمل الإمام سهوه ذلك، ولو ظن المأموم أن الإمام قد سلم فسلم، ثم بان له أنه لم يسلم بعد فيسلم معه، ولا سجود عليه فإنه سهو في حالة الاقتداء، ولو تيقن في التشهد أنه ترك الفاتحة أو الركوع من ركعة سهواً فإذا سلم الإمام فعليه أن يقوم إلى ركعة أخرى، ثم لا يسجد للسهو؛ لأن سهوه كان خلف الإمام، ولو سلم الإمام فسلم المسبوق سهواً، ثم تذكر بني على صلاته وسجد للسهو؛ لأن سلامَهُ وقع بعد انفراده، ولو ظن المسبوق أن الإمام سلم بأن سمع صوتاً خَيَّلَ إليه ذلك، فقام ليتدارك ما عليه وكان ما عليه ركعة مثلاً فأتى بها، وجلس ثم علم أن الإمام بعد لم يسلم وأن ظنه كان خطأ فهذه الركعة غير معتد بها؛ لأنها مفعولة في غير موضعها، فإن وقت التدارك ما بعد انقطاع القدوة إما لخروج الإمام عن الصلاة أو لقطع المأموم القدوة حيث يجوز ذلك ولم يوجد واحد من الأمرين، وإنما ظن زوال القدوة فتبين خلافه، فإذا سلم الإمام يقوم إلى التدارك، ثم لا يسجد للركعة التي سها بها لبقاء حكم القدوة، وهذه المسألة منقولة عن نص الشافعي -رضي الله عنه-، والعبارة عنها في الكتاب تحتاج إلى إضمارات، فقوله: (ولو ظن أن الإمام سلم) يعني المسبوق، وقوله: (فقام ليتدارك ثم جلس ...) إلى آخره أي وتدارك ثم جلس قبل سلام الإمام، وعلم أن الإمام لم يسلم بعد، وكل ما جاء به سهو، ولو كانت المسألة بحالها فسلم الإمام وهو قائم، فهل يجوز له أن يمضي في صلاته، أم يجب عليه أن يعود إلى القعود ثم يقوم؟ حكى صاحب "التهذيب" وغيره فيه وجهين، إن جوزنا المضي فلا بد من استئناف القراءة، وفرعوا على الوجهين ما لو سلم الإمام في قيامه، لكنه لم ينتبه لذلك حتى أتم الركعة، إن جوزنا المضي فركعته محسوبة، ولا يسجد للسهو، وإن قلنا: عليه القعود، لم يحسب ويسجد للسهو لزيادته في الصلاة بعد تسليم الإمام، ولو كانت المسألة بحالها وتبين له في القيام أن الإمام لم يسلم بعد، فقد خيره في الكتاب بين أن يرجع إلى القعود، وبين أن ينتظر قائماً سلام الإمام وذكر إمام الحرمين -قدس الله روحه- في هذه المسألة أنه إن آثر أن يرجع، وهو الوجه، وإن بدا له أن يتمادى ويقصد الانفراد قبل أن يتحلل الإمام، فهو مبنى على أن المقتدي إذا أراد الانفراد ببقية الصلاة، وقطع القدوة، هل له ذلك؟ إن منعناه تعين عليه الرجوع، وإن جوزنا الانفراد فوجهان:
أحدهما: يجب الرجوع، لأن نهوضه غير معتد به فليرجع ثم ليقطع القدوة إن شاء.
والثاني: لا يجب؛ لأن الانتهاض ليس مقصوداً لعينه، وإنما المقصود نفس القيام، وما بعده فصار كما لو قصد عنه أبتداء النهوض إذا عرفت ذلك فالمفروض في المسألة إذا لم يرجع إلى القعود حالتان:
الجزء: 2 - الصفحة: 93
أحدهما: أن يقطع القدوة.
والثانية: أن لا يقطعها؛ بل ينتظر قائماً إلى أن يسلم الإمام، والذي نقلناه عن الإمام كلام في الحالة الأولى، وفيه ما يقتضي وجوب الرجوع في الحالة الثَّانية، وامتناع الانتظار، وما في الكتاب كلام في الحالة الثانية؛ لأنه إذا قطع القدوة، وجوزناه فلا ينتظر سلام الإمام، بل يشتغل بتدارك ما عليه، وليس تجويز الانتظار قائماً إلى سلام الإمام صافياً عن الإشكال لما فيه من المخالفة الظاهرة بخلاف سبقه الإمام بركن، فإن المسبق اليسير إلى ما سينتهي الإمام إليه لا يعد مخالفة محضة، وبتقدير أن يكون قيام المسبوق كالسبق بركن، فقد ذكرنا من قبل وجهين فيما إذا غلط المأموم فسبق الإمام بركن هل يجب عليه العود أم يجوز له أن ينتظر فيه؟ فليكن قوله: (ولينتظر قائماً) معلماً بالواو، وعلى كل حال فلو كان قد قرأ قبل تبين الحال لم يعتد بقراءته، بل عليه الاستئناف فلذلك قال: (ثم ليشتغل بقراءة الفاتحة بعده).
قال الغزالي: الرَّابِعَةُ يَسْجُدُ المَأْمُومُ مَعَ الإمَامِ إِذَا سَجَدَ لِسَهْوِهِ (ح) فَإِنْ تَرَكَ الإِمَامُ سَجَدَ المَأْمُومُ عَلَى النَّصِّ لِأَجْلِ سَهْو (ز) الإِمَامِ، وَلَوْ سَجَدَ المَسْبُوقُ مَعَ الإِمَامِ، فَهَلْ يُعِيدُ فِي آخِرِ صَلاَةِ نَفْسِهِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ يَلْتَفِتَانِ إِلَى أَنَّهُ يَسْجُدُ لِسَهْوِهِ أَوْ لِمُتَابَعَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ الإِمَامُ سَجَدَ فِي آخِرِ صَلاَةِ نَفْسِهِ عَلَى النَّصِّ، وَسَهْوُ الإِمَامِ قَبْلَ اقْتِدَائِهِ يَلْحَقُة عَلَى الأَظْهَرِ كَمَا بَعْدَ اقْتدَائِهِ.
قال الرافعي: إذا سها الإمام في صلاته لحق سهوه المأموم، لما روي في الخبر الذي تقدَّم، وإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه، ولأنه لما تحمل سهو المأموم لزمه سهو نفسه، ويستثني صورتان:
إحداهما: أن يتبين له كون الإمام جنباً، فلا يسجد لسهوه، ولا يتحمل هو عن المأموم أيضاً.
والثانية: أن يعرف سبب سهو الإمام، ويتيقن أنه مخطئ في ظنه، كما إذا ظن ترك بعض الأبعاض، والمأموم يعلم أنه لم يترك فلا يوافق الإمام إذا سجد.
إذا ثبت هذا الأصل، فينظر إن سجد الإمام وافقه المأموم فيه، ولو تركه عمداً بطلت صلاته، قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤتَمَّ بِهِ" 572، وسواء عرف المأموم سهوه أو لم يعرفه، فإذا سجد سجدتين في آخر صلاته، وجب على المأموم متابعته؛ حملاً على
الجزء: 2 - الصفحة: 94
أنه سها وإن لم يطلع على سهوه، بخلاف ما لو قام إلى ركعة خامسة لا يتابعه حملاً على أنه ترك ركناً من ركعة؛ لأنه وإن تحقق الحال ثم لم يكن له متابعته لإتمامه الصلاة يقيناً 573.
ولو لم يسجد إلا سجدة واحدة سجد المأموم أخرى حملاً على أنه نسي، وإن ترك الإمام السجود لسهوه وسلم، فهل يسجد المأموم؟ نص الشافعي -رضي الله عنه- على أنه يسجد؛ لأن صلاة المأموم كملت بسبب اقتداءه بالإمام، فإذا تطرق نقص إلى صلاة الإمام، تعدى إلى صلاة المأموم وخرج بعض أصحابنا على أصول الشافعي-رضي الله عنه-، منهم أبو حفص ابن الوكيل: أنه لا يسجد؛ بل يتابعه في السلام، كما لو ترك الإمام التشهد الأول، أو سجود التلاوة، لا ينفرد المأموم بهما وبهذا قال أبو حنيفة -رحمه الله-، وكذلك أحمد -رحمه الله- في إحدى الروايتين والمزني، وقد أشار في "المختصر" إلى تخريجه على أصل الشافعي -رضي الله عنه-؛ لأنه ينفرد به مذهباً، وظاهر المذهب هو الأول، وأجابوا عن التشهد الأول وسجدة التلاوة بأنهما يقعان في خلال الصلاة، فلو انفرد بهما لخالف الإمام، وهاهنا سجود السهو يقع بعد سَلاَمِ الإمام وخروجه من الصَّلاة.
قال في "النهاية": وعبر عن هذا الخلاف؛ بأن المقتدي يسجد لسهو الإمام أو لمتابعته، إن قلنا: لسهوه يسجد، وإن لم يسجد الإمام، وإن قلنا: لمتابعته فلا، ولو سلم الإمام ثم عاد إلى السجود نظر إن سلم المأموم معه ناسياً يوافقه في السجود، فلو لم يفعل هل تبطل صلاته؟ فيه وجهان مبنيان على أن من سلم ناسياً قبل السجود ثم عاد إلى السجود هل يعود إلى حكم صلاته أم لا؟ وسيأتي ذلك، وإن سلم المأموم عمداً مع ذكر السَّهْوِ فلا يلزمه متابعته، وإن لم يسلم المأموم وعاد الإمام ليسجد فإن عاد بعد أن سجد المأموم للسهو لم يتابعه؛ لأنه قطع صلاته عن صلاة الإمام بالسُّجُود، وإن عاد قبل أن يسجد المأموم فأصح الوجهين أنه لا يجوز أن يتابعه، بل يسجد منفرداً.
والثاني: أنه يلزمه متابعته، وتبطل صلاته لو لم يفعل، ولو سبق الإمام حدث بعد ما سها أتم المأموم صلاته، وسجد لذلك السهو، تفريغاً على ظاهر المذهب 574 وإن كان الإمام حَنَفِيًّا فسلم قبل أن يسجد للسَّهْوِ لم يسلم معه المأموم بل يسجد قبل السلام ولا ينتظر سجود الإمام؛ لأنه فارقه بسلامه، وهذا تفريع على أن اقتداء الشافعي بالحنفي
الجزء: 2 - الصفحة: 95
جائز وسيأتي، ولو كان المأموم مسبوقاً وسها الإمام بعد ما لحقه وسجد في آخر صلاته فيجب على المسبوق أن يسجد معه رعاية للمتابعة، كما يوافقه في سائر الأفعال التي لا تحتسب له، ويدل عليه قوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ" 575.
وحكى الصَّيْدَلاَنِيُّ عن بعض أصحابنا أنه لا يسجد معه؛ لأن موضع سجود السَّهْوِ آخر الصلاة، والصَّحِيحُ المنصوص هو الأول، وعليه فرع في الكتاب قوله: (ولو سجد المسبوق مع الإمام فهل يعيد في آخر صلاة نفسه؟) فيه قولان:
أصحهما: نعم؛ لأن سهو الإمام اقتضى خللاً في صلاته فيحتاج إلى جبره بالسجود ومحل الجبر بالسجود آخر الصلاة وما أتى به كان لمتابعة الإمام.
والثاني: لا وهو اختيار المزني -رحمه الله-؛ لأنه إنما يسجد لمتابعة الإمام؛ وإلا فليس من جهته سهو وقد ارتفعت المتابعة بسلام الإمام، فهذا إذا ما سجد الإمام وسجد المسبوق معه، فإما إذا لم يسجد الإمام فلا شك في أن المسبوق لا يسجد في آخر صلاة الإمام إذ لا متابعة، وليس هو محل السجود بالإضافة إلى المسبوق، وهل يسجد في آخر صلاة نفسه؟ فيه الخلاف الذي قدمناه في المأموم الموافق هل يسجد إذا لم يسجد الإمام فليكن قوله: (سجد في آخر صلاة نفسه) معلماً بالحاء والألف والزاي أيضاً، وكل هذا في سهو الإمام بعد اقتدائه، فإما إذا سها قبل اقتداء المسبوق به فهل يلحقه حكمه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، لأنه لم يكن بينهما رابطة الاقتداء 576 حينئذ كما لو في تداركه بعد سلام الإمام لا يتحمله الإمام، فعلى هذا قال في "النهاية" إن لم يسجد الإمام فلا يسجد هو أصلاً، وإن سجد فالظَّاهِرُ أنه لا يسجد معه.
وقال بعضهم: يسجد متابعةً لكن لا يسجد في آخر صلاته.
والوجه الثاني -وهو الأظهر-: أنه يلحقه حكمه؛ لأنه دخل في صلاة ناقصة، فعلى هذا إن سجد الإمام سجد معه، وهل يعيد في آخر صلاة نفسه؟ 577 فيه القولان، وإن لم يسجد الإمام سجد هو في آخر صلاته على النص، وإذا قلنا: إن المسبوق يعيد السجود في آخر صلاته فلو اقتدى بالمسبوق بعد ما أنفرد مسبوق آخر وبذلك المسبوق بعد ما انفرد مسبوق ثالث، فكل واحد منهم يسجد لمتابعة إمامه ثم يسجد في آخر
الجزء: 2 - الصفحة: 96
صلاة نفسه، ولو سها المسبوق في تداركه فإن قلنا لا يسجد لسهو الإمام في آخر صلاته فليسجد لسهوه سجدتين، وإن قلنا: يسجد لسهو الإمام في آخر صلاته فكم يسجد؟ فيه وجهان:
أحدهما: أربع سجدات لتغاير الجهتين.
وأصحهما: سجدتان كما لو سها سهوين، ولو انفرد المصلي بركعة من صلاة رباعية وسها فيها ثم اقتدى بِمُسَافرٍ وجوزنا الاقتداء في أثناء الصَّلاَةِ وسَهَا إمامُه ثم قام إلى ركعته الرابعة وسها فيها فكم يسجد في آخر صلاته؟ فيه ثلاثة أوجه:
أصحها: سجدتان.
والثاني: أربع نظراً إلى سهوه في حالتي الجماعة والانفراد.
والثالث: ستٌ باعتبار الأحوال، فإن كان قد سجد الإمام فلا بُدَّ وأن يسجد معه، ويكون قد أتى على الوجه الثالث بثمان سجدات، وكذا المسبوق بركعة إذا اَقتدى بمسافرٍ وسَهَا الإمام وسجد، وسجد معه المسبوق ثم صار الإمام مقيماً قبل أن يسلم فأتم وأعاد سجود السَّهْوِ وأعاد معه المسبوق ثم قام إلى الركعة الرابعة وسها فيها؛ وقلنا: إنه يسجد أربع سجدات فقد أتى بثمان سَجَدَاتٍ، فإن سَهَا بعدها بكلام ونحوه وفَرَّعْنَا على قول صاحب "التلخيص" صارت السَّجَدات عَشْراً، وقد يزيد عدد السجود على هذا تفريعاً على الوجوه الضعيفة 578.
قال الغزالي: أَمَّا مَحَلُّ السُّجُودِ وَكيْفِيَّتُهُ فَهُمَا سَجْدَتَانِ (ح م) قَبْلَ السَّلاَمِ عَلَى القَوْلِ الجَدِيدِ، فَإِنْ سَلَّمَ عَامِداً قَبْلَ السُّجُودِ فَقَدْ فَوَّتَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنْ سَلَّمَ نَاسِياً 579 فَطَالَ الزَّمَانُ فَقَدْ فَاتَ، وَإِنْ تَذَكَّرَ عَلَى القُرْبِ فَإِنْ عَنَّ لَهُ أَنْ لاَ يَسْجُدَ فَقَدْ جَرَى السَّلاَمُ مُحَلَّلاً، وإنْ عَنَّ لَهُ أَنْ يَسْجُدَ عَادَ إلَى الصَّلاَةِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَبَانَ أَنَّ السَّلاَمَ لَمْ يَكُنْ مُحَلَّلاً.
قال الرافعي: ذكرنا أن الكلام في سجود السهو يقع في قسمين:
أحدهما: في مقتضيه وقد تم.
الجزء: 2 - الصفحة: 97
والثاني: في محله وكيفيته، وهما سجدتان بينهما جلسة يُسَنَّ في هيئتها الافتراش، وبعدهما إلى أن يسلم يتورَّك، وكتب الأصحاب سَاكِتَةٌ عن الذكرِ فيهما، وذلك يُشْعِرُ بأن المحبوب فيهما هو المحبوب في سجدات صلب الصلاة كَسَائِرِ ما سكتوا عنه من واجبات السّجود ومحبوباته، وسمعت بعض الأئمة يحكي أنه يستحب أن يقول فيهما: "سُبْحَانَ مَنْ لاَ يَنَامُ وَلاَ يَسْهُو" 580 وهو لائق بالحال 581.
وفي محلهما ثلاثة أقوال:
أصحها: أنه قبل السلام.
روي عن عَبْدِ اللهِ ابْنِ بَحَيْنَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرِ فَقَامَ إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ الْأُوَلَتَيْنِ لَم يَجلِسْ فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلاةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ" 582، ولحديث أبي سعيد وعبد الرَّحْمن -رضي الله عنهما- المذكورين في الشَّكِّ في عدد الركعات.
والثاني: وبه قال مالك والمزني -رحمهما الله-: أنه إن سَهَا بزيادَةِ فِعْلٍ سَجَدَ بعد السَّلاَمِ، وإن كان بنقصان سجد قبل السَّلاَم، أما أنه يسجد في الزيادة بعد السلام فلقصة ذي اليدين فإن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "سَلَّمَ وَتَكَلَّمَ وَمَشِيَ فَلَمَّا بَنَى عَلَى صَلاَتِهِ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ".
وأما أنه يسجد في النقصان قبل السلام فلحديث عبد الله ابن بحينة.
والثالث: أنه مخير إن شاء قدم، وإن شاء أخر؛ لثبوت الأمرين عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهذان القولان الأخيران منقولان عن القديم، والأول هو الجديد الصحيح، وقد نقل عن الزُّهْري: "أَنَّ آخِرَ الأَمْرَيْنِ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- الْسُّجُودُ قَبْلَ السَّلاَمِ" 583.
ثم هذا الاختلاف في الإجزاء على المشهور بين الأصحاب وحكى القاضي ابْنُ
الجزء: 2 - الصفحة: 98
كِجَّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ طريقة أخرى أنه ما الأفضل، وفي قول: الأفضل التقديم، وفي قول: الأفضل التأخير، ففي قول: هما سواء.
وقال أبو حنيفة: السجود بعد السلام بكل حال، واختلفت الرواية عن أحمد، فروي عنه مثل القول الثاني، وروي مثل القول الأول، وروي أنه قبل السلام إلا في موضعين:
أحدهما: أن يسلم ساهياً وقد بقي عليه شيء من صلاته كالركعة ونحوها.
والثاني: أن يكون إماماً ويشك في عدد صلاته ويتحرى على أحد الروايتين لهم فإنه يسجد بعد السلام.
والرواية الثالثة: أظهر عند أصحابه.
وقد عرفت من هذه الاختلافات الحاجة إلى إعلام قوله: (قبل السلام) بالحاء والميم والألف والزَّاي.
التفريع إن قلنا يسجد قبل السَّلاَم، فلو سلم قبل أن يسجد لم يخل: إما أن يسلم عامداً ذاكراً للسهو أو يسلم ناسياً، فإن سلم عامداً ففيه وجهان:
أصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه فوت السجود على نفسه؛ لأن محل السجود قبل السَّلاَمِ وقد قطع الصَّلاةَ بالسلام.
والثاني: أنه كما لو سلم ناسياً إن طال الفَصْلُ ولم يسجد وإلا سجد كالنوافل التي تقضي لا فرق فيها بين العمد [والنسيان] 584 ولا خلاف في أنه وإن سجد لا يكون عائداً إلى الصَّلاة بخلاف ما لو سلم ناسياً وسجد ففيه خلاف سيأتي، فإن سلم ناسياً فينظر إن طال الزمان ففيه قولان:
"الجديد": وهو الذي ذكره في الكتاب؛ أنه لا يسجد؛ لفوات محله وتعذر البناء بطول الفصل كما لو ترك ركناً وتذكر بعد طول الفصل لا يبنى.
"والقديم": أنه يسجد؛ لأنه جبرانُ عِبَادَةٍ فيجوز أن يتراخى عنها كجبرانات الحَجِّ.
وعن مالك: أنه إذا ترك السجود ناسياً سجد متى تذكر ولو كان بعد شهر، ولهذا أعلم قوله: (فقد فات) بالميم مع القاف، وإن لم يطل الزمان بل تذكر على القرب فإن بدا له أن لا يسجد فذاك، والصلاة ماضية على الصِّحَّةِ وحصل التحلل بالسلام؛ لأنه لما لم يكن له رغبة في السجود عرفنا أنه وإن لم يعتره نسيان لكان يسلم ولا يسجد.
الجزء: 2 - الصفحة: 99
وقال في "النهاية": ورأيت في أدراج كلام الأئمة تردداً في ذلك، والظاهر أنه إذا أراد أن يسجد، قلنا: له سَلِّمْ مرة أخرى؛ لأن ذلك السلام غير معتد به، فإنك لو أردت أن تسجد لحكمنا بأنك في الصلاة، وهذا يوجب أن يكون قوله: (فقد جرى السلام محللاً) معلماً بالواو، وإن أراد أن يسجد فقد حكى إمام الحرمين فيه وجهين:
أحدهما: لا يسجد؛ لأن السلام ركن جرى في محله، والسجود يجوز تركه قصداً، فلو قلنا: يسجد لاحتجنا إلى إخراج السلام عن الاعتداد به، فإنا نفرع على أن محل السجود قبل السلام، وذلك مما لا وجه له، وإلى هذا الوجه مال الإمام وصاحب الكتاب في "الفتاوى".
والثاني: أنه يسجد، وبه قطع الجمهور، ونَصَّ عليه الشافعي -رضي الله عنه- لأن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا وَسَلَّمَ، فَقِيل لَهُ فِي ذَلِكَ فَسَجَدَ لِلسَّهْوِ"، وإذا قلنا: إنه يسجد هاهنا -وهو الصحيح- أو قلنا: يسجد إذا طال الفصل تفريعاً على القديم فقد اختلفوا في أنه هل يعود إلى حكم الصلاة على وجهين:
أحدهما: لا؛ لأن التحلل قد حصل بالسَّلام بدليل أنه لا يجب إعادة السلام والعود إلى الصلاة، وهذا أرجح عند صاحب "التهذيب".
والثاني: أنه يعود إلى حُكْم الصَّلاَةِ، وبه قال أبو زيد، وذكر القفال أنه الصحيح، وتابعهما إمام الحرمين، والمصنف قطع في "الفتاوى" بذلك إذا قلنا: إنه يسجد، وهكذا ذكر القاضي الروياني وغيره، ووجهه أنه سلم ناسياً لسهوه ولو كان ذاكراً لما سلم لرغبته في السجود، وعلمه بأن محل السجود قبل السَّلام؛ فالنسيان يخرجه عن كونه محللاً كما يخرجه عن كونه محللاً إذا سلم ناسياً لركن ثم تذكر، ويتفرع على الوجهين مسائل:
منها: لو تكلم عامداً، أو أحدث في السجود بطلت صلاته على الوجه الثاني؛ وعلى الأول لا تبطل.
ومنها: لو كان السَّهْوُ في صَلاَة جُمعَةٍ وخرج وقت الظهر في السجود فاتت الجمعة على الوجه الثاني، وعلى الأول: لا.
ومنها: لو كان مسافراً يقصر ونوى الإتمام في السجود لزمه الإتمام على الثاني، وعلى الأول: لا.
ومنها: هل يكبِّر للافتتاح؟ وهل يتشهد؟ 585 إن قلنا بالوجه الثاني فلا يفعل ذلك،
الجزء: 2 - الصفحة: 100
وإن قلنا: بالأول يكبر 586، وفي التشهد وجهان:
أصحهما: أنه لا يتشهد، قال في "التهذيب": والصحيح أنه يسلم سواء قلنا: يتشهد أو لا يتشهد، بقي هاهنا كلامان:
أحدهما: البحث عن حد 587 طول الزمان، وفيه الخلاف الذي ذكرناه فيما إذا ترك ركناً ناسياً ثم تذكر بعد السلام أو شك فيه، والأصح الرجوع إلى العرف والعادة، وحاول إمام الحرمين ضبط العرف فقال: إذا مضى من الزمان قدر يغلب على الظن أنه أضرب عن السجود قصداً أو نسياناً فهذا فصل طويل، وإلا فليس ذلك بفصل.
قال: وهذا إذا لم يفارق المجلس فإن فارق ثم تذكر على قرب من الزمان فهذا محتمل عندي؛ لأن الزمان قريب لكن إذا نظرنا إلى العرف فمفارقة المجلس تغلب على الظن الإضراب عن السجود كطول الزمن، قال: ولو سلم وأحدث ثم انغمس في ماء على قرب الزمان فالظاهر أن الحدث فاصل وإن لم يطل الزمان.
واعلم: أنه قد نقل قول عن الشافعي -رضي الله عنه- أن الاعتبار بالمجلس فإن لم يفارقه سجد وإن طال الزمان، وإن فارقه لم يسجد وإن قرب الزمان، لكن الذي اعتمده الأصحاب الرجوع إلى العرف كما سبق وقالوا: لا تضر مفارقة المجلس واستدبار القبلة -والله أعلم-.
والثاني: أن لفظ الكتاب في المسألة وهو قوله: (وإن عن له أن يسجد عاد إلى الصلاة على أحد الوجهين) يمكن حمله على طريقة الجمهور بأن يقال: إنه يسجد ثم في عوده إلى الصلاة الوجهان، ولكنه لم يرد ذلك، وإنما أراد نقل الوجهين في أنه هل يسجد جرياً على طريقة الإمام كما قدمناها؟ إن قلنا: يسجد فهو عائد إلى الصَّلاَةِ وإلاَّ فَلاَ، وقد صرح بذلك في "الوسيط" وغيره هذا كله تفريع على قولنا إن السجود قبل = بسلامها الإمام كسائر الصلوات أم يسر ولا يجهر؟ واختلف عنه هل لهما تكبيرة إحرام أم لا؟ واختلف عنه هل يتشهد لهما إذا كانتا قبل السلام أم لا؟ وأشار القرطبي إلى ترجح القول باشتراط تكبيرة الإحرام إذا كانتا بعد السلام لكن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام وما يتحلل منه بسلام لا بد من تكبير يتحرم به كسائر الصلوات.
ومذهب أبي حنيفة أنه يتشهد بعد سجدتي السهو ثم يسلم، ولا يحتاج عندهم إلى تكبيرة إحرام.
وقال أحمد -رحمه الله-: متى سجد قبل السلام لم يحتج إلى تشهد وكان سلامه بعد السجود هو الذي يتحلل به من الصلاة ليس معلقاً بسجود السهو: وأما إذا سجد بعد السلام فإنه يتشهد بعده ثم يسلم ولم يذكر تكبيرة إحرام وأما أصحابنا فقالوا: إذا فرعنا على الصحيح المنصوص أن السجود مطلقاً قبل السلام فلا تشهد ولا تسليم قطعاً.
قاله في نظم الفرائد، (536 - 540).
الجزء: 2 - الصفحة: 101
السلام، أما إذا قلنا: إنه بعد السلام إما في السَّهْوِ بالزيادة أو على الإطلاق فينبغي أن يسجد على القرب، فإن طال الفصل عاد الخلاف، وإذا سجد فلا يحكم بالعود إلى الصلاة جَزْماً.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ: يعود إليها، وهل يتحرم للسجدتين ويتشهد ويتحلل؟ قال في "النهاية": الحكم فيها كحكمها في سجدة التِّلاَوَةِ وسيأتي ذلك، ثم إذا رأينا التشهد فالمشهور أنه يتشهد بعهد السجدتين كما في سجود التِّلاوة يَتَشَهَّد بعده وعن الأستاذ أَبِي إِسْحَاق الإسْفِرَايِينِي 588 -رحمة الله عليه-: أنه يتشهد قبل السجدتين ليليهما السلام، وحكى الحناطي -رحمة الله عليه- على هذين المذهبين قولين، وروي في "البيان" الوجهين في التفريع على القول الأول إذا قلنا: إنه يتشهد 589.
قال الغزالي: السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ: سَجْدَةُ التِّلاَوَةِ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ في أَرْبَعَ عَشَرَةَ آيَةَ (م و)
الجزء: 2 - الصفحة: 102
وَلاَ سَجْدَةَ فِي ص (ح م)، وَفِي الحَجِّ سَجْدَتَانِ (م) ثُمَّ هِيَ عَلَى القَارِئ وَالمُسْتَمِع جَمِيعاً، فَإِنْ سَجَدَ القَارِئُ تَأكَّدَ الاسْتِحْبَابُ عَلَى المُسْتَمِعِ، وإِنْ كَانَ فِي الصَّلاَةِ سَجَدَ لِقِرَاءَةِ نَفْسِهِ إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ لِقِرَاءَةِ إِمَامِهِ إنْ سَجَدَ إِمَامُهُ، وَلاَ يَسْجُدُ (ح) لِقَرَاءَةِ غيْرِ الإِمَامِ، وَمَنْ قَرَأَ آيَةً فِي مَجْلِسٍ مَرَّتَيْنِ هَلْ تُشْرَعُ السَّجْدَةُ الثَّانِيَةُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
القول في سجود التلاوة
قال الرافعىِ: الفصل يشتمل على مسائل:
إحداها: سُجُودُ التِّلاَوَةِ سُنَّة، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال بوجوبها.
لنا: ما روي عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- "أَنَّهُ قَرَأَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- سُورَةَ النَّجْم فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا وَلاَ أَمَرَهُ بالسُّجُودِ" 590.
وعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- "أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى الْمِنْبَر سُورَةَ السَّجْدَةِ فَنَزَلَ وَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ فَلَمَّا كَانَ فِي الْجُمُعَةِ الأُخْرَى قَرَأَهَا فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ فَقَالَ عَلَى رسْلُكِمْ إِنَّ اللهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إِلاَّ أَنْ نَشَاءَ" 591.
الثانية: في عدد آيات السجدة قولان:
"الجديد": أنها أربع عشرة آية، وفي القديم أسقط سجدات المفصل وردها إلى إحدى عشرة؛ لما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ 592 واحتج في الجديد بما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "سَجَدْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ 593 " وكان إسلام أبي هريرة -رضي الله عنه- بعد الهجرة بسنين فرأى إثباته أَولى من النفي.
وأبو حَنِيفَةَ -رحمه الله- يوافق الجديد في العدد ومالك القديم إلا أنهما أثبتا سجدة لا نعدها ونفيا بدلها أخرى نحن نثبتها، أما الأولى فسجدة "ص" عندنا ليست من عزائم السجود، وإنما هي سجدة شكر خلافاً لهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 103
لنا: ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "سَجَدَ فِي (ص) 594 وَقَالَ: سَجَدَهَا دَاودٌ تَوْبَةٌ وَسَجَدْتُهَا شُكْرًا" 595.
أي: على النعمة التي أتاها الله تعالى داود وهي قبول توبته.
وعن ابن مسعود -رضي الله عنه-: أنَّهُ كانَ لاَ يَسْجُدُ فِي (ص)، إذا ثبت هذا فلو سجد فيها خارج الصلاة فهو حسن 596، ولو سجد في الصلاة جاهلاً أو ناسياً لم يضر وإن كان عالماً فوجهان:
أحدهما: وبه قال ابن كج: لا تبطل طلاته؛ لأن سببه التلاوة.
وأصحهما: تبطل كسجود الشكر، ولو سجد إمامه في "ص" لأنه ممن يراها فلا يتابعه المأموم فيها بل يفارقه أو ينتظره قائماً، وإذا انتظره قائماً هل يسجد للسَّهْوِ؟ فيه وجهان 597:
وأما الثاني: ففي الحج عندنا سجدتان خلافاً لهما في الثانية.
لنا: ما روي عن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: "قُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ فُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتيْنِ قَالَ نَعَمْ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلاَ يَقْرَأْهُمَا" 598، وسار ابن سريج إلى إثبات سجدة "ص" والثانية في الحج معاً وجعل آيات السجود خمس عشرة.
لما روي عن عمرو بن العاص أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أقَرَأَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرْآنِ مِنْهَا ثَلاَثٌ فِي الْمُفَصِّلِ وَفِي الْحَجِّ سَجْدَتَانِ" 599 وعن أحمد روايتان.
إحداهما: مثل مذهب ابن سريج.
وأصحهما: مثل القول الجديد، وإذا وقفت على هذه الاختلافات علمت قوله:
الجزء: 2 - الصفحة: 104
"وهي مستحبة" بالحاء، وقوله في "أربع عشرة آية" بالواو للقول القديم ولمذهب ابن سريج، وقوله: "ولا سجدة في ص" بالميم والحاء والألف والواو، وقوله: "في الحج سجدتان" بالميم والحاء، ثم مواضع السجود من الآيات بينة لا خلاف فيها إلا في "حم" السجدة ففي موضع السجود فيها وجهان:
أحدهما: أنه عند قوله: ﴿إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ 600 ويروى هذا عن أبي حنيفة وأحمد.
وأصحهما: أنه عند قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾، لأن عنده يتم الكلام.
الثالثة: كما يسن السجود للقارئ يسن للمستمع إليه.
لما: روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- "قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ فإِذَا مَرَّ بِسَجْدَةٍ كَبَّرَ وَسَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ".
ولا فرق بين أن يكون القارئ في الصلاة أو لا يكون كذلك، ذكره في "التهذيب" وبه قال أبو حنيفة، وحكى في "البيان" أنه لا يسجد المستمع بقراءة من في الصلاة وأقام هذه المسألة خلافية بيننا وبين أبي حنيفة والأول أظهر وأوفق لإطلاق لفظ الكتاب، وكذلك ظاهر اللفظ يشتمل قراءة الصبي والمحدث 601 والكافر ويقتضي شرعية السجود للمستمع إلى قراءتهم وبه قال أبو حنيفة.
وقال في "البيان" لا اعتبار بقراءتهم خلافاً له، وأما الذي لا يستمع قصداً ولكنه سمع ما رأى فقد حكي عن "مختصر البويطي" أن الشافعي -رضي الله عنه- قال: لا أؤكد عليه كما أؤكد على المستمع وإن سجد فحسن.
وعند أبي حنيفة: لا فرق بينه وبين المستمع والقارئ، ونقل مثله عن بعض أصحابنا لكنه يقول باللزوم ونحن بالاستحباب.
ودليل الفرق ما روي عن عثمان -رضي الله عنه- "أَنَّهُ مَرَّ بِقَاص فَقرَأَ آيَةِ السَّجْدَةِ ليَسْجُدَ عُثْمَانُ -رضي الله عنه- مَعَهُ فَلَمْ يَسْجُدْ وَقَالَ: مَا اسْتَمَعْنَا لَهَا" 602 وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "السَّجْدَةُ لِمَنْ جَلَسَ لَهَا" 603.
وذكر في "النهاية" أن السامع لا يسجد؛ لأنه لم يقرأ ولا قصد الاستماع، فلو
الجزء: 2 - الصفحة: 105
سجد لكانت سجدته منقطعة عن سبب ينشئه 604 فحصل في السامع ثلاثة أوجه كما يرى، وإذا سجد القارئ فيكون الاستحباب في حق المستمع آكد وإن كِان أصل الاستحباب لا يتوقف على سجوده، هذا ما ذكره أكثر الأئمة من العراقيين وغيرهم، وحكاه إمام الحرمين عن نصه في البويطي، ونقل الصيدلاني؛ أنه لا يسن له السجود إلا أن يسجد القارئ، ورجح الإمام هذا الوجه واستشهد عليه بما روي "أَنَّ رَجُلاً قَرَأَ عِنْدَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- السَّجْدَةَ فَسَجَدَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- ثُمَّ قَرَأَ آخَرُ عِنْدَهُ السَّجْدَةَ فَلَمْ يَسْجُدْ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: سَجَدْتَ لِقِرَاءَةِ فُلاَنٍ وَلَمْ تَسْجُدْ لِقِرَاءَتِي فَقَالَ: كُنْتَ إِمَامَنَا فَلَوْ سَجَدْتَ لَسَجَدْنَا" 605.
وحمل الأول 606 ذلك على تفاوت الاستحباب، وحث الثاني على السجود وهذا في غير الصلاة، أما المصلي فإن كان منفرداً سجد لقراءة نفسه، فلو لم يسجد وركع ثم بدا له أن يسجد لم يجز؛ لأنه اشتغل بالفرض فإن كان قبل بلوغه حد الراكعين فيجوز، ولو هوى بسجود التلاوة ثم بدا له فرجع جاز؛ لأنه مسنون فله ألا يتمه كما له أن لا يشرع فيه، وهكذا لو قعد للتشهد الأول وقرأ بعضه ولم يتم جاز، ولو أصغى المنفرد إلى قراءة قارئ في الصلاة أو في غير الصلاة فلا يسجد؛ لأنه ممنوع من الإِصغاء، ولو فعل بطلت صلاته، هذا قضية كلام الأصحاب، وإن كان المصلي في جماعة نظر إن كان إماماً فهو كالمنفرد فيما ذكرنا، ولا يكره له قراءة آية السجدة في الصَّلاة خلافاً لمالك حيث قال: يكره.
ولأبي حنيفة وأحمد حيث قالا: يكره في السَّرِّيَةِ دون الجَهْرِيَّةِ.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "سَجَدَ فِي الظُّهْرِ فَرَأَى أَصْحَابُهُ أَنَّهُ قَرَأَ آيَةَ سَجْدَةٍ فَسَجَدُوا" 607.
وإذا سجد الإمام سجد المأموم فلو لم يفعل بطلت صلاته، ولو لم يسجد الإمام لم يسجد المأموم، ولو فعل بطلت صلاته، ويحسن القضاء إذا فرغ ولا يتأكد، ولو سجد الإمام ولم ينتبه المأموم حتى رفع الإمام رأسه من السجود لم يسجد، وإن علم وهو بَعْدُ في السجود سجد، وإن كان في الهَوِيِّ ورفع الإِمَام رأسه رجع معه ولم يسجد، وكذا الضعيف الذي أهوى مع الإمام لسجود التلاوة فرفع الإمام رأسه قبل انتهائه إلى الأرض لبطء حركته يرجع معه ولا يسجد، وإن كان المصلي مأموماً لم
الجزء: 2 - الصفحة: 106
يسجد لقراءة نفسه، بل يكره له قراءة آية السجدة، ولا يسجد لقراءة غير الإمام بل يكره له الإصغاء إليها، ولو سجد لقراءة نفسه أو لقراءة غيره بطلت صلاته.
وقوله في الكتاب: (هي على القارئ والمستمع) ليس (على) هاهنا للإيجاب، وإنما المراد تأكد الاستحباب وكثيراً ما يتكرر ذلك في كلام الأصحاب في هذه السجدة وسجدة السهو، والمراد ما ذكرنا، وقد يستعملون لفظ الوجوب واللزوم أيضاً.
وقوله: (فإن سجد القارئ تأكد الأستحباب على المستمع) إشارة إلى أن أصل الاستحباب ثابت وإن لم يسجد القارئ جواباً على الأظهر المنصوص، ويجوز أن يعلم بالواو؛ لأن من قال: لا يسن للمستمع السجود إلا إذا سجد القارئ لا يقول بتأكد الاستحباب عند عدم سجوده، وإنما يثبته عنده.
وقوله: (ولا يسجد لقراءة نفسه ولا لقراءة غير الإمام) هكذا هو في بعض النسخ، وهو عبارة "الوسيط" وعلى هذا فالمراد ولا يسجد المأموم وهو متعلق بقوله: (أو لقراءة إمامه إن سجد إمامه) ولفظ الكتاب على هذا التقدير ساكت عن حكم الإمام، ولا بأس به للعلم بأن الإمام كالمنفرد في هذا الباب وأمثاله، وفي بعض النسخ: "ولا يسجد لقراءة غير الإمام" وطرح ما سواه، وعلى هذا فالمفهوم من سياق الكلام رجوعه إلى المأموم أيضاً، وسبب الطرح أنا إذا قلنا: ولا يسجد لقراءة غير الإمام دخل فيه نفسه أيضاً، وذكر بعضهم أن المصنف أراد: ولا يسجد المصلي لقراءة غير الإمام.
واعلم قوله: (ولا يسجد) بالحاء على هذا التأويل؛ لأنا نعني بقولنا: لا يسجد: أنه لا يجوز له السجود ولو فعله بطلت صلاته.
وعند أبي حنيفة: لو سجد الإمام والمقتدون لقراءة غيرهم لم تبطل صلاتهم وإن كان لا يجزئهم ذلك، ويسجدون بعد الصلاة، ذكره القدوري وغيره.
الرابعة: لو قرأ آيات السجدة في مكان واحدٍ سجد لكل واحدة سجدة، ولو كرر الآية الواحدة في المجلس الواحد فينظر إن لم يسجد للمرَّة الأولى فيكفيه سجود واحد، وإن سجد للأولى فوجهان:
أحدهما: لا يسنجد مرة أخرى، وتكفيه الأولى كما في الصورة السابقة، وبه قال أبو حنيفة وابن سريج.
وأظهرهما: أنه يستحب مرة أخرى لتجدد السبب بعد توفية حكم الأول، وفي المسألة وجه ثالث أنه إن طال الفصل سجد مرة أخرى، إلا فتكفيه السجدة الأولى.
قال في "العدة" وعليه الفتوى.
ولو كرر الآية الواحدة في الصَّلاَةَ فإن كان في الركعة الواحدة فهي كالمجلس
الجزء: 2 - الصفحة: 107
الواحد، وإن كان في ركعتين فيهما كالمجلسين فيعيد السجود، ذكره الصيدلاني وغيره.
ولو قرأ مرة في الصلاة ومرة خارج الصلاة في المجلس الواحد وسجد في الأولى فهذا لم أره منصوصاً عليه في كتب الأصحاب وإطلاقها لخلاف التكرار يقتضي طرده هاهنا، وعند أبي حنيفة: إذا سجد خارج الصلاة 608 لقراءة آية ثم أعادها في الصلاة أعاد السجدة ولم تجزه الأولى بخلاف ما لو لم يسجد حتى دخل في الصلاة وأعادها فإنه يسجد وتجزئه عن التِّلاَوَتَيْنِ.
واعلم أن في قوله: (هل تشرع السجدة الثانية؟) إشارة إلى أن صورة الوجهين ما إذا كان قد سبق في المَرَّة الأولى، وإلا لم تكن سجدته سجدة ثانية والله أعلم.
قال الغزالي: ثُمَّ الصَّحِيحُ أَنَّ هذِهِ سَجْدَةٌ فَرْدَةٌ وَإِنْ كانَتْ تَفْتَقِرُ إِلَى سَائرِ شَرَائِطِ الصَّلاَةِ، وَيُسْتَحَبُّ قَبْلَهَا تَكْبِيرَةُ مَعَ رَفْعِ اليَدَيْنِ إِنْ كَانَ فِي غَيْر الصَّلاَةِ وَدُونَ الرَّفْعِ إِنْ كَانَ فِي الصَّلاَةِ، وَقيلَ: يَجِبُ التَّحْرُّمُ وَالتَّحَللُ وَالتَّشَهُّدُ، وَقِيلَ يَجِبُ التَّحَرمُ وَالتَّحَلُّلُ دُونَ التَّشَهُّدِ، وَقِيلَ: لاَ يَجِبُ إِلاَّ التَّحَرُّمُ.
قال الرافعي: الكلام في كيفية سجود التلاوة، وشرائطه، ولا خلاف في افتقاره إلى شروط الصلاة كطهارة الحدث، والخبث، وستر العورة، واستقبال القبلة، وغيرها كما في الصلاة.
وأما الكيفية فهو: إما أن يكون في الصلاة أو خارج الصَّلاة، فإن كان خارج الصَّلاة فينوي ويكبر للافتتاح لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ إِذَا مَرَّ فِي قِرَاءَتِه بِالسُّجُودِ كَبَّرَ وَسَجَدَ" ويرفع يديه حذو منكبيه في هذه التكبيرة كما يفعل ذلك في تكبيرة الافتتاح في الصلاة، ثم يكبر تكبيرة أخرى لِلْهَوِيِّ من غير رفع اليدين كما في الْهَوِيِّ إلى السُّجُودِ الذي هو من صُلْبِ الصلاة ثم تكبير الهوي مستحب وليس بشرط، وفي تكبير الافتتاح وجهان:
أحدهما: وهو الذي ذكره الشيخ أبو محمد واختاره صاحب الكتاب أنه مستحب أيضاً وليس بشرط.
والثاني: أنه شرط وهو قضية كلام الأكثرين فإنهم أطبقوا على الاحتجاج لأحد القولين في السلام بأن السجود يفتقر إلى الإحرام فيفتقر إلى السلام، وسيأتي ذلك، وحكى الشيخ أبو حامد وغيره عن أبي جعفر الترمذي من أصحابنا: أنه لا يكبر تكبيرة
الجزء: 2 - الصفحة: 108
الافتتاح لا وجوباً ولا استحباباً؛ لأن سجود التلاوة ليس صلاة بانفراد حتى يكون له تحرم، والمستحب أن يقوم ويكبر وينوي قائماً ثم يهوي من قيام، وروي ذلك عن فعل الشيخ أبي محمد وعن القاضي الحسين وغيرهما 609.
ويستحب أن يقول في سجوده "سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ" لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ يَقُولُ ذلِكَ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ" 610 ويستحب أيضاً أن يقول: "اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْراً وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْراً وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْراً وَاقْبَلْهَا مِنِّي كَمَا قَبِلْتَ مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ"؛ لما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "قَالَ ذلِكَ فِي سُجُودِ الْقُرْآنِ" 611.
ولو قال ما يقوله في سجود صلاته جاز.
ثم يرفع رأسه مكبراً كما يرفع عن سجود صُلْب الصَّلاة، وهل يفتقر إلى السَّلام؟ فيه قولان:
أحدهما: لا، كما لو سجد في الصَّلاة.
وأظهرهما: نعم؛ لأنه يفتقر إلى الإحرام فيفتقر إلى التحلل كالصلاة، وعلى هذا هل يفتقر إلى التشهد؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه سجود يفتقر إلى الإحرام والسلام فيفتقر إلى التشهد كسجود الصلاة.
وأصحهما: لا؛ لأن التشهد في مقابلة القيام، ولا قيام فيه بل القيام أولى بالرعاية بدليل صلاة الجنازة فكما لم يشترط ذلك فأولى أن لا يشترط التشهد، ومن الأصحاب من يجمع بين التشهد والسَّلام وبقول: فيهما ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا حاجة إليهما، وهو ظاهر ما نقل عن البويطي.
وثانيها: أنه لا بد منهما.
وثالثها، -وهو الأظهر- أنه لا بد من السَّلاَم دون التشهد، وبهذا قال ابن سريج
الجزء: 2 - الصفحة: 109
وأبو إسحاق، وإذا قلنا: إن التشهد ليس بشرط فهل يستحب؟ ذكر في "النهاية" أن للأصحاب خلافاً فيه هذا كيفية السجود خارج الصلاة، وأما في الصلاة فلا يكبر للافتتاح، ولكن يستحب له التكبير للهوي إلى السجود من غير رفع اليدين، وكذلك يكبر عند رفع الرأس كما يفعل في سجدات الصَّلاَة، وعن أبي علي بن أبي هريرة أنه لا يكبر لا عند الهَوِيّ ولا عند رفع الرأس كيلا تشتبه هذه السجدة بسجدات الصلاة، ولا فرق في الذكر بين ما لو سجد في الصلاة أو خارجها، وإذا رفع الرأس يقوم منها ولا يجلس للاستراحة ويسن أن يقرأ شيئاً ثم يركع ولا بد من أن ينتصب ثم يرفع فإن الهَوِيّ من القيام واجب كما تقدم.
ولنعد إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
قوله: "والصحيح أن هذه سجدة فردة" يريد بالفردة أنها لا تفتقر إلى تحرم وتحلل، ولا يريد أنها واحدة لا كسجدتي السَّهْو لأنه قال: "والصحيح" ولا خلاف في أنها واحدة، وعن أحمد أنه يكبر لِلْهَوِيِّ والرفع ويسلم؛ فإن أراد به الاشتراط فليكن قوله: (فردة) معلماً بالألف.
وقوله: (وإن كانت تفتقر إلى سائر شرائط الصلاة) تشتمل على بيان مسألة مقصودة وهي أن شرائط الصلاة مرعِيَّة في سجدة التلاوة، وأشار بالإيراد الذي ذكره إلى أنها وإن كانت كالصَّلاة في اعتبار الشروط لكنها تفارقها في الحاجة إلى التحلل والتحرم على هذا الوجه، ثم الذي يوجد في معظم النسخ وإن كانت تفتقر إلى سائر شرائط الصلاة، وحذف لفظ (سائر) وكأنه حمله عليه اشتهار لفظ السائر في البعض الباقي من الشيء وشرائط الصلاة بأسرها معتبرة في سجدة التلاوة ولم يجز ذكر البعض حتى يضم الباقي إليه بلفظ السائر إلا أن إطلاق السائر بمعنى الجميع صحيح، قال صاحب "الصحاح": وسائر النَّاس جميعهم فإذا المعنى: وإن كانت تفتقر إلى جميع شرائط الصلاة ولا حاجة إلى الحذف.
واعلم أن النية عند صاحب الكتاب معدودة من شرائط الصلاة كما سبق، والتكبير وحده يقع عليه اسم التحريم، والتحريم قال -صلى الله عليه وسلم-: "وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ" وإذا كان كذلك فظاهر اللَّفْظِ يَقْتَضِي اشتراط النّية على الوجه الذي عبر عنه بالصحيح وإن لم يشترط التكبير لكنه في "الوسيط" أخرج النية عن الاعتبار في هذا الوجه وعلى هذا فالنية تكون مستثناة عن قوله: (وإن كانت تفتقر إلى سائر الشرائط)، ويكون التحرم مفسراً بالنية والتكبير معاً إذ بهما تشرع في الصلاة.
وأما قوله: "ويستحب قبلها تكبيرة ... " إلى آخره فهو تفريع على هذا الوجه الذي
الجزء: 2 - الصفحة: 110
يقول إنها سجدة فردة لا يشترط فيها التكبير ولا غيره، وقوله: (تكبيرة) يُوهِمُ قصر الاستحباب على تكبيرة واحدة، لكنا ذكرنا استحباب تكبيرتين وإن قلنا بعدم الاشتراط إحداهما للافتتاح والأخرى لِلْهَوِيِّ، وهكذا ذكر جمهور الأصحاب فلا يتوهم قصر الاستحباب على واحدة إذا كان يسجد خارج الصَّلاَة، واعلم عند هذا أنه لا يمكن حمل التكبيرة التي جرت في لفظ الكتاب على تكبيرة الافتتاح بخصوصها؛ لأنه لا تكبيرة للافتتاح إذا كان يسجد في الصَّلاَة، وهو قد جعلها شاملة حيث قال: "ودون الرفع إن كان في الصلاة" ولا يمكن حملها على تكبيرة الهَوِيّ بخصوصها؛ لأنه قد استحب الرفع معها، ولا يستحب رفع اليد مع تكبيرة الهَوِيِّ بحَالٍ، الوجه أن يحمل كلامه على تكبيرة مطلقة، ويقال بأن تكبيرة مستحبة في الصَّلاَة وغير الصلاة ثم في غير الصلاة الأهم تكبيرة الافتتاح، ويستحب معها رفع اليدين، وفي الصلاة لا يفرض إلا تكبيرة الهَوِيّ وليس معها رفع اليد، فهذا تنزيل لفظ الكتاب مع التكلف الذي فيه على ما ذكره الجمهور منهم أصحابنا العراقيون، والصيدلاني وصاحب "التهذيب"، والقاضي الروياني -رحمهم الله- وغيرهم، والمفهوم من كلامه هاهنا وفي "الوسيط" أنه ليس إلا تكبيرة واحدة، وهي للتحرم خارج الصلاة، ولِلْهَوِيِّ في الصلاة، وبه يشعر كلام إمام الحرمين -قدس الله روحه- وعلى هذا فليكن قوله: (ويستحب قبلها تكبيرة) معلماً بالواو للوجه الذي تقدم عن الترمذي، وفي "الوسيط" إشارة إليه.
وقوله: (مع رفع اليدين) معلم بالحاء، لأن عنده لا يرفع يديه.
واعلم قوله: (ودون الرفع إن كان في الصلاة) بالواو؛ لأنه قال في "الوسيط": ولا يستحب رفع اليدين في الصلاة.
وقال العراقيون: يستحب رفع اليدين؛ لأنه يكبر للتحرم، لكن هذا شيء بدع حكم وعلة ولا يكاد يوجد نقله لغيره، ولا ذكر له في كتبهم.
وقوله: "قيل يجب التحرم والتحلل ... " إلى رأس الفرع، هذه الوجوه هي المقابلة للصحيح المذكور أولاً كأنه قال: في أقل سجدة التلاوة أربعة أوجه:
أحدها: أن الأقل سجدة واجباتها في صلب الصلاة لا غير.
والثاني: سجدة مع التحرم والتحلل والتشهد.
والثالث: مع التحرم والتحلل لا غيره.
والرابع: مع التحرم لا غير وجعل أولها الأصح، وهو متأيد بما حكي عن الشافعي -رضي الله عنه- أنه قال: وأقله سجدة بلا شروع ولا سلام، والظاهر عند الأكثرين اعتبار التحرم والتحلل كما سبق وهو الوجه الثالث، ثم الخلاف في السلام
الجزء: 2 - الصفحة: 111
قولان عند أكثر الناقلين وفي التشهد [قولان] 612 فقوله: (قيل) في هذا الموضع محمول على القول تارة وعلى الوجه أخرى، وتعجب بعض الشَّارحين من لفظ الوجوب في هذه الوجوه، واستحسن إبداله بالاشتراط والاعتبار؛ لأن أصل السجدة لا تجب فكيف يقول: يجب فيها كذا وكذا، ولا شك أن المراد الاشتراط لكن لا حاجة إلى تغيير اللفظ؛ لأن الوجوب في مثل هذا الموضع معهود بمعنى أن الشيء لا بد منه، يقال الوضوء وستر العورة واجبان في صلاة النفل أي لا بد منهما.
قال الغزالي: فَرْعٌ: الأَصَّحُّ أَنَّ هذِهِ السَّجْدَةَ إِذَا فاتَتْ وَطَالَ الفَصْلُ لاَ تُقْضَى، لأِنَّهُ لاَ يُتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِسَجْدَةِ ابتِدَاءً كَصَلاَةِ الكُسُوفِ وَالاسْتِسْقَاء بِخِلاَفِ النَّوَافِلِ الرَّوَاتِبِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُتَقَرَّبُ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ بِهَا ابْتِدَاءً.
قال الرافعي: سجدة التلاوة ينبغي أن تقع عقيب قراءة الآية أو استماعها، فلو تأخر نظر إن لم يطل الفصل سجد، وإن طال فلا، وضبط الفرق بين أن يطول الفصل أو لا يطول يؤخذ مما ذكرناه في سجود السهو، ولم يجعل إمام الحرمين لمفارقة المجلس أثراً هاهنا مع التردد في تأثيره في باب سجود السهو كما حكيناه عنه ولا يتضح فرق بينهما.
إذا عرفت ذلك فلو فاتت السجدة لطول الفصل هل تقضى؟ ذكر في "النهاية": أن صاحب التقريب حكى فيه قولين وقربهما من الخلاف في أن نوافل الصلاة هل تقضى على ما سيأتي؟ لكن الأصح أن السجدة لا تقضى ولم يذكر الصيدلاني وآخرون سواه؛ لأن النوافل المقضية هي التي تتعلق بالأوقات، أما التي تتعلق بأسباب عارضة كصلاة الخسوف والاستسقاء فلا تقضى والسجود كذلك، ولو كان القارئ والمستمع محدثاً عند التلاوة فإن تطهر على القرب سجد وإلا فالقضاء على الخلاف، [وعن صاحب "التقريب": أنه لو كان يصلي فقرأ قارئ آية السجدة فإذا فرغ هل يقضي؟ فيه هذا الخلاف] 613.
قال الإمام: وهذا فيه نظر؛ لأن قراءة غير إمامه في الصلاة لا تقضي سجوده وإذا لم يجر ما يقتضي السجود أداء فالقضاء بعيد، وقطع صاحب "المعتمد" وغيره بأنه لا يسجد كما ذكره إمام الحرمين، وجعلوا هذه المسألة خلافية بيننا وبين أبي حنيفة، وذكر في "التهذيب" أنه يحسن أن يقضي ولا يتأكد كما يجيب المؤذن إذا فرغ من الصلاة 614 وكذا إذا
الجزء: 2 - الصفحة: 112
قرأ الإمام ولم يسجد فإذا فرغ المأموم من الصلاة يحسن أن يقضي ولا يتأكد.
والله أعلم.
وفي الفصل مسألة أخرى وهي: أنه لو خضع الرجل لله تعالى فتقرب إليه بسجدة ابتداء من غير سبب هل يجوز ذلك؟ فيه وجهان عن صاحب "التقريب": أنه يجوز ذلك، وعن الشيخ أبي محمد أنه لا يجوز، كما لا يجوز التقرب بركوع مفرد ونحوه، والعبادات يتبع فيها الورود، وهذا هو الصحيح عند إمام الحرمين والمصنف وغيرهما، وقوله في الكتاب: (إذا فاتت وطال الفصل) ليس على معنى طول الفصل شيء مضموم إلى الفوات وقيد فيه (وإنما هو سبب الفوات) والمراد إذا فاتت لطول الفصل.
وقوله: (لا يقضي) معلم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة يجب على القارئ المحدث والمستمع القضاء بعد الطهارة، وسلم أن الحائض إذا استمعت لا قضاء عليها، وأن المصلي إذا قرأ السجدة ولم يسجد حتى سلم لا يقضي.
وقوله: (لأنه لا يتقرب إلى الله تعالى بسجدة ابتداء) لعلك تقول: لم علل منع القضاء بأنه لا يتقرب بها إلى الله تعالى فاعلم أنه حكي عن صاحب "التقريب" أنه جعل ذلك ضابطاً لما لا يقضي جزماً، ولما يجري الخلاف في قضائه فقال: ما لا يجوز التطوع به ابتداء لا يجوز فرض قضائه كصلاة الخسوف والاستسقاء، وما يجوز التطوع به ابتداء كالنوافل والرواتب ففي قضائه خلاف، ثم إنه جوز التقرب إلى الله تعالى بسجدة ابتداء كما سبق فأجرى الخلاف في قضائها؛ لذلك إذا عرفت هذا فالمصنف بين أن هذه السجدات لا يتقرب بها إلى الله تعالى ابتداء، ورتب عليه المنع من القضاء = سجد المستمع مع القارئ لا يرتبط به ولا ينوي الاقتداء به وله الرفع من السجود قبله، ولو أراد أن يقرأ آية أو آيتين فيهما سجدة ليسجد، فلم أر فيه كلاماً لأصحابنا.
وفي كراهته خلاف للسلف أوضحته في كتابا "آداب القرآن" ومقتضى مذهبنا: أنه إن وإن في غير الوقت المنهي عن الصلاة فيه في غير الصلاة لم يكره، وإن كان في الصلاة أو في وقت كراهتها ففيه الوجهان، فيمن دخل المسجد في هذه الأوقات لا لغرض سوى صلاة التحية، والأصح: أنه يكره له الصلاة.
هذا إذا لم يتعلق بالقراءة المذكورة غرض سوى السجود، فإن تعلق، فلا كراهة مطلقاً، قطعاً ولو قرأ آية سجدة في الصلاة فلم يسجد وَسَلَّمَ يستحب أن يسجد ما لم يطل الفصل، فإن طال ففيه الخلاف المتقدم، ولو سجد للتلاوة قبل بلوغ السجدة ولو بحرف، لم يصح سجوده.
ولو قرأ بعد السجد آيات، ثم سجد، جاز ما لم يطل الفصل.
ولو قرأ سجدة، فسجد فقرأ في سجوده سجدة أخرى لا يسجد.
قال صاحب "البحر": إذا قرأ الإمام السجدة في صلاة سرية استحب تأخير السجود إلى فراغه من الصلاة، قال: وقد استحب أصحابنا للخطيب إذا قرأ سجدة أن يترك السجود لما فيه من النزول عن المنبر والصعود قال: ولو قرأ السجدة في صلاة الجنازة لم يسجد فيها.
وهل يسجد بعد الفراغ؟ وجهان.
أصحهما: لا يسجد.
وأصلهما أن القراءة التي لا تشرع هل يسجد لتلاوتها؟ وجهان.
الروضة (1/ 425، 426).
الجزء: 2 - الصفحة: 113
كصلاة الخسوف؛ لأنه لو قضى من غير تلاوة كان المأتي به على صورة سجدة لا سبب لها والأشبه بإيراده إثبات طريقة جازمة بأن هذه السجدات لا تقضى كصلاة الخسوف والاستسقاء بخلاف الرواتب في قضائها قولان؛ لأنه يتقرب بها إلى الله تعالى ابتداء ولا يتقرب بهذه، وعلى هذا قوله: (الأصح أن هذه السجدات) أي من الطريقين، وقوله: (وقيل يتقرب بها إلى الله تعالى) ابتداء إشارة إلى الطريق الثاني، أي إذا كانت كذلك جرى فيها الخلاف كما في الرواتب.
قال الغزالي: السَّجْدَةُ الثَّالِثَةُ: سَجْدَةُ (ح) الشُّكْرِ وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ هُجُومِ نِعْمَةٍ أَوْ انْدِفَاعِ بَلِيَّةٍ لاَ عِنْدَ اسْتِمرَارِ نِعْمَةٍ، وَيُسْتَحَبُّ السُّجُودُ بَيْنَ يَدَي الفَاسِقِ شُكْراً عَلَى دَفْعِ المَعْصِيَةِ وَتَنْبِيهًا لَهُ، وَإِنْ سَجَدَ إِذَا رَأَى المُبْتَلَى فَلْيَكْتُمْهُ كَيْلاَ يَتَأذَّى.
القول في سجود الشكر
:
قال الرافعي: سجدة الشكر سُّنة خلافاً لمالك حيث قال: هي مكروهة، وبه قال أبو حنيفة في رواية وقال في رواية: لا أعرفها.
لنا ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "رَأَى رَجُلاً نُغَاشِيًّا فَسَجَدَ شُكْراً لِلَّهِ تَعَالَى" 615.
وعن عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "سَجَدَ فَأطَالَ فَلَمَّا رَفَعَ قِيلَ لَهُ فِي ذلِكَ فَقَالَ: أَخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْراً فَسَجَدْتُ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالى" 616.
وليس تسن سجدة الشُّكْرِ عند استمرار النعم، وإنما تسن عند مفاجأة نعمة أو اندفاع بَلِيَّة من حيث لا يحتسب، وكذا إذا رأى مبتلي ببلية أو بمعصية 617 فيستحب أن يسجد شكراً لله تعالى، ثم إذا سجد لنعمة أصابته أو بلية اندفعت عنه لا تعلق لها بالغير أظهر السجود، وإن كان لبلاء في غيره نظر إن لم يكن ذلك المغير معذوراً فيه كالفاسق
الجزء: 2 - الصفحة: 114
فيظهر السجود بين يديه تعييراً له فربما ينزجر ويتوب، وإن كان معذوراً كمن به زمانة ونحوها فيخفى كيلا يتأذى، وكيلا يتخاصما.
وسجود الشكر يفتقر إلى شرائط الصلاة كسجود التلاوة، وكيفيته ككيفية سجود التلاوة خارج الصلاة، ولا يجوز سجود الشكر في الصَّلاة بخلاف سجود التلاوة فإنه يتبع التلاوة، والتلاوة تتعلق بالصلاة 618.
قال الغزالي: وَهَلْ يُؤَدِّي سُجُودَ التِّلاَوَةِ وَالشُّكْرِ عَلَى الرَّاحِلَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: سجود الشكر هل يقام على الراحلة: حكى في "النهاية" فيه وجهين وشبههما بالخلاف في أن صلاة الجنازة هل تقام على الراحلة؟ من حيث أن إقامة السجود على الراحلة بالإيماء يبطل ركنه الأظهر وهو تمكين الجبهة من موضع السجود كما إن إقامة صلاة الجنازة عليها يبطل ركنها الأظهر وهو القيام.
قال: والخلاف فيهما كالخلاف في أن القادر على القيام والقعود هل يتنفل مضطجعاً مومياً أم لا، وسجود التلاوة في النافلة المقامة على الراحلة يجوز بلا خلاف تبعاً للنافلة كسجود السهو فيها، وأما خارج الصَّلاَةِ ففيه الوجهان المذكوران في سَجود الشُّكْرِ، ولفظ الكتاب وإن كان مطلقاً لكن المراد ما إذا كان خارج الصلاة، ثم الأظهر من الوجهين عند الأئمة أنه يجوز أداؤها على الراحلة بالإيماء وليس في "التهذيب" و"العدة" ذكر لغيره.
فإن قلت: ذكرتم في صلاة الجنازة أن الأظهر المنع من أدائها على الراحلة فلم كان الأظهر الجواز هاهنا إن كان الخلاف كالخلاف؟ قلنا: يجوز أن يفرق بينهما بأن صلاة الجنازة تندر فلا يشق فيها تكليف النزول وأيضاً فاحترام الميت يقتضي ذلك، وسجدة التلاوة والشكر يكثران، فلو كلفناه النزول لشق، والخلاف فيما إذا كان يقتصر على الإيماء، فلو كان في مرقد وأتم السجود جاز، وأما الماشي فيسجد على الأرض على الظاهر، كما سبق في السجود الذي هو من صلب الصلاة.
قال الغزالي: الْبَابُ السَّابعُ فهي صلاَةِ التَّطَوُّعِ وَفِيهِ فصْلاَنِ الأَوَّلُ فِي الرَّواتِبِ وَهِيَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، رَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهُ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ المَغْرِبِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ العْشَاءِ، وَالوَتْرُ رُكْعَةٌ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْعَصْرِ، وَرَكْعَتَين بَعْدَ الظُّهْرِ فَصَارَ سَبْعَ عَشْرَةَ.
الجزء: 2 - الصفحة: 115
القول في صلاة التطوع
قال الرافعي: اختلف اصطلاح الأصحاب في تطوع الصلاة فمنهم من يفسره بما لم يرد فيه مخصوص نقل وينشئه الإنسان باختياره، وهؤلاء قالوا: ما عدا الفرائض ثلاثة أقسام:
سنن وهي التي واظب عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
ومستحبات: وهي التي فعلها أحياناً ولم يواظب عليها.
وتطوعات وهي التي ذكرنا، ومنهم من يرادف بين لفظتي النافلة والتطوع، ويطلقهما على جميع ما سوى الفرائض 619، وبهذا الاصطلاح ترجم صاحب الكتاب الباب، واختلف اصطلاحهم في الرواتب أيضاً، فمنهم من قال: هي النوافل المؤقتة بوقت مخصوص، وعد منها التراويح، وصلاة العيدين، وصلاة الضُّحَى، ومنهم من قال: هي السُّنَنُ التابعة للفرائض، وبهذا الاصطلاح يتكلم صاحب الكتاب.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم أن ما سوى الفرائض من الصلوات قسمان: ما تسن فيه الجماعة كصلاة العيدين، والكسوفين، والاستسقاء ولها أبواب مفردة مذكورة بعد هذا، وما لا تسن فيه الجماعة، وينقسم إلى الرواتب وغيرها، وغرض الفصل الأول من الباب: الكلام [في الرَّوَاتِب، وغرض الثاني: الكلام] 620 في مَرَاتِب النوافِلِ، وبعض أحكامها:
أما الأول فالرواتب ضربان: الوِتْرُ، وَغَيْرُ الوِتْرِ.
أما غير الوتر فقد اختلف الأصحاب في عدده.
قال الأكثرون: عشر ركعات: ركعتان قبل الصبح، وركعتان قبل الظُّهْرِ، وركعتان بعده، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء؛ لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "صليت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِب فِي بَيْتِه، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ في بَيْتِهِ، وحدثتني حفصة -رضي الله عنها- أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ حِينَ يَطْلُعُ الفَجْرُ" 621.
الجزء: 2 - الصفحة: 116
قال في "العدة" وهذا ظاهر المذهب، ومنهم من نقص ركعتي العشاء، يحكى هذا عن نصه في البويطي، وبه قال الخُضَرِيُّ فيما حكاه صاحب "النهاية" وغيره.
ومنهم من زاد على العشر ركعتين قبل الظهر مضمومتين إلى الركعتين اللتين سبق ذكرهما؛ لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ ثَابَرَ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً مِنَ السُّنَّةِ بَنَى الله لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ" 622 "أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ"، والباقي كما في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-.
ومنهم من زاد على هذا العدد أربع ركعات قبل العصر؛ لما روي -صلى الله عليه وسلم- قال: "رَحِمَ اللهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ العَصْرِ أَرْبَعاً" 623.
وعن علي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعاً، يَفْصِلُ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بِالتَّسْلِيمِ" 624.
ومنهم من زاد على هذا العدد ركعتين أخريين بعد الظهر؛ لما روي عن أم حبيبة -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ حَافَظَ، عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ" 625.
فهذه خمسة أوجه للأصحاب، وليس الخلاف في أصل الاستحباب، وإنما الخلاف في أن المؤكد الرواتب ماذا وإن شمل الاستحباب الكل؛ ولهذا قال صاحب "المهذب" وجماعة: "أدنى الكمال عشر ركعات" وهو الوجه الأول، وأتم الكمال ثماني عشرة ركعة، وهو الوجه الأخير.
وعند أبي حنيفة السُّنَّة: ركعتان قبل الصبح، وأربع قبل الظهر، وركعتان بعده، وأربع قبل العصر.
وفي رواية: ركعتان بعد المغرب، وأربع قبل العشاء، وأربع بعده، وإن شاء صَلَّى ركعتين، وكل أربع من ذلك فهو بتسليمة واحدة، وفي استحباب ركعتين قبل المغرب وجهان لأصحابنا، منهم من قال باستحبابها، وإن لم يكونا من الرواتب المؤكدة؛ لما روي عن أنس -رضي الله عنه- قال: "صَلَّيْتُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ
الجزء: 2 - الصفحة: 117
اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قِيلَ: لَهُ رَآكُمْ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: نَعَمْ، فَلَمْ يَأْمُرْنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا" 626.
وروى عبد الله المزني [-رضي الله عنه-] 627، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ كَرَاهِيَةِ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً" 628 وبهذا الوجه قال أبو إسحاق الطوسي 629، وكذلك أبو زكريا السكري 630.
قيل 631: إنه ذكره في "شرح الغنية" لابن سريج، ومنهم من قال: لا يستحبان؟ لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه سئل عنها فقال: "مَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّيهِمَا" 632. وعن عمر -رضي الله عنه-: "أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ عَلَيْهِمَا" 633.
وبهذا قال أَبُو حَنِيفَةَ.
وأما لفظ الكتاب فقد ذكر من الأوجه الخمسة وجهين، وهما الأول والرابع، لكنه ضم إليها أقل الوتر، وهو ركعة، فصارت على الوجه الأول إحدى عشرة، وعلى الوجه الثاني سبع عشرة، وهي عدد الفرائض، وهكذا عد ابن القاص الرواتب في "المفتاح" لكنه حسب الوتر ثلاث ركعات، ولم يحسب قبل الظهر إلا ركعتين وقوله: (ركعتين بعد العشاء) معلم بالواو؛ للوجه الذي اختاره الخضري.
الجزء: 2 - الصفحة: 118
وقوله: (والوتر ركعة) بالحاء والميم؛ لما سيأتي -والله أعلم-.
قال الغزالي: أَمَّا الوَتْرُ فَسُنَّةٌ (ح) وَعَدَدُهُ مِنَ الوَاحِدَةِ إِلَى إِحْدَى عَشْرَةَ بِالأَوْتَارِ، وَفِي جوَازِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ تَرَدُّدٌ (1) لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَل، وَإِذَا زَادَ عَلَى الوَاحِدَةِ فَيَتَشَهَّدُ تَشَهُّدَينِ فِي الأَخِيرَتَيْنِ عَلَى وَجْهٍ، وَتَشَهُّدًا وَاحِداً فِي الأَخِيرَةِ عَلَى الوَجْهِ الثَّانِي، وَهُمَا مَنْقُولاَنِ، وَالْكَلاَمُ فِي الْأُولَى، وَالأَظْهَرُ أَنَّ ثَلاَثةً مَفْصُولَةَ أَفْضَلُ مِنَ ثَلاَثةٍ مَوْصُولَةٍ، وَأَنَّ الثَّلاَثةَ المَوْصُولَةَ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَةٍ فَرْدَةٍ.
القول في أحكام الوتر
قال الرافعي: قد سبق من نظم الكتاب ما يعرف كون الوتر سنة، وهو إدراجه في الرواتب، وعد الرواتب بأسرها من صلاة التطوع، والغرض من التنصيص على كونه سنة هاهنا التدريج إلى بيان أحكامه، والتعرض لمذهب أبي حنيفة حيث قال: وهو واجب.
قال الكرجي: وروي عنه أنه فرض.
لنا ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "الوَتْرُ حَقٌّ مَسْنُونٌ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلاَثٍ فَلْيَفْعَل" 635 وروي أنه قال: "حَقٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ" 636.
ثم في الفصل ثلاث مسائل:
إحداها: يجوز أن يوتر بواحدة، وثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، أما الواحدة والثلاث والخمس؛ فلما روي عن أبي أيوب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أنْ يُوتِرَ بثَلاَثٍ فَلْيَفعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفعَلْ" 637 وأما السبع؛ فلما روي عن أبي أمامة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يُؤترُ بِسَبْعِ رَكَعَاتٍ" 638.
وأما التسع والإحدى عشرة؛ فلما روي عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أوْتِرُوا بِخَمْسٍ، أَوْ سَبْعٍ، أَوْ تِسْعٍ، أَوْ إِحْدَى عَشْرَةَ" 639.634
الجزء: 2 - الصفحة: 119
وأما الإيتار 640 بثلاث عشرة، فقد حكي في "النهاية" تردداً في ثبوت النقل فيه، والمذكور في الكتاب.
أن غاية ما نقل إحدى عشرة، وهو الذي ذكره الشيخ أبو حامد، والقاضي ابن كج، ومن تابعهما، قالوا: أكثر الوتر إحدى عشرة، وذكر صاحب "التهذيب"، وأخرون أن الغاية ثلاث عشرة ركعة، ورووا عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "لَمْ يَكُنْ يُوتِرُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلاَثَ عَشْرَةَ " 641. وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: "كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- يُوتِرُ بِثَلاَثِ عَشْرَةَ، فَلَمَّا كَبُرَ وَضَعُفَ أَوْتَرَ بِسَبْعٍ" 642.
وهل يجوز الزيادة على الغاية المنقولة، أما الإحدى عشرة، أو الثلاث عشرة فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن اختلاف فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه السُّنة يشعر بتفويض الأمر إلى [خيبرة] 643 المصلي، وأن له أن يزيد ما أمكنه.
وأظهرهما: أنه لا تجوز الزيادة، ولو فعل لم يصح وتره؛ اقتصاراً على ما ورد النقل به، كما لا تجوز الزيادة في ركعتي الفجر وسائر الرواتب 644.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ: الوتر ثلاث ركعات، بلا زيادة ولا نقصان.
وقال مَالِكٌ: أقل الوتر ثلاث ركعات، لكن أبا حنيفة يقول: هي بتسليمة واحدة كالمغرب، إلا أنه يجهر فيها جميعاً.
وقال مَالِكٌ: هي بتسليمتين لكن لا يتكلم بعد الكلام لولا يحتاج إلى تجديد النية للثالثة، وسلم أنه لو أحدث في الثالثة لم تبطل الركعتان.
قال: ولو كان مع الإمام أوتر بوتره، ولا يخالفه، وحكي في "البيان" عنه أن أقل
الجزء: 2 - الصفحة: 120
الوتر ركعة، وأقل الشفع ركعتان، وفي هذا المعنى كالأول، ونقل عنه أنه ليس للأكثر حد، وذكر بعضهم: أن الأكثر عنده ثلاث عشرة.
إذا عرفت ذلك فاعلم قوله: (من الواحدة) بالحاء والميم، وقوله: (إلى إحدى عشرة) بهما وبالواو، ثم في قوله: (وعدده من الواحدة إلى إحدى عشرة) استدراك لفظي من جهة الحساب، وهو أنه جعل الواحد من العدد، والحساب يمتنعون عن ذلك، ويجعلون الواحد أم العدد، ويقولون: العدد نصف حاشيته اللتين بعدهما منه سواء، وليس للواحد حاشيتان.
المسألة الثانية: إذا زاد على ركعة واحدة وأوتر بثلاث فصاعداً، فظاهر المذهب: أن له أن يتشهد في الركعة الأخيرة لا غير.
وله أن يتشهد في الركعتين الأخيرتين؛ لأن كل منهما منقول، وروي عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يُوتِرُ بِخَمْسٍ، وَلاَ يَجْلِسُ إِلاَّ فِي أُخْرَاهُنَّ" 645.
وروى عنها أيضاً: "أَنَّهُ أَوْتَرَ بِتِسْعٍ، لَمْ يَجْلِسْ إِلاَّ فِي الثَّامِنَةِ وَالتَّاسِعَةِ، وَبِسَبْع، لَمْ يَجْلِسْ بها إِلاَّ في السَّادِسَة وَالسَّابِعَةِ" 646.
وحكي في "النهاية" عن بعض التصانيف: أن من أصحابنا من لم ير الاقتصار في التشهد على الواحد مجزئاً، وحمل ما روي من التشهدين على ما إذا فَصَل بين الركعة الأخيرة وما قبلها بالسَّلاَمِ، ونقل بعضُهم عن "طريقة" القاضي الحُسَين، أن الوتر بثلاث كصلاة المَغْرِب بتشهدين وتسليمة لا يجوز، وربما يقول: تبطل صلاته؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يُوتِرُ بثَلاَثٍ لا يَجْلِسُ إِلاَّ فِي أُخْرَاهِنَّ" 647 وروي أنه قال: "لاَ تُوتِرُوا بِثَلاَثٍ فَتَشَبَّهُوا بِالْمَغْرِبَ" 648.
والظاهر الأول؛ وهو أنهما سائغان وهو الذي ذكره في الكتاب، ورد الخلاف إلى الأولى، ففي وجه الاقتصار على تشهد واحد أول؛ فَرْقاً بين صلاة المغرب والوتر إذا أوتر بثلاث، وهذا ما اختاره القاضي الروياني في الحلية، وفي وجه الإتيان بتشهدين أولى كيلا يخرج عن وضع سائر الصلوات، وقد أطلق كثيرون منهم صاحب "التهذيب": أنه إن شاء فعل هكذا، وإن شاء هكذا، ومطلق التخيير يقتضي التسوية بينهما.
وقوله في الكتاب: (وإذا زاد على واحدة) أي: ووصل وقوله: (والكلام في الأولى) ينبغي أن يعلم بالواو، لما حكينا من الوجهين، ولو زاد على تشهدين فجلس
الجزء: 2 - الصفحة: 121
في كل ركعتين، ولم يتحلل وجلس في الأخيرة أيضاً، لم يكن له ذلك، فإنه خلاف المنقول، وذكر في "التهذيب" وجهاً آخر: أن له ذلك، كما في النافلة الكثيرة الركعات:
المسألة الثالثة: الإيتار بثلاث مفصولة أفضل أم بثلاث موصولة؟ ففيه وجوه:
أظهرها -وهو الذي ذكره أصحابنا العراقيون والصيدلاني-: أن المفصولة أفضل، لما روي عن ابن عمر، وابن عباس -رضي الله عنهم- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "والْوَتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ" 649.
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَ الشَّفْعِ وَالْوَتْرِ 650، وَكَانَ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- يُسَلِّمُ، وَيأْمُرُ بَيْنَهُمَا بِحَوَائِجِهِ" 651.
والثاني: وبه قال أَبُو زَيْد، [ويحكى عن نصه في القديم-: أن الثلاث الموصولة أفضل، لأن العلماء اتفقوا على جوازها واختلفوا في إفراد الواحدة فالاحتراز عن الخلاف أولى.
والثالث-] 652 ونسبه الموفق ابن طاهر إلى الخضري، والشريف ناصر العمري 653 -رضي الله عنه- أن الثلاثة الموصولة أفضل؛ لأن العلماء اتفقوا على جوازها، واختلفوا في إفراد الواحدة، فكان الوصل أولى.
والثالث: ويحكى عن الشافعي، ونصه في القديم-: أنه إن كان منفرداً، فالفصل أفضل، وإن كان يصلي بقوم فالوصل أفضل؛ لأن الجماعة تنظم أصحاب المذاهب المختلفة، فالإيتار 654 بالمجمع عليه أولى، وعكس القاضي الروياني هذا فقال: أنا أصل إذا كنت منفرداً، وإذا كنت في الجماعة أفضل؛ كيلا يتوهم خلل فيما صار إليه الشافعي
الجزء: 2 - الصفحة: 122
-رضي الله عنه- وهو صحيح ثابت بلا شك، وهل الثَّلاثُ الموصولة أفْضَلُ من ركعة فردة لا شيء قبلها أم هي أفضل؟ فيه وجوه أيضاً:
أصحها -وبه قال القفال-: أن الثلاث أفضل؛ لزيادة العبادة.
والثاني: أن الركعة الفردة أفضل؛ لِمُوَاظَبَةِ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى الإيتَارِ 655 بِوَاحِدَةٍ، قال في "النهاية": وغلا هذا القائل فجعل الركعة الفردة أفضل من إحدى عشرة ركعة موصولة.
والثالث: الفرق بين المنفرد والإمام كما سبق.
قال الغزالي: وَمِنْ شَرْطِ الوَتْرَ أَنْ يُوتَرَ مَا قَبْلَهُ وَلاَ يَصِحُّ (ح) قَبْلَ الفَرْضِ، وَفِي صِحَّتِهِ بَعْدَ الفَرْضِ وَقَبْلَ النَّفْلِ وَجْهَانِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الوِتْرُ آخِرَ تَهَجُّدِهِ بِاللَّيْلِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الوِتْرُ هُوَ التَّهَجُّدَ.
قال الرافعي: ما سبق من المسائل في كيفية الوتر، وغرض هذا الفصل بيان وقته، وهو من حينِ يصلي العشاء إلى طلوع الفجر، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ اللهَ قَدْ أَمَدَّكُمْ بِصَلاَةٍ هِي خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ، الوَتْرُ جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ" 656.
فلو أوتر قبل صلاة العشاء لم يعتد به، سواء كان عامداً أو ساهياً، بأن ظن أنه صلى العشاء، أو صلى العشاء على ظن أنه متطهر، ثم أحدث وتوضأ وأوتر، ثم بأن له أنه كان محدثاً في فرض العشاء.
وعند أبي حنيفة: لو أوتر قبل العشاء سهواً اعتد به.
لنا: القياس على ما لو ظن دخول وقت الفريضة فصلَّى، ثم تبين أنه لم يدخل، وحكي في "النهاية" عن بعض أصحابنا: أنه يعتد بالوتر قبل العشاء، سواء كان عامداً، أو ساهياً.
وعند هذا القائل يدخل وقت الوتر بدخول وقت العشاء لا بفعل العشاء، وظاهر المذهب ما تقدم، ولو صَلَّى العشاء وأوتر بعدها بركعة فردة قبل أن ينتقل، ففيه وجهان حكاهما الشيخ أبو محمد وغيره.
أحدهما: لا يعتد به؛ لأن صفة الوتر أن يوتر ما تقدم عليه من السنن الواقعة بعد العشاء، فإذا لم يوجد غيره لم يكن موتراً.
الجزء: 2 - الصفحة: 123
وأظهرهما: أنه يعتد به؛ لما تقدم من الخبر، وما ادعاه الأول فلا نسلم أن صفة الوتر ذلك، بل يكفي كونه وتراً في نفسه، وعلى التسليم فإنه يوتر ما قبله من فريضة العشاء، فإذا قلنا: لا يعتد به وتراً فقد ذكر إمام الحرمين أنه تَطَوُّعٌ، وإن لم يكن الوتر المشروع، وهذا ينبغي أن يكون على الخلاف فيما إذا نوى الظهر قبل الزوال، هل يكون تطوعاً، أم يبطل من أصله.
واعلم أن المصنف قيد المسألتين في "الوسيط" أعني الإيتار قبل فرض العشاء وبعده بما إذا أوتر بركعة، وهذا القيد لا حاجة إليه في المسألة الأولى بل أطلق الأئمة المنع، وعليه يدل الخبر، وأما في المسألة الثانية فهو محتاج إليه؛ لأن الناقلين للوجهين إنما نقلوهما فيما إذا أوتر بركعة واحدة وليس بينهما وبين فرض العشاء شيء.
وقوله في الكتاب: (وفي صحته بركعة 657 بعد الفرض وقبل النقل وجهان) يحتاج إلى التقييد والإضمار.
معناه: وفي صحة الإيتار بركعة بعد الفرض وقبل أن يتنفل بشيء سواء كان راتبة العشاء، أو الشفع، أو صلاة الليل، والذي يسبق إلى الفهم من ظاهر اللفظ راتبة العشاء، ومطلق الوتر دون الإيتار بركعة.
وقوله: (من شروط الوتر أن يوتر ما قبله) يبين أنه لا بد من تقدم صلاة عليه، ثم هل يكفي تقدم الفرض؟ فيه الخلاف وقوله: (فلا يصح قبل الفرض) معلم بالحاء والواو؛ لما روينا.
وأما قوله: (ويستحب أن يكون الوتر آخر تهجده بالليل) ففي لفظ (التهجد) ما يغني عن قولهْ (بالليل)؛ لأن صلاة النهار لا تسمى تهجداً بحال، ثم فيه مباحثة، وهي أن التهجد يقع على الصلاة بعد الهجود، -وهو النوم- يقال تهجد: إذا ترك الهجود وأما الصلاة قبل النوم فلا تسمى تهجداً 658، وإذا كان كذلك فاللفظ لا يتعرض إلا لمن تهجد، فمتى يوتر من لا تهجد له، ثم لفظ الكتاب يقتضي تأخير المتهجد الوتر إلى أن يقوم ويصلّي، فَهَلْ هو كذلك أم لا؟ إن قلتم: لا.
فكيف يفعل أيوتر مرة قبل النوم، ومرة بعد ما نام وتهجد، وهذا خلاف ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ وِتْرَانِ فِي لَيْلةٍ" 659، أم يقتصر على ما قبل النَّوْمِ وحينئذٍ لا يكون الوتر آخر التهجد.
الجزء: 2 - الصفحة: 124
وإن قلتم: إنه يؤخر الوتر إلى أن يقوم ويصلي، كما يقتضي لفظ الكتاب، فهذا خلاف ما نقله في "الوسيط"؛ لأنه نقل الخبر المشهور أن أبا بكر -رضي الله عنه-: "كَانَ يُوتِرُ ثُمَّ يَنَامُ، ثُمَّ يَقُومُ وَيتَهَجَّدُ، وَأَنَّ عُمَرَ -رَضِيَ الله عَنْهُ- كَانَ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يُوتِرَ، ثُمَّ يَقُومُ، وَيُصَلِّي، وُيوتِرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- لِأَبي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ أَخَذَ بالْحَزْمِ، وَقَالَ لِعُمَرَ -رَضِيَ الله عَنْهُ- أَنَّهُ أَخَذَ بِالْقُوَّةِ" 660.
ثم ذكر أن الشافعي -رضي الله عنه- أختار فعل أبي بكر -رضي الله عنه- وكذلك نقل صاحب "النهاية"، والجواب أنه يستحب أن يكون الوتر آخر الصلاة بالليل، روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْراً" 661.
فإن كان الرجل ممن لا تهجد له فينبغي أن يوتر بعد فريضة العشاء وراتبتها، ويكون وتره آخر صلاته بالليل، وأما من له تهجد فقد ذكر أصحابنا العراقيون أن الأفضل له أن يؤخر الوتر، كما نقل عن فعل عمر -رضي الله عنه-، واحتجوا له بما روي عن جابر - رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ خَافَ مِنْكُمْ أَنْ لاَ يَسْتَيْقِظُ مِنْ آخِرَ اللَّيْل، فَلْيُوتِرْ مِنْ أوَّلِ اللَّيْلِ، وَمَنْ طَمِعَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَيقِظَ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلاةَ آخِرِ اللَّيلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ" 662. وهذا هو الموافق للفظ الكتاب، وأما ما نقله في "الوسيط" فيجوز أن يجمع بينهما بحمله على من لا يعتاد قيام الليل، فيقال: إن الأفضل له أن يقدم؛ لأنه من الانتباه على خطر ظاهر، ويجوز أن يقدر فيه اختلاف وجه أو قول، وبالجملة فالأمر فيه قريب، وكل سَائِغٌ، روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَأَوْسَطِهِ، وَآخِرِهِ، وَإِذَا أَوْتَرَ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، ثُمَّ قَامَ، وَتَهَجَّدَ لَمْ يُعِدِ الْوِتْرَ" 663. وكذلك روي عن فعل أبي بكر -رضي الله عنه-، ومن أصحابنا من قال: يصلي ركعة حتى يصير وتره شفعاً، ثم يتهجد ما شاء، ثم يوتر ثانياً، ويروى ذلك عن ابن عمر -رضي الله عنهما- يسمى ذلك نقض الوتر.
وأما قوله: (ويشبه أن يكون [الوتر هو التهجد)]، 664 فهذا قريب من لفظ الشافعي - رضي الله عنه- في "المختصر" و"الأم" قال الشارحون: معناه أن الله تعالى أمر نبيه -صلى الله عليه وسلم- بالتهجد، وأوجبه عليه فقال: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ 665 نَافِلَةً لَكَ﴾ وقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ 666
الجزء: 2 - الصفحة: 125
أي: زيادة لك وفضيلة لك، ويشبه أن يكون المراد من هذا الأمر الوتر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحيي اللَّيْلَ بوتره، وكان الوِتْرَ وَاجِباً عليه، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "كُتِبَ عَلَيَّ الْوِتْرُ، وَهُوَ لَكُمْ سُنَّةٌ، وَكُتِبَ عَلَيَّ رَكْعَتَا الضُّحَى، وَهُمَا لَكُمْ سُنَّةٌ" (1).
وهذا الذي ذكره يبين أنه ليس قوله: (ويشبه أن يكون الوتر هو التهجد) لحصر التهجد في الوتر، حتى يكون كل تهجد وتراً، وإنما الذي يلزم منه أن يكون كل وتر تهجداً مأموراً به، ويجوز أن يعلم ذلك بالواو؛ لأن القاضي الروياني حكى أن بعضهم قال: الوتر غير التهجد وأوّل كلام الشافعي -رضي الله عنه-.
واعلم أن حمل التهجد في الآية على الوتر مع ما سبق أن التهجد إنما يقع على الصلاة بعد النوم مقدمتان يلزم منهما اشتراط كون الوتر بعد النوم، ومعلوم أنه ليس كذلك، فليترك أحدى الدعوتين في الآية.
قال الغزالي: وَيُسْتَحَبُّ القُنُوتُ فِي النِّصْفِ الأخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ.
القول في قنوت رمضان
قال الرافعي: يعني: في الوتر، فإن أوتر بركعة قَنَتَ فيها، وإن زاد قَنَتَ في الركعة الأخيرة، وفي استحباب القنوت في الوتر فيما عدا النِّصْفِ الأخير من رمضان وجهان: أحدهما: أن الاستحباب يعم جميع السَّنةِ، وبه قال أَبُو عَبْدِ اللهِ الزُّبَيْرِيُّ -رضي الله عنه- وأبو الفضل بن عبدان 668، وأبو منصور بن مهران 669، وأبو الوليد النيسابوري 670 من أصحابنا -رحمهم الله-؛ لما روي: أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ إِذَا أَوْتَرَ قَنَتَ فِي الرَّكْعَةِ الأَخِيرَةِ" 671.667
الجزء: 2 - الصفحة: 126
وهذا مطلق، وبهذا قال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ.
وأظهرهما: وبه قال جمهور الأصْحَابِ: أن الاستحباب يختص بالنصف الأخير من رمضان؛ "لِأَنَّ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ فِي صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ، فَلَمْ يَقْنُتْ إِلاَّ فِي النِّصْفِ الثَّانِي، وَلَمْ يَبْدُ مِنْ أَحَدٍ إِنْكَارٌ عَلَيْهِ فَكَانَ ذلِكَ إِجْمَاعاً".
وعن عمر -رضي الله عنه- قال: "السُّنَّةُ إذَا انْتَصَفَ شَهْرُ رَمَضَانَ أَنْ يلْعَنَ الْكَفَرَةُ فِي الْوِتْرِ بَعدَمَا يَقُولُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ" 672. فعلى الوجه الأول، لو ترك القنوت سجد للسهو، كما في الصبح، وعلى الوجه الثاني المشهور لو تركه في النصف الأخير سجد لِلسَّهْوِ ولو قنت من غير النصف الأخير سهواً سجد للسهو 673 وذكر القاضي الروياني: أن كلام الشافعي -رضي الله عنه- يدل على كراهية القنوت في غير النصف الأخير، فضلاً عن نفي الاستحباب، ثم حكي عن بعض الأصحاب وجهاً متوسطاً، وهو أنه يجوز أن يقنت في جميع السَّنَةِ من غير كَرَاهِيَةٍ، لكن لو ترك لا يسجد للسَّهْوِ، بخلاف ما لو تركه في النِّصْفِ الأخير يَسْجُد.
قال: وهذا اختيار مشايخ طبرستان، واستحسنه، وأثبت ما روي عن مالك موافقة ظاهر مذهبنا، وروي عنه أنه يقنت في جميع شهر رمضان، وروي في جميع السَّنَةِ، وقد أعلم قوله: (في النصف الأخير) بالحاء والميم والألف؛ إشارة إلى مذاهبهم ثم لنا في موضع القنوت من الركعة وجهان:
أصحهما: ويحكى عن نصه في حرمله أنه بعد الركوع؛ لما روينا من حديث عمر -رضي الله عنه- وكما في الصبح، فإن ما قبل الركوع محل القراءة، والقنوت دعاء، فهو في موضع الدعاء، حيث يقول: سمع الله لمن حمده: أليق.
الثاني -وبه قال ابْنَ سُرَيْجٍ-: أنه يقنت قبل الركوع؛ لما روي عن أبي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَقْنُتُ قَبْلَ الرِّكُوعِ" 674.
وأيضاً فإن الفرق بين الفرض والنفل مقصوِد، كما أن خطبة الجمعة قبل الصلاة، وخطبة العيدين بعدها، وبهذا الوجه قال مَالِكَ وَأْبُو حَنِيفَة، وبالأول قالَ أَحْمَدُ، وحكي في "البيان" عن بعض متأخري الأصحاب: أنه يتخير بين التقديم والتأخير، وأنه إذا قدم
الجزء: 2 - الصفحة: 127
كبر بعد القراءة، ثم قنت، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ، وقال في "التتمة": إذا قلنا يقنت قبل الركوع، يبتدئ به بعد الفراغ من القراءة من غير تكبير، وبه قالَ مَالِكٌ.
والقنوت: هو الدعاء الذي ذكرناه عن رواية الحسن بن علي -رضي الله عنهما- في "باب صفة الصلاة" واستحب الأئمة، منهم صاحب "التلخيص" أن يضيف إليه ما روي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قنت به وهو: "اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغفِرُكَ، وَنسْتَهْدِيكَ وَنُؤْمِنُ بِكَ، وَنَتَوَكَّلُ عَلَيْكَ، وَنُثْنِي عَلَيْكَ الْخَيْرَ كُلَّه، نَشْكُرُكَ وَلاَ نَكْفُرُكَ، وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَفْجُركَ اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُد، وإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفَدُ، نَرْجُوا رَحْمَتَكَ، وَنَخْشَى عَذَابَكً، إِنَّ عَذَابَكَ الْجَدُّ بالْكُفَّارِ مُلْحَقٌ" ثُمَّ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اهْدِنَا" إلى آخره، هكذا ذكره القاضي الروياني، وعليه العمل، ونقل في "البيان" عن القاضي أبو الطيب أنه قال: كان شيوخنا يدعون بقنوت عمر -رضي الله عنه- بعد الكلمات التي رواها الحسن -رضي الله عنه-، فعكس الترتيب وزاد هو وغيره في المنقول عن عمر -رضي الله عنه- "اللَّهُمَّ عَذِّبْ كَفَرَةَ أَهْلِ الْكِتَاب، الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبيلِكَ، وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقَاتِلُونَ أَوْلِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ، وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَاصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِهِمْ، وألِّفْ بَيْنَ قلُوبِهِمْ، وَاجْعَلْ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَان وَالْحِكْمَةَ، وَثَبِّتْهُمْ عَلَى مِلَّةِ رَسُولِكَ، وَأَوْزِعْهُمْ أَنْ يُوفُوا بِعَهْدِكَ الَّذي عَاهَدْتَهُمْ عَلَيْهِ، وَانْصُرهُمْ عَلَى عَدُوِّكَ، وَعَدُوِّهِمْ إِلهَ الْحَقِّ، وَاجْعَلْنَا مِنْهُمْ"، ونقل القاضي الروياني عن ابن القاص: أنه يزيد في آخر القنوت: "رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا" إلى آخر السورة واستحسنه 675 ثم حكمه في الجهر، ورفع اليدين، وغيرهما على ما سبق في الصُّبْح.
ويستحب إذا أوتر بثلاث أن يقرأ بعد الفاتحة في الركعة الأولى:: ﴿سَبِّحْ﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَالمُعَوِّذَتَين، رُوِي ذلِكَ عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- عَنْ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- 676 وبه قَالَ مَالِكُ.
وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يقتصر على "الإخلاص" في الثالثة.
وقال الكرخي في "مختصره": ليس في الوتر قراءة سورة معلومة، ولكن يقرأ في الأولى بقدر: ﴿سَبِّحْ﴾، وفي الثانية بقدر: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثالثة بقدر: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
قال الغزالي: الْفَصْلُ الثَّانِي، فِي غَيْرِ الرَّوَاتِبِ وَمَا شُرِعَتِ الجَمَاعَةُ فِيهَا كالعِيدَيْنِ وَالخُسُوفَيْنِ وَالاِسْتِسْقَاءِ فَهِيَ أَفْضَلُ مِنَ الرَّوَاتِبِ وَمِنْ صَلاَةِ الضُّحَى وَرَكْعَتَي التَّحِيَّةِ
الجزء: 2 - الصفحة: 128
وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ، ثُمَّ أَفْضَلُهَا صَلاَةُ العِيدَيْنِ، ثُمَّ الخُسُوفَيْنِ، وَأَفْضَلُ الرَّوَاِتبِ الوِتْرُ وَرَكْعَتَا الفَجْرِ، وَفِيهِمَا قَوْلاَنِ.
القول في النوافل التي تسن فيها الجماعة
قال الرافعي: النوافل، على ما قدمناه قسمان:
نوافل: تسن فيها الجماعة، ونوافل: لا تسن فيها الجماعة.
والتي تسن فيها الجماعة أفضل؛ لأن استحباب الجماعة فيها وتشبيهها فيه بالفرائض يدل على تأكد أمرها، وصلاة العيدين والكسوفين والاستسقاء كلها من هذا القسم، وأفضلها صلاة العيدين؛ لأن لها وقتاً زمانياً كالفرائض وتليها صلاة الكسوفين؛ لأنه يخاف فوتهما كما يخاف فوت المؤقتات بالزمان؛ ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "رُبَّمَا اسْتَسْقَى وَرُبَّمَا تَرَكَ، وَلَمْ يَتْرِكِ الصَّلاَةَ عِنْدَ الخُسُوفِ بِحَالِ" 677.
ثم كلام الأئمة يشعر بحصر ما تسن فيه الجماعة في هذه الصلوات الخمس، وربما صرحوا بذلك، ولفظ الكتاب وهو قوله: (كالعيدين والكسوفين) لا يوجب الحصر، وإنما يفيد التمثيل، وهذا أولى؛ لأن التراويح خارجة عن الخمس، والجماعة مستحبة فيها على الأصح، كما سيأتي ولك أن تبحث هاهنا، فنقول: لفظ الكتاب يقتضي أن تكون التراويح أفضل من الرَّوَاتِبِ؛ لأن الجماعة مَشْرُوعَة في التراويح، وقد حكم بأن ما شرع فيه الجماعة أفضل، فهل هو كذلك؟ أما لا؟
والجواب: أن إمام الحرمين قال: من أئمتنا من سبب تفضيلها على الرواتب إذا قلنا باستحباب الجماعة فيها؛ لأن الجماعة أقوى معتبر في التفضيل، قال: والأصح أن الرواتب أفضل منها، وإن شرعنا فيها الجماعة، وهذا هو الذي ذكره في "العدة" ووجهه بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "لم يداوم على التراويح، وداوم على السُّنَنِ الرَّاتِبَةِ"، وعلى هذا، فالقول بأن ما شرع فيه الجماعة أفضل غير مجرى على إطلاقه، بل صلاة التراويح مستثناة منه.
وأما القسم الثاني: وهو ما لا تشرع فيه الجماعة، فينقسم إلى ما يتعلق بوقت أو فعل، وإلى التطوع المطلق.
والأول أنواع:
منها الرواتب، كما عددناها، ومنها: صلاة الضحى: عن أبي الدَّرْدَاء قال: "أَوْصَانِي خَلِيلِي -صلى الله عليه وسلم- بِثَلاَثٍ لاَ أَدَعَهُنَّ بِشَيءٍ، أَوْصَانِي بِصِيَامٍ ثَلاثةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَلاَ
الجزء: 2 - الصفحة: 129
أَنَامَ إِلاَّ عَلَى وَتْرٍ، وَسُبحَةِ الضُّحَى، فِي الْحَضَرِ والسَّفَرِ" 678.
وأقلها ركعتان، والأفضل أن يصلي ثَمَانِي ركعات، وأكثرها اثنتي عشرة، ذكره القاضي الروياني، وورد في الأخبار، ويسلم من كل ركعتين، روي عن أم هانئ -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "صَلَّى يَوْمَ الْفَتْحِ سُبْحَةَ الضُّحَى، ثَمَانِي رَكَعَاتٍ، يُسَلِّمْ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ" 679 ووقتها: من حين ترتفع الشمس إلى وقت الاستسواء 680.
ومنها: تحية المسجد، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ، فَلاَ يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ" 681 ولو صلى الداخل فريضة، أو وِرْداً، أو سُّنة، ونوى التحية أيضاً حصلا، كما لو كبر وقصد إعلام الناس، ولو لم ينو التحية حصلت أيضاً، كذلك ذكره صاحب "التهذيب"، وغيره، ويجوز أن يطرد فيه الخلاف المذكور فيما إذا نوى غسل الجنابة هل يجزئه عن العيد والجمعة إذ لم ينوهما؟ ولو صلَّى الدَّاخِلُ على جنازة أو سجد لتلاوة، أو شكْر لم تحصل تحية المسجد 682 قاله في "التهذيب" ويدل عليه الخبر الذي سبق، فإنه لم يركع ركعتين.
وقضية الخبر أن لا تحصل التحية بركعة واحدة أيضاً، وفيها جميعاً وجه آخر.
ومنها: ركعتا الإحرام.
الجزء: 2 - الصفحة: 130
ومنها: ركعتا 683 الطواف إذا لم توجبهما، وسيأتي ذكرهما في موضعهما.
إذا عرفت ذلك فأوكد ما لا تسن له الجماعة السنن الرواتب؛ لمداومة الرسول -صلى الله عليه وسلم- عليها، وكثرة الترغيبات فيها، وأفضل الرواتب الوتر وركعتا الفجر؛ لأن الأخبار فيهما أكثر، وأيهما أفضل فيه؟ قولان:
القديم: أن ركعتي الفجر أفضل، وبه قال أَحْمَدُ؛ لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِل [أَكْثَر] 684 تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ" 685.
وروي أنه قال: "رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنيَا وَمَا فِيهَا" 686 وعلى هذا فيليهما في الفضيلة الوتر.
والجديد: الأصح أن الوتر آكد، وبه قال مالك؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا" 687.
ولأن الوتر مختلف في وجوبه، ولا خلاف في أن ركعتي الفجر سُنَّة 688 وعلى هذا فما الذي يلي الوتر في الفضيلة؟
الجزء: 2 - الصفحة: 131
قال جمهور الأصحاب: يليه ركعتَا الفَجْرِ.
وعن أبي إسحاق "أن صلاة الليل تتقدم عليهما" ونقل في "البيان" عن بعض الأصحاب أن الوتر وركعتي الفجر يستويان في الفضيلة.
ثم بعد السنن الرواتب الأفضل من الصلوات المذكورة صلاة الضحى، ثم ما يتعلق بفعل [كركعتي الطواف] 689، وركعتي الإحرام، وركعتي التحية.
وقوله في الكتاب: (وركعتي الطواف) معلم بالواو؛ للقول الصائر إلى وجوبها، فإن شيئاً من النوافل على ذلك القول لا يكون أفضل منهما.
وقوله: (ثم أفضلها صلاة العيدين) يجوز أن ترجع الكناية إلى النوافل التي شرعت فيها الجماعة، ويجوز أن ترجع إلى النوافل المذكورة كلها، والقول في أن أفضل الرواتب ماذا؟ وأن ركعتي الفجر أفضل أم الوتر؟ كالدخيل في هذا الفصل؛ لأنه ترجمة بغير الرواتب، ولو ذكره في الفصل الأول لكان أحسن، ولعلك تقول: نظم الكتاب يقتضي ألا تكون الجماعة مشروعة في الوتر أيضاً؛ لأنه حكم بأن ما شرع فيه الجماعة أفضل من الرواتب، فيلزم أن لا تكون الجماعة مشروعة في الرواتب، والوتر معدود من الرواتب، فهل هو كذلك أم لا؟ فالجواب: أنا إذا أستحببنا الجماعة في التراويح نستحبها في الوتر أيضاً، وأما في غير رمضان فالمشهور أنه لا تستحب فيه الجماعة؟ وبه قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ؛ وأطلق أبو الفضل بن عبدان حكاية وجهين في اسْتِحبَاب الجماعة في الوِتْرِ.
إذا عرفت ذلك فكلام الكتاب مبني على الأكثر، وهو ما سوى رمضان -والله أعلم-.
قال الغزالي: ويُسْتَحَبُّ الجَمَاعَةُ فِي التَّرَاوِيحِ تأسِّياً بِعُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُ: وَقِيلَ: الانْفِرَادُ بِهِ أَوْلى لِبُعْدِهِ عَنِ الرِّيَاءِ.
= الوتر كما اختلف في وجوبه، والذي اختلف في وجوبه ليس هو الأقل ولا أكثر فإن أبا حنيفة هو القائل بوجوبه وهو عنده ثلاث ركعات لا يجوز الزيادة عليها ولا النقصان عنها ثم رفع لي أنه لو كان الأمر كذلك لاختص محله بالثلاثة الموصولة كما صار إليه أبو حنيفة وهو لا يختص فيظهر من ذلك أن المراد من ذلك مقابلة الجنس بالجنس ولا يبعد أن يجعل الشرع العدد القليل أفضل من العدد الكثير مع اتحاد النوع دليله القصر في السفر.
الجزء: 2 - الصفحة: 132
القول في أحكام صلاة التراويح
قال الرافعي: صلاة التراويح عشرون ركعة بعشر تسليمات.
وبه قال أبو حنيفة، وأحمد؛ لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "صَلَّى بالنَّاسِ عِشْرِينَ رَكْعَةٌ لَيْلَتَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ اجْتَمَعَ النَّاسُ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، ثمَّ قَالَ مِنَ الْغَدِ: "خَشِيتُ أَنْ تُفرَضَ عَلَيْكُمْ فَلاَ تَطِيقُونَهَا" 690.
وعن مالك: أنها ست وثلاثون ركعة لفعل أهل المدينة.
قال العلماء: وسبب فعلهم أن الركعات العشرين خمس ترويحات، كل ترويحة أربع ركعات، وكان أهل مكة يطوفون بين كل ترويحتين سبعة أشواط، ويصلون ركعتي الطواف أفراداً، وكانوا لا يفعلون ذلك بين الفريضة والتراويح، ولا بين التراويح والوتر، فأراد أهل المدينة أن يساورهم في الفضيلة، فجعلوا مكان كل أسبوع من الطواف ترويحة، فحصل أربع ترويحات وهي ست عشرة ركعة تنضم إلى العشرين، والوتر ثلاث ركعات، تكون الجملة تسعاً وثلاثين؛ فلذلك قال الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه-: ورأيتهم بالمدينة يقولون: بتسع وثلاثين.
قال أصحابنا: لغير أهل المدينة ذلك؟ لشرفهم بمهاجرة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقبره، ثم الأفضل في التراويح الجماعة أو الانفراد؟ فيه وجهان، ومنهم من يقول قولان.
أحدهما: أن الانفراد بها أفضل، ويروى هذا عن مالك -رضي الله عنه- لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "خَرَجَ لَيَالِيَ مِنْ رَمَضَانَ، وَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ لَمْ يَخْرُجْ بَاقِيَ الشَّهْرِ، وَقَالَ: صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلاَةِ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلاَّ الْمَكْتُوبَةَ" 691. ولأن الاستخلاء بالنوافل أبعد عن الرياء.
وأصحهما: أن الجماعة أفضل؛ لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَابِ -رضي الله عنه- جَمَعَ النَّاسَ علي أُبيَّ بْنِ كَعْبٍ -رضي الله عنه- 692 وَوَافَقَهُ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا تَرَكَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- الْخُرُوج؟ خَشْيَةِ الافْتِرَاضِ"، وبهذا قال ابْنُ سُرَيْجٍ، وأبو إسحاق والأكثرون، ثم ذكر أصحابنا العراقيون، والصيدلاني وغيرهم؛ أن الخلاف فيما إذا كان الرجل يحفظ القرآن ولا يخاف النوم والكسل، ولا تختل الجماعة في المسجد بتخلفه، فأما إذا لم يحفظ أو خاف ذلك فالجماعة أولى لا محالة.
الجزء: 2 - الصفحة: 133
وأطلق آخرون ثلاثة أوجه في المسألة، منهم القاضي ابن كج وإمام الحرمين.
أحدها: أن الانفراد أفضل على الإطلاق.
والثاني: أن الجماعة أفضل.
والثالث: إن كان حافظاً للقرآن آمِناً من الكل ولم تختل الجماعة لتخلفه، فالأفضل أن ينفرد، وإلا فلا، ويحكى هذا عن ابن أبي هريرة، وإنما يدخل وقت التراويح بالفراغ من صلاة العشاء، كما ذكرنا في الوتر.
قال الغزالي: ثُمَّ التَّطَوُّعَاتُ لاَ حَصْرَ لَهَا، فَإِنْ تَحَرَّمَ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ جَازَ لَهُ أَنْ يُتِمَّهَا عَشْراً فَصَاعِداً، وَإِنْ تَحَرَّمَ بِعَشْرِ جَازَ لَهُ الاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدَةٍ، وَلَهُ أَنْ يَتَشَهَّدَ بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ أَوْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ إِنْ شَاءَ، وَالأَحَبُّ مَثْنًى مَثْنًى.
قال الرافعي: التطوعات التي لا تتعلق بسبب، ولا وقت، لا حصر لأعدادها، ولا الركعات الواحدة منها.
"وَالصَّلاَةُ خَيْرُ مَوْضُوع، فَمَنْ شَاءَ اسْتَقَلَّ وَمَنْ شَاءَ اسْتَكْثَرَ"، هذا لفظ الخبر المشهور عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 693، ثم إذا شرع في تطوع فإن لم ينو شيئاً، فله أن يسلم من ركعة، وله أن يسلم من ركعتين فصاعداً، روي أن عمر - رضي الله عنه- "مَرَّ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى رَكْعَةً، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا صَلَّيْتُ وَاحِدَةً فَقَالَ: إِنَّمَا هِي تَطَوُّعٌ، وَمَنْ شَاءَ زَادَ، وَمَنْ شَاءَ نَقَصَ" 694.
وحكى الأصحاب عن نصفه في "الإملاء": أنه لو صلَّى من غير إحصاءٍ، ثم سلم وهو لا يدري كما صلى أجزأه.
وقال بعض السلف الذي صليت له يعلم كم صليت؟ وإن نوى ركعة، أو عدداً قليلاً، أو كثيراً، فله ذلك، هذا هو المشهور، وحكي في "البيان" عن المسعودي: أن له أن يصلي ثلاث عشرة ركعة بتسليمة واحدة، وهل له أن يزيد؟ فيه وجهان؛ ثم إذا نوى عددًا فله أن يزيد وله أن ينقص حتى لو تحرم بركعة، فله أن يجعلها عشرة فصاعداً، أو بعشرٍ فله أن يقتصر على واحدة ولكن بشرط أن يغير النية قبل الزيادة والنقصان، فلو زاد أو نقص قبل تغيير النية بطلت صلاته.
مثاله: نوى أن يصلي ركعتين ثم قام إلى الثالثة بعد ما نوى الزِّيادة جاز، ولو قام قبلها عمداً بطلت صلاته، ولو قام سهواً عاد، وسجد للسهو وسلم، فلو بدا له بعد
الجزء: 2 - الصفحة: 134
القيام أن يزيد فهل يجب العود إلى القعود ثم القيام منه أم له المضي؟ فيه وجهان:
أصحهما: أولهما، ثم يسجد للسهو في آخر صلاته.
ولو زاد ركعتين سهواً، ثم نوى إكمال أربع صلى ركعتين أخريين، وما سها به لا يحسب.
ولو نوى أن يصلي أربعاً، ثم غير نيته وسلم عن ركعتين جاز، ولو سلم قبل تغيير النية عمداً بطلت صلاته، ولو سلم سَاهِياً أتم أربعاً، وسجد لِلسَّهْوِ، فلو زاد أربعاً وأراد بعد السلام ساهياً أن يقتصر سجد للسهو، وسلم ثانياً، فإن سلامه الأول غير محسوب، ثم إن تطوع بركعة فلا بد من التَّشَهُّدِ فيها، وإن زاد فله أن يقتصر على تشهدٍ واحدٍ في آخر الصلاة، وهو تشهد الركن، وله أن يتشهد في كل اثنتين، كما في الفرائض الرباعية، فلو كان العدد وتراً فلا بد من التشهد في الأخيرة أيضاً، وهل له أن يتشهد في كل ركعة؟ قال إمام الحرمين: فيه احتمال؛ لأنا لا نجد في الفرائض صلاة على هذه الصورة، لكن الأظهر الجواز؛ لأن له أن يصلي ركعة فردة، ويتحلل عنها، وإذا جاز له ذلك جاز له القيام منها إلى أخرى، وهذا ما ذكره المصنف، وسوغ له الأمور الثلاثة في "الوسيط" وأقتصر هاهنا في الأمر الثاني والثالث.
واعلم أن تجويز التشهد في كل ركعة لم يرد له ذكر إلا في "النهاية" وفي كتب المصنف، وأما الاقتصار على تشهد واحد في آخر الصَّلاَة فلا يكون فيه خلاف؛ لأنه لو اقتصر في الفرائض عليه لجاز أيضاً، وأما التشهد في كل اثنتين، وقد ذكره العراقيون من أصحابنا، وغيرهم وقالوا: إنه الأولى وإن جاز الاقتصار على واحد، وذكر في [النهاية] 695 شيئاً آخر، وهو أنه لا تجوز الزيادة على تشهدين بحال، ثم إن كان العدد شفعاً فلا يجوز أن يجعل بين التشهدين أكثر من ركعتين وإن كان وتراً فلا يجوز أن يجعل بينهما أكثر من ركعة تشبهاً في القسمين بالفرائض.
مثاله: إذا صلى ستًّا يتشهد في الركعة الرابعة والسادسة، وإذا صلى سبعاً يتشهد في السادسة والسابعة، وإلى هذا مال المستمدون من كلام المراوزة، ومنهم صاحب "التهذيب" وظاهر "المذهب" الزيادة على تشهدين، ثم قال في "التهذيب": إن صلى بتشهد واحد قرأ السورة بعد الفاتحة في الركعات كلَّها، وإن صلى بتشهدين هل يقرأ على القولين المذكورين في الفرائض؟ والأحب أن يسلم المتطوع من كل ركعتين على مثال الرواتب، سواء كان بالليل أو بالنهار، لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما-
الجزء: 2 - الصفحة: 135
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "صَلاَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى" 696، وبهذا قال مَالِكٌ وأَحْمَدُ -رحمهما الله- ونعود بعد هذا إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب وبيان موضع العلامات.
قوله: (ثم التطوعات لا حصر لها)، أراد بالتطوع هاهنا ما ينشئه الإنسان باختياره، ولا يتعلق بوقت ولا سبب، لأنه أراد بقوله: (لا حصر لها) أنه لا حصر لركعاتها على ما صرح به في "الوسيط"، والظاهر أن هذا حكم منه على كل واحد منها، وفي أول الباب أراد بالتطوع مطلق النافلة، كما سبق بيانه.
وينبغي أن يعلم قوله: (لا حصر لها) بالحاء، لأن عند أبي حنيفة يكره في نوافل النهار أن تزاد على أربعة ركعات بتسليمة واحدة، وفي نوافل الليل أن تزاد على ثمان ركعات، وذكر صاحب "البيان" أنه يحكم بالبطلان لو زاد على العددين، والأحب عنده في نوافل النهار أن تكون أربعاً، حتى في الرواتب سوى ركعتي الفجر، وفي نوافل الليل يصلي بتسليمة واحدة ثمان ركعات، أو ستاً أو أربعاً، أو ركعتين، ولا فضل لبعضها على بعض، ويجوز أن يعلم بالواو أيضاً لما سبق حكايته عن المسعودي، ويجوز أن يعلم قولة: (أن يتمها عشراً) بالحاء أيضاً، إذ لا مزيد عنده على ثمان ركعات.
وقوله: (جاز له الأقتصار على واحدة) معلم بالميم؛ لأن عنده الشروع في التطوع ملزم، إلا أن يكون هناك عذر، وبالحاء لأمرين:
أحدهما: أن الشروع يلزم عليه ركعتين.
والثاني: أن الركعة الفردة ليست بصلاة عنده، وعندنا هي صلاة؛ لما سبق، ولو نوى صلاة تطوع ولم ينو واحدة ولا عدداً، فهل يجوز الاقتصار على واحدة؟ حكى في "التتمة" فيه وجهين مبنيين على ما لو نذر صلاة مطلقة، هل يخرج عن العهدة بركعة أم لا بد من ركعتين؟ وينبغي أن يقطع بجواز الاقتصار على واحدة 697؛ لأنه وإن نوى ركعتين فصاعداً لا يجوز له الاقتصار على واحدة، فعند الإطلاق أولى أن يجوز.
وقوله: (وله أن يتشهد بين كل ركعتين) ينبغي أن يعلم بالواو، لأمرين:
أحدهما: أن صاحب "البيان" حكى وجهاً: أنه لا يجلس إلا في الأخيرة.
والثاني: أنا حكينا عن بعض الأصحاب أنه لا يزيد على تشهدين وإن كثرت الركعات، وذلك القائل لا يُجَوِّزُ التشهد بين كل ركعتين.
الجزء: 2 - الصفحة: 136
وقوله: (أو في كل ركعة) اعلم بالحاء، لأنه يقول: بتشهدٍ بين كل ركعتين وبالواو لأن كثيراً من الأصحاب قالوا: إنه بالخيار بين أن يصلي بتشهد واحد وبين أن يتشهد بين كل ركعتين 698 والتخيير بين الشيئين ينفي التمكن من شيء ثالث.
وقوله: (والأحب مثنى مثنى) معلم بالحاء لما سبق.
قال الغزالي: وَأَظْهَرُ الأَقْوَالِ أَنَّ النَّوَافِلِ المُؤَقَّتَةَ تُقْضَى (ح م) كَمَا تُقْضَى الفَرَائِضُ، وَرَكْعَتَا الصُّبْحِ بَعْدَ فَرْضِ الصُّبْحِ أَدَاءٌ بِقَضَاءٍ.
قال الرافعي: غرض الفصل يتضح برسم مسألتين.
أحدهما: في وقت الرواتب وهي ضربان:
أحدهما: الرواتب التي تسبق الفرائض ويبقى وقت جوازها ما بقي وقت الفريضة، ووقت اختيارها ما قبل الفريضة.
مثاله: ركعتا الفجر يدخل وقتهما بطلوع الفجر، ويبقى إلى طلوع الشمس، والاختيار تقديمها على صلاة الفجر، وحكى جماعة منهم صاحب "البيان" أن وقت ركعتي الفجر يبقى إلى الزوال ويكون أداء، وإن خرج وقت الفريضة.
والضرب الثاني: الرواتب المتأخرة عن الفرائض فيدخل وقتها بفعل الفرائض، لا بدخول وقتها كما ذكرنا في الوتر، وآخر وقتها يخرج بخروج وقت الفرائض، كما في الضرب الأول؛ لأنها تابعة للفرائض، وحكي في "التتمة" في الوِتْرِ قولاً آخر: أن وقت الوتر يبقى إلى أن يصلي الصبح، ولا يخرج بطلوع الفجر؛ لظاهر ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "صَلُّوهَا مَا بَيْنَ الْعِشَاءِ إِلَى صَلاَةِ الصُّبْحِ" 699.
وهذا يشبه خلافاً سيأتي ذكره في المسألة الأخرى.
المسألة الثانية: النوافل تنقسم إلى ما لا يتأقت، وإنما يفعل لسبب عارض - وإلى ما يتأقت.
والأول: لا مدخل للقضاء فيه، وهو كصلاتي "الخسوف" و"الاستسقاء" وتحية المسجد.
والثاني: "كصلاتي العيد" و"صلاتي الضحى"، والرواتب التابعة للفرائض في قضائها إذا فاتت قولان مشهوران:
الجزء: 2 - الصفحة: 137
أصحهما، وبه قال أَحْمَدٌ: أنها تقضى لمطلق قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" 700 ولأنها صلاة راتبة بوقت فتستدرك إذا فاتته كالفرائض.
والثاني، وبه قال مالِكٌ: أنها لا تقضى كصلاة الخسوف ونحوها، وهذا لأن الأصل أن لا تقضى وظيفة مؤقتة أصلاً لاقتضاء صيغة التأقيت اشتراط الوقت في الاعتداد بها، لكن خالفنا في الفرئض لأوامر مجردة وردت فيها لتأكدها.
وعن أبي حنيفة: إن فاتت الرواتب مع الفرائض قضيت معها، وإن فاتت وحدها فلا تقضى، ونقل بعض أصحابنا عن مذهب: أنه لا يقضي منها إلا ركعتا الفجر، إذا فاتت مع الفرض، وحكي في "النهاية" قولاً ثالثاً: وهو أن ما أستقل منها، ولم يتبع غيره "كصلاة العيدين" وصلاة "الضحى" يقضي لمشابهتها الفرائض في الاستقلال، وما كان تابعاً لغيره كالرواتب لا يقضى، فهذه هي الأقوال التي ذكرها في الكتاب وإنما قيد "بالمؤقتة" ليخرج القسم الأول، فإنها لا تقضى بلا خلاف.
التفريع: إن قلنا: إنها لا تقضى فلا كلام، وإن قلنا: تقضى فهل تقضى أبداً؟ فيه قولان:
أصحهما: وهو اختيار المزني -رحمه الله عليه- نعم كالفرائض لما قضيت جاز قضاؤها أبداً.
وقوله في الكتاب: (كما تقضى الفرائض) يمكن حمله على التشبيه في كيفية القضاء، أي كما تقضى الفرائض أبداً، كذلك هذه، لكنه ما أراد ذلك، وإنما أراد قياس أصل القضاء على الفرائض، وذلك بَيِّنٌ في عبارة "الوسيط".
والقول الثاني: أنها لا تقضى أبداً، وعلى هذا إلى متى تقضى؟ أما صلاة العيد ففيها تفصيل وخلاف مذكور في الكتاب، في باب صلاة العيدين، وأما الرواتب ففيها قولان:
أحدها: أنه لا تقضى كالوتر بعد صلاة الصبح، ولا ركعتا الفجر بعد صلاة الظهر.
قال إمام الحرمين: وعلى هذا النسق سائر التوابع؛ لأنه إذا استفتح فريضة أخرى، انقطع حكم التبعية عن الصلاة السابقة، وحكي على هذا القول وجهاً آخر أن الاعتبار بدخول وقت الصلاة المستقبلة لا بفعلها، فعلى هذا تقضى ركعتا الفجر ما لم تزل الشمس، فإن زالت فلا.
الجزء: 2 - الصفحة: 138
والقول الثاني -وقد نقله المسعودي عن القديم-: أنه ما كان من صلاة النهار يقضى ما لم تغرب الشمس، وما كان من صلاة الليل يقضى ما لم يطلع الفجر، فعلى هذا تقضى ركعتا الفجر ما دام النَّهَار باقياً.
وقوله في الكتاب: (وركعتا الصبح بعد فرض الصبح أداء وليس بقضاء)، قصد به بيان أن تأخير ركعتي الصبح إلى ما بعد الفريضة لا يوجب فواتهما [فلا يجري] 701 فيه الخلاف المذكور في القضاء، وتقديمها مستحب لا مستحق، وقد يؤمر بالتأخير بسبب يعرض كمن دخل المسجد والإمام يصلي الصبح، فينبغي أن يقتدي به، ثم بعد الفراغ [يشتغل بركعتي السُّنَّة.
وعن أبي حنيفة أنه لو علم أنه يدرك ركعة من الفريضة بعد الفراغ] 702 من السُّنَّةِ تُقَدَّمُ السُّنَّةُ.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَلاَ صَلاةَ إِلاَّ المَكْتُوبَةُ" 703 ثم في معنى ركعتي الصبح سائر التَّوابع المقدمة على الفرائض، وذكرهما جرى على سبيل ضرب المثال، وأراد بقوله: (بعد فرض الصبح) ما لم تطلع الشمس، وقد حكينا من قبل وجهاً أن وقتها يمتد إلى الزوال لكنه ما أراد بذلك، فإن المذهب الظاهر خلافه 704.
الجزء: 2 - الصفحة: 139