كِتَابُ الشَّرِكَةِ
(1) قال الغزالي: شَرِكَةُ العِنَانِ مُعَامَلَةً صَحِيحَةً، وَأَرْكَانُهَا ثَلاَثة
ٌ: الأَوَّلُ: العَاقِدَانِ
وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا إِلَّا أَهْلِيَّةُ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ، فإن كُلَّ وَاحِدٍ مُتَصَرِّفٌ فِي مَالِ نَفْسِهِ وَمَالِ صَاحِبِهِ بِإذْنِهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ -تَعَالَى-: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنهِمَا" 2 يعني: أن البركة تنزع من مَالَيْهِمَا.
وروى "أَنَّ السَّائِبَ -رضي الله عنه- كَانَ شَرِيكَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَبْلَ الْمَبْعَثِ، وَافْتَخَرَ بِشَرِكَتِهِ بَعْدَ الْمَبْعَثِ، فَلَمْ يُنْكِرْ 3 عَلَيْهِ وَأَنَّ البَرَاءَ ابْنَ عَازِبٍ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ كَانَا شَرِيكَينِ" 4.1 وسرقة، وحكى مكي لغة ثالثة: شَرْكَة بوزن تمرة، وحكى ابن سيده: شركته في الأمر وأشركته.
وقال الجوهري: وشَرَكْتُ فلاناً: صرت شريكه، واشْتَركْنا، وتَشَاركْنا في كذا، أي: صرنا فيه شركاء.
والشِّرك بوزن العلم: الاشراك، والنصيب.
انظر: الصحاح 4/ 1593، ومعجم مقاييس اللغة 3/ 265، المصباح المنير 1/ 474، والنهاية في غريب الحديث 2/ 466. اصطلاحاً: عرفها الحنفية بأنها: عبارة عن اختلاط النصيبين فصاعداً بحيث لا يعرف أحد النصيبين من الآخر.
عرفها الشافعية بأنها: هي ثبوت الحق في شيء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع.
عرفها المالكية بأنها: اذن كل واحد من الشريكين لصاحبه في التصرف في ماله أو ببدنه لهما.
عرفها الحنابلة بأنها: نوعان: اجتماع في استحقاق أوفى تصرف، والنوع الأول: شركة في المال، والنوع الثاني: شركة عقود.
انظر: تبيين الحقائق 3/ 313، شرح فتح القدير 6/ 152، حاشية ابن عابدين 3/ 932، والمبسوط، 11/ 151، مغنى المحتاج 2/ 211، مواهب الجليل 5/ 117، الكافي 2/ 780، كشاف القناع 3/ 496، المغنى 5/ 1.
الجزء: 5 - الصفحة: 185
واعلم أن كل حق ثابت بين شخصين فَصَاعِداً على الشيوع يقال: إنه مُشْتَركٌ بينهم، وذلك ينقسم إلى ما لا يتعلق، بِمَالِ كالقصاص وَحَدِّ القَذْفِ، وكمنفعة كَلْبِ الصَّيْدِ المتلقى مِنْ مورثهم، وإلى ما يتعلق بِمَالٍ، وذلك إما عَيْنُ مَالٍ ومنفعة، كما لو غنموا مالاً، أو اشتروه، أو ورثوه.
وإما مجرد المنفعة كما لو استأجروا عَبْداً، أو وَصَّى لهم بمنفعته.
وإما مجرد العين، كما لو ورثوا عبداً موصى بمنافعه.
وإما حق يتوصل به إلى مال، كالشفعة الثابتة بِجَمَاعَةٍ.
وكل شَرِكَةِ إما أن تحدث بِلا اختِيَارٍ كما في الإِرْثِ أو باخْتِيَارٍ في الشّراء، وليس مقصود الباب الكلام في كُلِّ شَرِكَةٍ، بل في الشَّرِكَةِ التي تحدث باختيار، ولا في كُلِّ ما تحدث بالاختيار، بل في التي تتعلق بالتِّجَارات وتحصيل الفوائد والأرْبَاح، وهي أربعة أنواع:
منها: شَرِكَة العنَانِ، ومِمَّا أخذت اللفظة؟ قيل: من عَنَانِ الدَّابة، إما لاستواء الشريكين في ولاية الفَسْخِ والتَّصرف واستحقاق الربح على قُدْرِ رأسِ المَالِ كاستواء طرفي العَنَانِ.
وإما أن لكل واحد منهما منع الآخر من التصرف كما يشتهي كما يمنع العنان الدابة، وإما لأن الآخذ بعنان الدَّابة حبس إحْدَى يديه على العنَان ويده الأخرى مطلقة يستعملها كَيْفَ شَاء، كذلك الشَّرِيك منع بالشركة نفسه عن التّصرف في المشترك كما يَشْتَهي، وهو مطلق اليَد والتّصَرُّف في سَائِرِ أمواله.
وقيل: هي من قولهم: عَنَّ الشيءُ إذا ظَهر، إما لأنه ظهر لِكُلِّ واحد منهم مالُ صَاحِبهِ، وإما لأنه أظهر وجوه الشَّركة، ولذلك اتفقوا على صحتها، وقيل من المُعَانة 5 وهي المُعَاوَضة؛ لأن كُلَّ واحدٍ منهما يخرج مَالَه في معاوضة إخْرَاج الآخَرِ، ثم تكلم صَاحِبُ الكِتَابِ على عَادَتِهِ في أرْكَانِ هَذِهِ الشَّرِكة، ثم في أحْكَامِهَا:
أما الأركان فأحدها: المُتَعَاقِدَانِ، والمعتبر فيهما أهْلِيَّةُ التَّوْكِيلِ والتوكل، على ما سيذكر في بَابِ الوَكَالَةِ، فإن كل وَاحدٍ من الشَّريكين يتصرف في جَمِيع المَالِ، في ماله بحق الملك، وفي مَالِ غَيْرِهِ بحَقِّ إذْنِهِ، فهو وكيلٌ عن صاحبه وموكل له بالتصرف، وتكره مُشَارَكة الذمي، ومن لا يحترز عن الرِّبَا.
الجزء: 5 - الصفحة: 186
قال الغزالي
: الثَّانِي: الصِّيغَةُ
وَهِيَ مَا تَدُلُّ عَلَى الإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ، وَالأَظْهَرُ أَنَّه يَكْفِي قَوْلُهُمَا اشْتَرَكْنَا إِذَا كَانَ يَفْهَمُ المَقْصُودَ مِنْهُ عُرْفاً.
قال الرَّافِعِيُّ: لا بد من لَفْظٍ يَدُلُّ على الإذن في التَّصرف والتِّجارة، فإن أذن كل واحد منهما لصاحبه صريحاً فذاك، ولو قالا: اشتركنا، واقتصرا عليه فهل يكفي ذلك لتسلطهما على التصرف من الجانبين؟ فيه وَجْهَان:
أحدهما: ويحكى عن أَبِي عَلِيِّ الطَّبَرِيِّ نعم، لِفَهْمِ المَقْصُودِ عُرفاً، وبهذا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
والثَّاني: لا؛ لقصور اللفظ عن الإذْنِ، واحتمال كونه إخباراً عن حُصُولِ الشركة في المَالِ، ولا يلزم من حُصُولِ الشركة جواز التصرف، ألا ترى أنهما لو ورثا مالاً، لا يتصرف فيه أحدهما إلا بِإِذْنِ صَاحِبِهِ؟ والوجه الأول أظهر عند صَاحِبِ الكِتَابِ.
والثاني: أَصَحُّ عِنْدَ القَاضِي ابْنِ كِجٍّ وصاحب "التهذيب" والأكثرين.
ولو أذن أحدهما للآخر في التصرف في جَمِيع المَالِ ولم يأذن الآخر تصرف المَأْذُون له في جَمِيع المَالِ، ولم يتصرف الآخر إلا في نَصِيبه، وكذا لو أذن لِصَاحِبهِ في التصرف في الجَمِيعَ، وقال: أنا لا أتصرف إلا في نَصِيبي، ولو شرط أحدهما على الآخر أن لا يتصرف في نَصِيبه لَمْ يَصِح العَقْدُ؛ لما فيه من الحَجْرِ على المَالِكِ فِي مِلْكِهِ، ثم ينظر في المَأْذُونِ فيه، إن عَيَّنَ جِنْساً لَمْ يَصِح تصرف المأذون في نَصِيب الآذن مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ الجِنْسِ، وإن قال: تصرف واتجر فيما شئت من أجناس الأَمْوَالِ جَازَ، وفيه وجه أنه لاَ يَجُوزُ الإطلاق، بل لاَ بُدَّ من التعيين.
والله أعلم.
قال الغزالي
: الثَّالِثُ: المَالُ
وَإِشَارَةُ النَّصِّ إِلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ نَقْداً كَالقِرَاضِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ التِّجَارَةُ، وَالأَقْيَسُ: أَنَّهُ يَجُوزُ في كُلِّ مَالٍ مُشْتَرَكٍ، وَالاشْتِرَاكُ بِالشُّيُوعِ هُوَ الأَصْلُ، وَيقُومُ مَقَامَهُ الخَلْطُ الَّذِي يَعْسُرُ مَعَهُ التَّمِيْيزُ فَإنَّهُ يُوجِبُ الشّيُوعَ، وَلاَ يَكْفِي (ح) خَلْطُ الصَّحِيحِ بِالقِرَاضَةِ، وَلاَ السِّمْسِمِ بِالكِتَّانِ، وَلاَ عِنْدَ (ح) اخْتِلاَفِ السِّكَّةِ، وَكَذَا (ح) كُلُّ اخْتِلاَفٍ يُمْكِنُ مَعَهُ التَّمْييزُ فَإِنَّ الشُّيُوعَ لاَ يَحْصُلُ مَعَهُ، وَلْيتَقَدَّم (ح) الخَلْطُ عَلَى العَقْدِ، فَلَوْ تَرَاخَى فَفِيه خِلاَفٌ، وَلاَ يُشْتَرَطُ (و) تَسَاوِي المَالَيْنِ في القَدْر، وَلاَ العِلْمُ بِالمِقْدَارِ حَالَةَ العَقْدِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الركن الثَّالِثُ: المال المَعْقُودُ عَلَيْهِ، وفيه مَسَائِل:
إحداها: لاَ خِلاَف في جَوَازِ الشَّرِكَةِ في النَّقْدَيْنِ.
الجزء: 5 - الصفحة: 187
وأما سائر الأموال فالمتقومات لا تَجُوز الشَّرِكة عليها، وفي المِثْلِيَّاتِ قولان، وقيل: يقال: وجهان:
أحدهما: المنقول عن رواية البويطي وَأَبِي حَنِيفَةَ: أنه لاَ يَجُوز، كما لا يجوز في المُتَقَوِّمَاتِ، وكما لا يجوز القراض إلا في النقدين.
وأصحهما: وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو إسْحَاقَ يجوز؛ لأن المِثْلِىَّ إذا اختلط بجنسه ارتفع معه التمييز فأشبه النقدين، وليس المِثْليِّ كالمتقوم؛ لأنه لا يمكن الخلط في المتقومات، وربما يتلف مَالُ أَحَدِهِمَا ويبقى مَالُ الآخر، فلا يمكن الاعتداد بتلفه عنهما، وفي المثليات يكون التَّالِف بعد الخلط تَالِفاً عنهما جميعاً، ولأن قيمتهما ترتفع وتنخفض، وربما تنقص قِيمَةُ مَالِ أَحَدِهِمَا دُونَ الآخر وَتَزِيد، فيؤدي إلى ذِهَابِ الربح في رَأَسِ المَالِ أو دخول بَعْضِ رَأَسِ المَالِ في الرِّبْحِ، ويخالف القَرَاض؛ لأن حَقَّ العَامِلِ مَحْصُورٌ في الرِّبْحِ، فلا بد من تَحْصِيل رَأسِ المَالِ لتوزيع الرِّبْحِ، وفي الشِّرِكة لا حَاجَة بل كُلُّ المَالِ موزع عَلَيْهِمَا عَلى قَدْرِ مَاليْهِمِا.
ولفظ النقدين عند إطلاقنا تجوز الشركة فيهما نعني به الدَّراهم والدنانير المَضْرُوبة، وأما غير المضروبة من التَّبْرِ والحُلِيّ والسَّبَائِك، فقد أطلقوا مَنْعَ الشَّركَةِ فِيهَا، وبمثله أجاب القَاضِي الرّويَانِي في الدَّرَاهِمِ المَغْشُوشةِ، وحكى فيها خِلاَفَ أَبِي حَنِيفَةَ، لكن يجوز بنَاءُ الحُكْمِ في التَّبْرِ على أنه مِثْلِيُّ أمْ لاَ؟ وفيه خِلاَفٌ ستعرفه، ومأخذه في كتاب الغَصْب فإن جعل متقوماً لم تَجُز الشَّرِكَة عَلَيْهِ، وإلا ففيه الخِلاَف في المِثْلِيَّاتِ.
وأما الدَّرَاهِم اَلمَغْشُوشَة، فقد حَكَى صَاحِبُ "التتمة" في جَوَازِ القَرَاضِ عَلَيْهَا خلافاً مبنياً على جَوَازِ التَّعَامُلِ بِهَا، فقد ألحقنا المغشُوشَ بالخَالِص، فإذا جاء الخِلاَفُ في القرَاضِ ففي الشَّرِكَةِ أَوْلَى، عَلَى أن صاحب "العدة"، ذكرَ أن الفتوى أنه تجوز الشَّركة فيها إذا استمر في البلد رَوَاجُهَا 6.
واعلم أن ما ذكرنا في المسألة من تجويز الشركة ومنعها، نريد فيما إذا أخرج هذا قدراً من ماله وذاك قدراً، جعلاهما رَأْسَ المَالِ، ويمكن فرض الشركة على غير هَذَا الوَجْهِ في جميع الأموال على مَا سيأتي.
المسألة الثانية: إذا خرج رجلانِ كلُّ واحدٍ منهما قدراً من المَالِ الذي تجوز الشَّرِكة فيه، فأرادا الشّركة فلا بد أن يَخْلِطَا المالين خَلْطاً لا يتأتى معه التمييز، وإلا فلو
الجزء: 5 - الصفحة: 188
تَلَفَ مالُ أحدهما قَبْلَ التَّصَرُّفِ، تلف على صَاحِبِهِ، ويقدر إثبات الشَّرِكَة في البَاقِي، فلا تجوز الشَّرِكة عند اختلاف الجِنْسِ، كما أن يكون من أحدهما دَراهم والآخر دنانير، ولا عند اختلاف الصفة كما إذا اختلفت السَّكَّة، أو أخرج أحدهما صِحَاحاً والآخر مكسرة، أو صحاحاً متقومة أو أخرج أحدهما دراهم عتيقة أو بَيْضَاء، والآخر جَدِيدة أو سوداء، وفي البيض والسود وجه عن الإصْطَخْرِي، وإذا جوزنا الشَّرِكة في الْمِثلِيَّاتِ وجب تساويهما جنساً ووصفاً أيضاً، فلا يكفي خلط الحِنْطَة البَيْضَاء بالحَمْرَاءِ لإمكان التمييز وإن عسر، وعن الشَّيخ أَبِي عَلِيُّ أن الأستاذ أبا إسحاق ذكر وجْهاً في الاكتفاء به، لعد النَّاس مثل ذلك خَلْطاً، وينبغي أن يقدم الخَلْط على العَقْدِ والإذن، فإن تأخر فالأظهر المَنْع، إذ لا اشتراك عِنْدَ العَقْد.
والثَّانِي: يجوز إذا وقع في مجلس العَقْد, لأن المجلس كنفس العَقْدِ، فإن تأخر لم يجز على الوَجْهَيْنِ، ومال الإمام -رحمه الله- إلى تجويزه؛ لما سبق أن الشَّرِكة توكيلٌ وتوكل، ولو وجد التوكيل والتوكل والملكان متميزان ثم فرض الاختلاط لم تنقطع الوَكَالَة؛ نعم، لو قيد الإذن بالتَّصَرَّفِ في المَالِ المنفرد فلا بُدَّ من تجديد الإذن، ولو ورثوا عروضاً أو واشتروها فقد ملكوها شَائِعَةً، وذلك أبْلَغ من الخَلْطِ، بل الخَلْط إنما اكتفى به لإفادة الشيوع، فإذا انضم إليه الإذن في التَّصَرُّفِ تم العَقْد، ولهذا قال المُزَنِيُّ والأصْحَاب: الحِيْلَةُ في الشَّرِكة في العروض المتقومة، أن يبيعَ كُلّ وَاحِدٍ منهما نصف عَرَضِهِ بنصف عَرَضِ صَاحِبِهِ، تجانس العَرَضَانِ أو اختلفا؛ ليصير كل واحد منهما مشتركاً بينهما فيتقابضان، ويأذن كُلُّ واحد منهما لصاحبه في التَّصَرف، وفي "التتمة": أنه يصير العرضان مشتركين، ويملكان التَّصرف بِحُكْمِ الإِذْنِ، إلا أنه لا تثبت أحكام الشَّرِكة في الثَّمَنِ حتى يستأنفا عقداً وَهُوَ ناضٍ.
وقضية إطلاق الجمهور ثبوت الشركة وأحكامها على الإطْلاق وَهُو المذهب.
ولو لم يتبايعا العَرَضين، ولكن بَاعَاهما بِعَرَضٍ أو نقد ففي صِحَّةِ البيع قولان قَدْ مَرَّ ذِكْرُهُمَا في تفريق الصّفقة، ويعودان بأكثر من ذلك الشَّرْحِ في الصَّدَاقِ، فإن صَاحِب الكتاب ذكر المسألة هناك، فإن صَحَّحْنَا كان الثَّمَنُ مُشْتَرَكاً بينهما، إما على التَّسَاوِي أو التفاوت بحسب قِيمَةِ العَرَضَيْنِ، فأذن كُلّ واحدٍ منهما للآخر في التَّصرف 7.
الثَّالِثة: ظاهر المَذْهَبِ أنه لا يشترط تَسَاوِي المَالَيْنِ في القَدْرِ، بل تثبت الشَّرِكَة
الجزء: 5 - الصفحة: 189
مع التفاوت على نِسبَةِ المَالَيْنِ، وعن الأَنْمَاطِيِّ: أنه يشترط التَّسَاوِي؛ لأن الرِّبْحَ يحصل بالمَالِ والعَمَلِ، كما لا يَجُوزُ الاختلاف في الرِّبْحِ مَعَ تَسَاوِي المَالَيْنِ لا يجوز الاختلاف في الرِّبْحِ مَعَ التَّسَاوِي في العَمَلِ، وهل يُشْتَرَطُ العِلْمُ حالة العقد بمقدار النَّصيبين؟ بأن يعرف أن المال بينهما نصفان أوَ على نِسْبَةٍ أخرى؟ فيه الوجهان:
أظهرهما: أنه لا يشترط، إذا أمكن معرفته من بعد، وهو المَذْكُور في الكتاب، ومأخذ الخِلاَف: أنه إذا كان بين رَجُلَيْنِ قال مشترك، وكل واحد منهما جَاهِلٌ بقدر حصته، فأذن كُلُّ واحدٍ منهما لِصَاحِبِهِ في التَّصَرُّفِ في جَمِيعِ المَالِ، أو في نصيبه، هَلْ يَصِح الإِذْن؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لا يَدْرِي فِيمَا يَأْذَن، والمأذون لا يدري مَاذَا يستفيد بالإذْنِ.
وأظهرهما: نعم؛ لأن الحَقَّ لا يعدوهما وقد تَرَاضَيَا، وعلى هذا تكون الأثمان بينهما مُبْهَمة كالمثمنات.
وأَما لفظ الكتاب فقوله: (وإشارة النّص إلى أنه لا بد وأن يكون نقداً)، يجوز حمله على ما قَدَّمنا ذِكْرَهُ في رِوَايَةِ البويطي -رحمه الله- إلا أن الظَّاهِر، أنه قصد به ما ذَكَرَهُ الإِمَامُ من أن ظاهر منقول المزني المَنْع، والمراد منه -قوله في "المختصر"-: والذي يشبه مذهب الشَّافعي -رضي الله عنه- أن الشَّرِكَةَ لاَ تَصِح في العُرُوضِ، ولا فيما يرجع عند المفاضلة إلى قيمته، وهذا له إشعار بالمَنْعِ، لكن بعضهم حَمَلَ لفظ العروض على المتقومات، وقال هذا الكلام ذِهَابٌ إلى جَوَازِ الشَّرِكَةِ في المِثْلِيَّاتِ؛ لأنه يرجع عند المفاضلة إلى مثله لا إلى القِيمَةِ.
وقوله: (والأقيس أنه يَجُوزُ في كُلِّ مَالٍ مشترك) أي عروض كانت أو غيرها، وأراد بالمُشْتَرَكِ ما يثبت فيه الحَقَّان على الشّيُوعِ، وذلك تَارةً يثبت ابتداء كما في الموروث، وتارة بالخَلْطِ الدّافع للتمييز لإيجابه الشّيُوع، ولو كان لهما ثوبان والتبسَا عَلَيْهِمَا لم يَكْفِ ذَلِكَ لِعَقْدِ الشَّرِكَةِ، فإن المَالَيْنِ متميزان، وإنما أبهم الأمر بينهما.
وقوله: (فلو تراخى فَفِيه خلاف) والأشبه أنه لم يرد به الوَجْهَيْن، فيما إذا وقع الخَلْط في المَجْلِس، وإنما أراد إقامة وَجْهَيْنِ فيما ذكره المُعْظَم، ومال إليه الإمام -رحمه الله- لأنه لم يتعرض للمَجْلِس هاهنا ولا في "الوسيط" ولا له ذكر في "النهاية".
فرع: قال أصْحَابُنا العِرَاقيون وَمَنْ تَابَعَهُمْ: إِذَا جوزنا الشَّرِكَةَ في المثليات، فإن استوت القيمتان، كانَا شريكين على السَّوَاءِ، وإن اختلفا كما إذا كان لأحدهما كر حنطة قيمته مِائَة، والآخر كر قيمته خَمْسون، فَهُمَا شَرِيكان الثلثين والثُّلُثُ، وهذا مبني على قَطْعِ النظر في الْمِثلِيَّاتِ، عَنْ تَسَاوِي الأَجْزَاءِ في القِيمَةِ، وإلا فليس هذا الكَرّ مثلاً،
الجزء: 5 - الصفحة: 190
فذلك الكر والكَلاَّم في الْمِثليات مستوفى في الغَصْبِ.
فرع آخر: لأحدهما دَنَانير ولآخر دَرَاهِم، وابتاعا شيئاً بِهِمَا، يقوم ما ليس بنقد البلد منهما بما هو نَقْدُ البَلَدِ، فإن استويا في القِيمَةِ، فالشركة على التَّسَاوِي وإلا فَعَلَى الاختلاف.
قال الغزالي: وَلاَ تَصِحُّ شَرِكَةُ الأَبْدَانِ (م ح) وَهِيَ شَرِكَةُ الدَّلاَلِينَ وَالحَمَّالِينَ إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ مُتَمَيَّزٌ بِمِلْكِ مَنْفَعَتِهِ فَاخْتَصَّ بِمِلْكِ بَدَلِهَا، وَلاَ شَرِكةُ المُفَاوَضَةِ (ح م) وَهِيَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِيمَا يَكْتَسِبَانِ مِنْ مَالٍ وَيَلْتَزِمَانِ مِنْ غُرْم بِغَصْبٍ أَوْ بَيْعَ فَاسِدٍ إِذْ كُلُّ مَنِ اخْتَصَّ بِسَبَبٍ اخْتَصَّ بِحُكْمِهِ غُرْماً وَغُنْماً، وَلاَ شَرِكَةُ الوُجُوهِ (ح) وَهِيَ أنْ يَبِيعَ الوَجِيهُ مَالَ الخَامِلِ بِزَيَادَةِ رِبْحٍ لِيَكُونَ لَهُ بَعْضُهُ، بَلْ كُلُّ الثَّمَنِ لِمَالِكِ المُثَمَّنِ، وَلَهُ أَجْرُ المِثْلِ.
قال الرَّافِعِيُّ: غرض الفَصْلِ الكلام فيما سِوَى شركة العِنَانِ من الشِّرَكِ، وهي ثلاثة:
أحدها: شركة الأبْدَان، وهي أن يَشْتَرك الدلالان، أو الحمالان، أو غيرهما من المُحْتَرِفة على ما يكتسبان، ليكون بينهما على تَسَاوٍ أو تفاوت، وهي باطلةٌ سواء اتفقا في الصَّنْعَةِ أو اختلفا، كالخَيَّاطِ والنَّجَّارِ؛ لأن كُلَّ وَاحِدٍ منهما مميز ببدنه ومنافعه فيختص بفوائده، وهكذا لو اشتركا في ماشيتهما وهي متميزة؛ ليكون الدرّ والنسل بينهما، فإِنَّهُ لاَ يَصِح.
وعند أَبِي حنيفة يصح، اتفقت الصنعتانِ أو اختلفتا 8.
وعن صاحب "التقريب": أن لبعض الأصْحَابِ وجها كمذهبه.
وقال مالك -رحمه الله-: تصح بشرط اتحاد الصَّنْعَةِ.
وسلم أبو حنيفة ومَالِك: أنه لا تجوز الشَّرِكة في الاصطياد والاحتطاب، وأحمد جوزهما أيضاً، وإذا قلنا بِظَاهِرِ المَذْهَبِ وهو البُطْلاَن، فإذا اكتسبا شيئاً، نظر إن انفرد عمل أحدهما عن الآخر فلكل وَاحِدٍ منهما كسبه، وإلا فَالْحَاصِلُ مقسوم بينهما على قَدْرِ أُجْرَةِ المِثْلِ، ولا كَمَا شَرَطَا.
الثَّانِية: شركة المفاوضة 9، وهي أن يَشْتَرِكَا ليكون بيَنهما ما يكتسبان وَيَرْبَحَانِ،
الجزء: 5 - الصفحة: 191
ويلزمان من غُرْم ويحصل لهما من غُنْم، وهي بَاطِلَة خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: تصح بشرط أن يستعملاَ لفظ المفاوضة، فيقولا: تفاوضنا أو اشتركنا شركة المفاوضة، وإن استويا في الدّينِ والحرفة، فلو كان أحدهما مُسْلماً والآخر ذِمِّيّاً، أو أحدهما حراً والآخر مكاتباً لَمْ يَصِح، وإن استويا في قَدْرِ رأسِ المَالِ، وأن لا يملك واحِدٌ منهما مِنْ جنس رَأْسِ المَالِ إلا ذلك القَدْر، ثم حكمها عِنْده، وأن ما اشتراه أحدهما يقع مشتركاً، إلا ثلاثة أشياء: قوت يومه، وثياب بَدَنِه، وجارية يَتَسَرَّى.
بِهَا، وإذا ثبت لِأَحَدِهِمَا شفعة شَارَكَ صَاحَبَه، وما ملكه أحدهما بِإِرْثِ أو هبة لا يُشَارِكُهُ الآخر فيه، فإن كان فِيهِ شَيْءُ من جِنْسِ رَأَسِ المَالِ، فسدت شَرِكةُ المُفَاوَضَةَ وانقلبت إلى شَرِكَةِ العِنَانِ.
وما لزم أحدهما بِغَضْبٍ أو بيع فَاسِدٍ، أو إتلاف، كان مشتركاً إلا الجِنَاية على الحُرّ، وكذا بدل الخُلْعِ والصَّداق إذا لزم أحدهما لم يؤاخذ به الآخر، ووجه المَذْهَبِ في المَسْأَلَة ظَاهِرٌ، قال الشَّافِعِيّ -رضي الله عنه- في اختلاف العراقيين: ولا أعرف شيئاً في الدُّنْيَا يَكونُ بَاطِلاً إن لم تكن شركة المفاوضة بَاطِلَة، يعني لما فيها من أنواع الغَرَرِ والجهالة الكثيرة.
فرع: لو استعملا لفظة المفاوضة، وأراد شَرِكَةَ العِنَانِ جَازَ، نص عليه، وهذا يقوي تَصْحِيح العقود بالكِنَايَاتِ.
الثالثة: شركة الوُجُوهِ، وقد فسرت بمعان:
أشهرها: أن صورتها أن يشترك رَجُلاَنِ وجيهان عند النَّاسِ، ليبتاعا في الذمة إلى أَجَل على أن ما يبتاعه كُلُّ واحدٍ منهما يكون بينهما، فيبتعاه ويؤديا الأثمان، فما فضل فَهُوَ بينهما.
والثاني: أن يبتاع وَجِيهٌ في الذِّمَّة ويفوض بيعه إلى خَامِلٍ، وشرط أن يكون الربح بينهما.
والثَّالِث: أن يشترك وجيهٌ لا مَالَ لَهُ وخَامِلٌ ذِو مَالٍ ليكون العمل من الوَجِيه والمالُ مِنَ الخَامِل، ويكون المَالُ في يده، ولا يسلمه إلى الوَجِيه والرِّبْح بَيْنَهُمَا، وهذا تَفْسِيرُ القَاضِي ابْنِ كِجٍّ والإمام، ويقرب منه ما ذكره صَاحِبُ الكِتَاب وهو: أن يبيع الوَجِيهُ مَالَ الخامل بِزِيَادَةِ رِبْحٍ، ليكون بَعْضُ الرِّبْحِ لَهُ، وهي على المَعَانِي بَاطِلَة، إذ ليس بينهما مَالٌ مشترك يرجع إليه عند المُفَاضَلة، ثم ما يشتريه أحدهما في الصّورة الأولى والثانية فهو له يختص به وربحه وخُسْرَانه، ولا يشاركه فِيهِ الآخر إلا إذا كان قَدْ صَرَّحَ بالإذن في الشَّراء بما هو شرط التوكيل في الشَّراء، وقصد المشتري توكيله.
الجزء: 5 - الصفحة: 192
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- يقع المشتري مشتركاً بمجرد الشركة، وإن لم يوجد قَصْد من المُشْتَرِي ولا إذن من صَاحِبهِ.
وأما الصورة الثالثة: فهي ليست بِشَرِكَةٍ في الحَقِيقَةِ، وإنما هي قَرَاضٌ فَاسِدٌ لاستبداد المالك باليَدِ، فَإِن لم يكن المالُ نقداً زاد الفسادُ وجهاً آخر.
وأما ما أورده في الكتاب فحاصله الإذن في البَيْعِ بِعِوَضٍ فَاسِدٍ، فيصح البَيْعُ من المَأَذُونِ ويكون له أجْرَةُ المِثْلِ، وجميع الثَّمَنِ لِلْمَالِكِ.
واعلم أنه إنما عقب أركان شركة العِنَانِ بذكر أنواع الشَّركةِ الفَاسِدَةِ؛ لأنه قد تَبَيَّنَ في خِلاَل الأركان اشتراط شيوع رأس المال وارتفاع التمييز، فأراد الإِشَارَةَ إلى أن فَسَادِ هَذِهِ الأنْوَاع لاختلال هذا الشَّرط، وتميز ما هو رَأس المَالِ فيها أو ما هو في شِبْهِ رَأْسِ المَالِ، ويتعلق بهذه القاعدة صُوَرٌ أُخَر، منصوصة في البويطي:
منها: لواحد بَغْلة ولآخر راوية، تشاركَا مع ثالثٍ لِيَسْقي الثَّالِثُ الماء، ويكون الحَاصِلُ بَيْنَهُمْ فهو فَاسِد؛ لأنها منافع أبدان متميزة، فلو جروا عليه وأسْقَى الثالث الماء، فلمن يكون الماء؟ نقل صاحب "التلخيص" وآخرون فيه اختلاف قولٍ ولم يحمد المعظم تِلْكَ الطريقة، وإنما ارتضوا تفصيلاً ذكره ابْنُ سُرَيْجٍ، وهو إن كان الماء مملوكاً للمستقي أو مباحاً لكنه قصد به نَفْسَه فهو له، وعليه لِكُلِّ وَاحِدٍ من صاحبيه أجرة المِثْلِ أيضاً، وإن قصد به الشَّرِكَة، فهو على الخِلاَفِ في جواز النَّيَابَةِ في تملك المُبَاحَاتِ، وسنذكره في الوَكَالَةِ، فإن لم نُجَوز فَهُوَ لِلْمُسْتَقِي، وعليه أجرة المِثْلِ لصاحبه أيضاً، وإن جوزنَا وهو الأَصَح، فالمَاءُ بينهم، وفي كيفية الشَّرِكَة وَجْهَان:
أحدهما: أنه يقسم بينهما على نِسْبَةِ أجور أَمْثَالِهِمْ؛ لأنه حَصَلَ بِالْمَنَافِع المختلفة، وهذا ما أورده الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، ويحكى عن نَصِّه في البويطي.
وأصحهما: عند الشَّيْخُ أَبِي عَلِيّ ولم يورد القَفَّالُ غيرَه: أنه يقسم بينهم بالسوية إتباعا لِقَصْدِه، فَعَلَى هذا للمستقي أن يطالب كل واحد من صاحبيه بِثُلُثِ أجرة منفعته؛ لأنه لم ينصرف منها إليه إلا الثُّلث، وكذلك يرجع كل واحد من صَاحِبَي البَغْلَة والرَّاوية على كل وَاحِدٍ من الأخير والمستقي بثلث أجرة منفعة مِلْكِهِ، وعلى الوجه الأول لا تراجع بينهم في الأُجْرَة.
ولو استأجر رجلٌ راويته من صَاحِبِهَا، والبَغْلَةَ من صَاحِبِهَا والمستقى يحمل الماء وهو مباح، نظر إن انفرد كل واحد بِعَقْدٍ صَحّ، والماء لِلْمُسْتَأْجِر، وإن جمع بين الكُلِّ في عقد واحد ففي صحة الإجارة قولان، كما لو اشترى عَرَضاً لِرَجُلٍ وعرضاً لآخر منهما بِثَمَنٍ وَاحِدٍ، إن صححنا وُزِّعَتِ الأُجْرَة المسماة على أجُورِ الأَمْثَالِ، وإلا فلكل
الجزء: 5 - الصفحة: 193
واحد أجرة المِثْلِ عليه، ويكون المَاءُ المستقي صَحَّحْنَا الإجارة أو أفسدناها، أما إذا صَحَّحْنَاهَا فَظَاهِر.
وأما إذا أَفْسَدْنَاهَا، فلأن منافعهم مضمونة بأُجْرَةِ المِثْلِ، ذكره الإمام، فإن نَوَى المستقي نفسه وفرعنا على فَسَادِ الإِجَارَةِ، فعن الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ: أنها تكون للمُسْتَأجر أيضاً، وتوقف الإمَامُ فيهِ؛ لأن منفعته غير مستحقة للمُسْتَأْجِرينَ، وقد قصد نَفْسَه فليكن الحَاصِلُ لَهُ، وموضع القولين ما إذا وردت الإِجَارة على عَيْنِ المُسْتَقى، والبَغْلَة والرواية.
فاما إذا ألزم ذمتهم نقل المَاء، صَحَّتَ الإجارة لاَ مَحَالة، إذ ليست هاهنا أعيان مختلفة يفرض جهالة في أُجُوِرِهَا، وإنما على كُلِّ واحِدٍ منهم ثُلُثُ العَمَلِ.
ومنها: لو اشترك أربعة لأحدهم بيت رحا، ولآخر حَجَر رَحَا، ولآخر بَغْلة تديره، والرابع يَعْمَل في الرَّحا، على أن الحَاصِلَ من أجرة الطَّحْنِ بينهم، فهو فَاسِدِ، ثم إن استأجر مالك الحنطة العامل والآلات من مَالِكها، وأفرد كل واحد بِعَقْدٍ لزمه ما سَمّى لكل واحدٍ منهم، وإن جمع بين الكُلِّ في عقد واحد فإن ألزم ذمتهم الطَّحْنَ صَحَّ العقد، وكانت الأجرة بينهم أرباعاً يتراجعون بأجرة المثل؛ لأن المنفعة المملوكة لِكُلِّ وَاحِدٍ منهم قد استوفى ربعها، حيث أخذ رُبُعُ المُسَمَّى وانصرف ثلاثة أرباعها إلى أصْحَابهِ، فيأخذ مِنْهُم ثلاثة أرباع أجْرَة المِثْلِ، وإن استأجر عَيْن العامل وأعيان الآلات، ففيه الَقَوْلاَن المذكوران في أن الصّورة السَّابقة إن أفسدنا الإجارة، فلكل وَاحِدٍ أجرة مِثْله، وإن صَحَّحْنَاها وزع المُسَمى عليهم، ويكون التَّراجع بينهم على ما سبق، وإن ألزم المَالِكِ للحِنْطَة ذِمَّة العَامِل الطحن لزمه، وعليه إذا استعمل مالأصحابه أجرة المِثْل لهم إلا أن يستاجرها بعقد صحيح فعليه للمسمى.
ومنها: لواحد البِذْر، ولآخر آلة الحَرْث، ولآخر الأرض، واشتركوا مع رابع لِيَعْمل، ويكون الزَّرْع بينهم، فالزرْع لِصَاحِبِ البذر، وعليه لِأَصْحَابِهِ أجرة المثل، قال في "التتمة": فلو أصاب الزرع آفة ولم يحصل من الغِلَّةِ شَيْءٌ فلا شيء لهم؛ لأنهم لم يحصلوا له شيئاً ولا يخفى عدول هذا الكلام عن القياس الظَّاهر 10. والله أعلم.
قال الغزالي: وَحُكْمُ الشَّرِكَةِ تَسْلِيطُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلى التَّصَرُّفِ بِشَرْطِ الغِبْطَةِ مَعَ الجَوَازِ حَتَّى يَقْدِرَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى العَزْلِ، وَتَنْفَسِخُ بِالجُنُونِ وَالمَوْتِ.
قال الرَّافِعِيُّ: هذا أول القول في أحكام الشَّرِكة، والفَصْل ينظم حكمين:
أحدهما: أن الشركة بالمعنى المَعْقُود لهذا الباب إِذَا تمت ووجد الإِذْن من
الجزء: 5 - الصفحة: 194
الطَّرَفَينِ تسلط كُلُّ وَاحِدٍ من الشريكين عَلَى التصرف، وسبيل تَصَرّف الشَّرِيك كَسَبِيلِ تصرف الوَكِيل، فلا يبيع نِسِيئة، ولا بغير نَقْدِ البَلَدِ، ولا يبيع وَلاَ يَشْتَري بالغبن الفَاحِش إلا إذا أذن الشَّرِيك، فإن خالف وَباعَ بالغَبْنِ الفَاحش لم يَصِح في نصيب الشَّرِيك، وفي نصيبه قولا تفريق الصّفقة، إن لم يفرقها بقي المبيع على ملكهما والشَّركة بحالها، وإن فرقناها انفسخت الشَّركة في المبيع، وصار مشتركاً بين المشتري والشريك الذي بطل في نَصِيبه، وإن اشترى بالغَبْنِ نظر إن اشترى بعين مَالِ الشَّركة، فهو كما لو بَاع، وإن اشترى في الذِّمة لم يقع للشريك وعليه تَوْفِير الثمن من خَالِصِ مَالِهِ.
وليس لأحدهما أن يسافر بِمَالِ الشركة، ولا ببعضه بغير إذن صاحبيه، فإن فعل ضمن.
الثاني: الشركة جَائِزة، ولكل واحد منهما فسخها مَتَى شَاءَ، لما سبق أن حقيقتها التَّوكيل والتَوكُّل، فلو قال أحدهما للآخر: عزلتك عن التَّصرف، أو لاَ تتصرف في نَصِيبي انعزل المُخَاطَب، ولا ينعزل العَازِلُ عن التصرف في نَصيب المعزول، ولو قال: فَسَخْتُ الشركة انفسخ العقد، قال الإمام: ينعزلان عن التّصرف لارتفاع العقد، وأشار إلى أن ذلك مَجْزُومُ بِهِ، لكن صاحب "التتمة" ذكر وأن انعزالها مَبْنِي على أنه يجوز التَّصَرُّف بمجرد عَقْدِ الشركة أم لا بد من التَّصْرِيحِ بِالإِذْنِ؟ إن قلنا: بالأوَّلِ، فإذا ارتفع العَقْدُ انعزلا، وإن قلنا: بالثَّانِي، وكانا قد صَرَّحَا بَالإِذْنِ فلكل وَاحِدٍ منها التَّصَرُّف، إلى أن يَغْزَلاَ وكيف ما كان فالأئمة متطابقون على تَرْجِيَحِ القَوْلِ بانعزالهما، وأيد به الإمَام الوجه الذَّاهِب إلى أن لفظ الشَّرِكَة بمجرده يسلطهما على التَّصَرف فِيهِ، وكما تنفسخ الشركة بالفسخ تنفسخ بموت أَحَدِ المتعاقدين وجنونه وإغمائه كالوكالة، ثم في صُورة الموت إن لم يكن على الميت دَيْن، ولا هناك وَصِية، فللوارث الخيار بين القِسْمة وتقرير الشَّرِكَة، إن كان بالغاً رشيداً، وإن كان مولياً عليه لصغر أو جنون، فعلى وليه ما فيه الحَظِّ والمصلحة من الأمرين، وإنما يقرر الشّركة بِعَقْدِ مستأنف، وإن كان على المَيِّتِ دَيْنٌ فليس للوارث تقرير الشَّرِكة، إلا إذا قَضَى الدَّيْنَ من موضع آخر، وإن كان هناك وصية، نظر إن كانت الوصية لمعين فهو كاحد الورثة، وإن كانت لِغَيْرِ معين كالفقراء لم يجز تَقْرِير الشَّرِكة، حتى تخرج الوَصِيَّة، ثم هو كما لو لم تكن وصية.
قال الغزالي: وَيَتَوَزَّعُ الرِّبْحُ وَالخُسْرَانُ عَلَى قَدْرِ المَالِ، فَلَوْ شَرَطَا تَفَاوُتاً بَطُلَ الشَّرْطُ وَفَسَدَ العَقْدُ، وَمَعْنَى الفَسَادِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِأجْرَةِ عَمَلِهِ فِي مَالِهِ وَلَوْ صَحَّ لَمَا رَجَعَ، وَلَوْ شَرَطَ زِيَادَةَ رِبْحٍ لِمَنِ اخْتَصَّ بِمَزِيدِ عَمَلٍ فَفِي صِحَّةِ الشَّرْطِ خِلاَفٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: من أحكام الشَّرِكة أن يكون الربح بينهما على قَدْرِ المَالَيْنِ شرطا أو لم يشرطَا، تساويَا في العملِ أو تفاوتَا، فإن شرطَا التَّساوي في الرَّبْحِ مع التفاوت في
الجزء: 5 - الصفحة: 195
المَالِ فهو فَاسِد، وكذا لو شَرَطَا التفاوت في الرِّبْحِ مع التساوي في المَالِ، نعم، لو اختص أحدهما بمزيد عَمَلٍ، وشرط له مزيد ربح، ففيه وجهان:
أحدهما: صحة الشركة، ويكون القدر الذي يناسب مِلْكه له بِحَقِّ المِلْك، والزائد يَقَعْ في مقابلة العَمَل، ويتركب العَقْد من الشَّرِكة والقَرَاضِ.
وأصحهما: المنع، كما لو شَرَطَا التفاوت في الخُسْرَانِ، فإنه يَلْغُو ويتوزع الخُسْران على المَالِ، ولا يمكن جعله شركة وقراضاً، فإن العَمَلَ في القَرَاضِ بيع مختصٌ بِمَالِ المَالِكِ، وهاهنا يتعلق بِمْلكِهِ وملك صاحبه.
وعند أبي حنيفة -رضي الله عنه- يجوز تغيير نسبة الربح بالشَّرطِ، ويكون الشَّرْطُ متبعاً.
لنا القياس: على طرود الخُسْرَان، فإنه يسلم توزيعه على قَدْرِ المَالَيْنِ وإن شرط خِلاَفه، وإذا فَسد لم يؤثر ذَلِك في فَسَادِ التصرفات لوجود الإذن، ويكون الربح على نِسْبَةِ المَالَيْنِ، ويرجع كُلُّ وَاحِدٍ منهما على صَاحِبِهِ بأجرة مِثْلِ عَمَلِهِ في ماله، على ما ذكره في الكتاب، وتفصيله أنهما إما أن يكونا متساويين في المَالَيْنِ أو متفاوتين، إن تساويَا فإما أن يتساويَا في العَمَلِ أيضاً، أو يتفاوتا فإن تساويا في العمل أيضاً فنصف عمل كل واحد منهما يقع في مَالِهِ، فلا يستحق به أُجْرة، والنَّصْف الآخر الواقع في مَالِ صاحبه يستحق عليه مِثْل بدله عليه فيقع في التقاص، وإن تفاوتا في العَمَلِ بأن كان عمل أحدهما يساوي مِائَة، وعمل الآخر مائتين، فإن كان عمل المشروط له الزيادة أكثر، فنصف عمله مائة، ونصف عَمَل صَاحِبِه خَمْسُون، فبقي له خمسون بعد التَّقَاص، وإن كان عَمَلُ صَاحِبِهِ أكثر، ففي رُجوعِهِ بِالخَمْسِينَ على المشروط له الزِّيَادَةِ وجهان:
أحدهما: الرجوع، وهو ظاهر ما أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ، كما لو أفسد القَرَاض فيستحق العَامِلُ أجرةَ المِثْلِ.
وأصحهما: المنع، ويحكى عَنْ أَبِي حنيفة -رحمه الله- لأنه عمل وجد من أحد الشريكين لم يشترط عليه عوض، والعَمَل في الشَّرِكة لا يقابله عِوَض، بدليل ما إذا كانت الشَّرِكَةُ صَحِيحةً، فزاد عَمَل أحدهما فإنه لا يستحق على الآخر شيئاً، ويجري الوَجْهَان فيما إذا فسدت الشَّركة واختص أحدهما بأصْلِ التصرف والعَمَلِ، هل يرجع بنصف أجرة عَمَلِهِ على الآخر؟
وأما إذا تفاوتا في المَالِ بأن كان لِأَحَدِهِمَا ألف ولآخر ألفان، فإما أن يتفاوتَا في العَمَلِ أيضاً أو يتساويا، فإن تفاوتا بِأن كان عَمَلُ صَاحِب الأكثر أكثر، بان كان عَمَلُه يساوي مِائَتَيْنِ، وعمل الاَخَرِ مِائَة، فثلثا عَمَلِهِ فِي مَالِهِ، وَثلثه في مَالِ صَاحِبِهِ، وعمل صَاحِبِهِ على العَكْسِ، فيكون لِصَاحِب الأكثر ثلث المائتين على صَاحِب الأقَل، ولصاحب الأقل ثلث المائة على صَاحِب الأكثر، وقدرهما واحد، فيقع في التّقاص،
الجزء: 5 - الصفحة: 196
فإن كان عمل صَاحِبِ الأَقل أكثر، والتفاوت كما صورنا، فثلث عمل صاحب الأقل في ماله وثلثاه في مال شريكه وثلثا عمل صاحب الأكثر في ماله وثلثه في مال شريكه فَلِصَاحِب الأَقَلِّ ثلثا المِائَتَيْنِ عَلَى صَاحِب الأَكْثَرِ، وهما مِائَةٌ وإن تَسَاوَيَا في العَمَلِ فَلِصَاحِبِ الأقل ثُلُثَا المِائَة على صاحب الأَكْثَرِ، ولصاحب الأكثر ثُلُثُ المِائَة عليه، فيكون الثلث بالثلث قصاصاً، يبقى لِصَاحِبِ ثُلثِ المِائَةِ ثَلاَثةٌ وثلاثُونَ وَثُلث.
وقوله في الكتاب: (فلو شرطا تفاوتا بطل الشرط) مُعَلَّم بالحاء، لما عرفت أن أبا حنيفة -رحمه الله- يصححه.
وقوله: (وفسد العقد) هذا هُو المَشْهُور، ونقل الإمام -رحمه الله- اختلافا للأصحاب -رحمهم الله- في أن الشَّرِكَة تفسد بِهَذَا الشَّرط، أو يطرح الشَّرْط، والشركة بحالها لنفوذ التصرفات ويوزع الربح على المَالَيْن، ولم يتعرض غيره لحكاية الخِلاف بل جزموا بنفوذ التَّصرفات، ويوزع الرِّبح على المَالَيْنِ، وبوجوب الأُجْرَة في الجُمْلَةِ.
ولَعَلَّ الخلاف رَاجِع إلى الاصطلاح، فبعضهم يطلق لفظ الفَسَاد وبعضهم يمنع منه؛ لبقاء أكثر الأحكام.
وقوله: (ومعنى الفساد إلى آخره)، أشار به إلى أن أَثَر الفَسَادِ الرجوع بالأجرة، فإن الشَّرِكَةَ لو كَانَتْ صحيحةً لما ثبت استحقاق الأُجْرَة، ويجوز إعلام قوله: (يرجع بالأجرة) بالحاء، لأن عنده لا رجوع بها لِصِحَّة الشَّرْطِ، وما ذكرنا من معنى الفَسَاد عند تعيين نسبة الرِّبْح، جارِ في سائر أسْبَابِ الشَّرِكَةِ، نعم، قال الإمام -رحمه الله-: لو لم يكن بين المَالَيْنِ شيوع وخلط فلا شركة هاهنا على التحقيق، وثمن كل واحد من المَالَيْنِ يختص بمالكه ولا يقع مشتركاً، والكلام في الصِّحَّةِ والفساد، إنما يكون بعد حُصُولِ تعيين الشَّرِكَةِ، فإن جَرَى توكيل من الجَانِبَيْنِ لم يَخْفَ حُكْمُه، وينبني على الخِلاَف المذكور فيما إذا شرط زِيَادَة رِبْحٍ لمن اختص بميزد عَمَلٍ.
فرعان:
أحدهما: إذا جوزنا ذلك فلو لم يشترطاه ولا اشترطا توزيع الربح على قَدْرِ المالين بل أطْلقَا فعن صَاحِبِ "التقريب" والشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ ذكر خِلاَف في أن الرَّبْحَ يتوزع على المَالَيْن، وتكون زيادة العمل تبرعاً منه، أو يثبت للزِّيادَةِ أجْرَة تخريجاً على مَا إذا استعمل صانعاً، ولم يذكر له أجرة.
الثاني: إذا شرطا زيادة رِبْح لِمَنْ زَادَ عَمَله، ففي اشتراط استبداده باليد وجهان، وكذا لو شرطا انفراد أحدهما بالعَمَلِ في وجه يشترط كما في القَرَاضِ، وفي وَجْهٍ لا جَرْياً على قضية الشَّرِكَةِ، والخِلاَف في جَوَازِ اشتراط زيادة ربح لمن زاد عمله، جاز
الجزء: 5 - الصفحة: 197
فيما إذا اشترطا انفراد أحدهما بالتَّصَرُّف، وجعلا له زيادة رِبْحٍ، وفي وجه يجوز هاهنا، ولا يجوز فيما إذا اشتركا في أَصْلِ العَمَلِ؛ لأنه يدري بِأَيِّ عَمَلٍ حصل فيحال به على المَالِ، أورده في "الوسيط".
قال الغزالي: وَمِنْ حُكْمِهَا كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ أَمِيناً القَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ تَلَفٍ وَخُسْرَانٍ، إِلَّا إِذَا ادَّعَى هَلاَكاً بِسَبَبِ ظَاهِرٍ فَعَلَيْهِ إِقَامَةُ البَيِّنَةِ عَلَى السَّبَبِ، ثُمَّ هُوَ مُصَدَّقٌ فِي الهَلاَكِ بِهِ، وَالقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا اشْتَرَاهُ أَقَصَدَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ مَالَ الشَّرِكَةِ، فَإِنْ قَالَ: كَانَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَةِ فُخَلُصَ لِي بِالقِسْمَةِ فَالقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِهِ فِي إِنْكَارِ القِسْمَةِ.
قال الرَّافِعِىُّ: في الفَصْلِ مسألتان:
إحداهما: من أحكام الشَّرِكَة، أن يَدَ كُلِّ واحد من الشَّريكين يد أمانة كيد المُودع والوَكِيل، ولو ادعى رَدّ المَالِ إلى شَرِيكهِ قَبْلَ قوله كالمودع والوَكِيل بِغَيْرِ جعل، ولو ادعى خسراناً أو تلفاً فكذلك، كالمودع إذا ادعى التَّلَف، وكل واحد من الشَّرِيكَيْنِ، والمودع إذا أسند التَّلَف إلى سَبَبٍ ظاهر طُولِبَ بالبينة عَلَيْهِ، فلو أقامها صدقا في الهَلاَكِ به، وسيأتي ذِكْرُه في الوَدِيعَةِ، فَهذا ادعى أحدُ الشَّرِيكَيْنِ خيانةٌ عَلى الآخَرِ، لم تُسْمَع الدَّعْوَى حتى يبين قَدْرَ مَا خَانَ بِهِ، فإذا تبين سُمِعت والقول قول المُنْكِر مع يمينه.
الثانية: في يد أحد الشريكين مالٌ واختلفا فقال من في يده: إنه لي، وقال الآخر: بل هُوَ مِنْ مَالِ الشَّرِكَة، أو عكسه فالقول قول صاحب اليد وهذا يقع عند ظُهُورِ الرِّبْحِ فِيهِ، أو قال المُشْتَرِي: اشتريته من الشَّرِكَة، وقال الآخر: بل لِنَفْسِك، وهذا يقع عند ظُهور الخُسْرَانِ، فالمصدق المشتري؛ لأنه أعرف بِمَقْصِدِهِ، ولو قال صَاحِبُ اليَدِ: قسمنا مَالَ الشَّرِكةِ، وهذا مُخْتَص بِي، وقال الآخر: لم نقسم بَعْد وهو مشترك، فالقول قول نَافي القِسْمَة؛ لأن الأَصْلَ بقاء الشَّركَة وعلى مُدَّعِي القسمة البَيِّنَة، ولو كَانَ في أيديهما أو في يَدِ أَحَدِهِمَا قال، وَقَالَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: هَذَا نَصِيبي من مَالِ الشَّرِكَةِ، وأنت أخذت نَصِيبك، حَلَفَ كُلُّ وَاحدٍ مِنْهُمَا، وجُعَلَ المَالُ بينهما، فإن حَلَفَ أَحَدُهُمَا دُونَ الآخر قضى له.
والله أعلم.
قال الغزالي: وَإِذَا بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ بِإذْنِ الآخَرِ عَبْداً مُشْتَرِكاً ثُمَّ أَقَرَّ الَّذهي لَمْ يَبعْ أَنَّ البَائِعَ قَبَضَ الثَّمَنَ كُلَّهُ وَهُوَ جَاحِدٌ فَالمُشْتَرِي بَرِئٌ مِنْ نَصِيبِ المُقِرِّ لإِقْرَارِهِ، وَلِلْبَائِعِ طَلَبُ نَصِيبِهِ مِنَ المُشْتَرِي، فإن اسْتَحْلَفَهُ المُقِرُّ فَحَلَفَ أنَّهُ لَمْ بَقبِضْ سَلَّمَ لَهُ مَا قَبَضَ، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الخَصْمُ وَاسْتَحَقَّ، وَلَوح كَانَتِ المَسْأَلَةُ بِحَالِهَا وَلَكِنْ أَقَرَّ البَائِعُ أَنَّ الَّذِي لَمْ يَبعْ قَبَضَ الثَّمَنَ كُلَّهُ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُ الوَكِيلِ عَلَى المُوَكِّلِ، وَبَرِئَ المُشْتَرِي مِنْ مُطَالَبَةِ
الجزء: 5 - الصفحة: 198
المُقِرِّ بِأَنَّ شَرِيكِي قَبَضَ إِذَا كَانَ شَرِيكُهُ أَيضاً مَأَذُوناً مِنْ جِهَتِهِ، وَلَمْ يَبْرأَ مِنْ مُطَالَبَةِ الجَاحِدِ فَلَهُ أَخْذُ نَصِببِهِ مِنَ المُشْتَرِي.
قال الرَّافِعِ: إذا كان بين اثنين عَبْد فباعه أَحَدُهُمَا بِإذْنِ الآخر، وكان البَائِعُ مَأْذُوناً فِي قَبْضِ الثَّمَنِ أيضاً، أو قلنا: إن الوَكِيلَ بالبيع يَمْلِك قَبْضَ الثَّمَنِ، ثم اختلف الشَّريكان في القَبْضِ، فذلك يصور عَلَى وَجْهَيْنِ:
أحدهما: أن يقول الشَّرِيك الذي لم يبع لِلَّذي بَاعَ: قبضت الثَّمَنَ كُلَّه، فسلم إليَّ نصيبي، ويساعده المُشْتَرِي على أن البائع قبض وينكر البَائِع، فيبرأ المُشْتَرِي عن نصيب الَّذِي لَمْ يَبعْ لاعترافه بأن البَائِعَ الذي هو وَكَّله بالقبض قَدْ قبض، ثم هاهنا خصومة بين البَائِع والمُشْتَري، وخصومة بين الشَّريكين، وربما تَقدَّمت الأولى على الثَّانِية وَرُبَّما تأخرت، فَإِنْ تَقَدَّمت خصومة البَائِع والمشْتَري فطالب البَائِع المُشْتري بنصيبه من الثَّمَن، وادعى المُشْتَرِي أنه أداه نظر إن قامت للمشتري بينة على الأداء اندفعت المُطَالبة عنه، فإن شَهِد له الشَّرِيك الَّذِي لَمْ يَبع لم تقبل شَهَادَتُه في نَصِيبِهِ؛ لأنه لَوْ ثبت ذلك، لطَالَبَ المشهود عَلَيْهِ بحقه، وذلك جَرَّ نَفْعٍ ظَاهِر، وفي قبولها في نَصِيب الآخر قَوْلاَن، بناءً على أن الشَّهَادَة هَلْ تتبعض؛ كماَ لو شَهِد أنه قذف أُمه وأجنبية، هل تقبل في حَقِّ الأجنبية؟ وإن لم تكن بينة فَالْقولُ قولُ البَائِع مع يمينه أنه لم يقبض، فإن حَلَفَ أخذ نصيبه من المُشْتَرِي، ولا يُشَارِكه الَّذِي لم يبع فيه، لإقراره بأنه أخذ الحَقَّ من قبل، وزعمه أن ما أخذه الآن أخذه ظُلْماً، وإن نَكَل وحلف المشتري انقطعت الطَّلبة عنه، وإن نكل المُشْتَرِي أيضاً فعن ابْنِ القَطَّانِ وجه أنه لا يؤاخذه بِنَصِيبِ البَائِع؛ لأنا لاَ نحكم بالنّكُولِ والمَذْهب خِلاَفُه، وليس هَذَا حكم بالنكول، وأن ما هو مؤاخذة له بإِقْرَارِه بلزوم المَالِ بالشَّرَاءِ ابتداء، ثم إذا انفصلت خصومة البَائِع والمُشْتَري، فلو جاء الشَّرِيك الذي لَمْ يَبع يطالب الذي بَاعَ بحقه بزعمه أنه قبض الثَّمن فعليه البَيِّنَة، ويصدق البَائِع أنه لم يقبض إلا نَصِيبه بعد الخُصُومة الجَارِية بينهما، فإن نَكَلَ البَائِع حلف الذي لَمْ يَبع، وأخذ منه نَصِيبَ نَفْسِهِ، ولا يرجع البَائِع به على المُشْتَرِي؛ لأن بزعمه أن شريكه ظلمه بما فعل، ولا يمنع البَائِع من الحَلِف، ونكوله عن اليَمين في الخُصُومة مع المُشْتَرِي؛ لأنها خصُومة أُخْرَى مَعَ خصم آخر، هذا إذا تَقَدَّمت خُصُومةُ البَائِع والمُشْتَرِي، وتلتها خُصُومه الشَّرِيكَيْنِ، فهذا تَقَدَّمت خصومةُ الشَّريكين، فادعى الَّذِي لَمْ يَبعْ قَبْضَ الثمن على البَائِع وطالبه بحقه، فَعَلَيْهِ البَيِّنَة ولا تقبل شَهَادة المُشْتَرِي لَهُ بحال؛ لأنه يَدْفع عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ له بينة حَلَف البَائع أنه مَا قبض، فإن نكل حَلَف الَّذِي لَمْ يَبع، وأخذ نَصِيبَه من البَائِع، ثم إذا انفصلت خصومة الشريكين، فلو طالب البَائِع المُشْتَرِي بِحَقِّه، وادعى المُشْتَرِي الأداء فَعَلَيْهِ البينة، فإن لم تكن بينة حَلَفَ البَائِعُ وقبض حَقَّه، فإن نَكَل
الجزء: 5 - الصفحة: 199
المُشْتَرِي وَبَرِئَ، ولا يمنع البَائِع مِنْ أَنْ يَحْلِف، ويطلب من المُشْتَرِي حقه نكوله في الخُصومة الأولى مع شِرِيكه، وعن حِكَاية الشَّيْخِ أَبِي عَلِيٍّ: أنه يمنعه بناءً على أن يمين الرَّدِّ كالبينة، أو كإقرار المُدَّعَى عَلَيْهِ إن كانت كالبينة، فكأنه قامت البَيَّنَةَ عَلَى قَبْضِهِ جميع الثَّمَن، وإن كانت كالإقرار فكأنه أَقَرَّ بِقَبْضِ جَميع الثَّمَنِ، وعلى التَّقْدِيرَينِ يمتنع عليه مُطَالبة المُشْتَرِي، وهذا ضَعيفٌ باتفاق الأئِمة؛ لأن اليمين إِنَّمَا تَجْعل كالبينة، أو كالإِقْرَار له فِي حَقِّ المتخاصمين، وفِيمَا فيه تَخَاصِمهما لا غير، وَمَعْلوم أَنَّ الشريكَ إِنَّما يَحْلِف على أنه قَبَضَ نَصِيبه، فإنه الذي يُطَالب به، فكيف يؤثر يمينه في غَيْرِه وعلى ضَعْفِه؟ فقد قال الإمام -رحمه الله-: القياس طَرْدُه فيما إذَا تَقَدَّمت خُصومةُ البَائِع والمُشْتَرِي، وَنَكَلَ البَائِعُ وَحَلَفَ المُشْتَرِي اليَمِين المَرْدُودَة حتى يقال: تثبت لِلَّذِي لم يبع مُطَالَبة البَائِع بِنَصِيبهِ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ خُصومَةٍ، لكون يَمِين الرَّد بمنزلة البينة أو الإقْرَار والله أعلم.
فهذا أحد وَجْهَي اختلاف الشَّرِيكين في القَبْضِ.
والوجه الثَّاني: أن يقول الشَّرِيك البَائِع لِلَّذي لم يبع: قبضت الثَّمن كلَّه وصدقه المُشْتَري، فأنكر الذي لَمْ يَبع فَلَهُ حَالَتَان:
إحداهما: أن يكون الذي لم يبع مأذوناً من جِهَة البَائِعِ في قَبْضِ الثَّمَنِ، فيبرأ المُشْتَرِي عن نَصِيب البَائِع، لاعترافه بأن وكيله قَدْ قبض، ثم تعرض خُصُومتان كَمَا فِي النِّزَاع الأَوّلِ، فَإِنْ تَخَاصَمَا الذي لَمْ يَبعْ والمُشْتَرِي، فالقولُ قولُ الَّذِي لم يبع في نَفْيِ القَبْضَ، فَيَحْلِف ويأخذ نصيبه ويسلم له المأخوذ، وإن تَخَاصَم البَائِع والَّذِي لم يبع حلف الَّذِي لَمْ يَبع، فإن نَكَلَ حَلف البَائِعُ وأخذ منه نَصِيبَه ولا رجوعَ لَهُ عَلى المُشْتَرِي، وكل ذلك كَمَا مَرَّ في النِّزاعِ الأَوَّلِ، ولو شَهِد البَائِع لِلْمُشْتَرِي عَلَى القَبْضِ لم تقبل؛ لأنه يشهد لِنَفْسِهِ على الذي لَمْ يَبع.
والحالة الثانية: أن لا يَكُون الَّذِي لم يبع مأذوناً من جِهَةِ البَائِعِ فِي القَبْضِ فلا تبرأ ذِمَّة المُشْتَرِي عَنْ شَيْءٍ من الثَّمَنِ، أما عَن حق الذي لم يبع، فلأنه مُنْكر في القَبْض، ومصدق في إنْكَاره بيمينه، وأما عن الَّذِي بَاعَ فلأنه لم يَعْتَرِف بقَبْضٍ صَحِيحٍ، ثم لا يخلو: إما أن يكون البَائِعُ مأذوناً من جِهَةِ الَّذِي لم يبع في القَبْضِ، أو لا يكون هو مأذوناً أيضاً.
القسم الأول: أن يكون مأذوناً فله مُطَالبة المُشْتَري بِنَصِيبِهِ مِنَ الثَّمَنِ، ولا يتمكن من مُطَالَبَتِهِ بنصيب الَّذِي لم يبع؛ لأنه لَمَا أقر بِقَبْضِ الَّذِي لَمْ يَبعْ نَصِيبَه، فَقَدْ صَارَ معزولاً عَنْ وكالته، ثم إذا تَخَاصَم الَّذِي لم يبع والمُشْتَرِي، فعلى المُشْتَري البينة على القَبْضِ، وإن لم تَكُنْ البَيِّنَة، فالقولُ قَوْلُ الذي لَمْ يَبع، فإذا حَلَف ففيمن يَأْخُذ حَقَّه منه؟
الجزء: 5 - الصفحة: 200
وجهان: قال المُزَنِيّ وَابْنُ القَاصّ وآخرون: إن شاء أخذ تَمَام حَقّه من المُشْتَرِي، وإن شَاءَ شارك البَائِع في المَأْخُوذ وأخذ البَاقِي من المُشْتَرِي؛ لأن الصَّفقة واحدة، فَكُلّ جُزْءٍ مِنْ الثَّمَنِ شَائِعٌ بينهما، فإن أخَذَ بِالْحِصَّة الثانية لم يبق مع البَائِعِ إلَّا ربع الثَّمَن، ويفارق هَذَا ما إذا كان الذي لم يبع مأذوناً في القَبْضِ، حيث لا يشاركه البَائِع فيما يأخذه من المُشْتري؛ لأن زعمه أن الذي لَمْ يبع ظَالِمٌ فيما أخذه فلا يُشَارِكه فيما ظلم به، قال ابْنُ سُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ: ليس له إلا أخذ حقه من المُشْتَرِي، ولا يشارك البَائِع فيما أخذه؛ لأن البَائعَ قد انعزل عن الوَكَالَة بإقراره، وأن الَّذي لَمْ يبع قَبْض حَقّه فيما يأخذه بعد الانعزال يأخذه لنفسه خَاصَّة، وهذا كلام استحسنه الشَّيْخُ أبُو حَامِدٍ والشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، لَكِنْ أبو عَلِيّ قال: إنه وإن انعزل فالمسألة تحتمل وجهين؛ بناءً على أن مالكي السَّلْعَة إذا بَاعَاها بصفقة وَاحِدَةٍ هل ينفرد أحدهما بِقَبْضِ حصته من الثَّمنَ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل إذا انفرد بأخذ شَيْءٍ شاركه الآخر فيه، كما أن الحَقَّ ثابت لِلْوَرثة، لا ينفرد بعضهم باستيفاء حصته منه، ولو فعل شاركه الآخرون فيه، وكذا لو كاتبا عبدهما صفقة وَاحِدة، لم ينفرد أحدهما بأخذ حَقِّه من النُّجُومِ.
والثاني: نعم، كما لَوْ بَاعَ كل واحد منهما نصيبه بعَقْدِ مفرد، ويخالف المِيرَاث والكتابة، فإنهما لا يثبتان في الأَصْلِ بصفة التّجزيء، إذ لا ينفرد بَعْضُ الورثة ببعض أعْيَانِ التركة، ولا تجوز كَتَابَة بَعْضِ العَبْدِ، فلذلك لَمْ يَجُز التجزيء في القبض، ولو شَهِد البَائِع لِلْمُشْتري على أن الذي لم يبع قد قبض الثَّمن، فعلى قول المُزَنِي: لا تقبل شهادته؛ لأنه يدفع بها شركة صَاحِبه فيما أخذه، وَعَلى ما ذكره ابْنُ سُرَيْج تقبل.
والقسم الثَّاني: أن لا يكون البائع مأذوناً في القَبْضِ، قال أصْحابنا العراقيون: للبائع مطالبة المُشْتري بحقه هاهنا وما يأخذه يسلم له، وتقبل هاهنا شهادة البَائِع لِلْمُشْتَرِي على الذي لَمْ يَبع، وقياس البِنَاء الذي ذكره الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ عود الخِلاَف في مُشَاركة صَاحِبه، فيما أخذه تَخْرِيج قبول الشَّهَادة على الخِلاَف، ويجوز أن يستفاد من جَوَابهم ترجيح الوجه الصَّائِر إلى الأَصْلِ المبني عليه، أن كُلَّ شَرِيك ينفرد بقبض حِصَّته على أني رأيت في فَتَاوَى الحَنَّاطِي حكاية وجه: أن أحدَ الموارثين أيضاً إذا قبض من الدَّيْنِ قَدْرَ حصته لم يشاركه الآخر، إلا أن يأذن له المَدْيُون في الرّجُوعِ عَلَيْهِ، أو لا يجد مالاً سواه، هذا فقه المسألة.
واعلم أن المزني أجاب في الوَجْهِ الثَّانِي من اختلاف الشَّريكين بان المشتري يبرأ من نِصْفِ الثمن بإقرار البَائِع أن شريكه قد قبض؛ لأنه في ذلك أمين، وظاهر هَذَا يشعر بسقوط نصيب الذي لم يبع، كما أن في الوجه الأول من اختلافهما سقط نصيب الذي لم يبع، والأصْحَاب فيما أطلقه فريقان فغلّطه فرقة منها ابْنُ سُرَيْجٍ وَأَبو إسْحَاق وقالت:
الجزء: 5 - الصفحة: 201
إنه نقل هذه المسألة من كتب أهل العراق، فإنهم يقبلون إقرار الوَكِيل على الموكل باستيفاء الثَّمَنِ، والبائع وكيل الذي لم يبع، فيسقط بإقراره أن الموكل قد قَبضَ حَقَّه، فأما على أَصْل الشَّافعي -رضي الله عنه- فإن إقرار الوَكِيل على الموكل غَيْر مَقْبول، فلا يسقط بإقرار البَائِع حَقّ الذي لم يَبع.
وفرقه أولت كلامه، ولهم قولان عن ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وغيره: أنه ما أراد بقوله: (برئ المُشْتَرِي من نِصْفِ الثمن) البراءة المطلقة، وانما أراد براءة مُطَالبة البَائِع بالنَّصف؛ لأن زعمه أن شريكَه قد قبض حَقَّه فلا يمكنه المطالبة به.
ومنهم من حمله على ما إذا كان الذي لم يبع ماذوناً من جهة البَائِع في القَبْض أيضاً، فإذا أقر البَائع بأن شَرِيكه قبض، وقد أقر بقبض وكيله، فعلى هذا فالنّصف السَّاقِط هو نصيب المُقر، كما في الاختلاف الأول.
واعلم أن المَسْأَلة لا اختصاص لها بالشَّركة المعقود لها البَاب، وإنما هِيَ موضوعة في مُطْلَق الشَّرِكة.
وقوله في الكتاب: (فإن نكل حلف الخصم واستحق) أي إن نكل البائع وحلف الذي لم يبع، واستحق نصيبه على شريكه.
وقوله في الصورة الثانية: (لم يقبل إقرار الوكيل على الموكل)، الوكيل هاهنا الذي بَاع، والموكل الَّذِي لم يبع، وقوله: (وبرئ المشتري من مطالبة المقر، بأن شريكي قبض) إلى آخره قد يوهم مغايرة هذه اللَّفْظَة، لقوله في الصُّورة السَّابِقة: "المشتري يبرأ من نَصِيب المقر لإقراره"، فرق بينهما في هَذَا الحُكْم ولا فرق، وَليس في تَغَاير اللَّفْظَيْن فقه.
وقوله: (ولم يبرأ من مطالبة الجَاحِد) كالشرح والإيضاح لِمَا مَرّ، وإلا ففي قوله: (لم يقبل إقرار الوكيل على الموكل) ما يفيده، فإنه إذا لم يقبل إقْرَار البَائِع عليه، ففي حقه ومطالبته بحالهما، ويجوز أن يقال: قوله: (لم يقبل إقرار الوكيل على الموكل) إشارة إلى القَاعِدة الكلِّيَةِ في الوكلاء والمُوَكلين.
وقوله: (ولم يبرأ من مطالبة الجَاحِد)، بيان قياس تلك القاعدة وثمرتها فيما نحن فيه.
فرع: نتأسى في خَتْمِ الكِتَاب بالمزني والأصْحَاب، وان لم يكن له كبير اختصاص بالبَاب عبد بين رجلين غصب غاصب نصيب أحدهما بأن نزل نفسه منزلته، وأزال يَد صاحبه يَصِح من الذي لم يَغْصب نصيبه بيع نصيبه، ولا يَصِحّ من الآخر بيع نَصِيبه إلا من الغَاصِب، ولو بَاعَ الغَاصِبُ والذي لم يَغْصب نصيبه، جميع العَبْد في عَقْدٍ واحدٍ
الجزء: 5 - الصفحة: 202
بطل في نَصِيب الغَاصِبِ، وصَحَّ في نَصِيب المَالِك، ولا يخرج على الخلاف في تفريق الصفقة، لأن الصفقة تتعدد بتعدد البائع، ومنهم من قال: ينبني القول في نَصِيب المَالِك على أن أحد الشَّرِيكين إذا بَاعَ نِصْفَ العَبْدِ مطلقاً ينصرف إلى نصيبه أم يشيع، وفيه وجهان، وهذه المَسْأَلة مذكورة في الكِتَاب في بَابِ العِتْقِ.
فإن قلنا: ينصرف إلى نَصِيبه صَحَّ بيع الماِلك في نصيبه.
وإن قلنا: بالشيوع يبطل البيع في ثَلاَثَةِ أَرْبَاع العَبْدِ، وفي رُبُعِهِ قولان، ولا ينظر إلى هَذَا البناء فيما إذا بَاعَ المَالِكَان معاً وأطلقَا، ولاَ يجعل كما إذا أطلق كُلُّ وَاحِدٍ منهما بيع نِصْف العبد؛ لأن هناك تناول العقد الصَّحيح جميع العبد.
والله أعلم.
الجزء: 5 - الصفحة: 203