كِتَابُ السِّيَرِ*
وَفِيهِ ثَلاثَةُ أبْوَابٍ
البَابُ الأَوَّلُ فِي وُجُوبِ الجِهادِ
وَالنَّظَرُ فِي طَرَفَيْن: (الأَوَّلُ: وُجُوبُهُ) وَهُوَ واجِبٌ عَلَى الكِفَايَة فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً واحِدَةً فِي أَهَمِّ الجِهَاتِ* وَالإِمَامُ يَرْعَى النَّصَفَةَ فِي المُنَاوَبَةِ بَيْنَ النَّاسِ.
قال الرَّافِعِيُّ: السِّيَرُ: جمعُ سِيرَة، وهي الطريقةُ، يُقال: إنها مِنْ سار يَسِير، والفِعْلة للهيْئَةِ، كالقِعْدة والركبة، وترجم الكتابَ بـ"السِّيَر"، لأنَّ الأحكام المُودعة فيه متلقاةٌ من سِيَر رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- في غَزَواته.
والمقصودُ: الكلامُ في الجهادُ 1 وأحكامِه، وبكتاب الجهاد ترجمه "صاحبُ التلْخِيص" وغيرُه.
الجزء: 11 - الصفحة: 337
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = "الأول" أن الجهاد يستدعي السّير وقطع المسافات غالبًا.
"الثاني" أن المجاهد له عند الناس ذكر حسن وسيرة طيبة وفضل عظيم.
"الثالث" أن هذا الموضوع مشتمل على بيان طرق الغزاة، وهيئاتهم وما لهم من الحقوق وما عليهم من الواجبات.
وعلى كيفية القتال وبيان الغنائم وقسمتها والأسرى ومعاملتهم، وذلك كله متلقى من سير النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزواته.
فبهذه الوجوه صح التعبير بكلمة السير، وبذلك تحققت المناسبة بينها وبين موضوع الجهاد.
مشروعية الجهاد وفضله
الجهاد في سبيل الله من أفضل أعمال البر وأشرفها عند الله، والدفاع عن الدِّينِ والعِرْضِ والنفس والمال، والذَّوْدِ عن الجماعة الإسلامية، وحماية الأوطان من الخراب والدمار من أسمى الخصال التي حث الله عليها، وَأَيُّ رجل أرفع قدرًا، وأطيب ذكرًا، وأعظم عند الله أجرًا، وأعلى في النّاس منزلةً، من رجل يجود بنفسه في سبيل الله، وفي سبيل الذَّوْدِ عن كلمة الله، وحرمات الله.
دعا الله عبادَه إلى الجهاد في سبيله، وبين فضائله ومزاياه في آيات كثيرة من كتابه العزيز، فقال تعالى شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ {تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ قَالَ الحسن: مَرَّ أعرابي على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يقرَأ هذه الآية فقال: كلام من هذا؟ قال كلام الله، فقال بيع والله مُبْرَعٌ، لا نقيله ولا نَسْتَقِيلُهُ، فخرج إلى الغزو واستثهد.
وأنشد الأصمعيُّ لجَعْفَرِ الصَّادِقِ -رضي الله عنه-: [الطويل]
أُثَامِنُ بالنَّفْسِ النَّفِيْسَةِ رَبَّهَا ... وَلَيْسَ لَهَا فِي الخَلْقِ كُلِّهِمُ ثَمَنْ
بِهَا تُشْتَرَى الجَنَّاتُ إنْ أَنَا بِعْتُهَا ... بِشَيءٍ سِوَاهَا إِنَّ ذَلِكُمُ غَبَنْ
لَئِنْ ذَهَبَتْ نَفْسِي بِدُنْيَا أَصَبْتُهَا ... لَقَدْ ذَهَبَتْ نَفْسِي وَقَدْ ذَهَبَ الثَّمَنْ
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ومَنْ أَحبّه الله أَمَّنَهُ من عذابه، وأكرمه بجواره في الجنة التي أَعَدَّهَا الله لأوليائه، وَرَوَى الإِمَامُ أحْمد والترمذيُّ عن أبي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ قاتَلَ فِي سَبِيْلِ اللهَ فَواقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ"، وفي حديث متفق عليه عن ابْنِ مَسْعُودٍ قال: سَأَلْتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أيُّ العمل أحب إلى الله قال: "الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا" قلت ثم أَيُّ؟ قال "بِرُّ الوَالِدَيْنِ"، قلت ثم أي؟ قال: "الجِهَادُ =
الجزء: 11 - الصفحة: 338
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = فِي سَبِيْلِ اللهِ" وفي حديث متفق عليه، عن أنس قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "لغُدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ في سَبِيْلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا" وفي "المُوَطَّأ"، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَثَلُ المُجَاهِدِ فِي سَبيْلِ اللهِ كَمَثَلِ الصَّائِم القَائِم الدَّائِم الَّذِي لا يَفْتُرُ مِنْ صَلاةٍ وَلاَ صِيَامٍ حَتَّى يَرْجِعَ" وفيه أيضًا أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبيْلِهِ لاَ يُخْرجه مِنْ بَيْتِهِ إِلاَّ الجِهَادُ فِي سَبيْلِهِ وَتَصدِيْقُ كَلِمَاتِه أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ إِلَى مَسْكَنِهَ الَّذِي خَرَجَ مِنْه مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَو غَنيْمةٍ".
ولمّا كان الجهاد من أفضل الأعمال جازى الله الشهداء في سبيله، لقاء ما بذلوا من حياتهم في طاعته، وهم لا يملكون أعز منها، بأن أحياهم حياة أفضل من حياتهم التي بذلوها ابتغاء مرضاته قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وفي الموطأ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "والَّذِي نَفْسِي بِيَدَهِ لَوَدِدْتُ أَنْ أُقَاتِلَ فِي سَبيْلِ اللهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا فأُقتَلُ" فكان أبو هريرة يقول: ثلاثًا أشهد بالله، أي أنه قالها ثلاث مرات.
وفيه أيضًا عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيْلِ اللهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبيْلِهِ إِلاَّ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يُنْعَبُ دمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيْحُ رِيْحُ المِسْكِ".
والآيات والَأحاديث الواردة في مشروعية الجهاد وبيان فضله ولفت الأنظار إليه والتحبيب فيه، والحث عليه أكثر من أن تحصى فلنكتف بهذا القدر قياماً بواجب الموضوع.
قد يقال: إن أخص أوصاف الرسول محمدٍّ -صلى الله عليه وسلم- صفة الرَّحمة تحلّى بها وامتنّ الله بها عليه، ولا شَكَّ أن في الجهاد سفك الدماء، وإزهاق الأرواح، وتيتيم الأطفال، وترميل النساء، وإتلاف الأموال، وضياع العمران، وهدم المدنيات، وإهلاك الثروات، والنفائس العلمية، والمالية ونقص ما بناه الله، وبالجملة فهو سبب الفساد ومجزرة العباد، فكيف تأتي به شريعةٌ أرسل صاحبها رحمة للعالمين؟
فالجواب: أن قتال الناس بعضهم لبعض سنة بشرية، قضى بها الاجتماع والتنافس والطغيان، ومحبة الاستيلاء وإنفاذ الكلمة والسلطان.
عرفته الإنسانية منذ رأى الإنسان أخًا له ينفس عليه ويكيد له، ويغيظه أن ينال ما لا ينال ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾.
ولقد جاءت الشريعة الإِسلامية، وهي حقيقة أرحم الشرائع -وتضمنت خير الناس وسعادتهم، وليس من الحكمة أن تترك الناس يقتل بعضهم بعضًا لأتفه الأسباب، ولا أن تعمل على اقتلاع شأن قار في الطباع، وإنما الحكمة فيما سلكته في هذا الشأن، وهو أنه أقرت أصل القتال تلبية لداعي الفطرة، ثم تناولته بالتهذيب ووجهته الوجهة الصالحة للمجتمع الإنساني شأنها في كل ما شرعته من أحكام- صَيَّرتْهُ في دائرة هي أضيق الدوائر، وجعلته لغاية هي أسمى الغايات، فحظرت قتال الشّره، والهوى واستعباد النقوس وإذلالها، وجعلته لأعلاء كلمة الله وإعزاز دينه والدفاع عنه وقمع الكفر، والشرك وتمكين دين الله في أرضه، ولدفع الظلم والعدوان ولإخلاء العالم من الشر والفساد قال الله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ =
الجزء: 11 - الصفحة: 339
والأَصْلُ في الكتاب الإجماعُ، وما لا يعد من الآيات والأَخْبارِ؛ كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216] وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: 36]، وقال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: 191] وقال تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 41] وقال -صلى الله عليه وسلم- "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَه إِلاَّ اللهُ" 2 وسُئِل رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: أيُّ الأعمال أفضلُ؟ فقال: "الصلاةُ لوقتها، فقِيل: ثم أَيّ؟ قال: بِرُّ الوالِدَيْن، قِيل: ثم أَيّ؟ قال: الجهادُ في سَبِيلِ اللهِ" 3.
وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه لَغَدْوَةٌ في سَبِيل الله أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيها" 4 ولا بُدَّ من معرفة قضية هذه الترغِيبات والأَوَامر، وحال الجهاد، أَهُوَ واجِبٌ على الكفايَةِ، أو على الأعْيان؟ وكيف ما كان؟ فالجهادُ قد يُؤْتى به فيحتاج إلى الوقوف على كيفيته، وأحكامه وقد يقتضي الحالُ تركَه بأمان يعقد؛ فرتب المصنِّفُ -رحمه الله- الكتاب على ثلاثةِ أبوابٍ.
أَحدُها: في وُجُوبِه.
والثانِى: في كَيْفِيَّتِه.
والثالِثُ: فِي تَرْكِهِ بالأَمان.
أمَّا الأول: فقد ذكر الشافِعِيُّ -رضي الله عنه- والأصحابُ في صدره، أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لمَّا بُعِث أُمِر بالتبليغ والإِنْذَارِ بلا قتالٍ، واتَّبعه قومٌ بعد قوم، وفرضَتِ الصلاةُ بـ"مكة"، ولما هاجر فُرِضَ الصومُ بعد سنتين من الهجرة، واختلفوا في أنَّ الزكاة فرِضَتْ قبل الصيام أو بعده، وفُرِض الحجُّ سنة سِتٍّ، وقِيل: سنة خَمْس.
= عَلَى العالَمِينَ} وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
لهذا شرع الله الجهاد، فلم يكن القصد من مشروعية القتال سوى تمكين النّاس من عبادة الله، واقتلاع عوامل الشر والفساد في الأرض أو تخفيفها، وهذه هي أسمى مقاصد الدين والشرائع السّماوية، فإذا تعين القتال طريقًا لهذه الغاية؛ وَجَبَ في نظر العقل والحكمة اتخاذه طريقًا لها، ولهذا شرع الله القتال وإن تضمن سفك الدماء، وتيتيم الأطفال، فإن الشر القليل في سبيل الخير الكثير خيرٌ كثير.
الجزء: 11 - الصفحة: 340
وكان القتالُ مَمْنُوعًا عنه في ابتداء الإِسلام، بل أُمِرُوا بالصبر على أذى الكفار، والاحْتِمال منهم؛ على ما قال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: 186] ولمّا هاجر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة -وجبتِ الهجرةُ إليَها على مَنْ قَدَرَ؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء: 97] ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء: 98] فلمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ ارتفعت فرضيةُ الهجرة فيها إلى المدينة.
وعلى ذلك يُحْمَلُ قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ 5 وَنيَّةٌ"، وبَقِيَ وجُوب الهجرة من دار الكُفْر في الجملة على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- من بعد، ثم إِن الله تعالى أَذِنَ في القِتالِ مع مَنْ قَاتَل فقال عزَّ من قائل: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: 190] ثم أباح ابتداءَ القتالِ، ولكن في غير الأَشْهُرِ الحُرُمِ على ما قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:5] ثم أَمَرَ به من غير تَقييدٍ بشرط أو زمان، فقال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: 191] وقد ذكروا في خِلاَل هذه المقدمة أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لم يَعْبُدْ صَنَمًا قطٌّ، ورَووْا عنه أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا كَفَرَ باللهِ نَبِيٌّ قَطٌّ" وفي "البَيَانِ" أنه كان قبل أَنْ يُبْعَثَ كان مُتَمْسِّكاً بدين إبْرَاهِيم -عليه السلام- 6.
الجزء: 11 - الصفحة: 341
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عشر يومًا، وقيل: أربعة عشر، وغسله علي والعباس والفضل وقثم وأسامة وشقران رضي الله عنهم، وكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، وصلى عليه المسلمون أفراداً بلا إمام ودخل قبره علي والعباس والفضل وقثم وشقران، ودفن في اللحد وجعل فيه تسع لبنات، ودفن في الموضع الذي توفي فيه، وهو حجرة عائشة، ثم دفن عنده أبو بكر، ثم عمر رضي الله عنهما، ولم يحج -صلى الله عليه وسلم- بعد الهجرة إلا حجة الوداع سنة عشر، وسميت حجة الوداع لأنه ودع الناس فيها -صلى الله عليه وسلم-، واعتمر -صلى الله عليه وسلم- أربع عمر.
واختلفوا هل فرض الحج سنة ست أو خمس أو تسع.
وأول ما وجب الإنذار والدعاء إلى التوحيد، ثم فرض الله تعالى من قيام الليل ما ذكره في أول سورة المزمل، ثم نسخه بما في أواخرها، ثم نسخه بإيجاب الصلوات الخمس ليلة الإسراء بمكة بعد النبوة بعشرة سنين وثلاثة أشهر ليلة سبع وعشرين من رجب، وكان -صلى الله عليه وسلم- مأموراً بالصلاة إلى بيت المقدس مدة مقامه بمكة وبعد الهجرة ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر، ثم أمره الله تعالى باستقبال الكعبة.
ذكر بعض الأمور المشهورة بعد الهجرة على ترتيب السنين:
السنة الأولى: فيها بني -صلى الله عليه وسلم- مسجده ومساكنه، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وشرع الأذان وأسلم عبد الله بن سلام.
السنة الثانية: فيها حولت القبلة إلى الكعبة، قال محمد بن حبيب الهاشمي: حولت في الظهر يوم الثلاثاء نصف شعبان، كان -صلى الله عليه وسلم- في أصحابه، فحانت صلاة الظهر في منازل بني سلمة، فصلى بهم ركعتين من الظهر في مسجد القبلتين إلى القدس، ثم أمر في الصلاة باستقبال الكعبة وهو راكع في الركعة الثانية، فاستدار واستدارت الصفوف خلفه -صلى الله عليه وسلم-، فأتم الصلاة، فسمي مسجد القبلتين، وفي شعبان منها فرض صوم رمضان، وفيها فرضت صدقة الفطر، وفيها كانت غزوة بدر في رمضان، وفي شوال منها تزوج عائشة، وفيه تزوج علي فاطمة.
السنة الثالثة: فيها غزوات وأربع سرايا، منها غزوة أحد يوم السبت السابع من شوال، ثم غزوة بدر الصغرى في هلال ذي القعدة، وفيها غزوة بني النضير، وحرمت الخمر بعد غزوة أحد، وتزوج حفصة، وتزوج عثمان أم كلثوم، وولد الحسن بن علي.
الرابعة: فيها غزوة الخندق وذكرها جماعة في الخامسة، والصحيح أنها في الرابعة، ويقال لها: الأحزاب أيضًا، وكان حصار الأحزاب المدينة خمسة عشر يومًا ثم هزمهم الله تعالى، وفيها قصرت الصلاة ونزل التيمم، وتزوج أم سلمة.
الخامسة: فيها غزوة ذات الرقاع في أول المحرم وبها صلى صلاة الخوف، وهي أول صلوات الخوف، ثم غزوة دومة الجندل، وغزوة بني قريظة.
السادسة: غزوة الحديبية وبيعة الرضوان، وغزوة بني المصطلق، وكسفت الشمس، ونزل الظهار.
السابعة: فيها غزوة خيبر، وتزوج أم حبيبة وميمونة وصفية، وجاءته مارية وبغلته دلدل، وقدم جعفر وأصحابه من الحبشة، وأسلم أبو هريرة، وعمرة القضاء.
الثامنة: فيها غزوة مؤتة، وذات السلاسل، وفتح مكة في رمضان، وولد إبراهيم، وتوفيت زينب، وغزوة حنين والطائف، وفيها غلاء السعر، فقالوا: سعر لنا.
=
الجزء: 11 - الصفحة: 342
إذا عرفْتَ ذلك، فالجهادُ قد يكون فَرْضَ كفايةٍ، وقد يَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ 7 فالكلام في القِسْم الأول في طرفَيْن: = التاسعة: فيها غزا تبوك، وحج أبو بكر رضي الله عنه بالناس، وتوفيت أم كلثوم والنجاشي، وتتابعت الوفود، ودخل الناس في دين الله أفواجاً.
العاشرة: فيه حجة الوداع، ووفاة إبراهيم، وإسلام جرير، ونزل ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وغزواته -صلى الله عليه وسلم- بنفسه خمسة وعشرون غزوة، وقيل: سبع وعشرون، وسراياه ست وخمسون، وقيل غير ذلك.
الجزء: 11 - الصفحة: 343
أحدُهما: في وجُوبِهِ.
والثَّانِي: في الأَعْذَارِ المسقِطَةِ له، وهما جميعًا محفوظان بالكلام في غير الجهادِ من فُرُوضِ الكفايات، أمَّا الوجُوبُ: فاختلَفُوا في أنَّ الجهادَ في عَهْدِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- كان فَرْضَ عَيْنٍ، أَوْ فَرْضَ كِفَايَةٍ، على وجهين:
أحدُهما: أنه كان فَرْضَ عَيْنٍ؛ لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: 39].
ومَنْ قال به، قال: مَنْ لَمْ يَخْرُجْ كان يحرس المدينة وكانت ثَغْرَ الإِسلام، وحِرَاسَتُها نوع من الجهاد، وأظهرُهما أنها كانت فَرْضاً على الكِفَايَةِ، واحتجَّ له بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ = واجب قالا.
ما علمناه واجبًا.
"وسنعرض لهذا بتوسعة في أساس العلاقة بين المسلمين وغيرهم.
ان شاء الله".
وخالف في الكفاية ابن المسيب، وقال: إنه فرض عين في الأحوال كلها.
لقوله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ" ولكن النصوص الصريحة تبطل هذا القول.
وعمل الرسول عليه السلام يدحضه فإنه لو كان فرض عين في الأحوال كلها لما وعد الله القاعدين بالحسنى في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية ولما قعد عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-، واكتفى ببعث السرايا ولا أذن غيره بالتخلف ولأن فرضية القتال لمقصود إعزاز الدين، وقهر المشركين فإذا حصل هذا المقصود بالبعض سقط عن الباقين.
ولأن في جعله فرض عين حرجًا عظيمًا حيث تعطل أمور الناس من زراعة، وتجارة إذا خرجوا جميعًا للجهاد.
والحرج متتف.
"مَا جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فِي الدِّيْنِ مِنْ حَرَجٍ".
ويكون الجهاد فرض عين بلا خلاف بين الفقهاء.
إذا هجم العدو على بلد من بلاد المسلمين فيتعين على كل واحد من آحادهم ممن هو قادر عليه.
لأن الوجوب على الكل ثابت بالنصوص.
وسقوطه عن البعض بحصول المقصود بالبعض الآخر.
فإذا لم يتحقق الدفع إلا بالكل يبقى فرضاً عينياً عليهم جميعًا كالصلاة والصوم ...
إذا التقى الزحفان، وتقابل الصفان فيحرم على من حضر الانصراف، ويتعين عليه المقام إلا متحرفاً لقتال أو متميزًا إلى فئة، وما دام الكفار لم يزيدوا على ضعف عدد المسلمين قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وقال جل شأنه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
إذا استنفرهم الإمام لقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوْا".
الجزء: 11 - الصفحة: 344
الْحُسْنَى} [النساء: 95] ذَكَرَ فَضْلَ المُجَاهِدِينَ، وَوَعَدَ الْقَاعِدِينَ بالحُسْنَى -أيضًا، ولو كان القَاعِدُونَ تَارِكِينَ للفرض لَمَا كان يعدهم بالجميل، وذكروا لوعيد مَنْ لم ينفر محملين.
أَحَدُهما: أن ذلك كان في حالِ قِلَّة المسلمين، وكَثْرَةِ المشركين، فأمرُوا بالجهاد لئلا يُظْلَمُوا.
والثاني: أَنَّ الوَعِيدَ لِمَنْ عَيَّنَهُ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فإنه يَتَعَيَّنُ عليه الإجابةُ، وعلى المحملين فقد يثبت التعيينُ في غير ذلك الزَّمَانِ، امَّا لمعْنَى القِلَّةِ، والكثرة فظاهر.
وأَمَّا الثَّانِي فلأَنَّ الإِمامَ إذا عَيَّن جَماعَةً فلا بُدَّ لهم من الطاعة والإذعان، وأمَّا بَعْدَ النبي -صلى الله عليه وسلم- فللكفار حَالَتَانِ:
إحدَاهُمَا: إذا كانوا مستقرين في بلادهم لم يَقْصدوا المسلمين، ولا شَيْئًا من أموالهم، فالجهادُ معهم فرْضٌ على الكفايةَ، ولو فُرِضَ على الأَعْيَانِ، لتعطلت المعائِشُ والمكاسِبُ، ويدل عليه ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "من جَهَّزَ غَازِياً فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خلَف غَازِياً فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَقَدْ غَزَا" 8 وإن امتنع الكُلُّ عنه لحق الحرج، أو يعمهم أو يختص الذين ندبوا إليه؟ 9.
حكى القاضي ابن كَجٍّ فيه وجهين، وإن قام به مَنْ فيه الكفاية، سقط عن الباقين، وذكر الأَصْحَابُ: أن الكفايةَ تحصُل بشَيئيْن:
أحدُهما: أن يشحن الإِمام الثغور بجماعة من بإزائهم مِنَ العدُوِّ، ويكافِئُونهم، وَينْبَغي أن يَحْتَاط بإحكام الحصون وحفر الخنادِقِ ونَحْوِهما ويرتب في كل ناحية أميراً كافياً يقلِّده الجِهَادَ، وأمُورَ المسلمين.
والثاني: أن يدخل [الإِمام] 10 دار الكُفْرِ غازياً بنفسه، أو يبعث جَيْشاً يؤمر عليهم مَنْ يَصْلُحَ لذلك، وأقله مرة واحدة في كُلِّ سَنَةٍ، وما زاد كان أفضل، والأَوْلَى أن يبدأ بقتال مَنْ يَلِي دارَ الإِسلامِ؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123] وإن كان الخوفُ من الأَبْعد أكثَرَ بدأ بهم، ولا يجوزُ إِخْلاَءُ السنة عن مرَّةٍ واحدَةٍ إلاَّ لضرورةٍ بأَنْ يكُون في المسلمين ضَعْفٌ، وفي الأَعْدَاءِ كثرةٌ، ويُخَافُ
الجزء: 11 - الصفحة: 345
من ابتدائِهم بالقتال الاسْتِئْصَالُ، أو لعذرٍ بأن يعز الزَّاد وعلف الدوابِّ في الطريق، فيؤخر إلى إدراك الغلاَّتِ، أو ينتظر لحوقُ مَدَدٍ، أو يتوقَّعُ إسلامُ قومٍ فيستحيلهم بترك القِتَالِ، ووجَّه الأصحابُ القول بأنه لا تخلو السنةُ عن الجهاد مرّةً واحدة؛ لفعْلِ رسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فإنَّهُ رُوِيَ أَنَّ غَزْوَةَ 11 بَدْرٍ كانت في السنة الثانِيَةِ من الهجرة، وكانت
الجزء: 11 - الصفحة: 346
غزوةُ أُحُد 12 في الثالثَةِ، .................................... = هذه خلاصة وجيزة لغزوة بدر الكبرى أو إلى الغزوات التي دار فيها القتال بين القرشيين والمسلمين -فهل موقف المسلمين الحربي كان موقف دفاع أم هل كان موقف هجوم؟؟ لقائل أن يقول: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان مهاجماً فهو الذي خرج لاعتراض عير قريش -بعد أن فاتته في غزوة العشيرة.
وما ذاك إلا لأنه يتحرش بها للقتال.
وهو الذي أصر على لقائها بعد أن علم أنها خرجت بخيلها ورجلها وأن موقف قريش كان موقف الدفاع عن أموالها ورجالها- ولكن هذا القول ليس له عند البحث ما يؤيده.
فإن قريشاً كانت تحرص كل الحرص على لقاء المسلمين وقتالهم إذ لو كانت تقصد الذود عن تجارتها فقط؟ فقد نجت هذه التجارة.
وأمرهم رئيس القافلة بالرجوع إلى مكة فلماذا لم يتبعوا مشورته؟ وينزلوا على رأي الأخنس بن شريق حينما قال لهم: "اجعلوا إلى جنبها، وارجعوا فإنه لا حاجة لكم بأن تخرجوا في غير ضيعة"؟ واتبعوا رأي أبي جهل؟؟ ولقيت مقالة (والله لا نرجع حتى نرد بدرًا إلخ) من نفوسهم القبول والتأييد؟؟ إن قريشاً غرتهم كثرة عددهم وعدتهم فخرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس وعز عليهم أن يعودوا دون الأخذ بثأر عمرو بن الحضرمي.
يؤيد هذا قول حكيم بن حزام لعتبة بن ربيعة "يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيدها.
هل لك أن لا تزال تذكر فيها بخير إلى آخر الدهر؟ قال عتبة: وما ذاك؟ قال ترجع بالناس، وتحمل دم حليفك عمرو بن الحضرمي قال قد فعلتُ .. عليّ دمه، وما أصيب من ماله.
وإرسال أبي جهل إلى عامر ابن الحضرمي وقوله له هذا حليفك عتبة يريد أن يرجع بالناس فقم فانشد مقتل أخيك.
كل هذا يدل على أن قريشاً كان موقفها في هذه الغزوة موقفاً هجومياً وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه كانوا يقفون موقف الدفاع، وما خروجه لاعتراض عير قريش إلا من قبيل المناوشات الحربية لحملها على الاتفاق معه.
فلما تبدل الموقف أقدم النبي -صلى الله عليه وسلم- على الحرب، وهو راغب عنها يدل لذلك قوله عليه الصلاة والسلام لما رأى قريشًا تصوب من العقل ورأى عتبة على جمل له أحمر (إنْ يَكُنْ في أَحَدٍ مِنَ القَوْم خَيْرٌ فَعِنْدَ صَاحِبُ الْجَمَلِ الأَحْمَرِ إِنْ يُطِيْعُوهُ يرْشدُوْا) ... إذ لو رجع المسلمون إلى المدينة بعد أن توجهت قريش إلى طلبهم، وعلم الناس بذلك لكان هذا القرار سبيلاً لإطماع قريش في مفاجآتهم، والدخول عليهم في بلدهم الجديد خصوصًا، واليهود الذين عاهدهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بدأوا يقلبون له ظهر المجن -فلا يبعد أن يتعاونوا مع قريش، وتتفق كلمتهم على إعادة المأساة في المدينة ومطاردتهم منها كما طردوا عن مكة.
وعندئذ يتجسم الفشل في مصير الدعوة ويذهب شأن الرسول صلوات الله عليه، ومن معه من الأنصار والمهاجرة.
فموقف الرسول كان موقفاً دفاعياً تبرره الشرائع السماوية، والوضعية في مختلف الأمم، وفي جميع العصور.
الجزء: 11 - الصفحة: 347
وغزوةُ ذاتِ الرقاعِ 13 في الرابِعَة، وغزوةُ الخَندَقِ 14 في الخامسة، وغزوةُ بَنِي النَّضِير 15 = شعب في الجبل وقال لهم: (احْمُوا لَنا ظُهُورَنَا) وأمرهم إلاَّ يبرحوا مكانهم- خالفوا أمر الرسول، وانتهت المعركة بخذلان المسلمين، وكسرت رباعية النبي -صلى الله عليه وسلم- وشج في وجهه.
الجزء: 11 - الصفحة: 348
والمُرَيْسِيعِ 16 في السادسةِ، وفتحُ خَيْبَر 17 في السابعة، وفتحُ مكةَ 18 في الثامنة، وغزوةُ = من أموالهم إلا الحلقة (السلاح) فأجابهم الرسول إلى ذلك فخرجوا إلى خيبر، وسار بعضهم إلى الشام.
الجزء: 11 - الصفحة: 349
تَبُوكٍ 19 في التاسعة 20، وأيضًا فإن الجزْيَةَ تُؤْخَذُ للكفِّ عن القتال، وإنما تُؤْخَذُ الجزيةُ
الجزء: 11 - الصفحة: 350
في السنة مرة واحدة، وأيضًا فإنَّ سَهْمَ الغزاة يُؤْخذ في كل سنة مرة، ولا بد من غَزْوةٍ واحدة، هذا ما نصَّ عليه الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- وجرى عليه الأصحابُ.
وقال الإمامُ: المختارُ عندي في هذا مسالِكُ الأُصُولِيِّين، فإنهم قالوا: الجهادُ دعوةٌ قَهْرية، فيجب إقامته على حسب الإِمْكَان، حتى لا يَبْقَى إلا مُسْلمٌ أو مسالم، ولا يختص بالمرة الواحدة في السنة، وإذا أمكَنت الزيادةُ لا يعطَّلُ القرض، وما ذكره الفقهاءُ حملوه على العادَةِ الغالبة، وهي أنَّ الأموالَ والعُدَدَ لا توافي لتجهيز الجنود في السنة أكثر من مرَّة واحدة، وإذا اصْطَلَى الرجالُ بنار القتال، ونالوا من العدُوِّ ونيل منهم، لم يَعُودوا إلى الاسْتِعْدادِ التام ولا دوابهم إلا في مدة السنة، ثم إن تمكّن الإمامُ منْ بثِّ الأجناد للجهاد في جميع أَطْراف الكفار -فعلَهُ، وإلاَّ يَبْدَأ بالأَهَمِّ فالأهم، وينبغي للإمام أنْ يُرَاعي النَّصَفَةَ بالمُنَاوبة، فلا يتحامَلُ على طائفةٍ [بتكرير] 21 الأغزاء مع ترْوِيح الآخرين، وتركهِم في الدَّعَةِ.
= بحديث ابن عمر: عرضت على النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني، قال: وقد أجمعوا على أن أحدًا في الثالثة، قلت: ولا حجة فيه: لأن أحدًا كانت في شوال، فيحمل على أنه كان في أحد طعن في الرابعة عشر، وفي الخندق استكمل الخامسة عشر، فلعله كان في أحد في نصف الرابعة عشر مثلاً، فلا يستكمل خمس عشرة إلا أثناء سنة خمس، إلا أنه يعكر على هذا الجمع ما جزموا به من أنها كانت أيضًا في شوال.
قال الحافظ: (تنبيه) صحح الحافظ شرف الدين الدمياطي: أن غزوة المرَيسيع كانت في سنة خمس، وأما ابن دحية فصحح أنها كانت في سنة ست، وأما غزوة بني النضير فتبع فيه إمام الحرمين وهو غلط، ففي صحيح البخاري عن عروة بن الزبير أنها كانت بعد بدر بستة أشهر، وعن ابن شهاب أنها كانت في المحرم سنة ثلاث، وبه جزم ابن الجوزي في التلقيح، والنووي في الروضة وغيرها، وقال الماوردي: كانت في ربيع الأول سنة أربع وهذا قول ابن إسحاق.
قال الحافظ: (فائدة) كانت الحديبية في سنة ست بلا خلاف، وأما غزوة خيبر في السابعة، فهو المشهور الذي عليه الجمهور من أهل المغازي، ونقل ابن الطلاع عن ابن هشام أنها في سنة ست، وهو نقل شاذ، وإنما ذكر ابن إسحاق ومن تبعه أنها كانت في بقية المحرم سنة سبع، وأمام فتح مكة فمتفق عليه وأنه كان في رمضان سنة ثمان، وأما غزوة تبوك فمتفق عليه بين أهل المغازي، وكان في رجب، وخالف الزمخشري فذكر في الكشاف في سورة براءة أنها كانت في العاشرة.
قال الحافظ: (تنبيه) هذا الذي ذكره المصنف يوهم أن هذا جميع ما غزاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وليس كذلك، فإنه غزا -صلى الله عليه وسلم- بنفسه غزوات أخرى، لكن غالبها لم يقع فيه قتال، فمما قاتل فيه بني قريظة، وحنين، والطائف، ومما لم يقاتل فيه بني غطفان، وقرقرة الكدر، وبني لحيان، وبدراً بموعد، ودومة الجندل، وغير ذلك.
الجزء: 11 - الصفحة: 351
وقوله في الكتاب: "عَلَى الْكِفَايَةِ"، يجوزُ أن يعلم بالواو إشارة إلى قول مَنْ قال: إِنَّه في عَصْرِ النبي -صلى الله عليه وسلم- فرضَ عين وكذا قولُه: مرَّةً واحدة بالواو؛ لما ذكره الإِمام -رحمه الله- وقوله: "فِي أَهَمِّ الْجِهَاتِ"، يَعْني إذا لم يمكن بعثُ الأَجْنادِ في جميع الجهات.
قال الغَزَالِيُّ: وَفُرُوضُ الكِفَايَاتِ كْثِيرَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي مَواضِعِهَا* وَهُوَ كُلُّ مُهِمٍّ دِينِيٍّ يُرِيدُ الشَّرْعُ حُصُولَهُ وَلاَ يَقْصِدُ بِهِ عَيْنَ مَنْ يَتَوَلاَّهُ* وَمِنْ جُمْلَتِهِ إِقَامَةُ الحُجَّةِ الْعِلمِيَّةِ* والأَمْرُ بِالمَعْروفِ* وَالصِّنَاعاتُ المُهمَّةُ* وَدَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ المُسْلِمينَ* وَالقَضَاءُ* وَتَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ* وَتَجْهِيزُ المَوْتَى* وَإحْيَاءُ الكَعْبَةِ كُلَّ سَنَةٍ بِالحَجِّ فَإنْ تَرَكَ ذَلِكَ حُرِّجَ بِهِ كُلُّ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيعْلَمُهُ أَوْ لاَ يعْلَمُ وَلَكِنْ قَصَّرَ فِي البَحْثِ عَنْهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: اطردت عادةُ الأصْحَابِ بذكر جمل من فُرُوضِ الكفايات في هذا الكتاب، وعلى ذلك جرى المُصَنِّفَ إلاَّ أنه فرق ما يتعلَّقُ بها، فمنه ما أورده في هذا الموضع [ومنه ما أورده في آخر هذا الباب الأول،] 22 ومنه ما ذكره في خلال مَسَائِل بَينَهما، ولو جمع بينهما في موضع واحدٍ، ولم يُبَدِّدْها -كان أَحْسَنَ.
وقوله: "فُرُوضُ الكِفَايَاتِ كثيرةٌ مَذْكُورةٌ في مَوَاضِعَ" أراد به أنها مُتَيَسِّرةٌ تورد في أبوابِهَا، كتجهيز الموْتَى بالغَسْل والتَّكْفِين والدَّفْنِ، وكالأذَان، وصلاةِ الجماعة، وصَلاَةِ العِيدَيْنِ، على رَأْيٍ في افْتِراضهما.
وقولُه: "وهُوَ كُلُّ مُهِمٍّ دِينِيٍّ يُرِيدُ الشَّرْعُ حُصُولَهُ، ولا يقصد به عَيْنَ من يتولاَّهُ"؛ إشارةٌ إلى حَقِيقَةِ فَرْضِ الكِفَايَةِ، ومعناه: أنَّ فُرُوضَ الكفاياتِ أمورٌ كُلِّيةٌ تتعلَّق بها مَصَالِحُ دِينيَّةٍ ودُنْيوية، لا ينتظم الأمْرُ إلاَّ بحُصُولها، فقصد الشارع تحصيلها، ولا يقصد تكْلِيفَ الوَاحِد فالواحد وامتحانه بها، بخلاف فُرُوض الأعْيان فإنَّ الكُلُّ مكلَّفُون بتحصيلها.
وفروضُ الكفاياتِ أقسامٌ: منها ما يتعلق [بأصْلِ الدِّينِ، وهو إقامة الْحُجَّةِ العِلْمِيَّةِ، ومعناه أنه كما لا بد من إقامة الحُجة القَهرْية بالسَّيْف، لا بُدَّ في خُطَّةِ الإِسلام ممن يُقِيمُ البراهِينَ والحجج، ويدفع الشُّبْهاتِ، ويحل المُشْكِلات، ومنها ما يتعلق] 23 بفُروعِ الدِّين، ومنه إشاعةُ الأَمْرِ بالمعروفِ، والنَّهْي عن المنكر، والمرادُ مِنْهُ الأمرُ بِوَاجِبَاتِ الشرع، والنَّهْيُ من مُحَرَّمَاتِهِ، وهو من فُرُوضِ الكفاياتِ، فإن نُصِّبَ لذلك رجلٌ تَعيَّنَ عليه بحكم الوِلاَيَةِ، وهو المحتسب، وأَحْسَنَ أَقْضَى القُضَاةِ المَاوَردِيّ ترْتِيبَ الأمر بالمعرُوفِ -وتَقْسِيمَهُ، فجعله على ثلاثة أَضْربٍ:
أحدُها: [ما يتعلق بحقوق الله تعالى، وهو ضربان:
الجزء: 11 - الصفحة: 352
أحدهما] 24 ما يُؤْمَرْ به الجميعُ دون الأفراد، كإقامَةِ الجمعة، حَيْثُ تجتمع شَرائِطُها، فإن كانُوا عددًا يرون انعِقَادَ الجمعة بهم، والمحتسب لا يراه، فَلا يَأْمُرُهمْ بما لا يجوزه، ولا يَنْهاهُمْ عما يرونه فَرْضًا عليهم، ويأمرُهم بصلاةِ الْعِيدِ، وهو لازِمٌ، أو جائِزٌ فيه وجهان.
والثاني: ما يُؤْمَرُ به الآحادِ، كما إذا أخّرَ بعضُ الناسِ الصلاة عن الوقت، فإن قال نسيتُها حثه على المراقبة، ولا يَعْتَرِضُ على من أخرها، والوقْتُ باقٍ؛ لاِخْتِلاَفِ العُلَماء في فَضْلِ التأخير.
والضَّرْبُ الثَّانِي: ما يتعلَّقُ بحقُوقِ الآدَمِيَّينَ، وينقسم إلى عامٍ كالبلد إذا تعطل شربه أو انهدم سوره، أو طرقه أبناء السبيل المحتاجُونَ، وتركوا مَعُونتهم، فإن كان في بيت المال مالٌ لم يؤمر الناس بذلك، وإن لم يكن أمر ذَوِي المُكْنة برعايتها وإلى خَاصٍّ، كمطْلِ المدِينِ المُوسِر بالدَّين، والمحتسب يأمره بالخروج عنه إذا استعداهُ رَبُّ الدين، وليس له الضَّرْبُ والحَبْسُ.
الثالث: الحقوقُ المُشْتَركَةُ كأمر الأَوْلِياء بإِنْكاح الأَكَفَاءِ، وإلزام النساءِ أحْكام العدد، وأَخْدِ السادَةِ بحقوق الأَرِقَّاء، وأرباب البهائم بتعهدها، وألاَّ يَسْتَعْمِلُوها فيما لا تَطِيقُ، وذكر في طرف المنكرات أَنَّ من يغير هَيْئَاتِ العبادات كالجهْرِ في الصلاة السَّرِّيةِ، وبالعكس أَوْ يزِيدُ في الأَذَانِ نمنعُه، ونُنْكِرُ عليه، وَمَنْ تَصَدَّى للتدريس والوعْظِ، وليس هو مِنْ أَهْلِه، ولم يُؤْمَنْ من [اغترار] 25 الناس به في تَأْوِيلٍ أو تَحْرِيف، فينكر المحتسب عليه، ويُظهر أمره لئلا يُغتَرَّ بِهِ.
وإذا رأى رَجُلاً واقفاً مَعَ امرأَةِ في شارع يطرقه الناس لم يُنْكِرْ عليه، وإن كان في طريقٍ خالٍ، وهو موضع ريبة، فينكر عليه ويقول: إنْ كانَتْ ذَاتَ مَحْرَم -فَصُنْها عن مواقِفِ الرِّيَبِ، وإن كانت أَجْنَبِيَّةً فَخَفِ اللهَ تعالى من الخَلْوَةِ معها، ولا ينكر في حقوق الآدَمِيِّين كتعدي الجار في جِدَارِ الجار إلاَّ باستِعْداء صاحب الحق.
وينكر على مَنْ يُطِيل الصلاةَ من أئمة المساجِدِ المطروقة، كما أنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- على مُعاذ -رضي الله عنه 26 - وعلى القضاة إذا حَجَبُوا الخُصُومَ وقصروا في النَّظَرِ في الخصومَاتِ والسوقي المختص بمعاملة النساء تختبر أمانَتُه، فإن ظهرت منه خيانة مُنِع من مُعَامَلتهن، وهذا بَابٌ لا تتناهى صوره.
ومن هذا القبيلِ إحياءُ الكعبةِ بالحجِّ في كُلِّ سنةٍ هكذا أطلقوه، ويَنْبَغِي أن تكون العُمْرَةُ كالحج بل الاعْتِكافِ، والصَّلاَةِ في المسجد الحرامِ، فإن التَّعْظِيمَ وإحياء البُقْعَةِ
الجزء: 11 - الصفحة: 353
يحصل بجميع 27 ذلك.
ومنه ردُّ السلامِ، على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- ومنه الأذان وإقامةُ الجماعة في الصلوات ونحوهما من الشعائر وهي [من] فروض الكِفاياتِ على قَوْلِ بَعْضِ الأصحاب، وقد سبق ذكره في موضعه.
ومنها ما يتعلَّقُ بمصالح المعَاشِ وانتظام أمور الناس كدفع الضرر عن المسلمين، وإِزالَةِ فاقتهم كستر العارين واطْعَامِ الجائعين 28 وإِعَانَةِ المستَغِيثِين في النائبات، وكل ذلك فرضُ كفاية في حق أَصْحَاب الثروة والقُدرة إذا لم تف الصدقات الواجبة بِسَدِّ الحاجات ولم يكن في بيتِ المالَ مِنْ سَهْم المصالح ما يصرف إليها، فإذا انسدت الضرورةُ، فيكفي ذلك أم تَجِبُ الزيادَةُ إلى تمام الكفاية التي يقوم بها مَنْ تلزمه النفقَةِ؟ حَكَى الإمامُ فِيه وَجْهين لِأَصْحابِ الأصول 29.
والحِرَفُ، والصناعاتُ، وما به قِوَامُ المعَاشِ، كالبيع، والشراء، والحراثة، وما لا بُدَّ مِنه حتى الحِجَامَةُ والكَنْسُ، جُبلَت النفوسُ على القيام بها، حتى لا يُحْتاجَ إلى حثٍّ عليها، وتَرْغِيبٍ فيها، لكن لو فُرِضَ امتناعُ الخلق منها لأثموا، وكانوا سَاعِين في إِهْلاك أنفسهم، فهي إذن من فُرُوضِ الكفايات.
ومِنْهَا ما يتعلَّقُ بأمر الدِّين، وصَلاحَ المعِيشة لتحمُّل الشهادة وأَدَائِها، وإِعانةِ القُضَاةِ على استِيفاء الحقُوقِ، ونحو ذلك وكتَجْهِيز الموْتَى: غُسْلاً، وتَكْفِيناً، وصلاة، ودفناً.
وهذه أمورٌ تتعلَّقُ بشعائِرِ الدين، ويَسْتَدعِيها حُسْنُ المعاشرة، وبها تَنْتَظِم أمورُ المعاش، ثُمَّ نختم الفَصْل بصورتين:
إِحْدَاهما: إذا تعطَّلَ فرضُ كِفَايةٍ حرج به مَنْ علم، وقدر على القيام به، ومَنْ لم يعلم به، وكان قَرِيبًا مِنَ الموْضِع يليق به البحثُ والمراقبة، فانه يَأثُم من جهة ترك البَحْثِ أيضًا.
قال الإمامُ: ويختلف هذا بكِبَرِ البلاد، وصِغَرِها، وقد يبلغ التعطِيلُ مَبْلغًا ينتهي
الجزء: 11 - الصفحة: 354
خبره إلى سائِرِ البلاد، فيجب عليهم السّعْي في التدارك، وفي الصورةِ دَليِلٌ على أنه لا يجُوز الإعراضُ [والإهمال] ويجب البحْثُ والمراقَبةُ على ما يليق بالحال.
الثانية: إذا قام بالفْرضِ جَمْعٌ لو قام به بعضُهم يسقط الحَرَجُ عن الباقِينَ، كانوا كلهم مُؤَدِّين للفرض لتساويهم في صلاحية القيام به وشُمُول الحرج للكل لو تعطل ولا مَزِيَّةَ للبعض على البعض.
قال الإمامُ: لماذا صلَّى على الميت جمعٌ، ثُمَّ صلى آخرون، فالوجهُ أن يجعَلُهم بمثابة المقاربين الأولين في الصلاة، فإنَّ التنفلَ بصلاة الجنازَةِ، لا نَرَى له أَصلاً في الشَّرْعِ.
قال الغَزَالِيُّ: وَيَسْقُطُ الجِهَادُ بِالعَجْزِ الحِسِّيِّ كَالصِّبَا والجُنُونِ والأنُوثَةِ والمَرَضِ والعَرَجِ وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى القِتَالِ فَارِساً* وَبِالعَمَى* وَبِالفَقْرِ أَعْنِي العَجْزَ عَنِ السِّلاَحَ والرُّكُوبِ وَنَفَقَةِ الذَّهَاب وَالإِيَابِ كَمَا فِي الحَجِّ* وَلاَ يَسْقُطُ بِالخَوْفِ فِي الطَّرِيقِ مِنَ المُتَلَصِّصِينَ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ أهَمُّ.
قال الرَّافِعِيّ: قد ذَكَرنا أَنَّ كلامَ القسم في طَرَفَيْن:
أحدُهما: في وُجُوبِ الجهاد.
والثاني: فيما يُسْقِطه ويمنعُ وجوبه، وهذا أول الشروع في الطرف الثاني [وقد يُوجَدُ في بعض النسخ الطرف الثاني] 30 وفي المسقط.
ويسقطُ الجهادُ بالعَجْزِ الحِسِّي، وما يمنع الوجُوبَ ينقسم إلى: مَا يُورِثُ العجز الحسِّي، وإلى ما لا يُورِثُه، ولكن يدفع الوجوب مع القدرة عليه.
فمن القِسْمِ الأول: الصِّغَرُ، فلا يجب الجهادُ على الصبي والمجنون لما روي عن عَلِيٍّ -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: .. "رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ المَجْنُونِ حَتَّى يفيقَ، وعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتيْقِظَ" 31.
وعن ابن الزُّبَيْرِ -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَدَّ يَوْمَ بَدْرٍ نَفَراً من أصحابه اسْتَصْغَرَهُمْ 32.
الجزء: 11 - الصفحة: 355
ومنه: الأُنُوثَة، فالنِّسَاء يضعفْنَ ويعجَزْنَ عنْ القتال غالبًا، وقد رُوِيَ عن عائشةَ -رضي الله عنها- أنها سألت رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- هل على النساء جِهادٌ؟ قال: "نَعَمْ، جِهَادٌ لا قِتَالَ فِيه، الحَجُّ والعُمْرَةُ" 33 وفيه إشعارٌ بأنّه ليس عليهن ما فيه شَوْكٌ وهو السلاَحُ، ويجوزُ للإمام أنْ يأْذَن للنساء، والمراهقين في الخروج، وأن يَسْتَصْحبهم لسقْي الماء، ومُدَاوَاةِ الجرحَى، ولمعالجة الجرحى، ولا يأْذَنُ للمَجانِين بحالٍ، ولا يجبُ الجِهَادُ على الخُنْثَى المشْكِلِ، لاحتمال أُنُوثَتِه.
ومنه: المَرضُ، فلا جهادَ على المرِيض الذي يمنعُه مرضُه من القتال، والركُوبِ على الدابة، وكذا لو لم يمكنه القتالُ إلا بمشقة شديدة ولا اعتبار بالصُّدَاعِ، والحُمَّى الخفِيفَةِ، ووجع الضِّرْسِ، ونحوها ومنه: العَرَجُ، فلا جهادَ على المقْعَدِ العَاجِزِ عن المشْي والركوب وإن قَدَرَ على الركوب، وبه عَرَجٌ بَيِّنٌ، فكذلك لا يجب عليه الجهادُ، وإن كان يقدِرُ على الركوب وعنده دوابٌّ؛ لأن الدَّابَة قد تهلَكُ أو تنقطع ولا يمكنه الفِرَارُ منه.
وفيه وجهٌ: أن عليه الجهاد رَاكباً؛ لأن العَرَجَ لا يؤثر في حَقٍّ الرَّاكبِ، والظاهِرُ الأول، ولا فَرْق بين أن يكون العرجُ في رجْلٍ واحدة أو في الرجْلَيْن معًا.
وعن أَبِي حَنِيْفَةَ، أنه لا أَثر للعَرَج في رِجْلٍ واحدةٍ، ولا أثر للعرج اليَسِيرِ الذي لا يمنع من المَشْي ومكافحة العدو ولا جهاد على الأقطع والأشل [لأنه لا يَتمكَّنُ من الضَّرْبِ؛ ولا من الاتِّقَاءِ] 34 وفاقد مُعْظَم الأصابع كَالأَقْطَعِ، ومَفْقُود ما دون المِعْصم كالسليم.
ومنه: العَمَى، فلا جِهاد على الأَعْمى؛ لعجزه، ويجب على الأعْور، والأَعْشى، والضَّعِيف البصر، إذا كان يُدْرك الشخْصَ، ويمكنه أن يتَّقي السلاح، وفي بَابِ الجهادِ ورَدَ قولُه تعالى في سورة الفتح: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية [النور: 61].
ومنه: الفَقْر فالذي يَعْجزُ عن السَّلاح، وأسباب القتال، لا يُكلَّفُ القتالَ، ويشترط أن يجد ما يُنْفق من طريقه ذَهَاباً وإِيَاباً، وَلا يُقَالُ: إنَّ سفرَ الغزوِ، وسفرُ الموتِ فلا يشترطُ نفقة الإياب؛ لأنَّ الإيسارَ يجد ثقة نفسه بالبقاء غالبًا ولو لم يكن معه أُهْبةُ الرجوع -انكسر نشاطه، وبطل أمره.
الجزء: 11 - الصفحة: 356
نَعَم مَنْ لا أهْل له ولا عَشِيرة، ففي اشتِرَاطِ نفقة الإياب في حقِّه خلاف [قد] سبق في الحجِّ، فإن كان القِتَالُ على باب البَلَدِ أوْ حَوالَيْهِ سقط اعتبار نفقة الطريق، قاله في المهذّب.
ويشترطُ وجدان الرَّاحِلَة، إِنْ كان على مسافة القَصْر؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: 92] الآية وإِنْ كان ما دُونَ مسافَةِ القَصْر -لم تُعْتَبرِ القدرةُ على الراحلة، كما سبق في الحج.
ويجبُ أن يكونَ جميعُ ذلك فاضِلاً عن نفقة مَنْ تلزمُه نفقته، وسائِرُ ما ذكرْنَا في سفر الحج، وكل عُذْرٍ يمنعُ وجوبَ الحج يمنع وُجُوبَ الجهاد، إلاَّ أن هُنَاكَ يُشْترط أَمْنُ الطريق، وهاهنا لا يُشْتَرطُ؛ لأَنَّ الغزْوَ مبني على مُصَادفة المخاوف هذا إذا كان الخوفُ من طلائع الكُفَّارِ، وإن كان مِنْ مُتَلصّصِي المسلمين ففيه وجهان مَذْكُوران في "النهاية".
أَحدُهما: أنه يمتنع الوجوبُ كما في الحج، واصَحُّهما -وهو المذكور في الكِتَاب، أنه لا يمنعُ؛ لأن الخَوْفَ محتمل في هذا السفر، وقِتَالُ المُتَلصِّص أَهَمُّ وأَوْلَى، وإذا بذل للفاقد ما يَحْتَاجُ إليه، لم يلزمه قبولُه إِلاَّ أن يبذل الإمامُ، فعلَيْه أنَ يقبَل ويُجَاهِدَ؛ لأن ما يأخذه من الإِمام حَقُّه.
قال الإِمامُ: والذي لا يُخَاطَبُ بمجاهدةِ الكفار فإنه بذل الجِزْيَة ليذب عنه، لا ليذب عَنَّا، إنما يكون الشَّخْصُ من أَهْل الكفاية في الجهاد، إذا كان: بَالِغاً، عاقلاً حرًّا، مسْلماً، ذَكَراً.
قال الغَزَالِيُّ: (وَأَمَّا مَوَانِعُ السَّيْر عَنْهُ) فَكَالرِّقِّ وَمَنْعِ صَاحِبِ الدَّيْنِ وَمَنْعِ الوَالِدَيْنِ* أَمَّا الرَّقِيقُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الجِهَادُ وَإِنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ إِذْ لاَ حَقَّ لَهُ فِي زَوْجَةٍ* وَلَيْسَ عَلَيْهِ الذَّبُّ عَنْ سَيِّدِهِ عِنْدَ الخَوْفِ عَلَى رُوحِهِ* وَلَيْسَ لِمْسُتَحِقِّ الدَّيْنِ المَنْعُ بِالدَّيْنِ المُؤَجَّلِ عَنْ سَائِرِ الأَسْفَارِ* وَفِي الجِهَادِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ لِأَنَّ مَصِيرَهُ إِلَى المَوْتِ* فَفِي وجْهٍ يُمْنَعُ أَبَدًا* وَفِي وَجْهٍ لا يُمْنَعُ إِنْ خَلَّفَ وَفَاءً* وَفِي وَجْهٍ يُمْنَعُ غَيْرُ المُرْتَزَقَةِ الَّذِينَ مَعِيشَتُهُمْ مِنَ الجِهَادِ* وَلِلوَالِدَيْنِ المَنْعُ* وَالجَدُّ والجَدَّةُ لا يَبْعُدُ أَنْ يَلْحَقَا بِهِمَا* وَلَيْسَ لَهُمَا المَنْعُ مِنْ حَجَّةِ الإِسْلاَمِ بَعْدَ الاسْتِطَاعَةِ لِأَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ* وَلاَ مِنْ سَفَرِ العِلْمِ الَّذِي هُوَ فَرْضُ عَيْنٍ* وإِنْ كَانَ فَرْضُ كِفَايَةٍ فَوَجْهَانِ* وَلَهُمَا المنْعُ مِنْ ركُوبِ البَحْرِ والنَّوَادِرِ المُخَطَّرَةِ لِلتِّجَارَةِ* وَحَيْثُ لاَ خَطَرَ لَمْ يَجُزْ لَهُمَا المَنْعُ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ* والأَبُ الكَافِرُ كَالمُسْلِمِ إلاَّ فِي المَنْعِ مِنَ الجِهَادِ.
قال الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني: ما يمنع الوجوب مع القدرة، له ثلاثة أنواع:
أحدها: الرق، فلا يجب الجهاد على الرقيق، كما لا يجب عليه الحج، لأنه لا
الجزء: 11 - الصفحة: 357
يتفرغ لهما، ولا يجد ما ينفقه فيهما، وقد روي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يبايع الأحرار على الإِسلام والجهاد، والعبيد على الإِسلام دون الجهاد 35.
فإنْ أمره سَيِّدُه بذلك، قال الإمامُ: والوجهُ أنه لا يلزمُه طاعتُه؛ لأنه لَيْس مِنْ أَهْل هذا الشأن، والملْكُ لا يقتضي التعرُّضَ للهلاكِ، وليس القتالُ من الاسْتِخْدَامِ المستحق للسيد على العبد، ولا يجوز أن يكون في هذا خِلاَفٌ، ولا يلزمُه الذَّبُّ عن سَيِّده عند الخوف على رُوحِه.
إِذْ لم نُوجِب الدَّفْعَ عَنِ الغير، بَلِ السَّيدُ في ذلك كالأجانِب، وللسيِّد اسْتِصْحَابُه فِي سَفَرِ الجهادِ، وَغَيْره؛ ليخدمه، وَيسُوسُ دوابَّه، كما في الحَضَرِ.
وقولُه في الكتاب: "وَلَيْسَ عَلَيْه الذَّبُّ عَنْ سَيِّدِه"، ينبغي أن يُعْلم بالواو فإنه جوابٌ على أن الذبُّ 36 عن الغير لا يجب، والمُكَاتِبُ والمدبِّرُ، ومَنْ بعضه رقيق كالقِنّ.
الثاني: الدَّين، ومَنْ عليه دَيْنُ مالٍ لمسلم أو ذِمّي، ليس له أن يخرج في سَفَرِ الجهاد أو غيره، إلاَّ أن يَأْذَن رَبُّ الدَّين، وله أن يمنعَهُ منه لتوجه المُطَالبةِ عليه، والحبْس، وكيف يجوزُ أن يترك الفَرْضَ المتعين عليه، ويشْتغِلَ بفرض الكفاية؟ وإن كان معسراً، فقد ذكر القاضِي ابن كَجٍّ: أَنَّ المذهَبَ أنه ليس له مَنْعُه؛ لأنه لا مُطَالبةَ عليه في الحال 37، وأَنَّ أبَا إسْحاقٍ قال: له المنعُ؛ لأنه يرجو أن يُوسِرَ فيؤدي وفي الجهاد خطر
الجزء: 11 - الصفحة: 358
الهَلاَكِ، وإذا استناب المدين مَنْ يَقْضِي الدينَ مِنْ مالٍ حاضر فله الخروجُ؛ لأن رَبَّ الدَّيْنِ يصل إلى حقه في الحال، وإِنْ أمره بالقضاءِ مِنْ مالٍ غائب، لم يجز الخروجُ؛ لأنه قد لا يَصِلُ، هكذا فصَّلَ صاحبُ التَّهْذِيبِ.
ويجوزُ أَنْ يخرجَ مما سنذكرُ في المؤجَّل إذا خلَّف وفاءً أنه لا يجوزُ الخروج بغير إِذْنه بحالٍ، ومَهْما أذِنَ ربُّ الدين فله الخروجُ، وهل يلتحق بأصحاب فروض الكفَايَاتِ؟ قال الإمامُ: فيه احتمالٌ، والظاهرُ الالتحاقُ، وإن كان الدين مُؤَجلاً -فله الخروجُ إلى الأَسْفَارِ التي لا يغلب الخطرُ فيها على ما سبق في "التَّفْلِيسِ" وأما في سَفَرِ الجهاد فالترتيبُ المحمود عن الإِمام وأَبِي الفَرَجِ السَّرْخَسِيِّ أنه إنْ خلف وفاءً فله الخروجُ، وليس لِرَبِّ الدَّيْنِ منعه، وإلاَّ فوجهان:
أَحدُهما: أن له المنعَ؛ لأن هذا السفَرَ مخاطر فيبني على مصادفة الموت وفيه ضياعُ حَقِّ المُستحق.
والثاني: أنه لا مَنْعَ له، كما في سَائِرِ الأَسْفار؛ لأنه لا مُطَالبَة في الحال وفي "التَّهْذِيب" طريقة أُخْرَى، وهي أنه إنْ لم يخلف وفاءً فليس له الخروجُ إلاَّ بإذْنِ رَبِّ الدين وِإنْ خلَّف -فوجهانِ؛ لأنه قد يتلف ولا يصل إِلَى رَبِّ الدَّين.
ومنهم مَنْ طرد الوجهْينِ في الحالَتَيْنِ، ومنهم من خَصَّصَ الخلاف بغير المرْتَزَقَةِ، وجوَّزَ لمن هو مِنَ المرتزقة الخُروجَ، لأن اسمه مكتوبٌ في الدِّيوانِ، ولا بُدَّ له من الخروج إذا استُنْفِر، وقد يكون وجهُ مَعِيشته، وقَضاءِ دينه من الرزْقِ الذي يأخذه، أو من الغنائم المغنُومةِ من الجهاد، ويخرج مِنْ هذه الطرق عند الاختصار أربعة أوجه ذكرنَاهَا في "التَّفْلِيس".
أَظْهرها: عند الإِمام في جَمَاعةٍ أنه لا منع لرَبِّ الدين بحالٍ، وهذا يُوافِقُ ما أطلقه صاحِبُ الكتاب حيثُ قال: "وَلَيْسَ لِمَنْ لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ مَنْعُهُ"، وقد أُغْفِل هذا الوجه هاهنا.
والثاني: له المنعُ مُطْلقاً، إلا أن يُؤَدِّي الدين، وأقيم مقام الأداء ما إذا أقام كَفِيلاً على ما ذكرناه في "التفليس".
وادَّعَى الرّويَانِي أن هذا أَصَحُّ.
والثَّالِثُ: الفرقُ بين أَنْ يخلِّفَ وفاءً أَوْ لا يخلِّف، والواقِعُ الفرق بين المرتزقَةِ وغيرهم، وفي كتاب القَاضِي ابن كج: أَنَّه إن كان الأخذ يَدُوم إلى أن يَرْجِع فلا مَنْعَ، وإن كان يحل قبل أنْ يَرْجِع، ففيه الخلافُ فيخرج من هذا وَجْهٌ خَامِسٌ، وقد مر في "التفليس" أن ركوب البَحْرِ كسفر الجِهَادِ؛ لخطرِهِ، وكذلك أَوْرَدَ القاضي ابن كج لخطره، وفي "تَتِمَّةِ التَّتِمَّةِ": أنه لا يُلْحَقُ بسفر الجهاد؛ لأن راكِبَ البحر يسعى في السَّلاَمَةِ، والغِازِي قد يُعَرِّضُ نفسَهُ للشهادة.
الجزء: 11 - الصفحة: 359
الثالثُ: مَنْ أَبَواهُ أَو أَحَدُهما في الحياةِ لا يجوزُ له الجهادُ إلاَّ بإذْنهما، أَوْ بإِذْنه؛ لما روي عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أنه قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَاسْتَأْذَنه في الجهاد، فقال -عليه [الصلاة] والسلام- "أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قال: نَعَمْ، قال: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ" 38. ويروى أن رَجُلاً جاء فقال: إني أُرِيد أَنْ أُجَاهِدَ مَعَكَ، فقال -صلى الله عليه وسلم- "أَلَكَ أَبَوَانِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ: فقال: كَيْفَ تَرَكْتَهُمَا؟ فَقَالَ: تَرَكْتهُمَا وهما يَبْكِيانِ.
فَقَالَ: ارْجِعْ إلَيْهِمَا وَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا" 39 وأيضاً، فالجهادُ فَرْضٌ على الكفايَةِ، وغيرُه يقوم مَقَامَهُ فيه، وبِرُّ الوالِدَيْن مُتَعيّنٌ عليه، هذا بشرطِ الإسْلاَم، وأما إذا كان الأَبَوانِ أَو الحيُّ منهما مُشْرِكاً -فلا يَحْتَاجُ في الخروج إلى إِذْنِه للتهمة الظَاهرة بالمَيْلِ إلى أَهْلِ الدين.
وكان عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أُبَيِّ ابْنِ سَلَولٍ يغزُو مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعلومٌ أَنَّ أباه كان يَكْرَهُ ذلك، وأنه كان يُخَذُلُ الأجانِبَ، ويمنَعُهم من الجهاد 40.
وأَمَّا الأَجْدادُ والجدَّاتُ، فقد قال الإمامُ: لا يتعدَّى عندي إلحاقُهم بالوالِدَيْن في اشتراطِ الرِّضَا، وعلى هذه اللفظة جرى صَاحِبُ الكتابِ، والمفهُومُ مما أورده غيرهما إلْحَاقُهم بهما بلا تَمْيِيز، وحكى في التَّهْذِيبِ وَجْهِيْنِ، في أنه: هَلْ يحتاجُ إلى اسْتِئْذان الجد مع الأب والجدَ مَعَ الأُمِّ؟
أحدُهما: المنعُ؛ لأن البَعِيدَ محجُوبٌ بالقرِيبِ.
وأَصَحُّهما: نَعَمْ؛ لأن البِرَّ إلى البعِيد، وشفقته لا يختصان بحالة فقدان القريب ولما ذكر أَنَّ للأَبوَيْنِ المنعُ من سفر الجهاد، وذكر حُكْم سائِرِ الأَسْفار.
فمنها حَجَّةُ الإِسْلاَم إذا وجبت على الابْنِ؛ لاجتماع شَرَائِطِ الاستطاعة فليس لَهُمَا المنعُ منها؛ لأنها فرضُ عَيْنٍ، وفي التأخير خطر الفوات وليس الخوفُ فيه كالخوفِ في سَفَرِ الجهاد.
وحكى صاحبُ الكتاب في "كِتَاب الحج" وجْهاً: أَنَّ لهما المنعَ مِنَ الخروجِ لها، وذكرنا هناك أنه غرِيبٌ، وقد يُوَجَّهُ بأن الحج على التَّرَاخِي، وبِرَّ الوالدين لاَزِمٌ في الحال.
الجزء: 11 - الصفحة: 360
وأَمَّا حَجُّ التَّطَوُّعِ، فقد مَرَّ هناك أن لهما المنعَ منه.
ومِنْها: السَّفَرُ لطلب العِلْمِ، فإنْ كان يَطْلُب ما هو مُتَعَيَّنٌ عليه، فليس لهما المنعُ، ولا يجبُ عليه الاستِئذانُ لسفر الحج وبل أولى؛ لأن الحجَّ على التَّرَاخِي، وإن كان فَرْضُ كفايةٍ، بأن كان خَرَجَ طالِباً لدرجة الفَتْوَى، وفي الناحية مَنْ يستقِلَّ بالفتوى فوجهان:
أَحدُهما: أَنَّ لهما المنع؛ كما في سفر الغَزْوِ.
وأصحهما: أنه لاَ مَنْعَ لهما 41؛ لأن الحجر على المُكَلَّفِ وحَبْسه بعيد، والسَّبَبُ في الغَزْوِ أَنَّ مَصِيره مَصْرعُ الموْتِ، وإن لم يكن هناك مَنْ يَسْتَقِلَّ بالفتْوَى، لكن خرج عند خُرُوجِه جماعةٌ، ففي الحاجة إِلى الإِذْن وَجْهان مُرَتَّبان.
وَأَوْلَى بأَنْ لاَ يحتاجُ إِلَى الإذْنِ؛ لأنه لم يُوجَدْ في الحالِ مَنْ يقومُ بالمقصودِ، والخارِجُونَ معه قد لا يَظْفَرُونَ بالمقصُودِ.
وإِنْ لم يخرجْ معه أحدٌ، فالرشيد المبادرُ إلى الخُروج لا يحتاج إِلى الإذْن؛ لأنه بالخُروجِ يدفع الحرج عن نَفْسِه فيمكَّن منه، كما إذا خَرَجَ للفَرض المُتعيَّنِ عليه.
وقَيَّدَ بعضُهم هذه الصورةَ بما إذا لم يمكنه التعليم في بَلَدِه، ويجوزُ ألاَّ يعتبر ذلك، ويكتفي بأَنْ يتوقَّعَ في السفر زيادةَ فَراغٍ أو إِرْشاد أُسْتاذ أَوْ غيرهما كما لم يقيد الحُكْم في سَفَر التجارة بأن لا يتمكَّنَ من التجارة في البَلَدِ، واكتفى بأن يتوقَّعَ زيادَةَ رَبْحٍ، أو رَوَاجٍ 42.
وأَمَّا سَفَرُ التجارةِ وغَيْرِها، فإنّ كان قَصِيراً -فلا مَنْعَ بحالٍ، وإِنْ كان طَويلاً نُظِرَ، إِنْ كان فيه خَوْفٌ ظاهِرٌ، كركوب البَحْرِ والبوادِي المخطرة، فلا بُدَّ فيه مِنْ الاِسْتِئْذانِ 43، كما في سَفَرِ الجِهَادِ، ويجيء فيه ما حكينا عن "تَتِمَّةِ التَّتِمَّةِ"، وإنْ كان الأَمْر غالباً فوجهان:
في وجه، لهما المنعُ، وعليه الاستِئْذَانُ تحرزاً عما يُؤْذِيهما، وقد يُؤَيَّدُ ذلك بأنهما يمنعانِ مِنْ حج التَّطَوَّع، وإذا كان لهما أن يَمْنَعا [هُ] من العِبادَةِ، فأَوْلَى أن يكون لهما المنعُ من المُبَاحِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 361
والأَظْهَرُ أنه لا مَنْعَ لهما؛ لأنه بِالامْتِناع عن ذلك قد يَنْقَطِعُ عن مَعَاشِه، ويضطرِبُ عليه أَمْرُه، والأَبُ الكافِرُ كالمسلم في هذه الأَسْفَارِ، بخلاف ما سبق في سَفَرِ الجهادِ، ولا فَرْقَ بين الحُرِّ والرَّقِيقِ في أَصَحِّ الوجهَيْن؛ لشمولِ مَعْنى البِرِّ والشفقة 44.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ بَلَغَ كِتَابُ الوالِدَيْنِ أَوْ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ بِالرُّجُوعِ عَنِ الإِذْنِ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ فَلْيَنْصَرِفْ إِنْ قَدَرَ وإِلاَّ فَلْيَقُمْ فِي قَرْيَةٍ* وَإِنْ كَانَ فِي القِتَالِ وَجَبَ الانْصِرَافُ عَلَى وَجْهٍ إِنْ لَمْ يَخَفْ وَهَن المُسْلمِينَ* وَلاَ يَجِبُ فِي وَجْهٍ* وَيُتَخَيَّرُ فِي وَجْهٍ* وَالصَّحِيحُ أَنَّ العِلْمَ وَفُرُوضَ الكِفَايَةِ لا تَتَعَيَّنُ بِالشُّرُوعِ وَإِنْ أَنِسَ المُتَعَلِّمُ الرُّشْدَ مِنْ نَفْسِهِ* وَفِي صَلاَةِ الجَنَازَةِ خِلاَفٌ* وَالجِهَادُ إِنَّمَا يَحْرُمُ فِيهِ النُّزُوعُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّخْذِيلِ* هَذَا كُلُّهُ فِي قِتالِ نَفَرٍ فَرْضُ كِفَايَةٍ* فَإِنْ وَطِئَ الكُفَّارُ دَارَ المُسْلِمِينَ تَعَيَّنَ عَلَى مَنْ لَهُ مُنَّةُ قِتَالِهِمْ حَتَّى العَبْدِ وَالمَرْأَةِ* وَانْحَلَّ الحَجْرُ عَنِ العَبْدِ إِنْ لَمْ يُسْتَغْنَ عَنْهُ* وَإِنِ اسْتُغْنِيَ وَلَكِنْ فِيهِمْ زِيَادَةُ قُوَّةٍ فَفِي الوُجُوبِ وَجْهَانِ* وَلَوْ خَرَجَ قَوْمٌ فِيهِمْ كِفَايَةٌ فَفِي وُجُوبِ المُسَاعَدَةِ عَلَى الآخَرِينَ وَجْهَانِ* وَإِنْ كَانُوا فَوْقَ مَسَافَةِ القَصْرِ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ* وَلاَ يُشْتَرَطُ المَرْكُوبُ فِيمَنْ دُونَ مَسَافَةِ القَصْرِ* وَفِيمَنْ وَراءَهُ وَجْهانِ* وَهَلْ يَنْزِلُ نُزُولَهُمْ فِي مَوَاتِ دارِ الإِسْلاَمِ وَأَسْرِهِمْ مُسْلِماً أَوْ مُسْلِمِينَ فِي تَعْيِينِ الوُجُوبِ مَنْزِلَةَ دُخُولِهِمْ البلاَدَ؟ فِيهِ وَجُهَانِ.
قال الرَّافِعِيُّ: مقصودُ الفَصْلِ الكلامُ فيما إِذا خرج مُجَاهِداً ثم عرض مَانِعٌ، وضم إليه ما يناسِبُه، وفيه مَسْأَلَتان:
إِحْدَاهُمَا: مَنْ خرج للجهاد بإِذْن رَبِّ الدَّين، أو الوالدين، ثم رجعوا عَنِ الإذْنِ، أو كان الأَبَوانِ كافِرَيْن، فخرج ثُمَّ أَسْلَمَا ولم يَأْذَنَا، وعلم المجاهِدُ بالحال، فإنْ لم يشرع في القِتَالِ، ولم يحْضَرِ الوقْعَة بَعْدُ -فعليهِ الانْصِرافُ إلاَّ إِذَا كان يخاف على نفسِهِ أو مَالِه، وألحق به ما إذا كان يخافُ من انصرافه انكساراً على المسلمين، فيعذر في المضي، وإِنْ لم يمكنه الانصرافُ للخوف، ولكن أَمْكَن أن يُقِيم في قرية في الطَّرِيق إلى أَنْ يَرْجِعَ جنودُ المسلِمينَ، لزمه أَنْ يُقيم؛ لأن غَرَضَ الرَّاجِعِين عن الإذْنِ ألاَّ يقاتل، فأوهم في "الوَسِيطِ" خلافاً في وُجُوبِ الإقامة هناك، وقد يوجَّهُ بما يناله مِنْ وحشة مفارقة، وِإبْطَالِ أُهْبة الجهاد عليه.
الجزء: 11 - الصفحة: 362
وفي كتاب "القاضي ابن كَجٍّ" حكايةُ قولٍ: أنه لا يلزمُه الانصرافُ ويتخير، كما لا يجب الانصرافُ على المرأَةِ إذا أذِن لها في السفر، وطلَّقَها بعد مُفَارقَةِ البلد، والمشهورُ الأوَّلُ.
وإِنْ كان الرجوعُ بعد الشروع في القِتَالِ، ففي جَوَازِ الانْصِرافِ قَوْلاَنِ، أَوْ وجهان:
أَحدُهما: يجبُ؛ لأنَّ حقَّ الراجعِين عَنِ الإِذْن أَوْلَى بالرعاية؛ لأنه فرضُ عَيْنٍ، والجهادُ فرضٌ على الكِفَايةِ؛ لأن حَقَّهم أسبقُ؛ ولأن حُقُوقَ الأدمِيِّينَ مبنيةٌ على المضايقة، وهو أَوْلَى بالمحافَظَةِ.
والثاني: لا يجبُ؛ لأن مَنْ حضر الوقْعَةَ يلزمه الثَّبَاتُ، قال الله تعالى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45] وَلِأَنَّ الانصراف يُشَوِّشُ أَمْرَ القتال، ويكْسِرُ القلُوبَ، ومنهم من يرتب على هذا الخِلاَفِ في أنه هل يجوزُ الانْصِرافُ.
قال الإمامُ: ويخرج مِنِ اخْتِلافِ العبادَتَيْنِ ثلاثةُ أوجهٍ:
أحَدُها: يجبُ الانصرافُ؛ لارتفاع الإِذْن.
والثاني: لا يجوزُ، بل تجب المصابرةُ.
والثالثُ: يتخيَّرُ بين الانصرافِ والمُصَابَرَةِ؛ لتعارض المعْنَيَينِ، ويُنْسب هذا إلى اخْتِيارِ القَاضِي الحُسين، ومال أَكْثرُهم إلى تَوْضِيح الثاني، وهو الجوابُ في "التهْذيبِ"، وهذه الوجُوهُ هي التي أَوْرَدها في الكتاب لكن لفظُ الوجْهِ الثاني، وهو أَنَّه لا يجبُ الانْصِرافُ غير وافٍ بتمام المقصُودِ؛ لأن مَقْصُودَ هذا الوجه أَنَّه تجب المُصَابرة، ولا يجوزُ الانصرافُ، ولا يلزم مِنْ أَلاَّ يجبَ ألاَّ يجوزَ، نَعَمْ في لفْظِ التَّخْيِير المذكُورِ في الوجه الثالِثِ، ما يفهم الغرض، فَإِنَّ المعْنَى التخييرُ بين الانصرَافِ والثُّبوتِ، وفي ذلك إشعارٌ بأنَّ الواجِبَ في وجه هذا وفي وجه هذا.
وحُكِيَ وجهٌ رابعٌ: أنه يجبُ الانصرافُ إنْ رجع رَبُّ الدَّيْن، ولا يرجع ولا يجب إِذَا رجع الوالد، والفرقُ عِظَمُ شَأْنِ الدَّيْنِ، والاحتياطُ للمظالم، ومن شرط عليه الاستئذان إذا خرج بغيرِ إذْنٍ لزمه الانصرافُ، ما لم يَشْرعْ في القِتَالِ؛ لأَنَّ سفره سفَرُ مَعْصِية إلاَّ أَنْ يَخَافَ على نفسه أَوْ مَالِه، كما سبق، وإِنْ شرع في القِتَالِ -فَوَجْهان بالترتيب.
وهذه الصورةُ أَوْلَى بوجوب الانْصِراف؛ لأنَّ ابتداءَ الخُروجِ كان مَعْصِيةً، والعبدُ إذا خرج بغير إِذْنِ سَيِّده- لزمه الانصرافُ، ما لم يحضر الوقْعَة فإِنْ حضر فلا، قَالَهُ في التهذيب.
وقال القَاضِي الرُّويَانِي: يُسْتَحَبُّ له أَنْ يَرْجِع.
ولو مَرِضَ بعد ما خرج أو عرج أو فني زادُه، أو هلكت دابَّتُه، فهو بالخِيَارِ بين أن ينصرِفَ، أو يمضي ما لم يحضر الوقْعَة.
الجزء: 11 - الصفحة: 363
وكذا الحكْمُ لو كان العذرُ حاصِلاً وقْتَ الخروج، فإن حضر الوقعةَ فعن رواية القاضي أَبِي الطَّيَّبِ، وصَاحِبِ التَّقْرِيب، أنه يلزمه الثباتُ، وعَنْ غيرِهما يجوز الرجوعُ؛ لأنه لا يمكِنُه القتالُ، وهذا أَظْهرُ، وخصَّ الإمامُ الخِلاَفَ بما إذا كان [لا] يُورِثُ انصرافُه انفلالاً وانْحِلالاً في الجُنْدِ، فإن أَوْرَثَهُ لم يجز الرجوعُ.
وفي "التَّهْذِيبِ" في صورة هلاك الدَّابَّةِ أنه يلزمه القِتالُ راجلاً إن أَمْكَنهُ ذلك، وإِلاَّ فله الانصرافُ.
وعن بَعْضِهم فيما إِذَا انْقَطَعَ عنه سِلاَحه، أو انْكَسَرَ أنه إِنْ أمكنه القتالُ بالحجارة لزمه ذلك.
وحيثُ جوزنا الانصرافَ لرجوع رَبِّ الدَّيْنِ، أو الأَبَوَيْنِ عن الإِذْنِ، أو لحدُوثِ المرض ونحوه فليس للسلطان حَبْسُه.
قال الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- إِلاَّ أَنْ يتفق ذلك لجماعَةٍ، وكان يَخْشَى من انصرافِهِم الخَلَلَ في المسلمِينَ، ولو انصرف لذَهَاب نفقةٍ، أو هَلاَكِ دَابّةٍ، ثم قَدَرَ على النفقة، والدَّابَّةِ في بِلاَدِ الكُفْر -فعليه أن يرجِع إلى المجاهِدِين، وإن كان قَدْ فارقَ بِلاَدَ الكُفْر- لم يلزمه الرجوعُ إليهم.
وعن نصه: أَنَّ مَنْ خرج للجهادِ وَبِه عُذْرٌ مِنْ مرض وغيره، ثم زال عُذْرُه، وصار مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الجهاد -لمِ يكن له الرجوعُ عن الغَزْوِ دُون رُجُوع مَنْ غزا معهم، وكذا لَوْ حدثَ العُذْرُ وزال قبل أَنْ ينصرِفَ، والله أَعلم.
المسألة الثانيةُ: مَنْ شرع في القتالِ، ولا عُذْرَ له -يلزمُه المصابرةُ؛ ولا يجوزُ له الانصرافُ؛ لما يخاف منه من التخذِيلِ، وكَسْرِ قلوب الجند، وعبر الأصحابُ على هذا بأنَّ الجهادَ يَصِيرُ مُتَعيّناً على من هو مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الكفاية بالشروع.
وطالبُ العِلْم إذا اشتغل بالتعلم 45 وآنَسَ الرُّشْدَ مِنْ نَفْسه، هل يحرمُ عليه الانكِفافُ.
فيه وجهان:
أَحدُهما: نَعَم، ويلزمه الإتمامُ بالشُروعِ، ويُحْكَى هذا عن القاضي الحُسين.
وأَصَحُّهما: المنعُ؛ لأنَّ الشرُوعَ لا ينبغي أَنْ يُغَيِّر حكمَ المشروع فيه، وفي الجهادِ إنَّما حرم الرجوعُ لخوْفِ التخذِيل، والانْكِفَافُ عن التعلُّمِ ليس في معناهُ، وأيضاً كُلُّ مَسْأَلةٍ مَطْلُوبة برأْسِها، مُنْقَطعة عن غَيْرها، وليست العلومُ كاَلجملةِ الواحِدَة بخلاف الجِهادِ.
وهل يجبُ إِتْمَامُ صلاةِ الجَنَازَة إِذا شرع فيها؟ حَكَى الإمامُ فيه وَجْهين عن القفال.
أَحدُهما: أنه لا يجبُ، كما لا يلزمُ التطوُّعُ بالشروع، وعن أكثر الأئمة أنه يجبُ كالجهاد؛ لأن الصَّلاَةَ في حُكْم الخَصْلَةِ الواحدة، وقد تعلق الفرض بعين المصلي إذا
الجزء: 11 - الصفحة: 364
ابتدأَ فِيه، وربما توجه بأنَّ الإعراضَ هتك لحرمة الميت.
وقَوْلِه في الكتاب: "وَلَوْ بَلَغَ كِتَابُ الْوَالِدَيْنِ أَوْ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ"، يشعر ظاهِرُه بالاعتمادِ على الكتاب، ويجوزُ أن يقال إنه اكتفى بالقَرَائِنِ، ويجوزُ أَنْ يُنَازعَ فيه، ويؤوّل اللفظ.
وقولُه: "إِنْ لَم يخف وهن على المسْلِمِينَ" تبين أَنَّ الخلافَ في وجوب الانْصِرافِ أَوْ جوازِ موضعه ما إِذَا لم يكن في الانْصِرَافِ خوفٌ، وإن كان لم يجز الانصرافُ.
وقولُه: "والصَّحِيحُ أَنَّ العِلْمَ وفُرُوضَ الكِفَايَاتِ لاَ يَتَعَيَّنُ بالشروع" قضيته اطرادُ الخلاف المذكور في التعليم، وسَائِر فُرُوضِ الكفايات، وحينئذٍ فيدخل فيها صلاةُ الجنازَةِ، ويغني ذلك عن قوله: "وَفِي صَلاَةِ الجَنَازَةِ خِلاَفٌ"، وكأنه أَشَارَ بهذه اللَّفْظَةِ بعد ما تبين أَنَّ الصحِيحَ في التعلم وغيره أنه لا يتعيَّنُ بالشرُوع.
إلاَّ أنَّ الخلافَ في صَلاةِ الجنازَةِ ليس كالخلاف في التعلُّم، بل الأرجَحُ في صَلاَةِ الجنازةِ وُجُوبِ الإتمام.
قال: هذا كُلُّه في قتالٍ هُوَ فَرْضُ كفاية.
فرغنا عن الكلام في أَحَدِ قِسْمَي الجهادِ، وهو فَرْضُ الكِفَايَةِ.
والقِسْمِ الثَّانِي: الذي هو فَرْضُ عَيْنٍ، وذلك إِذَا وَطِئَ الكُفَّارُ بَلْدَةَ من بِلادِ المسلمين، وأطَلُّوا عليها، فنزلوا بها قَاصِدِين، ولم يدخلوها بعد، فيصير الجهادُ فرضَ عَينٍ، على التفصِيل الذي نبيِّنُه على المشهور.
وعن ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وغَيْرِه، فيما روى القاضي الرُّويَانِي، أنه فَرْضُ كفايةٍ أيضاً، والمذهبُ الأَوَّلُ؛ لأنَّ دُخُلَوهم دارَ الإسلامِ خَطرٌ عَظِيمٌ، لا سبِيلَ إلى إهْمالِه، ولا بُدَّ من الجِدِّ في دَفْعِه بما أمكن ثم أجمع ترتيب في ذلك نَقْلاً وتصرفاً ما أفادَهُ الإمامُ، وتَلْخِيصُه:
أَنَّ أَهْلَ تلك البلدةِ يتعيَّنُ عليهم الدفْعُ بما أمكنهم، وللدفْعِ مرتبتانِ:
إحْدَاهُمَا: أن يحتمل الحال اجتماعُهم وتأهُّبهم، واستعدادُهم للموت، فعلى كُلِّ واحدٍ من الأَغْنِياءِ والفُقَراءِ التأهبُ بما يقدِرُ عليه، وإذا لم يمكنْهُم المقاومَةُ إلا بموافقة العَبِيد وجب على العَبِيدِ الموافَقَةُ، فينحل الحجر عنهم حتى لا [يراجعوا] 46 إلى مُرَاجَعةِ السادات، وإِنْ أمكَنَهُمَ المقاومة من غير موافقة العبيد فوجهان:
أَحدُهما: أن الحُكْمَ كذلك لتقوى القُلُوبُ، وتعظم الشَّوْكَةُ، وتشتد النِّكايةُ في الكفار؛ انتقاماً من هُجُومِهم.
الجزء: 11 - الصفحة: 365
والثاني: أنه لا ينحل الحجر عنهم؛ لأن في الأَحْرَارِ غنيةٌ عنهم، والأول أَلْيَقُ بِفِقه الباب، وأشبه، والنَّسْوةُ لم يكن فِيهنَّ قوة دفاعٍ لا يحضرن، فإنَّ حُضُورَهُنَّ قد يَجُرُّ شرًّا وُيورِثُ وهناً، وإِنْ كان فِيهنَّ قوةٌ، فعلى ما ذكرنا في العَبِيد، ولا يجبُ في هذا القِسْم استئذانُ الوالِدَيْن، ولا استئذانُ رَبِّ الدَّيْنِ.
والمرتبةُ الثانِيَةِ: أَنْ يتغَشَاهم الكُفَّار، ولا يتمكَّنُوا من التأهُّبِ والتجمُّعِ فمن وقف عليه كَافِرٌ، أو كُفَّارٌ -وهو يعلمُ أَنَّهُ يُقْتَلُ إِنْ أُخِدَ- فعليه أَنْ يتحرَّك، ويدْفَعَ عن نفسه بما يمكنه؛ يستوي فيه: الحُرُّ، والعَبْدُ، والرجلُ، والمرأةُ، والسَّلِيمُ، والأَعْمَى، والأَعْرَجُ، ولا تكلِيفَ على الصِّبْيانِ والمجَانِين، فإن كان يجوزُ أَنْ يُقْتَلَ، وأن يُؤْسَر، ولو امتنع لَقُتِلَ، فيجوزُ أَنْ يَسْتَسْلِم، فَإِنَّ المقاومة والحالةُ هذه، استعجالُ القَتْلِ، ويجوزُ أَنْ يُؤْسَر، والأَسْرُ يحتمل الخلاصُ.
ولو علمت المرأةُ أنَّها لو استَسْلمتْ لامتدَّتِ الأَيْدِي إِلَيْها -فعليها الدَّفْعُ، وإِنْ كانت تقتل؟ لأَنَّ مَنْ أُكْرِه على الزِّنَا لا يحلُّ له المطاوعة لدفع القتل، وإِنْ كانت لا تقصدُ بالفاحشة في الحال، وإِنَّمَا يُظَنُّ ذلك بَعْد السَّبْيِ، فيحتمل أَنْ يجوزَ لها الاستسلامُ في الحالِ، ثُمَّ تدفع حينئذٍ، ولو كان في أَهْلِ البُقْعَةِ كثرة فخرج بعضُهم وفيهم كفاية، فهل يَتَحَتَّمُ على الآخرِينَ المساعدة؟ فيه وجهان:
أَحدُهما: لا, لأنَّ المقصودَ دفعُ الكفارِ وإخراجُهم.
وأصَحُّهما: نَعَمْ؛ لأنَّ الواقِعَةَ عظيمةٌ، ولو لم يخرج إِلاَّ من يَكْفِيهم ويُكَافِؤهم -لاستَجْرؤوا على دُخُول دَارِ الإسلام.
وأَمَّا أهلُ تلك البَلْدَةِ، فمَنْ كان منهم على دُونِ مَسَافة القَصْرِ، فهو كبعْضِهم، حَتَّى إذا لم يكُنْ من أَهْلِ البلدة كفايةٌ -وجب على هَؤُلاءِ أن يطيروا إِلَيْهم، وإنْ كان منهم كفايةٌ، ففي وُجُوبِ المساعدة عليهم الوجْهَانِ.
وِالذين هم على مسافة القَصْر إِنْ لم يكن في أَهْل البَلْدةِ، والذين يَلُونهم كفايةٌ يجب عليهم أَنْ يَطِيرُوا إليهم فإن طار إليهم مَنْ تحصل به الكِفايةُ -سقط الحرَجُ عن الباقين.
وهذا معنى قَوْلِ صاحِب "التَّهْذِيب": إنَّ الجِهَادَ إذا دَخَلَ الكُفَّارُ دَارَ الإسلامِ -فرْضُ عَيْنٍ في حَقٌ من قَرُبَ، وفرْضٌ على الكِفَاية في حَقّ مَنْ بَعُدَ، وعلى هذا الحكم أصحابُ الأَعْذار على ما ذكرناه في القِسْم الأوَّلِ.
وفيه وَجْهٌ: أَنَّهُ يجب على جميعِهم المساعدةُ والمسارَعَةُ، وليكن هذا في الأَقْرَبِين ممن هم على مَسافة القَصْرِ، وإِنْ كان من في أَهْل البلدة، والذين يلونهم -كفايةٌ، فأظهر الوجْهَيْنِ هو الذي أَوْرَده صَاحِبُ "التهذيب" أَنَّهُ لا يجِبُ على الذين هُمْ على مَسَافَةِ
الجزء: 11 - الصفحة: 366
القَصْرِ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَيْهم ويساعدوهم.
ولو أَوْجَبْناه لَأوْجَبْنا -أيضاً- على الذين يَلُونهم إِذا انتهى الخبرُ إِلَيْهم، وهكذا إلى أن يَسْتَوْعِبَ المسلِمينَ كُلَّهم وهو بَعِيدٌ.
والثَّانِي: يجبُ على الأَقْرَبِين، فالأَقْربين بلا ضَبْطٍ حتَّى يصلَ الخبرُ بأنهم قد كُفُّوا وأُخْرِجُوا، وليس لأهل البلْدَةِ، ثُمَّ الأَقْربين فالأَقْربين إِذَا قَدَرُوا على القِتَال أن يلبثوا إلى لحوق الآخَرِين.
ولا يُشْترطُ وِجْدَانُ المرْكُوب فيمن هو دُونَ مَسَافةِ القَصْر، وفيمن هو على مسافة القَصْر، وفوْقَها وجهان: في وِجْهٍ لا يشترطُ لشِدَّةِ الخَطْبِ.
والأَظْهرُ الاشتراطُ كما في الحج.
وحكى الإمامُ تَفْرِيعاً على الأوَّل وَجْهين في أَنَّه يُشْترطُ وِجْدان الزَّادِ، ويجري ذلك فِيمَنْ هو دُون مسافَةِ القَصْر، والأصح الاشْتِراطُ، إِذْ لا اسْتِقْلاَل بدون الزَّادِ، ولا معنى لإلزامهم الخروج مع العِلْم بِأَنَّهم يهلكون، ثُمَّ في الفصل صورتان.
إِحْدَاهُما: إذا نزلُوا في خَرَابٍ أو على جبل في دَارِ الإسلام بَعيدٍ عن البُلْدانِ والأوْطَانِ، ففي نزوله منزلة دُخُول البلاد وَجْهانِ أطلقهما في الكتاب، والذي رواه الإِمَامُ عن الأَصْحاب أَنَّهُ ينزل منزلته؛ لأَنَّهُ مِنْ دار الإسلام، والذي زاد المنع؛ لأنَّ الدِّيارَ تشرقُ بسكُونِ المسلمِينَ، وإذا لم يكن مَسْكناً لِأَحدٍ، فتكْلِيفُ المسلمين التهاوي صونها عن المَتَالِفِ بَعِيدٌ 47.
والثانية: لو أَسَرُوا مُسْلماً، أو جماعةً مِنَ المسلمين، فهل كدخُولِ دار الإسلام؟ فيه وجهان:
أَحدُهما: لا, لأنَّ تَحْرِيك الجُنودِ لواحدٍ يقع في الأَسْرِ بعيدٌ ومخالفٌ لما نُقِل في السَّيَّرِ، وأظهرهُما عند الإمامِ نعم؛ لأَنَّ حُرْمَةَ دارِ الإسلام كحرمَةِ المسلمين، والاستِيلاءُ على المسلمين أَعْظَمُ مِنْ الاسْتِيلاء على دَارِ الإسلام، وعلى هذا فلا بُدَّ من رعاية النَّطَرِ، فإِنْ كانوا على القُرْب مِنْ ديارِ الإِسْلاَم، وتوقعْنَا استخلاصَ مَنْ أَسَرْوه، لو طِرْنَا إليهم -فعلنا، وإن توغَّلُوا فيَ بلاد الكُفْرِ، ولا يمكن التسارعُ إِلَيْهم، وقد لا يتأتى خرقُها بجنود الإِسْلاَم، فيضْطَرَّ إلى الانْتظار، وهذا كما أَنَّهُ إذا دخل ملكٌ عظيمٌ منهم طرفاً مِنْ أَطْراف بلاد الإسلام لا يتسارع إلى دَفْعِه الآحادُ والطوائِفُ، ويجوزُ أَنْ يُعْلَمَ قوْلُه في الكِتَابِ: "تَعَيَّنَ عَلَى كُلِّ مَنْ لَهُ مُنَّةٌ" بالواو وقولُه: "انحَلَّ الحَجْرُ عَنِ الْعَبْدِ ... " إلى
الجزء: 11 - الصفحة: 367
آخره تفصيلٌ لما أجمله بقوله: "حتَّى العبْد" وإذا كان في المرأَةِ مُنَّةٌ، فقد سبق أَنَّ الحُكْمُ فِيها كما في العبْدِ في حَالَتِي الاسْتِغْناءِ عنها، وعَدَمِ الاستغناء، ويجوزُ ألاَّ يحوجَ الزوجة إِلاَّ بإِذْن الزَّوْجِ، كما لا يحوج العبد إلى إذْن السَّيِّد.
وقوله: "وَلوْ خَرَجَ قَوْمٌ فِيهمْ كِفَايَةٌ، فَفِي وُجُوب المُسَاعَدَةِ عَلَى الآخَرِينَ" -يَعْنِي الذين هم مِنْ أَهْل تلك البلدة ومَنْ منها على مسافة القَصْرِ.
وقولُه: "وَإِنْ كَانُوا فَوْقَ مَسَافَةِ القَصْرِ -فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ"، أراد به ما ذكره الإمامُ: أَنَّ الوجْهَيْنِ في البُعَدَاءِ الذين هم على مَسَافَةِ القَصْرِ يترتَّبانِ على الوجْهَيْنِ في أهل تلك النَّاحِية إِنِ اكْتَفَينَا هناك بِمَنْ فِيه كِفَايةٌ، ففي البُعْدِ أوْلَى، وإِلاَّ ففيهم وَجْهان.
قال الغَزَالِيُّ: وَمِنْ فُرُوضِ الكِفَايَاتِ القِيَامُ بعُلُومِ الشَّرْعِ* فَأَمَّا مُهِمَّاتُ الصَّلاَةِ وَالوُضُوءِ فَفرْضُ عَيْنٍ* وَكَذَا عِلْمُ التَّجَارَةِ فَرْضٌ عَلَى التَّاجِرِ* وَكَذَلِكَ فِي كُلِّ صَنْعَةٍ وَهُوَ القَدْرُ الَّذِي ذَكرْنَاهُ فِي كِتَابِ آدَابِ الكَسْبِ وَالتِّجَارَةِ دُونَ الفُرُوعِ النَّادِرَة* وَلاَ يَتَعَيَّنُ مِنَ الأَصُولِ إِلاَّ اعْتِقَادٌ صَحِيحٌ فِي التَّوْحِيدِ فِي صِفَاتِ اللهِ كَمَا وَرَدَ فِي القُرْآنِ* وَالقِيَامُ بِدَفْعِ شُبْهَةِ المُبْتَدعَةِ فَرْض كِفَايَةٍ* وَكَذَا القِيَامُ بالفَتْوَى.
قال الرَّافِعِيُّ: ومِنْ فُرُوضِ الكِفَايَاتِ العلومُ، منها ما يتعيّن طلبُه وتعلُّمُه، ومنها ما هو مِنْ فرُوضِ الكفايات.
فمما يتعيَّنُ تعلّمُه وطلبُه: ما يُحْتاجُ إِلَيْه لإقامَةِ مفْرُوضات الدِّين: كالوُضُوءِ، والصَّلاةِ، والصِّيام، وغيرَها، فإنَّ من لا يفرّق بين أَرْكانِ الصلاةِ، وشَرَائِطِها, لا يمكنه إِقَامَتُها، وَإِنَّما يتعيّنُ تعلمُ الأَحْكام الظاهرة دُونَ الدقائق، والمسائِل التي لا تعم بها البَلْوَى، وإِنْ كان له مالٌ ذَكَوِيٌّ، فلاَ بُدَّ مِنْ تعلّم ظواهر أحْكَامِ الزكاة.
قال القَاضِي الرُّويَانِيّ: هذا إِذَا لم يكن له سَاعٍ يَكْفِيه الأَمْرَ 48.
ومَنْ يَبِيعُ، وَيشْتَرِي، ويتَّجِرُ يتعيّن عليه معرفةُ أحْكام التِّجَاراتِ، وكذا ما يحتاجُ إِلَيْه صاحبُ كلِّ حِرْفةٍ يتعيَّنُ عليه تعلُّمهُ، وأَمَّا فروضُ الكِفَايَاتِ فقولُه: "القِيَامُ بعُلُومِ الشَّرْعِ" يدخل فيه التَّفْسِيرُ، والحديثُ على ما تبين في الوصيَّةِ.
ومنها أَنْ ينْتَهِي في مَعْرِفة الأَحْكام إلى أَنْ يصلح للفَتْوى والقضاء على ما يتبيّن -إنْ شاء اللهُ تعالى- في "أَدَبِ الْقَضَاءِ"، وهناك يتبيَّنُ أَنَّ المُجْتهِدَ في الشَّرْعِ مُطْلَقاً يُفتي وأَنَّ مَنْ يتبحر في مَذْهب بعَض الأَئِمَّةِ المجتهدين، يُفْتِي أَيْضاً على الأَصَحّ، ولا يكفي
الجزء: 11 - الصفحة: 368
أن يكون في الإِقْلِيم مُفْتٍ واحِدٌ؛ لعُسْرِ مراجعته على النَّاسِ.
واعتبر الأصحابُ فيه مسافةَ القَصْرِ، وكأَنَّ المُرَادَ أَلاَّ يزيدَ ما بين كل مُفْتِيَيْنِ على مَسافَةِ القَصْر، لئلا يحتاج مَنْ يراجع إلى قَطْعِ مسافة القصْرِ.
وفي العُلُومِ العقلِيّة ما هو فَرْضٌ على الكِفَايَةِ: كالطّبِّ المحتاج إِلَيْه في مُعَالجة الأَبْدَانِ، والحِسَابِ المحتاج إليه في المُعَاملاتِ، وقِسْمة الوَصَايَا والموَارِيث.
قال المصنِّفُ -رحمه الله- في "الإِحْيَاءِ": ولا يُسْتَبْعَدُ عَدُّ الطِّبِّ والحسَابِ من فُرُوضِ الكفايات، فَإِنَّ الحِرَفَ والصناَعات التي لا بُدَّ للناس منها في مَعَايِشِهمْ كالفِلاَحَةِ، والزِّرَاعَةِ مِنْ فرْوضِ الكِفَايَاتِ، والطبُّ والحسابُ أَوْلَى.
وأَمَّا أُصولُ الاعْتِقادَاتِ.
فالاعتقادُ المستقِيمُ مع التصميم على ما ورد به القرآنُ والسنَّةُ فَرْضُ عينٍ، والعِلْمُ المُتَرْجَمُ بـ"عِلْمِ الكَلاَمِ" ليس بفرْضِ عَيْنٍ، وما كان الصحابةُ -رضي الله عنهم- يَشْتَغِلُون به.
قال الإمامُ: ولو بَقِيَ الناسُ على ما كانوا عليه في صَفْوةِ الإسلام -لما أوْجَبْنَا التشاغل به، ورُبَّمَا نَهَيْنَا عنه، فَأَمَّا الآن وقد ثارت البِدَعُ، فلا سَبِيلَ إلى تركها تَلْتَطِمُ، ولا بُدَّ مِنْ إِعْداد ما يُدْعَى به إلى المسْلَكِ الحقِّ وتُحَلُّ به الشُّبَهُ، فصار الاشتغالُ بأَدِلَّةِ العُقُولِ، وحلّ الشبه مِنْ فُرُوض الكِفَايَاتِ، ومَنِ اسْترابَ في أصْلٍ مِنْ أُصُول الاعتقاد، فعليه السَّعْيُ في إِزَاحته إلى أَنْ تَسْتَقِيم عَقِيدَتُه 49.
الجزء: 11 - الصفحة: 369
وقولُه في الكتاب: "وَهُوَ الْقَدْرُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَاب آدَابِ الكَسْبِ والتِّجَارَةِ" يَعْنِي من كُتب الإِحْيَاءِ مِنْ رُبْعِ العِبَادَاتِ، والمقصودُ الأحكامُ الظاهِرَةُ للمعامَلاتِ الغالِبَةِ من البيع، والسَّلَم، والإِجَارةِ، وغيرها، ويشتمل على تلك الأَحْكَامِ مختصرات المذْهَبِ، دُون الفُرُوَع النادرة، والمسائِلِ الدَّقِيقة.
قال الغَزَالِيُّ: وَأمَّا السَّلاَمُ فَابْتِدَاؤُهُ سُنَّةٌ والجَوَابُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الوَاحِدِ وَفرْضُ كِفَايَةِ عَلَى الجَمَاعَةِ* وَلاَ يُسَنُّ السَّلاَمُ عَلَى المُصَلي وَمَنْ يَقْضِي حاجَتَهُ وَفِي الحَمَّامِ* وَتَشْمِيتُ العاطِسِ وَجَوَابُهُ مُسْتَحَبٌّ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ.
قال الرَّافِعِيُّ: في هذه البقيَّة فَصْلاَنِ:
" الفَصْلُ الأوَّلُ في السَّلاَمِ"
ابتداءُ السَّلاَمِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ؛ قال اللهُ تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: 61] أَيْ: يُسَلِّمُ بعْضُكم على بَعْضٍ، وقال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ [النساء: 86] الآيةَ، وفي الأَخْبَارِ الوارِدَةِ في السلامِ، وإِفْشَائِه كثرةٌ وشُهْرة، وللأمر بالإِفْشَاءِ نقولُ:
لو سَلَّمَ على واحدٍ تعيّن عليه الجوابُ 50، وإِنْ سَلَّمَ على جَماعَةٍ، فالجوابُ فَرْضٌ على الكِفَايةِ، فإذا أجَابَ واحدٌ منْهُمْ سقط الفَرْضُ عن الباقِينَ وإِنْ أجاب الجمعُ -كانوا مُؤَدِّين للفرْضِ سواءٌ أَجابُوا معاً أو على التعاقُبِ، وإِنِ امْتنع الكُلُّ حَرِجُوا جميعاً، = بليداً، وأن يقدر على الانقطاع إليه بأن تكون له كفاية، ويدخل الفاسق في الفرض ولا يسقط به، لأنه لا تقبل فتواه للمستفتين، وفي دخول المرأة والعبد وجهان؛ لأنهما أهل للفتوى دون القضاء.
واعلم أن تعليم الطالبين، وإفتاء المستفتين فرض كفاية، فإن لم يكن من يصلح إلا واحداً وكان هناك جماعة، ولا يحصل الغرض إلا بكلهم، تعين عليهم، وإذا كان هناك غير المفتي، هل يأثم بالرد؟ وجهان، أصحهما: لا، وينبغي أن يكون المعلم كذلك، ويستحب الرفق بالمتعلم والمستفتي، فهذه أنواع العلوم الشرعية، ووراءها أشياء تسمى علوماً، منها: محرم ومكروه ومباح، فالمحرم، كالفلسفة والشعبذة والتنجيم والرمل وعلوم الطبائعيين، وكذا السحر على الصحيح، فكل ذلك محرم، وتتفاوت دركات تحريمه.
والمكروه: كأشعار المولدين المشتملة على الغزل والبطالة.
والمباح: كأشعار المولدين التي ليس فيها سخف، ولا شيء مما يكره، ولا ينشط إلى الشر أو يثبط عن الخير ولا يحث عليه، أو يستعان به عليه.
الجزء: 11 - الصفحة: 370
وَلَو رَدَّ عليه غيرُ مَنْ سَلَّمَ عليه يَكْفِ، ولم يُسْقِطْ نيةَ الحَرَجِ عَمَّن سَلَّمَ عليه.
وابتداءُ السلامِ سنَّةٌ الكِفَاية أَيْضاً، حتَّى إذا لَقِيَ جَماعةٌ جماعةً فَسَلَّمَ أَحَدُ هؤلاءِ على أَحَد هَؤُلاَء كفى ذلك لإقامة السُّنَّةِ.
ومن سَلَّمَ في بَعْضِ الأَحْوَالِ التي لا يُسْتَحَبُّ فيها السلامُ -لم يستحقَّ الجوابَ، فمنها أطلق صاحب الكتاب هاهنا.
وفي "الْوَسِيطِ": أَنَّهُ لا يُسَنُّ السلامْ على المُصَلِّي، ولم يمنع منه المُتَوَلِّي في "التَّتِمَّةِ"، ولَكِنْ قال: إذا سَلَّمَ على المصلِّي فلا يُجِيبُ حتَّى يفرغ من الصَّلاةِ، ويجوزُ أَنْ يُجِيبَ في الصلاة بالإِشَارَةِ.
وإِنْ قال في الصلاةَ: عَلَيْكُمْ السلامُ -بطلتْ صلاتُه، وإِنْ قال عَلَيْهِمْ السلامُ لم تَبْطُلْ، وقد سبق هذا في "الصَّلاَةِ".
ومنها لا يُسْتَحَبُّ السلامُ على مَنْ يَقْضِي حاجَتَهُ، بل كان القربُ مِنْه، ومُكَالمتُه بَعِيدٌ عن الأدب، والمُرُوءَةِ، ويروى النَّهْيُ عنه في الخبر 51.
ومنها لا يُسْتحب لمن دخل الحمَّامَ أَنْ يُسَلِّمَ على مَنْ فيه؛ لأَنَّهُ بيت الشيطان، وليس مَوْضِعَ التحيَّة؛ ولأنهم في الدَّلْكِ، والتَّنْطِيف؛ ولا تليقُ التحيةُ بحالهم.
ومِنْها لا يُسَلِّمُ على المشْغُولِ بالأَكْلِ، وكذلك ذكره الشيخ أَبُو مُحَمَّدٍ، وأطلقه صاحبُ "التَّتِمَّةِ"، ورأى الإمامُ حَمْلَ ذلك على ما إِذَا كانتِ اللقْمةُ في فِيهِ، وكان يمضي زمانٌ في المضْغِ والابْتِلاَعِ، ويعسرُ عليه الجوابُ في الحالِ.
أَمَّا إذا وقع السَّلامُ بَعْدَ الابتلاعَ، وقَبْل وضْعِ لقمة أخرى في الفَمِ -فلا يتوجه
الجزء: 11 - الصفحة: 371
المنعُ، ولا مَنْعَ من السلام على مَنْ هو في مُسَاوَمةٍ أو مُعَامَلةٍ، وإِلاَّ فلا يحصل إِفْشاءُ السلامِ، والنَّاسُ في أَغْلبِ الأَحْوالِ في أَشْغَالهم.
هذا ما تعرَّضَ له في الكِتَاب ونتبعه بمسائِلَ أَوْرَدَ أَكْثرها صَاحِبُ "التتمة" في "كتاب الجمعة".
ولا بُدَّ في السَّلاَمِ والجَواب بقدْرِ ما يحصل به الإسْمَاعُ.
وصِيغَتُه "السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ"، ويَقُومُ مقامَهُ "سَلامٌ عليكُمْ".
وقال الإمامُ: وكذا "عَلَيْكُمُ السَّلاَمُ".
وفي التتمَّةِ: أَنَّهُ لو قال: "عَلَيْكُمُ السَّلامُ"، لم يكن مُسَلِّماً 52 إِنَّما هو صِيغَةُ جوابٍ، ويُرَاعِي صِيغَةَ الجمْعِ وَإِنْ كان السلامُ على وَاحِدٍ خِطَاباً له ولملائِكَتِه، ولو لم يأْتِ بِصِيغَةِ الجمْعِ حصل أصلُ السُّنَّةِ، وصيغةُ الجَوَابِ "وَعَلَيْكُمُ السَّلاَمُ" أو "وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ" للواحِدِ، ولو ترك حَرْفَ العطْفِ وقال: عَلَيْكُمْ السَّلاَمُ، ففي "النِّهَايَة" أنه يَكْفِي ذلك، ويكونُ جَواباً، والأحْسَنُ أن يُدْخِلَ حَرْفَ العَطْفِ.
وفي "التتمَّةِ" أَنَّهُ ليسَ بِجَوابٍ 53، وأَنَّهُ لو تَلاَقَى اثْنَانِ، فَسَلَّمَ كُلُّ واحدٍ منهما على الآخرِ -وجب على كُلِّ وَاحِدٍ منهما جَوَابُ الآخر، ولا يَحْصُلُ الجوابُ بالسَّلاَمِ، وإِن ترتب السَّلاَمَانِ 54. ولو قال المُجِيبُ: وَعَلَيْكُمْ، قال الإِمَامُ: الرأيُ عِنْدَنا أَلاَّ نَكْتَفِي بهذا فَإِنَّهُ ليس فيه تَعَرْض للسَّلامِ.
ومنهم مَنْ قال: إِنَّهُ يكونُ جَواباً لِلْعَطْفِ، ورجوعُه إلى قوله: السلام.
الجزء: 11 - الصفحة: 372
ولو قال: عَلَيْكُمْ -لم يكن جَوَاباً بلا خِلاَفٍ، وكمالُ السلام أَنْ يَقُولَ: السَّلاَمْ عَلَيْكُمْ ورحمةُ الله، وكما أَنَّ الجوابَ أَنْ تَقُولَ: وَعَلَيْكُمْ السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه 55.
وينبغي أَنْ يكونَ الجَوابُ متَّصِلاً بالسلامِ أيضاً ليرعى مثله بين الإِيجَابِ والقبول في العُقُود.
وفي "التتمة": أَنَّهُ لو نَادَاهُ مِنْ ورَاءِ سترٍ أَوْ حائطٍ وقال: السلامُ عليك يا فُلانُ، أو كتب كتاباً وسَلَّمَ فيه عليه، أَوْ أَرْسَلَ رَسُولاً فقال: سَلَّمْ على فُلاَنٍ فبلغَهُ الكتابُ والرسالةُ -وجبَ عليه الجوابُ؛ لأنَّ تحيَّة الغائِبِ إِنَّمَا تكون بالمُنَادَاةِ أو الكتابِ أو الرِّسَالةِ؛ وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ الآية [النساء: 86]، وأَنَّ ما يعتادُه بعضُ النَّاسِ مِنَ السَّلامِ عند القِيَامِ، ومُفَارقَةِ القوم- دُعَاءٌ لا تحِيَّة، فيستحب الجوابُ عنه ولا يجِبُ.
وأَنَّهُ يكره أن يخصَّصَ طائفةً من الجمع بالسلام.
وأَنَّهُ لو سَلَّم عليه جماعةٌ، فقال: وعليكم السَّلاَمُ، وقصد الرَّدَّ عليهم جَمِيعاً -جاز، وسَقَطَ الفَرْضُ في حَقِّ الكُلِّ كما لو صَلَّى على جَنَائِزَ صلاةً واحدةً.
وأنَّ المُسْتحبَّ أن يُسَلِّمَ الراكبُ على الماشِي، والمَاشِي على الجالِسِ، والطَّائِفَةُ القَلِيلَةُ على الكَثِيرة 56، ولا يُكْره أَنْ يَبْتدِأ الماشي، والجالس 57.
وأَنَّ في السَلامِ على الأَصَمِّ يأتي باللَّفْظِ لقُدْرَتِه عليه، وُيشِيرُ باليد لَيحْصُلَ الإفهامُ، ولو لم يَضُمَّ الإشارةَ إلى اللَّفْظِ لم يستحق الجواب، وكذا في جَوابِ الأَصَمِّ
الجزء: 11 - الصفحة: 373
ينبغي أَنْ يجمع بين اللفظِ والإِشَارة.
وأَنَّ سَلامَ الأَخْرَسِ بالإشارَةِ مُعْتَدٌّ به، وكذا ردّه السلامَ.
وأَنَّ الصَّبِيَّ لا يلزمُه جوابُ السلامِ؛ لأنَّهُ ليس من أَهْلِ الفرض، ولو سَلَّمَ على جَمَاعةٍ فِيهم صَبِيٌّ -لم يسقُطِ الفَرْضُ عنهم بجوابه 58. ولو سَلَّمَ الصبيُّ- ففي وجُوبِ جَوَابِه وجهان بناءً على الخلاف في صِحَّةِ إسلامه 59.
وأَنَّ سلامَ النساءِ على النِّساءِ كَسَلاَم الرجال على الرِّجالِ، ولو سَلَّمَ رَجُلٌ على امُرَأةٍ أوْ بالعَكْسِ، فإِنْ كان بينهما زوْجِيَّةٌ أو مَحْرَمِيَّةٌ -جاز، وثبت استحقاقُ الجوابِ، وِإلاَّ لَمْ يَثْبُتْ إِلاَّ إِذَا كانت عَجُوزاً خارِجةً عن مَظَنَّةِ الفتنة 60.
وأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ مَنْ دخل دَارَ نفْسِه أن يُسَلِّمَ على أهْلِه، وأَنَّ مَنْ دخل مَسْجداً أو بيتاً، وليس فيه أحدٌ، يستحب أن يقول: السَّلامُ عَلَيْنَا وعلى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ 61.
وأَنَّهُ لا يجوزُ السلامُ على أَهْلِ الذَّمَّةِ ابتداءً، ولو سَلَّمَ على مَنْ لم يَعْرِفْه، فَبَانَ ذِمِّيًّا -فَيُسْتَحَبّ أَنْ يسترد سَلامَهُ بأَنْ يَقُولَ: رُدَّ عليَّ سَلاَمِي؛ تَحْقِيراً له، ويُحَيَّى الذِّمي بغير السَّلاَم بأن يُقالَ: هَدَاكَ اللهُ، وأَنْعَمَ اللهُ صَبَاحَكَ، أَوْ أَطَالَ اللهُ بَقَاءَكَ، وإذا سَلَّمَ عليه ذِمِّيٌّ لَم يزِدْ في الجوابِ على قوله: وَعَلَيْكَ 62.
الجزء: 11 - الصفحة: 374
وأنَّ التحيَّةَ بالطَّلْيَقَةِ [وهي أَطَالَ اللهُ بقَاكَ] وَانْحِنَاءَ الظَّهْرِ، وتَقْبِيلَ اليَدِ لا أَصْلَ له في الشَّرْع، لكن لا يُمْنع الذي مِنْ تَعْظِيم المسلم بها 63، ولا يُكْرَهُ التعظِيمُ بالتقبيل لِزُهْدٍ، أو علمٍ، أو كِبَرِ سنٍ.
روي أَنَّ أَعْرَابِيَّا قعد عند رسول اللهُ -صلى الله عليه وسلم- فاسْتَحْسَن كلامَهُ, فاسْتَأْذَن في أَنْ يُقَبِّلَ وَجْهَهُ فأذِنَ له, ثم اسْتَأْذَنَ أن يُقَبِّلَ يدَهُ فَأَذِن له, ثُمَّ استأذن أَنْ يَسْجُدَ له, فلَمْ يّأْذَنْ له 64.
وأَنَّهُ تُسَنُّ المصافَحَةُ، وأَنَّهُ يُكْره للداخلِ أَنْ يَطْمعَ في قِيَامِ القَوْمِ، ويُسْتَحبُّ لهم أن يُكْرِمُوه، واللهُ أعلمُ.
وهذه زياداتٌ أُخَر في السلام علّقها بعضُهم في السلام بالفارِسِيَّةِ ثلاثةُ أَوْجُهٍ.
ثالثها: الفرق إِنْ كان قَادِراً على العربِيَّةِ.
لم يجز 65.
ومن لا يَسْتَقِيمُ نُطْقُه بالسلام فَسَلَّمَ كيف أَمْكَنه -كان مُسلِّماً.
= والحديث أخرجه البخاري (1/ 31) كتاب بدء الوحي/ باب (6) حديث (7). ومسلم (3/ 1393 - 1397) في الجهاد والسير/ باب كتاب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى هرقل حديث (74/ 1773).
الجزء: 11 - الصفحة: 375
وفي استحبابِ السلامِ على الفاسق [المجاهر بنفسه] ووجوب الرَّدِّ على المجْنُونِ والسَّكْران إِذَا سلَّمَا وجهان.
ومَنْ سلَّمَ على مَنْ يَقْضِي حاجته -هل يستحقُّ الجواب بعد الفراغ؟ فيه وجهان.
وذكر في "القَدِيم" أَنَّ المصلِّي إذا سُلِّمَ عليه يَرُدُّ بالإشارَةِ، وفي لُزُومِه وَجْهٌ، وفي لُزُومِ الرَّدِّ بعد الفراغِ مِنَ الصَّلاةِ وَجْهَانِ (1)، وهل يُسَنُّ سلامُ النِّساءِ على النّساءِ، فيه [احتمالاتٌ].
الْفَصْلُ الثَّانِي في تَشْمِيتِ الْعاطِسِ
رُوِيَ أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قال: "حَقُّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتٌّ، أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَأَنْ يُجيْبَهُ إِذَا دَعَاهُ، وَأَنْ يُشَمَّتَهُ إِذَا عَطِسَ، وَأَنْ يَعُودَهُ إِذَا مَرِضَ، وَأَنْ يُشَيِّعَ جِنَازَتَهُ إِذَا مَاتَ، ألاَّ نَظُنّ فِيهِ إِلاَّ خَيْراً" 67 واستحبابُه على الكِفَايةِ كما ذكرنا في ابتداءِ السَّلامِ، وإنَّما يسْتَحَبُّ التشمِيتُ إذا قال العاطِسُ: الحمدُ لله، وَينْبغِي أَنْ يُخَاطِبَ المُشَمت فيقول: يَرْحَمُكَ اللهُ، أو يَرْحَمُكَ رَبُّكَ.
ويُكَرِّرُ التَّشْمِيتَ إذا تكرر العُطَاسُ، إِلاَّ أَنْ يعلَمَ أَنَّهُ مَزْكُومٌ فيدْعُو له بالشِّفَاءِ.
ويستحب للعاطِسِ أن يُجِيبَه فيقول: يَهْدِيكَ اللهُ، أو يَغْفِرُ اللهُ لك، ولا يَجِبُ ذلك، بخلافِ جَوابِ السَّلامِ.
قال الإِمامُ: لَعَلَّ السَّبَبَ فيه أَنَّ التشْمِيتَ للعُطَاسِ، ولا عُطَاسَ بالمشمِّتِ،66
الجزء: 11 - الصفحة: 376
والتحيةُ تشملُ الطرفَيْن، ويُسْتحبُّ عيادةُ المريضِ، وزيارةُ القادِمِ، ومُعَانَقَتُه 68.
الجزء: 11 - الصفحة: 377
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = والصحيح المختار تقديم السلام، فقد صحت فيه أحاديث صريحة، وإذا استأذن بدق الباب ونحوه، فقيل: من أنت، فليقل: فلان ابن فلان، أو فلان الفلاني، أو المعروف بكذا وما أشبهه بحيث يحصل تعريف تام، ويكره أن يقتصر على قوله: أنا، أو الخادم، أو المحب، أو نحو ذلك مما لا يعرف به، والحديث الصحيح في ذلك مشهور ولا بأس أن يصف نفسه بما يعرف به وإن تضمن تبجيلاً له إذا لم يعرفه المخاطب إلا به، بأن يكني نفسه، أو يقول: القاضي فلان، أو الشيخ فلان أو نحوه.
وأما قول الرافعي: إذا قال: أطال الله بقاءك إلى آخره، فيحتاج فيه إلى تتمات، فأما أطال الله بقاءك، فقد نص جماعة من السلف على كراهته، وأما حني الظهر فمكروه للحديث الصحيح في النهي عنه، ولا يغتر بكثرة من يفعله ممن ينسب إلى علم وصلاح.
وأما القيام، فالذي نختاره أنه مستحب لمن فيه فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح أو ولادة أو ولاية مصحوبة بصيانة، ويكون على جهة البر والإكرام لا للرياء والإعظام، وعلى هذا استمر عمل الجمهور من السلف والخلف، وقد جمعت جزءاً في ذلك ضمنته أحاديث صحيحة وآثاراً وأفعال السلف وأقوالهم الدالة لما ذكرته، وأجبت عما خالفها، وأما الداخل فيحرم عليه أن يحب قيامهم له، ففي الحديث الحسن "من أحب أن يمثل له الناس قياماً، فليتبوأ مقعده من النار" وهذا ظاهر في التحريم، وقد روي بألفاظ أوضحتها مع معناه وما يتعلق به في جزء الترخيص في القيام، وأما قوله: لا يمنع الذمي من تعظيم المسلم بها، فلا نوافق عليه.
وأما تقبيل اليد، فإن كان لزهد صاحب اليد وصلاحه، أو علمه أو شرفه وصيانته ونحوه من الأمور الدينية، فمستحب، وإن كان لدنياه وثروته وشوكته ووجاهته ونحو ذلك، فمكروه شديد الكراهة، وقال المتولي: لا يجوز، وظاهره التحريم، وأما تقبيله خد ولده الصغير وبنته الصغيرة وسائر أطرافه على وجه الشفقة والرحمة واللطف ومحبة القرابة، فسنة، والأحاديث الصحيحة فيه كثيرة مشهورة، وكذا قبلة ولد صديقه وغيره من الأطفال الذين لا يشتهون على هذا الوجه، وأما التقبيل بشهوة فحرام بالاتفاق، وسواء في ذلك الوالد وغيره، بل النظر إليه بالشهوة حرام على الأجنبي والقريب بالاتفاق، ولا بأس بتقبيل وجه الميت الصالح للتبرك.
وسن تقبيل وجه صاحبه إذا قدم من سفر ونحوه ومعانقته للحديث الصحيح فيهما، وأما المعانقة وتقبيل الوجه لغير القادم من سفر ونحوه، فمكروهان، صرح به البغوي وغيره للحديث الصحيح في النهي عنهما، وأما المصافحة، فسنة عند التلاقي، سواء فيها لحاضر والقادم من سفر، والأحاديث الصحيحة فيها كثيرة جدًا، وأما ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر، فلا أصل لتخصيصه، لكن لا بأس به، فإنه من جملة المصافحة، وقد حث الشرع على المصافحة، وجعله الشيخ الإِمام أبو محمد بن عبد السلام من البدع المباحة، ويستحب مع المصافحة البشاشة بالوجه والدعاء بالمغفرة وغيرها.
ويسن زيارة الصالحين والإخوان والجيران والأصدقاء والأقارب إكرامهم وبرهم وصلتهم، وضبط ذلك يختلف باختلاف أحوالهم ومراتبهم وفراغهم، وينبغي أن تكون زيارته على وجه يرتضونه وفي وقت لا يكرهونه، ويستحب أن يطلب من أخيه الصالح أن يزوره، وأن يكثر زيارته إذا لم يشق، وأما العاطس، فيسن له أن يقول: الحمد لله، وإن كان في صلاة قاله وأسمع نفسه، ولو قال: الحمد لله على كل حال، كان أفضل، ففيه حديث صحيح، ويسن بمن جاءه العطاس، =
الجزء: 11 - الصفحة: 378
يُرْوَى أَنَّ جَعْفَراً -رضي الله عنه- لَمّا قَدِمَ مِنَ الحَبَشَةِ عانَقَهُ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، (1) وقد قدّمْنَا في المُعَانَقَةِ كَلاَماً في أَوَّلِ النِّكَاحِ، والله أعلم.
الْبَابُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ الجِهَادِ
قال الغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ فِي تَصَرُّفِ الإِمَامِ فِيهِمْ بِالقِتَالِ وَالاسْتِرْقَاقِ وَالاِغْتِنَامِ (النَّظَرُ الأَوَّلُ فِي القِتَالِ) وَفِيهِ مَسَائِلُ: (الْأُولَى) أَنَّهُ يَجُوزُ الاسْتِعَانَة بِأَهْلِ الذِّمَّةِ وَبِالمُشْرِكِ الَّذِي تُؤْمَنُ غَائِلَتُهُ وَبِالعَبِيدِ إِذَا أَذِنَ السَّادَةُ وَبِالمُرَاهِقِينَ* وَالذِّمَّيُّ إنْ حَضَرَ منْ غَيْرِ إِذْنٍ فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ الرَّضْخَ خِلاَفٌ* وإِنْ نُهِيَ فَحَضَرَ لَمْ يَسْتَحَقُّ* وَالمُخَذِّلُ يَخْرُجُ مِنَ الجُنْدِ وَلاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئاً وَإِنْ حَضَرَ.69
= أن يضع يده أو ثوبه ونحوه على وجهه، ويخفض صوته وتشميته إلى ثلاث مرات، فإن زاد، دعا له بالشفاء، ولا يشمته حتى يسمع تحميده، وأقل التشميت وجوابه أن يسمعه، ولو قال لفظاً آخر غير الحمد لله، لم يشمت، ففي صحيح مسلم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا عطس أحدكم فحمد الله تعالى، فشمتوه، فإن لم يحمد الله تعالى، فلا تشمتوه" وهذا الحديث مما ينبغي حفظه وإشاعته، فإن كثيراً من الناس يتساهلون فيه، وإذا لم يحمد الله تعالى، يستحب لمن عنده أن يذكره الحمد، ولو سمع حمده بعض القوم، يشمته السامعون فقط، ولو عطس يهودي، فليقل: يهديكم الله، ولا يقل: يرحمكم الله، ففيه حديث صحيح، ولو تثاءب، فالسنة أن يرده ما استطاع، وأن يضع يده على فمه، ثبت ذلك في صحيح مسلم، وسواء كان في صلاة أو غيرها، ويستحب إجابة من ناداه، بلبيك، وأن يقول لمن ورد عليه: مرحباً، وأن يقول لمن أحسن إليه: جزاك الله خيراً، أو حفظك الله ونحوهما، ويسن لمن أحب أخاً له في الله تعالى أن يخبره أنه يحبه، وهذا الباب واسع جداً، وفيما ذكرته مقنع، وقد أوضحت جميع ذلك بدلائله الصحيحة المتظاهرة في كتاب "الأذكار" وفيه ما لا يستغنى عن مثله من أشباهه، وإنما بسطت هذا الفصل على خلاف العادة، لأنه أحكام وسنن تدعو الحاجة إليها ويكثر العمل بها، فهي أولى من نوادر المسائل التي لا تقع في العادة، وأسأل الله الكريم التوفيق للخيرات.
والله أعلم.
الجزء: 11 - الصفحة: 379
قال الرَّافِعِيُّ: الجهادُ يتضمنُ قصدَ نُفُوس الكُفَّارِ وأَمْوالهم، وتَصرُّفُ الإمامِ في نِفِوسِهم: قد يكونُ بالقَتْلِ والقِتَال، وقد يكونُ بالاسْتِرْقَاقِ، وقَدْ يَكونَ بالمنِّ أو الفِدَاءِ، وتصرُّفه في أَمْوالهم: قد يكون بالإِتْلاَفِ، وقد يكُونُ بالاغتِنَامِ، فأَهْملَ صاحبُ الكتاب حُكْمَ المنِّ والفِدَاء؛ لأنَّ خَطْبَهما هَيِّنٌ.
وقال: "والنَّظَرُ فِي تَصَرُّفِ الإِمَامِ فِيهِمْ بالْقَتْلِ وَالاِسْتِرْقَاقِ وَالاِغْتِنَامِ، ولم يَذكرْ في الترجمةِ إتلافَ أموالِهم، لكنَّهُ يَبيِّنه عند التفصِيل بين الاسْتِرْقاق والاغْتِنام على ما سيأتي.
واعلمْ أَنَّهُ يكرهُ الغزْوُ بغَيْرِ إذْن الإِمَام، أو الأَمِير المنصُوب مِنْ جهته ولا يحرُم 70، وأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ إذا بَعث الإمامُ سَرِيَّةً أَن يُؤَمِّرَ عليهم أَمِيراً، وَيأْمُرَهم بطاعتِه، ويوصيه بهم، وأَنْ يأخُذَ البيعَةَ على الجُنْدِ حتَّى لا يَفرُّوا، وأن يَبْعَثَ الطَّلائِعَ ويتجسس أَخْبارَ الكفار 71، ويُسْتحبُّ الخروجَ يومَ الخمِيس 72 في أوَّل النَّهَارِ، وأن يَعْقِدَ الراياتِ، ويجعل كُلَّ أمير تحت رايةٍ، ويجعل لِكُلِّ طائِفَةٍ شعاراً؛ حتَّى لا يَقْتُلَ بعضُهم بعضاً بياتاً، ويُسْتَحبُّ أَنْ يدخل دارَ الحرْبِ بتعبئة الحرب؛ لأنَّهُ أحوطُ وأَهْيَبُ، وأن يستنصِرَ بالضعفَاءِ، وأَنْ يَدْعُوَ عند التِقَاءِ الصَّفّيْنِ، وأن يُكَبِّر مِنْ غَيْرِ إسرافٍ في رفْعِ الصوت، وأن يُحَرّضَ الناسَ على القتالِ، وعلى الصَّبْرِ والثَّباتِ، وكُلُّ ذلك مَشْهُورٌ في سِيَرِ النبي -صلى الله عليه وسلم- ومَغَازِيه.
ولا يُقاتِلُ مَنْ لم تبلغه الدعوة حتى يدعوه إلى الإسلام، والذين بلغتْهُم الدعوةُ يُسْتحب أن يعرض عليهم الإسلامَ، ويَدْعُوهم إليه أَيْضاً، ويجوزُ أَنْ يبتهم [بغير دعاء] ثُمَّ الذين لا يقرون بالجزيةِ يُقَاتلُون وتُسْبَى نِسَاؤُهم، وتُغنم أموالُهم إلى أن يُسْلِمُوا، والذين تُقْبَلُ منهم الجزيةُ يُقَاتلون إلى أن يُسْلِمُوا أو يبذلوا الجِزُيَة، إذا عرفْتَ ذلك، فَإِنَّ صاحِبَ الكتابِ رتَّبَ التصرُّفَ الأول وهو القتالُ، والقتلُ -على مَسَائِلَ:
إِحْدَاهَا: فِيمَنْ يُسْتَعَانُ به وفيه صُوَرٌ:
إِحْدَاهَا: يجوزُ الاستعانةُ بأَهْلِ الذِّمةِ والمشْرِكين في الغَزْوِ؛ لما رُوِيَ أَنَّ النبيَّ -
الجزء: 11 - الصفحة: 380
صلى الله عليه وسلم- استعانَ بيهودِ بَنِي قَيْنقَاع في بعض الغَزَواتِ، ورضخ لهم 73، وشهد صَفْوَانُ معه حربَ حُنَيْنٍ وِهو مُشْرِكٌ 74، وإِنَّمَا تجوز الاستعانةُ بهم إذا عرف الإِمَامُ حُسْنَ رَأْيِهم في المسْلِمينَ، وأَمِنَ من خِيَانَتِهم، واعتبر الإمامُ، وصاحبُ "التَّهْذِيبِ" وآخرون شرطاً آخرَ، وهو أَنْ يُكَثِّرَ المسلِمينَ بحيثُ لو خان المستعانُ بهم، وانضمُّوا إلى الذين يَغْزُونهم -لتمكَّنَ المسلِمُونَ مِن مُقَاوَمتهم جميعاً، وفي كتُبِ العِرَاقِيِّينَ وجماعةٍ أَنَّ شَرْطَ جوازِ الاستعانة أن يكون في المسلمِينَ قِلّة، وتمسّ الحاجةُ إلى الاستعانَةِ، ويكاد هذان الشرْطَانِ يتنافَيَانِ؛ لأنهم إذا قَلُّوا حتَّى احتاجُوا في مُقاوَمةِ إِحْدَى الفئتَيْنِ إلى الاستعانة بالأخرى فكيف يَقْدِرُون على مُقَاومتهما معاً 75؛ لو التأمتا وتمالأتا؟ وتكلَّمُوا فيما رُوِيَ عن عائِشَةَ -رضي الله عنها- أَن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج إلى بَدْرٍ، فتبعَهُ رجلٌ من المشُرِكين فقال: "تُؤْمِنُ باللهِ ورسُولِه قال: لاَ، قال: فَارْجِعْ؛ فإنَّا لا نَسْتَعِينُ بمُشْركٍ، ثُمَّ أَتَاهُ بعد ذلك، ووصف الإسلامَ، فقبله وَاسْتَصْحَبَهُ" 76 من وجوه:
الجزء: 11 - الصفحة: 381
قِيلَ: كانت الاستعانةُ ممْنُوعةً، ثم رَخّص فيها 77.
الجزء: 11 - الصفحة: 382
وقِيلَ: إنما لم يستعِنْ حينئذٍ لفوات بعْضِ الشرُوطِ المعتبرة.
وقِيل: إِنَّ الأمْرَ فيه إلى رأْي الإمامِ، فرأى أَنْ يستعين في بعض الغَزَواتِ، ولم يره في بَعْض.
قِيل: تفرَّسَ فيه الرغبةَ في الإسلامِ؛ فردَّهُ رجاءَ أن يسْلِمَ، فصدق ظَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم-.
= رابعاً- هناك حوادث أخرى اشتهرت عند أهل السير تفيد الاستعانة بهم كما في زاد المعاد، وعيون الأثر والشوكاني منها أن قزمان خرج مع -رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ مُشْرِكٌ فَقَتَلَ ثَلاَثةً مِنْ بَنِيْ عَبْدِ الدَّارِ حَمَلَةِ لِوَاءِ الْمُشْرِكِيْنَ حَتَّى قَالَ رسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- "إِنَّ اللهَ لَيُأزِّرُ هَذَا الدِّيْنَ بالرَّجُلِ الفَاجِرِ، وَمِنْهَا: أَنَّ خُزَاعَةَ خَرَجَتْ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى قُرَيْشٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَمنْهَا أَنَّ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، اسْتَعَارَ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ دُروْعاً وَأَشْيَاءَ أخْرَى يُسْتَعَانُ فِي الْحَرْبِ بها، وَكَانَ صَفْوَانُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُشْرِكاً".
وأجابوا عن حديث عائشة، وحديث خبيب -رضي الله عنهما- بأنهما مَنْسُوخَانِ؛ لأن المنع من الاستعانة كان في أول الأمر ثم استعان بهم النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوةِ خَيْبَرَ سَنَة سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ فَتَكُوْنُ ناسِخَةً لِمَا قبْلَهَا.
"مناقشة الأدلة" ونوقشت أدلة المجيزين بما يأتي:
أولاً- الحديث الأول في سنده الحسن بن عمارة وهو ضعيف فلا يحتج به.
ثانياً- والحديث الثاني أرسله الزهري، وكان يحيى بن القطّان لا يرى مراسيل الزهري شيئاً ويقول هي بمنزلة الريح.
ثالثاً- حديث ذي مخبر ليس في استعانة المسلمين بأفراد من الكفَّار وإنما هو في التحالف معهم ضد عدوّ مشترك.
رابعاً- يقال في حديث قزمان أنه لم يبين طريقه ليمكن الحكم عليه ولو سلمت صحته فلم يثبت أنه -صلى الله عليه وسلم- أذن له بذلك في الابتداء، وغاية ما فيه أنه يجوز للإمام السكوت عن كافر قاتل مع المسلمين تبرعاً منه من غير استعانة منهم به وأما خزاعة فقد كانوا حلفاء النبي -صلى الله عليه وسلم-، والأهم من ذلك أنهم كانوا في ذلك الوقت مسلمين بدليل قول عمران بن سالم الخراعي حين وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- يَسْتَنْصِرُهُ علي بني بكر وقريش.
يَا رَبِّ إِنَّي نَاشِدٌ مُحَمَّداً ... حلفَ أَبِيْنَا وَأَبِيْه الأَتْلَدَا
قَدْ كُنْتُمْ ولْداً وَكُنَّا وَالِداً ... ثمَّتَ أَسْلَمْنَا فَلمْ نَنْزَعَ يَدَا
إلى أن قال:
هُمْ بَيَّتُونَا بِالوَتِيْر هُجَّداً ... وَقَاتَلوْنَا رُكَّعاً وَسُجَّدا
وأمَّا حديث صفوان فهو في غير محل النزاع؛ لأن ما فيه أن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- اسْتَعَانَ بِالسِّلاَحَ وَالْكَلاَمِ فِي الاسْتِعَانَةِ بِالرِّجَالِ، وَالْفرْقُ وَاضِحٌ.
ومن هذه المناقشة يظهر أن أدلة المجيزين لا تنهض للاستدلال فضلاً عن كونها تعارض أدلّةَ المنع، ولو صحَّ أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- استعان بأحد من المشركين لأمكن أن نجعله مخصوصاً من عموم المنع للمصلحة، ولأمكن أن نقيس عليه مثله مما يكون في الاستعانة به مصلحة للمسلمين، ولكن لم يظهر ذلك.
الجزء: 11 - الصفحة: 383
ثُمَّ إذا حضر الذِّمِّيُّ القتالَ بإِذْن الإمامِ، فله الرضخ كما تبيّن في "قِسْم الغَنَائِم"، إلاَّ إذا كان قد اسْتَأْجره، فلا يستحقُّ إِلاَّ الأَجْرة، وإِنْ حضر بعد ما نهاه، فلا شَيْءَ له؛ لأنَّهُ مُتَّهَمٌ بموَالاة أَهْلِ دِينه، وللإمام أَنْ يُعَزّره إذا رآه، وإنْ لم يكن نهيٌ ولا إِذْنٌ، فهل يَسْتَحِقُّ الرضخ؟ فيه وجهانِ:
أَصَحُّهما: المنعُ؛ لأَنَّهُ ليس مِنْ أَهْل الذَّبِّ عن الدين، بل هو مُتَّهَمٌ بالخيَانةِ، والميْلِ إلى أَهْل دينه.
والثَّانِي: أَنَّهُ يستحقُّ؛ لأنَّهُ بالعَهْدِ المُؤَبَّدِ صار من أَهْلِ الدار، ومِنْ أهل نصرتها.
[و] الثَّانِيَةُ: يجوزُ أَنْ يَسْتعين الإمامُ بالعبِيد إِذَا أَذِن السادَةُ 78، وأَنْ يسْتصْحِبَ المراهِقِين، إذا كان فيهم جلادةٌ وغناءٌ في القتال، وكذا لمصلحةُ سَقْيِ الماء، ومُدَاوَاةِ الجرْحَى، وكذلك يَسْتَصْحِبُ النساءَ لمثل ذلك على ما مرَّ.
وفي "جَمْعِ الْجَوَامِعِ" للرُّوَيَانِي: أَنَّ القَفَّالَ ذكر: أَنَّ الشَّافعي -رضي الله عنه- أطلقَ قولَيْن في جواز إِحْضار نساءِ أَهْل الذِّمةِ وذَرَارِيهم، فأَحَدُ القوليْن: أَنَّهُ يجوزُ كما يجوز إِحْضارُ نساءِ المسلمين، وذَرَارِيهم.
والثَّانيِ: لا يجوزُ؛ لأنَّهُ لا قِتَالَ فِيهم، ولا رأْيَ ولا نتبركُ بدعائهم 79، وهَاهُنَا كلمتانِ:
إِحْدَاهُمَا: ظاهِرُ ما ذكره لَفْظاً وتوجيهاً -جوازُ إحضارِ الذُّريَّةِ مُطْلقاً، إِلاَّ أَنَّ مَنْ لا يميِّزُ وَجَبَ أَلاَّ يجوزَ إحضارُه، كما نَصُّوا في المجنون أَنَّهُ لا يُحْضَرُ؛ لأنَّهُ يُعَرَّضُ للهلاك بلا مَنْفعةٍ.
والثَّانِيَةُ: ذكرنا في "قسْم الفَيْءِ والغَنَائِمِ" أَنَّ نِسَاءَ أَهْلِ الذِّمةِ إذا خَرَجنَ بإذْنِ الإِمام، لهن الرضخُ على أصحِّ الوجْهَيْن، فيجوزُ أَنْ يُبنَى الوجهان على القولَيْن المنقُولَيْن هاهنا، ويجوز أن يقدر خلافٌ في استحقاقهن الرضخ، مع تجْوِيز الإذْنِ لَهُنَّ، ويوجه المنعُ بِأَنَّهُنَّ يتبعْن الرجال في الجزيَةِ المبذُولَةِ، فكذلك يتبعن في الرضخِ المأخُوذِ.
الثَّالِثَةُ: المخذَّل للجيش يُمْنعُ من الخُرُوج مع الناس، فإنْ خَرجَ أُخْرِجَ من الجنْدِ، ولا يَسْتحقُّ شَيئاً وإن حضر القِتالَ، فإنْ قتل كافراً لا يستحق سلبَه.
والمخذِّلُ: هو الذي
الجزء: 11 - الصفحة: 384
يخوِّفُ النَّاسَ، بأَنْ يقولَ: عددكم قَلِيلٌ، وخُيُولكُم ضَعِيفةٌ، ولا طاقَةَ لكم بالعدوّ، وما أشبه ذلك، وفي معنى المخذِّلِ: المرجفُ والخَائِنُ، والمرجفُ: هو الذي يُكْثر الأَراجِيفَ بأن يقول: قُتِلَتْ سريَّةُ كذا، أو لحقهم مددٌ مِنْ جِهَةِ كذا، أو لهم كَمِينٌ في مَوْضِع كذا.
والخَائِنُ والخِيانَةُ: أَنْ يتجسَّسَ لهم، ويُطْلِعَهم على العَوْراتِ بالمكاتبة والمُراسَلَةِ، وتكلموا في أنَّهُ لَمَّا كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يَغْزُو ومعه عبدُ الله بنُ أَبيّ مع ظُهُورِ التخْذِيل منه؟ فقِيلَ: كانت الصحابةُ -رضي الله عنهم- أَقْوِياءَ في الدِّين، لا يُبَالُون بتخذِيله، وقِيلَ: كان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يطّلِعُ بالوحْي على أَفْعاله، فلا يستضر بكَيْده، وصورة المخذِّل مكررةٌ، قد ذكرها مَرَّة في "قِسْمِ الغَنَائِم".
ويجوزُ أن يعلم قوله هاهنا: "وَلاَ يَسْتَحِقّ شيئًا وإن حضر" وقولُه هنا: "فَلا يُعْطَى شيئاً أصْلاً" بالحاء لأنَّ القاضي ابنَ كَجّ رَوَى عن أَبِي حَنِيْفَةَ أَنَّه يُسْهِمُ له مِنْ الغنيمة إذا حضر، وبالوَاوِ؛ لأنَّ القاضِيَ الروياني روى وراء المشهور وَجْهين:
أَحَدُهما: أَنَّهُ إِنَّمَا يحرمُ إذا نهاه الإِمام فلم ينْتَهِ.
أَمَّا إذا لم يَنْهَهُ -فيسهم له كغيره.
والثاني: أَنَّهُ يرضخُ له، ثُمَّ لفظُ الكتاب هاهنا أَنَّهُ يخرجُ من الجند، وهناك أَنَّهُ يخرجُ مِنَ الصَّف، فالإخراجُ من الجُنْدِ قبل التقاءِ الصَّفَّيْنِ ظاهِرٌ، وأَمَّا عند الالتِقَاءِ، فَإِنَّما يخرج إذا لم يخف منه وهن.
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ) لاَ يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ المُسْلِم عَلَى الجِهَادِ إِذْ يَقَعُ عَنهُ لَكِنْ لِلإِمَامِ أَنْ يُرغُبَهُمْ بِبَذْلِ الأهْبَةِ وَالسَّلاَحِ* وَلَوْ أَخْرَجَهُمْ قَهْراً لَمْ يَسْتَحِقُّوا الأُجْرَة* وَلَوْ عَيَّنَ الإِمَامُ شَخْصاً لِدَفْنِ مَيِّتٍ وغَسْلِهِ فَلاَ أُجْرَةَ لَهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ تَرِكَةٌ أَوْ فِي بَيْتِ المَالِ مُتَّسَعٌ* وَيَجُوزُ اسْتِئْجارُ العَبِيدِ إِنْ قِلْنَا: لاَ يَجِبُ عَلَيْهِمُ القِتَالُ بِحَالٍ* وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الذِّمِّيِّ* وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ جَعَالَةٌ لِلجِهَادِ* وَفِي اسْتِقْلاَلِ الآحَادِ بِاسْتِئْجَارِ الذِّمِّيِّ وَجْهَانِ كَمَا فِي الأَذَانِ* وَلَوْ أُخْرِجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ قَهْراً اسْتَحَقُّوا أُجْرَةَ المِثْلِ مِنَ الغَنِيمَةِ عَلَى رَأْيٍ* وَمِنْ بَيْتِ المَالِ عَلَى رَأْيٍ* وَلوْ خُلَّيَ سَبِيلُهُمْ قَبْلَ الوُقُوفِ لَمْ يسْتَحِقُّوا إِلاَّ أُجْرَةَ الذَّهَابِ* وَلَوْ وَقَفُوا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ فَفِي اسْتِحْقَاقِهِمُ الأُجْرَةَ الكَامِلَةَ خِلافٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: أمَّا المسلمُ فلا يجوزُ أَن يُسْتَأجر؛ لأنَّه إن كان مُتَعيناً عليه -فهو بالخرُوجِ يُؤَدِّي فَرْضاً عليه مُتعيناً، وإنْ لم يكُنْ متعيِّناً عليه، فإذا حضر الوقعَةَ تَعيَّنَ عليه، ولا يجوز أخذ الأجرة عن الفرضِ المتعيّن عليه، الواقِعِ عنه، كما لا يَأْخُذُ الصّيرورة الأُجْرة على الحج؛ لأنَّ الحجَّ يقع عَنْه، فلا فرقَ في ذلك بين الإِمَامِ والآحادِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 385
وعن الصَّيْدَلاَنِيِّ: أَنَّهُ يجوزُ للإمامِ أَنْ يَسْتأْجِرَ المسلِمَ للجهادِ، ويُعْطِيَه الأُجْرة من سَهْم المصالح، والظاهِرُ الأوّلُ، والإمامُ يرغّبُ في الجهادِ ببذل الأُهْبة والسِّلاحِ مِنْ بيْتِ الماَل، أو مِنْ خاصِّ ماله، فينال ثوابَ الإعَانَةِ، ويقع الجهادُ عن المباشر، وكذلك إذا بذل أهبته الواحد من عرض الناس مِنْ ماله.
رُوِيَ أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ جَهَّزَ غَازِياً فِي سَبِيلِ اللهِ فَقدْ غَزَا" 80 ورُوِي "مَنْ جَهَّزَ غَازِياً أَوْ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِراً فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ" 81.
قال الأَصْحابُ: وما يُدْفَعُ إلى المُرْتَزَقَةِ من الفَيءِ وإلى المطوّعة من الصَّدَقَاتِ -حقوقُهم المرتبة لهم وليس أجرةً وجهادُهم واقِعٌ عنهم.
ولو قَهَرَ الإمامُ جماعةً من المسلمِينَ، وأَكْرَههُم على الخروج والجهاد -لم يَسْتَحِقُّوا الأُجْرةَ؛ لما ذكرنا من وُقوعِ الجهاد عنهم، وامتناع استئجارِهم له، هكذا أطْلقُوه، وفصَّلَ في "التَّهْذِيبِ" فقال: إِنْ تَعَيَّنَ الجهادُ عليهم، فالحكْمُ كذلك، وإِلاَّ فلهم الأُجْرةُ مِنْ حِين أخْرجهَم إلى أَنْ يحضروا الوقْعَةَ، وأطلق مُطْلقون القولَ بأنَّهُ إذا عَيَّنَ الإمامُ رَجُلاً، وأَلْزمه غَسْلَ الميِّتُ ودَفْنه -لم يكنُ لذلك المقهور أجرةً، واسْتَدْرَكَ الإمامُ فقال: هذا إذا لم يكُنْ للميت تَرِكَةٌ، ولا في بيت المال مُتَّسَعٌ، فإن كان له تَرِكَة، فَمُؤْنَةُ تَجْهِيزه في تركَتِه، وإِلاَّ وفي بيتِ المال متسع فمؤنُته في بيت المالِ، فيستحق المقهورُ الأُجْرةَ، والتفصِيلان حَسَنَانِ، ولنحمل عليهما الإِطْلاَق.
وهل يجوزُ للإمامِ استئجارُ عَبِيد المسلمين؟ قال الإمامُ: الترتِيبُ فيه: أَنَّا إن جَوَّزْنَا له استئجارَ الأَحْرَارِ، فيجوزُ استئجارَ العبِيد أيضاً، وإلاَّ فَفِي اسْتئجار العَبِيد وَجْهان مُخَرَّجَانِ على أنه إذا وَطِئَ الكفارُ طرفاً مِنْ بلادِ المسلمين، هل يتعيَّن الجهادُ على العبيد؟
إِنْ قُلْنا: نَعَم، فهم مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الجهادِ، فإذا وقفوا في الصفِّ -وقع عنهم، فيكون استئجارُهُم كاستئجار الأحْرارِ، وإِلاَّ فيجوزُ استئجارُهُم، وهو الذي أراد بقوله في الكتاب "إنْ قُلْنَا: لا يجبُ عليهم القتالُ بحِالٍ" وإن أَخْرج عَبِيداً قَهْراً- لزمت أجرتُهم من يَوْمِ الإخراج إلى أَنْ يَعُودَ كُلُّ واحدٍ إلى يَدِ سَيَّده، هكذا أطلق صَاحِبُ "التَّهْذِيبِ" وغيرُه، ويشبه أن يبنى ذلك على الوجْهَيْن السابِقَيْنِ: إنْ جعلناهم من أَهْلِ فرض
الجزء: 11 - الصفحة: 386
الجهاد، فَلْيَكُونُوا كالأَحْرَارِ، وهذا في استئجار المسلم.
وأَمَّا الذِّمِّيُّ فللإمام أَنْ يستعمِلَه للجهاد بمالٍ يبذله، وطريقه الجُعَالة أو الإِجَارَة فيه وجهان:
أَحَدُهُمَا: الجُعَالَةُ؛ لأنَّ أعْمال القتال مجهولة لاَ تَنْضَبطُ، وأصَحُّهما: الإِجَارةُ، ولا يَضُرُّ كَوْنُ الأَعْمال مَجْهُولةً، فَإِنَّ المقصُودَ القتالُ على ما يتفق والمقاصِدُ هي المرعيّةُ على أنَّ مُعَاقَدَاتِ الكُفَّار يُحْتَملُ فيها ما لا يُحْتَملُ في مُعَاقَداتِ المسلمين، على ما سيأتي -إِنْ شاء اللهُ تعالى- في مَسْأَلَةِ العِلْجِ، ولو كان جُعَالَة لكان للذِّميّ الاِنْصِرَافُ، مَتَى شَاءَ، وهو بَعِيدٌ، وعلى هذا فَفِيمَا يستأجره به وَجْهَانِ مَنْقُولاَنِ في "المهذب":
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لا يجوزُ أن تبلغ الأُجْرةُ سَهْمَ رَاجِلٍ؛ لأنَّهُ ليس مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الجهادِ، فلا يُعْطَى سَهْمَ راجلٍ كالصبي والمرْأَةِ، وكأنَّ حاصِلَ هذا الوجْهِ الحكم بِالاِنْفِسَاخ، والردِّ إلى أُجْرة المِثْلِ، إذا بَانَ بالأجرة ازديادُ الأُجْرَةِ على سَهْمٍ من الغَنِيمة، وإِلاَّ ففيَ الابْتِدَاءِ لا ندْرِي قَدْرَ الغنِيمة، وسَهْم الراجِل منها، وأَصَحُّهما: أَنَّهُ لاَ حَجْرَ في قدر الأجرة كما في سائر الإجَارَاتِ، وهل لأحادِ المسْلِمِينَ استئجارُ الذمي للجهاد؟ فيه وَجْهانِ كما في اسْتِئْجَارِ الآحادِ للآذانِ:
أصَحُّهمَا: المنعُ؛ لأنَّ الآحادَ لا يَتَولّون المصَالِحَ العامَّةَ، وذكرنا في "الأَذَانِ" أَنَّ الأصحَّ تجويزُ الاستئجارِ، ويمكن أَنْ نفرّق بِأَنَّ الجهادَ أعظمُ وَقْعاً، ويتعلَّقُ بإقامَتِه وتأْخِيره مَصَالِحُ يحتاج فيها إلى نَظَرٍ كَامِلٍ، وأَيْضاً فالذِّمي مخالِفٌ في الدِّين، وقد يَخُون في الجيْشِ إذا حَضَرَ، فلْيفوَّضْ أمرُه إلى رأْيِ الإِمام، ثُمَّ في الفَصْلِ صُورَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: إذا أخرج الإمامُ أهلَ الذِّمةِ، فالأحبُّ أن يُسَمَّيَ لهم أجرة [فإن ذكر شَيْئاً مَجْهُولاً بأن قال: نُرْضِيكم أو نُعْطِيكم ما تَسْتَغْنون به وجب أجرة] 82 المِثْل فإن أَخْرجَهم وحَمَلَهُم على الجهاد قَهْراً، فكذلك تجب أجرةُ المِثْلِ كالاستئجار في سائر الأَعْمالِ، فإِنْ خرجوا آمِنينَ، ولم يُسَمَّ لهم شيئاً فهذا مَوْضِعُ وُجُوب الرضْخِ، وفِي محلِّه أقوالٌ مذكورة في كتاب "قِسْم الفَيْءِ والغَنِيمة"، والأُجْرة الواجبة مُسَمّاة كانت أَوْ أُجْرةَ مثلٍ مِنْ أَيْن تُؤَدَّى؟ ذكروا فِيه وَجْهَيْن:
أَحَدُهما: مِنْ خُمُسِ الخمْسِ مِنْ سَهْم المصالح؛ لأنهم يحضرون للمصلحة، لا أَنَّهم من أهل الجِهَادِ.
والثَّانيِ: مِنْ رَأْسِ مَالِ الغَنِيمة، فجعل المدفوعَ إليهم كسائر المُؤَنِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 387
وحَكَى القاضي ابنُ كَج وَجْهاً ثالثاً، وهو أَنَّهَا تؤدي مِنْ أرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الغَنِيمة؛ لأنَّها مُؤَداة بالقتالِ كسِهَامِ الغَانِمِينَ، هذه هي الأَقْوَالُ المذكورَةُ في الرَّضْخِ.
وقد يُقالَ: ما معنى قَوْلِنَا: تُؤَدَّى من خُمْسِ مال الخمسِ؟ نعني به خُمْسَ خُمُسِ الغَنِيمة التي تحصلُ في هذا القتال، أو خُمْس خُمس الفَيْءِ والغَنِيمة الحاضر المُعَدِّ عند الإِمام؟
والجوابُ: أَنَّ التأَمُّلَ فيما ساقه الأَئِمّةُ يُفْهمُ تارةً هذا، وتارةً هذا، وحُكْمها واحدٌ، والظاهِرُ أَنَّ كُلاًّ مِنْهما جائزٌ، فإنْ لم يوجد أَحَدُهما -يتعيّنُ الثاني الأداء، وقد يُقالُ: ذكرتُم في الرضخ أَنَّ الأصَحَّ أنَّهُ يُعْطَى من أَرْبَعَةِ أَخْماسِ الغنيمة، وهاهنا رَجَّحُوا الأداءَ من خُمْسِ الخُمْسَ، ورُبَّمَا لم يذكروا غَيْرَهُ، وهو الذي نَصَّ عليه في "المخْتَصَرِ" هاهنا، فما الفرق؟
والجوابُ: يمكِنُ أن يُقال: إذا حضر طائِعاً ولم يُذْكَرْ له مالٌ -فقد شبّه نَفْسَهُ بالمجاهِدِينَ، فيجعل في القِسْمة معهم، وأمَّا الأُجْرة فهي عِوَضٌ محضٌ، ونظره مقصور عليها، فيُجْعل فيما يختص ببدء الإِمَامِ، وتصرُّفِه ولا يُزَاحِمُه فيه الغانِمُون.
الثانية: لو خَلَّى سَبِيلَهُم، وقد أخرجهم قَهْراً قبل أن يَقفوا في الصَّفِّ، أَوْ أفلتوهم ولم يقفوا -لا تلزمْ إِلاَّ أجرةُ الذهابِ، وإن تعطّلت منافِعُهم في الرجُوعِ؛ لأنَّهم يتردَّدُون حيئنذٍ كيف شاؤوا ولا حبس ولا استئجارَ، وإن وقف المقْهُورُونَ ولم يُقَاتِلُوا، فهل لهم الأُجْرةُ لمدَّةِ الوقُوفِ؟ فِيه وجهان:
أَحَدُهما: نَعَمْ, لأنَّ الوقُوفَ والحضُورَ كالقتالِ في استحقاق سَهْمِ الغَنِيمة، وكذلك في اسْتِحْقَاقِ أُجْرة الجهاد.
وأَظْهرهُما: المنعُ؛ لأنَّ الأُجْرة في مُقَابلة العَمَل، والفائدة المبتغاةُ لم تحصلْ، فعلى هذا إذا لم يكن عليهم حَبسٌ وَقَهْرٌ فلا شَيْءَ لهم، وإِلاَّ فعلى الخِلاَفِ في أَنَّ منفعة الحُرِّ -هل تضمن الحبس والتعطِيل دون الاستيفاء؟ وأشار في "الوَسِيطِ" إلى أَنَّ بين أُجْرة مثل القتال وأجرة الحضور والاحتباسِ هناك- فَرْقاً وتفاوتاً ظَاهِراً.
فإنْ جعلنا الحضُورَ كالقتال -وجبَ أجرة مثل القتال، وإِلاَّ فالواجِبُ أُجْرةَ مثل الوقُوفِ، والاحْتِباسِ إن قُلْنَا: إِنَّ منفعةَ الحُرِّ تضمن بالحبس.
وقولُه في الكتاب: "فَفِي اسْتِحْقَاقِهِمُ الأُجْرَة الكَامِلَة خلافٌ" مُنَزَّلٌ على هذا، ويمكنُ أن تُحْمَل الأُجْرة الكاملة على أُجْرة مِثْلِ الذهابِ والوقُوفِ، فَإِنَّا إذا لم نوجب للوقوف شَيْئاً -يكونُ الواجِبُ أجرة مثل الذهاب وحدها وهي ناقِصَةٌ بالإضافة إلى أُجْرتهما.
وحكى في "البَيانِ" فيما إذا اسْتَأْجر الإمامُ الذِّمِّيَّ فلم يقاتِلْ وَجْهين: في أنَّهُ هَلْ
الجزء: 11 - الصفحة: 388
يستحِق شَيْئاً وهو مثلُ ما ذكرنا في صورةِ القهرِ وقوله قبل ذلك: "ومن بيت المال على رَأْيٍ" يعني مالَ المصالحِ.
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ فِيمَنْ يَمْتَنِعُ قَتْلُهُ) وَهُوَ الرَّحِمُ كَالأَبِ وَالأُمِّ وَالصَّبِيِّ وَالمَرْأَةِ وَإِنْ شُكَّ فِي بُلُوغِ الصَّبِيِّ كُشِفَ عَنْ مُؤْتَزَرِهِ وَاعْتُمِدَ نَبَاتُ شَعْرِ العَانَةِ فَإِنْ قَالَ: اسْتَعْمَلْتُهُ بِالدَّوَاءِ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ عَيْنُ البُلُوغِ لاَ عَلاَمَتُهُ* وَلاَ يُعَوَّلُ عَلَى اخْضِرَارِ الشَّارِبِ* وَيُعَوَّلُ عَلَى مَا خَشُنَ مَنْ شَعْرِ الإِبِطِ وَالوَجْهِ* وَفِي جَوَازِ قَتْلِ الرَّاهِبِ وَالعَسِيفِ وَالحَارِس وَالشَّيْخِ قَوْلاَنِ* وَفِي السُّوقَةِ طَرِيقَانِ مِنْهُمْ مِنْ قطَعَ بقتْلِهِمْ* فَإنْ لَمْ يُقْتَلُوا أرْفِقُوا لِمُجَرَّدِ الأَسْرِ عَلَى وَجْهٍ* وَلَمْ يُرْفَقْ إِلاَّ بإِرْقَاقٍ عَلَى وَجْهٍ* وَيَمْتَنِعُ اسْتِرْقَاقُهُمْ أَصْلاً عَلَى وَجْهٍ بَعِيدٍ* وَهُوَ جَارٍ فِي المَنْعِ مِنْ سَبْيِ ذَرَارِيهمْ وَنِسَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَالشَّيْخُ ذُو الرَّأي يُقْتَلُ.
قال الرَّافِعِيُّ: والكلامُ في صُورٍ:
إحداها: يَنْبغي أَنْ يَتَوقَّى الغازِي قَتْلَ قَرِيبه وهو مكروه، وإن انْضمَّتْ إلى القَرَابةِ المحْرمِيّة ازدادت الكراهيةُ قال الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15].
رُويَ أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- مَنَعَ أَبَا بكرٍ -رضي الله عنه- يَوْمَ أُحُدٍ عن قتل ابنه عبْدِ الرحْمَنِ 83، وأَبَا حُذَيفَةَ بن عُتْبة -رضي الله عنه- عن قتل أبيه يَوْمَ بدْرٍ 84، فإنْ سَمِعِ أباه أو قَريبه يذكر الله -عز وجل- أو رسوله -صلى الله عليه وسلم- بِسُوءٍ لم يكْرَهْ له قَتْلُه؛ لما روي أنَّ أَبَا
الجزء: 11 - الصفحة: 389
عُبَيْدَةَ بنَ الجَرَّاحِ -رضي الله عنه- قتل أَبَاهُ حِينَ سَمِعَه يَسُبُّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فلم يُنْكِر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- صَنِيعَهُ 85.
وقولُه في الكتاب: "وَهُوَ الرَّحِمُ" أَيْ: ذَوُ الرَّحِمِ.
الثانية: لا يجوزُ قتلُ صِبْيان الكُفَّار، ونِسَائِهم إذا لم يُقَاتِلُوا؛ لما رُوِيَ عن عَبْدِ الله ابن عُمَرَ -رضي الله عنهما- أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: نَهَى عن قَتْلِ النِّسَاءِ 86 والصبيان، وروى أَنَّه -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ في بعض غَزَوَاتِه؛ فقال: مَا بَالُ هَذِه تُقْتَلُ وَهِيَ لاَ تُقَاتِلُ" 87؟ والمجنُونُ كالصَّبي، والخُنْثَى المُشْكِلُ كالمرأة.
فإن قاتلوا جاز قَتْلُهم؛ لما روي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ بامرأةٍ مَقْتُولةٍ يَوْمَ خَيْبَرٍ، فقال: مَنْ قَتَلَ هَذِهِ؟ فقال رجلٌ: أنا يا رسولَ اللهِ، غنِمْتُها؛ فأَرْدَفْتُها خَلْفِي، فَلَمَّا رأتِ الهزيمةَ فِينَا أَهْوَتْ إليَّ قَائِمَ سَيْفِي لتقتلني؛ فَقَتَلْتُها، فلم يُنْكِرْ عليه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم 88 -، وإذا أُسِرَ مِنْهم مُرَاهِقٌ، ولم يُدْرَ أَهُوَ بالغ أمْ صَبِيٌّ؟ كُشِفَ عن مُؤْتَزرِهِ، فإن لم يَنْبُتْ فحكمُه حُكْمُ الصبيان، وإِنْ أَثْبَتَ حُكِمَ بِبُلُوغه خِلاَفاً لأَبِي حَنِيْفَةَ وقد ذكرناه، ومعتمدُ المذْهَبِ في "كتاب الحَجْرِ"، وحكينا قولَيْن من أَنَّهُ بلوغ حَقِيقةٌ أو هو دَلِيلُ البلوغ، فإِنْ قال المأْسُورُ: استعجلْتُ الشعرَ بالدَّواءِ بُنِيَ على هذين القوْلَيْن.
فإن قُلْنا: إِنَّهُ عَيْنُ البلوغ، فلا عِبْرَة بما يقولُه، فهو بالغٌ.
وإنْ قُلْنا: إِنَّهُ دَلِيلُ
الجزء: 11 - الصفحة: 390
البلوغِ، وهو الأَظْهرُ فيصدق بيمينه ويحكمُ بالصغرِ، هكذا حكى عن النَّصِّ، وبه أَخَذَ الأصحابُ، لكن رَأَوْهُ مُشْكِلاً من وجهين:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الأَيْمانَ تُسْتعملُ في النَّفْيِ، وهذه اليمين لإثباتِ الاسْتِعْجالِ.
وأُجِيبَ: بِأَنَّا صِرْنَا إليه لحقْنِ الدَّمِ، وقد يخالف القياس، وكذلك نقبلُ الجزية من المجُوسِ، وإن لم نناكحهم ولم نستحلّ ذَبِيحَتَهُم.
والثاني: أنه يَدَّعِي الصِّبَا، وتحليفُ مَنْ يدّعي الصبا بعيدٌ ولهذا الإشكالِ ذهب بعضُ الأَصْحاب إلى أَنَّ هذه اليمينَ احتياطٌ، واستظهارٌ، وليست بواجبة.
وقال أَكْثَرُهُم: لا بُدَّ منها؛ لأَنَّ الدلِيلَ الظاهِرَ قائِمٌ فلا ينزل بمجرَّدِ قَوْل المأْسُورِ، ونزيدُ هذه الصورة شَرْطاً في "كتاب الدَّعَاوى" بتيسِير اللهِ تعالى، وقد أعاد هناك صُورةَ دَعْوَى الاستنبات بالعلاج، ليتبيّن الحكم لو ادَّعَاهُ، ونَكَلَ عن اليمين، ثُمَّ الاعتمادُ في شَعَرِ العَانَةِ على الخَشِنِ دُونَ الضَّعِيفِ الذي لا يُحْوِجُ إلى الحلْقِ، وذكرنا في "الحَجْر" وَجْهَيْنِ في أَنَّ شَعَر الإِبِطِ والوَجْه يُشْترط الخُشُونةُ هل يُلْحقَانِ بشعر العَانَة؟ وبالإلْحَاقِ أجابَ صاحبُ الكتابِ -هاهنا- وهو قَرِيبٌ، وللأئمة اختلافٌ في أَنَّ الراجِحَ من الوجْهَيْنِ ماذا وقد بيناه في ذلك البَابِ، ونباتُ الشَّارِبِ كنباتِ اللِّحْيَةِ، ولا أَثَر لاخضرَارِ الشارِبِ، ويجوزُ أَنْ يُعْلَمَ، لما بَيّنَّا قَوله في الكتابِ: "وَاعْتُمِدَ نَبَاتُ شَعَرِ الْعَانَةِ بالحَاءِ" وقولُهَ: "ويُعَوَّلُ عَلَى ما خَشُنَ" بالواو.
الثالثة: في جواز قَتْلِ الرَّاهِبِ شَاباً كان أو شيخاً، قولانِ، وكذا في العُسَفَاءِ: وهم الأُجَراءُ، والحارفِينَ المشغُولِين بحرَفِهم، وفي الشيوخ الضُّعَفَاءِ، وفي معناهم العُمْيَانِ والزُّمْنَى ومَقْطُوعِي الأَيْدِي والأَرْجُلِ -أحد القولين، أَنَّهُ يجوز قَتْلُهم وبه قال أَحْمَدُ، وهو اختيارُ المُزَنِيُّ وأَبِي إسْحَاقَ؛ لعُموم قولِه تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 5] وروي أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قال: "اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ" 89 90 وفَسَّرَ "الشَّرْخَ " بالمُرَاهِقِينَ، وأيضاً فهم كفارٌ ذُكُورٌ أَحْرَارٌ مُكلَّفُون -فجاز قَتْلُهم كغيرهم.
والثاني: وبه قال أَبُو حَنِيْفَةَ ومَالِكٌ: أَنَّه لا يجوزُ؛ لما روي أَنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَقْتُلُوا النِّسَاءَ وَلاَ أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ" 91.
الجزء: 11 - الصفحة: 391
ورُوِيَ أَنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال لخالدٍ -رضي الله عنه-: "لاَ تَقْتُلْ عَسِيْفاً وَلاَ امْرَأَةً" 92 وأيضاً فَإِنَّهم لا يُقَاتِلُون، فأشبهوا النساءَ والصِّبْيَانَ.
ورُوِيَ أَنَّ أبا بكر -رضي الله عنه- بعث جَيْشاً إلى الشامِ فنهاهم عن قَتْلِ الشُّيوخِ، وأَصْحَاب الصَّوامِعِ 93، وأَصَحُّ القولَيْن على ما ذكره الشيَخُ أَبُو حَامِدٍ وأَصْحابه، والرُّويَانِي الأول، وفي سِيَاقِ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه- في "المخْتَصَر" ما يَدُلُّ عليه، فإنَّهُ لمَّا أحتج للقول الثاني بقصَّةِ أَبِي بَكْرٍ -رضي الله عنه- قال مُجِيباً عن الاحتجاج: يُشْبِهُ أَنْ يكونَ المقصودُ من النهي أَمْرهُم بالجد في قِتَالِ المقاتِلة لئَلاَّ يشتغِلُوا عن الحرْبِ بالمَقام على الصوامعِ وشبهه، بما رُوِيَ عنه -رضي الله عنه- أَنَّهُ نهاهم عن قَطْعِ الأَشْجَارِ المثْمِرَةِ مع أَنَّهُ حضر رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- وأمر بقطْعِ نَخِيل بَنِي النَّضِيرِ 94، لأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان وَعَدَهُمْ فَتْحَ الشامِ، فأراد أَنْ تَبْقَى منفعتها للمسلمين.
والقَوْلاَنِ فيما إذا لم يكن لهؤلاءِ المذكُورَيْنِ رأي، كما لم يكن منهم قتالٌ، فأَمَّا الشيخُ وغيرُه إذا كان لهم رأْيٌ يَسْتَعِينُ الكفار به في القتال، وكان يُدَبّر لهم أَمْرَ الحرْبِ - فيجوزُ قتلُه، لأَنَّ دُرَيْدَ بْنَ الصمَّةِ قُتِلَ يوم حُنَيْنٍ وقد نَيَّفَ على المِائةِ، وكانوا قد استحضروه لِيُدَبِّرَ لهم، فلم يُنْكِرُ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم 95 -، والذي يَقْتَضِيه ويفهمه كلامُ الأَصْحاب:
أَنَّهُ لا فَرْقَ أَنْ يحضر ذُو الرأْيِ في صَفٌ القِتَالِ، أو لا يحضر في أَنَّهُ يجوز قتلُه، ولا بين أَنْ يقدر على الأَخْرق منهم في صَفِّ القتال، أَوْ يدخُل بعض بلادِهم وهم غَازُون، فنجده هناك في أَنَّ جَوازَ قتْلِه على القَوْلَيْنِ.
وهذا قَرِيبٌ في الشيُوخِ والعُمْيَانِ والزِّمْنَى الذين لا يَتَأَتَّى منهم القتالُ: وفي الرُّهْبَانِ المعرِضِينَ عن التعرُّضِ للناس.
لكن يبعد في الأُجراءِ والمشغولين بالحرف إلاَّ نتعرّضَ لهم إِذَا دخلْنَا بلادَهم! كيف وأكثرُ النَّاسِ أَصْحَابُ حِرَفٍ وصناعات؟ وإذا جاز التعرض لهم، إذا دخلْنَا بلادهم = وفيه: ولا تقتلوا وليداً ولا طفلاً ولا امرأة ولا شيخاً كبيراً، وفي إسناده ضعف وإرسال، ورواه من وجه آخر منقطعاً وفيه: ولا تقتلوا امرأة ولا صغيرًا ورواه ابن أبي حاتم في العلل من حديث جرير بلفظ: ولا تقتلوا الولدان وقال: هذا حديث منكر.
قاله الحافظ في التلخيص.
الجزء: 11 - الصفحة: 392
فكذلك إذا وجدْنَاهم في الصَّفِّ، ولا يَمْنَعُ من التعرُّضِ قولُ القائِلِ: إِنَّهم لا يقاتِلُون، أو إنَّهم لم يخرجُوا على قَصْدِ القتال، فإنَّ هذا المعنى مُتَحققٌ في حَقِّهم، وهم في بلادِهم قَارُّونَ وغارون، وهذا يجرُّ إلى طريقَةٍ قَوِيَّةٍ حَكَاهَا القاضِيَانِ: ابنُ كَجٍّ وأَبُو الطَّيِّبِ -قاطِعَةً بأن الأُجَرَاءَ يجوز قَتْلُهم، ورُبَّمَا نُسِبَ إِلى ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، والخَارِقُونَ في مَعْنَاهُمْ لا مَحَالَةَ، ويُؤَيِّدُهَا ما سنذكُرُ إنْ شاء اللهُ تعالى في "السُّوقَةِ" وفي "الوَسِيطِ" موضع القولين في الشيخ الأَخْرقِ ما إذا لم يحضر القِتَالَ، فإن حضر.
فالظاهِرُ أَنَّهُ يُقْتَلُ، ويحتمل أَنْ يَطَّرِدَ القولان، وأَنَّ ذَا الرأْي يُقْتَلُ إذا حَضَرَ، وإِنْ لم يحضرُ فَفِيه تردُّدٌ، والظاهِرُ أَنَّهُ يُقْتلُ، وفي السُّوقَةِ طريقان عن الشيخ أَبِي مُحَمَّدٍ:
أَحَدُهمَا: أَنَّ فيهم القولَيْن؛ لأنَّهم لا يمارسُون القتَالَ، ولا يتعاطَوْنَ الأسْلحة.
قال الإمامُ: وهذا لم يتعرَّضْ له الأئمةُ، وإن كان متوجهاً.
والثَّانِي: القطعُ بأنهم يُقْتَلُونَ؛ لِقُدْرَتِهم على القتالِ واستقلالهم.
التفريع
:
إِنْ قُلْنَا: يجوز قَتْلُهم، فيجوزُ اسْتِرْقَاقُهم، وسَبْيُ نِسَائِهم، وذَرَارِيهم، واغْتِنَامِ أَمْوَالهم.
وَإِنْ قُلْنا: لا يجوزُ ففي اسْتِرْقَاقِهم طُرُقٌ.
أَظْهُرها: أنهم يرقُّونَ بنفس الأَمْرِ كالنساء والصبيان.
والثاني: أنَّ فيهم قَوْلَينِ كالأَسِير إذا أسلم قبل الاسْتِرْقاق، ففي قولٍ: يتعيّن رِقُّهُ، وفي قولٍ للإمام: أن يَرِقَّهُ أو أن يَمُنَّ عليه أو يُفَادِيَهُ.
والثَّالِثُ: عن رِوَايةِ صَاحِبِ "التَّقْريبِ" وَأَبِي يَعْقُوبَ الأبْيُوردِي عن النصِّ أنه لا يجوزُ استرقاقُهم، بل يُتْركُونَ، ولا يتعرض لهم، وهذا ما أورده في "التَّهْذِيبِ" ويخرج مِنْهَا عند الاِخْتِصَارِ ثلاثةُ أَوْجُهٍ كما ذكره في الكتاب، وفي جواب سَبْيِ نسائِهِم وذَرَارِيهم وجوهٌ أيضاً.
ففي وجه: يجوزُ كإِرْقَاقِهم.
وفي وَجْهٍ: لا يتعرّض لهم.
وفي الثالث: يجوزُ سَبْيُ نسائِهم ولا يجوزُ سَبْيُ ذَرَارِيهم؛ لأنَّهم أَبْعَاضُهم، وأجرى الخلاف في اغتنامِ الأَمُوالِ، وقال الإمامُ: مَنْ قال: لا تغنم أموال السوقة فقد قرب من خرق الإجماع.
وقولُه في الكتابِ: "والعَسِيفُ" يجوزُ إعلامُه بالواو لما ذكرناه مِنَ الطريقَةِ القاطِعَةِ، وكذا قولُه: "والحَارِفُ"، وأراد بالحارِفِ المشغُولَ بالحِرْفَةِ، وقد جمع في "الوسِيطِ" بين اللَّفظَيْنِ، وفي بَعْضِ النسخ بدله الحَارِث: يعني المشغُول بالحِراثة.
وقولُه: "فَإِنْ لَمْ يَقْتُلْهُمْ" يَعْنِي المذكُورِينَ جَمِيعاً.
الجزء: 11 - الصفحة: 393
وقولُه: "هو جار" يجوزُ أَنْ يُصْرَفَ إلى وَجْهِ امتناعِ استرقَاقِهم، أَيْ: كما يمتنع استرقاقُهم يَمْتَنِعُ سَبْيُ ذَرَارِيهم ونِسائِهم، ويجوزُ أَنْ يُصْرَفَ إلى الخلافِ.
فرع
ٌ:
إذا تَرَهَّبَتْ المرأةُ ففي جَوَازِ سَبْيِها وجهانِ، بناءً على القَوْلَيْنِ في جَوازِ قتل الرَّاهِبِ:
ولا يُقْتَلُ رسولُهم؛ لما روي عن ابْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- أَنَّ رَجُلَيْن أَتَيَا النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- رَسُولَيْنِ لمسَيْلِمَة فقال لهم: أَتَشْهَدَانِ أَنَّي رَسُولُ الله، فقالا: نَشْهَدُ أنَّ مُسَيْلمةَ رسولُ الله، فقال عليه السلامُ: "لَوْ كُنْتُ قَاتِلاً رَسُولاً لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا".
فجرت السنَّةُ أَلاَّ يُقْتَل الرسلُ 96:
قال الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَةُ): يَجُوزُ نصْبُ المِنجَنِيقِ عَلَى قِلاَعِهِمْ* وَإِنْ كَانُوا فِيهِمْ نِسْوَةٌ وَصِبْيَانٌ* وَكَذَا إِضْرَامُ النَّارِ وَإِرْسَالُ المَاءِ* وَلَوْ تَتَرَّسُوا بِالنِّسَاءِ ضَرَبْنَا التُّرْسَ إِلاَّ إِذَا كَانُوا دَافِعِينَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ غَيْرَ مُقَاتِلِينَ لَنَا فَفِي جَوَازِ قَتْلِ النِّسَاءِ قَوْلاَنِ* وَإِنْ كَانُوا فِي القَلْعَةِ فَأَوْلَى بِالجَوَازِ كَيْلا يَنْجد ذَلِكَ حِيلَةً* وَإِنْ كَانَ فِي القَلْعَةِ أَسِيرٌ عَلِمْنَا أَنَّهُ تُصِيبِهِ النَّارُ وَالمَنجَنِيقُ احْتَرَزْنَا* وَإِنْ تَوَهَّمْنَا إِصَابَتَهُ فَقَوْلاَنِ* وَلَوْ تَتَرَّسَ كَافِرٌ بِمُسْلِمٍ لَمْ يُقْصَدِ المُسْلِمُ وَإِنْ خِفْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا فَإِنَّ ذَمَ المُسْلِمِ لاَ يُبَاحُ بِالخِوْفِ* وَإِنْ تَتَرَّسُوا فِي الصَّفِّ وَلَوْ تَرَكْنَاهُمْ لانْهَزَمَ المُسْلِمُونَ وَعَظُمَ الشَّرُّ فِفَيهِ وَجُهَانِ.
قال الرَّافِعِيُّ: المسألةُ الرابِعَةُ في مُحَاصَرَةِ الكفارِ 97، ومُقَاتلتهم بما يُعُمّهم بالهلاكِ ويجوز للإمامِ مُحَاصرتُهم في البلاد والحُصونِ والقِلاَعِ، وتشديد الأَمْرِ عليهم بالمنع من
الجزء: 11 - الصفحة: 394
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ومستند هذا الاتفاق عموم الأدلة الدالة على مشروعية القتال كقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ووجه استنادهم إلى هذه الآية: أن الله أمر فيها بقتال المشركين أمراً مطلقاً لم يقيده بآلة خاصة من آلات القتال وما رواه أحمد وابن ماجة عن صفوان بن عسّال قال: بعثنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سرية فقال: "سِيْرُوا بِاسْمِ اللهِ وَفِي سَبيْلِ اللهِ قَاتِلُوْا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ وَلاَ تُمثَّلُوا وَلاَ تَغْدُرُوْا وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيْداً".
أمّا القتال بالماء والنار، فقد اتفقوا على جوازه إذا خيف على جماعة المسلمين، واختلفوا بعد ذلك في جواز إحراقهم بالنار وإرسال الماء عليهم ليغرقوا أو حبسه عنهم ليموتوا عطشاً فذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة إلى جواز قتال الكفار بهما في الجملة -غير أن الحنفية يرون جواز ذلك مطلقاً سواء أمكن القدرة عليهم بغيرهما أم لا، وسواء كان معهم نساء وصبيان أو مسلمون أم لا- وقد قال الكمال في فتح القدير "هذا إذا لم يغلب على الظن أنهم مأخوذون بغير ذلك، فإن كان الظاهر أنهم مغلوبون وأن الفتح بادٍ كره ذلك, لأنه إفساد في غير محل الحاجة وما شرع إلاّ لها".
والشافعية، والحنابلة، يقيدون استعمالهما بعدم القدرة عليهم بغيرهما فإن أمكن القدرة عليهم بغيرهما كره استعمالهما عند الشافعية، وحرم عند الحنابلة.
أمّا المالكية فيقولون برأي الحنابلة على تفصيل لهم وفرق بين كونهم داخل الحصون أو خارجها، وبين وجود النساء والصبيان فيها أو عدم وجودهم، وبين استعمال الماء والنار يَطُول المقام بشرحه.
الأدلّة: استدلّ الجمهور على الجواز بما يأتي:
أولاً: بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وجه الدلالة أن الله تعالى أمر بقتالهم من غير تقييد بآلة خاصة.
ثانياً: بما روي عن أسامة بن زيد قال: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى قرية يقال لها أُبْنى فقال: "ائْتِهَا صَبَاحاً ثُمَّ حَرِّقْ" رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة.
فهذا صريح في الأمر بالتحريق من غير تقييد، وهو نص في إباحة التحريق بالنار، ويقاس عليه التغريق بالماء, لأنه لا فرق بينهما باعتبار أثرهما.
ثالثاً: إن المقصود من مشروعية الجهاد مع الكفار قتالهم بأي وسيلة لتكون كلمة الله هي العليا -ولا شك أن التحريق والتفريق ممّا يتحقق به المقصود فيكون جائزاً.
واستدل الحنابلة على حرمة استعمال الماء والنار عند القدرة عليهم بدونهما بما روي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "بَعَثَنَا رَسُوْلُ اللهِ فِي بَعْثٍ فَقَالَ: "إِنْ وَجَدْتُم فُلاَناً وَفُلاَنَاً لِرَجُلَيْن فَأَحْرِقوهُمَا بِالنَّارِ" ثم قال حين أردنا الخروج: "إِنِّي كُنْتُ أَمرْتُكُمْ أَنْ تَحْرِقُوْا فُلاَناً وَفُلاَناً، وأَنَّ النَّارَ لاَ يُعَذَّبُ بِهَا إِلاَّ اللهُ فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا" رواه أحمد والبخاري وغيرهما "وجه الدلالة" أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى الصحابة عن إحراق الرجلين لعلمه بأنهم يقدرون عليهما بغير النار، والنهي ظاهر في التحريم فهم يجمعون بين الأدلة فسيعملون بالدليل المجوز لاستعمالهما في حالة عدم القدرة عليهم بغيرهما، وبالدليل المانع عند القدرة عليهم بغيرهما.
واستدل الشافعية على الكراهة في حالة القدرة عليهم بغيرهما بأنه يحتمل إصابة مسلم يظن أنه كافر فلذلك كان مكروهاً.
هذا -وقد قال صاحب الفتح من علماء الحنفية بعد أن ذكر جواز التحريق، وإرسال الماء وقطع الأشجار وإفساد الزرع "هذا إذا لم يغلب على الظن أنهم مأخوذون =
الجزء: 11 - الصفحة: 395
الدخُولِ والخروج؛ لقوله تعالى: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ [التوبة: 5].
وعَنْ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ حاصر أَهْلَ الطائِفِ شهْراً 98، وإن كان فِيهِمُ النساءُ والصِّبْيَانُ، واحتمل أَنْ يُصِيبَهم، ويجوزُ له التحريقُ بإضْرَام النار، ورَمْي النَّفْطِ إليهم، والتفريقُ بإرسالِ المَاءِ، وتَبْيِيتهم وهم غارون 99؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- شَنَّ اَلغَارَةَ على بَنِي = بغير ذلك، فإن كان الظاهر أنهم مغلوبون وأن الفتح بادٍ كُرِهَ؛ لأنه إفساد في غير محل الحاجة، وما شرع إلاّ لها.
ومما تقدم يعلم أن مذهب الحنفية يلتقي مع المذاهب الأخرى في الجواز حيث دعت الحاجة، وعدمه إذا لم تدع الحاجة.
فلم يبق ما يصح أن يكون محلاً للخلاف سوى أنه مكروه أو حرام عند عدم الحاجة إليه، والخلاف في ذلك سهل لا يمنع الاتفاق على أصل الحظر أو الإباحة.
بقي علينا بعدما تقدم النظر إلى ما يستعمله العدو من الآلات فنستعمل معه مثل ما يستعمل جرياً على قاعدة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾.
وقد علمنا من أصول الشريعة العامة أنها لا تسمح بعمل من شأنه أن يؤدي إلى هزيمة المسلمين، كما أنها لا تبيح من المحظورات باعتبار أصلها إلاّ ما دعت إليه الحاجة.
وبذلك نستطيع أن نقول: إذا رأى المسلمون أن اتقاء الهزيمة ومغلوبية الأعداء متوقف على استعمال ما ذكر فإن الشرع يبيح لنا ذلك بل يوجبه إذا اشتدت الحاجة إليه.
وبهذا يمكن التوفيق بين هذه الآراء المختلفة وتصير المسألة إجماعية لا خلاف فيها، وهكذا شأن المسائل التي يناط الحكم فيها بتقدير أولي الأمر وأصحاب البصيرة.
وقد صح الأمر بالتحريق في بعض المواضع، والنهي عنه في بعضها والقريب في ذلك أنه مبني على تقدير حالة العدو والعمل بما يناسبها.
الجزء: 11 - الصفحة: 396
المُصْطَلَقِ 100، وأمر بالبَيَاتِ، ونَصبَ المنْجَنِيق على أَهْلِ الطائف.
وروي أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عن المشْرِكِين يَبِيتُون فيُصابُ مِنْ نِسَائهم وذَرَارِيهم، فقال: "هُمْ مِنْهُمْ" 101 إذا عُرِفَ ذلك ففي الفَصْلِ صُوَرٌ:
إِحْدَاهَا: لو تَتَرَّسُوا بالنساءِ والصبيان، نُظِرَ إِنْ دَعتِ الضرورةُ إلى الرَّمْي والضرْبِ بأن كان ذلك في حال التحامِ القِتَال، ولو تُرِكُوا لغلبوا المسلِمينَ، فيجوز الرمْيُ والضرْبُ، لَئِلاَّ يتخِذُوا ذلك ذَرِيعَةً إلى تعطيل الجهادِ، ولدفع ضَرَرِهم بالمسلمين ونَكَايتِهم فيهم، وإنْ لم تكن ضرورة بأن كانوا يَدْفَعُون عن أنْفُسهم، واحتملَ الحالُ تركَهُم فطريقان:
أَظْهُرهُمَا: أَنَّ فيه قولَيْن: = الأحاديث الواردة في تحريم القتل أن معناها أنه يحرم نصب القتال عليهم وقتالهم بما يعم كالمنجنيق وغيره إذا أمكن إصلاح الحال بدون ذلك بخلاف ما إذا تحصنوا بغيرها فإنه يجوز قتالهم بكل وجه قال وقد نص الشَّافعي على هذا التأويل في سير الواقدي قال صاحب الخادم: الذي في سير الواقدي يضع نصب القتال العام فيها كما قاله القفال، وعبارته في باب الحربي إذا لجأ إلى الحرم ولو أن قوماً من أهل الحرب لجؤوا إلى الحرم وكانوا ممتنعين به أخذوا كما يؤخذون في غير الحرم، فإن قيل كيف زعمت أن الحرم لا يمنعهم وقد قال عليه الصلاة والسلام في مكة هي حرام لم تحل لأحد قبلي ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، قيل أما معنى ذلك والله أعلم أنها لم تحل أن ينصب عليها الحرب حتى تكون كغيرها، فإن قيل ما دل على ما وصفت قبل أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما قتل عاصم بن ثابت وخبيب وحسان بقتل أبي سفيان في داره غيلة بمكة أن قدر عليه، وهذا في الوقت الذي كانت فيه محرمة فدل على أنها لا تمنع أحداً من شيء وجب عليه وأنها إنما تمنع أن ينصب عليها الحرب كما ينصب على غيرها هذا لفظه وكلام القفال صحيح ولا يخالف كلام الشَّافعي وكأن الشيخ محيي الدين رحمه الله تعالى اعتقد أن كلام الشَّافعي مخصوص بأن ينصب عليها بما يعم كالمنجنيق وكلام الشَّافعي لا يختص بهذه الحالة وهي ممنوعة بطريق الأولى ومن جملة ما حكاه في شرح المهذب عن الماوردى في الأحكام السلطانية من خصائص الحرم أن لا يحارب أهله، فإن بغوا على أهل العدل فقال بعض الفقهاء يحرم قتالهم بل يضيق عليهم حتى يرجعوا، وقال الجمهور يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم إلا بالقتال لأن قتالهم حق من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إضاعتها فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها.
الجزء: 11 - الصفحة: 397
أَحَدُهمَا: أَنَّهُ يجوزُ قَصْدُهم كما يجوز نصبُ المِنْجَنِيقِ على القلْعَةِ وإنْ كان يُصِيبُهم، وأيضاً فلو امتنعنا بما صنعوا -لاتخذوا ذلك ذَرِيعَةً إلى تعطيل الجهاد.
والثَّانِي: المنعُ؛ لأنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن قَتْلِ النساءِ والصِّبْيانِ 102، ونحن في غِنْيةٍ عنه، والحالُ هذه، وهذا أصحُّ عند القَفَّالِ، وكذلك حكاه الرُّوَيانِيُّ -رحمه الله- ويميلُ إلى ترجيح الأوّل مَائِلُون.
والطَّرِيقُ الثَّانيِ: القطعُ بالجَوازِ، وردّ المنع إلى الكَرَاهَةِ ويُحْكَى هذا عن أَبِي إِسْحَاقَ، وقد تورَّع في حكاية الكراهَةِ عنه، وذكر أن عنده يُسْتحب التوقّي عنه لاَ غَيْرَ، ومِنْ أصحاب هذه الطريقة مَنْ قال في الكراهة قَوْلاَن، ولو تَتَرَّسُوا بِهِمْ وهم في القَلْعَةِ، فمنهم مَنْ قاَل: يَرْمِيهِمْ، والصورةُ هذهِ أُوْلَى بالجواز؛ لِئَلاَّ يتخذ ذلك حِيلَةً وذرِيعة إلى استبقاء القِلاعَ على كثرة غَائِلَتها، وهذا ما أورده في الكتاب، ومنهم مَنْ قال في جواز الرمْيِ إليهم قَوْلاَنِ، وإن عجزنا عن القلعة إِلاَّ به؛ لأنا في غيبة مِنْ أهل القلعة 103.
الثَّانِيَةُ: إذا كان في البَلْدَةِ أَوِ القَلْعَةِ مُسْلِمٌ: من أَسِيرٍ، أو تاجِرٍ، أو مُسْتأمن، أو طائفة مِنْ هؤلاءِ، فهل يجوزُ قصد أهلها بالنَّارِ والمِنْجَنِيقِ وما في معناهما؟ قال قائِلُون: إنْ لم تدعُ إليه ضرورةٌ، فهو مكْرُوهٌ تحرزًا من إهلاكِ المسلم وفي تحريمه قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: يَحْرُمُ؛ لأَنَّهُ قد يُصِيبُ المسلِمَ؛ وزوالُ الدنيا أَهْونُ عند الله مِنْ قَتْلِ مُسْلِمٍ، كما ورد في الخبرِ 104.
وأَظْهرهُمَا: وهو المنصوصُ في "المختَصَرِ" المنعُ؛ لوجهين:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قد لا يُصِيبُ المسلِمَ؛ وإذا حَرَّمناه أمسك المشركُونَ في كُلِّ قلعةٍ وبلْدَةٍ مُسْلمًا فيتعطل أمرُ الجهاد.
والثَّانِي: وقد نَصَّ الشافِعِيُّ -رضي الله عنه- أن الدارَ دارُ إباحةٍ، فلا يحرمُ القتالُ بكوْنِ المسلم فيها، كما أَنَّ دارَنا لا تحلُّ بكوْنِ المشرِكِ فيها، وإنْ دَعَتْ إليه الضرورةُ بأن كان يُخَافُ ظفرهم على المسلمِينَ لو لم يدفعهُم بذلك الطريقِ، فيجوزُ دَفْعاً عن المسلمين، ونكايةً في المشركين، وحفظُ مَنْ مَعَنَا أوْلَى مِنْ حِفْظِ مَنْ معهم، وأُلْحِقَ بالضرورة ما إذا لم يحصل فتحُ القلعَةِ إِلاَّ بذلك، هذه طريقة.
ومِنْهُمْ مَنْ لم ينظر إلى الضرورة وعَدَمِها.
وقال: إنْ علم أَنَّ ما يَرْمِي به من النَّارِ أو المِنْجَنِيق يَهْلِكُ المسلِمَ لم يجُزْ، وإِنْ
الجزء: 11 - الصفحة: 398
كان ذلك مَوْهُومًا ففيه القولان، وهذا ما أوردَهُ في الكتاب، ويتولَّدُ مِنَ الطرِيقَيْن اختلافٌ في أنَّهُ: هل يجوزُ الرَّمْيُ عند الضرورة، والعِلْم بأنَّهُ يُصيبُ المسلمَ، كما سيأتي مِثْلُه فيما إذا تَتَرَّسَ الكافِرُ بالمسلمِ؟ والظاهِرُ المنصوصُ عليه في "المخْتَصَرِ" أَنهُ يجوزُ؛ لأنَّ حُرْمَةَ مَنْ يخاف عليهم أَعْظمُ حرمةً مِمَّنْ في أَيْدِي الكُفَّارِ، فَإِنَّهُ إن هلك منهم هالِكٌ، فقد رُزِقَ الشهادة، قاله أبُو إِسْحَاقَ.
ومنهم مَنْ لم يُطْلقِ القولَيْن عند عدم الضرورة، لكن قال: إن قَلَّ عَدَد المسلمِينَ في الكُفّارِ جاز رَمْيهُم؛ لأنَّ الغالِبَ أَنَّه لا يصيب المسلِمينَ، وإنْ كان عددُهم مِثْلَ عَدَدِ المشركين أو أكثر -لم يَجُزْ رَمْيهُم بها، وهذه طريقةٌ ثَالِثةٌ، وبها أجاب في، "الشَّامِلِ" وإذا رَمَى بِشَيْءٍ منها إلى القلْعةِ أو البلْدةِ وقتل مُسْلمًا، فإن لم يعلمْ أنَّ في أَهْلِها مُسْلمًا -لم تجب إِلاَّ الكفارةُ، وإن عَلِمَ وجبتِ الدِّيَةُ والكفَّارةُ، حكاه الرُّوَيانِي.
الثَّالِثَةُ: إذا تَتَرَّسَ الكُفَّارُ بالمسلمِينَ مِنَ الأسارى أو غيرهم، نُظِرَ إِنْ لم تدعُ ضرورةٌ إلى رَمْيهم، واحتملَ الحال الإعراضَ عنهم لم يجزْ رميُهم، وإن رَمَى رامٍ وقتل مسْلمًا قال في "التهذيب": هو كما لو قتلَ رَجُلًا في دَارِ الحربِ، فإن عَلِمَه مُسلمًا -فعليه القَوَدُ، وإن ظَنهُ كَافِرًا- فلا قَوَدَ، وتجبُ الكفّارةُ.
وفي الدِّيَةِ قولان.
وِإنْ دعتِ الضرورةُ إليه بأن تترَّسُوا بهم في حَالِ التِحَامِ القِتَالِ، وكانوا يظفَرُون بالمسلمِينَ، ويكثرون النكاية فيهم لو كففنا -فوجهان:
أَظْهَرهُمَا: وهو المنصوصُ وهو الذي أَوْرَدَهُ أصحابُنَا العراقِيُّون أَنهُ عُذْرٌ في جَوَازِ الرَّمْي، فيرمى على قَصْدِ قتالِ المشُرِكينَ، ويتوقى المسلمين بحسب الإمْكَانِ؛ لأنَّ محذُوَرَ الإِعْراضِ أكبرُ من مَحْذُورِ الإِقْدَامِ.
والثَّانِي: أنَّهُ لا يجوزُ الرميُ إذا لم يتأت ضربُ الكفار إِلاَّ بضرْبِ المسلم؛ لأنَّ غايةَ ما فيه أنَّا نخافُ على أَنْفُسِنا، ودمُ المسلمِ لا يُباحُ بالخوفِ بدليلَ صُورةِ الإِكْراهِ، وهذا ما أورده صَاحِبُ "التَّهْذِيب" وبه أجابَ في الكِتَاب فيما إذا تَتَرَّسَ كافِرٌ بمسْلِم، وأشعر إيرادُه بتخْصِيصِ الوجْهَيْنِ بما إذا تَتَرَّسَ الكُفَّارُ بَطائِفَةٍ من المسلِمينَ في صَفِّ القِتَالِ.
وأشارَ الإمامُ إلى تَوْجِيهِ الفَرْق بين الحالتَيْنِ فقال: إذا تترَّسُوا عند التفافِ الزَّحْفَيْنِ، وكان الانكفاف مِنَ الأَسْرَى يُفْضِيِ إلى أن يصطلمِ جُنْدُ الإِسلام ويختل بانْفلالِهم ركنٌ عظيمٌ، فهذا أمرٌ كُلِّي فلا يَبْعُدَ أنْ يتساهلَ في أشْخاصٍ من الأسَارَى؛ حَفْظًا على الكُلِّيَّاتِ.
التَّفْرِيعُ:
إِنْ جوَّزنا الرمْيَ، فرمى رامٍ إليهم، وقتل مُسْلمًا، فلا قِصَاصَ؛ لأنَّ القِصَاصَ مع
الجزء: 11 - الصفحة: 399
تَجْوِيز الرمْيِ مما لا يجتمعَانِ، وتجبُ الكفارةُ؛ لأنَّهُ قتل مَعْصُومًا.
وأَمَّا الدِّيَةُ: فعن الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- أَنَّهُ قال في مَوْضِعٍ: تجبُ الدِّيَةُ والكفارةُ، وفي موضِعٍ اقتصر على ذِكْر الدِّيَةِ وفي النصَّيْنِ طريقان:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ ذلك ليس باختلافِ قَوْلٍ، لكنهما مَحْمُولاَنِ على حَالَيْنِ، وعَلامَ يحملان؟ عَنِ المُزَنيُّ وأَبِي الطيِّب بن سَلَمةَ وهو ظاهِرُ النَّصِّ أَنَّهُ إِنْ علم أَنَّ المرمي إليه مسلمٌ -وجبتِ الدِّيَةُ، وإن لم يعلم إسلامَه- لم تلزم.
والفرْقُ أنه إذا علم إسلامَه أَمْكَنَهُ التوقِّيَ عنه والرمي إلى غَيْرِه فغلظ عليه.
وقال أَبُو إِسْحَاقَ: إنْ قَصَدَهْ بعيْنِه -لزمه الدِّيَةُ: علمه مُسْلمًا أو لم يعلم، وإنْ لم يقصِدْه بعينِه، بل رمى إلى الصَّفِّ- لم يلزم.
والفَرْقُ أنَّه يتيسَّرُ التحرُّزُ عن قصدٍ مُعَيَّنٍ، والامتناعُ عن الرَّمْيِ والقِتَالِ مُطْلَقاً، والحالةُ هذه لا يُمْكنُ.
والطريقُ الثَّاني: أَنَّ فيه قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تجبُ الدِّيَةُ؛ لأنَّهُ قَتَلَ مُسْلِمًا مَعْصُومًا مَعْذُورًا في الحضور هناك.
والثاني: لا تجبُ؛ لأنهُ مأذون في الرمي، وعن أَبِي حَفْصٍ بْنِ الوَكِيلِ أَنَّهُ إِنْ عَلِمَ أَنَّ هناك مُسْلِمًا وجبت الدِّيَةَ سواءً قصده بعينه أوْ لم يقصِدْه، وإن لم يعلم فعلى قَوْلَيْن.
وعَنْ أَبِي حَنِيْفَةَ أَنَّهُ لا دِيةَ ولا كفّارة.
وإنْ قُلْنا: لا يجوزُ الرميُ، فَرَمَى، قِيلَ: ففي وجُوبِ القِصَاصِ طَرِيقَانِ: أحدُهمَا: أَنَّهُ على قَوليْن كالمكره إذا قتل.
والثَّانِي: القَطْعُ بالوُجوبِ كالمضطر إذا قتل إِنْسانًا وأكَلَهُ، ويفارق المكرهُ، فَإِنَّهُ مُلْجَأٌ إلى القَتْل، وهاهنا بخلافِه، وأَيْضًا فإنَّ هناك مَنْ يُحال عليه وهو المكرهُ، وليس هاهنا غيرهُ.
وإن تَتَرَّسَ الكُفَّارُ بذِمِّيٍّ أَوْ مُسْتَأمَنٍ أو عَبْدٍ، فالحكمُ في جَوَازِ الرمْي، والدِّيةُ، والكفّارةُ على ما ذكرنا، لكَنَّ الواجِبَ في العَبْدِ القِيمةُ لا الدِّية.
وفي "التَّهْذِيبِ" أَنَّهُ لو تَتَرَّسَ كافِرٌ بتُرْسِ مسلمٌ أو ركب فرسَهُ، فرمى إليه مُسْلمٌ فأتْلفهُ، فإن كان في غيرِ الْتِحامِ القِتَالِ -فعليه الضَّمَانُ، وإنْ كان في حالِ الالتحامِ، فإنْ أمكنه أَلاَّ يُصِيبَ الترسَ والفرسَ فأصابه- ضَمِنَ، وإنْ لم يمكِنه الدفع إلاَّ بِإصَابَتِه، فإنْ جعلْناهُ كالمكْرَهِ لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ المُكْرَه في المالِ يكونُ طَرِيقًا في الضَّمَانِ، وهاهنا لا ضَمانَ على الحربي، حتَّى يجعلَ المسلم طَرِيقًا، وإنْ جعلناه مُخْتارًا لزمه الضمان.
الجزء: 11 - الصفحة: 400
قال الغَزَالِيُّ: (الخَامِسَةُ): لاَ يَجُوزُ الانْصِرَافُ مِنْ صَفِّ القِتَالِ إِنْ كَانَ فِيهِ انْكِسَارٌ لِلْمُسْلِمِينَ* وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَيَجُوزُ إِنْ قَصَدَ التَّحَيُّزَ إِلَى فِئَةٍ قَرِيبَة يَسْتَنْجِدُ بِهَا فِي هَذَا القِتَالِ* وَهَلْ يَجُوزُ إِذَا قَصَدَ التَّحَيُّزَ إِلَى فِئَةٍ بَعِيدَةٍ؟ فِيهِ وَجُهَانِ* فَإِنْ جَوَّزْنَا فَبَدَا لَهُ أَنْ لاَ يُقَاتِلَ مَعَ الفِئَةِ البَعِيدَةِ أَيْضًا جَازَ* وَلاَ يَشْتَرِكُ فِي هَذَا المَغْنَمِ إِنْ فَارَقَ قَبْلَ الاغْتِنَامِ* وَهَلْ يَشْتَرِكُ المُتَحَيِّزُ إِلَى فِئَةٍ قَرِيبَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ* وَيَجُوزُ الانْهِزَامُ بِكُلِّ حَالٍ إِذَا زَادَ عَدَدُ الكُفَّارِ عَلَى الضِّعْفِ لَكِنْ فِي انْهِزَامِ مِائَةِ بَطَلٍ مِنْ مِائَتَيْ ضَعِيفٍ وَوَاحدٍ خِلاَفٌ* مَأْخَذُهُ أَنَّ النَّظَرَ إِلَى صُورَةِ العَدَدِ أَوْ إِلَى المَعْنَى.
قال الرَّافِعِيُّ: الخَامِسَةُ: في حُكْمِ الهزِيمَةِ إذا التقى الصَّفَّانِ في القتال 105، فقد
الجزء: 11 - الصفحة: 401
أَطْلَقَ في الكتاب أَنَّهُ إِنْ كان في انهزامِه انكِسَارُ المسلِمينَ -لم يَجُزْ الاِنْهزامُ بحالٍ، وإنْ لم يمكِنْ ففيه التفصيلُ الذي نذكرْ إِن شاء الله تعالى.
والجمهورُ لم يتعرّضُوا لذلك، وقالوا إذا الْتَقَى الصفانِ، فَإِمَّا أَلاَّ يزيدَ عددُ الكُفَّارِ على ضِعْف عددِ المسلمين أو يزيد.
الحَالَةُ الْأُولَى: إِنْ لم يَزِدْ عَدَدُ الكُفَّارِ على الضِّعْفِ، بَلْ كَانُوا مثليهم أو أَقَل -لم يَجُزْ الانْصِرافُ والهزيمةُ، وقد عَدَّ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الفِرَارَ من الزحف مِنَ الكبائِرِ 106، = لم يكن محرماً، بل قد يكون واجباً إذا اقتضته المصلحة كضم قوة المسلمين بعضه إلى بعض.
ثانيهما: عدم زيادة الكفار على ضعف عدد المسلمين، أما إذا زادوا على الضعف فاختلف الفقهاء في حكمه: فذهب الشافعية والحنابلة إلى جواز الفرار مطلقًا وذهب المالكية إلى جوازه ما لم يبلغ جيش المسلمين اثني عشر ألفًا غير مختلفين على أنفسهم، فإن بلغ هذا العدد مع الاتحاد حرم الفرار، ونسبه الجصاص إلى الحنفية، ورأى صاحب البدائع منهم أن العبرة بالقوة والاستعداد دون العدو فقال: والغزاة إذا جاءهم جمع من المشركين ما لا طاقة لهم به وخافوهم أن يقتلوهم فلا بأس لهم أن ينحازوا إلى بعض أمصار المسلمين أو إلى بعض جيوشهم، والحكم في هذا الباب لغالب الرأي وأكبر الظن دون العدد، فإن غلب على ظن الغزاة أنهم يقاومونهم يلزمهم الثبات، وإن كانوا أقل عدداً منهم.
وإن كان غالب ظنهم أنهم يغلبون فلا بأس أن ينحازوا إلى المسلمين ليستعينوا بهم وإن كانوا أكثر عدداً من الكفرة.
وذهب ابن حزم إلى تحريم الفرار مهما بلغ العدد.
"الأدِلَّة": استدل الشافعية والحنابلة بقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الآية -وجه الاستدلال- أنها دلت على وجوب ثبات المائة للمائتين بعد أن كان الواجب أن تثبت المائة للألف وذلك تخفيف من الله ورحمة.
وعلى ذلك فإذا زاد الكفار على هذه النسبة جاز للمسلمين الفرار.
واستدل المالكية بما رواه الزهريّ عن أنس بن مالك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من حديث فيه طول "وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ" وجه الدلالة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ما معناه: إذَا بَلَغَ جَيْشُكُمْ هَذَا الْعَدَد فَلاَ تَأْتِيْهِ الْهَزيْمَةُ مِنْ جِهَةِ عَدَدِهِ وَإنَّمَا تَأْتِيهِ مِنْ وُقُوْعِ الْخُلْفِ بَيْنَكُمْ، وَإِذَا كَانَتْ الْهَزِيْمَة لاَ تَأْتِي مِنَ الْعَدُوِ فَلاَ يَجُوْزُ الْفِرَارُ.
وتمسّك ابن حزم بظاهر قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ فإنها تدل بظاهرها على وجوب الثبات مهما بلغ عدد العدوّ.
"المنَاقَشَة": القرطبي: رواه بشر وأبو سلمة العاملي وهو الحكم بن عبد الله بن خطاف وهو متروك.
وعلى فرض صحته فالمراد منه أن الغالب على هذا العدد النصر والظفر، ولا تعرض فيه لحرمة الفرار أو عدمها وبهذا يرد على المالكية والحنفية فيما نسبه الجصاص إليهم .. ويرد على ابن حزم أن الأمر بعدم الفرار في الآية مخصص بألاّ يزيد العدد على ضعف عدد المسلمين كما أشارت إليه آية ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾.
الجزء: 11 - الصفحة: 402
ويُسْتَثْنَى ما إذا انصرف وَوَلَّى مُتَحرِّفاً للقتالِ أو مُتَحيِّزًا إلى فِئَةٍ على ما قال [اللهُ] تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ ...﴾ الآية.
والمتحرّفُ للقِتَالِ: هو الذي يَنْصَرِفُ ليكمن في موضعٍ، ويهجم، أو يكون في مَضِيقٍ فيتحرّفَ ليتبعه العدُوُّ إلى مَوْضِعٍ واسِعٍ فيسهل القتالُ فيه، أو يرى الصوابَ في التحوُّلِ من الموُضِع الواسِع إلى المضِيق؟ أو يكون في مُقَابلة الشَّمْسِ أو الرِّيح، فيتحول إلى جهة أُخْرى ليسهُلَ عليه القتالُ.
والمتحيِّزُ إلى فِئَةٍ: هو الذي يَنْصَرِفُ على قَصْد أَنْ يذهب إلى طائِفَةٍ يَسْتَنْجِدُ بها في القتال، ولا فَرْقَ بين أَنْ تكون تلك الطائفةُ قَلِيلةً أو كثيرةً، وهل يشترطُ أَنْ تكون قَرِيبةً؟ فيه وجهان:
أَحَدُهما: نَعَمْ، ليتصوّر الاستنجادُ بها في هذا القتال وإتمامه.
وأَصَحُّهما: لا، بل يجوزُ الانصرافُ على قَصْدِ التحيُّزُ إلى الفِئَةِ البَعِيدَةِ -أيضاً- لمطْلَقِ قَوْلِه تعالى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾.
ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ -رضي الله عنه- قال: "أَنَا فِئَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ" وكان بالمدينَةِ، وجنودُه بالشَّامِ والعِرَاقِ 107، وعلى هذا فهل يجبُ عليه تحقِيقُ ما عزم بالقِتَالِ مع الفئة التي تحيَّز إليها؟ فيه وجهان:
أَصَحُّهُمَا: وهو المذكورُ في الكتاب -لاَ؛ لأنَّ العزمَ عليه رَخَّصَ له في الانْصِرَافِ، فلا حجرَ عليه بعد ذلك، والجهادُ لا يجبُ قضاؤُه، ولا يلزَمُ بالنذر أيضاً على اختلافٍ سيأتي إِنْ شاء اللهُ تعالى في مَوْضِعه، وفي كلام الإمامِ، أن التحيُّزَ إلى فِئَةٍ أُخْرَى إِنَّمَا يجوزُ إذا اسْتَشْعَرَ الموْلَى عَجْزًا مُحْوِجًا إلى الاسْتِنْجادِ بضعف جند الإِسلام [فإِنْ لم يكن كذلك -فلا حاجةَ إِلَى التحيُّزِ، فإِنَّ تَحَيُّزَهُ قد يقل جُنْدَ الإِسلامِ] 108.
وقول صاحِب الكتاب في المسْأَلةِ "لا يجوز الانصرافُ من صفِّ القتالِ إِنْ كان فيه انْكِسَارُ المسلمين" يحتمل أَنَّهُ أخذه مما ذكره الإمامُ، ولم يشترطْ غيرهما ذلك، وكأنَّهم رَأَوْا تركَ القِتَالِ، والانهزامَ في الحال؛ مَجْبُورًا بعزمه إلى الاتصالِ بفئةٍ أُخْرى، وكُلُّ واحدٍ مِنَ الأَمْرين: التحرُّف للقتال، والتحيُّز إلى فئةٍ أُخْرَى يتضمنُ العزْمَ على العَوْد إلى القتال؛ والرخصةُ منوطةٌ بعزْم الشَّخْصِ، ولا يمكنُ مُخَادعَةُ الله تعالى في العَزْمِ، ثُمَّ ظاهِرُ الآيةِ يقتضي انحصارَ الاستثناء في حَالَتَيِ التحرُّفِ والتَّحَيُّزِ، والمرادُ حالةُ القدرة
الجزء: 11 - الصفحة: 403
والتمكن من القتالِ، وحينئذٍ يَنْحَصِرُ الاستثناءُ فيهما.
فأمَّا مَنْ عجز لمرضٍ، أَوْ لم يَبْقَ معه سِلاحٌ -فَلَهُ أن ينصرفَ بِكُلِّ حال، ويستحب أن يولي مُتَحرِّفًا أو مُتَحَيِّزًا، وإِنْ أَمْكنه الرميُ بالحجارة، فهل يقومُ 109 مقامَ السلاح؟ ذكر فيه وجهان:
ولو مات فرسُه وهو لا يَقْدِرُ على القِتال رَاجِلاً -فله الانصرافُ أيضاً، وإنْ غلب على ظَنِّهِ أَنَّهُ إن ثبت قُتِلَ هل له الانصرافُ؟ فيه وجهان:
أَحَدُهما: نَعَنم، لظاهر قولِه تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 95].
وأَصَحُّهُمَا: لاَ؛ لقولِه تَعَالَى: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45] والغزاةُ يَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ، وقد فُسِّرت التهلكةُ بالفِرَارِ من الزِّحْفِ، والمتحيِّز إلى الفِئَةِ البعيدةِ لا يُشَارِكُ الغَانِمِينَ في الغَنِيمَةِ، إن فارق قبل الاغتنام وإنْ غنِمَ شيءٌ دون شيء -لم يبطل حَقُّه مما غَنِمَ قبل مُفَارقَتِه، ولا شيْءَ فِيما غنم بَعْدَها، هكذا نُقِلَ عن نَصِّ الشافعِيُّ -رضي الله عنه -، وبمثله أجاب في المتحرّفِ للقتالِ، ومنهم مَنْ أطلق القولَ بأنَّ المتحرِّفَ يُشَارِكُ في الغَنِيمة، ولَعَلَّ هذا فِيمَا إذا لم يبعد ولم يَغِبْ، والنَّصُّ فيما إذا تَحَرَّفَ للقتالِ، ثُمَّ انقَطَع عن القَوْمِ قبل أَن يَغْنَمُوا أَنَّهُ لا يُشَارِكُهم، وهل يُشارِكُ المتحيِّز إلى الفِئَةِ القريبةِ الغانِمينَ في المغنُومِ بعد ما وَلَّى؟ ذكر صاحبُ الكتاب فيه وَجْهَيْنِ:
أَشْبَههُمَا: الاستحقاقُ؛ لأنَّهُ لا يفوّت نصرته، والاستنجادُ به، فهو كالسريَّةِ يشاركُ جُنْدَ الإمامِ فيما يغنمون إذا كانت بالقُرْب مِنْهم.
وإذا عَرَفْتَ ذلك، ونظرت في قول صاحب الكتاب في "قَسْم الفَيْءِ والغنائِم فمَنْ غَابَ فِي آخِرِ الْقِتَالِ: إنْ كَانَ بِانْهِزَامٍ، سَقَطَ حَقُّهُ، إِلاَّ إذا قَصَدَ التَّحَيُّزَ إِلَى فِئَةٍ أُخْرَى" -عرفْتَ أنَّ هذه اللقطةَ إِنَّما تجري على ظاهِرِهَا إذا جعلنا التَّحَيُّزَ إِلَى الفِئَةِ القريبة كالتَّحَيُّزِ إلى الفئَةِ البعِيدَةِ، فإنْ فَرَّقنَا بينهما حملنا اللفظَ على الفِئَةِ البَعِيدَةِ، وأَنَّ حقَّ المتحيِّزِ إِنَّمَا لا يسقط عن المغنومِ قبل مُفَارقته، أمَّا المغنومُ بعده فلا حَقَّ فيه، وإِنَّمَا يُسْقِطُ الانهزامُ الحقَّ إذا اتفق قبل القِسْمة، أمَّا إذا غنموا شَيْئاً واقتسمُوه ثُمَّ انهزم بعضُهم لم يُسْتَردّ منه ما أخذ.
الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: إذا زاد عددُ الكُفَّارِ على الضِّعْفِ جاز الانهزامُ، وكان يجبُ في ابتداءِ الإسْلامِ أن يثبت الواحِد في مُقَابلة العشْرَةِ، ثُمَّ خَفَّفَ اللهُ تعالى ذلك فأَوْجب على
الجزء: 11 - الصفحة: 404
المسلِمينَ مُصَابرةَ ضِعْفَهم من الكُفَّارِ دُونَ ما زاد، فقال عَزَّ وجلَّ: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: 66].
قال ابنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنه- "مَنْ فَرَّ مِنْ ثَلاثةٍ لَمْ يَفِرّ، وَمَنْ فَرَّ مِنِ اثْنَيْنِ فَرَّ" (1) يعني الفِرَارَ المحرمَ، وهل يجوزُ أن يَفِرَّ مائةٌ من الأبْطَالِ من مِائَتَيْنِ وواحدٍ من ضُعَفَاءِ الكُفَّارِ؟ فيه وجهان:
أَصَحُّهمَا: على ما ذكر صاحبُ الكتاب: المنعُ؛ لأنَّهم يُقَاوِمُونَهم لو ثَبَتُوا، وإنَّمَا يُرَاعَى العددُ عند تَقَارُبِ الأَوْصَافِ.
والثَّانِي: أَن اتباعَ الأَوْصَافِ يعسر، فيُدَارُ الحكمُ على العددِ، ويجري هذا الخلافُ في عَكْسِه، وهو فِرارُ مِائَةٍ منْ ضُعَفاءِ المُسْلِمينَ مِنْ مِائَةٍ وتِسْعَةٍ وتِسْعِينَ مِنْ أَبْطال الكُفَّار، فإن رَاعَيْنا صورةَ العدَدِ لم يَجُزْ، وإنْ راعينا المعنى -فيجوزُ، وإذا جاز الفِرارُ نظِرَ.
إنْ غلب على ظَنَّهم أَنَّهم لو ثبتوا ظَفِرُوا، فالمستحبُّ لهم الثباتُ، وإنْ غَلَبَ على ظنهم الهلاكُ لو ثبتوا فهل يلزمهم الفَرارُ، فيه وجهان:
أَحَدُهما: نَعَمْ: لقولِه تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195].
والثَّانِي: لاَ؛ لما رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً.
قال: يا رسولَ الله أرأَيْتَ لو انْغَمَسْتُ في المشْرِكينَ فقاتلتُهم حتى قْتِلتُ ألِي الجنة؟ قال: نَعَمْ، فانغمسَ الرَّجُلُ في صَف المشركِينَ، فقاتل حتى قُتِلَ (2).
وذكر الامامُ أَنَّهُ إن كان في الثبات الهلاكُ المحْضُ من غير نِكَايَةٍ في الكُفَّارِ لَزِمَ الفِرَارُ، وإن كان في الثباتِ نِكايةٌ فِيهم، فَفِي جَوَازِ المُصَابرةِ الوجهان (3).
فرع
ٌ: لَقِيَ مُسْلِمٌ مُشْرِكَيْنِ، فإنْ طلباه، فله أَنْ يُوَلِّي عنهما؛ لأنَّهُ غيرُ متأهِّبٍ للقتالِ، وإِنْ طلبهما ولم يطلباه، فوجهان:110111112
الجزء: 11 - الصفحة: 405
أَحَدُهما: أنَّهُ لا يُوَلِّي عَنْهُما؛ لأنَّ طَلَبَهُمَا والحملُ عليهما شُرُوعٌ في الجهاد، فلا يجوزُ الإعْراضُ عنه.
وأظْهَرُهُمَا على ما ذكر في "البحرِ" أَنَّهُ يَجُوزُ ذلك، وفَرْضُ الجهادِ والثبات عليه في الجماعَةِ دُونَ الأفْرَادِ
ولو وَلَّى النِّساءُ لم يَأثَمْنَ، فلسْنَ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الجهادِ نَص عليه.
ولا إِثْمَ على الصَّبِيِّ ولاَ عَلَى المغْلُوب على عَقْلِهِ إِذَا وَلَّيَا، فَإِنَّهُمَا ليسا بمكَلَّفَيْنِ، نعمْ، يأثَمُ السَّكْرَانُ.
ولو قصد الكُفَّارُ بَلَدًا فتحصّنَ أهلُه إلى أن يجدوا قُوةً، ومددًا لم يأْثَمُوا، إِنَّمَا الإِثْمُ على مَنْ وَلَّى بعد الالتقاء 113.
قولَه في الكتاب: "فبدَا لَهُ ألاَّ يُقَاتِل" أي: عَرَضَ وَظَهَرَ، وقد يوجد في بعض النُّسَخِ: "فَبَدَا له أن يُقَاتِلَ" وَهُوَ صحيح أيضاً، يقال: بَدَا لِفُلاَنٍ في كذا أي: نَدِمَ وأَعْرَضَ عَمَّا عَزَمَ عليه.
قال الغَزَالِيُّ: وَيَجُوزُ الاسْتِبْدَادُ بالمُبَارَزَةِ دُونَ إِذْنِ الإِمَامِ عَلَى أظْهَرِ الوَجهَيْنِ، حَتَّى يَنْفُذَ أَمَانُهُ لِقرْيَةٍ رُؤُوس* وَفِي نَقْلِ الكُفَّارِ إِلَى بِلاَدِ الإِسْلاَمِ كرَاهَةٌ عَلَى وَجْهٍ، إلاَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِكَايَةٌ فِي الكُفَّارِ.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: المُبَارَزَةُ جَائِزَةٌ؛ لما روي أَنَّ عَلِيًّا -رضي الله عنه- بَارَزَ يوم "الخَنْدَقِ" عَمْرَو بن عبد 114، وقد بَارَزَ عُبَيْدَةُ بْنُ الحَارِثِ وحَمْزَةُ بْنُ عبد المطلب وعَلِيُّ -رضي الله عنهم- يوم "بدرٍ" عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ ربيعة، والوَلِيدَ بن عتبة 115، وبَارَزَ محمَّد بن مَسْلَمَةَ -رضي الله عنه- يوم "خيبر" مرْحَبًا 116، ويروى أَنَّهُ بَارَزَهُ عَلِيٌّ -رضي الله
الجزء: 11 - الصفحة: 406
عنه 117 - وبارز الزُّبَيرُ -رضي الله عنه- يَاسِرًا 118، وإذا خرج مُشْرِكْ ودعا إلى المُبَارَزَةِ، فَيُسْتَحَبُّ الخُرُوجُ إليه؛ لما روي أَنَّ الثَّلاثةَ المذكورين طَلَبُوا المُبَارَزة، فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أصحابه -رضي الله عنهم- بالخُرُوجِ إليهم 119، ولأَنَّهُ إذا لم يَبْرُزْ أَحَدٌ إليهم، ضَعُفَتْ قُلُوبُ المسلمين، واجْتَرَأ المشركون، والخُرُوجُ وابتِدَاءُ المُبَارَزَةِ ليس بِمُسْتَحَبٍّ ولا مَكْرُوهٍ.
أمَّا أَنَّهُ ليس بمُسْتَحَبٍّ، فلأنه قد يُقْتَلُ فتَنْكسِرُ قُلُوبُ المسلمين.
وأَمَّا أنَّهُ ليس بِمَكْرُوهٍ، فلما فيه من إِظْهَارِ القُوَّةِ، وعن ابن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يُكْرَهُ وأَطْلَقَ ابْنُ كَجٍّ اسْتِحْبَابَ المُبَارَزَةِ، ولم يُفَرِّقْ بين الابْتِدَاءِ والإِجَابَةِ وإِنَّمَا تَحْسُنُ المُبَارَزَةُ ممن جَرَّبَ نَفْسَهُ وعَرَفَ قُوَّتَهُ وجَرَاءَتَهُ.
وأَمَّا الضعيف الذي لا يَثِقُ بِنَفْسِهِ، فَتُكْرَهُ له المُبَارَزَةُ ابْتِدَاء وإِجَابَةً.
نَصَّ عليه، وحكى في "البَيَان" وَجْهًا أَنَّهُ لا يَجُوزُ، والمشهور الأَوَّلُ 120، والمُسْتَحَبُّ ألا يَخْرُجَ للمبارزة إِلاَّ بِإِذْنِ الإِمام، وهل يَجُوزُ من غير إذْنِهِ؟ فيه وجهان:
أصحهما: وهو الذي اوْرَدَهُ أكثرهم -أَنَّهُ يجوز؛ لأنَّ عَبْدَ الله بن رَوَاحَةَ، وعَوْفًا ومُعَوِّذًا ابني عَفْرَاءَ -رضي الله عنهم- خرجوا يوم "بدرٍ" مُبَارِزِينَ، فلم يُنْكِرْ عليهم رَسُول الله -صلى الله عليه وسلم 121 -. = بنحوه قال الحاكم: صحيح الإسناد على أن الأخبار متواترة بأن علياً هو الذي قتل مرحباً.
والحديث عند البيهقي 9/ 131.
الجزء: 11 - الصفحة: 407
والثاني؛ وبه قال أبو حَنِيْفَةَ -لا يجوز؛ لأنَّ لِلْإمَام نَظَراً في تَعْيينِ الأَبْطَالِ والأَقْرَانِ، فلا يُفَوتُ عليه، وبنى على الخلاف أَنَّه لو أَمَّنَ المُسْتَبِدُّ بالمُبَارَزَةِ قِرْنَهُ هل يصح أمانه؟
والكَلاَمُ فِي أَمَانِ المبَارِزِ أَخَرَّهُ إلى "باب الأمان".
الثانية: في نَقْلِ رُؤُوسِ الكُفَّارِ إلى بِلاَدِ المسلمين، وجهان:
أحدهما: لا يُكْرَهُ؛ لأَنَّ أبا جَهْلِ لمَّا قُتِلَ، حُمِلَ رَأْسُهُ 122.
الجزء: 11 - الصفحة: 408
وأصحهما: وهو الذي أَوْرَدَهُ أَصْحَابُنَا العِرَاقِيُّونَ، والقاضي الروياني أَنَّهُ يُكْرَهُ، وقالوا: ما حُمِلَ إلى رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- رَأْسُ كَافِرٍ قَطُّ، وحُمِلَ إلى أبي بَكْرٍ -رضي الله عنه- رؤوس جَمَاعَةٍ من المشركين، فأنكروا، وقالوا: ما فُعِلَ هذا في عَهْدِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وما روي من حَمْلِ رَأْسِ أبي جَهْلٍ فقد تَكَلَّمُوا في ثُبُوتِهِ، وبتقدير الثُّبُوتِ، فإنَّهُ حُمِلَ في الوَقْعَةِ من مَوْضِع إلى موضع، ولم يُنْقَلْ من بَلَدٍ إلى بَلَدٍ، وكأنَّهُمْ أرادوا أَن يَنْظُرَ الناسُ إليه، فَيَتَحَقَّقُوا موْتَهُ.
وقوله في الكتاب: "إِلاَّ أن يَكُونَ له نِكَايَةٌ في الكُفَّارِ" يقتضي الجَزْمَ بِنَفْي الكَرَاهَةِ، ولم يَتَعَرَّضْ له أَكْثَرُهُمْ، نعم ذكر صاحِبُ "الحَاوِي" أَنَّهُ لا يُكْرَهُ النَّقْلُ، والحَالةُ هذه، بل تُسْتَحَبُّ، وقد يقال: إِنَّهُ لا يخلو عن النِّكَايَةِ، فإن ارْتَفَعَتِ الكَرَاهَةُ بذلك، فَيُطْلَقُ القَوْلُ بأنه لا كَرَاهَةَ فيه.
قال الغَزَالِيُّ: (التَّصَرُّفُ الثَّانِي بالاِسْتِرقَاقِ) وَلاَ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ كُلِّ كَافِرٍ أَسْلَمَ قَبْلَ الظَّفَرِ بِهِ* وَيَجوز اسْتِرْقَاقُ كُلِّ كَافِرٍ أَسْلَمَ بَعْدَ الظّفَرِ بِهِ* وَلاَ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ المَرْأَةِ حَامِلاً بِوَلَدٍ مُسْلِمٍ، لَكِنْ لاَ يُرَقُّ الوَلَدُ* وَمَنْكُوحَةُ الذِّمِّيِّ تُسْبَى وَيَنْقَطِعُ نِكَاحُهُ* وَفِي مُعْتَقَتِهِ وَجْهَانِ* وَمُعْتَقُ المُسْلِمِ لاَ يُسْبَى* وَفِي مَنْكُوحَتِهِ وَجهَانِ* فَإِنْ قُلْنَا: يُسْبَى انْقَطَعَ نِكَاحُهُ عَنِ الأَمَةِ الكِتَابِيَّةِ* وَلاَ تَنْقَطِعُ إِجَارَتُهُ عَنِ الدَّارِ المَسْبِيَّةِ وَالعَبْدِ المَسْبِيِّ* وَالزَّوْجَانِ إِذَا سُبِيَا أَوْ أَحَدُهُمَا انْقَطَعَ النِّكَاحُ بَينَهُمَا* وَفِي انْقِطَاعِ نِكَاحِ الرَّقِيقَيْنِ المَسْبيَّيْنِ مَعًا وَجْهَانِ.
" القَوْلُ في سَبْيِ الكفار واسترقاقهم"
قال الرَّافِعِيُّ: نساءُ الكُفَّارِ وصبيانهم إذا وقعوا في الأسْرِ رُقُّوا 123، وكان حُكْمُهُمْ حُكْمَ سَائِرِ أموال الغَنِيمَةِ من أَنَّ الخُمُسَ لأهل الخُمُسِ، والباقي لِلْغَانِمِينَ، وقد ذكر أَنَّ = رسول الله فإنهم يصنعون ذلك بنا؛ قال: تأسيًا أو أسيانًا بفارس والروم، لا يحمل إلى برأس.
وإنما يكفي الكتاب والخير، إسناده صحيح، قلت: رواه النسائي في الكبرى، وروى البيهقي من طريق معاوية بن خديج، قال: هاجرنا على عهد أبي بكر، فبينما نحن عنده إذ طلع المنبر فحمد الله وأثنى عليه، قال: إنه قدم علينا برأس يناق البطريق، ولم يكن لنا به حاجة.
إنما هذه سنة العجم، قلت: ورأيت في كتاب أخبار زياد لمحمد بن زكريا الغلابي الأخباري البصري، بسنده إلى الشعبي قال: لم يحمل إلى رسول الله، ولا إلى أبي بكر، ولا إلى عمر، ولا إلى عثمان، ولا إلى علي برأس وأول من حمل رأسه عمرو بن الحمق، حمل إلى معاوية.
الجزء: 11 - الصفحة: 409
النَّهْيَ عن قَتْلِ هؤلاء، إِنَّمَا كان لِيَنْتَفِعَ بهم المُسْلِمُونَ، ويكونوا خَوَلاً لهم.
والعَبيدُ إذا وَقَعُوا في الأَسْرِ، كانوا كَسَائِرِ الأموال المَغْنُومَةِ لا يَتَخَيَّرُ الإمَامُ فيهم؛ لأَنَّ عَبْدَ الَحَرْبِيِّ مَالٌ له، واحْتَجَّ له الشَّيْخُ أبو عَلِيٍّ، بأَنَّ عَبْدَ الحَرْبِيِّ لو أَسْلَمَ في دَارِ الحَرْبِ ولم يخرج، ولا قهر سيده، لا يَزُولُ مِلْكُ الحَرْبِيِّ عنه، وإذا سَبَاهُ المُسْلِمُ كان عَبْدًا مُسْلِمًا، ولا يَجُوزُ المَنُّ عليه، ويجوز اسْتِرْقَاقُهُ، ولولا أَنَّهُ مَالٌ لجاز تَحْلِيَةُ سَبِيلِهِ كالحُرِّ، ولما جاز اسْتِرقَاقُهُ؛ لأنَّهُ مُسْلِمٌ، هذا ما ذكره ابْنُ الحَدَّاد، وصَرَّح بأَنَّهُ ليس لِلْإِمَامِ قَتْلِ العَبِيدِ ولا المَنُّ عليهم، وعلى ذلك جَرَى الأئِمَّةُ.
وفي "الْمُهَذَّب" أَنَّهُ لو رأى الإِمام قَتْلَهُ لِشَرِّهِ وَقُوَّتِهِ، ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِلْغَانِمينَ.
وأمَّا الرجالُ الأَحْرَارُ الكَاَمِلُونَ إذا أُسِرُوا، فالإِمَامُ يَتَخَيَّرُ فيهم بين أَرْبَعَةِ أمورٍ.
أن يقتلهم صَبْرًا بِضَرْبِ الرَّقَبَةِ، لا بالتَّحْرِيقِ، ولا بالتَّغْرِيقِ، ولا يُمَثِّل بهم، وأن يَمُنَّ عليهم بِتَخْلِيَةِ سَبِيلِهِمْ، وَأن يُفَادِيَهُمْ بالرِّجَالِ أو بالمَالِ، وأن يَسْتَرِقَّهُمْ، ويكون مَالُ الفِدَاءِ ورِقَابُهُمْ إذا استرقُّوا كَسَائِرِ أَمْوَالِ الغنيمة، وبهذا قال أحمد.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: يَتَخَيَّرُ الإِمَامُ بين القَتْلِ والاسْتِرْقَاقِ لا غير.
وقال مَالِكٌ: يَتَخَيَّرُ بين القَتْلِ، والاسْتِرْقَاقِ، والفِداء، وِإنَّمَا يَجُوزُ الفِدَاءُ بالرِّجالِ دون المال.
لنا قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4] وكُلُّ واحدٍ من الأمور الأربعة قد نُقِلَ عن فِعْلِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَقَتَلَ يوم "بَدْرٍ" عقبة بن أبي مُعَيْط والنَّضرَ بْن الحَارِثِ، ومَنَّ على أبي عَزَّةَ الجُمَحيِّ على أَلاَّ يقاتله، فلم يَفِ فَقَاتَلَهُ يوم "أحدٍ" فأُسِرَ وقُتِلَ يومئذٍ.
وعن عِمْرَانَ بْنِ الحُصَيْنِ -رضي الله عنه- أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَادَى رَجُلاً أَسره أصحابه برجلين أسرهما ثقيف من أَصْحَابِهِ 124، وأَخْذُ المَالِ في فِدَاءِ أَسْرَى "بدر" مَشْهُورٌ، ومَنَّ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- على أبي العَاصِ بن الربيع، وعلى ثُمَامَةَ بْنِ أثَالِ الحنفي، وليس هذا الخيار على التَّشَهِّي، لكنَّ الإمَامَ يَجْتَهِدُ ويَأْتِي بما فيه الحَظُّ لِلْمُسْلِمِينَ، فإن لم يَظْهَرْ لِه وَجْهُ الصواب في الحالِ وَتَرَدَّد حَبَسَهُمْ، إلى أَنْ يَظْهَرَ له الصَّوَابُ، ولا فَرْقَ في الاسْتِرْقَاقِ بين أن يكون الكافر المأْسُورُ كِتَابِيًّا أو وَثَنِيًّا، وعن الإِصْطَخْرِيِّ، ورواية ابْنِ أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لا يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُ الوَثَنِيِّ، كما لا يجوز تَقْرِيرُهُ بالجِزْيَةِ، والظَّاهِرُ الأَوَّلُ، واحتجَّ له بما رُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ -رضى الله عنه- أنَّهُ قال في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال:
الجزء: 11 - الصفحة: 410
67] أن ذلك كان يوم "بدر"، وفي المسلمين قِلِّةٌ، فَلَمَّا كثروا واشْتَدَّ سُلْطَانُهُمْ أنزل اللهُ تعالى في الأَسْرَى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: 4] فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين بالخِيَارِ فيهم، إن شَاؤوا قَتَلُوهُمْ، وان شاؤوا اسْتَعْبَدُوهُمْ، وإن شاؤوا أَفَادُوهُمْ؛ أطلق ولم يُفَرِّقْ بين كَافِرٍ وكافر، وبأنَّ من جَازَ أن يَمُنَّ يَمُنُّ عليه ويُفَادِي، جاز أن يسترق كالعَانِي، ولا فَرْقَ أَيضاً بين أن يكون الكَافِرُ من العَرَب أو غيرهم على الجديد الصحيح، ووجه بما رَوَيْنَاه عن ابن عَبَّاسٍ -رضي الله عنه- وبَأنَّ مَنْ جَازَ المَنُّ عليه، ومُفَادَاتُهُ، يجوز اسْتِرقَاقُهُ لغير العرب.
وعن "القديم": أنَّهُ لا يجوز اسْتِرقَاقُ العَرَب؛ لما روي عن مُعَاذٍ -رضي الله عنه- أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال يوم حُنَيْنٍ: "لَوْ كَانَ الاسْتِرْقاق ثَابِتًا عَلَى الْعَرَبِ لَكَانَ الْيَوْمَ؛ إِنَّمَا هُوَ إِسَارٌ وفِدَاءٌ" 125، فعلى هذا يكون الخِيَارُ من ثلاثة أمور:
الْقَتْلُ والْمَنُّ والفِدَاءُ، وكذلك على وجه الإصْطَخْرِي في الوَثَنِيِّ، وهل يجوز أن يَسْترِقَّ بَعْضَ الشخص؟ فيه وجهان، بِنَاءً على القَولين، في أنَّ أَحَدَ الشريكين إذا أَوْلَدَ الجَارِيَةَ المشتركة وهو مُعْسِرٌ، يكون الوَلَدُ كُلُّهُ حُرًّا، أَو يكون بِقَدْرِ نَصِيبِ الشريك رَقِيقًا، والأَقْيَسُ على ما ذكره الإِمَامُ وغيره جَوَازُ إِرقَاقِ بَعْضِ الشخصَ قال في "التهذيب": وإن لم نُجَوِّزْ، فإذا ضُرِبَ الرِقُّ على بعضه رُقَّ الكُلُّ، وكان يَجُوزُ أن يُقَالَ: لا يُرَقُّ شَيْءٌ.
وإن اخْتَارَ الفِدَاءَ يجوز بالمَالِ، سِلاَحًا كان أو غيره، ويجوز أن يفدى بأسَارَى المُسْلِمِينَ، فيردّ مشركاً بمسلم، أو مسلمين أو مشركين بمسلم، ويَجُوزُ أَنْ نَفْدِيَهُمْ بِأسْلِحَتِنَا في أيديهم، ولا يَجُوزُ أن ترد أسلحتهم في أيدينا.
بمال يَبْذُلُونَهُ، كما لا يَجُوزُ بَيْعُ السِّلاحَ منهم، وفي جَوَازِ رَدِّهَا بِأُسَارَى المسلمين وَجُهَان:
ولو قتل مُسْلِمٌ أِو ذِمِّيٌّ الأسِيرَ قبل أن يَرَى الإِمَامُ رَأْيَهُ فيه، عُزِّرَ، ولكن لا قِصَاصَ ولا دِيَةَ؛ لأنَّهُ لا أَمَانَ له، وهو حُرٌّ إلى أن يُسْتَرَقَّ، ولذلك يَجُوزُ أن يُخَلَّى سبيله، والأَمْوَالُ لا تُرَدُّ إليهم بَعْدَ الاغْتِنَام، ولو وقع في الأسْرِ امْرَأَةٌ أو صَبِيٌّ، فقتل وَجَبَتِ القِيمَةُ، لأَنَّهُ صار مَالاً بِنَفْسِ الأَسْرِ، ثُمَّ إن سُبِيَ الصَّبيُّ مُنْفَرِدًا، فهو محكوم بِإِسْلاَمِهِ تبعاً للسَّابي، ففيه قِيمَةُ عبد مُسْلِمٍ، وإن كان قَاتِلُهُ عَبْدًا، فعليه القصَاصُ، وعلى
الجزء: 11 - الصفحة: 411
هذا لو أُسِرَ البَالِغُ وله زَوْجَةٌ، يَنْفَسِخُ نِكَاحُهُ بالأَسْرِ، وينظر إن فَادَاهُ الإِمَامُ، أو مَنَّ عليه استمرت الزَّوْجِيةُ، فإن أَرَقَّهُ ارتفع النِّكَاحُ حينئذٍ.
وإن أُسِرَ صَبِيٌّ، وله زَوجَةْ ارتفع النِّكَاحُ كما أسر.
وإن أُسِرَ كافِرٌ ومعه زوجته وذُرِّيَّتُهُ، فالإِمَامُ بالخِيَارِ في حَقِّهِ، ولا خِيَارَ في حَقِّهِمْ.
وإذا أَسْلَمَ الأَسيرُ بَعْدَ الظَّفَرِ به، فقد عَصَمَ دَمَهُ، ويَتَخَيَّرُ الإِمَامُ في باقي الخِصَالِ، أو يَتَعَيَّنُ فيه الرِّقُّ؟ فيه خلافٌ نَشْرَحُهُ إن شاء الله تعالى في آخر كتاب السِّيَرِ؛ لأنَّهُ تَعَرَّضَ للصورة هناك.
وإن أَسْلَمَ قبل الظَّفَرِ به وَوُقُوعِهِ في الأَسْرِ، فقد حَقَنَ مَالَهُ ودَمَهُ، على ما قال صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: "فَإذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ" ولا فَرْقَ بين أَنْ يُسْلِمَ هو مَحْصُورٌ وقد قَرُبَ الفَتْحُ، وبين أن يُسْلِمَ في حَالِ أَمْنِهِ.
وعن أبي حنيفة: أن إسلاَمَهُ بعد المُحَاصَرَةِ ودُنُوِّ الفَتْحِ لا يَعْصِمُ نَفْسَهُ عن الاسْتِرْقَاقِ، ولا مَالَهُ عن الاغْتِنَامِ، ولا فرق بين مَالٍ ومَالٍ.
وعند أبي حنيفة: إسلامه يُحْرِزُ ما في يَدِهِ الحِسِّيَّةِ من الأَمْوَالِ دون العَقَارَاتِ، ولا فَرْقَ بين أن يَكُونَ في دار الإِسْلاَمِ، أو في دَارِ الحرب.
وقال مالك: إذا أَسْلَمَ في دَارِ الإِسْلاَمِ عَصَمَ مَالَهُ الذي معه في دَارِ الإِسْلاَمِ، دون ما معه في دَارِ الحَرْبِ.
لنا: إِطْلاَق الخَبَر السَّابِقِ، وأيضاً روي أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قال: إِنَّ القوم إذا أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ 126، ويُحْرِزُ أَيْضًا بإسلامه أَوْلاَدَهُ الصغار عن السَّبْي، ويُحْكَمُ بإسْلاَمِهِم تبَعاً له؛ لما روي أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- حَاصَرَ بني قُرَيْظَةَ، فَأسْلَمَ ثعلبةُ وأُسَيْدُ ابنا سُعْيَةَ 127، فَأحْرَزَ لهما إِسْلاَمُهُمَا أَموَالَهُمَا وأولادهما الصِّغَارَ 128.
الجزء: 11 - الصفحة: 412
وعن أبي حنيفة أَنَّ الحَرْبِي إذا دخل دَارَ الإِسْلاَمِ، وله أولادٌ صِغَارٌ في دَارِ الحَرْبِ يجوز سَبْيُهُمْ، والحَمْلُ كالمنفصل.
وجَوَّزَ أبو حنيفةَ اسْتِرقَاقَ الحَمْلِ تَبَعاً للأُمِّ.
لنا: أَنَّهُ مسلمٌ بإسلام أبيه، فأشبه المُنْفَصِلَ، وهل يُحْرِزُ وَلَدَ ابنه الصغير؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم كالأَبِ.
والثاني: يُفَارِقُ الأب فيه، كما يُفَارِقُهُ في المِيرَاثِ، ثم عن القَفَّالِ أَنَّهُ قال مَرَّةً: الوجهان فيما إِذا كان الأَبُ مَيِّتًا، وإن كان حَيًّا لم يُحْرزْ الجَدّ وَجْهًا وَاحِداً.
وقال أخرى: الوجهان في الصَّغِيرِ الذي أبوه حَيٌّ، فإن كان ميتاً أحرز الجدُّ وَجهًا واحداً.
قال الروياني في "البَحْرِ": هذا هو الصَّحِيحُ عند أصحابنا، والمجانين من الأولاد كالصِّغَارِ، ولو كان قد بَلَغَ عَاقِلاً ثم جُنَّ فهل يُحْرِزُهُ؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، وهما كوجهين ذَكَرْنَاهُمَا في "باب اللَّقِيط" في أَنَّهُ هل يُحْكَمْ بِإِسْلاَمِهِ، والحالة هذه تَبَعًا، أَو هما هما.
وإذا أَسْلَمَتِ المَرْأَةُ قبل الظَّفَرِ، فَتُحْرِزُ أيضاً نَفْسَها ومَالَهَا وَأوْلاَدَهَا الصغار.
وعن مَالِكٍ: أَنَّها لا تُحْرِزُ الأَوْلاَدَ.
وعن الفُورَانِيِّ: أن للشافعي -رضي الله عنه- قَوْلاً مثله والمَشْهُورُ الأَوَّلُ، وبتقدير أن يثبت قول، فيشبه أن يقال لهما: لا تَسْتَتْبِعُهُمْ في الإِسْلاَمِ على ذلك القَوْلِ ولم يَجْرِ في اللَّقِيطِ حِكَايَةُ خِلاَفٍ فيه.
وأمَّا الأَوْلاَدُ البَالِغُونَ العَاقِلُونَ فلا يُحْرِزُهُمْ إِسْلاَمُ الأب لاسْتِقْلاَلِهِمْ بالإِسْلاَمِ.
إذا تَقَرَّرَتْ هذه الجُمُلُ عُدْنَا إلى صُوَرِ الفَصْل في الكتاب:
إحداها: هل يَعْصِمُ إِسْلاَمُ الكافر قبل الأَسْرِ زَوْجَتَهُ عن الاسْتِرْقَاقِ؟
فيه وجهان، ويقال: قولان: مَنْصُوصٌ، ومُخَرَّجٌ، وذكر الشيخ أبو عَلِيٍّ وآخرون في كيفية خُرُوجِهَا أَنَّهُ نَصَّ على أنه يجوز اسْتِرْقَاقُهَا، ونَصَّ على أنَّ المُسْلِمَ إذا أَعْتَقَ = يقال له ابن الهيبان، فأقام عندنا، فوالله ما رأينا رجلاً قط لا يصلي الخمس خيرًا منه، فقدم علينا قبل مبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- بسنتين، وكان يقول: إنه يتوقع خروج نبي قد أظل زمانه، فذكر الحديث، وفيه: فلما كانت تلك الليلة التي افتتحت فيها قريظة قال: أولئك الفتية الثلاثة: يا معشر يهود، والله إنه للرجل الذي كان ذكر لكم ابن الهيبان.
قالوا: ما هو، قالوا: بلى، والله إنه لهو، قال: فنزلوا وأسلموا، وكانوا شبابًا، فخلوا أموالهم وأهليهم في الحصين مع المشركين، فلما فتح رد ذلك عليهم، ورواه البيهقي.
الجزء: 11 - الصفحة: 413
عَبْدًا كافرًا، والْتَحَقَ بدار الحَرْبِ لا يجوز اسْتِرقَاقُهُ، وللأصحابِ فيهما طريقان.
أشهرهما: أَنَّ فيهما قَوْلَيْنِ، النَّقْل والتخريج.
أحدهما: أَنَّهُ لا تُسْتَرَقُّ زَوْجَتُهُ ولا عَتِيقُهُ، لئلا يَبْطُلَ حَقُّهُ من النكاح والوَلاَءِ، كما لا يُغْنَمْ مَالُهُ.
وأيضاً فَعَقْدُ الأَمَانِ يُحْرِزُ الزَّوجَةَ، فالإِسلامُ أَوْلَى.
والثاني: يَسْتَوِيَانِ؛ لأنهما مَالِكَانِ لأنفسهما، وحَقُّهُمَا في أنفسهما آكَدُ من حَقِّ الزَّوْجِ والسَّيِّدِ، ولا عِصْمَةَ لهما، فلا يَجُوزُ المَنْعُ من اسْتِرْقَاقِهِمَا.
والثاني: تَقْرِيرُ النَّصَّينِ، والفَرْقُ أَنَّ الوَلاَءَ بعدما ثَبَتَ لا يمكن رَفْعُهُ وإِبْطَالُهُ، وإن تَرَاضَيَا به، والنِّكَاحُ يِنْفَسِخُ، ويرتفع بأسْبَابٍ، وحُدُوثُ الرِّقِّ من تلك الأسْبَابِ على ما سنذكر.
والظَّاهِرُ ما نَصَّ عليه في الصَّورَتَيْنِ، وإن قُدِّرَ الخِلافُ، هكذا قاله الجمهور.
واختار القاضي ابْنُ كَجٍّ في الزَّوْجَةِ امْتِنَاعَ الاسْتِرْقَاقِ أيضاً، ويجري الخِلاَفُ فيما إذا نَكَحَ المُسْلِمُ حَرْبِيّةً في دَارِ الحَرْبِ، هل يجوز اسْتِرْقَاقُهَا؟
"
التفريع
":
إن قلنا: إنَّ إسلاَمَ الزوج لا يُحْرِزُ زَوْجَتَهُ الحَرْبِيَّةَ، فلو كانت حَامِلاً عند إِسْلاَمِهِ، ففى جواز اسْتِرْقَاقِهَا وجهان:
أحدهما: المَنْعُ؛ لأن الحَمْلَ مَحْكُومٌ له بِالإِسْلاَمِ، كما قَدَّمْنَا فلا يجوز تَمَلُّكُ الحَامِلِ دونه، كما لا يجوز تَمَلُّكُهَا بالشِّرَاءِ، دون الحمل.
وأصحهما: وهو المَذْكُورُ في الكتاب جَوَازُ استرقاقها؛ لأنَّها كَافِرَة حَرْبِيَّةٌ، فَأشْبَهَتْ غيرها وبهذا قال أبو حَنِيْفَةَ، وأَرَقَّ الحَمْلَ أيضاً؛ لما ذكرنا أَنَّهُ لا يجعله تَبَعاً لأبيه في الإِسْلاَم، وحُكِيَ في "الوسيط" أنَّ الحَمْلَ عند أبي حَنِيْفَةَ يمنع الاسْتِرْقَاقَ، والثابت الأَوَّلُ.
وإذا اسْتُرِقَّتِ الزَّوْجَةُ، نُظِرَ إن كان قبل الدُّخْولِ انْقَطَعَ النِّكَاحُ في الحَالِ؛ لأنَّهُ زال مِلْكَهَا عن نَفْسِهَا، فَيَزُولُ مِلكُ الزَّوْجِ عنها, ولأنها صَارَتْ أَمَةً كِتَابِيَّة، فلا يجوز إِمْسَاكُ الأَمَةِ الكِتَابِيَّةِ للنكاحِ.
وعن رواية صاحب "التَّهْذِيب" وَجْهٌ أَنَّهَا وإن استرقت يَسْتَمِرُّ النِّكَاحُ، والمَشْهُورُ الأوَّلُ، وإن كان بَعْدَ الدُّخُولِ، فوجَهان:
أحدهما: أَنَّ الجَوَابَ كذلك؛ لأَنَّ حُدُوثَ الرِّقِّ يقطع النِّكَاحَ، فأشبه الرِّضَاعَ، وهذا أَوْلى لإِطْلاَقِ الأصحاب.
والثاني: أَنَّا نتَوَقَّفُ رَجَاءَ زَوَالِ الرِّقِّ، والكفر في مُدَّةِ العِدَّةِ، كما لو ارْتَدَّتْ بعد الدُّخُولِ، بخلاف الرضاع؛ لأنَّا لا نَتَوَقَّعُ زَوَالَ الحُرِّيَّةِ الحَاصِلَةِ به، فعلى هذا إن أعتقت
الجزء: 11 - الصفحة: 414
وأسلمت قبل انْقِضَاءِ العِدَّةِ اسْتَمَرَّ النِّكَاحُ، وكذا لو أُعْتِقَتْ ولم تُسْلِمْ؛ لأنَّ إِمْسَاكَ الحُرَّةِ الكتابية للنكاحِ جَائِزٌ، ولو أسلمت ولم تُعْتَقْ، فإن كان الزوج ممن يجوز له نِكَاحُ الإِمَاءِ، فله إِمْسَاكُهَا، وَإِلاَّ فوجهان 129:
أحدهما: أَنَّهُ ليس له إِمْساكُهَا؛ لأَنَّ من ليس له ابْتِدَاءُ النِّكَاح، ليس له الإمْسَاكُ بِعَقْدٍ مُتَقَدِّمٍ، كما لو أَسْلَمَ الكَافِرُ مع أَمَةٍ تَحْتَهُ، وهو مُوسِرٌ، ليس له إِمْسَاكُهَا.
والثاني: يجوز، ويُسَامَحُ في الاسْتِدَامَةِ، كما لو نكح فَاقِدُ الطَّوْلِ أَمَةً، ثُمَّ أَيْسَرَ، ويُخَالِفُ ما إذا أَسْلَمَ الكَافِرُ، لأنَّهُ لم يكن وقت العَقْدِ مُلْتَزِمًا بِحُكْم الإِسْلاَمِ، فاعتبر حَالُ اجتماعهما, ولو أَسْلَمَ الكَافِرُ بعدما استرقت زوجته الحَامِلُ، حُكَمَ بإسلام الحَمْلِ، ولم يَبْطل رِقُّهُ، كما في المُنْفَصِلِ.
ولو أسلمت حَامِلٌ تحت حرْبِيٍّ، لم تسترق ولا وَلَدُهَا؛ لأن الحَمْلَ يَتْبَعُهَا في الإِسْلاَمِ.
ولو استأجر مُسْلِمٌ دَارًا من حَرْبِيٍّ في دار الحرب، ثُمَّ غَنِمَ المسلمون الدَّارَ، أو اسْتأْجَرَ حربيًّا [رقيقًا أو حرًا] فاسترق لم تَنْقَطِعِ الإِجَارةُ، بل يبقى للمستأجر اسْتحْقَاقُ المَنْفَعَةِ.
ولأن مَنَافِعَ الأَمْوَالِ مَمْلُوكَةٌ مِلْكًا تَامًّا، مَضْمُونَةٌ باليد، كأعيان الأموال، وكما لا تُغْنَمُ العَيْنُ المَمْلُوكَةُ لِلْمُسْلِمِ لا تُغْنَمُ المَنَافِعُ المَمْلُوكَةُ له، بخلاف مَنْفَعَةِ البُضْعِ، فَإِنَّهَا تُسْتَبَاحُ، ولا تُمْلَكْ مِلْكًا تاماً, ولذلك لا تضمن باليدِ، ومن الأصحاب من جعل انْقِطَاعَ الإِجَارَة على الخلاف في انْقِطَاعِ النِّكَاحِ.
الثانية: يجوز سَبْيُ مَنكُوحَةِ الذِّمِّيِّ، إذا كانت حَرْبِيَّةً، وَينْقَطِعُ به نِكَاحُهُ، وهل يجوز سَبْيُ معتقه وإِرْقَاقُهُ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز اسْتِرْقَاقُهُ، كاسْتِرْقَاقِ مُعْتقِ المسلم، وهذا كما أَنَّ مَالَ الذِّمِّيِّ مَصُونٌ عن الاغْتِنَامِ، كَمَالِ المسلم.
والثاني: يجوز؛ لأَنَّ الذِّمِّيِّ لو نَقَضَ العَهْدَ، والْتَحَقَ بدار الحرب، جَازَ اسْتِرْقَاقُهُ، فمعتقه أَوْلَى أَنْ يكون كذلك.
قال القاضي الرُّويَانِيُّ: وهذا ظَاهِرُ المَذْهَب، والوَجْهُ أن يرتب، فيقال: إِنْ جَوَّزْنَا أن يسترق عَتِيقُ المُسْلِمِ، فعتيق الذِّمِّيِّ أَوْلَى، وَإِلاَّ ففي عَتِيقِ الذِّمِّيِّ وَجْهَان.
قال في "التهذيب": ولو أَعْتَقَ الذِّمِّيُّ عَبْدًا، ثُمَّ نَقَضَ السَّيِّدُ العَهْدَ، والْتَحَقَ بِدَارِ الحَرْب، فاسترق، فالمذهب أن وَلاَءَهُ على عَتِيقِهِ لا يبطل حقّه، حتَّى لو عُتِقَ كان وَلاَؤُهُ عليه بَاقِيًا، ولمعُتِقِهِ أَيضًا الوَلاَءُ على عَتِيقِهِ، ولو مَلَكَهُ عَتِيقُهُ فَاعْتَقَهُ، كان لِكُلِّ واحدٍ منهما الوَلاَءُ على الآخرَ.
الجزء: 11 - الصفحة: 415
وفيه وَجْهٌ: أنَّهُ إذا استرقَّ بَطَلَ وَلاَؤُهُ على عَتِيقِهِ، كما يَبْطُلُ مِلْكُهُ على عَبْدِهِ.
الثالثة: إذا سُبِيَ الزَّوْجَانِ معاً، أو سُبِيَ أحدهما يَنْفَسخُ النِّكَاحُ، صَغِيرَيْنِ كانا، أو كبيرين ورقّا سواء كان قبل الدُّخُولِ أو بعده.
قاله مالك.
وقال أبو حنيفة: إن سُبيَا مَعًا يَدُومُ النِّكَاحُ بينهما، وإن سُبِيَ أَحَدُهُمَا دون الآخر، يقع النِّكَاحُ لاِخْتِلاَفِ الدَّار، لا لحدوث الرِّقِّ، واحْتَجَّ للمذهب بما رُوِي أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قال يومُ أَوْطَاس: "أَلاَ لاَ تُوطَأ حَامْلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلاَ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيْضَ" 130 ولم يفصل بين ذات الزَّوْجِ وغيرها, ولا بين أن يكون مَعَهَا زَوْجُهَا، أو لا يكون.
وعن أبي سعيد الخُدَرِيِّ -رضي الله عنه- قال: أَصَبْنَا نِسَاءً يَومَ أَوْطَاسٍ، فكرهوا أنْ يَقَعُوا عَلَيْهِنَّ من أَجْل أَزْوَاجِهنَّ من المشركين، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24] فاسْتَحْلَلْنَاهُنَّ 131.
وأيضاً فَإِنْ الرِّقَّ إذا حَدَثَ زَالَ مِلْكُهَا عن نَفْسِهَا, ولأن تَزُولَ العِصْمَةُ بينها وبين الزَّوْجِ كان أَوْلَىَ، وهذا المعنى هو ما أَرَادَ الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- في "المختصر" بقوله: "وليس قَطْعُ العِصْمَةِ بينهن وبين أزْوَاجِهِنَّ بأكثر من اسْتِئْمَانِهِنَّ.
وإن كان الزَّوْجَانِ رَقِيقَيْنِ فَغُنِمَا، أو أحدهما، ففي انْقِطَاعِ النِكاح وجهان، سواء كانا مُسْلِمَينِ، أو كافرين:
أصحهما: المَنْعُ؛ لأنَّهُ لم يَحْدُثِ الرِّقُ، وإنما انتقل المِلْكُ من شَخْصٍ إلى شخْصٍ، وذلك لا يُؤَثِّرُ في النِّكَاحِ كالبَيْعِ وغيره.
والثاني: ينقطع، لأنَّهُ حَدَثَ شَيْءٌ يُوجِبُ الاسْتِرْقَاقَ، فكان لحدوث الرِّقِّ، ولهذا لو سُبيَتْ المُسْتَوْلَدَةُ تَصِيرُ قِنَّةً.
ومنهم من قَطَعَ بالوَجهِ الأَوَّلِ، ويجوز أن يُعَلمَ لذلك لفظ الوَجْهَيْنِ في قوله في الكتاب وفي انْقِطَاع نِكَاح الرَّقِيقيْنِ المَسْبِيَّيْنِ وَجْهَان بالواو، وأَرَادَ اللَّذَيْنِ كانا رَقِيقَيْنِ قبل السَّبْي.
وفي قوله: "ولا تَنْقَطِعُ إجَارَتُهُ عن الدَّارِ المغنمة، والعَبْدِ المسبي"، لا يلزم لِلْحَمْلِ على من كان عَبْدًا قَبْلَ السَّبْي، بل حُكْمُ الإجارة فيه وفي الحُرِّ الذي اسْتُرِقَّ بَعْدَ السَّبْيِ واحِدٌ، لا فَرْقَ بينهما.
وقوله: "انقطع نِكَاحُهُ عن الأَمَةِ الكِتَابِيَّةِ"، يعني أنَّ هذه المسبية تَصِيرُ أَمَةً كِتَابيَّةً، ولا يجوز إِمْسَاكُ الأمَةِ الكتابية لِلنَّكَاحِ على مَا بَيَّنَّا.
الجزء: 11 - الصفحة: 416
وقوله: "وفي مَنْكُوحَتِهِ وَجْهَانِ"، يعني مَنْكُوحَةَ المُسْلِمِ الحربية إذا نكحها في دَارِ الحربِ، والوجهان في اسْتِرقَاقِهَا، واسْتِرْقَاقِ زَوْجَةِ الكافر، إذا أسلم قبل أن يظفر يَجْرِيَانِ على نَسَقٍ وَاحِدٍ، لكنَّ صاحب الكتاب ذَكَرَ الوَجْهَيْنِ في منكوحة المُسْلِمِ، ولم يَنُصَّ عليها في الصورة، واقتصر على الأظهر، فقال: "يجوز اسْتِرْقَاقُ امْرَأَةِ كُلِّ كَافِرٍ أسلم قبل الظَّفَرِ به"، والمواضع المُحْتَاجَةُ إلى العلامات في الفصلِ غير خَافِيَةٍ.
قال الغَزَالِيُّ: والمَسْبِيُّ إِذَا كَانَ علَيهِ دَيْنٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ فَيَقْضِي مِنْ مَالِهِ الَّذِي لَمْ يَغْنَمْ قَبْلَ اسْتِرْقَاقِهِ فَإنَّ حَقَّ الدَّيْنِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَقِّ الغَنِيمَةِ إلاَّ إِذَا سَبَقَ الاغْتِنَامُ رِقَّهُ* وَلَوْ وَقَعَا مَعًا فَالظَّاهِرُ تَقْدِيمُ الغَنِيمَةِ* فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالٌ فَهُوَ في ذِمَّتِهِ إِلَى أنْ يُعْتَقَ* وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الدَّيْنُ لِحَرْبيِّ ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ قَبِلاَ الأَمَانَ وَالدَّيْنُ قَائِمٌ* وَكَذَا لَوْ سَبَقَ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ إِلَى الإِسْلاَمِ إلاَّ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ خَمْرًا* وَهَذَا فِي دَيْن لَزِمَ بِالقَرْضِ وَالمُعَامَلَةِ* فَإنْ كَانَ أَتْلَفَ مَالَ حَرْبِيِّ أَوْ غَصَبَهُ فَلاَ تَبِعَةَ لَهُ بَعْدَ الإسْلاَمِ وَالأَمَانِ عَلَى الصَّحِيح.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا كان لِمُسْلِم على حَرْبِيٍّ دَيْنٌ، فاسترقُّ الحَرْبِيُّ لم يَسْقُطِ الدَّيْنُ عنه.
وعند أبي حَنِيْفَةَ -رحمه الله-: يسقطُ.
قال الإِمَامُ: وتَشَبَّثَ الخِلاَفِيُّونَ بِمُوَافَقَتِهِ من حَيْثُ إن المُسْتَرَق انْقَلَبَ عما كان عَلَيْهِ، وكأنَّهُ عُدِمَ، ثُمَّ وُجِدَ.
قال: ولا يَلْحَقُ هذا بالمذهب، والمَقْطُوعُ به أَنَّهُ لا يسقط، نعم لو كان الدَّيْنُ للسَّابي، فَسُقُوطُهُ على الوجهين فيما إذا كان له دَيْن على عَبْدِ غيره فَمَلَكَه، وإذا لم يَسْقُطْ، فيقضي من المال المَغْنُومِ بَعْدَ اسْتِرْقَاقِهِ، ويُقَدَّمُ الدَّيْنُ على الغَنِيمَةِ، كما يُقَدَّمُ على الوَصِيَّةِ، وإن زَالَ مِلْكُهُ بالرِّقِّ، كما أَنَّ دَيْنَ المُرْتَدِّ يقضى من ماله.
وإن حَكَمْنَا بزوال مِلْكِهِ، وأيضاً فَالرِّقَّ بمَثَابَةِ المَوْتِ والحَجْرِ، فيوجب تَعَلُّقَ الدُّيُونِ بالمال، وإن غنم المال قبل اسْتِرْقَاقِهِ ملكه الغَانِمُونَ، ولم ينعكس الدَّيْنُ عليه، كما لو انتقل مِلْكُهُ بوجه آخر، وإن غنم مع اسْتِرْقَاقِهِ، ففيه وجهان:
أحدهما: وبه أجاب في "التهذيب": -أَنَّهُ يقضي منه الدَّيْنَ، ويُقَدَّمُ الدَّيْنُ على حَقِّ الغانمين، كما يقَدَّمُ في التَّركَةِ على حُقُوقِ الوَرَثَةِ.
وأظهرهما 132: على ما ذكره صَاحِبُ الكتاب، وأَوْرَدَهُ الإِمام مع شَهَادَتِهِ لِلْوَجْهِ الأَوَّلِ بالاتِّجَاهِ، أنَّ الغَنِيمةَ تَتَقَدَّمُ، ووجه بأن تَمَلُّكَ الغَانِمِينَ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ المَالِ، وحَقُّ
الجزء: 11 - الصفحة: 417
صاحب الدَّيْنِ كان في الذِّمَّةِ، وما يَتَعَلَّقُ بالعَيْنِ يَتَقَدَّمُ على المتعلّق بالذمَّةِ.
ولك أن تقول: إذا جَنَى العَبْدُ المَرْهُونُ، يَتَقَدَّمُ حَقُّ المَجني عليه على حَقِّ المُرْتَهِنِ، وليس من صورة المَعِيَّةِ أنْ يكون الاغْتِنَامُ مع الأسْرِ، فَإِنَّ المالَ يملك بنفس الأَخْذِ والرِّقِّ، لاَ يَحْصُلُ بنَفْسِ الأَسْرِ في الرجال الكاملين، ولكن يَظْهَرُ ذلك في حَقِّ النِّسْوَةِ، وفيما إذا فرض الاغْتِنَام مع إرْقَاقِ الإمَامِ بعْدَ الأسْرِ وإذا لم يوجد مَالٌ يُقْضَى منه، فهو في ذمَّتِهِ إلى أَنْ يُعْتِقِ، وهل يَحِلُّ المُؤَجَّلُ بالرِّقِّ؟
فيه وجهان مُرَتَّبَانِ على الوجهين في الحُلُولِ بالفَلَسِ، والرِّقُّ أَوْلى بالحلول؛ لأَنَّهُ أَشْبَهُ بالموت من حديث إنه يُزِيلُ المِلْكَ، ويقطع النِّكَاحَ، وهذا إذا كان الدَّيْنُ لِمُسْلِمٍ، فَإِنْ كان لِذِمِّيٍّ، فبمثله أَجَابَ الإِمَامُ، وقال: دَيْنُ الذِّمِّيِّ مُحْتَرَم كأعيان أَمْوَالِهِ.
وحكى صاحبُ "التهذيب" فيه وَجْهَيْنِ، وإن كان لِحَرْبِيِّ، واسترق المديون، فالمَحْكِيُّ عن القاضي الحسين، وهو الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَسْقُطُ الدَّيْنُ، ووجه بأن ملتزم الدَّيْنِ انْتَقَلَ من كونه حَرْبيًّا لا يجري عليه حُكم إلَى كونه رَقِيقًا ليس له على نَفْسِهِ حُكْمٌ، وأَبْدَى الإِمَامُ احْتِمَالاً أَنَّهُ لا يسقط، كما سَنَذْكُرُ فيما إذا أَسْلَمَ من عليه الدَّيْنُ، أو قبل الأَمَان.
ويُجْعَلُ الرِّقُّ كَأَمَانٍ يَحْدُثُ، هذا إذا استرق مَنْ عليه الدَّيْنُ، فلا تبْرَأ ذمةُ من عليه الدَّيْنُ، بل هو كَوَدَائِع الحَرْبِيِّ المَسْبِيِّ، هذا لفظه في "الوسيط" ولم ينص والحَالَةُ هذه على حَالِ مَنْ عليه الدَّيْنُ، والإمامُ ذكر هذا الجَوَابَ فيما إذا اسْتَقْرَضَ مُسْلِمٌ من حَرْبِيٍّ، أو اشترى منه شيئاً، والتزم الثَّمَن، ثُمَّ استرق مستحقّ الدَّيْنِ.
قال: لا يسقط الدَّيْنُ عن ذِمَّةِ المُسْلِمِ.
وفي "التهذيب" لو كان لحربي على حَربْيٍّ دَيْنٌ فاسترق.
أحدهما: يسقط لِزَوَالِ مِلْكِهِ، قال ولو قَهَرَ المَدْيُونُ رَبَّ الدَّيْنِ يسقط؛ لَأَنَّ الدَّارَ دَارُ حَرْبٍ، حتى إذا قَهَرَ العَبْدُ سَيِّدَهُ يَصِيرُ حُرَّاً، ويصير السَّيِّدُ عَبْدًا.
ولو قَهَرَتِ الزَّوْجَة زَوْجَهَا يَنْفَسِخُ النكاحُ، وقد يفهم من هذه الجُمْلَةِ إن كان دَيْنُ المسترقّ على مسلم يطالب به كما يطالب بِوَدَائِعِهِ؛ لأنَّه مُلْتَزمٌ، وإن كان على حَرْبِيٍّ يسقط؛ لأنَّ المستحق قد زال مِلْكُهُ، والحربي غير مُلْتَزمٍ حتى يطالب.
ولو استقرض حَرْبِيٌّ من حَرْبِيٍّ، أو التزم بالشراء ثَمَنًا، ثُمَّ أَسْلَمَا، أَو قَبِلاَ الجِزْيَةَ، أو الأَمَانَ معاً، أو على الترتيب، اسْتَمَرَّ الاستحاقاقُ، كما إذا أسلم الزَّوْجَانِ، ولم يقبض المهر المُسَمَّى، يبقى استحقاقه، ولو أَسْلَمَ المستحق عليه، أو قَبِلَ الجِزْيَةَ، دون المستحق، فالنَّصُّ أَنَّ الجَوَابَ كذلك، ويستمر الاسْتِحْقَاقُ، كما إذا أسلم الزوجان.
وعن نَصِّهِ -أَنَّهُ إذا ماتت زَوْجَةُ الحَرْبِيِّ، فجاءنا مُسْلِمًا، أو مُسْتَأْمنًا، فجاء وَرَثَتُهَا يَطْلبُونَ مَهْرَهَا، لم يكن لهم شيء.
وللأصحاب فيه طريقان:
الجزء: 11 - الصفحة: 418
أحدهما: أَنَّ فيهما قَوْلَيْنِ نَقْلاً وتَخْرِيجًا.
أصحهما: أَنَّهُ يبقى الاسْتِحْقَاقُ، ويُسْتَدَامُ حُكْمُ العَقْدِ بَعْدَ الإِسلام، وعلى هذا تُبْنَى قَوَاعِدُ في نِكَاحِ المشركات.
والثاني: المَنْع؛ لأنَّهُ يَبْعُدُ أن يُمَكِّنَ الحَرْبِيُّ من مُطَالَبَةِ المسلم، أو الذِّمِّيِّ في دارنا.
والثاني: القَطْعُ بالقول الأَوَّلِ، وبه قال ابْنُ سُرَيْجِ، وحمل النَّصَّ الثاني على ما إذا سمى لها خَمْرًا أو خِنْزِيرًا وقبضته في الكُفْرِ، ولا يَخْفَى أَنَّ ما ذَكَرْنَا فيما إذا كان الفرض أو الثَّمَنُ مَالاً، بخلاف ما إذا كان خَمْرًا أو خِنْزيرًا.
ولو أَتْلَفَ حَرْبِيٌّ مَالاً على حَرْبِيٍّ، أو غَصَبَهُ، ثم أَسْلَمَا، أو أسلم المُتْلفُ، فوجهان:
أصحهما: أَنَّهُ لا يُطَالَبُ بالضَّمَانِ؛ لأَنَّهُ لم يَلْتَزِمْ شيئاً، والإسلامُ يَجُبْ ما قَبْلَهُ، والإِتْلاَفُ ليس عَقْداً يُسْتَدَامُ بخلاف الملزم بها.
وأيضاً فَالحَرْبِيُّ إذا قَهَرَ حَرْبِيًّا على مَالِهِ ملكه، والإِتْلاَفُ نَوْعٌ من القَهْرِ.
وأيضاً فَإِتْلاَفُ مَالِ الحَرْبِيِّ لا يزيد على إِتْلاَفِ مَالِ المُسْلِمِ، وأَنَّهُ لا يُوجِبُ الضَّمَانَ على الحَرْبيِّ.
والثاني: يطالبُ؛ لأَنَّهُ لاَزِمٌ في شَرْعِهِمْ، فكأنهم تَرَاضَوْا عليه.
ويَزِيدُ على هذا ما حكى عن تَعْلِيقِ القاضي حسين: أَنَّ الحَرْبِيَّ إذا جَنَى على مُسْلِمٍ، فاسترق، فَأرْشُ الجِنَايَةِ في ذِمَّتِهِ، لا يَتَحَوَّلُ إلى رَقَبَتِهِ، بخلاف المُكَاتَب، إذا جَنَى أن يكون الأرْشُ في ذِمَّتِهِ يُؤَدِّيهِ من الكَسْبِ، فإن عَجَزَ وعاد قِنًّا تَحَوَّلَ الأَرْشَ إلى رَقَبَتِهِ.
والفرقُ أَنَّ الرِّقَّ الذي هو مَحَلُّ تَعَلُّقِ الأَرْضِ كان مَوْجُودًا في حَالِ الكِتَابَةِ، إِلاَّ أَنَّ الكِتَابَةَ المَانِعَةَ من البيع منعت في التَّعَلُّقِ، فإذا عَجَزَ ارْتَفَعَ المَانِعُ، وثبت التَّعَلُّقُ، وفي الحربي لم يكن عند الإِتْلاَفِ رِقٌّ وإنما حَدَثَ بَعْدَهُ وهذا قَوْلٌ يُوجِب الضَّمَانَ على الحَرْبيِّ إذا جَنَى على مسلمٍ، أو مَالٍ.
قال الإِمامُ: وهو إِخْلاَلٌ من نَاقِلٍ، أو هَفْوَةٌ من القاضي وَلْنَعُدْ إلى ما يَتَعَلَّقُ بَلفظ الكتاب.
قوله: "أو ذمي" يجوز أن يُعَلَّمَ بالواو.
وقوله: "فيقضي" بالحاء لما ذكرنا.
وقوله: "الذي لم يغنم قبل اسْتِرْقَاقِهِ" يَدْخُلُ فيه ما اغْتَنَمَ بَعْدَ أسترقاقه، وما اغْتَنَمَ مع اسْتِرْقَاقِهِ، وقد ذكر من بعد أَنَّ الاغْتِنَامَ والاسْتِرْقَاقَ لو وَقَعَا معًا، فالظَّاهِرُ تَقْدِيمُ الغَنِيمَةِ، وكان من حَقِّهِ أن يقول: من المال الذي اغتَنَمَ بَعْدَ استرقاقه.
وقوله: "إِلاَّ إذا سَبَقَ الاغْتِنَامُ رِقَّهُ" الاستثناء يرجعُ إلى قوله: "فَإنَّ حَقَّ الدَّيْنِ مُقَدَّمٌ
الجزء: 11 - الصفحة: 419
على حَقِّ الغَنِيمَةِ" لا إلى الحُكْمِ المذكور قبله، وهو قوله "فيقضي من مَالِهِ الذي لم يَغْتَنِمْ قبل اسْتِرْقَاقِهِ".
قوله: "وكذلك لو سَبَقَ من عليه الدَّيْنُ إلى الإِسلام" مفهومه الظَّاهِرُ ما إذا أَسْلَمَ المستحقُّ عليه، ثُمَّ أَسْلَمَ المستحقّ، فإن أراد هذا المَفْهُوَمَ فَلْيُحْمَلْ.
قوله قبل ذلك: "ثم أَسْلَمَا" على ما إذا أَسْلَمَا مَعا، وإلاَّ فهذا دَاخِلٌ فيه، وإن قُدِّرَ أَن الْمُرَادَ ما إذا سَبَقَ للمستحق عليه إلى الإِسلام، وتَخَلَّفَ الآخَرُ فلم يُسْلِمْ وتَرَكَ قوله: "ثُمَّ أَسْلَمَا" على إِطْلاَقِهِ، فهذا مَوْضِعُ الخِلاَفِ، ويجوز أن يُعَلَّمَ بالواو للوجه الآخر.
قال الغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ) إِذَا سُبِيَتِ امْرَأَةٌ وَوَلَدُهَا الصَّغِيرُ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا فِي البَيْعِ وَالقِسْمَةِ* وَلَوْ تُبِعَتْ مَعَ الجَدَّةِ وَقُطِعَتْ عَنِ الأمِّ، فَفِي الجَوَازِ قَوْلاَنِ* وَالجَدَّةُ فِي مَعْنَى الأُمِّ عِنْدَ عَدَمِهَا* وَالأَبُ هَلْ هُوَ فِي مَعْنَاهَا؟ قَوْلاَنِ* وَهَلْ يَتَعَدَّى التَّحْرِيمُ إِلَى سَائِرِ المَحَارِمِ؟ قَوْلاَنِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا سبيت امْرَأَةٌ وَوَلَدُهَا الصَّغِيرُ، لم يُفَرِّقِ الإِمَامُ بينهما في القِسْمَةِ، بل يُقَوِّمُهُمَا، فإن وَافَقَتْ قِيمَتُهُمَا نَصِيبَ وَاحِدٍ من الغَانِمِينَ جعلهَما لواحدٍ، وإلاَّ اشتركَ اثنان فيهما أو باعهما، وجعل ثمنهما في المَغْنَمِ، وقد ذكرنا في "البيع" بعض الأَحَادِيثِ الوَارِدَةِ في تحريم التَّفْرِيقِ، فإن فَرَّقَ بينهما في القِسْمَةِ، ففي صِحَّتِهَا قَوْلاَنِ، كما قَدَّمْنَا في "البيع"، وإذا قلنا: لا يَبْطُلُ، ففي "الحاوي" أَنَّ المُتَبَايِعَينِ لا يقرَّانِ على التفريق، ولكن يُقَالُ لهما: إِنْ تَرَاضَيْتُمَا بِبَيْعِ الآخر ليجتمعا في المِلْكِ فذاك، وِإلاَّ فَسَخْنَا البَيْعَ.
وفي كتاب القاضي ابْنِ كجٍّ أنْ يُقَالَ للبائع: إمَّا أَن تَتَطَوَّعَ بتسليم الأَجْرِ، أو يُفْسَخَ المَبِيعُ، فإن تَطَوَّعَ بالتسليم، فامتنع المشتري من القَبُولِ، فُسِخَ البيعُ.
فإن رَضِيَتِ الأمُّ بالتفريق، فعن رِوَايَةِ ابْنِ القَطَّانِ، والقاضي الطَّبَرِي وجه: أَنَّهُ يَرْتَفِعُ التَّحْرِيمُ، والأَصَحُّ خلافه رِعَايَةً لِحِقِّ الوَلَدِ، والجدَّةُ أم الأُمِّ عند عَدَم الأُمِّ كالأمِّ، فلو كان له أُمٌّ وَجَدَّةٌ، فبِيعَ مع الأُمِّ، انْدَفَعَ المَحْذُورُ، ولو بِيعَ مع الجَدَّةِ، وقُطِعَ عن الأُمِّ، فهل يَرْتَفِعُ التحريمُ؟.
نقل الإِمَامُ فيه قَوْلَيْنِ، والأَشْبَهُ منهما المَنْعُ، وهل الأب كالأم في تَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ؟ فيه قولان، ويقال: وجهان،
أظهرهما: نعم؛ لأنَّهُ أَحَدُ الأَبَوَيْنِ، وقد روي عن عُثْمَانَ -رضي الله عنه- أَنَّهُ لا يُفَرَّقُ بين الوَالِدِ وَوَلَدِهِ 133.
الجزء: 11 - الصفحة: 420
والثاني: لا، لاخْتِصَاصِ الأُمِّ بنهاية الشَّفَقَةِ والتَّحَنن، وعَجْزِهَا عن الصَّبْرِ، ولهذا قدمت في الحَضَانَةِ على الأب، وهل يَتَعَدَّى التَّحْرِيمُ إلى سائر المَحَارِمِ، كالأخ والعَمِّ وغيرهما، فيه طريقان:
قال أكثرهم: لا، لأَنَّ سائر القَرَابَاتِ لا يَتَعَلَّقُ بها رَدُّ الشَّهَادَةِ والعِتْقُ بالمِلْكِ، فكذلك في تَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ.
نعم يُسْتَحَبْ التَّحَرُّزُ عنه.
والثاني: طَرْدُ الخِلاَفِ المذكور في الأبِ، وروى صاحب "الحاوي" في الأَجْدَاد والجَدَّاتِ من قبل الأب ثلاثة أوجه:
أحدها: يجوز التَّفْرِيقُ بين الوَلَدِ وجميعهم؛ بِنَاءً على جَوَازِ التَّفْرِيقِ بينه وبين الأَبِ.
والثاني: لا يَجُوزُ؛ بِنَاءً على أَنَّ التَّفْرِيقَ لا يَجُوزُ بينهما.
والثالث: يجوز التَّفْريقُ بينه وبين الذَّكَرِ منهم، كَأبِ الأب، ولا يَجُوزُ بينه وبين الأُنْثَى منهم، كأم الأب، لأَنَّ الإناث أَصْلَحُ للتَّرْبيَةِ، وهذه الوُجُوهُ على طَرِيقَةِ من لا يُعَدِّي التَّحْرِيمَ إلى المَحَارِمِ قَطْعاً، وإذا كان للولدَ أَبَوَانِ، فيحذر من التَّفْريِقِ بينه وبين الأُمِّ، ويحتمل التَّفْرِيقُ بينه وبين الأب، ولا بَأْسَ بالتفريق إذا أَلْجَأتِ الضَّرْورَةُ إليه، كما إذا كانت الأُمُّ حُرَّةً، يجوزُ بَيْعُ الوَلَدِ، ولو كانت الأُمُّ لِوَاحِدٍ، والولد لآخر، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ منهما أن يَنْفَرِدَ ببيع ما يملكه، وقد سَبَقَ ذلك في "البيع"، وحَكَيْنَا هناك قَوْلَيْنِ في أَنَّ التَّحْرِيم يَنْتَهِي بسِنِّ التمييز، أو يَمْتَدُّ إلى البُلُوغ؟
والأَصَحُّ الأَوَّلْ، فإنه لا يحرم بعد البُلُوغِ.
وعن أحمد خِلاَفُهُ، ويجوز أن يُعَلَّمَ لذلك لفظ "الصَّغِير" من قوله في الكتاب: "وولدها الصَّغِير" بالألف إِشَارَةً إلى أَنَّ عنده لا يعتبر الصِّغَرُ، واللَّفْظُ يُوَافِقُ القَوْلَ الذَّاهِبَ إلى امْتِدَادِ التَّحْرِيم إلى البُلُوغ، فيمكن أَن يُعَلَّمَ بالوَاوِ لِلْقَوْلِ الآخر، وأن يُعَلَّمَ لَفْظُ القولين في سَائِرِ المَحَارِمِ بالوَاوِ لِلطَرِيقَةِ القاطعة.
قال الغَزَالِيُّ: (التَّصَرُّفُ الثَّالِثُ) إهْلاَكُ أَمْوَالِهِمْ غَيْظاً لَهُمْ جَائِزٌ إِذَا لَمْ يُمْكِنْ تَمَلُّكُهُ إِلاَّ الحَيَوَانَاتِ* وَأَمَّا الأَشْجَارُ فَيَجُوزُ قَطْعُهَا* وَيجِبُ إِهْلاَكُ كُتُبِهِم الَّتِي لاَ يَحِلُّ الاِنْتُفَاعُ بِهَا* وَفِي جَوَازِ اسْتِصْحَابِهَا لِفَائِدَةِ تَعَرُّفِ مَذَاهِبِهِمْ تَرَدُّدٌ* وَكَلْبُ الغَنِيمَةِ يَخُصُّ بِهِ الإِمَامُ مَنْ شَاءَ إِذْ لاَ مِلْكَ فِيهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: كما أنَّ نُفُوسَ الكْفَّارِ تَهْلِكُ تَارَةً بالقَتْلِ، وتُمْسَكُ أخرى بالاسْتِرْقَاقِ، فكذلك أَمْوَالُهُمْ تَهْلِكُ تَارَةً وتُغَنَمُ أُخْرَى، وهذا التَّصَرُّفُ الثَّالِثُ هو إِهْلاَكُ أَمْوَالِهِمْ،
الجزء: 11 - الصفحة: 421
والمقصود بَيَانُ موضع جَوَازِهِ، وإن احتاج المسلمون إلى إِهْلاَكِ مَالٍ لهم، كَتَخْرِيبِ بِنَاءٍ، وقَطْعِ شَجَرٍ لِيَتَمَكَّنُوا من القِتَالِ، أو لِيَظْفَرُوا بهم، فلهم إِهْلاَكُهُ؛ لما روي عن ابنَ عُمَرَ -رضي الله عنه- أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قَطَعَ نَخْلَ بني النَّضِيرِ وحَرَّقَ عليهم 134، وفي ذلك نَزَلَ قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا﴾ [الحشر: 5] الآية وأَنَّهُ قطع على أَهْلِ "الطَّائف" كَرْمَهُمْ 135، وذُكِرَ أَنَّهُ كان آخر غَزَوَاتِهِ، وإن لم يَحْتَاجُوا إليه، نظِرَ إن لم يَغْلِبْ على الظَّنِّ حُصُولُ ذلك المَالِ لِلْمُسْلِمِينَ، جاز إهلاكه مُغَايَظَةً لهم، وتَشْدِيدًا عليهم، وإن غَلَبَ على الظَّنِّ حُصُولُهُ لهم، ففيه وَجْهَانِ، حكاهما في "المُهَذَّبِ":
وجه المنع ما روي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ -رضي الله عنه- نَهَى عنه 136.
وعن الشَّيْخِ أبي حَامِدٍ إِطْلاَقُ القَوْلِ بالجَوَازِ، والأولى تَرْكُهُ بلا خِلاَفٍ، وهذا إذا دَخَلَ الإمَامُ بلاَدَهُمْ مُغيرًا، ولم يمكنه الاسْتِقْرَارُ فيها, فَأمَّا إذا فَتَحَهَا، وَقَهَرَ أَهْلَهَا، فلا يجوز القَطْعُ والتخريبُ [لأنه صارت غَنِيمَةٌ للمسلمين، وكذا لا يَجُوزُ القَطْعُ والتَّخْرِيب] 137 إذا فتحها صُلْحًا على أن يكون لهم أَوْ لَنَا.
ولو غَنِمْنَا أَمْوَالَهُم وانصرفنا وَخِفْنَا الاسْتِرْدَادَ، جاز إهْلاَكُهَا لئلا يَغْلِبُوا عليها وَيَتَقَوَّوْا بها، هذا حُكْمُ غير الحَيَوَانِ.
وأمَّا الحَيَوَانُ، فإذا كانوا يُقَاتِلُوننا على الخُيُولِ، واحتجنا إلى عَقْرِهَا لِدَفْعِهِمْ والظَّفَرِ بهم، جَازَ ذلك، فَإِنَّهَا كَأدَاةِ الِقتَالِ.
ويُرْوَى أَن حَنْظَلَةَ بْنَ الرَّاهِب -رضي الله عنه- عَقَرَ بأبي سفيان فَرَسَهُ يوم "أُحُدٍ" فَسَقَطَ، فجلس حَنْظَلَةُ على صَدْرِهِ لِيَذْبَحَهُ، فجاء ابن شعوب فقتل حَنْظَلَةَ -رضي الله عنه- واسْتَنْقَذَ أبا سفيان، ولم يُنْكِرْ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فِعْلَ حَنْظَلَةَ 138 -رضي الله عنه-
الجزء: 11 - الصفحة: 422
وإن غَنِمْنَا خُيُولَهُمْ ومَوَاشيهُمْ ولحقونا، وَخِفْنَا الاسْتِرْدَادَ أو ضعف بعضها، وتَعَذَّرَ سَوْقُهَا، لم يجز عَقْرُهَا، وإتْلاَفهَا.
وبه قال أحمد.
نعم تُذْبَحُ لِلأَكْلِ، وإذا خِفْنَا أَنَّهُمْ يأخذون الخُيُولَ ويُقَاتِلُونَ عليها، ويشتدُّ الأَمْرُ، يجوزُ إِتْلاَفُهَا.
وعند أبي حَنيفَةَ ومَالِكٍ: يجوز إِتْلاَفهَا بِكُلِّ حَالٍ مُغَايظَةَ لِلْكُفَّارِ.
لنا ما روي أنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- نَهَى عن تَعْذِيبِ الحَيَوَانِ إِلاَّ لِمَأْكَلَةٍ 139.
وأيضاً نَهَى عن قَتْل الحَيَوَانِ صَبْرًا 140، ولا خِلاَفَ في أَنَّهُمْ لو لحقونا ومعنا نِسَاؤُهُمْ وصِبْيَانُهُمْ لم يَجُزْ قَتْلُهُمْ، وإن خَشِينَا اسْتِرْدَادَهُمْ، ثُمَّ في الفَصْلِ مسألتان:
إحداهما: إذا ظَفَرْنَا بِكُتُبٍ لهم مما يَحِلُّ الانْتِفَاعُ به؛ كالطِّبِّ والشِّعرِ واللُّغَةِ والحِسَاب والتَّوَارِيخ، فسبيله سَبِيلُ سائر الأموال، فَيُبَاعُ أو يُقَسَّمُ، وما يحرم الانْتِفَاعُ به كَكُتُبِ الشِّرْكِ والهَجْوِ والفُحْشِ المَحْضِ، فلا يُتْركُ بِحَالِهِ، ولكن إن كان على رَقِّ، أو كَاغدٍ ثَخِينٍ؛ وأمكن غَسْلُهُ غُسِلَ، ثُمَّ هو كَسَائِرِ أموال الغَنِيمَةِ، وإن لم يكن أُبْطِلَتْ مَنْفَعَتُهُ بالتَّمْزِيقِ، ثُمَّ الممزَّقُ كَسَائِرِ الأَمْوَالِ، ولِلْمَزْقِ قِيمَةٌ وَإِنْ قَلَّتْ.
وعن القاضي الطَّبَرِيِّ: أنَّهَا تُمَزَّقُ أَوْ تُحَرَّقُ، ولم يُصَحِّحُوا الإِحْرَاقَ؛ لما فيه من التَّضْيِيعِ، وكتبِ التَّوْرَاةِ والإِنْجِيلِ مما لا يَحِلُّ الانْتِفَاع به؛ لأَنَّهُم بَدَّلُوا وَغيَّرُوا.
قال في "البحر": وإنما تُقَرُّ في أَيْدِي أَهْلِ الذِّمَّةِ؛ لاعْتِقَادِهِمْ كما يُقَرُّونَ على الخَمْرِ.
قال: والصَّحِيحُ أَنَّهَا لا تُحَرَّقُ؛ لما فيها من أَسْمَاءِ اللهِ تعالى.
قال الإمامُ: وقد يَخْطُر لِلْفَطِنِ أنَّ كتب الشِّرْكِ يُنْتَفَعُ بها، على معنى أَنَّ الحَاجَةَ تمسُّ إلى الاطِّلاعَ على مَذَاهِب المُبْطِلِينَ ليوَجَّه الرَّدّ عليها، فإن كانت تلك المَقَالاَتِ مَشْهُورَةً، فالرَّأْيُ إِبْطَالُهَا، وإن كان ما فيها مما لم يَتَقَدَّمِ الاطَّلاعُ عليه، ففي جَوَازِ اسْتِصْحَابِهِ تَرَدُّدٌ واحْتِمَالٌ بَيِّنٌ.
الثانية: إذا دَخَلْنَا دِيَارَهُمْ غَازِينَ قَتَلْنَا الخَنَازِيرَ، وأَرَقْنَا الخُمُورَ، وتُحْمَلُ ظُرُوفُهَا إِلاَّ أن تَزِيدَ مُؤْنَةُ الحَمْلِ على قِيمَتِهَا، أو تُسَاوِيهَا، فيتلفها عليهم، والكَلْبُ المُنْتَفَعُ بِهِ للاصْطِيَادِ، وللمواشي.
أطلق صَاحِبُ الكتاب أنَّ الإِمَامَ يَخُصُّ به من يَشَاءُ، وهكذا حَكَاهُ الإِمَامُ عن العِرَاقِيِّينَ، وقال: قالوا: للإمام أن يُسَلِّمَهَا إلى وَاحِدٍ من المسلمين لِعِلْمِهِ باحْتِيَاجِهِ إليه، ولا يكون مَحْسُوبًا عليه، واعترض عليه بأن الكَلْبَ مُنْتَفِعٌ به،
الجزء: 11 - الصفحة: 423
فليكن حَقُّ الَيدِ فيه لجميعهم، كما أَنَّ من مَاتَ وله كَلْبٌ لا يستبدُّ به بعض الوَرَثَةِ، والذي نَجِدُهُ في كتب العِرَاقِيِّينَ: أَنَّهُ إن أَرَادَهُ بعض الغَانِمِينَ، أو بعض أهل الخُمُسِ، ولبم ينازع فيه يُسَلَّمُ إليه، وإن تَنَازَعُوا، فإن وَجَدْنَا كِلاَباً، وأمكنت القِسْمَةُ عَدَداً قُسِّمَت، وإلاَّ أُقْرِعَ بينهم، فإذن الظَّاهِرُ خِلاَفُ ما في الكَتَاب، وقد مَرَّ في "الوَصِيَّةِ" أَنَّهُ قد يعتبر قِيمَتُها عند مَنْ يرى لها قِيمَةٌ، وينظر إلى مَنَافِعِهَا، فيمكن أن يُقَالَ بِمِثْلِهِ هاهنا.
وقوله في الكتاب: "إِهْلاَكُ أَمْوَالِهِمْ غَيْظاً لهم جَائِزٌ، إذا لم يمكن تَمَلُّكُهَا"، ظَاهِرُ السِّيَاقِ يُوَافِقُ ما ذكرنا أَنَّ أَحَدَ الوجهين: أَنَّهُ لا يجوز إِهْلاَكُهَا إذا غَلَبَ على الظَّنِّ حُصُولُهَا لِلْمُسْلِمينَ، والعِبَارَاتُ التي تطلق في هذا المَقَامِ من غَلَبَةِ الظَّنِّ بالحُصُولِ، ورجاء الحصول، وإمكان التَّمَلّكِ والحصول مُتَقَارِبَةٌ.
والأَشْبَهُ والحالةُ هذه -التجوِيزُ والاقْتِصَارُ على الكَرَاهَةِ، وكذلك ذَكَرَهُ الإِمَامُ، فيجوز أن يرقم قوله: "إذا لم يمكن تملكها" بالواو؛ وإشَارَةً إلى أن هذا القَيْدَ غير مُعْتَبَرٍ في الجَوَازِ، ويجوز أن يُحْمَلَ لَفْظُ الجَوَازِ على الإِطْلاَقِ العَارِي عن الكَرَاهِيَة, كما يُقَالُ: وجب جَوَازُ الصَّلاةِ، ووقت الكراهة فَيُجْعَلاَنِ مُتَقَابِلَيْنِ، وحينئذٍ فلا حَاجَةَ إلى الإِعْلاَمِ.
وقوله: "الحَيَوَانَات" ليعلَّم بالحاء والميم، ولاَ بُدَّ من اسْتِثْنَاءِ ما يقاتلون عليه على ما يُتَبَيَّنُ، وإن أطلق الكلام إِطْلاَقًا.
وقوله: "وأَمَّا الأَشْجَارُ فيجوز قَطْعُهَا" لا ضَرُورَة إليه لِدُخُولِهَا في الأَمْوَالِ المَذْكُورَةِ أَولاً.
وفي "التصريح" تَنْبِيهٌ على أَنَّهَا وإن كانت نَامِيَة فليس لها حُرْمَةُ الحَيَوَانَاتِ.
وقوله: "ويجب إِهْلاَكُ كُتُبِهِمْ"، وفي بعض النسخ "ويجوز" وبكُلِّ وَجْه.
وقوله: "وفي جَوَازِ اسْتِصْحَابِهَا ... " إلى آخره، أراد به ما حَكَيْنَاهُ عن الإِمَامِ، والتَّردُّدُ مَخْصُوصٌ بالكُتُبِ المشتملة عى مَقَالَتِهِمْ دون كتب الهَجْوِ والفُحْشِ، ثَمَّ إن اسْتَصْحَبْنَا تلك الكُتُبَ حتى عَرَفْنَا المَقَالاَتِ؟ فالقِيَاسُ أن نبطلها كما ذكر الإِمَامُ، أَنَّهُ لو كانت المَقَالاَتُ مَشْهُورَةٌ، فنبطلها في الحال.
قال الغَزَالِيُّ: (التَّصَرُّفُ الرَّابعُ: الاغْتِنَامُ) وَالغَنِيمَةُ كُلُّ مَا أَخَذَتْهُ الفِئَةُ المُجَاهِدَةُ عَلَى سَبيلِ الغَلَبَةِ دُونَ مَا يُخْتَلَسُ، وَيُسْرَقُ، فَإنَّهُ خَاصٌ ملْكِ المُخْتَلِسِ* وَدُونَ مَا يَنْجَلِي عَنْهُ الكُفَّارُ بِغَيْرِ قِتَالٍ، فَإنَّهُ فَيْء* وَدُونَ اللُّقَطَةِ، فَإنَّهَا لِآخِذِهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: قد سبق في "كتاب قَسْم الفَيْءِ والغَنَائِم" أن الغَنِيمَةَ المَالُ الذي يُؤْخَذُ من الكُفَّارِ بالقَهْرِ، وإيجَافِ الخَيْلِ والرِّكَاب، وَأَنَّ الفَيْءَ ما يُحَصَّلُ من الكُفَّارِ من غير قِتَالٍ، فنتكلم الآن في مَسَائِلَ:
الجزء: 11 - الصفحة: 424
إحداها: إذا دخل وَاحِدٌ أو شِرْذِمَةٌ دَارَ الحَرْب مُسْتَخْفِينَ، وأخذوا مَالاً على صُورَةِ السَّرِقَةِ فالذي أَوْرَدَهُ في الكتابِ أَنَّهُ مِلْكُ من أَخَذَهُ خَاصَّةً وذكر الإِمَامُ أَنَّهُ المَذْهَبُ المَشْهُورُ، ورُبَّمَا أَبْدَى القَطْعَ به، وَوَجههُ بأنَّ السَّارِقَ يقصد تَمَلُّكَ المَاَلِ، وإثْبَات اليد عليه، ومَالُ الحَرْبَيِّ غير مَعْصُومٍ، وكأنَّهُ غير مَمْلُوكٍ، وصار سبيله سَبِيلَ الاسْتِيلاَءِ على المُبَاحَاتِ، بخلاف مال الغَنِيمَة، فَإنَّهُ وإن حصل في يد الغَانِمينَ، فليس مقصودهم التملُّك، إذ لا يَجُوزُ التَّغْرِيرُ بالمُهَج لاكْتِسَاب الأَمْوَالِ، والغَرَضُ الأَعْظَمُ إِعْلاَءُ كلمة اللهِ -تعالى- وقَمْعُ أَعْدَاءِ الدِّينِ، ولِلْقَصْدِ أَثَرٌ ظَاهِرٌ فيما يملكُ بالاستيلاء، وحَكَى وَجْهاً آخر أَنَّهُ غَنِيمَةٌ مُخَمَّسَةٌ وَضَعَّفَهُ، وهذا الذي ضَعَّفَهُ هو المُوَافِقُ لما أَوْرَدَهُ أكثرهم، وكأنهمِ جعلوا دُخُولَ دَار الحَرْبِ، وتَغْرِيرَهُ بنفسه قَائِماً مَقَامَ القِتَالِ، ويُوَضِّحُهُ أَنَّهُم ذَكَرُوا أنَّهُ لو غَزَتْ طَائِفَةٌ بغير إِذْنِ الإِمَامِ مُتَلَصِّصِينَ، وأخذت مَالاً فهو غَنِيمَةٌ مخمسة.
وَرَوَوْا عن أبي حَنِيْفَةَ أَنَّهُ لا يُخَمَّسُ، بل يَنْفَرِدُونَ له إذا لم يكن لهم قُوَّةٌ وامْتِنَاعٌ، وفي رِوَايَةٍ أخرى يُؤْخَذُ الجَمِيعُ منهم، ويجعل في بَيْتِ المَالِ.
وفي "التهذيب": أَنَّ الرَّجُلَ الوَاحِدَ إذا دَخَلَ دَارَ الحَرْبِ وأخذ من حَرْبِيٍّ مَالاً بالقِتَالِ أُخِدَ منه الخُمُسُ، والبَاقِي له، وإن أَخَذَهُ على جِهَةِ السَّوْمِ، ثُمَّ جَحَدَهُ أو هرب، فهو له خَاصَّة، ولا يُخَمَّسُ، وهذه الصُّورَة قَرِبيَةٌ من السَّرِقَةِ، والمأخوذ على صورة الاخْتِلاَسِ كالمَأْخُوذِ على صُورَةِ السَّرِقَةِ.
وقد حُكِيَ في "البحر" عن صَاحِبِ "الحاوي": أَنَّهُ يكون غَنِيمَةً يملك المُخْتَلِسُونَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ لأنهم ما وَصَلُوا إليه عنوةً حَتَّى غَرَّرُوا بأنفسهم كما لو قاتلوا.
وعن أبي إِسْحَاقَ: أَنَّ المختلس يكون فَيْئًا؛ لأَنَّه حَصَلَ بغير إِيجَافِ خَيْلٍ وَرِكَابٍ.
ثم الوَجْهُ الذاهب إلى اخْتِصَاصِ المختلس والسَّارِقِ بما يَأْخُذُهُ، ليكن مَوْضِعُهُ ما إذا دخل الوَاحِدُ أو النَّفَرُ اليَسِيرُ دَارَ الحَرْب وأخذوا، فَأمَّا إذا أخذ بَعْضُ الجند الداخلين بِسَرِقَةٍ أو اخْتِلاَسِ، فيشبه أَنْ يكون غُلُوَلاً يُبَيِّنَهُ أَنَّ القاضي الرُّوَيانِيَّ نقل أنَّ ما يَهْدِيهِ الكَافِرُ إلى الإِمام، أو إلى واحدٍ من المسلمين، والحَرْبُ قَائِمٌ لا يَنْفَرِدُ به المَهْدِيُّ إليه بِكُلِّ حالٍ، بخلاف ما إذا أهدى من دار الحَرْبِ إلى دار الإِسلام.
وعن أبي حنيفة: أَنَّهُ يَنْفَرِدُ بما يَهْدِيهِ المهدي إليه بِكُلِّ حَالٍ، وإذا لم تَخْتَصَّ الهَدِيَّةُ بالمَهْدِيِّ إِلَيْهِ، فأولى أَلاَّ يَخْتَصَّ السَّارِقُ بالمَسْرُوقِ.
الثانيةُ: المَالُ الضَّائِعُ الذي يُؤْخَذُ على هَيْئَةِ اللُّقَطَةِ إن كان مما يُعْلَمُ أَنَّهُ للكُفَّارِ، فَجَوَابُ الإِمَام، وصاحب الكتاب أَنَّهُ لمن وَجَدَهُ؛ بناء على أنَّ الْمُخْتَلَسَ والمَسْرُوقَ لمن أَخَذَهُ، وهذا لأنَّهُ ليس مَأْخُوذًا بِقُوَّةٍ الجُنْدِ، أو قُوَّةِ الإِسْلاَمِ، حتى يكون فَيْئًا، ولا بقتالٍ حتى يكون غَنيمَةً.
الجزء: 11 - الصفحة: 425
وجواب عَامَّةِ الأَصْحَاب أَنَّهُ يكون غَنِيمَةً لا يَخْتَصُّ به الآخِذُ، وعلى هذا يَنْطَبِقُ نَصُّهُ في "المختصر" على ما سنَحْكِيهِ في المسألة الثالثة، وإن أمكن أن يكون لِلْمُسْلِمِينَ، بأن كان هناك مسلمون، أو أَمْكَنَ أن تكون هُنَاكَ ضالة بعض الجند، فَلاَ بُدَّ من التَّعْرِيفِ، ثُمَّ بعد التَّعْرِيفِ يعود الطَّرِيقَانِ في أَنَّهُ يكون لِلآخِذِ، أو يكون غَنِيمَةً، وكيف يعرفُ؟ عن الشيخ أبي حَامِدٍ أَنَّهُ يُعَرَّفُ يَوْمًا أو يومين؛ ويقرب منه ما ذكره الإِمَامُ أَنَّهُ يكفي بُلُوغُ التَّعْريِفِ إلى الأَجْنَادِ إذا لم يكن هناك مُسْلمٌ سواهم، ولا ينظرُ إلى احْتِمَالِ طُرُوقِ التُّجَّارِ.
وفي "المهذَّب" و"التهذيب" أنَّهُ يُعَرَّفُ سَنَةً على ما هو قَاعِدَةُ التَّعْرِيفِ، ولفظُ "التَّهْذيب" أَنَّهُ لو وَجَدَ ضَالَّةً في دَارِ الحَرْبِ لِحربي فهو غَنيمَةٌ، فالخُمُسُ لأهله، والبَاقِي له ولمن مَعَهُ، ولو وَجَدْنَا ضَالَّةَ لحربي في دَارٍ الإِسلام لا يَخْتَصُّ هو به، بل يكون فَيْئًا، وكذلك لو دَخَلَ صَبِيٌّ أو امْرَأَةٌ بلاَدَنَا، فَأخَذَهُ رَجُلٌ يكون فَيْئًا، وإن دَخَلَ منهم رَجُلٌ فَأخَذَه مسلمٌ يكون غَنِيمَةً؛ لأنَّ لآخِذِهِ مُؤْنَة، وللإمام أن يَرَى فيه رَأْيَهُ، فإن رأى أن يَسْتَرِقَّهُ يكون الخُمُسُ لأهله، والباقي لمن أَخَذَهُ بِخِلاَفِ الضَّالَّةِ؛ لأَنَّهَا مَالٌ للْكُفَّارِ حَصَلَ في أيدينا من غير قِتَالٍ.
الثالثة: المُبَاحَات التي لم يملكها أَحَدٌ من الحَطَب والحَشِيشِ والحَجَرِ والصَّيْدِ البَحْرِيِّ والبَرِيِّ لآخذها، كما أَنَّها في دَارِ الإسْلاَمِ لآخذها, ولم يَجْرِ عليها مِلْكُ كَافرٍ، حتى يجعل غَنِيمَةً أَوْ فَيْئًا.
قال الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- في "المختصر": إِلاَّ أن يكون مَصْنُوعًا أو صَيداً مُقَرّطاً أو مَوْسُومًا، فلا يكون لمن أَخَذَهُ، يعني إِلاَّ أن يكون حَجَرًا مَصْنُوعًا بِنَقْرٍ أو نَقشٍ، أو حَجَرًا مَنْحُوتًا.
والصيد المُقَرَّطُ: الذي يُجْعَلُ القُرْطُ في أُذُنِهِ، ويروى مقرطقًا، وهو الَّذِي جُزَّ صُوفُهُ، وجُعِلَ على هَيْئَةِ القَرْطَقِ.
وقيل: هو الذي يُجْعَلُ له القَرْطَق كَالبَازِيِّ يُحَاطُ له.
فهذه الأحوال أَمَارَاتُ اليَدِ والمِلْكِ والدَّارِ للكافرين، والظاهِرُ أنَّها كانت لهم فَتَكُونُ غَنِيمَةً، وإن أمكن كَوْنُهَا للمسلمين، فهي كَسَائِرِ الأموال الضَّوَالِّ، ولاَ بُدَّ من التَّعْرِيفِ كما سَبَقَ.
وعن أبي حَنِيْفَةَ وأَحْمَدَ -رحمهما الله- أَنَّ المُبَاحَاتِ التي تُوجَدُ في دَارِ الحَرْب تُخَمَّسُ أَيْضاً إذا كان لآخذيها قُوَّةٌ وامْتِنَاعٌ.
قال الغَزَالِيُّ: وَلِلْغَنِيمَةِ أَحْكَامٌ: (الأَوَّلُ) أنَّهُ يَجُوزُ التَّبَسُّطُ فِي أَطْعِمَتِهَا قَبْلَ القِسْمَةِ مَا دَامُوا فِي دَارِ الحَرْبِ لِأَجْلِ الحَاجَةِ* وَيَجْرِي ذَلِكَ فِي القُوتِ وَاللَّحْمِ وَالتّبْنِ وَالشَّعِيرِ* وَلاَ يَجْرِي فِي الفَانِيذِ وَالسُّكَّرِ وَأَمْثَالِهِ* وَفِي الفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ وَجْهَانِ* وَيَجْوزُ فِي الشَّحْمِ الأكْلُ* وَلتَوْقِيحِ الدَّوَابِّ وَجْهَانِ* وَلاَ يَجُوزُ فِي الحَيَوَانَاتِ إلاَّ الغَنَمَ فَإِنَّهُ طَعَامٌ
الجزء: 11 - الصفحة: 426
فَيُذْبَحُ وَيُؤْكَلُ وَيُرَدُّ جِلْدُهُ إِلَى المَغْنَمِ* وَلاَ يَجِبُ قِيمَةُ اللَّحْمِ وَإِنْ أَمْكَنَ سَوْقُ الغَنَمِ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ* وَيُبَاحُ الأخْذُ لِمَنْ مَعَهُ طَعَامٌ وَمَنْ لَيْسَ مَعَهُ وَلَكِنْ قَدْرَ الحَاجَةِ* فلوْ أَضَافَ بِهِ مَنْ لَيْسَ مِنَ الغَانِمِينَ فَهُوَ كَتَقْدِيم المَغْصُوبِ إِلَى الضَّيْفِ* وَلَوْ فَضَلَ مِنْهُ شَيْءٌ بَعْدَ الدُّخُولِ إِلَى دَارِ الإِسْلاَمِ فَمَا لَهُ قِيمَةٌ رُدَّ عَلَى المَغْنَمِ* وَإِنْ كَانَ قَلِيلاً فَوَجْهَانِ* وَلَوْ لَحِقَ مَدَدٌ بَعْدَ الاِغْتِنَامِ فَفِي جَوَازِ التَّبَسُّطِ لَهُمْ وَجْهَانِ* وَلَوْ لَمْ يَجِدُوا سُوقًا فِي أَطْرَافِ بِلاَدِ الاغْتِنَامِ أَوْ وَجَدُوهُ فِي دَارِ الحَرْبِ فَفِي جَوَازِ الأَخْذِ وَجْهَانِ* وَاِذْا أَخَذَ ثُمَّ أَقْرَضَ غانِمًا آخَرَ فَلَهُ أَنْ يُطَالِبَهُ بِمثْلِهِ مِنَ المَغْنَم مَا دَامُوا فِي الحَرْبِ وَلاَ يُطَالِبُهُ مِنْ خَاصِّ مِلْكِهِ* وَقِيلَ: إنَّهُ لاَ يُطَالِبُهُ وَكَأَنَّ المُسْتَقْرِضَ أخَذَهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: من أحكام الغَنِيمَةِ أَنَّهُ يجوز التَّبَسُّطُ بِتَنَاولِ أَطْعِمَتِهَا قبل القِسْمَةِ، وتُعْلَفُ الدَّوَابُّ من غير عِوَضٍ؛ لما روي عن ابن عُمَرَ -رضي الله عنه- أنّ جَيْشًا غنموا طَعَامًا وعَسَلاً على عَهْدِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يؤخذ منهم الخُمُسُ، يعني مما تَنَاوَلوه 141.
وعن ابن عُمَرَ -رضي الله عنه- قال: "كُنَّا نُصِيبُ في مَغَازِيِنَا العَسَلَ والعِنَبَ فنأكله" ولا ندفعه 142. وعن عَبْدِ الله بن أَبي أوْفَى -رضي الله عنه- أنَّهُ قال: أَصَبْنَا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بـ"خيبر": طَعَامًا، وكان كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا يَأْخُذُ منه قَدْرَ كِفَايَتِهِ 143.
والمعنى فيه الحَاجَةُ الدَّاعِيَةُ إليه، فَإِنَّ الطَّعَامَ يَعِزُّ في دَارِ الحَرْبِ، فإِنَّهم لا يبيعون منهم ويخبئون ويُحْرِزُونَ أَطْعِمَتَهُمْ، فجعلها الشَّارعُ على الإِبَاحَةِ.
وأيضاً: فقد يفسر إلى أن ينقل، وقد يَتَعَذَّرُ نَقْلُهَا، أو تَزْدَادُ مُؤْنَةُ نقلها عليها، وَيتَعَلَّقُ بهذه القَاعِدَةِ فُصُولٌ.
إحداها في جنس المَأْخُوذِ والمنفعة المُجَوِّزَة للأخذ والجنس وهو القُوتُ وما يصلح له القُوتُ واللَّحْمُ والشَّحْمُ، وكُلُّ طعامٍ يُعْتَادُ أكْلُهُ على العُمُوم، ولعَلَفِ الدواب التِّبْنُ والشَّعِيرُ وما في مَعْنَاهُمَا.
وحكى الإِمام وَجْهَيْن فيما يُؤْكَلُ غالباً، لكنَّه ليس من الأَقْوَاتِ كالفَوَاكِهِ، وَجْهُ المَنْعِ أَنَّهُ لا يَتَعَلَّقُ بها حَاجَةٌ حَاثَّةٌ، ووجه الجَوَازِ ما رَوَيْنَا من العِنَبِ والعَسَلِ 144.
الجزء: 11 - الصفحة: 427
وعن ابن أَبِي أَوْفَى -رضي الله عنه- قال: كُنَّا نَأْخُذُ من طَعَامِ المَغْنَمِ ما نَشَاءُ 145 .. أطلق الكَلاَمَ إِطْلاَقًا، وقد يحتاج إلى إِقَامَةِ غير القُوتِ مَقَامَهُ عند شِدَّةِ الحَاجَةِ.
قال الإِمَامُ: ويمكن أن تَفْصِلَ بين ما يَتَسَارَعُ إليه الفَسَادُ، ويَشُقُّ نَقْلُهُ، وبين غيره، وكان صَاحِب الكِتَاب أَشَارَ بقوله: "وفي الفواكه الرَّطْبَةِ" إلى هذا المعنى، وتَخْصِيصُ الخِلاَفِ بالرَّطْبَةِ مَيْلٌ إلى الجَزْم بالمَنْعِ في غيرها، والجمهور جَوَّزُوا التبسُّط في الكُلِّ، ولم يذكروا خِلاَفًا.
والفَانِيذُ والسُّكَّرُ والأدْوَيةُ التي تَنْدُرُ الحَاجَةُ إليها لا تُلْحَقُ بالأَطْعِمَةِ المُعْتَادَةِ لِنُدُورِ الحَاجَةِ إليها، فإن احْتَاجَ إليها مَرِيضٌ منهم أخذ ما يحتاج إليه بالقِيمَةِ، وينبغي أن يُقَالَ: يراجع أَمِيرُ الجُيُوشِ فيه.
هذا هو المَشْهُورُ.
وعن "الحاوي" وَجْهَانِ آخران:
أحدهما: الإبَاحَةُ؛ لأَنَّ تَنَاوُلَهَا عند الحَاجَةِ أَهَمُّ وأَوْلَى بالتَّرْخِيصِ.
والثاني: أَنَّ ما لا يُؤْكَلُ إلاَّ تَدَاوِياً يُحْسَبُ عليه، وما يُؤْكَلُ لِلتَّدَاوِي وغيره لاَ يُحْسَبُ، والمَنْفَعَةُ المُعْتَبَرَةُ في البَاب هي مَنْفَعَةُ الأَكْلِ والشُّرْبِ وَالعَلَفِ.
وفي جواز أَخْذِ الشُّحُوم والأَدْهَانِ لتوقيح الدَّواب، وهو مَسْحُهَا بالمذاب وهوَ المغلي منها, ولجربها وجهان نقلهما الإمَامُ وَصَاحِبُ الكتاب.
أحدهما: الجَوَازُ كَعَلَفِهَا.
وأصحهما: وهو في سِيَرِ الوَاقِدِيِّ المَنْعُ كما في التَّدَاوِي بالأَدْوِيَة، وعلى الوجه الأول ينبغي أن يَجُوزَ الادِّهَانُ بها, ولا يجوز إِطْعَامُ البُزَاةِ والصُّقُورِ من الغَنِيمَةِ، بخلاف الدَّوَابِّ المُحْتَاجِ إليها للرُّكُوب والحمل، ولا يجوز أَخْذُ سائر الأَمْوَالِ، ولا الانتفاع بها كَلبْسِ الثياب، ورُكُوبِ الدَّوَابِّ، فلو خالف لَزِمَتْهُ الأُجْرَةُ، كما يُلْزَمُ الضَّمَانَ إذا أتْلَفَ بَعْضَ الأعيان ويروى عن رُوَيْفِع بْنِ ثابِتٍ الأَنْصَارِيِّ -رضي الله عنه- أَنَّ النَبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يَرْكَبْ دَابَّةً مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ.
حَتَّى إِذَا أَعجفها رَدَّهَا إِلَيْهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَومِ الآخِرِ، فَلاَ يَلْبَس ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ" 146.
الجزء: 11 - الصفحة: 428
وإن وَقَعَتْ حَاجَةٌ لِبَردٍ وغيره.
قال القاضي الرُّويَانِيُّ: يستأذن الإِمام ويحسب عليه، ويجوز أن يَأْذَنَ في لُبْسِهِ بالأُجْرَةِ مُدَّةَ الحَاجَةِ، ثُمَّ يَرُدُّهُ إلى المَغْنَم [ولا يجوز اسْتِعْمَالُ أَسْلِحَتِهِمْ أَيضاً، إلا أن يُضْطَرَّ إليها في القِتَالِ، فإذا انْقَضَى الحَرْبُ رَدَّهُ إلى المَغْنَمِ] (1).
وعند أبي حَنِيْفَةَ: يجوز اسْتِعْمَالُ أَسْلِحَتِهِمْ، ويجوز ذَبْحُ الحَيَوَانَاتِ المَأْكُولَةِ لُحُومُهَا، كما يجوز تَنَاوُلُ الأَطْعِمَةِ.
وفي "البيان" حِكَايَةُ وَجْهٍ آخر؛ لأنَّ الحَاجَةَ إليه تَنْدُرُ والاعْتِمَادُ على الأوَّلِ ثُمَّ الذي يُوجَدُ لمعظم الأَصْحَابِ صَرِيحًا ودِلالَةً، التَّسْوِيَةُ بين الغَنَمِ وسائر الحَيَوَانَاتِ المأكولة، وهو الوجه.
وقال الإمَامُ: ما يُمْكِنُ أنْ يُسَاقَ يُسَاقُ، والغَنَمُ تُذْبَحُ؛ لأَنَّ الأَغْنَامَ كالأَطْعِمَةِ، ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم- حين سُئِلَ عن ضَالَّتِهَا: "هِيَ لَكَ، أَوْ لَأَخِيْكَ أَوْ لِلْذِّئْبِ" (2) وَأَشَار إلى أَنَّ جَوَازَ الذَّبْح يَخْتَصُّ بالغَنَم، وهذا قَضِيَّةُ قوله في الكتاب: "ولا يجوز في الحَيَوَانَاتِ إِلاَّ في الغَنَم، فَإِنَّهُ طَعَامٌ" ثُمَّ ما يُذْبَحُ منها يجب رَدُّ جِلدِهِ إلى المَغْنَمِ، إِلاَّ ما يُؤْكَلُ منها مع اللَّحْمِ، ولا يجوز لِلذَّابح أَن يَتَّخِذَ من الجِلْدِ سِقَاءً، أو حِذَاءً أو شِرَاكاً، ويستعمله، ولو فعل رَدَّ المَصْنُوع كذلك ولا شَيْءَ له، وإن زَادَتْ قِيمَتُهُ بالصّنعَةِ، وإن نقص فعليه الأَرْشُ، وإن استعمله مُدَّةً، فعليه الأجْرَةُ.
وفي وجوب قِيمَةِ اللَّحْمِ إذا ذُبحَ الحَيَوَانُ المُجَوَّزُ ذَبْحُهُ وجهان:
في وجه: يجب لِنُدُورِ الحَاجَةِ إلى الذَّبْحِ، والأَصَحُّ المَنْع كما في الأَطْعِمَةِ، ودعوى النُّذُورِ مَمْنُوعَةٌ.
وقوله في الكتاب: "ولا يجب قِيمَةُ اللَّحْمِ، وإن أمكن سَوْقُ الغَنَم على أظهر الوجهين" أراد به هَذَيْنِ الوجهين، لكنَّهُ لَمَّا خَصَّصَ جَوَازَ الذَّبْحِ بالغَنَمِ أعادَ هاهنا ذِكْرَ الغَنَم، وقد يشير قوله: "وإن أمكن سَوقُ الغنم" إلى تَخْصِيصِ الوَجْهَيْنِ بما إذا أمكن السَّوْقُ، وإلى القَطْعِ بَأنَّهُ لا تجب القِيمَةُ إذا لم يمكن السَّوْقُ، ولا يبعد عن قول من يَمْنَعُ من ذِبْحِ ما سوى الغَنَمِ أن يمنع من ذَبْحِ الغَنَمِ التي يمكن سَوْقُهَا.
الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الأَخْذِ، وَقَدْرِ المَأْخُوذِ.
ويجوز أَخْذُ العَلَفِ والطَّعَامِ لمن يَحْتَاجُ إليه، وإن كان معه ما يُغْنِيهِ عنها، فوجهان.147148
الجزء: 11 - الصفحة: 429
عن ابن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لا يَجُوز لاسْتِغْنَائِهِ عن أخذ حَقِّ الغَيْرِ.
والأَصحُّ: وهو المذكور في الكتابِ -أَنَّهُ يَجُوزُ لإطْلاَقِ الأَخْبَارِ والآثَارِ الوَارِدَةِ في الباب، وكل من أخذ يَأْخُذُ بقدر كفَايَتِهِ، ويحتمل تَفَاوُتُ الرَّغْبَة والزهادة، كما يحتمل تَفَاوُتُ المشاهدين في السَّفَرِ لِلْحَاجَةِ.
قال في "التَّهْذِيبِ": ولهم التَّزَوُّدُ بِقَطْع المَسَافَةِ بين أيديهم، ولو أَكَلَ واحِدٌ فوق الحَاجَةِ، فقد حكى القَاضي الرُّوَيانِيُّ عن النصِّ أَنَّهُ يُؤَدّي ثمنه إلى المَغْنَمِ، وإذا كانت معه دَابَّتانِ فَصَاعداً، فله أن يَأْخُذَ العَلَفَ لهما.
وفيه وجه: أَنَّهُ لا يَأْخُذُ إِلاَّ لواحدةٍ كما لا يهم إِلاَّ لِفَرَسٍ واحد، ولو أخذ بَعْضُ الغَانِمِينَ فَوْقَ الحاجةِ، وأضاف به غَانِمًا آخر، أو غانمين، فلا بَأْسَ به، وليس فيه إِلاَّ أَنَّهُ تَوَلَّى الطَّبْخَ والإِصْلاَحَ للطعام الذي يحتاج إليهما وتحمّل التعب، وليس له أن يُضِيفَ به غير الغَانِمِينَ، فإن فعل فعلى الآكل الضَّمَانُ، والمُضِيفُ كَمَنْ يُقَدِّمُ الطَّعَامَ المَغْصُوبَ إلى الضَّيْفِ فيأكله، فينظرُ أهو عَالِمٌ بالحَالِ أَوْ جَاهِلٌ.
والحُكْمُ على ما ذكرنا في "الغَصْبِ".
ولو أَتْلَفَ بَعْضُ الغانمين من طَعَامِ الغَنِيمَةِ شَيْئًا كان كما لو أَتْلَفَ مَالاً آخر فَيُرَدُّ الضَّمَانُ إلى المَغْنَمِ؛ لأَنَّهُ لم يستعمله في الوجه المسوغ شَرْعًا، وما يأخذه لا يملكه بالأَخْذِ، ولكن أُبِيحَ له الأَكْلُ والأَخْذُ كالضَّيْفِ، ذكره الإِمَامُ وغيره.
ولو لَحِقَ الجُنْد مُدَدٌ بعد انْقِضَاءِ القِتَالِ وحِيَازَةِ الغَنِيمَةِ هل لهم التَّبَسُّطُ في أَطْعِمَتِهَا، أطلق الإِمَامُ، وصاحِبُ الكتاب فيه وجهين:
وَجْهُ الجواز: الحاجةُ لِحُضُورِهِ في دار الحرب التي هي مَظَنَّةُ عزةِ الطَّعَامِ.
وأصحهما: المنع؛ لأنَّهُ معهم كَغَيْرِ الضيف مع الضيف.
ولم يُورِدْ "صاحِبُ التهذيب" سوى وجه المنع، وهو مُوَافقٌ لما ذكرنا في "قِسْمَةِ الغَنَائِم" أَنَّ مَنْ لَحِقَ الجُنْدَ في دَارِ الحَرْب بعد حِيَازَةِ الغَنِيمَةِ لا يشاركهم في الغَنِيمَةِ، وإن لَحِقَ قَبلَ الحِيَازَةِ، فَأصَحُّ الوجهين أَنَّ الجَوَابَ كذلك.
ومن دَخَلَ من الغانمين دَارَ الإسْلاَمِ وقد فضل مما أَخَذَهُ شيء، ففي وُجُوبِ رَدِّ الفَاضِلِ إلى المَغْنَمِ طريقان:
أحدهما: أَنَّ فيه قولين:
أصحهما: وهو الذي نَقَلَهُ المُزَنِيُّ أنَّهُ يَجِبُ لِزَوَالِ الحَاجَةِ وكون المَأْخُوذ مُتَعَلَّقَ حَقِّ الجميع.
الجزء: 11 - الصفحة: 430
والثاني: لا يجب؛ لأنَّهُ أَخَذَهُ وهو مُحْتَاجٌ إليه، فَأشْبَهَ الصَّيْدَ والحَطَبَ.
والثاني: وبه قال الشيخ أبو مُحَمَّدٍ: أَنَّ الكَبِيرَ الذي له قِيمَةٌ مَرْدُودٌ لا مَحَالَة، والخِلاَف في القليلِ الذي لا يُبَالَى به كَكِسَرِ الخُبْزِ، وبَقِيَّةِ التِّبْن في المَخَالِي، وَرَجَّحَ مُعْظَمُ الأَصْحَاب الطَّرِيقَ الأَوَّلَ، والذي أَوْرَدَهُ في الكتاب الثاني، وجعل الخِلاَفَ وجهين.
والمشهور القولان، ويْحْصُلُ من الطَّرِيقَيْنِ عند الاخْتِصَارِ ثلاثة أقوالٍ.
ثالثها: الفَرْقُ، ويُحْكَى الفَرْقُ عن مَالِكٍ، وأحمد، وعن أبي حنيفة أنَّهُ إن كان ذلك قبل القِسْمَةِ رَدَّهُ إلى المَغْنَمِ، وإن كان بعدما بَاعَهُ، وتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ، وإذا أَوْجَبْنَا رَدَّ الفَاضِلِ، فإن لم تُقَسَّمِ الغنيمة بعد رده إلى المغنم، وإن قُسِّمَت رَدَّهُ إلى الإِمام، ثُمَّ إن أمكن تَفْرِيقُهُ كما فُرّقَتِ الغَنِيمَةُ، فذاك وإلاَّ ليعرف الغانمين نزَارَةَ ذلك المِقْدَارِ.
وعن الصيدلاني: أَنَّهُ يُجْعَلُ في سَهْمِ المَصَالِحِ.
الفَصْلُ الثَّالِثُ
في مكان التبسُّطِ وهو دَارُ الحَرْب التي يَعِزُّ فيها الأَطْعِمَةُ على المُسْلِمِينَ، فإذا انتَهَوْا إلى عُمْرَانِ دَارِ الإِسْلاَمِ، وتَمَكَّنُوا من الشِّرَاءِ أَمْسَكُوا, ولو خرجوا عن دَارِ الحَرْبِ، ولم ينتهوا إلى عُمْرَانِ دَارِ الإسْلاَمِ، فوجهان:
أشبههما -وبه أجاب الرّوَيانِيُّ: جواز التَّبَسُّطِ؛ لبقاء الحاجة الدَّاعِيَةِ إليه، فإنهم لا يَجِدُونَ من يَشْتَرُونَ منه ولا يُصَادِفُونَ 149 سُوقًا.
والثاني: المَنْعُ؛ لأن مَظِنَّةَ الحَاجَةِ دَارُ الحرب، فَيُنَاطُ الحُكمُ به، وعلى العَكْسِ لو وَجَدُوا سُوقًا في دَارِ الحَرْبِ، وتَمَكَّنُوا من الشِّرَاء فقد ذكر صَاحِبُ الكتاب في جَوَازِ التَّبَسُّطِ وَجْهَيْنِ لانْعِكَاسِ التوجيهين.
ورأى الإمَامُ القَطْعَ بالجَوَازِ والحالة هذه، وقال: لم أَرَ أحداً يمنع التَّبَسُّطَ بهذا السَّبَبِ، ونَزَّلُوَا دَارَ الحرب في أَمْرِ الطعام منزلة السَّفَرِ في الرُّخَصِ، فإن الرُّخَصَ وإن أثبتت كمشاق السفر، فالمترفَّه الذي لا كُلْفَةَ عليه يُشَارِكُ فيها المشقوق عيله، وذكر أنه لو كان لِجَمَاعَةٍ من الكُفَّارِ معنا مُهَادَنَةٌ، وكانوا لا يَمْتَنِعُونَ مِنَ المُبَايَعَةِ وَالمُشَارَاةِ مع الذين يَطْوُقُونَهُمْ من المسلمين، فالأظهر وُجُوبُ الكَفِّ عن أَطْعِمَةِ المَغْنَم، وإن لم تكن دِيَارُ المُهَادِنِينَ معزية 150 إلى دَارِ الإسْلاَمِ والبلاد التي يَقْطُنُهَا أهل الذِّمَّةِ أو العَهْدِ، وهي في قَبْضَةِ المسلمين بِمَثَابَةِ دَارِ الإِسْلاَمِ فيما نحن فيه للمتمكِّنِ من الشراء منهم.
الجزء: 11 - الصفحة: 431
ونَخْتِمُ هذه الفُصُولَ بفروع: منها: وهو المذكور في الكتاب: ليس للغانم أن يُقْرِضَ ما أَخَذَهُ من الطَّعَامِ أو العَلَفِ من غير الغَانِمِينَ، أو يَبِيعَهُ، وإن فعل، فعلى مَنْ أَخَذَهُ رَدُّهُ إلى المَغْنَمِ، وإن أَقْرَضَهُ غَانِمًا آخر، ففيه وجهان:
أحدهما: أن للمقرض مُطَالَبَةَ المُسْتَقْرِضِ بِعَيْنِهِ، أو بِمِثْلِهِ ما داما في دَارِ الحَرْبِ؛ لأنه إذا أَخَذَ صار أَحَقّ به، ولم تَزُلْ يَدُهُ عنه إلا بِبَدَلٍ.
والثاني: وهو الذي ذكره الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ: أنه لا مُطَالَبَة، ولا يَلْزَمُهُ الرَّدُّ؛ لأن المُسْتَقْرِضَ من أهل الاسْتِحْقَاقِ.
وأيضاً فإذا حَصَلَ في يَدِهِ، فكأنه أَخَذَهُ بنفسه.
والوجه الثاني أَصَحُّ عند الإِمام، ونَظْمُ الكتاب يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الأول، وبه قال أكثرهم، وحَكَوهُ عن نَصِّهِ في سِيَرِ الوَاقِدِيِّ.
والوجهان مُتَّفِقَانِ على أنه لَيْسَ ذلك قَرْضًا مُحَقّقاً؛ لأن الآخِذَ لا يَمْلِكُ ما يَأْخُذُهُ حتى [يملكه] 151 لغيره، ولذلك قال صَاحِبُ الوَجْهِ الأول: إِنه يُطَالِبُهُ بِرَدِّ مثله من المَغْنَمِ لا من خَاصِّ مِلْكِهِ.
ولو رَدَّ عليه مَنْ خَالِصِ مِلْكِهِ لم يَأْخُذْهُ المقرض؛ لأن غَيْرَ المَمْلُوكِ لا يقابل المَمْلُوكَ، حتى لو لم يكن في المَغْنَمِ طَعَامٌ آخر تَسْقُطُ المطَالَبَةُ، وإذا ردّ من المَغْنَمِ صار الأَوَّلُ أَحَقَّ به؛ لحصوله في يَدِهِ.
وعلى الوجه الأَوَّلِ إذا دَخَلُوا دَارَ الإسْلاَم انْقَطَعَتْ حُقُوقُ الغانمين عن أطْعِمَةِ المَغْنَمِ، فيرد المُسْتَقْرِض على الإِمام.
وإذا دخلوَا دَارَ الإسْلاَمِ، وقد بقي عين المُسْتَقْرَضِ في يد المُسْتَقْرِضِ، بُنِيَ ذلك على أن البَاقِي من طَعَامِ المَغْنَمِ هل يجب رَدُّهُ إلى المَغنَمِ؟
إن قلنا: نعم.
رَدهُ إلى المَغنَمِ.
وإن قلنا: لا.
فإن جَعَلنَا لِلْقَرْضِ اعْتِبارًا، فيرده إلى المُقْرِضِ.
وإن قلنا: لا اعتبار له، فلا يَلْزَمُهُ شيء.
هذا ما يُوَافِقُ اخْتِيَارَ الشيخ أبي حَامِدٍ، لكن المَحْكِيَّ عنه هاهنا أنه يَرُدُّهُ إلى المُقْرِضِ.
ومنها: أنه لو بَاعَ الغَانِمُ ما أَخَذَهُ من غَانِمٍ آخر، فهذا إِبْدَالُ مُبَاحٍ بِمُبَاحٍ، وهو كإبدال الضَّيفَانِ لُقْمَةً بلُقْمَةٍ، وكل واحد منهما أَوْلى بما تَنَاوَلَه من يَدِ الآخر، ولو تَبَايَعَا صَاعًا بِصَاعَيْنِ لم يكنَ ذلك رِبًا؛ لأنه ليس بِمُعَاوَضَةٍ محققة 152، بل هو كما لو كان في
الجزء: 11 - الصفحة: 432
يد عَبْدِهِ طَعَامٌ فَتَبَايَعَا صَاعًا بِصَاعَيْنِ.
قال الإِمام: ومن جَعَلَ لِلْقَرْضِ اعْتِبَارًا يَلْزَمُهُ أن يجعل للبيع اعْتِبَارًا حتى يجب على الآخِذِ تَسْلِيمُ صَاعٍ إلى بَائِعِهِ.
وإن تَبَايَعَا صَاعًا بِصَاعَيْنِ، فإن سلم بَائِعُ الصَّاعِ الصَّاعَ لم يملك إلاَّ طَلَبَ صَاعٍ بسببها بالقَرْضِ، وإن سلم للآخر الصَّاعَيْنِ لم يطلب إلا صَاعًا، ويحمل الزَّائِدُ على البَذلِ والإيثار.
ومنها قَضِيَّةُ ما يكون المَأْخُوذُ مُبَاحاً للغانم غَيْرَ مملوك أنه لا يجوز له ألا يَأْكلَ طَعَامَهُ، ويصرف المَأْخُوذَ إلى حَاجَةٍ أخرى بَدَلاً من طَعَامِهِ، بخلاف مثله في الزكاة، كما لا يتصرف [الضيف] فيما قدم إليه بالأَكْلِ.
ومنها: قال الإمَامُ: إذا قَلَّ الطَّعَام واسْتَشْعَرَ قَائد الجُنْدِ الازْدِحَامَ والتَّنَازُعَ عليه، جعله تحت يده وَقَسَّمَهُ على المُحْتَاجِينَ على مِقْدَارِ الحَاجَاتِ، وله أن يمنع من مُزَاحَمَةِ أصحاب الحَاجَاتِ من معه ما يكفيه.
قال الغَزَالِيُّ: (وَالحُكْمُ الثَّانِي لِلغِنِيمَةِ) أنَّهُ يَسْقُطُ بِالإِعْرَاضِ قَبْلَ القِسْمَةِ وَلاَ يَسْقُطُ بَعْدَهَا* وَهَلْ يَسْقُطُ بَعْدَ إِقْرَار الخُمُسِ؟ فِيهِ خِلاَفٌ* وَالظَّاهِرُ أنَّهُ يَسْقُطُ* وَقَوْلُهُ: اخْتَرْتُ الغَنِيمَةَ هَلْ يَمْنَعهُ عَنِ الإعْرَاضِ بَعدَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ* وَلَوْ أَعْرَضَ جَمْعُ الغَانِمِينَ لَمْ يَصِحَّ عَلَى وَجْهٍ* وَيَنْصَرِفُ إِلَى مَصْرَفِ الخُمُسِ عَلَى وَجْهٍ* وَإعْرَاضُ ذَوِي القُرْبَى بِأجْمَعِهِمْ عَنْ سَهْمِهِمْ لاَ يَصِحُّ علَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ* وَيَصِحُّ إِعْرَاضُ المُفْلِسِ وَإنْ أَحَاطَتْ بِهِ الدُّيُون* وَلاَ يَصِحُّ إِعْرَاضُ السَّفِيهِ* وَلاَ يَصِحُّ إِعْرَاضُ الصَّبِيِّ إلاَّ إِذَا بَلَغَ قَبْلَ القِسْمَةِ* وَلاَ يَصِحُّ إِعْرَاض العَبْدِ عَنِ الرَّضْخِ* وَيصِحُّ إِعْرَاضُ سَيِّدِهِ* وَفِي صِحَّةِ الإعْرَاضِ عَنِ السَّلَبِ وَالسَّالِبُ مُتَعَيَّنٌ وَجْهَانِ.
قال الرَّافِعِيُّ: ومن أَحْكَام الغَنِيمَةِ أنه يَسْقُطُ حَقُّ الغَانِم بالإعْرَاض عن الغَنِيمَةِ، وتركها قبل القِسْمَةِ، ووجه بأنَ المَقْصُودَ الأَعْظَمَ في الجِهَادِ إعْلاَءُ الدِّينِ والذَّبِّ عن المِلّةِ، والغَنَائِمُ تابعة فمن أَعْرَضَ عنها فَقَدْ أَخْلَصَ بَعْضَ الإِخْلاَصِ وجرد قَصْدَهُ لِلْمَقْصَدِ الأَعْظَمِ، وأن الغنيمة لا يملكها الغانم قبل القِسْمَةِ، وإنما يملك أن يَتَمَلَّكَ، فَالحَقُّ فيه كَحق الشُّفْعَةِ، وفي هذا خِلاَفٌ سَيَأْتِي إن شاء الله تعالى على الأَثَرِ، وقد تركت التوْجِيهَ فيهما فيقال: إن لم يملك، فهو كَحَقِّ الشفْعَةِ، وإن ملك فما يَنْبَغِي أن يكون مُسْتَقِرًا، ليتمكن من تمحيض الجِهَادِ لِغَرَضِهِ الأعظم.
ولو قال أحدهم: وَهَبْتُ نَصِيبي من الغانمين، ففيه وجهان عن أبي إِسْحَاقَ: أنه يَصِحُّ، ويكون إِسْقَاطُهُ لِحَقِّهِ الثَّابِتِ له.
عن ابن أبي هُرَيْرَةَ أنه إن أراد الإسْقَاطَ فذاك، وإن أراد التَّمْلِيكَ لم يصح؛ لأنه مَجْهُولٌ، وهذا قوي.
وفي "الشَّامل": أن الأَصَحَّ الأَوَّلُ، وأما بعد القِسْمَةِ فَيَسْتقِرُّ المِلْكُ ويسقط
الجزء: 11 - الصفحة: 433
بالاعْرَاضِ؛ كسائر الأَمْلاَك، ولو أفرز الخمس، ولم يقسم الأخماس الأربعة بَعْدُ، ففي صِحَّةِ الإِعْرَاضِ وَجْهَانِ -ويقال: قولان:
الثاني فيهما مُخَرَّجٌ.
أصحهما: أنه يصح؛ لأن [إِفْرَازَ] 153 الخُمُسِ لا يعين حقّ الوَاحِدِ بالواحد من الغانمين [حقه منهم] فيلزمهم في حُقُوقِهِم على ما كانوا من قبله.
والثاني: ويُنْسَبُ إلى ابن سُرَيْج: أنه لا يَصِحُّ؛ لأن بِإفْرَازِ الخُمُسِ تَتَمَيَّزُ حُقُوقُهُمْ عن الجِهَاتِ المانعة 154، ويَصِيرُ الثاني لهم كَسَائِرِ الأموال المشتركة.
قال الإمَامُ: والذي أراه في تَنْزِيل القَوْلِ المُخَرَّج تَخْصِيصهُ بما إذا اسْتَقْسَمَ الغَانِمُونَ الإمَامَ، فإنه يُشْعِرُ باختيار التمَلُّكِ، وتَأْكِيدِ الحَقّ، دون ما اسْتَبَدَّ الإِمام بإفراز الخمس، فَإنهم لم يحدثوا ما يُشْعِرُ بِقَصْدِ التَّمَلُّكِ، ومن قال: اخترت الغَنِيمَةَ، هل يمنعه ذلك من الإِعْرَاضِ؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ فقد يتغير الرَّأيُ في الشَّيْءِ المَعْزُوم عليه، والاستقرار لا يحصل قبل القسمة.
والثاني: نعم -كما أن مَنْ له الخِيَارُ في العُقُودِ إذا اخْتَارَ أحد الطرفين لا يعدل إلى الآخر، ولَعَلَّ هذا أشْبَهُ، ولو أعرض الغَانِمُونَ بأجمعهم، ففي صِحَّةِ إِعْرَاضِهِمْ وجهان:
أحدهما: لا يصح؛ لأنا لو صَحَّحْنَا لَصَرَفْنَا حُقُوقَهُمْ إلى مَصَارِفِ الخُمُسِ، وليس لتلك المَصَارِفِ إلا الخُمُسُ على ما قال الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ...﴾ [الأنفال: 41] الآية.
وأَصَحُّهُمَا: وبه أجاب في "التهذيب" أنه يَصِحُّ ويصرف الأخماس الأربعة إلى مَصَارِفِ الخُمُسِ؛ لأن المَعْنَى المُصَحِّح لِلإعْرَاضِ يشمل الوَاحِدَ والجمع، وأما الخُمُسُ لما سوى ذَوِي القُرْبَى من مَصَارِفِهِ جهات عامة لا يفرض فيه إعْرَاضٌ، وفي صِحَّةِ إِعْرَاضِ ذَوِي القربى عن سَهْمِهِمْ وجهان:
أحدهما: يَصِحَّ كما يَصِحُّ إِعْرَاضُ الغَانِمِينَ.
وأظهرهما: على ما ذكره الإِمَامُ: المَنعُ، ووجه بأن سَهْمَهُمْ مِنْحَةٌ أثبتها الله -تعالى- لهم من [غير] 155 مُعَانَاةٍ وشهود وَقْعَةٍ، فليسوا كالغانمين الذين يحمل شهودهم
الجزء: 11 - الصفحة: 434
على إعْلاَءِ كلمة الله -تعالى- والمُفْلِسُ الذي حَجَرَ عليه القَاضِي لإحَاطَةِ الدُّيْونِ به، يصح إِعْرَاضُهُ؛ لأن اخْتِيَارَ التَّمَلُّكِ بِمَثَابَةِ ابْتِدَاءِ الاكْتِسَابِ؛ وليس على المُفْلِسِ الاكْتِسَابُ.
وأيضاً فالإعْرَاضٌ بِمحْضِ الجِهَادِ لِلدَّارِ الآخرة، والمُفْلِسْ فيه كغيره.
قال الإِمام: ولو كان الغَانِمُ سفِيهاً مَحْجُورًا عليه، ففي صِحَّةِ إِعْرَاضِهِ تَرَدُّدٌ، ولَعَلَّ الظَّاهِرَ أن حَقَّهُ يلزم وليس له إِسْقَاطُ المِلْكِ، أو إِسْقَاطُ حَقِّ المِلْكِ، فلو صار رَشِيدًا قبل القِسْمَةِ، وانْفَكَّ الحَجْرُ عنه، صَحَّ إعْرَاضُهُ، ولا يَصِحُّ إِعْرَاضُ الصَّبِيِّ عن الرَّضْخ، ولا إعراض الولي عنه، فإن بَلَغَ قبل القَسْمَةِ، صَحَّ إِعْرَاضهُ، ولا يَصِحُّ إعراض العبد 156 عن الرضخ، ويصح إعراض سيده فإنه حقه وهل يَصِحُّ إِعْرَاضُ السَّالِبِ عن السَّلَبِ؟.
فيه وجهان عن رِوَايَةِ الشَّيْخِ أبي محمد:
أحدهما: نعم كَإِعرَاضِ سائر الغَانِمِينَ عن الغَنِيمَةِ.
والثاني: لا؛ لأنه متعين عليه لتَعين الحِصَصِ بالقِسْمَةِ.
وأيضاً فإنه لما كان مُتَعَينًا كان شَبِيهًا بالوَارِثِ، وإلى هذا التَّوْجِيهِ أشار بقوله في الكتاب "والسالب متعين" وشَبَّهَ الإِمام هذا الخِلاَفَ بالخلاف في إِعْرَاضِ جميع الغانمين عن الغنيمة فإن جُمْلَةَ المَغْنُومِ مُتَعَيِّنَةَ لهم، وقد يرجّح الثاني، وُيؤَيِّدهُ ظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ قَتَلَ قَتيلاً فَلَهُ سَلَبُهُ" 157.
قال الغَزَالِيُّ: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنِ الغَنِيمَةِ قُدِّرَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ وَقُسِّمَ عَلَى البَاقِينَ.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه ثَلاثُ مسائل:
إحداها: الصحيح أن من أعرض عن الغنيمة يقدر، كأنه لم يحضر مع القَوْمِ، ويُقَسَّمُ المَالُ خُمُسًا وأَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ، وفيه وجه: أن نَصِيبَ المُعْرِض يضم إلى الخُمُسِ؛ لأن المَغَانِمَ في الأَصْلِ لله -تعالى- على ما قال تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 1] فمن أعرض رجعت حِصَّتُهُ إلى أصلها، فيجوز أن يُعَلَّمَ لهذا قوله: "على الباقين" بالواو، والمراد بالبَاقِي بَاقِي المُسْتحقّ، لا باقي الغانمين.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الإعْرَاضِ قَامَ الوَارِث مَقَامَهُ* وَمِنْ هَذَا نَشَأ خِلاَفٌ فِي المُلْكِ فَفِي قَوْلٍ لاَ تُمْلَكُ الغَنِيمَةُ إلاَّ بِالْقِسْمَةِ* وَفِي قَوْلٍ: تُمْلَكُ بِالاسْتِيلاَءِ مِلْكًا ضَعِيفًا
الجزء: 11 - الصفحة: 435
ويَسْقُطُ بِالإعْرَاضِ* وَفِي قَوْلٍ هُوَ مَوْقُوفٌ إِلَى القِسْمَةِ وَالإعْرَاضِ.
قال الرافِعي: إذا مَاتَ وَاحِدٌ من الغانمين، ولم يعرض، انْتَقَلَ حَقُّهُ إلى الوَرَثَةِ؛ لأنه ثَبَثَ له مِلْكٌ، أو حَقُّ ملك، وَكُل موروث إن شَاءُوا أَعْرَضُوا، وإن شَاءُوا طلبوا.
الثالثة: هل يملك الغَانِمُونَ الغَنِيمَةَ قبل القِسْمَةِ؟ فيه ثلاثة أوجه جمعها صاحب "التقريب":
أظهرها: وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ: أنه لا مِلْكَ لهم قبل القِسْمَةِ، وإنما يملكون أن يملكوا بدليل صِحَّةِ الإِعْرَاض، كما شاءوا, ولو مَلَكُوا بالاسْتِيلاَءِ لما سَقَطَ مِلْكُهُمْ بالإِعْرَاضِ، كملك من احْتَشَّ أو احْتَطَبَ.
وأيضاً فالإمام أن يَخُصُّ كُلَّ طَائِفةٍ بِنَوْعٍ من المال، ولو مَلَكُوا لم يَجُزْ إبْطَال حَقِّهِمْ عن بعض الأنْوَاعِ بغير اختيارهم.
والثاني: يملكون [بالحِيَازَةِ] 158 والاسْتِيلاَءِ التَّامِّ؛ لأن الاسْتِيلاَءَ على ما ليس بِمَعْصُومٍ بين الأموال سَبَبٌ لِلْملْكِ، وأيضاً فإن مِلْكَ الكافر يَزُولُ بالاسْتِيلاَءِ، ولو لم يملكها المُسْلِمُونَ لكان ذلك مِلْكاً لا مَالِكَ له.
نعم هو مِلْكٌ ضَعِيفٌ يَسْقُطُ بالإعراض، ولذلك نقول: لا تَجِبُ الزَّكَاةُ فيه مِثْلَ اخْتيَارِ التَّمَلُّكِ على الأظهر.
والثالث: أن مِلْكَهُم مَوْقُوفٌ إن سلمت الغنيمة إلى أن اقتسموا بَانَ أنهم مَلَكُوهَا بِالاسْتيَلاء, إلا فإن تَلِفَتْ أو أعرضوا تَبَيَّنَّا عَدَمَ المِلْكِ، ووجه بأن قَصْدَ الاسْتِيلاَءَ على المال لا يَتَحَقَّقُ إلا بالقِسْمَةِ؛ لما سَبَقَ أن المَالَ تَابِعٌ في الجهاد، والغَرَضُ الأَصْلِيُّ إِعْلاءُ كلمة الله -تعالى- فإذا اقْتَسَمُوا تبينا قَصْدَ التملك بالاسْتيلاَءِ، فَتَبَيَّنَ حصولُ المِلْكِ.
قال الإِمام -رحمه الله-: وإذا قُلْنَا بالوَقْفِ فلا نقول: تبين بالقِسْمَةِ أن حِصَّة كل واحد من الغَانِمِينَ على التعيين صارت مِلْكاً بالاستيلاء، ولكن نقول: إذا اقْتَسَمُوا تبينَّا أنهم مَلَكُوا الغَنَائِمَ أَوَّلاً مِلْكاً مَشَاعًا، ثم بالقِسْمَةِ تَتَمَيَّزُ الحِصَصُ وعن رواية صاحب "التقريب" وَجْهٌ بَعِيدٌ أنه يتبين بالقِسْمَةِ أن كُلَّ وَاحِدٍ منهم مَلَكَ حِصَّتَهُ على التعيين.
وقوله في الكتاب: "ومن هذا نَشَأَ الخِلاَفُ في المِلْكِ" يعني في الصُّورَتَيْنِ المذكورتين من قبل، وهو أنه يَجُوزُ الإعْرَاضُ، وأنه إذا مات قام وَارِثُ الغَانِم مَقَامَهُ وأن جَوَازَ الإِعْرَاضِ قبل القِسْمَةِ يَدُلُّ على عَدَم المِلْكِ حينئذ، واحتج بقيام الوَارِثِ مَقَامَهُ على ثُبُوتِ المِلْكِ، إلاَّ أن هذا الاحْتِجَاجَ لا يَتَّضِح؛ لأن حَقَّ المِلْك مَوْرُوثٌ لحقيقة
الجزء: 11 - الصفحة: 436
المِلْك، وتَسَاهَلَ صَاحِب الكتاب في التعيين عن الخِلاَفِ بالأَقْوَالِ، والمشهور الوجوه.
ونختم الفَصْلَ بفائدتين:
إحداهما: في كلام الأَصْحَاب تصريح بأن الغَانِمِينَ، وإن لم يملكوا الغَنَائِمَ، فمن قال منهم: اخترت مِلْكَ نصيبي منَ الغنيمة ملكه، وقد بَيَّنَّا ذلك في "كتاب الزكاة" عند ذكر الزَّكَاةِ في الغنيمة، وإذا كان كذلك، فالاعْتِبَارُ باخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ لا بالقسمة، إنما يعتبر لتضمنها اختيار التملك، وَيتَأيَّدُ هذا الوَجْهُ الذي فسر أنه إذا اختارا الغَنِيمَةَ لا يَصِحُّ الأعراض بعده.
والثانية: ذكر هاهنا، وفي "الزكاة" أن للإمام أن يُقَسِّمَ [الغَنِيمَةَ] 159 قسمة تحكم، فيخصّ بعضهم ببعض الأَنْوَاعِ، وببعض الأَعْيَانِ، وحينئذ فإذا قلنا: إن المِلْكَ يَسْتَقِرُّ بالقِسْمَةِ، فيريد به غَالِبَ الأمْرِ، وهو ما إذا رَضِيَ الغَانِمُ بالقِسْمَةِ وقبل ما عَيَّنَه الإِمام.
فأما إذا أعرض ورد، فينبغي أن يَجُوزَ له ذلك.
وذكر صاحب "التهذيب" خِلاَفًا في هذه الصورة، فقال: إذا أَفْرَزَ الإِمام الخُمُسَ وأفرز نَصِيبَ كُلِّ واحد منهم أو أفرز لكل طَائِفَةٍ شَيْئًا مَعْلُومًا، فهل يَمْلِكُونَ قبل اختيار التَّمَلُّكِ؟.
فيه وجهان:
الأصح أنهم لا يَمْلِكُونَ حتى لو تَرَكَ بعضَهم حَقَّهُ، ينزل إلى الباقين.
قال الغَزَالِيُّ: وَيَتَفَرَّعُ عَلَى الأَقْوَالِ مَسَائِلُ: (الأُولَى) أنَّهُ لَوْ وَقَعَ في المَغْنَم بَعْضُ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى الغَانِمِينَ لَمْ يُعْتَقْ حِصَّتُهُ مَا لَمْ يَقَعْ فِي حِصَّتِهِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ عَنِ الإعْرَاضِ* وَلَو اسْتَوْلَدَ جَارِيةً وَقُلْنَا: لاَ يَمْلِكُ فَلاَ حَدَّ وَلاَ يَنْفُذُ الاِسْتِيلادُ فِي نَصِيبِهِ* فَإنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ فَفِي نُفُوذِهِ فِي حِصَّتِهِ وَجْهَانِ* وَقِيلَ: إنْ قُلْنَا يَمْلِكُ لِضَعْفِ المِلْكِ نَفَذَ* وَإنْ قُلْنَا: لاَ يَمْلِكُ فَقَوْلاَنِ كَاسْتِيلاَدِ الأَبِ جَاريةَ الابْنِ* وَمِنْ هَذَا خُرِّجَ قَوْلٌ فِي أَنَّ نَصِيبَهُ مِنَ القَرِيب يُعْتَقُ عَلَيْهِ* وَإِنْ نَفَذَ فِي نَصِيبِهِ وَهُوَ مُوسِرٌ بِمَا يَخُصُّهُ مِنَ الغَنِيمَةِ أَوْ لِغَيْرِهِ سَرَى وَالوَلَدُ حُرٌّ (ح) جَمِيعُهُ* وَفِي وُجُوب حِصَّةِ غَيْرِهِ مِنْ قِيمَةِ الوَلَدِ قَوْلاَنِ بَنَاءً عَلَى أنَّهُ يَنْتَقِلُ المِلْكُ إِلَيْهِ قُبَيْلَ العُلُوقِ أو بَعْدَهُ كَمَا فِي الجَارَيةِ المُشْتَرَكَةِ* وَوَلَدُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ حُرٌّ وَنَسِيبٌ (ح) وَلَكِنْ لَوْ كَانَ مُعْسِرًا وَوَقَفَ الاسْتِيْلاَدُ عَلَى بَعْضِهِ فَيُعْتَقُ جَمِيعُ الوَلَدِ أَوْ بَعْضُهُ فيهِ خِلاَفٌ* وَيَجْرِي فِي وَلَدِ الجَارِيَةِ المُشْتَرَكةِ لَكِنَّ الأَظْهَرَ أَنَّ الشَّركَةَ شُبْهَةٌ تَوجِبُ حُرِّيَّةَ الوَلَدِ* نَعَمْ مَنْ نِصْفُهَا حُرٌّ وَنصْفُهَا رَقِيقٌ فَوَلَدُهَا يَتَبَعَّضُ فِي الرِّقِّ إِذْ لاَ شُبْهَةَ* وَأَمَّا الحَدُّ فَلاَ يَجِبُ* وَالمَهْرُ يَجِبُ جَمِيعهُ إِنْ قُلْنَا: إنَّهُ لاَ مِلْكُ لَهُ وَيُوضَعُ
الجزء: 11 - الصفحة: 437
في المَغْنَمِ* وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ حُطَّ عَنْهُ قَدْر حِصَّتِهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: ذكر في "الوسيط" مفرّعًا على الخِلاَفِ المذكور في مِلْكِ القِسْمَةِ ثلاث مسائل:
إحداها: فيما إذا سَرَقَ بَعْضُ الغانمين من الغنيمة.
والثانية: فيما إذا وَقَعَ في المَغْنَمِ بَعْضُ من يعتق على بعضهم.
والثالثة: فيما إذا وَطِئَ بَعْضُهُم جَارِيَةٌ من المَغْنَم واسْتَوْلَدَهَا وهاهنا ذكر أنه يَتَفَرَّعُ على الأقوال مَسَائِل الأولى كذا لكنه لم يعقب الأولى بثانية وثالثة بل أهمل الأُولَى، وأَخْلَطَ الكلام في عِتْقِ القريب بالاسْتِيلاَدِ، ويمكن تَنْزِيلُ المَسَائِلِ على غير ما رتب في "الوسيط" وحملها على صوَرِ الكتاب، وإن لم يَتَلَفَّظْ بالثانية والثالثة، ونحن نُورِدُ فِقْهَ المَسَائِلِ الثلاث مُتَوَجِّهِينَ للاخْتِصَارِ:
أما الأولى: فإذا سَرَقَ أحَدُ الغانمين من مَالِ الغَنِيمَةِ قبل إفْرَازِ القِسْمَةِ، لم يقطع حُرًّا كان أو عَبْدًا؛ لأن له في خُمُسِ الخُمُسِ حَقًّا, ولأن له في الأَخْمَاسِ الأَرْبَعَةِ حَقًّا، وإن أَفْرَزَ الخمس، فإن سرق منه لم يُقْطَعْ أيضاً للمعنى الأَوَّلِ، وإن سَرَقَ من الأَخْمَاسِ الأربعة، فإن سَرَقَ قَدْرَ نَصِيبِهِ أو أَقَلَّ أو أكثر لكنه لم تبلغ الزِّيَادَةُ نِصَاباً لم يُقْطَعْ، وإن بَلَغَتْ فوجهان:
أحدهما: أنه يُقْطَعُ، وهذا الوجه ذَكَرْنَاهُ في أن أَحَدَ الشَّرِيكَيْنِ إذا سَرَقَ من المَالِ المشترك ما يَزِيدُ على نَصِيبِهِ بِنِصَابٍ يُقْطَعُ.
وأظهرهما: أنه لا يُقْطَع، وإن حكمنا هناك بالقَطْع؛ لأن حَقَّ كل واحد من الغانمين [متَعَلِّقٌ بجميع المَغْنَمِ؛ لأنه يجوز أن يعرض الباقون] 160 فيكون الكُلُّ له، وعلى كُلِّ حال فيسترد المسروق إن كان بَاقِيًا، وبَدَلَهُ إن كان تَالِفًا، ويجعل في الغَنِيمَةِ، ومن غَلَّ في الغنيمة من الغانمين عُزِّرَ، والذي رَوَى أن رَجُلاً غَلَّ في الغَنِيمَةِ فَأحْرَق النبي -صلى الله عليه وسلم- رِجْلَهُ.
قال الشَّافعي -رضي الله عنه-: لو صَحَّ لَقُلْتُ 161 به، ويريد أنه لم تظهر صِحَّتُهُ، وبتقدير الصِّحَّةِ فقد حمل على أنه كان ذلك في مَبْدَأ الأمر، ثم نُسِخَ، وإن سرق غير الغانمين، نُظِرَ إن كان له في الغَانِمِينَ وَلَدٌ أو والد أو عبد، فهو كسرقة الغَانِم، وإلا فإن سَرَقَ قبل إِفْرَازِ الخُمُسِ، فهو كما لو سَرَقَ مَالَ بَيْتِ المال؛ لأن فيه مالاً لبيت المال
الجزء: 11 - الصفحة: 438
وإن سرق بعد إفْرَازِ الخُمُسِ، فإن سرق من الأَخْمَاسِ الأربعة قُطِعَ، وإن سرق من الخمس قَبْلَ أن يخرج خُمُسُهُ، أو سرق من خُمُسِ المصالح بعد إِفْرَازِهِ، فهو كَسَرِقَةِ مَالِ بَيْتِ المال، وإن سَرَقَ من أربعة أخماسه، لم يُقْطَعْ، إن كان من أَهْلِ اسْتِحْقَاقِهَا، وإلا فوجهان:
أظهرهما: القَطْعُ.
ووجه الآخر: أَنه يَجُوزُ أن يَصِيرَ من أَهْلِ اسْتِحْقَاقِهَا.
وأما المَسْأَلَتَانِ الأخريان [فالرَّأْي] 162 أن نذكر مَسْأَلَةَ الوَطْءِ والاستيلاد، ثم مسألة عِتْقِ القريب، وكذلك وَقَعَتَا في كلام الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- فإذا وَطِئَ أَحَدُ الغانمين جَارِيةً من الغنيمة قبل القسْمَةِ، فلا حَدَّ عليه خِلاَفًا لمالك، ويُوَافِقُهُ قَوْلٌ قديم مَذْكُورٌ في وَطْءِ أَحَدِ الشريكين الجَارِيَةَ المشتركة.
ووجه المذهب أن له فيها مِلْكًا أو شُبْهَةَ مِلْكٍ، فيدفع الحد، كما في وَطْءِ الأَبِ جَارَيةَ الابْنِ، وُيعَزَّرُ إن كان عَالِماً بالتحريم، وإن كان جاهلاً لِقُرْبِ عَهْدِهِ بالإسْلاَمِ، فينهى عنه ويُعَرَّفُ الحُكْمُ، وإذا لم يتعلق به الحَدُّ، فيتعلق به المَهْرُ، وينظر إن كان الغَانِمُونَ مَحْصُورِينَ يَتَيَسَّرُ ضَبْطُهُمْ، فقد ذكر القاضي ابْنُ كَجٍّ والإمام أن حُكْمَ المَهْرِ يُبْنَى على الخِلاَفِ في أن الغَنِيمَةَ هل تُمْلَكُ قبل القِسْمَةِ؟.
إن قلنا: لا، فعليه تَمَامُ مَهْرِ المِثْلِ، يؤخذ ويجعل من المَغْنَمِ، ويقسم كما تُقَسَّمُ الغنيمة.
وإن قلنا: إن كُلَّ واحد يَمْلِكُ بقدر حِصَّتِهِ غُرِّمَ من المَهْرِ حِصَّةَ الخُمُسِ، وحِصَّةَ غيره من الغَانِمِينَ، ويَسْقُطُ منه حِصَّتُهُ.
وهذا هو المَنْصُوصُ، وظاهر المَذْهَب، لا من جهة الأَصْلِ المذكور، فقد ذكرنا أن الظَّاهِرَ أن الغَنِيمَةَ لا تملك قبل القِسْمَةِ، ولكنه يوجه بأنه وَطِئَ في غير مِلْكٍ سقط فيه الحَدُّ، ويجب المَهْرُ كَوَطْءِ الأب جَارَيةَ الابن، وإنما يَسْقُطُ قِسْطُهُ؛ لأن المَهْرَ مَقْسُومٌ كالغَنِيمَةِ، فلا معنى لأخذ قِسْطِهِ، وردّه عليه.
قال الإِمام: وقَضِيَّةُ الوَجْهِ الذي نقله صاحب "التقريب" أن مَنْ وَقَعَ في حِصَّتِهِ شَيْءٌ من المَغْنَم تَبَيَّنَ كَوْنُهُ مَالِكًا ذلك الشيء أن يقال: إن وقعت الجَارَيةُ في حِصَّةِ غير الوَاطِئِ، فعليه تَمَامُ المَهْرِ، وإن وقعت في حِصَّةِ الوَاطِئ [فلا شيء عليه] وقد حكاه القاضي ابْنُ كَجٍّ قولاً عن رِوَايَةِ أبي الحُسَيْنِ، والظاهر ما سَبَقَ، وجعلوا صَيْرُورَتَهَا له بِمَثَابَةِ ما إذا وَطِئَ جَارَيةَ غَيْرِهِ، ثم ملكها بشراء أو غيره، فإن كان الغانمون غَيْرَ مَحْصُورينَ، فالمراد أن يعسر ضَبْطُهُمْ لكثرتهم، نظر إن أَفْرَزَ الإِمَامُ الخُمُسَ، وعَيَّنَ لكل طَائِفَةٍ شَيْئاً، وكانت الجَارِيةُ مُعَيَّنةَ لجماعة مَحْصُورِينَ، فإن وَطِئَ بعدما اخْتَارُوا
الجزء: 11 - الصفحة: 439
تَمَلُّكَهَا، فإذا وَطْءُ الجارية المشتركة، فَيُغَرَّمُ من المَهْرِ قِسْطَ شركائه، وإن وَطِئَ قبل اخْتِيَارِهِمْ التَّمَلُّكَ فقد قيل: إنه كما بعد اختياره، والظَّاهِرُ أن الحكم كما ذكرنا فيما إذا كانوا مَحْصُورينَ في الأَصْلِ، إلا أنه لا يُخَمَّسُ المَهْرُ هاهنا, ولكن يُوَزَّع عليهم، فيسقط قِسطُ الوَاطِئِ، وبجب قِسْطُ البَاقِينَ، وإن لم يُفْرُزِ الإِمَامُ، ولا عَيَّنَ شيئاً، فَيُؤْخَذُ من الوَاطِئِ جَمِيعُ المَهْرِ، ويضم إلى المَغْنَمِ، ويقسم بين الكل، فَتَعُودُ إلى الوَاطِئِ حَصَّتُهُ، ولا يُكَلَّفُ الإِمَامُ أَن يَضْبِطَهُمْ، ويعرف حصّته؛ لما فيه من المَشَقَّةِ، بخلاف ما إذا كانوا مَحْصُورِينَ وسهل الضبط، فلا نقول: يُؤْخَذُ أَو يُرَدُّ.
قال الإِمام: وليكن هذا الذي ذكره الأَصْحَابُ مَخْصُوصًا لما إذا طَابَتْ نَفْسُ الوَاطِئِ بأن يُغَرَّمَ جَمِيعَ المَهْرِ، فإن قال: أسقطوا قدر حِصَّتِي، فلا بد أن يجاب 163 [فإن تَيَسَّرَ الضَّبْطُ فذاك، وإلا فَيُؤْخَذُ المتيقن، ويُتوَقَّفُ في المشكوك فيه؛ هذا كله فيما إذا خَلاَ الوَطْءُ عن الإِحْبَالِ] 164 أما إذا أَحْبَلَهَا فَحُكْمُ المَهْرِ والحَدِّ كما بَيَّنَّا، وَيزْدَادُ النَّظَرُ في أمور:
منها: الاسْتِيلاَدُ، ولنتكلم في المُوسِرِ، ثم في المُعْسِرِ.
أما المُوسِرُ ففي الاسْتيلاَدِ في نَصِيبِهِ طريقان:
أحدهما: عن صاحب "التقريب".
أما إذا قلنا: إن الغَانِمِينَ لا يَمْلِكُونَ قبل القِسْمَةِ، فلا يَنْفُذُ؛ لأن وَطْئَهُ أيضًا لم يُصَادِفِ المِلْكَ.
وإن قلنا: يَمْلِكُونَ -ففي نُفُوذِ الاسْتِيلاَدِ وَجْهَان؛ لأنه مِلْكٌ ضَعِيفٌ، وقرب الوجهان لِضَعْفِ المِلْكِ من الوجهين في نُفُوذِ اسْتِيلاَدِ المشتري، في زَمَانِ الخيار، إذا حَكَمْنَا بِثُبُوتِ المِلْكِ.
والطريق الثاني: أنا إذا قُلْنا يَتَرَتَّبُ المِلْكُ قَطَعْنَا بنفوذ الاسْتِيلاَدِ، وإلاَّ فقولان كالقَوْلَيْنِ في استيلاد الأَب جَارِيةَ الابن، وقد ترَتَّبَ، فجعل هذه الصُّورَةَ أَوْلَى بنفوذ 165 الاسْتِيلاَدِ؛ لأن حَقَّ الأُمِّ أَقْوَى من حَقِّ سَائِرِ الغَانِمِينَ، وحَقُّ الأب أَضْعَفُ من حَقِّ الغانم الوَاطِئِ.
ويخرج من الطريقين إذا اخْتصرت قَوْلاَنِ، أو وجهان في نفوذ الاسْتِيلاَدِ في نَصِيبِهِ.
ويحكى المَنْعُ عن ابن أبي هُرَيْرَةَ، وهو الذي يُوجَدُ في كُتُبِ العراقيين وكثير من الأَصْحَابِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 440
وإذا قيل به فلو مَلَكَ الجَارِيةَ بالوُقُوع في سَهمِهِ، أو مَلَكَهَا بِسَبَبٍ آخر يوماً، ففي نُفُوذِ الاسْتيلاَدِ حينئذ قولان يَطَّرِدَانِ في نَظَاَئِرِهِ، والظاهر المَنْصُوصُ أنهَ يَنْفُذُ، وهو الذي رَجَّحَهُ الإِمَامُ، ولم يُورِدْ في "التهذيب" غيره.
وعن "الحاوي": أنهم إن كَانُوا مَحْصُورِينَ، ولم يَغْنَموا غير تلك الجَارِيةِ، فَيُقْطَعُ بنفوذ الاسْتِيلاَدِ فِي حِصَّتِهِ منها، بخلاف ما إذا كان في الغَنِيمَةِ غيرها، فإنه يحتمل أن يَجْعَلَ الإمَامُ الجَارَيةَ لغيره، وإذا نَفَذَ الاسْتِيلاَدُ في نَصِيبِهِ سَرَى لِيَسَارِهِ إلى البَاقِي، وتحصل السِّرَايَةِ بِنَفْسِ العُلُوقِ، أم بأداء قيمة نَصِيب الشريك؟ فيه قولان وموضع شرحها "كتاب العِتْقِ".
ورأى الإِمام التفريع هاهنا على حُصُولِ السِّرَايَةِ في الحال، وذكر الإِمَامُ، وَصَاحِبُ الكتاب أن يَسَارَ الوَاطِئِ كما يَحْصُلُ بِيَسَارِ الأموال، يَحْصُلُ بِحِصَّتِهِ من المَغْنَم، إذا كانوا قد غَنِمُوا غير تلك الجَارِيَةِ، فان لم تَفِ حصَتَه من غير تلك الجَارِيَةِ بقيمة الجارية حَصَلَتِ السِّرَايَةُ بمقدار حِصَّتِهِ، وكان يجوز أن يخرج ذلك على أن المِلْكَ في الغَنِيمَةِ هل يَحْصُلُ قبل القِسْمَةِ؟.
إن قلنا: لا مِلْكَ، فينبغي ألاَّ يجعل مُوسِرًا بحصته، ويؤيده أن الإِمام ذكر أن الحُكْمَ بغِنَاهُ مَوْقُوفٌ على ألاَّ يعرض وَيَسْتَقِرّ مِلْكُهُ، فإن أعرض تبينا أنه لم يَكُنْ غَنِيًا، ولا نقول: إن حَقَّ الرَّايَةِ يَلْزَمُهُ اختيار المِلْكِ، فإن الاخْتِيَارَ بِمَثَابَةِ ابتداء الأكْسَاب 166، ومهما حَكَمْنَا بِثبُوتِ الاسْتِيلاَد، إما في الحال، أو بعد وقوعه في حِصَّتِهِ، فعليه القَيمَةُ.
ثم هو في سُقُوطِ حِصَّتِهِ، وأَخْذِ الجميع بِحَسَبِ انحصار القوم، وعدم انحصارهم على ما ذكرنا في المَهْرِ، وإن لم يُحْكَمْ بالاسْتيلادِ، فَإِنْ تأخرت القِسْمَةِ حتى وَضَعَتْ.
قال ابْنُ سُرَيْجٍ -رحمه الله-: نجعل الجَارِيةَ في المَغْنَمِ، وتدخل في القِسْمَةِ، فإن دخلها نَقْصٌ بالوِلاَدَة، فعليه الأَرْشُ، وقبل الوضع الجارية [حامل بحر] 167 لما سنذكر أن الوَلَدَ حُرٌّ.
وبيع مثل هذه الجَارَيةِ لاَ يَصِحُّ على المَذْهَب كَمَا مَرَّ في "البيع" وإذا جعلنا القِسمَةَ بَيْعاً لم يَكُنْ إدخالها في القِسْمَةِ.
فعن صاحب "التقريب": أنه يحتمل أن تسلم الجَارِيَةُ إليه بحصته إذا كانت حِصَّتُهُ فوق قيمتها [أو أكثر، وقيل: تؤخذ قيمتها وتلقى] 168 في المغنم؛ لأنه بالإِحْبَالِ حَالَ بينها وبين الغَانِمِينَ بَيْعًا وقِسْمَةً.
الجزء: 11 - الصفحة: 441
وأَبْدَى الإِمام احتمالين آخرين:
أحدهما: أن تُوَقَفَ الجَارِيةُ إلى أن تَلِدَ، ثم تُلْقَى في الغنيمة.
والثاني: أن تُلْقَى في المَغْنَم، ويجوز القِسْمَةُ، وإن كانت حَامِلاً وهو الأَظْهَرُ، إذا جعلنا القِسْمَةَ إِفْرازًا وعَبَّرَ [معبرون] 169 عما ذكرنا من الخِلاَفِ في القِسْمَةِ بأن قالوا: هل تُقَوَّمُ هذه الجَارَيةُ عليه، أو تُتْرَكُ في المَغْنَمِ، وتُقَسَّمُ بين الغانمين؟ فيه طريقان قال أكثرهم: يُبْنَى على ثُبُوتِ الاسْتيلاَدِ [وعدمه] 170، فإن أَثْبَتْنَا الاستيلاَدَ أَوْجَبْنَا القِيمَةَ، وإلا فلا.
وعن أبي إِسْحَاقَ: أنها تُقَوَّمُ عليه، سواء أَثْبَتْنَاهُ أو لم نثبته؛ لأنه بالإِحْبَالِ منع من البيع والقِسْمَةِ.
هذا حكم المُوسِرِ.
وأما المُعْسِرُ فينظر إن كان الجُنْدُ مَحْصُورِينَ، أو غَيْرَ محصورين وأفرد الإِمَامُ الجَارِيَةَ لِطَائِفَةٍ منهم، ففي ثُبُوتِ الاستيلاد في حِصَّتِهِ الخِلاَف المذكور في ثُبُوتِهِ في حِصَّةِ المُوسِرِ، فإن 171 أثبتناه فلا سِرَايَةَ هاهنا، وإن كان غَيْرَ مَحْصُورِينَ، ولم تفرز الجارية، فلا يُحْكَمْ بالاسْتِيلاَدِ في الحال، فإن وقعت بالآخرة في حِصَّةِ الوَاطِئِ ثبت الاسْتِيلاَدُ حينئذ، وان صار بعضها له ثَبَتَ في ذلك البَعْضُ -ذكره صاحب "التهذيب" وغيره.
ومنها الوَلَدُ حُرٌّ ونَسِيبٌ وبه قال أحمد، خِلاَفًا لأبي حَنيِفَةَ، حيث قال: بقي النَّسَب وَالحُرَّيَّة.
لنا؛ إنه مالك بحِصَّتِهِ فيها في الحال، فَأشْبَهَ أَحَدَ الشريكين يَطَأُ الجَارِيةَ المشتركة، أو غير مالك، ولكنَ له شُبْهَةُ المِلْكِ، وحق التملك فليكن وَطؤهُ كَوَطْءِ الأب جَارِيَةَ الابْنِ، وهل يَجِبُ عليه قِيمَةُ الوَلَدِ؟
فيه خِلاَفٌ مَبنِيٌّ عندنا على أن الجَارِيةَ هل تُقَوَّمُ عليه؟.
إن قلنا: نعم -لم يَلْزَمهُ قِيمَةُ الوَلَدِ؛ لأنها في مِلْكِهِ، حين وضعت الولد.
وإن قلنا: لا -لَزِمْتُهُ؛ لأنه منع من رقّه بِوَطْئِهِ، وشبهه مُشَبِّهُونَ بالخلاف في وُجُوب قِيمَةِ الولد إذا وَطِئَ أَحَدُ الشريكين الجَارَيةِ المشتركة، وهو مُوسِرٌ، ثم منهم من بَنَى الَخِلاَفَ فيها على أن المِلْكَ يَحْصُلُ لِلْمُسْتَوْلِدِ قبل 172 العَلُوق، أو يَنْتَقِلُ إليه مع العلوق أو بعده، وهذا أَصْلٌ سَبَقَ، وقد ذكر مثله في اسْتِيلاَدِ الأَب جَارِيَةَ الابْنِ، ثم حُكْمُ قِيمَةِ الوَلَدِ حُكْمُ المَهْرِ، وقيمة الجارية وقد بَيَّنَّاه، هذا إذا كانَ الوَاطِئُ مُوسِرًا.
وثبت الاسْتِيلاَدُ في جَمِيعِ الجَارَيةِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 442
أما إذا كان مُعْسِرًا وثبت الاسْتِيلاَدُ في حِصَّتِهِ، ولم يسر فيخلق الولد حُرًّا كُلُّهُ، أو الحر منه قدر حِصَّتِهِ، والباقي رَقِيقٌ فيه؟ وجهان أو قولان:
أحدهما: أن كُلَّهُ حُرٌّ؛ لأن الشُّبْهَةَ تَعُمُّ الجَارِيةَ، وحرية الولد تَثْبُتُ بالشُّبْهَةِ، وإن لم يثبت الاستيلاد، ولهذ لو وَطِئَ جَارِيَةَ الغَيْر على ظَنِّ أنها جَارِيتُهُ، أو زوجته يَنْعَقِدُ الوَلَدُ حُرًّا، وإن لم يثبت إلاستيلاد ..
والثاني: أن الحُرَّ منه قَدْر حِصَّتِهِ، وليس كالوَطْءِ بالشبهة فإن الشُّبْهَةَ [نَاشِئَةٌ] 173 من الظَّنِّ غير مُتَبَغضٍ، والشُّبْهَةُ هاهنا من جِهَةِ اسْتِحْقَاقِ المُسْتَوْلَدَةِ مِلْكًا أو وِلاَيَةَ مِلْكٍ، وهو مُتَبَعِّضٌ.
وعَبَّرَ بَعْضُهُم عن هذا الخِلاَفِ بأن قال: البَاقِي من الولد هل يُقَوَّمُ عليه مع إِعْسَارِه؟ فيه وجهان:
وإذا قلنا: لا يُعْتَقُ من الوَلَدِ إِلاَّ قَدْرُ حِصَّتِهِ من الأُمِّ، فلو ملك باقي الجَارِيَةِ من بعد بقي الرِّقُّ فيه؛ لأنها عَلَقَتْ بِرَقِيقٍ في غير الملك.
وإن قلنا: إن جميعه حُرٌّ، ففي ثُبُوتِ الاسْتِيلاَدِ في باقيها إذا مَلَكَهُ قَوْلاَن؛ لأنه أَوْلَدَهَا حُرًّا في غَيْرِ المِلْكِ، والخِلاَفُ في أنه هل تَتَبَعَّضُ حُرِّيَّةُ الوَلَدِ جار فيما إذا أَوْلَدَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الجَارِيةَ المُشْتَرِكَةَ، وهو مُوسِرٌ.
فإن قلنا: إن جميعه حُرٌّ فعلى المُسْتَوْلِدِ قِيمَةُ 174 حِصَّةِ الشُّرَكَاءِ من الولد، وهذا أَظْهَرُ الوَجْهَيْنِ على ما ذكره القاضي الرُّوَيانِيُّ، ورواه عن القاضي الطَّبَرِيِّ وغيره.
وقوله في الكتاب: "لكن الأَظْهَرَ أن الشَّرِكَةَ شُبْهَةٌ تُوجِبُ حُرِّيَّةَ الولد" يشعر بِتَخْصِيصِ التَّرْجِيحِ بصورة الشَّرِكَةِ، وبأن الأَظْهَرَ في استيلاد أحد الغانمين التَّبْعِيضُ.
والأشبه أنه لاَ فَرْقَ بين الصُّورَتَيْنِ، وفي كلام الإمَامِ ما يَدُلُّ على تَرْجِيح حُرِّيَّتِهِ فيهما.
ورجّح في "التهذيب" التَّبْعِيض فيما يُقَارِبُ هذه الصورة، وقرب الخلاف في الصورتين من الخِلاَفِ في أن الإِمام، هل يجوز أن يَرُقَّ من الأَسِيرِ بعضه؟
وقد مَرَّ، وسُئِلَ القاضي حسين عمن أَوْلَدَ نِصْفُهَا حُرٌّ، ونصْفُهَا رقيق، بنكاح أو زنا، كيف حَالُ الوَلَدِ؟
فقال: يمكن أن يُخَرَّجَ على ذلك الوجهان في وَلَدِ الجارية المشتركة بين الشريك المُعْسِرِ، ثم اسْتَقَرَّ جوابه على أنه كالأم حُرِّيَّةً وَرِقّاً، وهذا هو الوَجْهُ؛ لأنه لا سَبَبَ لِحُرِّيَّتهِ، إلاَّ حرية الأم، فَتَتَقَدَّرُ بتقدر حُرِّيَّتِهَا, وليس كالجَارِيَةِ المشتركة، فإن الشَّرِكَةَ قد تظن شبهة عامة في الجَارَيةِ، وكذا شُبْهَةُ الاستِحْقَاقِ.
واعلم أن ما ذَكَرْنَا من ثُبُوتِ
الجزء: 11 - الصفحة: 443
الاسْتِيلاَدِ في حِصَّةِ المُعْسِرِ، والخلاف في حال الوَلَدِ مَوْضِعُهُ ما إذا انحصر المُسْتَحِقُّونَ، فإن كانوا غير مُنْحصِرِينَ، ففي "التهذيب" أنا إذا قلنا عند الانْحِصَارِ: كُلُّ الولد حُرٌّ فيؤخذ منه قيمته، وتوضع في المَغْنَمِ، ويقسم 175 على الكل.
وإن قلنا: إن هناك الحُرّ قَدْر حِصَّتِهِ في الأُمِّ، فهاهنا يكون الكُلُّ رَقِيقًا، ثم الإِمَامُ عند القِسْمَةِ يَجْتَهِدُ حتى تَقَعَ الأُمُّ، والولد في حِصَّةِ الوَاطِئ، فإن وَقَعَا في حِصَّتِهِ كانت الجَارِيَةُ أُمَّ ولد له، والولد حر، وإن وَقَعَ البَعْضُ في مِلْكِهِ صار بقدره أُمَّ وَلَدٍ، وعتق من الولد بقدر ما مَلَكَ هذه أَلْفَاظُهُ.
ولك أن تقول: قد سَبَقَ أن للإمام أن يُقَسِّمَ الغَنِيمَةَ قِسْمَةَ تَحَكُّم، ولا يحتاج إلى مُرَاضَاة الغانمين، وإلى الإقْرَاعِ، وحينئذ فلا حاجة 176 إلى سَعْي وَاجْتِهَادِ، بل ينبغي أن يقول: يوقعها في حِصَّتِهِ، أو يوقع بعضها.
ثم قوله: "وعتق من الولد بِقَدْرِ ما مَلَكَ" الخلاف في أن الوَلَدَ يُعْتَقُ كله أو بالحِصَّةِ، ينبغي أن يَجِيءَ هاهنا فكان ما ذكره جَوَاباً على وجه التَّبْعِيضِ، أو أراد أن قَدْرَ الحِصَّةِ يعتق لا مَحَالَةَ وفي الباقي خِلاَفٌ، وجميع ما ذكرنا فيما إذا كان الاسْتِيلاَدُ قبل القِسْمَةِ، واخْتِيَارِ التَّمْلِيكِ، ولاَ فَرْقَ بين أن يَكُونَ قَبْلَ إِفْرَازِ الخُمُسِ أو بعده، وقبل القِسْمَةِ بين الغَانِمِينَ إذا كنت الجَارِيَةُ بين الأَخْمَاسِ الأَرْبَعَةِ، وإذا كان بعد القِسْمَةِ، وبعد اختيار التَّمْلِيكِ، فهو إما وَطِئَ جَارَيةَ نَفْسِهِ، أو جَارِيةَ غَيْرِهِ، أو هو كَوَطْءِ أَحَدِ الشريكين الجَارِيَةَ المشتركة، ولا يَخْفَى، ولو كان بعد القِسْمَةِ.
وقبل اخْتِيَارِ التَّمَلُّكِ، فهو كما قبل القِسْمَةِ.
وفيه وجه: أنهم إذا كانوا مَحْصُورِينَ، أو أفرزت الجارية لِطَائِفَةٍ مَحْصُورِينَ، فهو كما بعد 177 القِسْمَةِ، واختيار التَّمْلِيكِ، وهو ظاهر ما أَطْلَقَهُ القاضي ابْنُ كَجٍّ وقد مَرَّ نَظِيرُهُ.
ولو وَطِئَ أحدهم 178 بعد إِفْرَازِ الخُمُسِ جَارَيةً من الخُمُسِ، فهو كَوَطْءِ الأجنبي، وإذا وَطِئَ جَارِيةً من الخُمُسِ، وقبلِ إِفْرَازِ الخُمُسِ، ففي وُجُوبِ الحَدِّ عليه وجهان:
أظهرهما: وبه أجاب صاحب "التهذيب" والروياني: أنه يَجِبُ، كما لو وَطِئَ جَارِيةً من بيت المال [بخلاف ما لو سرق مال بيت المال] 179 لأنه يستحق النَّفَقَةَ دون الإِعفاف.
والثاني: المَنْعُ؛ لأنه لمصالح المُسْلِمِينَ، والواطئ من المسلمين وهذا أَقْوَى عند القاضي ابْنِ كَجٍّ.
الجزء: 11 - الصفحة: 444
وإذا كانت الجَارِيةُ مِن الأَخْمَاسِ الأربعة، فعليه الحَدُّ، إلاَّ أن يكون له في الغَانِمِينَ وَلَدٌ، هذا تَمَامُ الكَلاَمِ في الوَطْءِ والاسْتِيلاَدِ.
وأمّا مَسْأَلَةُ عِتْقِ القَرِيبِ: فإذا وَقَعَ في الأَسْرِ من يعتق على بَعْضِ الغَانِمِينَ، ورُقَّ، إما بِنَفْسِ الأسْرِ، أو بإرْقَاقِ الإِمام، فالنَّصُّ أنه لا يُعْتَقُ قبل القِسْمَةِ، واختيار التمليك والنَّصّ فيما إذا اسْتَوْلَد بَعْضُ الغانمين جَارِيةً من المَغْنَمِ، أنه يثبت الاستيلاد على ما مَرَّ وفيهما طريقان للأصحاب:
أحدهما: أن في الصورتين قَوْلَيْنِ: نَقْلاً وتخريجًا، بِناءً على أن الغَنِيمَةَ تملك بالاستيلاد أم لا؟
إن قلنا: نعم نفذ، وتُؤْخَذُ منه القِيمَة، ويجعل في المَغْنَمِ.
وإن قلنا: لا لم يَنْفُذْ وَاحِدٌ منهما.
والثاني: تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ، والفَرْقُ أن الاسْتِيلاَدَ أَقْوَى، ولذلك يَنْفُذُ استيلاد الأَبِ جَارَيةَ الابْنِ، ولا يَنْفُذُ منه إِعْتَاقُهَا، وينفذ اسْتِيلاَدُ المَجْنُونِ دون إِعْتَاقِهِ.
وعن "المنهاج" للشيخ أبي مُحَمَّدٍ الفَرْقُ بين الصُّورَتَيْن بأن الوَطْءَ اختيار التَّمَلُّكِ، ولذلك جعَلَ وَطْءَ البائع في زَمَانِ الخِيَارِ فَسْخًا وليس فيَ مسألة عِتْقِ القريب ما يَدُلُّ على الاخْتِيَارِ، حتى لو قال مشيرًا إلى قَرِيبهِ قبل القِسْمَةِ: قد أَعْتَقْتُ هذا، يُحْكَمُ بثبوت العتق، والظاهر أنه لا يَثْبُتُ العِتْقُ في الحال، وإن قدرنا الخِلاَفَ فإذا اسْتَقَرَّ 180 مِلْكُهُ فيه بأن وَقَعَ في نَصِيبِهِ، واختار تملكه، أو وَقَعَ بَعْضُهُ في نصيبه، واختاره عتق عليه، وينظر لتَقْوِيمِ البَاقِي عليه إلى يَسَارِهِ وإِعْسَارِهِ.
وعن "الحاوي": أنهم إذا كَانُوا مَحْصُورِينَ، ولم يكن في الغَنِيمَةِ إلاَّ قريبه، فيملك حِصَّتَهُ، وإن لم يَجُزِ التَّمَلُّكُ، وعلى هذا فلا يُقَوِّمُ 181 عليه الباقي؛ لأنه دَخَلَ في مِلْكِهِ بغير اخْتيَارِهِ.
ولو أعتق واحد من الغَانِمِينَ عَبْدًا من الغَنِيمَةِ ففي ثُبُوتِ العِتْقِ في الحال ما ذَكَرْنَاهُ في عِتْقِ القَرِيبِ.
هكذا نقل صاحب "التهذيب" وغيره.
وعن "الحاوي": أنه لا يعتق بحال، بخلاف عِتْقِ القَرِيب، فإنه يثبت بلا اختيار، وهو 182 أقوى مما يثبت بالاختيار، ولذلك لا يُعْتَقُ على المَحْجُورِ عليه قريبه إذا مَلَكَة، ولو أعتق لا ينفذ.
الجزء: 11 - الصفحة: 445
وأما ما يَتَعَلَّقُ بلفظ الكتاب، فقوله: "لو وقع من المَغْنَمِ بَعْضُ من يُعْتَقُ على الغانمين" -في اللفظ نَوْعُ التِبَاس، والمقصود من يعتق على بَعْضِ الغَانِمِينَ، فيقدر 183 لفظ البَعْضِ.
ولو كان الغانمون طَائِفَةً يَسِيرَةً، ووقع في المَغْنَمِ من يُعْتَقُ عليهم جميعاً، فلا يتوقف [العتق] 184 إلا على اخْتِيَارِهِمُ التَّمَلُّكَ.
ويجيء وَجْهٌ أنه [لا] 185 حَاجَةَ إلى الاختيار، وإذا اخْتَارُوا جَمِيعا فلا يفرض فيه تقويم البَعْضِ على البَعْضِ.
وقوله: "لم يعتق حِصّته" لا حَاجَةَ إلى إِعْلاَمِهِ بالواو، فإنه ذكر الخلاف فيه من بعد حَيْثُ قال: "ومن هذا خُرِّجَ قَوْل ... " إلى آخره.
قوله: "ولم يمنعه ذلك عن الإعْرَاضِ" معناه أَنَّ الإِعْرَاضَ عن الغَنِيمَةِ لا يمنع وُقُوعَ القَرِيب في المَغْنَمِ إذا لم يحكم بالعِتْقِ في الحال.
وقوله: "ولو اسْتَوْلَدَ جَارِيَةً؛ وقلنا: لا يملَك فلا حد" ليعلم قوله: "لا حَد" بالميم والواو؛ لما بَيَّنَّاهُ، ولا حَاجَةَ إلى ذِكْرِ الحَدِّ في هذا الموضع فقد أعاده من بعد، وبَيَّنَ أنه لا حَدَّ على كل قول، جَوَابًا على الصحيح.
وقوله: "فالولد حُرٌّ جميعه" مُعَلَّمٌ بالحاء، والغَرَضُ أنه إذا ثَبَتَ الاسْتِيلاَدُ في جميع الجَارِيَةِ كان الولد حُرًّا لا مَحَالَةَ، وفي وجوب قيمة حِصَّةِ غيره من الوَلَدِ خِلاَفٌ، فجرى ذكر حُرِّيَّةِ الوَلَدِ للحاجة إليه في بَيَانِ صُورَةِ الخِلاَفِ، ثم اتخد حكم الولد مَقْصَدًا، فقال: وولده على كل حال حر نَسيبٌ، وكان بِسَبِيلٍ من الاسْتغْنَاءِ بالثَّاني عن الأول، وإيراد الغرض بِدَليلِ طَرِيقٍ آخر.
وقوله: "فولدها يَتبَعَّضُ" مُعَلَّمٌ بالواو.
"فرع لابن الحَدَّادِ -رحمه الله-": إذا دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الحَرْبِ مُنْفَرِدًا وأَسَرَ أَبَاهُ وَابْنَهُ البَالِغَ، لم يُعْتَقْ منه شَيْءٌ في الحال؛ لأنه لا يَصِيرُ رَقِيقًا بنفسَ الأَسْرِ، وإن اخْتَارَ الإِمَام قَتْلهُ أو المنَّ عليه أو الفِدَاءَ فذاك.
وإن اختار تملكه [نُظِرَ إن لم يختر التَّمَلُّكَ بِالأَسْرِ، فلا يُعْتَقُ أيضاً في ظَاهِرِ المَذْهَبِ، وإن اختار تَمَلُّكَهُ] 186 صار له أربعة أخماسه فيعتق عليه، ويُقَوَّمُ عليه الباقي إن كان مُوَسِرًا، وهو الخمس المستحق لأهله.
ولو أَسَرَ أُمَّهُ أو ابْنَتَهُ البَالِغَةَ، رُقَّتْ بِنَفْسِ الأَسْرِ، ولا حَاجَةَ إلى اختيار الإمَامِ،
الجزء: 11 - الصفحة: 446
وإذا اختار التَّمَلُّكَ كان الحُكْم على ما بَيَّنَّا.
وألحق ابْنُ الحَدَّادِ الابْن الصَّغِيرَ بأسْرِ الأُمِّ والبنت [البالغة] 187 وهذه هَفْوَةٌ عند الأصحاب؛ لأن الأَبَ المُسْلِمَ يَتبَعُهُ وَلَدُهُ الصغير في الإِسلام، ولا يُتَصَوَّرُ منه سَبْيُ ولده.
وإن أَسَرَ أَبَاه في القِتَالِ، زاد النظر في أن الأسير إذا رُقَّ هل يعد من السَّلَبِ؟ وفيه خلاف مذكور في "قسمة الغَنَائِمِ".
قال الغَزَالِيُّ: (الحُكْمُ الثَّالِثُ) أَنَّ أَرَاضِيَ الكُفَّارِ تُمْلَكُ بِالاِسْتِيَلاءِ وَقَدْ مَلَكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَرَاضِيَ العِرَاقِ وَقَسَّمَهَا ثُمَّ اسْتَطَابَ عَنْهَا قُلُوبَ المُلاَّكِ وَوَقفَهَا وَآجَرَهَا مِنْ سُكَّانِهَا إجَارَةً مُؤَبَّدَةً لِأَجْلِ المَصْلَحَةِ وَضَرَبَ الأَجْرَةَ خَرَاجًا عَلَيْهِمْ* فَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ أَرَاضِي العِرَاقِ* وَيَصِحُّ إِجَارَتُهَا مِنْ أَرْبَابِهَا إِجَارَةً مُؤَقَّتَةَ لاَ مؤَبَّدَةً* وَلاَ يُزْعَجُ عَنْهَا سُكَّانُهَا إِذَا وَرِثُوهَا مِنْ آبَائِهِمُ الَّذِينَ اسْتَأْجَرُوهَا مِنْ عُمَرَ* وَلاَ تنفَسِخُ الإجَارَةُ بِالمَوْتِ* وَأَمَّا مَكَّةُ فَيَصِحُّ بَيْعُ دُورِهَا لِأَنَّهَا مِلْكٌ وَقَدْ فُتِحَتْ عَنْوَةً.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: الأَرَاضِي والعَقَارَاتِ تُمْلَكُ بالاسْتِيلاَءِ 188، كما تُمْلَكُ المَنْقُولاَتُ.
وعن أبي حَنِيْفَةَ: أنه يَتَخَيَّرُ الإمَامُ في العَقَارِ المَغنوم بين أن يقسمها على الغَانِمِينَ كالمَنْقُولِ، وبين أن يَتْرُكَهَا في أيديَ الكُفَّارِ، كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- بَعَقَار "مكة"، وبين أن يَقِفَهَا على المسلمين، كما فعل عمر -رضي الله عنه 189 - بِسَوَادِ 190 "العراق".
هكذا حكاه
الجزء: 11 - الصفحة: 447
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = السواد وقفًا على المسلمين ما تناسلوا، وعن ابن شبرمة قال: لا أجيز بيع أرض السواد، ولا هبتها, ولا وقفها، وعن عمر قال: لولا أخشى أن يبقى آخر الناس بيانًا لا شيء لهم، لتركتكم وما قسم لكم، ولكني أحب أن يلحق آخر الناس أولهم، وتلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وعن أبي الوليد الطيالسي قال: أدركت الناس بالبصرة، وأنه ليجاء بالتمر، فما يشتريه إلا أعرابي أو من يتخذ النبيذ، يريد أنهم كانوا ينخرون عنه، وأن ذلك كان مشهورًا فيما بينهم، أما أثر عمر في فتح السواد فقال أبو عبيد في كتاب الأموال نا هشيم أنا العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي قال: لما افتتح المسلمون السواد، قالوا لعمر: اقسمه بيننا فإنا فتحناه، عنوة، قال: فأبى، ثم أقر أهل السواد على أرضهم، وضرب على رؤوسهم الجزية، وعلى أرضهم الخراج، ورواه سعيد بن منصور عن هشيم مثله، وأما أثر جرير فرواه الشَّافعي عن الثقة عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن جرير مثله، وأما أثر عتبة بن فرقد فأخرجه البيهقي من طريقين في السنن, ورواه الخطيب في تاريخ بغداد من طريق الخراج ليحيى بن آدم، عن عبد السلام بن جرير عن بكير بن عامر عن عامر هو الشعبي، قال: اشترى عتبة بن فرقد فذكره، وقال يحيى بن آدم أيضاً نا حسن بن صالح عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال: أسلمت امرأة من أهل مهر الملك، فكتب عمر بن الخطاب إن اختارت أرضها وأدت ما على أرضها، فخلوا بينها وبين أرضها، وإلا فخلوا بين المسلمين وبين أرضهم، وأما قول سفيان الثوري فرواه يحيى بن آدم في كتاب الخراج له عنه، وأما قول ابن شبرمة فرواه يحيى بن آدم أيضاً، وأما حديث عمر فرواه البخاري في غزوة خيبر من رواية زيد بن أسلم عن أبيه أنه عمر عمر، ورواه الطبراني في الكبير أيضاً، وقوله بيانًا بموحدتين الثانية مشدودة وبعد الألف نون خفيفة، أي شيئاً واحداً كذا قيل في تفسيره، وأما قول أبي الوليد الطيالسي فهو في كتاب الأحكام لزكريا بن يحيى الساجي عنه وكذا نسبه إليه صاحب البحر.
قوله: وروى الشعبي أن عمر بن الخطاب بعث عثمان بن حنيف ماسحًا، ففرض على كل جريب شعير درهمين، الحديث، رواه البيهقي من طريقين، وهو في الخراج ليحيى بن آدم، وقال أبو عبيد في الأموال نا الأنصاري محمد بن عبد الله، ولا أعلم إسماعيل بن إبراهيم إلا ناه أيضاً عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي مجلز: أن عمر بن الخطاب بعث عمار بن ياسر إلى أهل الكوفة على صلاتهم وحربهم، وعبد الله بن مسعود على قضائهم وبيت مالهم، وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض، ثم فرض لهم في كل يوم شاة، الحديث، وفيه: فمسح عثمان بن حنيف الأرض، فجعل على جريب الكرم عشرة دراهم، وعلى جريب النخل خمسة، وعلى جريب القصب ستة، وعلى جريب البر أربعة، وعلى جريب الشعير درهمين، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة.
قوله: يذكر أن الحاصل من أرض العراق على عهد عمر بن الخطاب وإن مائة ألف ألف وسبعة وثلاثين ألف ألف، وقيل مائة ألف ألف وستين ألف ألف، ثم كان يتناقص حتى عاد في زمن الحجاج إلى ثمانية عشر ألف ألف، فلما ولي عمر بن عبد العزيز ارتفع في السنة الأولى إلى ثلاثين ألف ألف، وفي الثانية إلى ستين ألف ألف، وقيل فوق ذلك، وقال: لئن عشت لأبلغنه إلى ما كان في أيام عمر بن الخطاب، فمات في تلك السنة، ويحيى بن آدم في كتاب الخراج من طريق قتادة عن أبي مجلز وقال ابن سعد أنا عبد الوهاب بن عطاء عن سعيد عن قتادة عن أبي =
الجزء: 11 - الصفحة: 448
صاحب "التهذيب" ويذكر عنه أنه إذا أَقَرَّهَا على مِلْكِ أَرْبَابِهَا ضرب عليهم جِزْيَتَيْنِ:
إحداهما: على رُؤوسِهِمْ.
والأخرى: على الأَرَاضِي.
فإذا أَسْلَمُوا سَقَطَتْ جِزْيَة الرؤوس دُونَ الأخرى.
ويروى عن أبي حَنِيْفَةَ في سَوَادِ "العراق" ما يُخَالِفُ التخيير بين الخِصَالِ الثلاث وسيجيء من بَعْدُ، والقول في عَقَارِ "مكة" يأتي في المسألة الثانية.
وأما سَوَادُ "العراق" ففيه فُصُولٌ:
أحدها: في كيفية فَتْحِهِ، وما فعل به عُمَرُ -رضي الله عنه- فعن أبي إِسْحَاقَ نَقْلُ وَجْهٍ نَقَلَهُ القاضي ابْنُ كجٍّ -أنه فتح صُلْحًا.
وعن الماسَرْجِسِيَّ أن أبَا إِسْحَاقَ كان يَنْصُرُهُ في الدَّرْسِ، وهذا ما حكي عن أبي حَنِيْفَةَ عن رِوَايَةِ القَفَّالِ وغيره، وأنه قال: إن عُمَرَ -رضي الله عنه- رَدَّهَا عليهم بِخَرَاجٍ يُؤَدُّونَهُ كل سَنَةٍ.
وعن أبي الطَّيِّبِ بن سَلَمَةَ أنه قال: أشْتَبَهَ الأَمْرُ عَلَيَّ، فلا أدري أَفتِحَ عَنوَةً أو صُلْحًا؟!
والصحيح المَشْهُورُ أنه فُتِحَ عَنْوَةً وأن عُمَرَ -رضي الله عنه- قَسَّمَ أَرَاضِيَ السَّوَادِ 191 في جملة الغَنَائِمِ، وكيف قَسَّمَ؟
عن أبي إِسْحَاقَ تَفْرِيعًا على أنه فُتِحَ عَنْوَةً إن كان في الغَنِيمَةِ غير الأراضي من المَوَاشِي، وصُنُوفِ الأَمْتِعَةِ، فرأى عمر -رضي الله عنه- أنه إن صَرَفَ خُمُسَهَا إلى أَهْلِ الخُمُسِ أَنْفَقُوهُ، وأراد أن يجعل لهم عدة باقية يَسْتَظْهِرُون بها فَعَوَّضَهُمْ عن خُمُسِهَا الأخماس الأربعة من الأراضي فحصلت 192 الأراضي لِأَهْلِ الخُمُسِ، والمَنْقُولاَتُ لِلْغَانِمِينَ.
والصحيح المشهور أنه قَسَّمَهَا بين الغَانِمِينَ، ولم يُخَصِّصْهَا بأهل الخُمُسِ، ثم اسْتَطَابَ قُلُوبَهُمْ عنها واسْتَرَدَّها.
قال جَرِيرُ بن عَبْدِ الله البَجَلِيُّ -رضي الله عنه-: كانت بَجِيلَةُ رُبُعَ النَّاسِ يوم = مجلز، ومن طريق محمد بن المنتشر: أن عمر بن الخطاب وجه عثمان بن حنيف على خراج السواد، الحديث، وفيه: فحمل من خراج سواد الكوفة إلى عمر في أول سنة ثمانون ألف ألف درهم، وقيل مائة وعشرون ألف ألف، والذي في الرافعي عزاه صاحب المهذب إلى رواية عباد ابن كثير عن قحدم، وعباد ضعيف.
قوله: اشتهر أن أرض البصرة كانت سبخة، فأحياها عثمان بن أبي العاص، وعتبة بن غزوان بعد الفتح، قلت: هو كما قال، رواه عمر بن شبة في أخبار البصرة، وكان ذلك سنة أربع عشرة، وكان السابق إلى ذلك عتبة بن غزوان.
قوله: روي أن عمر اشترى حجرة سودة بمكة.
وأن حكيم بن حزام باع دار الندوة من معاوية، أما حجرة سودة فالمعروف أن الذي اشتراها ابن الزبير، وقد تقدم في البيوع، وكذا تقدم فيه قصة حكيم.
الجزء: 11 - الصفحة: 449
"القَادِسِيَّةِ" فَقَسَّمَ عمر -رضي الله عنه- رُبُعَ السَّوَادِ، فاشتغلوا ثَلاَثَ سِنِينَ، وأربعًا، ثم قَدِمْتُ على عمر -رضي الله عنه- فقال: "لولا أني قَاسِمٌ مَسْؤُولٌ لتركتكم على ما قسم لكم ولكني أرى أن تَرُدُّوا على الناس".
[فَغَاصَبَنِي من حَقِّي نَيِّفاً وثمانين] 193 دِينَارًا، وكان معي امْرَأَةٌ يقال لها: أُمُّ كُرْزٍ، فقالت: إن أبي شَهِدَ "القادسية" وثبت سَهْمُهُ، ولا أسلمه حتى يَمْلأَ كَفِّي دَنَانِيرَ وفمي لآلِئَ، ويُرْكِبَنِي نَاقَةً ذَلُولاً عليها قَطِيفَةً حَمْرَاءُ، ففعل عمر -رضي الله عنه- فتركت حقها، ثم اخْتَلَفَ الأصحاب فيما فعله بالأراضي المُستَرَدَّةِ على وجهين:
أظهرهما: وبه قال الأكثرون منهم الإصْطِخْرِيُّ [وفقهاؤنا البصريون أنه] 194 وَقَفَهَا على المسلمين، وأَجَّرَهَا من أهلها، والخَرَاجُ المضروب عليها أُجْرَةٌ مُنَجَّمَة تُؤَدَّى كُلَّ سَنَةٍ، وعلى هذا نَصَّ الشَّافعي -رضي الله عنه- في "كتاب الرُّهون"، وفي سِيَرِ الوَاقِدِيّ، وَيدُلُّ عليه ما روي أن عتبة بن فَرْقَدٍ اشترى أَرْضاً من أرض السَّوَادِ، فأتى عمر -رضي الله عنه- فَأخْبَرَهُ فقال: ممن اشْتَرَيْتَهَا؟ فقال؛ من أهلها؟ فقال: فهؤلاء المسلمون أبعتموه شيئاً؟ قالوا: لا.
قال: فَاذْهَبْ فاطلب مَالَكَ.
وعن سفيان الثَّوْرِيُّ أنه قال: جَعَل عمر -رضي الله عنه- السَّوَادَ وَقْفًا على المسلمين ما تَنَاسَلُوا.
والثاني: وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ، ويُحْكَى عن اختيار أبي إِسْحَاقَ أنه باعها من أهْلِهَا، والخَرَاجُ [ثَمَن مُنَجَّمٌ] 195؛ لأنه لم يَزَلِ الناس يَبِيعُونَ أَهْلَ السَّوَادِ وَيشْتَرُونَ من غَيْرِ إِنْكَارٍ، ومن قال بالوجه الأول لا يسلم عدم الإنْكَارِ، وقد رَوَيْنَا عن عمر -رضي الله عنه- في شراءِ ابن فَرْقَدٍ.
وعن ابن شُبْرُمَةَ أنه قال: لا أجيز بَيْعَ أَرْضَ السَّوَادِ، ولا هِبَتَهَا, ولا وَقْفَهَا، وقد أَوْرَدَ الوجهين معاً صَاحِبُ الكتاب في "الرَّهْن" واقْتَصَرَ هاهنا على إِيرَادِ الأَظْهَرِ منهما، وفيما فعل عُمَرُ -رضي الله عنه- على اخْتِلاَفِ الوَجْهَيْنِ عدول عن الأصل المُمَهّدِ، وأنه شَرْطٌ في الإجارة أن تكون المُدَّةُ مَعْلُومَةً، وفي البيع أن يكون جملة الثمن معلومةً، لكن قال العلماء: إنها بالاسْتِرْدَادِ رجعت إلى حُكْم الكُفَّارِ، وللإمام أن يفعل المَصْلَحَةَ الكلية في أموال الكفار ما لا يجوز مثله في أَمْوَالِ المُسْلِمِينَ، كما سيأتي إن شاء الله -تعالى- في مسألة العِلْجِ وكما نقل في البَدأَةِ والرَّجْعَةِ.
ورأى عمر -رضي الله عنه-[المصلحة] 196 فيما فعل من وجهين:
الجزء: 11 - الصفحة: 450
أحدهما: أنه خشي أن يَشْتَغِلُوا بالعِمَارَةَ والزِّرَاعَةِ، لو تركها في أيديهم وَيتَقَاعَدُوا عن الجِهَادِ.
والثاني: أنه لم يَسْتَحْسِنْ أن يَنْفَرِدوا بها وذُرِّيَّتُهُمْ، وينقطع عن سَائِرِ النَّاسِ الذين يَأْتُونَ من بعدهم [رفقها ومَنْفَعَتهَا] 197.
ويروى أنه قال: لولا أن أَخْشَى أن يَبْقَى آخر الناس بياتًا لا شيء لهم لَتَرَكْتُهُمْ، وما قسم لكم، ولكني أحِبُّ أن يلحق آخِرُ الناس أَوَّلَهُم -وتلا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ...﴾ الآية.
قوله: "بَيَاتًا" قيل: أي: شيئاً وَاحِدًا وقيل: متَسَاوِيْنَ في الفَقْرِ.
وعن القاضي أبي حَامِدٍ أن لابن سُرَيْجٍ عِبَارَة أخرى تخرح الخلاف عن أن يكون ثمناً مع تجويز البَيْع، فقال؛ إن عُمَرَ -رضي الله عنه- وَقَفَهَا وَقْفًا لا محرماً مؤبّدًا، ولكن جَعَلَهَا مَوْقُوفَةً علَى مَصَالِح المسلمين ليؤدي مُلاكها على تَدَاوُلِ الأيدي ويَبْذُلُهَا بالبيع والشراء خَرَاجاً يَنْتَفِعُ به المسَلمون، فعلى الوجه الثاني يجوز رَهْنُهَا، وبَيْعُهَا، وهِبَتُهَا.
وعلى الأول لا يَجُوزُ بيع شيء من ذلك، ويَجُوزُ على الوجهين لأَرْبَابَهَا إِجَارَتُهَا مُدَّةً معلومة، وهل لهم الإجارة المؤبدة بمال يتراضيان عليه؟.
حكى الإِمَامُ فيه تَردُّدًا للأصحاب ومنهم من جَوَّزَهُ تَبَعًا لفعل عُمَرَ -رضي الله عنه-.
وقال: من استحق مَنفَعَةً على جِهَةٍ لم يبعد أن يملك إخراج نفسه من البيت وِإحْلاَل غيره مَحلَّهُ.
والأصح: وهو المَذْكُور في الكتاب: المَنْعُ، كما في سَائِرِ الإجَارَاتِ والتأبيد في إِجَارَةِ عمر -رضي الله عنه- احتمل لِمَصْلَحَةِ كلية، والجزئيات ليسَت كَالكُلِّيَّاتِ -فلا يجوز لغير سُكَّانِهَا أن يزعج واحداً من السُّكَّانِ، ويقول: أنا أَسْتَغِلُّهَا، وأُعْطِي الخَرَاجَ؛ لأنه مالك لرقبتها إِرْثًا على أحد الوَجْهَيْنِ، ومَالِكٌ مَنْفَعَتَهَا على الوجه الأظهر بعقد إنَابَةٍ مع عُمَرَ -رضي الله عنه- والإجَارَة لاَزِمَةٌ لا تَنْفَسِخُ بِالمَوْتِ، وهذا كُلُّهُ في الأرَاضِي المُغِلَّةِ، وهي التي تُزْرَعُ وتُغْرَسُ.
فأما في حَدِّ السَّوَادِ من المَسَاكِنِ والدُّورِ، فإن قلنا: إن تلك الأراضي مَبِيعَةٌ من أَرْبَابِهَا فكذلك المساكن.
وإن قلنا: إنها مَوْقُوفَةٌ فوجهان:
أحدهما: أنها كالمَزَارعِ.
الجزء: 11 - الصفحة: 451
وأظهرهما: وهو الذي أَوْرَدَهُ الرُّوَيانِيُّ في "جمع الجوامع": المنع لأنه لم يكره أحد شِرَاءها وسُكْنَاهَا ولأن وَقْفَهَا يُفْضِي إلى خَرَابِهَا، وهل يجوز لمن في يَدِهِ الأرض تَنَاوُلُ ثِمَارِ أشجارها؟ إن قلنا: إن الأراضي مَبِيعَةٌ منهم، فما فيها من الأشْجَارِ كذلك والثمار مَمْلُوكَةٌ لهم.
وإن قلنا: إنها مستأجرة، فوجهان:
أحدهما: يجوز له تَنَاوُلُهَا لِلْحَاجَةِ، ويحتمل ذلك وإن كانت الثِّمَارُ لا تستحقّ في سائر الإجَارَاتِ كما يحتمل التَّأْبِيد.
وأصحهما: وأرجحهما على ما ذكره الرُّوَيانِيُّ وغيره المَنْعُ بل الإِمام يَصْرِفُهَا وأثمانها إلى مَصَالِحِ المُسْلِمِينَ؛ لما روي عن أبي الوَلِيدِ الطَّيَالِيسِيِّ أنه قال: "أدركت النَّاسَ بـ"البصرة" وإنه لَيُجَاءُ بالتمر الفرات فما يَشْتَريهِ إلا أَعْرَابِيٌّ أو من يَتَّخِذُهُ لِلنَّبِيذِ" يريد به أنهم كَانُوا يَتَحَرَّزُونَ منه وإن ذلك كان مَشْهُورًا فيما بينهم.
وإذا تَأمَّلْتَ هذا الشَّرْحَ، ذلك أن تُعَلِّمَ قوله في الكتاب؛ "وقد مَلَكَ عُمَرُ -رضي الله عنه- أَرَاضِيَ العِرَاقِ" بالحاء والواو.
ولأن من يقول: إنها فُتِحَتْ صُلْحًا لا يقول: إنها مُلِكَتْ، ثم إِضَافَةُ المِلْكِ إليه على سَبِيلِ أنه المُتَسَبِّبُ إلى تحصيله، لا على معنى أنه ملكها خَاصَّةً.
ويجوز أن يُعَلَّمَ قوله: "وقسمها" وقوله بعد ذلك: "ووقفها" كلاهما بالميم؛ لأن عند مَالِكٍ أنها صارت مِلْكًا بنفس الاغْتِنَامِ، والاسْتِيلاَءِ.
ولْيُعَلَّمْ بهذا قوله في الكتاب: "ولا يملك بالاسْتِيلاَءِ" بالميم أيضاً، ويجوز إِعْلاَمُ قوله: "ووقفها وأجرها" بالواو؛ لقول من قال: إنَّهُ بَاعَهَا.
وكذا قوله: "وضرب الأُجْرَة خَرَاجًا"؛ لأن ذلك القَائِلَ المَضْرُوب ثمن لا أُجْرَةٌ.
وقوله: "فلا يَصِحُّ بَيْعُ أراضي العِرَاقِ" بالحاء والواو، ولك أن ترجع من هذا المُنْتَهَى إلى لَفْظِ الكتاب في الرَّهْنِ، فتعلم قوله: "وأنه وقف" بالحاء.
وقوله: "وَقَفَهَا عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-" بالميم.
وقوله: "يملكها غيره" بالحاء والواو.
ونختم هذا الفَصْلَ الأَوَّلَ بفائدتين:
إحداهما: قال الشَّافعَيُّ -رضي الله عنه- في "المختصر": ولا أعرف ما أقول في السَّوَادِ إلا بظن مَقْرُونٍ إلى عِلْمٍ، واختلف في تفسيره:
فعن ابن سُرَيْجٍ أن المعنى كِدْتُّ أقول: إلا أنه اقْتَرَنَ به العِلْمُ، فزال الظَّنُّ وقلت: بعلم.
الجزء: 11 - الصفحة: 452
وعن أبي حَفْصِ بن الوَكِيلِ: أنه أراد بالظَّنِّ أن الأَخْبَارَ الواردة في الباب طَرِيقُهَا الظَّنُّ الغَالِبُ، وأراد بالعِلْمِ العِلْم بِوُرُودِهَا.
وعن أبي إِسْحَاقَ أنه أراد بقوله: "بِظَنِّ مَقْرونٍ بدليل"، كأنه عَبَّرَ عن العِلْمِ بالدليل؛ لأنه يثمر العلم.
وقيل: أراد أن فَتْحَهَا عَنْوَةً مَعْلُومٌ لِكَثْرَةِ الناقلين، والذي فعل عمر -رضي الله عنه- بِهَا مَظْنُونٌ، ويمكن أن يُقَالَ: أَشَارَ بالكلمة إلى كثرة اخْتِلاَفِ الرِّوَايَاتِ فيه، فيكاد يرتقي الظَّنُّ إلى حَدِّ العلم، ويراجع العلم إلى حَدِّ الظَّنِّ أخرى.
الثانية: إذا أراد الإِمَامُ اليوم أن يُوقِفَ أَرْضَ الغَنِيمَةِ كما فعل عمر -رضي الله عنه- جاز إذا اسْتَطَابَ قُلُوبَ الغانمين في النزول عنها بِعِوَضٍ، أو بغير عِوَضٍ، وإن أَبَى بَعْضُهُمْ فهو أَحَقُّ بماله، وكذلك المَنْقُولاَتُ والصِّبْيَانُ والنِّسْوَان لا يجوز لِلإمَامِ رَدُّ شيء منها إلى الكُفَّارِ إلا بِطِيبَةِ أَنْفُسِ الغانمين؛ لأنهم ملكوها بالاغْتِنَامِ.
قال الإِمام: وليس لِلإمَامِ أن يَأْخُذَ الأَرَاضِيَ قَهْرًا، وإن كان يعلم أنهم [يَتَوَانَوْنَ بسببها] (1) في الجِهَادِ، ولكنَ يَقْهَرُهُمْ على الخروج إلى الجِهَادِ بحسب الحَاجَةِ.
وجَوَّزَ أبو حنيفة رَدَّ الأراضي المَغْنُومَةِ إلى الكُفَّارِ، وِإن أبَى الغَانِمُونَ.
[قال الغَزَالِي
ُّ: الفَصْلُ الثَّانِي: فِي حَدِّ السَّوَادِ].
قال الرَّافِعِيُّ: وقد أطلق مُطْلِقونَ أن سَوَادَ "العِرَاقِ" من "عَبَادَانَ" إلى حديقة "المَوْصِلِ" طُولاً، ومن [عذيب] "القادسية" إلى حلوان عَرْضًا، وعلى هذا جَرَى صَاحِبُ الكتاب في "باب الرَّهْنِ" وهو بالفَرَاسِخِ على ما ذكر المَاوَرْدِيُّ وغيره في الطُّولِ مائة وستون، وفي العَرْضِ ثمانون، وذكر في مَسَاحَتِهِ قولان:
أحدهما: أنها اثْنَانِ وثلاثون ألف جريب، ويُنْسَب؛ هذا إلى ابن المُنْذِرِ.
والثاني: ستة وثلاثون أَلْفَ ألف، ويمكن أن يرجع التَّفَاوُتُ إلى ما يَقَعُ في الحد المذكور من السِّبَاخِ والتُّلُولِ والطُّرُق ومجاري الأنْهَارِ، ونحوها مما لا يزرع، وكان بعضهم أَخْرَجَهَا عن الحساب، لكن في إِطْلاَقِ الحَدِّ المذكور [تَسَاهُلٌ] 199 لما اشتهر من أَرْضِ "البصرة" أنها كانت [سَبْخَة] 200 أحْيَاهَا عثمان بن أبي العَاصِي، وَعُتْبَة بن غَزْوَانَ -رضي الله عنهما- بعد الفتح، وهي دَاخِلَةٌ في هذا الحَدِّ، ولا بد من استثنائها.198
الجزء: 11 - الصفحة: 453
وقد أطلق صاحب "التهذيب" أن "البصرة" لا تَدْخُلُ في حكم السَّوَادِ، وإن كانت دَاخِلَةً في حَدِّهِ.
وفي "البحر" أن القاضي المَاوَرْدِيّ قال: حضرت الشَّيْخَ أَبَا حَامِدٍ، وهو يدرس تحديد السَّوَادِ في "كتاب الرَّهْنِ"، وأدخل فيه "البصرة" ثم أقْبَلَ عَلَيَّ، وقال: هكذا تَقُولُ.
فقلت: لا إنها كانت مَوَاتاً أَحْيَاهَا المُسْلِمُونَ، فأقبل على أصحابه وقال: عَلِّقُوا ما يَقُولُ، فإن أهل "البصرة" أعرف بـ"البصرة"، ولكن في اسْتِثْنَاءِ "البصرة" على الإِطْلاَقِ تَسَاهُلٌ أيضاً.
والثالث: وهو الذي أَوْرَدَه صاحب "التهذيب" وغيره أن "البصرة" ليس لها حُكْمُ السَّوَادِ، إلا في موضع من شرقي دِجْلَتِهَا يسمى "الفُرَات"، وموضع من غربي يسمى نهر "الصراة" وإنما سموها أَرْضَ السَّوَاد؛ لأنهم خَرَجُوا من البَادِيَةِ، فرأوا خضرة [الزرع والأشجار الملتفة، والخضرة] (1) ترى من البعد سَوَادًا، فقالوا: ما هذا السَّوَادُ؟.
وأيضاً فبين اللَّوْنَيْنِ تَفَاوُتٌ، وقد أطلق اسم أحدهما على الآخر.
الفصل الثالث في الخَرَاجِ الَّذِي ضُرِبَ على أرض السَّوَادِ
ما يُؤْخَذُ من خَرَاجِ هذه الأَرَاضِي يَصْرِفُهُ الإمَامُ إلى مَصَالِحِ المسلمين والأهم منها فالأهم، ويجوز صَرْفُهُ إلى الفُقَرَاءِ والأَغْنِيَاءِ من أَهل الفَيْءِ وغيرهم، وقدر الخَرَاج في كل سَنَةٍ مَا رَوَاهُ الشَّعْبِيُّ أن عمر -رضي الله عنه- بعث عُثْمَانَ بن [حنيف] 202 مَاسِحَاً فَفَرَضَ على كل جَرِيبِ شَعِيرٍ دِرْهَمَيْنِ، وعلى كل جَرِيبِ حِنْطَة أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، وعلى جَرِيبِ الشَّجَرِ وَقَصَبِ السُّكَّرِ ستة دَرَاهِمَ، وعلى جَرِيبَ النَّخْلِ عشرة دراهم، وعلى جَرِيبِ الزَّيْتُونِ اثني عشر درهماً.
وعن رواية أبي مجلز أن ابن حنيف فَرَضَ على جَرِيب الكَرْم عشرة دراهم، وعلى جَرِيب النخل ثَمَانِيَةَ دَرَاهِم، وليس فيها ذِكْرُ الزيتون والبَاقي لما سبق وأقام مُقِيمُونَ الرِّوَايَتَيْنِ وجهين لِلأصْحَابِ، والمشهور الثاني على ما ادّعى صاحب "البيان".
وعن أبي حَنِيْفَةَ أنه سَاعَدَنَا في جميع ذلك، إلاَّ في الشَّعِيرِ والحِنْطَةِ، فإنه قال: يُؤْخَذُ من جَرِيبِ الشعير قَفِيزٌ ودرهم ومن جَرِيبِ الحِنْطَةِ قَفِيزٌ ودرهمان.201
الجزء: 11 - الصفحة: 454
وعن أحمد: يُؤْخَذُ من كل واحد منهما قَفِيزٌ ودرهم، ويذكر أن الحَاصِلَ من أرض "العراق" في عَهْدِ عمر -رضي الله عنه- كان مائة ألف ألف وسبعة وثلاثين ألف ألف درهم.
وقيل: مائة ألف ألف وستين ألف ألف، ثم كان يَتَنَاقَصُ حَتَّى عاد في زَمَانِ الحَجَّاجِ إلى ثمانية عشر ألف ألف دِرهَمٍ، فلما وَليَ عُمَرُ بْنُ عبد العزيز -رضي الله عنه- ارْتَفَعَ في السَّنَةِ الأولى إلى ثلاثين ألف ألف دِرهَمٍ، وفي الثانية إلى ستين أَلْفَ ألف.
وقيل: فوق ذلك فقال: إن عِشْتُ [لَأَبْلُغَنَّ] 203 إلى ما كان في عَهْدِ عُمَرَ بن الخَطَّابِ -رضي الله عنه- فمات في تلك السَّنَةِ -رضي الله عنه-.
المسألة الثانية مَكَّة شَرَّفَهَا الله -تعالى- فتحت صُلْحًا.
وقال أبو حَنيفَةَ ومالك: فتحت عَنْوَةً.
واحتج الأصحاب بقوله تعالى: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ [الفتح: 21].
قيل: التي عَجَّلَ لهم غَنَائِمُ "خيبر" والتي لم يقْدِرُوا عليها غَنَائِمُ "مكة"، والمعنى لم تَقْدِرُوا عليها بالقَهْرِ، وفي قِصَّةِ فتح "مكة" بأن أبا سفيان طلب الأَمَانَ لأهل "مكة" فَعَقَدَ الأَمَانَ لهم رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وهم بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فقال: "مَنْ دَخَلَ المَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ [ومن ألقى سلاحه فهو آمن] 204 وَمَنْ أَغلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ" 205 واستثنى رِجَالًا مَخْصُوصِينَ أمر بقتلهم، وأيضاً فإنه لم يقتل، ولم يسب، ولا قَسَّمَ عَقَارًا، ولا منقولاً، ولو فتحت عَنْوَةً لكان الأَمْرُ بخلافه.
وقال صاحب "الحاوي": عندي أن أَسْفَلَ "مَكَّةَ" دخلها خالد بن الوَلِيدِ عَنْوَةً، وأَعْلاَهَا دخل الزبير بن العَوَّامِ -رضي الله عنه- صلحًا ودخل النبي -صلى الله عليه وسلم- من جهة الزبير، فصار حُكْمُ جهته الأَغْلَبَ، ولم يغلب أسفل "مكة"؛ لأن القِتَالَ كان على جِبَالِهَا ولم يكن فيها.
وقد يعلل أبو حنيفة امْتِنَاعَ النبي -صلى الله عليه وسلم- عن قِسْمَةِ العَقَارَاتِ بأنها خلقت حرة ويقول: لا يجوز [بيع] 206 دور "مكة".
وعندنا: دُورُهَا وعِرَاصُهَا المحياة مَمْلُوكَةٌ، كما
الجزء: 11 - الصفحة: 455
في سائر البلاد ويصح بيعها ولم يَزَلِ النَّاسُ يَتَبَايَعُوْنَهَا.
وقد رُوِيَ أن عُمَرَ -رضي الله عنه- اشترى حُجَرَةَ سَوْدَةَ بـ"مكة" حَرَسَها الله -تعالى- وأن حكيم بن حِزَامِ باع دَارَ النَّدْوَةِ من مُعَاوَيةَ.
قوله في الكتاب: "وقد فتحت عَنْوَةً" ظَاهِرُهُ يُخَالِفُ المَذْهَبَ فإن الفتح عَنْوةً قَوْلُ أبي حنيفة ومالك على ما بَيَّنَّاهُ، وإذا آخره فهول مَحْمُولٌ على ما قال الإِمام: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل "مكة" مُسْتَعِدّاً لقتال لو قُوتِلَ، إلا أنه لم يُقَاتَلْ واستؤمن وأما الفتح عَنْوَةً [فعلى معنى] (1) أنه منع فقاتل، فهذا لم يَتَحَقَّقْ، وقد فسر العَنْوَةَ في "الوسيط" بذلك، وكان في غُنْيَةٍ من استعمال "عَنْوَةِ" وتفسيره والله أعلم.
" البَابُ الثَّالِثُ فِي تَرْكِ القَتْلِ وَالقِتَالِ بِالأَمَانِ"
قال الغَزَالِيُّ: وَالأَمَانُ مَصْلَحَةٌ فِي بَعْضِ الأَحْوَالِ* وَمَكِيدَةٌ مِنْ مَكَائِدِ القِتَالِ في المُبَارَزَةِ* وَلا يَصِحُّ مِنْ آحَادِ المُسْلِمِينَ إلاَّ فِي آحَادِ الكُفَّارِ أَوْ عَدَدٍ مَحْصُورِينَ* وَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُؤْمِنٍ مُكَلَّفٍ حَتَّى العَبْدِ (ح) وَالمَرْأَةِ وَالشَّيْخِ الهَرِمِ وَالسَّفِيه* وَلاَ يَصِحُّ مِنْ مَجْنِونٍ (و) وَصَبيٍّ.
قال الرَّافِعِيُّ: الأَمَانُ وإن تَضَمَّنَ تَرْكَ القتل والقِتَالِ، لكنَّ المَصْلَحَة قد تَقْتَضِيهِ، إما في استمالة الكافر لِيَرْغَبَ في الإِسْلاَم، علَى ما قَالَ تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ ...﴾ [التوبة: 6] الآية أَو لِتَرْفِيهِ الجُنْدِ، أو لترتيب أمُورِهِمْ، أو لِلْحَاجَةِ إلى دخولِ الكُفَّارِ، وقَدْ يصيرُ مَكِيدةً من مَكَائِدِ القِتَالِ فِي المُبَادَرَةِ لاستنزال الأَبْطَالِ والأَقْرَانِ، وينقسمُ إلى عَامٍّ، وَهُوَ الذي يَتَعَلَّقُ بِأهْلِ إقليم، وناحيةٍ، وبَلدَةٍ وهذا يَخْتَصُّ بالإمام وَوُلاَتِهِ، وهو عَقْدُ المُهَادَنَةِ، وسيأتي من بعد إن شَاءَ اللهُ تعالى.
وإلى خَاصٍّ وَهُوَ الذي يَتَعَلَّقُ بالآحَادِ وهذا يَصِحُّ من الوُلاَةِ ومن الآحَاد، والباب مَعْقُودٌ لِهَذَا القِسْمِ الخاص.
والأَصْلُ فيه مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلاً أَجَارَ رَجُلاً من المُشْرِكِينَ، فقالَ عَمْرُو بنُ العَاصِ، وخِالِدُ بنُ الوَلِيدِ: لا يُجِيرُ ذلكَ، فقَالَ أبو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاح -رضي الله عنه- ليس لكما ذلكَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يجير علَى المُسْلِمَينَ بعضهم" فأجَارُوهُ 208.207
الجزء: 11 - الصفحة: 456
وعنْ عَلِيٍّ -كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ- أنه قال: ما عِنْدِي إلا كِتَابُ اللهِ، وهذهِ الصَّحِيفَة عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ ذِمَّةَ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فمن حقَرَ مسلماً، فعليه لَعْنَةُ الله والملائكةِ، والناسِ أجمعين" 209.
والفصل يشتمل على مَسْألَتَيْنِ:
إحداهما؛ إنَّمَا يَجُوزُ لآحَادِ المسلمين 210 أَمَانُ وَاحدٍ من الكُفَّار، أو جَمَاعَةٍ مَحْصُورِينَ؛ كعشرةِ ومائة، ولا يَجُوزُ لهم أَمَانُ إِقْلِيم، وَنَاحِيَةٍ، وبلدةٍ، بل النَّظَرُ فِيهِ مُتَعَلِّقٌ بصَاحِبِ الأمر وفي "البيانِ": أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُؤَمِّنَ وَاحِدٌ أَهْلَ قَلْعَةٍ, ولا شك أن القَرْيَةَ الصَّغِيرَةَ في معناها، وعن المَاسَرْجِسِيِّ: أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُؤَمِّنَ الوَاحِدُ لأهل قرية، وإنْ قَلَّ عَدَدُ من فيها، والأشبه الأول.
والضَّبْطُ في الباب إلاَّ يَنْسَدَّ بسببه بَابُ الجِهَادِ في تلك الجِهَةِ، والناحية، فإذا تأتى الجِهَادُ من غير التَّعَرُّض لِمَنْ آمن، نَفَذَ الأَمَانُ.
قال الإِمام: والسِّرُّ فيه أَنَّ الجِهَادَ شِعَارُ الدِّينِ والدَّعْوَةِ القهرية، وَهُوَ وَجْهٌ من أعظم المَكَاسِبِ للمسلمينَ، فَيَنْبَغِي ألا يظهر بأَمَانِ الآحَادِ [انحسام] 211 ولا نقصان يحس.
قال: ولو أَمَّنَ مِائَةُ ألْفٍ من المسلمين مِائَة أَلْفٍ من الكفار، فكل واحدٍ لم يُؤَمِّنْ إلا وَاحِداً، لكن إذا ظَهَرَ انحسام أو نُقْصَانْ، فأمان الكُلِّ مَرْدُودٌ، ولك أنْ تَقُولَ: إن أمَّنُوهُمْ معاً، فالكل متوجّهٌ وإن أمَّنُوهُمْ على التَّعَاقُب، فينبغي أن يَجُوزَ أَمَانُ الأَوَّلِ، فالأول إلى ظهورِ الخَلَلِ، على أنَّ القَاضِي الروياني أَوْرَدَ أَنَّهُ إذا أمَّنَ واحداً جاز، وإن كَثُرُوا حتى زَادُوا على عَدَدِ أَهْلِ البَلْدَةِ الواحدةِ والقريَةِ الواحدةِ لم يَجُزْ.
ولا فَرْقَ بين أنْ يَكُونَ الكَافِرُ المؤمن في دَارِ الحرب، وبين أن يُؤمن في حَالِ القِتَالِ، أو في الهَزِيمَةِ أو عند الوُقُوعِ في مضيق، بلْ يَجُوز الأَمَانُ مَا دَامَ ممتنعًا.
فأمَّا بعد الأَسْرِ، فلا يَجُوزُ للأَحَادِ أَمَانُهُ، ولا المَنُّ عليه؛ لأنَّ بالأَسْرِ، ثبت = نجير من أجار، فقال أبو عبيدة: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: يجير على المسلمين بعضهم، وحجاج هو ابن أرطاة وفيه ضعف وهو مدلس، والمعروف عن عمرو بن العاص خلاف ذلك، فقد روى الطيالسي في مسنده عنه فرفعه: يجير على المسلمين أدناهم، ورواه أحمد من حديث أبي هريرة رفعه: يجير على المسلمين أدناهم، ورواه أحمد من حديث أبي عبيدة: يجير على المسلمين بعضهم.
الجزء: 11 - الصفحة: 457
للمسلمين فيه حَقٌّ، ويخبر الإِمام، فلا يَجُوزُ إبْطَالُهُ والتَّفْوِيتُ عليه.
ولو قَالَ واحد من المسلمين: كُنْتُ أمَّنْتُهُ قَبْلَ هذا، لم يُقْبَلْ؛ لأنَّهُ لا يَمْلِكُ أَمَانَهُ في الحَال [بخلاف ما إذا أَقَرَّ بِأمَانِ مَنْ يَجُوزُ أَمَانُهُ في الحال] 212.
ولو قال جَمَاعَةٌ: كُنَّا أَمَّنَّاهُ، فكذلك لا يُقْبَلُ؛ لأنَّهم يَشْهَدُونَ على فِعْلِ أَنْفُسِهِمْ، ولو قَالَ وَاحِدٌ: كُنْتُ أَمَّنْتُهُ، وشَهِدَ بِهِ اثنان، قبلت شَهَادَتُهمَا.
المسألة الثَّانِيَة.
يَصِحُّ الأَمَانُ 213 مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفِ، فيدخل فيه العبد وقال أبو حُنيفةَ: لا يَصِحُّ أَمَانُهُ، إلاَ أَنْ يَكُونَ مأذونًا لَهُ في القِتَالِ.
لنا: إِطْلاَقُ النُّصُوصِ، وأيضاً فقد قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "المُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ" 214، ولاَ فَرْقَ بين أن يَكُونَ سَيِّدُهُ مُسْلماً أو كَافِراً، ويدخل فيه المَرْأَةُ والخُنْثَى.
الجزء: 11 - الصفحة: 458
ويُرْوَى عن أم هَانِيءٍ -رَضِيَ اللهُ عَنهما- قالت: أَجَرْتُ رَجْلَيْنِ من أحْمَايَ، فقَالَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أَمَّنَّا مَنْ أَمَّنْتِ" 215.
ويَدْخُلُ فيهِ أَيْضًا الفَقِيرُ والمَحْجُورُ عليه [بالسَّفَهِ، والفلس] 216 والمَرِيضُ، والشيخُ الهَرِمُ، والفَاسِقُ، فيجوز أَمَانُهُمْ، وعن ابن أبي هُرَيْرَةَ: وَجْهٌ في الفَاسِقِ.
لكنَّهُ نوعٌ ولايَةٍ، ويخرجُ عن الضبط الكَافِرُ، فلا 217 يصحُّ أمَانُهُ؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ، ولَيْسَ من أهل النظر للمُسْلِمِينَ، ويخرجُ الصَّبِيُّ، والمَجْنُونُ، فلا 218 اعتبارَ بعبارتِهما، وفِي الصَّبيِّ المُمَيِّزِ وَجْهٌ؛ لأنَّهُ عَقْدٌ لا ضِرَارَ فيهِ، ولا تَبِعَةَ، وهو كالتدبير [والوصية، وهذا الوجه حِكَايَةُ القاضي ابن كَجٍّ عن أبي الحُسَيْنِ، عن أبي بكر به.
الخَفَّافِ، من أصحابنا مَبْنِيّاً على صِحَّةِ إِسْلاَمِهِ] 219 ويُعْتَبَرُ مع الإسْلاَم والتكليفِ الاخْتِيَارُ، فالمكره على عَقْدِ الأَمَانِ لا يَصِحُّ أَمَانُهُ والأَسِيرُ قَرِيبٌ من المُكْرَهِ، وسيأتي حُكْمُ أَمَانِهِ من بَعْدُ، إنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
قال الغَزَالِيُّ: وَيَنْعَقِدُ باللَّفْظِ وَالكِتَابَةِ وَالإِشَارَةِ المُفْهِمَةِ* فَإِنْ رَدَّ الكَافِرُ ارْتَدَّ* وَإِنْ قَبِلَ صَحَّ* وَلاَ يَكْفِي سُكُوتُهُ بَلْ لاَ بُدَّ مِنْ قَبُولٍ وَلَوْ بِالفِعْلِ* فَلَوْ أَشَارَ عَلَيْهِمْ مُسْلِمٌ فِي صَفِّ الكُفَّارِ فَانْحَازَ إِلَى صَفِّ المُسْلِمِينَ وَتَفَاهَمَا الأَمَانَ فَهوَ أَمَانٌ* وَإِنْ ظَنَّ الكَافِرُ أنَّهُ أَرَادَ الأَمَانَ وَالمُسْلِمُ لَمْ يُرِدْهُ فَلاَ يُغْتَالُ بَلْ يُلْحَقُ بِمَأْمَنِهِ* وَلَوْ قَالَ: مَا فَهِمْتُ الأَمَانَ = سواهم، تتكافأ دماؤهم، ويجير عليهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، ورواه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر مطولاً، ورواه ابن ماجة من حديث معقل بن يسار مختصرًا: المسلمون يد على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، ورواه الحاكم عن أبي هريرة مختصرًا: المسلمون تتكافأ دماؤهم.
الجزء: 11 - الصفحة: 459
يُغْتَالُ* وَمَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ لِسِفَارَةٍ أَوْ لِسَمَاعِ كَلاَمِ اللهِ تَعَالَى لَمْ يُفْتَفَرْ إِلَى عَقْدِ أَمَانٍ بَلْ ذَلِكَ القَصْدُ يُؤَمِّنُهُ* وَقَصْدُ التِّجَارَةِ لاَ يُؤَمِّنُهُ وَإنْ ظَنَّهُ أَمَاناً* وَلَوْ قَالَ الوَالي: أَمِنْتُ مِنْ قَصْد التِّجَارَة صَحَّ* وَلاَ يَصِحُّ مِنَ الآحَادِ* فَإِنْ ظَنَّ الكَافِرُ صِحَّتَهُ فَلاَ يُغْتَالُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرَّافِعِيُّ: ينعقدُ الأَمَانُ بِكُلِّ لَفْظٍ مُقَيّدِ للغرض صَرِيحًا كان، أو كِنَايَةً فالصَّرِيحُ كَقَوْلِهِ: "أَجَرْتُكَ، أو أنت مُجَارٌ، أو أَمَّنْتُكَ، أو أنت آمِنٌ، أو في أَمَانِي".
قَالَ في "البحر": وكذَا لو قَال: "لاَ بأْسَ عَلَيْكَ" وَيدُلُّ عليه ما رُوِيَ أنَّ الهرمزَانَ لمَّا حَمَلَهُ أبو موسى الأشْعَرِيُّ إلى عُمَرَ -رضي الله عنه- فقَالَ لَهُ عُمَرُ: تكلمْ لا بَأْسَ عَلَيْكَ، ثم أراد قَتْلَهُ.
فقَالَ له أَنَسُ بن مَالِكٍ -رضي الله عنه-: ليس لك إلى قَتْلِهِ سَبِيلٌ قُلْتَ له: تَكَلَّمْ لا بَأْسَ عليك فتركه 220.
وفي إيراد بعضهم ما يَقْتَضِي كَوْنَهُ كِفَايَةً، واعترض عليه في قِصَّةِ الهرمُزَان بأنه كان أَسِيرًا، وقد قُلْتُمْ بأن الأَسِيرَ لا يَجُوزُ أَمَانُهُ، وأُجِيبَ عنه بأنَ الآحَادَ هُمُ الَّذِينَ لا يُؤَمِّنُونَ الأَسِيرَ، أما الإمَامُ فله الأَمَانُ، كَمَا له المَنُّ ويَنْعَقِدُ الأَمَانُ بأنْ يقول: لا خَوْف عَلَيْكَ، ولاَ تَخَفْ وَلا تَفْزَعْ، أو يقول بالعجمية ميدس مترس 221.
رُوِي عن ابن مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللهَ -تَعَالَى- يَعْلَمُ كُلَّ لِسَانٍ، فمن أَتَى مِنْكُم أَعْجَمِيّاً، فَقَالَ: مترس فقد أَمَّنَهُ 222.
وعند الرُّويَانِيِّ أنَّ هذه الألْفَاظَ أَيضاً صَرِيحَةٌ، وحَكَى صَاحِبُ "الحاوي": أَنَّ قَوْلَهُ: لا خَوْفَ عليك -صَريحٌ دُونَ قوله: لاَ تَخَفْ، ولا تفزع؛ لأنَّ ذَلِكَ نَفي للخوف وهذَا نَفْيٌ.
[والكناية كقوله] 223: أَنْتَ عَلَى ما تُحِبُّ، أو كُنْ كَيْفَ شِئْتَ.
وينْعَقِدُ الأَمَانُ بالكِنَايَةِ والرِّسَالَةِ أيضاً، سواءٌ أكان الرَّسُولُ مُسْلِمًا أو كَافِرًا.
الجزء: 11 - الصفحة: 460
رُوِي عن فَضْيلٍ الرّقاشي أنَّهُ قَالَ: جَهَّزَ عُمَرُ -رضي الله عنه- جَيْشًا وكُنْتُ فِيهمْ [فحصرنا قرية رامهرمز] 224 وكتب عَبْدٌ أمَانًا في صَحِيفَةٍ شَدَّهَا مع سَهْمٍ رَمَى بهِ إلى اليَهُودِ، فخرجُوا بأمَانِهِ، فكَتَبَ إلى عُمَر -رضي الله عنه-.
فقَالَ العَبْدُ المسلمُ: رَجُلٌ من المُسْلمينَ ذِمَّتُهُ ذِمَّتُهُمْ، ويَنْعَقِدُ أيضاً بالإشَارَةِ المُفْهِمَةِ.
رُوِيَ عَن عُمَرَ -رضي الله عنه- أنَّه قَالَ: والَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لو أَنَّ أَحَدَكُمْ أَشَارَ بِإِصْبَعِهِ إلى مُشْرِكٍ، فنزل على ذلك، فقتله لَقَتلْتُهُ 225.
قَالَ الإِمَامُ: ولاَ فَرْقَ أنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى العِبَارَةِ، أو لاَ يَكُونَ.
ومبنى البابِ على الاتساعِ، هذا هو جَانِبُ المسلِم المُؤَمنِ.
فأمَا الكَافِرُ المؤمنُ، فلاَ بُدَّ من عِلْمِهِ وبُلُوغِ خبر الأَمَانِ إليه، فإنْ لم يَبْلُغْهُ، فلا أمَانَ، حتَّى لو ابتدر المسلم، فقَتَلَهُ جَازَ، واذَا خَاطَبَهُ بالأَمَانِ، وبَلَغَهُ الخَبَرُ فَرَدَّهُ ارتد؛ لأنَّ ثَابِتَ بْنَ قَيسِ بنِ شَمَّاس أمَّن الزبير بن باطا يَوْمَ قُرَيْظَةَ فَقَتَلَهُ 226؛ لأَنَّهُ إِيجَابُ حَقِّ لغيرهِ، وإذا رَدَّهُ ارْتَدَّ كالإيجَابِ في الَبيْع والهِبَةِ، وإنْ قبلَ أو كانَ قَدِ اسْتَجَارَ من قبل تَمَّ الأَمَانُ، وَلاَ يُشْتَرطُ قَبُولُهُ لفظًا، بل تكفي الإشَارَةُ والَأَمَارةُ المُشْعِرَة بالقَبُولِ.
فإنْ كَانَ في القِتَالِ، فينبغي أنْ يَتْرُكَ القِتَالَ، فلو سَكَتَ، فلم يَقْبَلْ ولم يَرد، قَالَ الإِمَامُ.
فيه تَرَدُّدٌ، والظَّاهِرُ أنَّه لاَ بُدَّ من القَبُولِ، وهذا 227 هو [المذكور] 228 في الكتاب.
واكْتَفَى في "التهذيبِ" بالسُّكُوتِ، ولو قَالَ الكَافِرُ: قَبِلْتُ أَمَانَكَ، وَلَسْتُ أُؤَمِّنُكَ فَخُذْ حذرك مني [ففي "النهاية" أن هذا رَدٌّ لِلأَمَانِ؛ لأَن الأَمَانَ لا يَثْبُتُ في أحد الطرفين دون الثَّانِي] 229: ويصح تعليق الأمان بالأَعذارِ فلو أَشَار مُسْلِمٌ إلى كافر في القِتَالِ، وانحاز إلى صَفِّ المُسْلِمِينَ وتَفَاهَمَا الأَمَانَ، فَهُوَ أَمَانٌ، فإنْ قَالَ الكافرُ: ظَنَنْتُ أَنَّه يُؤَمِّنُنِي، وقالَ المُسْلِمُ: لم أُرِدْهُ، فالقولُ قَوْلُهُ، ولا أَمَانَ، ولكنْ لا يُغْتَالُ الكافر، ويُلْحَقُ بمَأْمَنِهِ، وكذَا لو دَخَلَ بِأمَانِ صَبِيٍّ، أو مَجْنُون أو مُكْرَهٍ وقَالَ: ظننت صِحَّتَهُ أو ظننته بَالَغاً، أو عَاقِلاً، أو مختارًا، فإنْ قَال: عَرَفْتُ أنهُ لم يُرِدِ الأَمَانَ، فقَدْ دخلَ بلا أَمَانٍ، ولو قال:
الجزء: 11 - الصفحة: 461
عَرَفْتُ أنَّهُ كَانَ صَبِيًّا، وأَنَّهُ لا أَمَانَ لِلصَّبِيِّ فكذلك.
ولو مَاتَ المُسْلِمُ المشير قبل البَيَانِ، فلاَ أَمَانَ، ولا اغْتِيَالَ.
وما ذكرنا من اعْتِبَارِ صيغة الأَمَانِ، موضعه ما إذا كَانَ الكَافِرُ يدخل بِلاَدَنَا بلا سَبَبٍ، أما إذا دخَلَ لِسِفَارَةٍ 230، فقد مَرَّ أن الرَّسُولَ لا يُتَعَرَّضُ له، فإن دَخَلَ لِيَسْمَعَ الذِّكْرَ ويَنْقَادَ إلى الحَقِّ إذَا لاَحَ له ذلك، فكذلِكَ.
وَحَكَى الإمَامُ في قولهِ تعَالَى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: 6] أنه لَيْسَ المُرَادُ أنْ يعقد له أَمَاناً [لكن غَرَضَ الآية إعْلاَمُنَا أنه آمِنٌ، وقَصْدُ التِّجَارَةِ لا يفيد الأمان] 231، لكن لو رَأَى الإمَامُ مَصْلَحَةً في دُخُولِ التجار فَقَالَ: من دخلَ تَاجِرًا، فَهُوَ آمِنٌ جاز واتبع، ومثل هَذَا الأَمَانِ لا يَصِحُّ من الآحَادِ.
ولو قَال الكَافِرُ ظَنَنْتُ أن قَصْدَ التِّجَارَةِ يُؤَمّن فَيُغْتَالُ، ولا عِبْرَةَ بظن لا مُسْتَنَدَ لَهُ، ولو سَمِعَ واحِدًا من المسلمين يقول: من دَخَلَ تَاجِراً فَهُوَ آمِنٌ، فدخَلَ، وقال: ظَنَنْتُ صِحَّتَهُ، فأظْهَرُ الوجهين 232 أنَّه لا يُغْتَالَ.
قال الغَزَالِيُّ: وَشَرْطُ الأَمَانِ أَلاَّ يَزِيدَ عَلَى سَنَةٍ* وَيَصِحُّ إلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ* وَفَوْقَ ذَلِكَ إِلَى السَّنَةِ فِيهِ قَوْلاَنِ* وَلَوْ أَمَّن جَاسُوساً أَوْ مَنْ فِيهِ مَضَرَّةٌ لَمْ يَنْعَقِدْ* وَلاَ تُشْتَرَطُ المَصْلَحَةُ بَلْ يَكْفِي عَدَمُ المَضَرَّةِ لِلصِّحَّةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إِنَّمَا قال: "وشرط الأَمَان"؛ لأن المُؤَمِّنَ والمُؤَمَّنَ والصِّيغَةَ التي تَكَلَّمْنَا فيها عدها في "الوَسِيط" أَرْكَاناَ على عَادَتِهِ، فلما فَرَغَ منها عَقبَهَا بما هو شَرْطُ الأَمَانِ أمران:
أحدهما: ألاَّ يزيد على سَنَةٍ، وَيجُوزُ إلى أَرْبَعَةِ أَشْهُر وفيما بينهما قَوْلاَن: أصَحُّهُمَا: المَنْعُ وحكمه حكم المُهَادَنَةِ حَيْثُ لا ضعف، والنَّظَرُ في القُوَّةِ والضعفِ يُنَاطُ برأي الإِمام، وكُلُّ واحد لا يُعْرَفُ أسبابها، وحال الأجناد.
وذكر في "البحر" أنَّهُ: لو زَادَ على سَنَةٍ، بَطَلَ في الزِّيَادَةِ على المَشْرُوعِ دُونَ البَاقِي.
وفي وَجْهِ يبطل في الكلِ تخريجاً من تفريقِ الصفقة وأنه لو أطلق حمل على أربعةِ أشهرٍ ويبلغُ بعدَها المأمن.
والثاني: أَلاَّ يتضرر به المسلمُون حتى لو أَمَّنَ جَاسُوسًا، أو طَلِيعَةً، لم يَنْعَقِدْ الأَمَانُ قال الإِمام -رحمه الله-: وينبغي ألاَّ يستحقَّ التَّبْلِيغَ إلى المَأْمَنِ أيضاً؛ لأَنَّ دُخُولَ مِثْلِهِ خِيَانَةٌ فَحَقُّهُ أن يُغْتَالَ، ولو أَمَّنَ من أحاط على مَدَارجِ الغُزَاةِ، وعسر بسببه مَسِيرُ
الجزء: 11 - الصفحة: 462
العسكر، واحْتاجُوا إلى نَقْلِ الزَّادِ والعَلَفِ فهو مَرْدُودٌ لِلّضَّرَرِ، ولا يُشْتَرَطُ لانْعِقَادِ الأَمَان ظُهُور المَصْلَحَةِ، بل يَكْفِي عَدَمُ المَضَرَّةِ، والله أعلمُ.
قال الغَزَالِيُّ: وَحُكْمُهُ إِذَا انْعَقَدَ كَفَفْنَا عَنْهُ وَعَمَّا مَعَهُ مِنْ أهْلِ وَمَالٍ إِنْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي الأَمَانِ* وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ: أَمَّنْتُكَ فَفِي سِرَايَتِهِ إِلَى الأَهْلِ وَالمَالِ الَّذِي مَعَهُ وَجْهَانِ* وَفي عَقْدِ الأَمَانِ لِلْمَرْأَةِ مَقْصُودًا لِلْعِصْمَةِ عَنِ الاسْتِرْقَاقِ وَجْهَانِ لأنَّهُ تَابعٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذَا انْعَقَدَ الأَمَانُ، صارَ المُؤَمَّنُ مَعْصُوماً عن القَتْلِ والسَّبْيِ، ولو قَتَلَهُ قَاتِلٌ.
قال الإِمَامُ: الوَجْهُ عنْدَنَا القَطْعُ بأنَّهُ يضمن بما يضمن به الذِّمِّيُّ، ومن حكمه اللُّزُومُ من جهة المُسْلِمِينَ، فلا يَجُوزُ للإمام نَبْذُهُ؟ نَعَمْ، إنْ استشعر منه خِيَانَة نَبَذَ أَمَانَهُ؛ لأنَّ المُهَادَنَةَ تُنْبَذْ بذلك، فأمان الآحَادِ أَوْلَى وهو جائز من جهة الكُفَّارِ ينبذونُه متى شَاؤوا ولا يتعدّى الأَمَان إلى ما خَلَّفَهُ في دَارِ الحَرْبِ من الأهلِ والمالِ، فَأَمَّا ما معه منهما فَإِنْ وَقَعَ التَّعَرُّض له اتبع الشرط، وإلاَّ فَوَجْهَانِ، أطلَقهما في "النهاية" وَرجَّحَ المَنْعَ؛ لقُصُورِ اللفظ، وفي هذا مزيد نُورِدُهُ في خاتمة الكِتَابِ، وفي جَوَازِ عَقْدِ الأَمَانِ لِلْمَرْأةِ اسْتِقْلاَلاً وجهان:
وجه المنع: أن تَحْصِينَهَا بالأَمَانِ يتبع أَمَانَ الرجالِ، فلا تنفرد بالعَقْدِ، فهذا 233 ما أراد بِقَوْلِهِ في الكتاب: "لأنَّهُ تابع" وعن القاضي الحُسَيْنِ بناؤهما على القولين، فيما إذا انْتَهَى الإِمَامُ إلى حِصْنٍ لَيْسَ فيه إلا النِّسَاءُ، وطَلَبْنَ الصُّلْحَ على مَالٍ، أو بَذَلْنَ الجِزْيَةَ لئلا يُسْتَرْقَقْن، فإنْ قبل يَسْقُطُ اسْتِرْقَاقهُنَّ ببَذْلِ المَالِ، فَكَذَلِكَ الأَمان، وكانَ ذِكْرُ هذه في أَوَّل البابِ عند ذِكْرِ من يُؤَمّنُ أَوْلَى.
قال الغَزَالِيُّ: وَالأَسِيرُ إِذَا أُمِّنَ مِنْ أَسْرِهِ فَهُوَ فاسِدٌ لِأَنَّهُ كَالمُكْرَهِ* وَلَوْ أُمِّنَ غَيْرُهُ فَوَجْهَانِ* وَيَلْزَمُهُ حُكْمُهُ وَإِنْ لَمْ يَلْزَم غَيْرَهُ* فَلَوْ أَمَّنَهُمْ وَأَمَّنُوهُ بِشَرْطِ أَلاَّ يَخْرُجَ مِنْ دَارِهِمْ لَزِمَهُ الخُرُوجُ مَهْمَا قَدَرَ وَإِنْ حَلَفَ بِالطَّلاَقِ وَالعتَاقِ وَالأَيْمَانِ المُغَلَّظَةِ، لَكِنْ يُكَفِّرُ، وَدَعْهُ يَقَعُ طَلاَقُهُ وَعِتَاقهُ، فَلاَ رُخْصَةَ فِي المُقَامِ حَيْثُ يبْذلُ المُسْلِمُ وَلَكِنْ عِنْدَ الخُرُوجِ لاَ يَغْتَالُهم إِنْ أَمَّنَهُمْ* وَلَوِ اتَّبَعَهُ قَوْمٌ فَلَهُ دَفْعُهُمْ وَقَتْلهُمْ دُوْنَ غَيْرِهِمْ* وَلَوْ شَرَطُوا عَلَيْهِ الرُّجُوعَ لَمْ يَلْزَمْهُ (و) * وَلَوْ شَرَطَ إِنْفَاذُ مَالٍ لَمْ يَلزَمْهُ* وَإِنْ كَانَ قَدِ اشْتَرَى مِنْهُمْ شَيْئًا وَلَزَمَهُ الثَّمَنُ لَزِمَهُ إِنْفَاذُهُ* وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الشِّرَاءِ فعَلَيْهِ رَدُّ العَيْنِ* وَعَلَى القَدِيم يَتَخَيَّرُ بَيْنَ رَدِّ العَيْنِ أَوِ الثَّمَنِ إِذْ يَقِفُ العَقْدُ* وَالكَافِرُ إِذَا أَسْلَمَ وَقَدْ لَزِمَتهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ ظِهَارِ لَمْ تَسْقُطْ بِإسْلاَمِهِ* وَفيهِ وَجْهٌ.
الجزء: 11 - الصفحة: 463
قال الرَّافِعِيُّ: فيه مَسَائِلُ:
إحداها: الأسِيرُ في يد الكُفَّارِ إن أَمَّنَ بَعْضُهُم مُكْرَهاَ لمْ يَصِحَّ الأَمَانُ، وإنْ كان غير مُكْرَه، فوجهان:
أحدهما: يصحُّ؛ لأنَّهُ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ مختارٌ أَمَّنَ أمانًا ليس فيهِ إِضْرَارٌ.
وأصحُهما: المَنْعُ، وبه قال أبو حُنَيفَة؛ لأنَّه مَقْهُورٌ في أيديهم، لا يَعْرِفُ وَجْهَ النَّظَرِ في المَصْلَحَةِ، ولأن الأمان يقتضي أنْ يَكُونَ المؤَمَّنُ آمِناً، والأَسِيرُ في أيديهم ليس بِآمِن.
ورأى الإمَام تَخْصِيصَ الوَجْهَيْنِ، بما إذا أمن غير من أَسَرَهُ والقَطْعُ بِالمَنْعِ إذا أمَّنَ من أَسَرَهُ؛ لأنَّهُ كالمُكْرَهِ من جِهَتِهِ، وعلى هذا جَرَى صَاحِبُ الكِتَابِ.
فإنْ قُلْنَا: لا يَصِحُّ أَمَانُهُ، فهل يَصِحُّ، وَيلْزَم حُكْمُهُ في حَقِّهِ؟
فيه وَجْهان:
أَحَدُهُمَا: نَعم، كَمَا لو دَخَلَ دَارَهُمْ تَاجِرًا أو مُسْتَأْمَناً، لا يجوز له اغْتِيَالُهُمْ.
الثاني: لا؛ لأنهم لم يُؤَمِّنُوهُ بالتَّخْلِيَةِ، والتاجرُ والمستأمنُ كِلاَهُمَا آمِنٌ منهم فعليه أن يؤَمِّنَهُمْ من جهته، وبالأوَّلِ أَجَابَ 234 في الكِتَابِ وكلام [أكثرهم] 235 منهم القَفَّالُ إلى الثاني أَمْيَلُ.
وكان إِيرَادُ هذه المَسْأَلَةِ في جملةِ مَنْ يَعْقِدُ الأَمَانَ أَحْسَنَ، وكذلكَ فعل في "الوَسِيطِ".
الثانية: إنْ كانَ المُسْلِمُ ضَعِيفاً في دَارِ الكُفْر، لا يَقْدِرُ على إِظْهَارِ الدين، فيحرمُ عليه الإِقَامَةُ هناك، ويَجِبُ عليه الهِجْرَةُ، لما رُوِي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ أنا بريء مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ 236 وإنْ لمْ يَقْدِرْ عَلَى الهِجْرَةِ، فهُوَ مَعْذُورٌ إلى أنْ يَقْدِرَ، فإنْ فتح البلد قبل أن يهاجر سَقَطَتِ الهِجْرَة عنه، وإنْ كَانَ يَقْدِرُ على إِظْهَارِ الدين لكونهِ مُطَاعًا في قَوْمِهِ؛ ولأنَّ له هناك عَشِيرَةٌ يَحْمُونَهُ، ولم يَخَفِ الفِتْنَةَ في دِينِهِ، لمْ تَجِبْ عليه الهِجْرَةُ، لكنَّها تُسْتَحَبُّ، لئلاَ يَكْثُرَ سَوَادهم، ولأنَّهُ لا يؤمن أن يميل قَلْبُهُ إليهمْ، أو يَكِيدُوا له كيدًا، وفي "النهاية" ذِكْرُ وَجْهٍ أنه يَحْرُمُ عليه الإقَامَةُ عندهم [لإطلاق الخَبَر؛ ولأن المُسْلمَ بين أَظْهُرِ الكُفَّارِ مَقْهُورٌ مُهَانٌ، وإن كَفُّوا لِعَارِضٍ، لم يُؤْمَنْ عَوْدُهُمْ] 237 إليه، والمشهورُ الأول.
إذا تَقَرَّرَ ذلك، فالأَسِيرُ المَقْهُورُ متى قَدَرَ على الهَرَبِ يَلْزَمُهُ الهَرَبُ، ولو أطلقوا
الجزء: 11 - الصفحة: 464
أَسِيرًا بلا شَرْطٍ، فلهُ أن يغتالَهم قَتْلاً وسَبْياً، وإنْ أَطْلَقُوهُ على أنَّهُ في أَمَانٍ منهم، وأنهم في أَمَانٍ منهُ حُرِّمَ عليه اغْتِيَالُهُمْ، وإن أطلقُوه على أَنَّهُ في أَمَانٍ منهم، ولم [يستأمنوه] 238 فالمذهبُ أنَّ الجَوَابَ كذلك؛ لأنَّهُمْ إذا أَمَّنُوهُ، وَجَبَ أن يَكُونُوا في أَمَانٍ منهُ، ويُحْكَى هذا نصه في "أَمَالِي" حَرْمَلَةَ.
وعن ابنِ أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ له أن يَغْتَالَهُمْ؛ لأنهمُ لم يَسْتَأْمِنُوه، وإذا اتبعه قَوْمٌ بعد مَا خَرَجَ، فَلَهُ قَصْدُهُمْ، وقَتْلَهُمْ في الدَّفْع بكلِّ حَالٍ، ولو أَطْلَقُوهُ، وشَرَطُوا عليه ألاَّ يخرج من دَارِهِمْ، لم يَجُزِ الوَفَاءُ بالشَّرْطِ، وعليه الخُرُوجُ، كَمَا ذَكَرَنَا، وإن حَلَّفُوهُ على إلاَّ يَخْرُجَ، فإن كان مُكْرَهًا لم يَنْعَقِدْ يَمِينُهُ، ولا كَفَّارَةَ عليه إذا خرج، ولا يَقَعُ طَلاَقُهُ، إذا حَلَّفُوهُ بالطَّلاَقِ وإنْ حَلَفَ ابْتِدَاءً من غير أن يُحَلِّفُوهُ ليثقوا به ولا يَتَّهِمُوهُ بالخروج، نُظِرَ إن حَلَفَ بعد ما أَطْلَقُوهُ، فعليه الكَفَّارَة إذَا خَرَجَ، وإنْ كَانَ مَحْبُوسًا، بعد فحلَف أَلاَّ يَخْرُجَ إذا أطلق، ففيه وَجْهان:
أحدهما: أنه يَمِينُ إِكْرَاهٍ؛ لأنَّهُ لا يمكنه الخُرُوجُ، إلاَّ به، وَهُوَ المُكْرَه، وأظهرهما وأَشْهَرْهُمَا: المنعُ؛ لأنَّهُ ابْتَدَأَ بِالحَلِفِ اخْتِيَارًا، فَلَزِمَهُ حُكْمُهُ.
قَالَ في "التهذيب": ولو قالوا: لا نُطْلِقُكَ حتى تَحْلِفَ أَلاَّ تَخْرُجَ، فحلف ألا يَخْرجَ، فَأَطْلَقُوهُ لم تلزمه الكَفَّارَة بالخُرُوج، ولو حَلَّفُوهُ بالطَّلاَقِ لم يَقَعْ، كما لو أَخَذَ اللُّصُوصُ رَجُلاً وقالوا: لا نتْركك حتى تَحْلِفَ ألاَّ تُخْبِرَ بمكاننا أَحَدًا فَحَلَفَ، ثم أَخْبَرَ بمكانهم لا يَلْزَمُهُ الكَفَّارَةُ؛ لأنَّ اليَمِينَ يَمِينُ إِكْرَاهٍ، وليكن هذا بِنَاءً على [أَنَّ] التَّخْوِيفَ بِالحَبْس يَحْصُلُ به الإِكْرَاه، وعلى الأحْوَالِ لا يَغْتَالُهُمْ؛ لأَنَّهُمْ أَمَّنُوهُ، ولو كان عندهم عَيْنُ مَالٍ لِمُسْلِمٍ، فَأَخَذَهَا عِنْدَ الخُرُوج ليردها على مَالِكِهَا، جازَ، وإنْ شَرَطُوا الأمانَ في ذلك المال، فهل يَصيرُ مَضْمُونًا عليه؟ فيه طريقان:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عَلَى القولين فيما إذَا أَخَذَ المَغْصُوبَ من يد الغَاصِب لِيرُدَّهُ على مَالِكِهِ.
وعن القَفَّالِ: القَطْعُ بالمَنْعِ؛ لأَنَّهُ لم يكنْ مَضْمُونًا على الحَرْبِيِّ الذي كَانَ في يَدِهِ، والمأخوذ من يَدِ الغَاصِبِ كان مَضْمُونًا عليه فأديم حكمه.
ولو شَرَطُوا عليه أن يَعُودَ إليهم بعد الخُرُوجِ إلى دَارِ الإِسْلاَمِ لم يَجُزْ له العَوْدُ، ولو شرَطُوا أن يعود ويبعث لهم مَالاً فِدَاءٌ، فالعود ممتنع، وأما بَعْثُ المَالِ فإن قبل الشَّرْط مُكْرَهًا فهو لَغْوٌ، وإنْ صَالَحَهُمْ عليه مُخْتَاراً فلا يَجبُ بعثه، لكن يستحبُّ [أما أنه لا يَجِبُ، فلأنه الْتِزَاِمٌ بغير حَقِّ، وأما أنه يُسْتَحَبُّ] 239 فليعتمدُوا الشَّرْطَ، ويُطْلِقُوا الأُسَارَى، وفي سِيَرِ الوَاقِدِيِّ حِكَايَةُ قَوْلٍ أنَّه يَلْزَمُهُ بَعْثُهُ، وإلا لَمْ يثقوا يقول الأسَارَى.
الجزء: 11 - الصفحة: 465
وعن أَبِي إسْحَاقَ فيما رَوَاهُ القاضي ابن كَجٍّ: القَطْعُ بهِ وَحَكَى الإِمام بَدَلَ هذا قَوْلاً عن القديم أَنَّهُ يَجِبُ العَوْدُ إليهم، أو بَذْلُ المال.
قال صَاحِبُ "البَيَانِ": والذي يقتضي المَذْهَبُ أَنَّ المَالَ المَبْعُوثَ إليهم اسْتِحْبَابًا، أو وُجُوباً لا يَمْلِكُونهُ؛ لأَنَّهُ مَأْخُوذٌ بِغَيْرِ حَقٍ، فهو كالمَأْخُوذِ قَهْرًا، وإنْ اشترى منهم [شيئاً] 240 لينفذ الثَّمن إليهم، أو استقرض، فإنْ كان طَائِعًا، فعليه الوَفَاءُ، وإِنْ كان مُكْرَهاً، ففيه ثَلاثةُ طُرُقٍ:
أظهرها: ويحكى عن النَّصِّ أن العَقْدَ بَاطِلٌ ويَلْزَمُهُ رَدَّ العين، كما لو أَكْرَهَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا على الشِّرَاء, وذلك لأَنَّهُ أخذَ منهم بِعَقْدٍ، وعَقْدُ المسلمين مع الكُفَّار كَعَقْدِ المُسْلِم مع المُسْلِمِ.
والثاني: أَنَّ فيه قَوْلَيْنِ: الجديد: البُطْلاَنُ.
والقديم: أنه بالخِيَارِ بين أنْ يَرُدَّ العَيْنَ، وبين أن يَبْعَثَ إليهم [بالثمن] 241 ويجيز العقد، وهذا لأنا إذا جَوَّزْنَا وَقْفَ العُقُودِ بملك المُكْرَهِ على البيع إجازته.
والثالث: القَطْعُ بِصِحَّةِ العَقْدِ، ولزوم الثَّمَنِ؛ لأنَّ المُعَامَلاَتِ الجَارِيَةَ مع المُشْرِكِينَ يتَسَاهَلُ فِيهَا.
قَالَ الرُّوَيانِيُّ: ولو لم يَجْرِ لَفظٌ من أَلْفَاظِ البَيْعِ، بل قَالُوا: خُذْهَا وابْعَثْ إلينا كذا من المَالِ، فَقَالَ: نعم، فهو كما لو اشْتَرَى مُكْرَهًا.
ولو دَفَعُوا إليه شَيْئًا، ليبيعه لَهُمْ في دَارِ الإِسْلاَمِ، ويبعث بِثَمَنِهِ، فهو وَكِيلٌ لهم، يَعْمَلُ بما يَعمل الوَكِيلُ.
وقَوْلُهُ في الكتاب: "ولو أَمَّنَهُمْ وَأمَّنُوهُ بشرط ألاَّ يخرج من دارهم لزمه الخُرُوجُ مَهْما قدر" المَقْصُودُ منهَ المَوْضِعُ الذي يَجِبُ الهجرة، وتحرم الإِقَامَةُ.
وقوله: "يكفر وقوعه ..... " إلى آخره معناه: أن الحَلِفَ لا يُرَخّصُ في الإقَامَةِ، وإنْ كَانَ الخُرُوجُ يَلْزَمُه الكَفَّارَةُ، ويوقع الطَّلاَقَ والعِتَاقَ، حيث يحكم بانْعِقَادِ اليَمِينِ، وقد فَصَّلْنَاهُ.
وقولُهُ: "حيث بذل المسلم" في بعض النُّسُخِ: "حيث يبتذل" وهما صَحِيحانِ.
وقوله: "عند الخروِج لا يَغْتَالُهُمْ إن أَمَّنَهُمْ" قوله: "إن أمنهم" غيرُ محتاج إِليه على المَذْهَبِ الظَّاهرِ، بل إذا أمَّنُوهُ، فعليه أن يؤَمِّنَهُمْ.
وعن الشيخ أَبي حَامِدٍ وغيرِه: أن تحليفهمِ على ألاَّ يَخْرُجَ، وإنْ كانَ مُكْرَهًا [أَمَانٌ منهم إياه] 242 وقولُهُ: "فله قَتْلُهُمْ ودَفْعُهُمْ دون غَيْرِهِم" أي: قتلهم دَفْعًا، ولا [يتعرض
الجزء: 11 - الصفحة: 466
لمن لا] 243 يِقْصِدُهُ لِلأَمَانِ، والمذكورُ في مسألةِ الشِّرَاءِ مُكْرَهًا هو الطَّرِيقُ الثاني.
المسألةُ الثانيةُ:
عن الشيخ أَبِي عَلِيٍّ حكايته وجهين، فيما إذا أَسْلَمَ الكَافِرُ وقد لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أو ظِهَارٍ، هل يسقطُ عنه؟
أَصَحَهُّمَا: المَنْعُ كالدُّيُونِ اللاَّزِمَةِ في الشِّرْكِ.
والثاني: يَسْقُطُ؛ لأنَّ الإِسْلاَمَ يَجُبُّ ما قَبْلَهُ.
قال الإِمام: وهذا ضَعِيفٌ هَادِمٌ لِلْقَوَاعِدِ، فإن الكَفَّارَةَ لاَ مُطَالَبَةَ بِها، وإذَا لم يطالب بها في الكُفْرِ، وكانت تسقطُ بالإسْلاَم، فلا مَعْنَى لِلُزُومِهَا، وفي الظاهر يَتَعَذَّرُ ارْتِفَاعُ التَّحْرِيم من غَيْرِ أن يكفر، ويلزمُ عليه أن يُقَالَ: إذا آلَى الكَافِرُ، ثُمَّ أَسْلَمَ انْقَطَعَ الإِيلاَءُ؛ لأنَّهُ صَارَ إلى حَالَةٍ لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ بالوَطْءِ وكُلُّ ذلكَ بَعِيدٌ.
والله أعلمُ به سبحانه.
قال الغَزَالِيُّ: وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى المُبَارِزِ مَعَ قُوَّتِهِ الوَفَاءُ بشَرْطِهِ* وَإنْ شَرَطَ القَوْمُ الكَفَّ عَنْهُ إِلَى أَنْ يَتِمَّ القِتالُ جَازَ أَنْ يُقْتَلَ الكَافِرُ إِذَا وَلَّى مُدْبِرًا إِذْ تَمَّ القِتَالُ بِالهَزِيمَةِ* وإنْ أَثْخَنَ المُسْلِمَ وَقصدَ تَذْفِيفَهُ مَنَعْنَاهُ* وَإِنْ شَرَطَ لَهُ التَّمْكِينَ مِنْهُ فَهَذَا الشَّرْط بَاطِلٌ* وَلَوْ خَرَجَ جَمَاعَةٌ لإِعَانَةِ كَافِرٍ باسْتِئْجَارِهِ قَتَلْنَاهُ مَعَهُمْ* وَإنْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ نَتَعَرَّضْ لَهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: إِذَا بَارَزَ مُسْلِمٌ كَافِرًا بإِذْنِ الإِمَام، أو استئذنه، وقُلْنا: يَجُوزُ الاستئذان، وَهُوَ الأَصَحُّ، فشرطُ المُبَارِزِ ألاَّ يعين المسلمون المسلم، ولا الكَافِرونَ الكَافِرَ إلى انْقِضَاءِ القِتَالِ عَنْهُمَا، وَجَبَ الوَفَاءُ بِالشَّرْطِ، ولم يَجُزْ لمن في الصَّفِّ الإِعَانَةُ؛ لأنَّ المُبَارَزَةَ عَظِيمَةُ النَّفْعِ في الجِهَادِ، فلا يَتِمُّ الأَمَانُ إلا بأن يَأْمَنَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا من غير قِرْنِهِ، ثم إن هَرَبَ أحْدُهُما، أو قتل الكافر المسلم، جاز لِلْمُسْلِمِينَ قَصْدُ الكَافِر؛ لأَنَّ الأَمَانَ كان إِلى انْقِضَاءِ القِتَالِ، وقد انْقَضَى، فإن شرطَ الأمان إلى العود إلى الصَّفِّ وفّى به، وإن وَلَّى المسلمُ عنه فتبعه لِيَقْتُلَهُ، أو تَرَكَ قِتَالَ المُسْلِم، وقَصَدَ الصف فله قَتْلُهُ لنقضه الأَمَانَ، ولو أَثْخَنَ المسلم، جَاز قَتْلُهُ أيضاً لانْقِطَاعِ القِتَالِ، وإذَا قصد قَتْلَ المُثْخنِ مُنِعَ وقتل، فإن شرط له التَّمْكِين منهُ، فَهَذَا شَرْطٌ فاسدٌ؛ لما فيه من الضَّرَرِ، [وهل يفسد به] 244 أَصْلُ الأَمَانِ؟ حكى القاضي ابْنُ كَجٍّ فِيهِ وجهين:
ولو خَرَجَ المُشْرِكُون لإعَانَةِ المُشْرِكِ، خرجَ المُسْلِمُونَ لإعَانَةِ المُسْلِمِ، ثُمَّ إِن كان الكَافِرُ اسْتَنْجَدَهُمْ، جاز قَتْلُهُ مَعَهُمْ وبمثله أُجِيبَ فيما إذا خَرَجُوا من غير اسْتِنْجَادٍ، لكنَّهُ
الجزء: 11 - الصفحة: 467
لم يمنعهم، وإنْ خرجوا بغير 245 إذْنِهِ، ومنعهم فلم يَمْتَنِعُوا.
جَازَ قَتْلُهُمْ، ولم يجز التَّعَرُّضُ له، هذا إذا شَرَطْنَا 246 في المُبَارَزَةِ الأَمَان.
أَمَّا إذَا لم يُشْتَرَطْ، ولكن اطردت عَادَةُ المُبَارَزَةِ بالأَمَانِ، فهل هو كالمَشْرُوطِ؟ فيه وَجْهَانِ: الذي أوْرَدَهُ الرُّوَيانِيُّ: "في جَمْعِ الجَوَامِعِ" أنه كالمَشْرُوط، ولو لم يَجْرِ شَرْطٌ، ولمْ يَطَّرِدْ عَادَةً، جاز للمسلمين قَتْلُ الكَافِرِ.
"فرع": إِذا أثخن المُسْلِمُ الكَافِرَ، فهل يَجُوزُ قَتْلُهُ أم 247 يترك؟ نقل ابْنُ كَجٍّ فيه وَجْهَيْنِ، وينبغي أن يُقَالَ: إن شَرَطَ الأَمَانَ إلى انْقِضَاءِ القِتَالِ، فيجوزُ قتله، ولو شرط ألاَّ يتَعَرَّضَ للمثخن فيجبُ الوَفَاءُ بالشَّرْطِ.
قال الغَزَالِيُّ: وَيتِمُّ النَّظَرُ فِي مُشَارَطَاتِ الكُفَّارِ بِثَلاَثِ مَسَائِلَ: (الأُولَى) إِذَا دَلَّ عِلْجٌ عَلَى قَلْعَةٍ بِشَرْطِ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ جَارِيَةً فِيهَا صَحَّتِ المُشَارَطَة لِلحَاجَةِ مَعَ أَنَّ هَذِهِ جَعَالَةٌ مَجْهُولَة الجعل بَلِ الجُعْلُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ وَلاَ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ* وَلاَ يَصِحُّ هَذَا مَعَ المُسْلِمِ (و) وَإنْ أتَمَّ الدَّلالَةُ* ثُمَّ الجَارِيَةُ تُسَلَّمُ إِلَى العَلْجِ إِنْ ظَفِرْنَا بِهَا* فَإِنْ لَمْ نَفْتَحِ القَلْعَة لِعَجْزٍ أَوْ تَجَاوَزْنَاهَا مَعَ القُدْرَةِ فَلاَ شَيْءَ لَهُ عَلَيْنَا وَإِنْ أَتَمَّ الدَّلالَةَ إِلاَّ إِذَا رَجَعْنَا إِلَى الفَتْحِ بِعَلاَمَتِهِ* وَلَوْ فَتَحَهَا طَائِفَةٌ أُخْرَى إِذْ سَمِعُوا العَلاَمَةَ فَلاَ شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِمْ إِذْ لَمْ يَجْرِ الشَّرْطُ مَعَهُمْ* وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جَارِيةٌ فَلاَ شَيْءَ لَهُ* وَكَذلِكَ إِنْ كَانَتْ قَدْ مَاتَتْ قَبْلَ المُعَاقَدَةِ* وَإِنْ مَاتَتْ بَعْدَ الظَّفَرِ وَقَبْلَ التَّسْلِيمِ فَعَلَيْنَا البَدَل إِمَّا أُجْرَةُ المِثْلِ أَوْ قِيمَةُ الجَارِيَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الجُعْلَ المُعَيَّنَ يُضْمَنُ ضَمَانَ العَقْدِ أَوْ ضَمَانَ اليَدِ كَالصَّدَاقِ* وَإنْ مَاتَتْ قَبْلَ الظَّفَرِ وَبَعْدَ العَقْدِ فَفِي وُجُوبِ البَدَلِ قَوْلاَنِ* وَإِنْ أَسْلَمَتْ وَجَبَ البَدَلُ وَلاَ سَبِيلَ إِلَى تَسْلِيمِهَا إِلَى كَافِرٍ وَإِنْ شَرَطْنَا لِزَعِيمِ القَلْعَةِ أَمَانَ أهْلِهِ وَكَانَتْ مِنْ أَهْلِهِ لَمْ نُسَلِّمْهَا إِلَى العِلْجِ بِبَدَلٍ يَبْذُلُهُ فَصُلْحُنَا مَعَ الزَّعِيمِ بَاطِلٌ لَكِنْ نَرُدُّهُ إِلَى المَأْمَنِ حَتَّى نَسْتَأْنِفَ القِتَالَ لأنَّهُ صُلْحٌ مَنَعَ الوَفَاءَ بِمَا وَجَبَ بِشَرْطٍ قَبْلَهُ* وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَنَا شَيْءٌ مِنَ القَلْعَةِ إِلاَّ تِلْكَ الجَارِيَة فَفِي وُجُوبِ التَّسْلِيمِ وَجْهَانِ:
قال الرَّافِعِيُّ: لِما تكلَم في شرط الأَمان لِلكُفَّارِ في المُبَارَزَةِ وغيرها عقبه بمسائل تتعلق بهذا المعنى أيضاً فهي ثلاث:
إحداهما: مَسْأَلَةُ العِلْجِ، والعِلْجُ الكافر الغَلِيظُ الشَّدِيدُ، سُمِّيَ به؛ لأنَّه يَدْفَعُ بِقُوَّتِهِ
الجزء: 11 - الصفحة: 468
عن نَفْسِهِ، ومنه سمي العِلاَجُ عِلاَجًا لدفعه الدَّاءَ، والمُعَالَجَةُ: المُجَالَدَةُ.
ويُرْوَى في الحديث "أن الدُّعَاءَ والبَلاَءَ يَعْتَلِجَانِ" أي: يَتَدَافَعَانِ 248. ويُقَالَ: اسْتَعْلَجَ حَلْقُهُ، أي: اسْتَغْلَظَ 249.
وصورتها: أن عِلْجًا قال للإمام: أدلُّكَ على قَلْعَةِ كَذَا، على أن تُسَلِّمَ إِلي منها جَارِيةَ كذا، فَعَاقَدَهُ الإمَامُ عليه، حازت هذه المُعَاقَدَةُ، وإن كانت هذه 250 جَعَالَةَ جُعْلُهَا غير مَعْلُومٍ ولا مملوك ولا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِهِ، [متجوز هذه المعاقدة] 251 واحتج للجواز بما رُوِيَ عن عَدِيِّ بن حَاتِم -رضي الله عنه- أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "كَأَنِّي بالحِيرَةِ قَدْ فُتِحَتْ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ هَبْ لِي مِنْهَا جَارِيةً، فقَالَ: قَدْ فَعَلتُ، فلما فُتِحَتْ الحِيرَةُ بعد زَمَانِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أُعْطِيَ الرَّجُلُ الجَارِيَةَ، فَاشْتَرَاهَا منه بَعْضُ أَقَارِبِها بألف دِرْهِمٍ 252 ".
والمعنى فيه الحَاجَةُ الدَّاعِيَةُ إلى مِثْلِ هذه المُعَامَلَةِ، فَإِنَّ الفَتْحَ قد لا يَحْصُلُ إِلاَّ بِدِلاَلَتِهِ، ولا يقوم بالدِّلاَلةِ إلا بالتَّطْمِيعِ فِيهَا, ولو ابْتَدَأَ الإِمَامُ، فقال: إِنْ دَلَلْتَنِي على هذه القَلْعَةِ، فلك جَارِية كذا منها، وكذا الحُكْمُ، ولا فَرْقَ بين أن تَكُونَ المُعَيَّنَةُ حُرَّةً أو أَمَةً، فإن الحُرَّةَ تُرَقُّ بالسَّبْيِ والاستيلاء.
ولو أبهم العِلْجُ، وقال: أن تُعْطِيَنِي منها جَارِيةً، أو الإِمام، فقال: ولك منها جَارِيةً جاز أيضاً، وحكى القاضي ابْنُ كَجٍّ وَجْهاً آخر: أنَّه لا يَجُوزُ، ويشترط أن يَكُونَ الجُعْلُ المشروطُ مما يَدُلُّ العِلْجُ عليه، حتى لو قَالَ: أعطيك جَارِية مما عِنْدِي، أو من ثلث مَالِي، لم يَصِحَّ مع الجَهْلِ على قِيَاسِ الجَعَالاَتِ.
ولو قَالَ مُسْلِمٌ: أَدُلُّكَ على أن تُعْطِيَني منها جَارِيَة كذا أو جارية أو ثلثَ ما فِيها، ففيه وَجْهَان.
الجزء: 11 - الصفحة: 469
أحدهما: ويُحْكَى عن ابن أبي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لا يجوزُ؛ لأنَّهُ عَقْدٌ يشتمل على أنْوَاع مِن الغَرَرِ، فلا يَجُوز مِثْلُهُ مع المسلم المُلْتَزِمِ للأحكام، وإنَّما جازَ مع الكَافِرِ لِلْحَاجَةِ، فإنَّهُ أَعْرَفُ بِطرُقِ قلاعهم.
وأيضاً فالمُسْلِم يَتَعَيَّنُ عليه فَرْضُ الجِهَادِ، والدلالةُ نَوْعُ جِهَادٍ مِنه، فلا يجوزُ له أَخْذُ العِوَضِ عليه.
والثاني: وبه قال أبو إِسْحَاقَ أنه يَجُوزُ؛ لأنَّه جَعَالَةٌ يجوز عَقْدُهَا مع الكَافِرِ، فكذلك مع المُسْلِم كَسَائِرِ الجَعَالاَتِ، وأيضاً فالحَاجَةُ تدعو إليه لاخْتِصَاصِهِ بمعرفة حَالِ القَلْعَةِ، وأيضاً فللعقد تَعَلُّقٌ بالكُفَّارِ، فيحتمل فيه الجَهَالَةُ، وإنْ جَرَى مع مسلم كشرط النَّفْلِ في البدأة والرجعة، وبهذا الوَجْهِ أَجَابَ أَصْحَابُنَا العِرَاقِيُّونَ، والأول هو المَذْكُورُ في الكِتَاب، والأَصَحُّ عند الإِمام، ورأى تَخْصِيصَ الوَجْهَيْنِ بما إذا جَوَّزْنَا استئجار المسلم عَلَى الجِهَادِ، فإن لم نجوزه لم تَصحَّ هذه المُعَامَلَةُ مع المُسْلِمِ، ولا يستحق أُجْرَةَ المِثْلِ، كما لا يستحق الجَارِيَةَ المُسَمَّاةَ، ثم في المسألة صُوَرٌ.
إحداها: إذا فتحنا القَلْعَةَ بدلالتهِ، وظَفَرْنَا بالجَارِيةِ، فَنُسَلِّمهَا إليه، ولا حَقَّ فيها للغانمين، ولا لِأهْلِ الخُمُسِ؛ لأَنَّهُ اسْتَحَقَّهَا بِالشَّرْطِ قبل الظَّفرِ، وإن دَلَّنَا على القَلْعَةِ، ولكنا فَتَحْنَاهَا بطريق آخر بغير دِلالَتِهِ، ففي اسْتِحْقَاقِهِ الجَارِيةَ وَجْهَان، نَقَلَهُمَا القاضي ابْنُ كَجٍّ ورجحَ منهما المَنْعَ، وبناهما على أن الاسْتِحْقَاقَ ثبت بنفس الدِّلالةِ ولا يستحق إلا إذا حَصَلَ الفَتْحُ بدلالتِهِ، وإنْ لم نَفْتَحِ القَلْعَةَ، نُظِرَ إن كان الشَّرْطُ مُعَلَّقًا بالفَتْحِ، فلا شَيْءَ له، وإلاَّ فقد أطْلَقَ مُطْلِقُونَ وجهين:
أحَدُهُمَا أنه يستحقُّ أجرة المِثْلِ لوجود الدلالةِ، ومنهم من لا يَتَعَرَّضُ لِأُجْرَةِ المِثْلِ، ويقول: يرضخ له.
وأَصَحُّهمَا: أَنهُ لاَ يَستحقُّ شَيْئاً؛ لأنَّ بتسليمها لا يمكن إلا بالشرط، والشرط مُقَيَّدٌ بِالفَتْح في الحَقِيقَةِ، وإن لم يَجْرِ التقييد لفظًا فَفَصَّلَ الإِمام، فَقَالَ: إن كان القِتَالُ مُمْكِنًا [والفتح متوقّعاً تَوَقُّعًا قريبًا] 253 استحق وإن لم يُتَوَقَّعِ الفَتْحُ إلا باحتمال نَادِرٍ، فالوَجْهُ القَطْعُ، بأنَّهُ لا يستحقُّ شيئاً؛ لأنَّ دِلالَتَهُ لم تقع.
وإنْ قَاتَلْنَا فلم يَحْصُلِ الظَّفَرُ، فإن قلنا: لا شيء له إذا لم نقاتل، فهاهُنَا أَوْلَى، وإن قُلْنَا: يستحقُّ هناك، فإن حَصَلَ اليَأْسُ بعد القِتَالِ، فهو كما إذا ظَهَرَ اليَأْسُ كما حصرنا القلعة لكن تَبَرَّمْنَا 254 بالجِهَادِ، أو أزعجنا مزعج، ففيه الوَجْهَانِ.
وإذا تركناها،
الجزء: 11 - الصفحة: 470
ثم عُدْنَا إليها فَفَتَحْنَاهَا بِدلالَتِهِ، فَلَهُ الجَارِيةُ، وإن فَتَحْنَاهَا بطريقٍ آخر، فلا شَيءَ له، وفي كلِ واحدٍ من الطَّرَفَينِ وجهٌ ضعيفٌ.
ولو فَتَحَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ بالطريق التي دَلَّنَا عليه، فلا شَيْءَ له عليهم؛ لأنَّه لم يَجْرِ له معهم شَرْطٌ.
الثانية: إذا لمْ يكن في تلك القَلْعَةِ جَارَيةٌ، أو تلك الجَارِيَةُ، فلا شَيْءَ له، وقد أَخْطَأَ ظَنُّهُ، وكذا لو كانت قد مَاتَتَ قبل المُعَاقَدَةِ، وإن ماتت بعد الظَّفَرِ، وقبل التَّسْليم إليه وَجَبَ بَدَلُهَا، لأنَّهَا حَصَلَتْ في يد الإِمام وقَبْضَتِهِ، وكانَ التَّلَفُ من ضَمَانِهِ، ومنهم من جَعَلَ في وُجُوبِ البَدَلِ قَوْلَيْنِ:
وجه المنع بأن الجَارِيَةَ ليست على حَقَائِقَ الأَعْوَاضِ، وإنَّمَا وعدنا بها عِدَة نَفِي بها عند الإمْكَانِ.
وقَالَ الإِمَامُ: ينبغي أنْ يُخَصَّصَ التَّرَدُّدَ بما إذَا مَاتَتْ في يد الإِمَامِ قبل التمكُّنِ من التسليم، أمَّا إذا امتنعنا من التَّسْلِيمِ مع الإِمْكَانِ؛ ليظهر وُجُوبُ البَدَلِ، فإن مَاتَتْ قبل الظَّفَرِ، فقولان:
أحدهما: أَنَّهُ يَجِبُ البَدَلُ؛ لأنَّ العَقْدَ معلَّقٌ بِها، وهي حَاصِلَةٌ، ثم تعذَّر التسليمُ، فصار كما إذا قَالَ: من رَدَّ عَبْدِي، فلهُ هذه الجَارِيَةُ، فَرَدَّهُ وقد مَاتَتِ الجَارَيةُ، يلزمه بَدَلُهَا، وسيأتي إن شَاءَ اللهُ تعالى ما يُنَازعُ في هذا الأَصْلِ أيضاً.
والثاني: أنه يَجِبُ؛ لأنه لم يحصل القُدْرَةَ عليها، فأشبه ما إذا لم يَكُنْ، وهذا أَظْهَرُ.
وعند أبي إِسْحَاقَ طريقٌ قَاطِعَةٌ به حكاهَا القاضي ابنُ كَجٍّ، عن أبي علي الطَّبَرِيِّ، وأبي الحُسَيْنِ أيضاً، وإذا جمعت بين ما قبل الظَّفَرِ وما بعده، وضربت الطُّرُقَ بعضها ببعضٍ، خَرَجَ منها ثَلاَثةُ أَقْوَالٍ:
ثالثها: وهو الَّذِي رَجَّحَ الفَرْقَ بين أنْ تَمُوتَ قبل الظَّفَرِ أو بَعْدَهُ، وما الذي يجب بَدَلاً عن الجَارِيَةِ؟ بناه الإِمام على مُقَدَّمَةٍ ذَكَرَهَا في الجَعَالاَتِ، فقال: إذَا جُعِل الجُعْلُ عَيْنًا من عَبْدٍ أو ثوبٍ أو غيرهما، وتمَّم العَامِلُ العَمَلَ، والعين تَالِفَةٌ، فإما أَنْ يَكُونَ التَّلَفُ قبل إِنْشَاءِ العَمَلِ، أو بَعْدَهُ.
إن تلف قبله، نُظِرَ إنْ كَانَ عَالِماً بالتَّلَفِ فلا شَيءَ له؛ لأنَّ المُعَامَلَةَ كانت مقصورة على مِلْكِ العَيْن، فإذا أَنْشَأَ العَمَلَ عالماً بِتَلَفِهَا، كان كالمتبرِّع، وإن كان جَاهِلاً، فله أُجْرَةُ المِثْلِ، لأنَّه ليس بمتبرّع، وإنْ تلفت بعد العمل، نُظِرَ إن لم يُطَالِبهُ العَامِلُ بالتَّسْلِيمِ، فالعامل يرجع بِقِيمَةِ تلك العَيْنِ، أو بِأُجْرَةِ المِثْلِ؟
فيه قولان، بناء على أن الجُعْلَ المُعَيَّنَ مَضْمُونٌ ضَمَانَ العَقْدِ، أو ضمان اليد، وفيه قولاَن، كما في الصَّدَاقِ.
وَوَجْهُ المُشَابَهَةِ أنَّ المَنْفَعَةَ في الجَعَالَةِ فَائتَةٌ يُتَعَذَّرُ تَدَارُكُهَا، كما أن البُضْعَ بعدَ
الجزء: 11 - الصفحة: 471
العَقْدِ في حُكْم الفَائِتِ.
قال الإِمام: ولا يبعد عندي القَطْعُ بأَنَّ الجُعْلَ يُضْمَنُ ضَمَانَ العَقْدِ؛ لأنَّهُ رُكْنٌ في الجَعَالَةِ، وليس الصَّدَاقُ رُكْنًا في النِّكَاح، وقد سَبَقَ نَظِيرُ هذا الكَلاَمِ في "الجَعَالَةِ".
وإن كان التَّلَفُ بعد المُطَالَبَةِ بالتسليم، وامْتِنَاعِ الجَاعِلِ مِن الرَّدِّ.
فإن قُلْنَا: إِنَّهُ مَضْمُونٌ ضَمَانَ اليدِ، فالحكمُ مَا مَرَّ.
وإنْ قُلْنَا: مَضْمُونْ ضَمَانَ العَقْدِ، فقد قال القاضي الحُسَيْنُ: التَّلَفُ بعد الامْتِنَاع بِمَثَابَةِ إِتْلاَفِ الجَاعِل الجُعْلَ بنفسه، حتى يَكُونَ على قَوْلٍ كالتَّلَفِ بآفة سَمَاوِيَّةٍ، فَيَنْفَسِخ العَقْدُ، وَيرْجِعُ العاملُ إلى أُجْرَةِ المِثْلِ ويكون في قول كما لو أَتْلَفَهُ أَجنَبِيٌّ، حتى يَكُونَ العَامِلُ بالخِيَارَيْنِ: الفسخ والإجازةِ.
قَالَ: وَقَضِيّةُ كَلاَمِ القاضي أن يقولَ: إذا طَالَبَ المشتري البَائِعَ بِتَسْلِيمِ المَبِيعِ، بعد تَوَفِّي الثَّمَنِ، فامْتَنَعَ وتَلِفَ المَبِيعُ، يكون الحكم كما لو أبْلَغَهُ بنفسِهِ.
وفيه احتمالٌ؛ لأن الإِتْلاَفَ لم يوجد حَقِيقَةً، واليَدُ القائمةُ يَدُ عَقْدٍ، ولذلك لا يتصرَّف المشتري [في المبيع] 255 ما دام في يَدِ البَائِع، وإن وفّي الثمن، واستحقّ الانتزاع، وإذا كان كذلك، فَيَنْبَغِي أن يغلب ضمانَ العقد، حتى يُقَالَ: إن التَّلَفَ يُوجِبُ الانْفِسَاخَ، ولا يخرج على القولين في إِتْلاَفِ البائع المبيع.
إذَا تَقَرَّرَتْ هذه المقدمةُ، فَبَدَلُ الجَارِيَةِ، حيث حكمنا بوجوبه أُجْرَةُ المِثْلِ، إنْ جعلنا الجُعْلَ مَضْمُونًا ضَمَانَ العقد، وقيمتها إن جَعَلْنَاهُ مَضْمُونًا ضَمَانَ اليَدِ، فإن كَانَ التَّلَفُ بعد المُطَالَبَةِ والتمكُّن من التسليم، ففيه كَلامُ القاضي والإمام، ويَذْكُرُ بعد هذا شيئين:
أَحَدُهُمَا: مَحَلُّ القولين، ما إِذَا كانت الجَارِيةُ مُعَيَّنَةً، أما إذا جرى ذِكْرُ جاريةٍ مِن القَلْعَةِ على الإِبْهَامِ، وفُرِضَ مَوْتُ من وجد فيِها من الجواري، وأوجبنا البَدَلَ، فيجوزُ أنْ يُقَالَ: الرجوع إلى أُجْرَة المِثْلِ لا مَحَالةَ؛ لِتَعَذُّرِ تَقْوِيم المَجْهُولِ، ويجوزُ أن يبنى ذلك على حَالَةِ عَدَمِ المَوْتِ، ويسلّم إليه قِيمَةُ من تسلم إليه عند الموتِ، ويشبه أنْ يُقَالَ عند عَدَمِ الموت: لم يُوجد فيها إلاَّ جَارِيَةٌ واحدة، فَتُسَلَّمُ إليه، وإنْ وُجِدَ عَدَدٌ من الجَوَارِي، وفُرِض نِزَاعٌ، فللإمام التَّعْيينُ، ويُجْبَرُ العِلْجُ على القَبُولِ؛ لأن المشروطَ جَارِيةٌ من القَلْعَةِ، وقد وجدت هذه الصِّفَةُ فِيهِنَّ جَمِيعًا، وهذا كما أن المسلَّم إليه يُعَيِّنُ ما شَاءَ من الأَعْيَانِ المَوْصُوفَةِ بأوصافِ السَّلَمِ، ويجبر المسلم على القَبُولِ.
والثاني: الأصح من القولين في الصَّدَاقِ على ما يتبيَّن في موضعِهِ، أنَّه مَضْمُونٌ
الجزء: 11 - الصفحة: 472
ضَمَانَ العَقْدِ، وقضية تخريجهما في الجُعْلِ أن يَكُونَ الأَصَحُّ وُجُوبَ أُجْرَةِ المِثْلِ هاهنا، إنْ كَانَ حَالُ القولين هاهنا كَحَالِ القَوْلَيْنِ هناك، والذي يُوجَد لعامَّةِ الأَصْحَاب في المسألة إِيجَابُ قيمة الجَارِيةِ، ولا يتعذَّر الفَرْقُ على من يُحَاوِلُهُ، ثم مَحلُّ البَدَلِ الواجب مَالُ المَصَالِحِ، أو أصل الغَنِيمَةِ؟
فيه الخِلاَف المذكور في الرَّضْخِ.
وَيَجُوزُ أن يُعَلَّمَ لما عرفت من الخِلاَفِ قَوْلُهُ في الكتاب: "تَغْلِيبًا للبدل" بالواو، وكذا لفظ "القولين" من قولِهِ: "ففي وجوبِ البَدَلِ قَوْلاَن".
الثالثة: إِذَا وجدنا الجَارِيَةَ مُسْلِمَةً، نُظِرَ إن أَسْلَمَت قبل الظَّفَرِ، وكانت حُرَّةَ لم يَجُزِ اسْتِرْقَاقُهَا، وتَسْلِيمُهَا إلى الدليل؛ لأنَّ إِسْلاَمَها قَبْلَ الظَّفَرِ يمنع من الاستِرقَاق 256.
وعن ابن سُرَيْجٍ: أن فيه قَوْلاً آخر: أنَّها تُسَلَّم إليه؛ لأنَّهُ اسْتَحَقَّهَا قبل أن أَسْلَمَتْ، والمذهبُ الأَولُ.
وإن أسلمت بعد الظَّفَرِ، فإن كانَ الدَّلِيلُ مُسْلمًا وجَوَّزْنا هذه المُعَاقَدَةَ معه، أو كافرًا وأسلم سُلِّمَتْ إليه، وإلا فَيُبْنى على القَوْلَيْنِ في شراء الكَافِرِ العَبْدَ المسلم، إن جَوَّزْنَاهُ فَتُسَلَّمُ إليه، ثم يؤْمَرُ بإزالة المِلْكِ عنها وإن لم نُجَوِّزْهُ لم تُسَلَّمْ إليه، وإذا لم تُسَلَّمْ إليه بعد الإِسْلاَمِ، فهل يجب بَدَلُهَا؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على الخِلاَفِ في الموتِ لِتَعَذُّرُ التَّسْلِيم بِالإسْلاَم كَتَعَذُّرِهِ بالمَوْتِ، وَبِهَذَا قال أَبُو الطَّيِّبِ بن سَلَمَةَ.
والثاني: القَطْعُ بالوجوبِ، وبه قَالَ ابْنُ الوَكيلِ.
والفرق: أَنَّهَا إذَا ماتت تعذَّرَ التَّسْلِيمُ حِسّاً، وإذا أسلمت فالتسليمُ ممكن حِسّاً، وهو مُطَالبٌ، ولكن الإِسْلاَم حَالَ بَيْنَهُ وبَيْنَهَا، فَوَجَبَ البَدَلُ لِلْحَيْلُولَةِ، وهذا الفَرْق يَقْتَضِي أن يَكُونَ الوَاجِبُ هَاهُنَا القِيمَة لا مَحَالَة لا أُجْرَةَ المِثْلِ، والظاهرُ في صُورَةِ الإسْلاَمِ وُجُوبُ البدل، وإن ثبت الخِلاَف، وهو فيما إذا أَسْلَمَتْ بَعْدَ الظَّفَرِ [أَظْهَرُ منه فيما إذا أسْلَمَتْ قبله؛ لأنها إذا أَسْلَمَتْ بعد الظَّفَرِ] 257 تكون مَمْلُوكَةً، والمنعُ له رعاية حُكْمِ الشَّرْع، وإذَا أَسْلمت قبله لم يَمْلِكْهَا, ولم يَقْدِرْ على التَّسْلِيمِ، كما في صُورَةِ الموتِ ولْيُعَلَّمْ لما ذكرنَا قوله في الكِتاب: "وَجَبَ البَدَلُ"، وقولُهُ: "ولا [سبيل] 258 إلى تسليمها لِكَافِرٍ" كِلاَهُمَا بالواو.
والله أعلم.
الجزء: 11 - الصفحة: 473
الرابعة: إذا فَتَحْنَا القَلْعَةَ، فلم نجد فيها إِلاَّ تلك الجَارِيةَ، فهل تُسَلَّمُ إليه؟ ففيه وَجْهَان: أَصَحُّهُمَا: نعم، وَفَاءً بالشرطِ.
والثاني: لا؛ لأنَّ عَمَلَنَا، وسعينا حينئذٍ يَكُونُ لِلْعِلْج خَاصَّةً والخِلاَفُ فيما إذا لم نملك القلْعَة، وإدامة اليد عليها لكونها مَحْفُوفَةٌ ببلاد الكُفْرِ، فإن أمكن، فلا خِلاَفَ في وجوب الوَفَاءِ، وقد يُفْهَمُ هذا التقييد من قَوْلِهِ في الكتاب: "وإن لم يَحْصُلْ لنا من القَلْعَةِ إلاَّ تلكَ الجاريةُ".
الخامسة: جميع ما ذكرنَا فيما إذَا فُتِحَتْ عَنْوَةً، أَمَّا إذا فُتِحَتِ القَلْعَةُ صُلحاً، فَيُنْظَرُ إنْ كَانَتِ الجَارِيَةُ المَشْرُوطَةُ خَارِجَةً عن الأَمَانِ، كما إذا كَانَ الصُّلْحُ على أَمَانِ صَاحِبِ القَلْعَةِ وأَهْلِهِ، فكانت 259 الجاريةُ من غير أهْلِهِ فَتُسَلَّمُ إليه، وإن كَانَتِ الجَارِيَةُ من الذين أَمَّنَاهم [بأن كانت من أهلِهِ] 260 فيخير صَاحِبُ القَلْعَة بشرطنا مع العِلْجِ، ونقول: إنْ رضيت بتسليمها إليه غَرِمْنَا لك قِيمَتَهَا، وأمضينا الصُّلْحَ، والقِيمَةُ المدفوعة إليه تكون من بيتِ المالِ، كذا ذكر في "التهذيب".
وفي "الشامِل" أنها جَارَيةٌ مجرى الرَّضْخ، وفيه خلافٌ، فإن لم يَرْضَ رَاجَعْنَا العِلْج، فإنْ رَضِيَ بقيمتها، أو بِجَارِيَةٍ أخرى، فذاكَ، وإلاَّ فنقول لِصَاحِب القَلْعَة: إذا لَم تسلمها فنفسخ الصُّلْحَ وننبذ عَهْدَكَ، ونرده إلى القَلْعَة، ونستأنف معه القِتَالَ، وهذا لأنه صُلْحٌ مَنَعَ الوَفَاءَ بما شَرَطْنَاهُ، وكل صلح هذا حَالُهُ، فللإمام رَدُّهُ ونَبْذُهُ، وهو ظَاهِرُ المَذْهَبِ.
وعن أبي إِسْحَاقَ: أنَّ الصُّلْحَ في الجَارِيَةِ المشروطة لِلْعِلْج فَاسِدٌ؛ لأنَّهَا مستحقّةٌ له.
وقوله في الكتاب: "فصلحنا مع الزّعِيمِ بَاطِلٌ" [بمعنى أن نبطَله ونَفْسَخهُ] 261 ولم يُرِدِ الوَجْهَ المَنْسُوبَ إلى أبي إِسْحَاقَ، فإن الفسَاد على ذلك الوجه لا يُشْتَرَط فيه امْتِنَاعُ زَعِيم القَلْعَة عَنْ بَدَلِهَا [بِبَدَلٍ، ثم الفَسْخُ والإِبْطَالُ لا يكفي فيه امْتِنَاعُ الزَّعِيمِ عن بدلها، بل] 262 يراجع العلج أيضاً، وينظر هل يَرْضَى بالقِيمَةِ، أو بجَارَيةٍ أخرى، كما ذَكَرْنَا فإن أَبَيَا جميعاً، فحينئذ نُبطِلُهُ.
[فرع] قال القاضي ابْنُ كَجٍّ: لو كَانَ الإِمَامُ نَازِلاً بجنب قَلْعَةٍ، وهو لا يعرفها فقال: من دَلَّنِي على قَلْعَةِ كذا، فله منها جَارِيةْ، فقال عِلْجٌ: هي هذه التي أَنْتَ عندها، فالمذهب أنه يَسْتَحِقُّ تلك الجَارَيةَ إذا فُتِحَتْ، كما لو قَالَ: من جاء بِعَبْدِي الآبِقِ، فله كذا، فوجده إنسان من البلدة.
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ) المُسْتَأْمَنُ إِذَا نَقَضَ العَهْدَ فَرَجَعَ إِلَى دَارِهِ فَمَا خَلَّفَهُ عِنْدَنَا مِنْ
الجزء: 11 - الصفحة: 474
وَدِيعَةٍ أَوْ دَيْنٍ فيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: (أَحَدُهَا) أَنَّهُ فَيْءٌ (وَالثَّانِي) أَنَّهُ فِي أَمَانِهِ إِلَى أَنْ يَمُوتَ فَإنْ مَاتَ فَهُوَ فَيْءٌ (وَالثَّالِثُ) أَنَّهُ فِي أَمَانِهِ وَإنْ مَاتَ فَهُوَ لِوَارِثهِ (الرَّابعُ) أنَّهُ فِي أَمَانِهِ إنْ عَقَدَ الأَمَانَ لِلمَالِ مَقْصُوداً وَإلاَّ فَينْتقِضُ أَيْضاً تَابِعاً لِنَفْسِهِ* وَالرِّقُّ كَالمَوْتِ* وَإنْ قُلْنَا: يَبُقَى أَمَانُهُ بَعْدَ الرِّقِّ فَلَوْ عُتِقَ رُدَّ عَلَيْهِ* وَلَوْ مَاتَ رَقِيقاً فَهُوَ فَيْءٌ إِذْ لاَ إِرْثَ مِنَ الرَّقِيقِ* وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ أنَّهُ لِوَرَثَتِهِ* وَمَهْمَا جَعَلْنَاهُ لِلوَارِثِ فَلَهُ أَنْ يَدْخُلَ بِلاَدَنَا لِطَلَبِهِ مَنْ غَيْرِ عَقْدِ أَمَانٍ وَهَذَا العُذْرُ يُؤَمِّنُهُ كقَصْدِ السِّفَارَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا دَخَلَ الكَافِرُ دَارَ الإسْلاَم بِعَقْدِ أمَانٍ أو ذِمَّةٍ، كان ما معه من المَالِ والأَوْلاَدِ في أَمَانٍ، فإن شَرَطَ الأَمَانَ في المال والولد، فهو زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ، ولا أَمَانَ لما خَلَّفَهُ في دَارِ الحَرْبِ، بل يَجُوزُ اغْتِنَامُ أمْوَالِهِ هناك وسَبْيُ أَوْلاَدِهِ المخلفين.
وعن صاحِب "الحاوي": أنَّه إن قال: لك الأَمَانُ، ثبت الأَمَانُ في ذُرِّيَّتِهِ ومَالِهِ، وإن قال: لك الأَمَانُ في نَفْسِكَ، لم يَثْبُتْ في الذُّرِّيَّةِ والمالِ، وَالأَكْثَرُونَ أَطْلَقُوا الكَلاَمَ إِطْلاَقاً، وقالُوا: قد يفترق المالك والمملوكُ في حُكْم الأَمَانِ، وكذلك يقول: لو دخلَ مُسْلِمٌ دَارَ الحَرْبِ بأمانٍ فبعث على يده حَرْبيٌّ مَالاً لِشِرَاءِ مَتَاعٍ، أو لتجارة، يكون ذلك المال في أَمَانٍ، حتى يجب رَدُّهُ إليه، وإن لم يكن المَالِكُ في أمَانٍ، فكذلك لو بعثه على يد ذِمّيِّ دخل دَارَ الحَرْب بأمَانٍ وعن حكاية الربيع قول: إنَّهُ لا يكون في أمَانٍ؛ لأن أَمَانَ الذِّمِّيّ لا يصلح، والظَّاهِرُ الأول، ووجه بأن الحربي اعْتَقَدَ صِحَّةَ الأمان لماله، فَوَجَبَ ردهُ إليه، ولو دخلَ حربي دَارَنَا بأمَانٍ أو عَقْدٍ ذِمَّةٍ، أو لرسالةِ، ثم نَقَضَ العَهْدَ، والتحق بدَارِ الحَرْبِ.
ومن أَسْبَابِ النَّقْضِ أن يعود إليها لِلتَّوَطُّنِ والإقَامَةِ، فلا يسبى أولادُهُ المَتروكون عندنا، وإنْ مات الأب، فإذا بَلَغُوا وقَبلُوا الجزيةَ تُرِكُوا، وإلاَّ بَلَغُوا المَأْمَنَ، وما خَلَّفه عندنا من وَدِيعَةٍ ودَيْنٍ من جهة قَرْضٍ أَو غيره، فكلُّ ذلكَ في أَمَانٍ، ولا يجوزُ التَّعَرُّضُ له ما دام حَيّاً، ووجه ذلك بأن نفسه وأَمْوَالَهُ وَأَوْلاَدَهُ جميعاً كانت في أَمَانٍ، وإنما ارْتَفَعَ الأَمَانُ عن نَفْسِهِ لِنَقْضهِ العَهْدَ والتحاقِه بِدَارِ الحَرْبِ، فيبقى في الوَلَدِ والمالِ، هذا ظَاهِرُ المذهبِ وقطع به بَعْضُهُمْ، [ووراءه وجهان:] 263
أحدهما: أَنَّهُ يَنْتَقِضُ الأَمَانُ في ماله كما انْتَقَضَ في نفسه؛ لأنَّ المَالَ كان تَبَعاً، فإذَا انْتَقَضَ الأَمَانُ في المالك تَعَذَّرَ بَقَاؤهُ في المِلْكِ.
والثاني: أنَّهُ إن لم يَتَعَرَّضْ لِلأَمَانِ في ماله يَحْصُلُ الأَمَانُ فيه تَابِعاً للنفس، [فيتبعه في الارتفاع] 264 أيضاً، وإن ذَكَرَهُ في الأَمَانِ لم يرتفع عنه بارتفاعه عن النفس، وذَكَرَ
الجزء: 11 - الصفحة: 475
الإمَامُ تفريعاً على الظَّاهِرِ، وهو بَقَاءُ الأَمَانِ في أحوالهِ المُخَلَّفَةِ أن للكافر أن يدخل دَارَ الإِسْلاَم [من غير] 265 تَجْدِيدِ أمان لتحصيل تلك الأَمْوَالِ، والدخول له يُؤَمِّنُهُ كالدخول لِلسِّفَارَةِ، وسماع كَلاَمِ الله -تعالى- ولكن ينبغي أن يعجل في تحصيل غَرَضِهِ، ولا يُعَرِّجَ على أَمْرٍ آخر، وكذا لا ينبغي أن يكرر العود، ويستصحب في كل مَرَّةٍ بَعْضَ المَالِ، إذَا لم يتمكَّن من الاسْتِصْحَابِ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فإن خَالَفَ تَعَرَّضَ للقتل والأَسْرِ.
وهذا الذي ذُكِرَ مَحْكِيٌّ عن ابن الحَدَّادِ.
وقال غيرهُ من الأصحابِ: ليس له الدُّخُولُ، وثبوتُ الأَمَانِ في المَالِ لا يُوجِبُ ثُبُوتَ الأَمَانِ في النفس.
وإنْ قُلْنَا: لا ينبغي الأَمَانُ فيما خلف، فيكون [فَيْئاً؛ لأنه] 266 مَالُ كَافِرٍ مظفور به، من غير إِيجَافِ خَيْلِ، ولاَ رِكَابٍ.
قَالَ الإمَامُ: وإنَّما يحصل الخِلاَفُ في الأموالِ المخلفةِ، بعد الْتِحَاقِهِ بدار الحرب، فأما إذ فَارَقَ الأَمْوَالَ، ولم يَلْتَحِقْ بها بعد، فالوجه بَقَاءُ الأَمَانِ في الأموالِ، ويحتمل أن يُطْرَدَ الخِلاَفُ، فإذا نَبَذَ المُسْتَأَمَنُ إلينا العَهْدَ، فلا بد من تَبْلِيغِهِ المَأْمَنَ، ولا يتعرَّض لما يَسْتَصْحِبُهُ من الأموالِ، بلا خلاف، هذا حكم ما خَلَّفَ من الأمول في حَيَاتِهِ، فإذا ماتَ هناك أو قُتِلَ، وفَرَّعْنَا على ظاهر المذهَبِ، وهو بَقَاءُ الأَمَانِ فيه في حَيَاتِهِ، فقولان:
أحدهما: وقد نَصَّ عليه في "المُخْتَصَرِ" وفي "سير الوَاقِدِيِّ" واخْتَارَهُ أبو إِسْحَاقَ أَنَّهُ يَكونُ فَيْئاً؛ لأنَّه انْتَقَلَ إلى الوَارِثِ، ولا أَمَانَ له، وأَطْلَقَ المزنيُّ لفظ الغَنِيمَةِ عليه تَوَسُّعاً.
وأَصَحُّهُمَا: عَلَى ما ذكر في "التهذيب" وقد نَصَّ عليه في كتابِ "المُكَاتِب"، وبه قال أَحْمَدُ، واخْتَارَهُ المزني، أنَّهُ لا يَكُونُ فَيْئاً يصرف إلى وَارِثهِ، لأنَّهُ كان في أمَانٍ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، والأَمَانُ حَقٌّ لاَزِمٌ يتعلق بالمَالِ، فينتقل إلى الوَارِثِ بحقوقِه.
وعن ابن خَيْرَانَ حمل النصين على حَالَيْنِ؛ حيث قال: "يَصِيرُ فَيْئاً" أراد إذا ما عَقَدَ الأَمَانَ لنفسه، ولم يتعرض لوارثه، [وحيث قال: "يصرف إلى الوَارِث " أراد ما إذا عَقَدَ الأَمَانَ لنفسه، وبعده لوارثه] 267 فإن 268 لمْ يكُنْ لَهُ وَارِثٌ، فهو فَيْءٌ لاَ مَحَالَةَ بلا خِلاَفٍ.
وعن أبي حنيفةَ: إذا مات هناك، أو قتله حَرْبِيٌّ، يُرَدُّ المَالُ إلى ورثته وإن قَتَلَهُ مسلمٍ، فَمَا كانَ دَيْناً على الناسِ يَسْقُطُ عنهم، وما كانَ عَيْناً يَصِيرُ فَيْئاً.
ولو ماتَ المُسْتَأْمَنُ عندنا، ففي ماله طَرِيقَانِ:
الجزء: 11 - الصفحة: 476
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ على القولين المَذْكُورَيْنِ، فيما إذا مات في دَارِ الحَرْبِ.
وَأَصَحُّهُمَا: القَطْعُ بأنَّهُ يُرَدُّ إلى وارثه؛ لأنه مات والأمان بَاقٍ في نَفْسِهِ، فكذلك في مَالِهِ، وهناك انتقض الأَمَانُ في نَفْسِهِ، فجعل المال تابعاً على قول، فإن كَانَ وَرَثَتُهُ حربيين، فَهُوَ على الخِلاَفِ؛ في أن الذِّمِّيَّ والحَرْبِيَّ هل يَتَوَارَثَان؟ ولو خرج المستأمنُ مِن المستأمن إلى دَارِ الحَرْب غَيْرَ نَاقِضٍ لِلْعَهْدِ، بل لرسالة، أو تجارة، وماتَ هناك، فهو كمَا لو مَاتَ في دَارِ الإِسْلاَمِ، ولو التحقَ بدار الحَرْبِ نَاقِضاً لِلْعَهْدِ فسبي واسترقّ، بُني الحُكْمُ عَلَى ما إذا مَاتَ.
إن قُلْنَا: إِنَّهُ إذا مَات لا يَكُونُ فَيْئاً، بل يكون للوارث وهاهنا يُوقَفُ، إن عُتِقَ فَهُوَ لَهُ، وإن مات رَقِيقاً، فعلى 269 قولين:
أحدهما: أنه يُصْرَفُ إلى الوَارِثِ أيضاً، كما لو ماتَ حُرّاً.
وأَصَحُّهُمَا: أن يكون فَيْئاً؛ لأن الرَّقِيقَ لا يورث عنه، فإن قُلْنَا: إذَا مات يكون فَيْئاً، فهاهنا قَوْلاَنِ:
أحدهما: أَنَّ الجَوَابَ كذلك؛ لأن زَوَالَ المِلْكِ بالرِّقِّ، كَزَوَالِهِ بالموت.
والثاني: وهو المَذْكُورُ في "الشَّامِلِ" أنه يوقف؛ لاحتمال أن يُعْتَقَ، وَيعُودَ، بخلافِ المَوْتِ، فإن عُتِقَ سُلِّمَ إليه، وإنْ ماتَ فوجهان، نقلهما القاضي ابْنُ كَجِّ.
أَحَدُهُمَا: أنَّهُ يكون لِلسَّيِّدِ.
وأقربهما: أنه فَيْءٌ.
وذَكَرَ الإِمام أن للخلاف في المسألة تَعَلُّقاً بالخلافِ في مسألةِ قَدَّمْنَاهَا في الجِرَاحِ في فصل تَغَيُّرِ الحَالِ بين الجُرْحِ والموت، وهو ما إذا جَرَحَ مُسْلِمٌ أو ذِمَّيٌّ ذِمِّيّاً بقطع يَدِهِ مثلاً، فالتحق الذِّمِّيُّ بدارِ الحرَب نَاقِضاً لِلعَهْدِ، ثم سُبِيَ واسْتُرقَّ، وسَرَتِ الجِرَاحَةُ إلى النَّفْسِ، وذَكَرْنَا هُنَاكَ قَوْلَيْنِ فيها.
أحدهما 270: أَنَّ الوَاجِبَ أَقَلُّ الأمْرَيْنِ من أَرْشِ الجِرَاحَةِ حرّاً، أو كَمَالُ قِيمَتِهِ عَبْداً.
والثاني: أنَّ الوَاجِبَ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ.
وعن حكاية الشيخ أبي محمَّد، والقاضي الحُسَيْنِ قَوْلٌ ثالث: وهو أنَّ الواجب الأرْشُ بَالِغاً ما بلغ، ولا نَظَرَ إلى القِيمَةِ، وقد تَوَجَّهُ ذلكَ بأن صَيرُورَتَهُ مُهْدَراً بعد الجِرَاحَةِ، مع اعْتِبَارِ المالِ يوجب تجريد النَّظَرِ إلى حال الجِرَاحَةِ، ولذلك قيل على رأي
الجزء: 11 - الصفحة: 477
إذا قطع يدي إنسان ورِجْلَيْهِ، فارْتَدَّ المَجْرُوحُ، ومات، يجب أَرْشُ الجِرَاحَاتِ قال إمام الحَرَمَيْنِ: وقد ذَكَرْنَا فيما إذاً جَرَحَ مسلماً، فَارْتَدَّ، وعادَ إلى الإِسلام، ثم مَاتَ أن المَنْصُوصَ وُجُوبُ تَمَامِ الدِّيَةِ، وأنه خرج قول أنه يجب ثُلُثَا الدِّيَةِ، ويُهْدَرُ ثُلُثُهَا؛ تَوْزِيعاً على الأحوال.
وآخر أنه يجبُ نِصْفهَا تَوزِيعاً على العِصْمَةِ والإِهْدَارِ، فيجيء على التَّخْرِيجِ أن يُقَالَ هاهنا على القول الأولِ: الأقَلُّ من أَرْشِ الجراحةِ، ومن ثُلُثَي القِيمَةِ، أو نصفها، وأن يُقَال على الثاني: الوَاجِبُ ثُلُثَا القيمة، أو نِصْفُهَا، ثم قال: إن قُلْنَا: إن الوَاجِبَ أقلُّ الأَمْرَيْنِ.
فالنَّصُّ أنَّهُ مَصْرُوفٌ إلى وَرَثَتِهِ المستحق، وإن قُلْنَا: إِنَّ الوَاجِبَ القيمةُ، فَقَدْرُ الأَرْشِ مَصْرُوفٌ إليهم، فإن زادَ شَيْءٌ، فالزِّيَادَةُ للسيدِ والنَّصُّ في أموالِ من نَقَضَ العَهْدَ، واسترقّ، وماتَ رَقِيقاً أن تلك الأَمْوَالَ فَيْءٌ.
وقال الأصحابُ: في [المَسْأَلَتَيْنِ] 271 قَولاَن؛ بالنقل والتخريج:
أحدهما: أن الأَرْشَ في مسألة الجِرَاحَةِ والأموالِ المُودَعَةِ هاهنا فَيْءٌ؛ لأنَّها أَمْوَالٌ مُتَلَقَّاةٌ من كافرٍ بلا قِتَالٍ، ولا يمكنُ تَقْدِيرُ [الميراث] 272؛ لأنَّ الرَّقِيقَ لا يُورث، والتَّوْرِيثُ في حال الحَيَاةِ لا سَبِيلَ إليه.
والثاني: أنَّها تُصْرَفُ إلى الوَرَثَةِ؛ لأنَّ الأَمَانَ بَاقٍ فيها، وإذا لم ينحل الأَمَانُ لم يُمْكِنْ صَرْفُ المال إلى جِهَةِ الفَيْءِ، وأخص الناس به وَرَثَتُهُ، وإِذَا قيل به، فكيفَ سَبِيلهُ؟
فيه تَرَدُّدٌ للإمام، ويجوزُ أن يُقَالَ: يصرف إليهم إِرْثاً، وامْتِنَاعُ التوريثِ في الرقيق حكم شرعاً، والكُفَّارُ لا يَتَعَبَّدُونَ بِتَفَاصِيلِ الشَّرْعِ.
ويجوزُ أنْ يُقَالَ: لا يُصْرَفُ إليهم إِرْثاً، ولكنَّهم أخصّ به، كما تَقُولُ فيمن بعضُه حرٌّ، وبعضه رَقِيقٌ، يصرف ما اكتسبَهُ ببعضِ الحُرِّ إلى مالك الرَّقِيقِ في بعضهِ؛ لأنَّهُ أَخَصُّ به.
وإذَا قيل بالتوريثِ، فيورثون إذا مات، أو يستند اسْتِحْقَاق الوَرَثَةِ إلى ما قبل جَرَيَانِ الرق؟ ذكَر فيه احتمالَيْنِ، وإذا قُلْنَا بالصَّرْفِ إلى الوَرَثَةِ، فلهم دُخُولُ دَارِ الإِسلام لِطَلَب ذلك المَالِ، وإنْ لمْ يعقد له أَمَانٌ، ويجيء فيه الوَجْهُ الذي ذَكَرْنَاهُ في صاحبِ المَالِ.
وأما لَفْظُ الكتاب؛ فقوله: "فيما خَلَّفه عندنا من وَدِيعَة ودَيْنٍ، فيهِ أربعةُ أوجه" جمع فيها بين الخِلاَفِ المذكور في حالة حَيَاتِهِ، والخِلاَف بعد مَوْتِهِ.
وقَوْلُهُ: "أحدهما: أنَّهُ فَيْءٌ" وهو الوجهُ الذَّاهِبُ إلى بُطْلاَنِ أَمَانِ المالِ [في
الجزء: 11 - الصفحة: 478
الحال] 273 كبُطْلاَنِهِ في [النفس] 274. وقولُهُ: "والثاني: أنَّهُ في أَمَانِهِ إلى أن يَمُوتَ، فإن ماتَ فَهُوَ فَيْءٌ" هو القول.
بِبَقَاءِ الأَمَانِ في الحالِ، وصَيْرُورَتِهِ فيئاً، إذَا مَاتَ.
وقوله الثالث: "أنَّه في أَمَانِهِ، فإن مَاتَ فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ" فَهُوَ الَّذِي ذكرنا أنَّهُ الأَظْهَرُ، ويجوز أن يُعَلَّمَ ما سواه بالألف، وأن يُعَلَّمَ قولُة: "أربعة أوجه" بالواو لنفي بَعْضِهِمُ الخلاف على ما بَيَّنَّا.
وقولُهُ: "والرق كالموت" ليعلّم بالواو: ولما ذكرنَا من الخِلاَف في كيفية بِنَاءِ الرِّقِّ على المَوْتِ.
وقوله: "وفيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ" أَشَارَ به إلى التَّخْرِيج في مَسْأَلَةِ الجِرَاحَةِ على ما حكينا 275 عن الإِمَامِ.
وقوله: "يؤمنه" يجوز أنْ يعلّم بالواو.
"فرع" دَخَلَ مُسْلِمٌ دَارَ الحَرْب بأمَانٍ، فاسْتَقرَضَ منهم شَيْئًا، أو سَرَقَ، وَعَادَ إلى دَارِ الإسْلاَم [ثم دخل صاحب المال دار الإِسلام] 276 بأمَانٍ، فعلى المسلِم رَدُّ مَا اسْتَقْرَضَ، أو سَرَقَ؛ لأنَّهُ لَيْسَ له التَّعَرُّضُ لِمَالِهِمْ، إذَا دَخَلَ بِأمَانٍ.
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ): إِذَا حَاصَرْنَا أَهْلَ قَلْعَةٍ فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ صَحَّ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ عَاقِلاً عَدْلاً بَصِيراً بِمَصَالِحِ القِتَالِ ثُمَّ يُنفَّذُ حُكْمُهُ عَلَى الإِمَامِ* وَلَيْسَ لِلإِمَامِ أَنْ يَقْضِيَ بِمَا فَوْقَهُ* وَلَهُ أنْ يَقْضِيَ بمَا دُونَهُ* فَإنْ قَضَى بِغَيْرِ القِتَالِ فَلَيْسَ لِلإِمَامِ القَتْلُ* وِإِنْ قَضَى بِالقَتْلِ فَهَلْ لَهُ الاَسْتِرْقَاقُ وَفِيهِ ذُلٌّ مُؤَبَّدٌ؟ فيهِ وَجْهَانِ* وَلَوْ حَكَمَ بِقَبُولِ الجِزْيَةِ فهَلْ يُجْبَرُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ عَقْدُ مُرَاضَاةٍ؟ فيهِ وَجْهَانِ* فَإنْ قُلْنَا: يَلْزَمُهُمْ فَمَنْعُهُمْ كَمَنْعِ أَهْلِ الذِّمَّةِ الجِزْيَةَ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا حَاصَرْنَا قَلْعَةً، أو بَلْدَةً، فنزلُوا على حُكْمْ الإمَام، جازَ، وكذَا لو نَزَلُوا على حُكْمِ غَيْرِهِ؛ لأنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ نَزَلُوا على حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ -رضي الله عنه- وشرطه أنْ يَكُونَ ذلك العَبْدُ مُسْلِماً ذَكَراً حُرّاً مُكَلَّفاً عَدْلاً؛ لأنَّهُ ولايةٌ وحُكْمٌ كالقَضَاءِ.
نعم يجوزُ أنْ يَكُونَ أَعْمَى، لأَنَّ المَقْصُودَ هاهنا الرَّأْيُ، ويمكنه أن يبحث، ويعرف ما فيه الصَّلاَحُ للمسلمين، فجعلَ ذلك كالشَّهَادِةِ فيما لا يَفْتَقِرُ إلى الرؤية، [وأطلقوا] 277 القول بأنَّهُ يُشْتَرَطُ أيضاً أن يَكُونَ عَالِماً، وربما قالوا: فَقِيهاً، وربما قالوا: مُجْتَهِداً.
الجزء: 11 - الصفحة: 479
قال الإِمام: ولا أظنهم شَرَطُوا أوْصَافَ الاجْتِهَادِ المعتبرة في المُفْتي، ولعلهم عَنَوْا التهدِّي إلى طَلَب الصَّلاحَ، وما فيه النظر للمسلمين وهو قَوْلهُ في الكتاب: "بصيراً بِمَصَالحِ القِتَالِ"، ويكره أن يكون الحكم حسنَ الرأي في الكُفَّارِ.
ويجوز أن ينزلوا إلى حُكم اثْنَيْنِ، أو على حكم من يَخْتَارُهُ الإِمام، أو من يَتَّفِقُونَ عليه مع الإِمام؛ لأنَّ الإِمام لا يَرْضَى إلاَّ من يصلح للحُكمِ، ولا يجوزُ أن يَنْزِلُوا على حُكْمِ من يَخْتَارُونَهُ، إلاَّ إذا وَقَعَ التَّعرضُ لِلصِّفَاتِ المشروطة، ولو اسْتَنْزَلَهُمْ على أن يحكم فيهم بكتاب الله -تعالى- كُرهَ ذلك؛ لأنَّ هذَا الحُكْمَ ليس مَنْصُوصاً عليه في كتاب الله- تعَالَى- فيحصل منه 278 اخْتِلاَفٌ واضطرابٌ، هكذا ذَكَرَهُ الرُّوَيانِيُّ في "البحَر"، وذكر صاحبُ "التهذيب": أنَّه لو اسْتَنْزَلَهُمْ على أن ما يقضي الله تعالى فيهم يُنَفِّذُهُ لم يجز؛ لأنَّهُمْ لا يعرفُون حُكْمَ اللهِ تَعَالى.
ورُوِي عن بُرَيْدَةَ -رضي الله عنه- أنَّ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَإِنْ حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ، فأرادوك أن تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْم اللهِ -تَعَالَى- فَلاَ تُنْزلْهُمْ عَلَى حُكْم اللهِ -تَعَالَى- ولكن أَنْزِلهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ أَم لاَ 279؟ ".
وإذا نَزَلُوا على حكم اثنين، فينبغي أن يَتَّفِقَا في الحُكْم، فإنْ اخْتَلَفَا لم ينفذ، إلا أن تَتَّفِقَ الطَّائِفَتَانِ على حُكْم واحدٍ، وإن مات أحدهُما، أو نزلوا على حكم [واحد، فمات قبل أن يحكم، أو نَزَلُوا على حُكْمَ] 280 من لا يجوز حكمه ردوا إلى القلعة إلى أن يرضوا بحكم حَاكِمٍ في الحال.
ولا يَجُوزُ للحاكمِ أن يَحْكُمَ إلا بما فيه الحظّ للمسلمين من القَتْلِ والاسْتِرْقَاقِ والسَّبْي والمنّ والفداء.
وحكَى الروياني وَجْهاً: أنَّهُ لا يَجُوز أن يحكم بالمَنِّ على جَمِيعِهِمْ، واستغربه.
ولو حَكَمَ بما يُخَالِفُ الشَّرْعَ كقتل النِّسَاءِ والذَّرَارِي لم ينفذ، ولو حَكَمَ بقتل المُقَاتلة، وسَبْيِ الذُّرِّيَّةِ، وأَخْذِ الأموالِ جاز، وكذلك فَعَلَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ -رضي الله عنه-.
وتكونُ أموالُهُم غَنيمَةٌ؛ لأنَّهَا مَأْخُوذَةٌ بالقَهْرِ.
وإن حَكَمَ باسترقاقِ من أَسْلَمَ منهم، وقتل من أَقَامَ منهم على الكُفْرِ، أو باسترقاقِ من أَسْلَمَ، ومن أقام على الكفر جاز، ويُنَفَّذُ حُكْم الحَاكِمِ على الإمَام، حتى لا يجوز أن يزيد على حُكْمِهِ في التشديد، ويَجُوزُ أن ينقص ويسامح، وإذاَ حَكَمَ بغير القَتْلِ لم
الجزء: 11 - الصفحة: 480
يَجُز له القَتْلُ، وإن حكم بالقَتْلِ، فله أن يَمُنَّ عليهم؛ لأن سعداً حَكَم بقَتْل الرجال، فاسْتَوْهَبَ ثابتُ بن قيس الزُّبَيْرَ بن باطا من رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فوهبه منه 281، وله الاسْتِرْقَاقُ إن شاءَ في أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأنَّهُ دون القَتْل أيضاً.
ولا يجوزُ في الثاني؛ لأنَّه [يَتَضَمَّنُ ذُلاًّ مُؤَبَّداً] 282، وقد يختار الإنسان القَتْلَ عليه، وهذا ما اخْتَارَهُ الصَّيْدَلاَنِيُّ، وبه أجاب صاحبُ "التهذيب" وغيرُهُ تَعْليلاً بأنَّه لم ينزل على هَذَا الشرطِ.
وإن حُكِمَ بالاسترقاقِ لمْ يَجُزِ المَنُّ إلاَّ برضا الغانمين؛ لأنَّهُ صَارَ مَالاً لهم، وإن حُكِمَ بِقَبُولِ الجِزْيَةِ، فهل يجبرون عليه؟ فيه وَجْهَان.
أحدهما: لا؛ لأنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فيعتبر فيه التَّرَاضِي، وهذا كما أنَ الأسِيرَ لا يجبر على قَبُولِ الجِزْيَةِ.
والثاني: نَعَم، والمَيْلُ إليه أكْثَرُ؛ لأنَّهُمْ رَضُواِ بحكمه أولاً بخلاف الأسير؛ لأنَّهُ لم يَرْضَ بحكم الإِمام.
فإن قُلنا: لا يجبرون عليه، بَلَغُوا المَأْمَنَ، ولم يتعرض لهم، وإن قلنا: يجبرون، وامتنعوا فَهُمْ كَأَهْلِ الذِّمَّةِ، إذَا امتنعُوا من بَذْلِ الجِزْيَة، قبل 283 قبولها، وقد يقال إنهم يغتالونُ على ما سيأتي.
إن شاء الله تعالى، وأُجُرِيَ الوجهان في ما إذا حكم بالمُفَاداة أيضاً.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ حَكمَ بالإِرْقَاقِ فَأَسْلَمَ وَاحِدٌ قَبْلَ الإِرْقَاقِ فَفِي جَوَازِ إرْقَاقِهِ وَجْهَانِ* وَكذَا الخِلاَفُ فِي كُلِّ كَافِرٍ لاَ يُرَقُّ بِنَفْسِ الأَسْرِ إذَا أسْلَمَ قَبْلَ الإِرْقَاقِ* وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يُسَلَّمَ إلَيْهِ مِائَةُ نَفَرْ فَعَدَّ مِائَةً قَتَلْنَاهُ لأنَّهُ وَرَاءَ المِائَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: هذه البقية تشتمل على ثَلاثِ صور:
إحداها: من أَسْلَمَ منهم قَبْلَ الحُكْم عليه، حُقِنَ دَمُهُ وَمَالُهُ، ولم يجز إسترقاقُهُ، بخلاف الأَسِير يسلم؛ لأنَّهُ صار في قَبْضَةِ الإمام، وثبت بالسَّبْي حَقُّ الاسترقاق فيه، ومن أسلَمَ بَعْدَ الحُكُمِ بالقَتْلِ، امتنع قَتْلُهُ، فإن كَان قد حُكِمَ بقتل الرِّجَالِ، وسَبْي النِّسَاء والذرية، لم يندفع بإسلامِ الرجالِ إلا قَتْلهُمْ.
وهل يجوزُ اسْتِرقَاق المَحْكُوم بقتله إذا أسْلَمَ.
نقل الروياني وغَيْرُهُ أنَّهُ لا يَجُوزُ؛ لأنهُم ما نزلوا على هذا الشَّرْطِ، فيطلقهم، ولا يُفَادِيهِمْ بِالمَالِ، ويجيء على تجويز اسْتِرقَاقِه لو لم يسلم؛ أن يجوز استرقاقه بعد
الجزء: 11 - الصفحة: 481
الإسلام أيضاً وإذا حكم بالإرقاق فأسلم المَحْكُومُ عليه قبل الإِرْقَاقِ، ففي "الوَسِيطِ " بناؤه على أنَّ الرِّقَّ هو فوق القتل؟
إن قُلنَا: لا، جَاز إِرْقَاقُهُ، كما قبل الإِسلام.
وإن قلنا: نعم، لم يجز والأشبه الجَوَازُ؛ لأنَّهم نَزَلُوا على حكمِهِ، وقد حُكِمَ بالإرقاق والإسلام لا يمنع الإرقاق الذي كان جائزاً 284، كما سيأتي إن شاءَ اللهُ تعالى.
الجزء: 11 - الصفحة: 482
الثانية: إذا أَسْلَمَ واحدٌ من رجالِ الكُفارِ الأحرار المكلفين، بعدما وقع في الأَسْرِ وقبل أن يَرَى الإِمَامُ فيه رَأْيَهُ حُرِّمَ قَتْلُهُ.
فأما الاستِرْقَاقُ، فقد قال في "المختصر" وفي "السير": فإن أَسْلَمُوا بَعْدَ الأَسْرِ رُقُّوا.
= وأن يطعمه مما يأكل ويلبسه مما يلبس وألا يكلفه من العمل فوق طاقته، وغير ذلك مما يضمن للرقيق رفاهة العيش وسعادة الحياة كإنسان قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى﴾ إلى قوله تعالى؛ ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وجاء في الحديث الشريف:"مَن لَطَمَ مَمْلُوكَهُ أَوْ ضَرَبَهُ فَكَفَّارَتُهُ عتقه، ويروى عن واصل الأحدب، قال سمعت المعرور بن سويد قال لقيت أبا ذر الغفاري بالربذة وعليه حلة وعلى غلام حلة فسألته عن ذلك فقال إني سبيت رجلاً فعيرته بأمه فشكاني إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال لي النبي يا أبَا ذَرٍّ أعَيَّرْتَهُ بأمِّهِ إنَّكَ امْرؤُ فِيْكَ جَاهليَّةٌ إخْوَانُكُمْ خِوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللهُ تَحْتَ أيْديْكم فَمَنْ كان أَخُوهُ تَحْتَ يده فَلْيُطْعمه مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيْلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ ولا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبْهُمْ فإن كلفتموهم فأعينوهم -وروي عن علي كرم الله وجهه أنه أعطى غلامه دراهم ليشتري بها ثوبين متضادتي القيمة فلما أحضرهما أعطاه أرقهما نسيجاً واعلاهما قيمة، وحفظ لنفسه الآخر وقال له أنت أحق مني بأجودهما لأنك شاب وتميل نفسك للتجمل أمَّا أنا فقد كبرت- وقال -صلى الله عليه وسلم- "للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف" قال عبد الله بن عمر: "جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله كَمْ نَعْفُوْ عَنِ الْخَادم "يريد الْمَمْلُوْكِ" فصمَتَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: اعْفُوْا عن الْخَادم كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِيْنَ مَرَّةٍ -وعن ابي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلاً على دابته وغلامه يسعى خلفه فقال يا عبد الله احمله خلفك فإنما هو أخوك روحه مِثْلُ رَوْحِكَ فَحَمَلَهُ، وروي عن بن عباس أن أحد الموالي خطب إلى جماعة، من بني بياضة وأشار عليهم الرسول بترويجه فقالوا له يا رسول الله أنزوج بناتنا موالينا فنزل قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ونهى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنْ يقولَ السَّيِّد لمَمْلُوكِهِ عَبْدِيْ فَقَالَ: "لاَ يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِيْ أمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَاي فتاتي غلامي".
وقال الغزالي في باب حقوق المملوك: "فَأَمَّا مِلْك اليمين فهو يقتضي حقوقاً في المعاشرة لا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا فَقَد كان آخر ما أوصى به الرسول -صلى الله عليه وسلم- "اتقوا الله فيما ملكت ايمانكم أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون فما أحببتم فأمسكوا وما كرهتم فبيعوا ولا تعذبوا خلق الله فإن الله ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم".
وجاء في هذا الصدد كثير من الآيات التي تدل على مبلغ عناية الشريعة الإسلامية بالرقيق، ومعاملة مما لم يجيء بمثله دين سماوي أو تشريع وضعي، ومنه يؤخذ أن معاملة الأسرى في الإسلام كانت معاملة رفق ورحمة، وإن ما يتقوله خصومه عليه من هذه الناحية ناشيء إما عن جهالة عمياء بقواعد الإسلام وأصوله أو عن بغض كامن في نفوسهم لهذا الدين الحنيف.
فإن المدنية الحديثة التي يطنطنون بمفاخرها وإن كانت قد تورعت عن رق الأفراد، وعدت ذلك وحشية وهمجية لا تتفق مع الإنسانية، فإنها استساغت رق الشعوب، والأمم، وعاملتهم بمنتهى القسوة والفظاعة وصادرتهم في حرياتهم وأموالهم، وتصرفت في عقائدهم، ودياناتهم وفرضت عليهم قوانينها وأحكامها فرضاً ثم أخذت تطعن على الإسلام لأنه أقر رق الأفراد "سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم".
الجزء: 11 - الصفحة: 483
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ)
قال الغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ فِي طَرَفَيْنِ: (الأَوَّلُ) في سَبَبِ حَلِّ الذَّبِيحَةِ* وَلِلذَّبْحِ أَرْبَعَةُ أَرْكَان (الأَوَّلُ): الذَّابِحُ وَهُوَ كُلُّ مُسْلِمٍ أَوْ كِتَابِيٍّ عَاقِلٍ* وَلاَ تَحِلُّ ذَبِيحَةُ المَجُوسِيِّ وَالوَثَنِيِّ* أَمَّا المُتَوَلِّدُ بَيْنَ الكِتَابِيِّ وَالمَجُوسِيِّ فَقَولاَنِ:* أَحَدُهُمَا التَّحْرِيمُ* وَالآخَرُ النَّظَرُ إِلَى الأَبِ* وَتَحِلُّ ذَبِيحَةُ الأَمَةِ الكتَابِيَّةِ* وَلَوِ اشْتَرَكَ مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ فِي الذَّبْحِ حُرِّمَ* وَكذَا لَوْ أَرْسَلاَ سَهْمَينِ أَو كَلْبَيْنِ إِلَى الصَّيْدِ* وَلَوْ سَبَقَ أحَدُهُمَا وَصَيَّرَهُ إِلَى حَرَكَةِ المَذْبُوحِ فَالحُكْمُ لَهُ* وَلَوْ رَدَّ كَلْبُ المَجُوسِيِّ الصَّيْدَ عَلَى كَلْبِ المُسْلِمِ فَافْتَرَسَه حَلَّ* وَلَوْ أَثْخَنَهُ كَلْبُ المُسْلِمِ فَأَدْرَكَهُ كَلْبُ المَجُوسِيِّ وَقَتَلَهُ فَهُوَ مَيتَةٌ* وَيَضْمَنُه المَجُوسِيُّ لِلْمُسْلِمِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الكتابُ والسُّنَّةُ نَاطِقَانِ بِمَقْصُودِ الكتاب.
قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2] وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ [المائدة: 4] وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لِعَدِيِّ بن حَاتِمٍ: "إِذَا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ، وذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ، فَكُلْ" 285.
ولها نَظَائِرُ في خلال المَسَائِلِ، وهي مُتَأيِّدةَ بالإِجْمَاعِ، والكتاب مترجم بـ"الصيد والذبائح" 286؛ لأنَّ الحَيَوَانَ المَأْكُولَ يصيرُ مِلْكاً بطريَقين:
الجزء: 12 - الصفحة: 3
أحدهما: الذَّبْحُ في الحَلْقِ واللِّبَّةِ 287، وذلك في الحيوان المَقْدُورِ عليه.
والثاني: العَقْرُ المُزْهِقُ في أي موضع كَانَ، وذلك في غير المَقْدُورِ عليه 288، والأَغْلَبُ في هذا القِسْمِ عَقْرُ الحيوان الوَحْشِيِّ بآلةِ الاصْطِيادِ، ويلحق به الحَيَوَانُ المُتَرَدِّي في البِئْرِ ونحوه.
وفي الكتاب بَيَانُ الطريقين، ثم العَقْرُ المُزْهِقُ في الوَحْشِيِّ يَقَعُ عليها اسْمُ الاصْطِيَادِ، ولكنه لا يَخْتَصُّ به، بل يقع على ما هو أَهَمُّ منه، وهو إِثْبَاتُ اليَدِ عليه، وإبْطَالُ امتناعه، وكل واحد من الذَّبْح ومطلق العَقْرِ يفيد الحِلَّ بشرائط، [والاصطياد بالمعنى العام يفيد المِلْكَ بشرائطه،] 289 ومضمون الفصل: بَيَانُ ما يعتبر في الحُكْمَيْنِ، فرتبه صَاحِبُ الكتابِ على طرفين:
أحدهما: فيما يفيد الحِلَّ.
والثاني: فيما يفيد المِلْكَ.
أمَّا الأول: فقد قال: وللذَّبْحِ أربعة أَرْكَانٍ، وعَقْرُ الصَّيْدِ كالذَّبْحِ في تَعَلُّقِهِ بهذه الأركان، ولذلك أَدْرَجَ مسائله فيها، وجَعَلَ في "الوسيط " الذَّبْحَ شَامِلاً للنوعين، فقال: كُلُّ مسلم، أو كتابي عَاقِلٌ بالغ، يصير أَهْلاً للذبح بيده، وبجوارح الصَّيْدِ، وهذا كما أن الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه- جعل الذَّكَاةَ شَامِلَةٌ لِلنَّوْعَيْنِ، فقال: وللذَّكَاةِ وجهان، وذكر الطريقين في المَقْدُورِ عليه، والممتنع.
الركن الأول: الذَّابحُ، واعتبر فيه وَصْفَيْنِ.
أحدهما: أن يكون مُسْلِماً، أو كتابياً ولا يَحِلُّ ذَبِيحَةُ المَجُوسِيِّ والوَثَنِيِّ = المصنف رحمه الله: هذا الباب في المنهاج بعد كتاب الجزيةكما في المحرّر، وأكثر الأصحاب في هذا الكتاب وما يعد هنا وفاقاً للمزني، وخالف المصنف هنا فذكر آخر ربع العبادات تبعاً لطائفة من الأصحاب، وقال وهو الأنسب وقال ابن قاسم ولعل وجه الإنسبية أن طلب الحلال فرض عين.
الجزء: 12 - الصفحة: 4
والمُرْتَدِّ 290، وغَيْرِ أَهْلِ الكتاب من الكُفَّارِ، وَيحِلُّ ذَبِيحَةُ الكتابي على ما قَالَ تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة:5] ولا فَرْقَ بين ما يَسْتَحِلُّونَهُ وبين غيرِهِ.
وعن مالك: أنه لا يَحلُّ من ذَبَائِحهم ما لا يَستَحِلُّونَهُ كالإِبِلِ، والقَوْلُ فيما يُعْتبر في الكتابي لتحل ذَبِيحَتُهُ على ما مَرَّ في جَوَازِ المُنَاكَحَةِ، وفي التقرير بالجِزْيَةِ، وفي المُتَوَلِّدِ بين الكافر والمَجُوسِيِّ قولان، كالقولين في جَوَازِ مُنَاكَحَتِهِ، وقد ذكرنَا حال القولين في "كتاب النِّكَاح"، وفي جواز المُنَاكَحَةِ، وحِلِّ الذبيحة يجريان مَجْرَى وَاحِدٍ لا يفترقان، [إلا أن الأمة الكتابية تحلُّ ذبيحتها، ولا تحل مُنَاكَحَتُهَا، والفرق أن لكل] 291 وَاحدٍ من الرِّقِّ والكُفْر أثرًا في المَنْعِ من النكاحِ، فإذا انْضَمَّ أَحَدُهما إلى الآخر، جاز أنْ يَتَقَوَّى المانع ويزداد الامْتِنَاعُ، ولاَ أَثَر للرِّقِّ في الذَّبِيحَةِ، وحَكَى الإِمَامُ تَفْرِيعاً على إلحاق هذا المُتَوَلِّدِ بالَوَثَنِيِّ وجهين فيما إذا بَلَغَ وَدَانَ بدِينِ أَهْلِ الكتاب، هل يُحكَمُ له يُحْكَمُ أَهْلِ الكتابِ؟
والأصحُ؛ المَنْعُ، ويجوزُ أن يُعَلَّمَ من لفظ الكتاب.
قولُهُ: "التحريم"، وقوْلُهُ: "النظر إلى الأب" كلاهما بالحَاءِ عند أبي حنيفة، يحلُّ ذَبِيحَةُ المُتَوَلِّدِ، سواء كانَ أبوه كتَابيّاً، أو أَمَّهُ كَتَابِيَّةً.
ولو اصْطَادَ مَجُوسِيٌّ سَمَكَةً، فهي حلالٌ؛ لأنَّهُ لا اعْتِبَار بِفِعْلِهِ، ومَيْتَةُ هذا الحَيَوَانِ حَلاَلٌ.
وكما تحرم ذَبِيحَةُ المَجُوسِيِّ، ومن في معناه يُحَرَّمُ ما قَتَلَهُ من الصُّيُودِ بالرَّمْيِ، وإرْسَالِ الكَلْبِ، وكما يُحَرَّمُ ما انْفَرَدَ المَجُوسِيُّ بذَبْحِهِ واصْطِيَادِهِ، يُحَرَّمُ ما اشترك فيه المُسْلِمُ والمَجُوسِيُّ تَغْلِيباً للحريم، فلو أمَرَّ السَّكينَ على حَلْقِ الشَّاةِ، أو قطع هذا بعض الحُلْقُومِ، وهذا بَعْضُهُ فهو حَرَامٌ.
وكذا لو رَمَيَا سَهْماً إلى الصَّيْدِ، أو أرْسَلاَ كَلْباً، فقَتَلَهُ.
ولو رَمَيَا سَهمَينِ، أو أَرْسَلاَ كَلْبَيْنِ، نُظِرَ إن سَبَقَ سَهْمُ المسلمِ، أو كَلْبُهُ، فَقَتَلَ الصَّيْدَ أو أَنْهَاهُ إلى حَرَكَةِ المَذْبُوحِ، فهو حَلاَلٌ، ولا يَقْدَحُ فيها ما وُجِدَ من المَجُوسِيِّ، كما لو ذَبَحَ مُسْلِمُ شَاةً، ثم قَدَّهَا المَجُوسِيُّ بنصفين، ولو كَانَ الأَمر بالعكس، فهو حَرَامٌ وكذا لو جَرَحَاهُ معاً أو على ترتيب، ولم يُذفِّفْ واحدٌ منهما، وهَلَكَ بهما.
وفي "البحر" أَنَّهُمَا مهما اشْتَرَكَا في إِمْسَاكِهِ وعَقْرِهِ، أو في أحد الأمرين، وانفرد الآخرُ بالثاني، أو انفرد أَحَدُهُمَا بأحدهما، والآخرُ بالآخرِ، فالحكم التَّحْرِيمُ.
الجزء: 12 - الصفحة: 5
وأما إذا أَمْسَكَهُ كَلْبُ المُسْلِمِ وعَقَرَهُ كَلْبُ المَجُوسِيِّ، فظاهر، وأمَّا العكس فأنَّهُ إذا أَمْسَكَه كَلْبُ المَجُوسِيِّ، صار مقدوراً على ذَكَاتِهِ، فلا يحلُّ بأنْ يَقْتُلَهُ كَلْبُ المسلم 292.
ولو لم يُعْلَمْ أَقَتَلَهُ كَلْبُ المسلمِ، أو كلب المجوسي فهو حَرَامٌ.
ولو كَانَ للمسلم كَلْبَانِ؛ مُعَلَّمٌ وغيرُ مُعَلَّم، فقتلا صَيْداً، فهو [كم لو اشترك كلب] 293 المسلمِ والمَجُوسِيِّ، وكذا لو كانا مُعَلِّمَيْنِ، وأُرْسِلَ أحَدُهُمَا بلا إِرْسَالٍ.
ولو هَرَب الصَّيْدُ من كلب المسلم، فَعَارَضَهُ كَلْبُ المَجُوسِيِّ، ورَدَّ عليه، فَقَتَلَهُ كَلْبُ المسلِم، حَلَّ، كَمَا لو ذَبَحَ مُسْلِمٌ شَاةً، أَمْسَكَهَا مَجُوسِيٌّ.
وعن أبي حَنِيْفَةَ: أنَّهُ يُحَرَّمُ، كما لو أَمْسَكَهُ.
وإذا جرح المسلمُ أَوَّلاً ثم قتله المَجُوسِيُّ، أو جرحه جُرْحاً، غَيرَ مُذَفَّفٍ، وماتَ بالجُرْحَيْنِ، حَرُمَ الصيد على ما بَيَّنَّا.
فلو كانَ المُسْلِمُ قد أَثْخَنَهُ بِجِرَاحَةٍ، فقد صار مَالِكاً لَهُ على ما سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
ويجبُ على المَجُوسِيِّ الضَّمَانُ؛ لأنَّهُ أَفْسَدَ مِلْكَهُ عليه؛ إذ جعله مَيْتَةً، وكل ما اصْطَادَهُ المسلمُ بكلبِ المجوسي كما لو ذُبحَ بِسِكِّينِهِ 294.
قال الغَزَالِيُّ: وَلاَ تَحِلُّ ذَبِيحَةُ المَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لاَ يُمَيِّزُ عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ* وَتَحِلُّ ذَبِيحَةُ الصَّبِيِّ المُمَيَّزِ وَالأَعْمَى* وَفِي اصْطِيَادِهِ بِالرَّمْيِ وَالكَلْبِ وَجْهَانِ، إِذْ لاَ يُمْكِنُهُ قَصْدُ عَيْنِ الصَّيْدِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الوصف الثاني: أنْ يَكُونَ عَاقِلاً، ففي ذَبِيحَةِ المَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الذي لا يُمَيِّزُ والسَّكْرَانِ قولاَن.
أَحَدُهُمَا: يَحِلُّ 295، كما لو قطع حُلْقُومَ شَاةٍ، وهو يَحْسَبُهُ شَيْئاً آخر لَيِّناً، ولأنَّ لهم قَصْداً وَإِرادةً في الجملة.
والثاني: المَنْعُ، وبه قَالَ أَبُو حنِيفَةَ؛ لِأَنَّ قُصُودَهُمْ فَاسِدَةٌ، فأشبه ما إذا كانت في يَدِ النائم سِكينٌ، فانْفَلَتَتْ 296، وقَطَعَتْ حُلْقُومَ شاةٍ، وهذا أَظْهَرُ عند الإِمَامِ، وصاحب
الجزء: 12 - الصفحة: 6
الكِتابِ، وجماعةٍ، وبالأول أجابَ الشَّيْخُ أبُو حَامِدٍ في خِلاَلِ الاحْتِجَاجِ في مَسْأَلَةٍ أخرى، وكذلك فعل صاحبُ "المُهَذّبِ" 297.
وقال في "التهذيب" بعد حِكَايَةِ القَوْلَيْنِ: فإن كانَ لِلْمَجْنُونِ أَدْنَى تَمْيِيزٍ وَللسَّكْرَانِ قَصْدٌ، حَلَّتِ الذَّبيحَةُ وينبغي أنْ يُرَتَّبَ السَّكْرَانُ على المَجْنُونِ، ويبنى أَمْرُهُ على الخلاف المشهور؛ في أَنَّ السَّكْرَانَ كالصَّاحِي، أو كالمَجْنُونِ، وأَما الصَّبِيُّ الممييز فتحلُّ ذَبيحَتُهُ لِصِحَّةِ قَصْدِهِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، وربما شبه الخِلاَفُ بالخلافِ؛ في أنَّ الصَّبِيَّ هل لهَ عَمَلٌ؟
والظَّاهِرُ في حقه الحِلُّ بالاتفاق.
وتَحِلُّ ذَبِيحَةُ الأَعْمَى، وتكرهُ ذَكَاتُهُ؛ لأَنَّهُ قد يُخْطِئُ المَذْبَحُ، وفي اصْطِيَادِهِ بالرَّمْيِ والكلبِ وَجْهَان:
أحدهُمَا: أنَّهُ يعتبر ويَحلُّ الصيد -كما يعتبر ذَبْحُهُ، ويُحْكَى عن أبي إِسْحَاقَ المَنْعُ؛ لأنَّهُ ليس له قَصْدٌ صَحِيحٌ، فصار كما لو اسْتَرْسَلَ الكَلْبَ بنفسِهِ.
هكذا أطلق الوَجْهَيْنِ مُطْلِقُونَ، والأشبه أنَّ الخِلاَفَ مَخْصُوصٌ بما إذا دَلَّهُ بَصِيرٌ على أن بِحِذَائِهِ صَيْداً، فرمى، أو أَرْسَلَ الكَلْبَ إليه بدلالتهِ، وفيه صور صاحبُ "التهذيبِ"، ووجه الحل: أَنَّهُ فَعَلَ ما فعل بدلالةِ بَصِيرٍ، فَأشْبَهَ ما لو دَلَّهُ على القِبْلَةِ.
قال: وَالمَذْهَبُ: المَنْعُ، بخلافِ القِبْلَةِ؛ لأنَّ التَّوَجُّهِ يسقط بالأَعْذَارِ، ويجوز بِنَاءُ الأَمْرِ فيه على الاجْتِهَادِ، بخلافِ الصيدِ، وكذلك صور المُوَفَّقُ أَبُو طَاهِرٍ في "شرح الجُوَيني" لكنه أَجَابَ بالحِلِّ.
وفي "البحر" طرِيقَةٌ قاطعةٌ بالمنع 298، وهي التي أَوْرَدَهَا ابْنُ الصَّبَّاغِ، والأشهر إِثْبَاتُ الخِلاَفِ فِي اصْطِيَادِ الصبي والمجنونِ 299 بالرَّمْي بالكلب، ومنهم من خَصَّصَهُ بِإرْسَالِ الكَلْبِ، وقطَعَ الحِلَّ في رَمْي السَّهْمِ تَنْزِيلاً له مَنْزِلَةَ الذَّبْحِ بالسكين، وسيأتي مِثْلُ هذا الفَرْقِ من بَعْدُ إنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
وقد بَانَ من المسائِل المذكورة أَنَّ المُرَادَ من قوله: "أَنْ يَكُونَ عَاقِلاً" التَّمْييزُ على ما فيهِ من الخلاف.
وقوله:"وتحلُّ ذَبِيحَةُ الصَّبِيِّ المميزِ، والأعمى، وفي اصطياده بالرَّمْي والكلب وَجْهَان" كذا هو في بَعْضِ النُّسَخِ، وهو المُوَافِقُ لإيراد "الوسيطِ"، وعلى هَذا فَلْيَعلَّمْ
الجزء: 12 - الصفحة: 7
لفظ "الصَّبِيِّ المميز" بالواو، وفي بعض النسخ "ذَبِيحَة الصَّبيِّ المُمَيِّزِ والأعمى، واصطياده بالرَّمْيِ، والكلب وَجْهَان" وهو صحيحٌ أيضاً وعلى هذا فتجعل العَلاَمَةُ على قولهِ: "ويحلُّ" ويجوزُ إعلامُ لفظِ: "الوَجْهَيْنِ" بالواو؛ لطريقةِ القَطْعِ.
"فرع" الأَخْرَسُ إن كان (1) له إِشَارَةٌ مَفْهُومَةٌ، حلَّتْ ذَبِيحتُهُ، وإلاَّ فهو كالمَجْنُونِ.
قاله في "التهذيب" ولْتَكُنْ سَائِرُ التَّصَرُّفَاتِ على هذا القياسِ.
قاله في "التهذيب" (2).
"آخر": إذا أُكْرِهَ على الذَّبْحِ فذبح، يمكن أن يقال: إن اعْتَبَرْنَا فعله، وعَلَّقْنَا به القِصَاصَ حَلَّتِ الذَّبِيحَةُ، وإن جعلناه، كالآلَةِ فكذلك؛ لأن المُكْرِهَ كأنه ذبح به، وعلى هذا فلو أُكْرِهَ على رَمْيِ السَّهْمِ إلى الصيد، فينبغي أن يكون المِلْكُ لِلْمُكْرِهِ والله أعلم.
قال الغَزَالِي
ُّ: (الرُّكْنُ الثَّانِي: الذَّبْحُ)
وَلاَ بُدَّ مِنَ الذَّبْحِ فِي كُلِّ حَيَوَانٍ لاَ تَحِلُّ مَيتَتُهُ* وَيَحِلُّ ابْتِلاعُ السَّمَكَةِ* وَيتَعَيَّنُ الحَلْقُ وَاللَّبَّةُ فِي الذَّبْحِ إلاَّ فِي الصَّيْدِ* وَالحَيَوَانُ الإِنْسِيُّ إِنْ تَوَحَّشَ فَهُوَ كَالصَّيْدِ* وَالبَعِيرُ إِنْ تَرَدَّى فِي البِئْرِ جَازَ الطَّعْنُ فِي خَاصِرَتِهِ* وَلَوْ شَرَدَ البَعِيرُ وَجَبَ الصَّبْرُ اِلَى القُدْرَةِ عَلَيْهِ إلاَّ أَنْ يُؤدِّيَ طَلَبُهُ اِلَى مَهْلَكَةٍ فَيَكُونَ كَالصَّيْدِ* وَإِنْ كَانَ يُؤَدِّي اِلَى مَوْضِعِ لُصُوصٍ وَغُصَّابٍ فوَجْهَانِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الحَيَوَانُ إِمَّا غَيْرُ مَأْكُولٍ، فَذَبْحُهُ كموتهِ، وإما مَأْكُولٌ، فينقسمُ إلى ما يَحِلُّ مَيْتَتُهُ، وإلى غيره كالسَّمَكِ والجَرَادِ، فلا حاجةَ إلى ذَبْحِهِ.
والسَّمَكُ الصّغَارُ إذا شُوِيَتْ من غيرِ أن يُشَقَّ جَوْفُهَا، ويخرج ما فيها هَلْ يَحِلُّ أَكْلُهَا؟ فيه وَجُهَان:
أحدهما: النجاسة خُرْئها.
والثاني: نعم؛ لِعُسْرِ تتبُّعِهَا وإخراجِها، وعلى المُسَامَحَةِ بها جَرَى الأَوَّلُونَ.
قال القاضي الرُّويَانِيُّ: وبهذا أُفْتِيَ، ورَجِيعُهَا طَاهِرٌ عندي وهو اخْتِيَارُ القَفَّالِ.
ولو وُجِدَتْ سَمَكَةٌ في جَوْفِ سَمَكَةٍ، فهي حَلاَلٌ، كما لو ماتت حَتْفَ أَنفِها، بخلاف ما إذا ابْتَلَعَتْ طَائِراً، فوجد ميتاً في جَوْفِهَا.
ولو تَقَطَّعَتِ السَّمَكَةُ في جَوْفِ الأُولَى، وتَغَيَّرَ لَوْنُهَا ففِي حِلِّهَا وجهان:
أظهرهُما: المَنْعُ؛ لأنَّها صَارَتْ كالرَّجِيعِ والقَيْءِ300301
الجزء: 12 - الصفحة: 8
ويكره ذَبْحُ السَّمَكِ، لكنَ لو كانَ كبيراً بَقَاؤُهُ، فالمُسْتَحَبْ ذَبْحُهُ إِرَاحَةً له، أو تَرْكُهُ حتى يَمُوتَ حَتْف أَنْفِهِ؟
فيه وَجْهَان مَنْقُولاَنِ عن "الحاوي"، والأَوَّلُ هو جَوَابُ الشيخ أبِي حَامِدٍ.
ولا ينبغي أن يَقْطَعَ فِلْقَةً من السَّمَكِ وهي حَيَّةٌ؛ لم فيه من التَّعْذِيب، ولو فَعَلَ ففي حِلِّهَا وَجْهَان:
أحدُهمَا: المَنْعُ، ويحكى عن ابن أبي هُرَيْرَةَ، كما لو قَطَعَ عُضْواً من غَيْرِهَا، واحتجَّ له بقولهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ، فَهُوَ مَيِّتٌ" 302.
وأصحُّهما: الحِلُّ؛ لأن المُبَانَ كَالمَيِّتِ، ومَيْتَةُ هذا الحيوانِ 303 حَلاَلٌ.
وهل يَحِلُّ ابْتِلاعُ السَّمَكَةِ حَيَّةً، ويذكر أنَّهُ يَنْفَعُ من بعض العِلَلِ؟ فيه وَجْهَانِ:
أظهرهُمَا: وهو المَذْكُورُ في الكتابِ، وبه قال ابن القَاصِّ: نعم 304 لأنَّهُ ليس في ابْتِلاَعِهَا أَكْثَرُ من قَتْلِهَا، وأنَّهُ جائزٌ.
والثاني: لا، وبه قال الشَّيْخُ أبو حامِدٍ؛ لما فيه من التَّعْذِيبِ، وأيضاً فلما في جَوْفِها.
والثاني: مَا لا تَحِلُّ مَيْتَتُهُ، وهو إما مَقْدُورٌ عليه [أو مُتَنَفِّرٌ مُتَوحِّشٌ، فهو قسمان:
الأول: المَقْدُورُ عليه] 305 ولا يَحِلُّ إلا بالذَّبْحِ في الحَلْقِ أَوِ اللَّبةِ، والكَلاَمُ فيه مُؤَخَّرٌ إلى "الضَّحَايَا" وإن كان بهذا الكتاب أَلْيَقَ، ولاَ فَرْقَ بين ما هو إِنْسِيٌّ في الأصل، وبين الوَحْشِيِّ إذا اسْتَأْنَسَ، وحَصَلَ الظَّفَرُ به.
والثاني: المُتَوَحِّشُ كالصَّيْدِ، فجميعُ أَجْزَائِهِ تُذْبَحُ ما دَامَ على تَوَحُّشِهِ، حتى إذَا رَمَى إليه سَهْماً، أو أَرْسَلَ حَاجَةً، فَأصَابَ شَيْئاً من بَدَنِهِ، وماتَ حَلَّ؛ لما رُوي عن أبي ثَعْلَبَةِ الخشنيِّ -رضي الله عنه- أنَّهُ قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله لِي كِلاَبٌ مُكَلّبَةٌ 306، فَأفْتِنِي في صَيْدِهَا.
فقال: "كُلْ مَا أَمْسَكَنَ عَلَيْكَ" قلت: ذَكِيٌّ وغيرُ ذَكِيٌّ؟ قال: "ذَكِيٌّ وغَيْرُ ذَكِيٍّ" 307.
والإجماعُ مُنْعَقِدٌ عليه، والحَيَوَانُ الإنْسِيُّ إذا تَوَحَّشُ، كما أنه إذا نَدَّ بعير، أو
الجزء: 12 - الصفحة: 9
شَرَدَتْ شَاةٌ كالصَّيْدِ يحلُّ بالرَّمْي إلى غيرِ المَذْبَحِ منه، وبِإرْسَالِ الكَلْبِ عليه؛ خلافاً لمالكِ؛ حيث قاله: لا يَحِلُّ إِلاَّ بَقطعِ الحُلْقُومِ.
واحتج أَصْحَابُنَا بما رُوِيَ أَنَّ بَعِيراً نَدَّ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ، فحبسَه، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأوَابِدِ الوَحْشَ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا" 308.
والأَوَابِدُ: الوحشيات.
ولما رُوِيَ عن أبي العشراء الدَّارِميِّ عن أبيه؛ أنَّهُ قال: يا رسولَ اللهِ: أما تكون الذَّكَاةُ إلا في الحَلْقِ واللَّبَّةِ؟ فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّكَ 309 لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذَهَا لَأَجْزَأَكَ" 310.
وأَرَادَ في غير المَقْدُورِ عليه، ويروى أَنَّهُ سئل عن بعير نَادٍّ، ويروى أنه تَرَدَّى له بَعِيرٌ في بِئْرٍ، فقالَ -صلى الله عليه وسلم-: "لَوْ طَعَنْتَ فِي خَاصِرَتِهِ لَحَلَّ لَكَ" 311.
وعن جابر -رضي الله عنه- أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "كُلُّ إنْسِيَّةٍ تَوَحَشَتْ، فَذَكَاتُهَا ذَكَاةُ الوَحْشِيَّةِ" 312. ولو تَرَدَّى بعيرٌ في بِئْرٍ، ولم يمكن قَطْعُ حُلْقُومِهِ، فهو كالبعيرِ النَّادِّ [في جَوَارِحِهِ، وفي إِرْسَالِ الكَلْبِ عليه وجهان:
أحدهما: الجَوَاز، كما في الصَّيْدِ، والبعير النَّادِّ] 313، وهذا ما اخْتَارَهُ البَصْرِيُّونَ 314.
الجزء: 12 - الصفحة: 10
والثاني: المَنْعُ؛ لأنَّ الحَدِيدَ يُبَاحُ به الذَّبْحُ مع القُدرَةِ، وعَقْرُ الكلب بخلافه.
هكذا أَوْرَدَ الوَجْهَيْنِ القاضي الرّوَيانِيُّ حُكْماً وتوجيهاً، ورجح الثاني منهما، ولك أن تَتَوَقَّفَ فيه، ثم هاهنا كَلاَمانِ آخران.
أحدهما: في معنى التَّوَحُّشِ، ولا يَخْفَى أَنَّهُ لا يكفي فيه مجردُ الإِفْلاَتِ، بل إذا تَيَسَّرَ اللحوق بِعَدْوٍ، أو اسْتِعَانَةٍ بمن يستقبل البَهِيمَةَ، فَلَيْسَ ذلَك بِشُرُودٍ، ولا يَكُونُ الجُرْحُ في غيرِ المَذْبَحِ ذَبْحاً، ولو تحقق الشرودُ، وحَصَلَ العَجْزُ [عنه في الحال] 315، فالذي أَطْلَقَهُ الأصحابُ أَنَّ البَعِيرَ كالصَّيْدِ؛ لأنَّه قد يبغي الذَّبْحَ في الحال، وتَكْلِيفُهُ الصَّبْرَ إلى أنْ يَسْكُنَ، أو تحصل القدرةُ عليه يَشُقُّ.
وقال الإمامُ: الظَّاهِرُ عندي أنَّهُ لا يُلْحَقُ الصَّيْدُ بذلك؛ لألانَّهَا حَالَةٌ عَارِضَةٌ قريبة الزَّوَالِ.
نعم لو كان الصَّبْرُ والطَّلَبُ يُؤَدِّي إلى مَهْلَكَةٍ، أو مَسْبَعَةٍ، فهو حينئذٍ كالصَّيْدِ -وإن كانَ يُؤَدِّي إلى مَوْضِعِ لُصُوصِ وغُصَّابٍ مترصِّدين.
فوجهان:
وكان الفرقِ أَنَّ تَصَرُّفَهُمْ وإِتْلافَهُمْ مُتَدَارَكٌ بالضَّمَانِ، وعلى طريقة الإمامِ جَرَى صاحبُ الكتاب، فَلْيُعَلَّمْ قَوْلُهُ: "وَجَبَ الصَّبْرُ إلى القدرةِ عليه" بالواو، والأَوْفَقُ لإيراد الأكثرين يُخَالِفُ ما ذكرهُ وقولُه قبل ذلك: "فهو كالصَّيْدِ" مُعَلَّمٌ بالميم، وكذلكَ قوله: (جاز الطَّعْنُ)، فإنَّ خِلاَفَ مالكِ يَشْمَلُ الصُّورَتَيْنِ.
والثاني في كيفية الجُرْحِ المفيد لِلْحِلِّ في النَّادِّ والمُتَرَدِّي وجهان:
أحدهُمَا: أنَّهُ لا بد من جرح مُنَفقٍ ينزل مَنْزِلَةَ قَطْعِ الحُلْقومِ والمَرِّيءِ في الحيوان المقدورِ عليه، وجُعِلَ التَّعَرّضُ للخاصرةِ إِشَارَةً إليه، فإن الخَاصِرَةَ من المَقَاتِلِ.
والثاني: يكفي الجرْحُ المُفْضِي إلى الزُّهُوقِ كيف كَانَ؛ لما رَوَينَا من الأخبار ولفظ "الخاصرة" يُعَارِضُهُ رِوَايَةُ "الفَخِذِ"، ومَالَ الإِمام إلى الأول، وحكاه عن اختبار القَفَالِ، وبالثاني أجاب المعظم -رَحِمَهُمُ الله-.
قال الغَزَلِيُّ: وَلَوْ جَرَحَ الصَّيْدَ بسَهْم أَوْ جَرَحَهُ الكَلْبُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَعدُوَ إِلَيْهِ* فَإنْ بَقِيَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ ذَبَحَهُ* فَإنْ تَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ فحَرَامٌ* وَلاَ يُعْذَرُ بَأنْ لاَ يَكُونَ مَعَهُ مُدْيَةٌ أَو سَقَطَ مِنْهُ أَو نَشَبَ فِي الغِمْدِ أَو غَصَبَ مِنْهُ* وَإنَّمَا يُبَاِحُ إِذَا أَدْرَكَهُ مَيْتاً أَوْ فِي حَرَكَةِ المَذْبُوحِ* وَلَوْ قَدَّ صَيْداً بِنِصْفَيْنِ فالنِّصْفَانِ حَلاَلٌ* وَإِنْ أَبَانَ عُضْواً بجُرْحٍ مُذَفَّفٍ فَالعُضْوُ حَلاَلٌ* فَإنْ لَمْ يَكُنْ مُذَفَّفاً فَذُبِحَ الصَّيْدُ أَوْ مَاتَ بجُرْحٍ مُذَفَّفٍ فَالعُضْوُ حَرَامٌ* وَإِنْ مَاتَ بِذَلِكَ الجُرْحِ فوَجْهَانِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 11
قال الرافعي: فيه مسألَتَانِ:
إحداهُمَا: إذا أَرْسَلَ سِلاَحَهُ من سَهْمٍ وسَيْفٍ وغيرهما، أو كَلْبَهُ المُعَلَّمَ على صيدٍ، فأصابهُ ثم أدرك الصيد حَيّاً، نُظِرَ إنْ لم يَبْقَ فيه حَيَاةٌ مستقرَّةٌ بأن كان قد قُطِعَ حُلْقُومُهُ ومريئه، أو أجَافَهُ، أو خَرَقَ أمْعَاءَهُ، فيستحبُّ أنْ يُمِرَّ السِّكِّينَ على حَلْقِهِ لِيُريحَهُ، فإن لم يَفْعَل وتَرَكَهُ حتى مَاتَ فهو حَلاَلٌ كما لو ذَبَحَ شَاةً، فاضْطَرَبَتْ أو عَدَتْ، وإن بَقَيتَ فيها حياة مستقرة فَلَهُ فيهَا حَالَتَانِ:
إحداهما: إذا تَعَذَّرَ ذَبْحُهُ من غير تَقْصِير من الصَّائِدِ، فهو حلال أيضاً، كما لو لم يُدْرِكْهُ حَيّاً.
والثانية: إذا لم يَتَعَذَّرْ ذَبْحُهُ، وتَرَكَهُ حتى مات، فهو حَرَامٌ، كما لو تَرَدَّى بَعِيرٌ من شَاهِقٍ، ولم يَذْبَحُهُ حتى مَاتَ، وكذا الحُكْمُ لو كَانَ التَّعَذُّرُ تَقْصِيراً من جِهَتِهِ، من قَبِيلِ الحَالَةِ الأُولَى أن يَشْتَغِلَ بأخذ الآلةِ وسَلِّ السكينِ، فَمَاتَ قبل أن يمكنه الذَّبْحُ.
ومنه: أن يمتنعَ بما فيه من بَقِيَّةِ قُوَّةٍ، وَيَمُوتَ قبل القُدْرَةِ عليه.
ومنه: ألاَّ يَجِد من الزمانِ ما يمكن الذَّبْحُ فيه.
وعن أبي حنيفةَ: أنَّهُ لا يَحِلُّ؛ لأنَّهُ صار مَقْدُوراً عليه، فَيَتَعَلَّقُ حِلُّهُ بالذبح.
ومن قبيل الحالةِ الثانية ألاَّ يَكُونَ معه مُدْيَةٌ، وآلَةٌ يذبح بها، وإِنْ تَرَك اسْتِصْحَابَ آلةِ الذبح تقصيراً منه، وإنْ سقط وتَضَيَّعَ منه، فإنْ تَرَكَهَا مُتَقَلْقِلَةٌ [فِي الغِمْدِ] 316 تقصيراً منه، ولوَ وَجَدَهَا بعد ما ضَاعَتْ، وماتَ الصَّيْدُ في مدةِ الطَّلَبِ، فهو حَرَامٌ.
ومنه: إذا نَشبَتْ في الغِمْدِ، فإنَّ حَقَّهُ أنْ يستصحبَ الآلَةَ في غِمْدٍ يُوَاتِيهِ، وعن أبي عَلِيٍّ بن أبي هُرَيْرَةَ، وصاحبِ "الإفصاحِ" أنَّهُ يعذر ذلك، ويحل الصَّيْدُ، ويروى هذا عن مالكٍ، ويروى عنه أَيْضاً أنَّهُ يُعْذَرُ بنسيان المُدْيَةِ.
ومنه ما إذا غُصِبَتْ مُدْيَتُهُ، فَأصَحُّ الوَجْهَيْنِ، وهو المذكورُ في الكتاب أنه يحرم؛ لأَنَّهُ وَقَف على حَيَوَانٍ فيه حَيَاةٌ مستقرَّةٌ، ولم يذبحه، ولو كان هذَا عُذْراً، لكانَ عُذْراً في الحَيَوَانَاتِ الأهْلِيَّةِ.
والثاني: يحلُّ، ويُعْذَرُ بذلك، كما لو لمْ يَصِلْ إلى الصَّيْدِ لِسَبُعٍ حَائِلٍ حتى مات.
وفرق القاضي الرُّوَيانِيُّ بين الصُّورَتَيْنِ بأنْ قَالَ: غَصْبُ السِّكِّينِ عَائِدٌ إليه، ومنع [السَّبُعِ] 317 عَائِدٌ إلى الصَّيْدِ، وذكر أَنَّهُ لو اشْتَغَلَ بِطَلَبِ موضعِ الذَّبْحِ فلم يَجِدْهُ حتى
الجزء: 12 - الصفحة: 12
مَاتَ، فهو حَلاَلٌ؛ لأنَّهُ لا يجد بُدّاً منه، بخلافِ ما إذا اشْتَغَلَ بتحديد السِّكِّينِ، فمات؛ فإنه يَجِدُ بُدّاً منه [بتقديم التَّحْدِيدِ؛ وبخلاف ما إذا كان يُمِرُّ ظَاهِرَ السِّكِّينِ على حَلْقِهِ غَلَطاً فمات؛ لأنه خرق، وأنه] 318 لو وقع الصَّيَّدُ مُنَكَّساً، واحْتَاجَ إلى قَلْبِهِ ليقدر على ذبحه أو اشْتَغَل بِتَوْجِيهِهِ إلى القِبْلَةِ، فماتَ، فهو حَلاَلٌ، وأَنَّهُ لو شَكَّ بعد مَوْتِ الصَّيْدِ، بأنَّه هل يتمكن من ذَكَاتِهِ، فيحرم، أو لم يتمكَّن فيحلّ، ففيه قولانِ.
أصحُّهُمَا: أنَّهُ يَحِلُّ، وهل يُشْتَرَطُ العَدْوُ إلى الصَّيْدِ إذا أَصَابَهُ السَّهْمُ أو الكَلْبُ؟ فيه وجهان:
أحدهُما: وهو المذكورُ في الكتاب نعم؛ لأنَّهُ المُعْتَادُ في هذه الحالةِ وعلى هذا، فلا يُكلَّفُ المُبَالَغَةَ فيه، بحيث يُقْضِي إلىَ ضَرَرٍ ظاهرٍ.
وأظهرهما: لا، بل يكتفي بالمَشْيِ، كما يكتفي به في السَّعْيِ إلى الجُمُعَةِ، وإن عرفَ التحريم بالصَّلاَةِ بِأمَارَاتِهِ، ويُحْكى هذا عن ابن أبي هُرَيْرَةَ وعلى هذا فَقَدَ قال الإِمَامُ: الوَجْهُ عِنْدِي أنَّهُ لاَ بُدَّ من الإِسْرَاعِ فيه قليلاً؛ لأنَّ المَاشِي على هَيْئَتِهِ خارج عن عَادَةِ الطَّالِبِ، والذي أورده الصَّيْدَلاَنِيُّ وصاحب "التهذيب" وغيرهُما: أنَّهُ لو كانَ يمشي على هَيْئَتِهِ، وأدركه مَيْتاً حَلَّ؛ وإن كان لو أَسْرَعَ لأَدْرَكَهُ حَيّاً وإذا قُلْنَا: يُشْتَرَطُ العَدْوُ، فلو تَرَكَهُ، ثم صَادَفَ الصَّيْدَ مَيْتاً بعد ذلك، ولم ندر أَمَاتَتْ في الزمانِ الذي يَسَعُ العَدْو أو بعده، فينبغي أن يكون على القَوْلَيْنِ فيما إذا شَكَّ في التمكُّنِ من الذَّكَاةِ.
الثانية؛ لو رَمَى إلى صَيْدٍ، فَقَدَّهُ بنصفين، فهما حلال.
وكذا لو قَطَعَهُ قِطْعَتَيْنِ مُتَفَاوِتَتَيْنِ.
وقال أبُو حنيفةَ: إنْ كانَ الرَّأْسُ في القِطْعَةِ التي هِيَ أَصْغَرُ حَلَّ الكُلُّ، وإن كانَ في القِطْعَةِ الأُخْرَى حَلَّتْ هي دُونَ الصُّغْرَى، وبه قال أحمدُ في روايةٍ.
واحتجَّ الأَصْحَابُ بالقِيَاسِ على ما سلمه ولو أَبَانَ من الصيدِ بِسَيْفٍ أو غيره عُضْواً كَيَدٍ ورِجْلٍ، نُظِرَ إنْ أبَانَهُ بِجِرَاحَةٍ مُذَفَّفَةٍ، ومَاتَ في الحال حَلَّ العُضْوُ، وباقي البَدَنِ، وإنْ لم تَكنِ الجِرَاحَة مُذَفَّفَةً، فَأَدرَكَهُ وذَبَحَهُ، أو جَرَحَهُ جُرْحاً آخَرَ مُذَففاً، فالعُضوُ حَرَامْ؛ لأنهُ أُبِينَ من حَى، وباقي البَدَنِ حَلاَلْ فإن أثبته بالجِرَاحِ الأولى، فقد صَارَ مَقْدُوراً عليه، فَيَتَعَيَّنُ الذَّبْحُ، ولا يجزي سَائرِ الجِرَاحَاتِ، وإنْ مَاتَ من تلك الجِرَاحَةِ بعد مُضِيِّ زمانٍ، ولم يتمكَّن من الذَّبْحِ، حَلَّ باقي البَدَنِ، وفي العُضْوِ وجهان:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَحلُّ أَيْضاً؛ لأنَّ الجرْح السَّابِقَ كالذَّبْحِ للجملة، فَيَتْبَعُهَا العُضْوُ.
الجزء: 12 - الصفحة: 13
وأصحهُمَا: التحريم؛ لأنَّهُ أُبِينَ من حَيٍّ، فَأشْبَهَ ما إذا قَطَعَ أَلْيَةَ شَاةٍ، ثم ذَبَحَهَا لا تَحلُّ الألْيَةُ، واحتجَّ الإمَامُ لفساد الوجه الأول: أنا لو حَكمنَا بحلِّ العُضْوِ، فإما أنْ نَقُولَ: يحلُّ عند موت الصَّيْدِ، وكان حَرَاماً من قبل، وبعيدٌ أن [يغير الموت] (1) حَالَ العُضْوِ وإمَّا أنْ نقولَ: يحلُّ عند موت الصيد استناد الحلِّ إلى حَالَةِ الإبَانَةِ، وإحلال العُضْوِ المُبَانِ من الحَيَوَانِ الذي فيه حَيَاةٌ مستقرةٌ بَعِيدٌ أَيْضاً، وإن جَرَحَهُ جَرَاحَةً أُخُرَى، والحَالَةُ هذه، فإنْ كانَت مُذَفَّفَةً، فَالصَّيْدُ حَلاَلٌ، والعُضْوُ حَرَامٌ، وإنْ لم تكن مُذَفَّفَةَ، ومَاتَ منها، فالصَّيْدُ حَلاَلٌ أيضاً، وفي العُضْوِ وَجْهَان مُرَتَّبَانِ على الوَجْهَيْنِ فيما إذَا مات من الجِرَاحَةِ، وهذه الصُّورَةُ أوْلَى بِالتَّحْرِيمِ؛ [لأن الإِبَانَةَ لم تتجرد ذكاة للصيد] (2).
وعند أبي حَنِيْفَةَ: لا يَحِلُّ العُضْوُ المُبَانُ بحال.
وقولُهُ في الكتاب: "ولو قَدَّ صَيْداً بنصفين" إن حُمِلَ النصفان على القِسْمَيْنِ والقطعتين، وهو الذي يُرَادُ في مِثْلِ هذا المَوْضِعِ غالباً، فيجوز أن يُعَلَّمَ قَوْلهُ: "فالنِّصْفَانِ حلال" بالحاء (3) والألف؛ لما مَرَّ، وإن حمل على حقيقة النصف، فلا إعلام.
وقولُهُ: "وإن ماتَ بذلك الجُرْحِ فوجهان" يعني في ذلك العُضوِ وباقي الصيد حَلاَلٌ إن لم يجعل مَقْدُوراً عليه، بالجرَح الأول، وإن صَارَ، فلا حِلَّ إِلاَّ بالذبحِ.
قال الغَزَالِي
ُّ: (الرُّكْنُ الثَّالِثُ): الآلَةُ
وَهِيَ ثَلاثَةُ أقْسَامٍ: (الأَوَّلُ) جَوَارحُ الأَسْلِحَةِ* وَيَجُوزُ رَمْيُ الصَّيْدِ وَالذَّبْحُ بِجَمِيعِهِمَا إلاَّ السِّنُّ وَالظُّفُرُ فَيَحْرُمُ الذَّبْحُ بِهِ مُتَّصلاً كَانَ أَوْ مُنْفَصِلاً (ح).
قال الرَّافِعِيُّ: الرُّكْنُ معقود للكلام في الآتِ الذَّبْحِ والاصطيادِ، وبيانِ ما يعتبر فيه لِلْحِلِّ، والآلاَتُ ثَلاثةُ أَقْسَامٍ؛ لأنَّها إِمَّا جَمَادٌ، أو حَيَوَانٌ يُصْطَادُ به، والأَوَّلُ إما محدد يجرح، ويُزْهِقُ، أو غيرُهُ.
الأول المُحَدَّدَاتِ التي تجرح بحدَّتهَا من الحديد 322 كالسَّيْفِ، والسَّهْمِ، والرُّمْحِ على العادة الغالبة، أو من الرَّصَاصِ، أو النُّحَاسِ، أو الذَّهَب، أو الخَشَب المحدَّد الطَّرَفِ، أو القَصَبِ، أو الزُّجَاجِ، أو الحَجَرِ، فيجوز فَيْءُ الصَيد والذبح بجميعها إلاَّ السِّن والظُّفْر، وسائر العِظَامِ، وقد يقال: إلاَّ العظم ويجعل السِّنُّ والظُّفْرُ داخلين فيه.
واحتج لِحلَّ الذبح 323 بغيرِ الحَدِيدِ بما رُوِيَ عن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ قال: قُلْتُ: يا319320321
الجزء: 12 - الصفحة: 14
رَسُولَ الله أرأيت أَحَدَنا صَاد صَيْداً، وليسَ مَعَهُ سِكِّينٌ أنذْبَحُ بالمَرْوَة 324 فقالَ: "أمْرِ الدَّمَ بِمَا شِئْتَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللهِ تَعَالَى" 325 وأما أن السِّن والظُّفْرَ مُسْتَثْنَيَانِ، فَسَبَبُهُ ما روي عن رَافِع ابن خُدَيْجٍ، قال: قلت: يا رَسُولَ الله إنا لاَقو العَدُوِّ غَداً، وليس معنا مُدىً، فقالَ: "مَا أَنْهَرَ الدَّمُ وذَكَرَ اسْمَ الله عَلَيْهِ فَكُلْ لَيْسَ السِّنَّ والظُّفْرَ وسأحدثك عنه أما السِّنُّ فَعَظْمٌ، وأما الظُّفْرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ" ولا فَرْقَ بين عَظْمِ الآدمي وغيرِه، ولا بين المُتَّصِلِ والمُنْفَصِلِ.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: يَجُوزُ الذَّبْحُ بالمنفصل.
وعند مالكٍ: يَجُوزُ الذَّبْحُ بالعَظْمِ إذا مَرَّ مَرّاً وعن حكاية الإِمام أبي سليمانَ الخَطَّابِيِّ وَجْهٌ لبعض الأصحاب أن العظم إن كان من مأكول تَجُوز الزَّكَاةُ به 326، والظاهر المَشْهُورُ الأَوَّلُ.
ولو ركَّبَ عَظْماً على سَهْمٍ، وجعلَهُ نَصْلاً له، فقتل به صَيْداً لم يحلَّ.
وعن "الحاوي " أن الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه- قال: أَكْرَهُهُ، ولا يتبين لي أنَّهُ يحرم؛ لأنَّهُ لا يَقَعُ عليه اسْمُ سِنٍّ ولا ظُفْرٍ، والصحيحُ الأول، لأنَّهُ عظم.
وقد قال في الخبر الذي سَبَقَ "أمَا السِّنُّ فَعَظْمٌ" فعلل بكونه عَظْماً.
وقولُه: "وجوارح الأسْلِحَة" احترز به عن المُثَقَّلاَتِ التي لا تَجْرَحُ، والمعتبر ما يخرق بذمّتِهِ، أو يقطع بِحَدِّهِ دون ما يَجْرَحُ ويقطع بثقله، ويَجُوزُ إِعْلاَمُ قوله: "إِلا السِّنَّ [والظفر" لما بَيَّنَّا بالميم والواو، وقوله: "أو منفصلاً 327 " بالحاء].
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّانِي: المُثَقَّلاَتُ) وَالَّذي مَاتَ بِهِ حَرَامٌ كَمَا لَوْ رَمَى بِبُنْدُقَةٍ أَوْ أَلْقَاهُ فِي بِئْرٍ فَانْصَدَمَ أَوْ انْخَنَقَ بالأَحْبُولَةِ فَلاَ بُدَّ مِنْ جَارحٍ* وَلَوْ مَاتَ تَحْتَ الكَلْبِ غَمّاً فَفِيهِ قَوْلاَنِ* وَلَوْ مَاتَ بِسَهْمٍ وَبُنْدُقَةٍ أَوِ انْصِدَامٍ بِالأرْضِ أَو تَدَهْوُرٍ مِنْ جَبَلٍ أَوْ وقُوعٍ فِي مَاءٍ أَوِ انْصِدَامٍ بِأَغْصَانِ الشَّجَرَةِ فَهُوَ حَرَامٌ بَلْ لاَ يُعْفَى إِلاَّ عَنْ الانْصِدَامِ بِالأَرْضِ فَإِنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الجُرْحِ لاَ يحْرُمُ لِلضَّرْورَةِ* وَلاَ يَكْفِي كَسْرُ الجَنَاحِ مَعَ الانْصِدَامِ بِالأَرْضِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 15
قال الرَّافِعِيُّ: المثقّلاَتُ: الآلاَتُ المُثَقَّلةُ إِذا أثَّرتْ بِثِقْلِهَا دَقاً أو خَنْقاً لم يَحِلَّ الحَيَوَانُ وكذا المُحَدَّدُ إذا قتل بثقله، بل لا بد من الجَرْح؛ روى عن عَدِيِّ بن حاتم - رضي الله عنه - قال: سألت رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن صيدِ المِعْرَاض، فقالَ: "إن قتل بِحَدِّهِ فكل، وأن قَتَلَ بثقله، فلا تأكل" 328 ويروى "إذا أَصَبْتَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وإِذَا أَصَبْتَ بِعُرْضِهِ، فَلاَ تَأْكُلْ 329؛ فإنَّهُ وَقِيذٌ.
فيحرم الطير إذا مَاتَ ببَنْدَقَةِ رَمَاهَا إليه خَدَشَتْهُ أو لم تَخْدِشهُ، ولا يَحِلُّ وإن قطعت البَنْدَقَةُ رَأْسَهُ، وكذا الصَيد إذا وقع في البِئْرِ المَحْفُورَةِ [له]، وماتَ بالانْصِدَامِ، أو انْخَفَقَ بالأُحْبُولَةَ المَنْصُوبَةِ له، أو كان رَأْسُ الحَبْلِ في يده، فجره ومات أو مات بسهم لا نَصْلَ فيه، ولا حَدَّ له بدقّه، أو بِثِقْلِ السَّيْفِ.
والطير الضعيف إذا ماتَ بِإصَابَةِ غَرَضِ السَّهْمِ إياه، وَمَا إذا ذُبحَ بِحَدِيدَةٍ كَآلَةٍ لا تقطع، فإنَّ القَطْعَ حينئذٍ يحصل بِقُوَّةِ الذَّابحِ وشدة الاعْتِمَادِ لا بآلة، والمَقْتُولُ بالسَّوْطِ والعَصَا مَوْقُوذٌ مُحَرَّمٌ فلو خَسَقَ فيه حكى القاضي الرُّوَيانِيُّ: أنَّهُ إن كان مُحَدَّداً [يَمُورُ مَوْرَ] 330 السِّلاَحِ، فهو حَلاَلٌ، وإن كانَ لا يَمُورُ إلاَّ مُسْتَكْرَهاً؛ نُظِرَ إن كانَ العُودُ خَفِيفاً قريباً من السَّهْمِ حَلَّ، وإن كان ثقيلاً، فالأَغْلَبُ أن الثّقْلَ قتله، فيكون مَوْقُوذاً، ثم في الفصل مسألَتَان:
إحداهمَا: إذا لم يجرح الكلبُ الصَّيْد، لكن تَحَامَلَ عليه، وقتلَه بِضَغْطِه، ففيه قولاَن:
أحدُهُمَا: وبه قال أحمدُ، واختاره [المزني] 331 لا يحلُّ، كما لَو مَاتَ بِثِقْلِ السَّهْمِ والسَّيْفِ والمُثَقّلاَتِ، وكما إذا رأى الكَلْبَ، أو الفَهْدَ فانْشَقَّتْ مَرَارَتُهُ فَزَعاً ومات [أوَ تعب من كثرة العَدْوِ، ومات] 332 يُدْرِكَهُ الكَلْبُ، وأيضاً فإنَّ الله -تعالَى- سَمَّاها جَوَارح، فينبغي أن يجرح.
وأصحُّهما على ما ذكر الرويانيُ والمُوَفَّقُ بن طاهر: أنه يَحِلُّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 4] ولأنَّ الجَارِحَةَ تعلم ترك الأكلِ فتَؤُب وقد تفضي بها المَهَارَة فيما تعلم إلى ترك الجرح، ولا يمكن أنْ تكلف بأن تجرح، ولا تأكل بخلاف ما إذا أَصَابَ السَّهْمُ بِعَرضِهِ، فإن ذلك من سوء الرَّمْي، ومن قال بهذا القَوْلِ
الجزء: 12 - الصفحة: 16
قال: الجَوَارحُ الكَوَاسِبِ 333.
وعن أبي حنيفَةَ رِوَايَتان كالقَوْلَيْنِ، والأشْهَرُ منها الأَوَّلُ.
وقولُهُ: "ولو مَاتَ تحت الكَلْب غَمّاً" يجوز أن يريد به غَمّه وغشِيهُ ويجوز أن يُرِيدَ أنه مَاتَ تحته حُزْناً، وهذه المسألة لَو أوْرَدَهَا في القسم الثالثِ لَجَازَ، وإنما أَوْرَدَهَا في المُثَقَّلاَتِ؛ لأنَّ الجَارِحَةَ والصورةَ هذه لمْ تجرح كالمُثَقَّلاتِ.
وقولُهُ: من قبل "أو أَلْقَاهُ في بِشْرٍ، فانْصَدَمَ" ليحملَ على أَنَّه تَسَبَّبَ إلى إِلْقَاءِ الصيدِ فيما يحفرها لضبطه، فمات الصَّيْدُ بالانْصِدَام، فأما إذا أخذ الصَّيْدَ، وصار مَقْدُوراً عليه، وأَلْقَاهُ في البِئْرِ، وهذا أَوْضَحُ من أن يحتاجَ إَلى ذِكْرِهِ.
الثانية: إذَا مَاتَ الصَّيْدُ بِسَبَبَيْنِ مبيح وحَاظِرٍ 334 فهو حَرَامٌ، تَغْلِيباً للتحريم، وذلك مِثْلُ أن يَمُوتَ بِسَهْمٍ وبَنْدَقَةٍ أصاباه من رَامٍ أوَ رَامِيَيْنِ، أو يصيب الصَّيْدَ طَرْفٌ من الفصلِ، فيجرحَهُ، ويؤثر فيه عُرْضُ السَّهْمِ في مُرُورِهِ، فيموت منهما، وكذا لو رمَى إلى الصيدِ سَهْماً، فوقع على طَرَفَ سَطْحٍ، ثم سقط منه، أو على جَبَلٍ فتدهور منه وتردّى، أو وقع فِي مَاءٍ، أو على شجر، فانْصَدَمَ بأغصانه؛ لأنَّهُ ماتَ منهما أو لا يدري أنه من أيهما مَاتَ، وكذلك الحُكْمُ لو وقَعَ على مُحَدّدٍ من سِكِّينٍ وغيره.
ولو تَدَحْرَجَ من الجَبَل من جنب إلى جنب؛ لم يَضُرَّ؛ لأنَّ ذلك ليس مما يُؤَثِّرُ في التلف، وإن أصاب السهمُ الصَّيْدَ في الهواء، فوقع على الأرض، وماتَ، حلَّ سواءٌ ماتَ قبل الوصولِ إلى الأرض، أو بعده، أو لم يُعْلَمْ أنَّهُ ماتَ قبله أو بعده؛ لأنَّ الوُقوعَ على الأَرْضِ لاَ بُدَّ منه، فيعفى عنه، كما يعض عن الذَّبْحِ في غيرِ المذبح عند التَّعَذُّرِ، وكما لو كانَ الصَّيْدُ قائماً، فوقع على جنبه لما أصَابَهُ السَّهْمُ، وانْصَدَمَ بالأرض.
وقَالَ مالكٌ: إن مَاتَ بعدما وَقَعَ على الأَرْضِ لم يَحِلَّ، والانزحاف قَليِلاً بعد إصابةِ السَّهْمِ، كالوقوعِ على الأَرْضِ، ولو لمْ يجرحه السَّهْمُ في الهواء ولكن كَسَرَ جَنَاحَه، فوقع فَمَاتَ، فهو حَرَامٌ؛ لأنَّهُ لم يصبه جُرْحٌ يُحَالُ الموت عليه، ولو كان الجُرْحُ خَفِيفاً لا يُؤَثِّرُ مِثْلُهُ، ولكن عَطَّلَ جَنَاحَهُ، فَسقَطَ، وماتَ، فكذلك قالَهُ في "النهايَة".
ولو وَقَعَ الصَّيْدُ من الهواء بعد ما أَصَابَهُ السَّهْمُ، وجرحه في بئر، فإن كانَ فيها مَاءٌ، فعلى ما سَبَقَ، وإن لم يكن فالصَّيْدُ حَلاَلٌ، وقَعْرُ البئرِ كالأرضِ [وليكن الغرض فيما إذا لم يصادفه جُدْرَانٌ] 335 البئر، ولو كان الطَّيْرُ [واقفاً] 336 على شَجَرٍ، فَأصَابَهُ
الجزء: 12 - الصفحة: 17
السَّهْمُ، ووقع على الأرض حَلّ، وأن وقع على غُصْنٍ، أو أَغْصَانٍ، ثم وقَعَ على الأَرْضِ لم يحِلَّ، وليسَ الانْصِدَامُ بالأَغْصَانِ، أو بأَحْرُفِ الجَبَلِ عند التَّدَهْوُرِ من أعلاه كالانْصِدَامِ بالأرضِ، فإنَّ ذلكَ الانصدامَ ليسَ بلازمٍ ولا غالبٍ، والانصدامُ بالأرض لاَ بُدَّ منه.
وللإمام احْتِمَالٌ في الصَّورَتَيْنِ لكثرةِ وقوع الطُّيُورِ على الأشجار، والانصدامِ بأطْرَافِ الجَبَلِ، إذا كان الصَّيْدُ في الجَبَلِ.
فلو رَمَى إلى طير الماء، نُظِرَ إِنْ كَانَ على وجه الماء، فَأصَابَهُ فمات، حلّ، والمَاءُ له كالأرضِ، وإنْ كانَ خَارج الماءِ، ووقعَ في المَاءِ بعدما أصابَه السَّهْمُ، ففيه وَجْهَانِ منقولاَنِ عن "الحَاوي".
أحدُهمَا: أنَّهُ حَرَامٌ؛ لأنَّ المَاءَ بعد الجَرْحِ يعين على التَّلَفِ، وهذا ما يُوجَدُ في "التهذيب".
والثاني: يَحِلُّ؛ لأنَّ المَاءَ لا [يُغرقهُ] 337؛ ولأنَّهُ لا يفارق المَاءَ غالباً، ووقُوعُهُ في المَاءِ كَوُقُوعِ غيرهِ على الأَرْضِ، وهذا ما يَشْتَمِلُ عليه "شَرْحُ مختصرِ الجويني".
وإن كان الطَّائِرُ في هواء البَحْرِ، ففي "التهذيب" أنَّهُ يُنْظَرُ إن كانَ الرَّمْيُ في البَرِّ لم يحِلَّ، وإنْ كانَ في البَحرِ في السَّفِينَةِ حَلَّ.
وجميعُ مَا ذَكَرْنَا فيما إذا لم ينته الصَّيْدُ بتلك الجراحة إلى حالة حركةِ المذبوح، فإنْ انتهى إليها بِقَطْعِ الحُلْقُوم والمريء، أو غيره فقد تَمَّتْ ذَكَاتُهُ، ولا أَثر لم يعرض بعد ذلك.
وقولُهُ في الكتاب: "ولو ماتَ بِسَهْمٍ أو بَنْدَقَةٍ، أو انْصِدَامٍ" يعني: أو مَاتَ بِسَهْمٍ، وانْصِدَام، وكذَا في باقِي الأَمْثِلَةِ، ثم في بعض النُّسَخ: "أو انصدامِ بالأرضِ"، وفي بعضِها "بالعُرْضِ" فعلَى الأَوَّلِ المعنى: إذَا مات الصَّيْدُ بالسَّهْم مع ضَمِيمَةٍ من الضَّمَائِم المذكورةِ، فهوَ حَرَامٌ، إلاَّ إذا كانَتْ الضَّمِيمَةُ الانْصِدَامَ بالأرض، فيعفَى عنه وعلى الثاني: المراد عُرْضُ السَّهْمِ على ما بَيَّنَّا ورَوَيْنَا الحديث في صَيْدِ المِعْرَاضِ.
[فرع] عن "التهذيب": لو أَرْسَلَ كَلْباً في عُنُقِهِ قِلاَدَةٌ مُحدَّدَةٌ، فجرحَ الصَّيْدَ بها حَلَّ، كما لو أَرْسَلَ كَلْباً وسَهْماً فَأصَابَهُ، وقَدْ يفرق بأنَّهُ قَصَدَ بالسَّهْمِ الصَّيْدَ، ولم يقصده بالقِلاَدَةِ 338.
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثُ: جَوَارحُ الحَيَوَانِ) وَالكَلْبُ المُعَلَّمُ كَآلَةِ الذَّابِحِ فَتَحِلُّ فَرِيسَتُهُ* وَالمُعَلَّمُ هُوَ الَّذِي يَنْزَجِرُ بِزَجْرِ صَاحِبِهِ وَيَسْتَرسِلُ بِإرْسَالِهِ وَلاَ يَأْكُلُ مِنْ فَرِيسَتِهِ* وَهَلْ يُشْتَرَطُ انْزِجَارُهُ بِزَجْرِهِ بَعْدَ اشْتِدَادِ عَدْوِهِ بِإرْسَالِهِ وَحِدَّتِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ* وَلْيَتَكَرَّرْ مِنْهُ تَرْكُ
الجزء: 12 - الصفحة: 18
الأكْلِ مِرَاراً حَتَّى يَظْهَرَ بِهِ تَعَلُّمُهُ* فَإنْ أَكَلَ المُعَلَّمُ نَادِراً لَمْ تَحْرُمْ تِلْكَ الفَرِيسَةُ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ* فَإِنِ اعْتَادَ الأَكْلَ حَرُمَتِ الفَرِيسَةُ الَّتِي بِهَا ظَهَرَتْ عَادَتُهُ* وَهَلْ يَحْرُمُ مَا أَكَلَ مِنْهَا قَبْلَهُ فِيهِ وَجْهانِ* وَلَعْقُ الدَّمِ لَيْسَ كَالأَكْلِ* وَمَوْضِعُ عَضِّ الكَلْبِ يُغْسَلُ سَبْعاً وَيْعفَّرُ عَلَى وَجْهٍ* وَيُقَوَّرُ عَلَى وَجْهٍ وَيُعْفَى عَنْهُ عَلَى وَجْهٍ* وَفَرِيسَةُ الفَهْدِ وَالنَّمِرِ حَرَامٌ لأَنَّهُ لاَ يَتَأدَّبُ بِتَرْكِ الأَكْلِ* وَالبَازِيُّ أَيْضاً لاَ يَتْرُكُ الأكْلَ وَلَكِنْ إنْ صَارَ مُعَلَّماً فَفِي فَرِيسَتِهِ وَجْهَانِ لِأَنَّ جِنْسَ الطُّيُورِ لاَ بُدَّ لَهَا مِنْ جَارِحَةٍ* وَتَعْلِيمُ جَوَارحِ الطَّيْرِ بِتَرْكِ الأَكْلِ مُتَعَذِّرْ فَإِنَّهَا لاَ تَحْتَمِلُ الضرْبَ.
قال الرَّافِعِيُّ: يجوزُ الاصطيادُ بِجَوَارحِ السِّبَاعِ كـ"الكلب" و"الفَهْدِ" و"النَّمِرِ" وغيرِهَا 339، وبجوارح الطُّيُورِ كـ"البَازِيِّ" و"الشَّاهِين" و"الصَّقِرِ" قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: 4] وعَنْ عَدِيّ بنِ حاتمٍ -رضي الله عنه- أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَا عَلَّمْتَ مِنْ كَلْبٍ أَو بَازِ، ثُمَّ أَرْسَلْتَهُ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللهِ -تَعَالَى- عَلَيْهِ، فَكُلُ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ" وعن أحمَد: أنَّهُ استثنَى الكَلْبَ الأَسْوَد، وقالَ؛ لا يجوزُ الاصْطِيادُ به، ويُحْكَى عن أبي بكر الفَارِسِيِّ من أصحابِنا موافقته.
ويعني بجواز الاصطياد 340 بها أن ما أَخذته وجَرَحْته وأَدْرَكَهُ صَاحِبها ميتاً، أو في حركةِ المَذْبُوحِ يحلُّ أَكْلُهُ.
ويقومُ إِرْسَالُ الصائد، وجرحُ الجارح في أي مَوْضِعٍ كانَ مَقَامَ الذَّبْحِ في المقدور عليه.
وأما الاصْطِيادُ، بمعنى إثباتِ اليَدِ عَلى الصَّيْدِ، وضبطه، فلا يختصُّ بالجوارح [بلا خلاف] 341 بل يَجُوزُ بأي طريق تَيَسَّرَ.
ثم ذَبْحهُ كذبح الحيواناتِ الإنْسِيَّةِ، ويشترط لحل ما قَتَلَتُهُ الجَوَارحُ أن تكون الجارحة مُعَلَّمةً، فإن لم تكنُ مُعَلَّمةً لم يَحلَّ، وإن ما أدركَهُ وفيه حَيَاةٌ مستقرةٌ، فلا بُدَّ من ذَبْحِهِ، روِي عن أبي ثعلبةَ الخشني -رضي الله عنه- قال: قلتُ: يا رَسُولُ الله: إني أَصِيدُ بكلبي المُعَلّم، وبكلبي الذي ليس بِمُعَلّم، فقالَ: "مَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ المُعَلَّم، فَاذْكُرَ اسْمَ اللهِ عَلَيهِ وَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ فَأدْرَكَتْ ذَكَاتَهُ فَكُلْ" 342.
واعتبرُوا في صَيرُورَةِ الكَلْبِ فعَلَّماً ثلاثة أمور:
الجزء: 12 - الصفحة: 19
أحدُهَا: أن يَنْزَجِرَ بِزَجْرِ صَاحبِهِ، هكذا أَطْلَقَ أَكْثَرُهُمْ.
وقَال الإمامُ: يعتبر ذَلك في ابْتِدَاءِ الأَمْرِ، فأمَّا إذا انطلق واشْتَدَّ عَدْوُهُ وحدّثُهُ، فَفِي اعتبارِهِ وَجْهان:
الأَشْبَهُ: الاعتبار فإنَّ التأدُّب 343 به يظهر.
ووجهُ المَنْعِ أنَّه لا يَكَادُ يكف حينئذٍ.
والثاني: أن يَسْتَرْسِلَ بإرساله وإشارته، ومعنَاهُ: أنَّهُ إذا أغرى على الصيد هَاجَ.
والثالث: أَنْ يُمْسِكَ الصَّيْدَ ولا يأكلُ منه، وفي هذا اعْتِبَارُ وصفين:
أحدهما: أن يحفظَهُ، فلا يخليه، وعَبَّرَ عنه الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- بقوله في صِفَةِ المُعَلِّمِ: "فإذا أخذ حبس".
والثاني: أَنَّهُ لا يَأْكُلُ منه، روي في الخبر: "فَإِنْ أَكَلَ فَإنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَى نَفْسِهِ" 344.
وعن مالكٍ: أنْ تَرْكَ الأَكْلِ ليس بشرطٍ، ويذكر أن أبَا يَعْقُوبَ الأبيورديِّ حكى في الشَّرْح قَوْلاً مِثْلَهُ.
وفي كتاب القاضِي ابن كَجٍّ نحواً منه، والمَذْهَبُ الأَوَّلُ.
هذَا حكمُ الكلبِ وما في معناه من جَوَارَحِ السِّبَاعِ.
وذكرَ الإمَامُ أنَّ ظَاهِرَ المذهب أنَّه ينبغي أن يَنْطَلِقَ بإطلاق صاحبه، وأَنَّهُ لو انْطَلَقَ بنفسه لم يكُنْ مُعَلماً، ورآه مُشْكلاً من جِهَةِ أنَ الكَلْبَ على أي صفةٍ فرض إِذَا رَأَى صَيْداً بالقُرْب منه، وهو على كَلَب الجُوع يبعد تصوير انْكِفَافِهِ، وهَذَا أَمْرُ خَارجٌ عن الأمورِ الثلاثةِ.
وأمَّا جوارحُ الطيورِ، فيُشترط فيها أن تَهيجَ عند الاغْرَاء وهل يُشْتَرَطُ أن نترك الأَكْلَ؟ فيه قولانِ، حَكَاهُمَا الصيدلانيُّ وغيره.
أظهرهما: نعم كما في جوارح السباع.
والثاني: المَنْعُ، وبه قَالَ أبو حَنِيْفَةَ، والمزني: أنَّهُ لا يمكنُ التَّحَامُلُ عليها، والكلبُ إنَما يَنْكَفُّ عن الأكلِ بالضَّرْب، وقد قيل: إنَّ سَبيل تعليم الطيورُ إطْمَاعها في الإِطْعَام مما يُصْطَادُ.
قال الإِمام: ولا يطمع في انزجارها بعد الطَّيَرَانِ، ويبعد أيضاً اشتراط [انْكِفَافِهَا] 345 في أول الأمرِ، وقد لاح لها الصَّيْدُ، وهي جائعةٌ.
ثم في الفصل صور.
إحداها: الأمور المعتبرةُ في التَّعْلِيمِ لا بدَ وأنْ تَتَكَرَّرَ مَرَّةً بعدَ مرة؛ ليغلبَ على
الجزء: 12 - الصفحة: 20
الظن تَأدُّب الجارحة، ولم يُقَدِّرْ مُعْظَمُ الأصحاب عَدَدَ المَرَّاتِ، وكأنهم رأوا العُرْفَ مضطرباً، وطباع الجوارحِ مختلفةً، والرُّجُوعُ في البَاب إلى أَهْلِ الخِبْرَةِ بِطِبَاعِ الجوارحِ.
وفيه وَجْهٌ: أنَّهُ يكفي التَّكْرَرُ مرتين؛ لأنَّ العادَةَ تثبت بهما، ويروى هذا عن أبي حَنِيْفَةَ وأحمدَ وفي "شرحِ المُوَفَّق بن طاهِر" وجهٌ: أنَّهُ يعتبر ثلاث مَرَّات، ويقرب من هذا قَوْلُ صاحبِ "التهذيب" 346 أنَّ أقَلَّهُ ثلاث مراتٍ [فإن تكرر ثلاث مرات] 347 حَلَّ ما قتل في الرَّابِعَةِ، وظَاهِرُ لفظ الكتاب حيث قال: "مِرَاراً" يُوَافقُه.
الثانية: إذَا ظَهَرَ كَوْنُ الكَلْب معلَّماً، ثم أكل مَرَّةَ من لَحْمِ الصيدِ، إما قبل أن قتله، أو بَعْدَهُ، فهل يَحِلُّ ذلك الصيدُ؟
فيه قولان:
القديم، وأحد قولي الجديد: نعم، وبه قال مالكٌ؛ لما رُوِي عن أبي ثَعْلَبَةَ الخشني -رضي الله عنه- أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا أَرْسَلتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ، وَذكَرْتَ اسْمَ اللهِ تَعَالَى فَكُلْ" قال: وإن قَتَلَ، قال؛ "وَإنْ قَتَل".
قال: وإنْ أَكَلَ قال:"وَإِنْ أَكَل"؛ ولأنَّ الأَصْلَ بَقَاؤُهُ على التَّأَدُّبِ، والأكلُ يحتمل أنْ يَكُونَ لشدة جوعٍ، أو غَيْظٍ على الصيدِ، إذا أتعبه.
والأَصَحُّ هو الثاني من قولي الجديد، وبه قال أَبُو حَنِيفَة وأحمد أنَّهُ يحرمُ؛ لما روي عن عدي بن حاتم -رضي الله عنه- أنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذَاً أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ [وَسَمَّيْتَ] 348 فَأَمْسَكَ وَقَتَل فَكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ فَلاَ تَأْكُلْ فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ".
وأيضاً فإن ما كانَ شَرْطاً للحلِّ في الابتداء، وجبَ أن يَكُونَ شرطاً في الدوام، كإرسالِ الكلب، فإنّه لو استرسل [بنفسه في الدوام لم يحل الصيد كما لو استرسل] 349 في الابتداء بنفسه.
قال الإِمَامُ: وَدِدْتُ لو فَصَّلَ فَاصِلٌ، بين أن ينكفَّ زماناً، ثم يأكل، وبَيْنَ أنْ يَأْكل كما أخذ، وإن الزَّمَانَ إذَا تَمَادَى يُعَدّ انْكِفَافاً لِلْكَلْب، ولم يتعرضُوا لهُ 350.
وإذَا قلنَا: بالتحريم فلا بد من استئناف التعليم، ولا يَنْعَطِفُ التَّحْرِيمُ على ما اصْطَادَهُ من قبلُ؛ خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: يحرمُ الكُلُّ، واحتجّ الشَّيْخُ أبُو حامد
الجزء: 12 - الصفحة: 21
للمذهب بأنَّ الحلَّ يَتَعَلَّقُ بصفاتِ في الصَّائِدِ، وصفاتِ في الجارحةِ، ثم لو تغيرت صفة الصائد، بأنْ ارْتَدَّ لم يحرم ما اصْطَادَهُ من قبل، وكذلكَ إذا تَغَيَّرَت صِفَةُ الجَارِحَةِ، ولو تَكَرَّرَ منهُ الأكل، وصارَ عَادَةً له، فلا خِلاَفَ في تحريمِ الصيدِ الذي أَكَلَ منهُ، وفي الصيودِ التي أكل منها من قَبْلُ وَجْهان، لكنَّ اعتياد الأكلِ يُوهِمُ خروجه عن كونهِ مُعَلَّماً من أول مَا أَكل، وقد يُرَجَّحُ المَنْعُ تَغْلِيباً للتحريم في مواضِع التردد، ثم يصيرُ الأَكْلُ عَادَةً لهُ.
قال في "التهذيبِ": إذَا أَكَلَ من الصَّيْدِ ثانياً حُرِّمَ الصَّيْدُ الثاني، وفي الأول وجهان.
وإذَا أَكَلَ من الثَّالِث حُرِّمَ الثالثُ، وفيما قَبْلَهُ وجهان، وهذا 351 ذَهَابٌ إلى أنَّ الأكْلَ مَرَّتَيْن يخرجه عن كونهِ مُعَلّماً، وقد ذَكَرْنَا خلافاً في تَكَرُّرِ الصفاتِ التي يَصِيرُ بها مُعَلَّماً، ويجوزُ أن يفترَّق بينهما، بأنَّ أقر التَّعْلِيم في الحِلّ، وأثَر الأكلِ في التحريم، فيجري فيه على قَضِيَّة الاحتياط، وكذلكَ إذا عُرِف كونُهُ مُعَلَّماً، لم ينعطف الحِلّ علَى ما سبقَ، بلا خلاف، وفي انعطاف التحريمِ الخلافِ الذي بَيَّنَّاهُ.
ولَعْقُ الدَّمِ لا يَضُرُّ، ولا يُخْرِجُ الكَلْبَ عن كونه مُعَلَّماً؛ لأنَّهُ لم 352 يتناول ما هو مَقْصُودُ الصَّائِدِ، وأشار الإِمام إلى وجهٍ آخر ضَعيفٌ.
ولو أَكَلَ حَشْوَة الصَّيْد، ففيه طريقان:
أشبههما: أن في تحريمِ الصيد القولين المَذْكُورَيْنِ في اللَّحْم.
والثاني: القَطْعُ بالحلِ؛ لأنَّهُ يلقى غَالِباً، ولا يقصد كالدَّمِ.
ولو لم يسترسل عند الاسْتِرْسَالِ، أو لم يَنْزَجِرْ عند الزَّجْرِ، فينبغي أنْ يَكُونَ في تحريم الصَّيْدِ، وخروجهِ عن كونهِ مُعَلَّماً الخِلاَفُ المذكورُ في الأَكْلِ؛ لأنَّ كل واحدٍ من الخصَالِ المذكورةِ ركن في التعليم.
وعن القَفَّالِ: أنَّه إذَا أرادَ [الصَّائِدُ] 353 أخذ الصيد منه، فَامْتَنع وصارَ يُقَتِلُ دُونه -فهو كَمَا لَوْ أكل.
وجوارحُ الطيورِ إذَا أكلت من الصَّيْدِ، وفرَّعنا على اشتراطِ تركِ الأكلِ منَّها ففِي حلِّه طريقان.
أَحدُهما: القطعُ بالحِلِّ، وبه قال أبُو حَنِيْفَةَ، واختارَه المُزَنِيُّ؛ لأنَّ الطيورَ تعلَّمُ بالإطعامِ والإطماع في الصيد، فأكلُها لا يدُلُّ على أنه ليسَتْ بِمُعَلَّمة؛ ولأنَّ الكلبَ يُضْرَبُ، ويُمْنَع بالضرب عَنِ الأَكْلِ.
والطيورُ لا تحتَمِلُ الضربَ، وأَصَحُّهُمَا: طردُ القَوْلَيْنِ، وقد رُوِيَ في حديث عَدِيّ -رضي الله عنه- "ما عَلَّمْتَ مِنْ كَلْبٍ، أَو بَاذِيّ،
الجزء: 12 - الصفحة: 22
وأرْسلْتَهُ وذكرْتَ اسْمَ اللهِ، فكُلْ مما أمسَك عليكَ، ولم يَأْكُلْ" فجمع بين الكلبِ والبازِيّ.
الثَّالِثَة؛ مَعَضُّ الكلْبِ من الصيد نَجِسٌ، وفي العَفْوِ عنه وجهان: كذا قال أكثرُهُم.
وقَالَ الصَّيْدَلاَنِيُّ: قولاَن مَنْصُوصَانِ:
أَحدُهُمَا: أنه يُعْفَى عنه للحاجة، وعُسْرِ الاحْتِرَازِ، وأصحُّهُمَا: المنعُ كما وَلَغَ في الإناءِ، وأصابَ موضِعاً آخرَ، ومنهم من جعلَ الخلاف في أنَّهُ هل يَنْجَسُ ذلك الموضعُ؟ وإذ قُلْنَا: بعدمِ العَفْوِ فوجْهَان:
أَصَحُّهما: أنَّه يَكْفِي فيه الغسلُ والتعفِيرُ كغَيْرِهِ.
والثَّانِي: أنَّه يُقَوَّرُ ذلك الموضعُ، ويُطْرَحُ؛ لأنَّهُ يتشرَّبُ لعابه، فلا يتخلَّلهُ الماءُ.
قَالَ الإمامُ: وهذا القائِلُ يَطَّرِدُ ما ذكره في كُلِّ لحمٍ ومَا في مَعْنَاهُ بعضَّه الكلب عليه بخلافِ الموْضِعِ الذي ينالُهُ لعابُهُ [مِنْ غَيْر عَضٍّ، وعن حكايةِ بعْضِ أَصْحاب القفَّالِ أن ما بالكلب إذا أصاب عِرْقاً نضّاحاً بالدم] 354 يسري حكمُ النجاسةِ إلى جميعَ الصيدِ ولم يَحِلَّ أكلُهُ، وغلظَة الإمامُ في ذلك وقال: النجَاسةُ وإنِ اتَّصَلَتْ بالدمِ فالعِرْقُ وعاءٌ حاجِزٌ بينه وبينَ اللحْم، ثم الدَّمُ إذَا كان يفُور امتنعَ غوصُ النجاسةِ فيه كالماءِ المتصعِّد من فَوَّارَة إذا وقعت نجَاسةٌ على أَعْلاَهُ؛ لم يَنْجُسْ ما تَحتَه وعلى عكْسِه الماءُ المنحدِرُ من الإِبْريقِ، إذَا لاقَى نجاسةً لا ينجسُ ماءُ الإبريق.
هذا فِقْهُ الفَصْلِ.
وأمَّا ما يتَعلقُ بلفظِ الكتاب فقولُهُ: "فتحِلّ فريِسَتُهُ" لفظُ "الفَرِيسَةُ" من الفَرَسِ، يُقَالُ: فَرَسَ الأَسَدُ فَرِيسَتهُ، وَأَفْرَسَهَا، أَيْ: دَقَّ عُنُقَهَا ثم كثُرَ استعمالُهُ فَسُمَّيَ كلُّ قتْلٍ فَرساً، وفَرِيسَةُ الكَلْبِ ما قتله الكلْبُ بعضِّه، وجَرْحِه، وقد يُتَوَهَّمُ أنَّ فَرِيسَةَ السُّبُعِ ما أَكَلَ مِنْه، وليس ذلكَ بشرط.
وقولُهُ "مراراً" يجوزُ أن يُعْلَمَ بالواوِ، وأَنْ تُضَافَ إلى الوَاوِ الحاءُ والألفُ لما قَدَّمْنَا 355. وقولُهُ: "لم يحرُمْ" بالحَاءِ واللاَّمِ.
وقولُه: "لَيْسَ كَالأَكْلِ" بالوَاوِ، وأما قَوْلُهُ "وفَرِيسَةُ الفَهْدِ والنَّمِرِ حرَامٌ، لأنَّه لا يبادر بتركِ الأكْل" مفهومُهُ الظاهِرُ: أنَّ ما يقتُلُهُ الفَهْدُ والنَّمِرُ من الصيدِ حَرَامٌ؛ لأنَّه لا يَصِيرُ مُعَلَّماً؛ لأنَّ أَحد أركانِ التَّعْلِيم تركُ الأكْلِ، وأنَّه لا يترُكهُ لكنَّ هَذَا المفهومَ خلافُ ما نَصَّ عليه الشافِعِيُّ -رضي الله عنه- والأصحابُ فإنهم [قد جعلوا] 356 الفهدَ، والنمرَ،
الجزء: 12 - الصفحة: 23
وما يَصْطَادُ مِن السباعِ كالكلبِ، وحكمُوا بحِلِّ ما قتله مِنَ الصَّيْدِ.
نَعَمْ قال الإمامُ: الفهدُ لا يتم فيه الانْطِباعُ ولا ينزَجِرُ إذَا زُجِرَ، ولا يتوقفُ اسْتِشْلاَؤُه على أَشْلاَءَ، ولا يَترُك الأكل، وإنْ كَانَ قد لا يتبادر إليه حتى يَسْتَوْثِقَ من الفَرِيسَةِ ويَسْكُن ولا يَتَأتَّى كَفُّه عن الأكلِ بالضربِ لأنَّهُ لو ضُرِب عادَ إلى اسْتِيحاشِه في تصورِ انْطِباعِهِ، فحكمهُ حكمُ الكلْبِ المعَلَّم، وإنْ لم يُتَصَوَّرْ فمقصودُ صاحب الفَهْدِ أنْ يضبِطَ [الصيدَ] (1) ليذبحَه صاحبُهُ تحت ضَبْطه، وذكرَ في الوَسِيطِ أنَّه لا يتعلَّمُ، ولا يُطاوعُ بترك الأكْلِ، والانْزِجَارِ بالزَّجْرِ، فإنْ تُصُوَّرَ ذلك على نُدورٍ فهو كالكلبِ، ومقصودُهما من هذا الكلام أنه يبعد مِنْ حالة أنْ يَصِيرَ مُعَلَّماً؛ لكن لو اتفق ذلك عَلى نُدورٍ -فحُكْمُهُ حكمُ الكَلْبِ، ونَحَا صاحِبُ الكتاب نحوَ مَا ذكراه (2)، إِلاَّ أَنَّهُ لم يَسْتَدْرِك ما إذَا قُدِّرَ تعلُّمه نادِراً ولا بد (3) منه.
وأمَّا قولُهُ: "والبَازِيُّ -أيْضاً- لاَ يَتْركُ الأكْلَ .... " إلى آخِرِهِ، فاعْلَمْ أَنَا حكَيْنَا خِلاَفاً في أَنَّ تَرْكَ الأكْلِ: هَلْ يُشْتَرطُ في الطيورِ لتكونَ مُعَلَّمةً؟
وخِلاَفاً في أنَّهُ إذا جُعِلَ ذلك شَرْطاً، فلو أكَلَتْ: هل يحِلُّ الصيدُ؟
والأشبهُ أَنَّهُ أراد بما ذكره الخلافَ الأولَ؛ لأنَّه الذي أورَده في "الوَسِيط" إِلاَّ أنَّهُ أبدلَ القولَيْنِ بالوجْهَيْنِ.
ولأنَّ التوجيه المذكورَ به أَلْيقُ، وتلخيصُ ما قدَّمَ منه على الحكم وأَخَّر أنَّ البازِيَّ وسَائِرَ الطيورَ لا تتركُ الأكْلِ غالِباً، ولا يمكن أن تُعلَّمَ تَرْكَ الأَكْلِ؛ لأنَّهَا لا تَحْتَمِلُ الضربَ، ولا بد وأن يكونَ في جِنْس الطيور جَوَارحُ يُصْطَادِ بِهَا، وأمَّا في جَوَارحِ السِّبَاعِ ففي الكلبِ غُنْيَةٌ عن غَيْره وأنَّه يتَأدب بترك الأكْلِ.
وقولُهُ -في التَّصْوِيرِ "ولكن إنْ صَارَ مُعَلَّماً" أي إن وُجِد فيه سائرُ شُرُوطِ أَرْكَانِ التَّعْلِيمُ وإلاَّ فمَنْ يُشترِطُ تركَ الأكلِ لا يسلم كونه معلماً إذا لمُ يترك الصيد، ولو ترك هذه اللفظَةَ لم يضر.
قال الغَزَالِي
ُّ: (الرُّكْنُ الرَّابعُ) نَفْسُ الذَّبْحِ وَالاصْطِيَادِ*
وَالذَّبْحُ سَيَأْتِي فِي الضَّحَايَا* وَأَمَّا الاصْطِيَادُ فَهُوَ إِمَاتَةُ الصَّيْدِ بِآلَةٍ وَهُوَ كُلُّ جُرْحٍ مَقْصُودٍ حَصَلَ بِهِ المَوْتُ* وَللْقَصْدُ ثَلاَثُ دَرَجَاتٍ (الأولَى) أَصْلُ الفَعْلُ وَلاَ بُدَّ مِنْهُ فَلَوْ سَقَطَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ فَانْجَرَحَ بِهِ صَيْدٌ أَوْ نَصَبَ مَنْجَلاً في الشَّبَكَةِ أَوْ سِكِّيناً فِي البِئْرِ فَتَعَقَّرَ بِهِ الصَّيْدُ فَحَرَامٌ* وَلَوْ حَصَلَ قَطْعُ الحَلْقِ بِحَرَكَةِ اليَدِ وَحَرَكةِ الحَيَوَانِ فَحَرَامٌ* وَكَذَا فَرِيسَةُ الكَلْبِ المُسْتَرْسَلِ بِنِفْسِهِ* فَلَوْ357358359
الجزء: 12 - الصفحة: 24
أَغْرَاهُ فَازْدَادَ عَدْواً يَحِلًّ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ حِوَالَةً عَلَى الإِغْرَاءِ حَتَّى لَوْ صَدَرَ مِنْ مَجُوسِيٍّ لِكَلْبٍ مُسْلِم حَرُمَ* أَوْ مِن مُسْلِمٍ لِكَلْبِ مَجُوسِيٍّ حَلَّ* أَوْ مِنْ غَاصِبٍ مَلَكَهُ الغّاصِبُ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ* وَفِي الصَّيْدِ بِالكَلْبِ المَغْصُوبِ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ لِلغَاصِبِ* وَلَوْ رَمَى سَهْماً يَقْصُرُ عَنِ الصَّيْدِ وَأَعَانَ الرِّيحُ حَتَّى أَصَابَ حَلَّ* وَلَوِ انْصَدَمَ بِحَائِطٍ فَأصَابَ فَوَجْهَانِ* وَلَوْ قَصَدَ الرَّمْيِ فَانْقَطَعَ الوَتَرُ فَارْتَمَى السَّهْمُ فَوَجْهَانِ.
الركنُ الرابعُ: مقصودُ هذا الركْنِ في نفسِ الذبح وعقْرِ الصيدِ بالأَسْلِحة، أو بالجوارح أما نفسُ الذَّبْحِ فالكلامُ فيه مؤخّرٌ إلى "الضَحَايَا".
قال الرَّافِعِيُّ: أمَّا الاِصْطِيادُ فهو إماتةُ الصيد بِآلةٍ، واعلم أنا ذكرنَا في صدْرِ الباب أنَّ الاصطِيادَ يقعُ على العقْر المزْهِق الوحشي، ويقعُ على ما هو أَعَمُّ منْهُ، والمقصودُ هاهنا المعنى الأوَّلُ دُونَ الأَعَمِّ، وفسَّره بإماتَةِ الصيدِ بآلةٍ، ولما لم تكن مُطْلق الإماتةِ كافيةً بيَّن ما عني بها، وهو الجرْحُ المقصودُ الذي حصَلَ به الموتُ.
ولو قال الاصطيادُ: هو الجرحُ الوَارِدُ عَلَى الوحشي المقصودِ المزهِق، [وترك] 360 توسُّطَ الإمَاتَةِ -لحصَلَ الغرضُ ثم هذا الضبطُ يشتمل على قُيُودٍ:
أَحَدُها: الجُرْحُ فيخرج عنه الخَنْقُ والوقْذُ ونحوهُما.
والثَّانِي: كونُه مَقْصُوداً، وقد ترك القصد على ثلاث درجات.
إحْدَاهَا: قصد أصل الفعِل الجَارح، فلو كان في يده سِكِّينٌ، فسقطَ منه وانْجرحَ به الصيدُ ومات، أو كان قد نصب مِنْجَلاً أو حَدِيدَةً أُخْرَى فتعثر به الصَيدُ ومات فهُو حرامٌ، وعلَّلُوه مَنْ وجْهَيْن:
قال الأكْثرُون؛ لأنَّه لم يُذَكِّهِ، ولم يَجْرَحْهُ أحدٌ إِذْ لَمْ يَتَّصِلْ بالعقْرِ الحاصِل فعلٌ يُنْسَبُ العَقْرُ إلَيْه، وإنَّما انجرح الصيدُ وهلك بحركة نَفْسِهِ غَايتُه أنَّ الصائِد تَسَبَّبَ إلى إِهْلاكه بِنَصْلِ المِنْجلِ، لكن الذَّكاةَ لا تحصل بالتسبب.
وقال أَبُو الطيب بنُ سَلَمَةَ؛ لأن الصَّيْدَ إنَّما يحِلُّ إذا قُصِد بعيْنهِ ودُمِيَ إِلَيْه.
أَوْ رُمِي إلى جْمُلَةٍ هو منها، والأُحْبُولَةُ والسِّكِّينُ لا يُقصدُ بها حَيْنٌ بعينِهِ، ولا واحدٌ من جملة.
ولو نصبَ سِكِّيناً أو حديدةً أُخْرَى أو كانَت في يَدِه فجاءتْ شَاةٌ واحتكَّتْ بهَّا؛ وانقطعَ حُلْقُومُهَا، أو كانت في يده حَدِيدَةٌ فوقعَت على حَلْقِ شَاةٍ قَتَلَتْهُ فهي حرامٌ أَيْضاً؛ لأنَّه لم يَذْبَحْ [ولم يَقْصِدِ الذَّبْحِ] 361 وإنما حصلَ ما حصل بفعْل الشاة أو من غيرِ فعلِ
الجزء: 12 - الصفحة: 25
مختارٍ، وفي "التَّهْذِيب" وغيره أنَّ عند أبِي إِسْحَاقَ: تحل الشاةُ في صورة وقُوعِ السكِّينِ مِنْ يده، ولا شكَّ أن الصيدَ في مَعْناه، فيجوزُ أن يُعْلَمَ لذلك قولُه في الكتاب "فحرام" بالوَاوِ، ويمكن أن يُعْلَمَ بالحاءِ؛ لأنه يُرْوَى عن أَبِي حَنِيفَة: أنَّه إِنْ كان فيَ الأُحْبُولة سِلاَحٌ فجرح الصيْدِ يحلّ، لكنْ قَالَ الرُّوَيانِيِّ في "البَحْر" عندي: لا تَصحُّ هذه الحكايةُ عَنْه، ولو كان مَنْ في يَدِه الحديدَةُ فحرّكَها، والشاةُ أَيْضاً تحك حَلْقها بالحديدَةِ فحصلَ الانقِطاعُ بالحركتينَ فهي حرامٌ أيضاً؛ لأنَّ الموت حَصلَ بشركةِ الذابحِ والبَهِيمَةِ.
واعترض الإمامُ: بأنَّ مَنْ أَضْجع شاةً ليذبحها وأمرَّ بالسَّكِّينِ على حلقها فإنه يضطربُ المذبح، والاضطرابُ له أثرٌ 362 في القطْعِ، وقليلاً ما تخلو الذبائِحُ 363 عنه، فلو أثَّرَ ذلك لحرمَ 364 مُعظم الدبائح.
وأجابَ بأن الشاةَ المضْبُوطة إذا مَسَّها حَد السكين يحبس الحلقوم فإنَّ كُلَّ حَيَوانٍ أَصَاب عضواً منه مؤلم انْزَوَى وتحرك عنه، وهذه الحركةِ لا تُؤَثِّرُ في الانقطاعِ، إنما الكلامُ في الاحْتِكَاك والحركة في استقبالِ الحديدة، ووراء ما ذكرنَا في الفصلِ مَسْأَلتَّان:
إِحدَاهُمَا: إذا اسْتَرْسَلَ الكَلْبُ بنَفْسِهِ؛ وقَتَل صَيْداً -فهو حرامٌ 365. مُعَلَّماً كانَ أَوْ لم يكن، واحتجَّ لَهُ [بما روِيَ] بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قيّدَ تَجْويزَ الأكْلِ بالإرسالِ، فقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: "إِذا أَرْسَلتَ كَلْبك المُعَلَّمَ فكُل وإن أكَل الكلبُ" 366، والصورةُ هذه من الصيد لم يقدَحُ ذلك في كونه 367 مُعَلَّماً بلا خلافِ، وإنَّما يعتبرُ الامساكُ إذا [أرسله] 368 صاحِبه، ولو أن صاحِبَ الكلب زَجَرَه لَمَّا اسْتَرسَلَ 369، فانزَجر ووقَفَ ثم أَغْراهُ فاسْتَرسْلَ، وقتل الصيدَ -حَلَّ بلا خِلاَفٍ، وإن لم يَنْزَجِرْ ومَضَى على وجْهِه، لم يحل الصيدُ سواءٌ زاد عَدْوه وحِدَّتُه أو لم يزدْ ولو لم يزجُرْهُ بل أَغْرَاه، فإن لم يزِدْ عَدْوَه وحِدّتُه لم يُؤَثِّرْ إِغراؤُه وحَرُمَ الصيدُ، وإنْ زادَ عدْوُه فوجهان:
أَحدُهما: يحلُّ الصيدُ الذي قتلَه، وبه قال أبُو حَنِيفةَ وأَحْمدُ؛ لأَنَّه قد ظهرَ أثرُ الإغْرَاءِ فيُقْطع الاسترسَالُ، ويَصِيرُ كأنَّه جرَح بإغراءِ صَاحِبِه.
وأَقْوَاهُما: المنعُ؛ لأنَّهُ اجَتمع الاسترسالُ المحرمُ والاغراءُ المبِيحُ -فيغلبُ التحريم.
الجزء: 12 - الصفحة: 26
وعَنْ مالكٍ روايتانِ كالوَجْهَيْنِ.
ولو كانَ الإغراءُ وزيادةُ العَدْوِ بعدما زجره، فلم ينزجرْ -ففيهِ الوجْهَانِ بالترْتِيب، وهذه الصورةُ أَوْلَى بالتحرِيم؛ لظهور تَأبِّيه وترك مُبَالاَتِه بإشارةِ الصَّائد، وبالتحريم أجابَ أصحابُنا العراقِيُّون قال الإمامُ: وللتردُّدِ التفاتٌ إلى أنَّ الانزجارَ بالزجْرِ في أَثْناء العَدْوِ: هل يُعْتَبَرُ في أَصْل التَعلِيم 370؟ وإذا جمعَ بين الصُّورتَيْنِ حصل ثلاثةُ أوجه:
ثَالِثُها: الفرْقُ بين أنْ يكونَ الاغراءُ بعدما زَجَرَهُ فلم يَنْزَجر، فيحرمُ، أَوْ قبلَهُ فلا يَحْرُم، ويتعلَّقُ بالخلافِ المذكور ثلاثُ صُوَرٍ.
إِحْدَاهَا: إذا أَرْسَلَ مُسْلِمٌ كلْباً وأَغْرَاهُ مَجُوسِيٌّ: فَإنْ زاد عدْوُه [فإن قلْنا] 371 لا ينقطِعُ هناك حكمُ الاسترسالِ -فيحلّ الصيد هاهنا، ولا يُؤثر إغراءُ المجُوسِي- وبهذا قال أحمدُ، وهو الذي أجراه الشيخُ أَبُو مُحَمَّدٍ في كلامِه.
وإِنْ أحلْنا الاصطيادَ على الإغْرَاءِ، وقطَعْنَا حكَ الإرسالِ -لم يحلَّ، وبه قال أَبُو حَنِيْفَةَ، واختاره القاضي أَبُو الطَّيب- هكذَا خَرَّج الأكْثرُون الصورَ على 372 الخلافِ، وقطعَ في "التهذِيب" بالتحريم، وقَال: الإغراءُ إِمَّا أن يَقْطَعَ الحكْمَ الأول، أو يُوجِبَ الشَّرْكةَ، وعلى التقديريْنِ يلزمُ التحريمُ.
الثَّانِيَة: لو أَرْسلَ المجُوسِيُّ كلباً، فأغراهُ مُسلْمٌ، وزاد عَدْوُه: فَإنْ قُطِعَ الإغراءُ الذي زاد به العدْوُ -حُكْمْ حِلُّ الصيدِ، وإلاَّ لم يَحِلَّ، ورَوَى الرُّوَيانِيُّ القطعَ بالتحرِيمِ، وقالَ: إذا وُجِدَ الإرسالُ 373 في الانتهاءِ فلا يُقْطَعُ حكم الإرسالِ الأَوَّلِ.
الثَّالِثَةُ: إذَا أرسَلَ إنسانٌ كلْبَهُ، فزجره فَضُولِيٌّ، فَانْزَجر ثم أَغْراه؛ فَاسْترسَلَ، [وأَخَذَ صَيْداً، فلِمَنْ] 374 المِلْكُ في الصيد: لِلْغَاصِبِ أو لصاحبِ الكلبِ؟ فيه وجهان مذكوران في "كتاب الغَصْبِ".
أَصَحُّهما: أنَّه للغاصِبِ.
ولو زجره فلم ينزجِرْ وأغراه، أو لم يزجره بل أغراه فازداد عَدْوُه، وفرعنا على أنَّ الصَيدَ للغاصِبِ فيخرَّجُ على الخِلاَفِ في أن الإِغْرَاءَ: هل يقطَعُ حكْمَ الابتداء أم لاَ؟
إنْ قُلنَا: لا، وهو الأَصَحُّ فالصيدُ لصاحب الكلب، وإلاَّ فَلِلفَضُوليِّ.
قال الإمامُ: ولا يمنعُ خروجُ وجهٍ في أَنَّهُمَا يشترِكانِ في الملكِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 27
وقولُهُ في الكتاب: أو مِنْ غَاصِبٍ، ملكه الغاصِبُ على أصَحِّ الوجهين يتعلقُ بقولهِ مِنْ قبلُ "حِوَالَةَ" عَلى الإغْرَاءِ" يعنيَ إذا جعلنَا الحكْمَ للإغراء، فيكونُ الملكُ في الصيدِ على الوجْهَيْنِ: في أَنَّ الصيد بالكلب المغصُوبِ لمن هُو؟
وقال: أَصحُّهمَا: يكون للمَالكِ، والأحسَنُ 375 أن يُقْرَأَ "فَفِى الصيدِ بالكلبِ المغصوبِ" بالفاء 376.
المسْألَةُ الثَّانِيةُ: لو أصابَ السَّهْمُ الصيدَ بإعانَةِ الرِّيح، وكان يَقْصُرُ عنه لولا الرِّيحُ -حَلَّ؛ لأنَّ الاحْترازَ مِنْ هُبُوبهَا لا يمكِنُ فلا يتغير بِه 377 حُكْمُ الاستِرْسَالِ.
هكذا نقله الأَصْحَابُ متوافِقِينَ 378، وحكاهُ الإمامُ عن بَعْضِ التَّصَانِيف، كما يُنقل الشيءُ الغَرِيبُ، وأَبْدَى تردُّداً فيه؛ وقد يُؤَيِّدُ تردُّدَهُ ما سيأتي في "المناضلة" إنْ شاءَ الله.
ولو أصاب الأرضَ أوِ انْصدَمَ بحائِط، ثُمَّ ازدلَفَ مِنْه، وأصاب الصيد، فوجهانِ مَبْنِيَّانِ على القولَيْن في أنَّ الإصابةَ هكذا: هل تُحْسب في المناضلة؟
قال الشيخُ أَبُو حَامِدٍ: والمذهَبُ حِلُّ الصيدِ، فإنَّ ما يتولَد من فِعْل الرامِي منسوبٌ إليه إِذْ لا اختيار للسهم، وبالحلِّ أجابَ في "التهذِيبِ" قال: وكذَا لو أصابَ حَجَراً فنبا عنه، وأصاب الصَّيْدَ أو نفذ فيه إلى الصيدِ يَحَلّ.
ولو كانَ الرَّامِي في نزْعِ القَوْسِ فانقَطَع الوترُ [وصدم العوق] 379 فارتمَى السهمُ، وأصابَ الصيدَ فوجهان:
أحدهُما: يحلُّ نظراً إلى الرامي، وحصولُ الإصابة كما قصد.
الثَّانِي: لا؛ لأنَّ ما جرَى لم يكُنْ على وَفْقِ قَصْده، وقد يقتضي قياسُ ما سبَق ترجيحَ الأول.
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ: قَصْدُ جِنْسِ الْحيَوَانِ) فَلَوْ رَمَى سَهْمَاً فِي خَلْوَةٍ وَهُوَ لاَ يَرْجُوْ صَيْدَاً فَاتَّفَقَ حُرِّمَ* وَكَذَا لَوْ أَجَالَ سَيْفَهُ فَأصَابَ حَلْقَ شَاةٍ* وَلاَ يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الذَّبْحِ إِذْ لَوْ قَطَعَ مَا ظَنَّهُ ثَوْباً فَإذَا هُوَ حَلْقُ شَاةٍ حَلَّ* وَلَوْ ظَنَّهُ حَلْقَ آدمِيِّ فَعَلَى وَجْهَيْنِ* وَلَوْ ظَنَّ حَلْقَ خَنْزِيرٍ فوَجهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالْحِلِّ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصلَ مَسْأَلتَّان:
الجزء: 12 - الصفحة: 28
اِحْدَاهُما: إذَا أرسَلَ سَهْماً في الهواءِ أو في فَضَاءٍ من الأَرض لاختبار قُوَّتِه أو رَمَى إلى هَدَف فاعترض صَيْداً؛ فأصابه، وقتله، وكان لا يرجُو صَيْداً، بَلْ لاَ، يخطر له الصيدُ ففي حِلِّه وَجْهانِ:
أَحَدهُمَا: وبه قال أَبُو إِسْحَاقَ يحلُّ؛ لأنَّه وُجِدَ قصدُ الفعلِ والاعتبارُ بهِ لا بمورد الفعل وما يتعلق به من ظنٍّ، ولذلك لو قطَع ما ظنَّه ثَوْباً فإذا هو حَلْقُ شاةٍ -يحلُّ على ما سنذكره.
وأَصَحُّهما: وهو المذكورُ في الكتاب، والمنصوصُ: المنْعُ؛ لأنَّه لم يَقْصِدِ الصَّيْدَ لا مُعَيِناً ولا مُبْهماً وقد شبه ذلك بما إذا وقعَ في الشَّبَكة صَيْدٌ، وتعثَّر بحدِيدةٍ منها.
ويفرَّقُ بينُه وبين قَطْع ما ظَنَّه ثوباً بإن هناك قد قصد عيناً ويجري الخلافُ فيمَا إذَا كان يرمي ذلك الصيْدَ، لكَنَّهُ يرمي إلى هَدَفٍ أو ذِئْبٍ، ولا يقصد، فأَصابه، ولو كانَ يُجِيلُ سيْفَه فأصابَ عُنق شَاةٍ، وقطع الحُلْقُومَ والمرِّيء من غيرِ شُعورٍ بالحلِ، فالذي حكاهُ الإمامُ وغيرُهُ: أنَّ الشَاة مَيْتَةٌ، وقد يَجيءُ فيه الخِلافُ المذكورُ في إرسالِ السَّهْمِ وإصابةِ الصَّيْدِ، والقولُ المنقولُ؛ فِيمَا إِذَا وقَعَ السكِّينُ مِنْ يده.
ولو أَرسَل كلباً حيثُ لا صَيْدَ أو اعترضَ صَيْداً فقَتَله -لم يحلَّ، وفي "الكَافِي" للرُّوَيانِي، وغَيْرِه: أنَّ فيه وَجْهاً آخرَ كما في السَّهْم، ويفرق بينهما بأنَّ الرَّمْي فعلُهُ المتولد من أقربُ إلى الانْتِساب إليه مما يفعلُه الكلْبُ؛ فإنه حيوانٌ ذو اخْتِيارٍ وسيعودُ هذا الفرقُ في صُورةٍ تأتي.
الثَّانِيَةُ: لو رَمَى إلى ما ظنَّهُ حَجَراً، أو جُرْثُومَةً، وكان صَيْداً فقتَله فهو حَلالٌ، وكذا لو ظنّه صَيْداً غَيْرَ مَأْكُولٍ فكانَ مَأْكُولاً؛ لأنَّه قصَدَ عينَهُ.
لكن ظَنَّهُ على خلافٌ ما هو عليه.
قِيسَ 380 ذلكَ بما إذا كانَت له شَاتَانِ فذبَح إِحْدَاهُمَا، وهو يظنُّها الأُخْرَى وفي "التهذيبِ" وغَيْرِهِ وَجْهٌ: أنَّه لا يحلُ؛ لأنَّه لم يقصَد الصيدَ وبه قال مَالِكٌ، ووجهُ المذهبِ الظاهِرُ بالخبرِ وهُوَ ما رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "كُلْ مَا رَدَّ عَلَيْكَ قَوْسُكَ" 381 وبعبارَتَيْنِ:
إحدَاهُمَا: أنَّه حصل رامياً إلى صيدٍ عن قَصْدٍ منهُ إِلَيْه، وإنَّما فقد علمه بحالِه.
والثَّانِيَةُ: قال أبو إسحاقَ: حصل قَتلُ الصيدِ بفعلهِ الذي قصدَه، وإنَّما فعلَ ما اعتَقَدهُ، وبُنِيَ على العبارتَيْن الخلافُ السابقُ فِيمَا إذا أرسَلَ سَهْماً في الهواءِ؛ فأصابَ صَيْداً فقتَلَه، فعلى العبارة الأُولَى: لاَ يَحِلَّ؛ لأنَّه [ليس قاصِداً إليه، وعلى عبارة أَبِي
الجزء: 12 - الصفحة: 29
إسحاق يَحِلُّ لأنه وجَد القصد إلى الفعل، وحصَل القتلُ] 382 بذلك الفِعْلِ، ولو قطَع ما ظَنَّهُ ثوباً ونحوَهُ بأنْ كانَ في ظُلْمَةٍ -فكانَ عُنْقَ شَاةٍ، وانقطَعَ الحُلْقومُ والمريءُ- حلَّتِ الشاةُ، نصَّ عليه الشافِعِيُّ -رضي الله عنه- وعن ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وجهٌ: أنَّهُ لا يَحِلُّ؛ قاله في "البَحْرِ".
ولو أَرسلَ كَلْباً إلى شَاخِصٍ ظنَّها حَجَراً فبان صَيْداً فوجْهَانِ:
أَصحُّهمَا: أنَّه يحِلُّ كمَا في رَمْيِ السَّهم.
الثَّانِي: المنْعُ؛ لأنَّ للكلْب اختياراً، ولو رمَى إلى شاخص ظنَّه آدَمِيّاً مَعْصُوماً فكانَ صيداً، وفرعنا على ظاهرِ المَذهبِ لو ظنه حَجَراً وهو أنَّه يحِلّ فوجهان:
أَصَحُّهُمَا: أنَّ الجوَابَ كذلك؛ لأنَّه قد قَصَدَ العَيْنَ وأَصَاب، وإنَّما الخطأُ في جِنْسِ المرمي إليه.
والثَّانِي: أنَّه لا يحِلُّ؛ لأنَّه لم يَقصد صيداً حَلاَلاً بل قصد فِعلاً مُحَرَّماً فلا تحصل 383 به الاستباحَةُ.
ولو ظنَ الشاخِصَ خِنْزِيراً، أو حيواناً آخرَ مُحَرَّماً [ففي وَجُهانِ مُرَتَّبَانِ، وأَوْلَى بالحِلِّ؛ لأن المحرَّمَ لحمُ الخِنْزير دُونَ قَتْلِه، وإهْلاَكِه.
ولو ذَبَحَ حَيَواناً في ظُلْمة فَظَنَّه خِنْزِيراً أو حيواناً آخر محرماً] 384 فتبيَّنَ أنَّهُ ذَبَحَ شَاةٌ؛ قال في"النِّهايةِ" الوجْهُ عندي: القطْعُ بحلِّها؛ لقُوَّةِ الفِعْل، وأنَّه في حُكْمِ التعاطِي والرمِي ولا يحكُم عليه بإصابَةٍ.
قال ولو رمَى إلى شَاخِصٍ، ولم يغلبْ على ظَنِّهِ شيءٌ منْ حالهِ واستوت عنده الجائِزات فتبين كونُه صَيْداً -فقد أشارَ شَيْخِي إلى وَجْهَيْنِ ورَتَّبَهُمَا على ما إِذَا ظنَّه خِنْزِيراً- والوجهُ القطعُ بالحلِّ كما لو حسِبَه حجراً.
وقولُه في الكتابِ الثانية: "قصَد جِنْسَ الحيوانِ" المقصُودُ من السِّيَاقِ المذكورِ تَرْتِيبُ مُتَعلّقاتِ القصْدِ، وبيانُ ما يُعتبر [مِنْهَا ومَا لاَ يُعْتَبَرُ عَلَى ما فِيها من الوِفَاقِ والخِلاَفِ لأنَّ جَمِيعَها مُعْتَبر] 385، وكيفَ وقد بينَ في الفَصْلِ أنَّ الظاهرَ فِيمَا إذَا رمَى إلى شَاخِصٍ ظنَّه حجراً فكانَ صَيْداً [يحلُّ أكْلهُ] 386، وأنَّه لو قَطعَ ما ظنَّهُ ثَوْباً فكانَ حلْقَ شاة يحلُّ، ولم يوجد قَصْدُ جِنْسِ الحيوانِ وفِيمَا إذا رَمَى سَهماً [حيث لا يرجُو الصيدَ، ليس إلا التحرِيمُ؛ لأنه لم يقصِدْ جِنْس الحَيوانِ، بل لأنه] 387 لم يقصدْ بفعلهِ مُعَيَّناً ولا مُبْهَمَاً.
الجزء: 12 - الصفحة: 30
قولُهُ: "ولو رمَى سَهْماً في خَلْوةٍ" ذِكْرُ الخلْوَةِ لا معنَى له في هذا الموضِع.
إلاَ أنْ يُرِيدَ في مَوضِعٍ خَالٍ عن الصَّيْدِ.
وقولُهُ: "ولو ظَنَّهُ حَلْقَ آدَمِيٍّ فوجْهَانِ، ولو ظنَّهُ حلقَ خِنْزِيرٍ" تَصْوِيرٌ فيما إذَا قَطَعَ ما ظنَّه حلْقَ آدمي أو 388 حَلْقَ خِنْزِير، فَبَانَ أنه حلْقُ شاةٍ.
والإمامُ صَوَّرَ الصُّورَتَيْنِ فيما إذا رمَى إلى شَاخِصٍ ظنَّه آدَمِيًّا أو خِنزِيرًا، فكانَ صيْدًا كما أَوْرَدْنَاه، وكانَ صاحبُ الكتابِ رآهما مُتَساوِيَيْن فلم يُبَالِ بتغيِيرِ التصوِيرِ، وقد يُظَنُّ فرقٌ بين المقدُورِ عليه وغَيْرِه، ويُسْتَشْهَدُ له بتردُّدٍ إمامِ الحرمَين 389 في فَرْعِ ذِكْرِهِ.
قَالَ: لَوْ رَمَى إلى شَاتِهِ الرَّبيطَةِ 390 -آلةً جارِحَةً- فأصابَت الحلقومَ والمريءَ وِفَاقاً وقطعهما -ففي حِلِّ الشاةِ مع القُدْرَةِ على إمرارِ السِّكِّينِ نَظَرٌ، ويجوزُ أنْ نُفرِّق بين أن يقصدَ المَذْبَحَ بما يَرْمِيهِ وبَيْنَ أنْ يَقصِدَ الشاةَ فيصيبُ المذبحَ والاحتمالُ متطرِّقٌ إلى جَمِيعِ ذلك.
هذا لفظُهُ.
قال الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ: قَصْدُ عَيْنِ الْحيَوَانِ) فَلَوْ رَمَى بِاللَّيْلَ إِلَى حَيْثُ لاَ يَرَاهُ وَلَكِنْ قَالَ: رُبَّمَا أُصِيبُ صَيْدًا فأصَابَ فَفِيْهِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ يِفَرَّقُ في الثَّالِث بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَظَنَّةِ التَّوَقُّعِ أَوْ لا يَكُونَ فَيُعَدَّ عَبَثًا* وَلَوْ قَصَدَ سِرْبَاً مِنَ الظِّبَاءِ فأصَابَ وَاحِداً حَلَّ* وَلَوْ قَصَدَ وَاحِداً مِنْهُ فَأصَابَ آخَرَ فَوَجْهَانِ* فَإِنْ كَانَ المُصَابُ مِنْ غَيْرِ السِّرْبِ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِالْمنْعِ* وَلَوْ قَصَدَ حَجَرًا فَأصَابَ ظَبيَةً فَوَجْهَانِ وَأَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ* وَلَوْ قَصَدَ خِنْزِيراً فَمَالَ إِلَى ظَبْية فَأوْلَى بِالتَّحْرِيْمِ.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه مَسأَلَتان:
إِحْدَاهُمَا: الصيدُ المصابُ إنْ كانَ يراه الرَّامِي، وقصدَه فذاك، وفي معناه ما إذَا كان يحس به في ظُلْمةٍ، أو من وَرَاءِ حِجَابٍ كما لو كانَ بين اشْجارٍ مُلْتفَّةٍ، وقصدهُ وإنْ لم يَعْلَمْ به فإنْ رمَى وهو لا يَرْجُو صَيْدًا 391 ولا يقصِدُه فأصابَ صَيْدًا ففيهِ الخلافُ المذكورُ في صدر 392 الفَصْلِ السابق، وإنْ كانَ يَتَوقَّعُ صَيْدًا وبنَى الأمرَ عليه كما إذَا رمى في ظُلْمَةِ الليلِ.
وقالَ: رُبَّما أصبتُ صَيْدًا فأصابه ففي حِلِّه ثلاثةُ أَوْجه حكاهَا الإِمامُ وصاحبُ الكتاب: أَوْفَقُها لظاهِرِ النص، ولما أَطلَقَه عامةُ الأصحاب: المنعُ؛ لأنَّه لم يَقصِدْ قصداً صحيحًا وقد يعد مثلُه عبثًا وسفَهاً.
الجزء: 12 - الصفحة: 31
والثاني: يحل ويحكي عن أبي حنيفة لأنه قتل الصيد على توقع ونوى قصدٍ.
والثَّالِثُ: الفرقُ بَيْن أنْ يَتَوَقَّعَ الصيدَ هناك بظنٍّ غالبٍ وبين مُجَردِ التجوِيزِ.
الثالثة: لو رمَى إلى سِرْبٍ من الظِّباء أو أرسلَ كَلْبًا فأصابَ واحدَةً منها، فهي حَلالٌ وإن لمْ يقصِدْ غيرَ تلك الواحِدَةَ.
ولو قَصَد بالرَمي ظَبْيَةً منها فأصابَ غيرَهَا فوجْهَان:
أصحُّهمَا: وبه قال أَبُو حنيفةَ: أنَّها تَحِلُّ؛ لوجودِ قصْدِ الصيْدِ.
والثاني: المنعُ.
وبه قال مَالِكٌ؛ لأنَّهُ أصابَ غيرَ ما قصدَه.
وفيه وجهٌ ثالِثٌ: وهو أنَّهُ إنْ كانَ يَرى الصيدَ الثاني حَالةَ الرَّمي -حَلَّ أكْلُ المصابِ، وإن كانَ لا يراه [حينئذ] 393 لم يحلّ؛ كما لو رَمَى سَهْمًا وهو لاَ يرى صَيْدًا، فأصابَ صيدًا، ومنهُم مَنْ قطَع بالحلِّ، ولم يُثبِتِ الخِلافَ، ولا فَرْقَ بين أن يعدلَ السهمُ عن الجهَةِ التي قَصَدَهَا إلى غيرِها؛ فيصيبَ وبين أَلاَّ يعدِلَ؛ لأنَّ السَّهْمَ لا اختيارَ لهُ وما حصَلَ فعلهُ.
ولو 394 كانت الظَّبْيَةُ التي أَصَابَهَا من غيرِ ذلك السِّرْبِ فوجهَانِ أَيْضاً.
وهذه الصورةُ أَوْلى بالتحرِيمِ بخروجِ تلك الظَبيةِ عن مُتَعلّق القصْدِ، ومع هذا التَّرْتِيبِ فالحلُّ هو الذي رجحوه 395، وقد يُجمع بين الصورتين ويُقالُ: في المسألةِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ.
ثالثها: الفرقُ بين أن يكونَ التي أصابَهَا من ذلك السرْبِ أو من غيرهِ.
ولو رمَى إلى شَاخِصٍ على اعتقادِ أنَّهُ حَجَرٌ وكان حَجَرًا فأصابَ السهمُ ظَبْيَةً، ففي الحِلِّ خلافٌ مُرَتبٌ على الخِلاَفِ فيما إِذَا قصَدَ ظَبْيَةً، وأصابَ غَيْرَهَا.
وهذه الصورةُ أَوْلَى بالتحرِيمِ؛ لأنَّه لم يُوجِّهْ قَصْدَهُ إلى صَيْدٍ.
وبالتحريم أجابَ الصَّيْدَلاَنِيُّ، وغيرُه، وهو المحْكِيُّ عن أَبِي حَنِيْفَةَ.
وإن كانَ الشَّاخِصُ صَيْدًا ومال السَّهْمُ عنه وأصابَ صَيْدًا آخَرَ -اطَّردَ الخِلافُ.
وهذه الصورةُ أَوْلَى بالحلِّ فيما إذا اعتقدَ حَجَرًا وكان حجرًا لأنَّه لمْ يقصِدِ الصيْدَ، ولا أصابَ غيرَ ما قصَدَهُ.
ولو رَمَى إلى شَاخِصٍ ظَنَّهُ خِنْزِيرًا، وكانَ خِنْزِيرًا فأصابَ السهمُ ظَبْيَةً -جرَى الخِلاَفُ، وهذه الصورةُ أَوْلَى بالتحريم مما إذَا اعتقَدَهُ حَجَرًا وكانَ حَجَرًا؛ لأنَّهُ رمَى إلى محَرَّمِ فلا يستفيد الحِلَّ.
الجزء: 12 - الصفحة: 32
وإن كانَ الشَّاخِصُ صَيْدًا فهو أَوْلَى بالحلِ مما إذَا كانَ خِنْزِيرًا كما إذا اعتَقده، ومع هذَا الترْتِيب فالأَظْهَرُ التحريمُ كما في مَسْأَلةِ الحَجر، [وعند أَبِي حَنيفةَ: حل الصيد في مسألة الخِنْزير] 396 ولو رَمَى إلى شاخصٍ ظنَهُ صَيْدًا فَبَانَ حَجَرًا أو خِنْزيرًا، فأصابَ السهمُ صَيْدًا.
قال "صاحبُ التَّهْذِيب": إنْ اعتبَرنَا الظَّنَّ فيما إذَا رمي [إلى ما] 397 يظنُّه حجراً وكان صيْدًا، فأصابَ السهْمُ صيدًا آخَرَ، وقُلْنَا: بالتحريمِ فهاهنا يحلُّ الصيدُ الذي أصَابَهُ، وإن اعتبرْنَا الحقِيقَةَ.
وقُلْنَا: بالحِلَّ -هناك- فلا يَحِلُّ هاهنا هذا في رَمْيِ السَّهْمِ.
أمَّا إذا أرسل الكَلْبَ إلى صَيْدٍ فأخذ صَيْدًا آخَرَ، نُظِرَ، إنْ عدلَ عن الجِهَةِ التي أَرْسَلَهُ فيهَا إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى ففي حِلِّ ما قتلَه وَجْهَانِ:
أَحَدُهما، وبهِ قال أَبُو إسْحَاقَ: لاَ يَحِلُّ؛ لأنَّهُ مَضَى في تِلْكَ الجِهَةِ باختِيارهِ، فهو كما لو [استرسل] 398 بنفْسِه.
وأظهرهُمَا: الحِلُّ؛ لأنَّهُ أَرْسلَه على الصيدِ، وأَخْذُ الصَّيْدِ وتكليِفُه ألاَّ يَعدِلَ مِن جِهَةٍ إلى جهةٍ بَعِيدٌ .. ولذلك لو عدَل الصيدُ من تلك الجهةِ إلى غَيْرِها فتبعهُ الكلبُ لم يَضُرَّ، وقد يُوجَّه الوجْهَان بمثل مَا وجه 399 الخلاف به فيما إِذَا رَمَى إلى صَيْدٍ -فأصابَ آخرَ فأثبتوا الوجْهَينِ هناك، ورتَّبُوا الخِلاَفَ على الخِلاَفِ، واختلفُوا في كَيْفِيَّةِ الترتيبِ.
فقال أكثرُهم: صورةُ الكَلْب أَوْلى بالتحريم، لأنَّهُ حيوانٌ مُخْتَارٌ فمخالفَتُه تشعر بأنَّه عدَلَ وقتلَ باختيارِه، وعكَس بعضُهُمْ وجعلَها أَوْلَى بالحلِّ؛ لأنَّ تَسْدِيدِ السهْم على ظَبْيةٍ من السِّرْبِ مُمْكنُ، وإغراءَ الكَلْبِ على ظَبْيةٍ منه غيرُ مُمْكِن، ولذلك لو انفلتَ السَّهْمُ، وقتلَ الطَّائِرُ بِعَرْضِهِ حُرِّمَ 400؛ لسُوءِ الرَّمْيِ، ولو قَتَلَ الكلبُ بالضغطة كانَ على قَوْلَيْنِ.
وقطَعَ الإمامُ بالتحرِيم إذا عدلَ إلى 401 جِهَةٍ أُخْرَى وظهر مِنْ عُدوله 402 واختيَارِه، بأنِ امتَدَّ في جِهَةِ الإرسالِ زمانًا ثم بانَ صيدٌ أخَرٌ فاستدْبَرَ الصَّيْدَ المرسَلَ إلَيْهِ وقَصدَ الآخرَ.
وقال "صَاحِبُ الحَاوِي": الصَّحِيحُ عندي أنْ يُقَالَ: إنْ خَرَجَ عادِلًا عن جِهَةِ إرسالِه حَرُمَ ما يقتُلُه، وإنْ خَرجَ إِلَيْها ففاته الصيدُ؛ فعدلَ إلى غيرِهَا واصْطَادَ حلَّ؛ لأنَّ ذلك يدلُّ على حِذُقِه حيثُ لم يرجِعْ خَائِبًا إلى صَاحِبه، فلا مُخالفة 403 فِيه، وإنْ لمْ يعدِلْ عَنْ جِهة الإرْسالِ وكان فِيهَا صيودٌ، فَاصْطادَ غيرَ ما أغرَاهُ عليه -حَلَّ؛ كما في السهمِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 33
وفيه وجهٌ أَيْضًا حِوَالَةٌ 404 للمخالفةِ على اختيارِه، ويجوزُ أنْ يُعْلَمَ قَوْلُه في الكتاب: "فِيمَا إِذَا قَصَدَ واحداً من السِّرْبِ وأصابَ آخَرَ" بالوَاوِ؛ للطريقةِ القَاطِعةِ.
وكذَا قولُهُ: عَقِيبَهُ "فوجْهَانِ مُرَتَّبانِ".
وقَوْلُهُ: "ولو قَصَدَ حَجَرًا فأصَاب ظَبْيَةً" المرادُ منهُ ما إذَا ظنَّه حَجَرًا على ما بَيَّنَّاهُ.
وقولُهُ: " [فَأَوْلَى] 405 بالتحريم" في مسألةِ الخِنْزِيرِ يجوزُ أَنْ يُعْلَمَ بالحَاءِ؛ لأنَّ عنده يحلُّ إذَا رَمَى إلى ما يظنُّه خِنْزيرًا، ولا يحلُّ إِذَا رَمَى إلى ما يظنُّه حَجَرًا على ما سبَقَ فصورةُ الخِنْزِيرِ عنده أَوْلَى بالحلِّ واللهُ أعلمُ.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا قَوْلُنَا: حَصَلَ الْمَوْتُ بِهِ أَرَدْنَا أنَّهُ لَوْ مَاتَ الْمَجْرُوحُ بِافْتِرَاسِ سَبُعٍ أَوْ صَدْمَةٍ لَمْ يَحِلَّ* فَإنْ غَابَ عَنُهُ وَأَدْرَكَهُ مَيِّتًا وَعَلَيْهِ أَثَرٌ آخَرُ لَمْ يَحِلُّ* وَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَثَرًا آخَرَ فَقَوْلاَنِ.
قال الرَّافِعِيُّ: القيْدُ الثالِثُ: حصولُ الموتِ بذلك الجرْح، فلو ماتَ بصدْمَةٍ، أوِ افْتراسِ سَبُعِ أو أعان ذلك الجرحُ غيرَه على ما بيَّنَّا في نظائِرِه -لَم يَحِلَّ.
ولو غابَ عنه الكلْبُ والصيدُ، ثم وجدَه مَيْتًا -لم يحلَّ أيضاً؛ لاِحْتِمالِ أنَّه ماتَ بسبَبٍ آخرَ، ولا أثَر لكونِ الصيدِ مُتَضمَّخًا بدمهِ، فَرُبَّما جرحَه الكلْبُ، وأصابَه جِرَاحَةٌ أُخْرَىَ.
وفي كتاب القَاضِي ابْنِ كجٍّ وجهٌ: أنَّه يَحِلُّ، وإن جرَحَهُ ثم غابَ ثم أَدْرَكهُ مَيِّتًا، فإن انتهَى بالجراحَةِ إلى حال حركةِ المذْبُوح -فهو حلالٌ، ولا أَثَرَ لغيبته، وإنْ لم يَنْتَهِ، فإن وُجِدَ في مَاءٍ، أو وُجِدَ عليه أَثَرُ صَدْمَةٍ، أو جِرَاحَةٍ أُخْرَى -لم يحلِّ، وإنْ لم يَكُنْ عليه أَثَرٌ آخَرُ، فظاهِرُ ما نَصَّ عليه فِي "المختَصَرِ" و"الأمِّ" أنَّهُ حَرَامٌ.
وقَالَ في موضعٍ آخرَ: لا يَحلُّ، إلاَّ أن يكونَ جاء عن النبِي -صلى الله عليه وسلم- شيءٌ فيه فإني أتوهَّمُه، فيسقطُ ما خالف أَمْرَهُ، وللأصحابِ ثلاثَةُ طرقٍ:
وأَشهرُهمَا: أن في حِلِّه قولَيْنِ.
وجهُ الحلّ ما رُوِيَ عن أبي ثَعْلَبةَ الخُشَنيّ -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قَالَ: "إِذَا رميْتَ سَهْمَكَ، فغابَ عنك، فأدركته، فكُلْ ما لم يُنْتِن" 406.
وعن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: بمعناه، وقال: كُلْهُ إِلاَّ
الجزء: 12 - الصفحة: 34
أنْ تَجِدْهُ وقَعَ في ماءٍ 407.
وأيضاً فإنَّهُ لم يتحقق سببٌ سِوَى الجرح الَّذِي أصابَه، فالوجْهُ إِضافَةُ الموتِ إليه، ولذلك يوجبُ القِصَاصُ بجرْحٍ وُجِدَ، ودَامَ أثرُه إلى الموتِ، وإنْ احتملَ أنْ يكونَ الموتُ بسببٍ آخرَ، وَيحلُّ الجنِينُ بذبْح الأُمِّ حِوَالَةٍ لموته 408 علَى انْقِطاع الزوج عنه بِذَبْحِ الأُمِّ، وإن أَمْكَنَ أن يكونَ موتُهُ بسببٍ آخَر.
ووجْهُ التحرِيم مَا رُوِيَ عن عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -رضي الله عنه- قال: قُلْتُ يا رسُولَ الله، إنَّا أَهْلُ صَيْدٍ، وإنَّ أَحدَنَا يرمي الصيْدَ فيغِيبُ اللَّيْلَتَيْنِ والثلاثَ فنجدهُ مَيِّتًا.
فقالَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذَا وجدْتَ فيه أَثَرَ سَهْمِكَ، ولم يكُنْ فيه أَثَرُ سَبُعٍ، وعلمْتَ أن سَهْمَكَ قَتَلَهُ؛ فكُلْ" 409 فشرطُ العِلْم بأنَّ سَهْمَهُ قَتلَه.
وعن ابن عباس -رحمه الله- أنَّه قَالَ: كُلْ ما أَصْمَيْتَ ودَعْ ما أَنْمَيْتَ 410 وفَسَّرهُ الشافِعِيُّ -رضي الله عنه- فقال: "ما أَصميتَ": أي قَتلَهُ سهمُكَ، أو كلبُكَ، وأنتَ ترَاهُ، "وما أَنميْتَ" ما غابَ عنكَ مقتلَهُ، ولأنَّه يحْتَمِلُ أن يكونَ الموتُ بسببٍ آخر، والتحرِيمُ ما يُحتاطُ له، وذكر "صاحبُ التهذيب" أنَّ أَصَحَّ القولَيْن الحلُّ، لكِنْ أصحَابُنَا العراقِيُّون وغيرُهم إلى تَرْجِيحِ التحريم أميلُ.
والثَّانِي: القطعُ بالحلِّ؛ لأنَّ الشافِعِيَّ -رضي الله عنه- قال: إِلاَّ أن يكونَ في الحل خبرٌ وقد ثبَت الخبرُ فيه.
والثالِثُ: القطْعُ بالتحرِيم، وحَمْل الخبَرِ على ما إذَا أَنْهَاهُ الجرحُ إلى حالةِ حَركةِ المذْبُوحِ.
وعند أَبِي حَنِيْفَةَ: إنْ أتْبَعهُ عَقِيب الرمي فوجدَه مَيْتًا -حلَّ، وإنْ أَخَّر اتباعه لمْ يَحِلّ.
وعن مالكٍ: أنَّه إن وجدَه في يَوْمِه حلَّ، وإن وجدَه بعد ذَلك فلاَ يحلّ.
واعلمْ أنَّ مَسْأَلَةَ القولَيْنِ: تسمَّى مسألةَ الإِنْماء، ولم يذكُرْ هذه اللفظَةَ هاهنا وذكرَهَا من بعد.
قال الغَزَالِيُّ: وَالتَّسْمِيَةُ مُسْتَحَبَّةٌ عِنْدَ الذَّبْحِ وَعِنْدَ إرْسَالِ الْكَلْبِ وَالسَّهْمِ وَلاَ تَشْتَرِطُ* وَهَلْ يَكْفِي للِاسْتِحْبَابْ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ عَضِّ الْكَلْبِ وَجْهَان.
الجزء: 12 - الصفحة: 35
قال الرَّافِعِيُّ: التسمِيَةُ عند الذَّبْح، وعند الرَّمْي إلى الصيدِ، وإرسالِ الكلْبِ مُسْتَحَبَّةٌ، فلو تركَهَا عامِدًا، أو ناسِيًا -لمَ تُحَرَّمُ الذَّبيحةُ، لكن تركُهَا عامِدًا مكروهٌ.
وفي "تعليق الشيخ أَبِي حَامِدٍ".
أنَّه يأثَمُ به وساعدنا مالكٌ على أَنَّ متروكَ التسميةِ حلالٌ.
وقال أبُو حنيفةَ: إنْ تركَهَا عَمْداً لم تحلَّ، وإن نَسِيَ حلّ.
وعن أَحْمَد روايتانِ في الصيدِ.
إحْدَاهُما: كمذهَبِنا، والأُخْرَى كمذهب أَبِي حَنِيفةَ.
والثالثُ: أنَّه لا يحلُّ سواء تركهَا عمْدًا أو سَهْوًا.
الرَّابِعَةُ: أنها لا تلزمُ في الرمْي، وتلزم في إرسالِ الجوارحِ وأمَّا في الذَّكاةِ فعنده إنْ تركَ ناسِيًا حلَّ، وإنْ كانَ عامدًا ففَيه رِوَايتَانِ.
لنا ما رُوِيَ عن عائِشَة -رضي الله عنه- وأنَّ قوماً قالوا: يا رسولَ الله، إنَّ هنا أقوامًا حديثُ عهد بالشركِ يأتونَنَا بِلُحْمَان لا ندرِي أيذكرُون اسمَ الله عليْهَا أم لاَ؟ فقالَ -صلى الله عليه وسلم- "اذكُرُوا اسْم اللهِ وَكُلُوا" 411 ولو كانَت التسميةُ شرطاً للحِلّ لما ثبت الحلُّ عند الشكِّ فيهَا.
وعن البَرَاءِ بْنِ عَازب -رضي الله عنه- أنَّ النَبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "المسلمُ يذبَحُ على
اسْمِ الله سَمَّى أو لمَ يُسَمِّ 412 ": وحُمِل لذلك قولُه تعالَى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 121] على ما ذُكِرَ عليه اسمُ غَيْرِ الله.
واعلم لما ذكره: قوله في الكتاب: "وَلاَ يُشْتَرَطُ" بالحَاءِ والأَلِفِ، وهل يتأدى للاستحباب التسمِيةُ عند عضِّ الكلْبِ، وإصَابةِ السَّهْمِ؟ فيه وَجْهَانِ نُسِبَا إلى الشيخ أَبِي مُحَمَّدٍ.
أَحدُهمَا: لاَ؛ لأنَّها لم تَتَّصِلْ بابتداءِ الاسْتعمالِ.
وأَشْبهُهُمَا: نَعَمْ.
لاِتِّصالِهَا بالحالةِ التي نالت الآلةُ الصيدَ كَالاتِّصالِ بحالةِ إِمْرارِ السكينِ على الحلْقِ، وهذا في تأدي الاستحباب بِكَماله، فأمَّا أصلُ الاستحبابِ عند الإِصَابةِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 36
إذا تُرِكَتِ التَّسْمِيَةُ عند الإرسالِ فما ينبغي أن يكونَ فيه خِلافٌ، كما أَن مَنْ تركَ التسمِيَة في ابتداءِ الوُضوءِ والأكْلِ، يُسْتَحَبُّ أن يُسمّى في أثنائِهَا (1). قال الغَزَالِيُّ: (النَّظَرُ الثَّانيِ) فِي أَسْبَابِ المِلْكِ وَهُوَ فَصْلاَنِ: (الأَوَّلُ فِي الانْفِرَادِ) وَإِنَّمَا يُمْلَكُ الصَّيْدُ بِإبْطَالِ مَنَعَتِهِ أَوْ بِإثْبَاتِ الْيَدِ أَوِ الإثْخَانِ أَوِ الْوُقُوعِ فِيمَا نُصِبَ لِلصَّيْدِ.
القول في بيان ما يُمْلَكُ به الصيدُ
قال الرَّافِعِيُّ: مقصودُ النظرِ على ما تبين من قبل بيان ما يملك 414 به الصيدُ، والاِصْطِيادُ إمَّا أَنْ يُؤْخَذَ من واحدٍ أو منِ اثْنَينِ فصاعِدًا وفيه فصْلاَن.
أحدُهما: في حالةِ الانْفِرادِ، ويُمْلكُ الصَّيْدُ بِطُرقٍ.
مِنْهَا: أنْ يضْبطهُ الصائِدُ بيده، ولا يُعْتبر قصْدُ التملكِ في أَخذهِ باليدِ حتَّى لو أَخَذَ صَيْدًا لِينظُرَ إليه يملكَه، ولو سَعَى خلفَ صيدٍ فوقَفَ لِلإعْيَاءِ -لَمْ يَمْلِكُهُ حتَّى يأخذَه بيده.
ومنها: إذَا جرحَهُ جراحةً مذففة، أو رمى إليه فَأَثْخنَه وأَزْمنه -ملكه، وكذا إنْ كان طائِرًا فكَسَرَ جَنَاحَهُ حتَّى عَجَزَ عنِ الطَّيَرانِ والعَدْوِ جَمِيعًا، ويكفي للتملُّكِ إِبْطَالُ شدَّةِ العَدْوِ، وصيرورتهِ بحيثُ يحصل اللحوقُ به، ولو جَرَحهُ فعطش [بعد الجراحَةِ] 415 وثبَتَ لمْ يملِكهُ، وإنْ كانَ العطشُ لعدمِ المَاء وإنْ كان لعجْزُه عن الوصُولِ إلى الماء يملِكُه؛ لأنَّ سَبَب العجز الجراحةُ.
ومنها وقوعُه في الشبكة [المَنْصُوبَةِ لَهُ، ولو طَرَدَهُ طَارِدٌ حَتَّى وقع في الشبكَةِ] 416 فَهُوَ لصاحب الشَّبَكَةِ لا للطَّارِدِ، وعن "الحَاوي" أنه لو وقع الصيدُ في الشبكةِ ثم تقطَعت الشبكةُ وأفلَت الصيدُ، فإن كان ذلكَ يقطع الصيدَ الذي وقعَ فيه -عادَ إلى الإباحةِ حتى يملكه مَنْ يَصِيدُه، وإلاَّ فهو بَاقٍ على مِلْكِ صاحبِ الشبكةِ، ولا يملكهُ غيرهُ، وذكر في "الوَسِيطِ" في "باب النثر" أنه لو وقعَ في الشبكةِ ثم أفلتَ، فالظاهِرُ أنَّ مِلْكَه لا يزُول.
وفيه وجْهٌ: أنَّهُ لا يعد مستقرًا في العُرْف.
ومنها إذا أَرْسلَ كلبًا فأثبتَ الصيدَ -مَلَكهُ، ولو أرسلَ سَبُعًا أخرَ، فعقرَهُ وأثبته، قال في "الحَاوِي": إنْ كانَ له يَدٌ على السَّبُع -فيملِكُه كما لَو أرسلَ كلبَه، وإلاَّ فَلاَ، ولو أَرْسَل الصيْدَ بعدما أخَذَهُ الكلْبُ ففي "البحْرِ" أن بَعْضَ الأَصْحابِ قال: إنْ كانَ ذلك قبل ما أَدْرَكَه صاحبُهُ لم يَمْلِكْهُ وإنْ كانَ بعده -فوجهان؛ لأنَّهُ لم يقبِضهُ ولا زال به امتناع 417.413
الجزء: 12 - الصفحة: 37
ومنها: إذا أَلْجَأهُ إلى مَضِيقٍ لا يقدِرُ على الإِفْلاتِ منه -ملكه، وذلكَ بأنْ يدخلَهُ في بيت ونحوه، وقد يردُّ جميعَ ذلك إلى شيءٍ واحدٍ، ويجعلُ سببَ مِلْكِ الصيْدِ هو إبطالُ امتنَاعِهِ، وحصولُ الاستيِلاءِ عليه، وذلك يحصلُ بالطرِيقِ المذكُورِ، ثم في الفَصْلِ صورٌ.
إِحْدَاهَا: لو توحَّلَ الصيْدُ بمزرعتِه، وصارَ مقدورًا عليه -ففيهِ وجهَان:
أحَدَهُمَا: أنَّهُ يملِكُه كما لو وقعَ في الشَّبَكَةِ، وأظهرهُما المنعُ؛ لأنَّه لم يَقصِدْ بسقي الأَرْضِ الاصْطِيادَ، والقصد مرعي في التملك 418 قال الإمامُ: وهذا الخِلاَفُ فيمَا إذا لم يكنْ سَقْيُ الأَرْضِ مما يُقْصدُ به توحُّلُ الصيدِ وتعلقها، وإن كان يَقْصدُ فهو كنصبِ الشَّبكَةِ ولم يتعرّضِ الرُّويانِيُّ لمزرعَةِ الشخْصِ.
قال الغَزَالِيُّ: أمَّا لَوْ تَوَحَّلَ بِمَزْرَعَتِهِ أَوْ وَقَعَ فِي دَارِهِ أوْ عَشَّشَ الطَّائِرُ فِي دَارِهِ لَمْ يُمْلَكْ بِمُجَرَّدِهِ عَلَى الأَظْهَرِ لَكِنْ هُوَ أَوْلى مِنْ غَيْرِهِ كَالمُتَحَجِّرِ* فَإِنْ أَخَذَ غَيْرُهُ مِنْ مِلْكِهِ فَهوَ كَمَنْ أَحْيَا مَا تَحَجَّرهُ غَيْرُهُ* وَإِنْ قَصَدَ مِنْ بِنَاءِ الدَّارِ تَعْشِيشَ الطَّائِرِ فَوَجْهَانِ لِأَنَّهُ لاَ يَعْتَادُ* وَلَوْ وَقَعَتْ مِنْهُ الشَّبَكَةُ فَتَعَقَّلَ بِهَا الصَّيْدُ فَوَجْهَانِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ وَإِنَّمَا الملْكُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ القَصْدِ وَالْعَادةِ* وَلَوِ اضطرَّهُ إِلَى مَضِيقٍ لاَ مُخَلِّصَ لَهُ عَنْهُ مَلَكَهُ* وَإِن اضْطَرَّ السَّمَكَةَ إلى بِرْكةٍ وَاسِعَةٍ فَهُوَ كَالمَتْجَرِ* وإنْ كَانَتْ ضَيِّقَةً ملَكَ.
قال الرَّافِعِيُّ: ولو توحَّلَ الصيدُ عند طلبهِ في طِين لم يملِكْهُ؛ لأنَّ حُصُولَ الطين ليس مِنْ فِعْلِه، ولو كانَ هو الذي أَرْسَل الماءَ في الأرْضِ -ملكه؛ لأنَّ الوحَلَ حصلَ بفعْلِه فهو كنصْبِ الشبكةِ ويشبُه أن يرجعَ هذا إلى ما ذكرَهُ الإمامُ مِنْ قَصْدِ الاصطيادِ بالسَّقْيِ.
الثانيةُ: لو وقَعَ الصَّيْدُ في مِلْكِه وصارَ مَقدُورًا عليه أو عَشَّشَ الطائِرُ في دارهِ 419 وباضَ وفرخَ وحصلتْ القُدْرَة على البيْضِ والفَرْخِ: فهل يملكها صاحبُ الدَّارِ؟ فيه وجهان: حالهُما ما ذكَرْنَا في الصورةِ الأُولَى، والخِلافُ راجعٌ إلى أنَّه هل يُعْتبر القصْدُ؟ والظاهِرُ: اعتبارُهُ، وبه أجابَ في "التَّهْذِيب" وقال: لو حَفَرَ حُفْرةً لا للصيدِ، فوقعَ فيها صَيْدٌ لَمْ يملِكَهُ، وإنْ حَفَر للصيدِ مَلَكَ ما وقعَ فيه، ولو أَغْلَقَ بابَ الدَّارِ لِئَلاَّ يخرجَ مَلَكَهُ.
وحكَى الإمامُ عن الأَصْحَاب: أنَّا إذَا قُلْنَا: إِنَّ صاحبَ الدار لا يملِكُه، فهو أَوْلَى بتملُّكِهِ وليسَ لغيرهِ أنْ يَتَخطَّى ملكَه ويأخذه، وإن فعل، فهل يملِكُه؟ فيه وَجْهَان مُرَتَّبَانِ على الوجْهَيْنِ فيما إذا حَجز مَوَاتًا وأحياه غيرُه، هل يملِكُه؟ وهذه الصورةُ أَوْلى بثبوت
الجزء: 12 - الصفحة: 38
المِلْكِ؛ لأن التحجرِ للأحْياءِ، والتملك وبناء الدار 420 لاَ يُقْصَدُ به تملك الصيد 421 الوَاقِع فيها ولو قصدَ ببناءِ الدَّارِ تَعْشِيشَ الطائِرِ فعشَّشَ فيها طائِرٌ -ففي مِلْكِ البيضِ والفرْخِ وجهانِ: في وجْهٍ: يملِكُ؛ لوجودِ القَصْدِ.
والثَّانِي: لاَ لضعف القصْدِ فإنه خِلافُ العادَةِ الغاليةِ، ولو قَعَت الشبكةُ من يَده من غَيْرِ قَصْدٍ تَعَقَّلَ بها صَيْدٌ فوجهان أيضاً:
نَنْظُرُ في أَحدِهِمَا: إلى أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ، وفي الثاني: [إلى أنه يعقِّلُ] 422 تَملّكُهُ وحصلَ الاستيلاءُ عليه، والأَوْفَقُ لما أَطْلقُوه اعتبارُ القصدِ حتى لا يملِكَ في وقُوعِ الشبكةِ مِنْ يدهِ، ويملِكُ في بِنَاءِ الدارِ على قَصْدِ التَّعْشِيشِ.
الثَّالِثَةُ: ذكر أَنَّهُ لو أَلْجأَ الصيْدَ إلى مَضِيقٍ لا مخلصَ لهُ منه -ملكه، وكذَا لو اضْطَرَّ السمكةَ إلى بِرْكَةٍ صغيرةٍ [أو حوض صغير] 423 على شَطِّ النهْرِ والصغير هو الذي يسهل أخذُها منه، ولو دخلَت بنفسِها -عاد الخلاف المذكورُ فيمَا إذَا دخل الصَّيْدُ في مِلْكِه.
فإنْ قُلْنَا: لا يملِكُه بالدخُولِ وهو الأَصَحُّ، فلو سَدَّ منافِذَ البِرْكَةِ فقد تسبَّبَ إلى ضَبْطِ السَّمَكَةِ فيملِكها ولو اضْطَرَّهَا إلى بِرْكة وَاسِعَةٍ يَعْسُرُ أخذُ السَّمَكةِ مِنْهَا، أو دخلَتها السمكةُ فسدَّ مَنَافِذَهَا -فلا يُحْكَمُ له بالملكِ لكنَّه حصلَ نوعُ انحصارٍ بفعْلِهِ فَيُثْبَتُ له اختصَاصٌ كاختصاصِ المتحجر.
ولو دخَلَ رجلٌ بُسْتَان غيرِه، واصْطَاد منه طائِرًا -ملكه بلا خِلاَفٍ، ولا يثبت لصاحبِ البُسْتانِ حُكْمُ المتحجرِ؛ لأنَّ البُسْتَانَ لا يتضمَّنُ ضبطَ الطائِر.
وأَمَّا لفْظُ الكِتَابِ، فَاعْلَمْ أنَّ أَسْبابَ المِلْكِ لا تختلفُ بحالةِ الاجتماعِ والانفرادِ بل تشتركُ فِيهَا الحالتَانِ، والتفاوُتُ يرجِعُ إلى المالكِ وقد تَكَلَّمِ صاحبُ الكتابِ في أَسْبابِ الملك في الفَصْل المُتَرْجَم بحالةِ الانْفِرَادِ، وكانَ الأَحْسَنُ أَنْ يُبَيِّنَ [أسبابَ] 424 المِلْكِ، ثم يتكلَّمُ فيما يتعلَّق بالانفِراد والاشتراكِ.
وقَوْلُهُ: "بإبطال مِنْعَتِه" المنعةُ هو القُوَّةُ المانِعَةُ، يُقالُ: هم في عِزٍّ ومِنْعة.
وقولُهُ: "لأنه لم يقصِدْهُ"، وإنَّمَا المِلْكَ 425 عند اجتماع القَصْدِ والعادَةِ" يَعْنِي أَنَّ المِلْكَ إِنَّما يحصلُ بلا خلافٍ، إذَا قصد الصَيدَ وسلكَ طرِيقًا يُعْتاد 426 تحصيلُه.
فأمَّا إذَا
الجزء: 12 - الصفحة: 39
قصدَه بريقٍ لا يُعْتَادُ كبناءِ الدَّارِ للتَّعْشِيش، أو لمْ يقصِدْهُ وحصل بطريقٍ مَعْهُودٍ، فهُو موضِعُ الخلافِ، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَإِذَا مَلَكَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِلْكِهِ بالإِفْلاتِ* وَهَلْ يَخْرُجُ بِالتَّحْرِيرِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ* وَلَوْ أَعْرَضَ عَنْ كِسْرَةِ خُبْزٍ فَهَلْ يَمْلِكُهُ مَنْ أَخَذَهُ؟ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِأنْ يَبْقَى عَلَى مِلْكِهِ* وَلَوْ أَعْرَضَ عَنْ جِلْدِ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ غَيْرُهُ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِأَنْ يَزُولَ مِلْكُهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: لما تَكلَّمَ فيما يثبتُ به المِلْكُ في الصيْدِ، أرادَ أنْ يتكلَّمَ فيما يزولُ به المِلْكُ عنه، أمَّا مَا يشمل الصيْدَ وغيرَه كالبَيْعِ، والهِبَةِ، فلا يخْفَى.
وأَمَّا ما يَخْتَصُّ بالصيدِ فلو أنَّه أَفْلَتَ مِنْ يَدِهِ، لم يزل مِلْكهُ عنه ولوَ أَخَذَهُ آخِذٌ فَعَلَيْهِ ردُّهُ إلى الأَوَّلِ، ولا فَرْقَ بين أن يلتحق بالوحُوشِ في الصَّحْرَاءِ أَوْ يبعد عن البُنْيَانِ، وبينَ أن يدور في البلدِ وحولِهِ.
قال مَالِكٌ: ما دامَ في البلدِ وحوله، يبقى مِلْكُ الصائِدِ فيه، فإذا بَعُدَ والتحقَ بالوحُوشِ زال مِلْكُه، ومَنْ أَخذه مَلَكَهُ.
ويُرْوَى عَنْهُ: إنْ تباعَدَ العهدُ بهِ -زَالَ مِلْكُه عنه، وإن قَرُبَ الوقْتُ- لم يزلْ.
ويُرْوَى عنه زوالُ المِلْكِ بِالإِفْلاتِ مُطْلقًا.
لنا القياسُ على ما سلمه، وعلى إباقِ العَبْدِ، وشِرَاء البهِيمةِ، ولو أنه أرْسَلَ الصيْدَ وخلاّه بنفسِهِ: فهل يزولُ مِلْكُهُ عنه؟ فيه وَجْهَانِ:
أَحدُهُما: ويُحْكَى عن ابنِ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَعَمْ؛ لأنَّه أزال مَلكه عنه باختيارهِ عن حَيَوانٍ [الأصل] 427 فيه الانفكاكُ عن المِلْكِ كما لَو أَعْتَقَ عَبْدَهُ.
وأظهرهُمَا: وبه قال أَبو إسحاقَ واختارَه القاضي أَبُو الطَّيِّب، والقَفَّالُ: لاَ، كما لو سَبَّبَ دابَّته، ولا يجوزُ أنْ يفعل ذلكَ؛ لأنه يشبه ما كان يَفعلُه أَهلُ الجاهلِيَّة من تسييب السَّوائِب، وعن القفَّالِ: أنَّ العوَامَّ قد يحتسبون به ويُسَمُّونه إعتاقًا ومِنْ حقّهِ أنْ يتحرز عنه؛ لأَنَّ الطائِرَ المُخَلَّى يختلِطَ بالطيورِ المُبَاحَةِ؛ فيأخذه الآخذُ ويظنُّ أنَّهُ قد مَلَكَه، وهو لا يملِكُه.
وعن "صَاحِبِ الإِفْصَاحِ" وجهٌ ثالثٌ: وهو أنَّه إن قَصَدَ بتخلِيَتهِ التقرُّبِ إلى الله تعالَى -زالَ المِلْكُ عنه، وإلاَ فَلاَ، وإنْ قُلْنَا يزولُ مِلْكُهُ فيعودُ إلى ما كانَ من الإباحةِ، ولمن أرادَ أن يَصِيدَهُ أنْ 428 يَصِيدَه.
الجزء: 12 - الصفحة: 40
وذكرَ الرُّويَانِيُّ في "التجربة" أنَّ الشافِعِيَّ -رضي الله عنه- نَصَّ في المبسُوطِ على زَوَالِ المِلْكِ، وغلّطَ مَنْ قَالَ غيرَهُ إلاَّ أنَّه شرط في التصوِيرِ أن يخليه على قَصْدِ إخراجِهِ من مِلْكِهِ وإلحاقِهِ بالوحْشِيّ، وإنْ قُلْنَا بالوجْهِ الثَّانِي، فلا يجوزُ لغيرِه أنْ يَصِيده إذا عرفه، فإنْ قال عند الإرسالِ أبحتُه لمن يأخذُه -حصلتَ الإِبَاحةُ، ولا ضمانَ على مَنْ أكلَهُ لكنَّه لا ينفذ تصرفه فيه.
وإن قُلْنَا بالوجهِ الثالثِ المفصَّلِ: أَرْسَلَهُ تقرُّبًا إلى الله تعَالى: فهل يَحِلُّ له اصْطِيادُه؟ فيه وَجْهَانِ:
أَحدُهُما: ويُحْكَى عن ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ -نَعَمْ؛ لأنَّه لا يعُود إذا زالَ المِلْكُ عنه إلى حُكْمِ الإباحةِ.
= الثانية: إذا كان للطائر فرخ يموت بحبسه فينبغي وجوب الإرسال صيانة أو وجه ويشهد له حديث الغزالة التي أطلقها النبي -صلى الله عليه وسلم- من أجل أولادها لما استجارت به -صلى الله عليه وسلم- وهو حديث حسن وقد صرح الأصحاب بأنه يجب إنظار الحامل الواجب عليها القصاص أو الرجم حتى تضع.
وقال الشيخ أبو محمد: يحرم ذبح الحيوان المأكول إذا كان حاملاً بغير مأكول وعلله بأن في ذبحه قبل ما لا يحل ذبحه وهو الحمل.
الثالثة: إذا كان معه طائر أو حيوان لم يجد ما يذبحه به ولا يطعمه فإرساله واجب لأنه يسعى في طلب رزقه ويدل عليه حديث المرأة التي حبست الهرة فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض.
الرابعة: إذا أراد الإحرام فإنه يجب عليه الإرسال ثم قال ولا يخفى أن صورة الإرسال فيما إذا كان المالك مطلق التصرف، فأما الصبي ونحوه أو المحجور عليه بسفه أو فلس أو مكاتب لم يأذن سيده لم يزل ملكه قطعاً.
قال: هذا حكمه في المأكول.
أما غير المأكول فأنواع:
أحدها: ما نهى عن قتله كالهدهد والخطاف وهذا النوع يحتمل أن يقال بوجوب إرساله على من أمسكه لأنه طائر يحرم التعرض له بالاصطياد فيحرم حبسه كصيد الحرم والإحرام، وقد عمت البلوى من العوام بصيد الهدهد والخطاف وبيعها وهو حرام من ثلاثة أوجه إلى آخر ما ذكره في هذا الاعتراض نظر لاختلاف العلماء في الإباحة وسيأتي في باب الأطعمة أن الأرجح التحريم في الهدهد.
وقال في الخادم: في هذا الترجيح نظر وقد سبق عن الخطابي أن النهي عنه تكريم لا لأنه حرام وقد صرح بأكله الروياني في البحر به ونقله عن النص ثم قال: وأشار في شرح المهذب إلى ترجيحه وإذا كان الأمر كذلك فكيف ينكر اصطياده واختلف أيضاً في إباحة الخطاف والإذكار إنما يكون في المتفق على المنع فيه.
فليتأمل والله أعلم.
قال: ومنها نوع يستحب قتله كالغراب الأبقع والحدأة فهذا يستحب قتله ويكره إرساله.
وأما حبسه على وجه الاقتناء فحرام كالكلب العقور وقد صرح الأصحاب بمنع اقتناء الفواسق الخمس.
ومنها: نوع ينتفع بصورته ولونه كالطاووس والببغاء فهذا النوع يجوز حبسه للانتفاع به وقد صرح الرافعي بجواز بيعه لهذا الغرض وأما الطير المأكول فيجوز حبسه مطلقاً.
الجزء: 12 - الصفحة: 41
والثَّانِي: لاَ؛ كما أَنَّ العَبْدَ إِذَا أُعْتِقَ لا يعودُ المِلْكُ فيه 429.
ولو ألقَى كِسْرَة خُبْزٍ مُعرِضًا عنها: فهل يملِكُهَا مَنْ أَخَذَها؟ فيه وجْهَان ذُكِرَ بالترتِيب على الخلافِ في إِرْسَالِ الصَّيْدِ، وهذه الصورةُ أَوْلى ألاَّ يملِكَها الآخِذُ وتبقَى على مِلْكِ المَالِكِ؛ لأنَّ سَبَبَ المِلْكِ في الصيد اليدُ وقد أزالَها قَصْدًا.
قال الإمامُ: وهذا الخِلاَفُ في زَوَالِ المِلْكِ وما فعلَه إباحةً للطاعِم 430 في ظاهِرِ المذْهَب؛ لأنَّ القرائِنَ الظاهِرَة كافيةٌ في الإباحةِ هذا لفظه ويوضحُه ما يُؤْثَرُ عن الصالِحينَ من التقاطِ السَّنَابِلِ 431.
ولو أَعْرض عن جِلْدِ مَيْتَةٍ فأخذه غيرُه ودَبَغَهُ، ففي حُصُولِ الملْكِ له وجهان: بالترتيبِ، وهذه أَوْلى بثبُوتِ الملْكِ للآخِذِ إنْ لمْ يكن مملوكاً للأوَّلِ، وإنَّما كانَ له نوعُ اختصاصٍ، والاختصَاصُ المجرّدُ يضعُفُ بالإعْراضِ، ولكَ أنْ تَزِيدَ فتقولَ: إن قُلْنَا إنَّ مَنْ غصب جِلْدَ مَيْتَةٍ ودبَغَه، يكونُ الجلْدُ للمغصُوبِ منْهُ فيجِيءُ هاهُنا هذا الخِلاَفُ، أمَّا إذَا قُلْنَا: إنَّهُ يكونُ للغاصب [فيكون هاهنا] 432 للآخذِ بلا خِلاَفٍ.
قولُهُ في الكتابِ: "فهل يخرجُ بالتَحرِيرِ" كأنَّه أشارَ بهذِه اللَّفْظَةِ إلى ما ذُكِر في "الوَسِيطِ" أنَّه لا يخرجُ عَنْ مِلْكِه بإفلاتِه والخِلاَفُ فِيما إذا قصَدَ التحرِيرَ ويقرب منه ما ذَكرَه الإمَامُ: أنَّه لَوْ حَرَّرَهُ 433 وحَاوَلَ به رفْعَ اختصَاصِه وردَّه إلى ما كانَ عليه من الإِباحَةِ ففيه الخِلاَفُ.
وقولُه: في مَسْأَلةِ الجِلْدِ "وأولى بأَنْ يَزُولَ مِلْكُهُ" الوجهُ حملُ المِلْكِ -هناهُنا- على الاِخْتِصاصِ الذي كان في الجِلْدِ ولو قَال وأَوْلَى بأنْ يَصِيرَ مِلْكُهُ كان أَوْلى.
[فرعٌ]: مَنِ اصْطَادَ صَيْدًا عليه أثرٌ ملك بأن كَانَ مَوْسُومًا أو مقرَّطًا، أو مخضُوبًا، أو مَقْصُوصَ الجناح لمْ يملكُهُ؛ لأنَّ هذه آثارٌ تدل 434 على أنَّه كان مَمْلُوكًا، ورُبَّما أَفْلَتَ، ولا يُنْظَرُ إلى احْتِماَلِ أنَّه اصطادَه محرمٌ وفعلَ به ذلك ثم أرسلَه، فإنه تَقْرِيرٌ بَعِيدٌ.
ولو اصْطادَ سمكةً في بَطْنِها دُرَّةٌ مَثْقُوبَةٌ، فكذلكَ، ويكونُ المأْخُوذُ -والصورةُ هذِهِ- لُقَطَةً، وإن كانت غيرَ مَثْقُوبةٍ فهي له مع السَّمَكَةِ، ولو اشترَى سمكةً -فوجد في بَطْنِهَا
الجزء: 12 - الصفحة: 42
دُرَّةً غيرَ مثْقُوبَةٍ فهي لِلْمُشْترِي، وإنْ كانَت مَثْقُوبةً فهي للبائِع إنِ ادَّعاهَا- هكذَا أطلقَه في "التَّهذِيب".
ويُشْبِهُ أن يِقَالَ إنَّ الدُّرَّةَ تكون لمن اصْطَادَ السمَكَةَ، كما أنَّ الكَنْزَ الذي يُوجَدُ في الأَرْضِ يكونُ لمُحْيِي الأَرْضِ 435 واللهُ أَعلمُ.
قال الغَزَالِيُّ: (فَرْعٌ): إِذَا اخْتَلَطَ حَمَامُ بُرْجٍ بِحِمَامِ بُرْجٍ آخَرَ وَعَسُرَ التَّمْيِيزُ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا الانْفِرَادُ بِبَيْعِ شَيْءٍ مِنْ ثَالِثٍ* وَإِنْ بَاعَ مِنْ صَاحِبِهِ جَازَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِلحَاجَةِ* وَإِنْ تَوَافَقَا عَلَى بَيْعِ الجَمِيعِ مِنْ ثَالِثٍ وَعَلِمَا مِقْدَارَ قِيمَةِ المِلْكَيْنِ أَوْ تَقَارَّا عَلَى تَقْدِير حَتَّى يُمْكِنَ التَّوْزِيعُ جَازَ وَإلاَّ لَمْ يَجُزْ* وَإِنِ اخْتَلَطَ حَمَامُ مَمْلُوكٍ بِحمَامِ بَلْدَةٍ لاَ يَحْرُمُ الصَّيْدُ إِذَا كَانَ المَمْلُوكُ مَحْصُورًا* فَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَحْصُورٍ كَحَمَامِ بَلْدَةٍ أُخْرَى فَوَجْهَانِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذَا تحوَّلَ بعضُ الحمَامِ منْ بُرْجِ إنْسَانٍ إلى بُرْجِ أخرَ، فإن كان المُتَحوَّلُ مِلْكًا للأوَّلِ -لم يَزُلْ مِلْكُه عنه، ووجِبَ على الثاني رَدُّهُ.
ولو حصل بَيْضٌ أو فَرْخٌ -فهو تبع للأُنْثَى دُونَ الذَكر، فيكون لمالِكِ الأُنْثَى.
وإذا ادَّعَى إنسانٌ تحوَّل الحمام من بُرْجِهِ إلى بُرْجِ غَيْرِهِ لم يُصَدَّقْ إلاَّ ببيّنةٍ، والورَعُ أن نُصدِّقَه إلاَّ أَن نَعْلَم كذِبَه.
وإن كان المُتحوَّلُ مُبَاحًا -دخلَ البرجَ الأَوَّلَ فعلى الخِلاَفِ السابق فيما إذَا دخلَ الصَّيْدُ مِلْكَ الثَّانِي، فإن قُلْنَا: لاَ يَمْلِكُ، وهو الظاهِرُ فللثَّانِي أَنْ يتملّكَهُ.
ومَنْ دَخَلَ بُرْجَهُ حمامٌ وشَكَّ في أنَّ الداخِلَ من المباحاتُ أو هو مِلْكُ الغَيرِ -فهُوَ أَوْلَى بهِ، ولهُ أنْ يَتَنَاوَلَه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّهُ من المُبَاحَاتِ، وإن تحقَّقَ أنَّهُ اخْتَلَطَ بمِلْكه ملكُ الغَيْرِ وعَسُرَ التميِيزُ ففي "التَّهْذِيب": أنَّهُ إذَا اختلطت حمامَةُ واحدة بحماماته فله أنْ يَأْكُلَ بالاجتهادِ وَاحِدَةً وَاحِدةً حتى يُبْقى واحدةً؛ كمَا لو اختلَطتْ ثَمَرةُ الغيرِ بثمرِهِ، والَّذِي حكاه الرُّوَيانِيُّ أنَّه ليسَ له أنْ يَأْكُلَ واحدةً منها حتى يُصالِحَ ذلك الغَير، أو يُقَاسِمه؛ ولهذا قَالَ بعضُ مَشايِخِنَا: ينبغي للمُتَّقِي أن يتَجنَّبَ طيرَ البرج وبناءها 436 ونقل الإمامُ وغيرُهُ أنَّه ليس لواحد منهما التصرف في شَيْءٍ منها بِبَيْعٍ أو هِبَةٍ من ثَالِثٍ؛ لأنَّه لا يتحقَّقُ المِلْكُ ولو باعَ أو وَهَبَ أحَدُهمَا من الآخَر -ففيهِ وَجْهَانِ:
الجزء: 12 - الصفحة: 43
وجهُ الصحةِ؛ وهو أقربُ للحاجةِ الداعيةِ إليه، وقد ترتفعُ التعبدات بالضرورات والحاجَاتِ، ولذلك صَحَّحْنَا القراضَ والجُعَالةَ على ما فِيهِمَا من الجَهَالة.
وأَنَّهما لو باعَا الحمامَ المُخْتَلِطةَ ولا يدري واحدٌ منهُمَا عين مالِه، فإنْ كانَتِ الأَعْدَادُ مَعْلُومةً كمائتينْ ومائة والقِيمُ مُتَساوية، ووزعنا الثَّمَنَ عَلَى [أَعْدَادِهَا صحَّ بإطباق الأئمة] 437 وإنْ كانَا يجهلانِ الأَعْدادَ لم يصحَّ البيعُ؛ لأنَّه لا يعرِفُ كلُّ واحدٍ مِنْهُمَا ما يستحِقُّه من الثَّمَنِ، والطَّرِيقُ أنْ يَقول كُلُّ واحدٍ منهُما: بعْتُكَ الحمامَ الذي في هذا البُرجِ بكذا، فيكونُ الثمنُ مَعْلُومًا، ويحتمل الجهلُ في المَبِيع للضَّرُورةِ، وفي "الوَسِيط" أنَّهِما لو تصالحا على شَيْءٍ صَحَّ البيعُ، وَاحْتُمِلَ الجهلُ بقدر المبيعُ ويقرب من هذا ما أطلقَ من مقاسمتِهما.
وَاعْلَمْ أَنَّ الضَّرُورَةَ قد تدعُو إلى المُسَامَحةِ في بَعْضِ الشُّرُوطِ المُعْتبرة في العُقُودِ؛ ألا تَرَى أنَّ الكَافِرَ إِذَا أَسْلمَ على أكْثر من أربع نِسْوة وماتَ قبل الاختيار 438 يَصِحُّ اصطلاحهن على القِسْمَةِ إمَّا بصفةِ التَّسَاوِي أو التَّفَاوُتِ مع الجَهْلِ بالاستحقاقِ فيجوزُ أنْ تصحَّ القسمةُ هاهُنا -أيضاً- بحسب تَراضِيهِمَا، ويجوزُ أن يُقالَ: إذَا قال كلُّ واحدٍ منهُما: بعتُ مَالِيَ من حَمام هذا البُرْجِ.
بكذا وصحَّحْناه مع الجهْلِ بالمبيعِ.
فإذَا قالاَ: بِعْنَا حمامَ هذا البُرْجِ بكذا، والأعددُ مَجْهُولةٌ -يصحُّ أيضاً مع الجهلِ بما يستحقُّ كلُّ واحدٍ منهُما، والمقصودُ أن ينفصِلَ الأَمْرُ بحسبِ ما يتراضَيَانِ عليه.
ولو باعَ أَحدُهُمَا جَمِيعَ حمام البرجِ بإذْنِ الآخَرِ فيكونُ أصْلًا في البَعْضِ 439، ووَكِيلًا في البعض ثم يَقْتَسِمَانِ الثَمن.
ولو اختلطَتْ حمامةٌ مَمْلُوكَةٌ أو حماماتٌ بحماماتٍ مبَاحة مَحْصُورة -لم يَجُزْ الاصْطيادُ منها.
ولو اختلَطَتْ بحماماتِ ناحِيَةٍ جازَ الاصْطِيادُ في الناحِيَةِ، ولا يتغيَّرُ حكْمُ مَا لاَ يَنْحَصِرُ في العادَةِ باختِلاَطٍ ما يُحْصَرُ به، وهذا كما أنه إذَا اختلَطتْ أُخْتُه مِنَ الرَّضَاعِ بِنِسْوةٍ لا ينحصِرْن، يجوز له أنْ يتزوَّجَ مِنْهُنَّ، وإنِ اخْتلَطتْ حمامُ أبراجٍ مَمْلُوكةٍ لا يكادَ يُحْصَرُ بحمامِ بلدة أُخْرَى مُبَاحةٍ -فوجهان:
أَحدُهُما: لا يجوزُ الاصطيادُ منها [فإن ما لا ينحصر] 440 بالاضافة إلى مِثْلِهِ، كما ينحصِرُ بالإضافة إلى مثله.
والثاني: يجوزُ استِصْحَابًا لما كانَ.
الجزء: 12 - الصفحة: 44
قال الإِمام: وهذا إليه صَغْوُ مُعْظَمِ الأصْحابِ والأَوَّلُ (1) أقْيسُ.
فَرْعٌ إذَا انثالَتْ حِنْطَةُ إنسانٍ على حنْطَةِ غيره أو انصبَّ مائِعٌ من مَائِعٍ وجَهِلاَ المِقْدَارَيْنِ -فلْيَكُنِ الحُكْمُ على ما ذكرْنَا في اختلاطِ الحَمامِ.
آخر:
لو ملك الماءَ بالاسْتِقاءِ، ثم انصب في نَهْرٍ، لم يزُلْ مِلْكُه عنه، فلا يمنع الناسَ مِنْ الاسْتِقَاءِ، وهو في حُكْمِ اخْتلاطِ المحصُورِ بغير المحصُورِ (2).
وقولُه: "ولَوْ تَوافَقَا على بَيْعِ الجميعِ مِنْ ثَالِثٍ .... " إلى آخره، الحكمُ، لا يختصُّ بالجميعِ بل لو توافَقَا على بَيْعِ بَعْضٍ مُعَيَّنٍ -كان الحكْمُ كذلك.
وقولُه: "لَوْ تَقَارَّا على تَقْدِير" يجوزُ أن يُحْملَ على قسْمة في الثَّمنِ، وأن يُحْملَ على قِسْمة في نَفْس الحمامِ.
وقولُه: "ولو كان غيرَ مَحْصُورِ كحمام بلْدة أُخْرى" يحتاجُ إلى إضمار حمامَاتِ بَلْدةٍ مَمْلُوكَةٍ بحمامات بلدة أخرى.
قال الغَزَالِي
ُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي في الاشْتِرَاكِ)
ولَهُ أَحْوَالٌ: (الأَولَى) أَنْ يَتعَاقَبَ الجُرْجانِ فَإنْ كَانَ الثَّانِي مذَفَّفاً فَهُوَ لَهُ وَلاَ شَيْءَ عَلَى الأوَّلَ* وَإِنْ كَانَ الأَوَّلُ مُذَفَّفاً فَهُوَ لَهُ وَعَلَى الثَّاني أَرْشُ الجِرَاحَةِ لأَنَّهُ جُرْحُ مِلْكِ الغَيْرِ* وَإِنْ أَزْمَنَ الأَوَّلُ وَذُفِّفَ الثَّاني وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ إلاَّ أَنْ يُصِيبَ المَذْبَحَ* وَإِنْ لَمْ يُصِبِ المَذْبَحَ فَهِيَ مَيْتَةٌ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الأَوَّلِ* فَإِنْ لَمْ يذَفَّفْ وَمَاتَ بِالجُرْحَيْنِ فَفِي مِقْدَارِ الضَّمَانِ خِلاَفٌ يَنْبَني عَلَى مَا لَوْ جَرَحَ عَبْدًا قيمَتُهُ عَشَرَةٌ فَرَجَعَ إِلَى تِسْعَةٍ فَجَرَحَهُ آخَرُ فَمَاتَ مِنْهُمَا فَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَى الثَّانِي نِصْفَ التِّسْعَةِ وَعَلَى الأَوَّلِ نِصْفَ العَشَرَةِ نَقَصَ المَبْلَغَانِ عَنْ قِيمَةِ العَبْدِ فِي الأَصْلِ فَفِيهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ* فَعَلَى وَجْهٍ لاَ يُبَالِي بِهَذَا النُّقْصَانِ* وَعَلَى وَجْهٍ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ خَمْسَةٌ* وَعَلَى وَجْهٍ يَجِبُ عَلَى الأَوَّلِ خَمْسَةٌ وَنِصْفٌ وَعَلَى الثَّانِي خَمْسَةٌ* وَعَلَى وَجْهٍ441442
الجزء: 12 - الصفحة: 45
يَجِبُ عَلَى الأَوَّلِ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءًا مِنْ أَحدٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ عَشَرَةٍ وَعَلَى الثَّانِي عَشَرةُ أَجْزَاءٍ مِنْ أَحدٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ عَشَرَةٍ حَتَّى لاَ يَزِيدَ عَلَى القِيمَةِ وَيَتَفَاوَتَ الشَّرِيَكانِ* وَعَلَى الوَجْهِ الخَامِسِ لاَ يُمْكِنُ إيجَابُ زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعٍ وَنِصْفٍ عَلَى الثَّانِي وَالبَاقِي إِلَى تَمَامِ العَشَرَةِ عَلَى الأَوَّلِ وَهُوَ الأَقْرَبُ وَلاَ يَنْفَكُّ وَجْهٌ عَنْ بُعْدٍ* وَلَوْ كَانَتْ إحْدَى الجِرَاحَتَيْنِ مِنَ السَّيِّدِ سَقَطَ مَا يُقَابِلُ جِرَاحَتَهُ وَلَزِمَ البَاقِيَ عَلَى الأَجْنَبِيِّ وَيُخَرِّجُهُ عَلَى الأَوجُهِ الخَمْسَةِ* وَقِيلَ: مَسْألة الصَّيْدِ كمَسألَةَ السَّيِّدِ مَعَ الأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا مَالِكٌ* وَقِيلَ: بَلْ يَجِبُ جَمِيعُ القِيمَةِ عَلَى الثَّانِي لِأَنَّ السَّيِّدَ مَالِكٌ وَالمَالِكُ ذَابِحٌ وَإنَّمَا فَسَدَ بِجنَايَةِ الثَّانِي* وَهَذَا إنَّمَا يتجه إِذَا كَانَ جَرَحَهُ بِحَيْثُ لَوْ مَاتَ بِهِ يَحِلُّ وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الظَّفَرُ بِهِ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُستَقِرَّةٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: تبيَّنَ مِنْ قبلُ أنَّ الصيدَ يُمْلَكُ بالجراحَةِ المذَفَّفَةِ وبالإزْمَانِ والإثْبَاتِ أيضاً.
واحتجَّ لكون الإِزْمانِ مملكًا بما رُوِيَ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحَابَه مَرَّوْا بَظَبْيٍ حَاقِفٍ، فهمَّ أصحابِه بأخْذِه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "دَعُوهُ حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبِه" 443.
والحاقِفُ: هو المثْخَنُ العاجِزُ عن الامتناعِ، سَمَّى صَاحِبًا له، ومنعهم مِنْ أَخْذِه.
إذا عُرِفَ ذلك.
[فالاشتراكُ] 444 والاِزْدِحَامُ على الصيْدِ له أَحْوَالٌ.
إحْدَاهَا: أن يتعاقَبَ جُرْحَانِ مِنِ اثْنيْنِ.
فالأولُ: إما أن يكونَ مُذَفِّفًا أو مُزْمِنًا، أَوْ لا مُزْمِنًا، أولا مذففًا، ولا مزمنًا، فإن لم يكن مذفِّفاً ولا مُزمناً، بل بقي على امتناعِه، وكان الثاني مُذَفِّفاً أو مزمناً، فالصيدُ للثَّانِي، ولا شَيْءَ على الأول بجراحَتهِ؛ لأنه كان مُبَاحاً حينئذٍ، وإن كان جُرْحُ الأولِ مُذفِّفاً، فالصيد حَلالٌ، ومِلْكٌ الأول، وعلى الثَّانِي أَرْشُ جِرَاحَتهِ، وإنْ حدث فِيها نقصانٌ في اللحم، أو الجِلْدِ؛ لأنه جنى على مِلْكِ الغَيْر.
وإنْ كان جُرْحُ الأَوَّلِ مُزْمِنًا، صار الجرْحُ مملُوكًا بالإزْمَانِ، وينْظَرُ في الثانِي: إن ذُفِّفَ بقطْعِ الحُلْقُومِ، والمريء فهو حلالٌ، وعليه للأول ما بين قيمته مَذْبُوحًا ومُزْمِناً.
قال الإمامُ: وإنما يظهر التفاوُتُ إذا كان فيه حياةٌ مُسْتقِرَّةٌ فأما إذا كان الحيوانُ
الجزء: 12 - الصفحة: 46
مُتَألِّماً [لو لم يُذْبح لهلك] 445 فما عندي: أنه ينقص منه بالذبح شيء ويجيء في الحلِّ تردُّدٌ حكَيْناه عن الإمامِ: فِيمَا إذا رَقَى إلى شَاةٍ رَبِيطَةٍ، وقطعَ الحُلْقُومَ والمَرِيءَ وفاقاً.
والظاهِرُ: الحلُّ، فإن ذُفِّفَ لا بقطع الحُلْقُوم والمرِيءِ أو لم يُذَفَّف ومات الصيد بالجرحَيْن، فهو مَيْتَةٌ [لا تحلّ] لأن المقدورَ عليه لا يحلُّ إلا بقَطْعِها.
وكذا الحكمُ لو رَمَى إلى صَيْدٍ فأزْمَنه، ثم رمى إليه ثَانِيًا، وذُفِّف، لا بقطع المذبح.
وأما إذا جُرِحَ بلا تَذْفِيفٍ، ومات من الجُرْحَيْنِ، فلأنه اجتمع المبيحُ والحاظِرُ، فيغلب الحاظر، كما لو اشترك في الذَّبْح مسلمٌ ومجوسِيٌّ، ثم يجب على الثاني إن ذفف كمال [قيمة] 446 الصيد مَجْرُوحًا؛ لأنه أمسك مِلْكَ الأول، عليه فلزمه ضَمانُه.
وإن جُرِحَ الثاني بلا تَذْفِيفٍ، ومات من الجراحيْنِ فما الذي يجب على الثاني؟
القولُ فيه مفتتح بمسألةٍ خَطِيرة نذكرها بما فيها، ثم نعود إلى حيْثُ يقطع من مسألة الصَّيْدِ، أما تلك المسألةُ فصُورتها: إذا جَنَى رجلٌ على عَبْدِ إنسانٍ، أَوْ بَهيمةِ، أو صَيْد مملُوكٍ له قِيمَتُهُ عشرةُ دَنَانِير، فجرحَهُ جِرَاحةً أَرْشُها دِينارٌ، ثم جرحَهُ آخرُ جراحةً أَرْشُها دِينَارٌ أيضاً، وسرت الجراحتانِ إلى الهلاكِ، فَفِيما يجب على الجَانِبَيْنِ وجوهٌ:
أَحدُها: أنه يجبُ على الأَوَّلِ خمسةُ دَنَانِيرَ، وعلى الثاني أربعةٌ ونِصْفٌ؛ لأن الجِرَاحَتَيْنِ سَرَيَا وصارَا قَتْلاً، فعلى كل واحدٍ نِصْفُ القيمةِ، والقِيمةُ يومَ الجنايةِ الأُولَى عشرةٌ، ويومَ الجنايةِ الثانية تِسعةٌ، فيغرم كل واحدٍ منهما نِصْفَ قِيمتِه يومَ جِنَايَتِهِ، ونَسَبَ المُوفّقُ بنُ طَاهِرٍ هذا الوجْهَ إلى ابْنِ سُريج، وضعَّفه الأَئِمةُ -رحمهم الله- مِنْ جهة أَنَّ فيه إحباطَ نِصْفِ دينارٍ على المالِكِ.
والثَّانِي: وبه قال المُزَنِيُّ وأَبُو إِسْحَاقَ، يُغَرَّمُ كلّ واحدٍ منهما خمسةً.
وذكر القاضي الرُّويانِي: أنه اختيارُ الفقهاءِ، ويوجه هذا بطريقين:
أَحدُهما: عن المُزَنِيُّ أنه يجب على كُلِّ واحدٍ منهما أَرْشُ جِرَاحتِه، وهو دينارٌ، لأنه نقصان تولد من جنايته 447 وما بقي وهو ثمانيةٌ تلف بسِرايةِ الجراحتيْنِ فيشترِكَانِ فيه.
وأظهرُهما: عن أَبي إِسْحَاقَ: أَنَّ على كُلِّ واحدٍ منهما نِصْفَ قِيمته يومَ جنايته، إذا صارت نَفْسًا، دخل أَرْشُها في بدل النفسِ، وكلُّ واحدِ منهما لم يضمن إلا نِصْفَ النفس، فلا يدخلُ فيه إلا نصف الأَرْشِ، ولا يدخل النصفُ الآخر فيما ضمنه الآخِذُ.
وكذلك لو قطع يَدَ رَجُلٍ؛ فسرى، دخل أَرْشُ اليَدِ في بَدَلِ النفْسِ، ولو قطعها ثم
الجزء: 12 - الصفحة: 47
قَتَلَهُ غيرُه، لم يدخل أَرْشُ اليدِ في بدلِ نَفْسٍ ضمنها الآخرُ، ثم يرجع الأول على الثاني بنصف أَرْشِ جنايته؛ لأنه جَنَى على النصفِ الذي ضمنه الأولُ، [وقومناه] 448 عليه قبل جِنَايَتِهِ، ومن غُرّم شَيْئًا بكمال قيمته، له أنْ يرجِعَ على مَنْ جَنَى عليه بما يُنْقِصُه؛ أَلاَ تَرَى أَنَّ مَنْ غَصَبَ ثَوْبًا، وجنى عليه آخرُ فخرقَهُ، ثم تَلِفَ الثوبُ، وضمن المالك الغاصب تمام القيمة، فإنه يرجِعُ على الجاني بأرْشِ التخرِيق، وإذا رجع عليه استقَرَّ على كُلِّ واحدٍ منهما خمسةٌ، وعلى هذا فالمالِكُ مُخَيّر في نِصْفِ دينارٍ بين أَن يأخذه من الأول أو الثاني.
ولو نقصت الجنايةُ الأُولَى ديناراً، والثانية دِينارَيْن، فعلى الأولِ أَرْبعةٌ ونصْفٌ، وعلى الثَّانِي خمسةٌ ونِصْفٌ.
أما على طريقة المُزَنِيُّ: فلأن على الأول أَرْشَ جِنايتهِ، وهو دِرْهَمٌ، ونصْفُ القيمة بعد الجنايَتَيْن وهو ثلاثة ونِصْف، وعلى الثاني أَرْش الجناية ديناران، ونِصْف القِيمة ثلاثة ونصف.
وأَمَّا على طريقَةِ أَبي إسحاقَ: فعلى الأَوَّلِ: نصْفُ قِيمة [يومَ] 449 جنايته، وهو خمسةٌ، ونصفُ أَرْشِ جِنايتِه، وهو نصفُ دِينارٍ، وعلى الثاني: نصفُ قِيمة يوم جنايته، وهو ثلاثةٌ ونصفٌ، ونصفُ أَرْش جنايتهِ وهو دِينارٌ، ثم يرجع الأول على الثاني بنصف أَرْشِ جنايته وهو دينارٌ 450، فيستقر على الأَوَّلِ أربعةٌ ونِصْفٌ، وعلى الثاني خمسةٌ ونِصْفٌ، ولو نقصت الجنايةُ الأُولَى دِينارَيْنِ، والثانية دِينارًا -انْعَكَس الحُكْمُ، فعلى الأولِ خَمْسةٌ ونِصْفٌ، وعلى الثاني أَرْبَعةٌ ونِصْفٌ، وعليكَ بتخْرِيجه على الطَّرِيقَيْنِ، وضعَّفوا هذا الوجهَ من وجهيْن:
أَحدُهما: أن فيه إفرادَ الأَرْشِ عن بدل النفْسِ، وهذا خلافُ الأصُولِ المُمهدَةَ.
والثَّانِي: أَنَّ فيه تسويةً بين الأَوَّلِ والثَّانِي، ومعلومٌ أن الأولَ جَنَى، وموردُ الجنايةِ يساوي عَشَرَةً، والثاني جنى وهو يساوي تِسْعَةً.
والثَّالِثُ: ونسبه الإمامُ إلى اختيار القفَّالِ، أنه يجبُ على الأول خمسةٌ ونِصْفٌ، وعلى الثَّانِي خمسةٌ؛ لأن جنايَةَ كُلِّ واحدٍ منهما [نقصت] 451 ديناراً، ثم سَرَتِ الجنايتانِ إلى الهَلاَكِ، والأَرْشُ يسقط إذا صارت الجناية نَفْساً، فيسقطُ نِصْفُ الأَرْشِ عن كُلِّ واحدٍ منهما؛ لأن الموجودَ منه نصفُ القتل، ويبقى النصفُ، واعترض عليه بأنَّ فيه زيادةَ الواجبِ عن المتلَفِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 48
وعن القَفَّالِ: أنه اعْتذر بأن الجنايَاتِ قد تنجر إلى إيجاب الزيادَةِ، كما إذا قطع يَدَيْ عَبْدٍ، وجاء آخرُ وقتله وأُجِيبَ عنهُ بأنَّ قاطعَ اليديْن 452 لَا شِرْكةَ له في القَتْلِ، والقتلُ يقطعَ أَثَرَ القتلِ ويقع موْقِع الاِنْدمَالِ وهاهنا بخلافِه.
والرّابعُ: عن أَبِي الطَّيِّب بْنِ سَلَمَةَ، أنه يجب على كُلِّ واحدٍ منهما نصفُ قيمتِهِ يومَ جِنَايَتِه، ولا يُعْتبر إلا نِصْفُ الأَرْشِ؛ كما ذكره أَبُو إِسْحَاقَ، ومَنْ قال بالوجهِ الثَّالِثِ، لكن لا يرجِعُ الأَوَّلُ على الثَّانِي، ولا يَزِيدُ الواجب على القيمةِ، بل يجمعُ ما يلزمهما تَقْدِيرًا وهو عشرةٌ ونِصْف، وتقسمُ القيمةُ وهي عَشَرَةٌ على العشرةِ والنِّصْفِ، ليبقى التفاوتُ مَرْعِيّاً بينهما، وذلك بأن يَبْسُطَها أنصافاً؛ فتكون إِحْدَى وعِشْرين، فيُوجب على الأولِ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءاً من وَاحدٍ وعِشْرينَ جُزْءاً مِنْ عَشَرَةٍ، وعلى الثاني؛ عشرةُ أَجْزاءٍ من أَحَدٍ وعِشْرين جُزْءاً من عَشَرةٍ، وفيه أيضاً إفرادُ أَرْشِ الجناية عن بدلِ النَّفْسِ.
والخَامِسُ: عن "صَاحِبِ التَّقْرِيبِ" وغيرِه، أنه يجِبُ على الأول خمسةٌ ونصْفٌ، وعلى الثاني أربعةٌ ونصْف؛ لأن الأولَ لو انفردَ بالجُرْحِ وسَرَى، لَأُلْزِمَ العشرةَ، ولا ينقطع عنه إلاَّ ما لزم الثانِي، والثاني إنَّما جَنَى على قِيمتِه تِسْعة، ولا يُغَرَّمُ إلا نِصْفَ التسعةِ، فما سِوَاه يبقى على الأَوَّلِ، هكذَا، روَجَّهَ الإمامُ ولم يجعلِ الزيادةَ أَرْشاً، ولكن قال: هو مُتَسَبِّبٌ إلى التفوِيتِ إِلاَّ فيما يعرض لالتزامه الثاني.
ومِنَ الأَصْحَابِ مَنْ جعل الزيادَةَ أَرْشاً.
وقال: يَصِيرُ الأَرْشُ في حَقِّ الأول دُونَ الثاني، فيجب عليه ما نقص بجِنَايتهِ، وهو دِينَارٌ ونصْفُ القيمةِ بعد ذلك، وهو أَرْبَعةٌ ونِصْفٌ، ولا يعتبر الأرشُ في حق الثاني، وفَرّقَ بينهما بأن جنايةَ الأولِ وَحْدَها نقصت الدينارَ، ثم جنايةُ الثاني، وسرايةُ جنايةِ الأول تعاونَتَا على تَفْويت الباقي، وَلَكَ أنْ تقولَ [قضيةٌ] 453 مَا تكرر في الوُجُوهِ ألاَّ يعتبرَ الأرشُ بتمامِهِ في حقِّه، بل يُعْتبر نصفُه؛ فيجب نصفُ دينارٍ؛ وهذا الوجهُ أَرْجَحُ عند الإِمام، ووافقه صاحبُ الكِتَاب، فقال: "وهُوَ الأَقْرَبُ" وإن كان لا يَنْفكُّ وجهٌ عن بُعد.
ووجهُ البُعْدِ في الأَرْبعة [الأولى] 454 قدِ انْدرج في خِلاَلِهَا.
وأَمَّا الخَامِسُ: فَمَنْ جعل للزيادَةِ أَرْشاً -فقد أَفْرد الأَرْشَ بالاعتبارِ.
وأَمَّا القولُ بأنه متَسَبَّبَ إلى التفويتِ -فهذا مُسَلَّم لوِ انْفرد، فأما إذا شاركه غيرُه، فقد خرج فِعْلُه عن أن يكون مُفَوِّتاً للكُلِّ، والنظر في القدْرِ الذي يُنْسب إليه من الفَائِت.
ووراءَ هذه الوجُوهِ وجهٌ سادِسٌ عن ابن خيرَانَ، واختاره "صاحبُ الإِفْصَاح",
الجزء: 12 - الصفحة: 49
وأطبق العِرَاقِيُّونَ على ترجيحه، وهو أنْ يجمع بين القِيمتَيْن، فيكون تِسْعَةَ عَشَر، ويقسم على هذا العدَدِ ما فوَّتَا عليه وهو عَشرَةٌ، فيكون على الأول عشرةُ أجْزاء مِنْ تِسْعةَ عَشَر جُزْءًا مِنْ عَشَرةٍ، وعلى الثاني تِسْعةٌ من تِسْعةَ عَشَر جزءًا من عشرة.
ويُقالُ بعبارةٍ أُخْرى: نصفُ القيمةِ يومَ الجنايةِ الأولَى خمسةٌ، ويومَ الجنايةِ الثانية أَرْبعةٌ ونصفٌ فيجمع بينهما، وتقسمُ العشرةُ على تسعةٍ ونصْفٍ: خَمْسةٌ منها على الأَوَّلِ، وأربعةٌ ونصفٌ على الثاني.
ولو كانَتِ الجناةُ ثَلاثَةٌ، فأَرْشُ كلِّ جنايةٍ دينارٌ، والقيمةُ عَشَرةٌ، كما مرَّ على طريقَةِ المُزَنِيُّ على كل واحد منهم أرشُ جنايته دِينارٌ، وثلثُ القيمةِ بعد الجناياتِ وهو [دِينَارَانِ] 455 وثلِثٌ، وعلى ما ذكره أَبُو إسحاقَ: يَسْقُطُ ثلثُ الأَرْشِ عن كلِّ واحدٍ منهم؛ فيكون على الأول [ثلثُ القيِمةِ] 456 يومَ جنايتهِ، وهو ثلاثةٌ وثُلثٌ، وثُلُثَا الأَرْشِ ثُلُثَا دينارٍ، فيجتمع عليه أَرْبعةٌ، وعلى الثاني: ثلثُ القِيمة يومَ جنايتهِ، وهو ثلاثةُ، وثُلُثَا الأرشِ ثُلُثَا دينار، فيجتَمِعُ عليه ثلاثة وثُلُثَانِ، وعلى الثَّالثِ ثلثُ القِيمَةِ يومَ جِنايتهِ وهو دينارانِ وثلثٌ وثُلثَا الأرشِ.
ثُلُثَا دينارٍ؛ فيجتمِحُ عليه ثلاثةٌ، ثم إن أخذ المالِكُ مِنْ كُلِّ واحدٍ منهم ثَلاثَةً وثلثاً -فقد وصل إلى حَقِّه، ولا تَرَاجَعٌ وإنْ أخذ مِنَ الأولِ أربعةً- رجع الأول على الثانِي بثُلثِ دينارٍ، وعلى الثالثِ بثُلثٍ، فيستقر على كُلِّ واحدٍ منهم ثَلاثةٌ وثُلُثٌ، وإنْ أخذ من الثَّانِي ثلاثَةً وثلثَيْنِ رجعَ الثَّانِي على الثَّالِثِ بثُلُثٍ، [فيستَوُونَ] 457 فيما غُرِّمُوا.
وعلى الوجهِ [الثالثِ] 458 يَجِبُ على الأول أربعةٌ: منها ثلاثةٌ وثلثٌ، هي ثلثُ القِيمة يومَ جِنايَتهِ، وثُلُثَا دينارٍ ثُلُثُ الأَرْشِ، وعلى الثاني ثلاثةٌ وثُلُثَان: ثلاثةٌ، منه ثُلُثُ القيمةِ يومَ جنايته، وثُلُثَ دينارٍ ثُلثُ الأَرْشِ، وعلى الثالث ثلاثةٌ: منها دِينارَانِ وثلثٌ هي ثلثُ القيمةِ، وثُلُثَا دينارٍ ثُلُثَا الأَرْشِ والمبلغُ عشرةٌ وثلثانِ.
وعلى الوجهِ الرَّابعِ تُوَزَّعُ العشرةُ على عَشرَةٍ وثُلُثَيْنِ.
وعلى الخامِسِ يجبُ على الأول أرشُ جنايتهِ دينارٌ 459، والثانِي مِنَ الثلاثَةِ، فيكون على الأول أربعةٌ وثلثٌ، وعلى كُلِّ واحدٍ من الآخريْنِ ثلاثةٌ وثلثٌ.
وعلى السَّادِسِ: يُجْمع بين القِيَم وهي عشرةٌ، وتسعةٌ وثمانِيةٌ، فالجملةُ سبعةٌ وعِشْرُونَ تَنْقَسِمُ العشرةُ عليها.
الجزء: 12 - الصفحة: 50
ولو صدرت إِحْدَى الجراحَتَيْنِ على الصَّيْدِ المملوكِ، أو على العَبْد مِنْ مَالِكِه، والأُخْرَى من أجْنَبِي، فينظر في جِرَاحَةِ المالك: أَهِي الأُولَى أو الثانيةُ؟ ويُخرَّجُ على الاختلافاتِ المذكورَةِ، فتسقط حِصةُ المالِك، وتجب حصةُ الأَجْنبي.
وعن القاضي أَبِي حَامِدٍ 460 أَنَّ الجوابَ المذكورَ في الجِنَايَتَيْنِ على العَبْدِ مَوْضِعُه ما إذا لم يكن للجنايةِ أرْشٌ مُقَدَّرٌ، فأما الجِنَايَات التي لها أرشٌ مقدر، فليس العبدُ فيها كالبَهِيمةِ والصَّيْدِ المملُوكِ، حتى لو جنى على عبدِ غَيْرِه جنايةً.
ليس لها أرشٌ مُقدَّرٌ، وقيمةُ العبدِ مائةٌ فنقصت الجنايةُ عَشَرةً، ثم جنى آخرُ جنايةً لا أَرْشَ لها، فنقصت عشرةً أيضاً، ومات العبْدُ منهما، فعلى الأول خمسةٌ وخَمْسُونَ، وعلى الثاني خمسةٌ يدفع منها خمسةً إلى الأَوَّلِ، وهذا هو الذي نسباهُ إِلَى إِسْحاقَ، وهو اختيارُ القَاضِي.
قال ولو قطع كُلُّ واحدٍ منهما يَداً، والقيمةُ والنقصانُ كما صوَّرنَا، فعلى الأولِ نصفُ أرشِ اليدِ، وهو خمسةٌ وعِشْرون ونِصْفُ قيمتهِ يومَ الجنايَةِ وهو خَمْسُونَ، وعلى الثاني نِصْفُ أَرْشِ اليَدِ خمسةٌ وعِشْرون، ونصف القيمةِ يومَ جِنايتهِ وهو أربعون تبلغ الجملةُ مائةً وأرْبعِينَ، ويكون الكُلُّ لِلسَّيِّدِ، ولا يصرفُ إِلَى الأَوَّلِ شَيْءٌ؛ لأن [في الجناياتِ] 461 التي لها أَرْشٌ مقدَّرٌ يجوز أنْ يَزِيدَ الواجِبُ على قيمةِ العَبْدِ كما لو قطع إِحْدَى يديْهِ، وجاء آخرُ، وقتله.
إذا تقرر ذلك، فنعود إلى مَسْألةِ الصَّيْدِ ونقولُ: إذا جرح الثاني جراحةً غيرَ مُذَفِّفةٍ ومات الصيْدُ من الجِرَاحَتَيْنِ، فيُنظر: إن مات قبل أَنْ يدرِكَه الأولُ، أو قبل أن يتمكَّنَ مِنْ ذَبْحِه؛ فعلى الثاني تمامُ قِيمته مزمنًا؛ لأنه صار حَرَاماً ومَيْتَةً بفعْلِه، ويخالف ما إذا جرحَ شاةَ نفْسِه، وجرحها آخرُ فتلِفَتْ حيثُ لا يجب على الثاني إِلاَّ نصفُ القِيمة؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ من الجُرحَيْنِ هناك محرَّمٌ، والإفسادُ هناك حصل بهما جميعاً، وهاهنا فعل الأولِ اكتسابٌ وإصلاحٌ [وذكاةُ] 462 ثم قضية ما أَطْلقُوه أَنْ يُقالَ: إذا كان الصيدُ يساوِي غيرَ مُزمِنٍ عشرة ومُزْمن تِسْعة، يجب على الثاني تِسْعَةٌ.
واستدركَ "صاحِبُ التقريب" فقال: فعل الأَوَّلِ وإنْ لم يكن إِفْسَادًا فهو مُؤَثِّرٌ في الذَّبْحِ وحصُولِ الزهوقِ، لا محالةَ.
فينبغي أَنْ يعتبر في الإفسادِ حتى يُقالَ: إذا كان غيرَ مُزْمن يساوي عشرةً ومُزْمناً يساوي تسعةً، ومَذْبُوحًا ثمانيةً يلزمه الثمانيةُ والدِّرْهمُ الآخرُ أثَّر في فواتِه الفِعلان جميعاً، فينبغي أَنْ يوزَّع عليهما، حتى يهدر نِصْفَه، ويجب نصفُه مع الثمانية.
الجزء: 12 - الصفحة: 51
قال الإمامُ: وللنظر في [هذا مجالٌ و] 463 يجوز أن يُقالَ: المفسِدُ يقطعُ أثرَ فِعْلِ الأول، مِنْ كل وَجْهٍ.
والأَصَحُّ: ما ذكره "صاحبُ التقرِيبِ".
وإنْ أَدْركَه وتمكَّن من ذَبْحه، نُظِرَ، إنْ ذبحه، فعلى الثَّانِي أرشُ جِرَاحَتِه، وإن حدث منه نقْصٌ، وإنْ لم يذبحْهُ، وتركه حَتَّى ماتَ ففِيه وَجْهانِ:
أَحدُهما: لا يجبُ على الثاني شَيْءٌ سِوَى أَرْشُ جرحته؛ لأن الأولِ صارَ مُقَصِّرًا، حتى تمكن مِنَ الذَّبْحِ فلم يذبحْ.
وأَصَحُّهما: أَنَّ الضَّمَانَ على الثَّانِي لا يقتصر على أرشِ الجرَاحَةِ ولا فَرْقَ بين أَنْ يموتَ الصيدُ في يده، أو قبل أن يَقْدِرَ عليه ويتمكّنَ من ذَبْحه؛ لأَن غايةَ ما فيه أنه امتنع مِنْ تَدَارُكِ ما تعرَّضَ للفساد بجناية الجانِي مع إمْكان [التدارُكِ] 464، وأنه لا يسقطُ الضمانُ، كما لو جرحَ جارحٌ شاتَه، فلم يذبَحْها [فَماتت] 465، مع التمكُّنِ منه لا يَسْقُطُ الضمانُ، وعلى هذا فوجهان:
أَحدُهما: وبه قال الإصْطَخْرِيُّ: أنه يضمن كمالَ قِيمته مُزْمنًا أيضاً، كما لو ذفف بخلاف ما إذا جرحَ عبدَهَ أو شاتَه، وجرحه غيرُه؛ لأن كُلِّ واحدٍ من الفَعْلين هناك إفسادٌ، والتحريمُ حصل بهما، وهاهنا الأولُ إصلاحٌ واكتسابٌ، والفسادِ جاء من الثاني.
وأَظْهرُهما: وبه قال أكثرُ الأَصْحَاب: إنه لا يضمن كمالَ القِيمة، بل هو كما لو جرحَ عبدَه [وجرحه] 466 غيرُه؛ لأنَّ الموتَ حصل بفعْلِهما، وكل وَاحدٍ من الفِعْلَيْن إفسادٌ.
أما الثاني: فظاهِرٌ.
وأَمَّا الأولُ: فلأنَّ تركَ الذَّبْحِ بعد التمكن يجعل الجرْحَ وسرايته إفسادًا، ولذلك لو لم يوجد الجرحُ الثاني.
وترك الذبح -كان الصيد ميتةً.
فعلى هذا تَجِيءُ الوجوهُ المذكورةُ في كَيْفِيَّةِ التوزيع على الجرحَيْن: فما هو حصةُ الأوَّلِ تسقط وما هو حصةُ الثانِي تجب.
وأما لفظُ الكتابِ فقولُه: "وإنْ كانَ الثَّانِي مذفِّفاً فهو له" يعني ولم يكن الأول مُزْمنًا، ولا يحتاج إلى أن يقولَ ولا مذفِّفاً، فإنه لو كان الأولُ مُذَفِّفاً لم يكن الثاني مذفِّفاً.
وقولُه: "إِلاَّ أَنْ يُصِيبَ المذْبَحَ" يجوزُ أَنْ يُعْلَمَ بالواوِ [لتردُّدِ] 467 الإمامِ فيما إذا
الجزء: 12 - الصفحة: 52
رَمَى إلى الحيَوانِ المقدُورِ عليه، فأصاب المذْبَحَ اتفاقاً.
وفي قولِه: "فهو مَيْتَةٌ إلا أَنْ يُصِيب المذْبَحِ" ما يغني عن قوله بعده: "وإنْ لَمْ يُصِبِ المذْبَحِ فهو ميتةٌ".
ولو قال: "فهو ميتةٌ، وعليه قِيمتُه للأول إلا أن يصيب المذبح" لكان أَحْسَنَ.
وقولُه: وعليه قِيمتُه -أَيْ: مُزْمناً.
وقولُه: "ففي قَدْرِ الضمانِ خِلاَفٌ" -أَيْ: طرِيقَانِ [وهما المذكورَانِ] 468 آخِرًا بعد حكايةِ الوجْهين 469 في جِرَاحَتَي العَبْدِ، حيثُ قال: "فقِيلَ: مسألةُ الصيْدِ كمسألةِ السير مع الأَجْنبي، وقِيلَ: بل يجب جميعُ القِيمةِ على الثاني".
[وقولُهُ: "وهذا إنما يَتّجِهُ إذا كان جرحه" أي جرح الأول] 470.
وقولُه: "إذ لم يمكن الظفر به" -أَيْ: لم يمكِنْه- والمقصودُ أن إِيجابَ جَمِيع القيمة على الثاني، إنما يتوجَّهُ إذا لم يتمكَّنِ الأولُ مِنْ ذَبْحه، فإنْ تمكَّنَ من ذَبْحِه، ولم يَذْبَحْه -فهو كصُورَةِ الصيد مع الأَجْنبي.
قال الغَزَالِيُّ: (الحَالَةُ الثَّانِيَةُ) أَنْ يُصِيبَا مَعًا فَهُوَ لَهُمَا إِنْ تَسَاوَى جُرْحُهُمَا* وَإِنْ كَانَ أحَدُهُمَا مُزْمِنًا أَوْ مُذَفَّفاً دُونَ الآخَرَ فَهُوَ لَهُ وَلاَ ضَمَانَ عَلَى الآخَرِ* وَإنِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ الإِزْمَانُ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا* وَيُسْتَحَبُّ الاسْتِحْلاَلُ منَ الجَانِبَيْنِ لِلشُّبْهَةِ (الحَالَةُ الثَّالِثَةُ) لَوْ عَلِمْنَا أَنَّ أَحَدَهُمَا مُذَفَّفٌ وَشَكَكْنَا في الأخَرِ فَالنِّصْفُ مُسَلَّمٌ لِلمُذَفَّفِ وَالنِّصْفُ الآخَرُ مَوْقُوفٌ إلَى التَّصَالُحِ* وَقِيلَ: إنَّ الكُلَّ بَيْنَهُمَا بَالسَّوِيَّةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا وقع الجُرْحَانِ معاً نُظِرَ إن تساويا في سبب الملك، فالصيد بينهما، وذلك بأن يكُونَ كُلُّ واحدٍ منهما مُذفّفًا، لو انفرد أو مُزْمِنًا لو انفرد، وكذا لو كان أحدُهما مُزْمناً، لو انفرد بأنْ كسر الجناحَ، والآخر مذفّفاً لو انفرد؛ لأن كُلَّ واحدٍ من المعنيين يثبت المِلْكَ، وإذا قتلا بجِرَاحَتَيْهِما معاً، فلا فَرْقَ بين أن يتفاوتَ الجراحتانِ صِغَرًا وكبرًا أو يَتَساوَيَا, ولا بين أَنْ يَكُونَا في المَذْبَحِ أو إحداهما في المذْبحِ دُون الأُخْرَى.
وإن كانَ أحدُ الجُرْحَيْن مُذفّفاً أو مُزْمِناً لو انفردَ، والآخر غير مُؤَثِّر، فالصيدُ لمن جرحَهُ مذفْفٌ أو مُزْمنٌ ولا ضمان على الثاني؛ لأَنَّهُ لم يجرح مِلْكَ الغَيْرِ، وإن احْتَمل أن يكون الإنصافُ بهما، واحتمل أن يكون 471 بأحدِهما.
فالصيدُ بينهما في ظَاهِرِ الحُكْمِ، ويَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحِلَّ أَحدُهما من الآخر تورُّعًا عن مَظَنَّةِ الشُّبْهَةِ وإِنْ علمنا أَنَّ
الجزء: 12 - الصفحة: 53
أَحَدَهُمَا مُذفّفٌ، وشَكَكْنَا في أَنَّ الآخرَ هل له أثرٌ في الإِزمان والتذفِيفِ؟
فيحكي عَنِ القفَّالِ: أَنَّ الصيدَ بينهما، وأنه ألزم على هذا إذا جرح [رجلاً] 472 جِراحَةً مُذَفّفةً، وجرحه آخرُ جراحةً لا يُدْرَي: هل هي مُذَفّفة؟ وإن تَلِفَ، فقال: يجبُ القِصَاصُ قال الإمامُ: وهذا بَعِيدٌ، والوجهُ تَخْصِيصُ القِصَاصِ بصاحب الجراحةِ المذفِّفَةِ، وفي الصَّيْدِ يُسَلَّمُ نِصْفُه لمن جُرْحُهُ مُذفِّف، والثاني يوقف بينهم إلى التَّصَالُحِ أو [يَتَبيَّنُ] 473 الحالُ، فإن لم يتوقَّع [بيانٌ] 474 فيجعل النصف الآخر بينهما نِصْفَين، فيخلص للأول ثلاثةُ أَرْبَاعِه، ونَظْمُ الكتابِ يَقْتَضِي ترجِيحَ هذا الوجْهِ وَاخْتيَارَه.
وقولُه: "وقِيلَ: إِنَّ الكُلَّ بينهما بالسَّوِيَّةِ"، وهو المحْكِيُّ عن القفَّالِ.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا إِذَا ذُفّفَ أَحَدُهُمَا وَأَزْمَنَ الآخَرُ وَلَمْ يُدْرَ السَّابِقُ فَهُوَ حَرَامٌ، لاِحْتِمَالِ كَوْنِ التَّذْفِيفِ قَاتِلاً بَعْدَ الإِزْمَانِ* وَقِيلَ: هُوَ كَمَسألة الإِنْمَاءِ.
قال الرَّافِعِيُّ: رُبَّما نجد في النسخ "الحالةَ الثالِثَةَ: إذا ذُفّفَ"، وكذا بعد هذا الفصْل "والحالةُ الرابعَةُ لو ترتب الجُرْحَانِ" اتباعاً لما في "الوَسِيط"، فإن أُثْبِتَ اللفظانِ فذاك، وهو مُوَافِقٌ؛ لقوله في أول الفصْلِ الثاني وله أحوالٌ، وإلاَّ فليبدل الأحوال بالحالَتَيْن، وإحْدَى الحالَتَيْن الترتيبُ، والأُخْرَى المعِيَّة، والصُّوَرُ لا تَخْرُجُ عنهما.
وأما الفِقْهُ، فإذا ترتب الجرحانِ، وأَحَدُهما مُزْمِنٌ، لو انفرد، والآخرُ مُذَفّفٌ وارِدٌ على المَذْبَح، ولم يُعْرَفِ السابقُ مِنْهُمَا، فالصيدُ حَلاَلٌ، فلوِ اخْتَلَفَا فقال كُلُّ واحدٍ: أنا جرحتُ أَوَّلَاً وأَزْمَنْتُ، فالصيدُ لِي، فلِكُلِّ واحدٍ منهما تحليفُ الآخرِ، وإنْ حلفَا فالصيدُ بينهما, ولا شَيْءَ لأحدِهمَا على الآخرِ.
وإن حلفَ أَحدُهما دُونَ الآخَرِ، فالصيدُ للحالفِ، وعلى النَّاكِلِ أرشُ ما نقص بالذبح.
ولو تَرَتَّبَا وأحدُهما مُزْمِنٌ لو انفرد، والآخر مذفِّفٌ في غير المذبح، ولم يُعْرَفِ السابقُ منهما ففيه طَرِيقَانِ:
أَظْهرُهما: وهو الذي أورده في "التهذيب" أن الصيدَ حرامٌ [لأنه يحتمل أن يكون الإزمانُ سَابِقًا والتَّذْفِيفُ حَاصِلٌ] 475 بعده، وإذا حصل الإزمَانُ، فلا بُدَّ من قَطْعِ الحُلْقُومِ، والمَرِيءِ.
والثَّانِي: أَنَّ فيه قَوْلَيْن كالقولَيْنِ في مَسْأَلةِ الإِنْمَاءِ: وهي أن يَغِيبَ الصيدُ عنه بعدَمَا جرحه، ثم يجِدُه مَيْتًا، وقد ذكرنا من قبل.
الجزء: 12 - الصفحة: 54
ووجه الشبه: احتمالُ قيامِ الحالَةِ المُحِلّة، والحالةِ المُحرّمةِ في الصورتَيْن.
ومَنْ قال بالأولِ، قال: هناك وقد وُجِد جَرحٌ يُحالُ عليه الموتُ وهو مَعْهودٌ في القِصَصِ وغيرِه، وهاهنا بخلافِه.
ولو اختلفا فقال كُلُّ واحدٍ منهما للآخر: أَنَا أَزْمَنْتُه أَوّلاً، وأَنْتَ أَفْسَدْتُه بجراحَتِك، فعليك قِيمةُ الصيْدِ، فلكل واحدٍ منهما تحلِيفُ الآخرِ، فإن حلف أَحدُهما دُونَ الآخر ثبت على النَاكِلِ قيمته مُزْمناً.
ولو قال الذي جَرَحَهُ أَوَّلاً أنا أَزْمَنْتُه بجراحتي، ثم أفسدتَهُ بقتلِك فعليك القيمةُ.
وقال الثَّانِي: لم تُزْمِنْه أنت، بل كان على امْتِنَاعِه إلى أَنْ رَمَيْتُ فأزمنْتُه، أو دَفَّفْتُ، فإنِ اتَّفَقَا على عينِ جراحةِ الأولِ، وعلمنا أنه لا يَبْقَى الامتناعُ معها، كَكَسْر جَنَاحُ الطائِرِ، وقَطْع الرجْل ممن يمتنع عدْوه، فالقولُ قولُ الأَوَّلِ بلا يمِينٍ، وإلاَّ فالقولُ قولُ الثَّانِي؛ لأن الأَصْلَ بقاءَ الامتناعِ، فإنْ حلف فالصيدُ له، ولا شيءَ على الأوَّلِ؛ لأنه كان مُبَاحًا حِينَ جَرَحَهُ، فإن نكل حلف الأول، واستحقَّ قيمته مَجْرُوحًا بالجراحة الأُولَى، ولا يحِلُّ الصيد؛ للأول لأنه مَيْتَةٌ بقوله: وهل للثاني أَكْلُه؟ فيه وجهان:
قال القاضي الطَّبَرِيُّ: لاَ؛ لأن إلزامَ القِيمة عليه حُكْمٌ بأنه مَيْتَةٌ.
وقيل: نَعَمْ.
لأن النُّكُولَ في خُصُومَةِ الآدمي لا يغيِّرُ الحكْمِ في الباطن بينه وبين الله تعالى.
ولو علمنا أَنَّ الجراحةَ المذفَّفة سابقةٌ على الأُخْرى التي لو انفردَتْ لكانت مُزْمِنةً، فالصيدُ حلاَلٌ، فإن قال كلُّ واحدٍ منهما: أنا ذَفَّفْتُه، فلكُلِّ واحدٍ منهما تحلِيفُ الآخر، فإِنْ حلفَا فهو بينهما، وإن حلف أَحدُهما فالصيدُ له، وعلى الآخِر ضمانُ ما نَقَص، إِنْ حدث نقصٌ.
واعلَمْ أنَّ الشافِعِيُّ -رضي الله عنه- قال في المُخْتَصر: ولو رماه الأولُ، ورماه الثاني، ولم نَدْرِ أبلغَ به الأولُ أنْ يكون مُمْتَنِعًا أو غيرَ مُمْتنعٍ، جعلناه بينهما نِصْفَيْن، وَاعْتُرِض عليه: بأن هذا الصيدَ ينبغي أن يُحَرَّمَ؛ لأنه اجتمِع فيه ما يقتضي الإباحةَ، وما يقتضي التحريمَ فلْيغَلَّبِ التَّحْرِيمُ، وبتقدير أَنْ يكونَ حَلاَلاً، فلا يَنْبَغِي أَنْ يكونَ بينهما، لأنه إنْ أثبته [الأوَّلُ فهو للأول وإن أثبته] 476 الثانِي، فهو لِلثَّانِي، واختلف في الجَواب، فقِيل: النصُّ محمولٌ على ما إذا أصاب المَذْبحِ، فيحلّ سواءٌ أصاب الأولُ أو الثَّاني، أو على ما إذا رمياه ولم يَمْتِ الصيدُ، ثم أدركه أحدُهما وذَكَّاهُ، ثم اختلفا فِيه، وإنما يكونُ بينهما؛ لأنه في أَيْدِيهما، وقد يُجْعلُ الشيءُ بينَ اثْنيْنِ، وإن كُنَّا نعلم في الباطِن أنه إِمَّا
الجزء: 12 - الصفحة: 55
لهذا أو لذاك كما إذا مات عن ابْنَيْنِ مُسْلِمٌ ونَصْرَانِيٌّ، وادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنه مات على دِينهِ، وأخذ أبُو إسْحَاقَ بظاهِرِ النّصِّ، وقال: إذا رَمَياهُ وماتَ الصيدُ، ولم يُدْرَ: هل أَثْبَتهُ الأَوَّلُ بسهْمِه؟ يَجعلُ بينهم لأن الأَصْلَ أنه لم يُثْبته، ويبقى علَى امْتِنَاعه إلى أن [عقره] 477 الثاني، فيكُونُ عقرُه ذكاةً له، ويكون بينهما لاِحْتمالِ الإثباتِ من الأولِ، ومن الثاني ولا مَزِيَّةَ لأحدِهما على الآخر 478.
وقِيل: في حلِّه قَوْلاَنِ، كما في مسألة الإِنماء.
قال الغَزَالِيُّ: (الحَالَةُ الرَّابِعَة) وَلَوْ تَرَتَّبَ الجُرْحَانِ وَحَصَلَ الإزْمَانُ بِمَجْمُوعِهِمَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا* وَقِيلَ: إِنَّهُ لِلثَّانِي* فَعَلَى هَذَا لَوْ عَادَ الأَوَّل وَجَرَحَهُ ثَانِياً فَجِرَاحَتُهُ الأَولَى هَدَرٌ وَهَذَا مَضْمُونٌ* فَإنْ مَاتَ بِالجِرَاحَاتِ الثَّلاَثِ وَجَبَ عَلَيْهِ قيمَةُ الصَّيْد وَبِهِ جِرَاحَةُ الهَدَرِ وجراحة المَالِكِ* وَقِيلَ: علَيْهِ ثلُثُ القِيمَةِ* وَقِيلَ رُبُعُ القِيمَةِ.
قال الرَّافِعِي: إذا ترتب الجُرْحَانِ، وحصل الإزمانُ بمجموعهما فكلَ واحدٍ منهما بحيث لو انفرد لم يُزْمِنْ، فلمن يكون الصيدُ؟ فيه وجهان:
أَحدُهما: أنه يكونُ بينهما؛ لأن سبَبَ المِلْكِ حصل بفعْلِهمَا.
وقد يُسَمَّى هذا قولاً مخرجًا.
والثاني: أنه للثاني؛ لأن الإزمانَ حصل عَقِيب فِعْله، ولإصابةُ حصلت، والمُرْمَى إليه صيدٌ مباحٌ [فيبطل] 479 أثر الجراحةِ الأُولَى، ويصير صاحِبُها كالمُعِين للثاني، والإعانةُ لا تقتضي الشِرْكَةَ، ولذلك لو أَرسلَ كَلْبًا إلى صيدٍ، فصرف إنسانٌ الصيدَ إلى الكلْبِ، أو ضَيَّقَ عليه الطرِيقَ، حتى أَدْركه الكلبُ، يكون الصيدُ للمُرْسِلِ، ومال الإِمامُ إلى الوجْهِ الأول، ونظمُ الكتابِ يُشْعر بترجيحه أيضاً، لكنَّ المذهبَ الظاهِرَ على ما ذكره الجمهورُ هو الثَّانِي.
وفيما عُلِّقَ عن أَبِي بَكْر الطُّوسِي بناءُ الوجْهين على الخلاف المذكور، فيما إذا كانت عنده صَغِيرتَانِ، فارضعت امرأةٌ إِحْدَاهُما، ثم الأُخْرى، يندفعُ نِكَاحُها جَمِيعًا إذا أرضعت الثانيةَ، أو لا يندفِعُ نكاح الثانيةِ؛ إِنِ انْدفع نِكَاحُها، فالصيدُ بينهما، وإلاَّ فهو للثاني، وإذا قُلْنَا: إنه للثاني أو كان الجرحُ الثاني مزْمناً لو انفرد، ولم يكن للثاني أَثَرٌ
الجزء: 12 - الصفحة: 56
فِيه، فلا شَيْءَ على الأول بجُرحِه، فلو عاد بعد إِزْمانِ الثاني وجرحَهُ جرَاحَةً أخْرَى، نُظِرَ؛ إِنْ أَصَابَ المذْبَحِ فهو حلالٌ، وعليه للثاني مَا انْتَقَص من قِيمتَه بالذَّبْح، وإلاَّ حَرُمَ الصيدُ، وعليه إنْ ذَفّفَ قيمته مَجْروحًا بجراحته الأُولَى، وبجراحة الثَّانِي، وكذا إِنْ لم يذفِّفْ، ولم يتمكن الأَولُ مِنْ ذَبْحه، وإنْ لم يُمَكَّن وتركَ الذَّبْحَ -عاد الخِلاَفُ السابق.
فعلى أحدِ الوجْهين: ليس على الأَوَّلِ إلاَّ أَرْشُ الجراحةِ الثانية لتقْصِيرِ المالِكِ.
وعلى أَصَحِّهما: لا يَقْتَضِي الضمانَ عليه.
وعلى هذا فعن "صَاحِب الإِفْصَاحِ" وجهٌ؛ أن عليه نِصْفَ القِيمَةِ، وخرّج المخرِّجُونَ الصُّورَ على الخِلاَفِ المذكَورَ فِيمَا إذا جَرَحَ عَبْدًا مُرتَدًّا، فأسلمَ فجرحه سيِّدُه، ثم عاد الأول وجرحه جراحة أُخْرَى، ومات مِنْهما، وفيما يلزم وجهان:
أحدُهما: ثُلُثُ الدِّيَة؛ [لأن الموتَ حَصَلَ بثلاثِ جنَايَاتِ إِحْدَاها مَضْمُونةٌ، وعلى هذا فهاهنا يجب ثُلُث الْقِيمة] 480.
والثَّانِي: وبه قال القَفَّالُ رُبْعُ الدِّيَةِ؛ لأن الأَرْشَ عند تعدد الجَانِي يوزع على عَدَدِ الرؤوسِ بالحصص ثم ما يخصُّ الواحِدَ يُوزع على حالتِي الضمَانِ والإِهْدَارِ، فعلى هذا يجبُ هاهنا رُبْعُ القِيمَةِ، وعن "صَاحِب التقريبِ": أنه تعودُ في التوزِيع الطرق المذكورَةُ في المسألة [الطويلة الذَّيْلِ] 481 ونَظْمُ الكتاب يَقْتَضِي تَرْجِيحَ الوجْهِ الذاهِب إلى وُجُوبِ تمام القِيمَةِ، والظَّاهِرُ التوزيعُ كما مرَّ، وهذه صورةٌ تدخل في البابِ نُورِدُهاَ مَنْثُورةً.
الاعتبارُ في التَّرْتيبِ والمعِيَّةِ بالإصابةِ لا بِابْتِدَاءِ الرَّمْيِ.
الأولى وقع بَعِيرَانِ في بِئْرٍ احدُهما فَوْقَ الآخِر، فطُعِنَ [الأَعْلَى] 482 ومات الأَسْفَلُ بِثقَلِه فهو حرامٌ، وإن نَفَذَتِ الطَعنةُ فأصابَتْهُ أيضاً -حَلّ، وإن شَكّ في أنّه مات بالثِّقَلِ أو بالطَّعْنَةِ النافِذَةِ، وقد علم أنها أصابَتْه قبل مُفَارَقَةِ الرَّوحِ -حَلَّ؛ كالصيدِ يُصِيبه السهمُ في الهواءِ ثم يَقَعُ على الأَرْضِ، وإن شك في أنها أصابَتْهُ بعد مُفَارَقة الرُّوحِ أو قبلها:
قال "صَاحِبُ التهذِيب" في "الفَتَاوَى": يحتمل وَجْهيْن بناء على أن العبْدَ الغائِبَ المنقطع خبره: هل يجوزُ إعَتاقُه عن الكفَّارة؟
الثانية رمى إلى غيْرِ مَقْدُورٍ عليه، فصار مَقدُورًا عليه، ثم أصاب غيرَ المذْبَحِ لم يحلَّ المَرْمِيُّ، ولو رَمَى إلى مَقْدُورٍ عليه، فصار غيرَ مَقْدُورٍ عليه، فأصاب مَذْبَحُه يَحِلّ.
الثالثة ولو أرسل سَهْمَيْن، فأصابَا مَعًا حلَّ، وإن أصاب أَحدُهما بعد الآخَرِ، فإن
الجزء: 12 - الصفحة: 57
أَزْمَنَه الأولُ، ولم يصب الثاني المذْبَح لم يحلَّ، وإن أصابه -حَلَّ، وإن لم يُزْمِنه الأول وقتله الثاني-حَلّ.
وكذا لو أرسل كلْبَيْنِ فأزمنه الأولُ، وقتله الثاني لم يَحِلَّ، قطعَ المذْبَح أو لم يقطع، وكذا لو أَرْسَلَ سَهْمًا وكَلْباً، إنْ أَزْمَنه السهمُ، ثم أصابه الكَلْبُ لم يحِلّ، وإنْ أَزْمنه الكلبُ ثم أصاب السهمُ المذبحَ -حلّ.
الرابعةُ صَيْدٌ دخل في دَارِ إنسانٍ وقلنا: "الصحيحُ أنه لا يملِكُه، فاغلق أَجْنبيٌّ البابَ لا يملكه صاحِبُ الدارِ ولا الأَجْنبِيُّ.
أما صاحبُ الدارِ، فلأنه لم يَقْصِدْ، والأجنبيُّ مُتَعدٍّ لم يحصل الصيد في مِلْكه، بخلاف ما إذا غَصَبَ شبكةً واصْطادَ بها.
الخامسة لو أخذ الكلْبُ المُعَلَّمُ صَيْدًا بغيرِ إرْسالٍ ثم أخذه غيرُه مِنْ فَمِه، ملكه الآخِذُ على الصَّحِيح، كما لو أخذَ فَرْخَ الطائِر من شجرته، وغيرُ المعلَّمِ إذا أرسله صاحبُه فأخذ صَيْدًا، فأخذه غيرُه مِنْ فِيهِ وهو حَيٌّ -وجب أنْ يكُونَ للمرْسِلِ، ويُجْعلُ إرسالُه كنصْبِ شبكةٍ تعقَّل الصيدُ بها، ويحتمل خلافه؛ لأن للكلْب اختيارًا.
السادسة إذا تعقَّل الصيدُ بالشبكةِ، ثم قلع الشبكةَ [وذهب بها،] 483 فأخذه إنسانٌ نُظِرَ؛ إنْ كان يَعْدُو ويمتنعُ مع الشبكة -ملكَهُ الآخِذُ، وإن كان ثقلُ الشبكةِ يُبْطل امتناعَه، بحيث يتيسر أخذه فهو لصاحِبِ الشبكةِ لا يملكُه غيرُه.
السابعة ذكر القاضي ابنُ كجٍّ: فيما إذا أرسل كلْبَه، فحبس صَيْدًا، فلما انتهى إليه أفلتَ الصَّيْدُ -وَجْهَيْنِ، في أَنَّهُ هل يملكه من أخذه أو هو مِلْكُ الأول بالحبْسِ 484؟
الثامنة وأنه إذا أقام بَيِّنَةً على أنه اصطاد الصيدَ، وأقام الآخر بينةً على أنه اصطادَهُ، ففيه الخِلافُ المشهور في تَعَارُضِ البَيِّنتيْنِ.
التاسعة وأنه لو كان في يَدِ رجُلٍ صيدٌ، فقال الآخر: أنا اصْطَدْتُ هذا الصيدَ، فقال صاحِبُ اليَدِ: لا عِلْم لي بذلك -لم يقنع منه بهذا الجوابِ، بل إِمَّا أنْ يَدَّعِيه لِنَفْسِه، أو يسلمه إلى مدعيه 485 والله أعلم.
الجزء: 12 - الصفحة: 58
(كِتَابُ الضَّحَايَا)
قال الغَزَالِيُّ: وَالضَّحِيَّةُ سُنَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ إِلاَّ إِذَا نَذَرَ أَوْ قَال: جَعَلْتُ هَذِهِ الشَّاةَ ضَحِيَّةً* وَمُجَرَّدُ الشِّرَاءِ بِنِيَّةِ الضَّحِيَّةِ لاَ يَلْزَمُ* وَالنَّظَرُ فِي أَحْكَامِهَا وَأَرْكَانِهَا (الأَوَّلُ فِي الأَرْكَانِ) وَهِيَ أَرْبَعَة
ٌ: (الرُّكْنُ الأَوَّلُ: الذَّبِيحُ)
وَهُوَ النَّعَمُ فَقَطْ* وَلاَ يُجْزِئُ مِنَ الضَّأَنْ إِلاَّ الَّتِي فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ* وَمِنَ المَعْزِ إِلاَّ الَّتِي فِي الثَّالِثَةِ* وَكَذَا مِنَ البَقَرِ وَمِنَ الإِبِلِ إِلاَّ فِي السَّادِسَةِ* وَيُجْزِئُ الذَّكَرُ وَالأُنْثَى.
قال الرَّافِعِيُّ: الضحايا جمع ضَحِيَّةً كهَدِيَّة وهَدَايَا، وهي التي يُضَحَّى بها من النَّعَمِ ويقال لها: أضْحِيَةٌ، والجمعُ أَضَاحِي، وأَضَاحٍ، وأَضْحاةٌ أيضًا والجمعُ أضحى بالتنوِين كأرطأة أرطى وبها 486 سُمِّيَ يومَ الأَضْحَى وذكر أن جميع ذلك مأخوذٌ من وَقْتِ التَّضْحِيَةِ، وهو ضَحْوةُ النهار.
والتَّضْحِيةُ: سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ، وشعارٌ لا ينبغي لمن قَدَرَ عليها أن يتركها؛ قال الله تعالى؛ ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2] قِيل أَيْ: صَلِّ صلاةَ الْعِيد، وانْحَرْ نُسُكَك.
وعن أنسٍ -رضي الله عنه- أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- "كان يُضَحِي بكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أمْلَحَيْنِ" 487.
والأَقرنُ: ذُو القَرْنِ، والأَمْلَحُ: الذي فيه سوادٌ وبياضٌ، وبياضُه أغلبُ.
وقِيل: الذي يخالط بياضَه 488 عُقْرةٌ.
وقيل: الأَبْيَضُ النَّقِيُّ البياضِ، وسببُ اختيارِ الأَمْلح، قِيلَ: إنه حَسَنٌ منظرُه.
وقيل كثرة 489 شَحْمه وطِيبَةِ لحِمْه.
الجزء: 12 - الصفحة: 59
وعن عائشةَ -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ يَطَأُ فِي سَوَادٍ وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ [ويَبْرُكُ] 490 في سَوَادٍ، فَأُتِيَ بِهِ فَضَحَّى 491، وذُكِرَ له تَفْسِيران.
أَحدُهما: أن المرادَ سوادُ أَظْلافِه، ومَوْضِعُ برُوُكِه، وما خالط بِعَيْنَيْه.
وقِيلَ: هو إشارةٌ إلى كَثْرَةِ ظِلِّه لسُمْنَهِ وضَخَامَةِ حُثَّتِه وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "عَظِّمُوا ضَحَايَاكُمْ فَإِنَّهَا عَلَى الصِّرَاطِ مَطَايَاكُمْ" 492.
وعند أَبِي حَنِيْفَةَ: يجبُ التضيحةُ على كُلِّ مقيم في البلد مُوسِرٍ والمُوسِرُ هو الذي يملك نِصَابًا زَكَاتيّاً، ولا يجب على المسافِرينَ وأهل القُرَى والفُقَراءِ.
وذهب مَالِكٌ -أيضاً- إلى وُجُوبِهَا , ولم يشترط الإقامةَ.
واحتج الأصحابُ لنفي الوجُوب بما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "ثَلاَثٌ هِيَ عَليَّ فَرَائِضُ وَلَكُمْ تَطَوُّعٌ: النَّحْرُ والوتْرُ وركعتا الضُّحَى" 493.
ويُرْوَى: "ثَلاَثٌ كُتِبتْ عَلَيَّ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ الضُّحَى والأَضْحَى والوِتْرِ" 494.
وبما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا دَخَل [العَشْرُ] 495 وأَرَادَ أَحَدُكُمْ إنْ يضَحِّيَ فلا يَمَسَّنَ مِنْ شَعْرِهِ وبَشْرَتِهِ شَيْئاً" علق التضحية بالإِرَادَةِ.
وعن أَبِي بَكْرٍ وعُمَرَ -رضي الله عنهما- "أنَّهما كانا لا يُضَحِّيَانِ مَخَافَةَ أَنْ يَرَى ذلك وَاجِبًا" 496، وأيضاً فإراقَةُ دَمٍ لا تجب على المسافِرِ، فلا تجب على المُقِيمِ كالعَقِيقَةِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 60
قولُه في الكتاب: "غيرُ واجِبَةٍ" مُعْلَمٌ بالحاءِ والميم لمذهبهما, ولا ضرورةَ إلى الجمْعِ بين اللَّفْظيْنِ، وهما قوله: "سُنَّةٌ غيرُ واجبة" وإن كان قد يُسْتحسن مثلُه؛ للتأكيدِ والإِيضَاحِ.
قولُه: "إِلاَّ إذا نَذَرَ" المقصودُ منه: أنه إذا التزم التضحيةَ بالنذْرِ، يلزم كما في سَائِرِ القُرُبَاتِ المنذورةِ.
ولو كانَ في مِلْكه بَدَنَةٌ أو شاةٌ فقال: جعلتُ هذه أُضْحِيةً -صارتْ ضحية ولزم ما التزم، وسيأتي الكلامُ في هذه الصورة، وما يتعلق بها في الباب.
ولوِ اشْتَرى بَدَنَةً أو شَاةً تَصلحُ للِضَّحِيَّةِ 497 بنية التَّضْحِيَةِ أو الهدْي لم تصر لمجرد ذلك ضحية ولا هديًا خِلاَفًا لأبي حنيفةَ ومالكٍ.
واحتج الأصحابُ بأن إزالَة المِلْكِ على سَبيل القُرْبةِ لا يَحْصُل بالنيَّةِ المقارنَةِ للشراءِ، كما لو اشترى بنيَّة الوقْفِ، أو اشترى العبْدَ بنيَّةِ العِتْقِ.
وفي "تَتِمَّةِ التتمَّة" حكاية وجه عن الأَصْحَاب كمذهبهما، وغالبُ الظن أنه صدر عن غفلةٍ وموضع ذلك الوجهُ النيةُ في دَوَامِ المِلْكِ على ما سيأتي إن شاء اللهُ تعالى.
وفي "البَحْر" للقاضي الرُّوَيانِي: أنه لو قال: إن اشتريتُ شاةً، فلله عليَّ أنْ أَجْعَلَها أُضْحِيَةً، فهذا نَذْرٌ مضْمُونٌ في الذِّمة، فإذا اشترى شاةً فعليه أَنْ يجعلَها أُضْحيةً، ولا تفسير بالشراء ضَحِيَّةٌ، وأنه لو عين وقال: إِنِ اشْتريتُ هذه الشاةَ فعليَّ أَنْ أجعلَها ضحيةً فوجهان 498:
أَحدُهما: أَنَّه لا يلزمه [جعلُها] 499 ضحيةً تَغْلِيبًا لحكم التعيين، وقد أوجبها قبل المِلْكِ.
والثَّانِي: يَلزم؛ تَغْليبًا لحكم النذْرِ، وأنَّه يتعلَّقُ بالذِّمَّةِ، جمع صاحبُ الكتاب مسائِلَ البابِ في نظرين.
أَحدُهما: في أَرْكانِ التَّضْحِيَةِ.
والثَّانِي: في الأَحْكَامِ على تَرْتِيبه المعْهُودِ.
وأمَّا الأَرْكَانُ، فلا شَكَّ أن التضحيةَ ذبحٌ خاصٌ، فلا بد من الكلام فيما يُذْبَحُ، والوقْتُ الذي يُذْبح فِيه، وكيفِية الذَّبْح، وهذه هي التي سمَّاها أَرْكَانًا، ثمَّ منها ما يعمُّ كلَّ ذبح، ومنها ما يختصُّ بهذا الذبح، ومنه قصدُ القُرْبةِ، وهو مدرج في خلال المسائل.
الجزء: 12 - الصفحة: 61
الأولُ: ما يُذْبَح، وتختصُّ التضحية بالأَنْعَامِ إجْماعًا، وقد قال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28].
والأنعامُ: هي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، ولم يُؤْثَرْ عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولا عن أصحابه -رضي الله عنهم- التضحيةُ بغيرِها.
ووجهٌ أيضاً: أن التضحيَة [عبادةٌ] 500 تتعلَّقُ بالحيوانِ، فتختصُّ بهذه الأنواعِ، كالزَّكَاةِ، ويُجزِئ فيها الذكرُ والأُنْثَى بالاتفاقِ، وبالقياسِ على العَقِيقَةِ.
وقد نُقل في خبر العَقِيقَةِ أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَضُرُّكُمْ ذُكْرَاناً أَو وإِنَاثاً 501 " يعني الشِّيَاهَ.
وأمَّا السِّنُّ: فلا يُجْزِئُ من الضَّأْنِ إِلاَّ الْجَذَعُ والجَذَعَةُ ومن الإبل والبقرِ إِلاَّ الثنيُّ والثنيّة؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "ضحوا بالجذَعِ من الضأن 502، وأنه -صلى الله عليه وسلم- قال: نَعْمَ الضَحِيَّةُ الجَذَعَةُ مِنَ الضَّأَنِ" 503.
وعن البَراءِ بْنِ عَازِبٍ -رضي الله عنه- قال: خطبنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يوم النَّحْرِ بعد الصلاةِ فقال: مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا، ونَسَكَ نُسُكَنَا؛ فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ، وَمَنْ نَسَكَ قَبْلَ الصَّلاَةِ، فَتِلْكَ شاةُ لَحْمٍ فقام أبُو بُرْدَةَ بنِ نِيَارِ -رضي الله عنه-.
فقال: يا رسولَ اللهِ لَقَدْ نَسَكْتُ قَبْلَ أَنْ أخْرُجَ إلى الصَّلاةِ فقال: تلك شاةُ لَحْمٍ، فقال: فإن عندي عنَاقاً جذعةً، هي خيرٌ من شَاتَيْ لَحْمٍ، فهل تجزِئُ عَنِّي؟ قال نَعَمْ، ولَنْ تُجْزِئَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ 504.
والمعنى فيه أَنَّ الثنَايَا 505 من الإِبلِ والبَقَرِ والغَنَمِ تَتَهيَّأ للحَمْلِ والنَّزَوانِ والجذاع من
الجزء: 12 - الصفحة: 62
الضَّحَايَا لا يتهيَّأُ لذلك، فانتهاؤها إلى هذا الحد كالبلوغِ في حق الآدَمِيّ، وحالها قبل ذلك حال الصغير من الإنسانِ.
وفي "الرقم" لِلْعَبَّادي حكايةُ وجْهٍ مخرَّج في أن الجذَعَةَ من المعزِ تجزئ؛ لما رُوِيَ عن عَقْبَة بْنِ عَامِرٍ -رضي الله عنه- قال: قَسَّمَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ضَحَايَا فأعْطَانِي عَنَاقًا جذعًا فقلتُ: عَنَاقٌ، فقال: ضَحِّ 506 به، والمشهورُ الأول، وقد قدَّمنا في الزكاةِ أَنَّ في تَفْسِير الجذَعِ والجذَعَةِ من الغنم اختلافاً، في الظاهر وهو المذكورُ في الكتابِ أنه يُعتبرُ استكمالُ سنة والدخولُ في الثانية.
نَعَمْ.
ذكر أَبُو الحَسَنِ العَبَّادِيّ: أنَّه لو أجذع قبل تمام السنة كان مُجْزِئًا كما لو تمَّت السنةُ قبل أن يجذعَ، ونُزِّلَ ذلك مَنزِلةَ البُلوغَ بالسِّنِّ أوْ الاِحْتِلام إن استوفى السِّنَّ، ولم يحتلم كان بلوغًا [وإن احتَلم قبل استيفاءِ السنِّ كان بلوغاً] 507 وهذا ما أورده "صاحبُ التهذيب".
فقال: الجذَعَةُ: هي التي استكملَتْ سَنَةٌ، وطَعَنَتْ في الثانية أو أَجْذَعَتْ سِنَّها من قَبْلُ -أي: أَسْقَطَتْ.
وقِيل: الجَذَعُ: ما أَتَى عليه ثمانيةُ أشْهُرٍ، وهذا ما اختاره الرُّوَيانِي في "الحِلْيَةِ".
وقِيلَ: ما استكملَتْ سِتَّةَ أَشْهُر ودخلت في السَّابع، وهذا ما أورده أَبُو إسحاق الشيرازي.
والثَّنِيَّ من الإبِل: ما استكمل خَمْسَ سنِين ودخل في السادسة.
وعن رواية حَرْمَلَةَ عن الشافَعِيْ -رضي الله عنه-: أنَّه الذي استكمل سِتًّا ودخل في السابعة.
قال الرّويَانِيّ في "البَحْر": وليس ذلك قولاً آخر، وإنْ توهَمَّه بعضُ أَصْحابنا، ولكنه إخبارٌ عن نهاية سِنِّ الشيء، وما ذكره الجمهورُ بيانُ ابتداءِ سِنّهُ.
والثَّنِيُّ من البقر: مَا استكملَ سَنَتَيْنِ ودخل في الثالثة.
ويُقال: البقرُ في هذا السِّنِّ مُسِنٌ ومُسِنَّةٌ أيضاً.
وعن رواية حَرْمَلَةَ: ما استكمل ثَلاثًا ودخل في الرابعة.
وفي الثَّنِيّ من المعْزِ خِلاَفٌ مذكورٌ في الزكاة، والظاهِرُ: أنَّه كالثني من البقر، وهو الذي أورده في الكتاب، وقِيلَ: ما استكمل سنةً ودخل في الثانية.
ويجوزُ أن يُعْلَمَ -لما ذكرنا- قولُه في الكتاب: "إِلاَّ التي في السَّنَةِ الثَّانِيَةِ" بالوَاوِ لوجه من اكتفى باستِيفَاءِ ثمانية أَشْهُر، وكذا قوله: "إِلاَّ التي في السنة الثانِيَةِ للوجه المكتفي باستيفاءِ السَّنَةِ".
وأيضاً: فللتخريج في تَجْوِيز الجَذَعِ من المعْزِ، ولا يبعد أنْ
الجزء: 12 - الصفحة: 63
يُعْلَمَ قولُه: "إِلاَّ في السَّادِسَةِ" أيضاً لتوهُّمِ مَنْ تَوَهَّم فيه قولاً آخر.
قال الغَزَالِيُّ: وَجُمْلَة مِنَ الصِّفَاتِ تَمْنَعُ الإِجْزَاءَ فَلاَ تُجْزِئُ المَرِيضَةُ البَيِّنُ مَرَضُهَا* وَفِي مَعْنَاهَا الجَرْبَاءُ الكَثِيرَةُ الجَرَبِ دُونَ الجَرَبِ اليَسِيرِ* وَلاَ العَرْجَاء الَّتِي يَمْتَنِعُ كَثْرَةُ تَرَدُّدهَا فِي المَرْعَى إلاَّ أنْ تَعْرَجَ وَقَدْ أَضْجَعَتْ لِلتَّضْحِيَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ* وَلاَ العَوْرَاءُ وَإِنْ كَانَتِ الحَدَقَةُ بَاقِيَةً* وَلاَ العَجْفَاءُ الَّتِي لاَ نَقِيَّ لَهَا* وَلاَ المَجْنُونَةُ الَّتي تَسْتَدِيرُ في المَرْعَى وَلاَ تَرْعَى* وَلاَ المَقْطُوعُ مُعْظَمُ أُذُنِهَا أَوْ قَدْرُ مَا يَظْهَرُ مِنَ البُعْدِ* وَلاَ الَّتِي أَخَذَ الذِّئْبُ مِقْدَارًا بَيِّنًا مِنْ فَخِذِهَا* أَمَّا المَقْطُوعَةُ قَدْرًا يَسِيراً مِنْ أُذُنِهَا أَوِ المخْرُوقَةُ الأذُنِ أَوِ المَشْقِوقَةُ أَوِ المَقْطُوعُ جَمِيعُ ضَرْعِهَا أَوِ الَّتِي اقْتَلَعَ الذِّئْبُ أَلْيَتَهَا فَفِي الكُلِّ وَجْهَانِ* وَيُجْزِئُ المَنْزُوعُ الخَصِيَّةِ* وَالْمُنْكسِرُ القَرْنِ* وَالَّتِي لاَ قَرْنَ لَهَا* وَالَّتِي تَنَاثَرَ جَمِيعُ أَسْنَانِهَا* وَالفَحْلُ وَإِنْ كَثُرَ نَزْوَاتُهُ* وَالأُنْثَى وَإِنْ كَثُرَتْ وِلاَدَتُهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: لمَّا تكلم في الأَجْنَاسِ التي تصلح للتضحية، وفي أَسْنانها المعتبرة، أراد أن يتكلَّمَ فيما يُعْتَبرُ فيها من صفاتِ الكمال والنقصانِ.
المانِعُ من الإِجْزَاءِ نَوْعان: نقصان صِفَاتٍ، ونقصانُ أَجْزَاء.
أمَّا الأول: فعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عما إذا يُنقى من الضحايا فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "العرجاءُ البين ظلعها، ويروى عرجها، والعوراء البِّين عورها، والمريضةُ البيِّن مرضها والعجفاءُ التي لا تنقى 508 ".
قوله: "لا تنقى" أي: ليس في عظامها مخ.
وقيل: لا يوجد فيها شحمُ.
يقال: أنقيت الإبل وغيرها، إذا سمنت وصار فيها نقي: وهو المخ وهذه ناقة
الجزء: 12 - الصفحة: 64
منقيةُ وهذه لا تنقى.
ولنشرحْ كل واحدة من هذه الصفاتِ على الترتيبِ المسبُوقِ في الكتاب.
فمنها المريضةُ البيِّنُ مرضُها، وفي هذا [التقيِيدِ] 509 ما يُفْهِم أَنَّ المرض اليَسِيرَ لا يمنع الإجزاءَ؛ لأنَّهُ لا يُؤَثِّرُ في اللحم، فأمَّا إذا بان وقوي وظهر بسَبَبِه الهزالُ فيفسدُ اللحم ويصيرُ مُضرًا، وهذا ظاهِرُ المذهب.
وفي "الكَافِي" وغيره وجهٌ: أنَّ المرضَ يمنعُ الإجزاءَ وإن كان يَسِيراً.
وعن "صَاحِب الحَاوِي" حكاية قولاً عن "القَدِيم" وفي "الهُيام" حكاية وجه؛ أنَّ قَلِيلَه وكثيرَهُ يمنع الإجزاءَ.
"والهُيامُ" من أَمْراضِ الماشيةِ، وهو أنْ يشتد عَطَشُها، فلا تُرْوَى من الماءِ.
ويجوز أن يُعْلَم لهذا قولُه: "البيِّن مرضُها" بالواوِ بل يجوز إعلامُ المريضة أيضاً؛ لأنَّ في كتاب القاضِي ابْنِ كجٍّ نقلُ قول: أنَّ المنع يختصُّ بالجَرَب، وأَمَّا سائِرُ الأَمْرَاضِ فإنَها لا تمنع الإجزاءُ وقوله: "في معناها الجَرْباءُ" يَقْتَضِي أن تكون الجرباءُ غيرَ المريضة، لكنَّ الجَرَبَ نوعٌ من المرضِ، بل فسَّرَ كثيرُ من الأصحاب المريضة في الحديث بالجرْبَاءِ، ثُمَّ قضية ما أَوْرده المعظم صَرِيحًا ودَلالة، ونسبُوه إلى نَصّه -رضي الله عنه- في الجَدِيدِ: أنَّ الجَرَبَ يمنعُ الإجزاءَ يَسِيراً كان أَوْ كَثِيراً؛ لأَنَّه يُفْسِدُ اللَّحْمَ والوَدَكَ، وفيه وجهٌ: أَنَّ الكثيرَ هو الذي يمنع كما في سَائِرِ الأَمْرَاضِ، وهذا ما اختاره الإِمام، وأَورده صَاحِبُ الكتاب، ولا فرق في المرضِ والجَرَبِ بين ما يُرجى زوالُه، وما لا يُرْجَى.
ومنها: العَرْجَاءُ، فان اشتدَّ عَرَجُها بحيث تَسْبِقُها الماشيةُ إلى الكَلأَ الطيب، وتتخلَّفُ عن القَطِيع، فلا تُجْزئ؛ لضعْفِها وهُزَالِهَا، لعجزها عن الاِعْتلافِ، وإن كان يَسِيرًا لا يخلفها عن الماشية -لم يَمْنَع الإِجْزَاءَ، وإذا كان العَرَجُ البيِّنُ [يمنع] 510 مِنَ التضحيةِ فَفُقْدَانِ بَعض القوائم أو انكسار أَوْلَى بالمنْعِ، وإن كانت تزحَفُ بثلاثِ قَوَائِمَ، فإنها لا تنفرع من السعي إلى المرعى.
نَعَم.
لو أُضْجِعَت لِيُضَحَّى بها وهي سَلِيمةٌ فاضطربت؛ وانكسر رِجْلُها، أو عرجت تحت السِّكِّين فوجهان:
أَحدُهما: أَنَّ حُدوثَ العرجِ -والحالةُ هذِه- لا يُؤَثِّرُ وأشبههما التأثير لأنها عَرْجَاءُ عند الذبح، فأشبه ما لو انكسرتِ رجلُ شاة فبادر إلى التضحية بها.
ومنها العَوْراءُ فلا تُجْزِئُ إنْ لم تكن الحدَقَةُ باقيةً، ولمَ لاَ تُجزِئَ؟ قيل: لأنَّها لم تُبصِرْ أَحَدَ شِقَّيِ الْمَرْعَى فينتقص رَعْيُها، ويتأثر به لحمُها.
الجزء: 12 - الصفحة: 65
وقِيل: لأنَّ الحدقَةَ عُضْوٌ مُسْتطابٌ، وقد فُقِدَ وعلى المعنيين يبنى ما إذاكانت الحدقَةُ باقيةً، وبطل الإبصارُ بها.
فعلى الأول: لا تجزِئُ أيضاً وهو الأَظْهرُ، وبه قال ابنُ أَبِي هُرَيرةَ.
وعلى الثاني: يجوزُ، وبه قال أَبُو الطيب بنُ سَلَمةَ، وإذا لم تجز العوراءُ فالعمياءُ أَوْلَى.
والعَمَشُ وضَعْفُ البَصَرِ من إِحْدَى العَيْنين، وكلاهما لا يمنع الإجزاءَ، هكذا أطلق أكثرُهم.
وقال الرُّوَيانِي: إذا غَطَّى النَّاظِرَ بياضٌ أَذْهَبَ بَعضَهُ دُونَ بعضٍ، فإن ذهب الأكْثرُ -لم تَجُزِ التضحيةُ بِهَا، وإن ذهب الأقلُّ- جازت، وفيه وجهٌ آخَرُ.
وفي العَشْوَاءِ: وهي التي تُبْصِرُ بالنهارِ دُونَ الليل وجهان:
أَصَحُّهُمَا الجوازُ؛ لأنها تُبْصِرُ في وَقْتِ الرَّعْيِ.
ومنها العَجْفَاءُ التي ذهب مُخُّهَا من غاية الهُزَالِ لا تجزئُ.
ويُقالُ: إن الهُزَالَ إذا اشتدَّ صار "النَّقَي قالماء" وذلك قد يكون للهرم، وقد يكون لِعلَّةٍ ومرضٍ بها، فإن كان بها بعضُ الهُزَالِ، ولكنها منقيةٌ فتجزئُ، هكذا أطلقه مُطْلِقون [ووراءه تفصِيلانِ] 511.
أَحدُهما: عن "الحَاوِي" أنَّ الحكْمَ كذلك إِنْ كان خِلْقيًا، وإن كان لمرضٍ لم يجز؛ لأنه دَاءٌ.
والثَّانِي: قال الإمامُ: كما لا يُعْتبرُ السِّمَن البالِغُ في الإجزاءِ، لا يمكِنُ أَنْ يُقالَ: العَجْفَاءُ التي لا تُجْزِئُ هي التي بلغت نهايةَ العَجَفِ وأقربُ مُعْتبر فيه أن يُقال: إذا كانت بحيْثُ لا يَرْغَبُ في تناوُلِ لحْمها الطبقةُ العاليةُ من طلبةُ اللحم في [سِنِي الرَّخاءِ] 512 فهي غيرُ مُجُزِئةٍ.
ومنها ورود النَّهْيُ عن القوْلاَءِ وهي المَجنونة التي تَسْتَدِير في المرْعَى، فلا ترعى إِلاَّ الشيءَ القلِيلَ، وذلك يُورِثُ الهُزَالَ.
وتجوز التضحية بالفَحْلِ وإن كثُر نزوَاته.
وبالأُنْثى الكثيرةِ الوِلادَةِ 513، وإِنْ لم يطب لحمُها أو أَضَرَّ إلاَّ إذا انتهيا إلى العَجَفِ البين، هذا قيام يتعلق بالصِّفَاتِ.
وأمّا النوعُ الثَّانِي: وهو نقصانُ العَيْنِ، ففيه صُوَرٌ.
الجزء: 12 - الصفحة: 66
فمنها رويِ عن عَلِيٍّ -رضي الله عنه- قال: "أمرنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أَنْ نَسْتَشْرِفَ العَيْنَ والأُذْنَ، وألاَّ نُضَحِّي بِمُقَابَلَةٍ ولا مُدَابَرةٍ ولا خَرْقَاءِ ولا شَرْقَاءَ" 514.
وقوله عليه السلام، نَسْتَشْرِف العينَ والأذُنَ، قِيلَ أي نتأمَّلُها وننظرُ فيهما، كَيْلاَ يقعَ فيها نقصٌ وعَيْبٌ 515.
وقِيلَ: أنْ نُضَحِّي بواسعِ العَيْنيْنِ، طويلَ الأُذُنِ.
والمقابَلَةُ: التي قُطِعت فلقةٌ مِنْ مقدَّم أُذُنِها.
والمُدَابَرَةُ: التي قُطِعت الفلقةُ من مُؤَخَّرِهَا.
والشَّرقاء: المشقوقةُ الأُذُنِ.
والخرْقَاءُ: التي يثقبُ أذُنُها من كَيٍّ أو غيره، فلا تُجْزِئُ التي اسْتُوْعِبَ أُذُنُها جِدعاً؛ لأنه ذهب منها عُضْوٌ مأكولَ.
ويُرْوَى أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أَنْ يُضحَى بالمُصْفَرة، وفسرت المصفرة بالتي اسْتُوْصِلَتْ أُذُنُهَا.
وذُكِرَ أنَّه مِنْ قولِهم: "صِفُرَ المكانُ إِذَا خَلاَ".
وعن مالكٍ: أنَّها تُجزِئُ.
وإن قُطِعَ بعضُ أذنها، نُظِرَ؛ إنْ أبين منها شيءٌ -لم تَجُزْ التضحيةُ بها، إِنْ كان المُبانُ كثيراً بالاضافة إلى الأُذُنِ وإن كان يسيراً -فوجهان:
أَظْهَرُهما: أنَّ الجوابَ كذلك [لذهاب جُزْءٍ] 516 مأْكُولٍ.
والثَّانِي: أنَّه لا يَمْنَعُ الإِجْزَاءَ -وبه قال القاضي الرُّوَيانِي، حين قال في "الحِلْية": وأنَّا أُرَخّصُ في أُنْمُلَةٍ أو ظُفْر، وذلك لأن الفلقَ الصغِيرَ يُعْتَنَى بها، بل يحذفُ مِنَ الرُّؤوسِ المشويَّةِ وأطراف الأدب الحاسية 517.
قال الإمامُ: وأقربُ العباراتِ في الفرقِ بين الجزْءِ الكبير واليَسِير أَنْ يُقال: إن كان النُّقْصانُ يلوحُ من بُعْدٍ، فالجزْءُ المُبانُ كثيرٌ، وإن كان لا يَلُوح مِنْ بُعدٍ -فهو صَغِيرٌ وإن لم يَبن منها شَيْءٌ، بل شُقَّ أو قُطِع طرفٌ وبِقِيَ مُتَدلِّيًا، فهذا لا يمنعُ الإجْزَاءَ.
وفيه وجه، وهو اختيارُ القفَّالِ: أنَّه يمنعُ؛ لأنَّ موضِعَ القطْعِ يتصلَّب ويصيرُ جِلْداً بعدما كان لَحْمًا.
الجزء: 12 - الصفحة: 67
وإذا قُلْنا بالأَوَّلِ، حملنا القولَيْن على الشَّرْقاءِ والخرْقاءِ على البرية 518.
وقال أَبُو حنيِفةَ -رحمه الله -: إنْ كان المقطوعُ دُونَ الثلثِ لم يمنع الإجزاءَ، والكَيُّ لا يُؤثّر.
وقِيلَ: في الموْسُومةِ وجهانِ؛ لتصلُّبِ الموضِعِ، وتجوز التضحيةُ بصغيرةِ الأُذُنِ، ولا يجوز بالتي لم يخلق لها أذنٌ.
الثانية: لا يجوز التضحيةُ بالتي أَخذ الذئبُ مقدارًا بيِّنًا من فَخِذِها بالإضافة إليه؛ لنقْصانِ اللحم، وكوْن العضوِ لازماً للجنس.
ولو اقتلع الذِّئبُ أَلْيتها أو قَطَعها قاطِعٌ، ففي جواز التضحيةِ بها وجهان.
أَحَدُهما: الجوازُ؛ لما سنذكره إن شاء الله تعالى في التي لم يخلق لها أَلْيَةٌ.
وأَظْهرُهما: المنعُ لما حدث فيها من نُقْصانِ القِيمَةِ والمقصُودِ، وقَطع بهذا قاطِعون، وفي مَقْطوعةِ الضَّرْعِ وجهانِ مُرَّتبانِ، وأَوْلَى بالجواز؛ لأنَّ لحمَ الضرعِ شَبِيهٌ بالخُصْيَةِ غير معنى بخلاف الأليَةِ، والظاهر المنعُ وهو الذي أورده الرُّوَيانِي وغيرُه، وفي التي خُلِقَتْ بلا ألْية أو بلا ضَرْعِ وَجْهانِ أيضاً.
أَحَدُهما: المنعُ كالتي خُلِقَتْ بلا أذن، وأصحُّهما، وبه قال القاضي أبُو حَامِدٍ والقفَّالُ أنَّهُ يجوزُ؛ لأن المعْزَ يجزئ ولا أليَّةَ له، والذَّكَرُ يجزِئُ ولا ضَرْعَ لَهُ، بخلاف الأُذُنِ، فإنه عضوٌ لازِمٌ في الغالب، والذَّنَبُ كالألْيَةِ.
ولا تجزئ مقطوعة بعضِ اللسانِ، وقطْعُ بعضِ الألْيَةِ والضرْعِ كقطع كُلِّها، وذكر الجَمِيع غيرُ محتاح إليه في قوله في الكتاب: "أوِ المقْطُوعِ جَمِيعُ ضَرْعِها".
ويجزئ الخَصِيُّ والموجُوءُ؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- ضَحَّى بكبشين مَوْجُوءَيْنِ 519.
ولأن الخَصْيَ يزيدُ اللحمَ طِيبًا وكثرةً.
وأغربَ القاضي ابنُ كج، فحكى في الخَصِيِّ قَوْلَيْنِ، وجعل المنعَ الجديدَ.
الثالثة: يجوزُ التضحيةُ بالجمَّاءِ؛ وهي التي لا قَرْنَ لها، ويُقال لها الجَلْحَاءُ أيضاً؛
الجزء: 12 - الصفحة: 68
لأنَّ القَرْنَ لا يتعلَّقُ به كثيرُ غرض، لكنَّ ذاتَ القرْنِ أفضلُ؛ لما مرَّ من حدِيث أنْسٍ -رضي الله عنه-.
وروي -أيضاً- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "خيرُ الضَّحيَّةِ لكَبْشُ الأَقْرَنُ، فإنه أَحْسَنُ 520 منْظراً".
وتجزئ العَضْباءُ وهي التي [انكَسَر قرنُها والتي] 521 انكسَرَ من قرْنِهَا الغُلافُ وحْده، أمَّا في الداخِلِ وحده، فقال القفَّالُ: إِلاَّ أَنْ يوثِّرَ ألمُ الانكسارِ في اللحْمِ، فيكون كالجَرَبِ وغيرِه.
ولا فرقَ بين وأن يُدْمى قرنُها بالانكسارِ أو لا يُدْمى.
وقال مالِكٌ: إن دَمِيَ يقع الإجزاء.
وعن أحمدَ: لا تُجزئُ العضباءُ التي انكسر بعضُ أَسْنانِها، وإن انكسر أو تناثَر الجميعُ، فقد أطلق "صاحبُ التهذيب" وجماعةٌ أنها لاَ تجْزِئُ.
وقال الإمامُ: الذي ذهب إِلَيْه المحققِّونَ أنه لا يمنعُ الإجزاء وأثبت فيه خِلاَفاً، وفَصَّل بعضُهم فقال: إن كان ذلك لمرضٍ، أو كان يؤثَرُ في الإِعْتِلاَفِ ونقصِ اللحم فلا يُجْزئ [وإلا فيجزئ] 522 وهذا أحسنُ، لكنة يُؤَثِّرُ فيه بلا شَكْ فيرجع الكلامُ إلى المنْعِ المُطلق 523، وقد يُؤَيد ذلك بما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن يُضحى بالهتْمَاءِ 524 وهي التي انْكَسَرَ أو تناثر أَسْنَانُها.
قال الغَزَالِيُّ: وَتُجْزُئُ الشَّاةُ عَنْ وَاحِدٍ* وَالبَقَرُ وَالإِبِلُ عَنْ سَبْعَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ وَلاَ جَمِيعُهُمْ مُضَحِّينَ* وَيُجْزِئُ عَمَّنْ وَجَبَ علَيْهِ سَبْعِ شِيَاهٍ بِأَسْبَابٍ مُختَلِفَةٍ إلاَّ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ* وَلَوِ اشْتَرَكَ رَجُلاَنِ فِي شَاتَيْنِ عَلَى الشُّيُوعِ فَفِيهِ وَجهَانِ* وَلاَ يُجْزِئُ نِصْفُ شَاةٍ وَاحِدَةٍ.
قال الرَّافِعِيُّ: الشاةُ الواحِدةُ، لا يُضحِى بها إلاَّ واحِدٌ، لكن إذا ضحَّى بها وَاحِد من
الجزء: 12 - الصفحة: 69
أَهْل بيتٍ تَأَدَّى الشعارُ والسنَّة لِجَمِيعهم، وعلى ذلك حُمِلَ ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- أَتى بكبش أَقْرنُ، فأضجعه وقال: "بسْمِ اللهِ اللَّهمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ وضَحَّى بِه" 525.
وكما أَنَّ الفرْضَ ينقسِمُ إلى فرْضِ عَيْنٍ، وفرض كِفاية، فقد ذكر أن السُّنَّةَ كذلك وإنَّ التضحيةَ مَسْنونةٌ على الكِفاية لكل أَهْل بيتٍ، وتجزئُ البَدَنَة عن سَبْعة، وكذلك البقرة، ولا فَرْقَ بين أَنْ يكونوا جَمِيعاً مُتَقرِّبين، وبين أن يبغي بعضهُم اللحمَ، ولا إذا كانوا متقرِّبينَ بَيْنَ أن تكون القُرْبَة وَاجبَةً، أو غيرَ واجبةٍ، وبين أن تختلفَ جهةُ القُرْبةِ، أَوْ لاَ تختلِفُ، ولا بين أنْ يكونُوا منَ أَهْل البيت الواحِدِ، أو بُيُوت مُخْتلفةٍ.
واحتج الأصحابُ بما روي عن جابر -رضي الله عنه- أنَّه قال: نحرْنَا مع رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- بالحُدَيْبِيَةِ البدنَةَ عن سَبْعةٍ، والبقرةَ عن سَبعْةٍ 526، والظاهِرُ: أنهم لم يكونوا من أهل بيتٍ وَاحدٍ.
وروي أنه قال: أمرنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن يشترك كُلُّ سبْعةٍ في بَدَنَة ونحن متمتَّعون 527، ودَمُ التمتُّعِ واجِبٌ وبأن ما يجزئ التضحية والسبعةُ متقرِّبُونَ جاز وبعضُهم يبغي اللَّحْمَ.
وما جاز للسبعة فهم يَذْبحُونَ عن تطوُّعٍ، جاز وهم يذبحون عن واجبٍ [وما جازوهم] 528. من أهل بيتٍ واحد، جاز وهم أَهْلُ بُيُوتٍ مُخْتِلفَةٍ فالسبع من الغنم.
وذكر أَبُو الحَسَنِ العَبَّادِي: أن عند أحْمدَ تُجْزئُ البدنةُ عن عَشَرة 529 والبقرة عن سَبْعَةٍ.
وإذا اشتركوا في بَدَنَةٍ أو بَقَرةٍ وهم مُتَقرِّبُون أو بعضهم يريدُ اللحمَ، فطريقان:
أصحهما 530 أن القِسْمَةَ تُبْنى على أنها بيعٌ أو إفرازُ حَقٍّ، إن جعلناها [إفرازاً] جوَّزْنَاهَا، كان جعلناها بيعاً، فبيعُ اللَّحْمِ باللحم في حال الرطُوبةِ لا يجوزُ.
فالطرِيقُ أن يدفعَ المُتَقرِّبونَ الأَنْصِبةَ إلى الفُقَراءِ شائعةً ثم يشتريها منهم مَنْ يبغي اللحمَ بالدَّراهِم [أو يَبِيعَ مَنْ يَبْغِي اللحمَ نَصِيبَهُ من المُتَقرِّبِينَ بالدَّراهِم] 531، ويجعلوا اللحمَ أجزاءً ويَجعلون باسْم كُلِّ واحدٍ جُزْءاً ثم يَبِيعُ صاحِبُ الجزْءِ ماله في سَائِرِ الأَجْزَاءِ بالدَّراهِمِ ويشتري ما لأصحابِه في ذلك الجزء بالدراهم، وَيتَقَاضَوْنَ.
والثاني وبه قال
الجزء: 12 - الصفحة: 70
صاحبُ التَّلْخِيصِ: تجوز القِسْمةُ هاهنا قَوْلاً واحِداً؛ للحاجة وأيضاً فإننا نجعل 532 القِسْمةَ بيعاً على قولِ إذا كانت الشركةُ فيما يقبل البيعَ، ولحمُ الضِّحيةِ لا يقبلُهُ كما يُجْزِئُ تضحيةُ سبْعةٍ ببدَنَةٍ أو بقرةٍ ويجوزُ أَنْ يقصِدَ بعضُهم التضحيةَ، وبعضُهم الهدْيَ أو اللحمَ فيجوزُ أَنْ يذبحَ الواحِدُ بدنتَهُ أو بقرتَهُ عن سَبْع شِيَاهٍ لزمته بأسباب مُخْتَلفةٍ: كالقِرَانِ، والتَّمتُّع، ومُبَاشرة مَحْظُوراتِ الإحرامِ، ونذر التصدق بشاة، [والتضحية بشَاة] 533.
نَعَمْ، من جزاء الصَّيْدِ يُرَاعَى المماثلةُ ومشابهةُ الصورةِ.
فلا تُجْزِئُ البدنةُ عن سَبْعةٍ من الظِّبَاءِ ولو وجب شَاتَانِ على [رَجُلَيْنِ] 534 من قَتْلِ صَيْدين لم يَجُزْ أَنْ يذبحا عنهما بدنةً أو بقرةٌ ويجوز أن يذبح الرجلُ بدنةً أو بقرةً سُبْعُها عن شاه لزمَتْهُ، ويأكل الباقي.
ولو جعل جَمِيعَ البدَنَةِ أو البقرةِ مَكَانَ الشاةِ، فيكون الكل فرضاً حتى لا يجوز أَكْلُ شيءٍ منه أو يكون الفرضُ السُّبعَ حتى يجوزَ الأكلُ من الباقي، فيه وجهان، ويقربُ هذا الخلافُ من الخلافِ في أنه إذا مسح جَمِيعَ الرأْسِ يكون الكُلُّ فرضاً أو الفرض ما يقع عليه الاسْمُ 535.
ولو اشترك رَجُلاَنِ من شَاتَيْنِ؛ فهل يجوزُ لهما التضحيةُ بهما؟ فيه وجهان:
أَحدُهما: نَعَمْ؛ لأنَّ نِصْفَيْ شاةٍ كشاةٍ وَاحِدَةٍ وعلى هذا فلا يبعد أن تجوزَ التضحيةُ بأجزاءِ شاةٍ، ويُحْتَمل تخلل الفاضل.
وأَظْهرُهما: لا؛ اقْتِصَاراً على ما ورد [به الخبرُ] 536.
وكُلُّ واحدٍ منهما يتمكنُ من الانفرادِ بواحدةٍ.
قال الإمامُ: وللخلافِ التفاتٌ إلى أعتاقِ نِصْفَيْ عَبْدَيْنِ عن الكَفَّارةِ، ولا تجوزُ التضحيةُ ببعضِ شَاةٍ بحال.
قال الغَزَالِيُّ: (أَمَّا السُّنَّةُ) فَالأَحَبُّ هُوَ الأَسْمَنُ الأكْمَل* وَسَبْعٌ مِنَ الغَنَمِ أَحَبُّ مِنَ البَقَرَةِ وَالبَدَنَةِ* وَالبَدَنَةُ أَحَبُّ مِنَ البَقَرَةِ* وَالأَبْيَضُ أَحَبُّ مِنَ الأَسْوَدِ* وَالنَّصُّ أَنَّ الأُنْثَى أَحَبُّ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ الَّتِي لَمْ تَلِدْ فَلَحْمُ الذَّكَرِ أَطْيَبُ.
الجزء: 12 - الصفحة: 71
قال الرَّافِعِيُّ: المقصودُ الآن في صِفَاتِ الكمال في الأضْحيةِ وفيه مَسَائِلُ:
منها: [يُسْتحبُّ] 537 أن يختارَ للتضحيةِ الأَسْمنَ 538 الأكْمَلَ حتى أن التضحِيةَ بشاةٍ سَمِينة أفضلُ من التضحية بشاتَيْن 539 دُونَها؛ لأن لحمَ السَّمِينِ أطيبُ وفسر بعضُهم الشِّعَارَ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ بِاسْتِسْمَانِ الهدْيِ وَاسْتِحْسَانِه.
وفي الخبر: "عَظِّمُوا ضَحَايَاكُمْ؛ فَإنَّهَا عَلَى الصِّرَاطِ مَطَايَاكُمْ" 540.
قِيلَ معناه: أنها تهَيَّأُ مَرَاكِبَ.
وقِيل يسهل بالتضحية الجوازُ على الصراطِ.
وذكر الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه-: أنَّ في التضحيةِ استِكْثَارَ القِيمَةِ أَحَبُّ من استكثارِ العَدَدِ، وفي العِتْق استكثارُ العَددِ أَوْلَى؛ وسبُبه أن المقصودَ -هاهنا- اللحمَ، ولحمُ السَّمِين أكثرُ وأَطْيبُ.
والمقصودُ في العِتْق التخلِيصُ من الرِّقِّ، وتخلِيصُ عَدَدٍ أَوْلَى، [من تَخْلِيص وَاحدٍ] 541 وكثرَةَ اللحمِ في الأُضْحية خيرٌ من كثرة الشَّحْم، إلاَّ أن يكونَ لحمُها حسناً.
ومنها: التضحيةُ بِسَبْعٍ من الغنم أفضلُ من التضحيةِ بَبَدَنَة أو بَقَرةٍ أو بالعَكْسِ أَفْضَلُ؟ فيه وجهان:
أَظهرُهما: وهو المذكورُ في الكتاب أَنَّ الأوّلَ أفضلُ؛ لأن لحمَ الغَنَمِ أطيبُ ولأن الدَّمَ المُرَاقَ أكثرُ والقُرْبةُ تزيد بحسبه.
والثَّانِي: أن العَكْسَ أَفْضَلُ؛ لأنَّ اللحْمَ أكثرُ.
وقد يؤدي التعارضُ في مِثْل هذا إلى التساوي، ولم يذكروه.
والبدنةُ أَحبُّ من البقرة، والبقرةُ أحبُّ من الشاةِ والضأْنُ [مِنَ المعْزِ.
وقال مَالِكٌ: الأفضلُ الضأن] 542 ثم البقرة ثم البدنةُ.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَذْبَحُوا إِلاَّ الْبَدَنَةَ إِلاَّ أن يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَاذْبَحُوا الْجَذَعَ مِنَ الضأْنِ" 543. وقال -صلى الله عليه وسلم- في الجُمعَةِ: "مَنْ رَاحَ في السَّاعَةِ الأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ
الجزء: 12 - الصفحة: 72
بَدَنَة" (1) ثم ذكر البقرةَ ثم ذكر الكَبْشَ.
والتضحيةُ بشاةٍ أفضلُ من الشِّرْكَةِ في بَدَنَةٍ أو بقرة (2). ومنها: البيضاءُ أحبُّ من العَفْراءِ والعفراءُ أحبُّ من السوْدَاءِ والعفراءُ: التي لا يَصْفُو بَيَاضُها؛ روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَدَمُ عَفْرَاءَ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ دَمِ سَوْدَاوَيْنِ" (3) ورأى الإمامُ أفضليةَ البيضِ تَعَبُّداً، ومنهم مَنِ ادَّعَى أنها أَحْسَنُ مَنْظَراً وأطيبُ لحماً.
ومنها: حُكِيَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- أن الأنثى أحبُّ مِنَ الذكَرِ، والأصَحُّ -وينسبُ إلى نَصِّه -رضي الله عنه- في رواية البويطي: أنَّ الذكر أحبُّ؛ لأن لحمَهُ أطيبُ وأَفْضَلُ.
وتكلُّموا في النصِّ الأول من وجهين:
أَحدُهما: أنه إنما ذكر ذلك في جزاءِ الصَّيْدِ عند تَقْوِيم الحيوانِ للرجُوعِ إلى مِقْدارِ قِيمته مِنَ الطعامِ، والأُنْثَى أكثرُ قِيمةً.
فلا تفدى الأُنْثَى بالذكر إذا أراد التَّقْوِيم، على أن في هذا خِلاَفاً قد سبق في مَوْضِعه.
والثاني: وهو المذكورُ في الكتاب أنه أراد الأُنْثَى التي لم تَلِدْ، هي أطيبُ لَحْماً وأطيب من الذكر، وإنما يذهبُ طِيبُ لحَمِ الأنْثَى إذا وَلَدَتْ، وطِيبُ لَحْمٍ الذَّكَرِ إذا أَكْثَرَ النَّزَوَانَ (4). قال الإمامُ: ولا ينبغي أن يُعْدَلَ الشيءُ إلاَّ بما يُسَاوِيه، كالفَحْلِ الذي أكثر النَّزَوَاتِ لا يُقاسُ بالأُنْثَى الرخْصَةِ (5) التي لم تلد، ولكن يعتبر بالتي وَلَدَتْ.
فإنَّ النزَوانَ في الذُّكُورةِ كالوِلاَدَةِ في الإِنَاثِ.
وإذا فرضْنَا ذكراً لم يَنْزُ، وأُنْثَى لم تلدْ -فالذكرُ أَوْلَى.
وهذا بيِّن في العُرْفِ.
قال الغَزَالِي
ُّ: (الرُّكْنُ الثَّانِي: الوَقْتُ)
وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ* ودِمَاءُ الجُبْرَانَاتِ لاَ وَقْتَ لَهَا* وَأَوَّلُ الوَقْتِ بِانقِضَاءِ وَقْتِ الكَرَاهَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَوْمَ العِيدِ بَعْدَ مِقْدَارِ خُطْبَتَيْنِ وَرَكعَتَيْنِ خَفِبفَتَيْنِ وَقِيلَ: بَلْ طَوِيلَتَيْنِ عَلَى العَادَةِ* وَآخِرُهُ غُرُوبُ الشَّمْسِ آخِرَ ثَالِثِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ* وَيُجْزِئُ بِاللَّيْلِ (م) وَفِي اليَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أيَّامِ التَّشْرِيقِ.
قال الرَّافِعِيُّ: يدخُل وقتُ التضحيةِ بدخُولِ وقْتِ صلاة العيد يومَ النَّحْرِ، ومُضِيِّ544545546547548
الجزء: 12 - الصفحة: 73
وقت ركْعتيْنِ وخُطْبتين بعده، فإنْ ذَبَح قبل ذلك لمِ تُجْزِ ضحِيْتُهُ؛ لما رُوِيَ عَنْ أَنَسِ -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ ذبَحَ قَبْلَ الصَّلاَةِ فَإنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكَهُ وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِينَ" 549.
وكيف تُعْتَبَرُ الركعتانِ والخُطْبتانِ؟ فيه وَجْهانِ، ويُقالُ قَوْلاَنِ:
أَحدُهما: أنه يعتبر ركعتانِ وخُطْبتانِ خَفِيفَتَانِ لحصول 550 الإجْزَاءِ بهما والظاهِرُ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لو خَفَّفَ الصلاةَ والخُطْبَة لضحّى أو أَذِنَ في الضَّحِيةِ.
والثَّانِي: أنَّ المُعتبرَ صلاةُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وخُطْبتُه وكان يقرأُ في الركعةِ الأُولَى بسورة "ق" وفي الثانية "اقْتَرَبتِ السَّاعَةُ" ويخطُب خُطْبةً مُتَوسِّطَةً؛ واحتج له بظاهِرِ قَوْلِه -صلى الله عليه وسلم-؛ "مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا هَذِهِ وَذَبَحَ بَعْدَهَا فَقَدْ أَصَابَ النُّسُكَ" 551. وحكى الإمامُ عن المراوزة: أن الخِلاَفَ في اعتبارِ الخِفَّةِ في الركعتينْ فأمَّا الخُطْبتانِ فالمعتبرُ فيهِما الخفَّةُ لا محالةَ.
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يُطَوِّلُ، وكيف والناسُ يومَ العيدِ مُسْتَوْقِرُونَ 552؟
قال: وما أرى مَنْ يعتبر رَكْعتيْنِ خَفِيفتَيْنِ يكتفي بأقَلَّ ما يجزئ وظاهِرُ لفْظِ "الشَّامِل" خلافُه 553. وفي "الشَّامِل" وجهٌ: أنه كان يُعْتَبرُ في عَهْدِ النبي -صلى الله عليه وسلم- صلاتُه، وبعده المعتبرُ قدرُ الصلاةِ.
وفي "النِّهَايَةِ" عن بعْضِ التصانِيفِ: أنه يكفي مُضِيُّ ما يَسَعُ ركعتَيْن بعد انقضاءِ وَقْتِ الكراهِيَةِ، ولا يُعْتبر مُضِيُّ وقْتِ الخطبتين.
وينتهي وقْتُ التضحيةِ بغروبِ الشمس ثَالِثَ أيامِ التَّشْرِيق.
وقال أبو حَنِيْفَةَ ومَالِكٌ وأحْمَدُ: يَنْتَهِي بالغُروبِ ثَانِي أَيَّامِ التشريق.
واحتج الأَصْحابُ بما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَأَيَّامُ مِنَى كُلُّهَا مَنْحَرٌ" وبأن اليومَ الثالِثَ رمي من أيام الرَّمْي فيكون مِنْ أيام التضحيةِ كاليومَيْن الأولين فتجوزُ التضحيةُ في ليالِي التَّشْرِيقِ كما في الأيام خِلاَفاً لِمَالِكٍ وكذا لأحْمَدَ في روايةٍ.
الجزء: 12 - الصفحة: 74
لنا: أنه ذَبْحٌ يجوزُ نهاراً فيجوز ليلًا كَذبح غيرِ الضحية.
والذبحُ مطلقاً بالليل مَكْروهٌ؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- نهى عن الذَّبْحِ لَيْلاً 554.
والمعنى فيه: أنه لا يَأْمَنُ الخطأَ في المذْبَحِ، وأيضاً فالمسَاكِينُ لا يحضرون التضحيةَ بالليل حُضُورَهم بالنهارِ.
وأما لفظُ الكتاب فقولُه: "وهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ وأَيَّامُ التَّشْرِيقِ" يجوز إعلامُ أَيَّامَ التشرِيقِ بالحَاءِ والمِيمِ والأَلِفِ؛ لما نقلنا مِنْ مَذْهَبِهم في اليوم الثالث.
ويوم النحر كُلّه ليس وَقْتَ التضحيةِ، بل لا بُدَّ مِنِ انْقضاءِ طرفٍ من صَدْرهِ على ما بين، فلْيُحْمل على أن وقْتَ التضحيةِ في هذه الأيام.
وما أشبه ذلك.
وقولُه: "ودماءُ الجبرانَاتِ لا وقْتَ لها" أَيْ: لا تختصُّ بوقْتٍ.
المسْأَلَةُ مُكَرَّرَةٌ قد ذكرها مرَّةً في "الحج" مع التعرضِ لمُخَالفتها "الضَّحايا" ولا حاجةَ إلى إِعادَتِها هاهنا.
وقولُه: "وأولُ الوقْتِ بانقضاءِ وقْتِ الكراهِيَةِ بعد طُلُوع الشَّمْسِ" اعلم أَنَّ المعتبرَ دخولُ وقْتِ صَلاةِ العِيدِ، ونذكر أَنَّا حكينا فيما يدخل به صلاةُ العِيدِ اختلاَفاً عن كُتُبِ الأَصْحَابِ؛ فمِنْ قَائِلٍ: يَدْخُلُ بطلوعِ الشَّمْس، ومن آخر يقول: يدخل بارتفاعِ الشمسِ قَدْرَ رُمْحٍ وبه ينقضي وقتُ الكراهيةِ.
ولفظ صَاحِب الكتاب هناك مُوَافِقٌ الفرقةِ الأُولَى فإنه قال: " [ووقتها] 555 ما بين طُلُوع الشمس إلى زَوَالِها".
وَاعْتُبِرَ هَاهُنَا انقضاءُ وقْتِ الكَرَاهِية [فَلْيَنْزِلْ أَحدُهما] 556 على الآخر بضرْبٍ من التأْوِيل أو ليعتقد على أنه أجاب هناك على رَأْيٍ وفرَّع هاهنا على آخَرَ.
ويجوزُ أن يُعْلَم قولُه "بانقضاءِ وَقْتِ الكراهيةِ [بالحَاءِ والمِيمِ والأَلِفِ؛ لأن عندهم لا يدخُلُ الوقْتُ بانقضاءِ وَقْتِ الكَرَاهِية] 557 ومَضَى وقْتُ ركعتين وخُطْبتيْنِ، وإنما يدخل الوقْتُ إذا صلى الامامُ وخَطَبَ.
وقال أَبُو حَنِيْفَةَ: إِنْ زالت الشمسُ، ولم يُصَلِّ فللناس التضحيةُ وخصص ما ذكره بأهْل البلادِ، وجوَّزَ لأهلِ السَّوادِ والمسافِرِينَ التضحيةَ بعد طُلُوع الفَجْرِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 75
وعن مَالِكٍ: أنه اعتبر مع صلاةِ الإمَامِ وخُطْبته تضحيته أَيْضاً ولو قال صاحبُ الكتاب بعد مُضِيِّ خُطْبتيْن وركْعَتيْنِ بدلاً عَنْ قولهِ "وبعد مِقْدَارِ خُطْبتين" كان [أَلْيَقَ بما] (1) قبلَه من النظْمِ.
ويجوزُ إعلامُ لفظ "الخُطْبتيْن" بالواو؛ للوجه المنقول عن بَعْضِ التصانِيف.
وقولُه: "بَلْ طَوِيلَتَيْنِ على العَادَة" أَيْ: الطُّولُ المعْتَادُ، وهو التوسُّطُ والمرادُ مِنْه وجهُ اعتبارِ صَلاَةِ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وخُطْبتِهِ على ما قدمنا.
[وقوله] (2) "ويجزئ باللَّيْلِ" مُعْلَمٌ بالميمِ والأَلِفِ.
وقولُه: "ثالث أيام التشريقِ" مُعْلَمٌ بالحاءِ والمِيمِ والأَلِفِ، وكان بسبيل من أن يَسْتَغْنِي عنهما بما سبق.
وختم الفَصْلَ بكلامَيْنِ:
أَحَدُهما: ذكر الإمامُ أَنَّ مَنْ فاته التضحيةُ فَلْينتَظِرُ وقْتَها من قابل وحينئذٍ يقعُ عن حَقِّ الوقْتِ ولا يصفو هذا عن إِشْكَالٍ.
والثاني: جَمِيعُ ما ذكرنا من الأُضْحيةِ المُتطوَّع بها، فأما المنْذُورُ ففي تَأْقِيتِها خلافٌ سيأتي من بعد إن شاء الله تعالى.
قال الغَزَالِي
ُّ: (الرُّكْنُ الثَّالِثُ: الذِّابِحْ)
وَمَنْ حَلَّ ذَبِيحَتُهُ صَحَّ مُبَاشَرَتُهُ لِلتَّضْحِيَةِ* وَلَكِنْ لَوْ وَكَّلَ كِتَابِيّاً فَلْيَنْوِ بِنَفْسِهِ* وَلَوْ وَكَّلَ مُسْلِماً بِالتَّضْحِيَةِ وَالنِّيَّةِ جَازَ* وَلَوْ قَالَ: جَعَلْتُ هَذِهِ الشَّاةَ ضَحِيَّةَ أَغْنَاهُ عَنْ تَجْدِيدِ النِّيِّةِ عِنْدَ الذَّبْحِ* وَلاَ ضَحِيَّةَ لِلرَّقِيقِ إِذْ لاَ مِلْكَ لَهُ* وَفِي المُكَاتَبِ إِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ خِلافٌ* وَلْيُبَاشِرِ الذَّبْحَ بِنَفْسِهِ أَوْ لِيَشْهَدْ فَهُوَ أَحَبُّ.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه مَسَائِلُ:
إحْدَاهَا: المسْتَحَبُّ للمضحِّي أن يذبحَ الضَّحِيَة 560 بيده، وكذا المهدي يذبح الهدْيَ بنفسه 561؛ لما رُوي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَهْدَى مِائَةَ بدنةٍ فنحر منها بيَدِه سِتَّةً وسِتِّينَ وأمر عَلِيّاً كرم الله وجهه فنَحَرَ البَاقِي 562.558559
الجزء: 12 - الصفحة: 76
وعن ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يَذْبَحُ أُضْحِيته في المصلى 563.
وعن عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- كان يأمرُ نساءَه أن يَلِيهَ ذبْحَ هَدْيَهُنَّ 564؛ لأن التضحيةَ قُرْبةٌ فيحسن [القيامُ بها] 565 ويجوزُ أن يُفَوِّضَ ذبحَها إلى الغيرِ للعَجْزِ عن المُبَاشرةِ وغيرِه كما استناب النبي -صلى الله عليه وسلم- عَلِيّاً -رضي الله عنه-.
ومَنْ تحِلُّ ذَبِيحتُه يجوزُ التفويضُ عليه ليباشِرَ الذبْحَ، والأَوْلَى أَلاَّ يُنِيبَ إلاَّ مُسْلِماً ليكونَ أَهْلاً للقُرْبَةِ وليكن فَقِيهاً ليكُونَ عَارِفاً بوقْتِ التضحية، وشرائطها.
ولو اسْتَنَابَ 566 كِتَابيّاً جاز؛ لأنه أهلٌ للذبح، ويجوزُ أن يَسْتَعِين المسلمُ من قريته بالكافر كما يستعين به في 567 قِسْمةِ زكاته.
وقال مَالِكٌ: لا يجوزُ إنابةُ الكِتابيِّ في التضحيةِ، ويكون ما ذبحه شاةَ لحمٍ.
وحكى الموفقُ بنُ طَاهِرٍ عن أَحْمَدَ مِثْلَهُ، ولا يجوزُ إنابةُ المجُوسِيّ والوَثَنيّ.
وإذا فَوَّضَ المُضَحِّي الذبحَ إلى غيره، فيسْتحب أن يَشْهَدهُ؛ لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لفاطِمةَ -رضي الله عنها-: "قُومِي إِلَى أُضْحِيَتِكِ فَاشْهَدِيهَا فَإِنَّ بِأوَّلِ قَطْرَةٍ مِنْ ذمِهَا يُغْفَرُ لَكِ مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِكِ" 568.
فُرُوعٌ: يجوزُ إنابةُ الحائِضِ لحل 569 ذَبِيحتها، وعن "الحَاوِي" أَنَّ فيه كراهيةَ ذَبْحِها بالتضحية وجهين.
وأَنَّ ذبْحَ الصبيّ الضَّحِيَّةَ مكروهٌ، وهذا إذا قُلنا بحل ذَبيحتِه.
ومع ذلك فإنَابةُ الحائضِ والصبي أوْلَى من إنابةِ الكِتَابِيّ، والحَائِضُ أَوْلَى من الصَّبِيِّ.
الثانيةُ: النَّيَّةُ شرطٌ في التضحيةِ، وهل يَجِبُ أن تكونَ مقرونةً بالذبْحِ أَمْ يجب
الجزء: 12 - الصفحة: 77
تَقْدِيمُها عليه؟ قضية ما ذكره الإمامُ تخريجه على وجهيْنِ ذكرناهما في جَوازِ تقْديِم النيةِ على تَفْرِقَةِ الزكاةِ والأظهرُ الجوازُ.
وإذا قال: جعلتُ هذه الشاةِ ضَحِيَّةً فهل يُغْنِيه التعيينُ والقصد عن نِيَّةِ الذبح؟ فيه وجهان:
أَحدُهما: نَعَمْ، ولا حاجَة إِلَى نية أُخْرَى كما لو قال لعبده: أَعْتَقْتُكَ.
والثَّانِي: لاَ؛ فإن التضحيةَ قُرْبةٌ في نَفْسِها فتحتاج إلى النيةِ وذكر الإمامُ أَنَّ الأولَ المذهبُ، واقتصر صاحبُ الكتابِ على إيرادِه، [والأَقْرَبُ] 570 الثاني وترجِيحُه.
قال الشيخُ إِبْرَاهِيمُ المَرْوَزِيّ، والقَاضِي الرُّوَيانِي وغيرُهما: وليكن الوجهانِ مُفَرَّعَيْنِ على جَوَازِ تقديم النيةِ على الذبح، فإن لم يُجوَّزة فَلْنَقْطَعْ باعتبارِها عند الذبح.
ولو التزمَ أضحية في ذِمَّتِه ثم عَيَّنَ شاةً عما في ذِمَّتِه بني على أن [المُعَيَّنَةَ] 571 هل تتغيرُ عن المُطْلَقةِ في الذِّمَّةِ؟ إِنْ قُلْنَا: نَعَمْ، ففيه الخلافُ المذكورُ في الصورة السابقة.
وإن قُلْنَا: لا، فلا بُدَّ من نيَّةِ الذبْح، وإن فوَّضَ الذبْحَ إلى غيره ونوى عند ذَبْحِ الوَكِيل كفى ولا حاجةَ إلى نِيَّةِ الوكِيلِ بلَ لَوْ لَمْ يعْلَمْ أنه مُضَحٍّ، لم يَضُرَّ، وإن نوى عند الدَّفْعِ إلى الوَكِيلِ دُونَ الذَّبْحِ خُرِّجَ على الخِلاَفِ في جواز التقديم على الذبح.
ويجوزُ أن يُفَوِّضَ إلى الوكِيل النيةَ كما يفوضُ إليه الذبحَ، وقد سبق نظيرْه في "الزكاة" وهذا إذا كان الوكيلُ مُسْلماً، فإن كان كِتابِيّاً لم يَجُزْ تفويضُ النيةِ إليه.
الثَّالِثَةُ: العبدُ القِنُّ، والمدبرُ، والمستولدَةُ، لا تجوزُ لهم التضحيةُ إذا قلنا بالصحيح: وهو أَنَّ العبدَ لا يَمْلِكُ بالتمليك، فإن أَذِنَ السيِّدُ -وقعت التضحيةُ عنه، فإن قُلْنا: إنهم يَمْلِكون بتملِيكِ السيد لم يجز لهم التضحيةُ أيضاً من غير إِذْن السيد؛ لأن حَقَّ السيدِ لم ينقطِعْ عنه بل له الانتزاعُ؛ فإن أَذِن وقَعَتِ الأُضْحيةُ عنهم كما لو أَذِن لهم في التصدُّقِ 572، وليس له الرجُوعُ بعد الذَّبْحِ، ولا بَعْد جَعْلِها ضحيةً والمُكَاتَبُ لا يُضَحِّى بغير إِذْن السيد، فإن أَذِن فقولان؛ بناءاً على القَوْلَيْنِ في نفُوذِ تبرعاتِه بإذْنِ السيد.
ومَنْ بعضُه رَقِيقٌ إذا ملك شيئاً ببعضِه الحرّ فله أَنْ يضحي بها ولا يحتاجُ إلى إِذْن السيد كما لو تصدَّقَ بملكه.
الجزء: 12 - الصفحة: 78
وقولُه في الكتاب "ولا ضَحِيَّةَ لِلرَّقِيقِ" يجوزُ إعلامُه بالواوِ، لما ذكرْنَا من التفرِيع على أَنَّ العبدَ يملِكُ بالتملِيك.
فرْعٌ: لو ضَحَّى عن الغَيْرِ بغير إِذْنِه، لم يقع عنه (1). قاله في "التَّهْذِيبِ" وفي الضحيَّةِ عن الميتِ كَلاَمٌ قد مَرَّ في "الوَصَايَا".
قال الغَزَالِي
ُّ: (الرُّكنُ الرَّابع: الذَّبْحُ)
وَهُوَ التَّذْفِيفُ بِقَطْعِ تَمَامِ الحُلْقُومِ وَالمَرِيءْ بِآلَةٍ لَيْسَ بِعَظْمٍ مِنْ حَيَوَانٍ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّة* وَلاَ يُشْتَرَطُ قَطْعُ الأَوْدَاجِ (م) * وَلَوْ تَرَكَ جِلْدَةً يَسِيرَةً مِنَ الحُلْقُومِ حَرُمَ* وَلَوْ قَطَعَ مِنَ القَفَا وَأَسْرَعَ حَتَّى انْقَطَعَ الحَلْقُ قَبْلَ حَرَكَةِ المَذْبُوحِ جَازَ* وَلَوْ رَمَى رَأْسَ عُصفُورٍ ببُنْدُقَةٍ لَمْ يَحِلَّ* وَلَوْ نَزَعَ غَيْرَهُ مَعَ ذَبْحِهِ حَشْوَةَ الحَيَوَانِ حَرُمَ إذْ لَمْ يَنْفَرِدِ الذَّبْحُ بِالتَّذْفِيفِ.
قال الرَّافِعِيُّ: غَرَضُ الركْنِ بيانُ الذبح الذي يُنَاطُ به الحلّ في الحيوانِ المأكُولِ المقدُورِ عليهِ إِنْسِيّاً كان أو وَحْشِيّاً، ويساوي فيه الضحيةُ وغيرُها، لكن الشافِعِيَّ -رضي الله عنه- والأصحابَ تكلَّمُوا فيه في الضَّحَايَا، وضَبَطَ في الكتاب فقال: "هو التَّذْفِيفُ بقطع تمامِ الحُلْقُومِ والْمَرِيءِ بآله ليست بِعَظْمٍ من حيوانٍ حياةٌ مستقرة" وفيه قيودٌ:
أحدُها: قطع الحُلْقوم والْمَرِيءِ، فلو اختطف رأْسَ عُصْفُورٍ ببُنْدقة فهي ميتةٌ؛ لأنه عدل عن القَطْعِ، وهو الذي اعتبر في الباب 574.
قال الإمامُ: وهو بمثابةِ ما لَوِ اعْتَمد رأْسَ عُصْفور واقتلعه والتعبُّدُ بالقْطعِ لا بالقَلْعِ.
والحُلْقُومُ: مَجْرَى النَّفَسِ خُرُوجاً ووُصُولاً.
والمَرِيءُ مَجْرَى الطعامِ والشَّرابِ، ويجمع على مُرُؤٌ؛ كَسَرِيرٍ وَسُرُر.
[و] قال الشيخ أبُو حَامِدٍ وغيرُه وهو تحت الحُلْقُومِ ووراءهما عِرْقَانِ في صَفْحَتي العُنُقِ [وَيُحِيطانِ بالحُلْقُوم] 575 [وكذلك ذكر بعضُهم، وفي "تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أبِي حَامِد"573
الجزء: 12 - الصفحة: 79
أنهما يُحِيطَانِ بالمَرِيءِ] 576 يقال لهما: الودَجَانِ، ويقال للحلقوم والمرِيءِ معهما الأَوْدَاجُ ولابد من قطع الحُلْقُومِ والمَرِيءِ.
وعن الاِصْطَخْرِي: أنه يكفي قطعُ أَحَدِهما لأن الحياةَ لاَ تَبْقَى بعده.
قال الأصحابُ: وهذا خلافُ نَصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه- وخلاف مَقْصُودِ الذَّكاةِ؛ لأن المقصودَ الإزهاقُ: بما يوحى ولا يُعذَّبُ وقطْع أَحدِهم لا يوحى، ويُسْتَحَبُّ أن يُقْطَع معهما الوَدَجَانِ لأنه [أوحى] 577 والغالب أنهما ينقطعان إذا قطع الحُلْقُومَ والمريءَ، لكن لو تكلف مُتَكَلِّفٌ وقطع الحُلْقُومَ والمَرِيءَ وترك الودَجَيْنِ ثم الذبحُ وحصل الحلُّ؛ لأن قَطْعَهما مُوحٍ والْوَدَجَانِ قد يسلان من الحيوان فيبقى، وما هذا شأْنُه لا يُشْتَرطُ قَطْعُه كسائر العُروقِ.
وقال مَالِكٌ: لابد من قطعِهما مع الحُلْقُوم والمريءِ.
وعند أَبِي حَنِيفةَ: لا بُدَّ من قطع الأَكْثَرِ.
ثم قِيلَ؛ معناه أن يقطعَ مِنْ كُلِّ واحدٍ منهما أكثرَهُ.
وقِيلَ: أن يقطعَ منهما ثُلُثَه، ولو ترك مِنَ الحلقُومِ والمريءِ شَيْئاً وماتَ الحيوانُ فهو حَرَامٌ، وإن كان المتروكُ يَسِيراً، وكذا لو انتهى إلى حركة المذْبُوحِ، ثم قطع المترُوكَ.
وعن "الحَاوِي" وجهٌ آخر: أنه يحلّ؛ لأنه يقومُ مقامَ الكُلِّ في تفويتِ الحياةِ.
وهذا ما اختاره القَاضِي الرُّوَيانِي في "الحِلْية".
قال: ولا أَثَرَ لقَدْرِ أُنْملة أو ظُفْرٍ يبقى والظاهِرُ الأولُ.
ولو قطع من القَفَا حتَّى انتهى إلى قَطْع الحلقُومِ والمريءِ، فيعصى؛ لما فيه من زيادَةِ الاِيلاَمِ، ثم يُنْظَرُ إن انتهى إلى حركةِ المَذْبُوحِ حين انتهى القطْعُ إلى المريءِ، فهو مَيْتَةٌ، وقطعُ الحلقُومِ والمريءِ بعد ذلك لا ينفَعُ، وإن كان فيه حياةٌ مستقرةٌ فقطعها -حَلَّ؛ كما لو قطع يدَ الحيوانِ، ثم ذَكَّاه.
وعن مَالِكِ وأَحْمَدَ: أنه لا يَحِلُّ؛ لعدُولِه عن الذبح المأْمُورِ به.
قال الإمامُ: ولو كان فيه حياةٌ مُسْتقرة عند ابتداءِ قَطْعِ المريءِ ولكنه إذا قطع المريءِ وبعضَ الحُلْقوم 578 انتهى إلى حَرَكَةِ المذْبُوح لما ناله من قبل بسبب قَطْع القَفَا -فهو حَلاَلٌ وأقصى ما وقع التعبُّدُ 579 أن يكونَ فيه حياةٌ مستقِرَّةٌ عند الابتداءِ بقَطْعِ المذْبَحِ.
والقطعُ من إِحْدَى صَفْحَتيِ العُنُقِ كالقَطْع من القَفَا.
ولو أدخل السِّكِّين في أُذُنِ الثعلب ليقطع الحلقُومَ والمريءَ داخل الجِلْدِ ففيه هذا
الجزء: 12 - الصفحة: 80
التفصيلُ إن انتهت الحدِيدَةُ إلى المذْبَحِ، وفيه حياةٌ مُسْتقرةٌ -حلَّ، وإلا فلا ولو أمَرَّ السكينَ ملصقاً باللّحْيَيْنِ فوق الحلقومِ والمريءِ [وأبان الرأْسَ، فَلَيْسَ هذا مذبحاً أو بِذَبْحٍ إذا لم يَقْطَعِ الحلقومَ والمرِيءَ.
القَيْدُ الثَّانِي: كون التذْفِيفِ حَاصِلاً بقطْعِ الحُلْقُومِ والمَرِيء] وفيه صُورَتانِ.
إِحْدَاهُما: لو أخذ الذابحُ في قَطْعِ الحلقُومِ والمريءِ وأخذ آخر في نزع حَشْوةِ الحيوَانِ أو في النخْسِ في الخَاصِرَةِ -لم يحلّ؛ لأنَ قطع الحلقُومِ والمرِيءِ خرج عن أَنْ يكون هذا المذفّفَ.
ولا فَرْقَ بين أَنْ يكونَ ما يجري به قطعُ الحلقُومِ مما يذفّف لو انفرد، أو كان يُعِين على التَّذْفيِف.
وقطعُ رقبةِ الشَّاةِ من قَفَاهَا لو اقترن بقطْعِ الحُلْقوم بأن كان يجري مُدْيةً من القَفَا وأُخْرَى من الحلْقُومِ حتى الْتَقَيَا، فالوجهُ التحرِيمُ بخلاَفِ ما إذا تقدَّم قطع القَفَا، وبقِيَتِ الحياةُ مستقرةً إلى انتهاء المدية إلى المذْبَحِ.
ولك أَنْ تقولَ إن كان المقارن لقطع الحلقُومِ والمريءِ مُذَفّفاً فيظهر التحريمُ؛ لأن إضافَةَ الزهوق إلى أَحَدِهما ليست بأَوْلَى من الإضافَةِ إلى الثَّانِي فأما إذا لم يكن مُذَففاً - فيجوزُ أَن يُقالَ كما لا أَثَرَ له إذا تقدَّمَ على قَطْع الحُلْقُوم والمَرِيءِ لا أثر عند المُقَارنةِ، وبتَقْدِير أن يؤثرَ ويَمْنَعَ الإضافَةَ إلى قَطْعِ الحُلْقوم والمرَيءِ مع كونه مُذَفّفاً، فينبغي أن يُقالَ إذا جَرَحَ جَارحٌ جِراحةً غيرَ مُذَفّفةٍ مع حزِّ الرقبةِ من آخر، لا يَخْتَصُّ الثاني بالقِصَاصِ.
والثَّانِيَةُ: يجبُ أَنْ يستوعِبَ 580 الذابحُ في القَطْعِ ولا يتأنى بحيْثُ يَحس ويظهر انتهاءُ الشاةِ قبل اسْتِتْمام قطع المذّبَح إلى حركة المذْبُوحِ، وهذا قد يخالِفُ ما سبق أن المرعى المُتَعَبَّدَ به أَنْ يكَونَ في الحيَوانِ حياةٌ مُسْتقرة عند إلابتداءِ بقطْع المذبح، ويشبه أَنْ يكونَ المقصودُ هاهنا [إذا تبيَّنَ فظهر مَصِيرُه إلى حركةِ المذْبُوحِ، والمقصودُ هناك] 581 إذا لم يتحقق الحالُ.
القيْدُ الثَّالِثُ: ألاَّ تكونَ الآلةُ القاطِعَةُ عَظْماً وقد مر هذا في "الصَّيْدِ والذَّبَائِح".
الرَّابعُ: أَنْ يكونَ في الحيوانِ عند الذَّبْحِ حياةٌ مُسْتقرةٌ، فلو جرح السبعُ صَيْداً أو شاةً، أو انهدَمَ سقْفٌ على بَهِيمةٍ أو جرَحَتْ هِرّةٌ حمامةً ثم أدْرَكَها صاحِبُها وهي حيةٌ فذبحها -حلَّتْ، إن كانت فيه حياةٌ مُسْتقرةٌ، وإن كان يتيقن أنها تهلك مِنْ تلك الجراحَةِ
الجزء: 12 - الصفحة: 81
بعد يَوْمٍ أو يَوْمَيْن -فقد سبق ما يُوافِقُ هذا في جراحاتِ الآدميين.
وفي كتاب القَاضِي ابْنِ كجّ أَنَّ أَبَا الْحُسَيْن بن القَطَّانِ حكى عن رواية أَبِى مُحَمَّدٍ الفَارِسِيّ قَوْلاً آخر: أنها لا تحِلّ.
والمذهبُ الأولُ: وإن لم يكُنْ فيها حياةٌ مستقرةٌ لم تَحِلّ.
وذكر القَاضِي ابْنُ كج أَنَّ أَبَا حَفْصِ ابْنَ الوَكِيلِ حكى فيه قَوْلاً آخر أنها تَحِلُّ.
والمذهبُ الأول.
وهذا بخلاف الشَّاةِ إذا مَرِضَتْ فصارت إلى أَدْنى الرمق، فذُبِحَتْ تحلُّ لأنه لم يُوجَدْ سببٌ يُحالُ عليه الهلاكُ ويجعل قَتْلاً.
قال الغَزَالِيُّ: وَالمُشْرِفُ عَلَى المَوْتِ إِنْ شَكَكْنَا فِي أَنَّ حَرَكَتَهُ كَحَرَكَةِ المَذْبُوحِ أَوْ حَيَاتَهُ مُسْتَقِرَّةٌ فَالغَالِبُ التَّحْرِيمُ* وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ بِدَوَامِ الحَرَكةِ بَعْدَ الذَّبْحِ وانْفِجَارِ الدَّمِ وَعَلاَمَات أُخْرَى جَازَ ذَبْحُهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: ولو أكلتِ الشاةُ نباتاً مُضِرّاً فصارت إلى أَدْنَى الرَّمَقِ فذبحت فقد ذكر شَيْخِي -يعني القاضي حُسَيْن- فيه وَجْهَيْنِ ثم قطع من كره بنفي الحِلِّ؛ لأنا وجدنا سَبَباً يُحالُ الهلاكُ عليه، فصار كجُرحِ السَّبُع، ثم كون الحيوان مُنْتهياً إلى حركةِ المذْبُوحِ أو حيّاً بحياةٍ مُسْتقرةً يُسْتَيْقَنَ تَارةً، ويُظَنُّ أُخْرَى بعلامَاتٍ وقَرائِنَ لا تضبطها العبارةُ وشبه بعلاماتِ الخَجَلِ وَالغَضَبِ ونحوهما، ومن الأَمَاراتِ 582 على بقاءِ الحياةِ المُسْتقرَّةِ الحركةُ الشدِيدةُ بعد قطع الحُلْقُومِ والمِريءِ وانفجارِ الدَّمِ وتدفقه.
وذكر الإمامُ: أن فيهم مَنِ اعْتمد كُلَّ واحدٍ منهما، وَاكْتَفَى به دَلِيلاً على أَنَّ فيه حياةً مُستقرةً، وأن الأَظْهرَ أن كلاً منهما وإن كان يثير ظناً -فإنَّه لا يُكْتَفَى به لأنهما قد يحصُلاَنِ بعد الانتهاءِ إلى حركة المذْبُوحِ.
نَعَمْ.
قد ينضمُّ إلَى احدِهِما أو كِلاهُما قرائِنُ وإماراتٌ أخَرُ تُفِيدَ [اليقينَ] 583 أو الظَّنَّ فيجبُ النظرُ والاجتهادُ، وإذا شَكَكْنَا في الحياة المُسْتقرةِ ولم يترجّحْ في ظَنِّنا شيءٌ ففيه وجهان:
أَحَدُهُمَا: وينسب إلى ابْنِ أَبِي هُرَيْرةَ أنه يحلُّ؛ لأن: الأصلَ بقاءُ الحياةِ المستقرة.
وأَظْهرُهما وهو المذكورُ في الكتابِ، وبه قال أَبُو إسحاقَ: المنعُ تغلِيباً للتحرِيم
الجزء: 12 - الصفحة: 82
فيه، ومَواضِع العلامَاتِ من الفَصْل بَيْنَهُ لمن تَأمَّلَ الشرحَ.
وقولُه "عندَ تَمامِ الحُلْقُومِ والمِريءِ [ولو طرح لفظُ "التَّمَام" لحصلَ الغَرَضُ؛ فإنه إذا ترك بعضَ الحلْقُومِ أو المرِيء] 584 لم يكن قَاطِعاً لَهُمَا.
وقولُه "ولو قطِع من القَفَا وأَسْرَعَ حتى انقطع الحلقومُ" ظاهِرُه يخالف ما حكينا عن الإمامِ أنه يَكْفِي أن يكونَ فيه حياةٌ مستقرةٌ عند ابتداءِ قَطْعِ المريءِ، وذلك لأنَّ لفظَ "الحلْق" إن حُمِل على المذْبَحِ الشامل للحلْقُومِ والمِريءِ، فقضيةُ اعتبارِ انقطاعِهمَا قبل الانْتِهاءِ إلى حركة المذْبُوجِ، وإن حُمِل على الحَلقُوم -فكذلك لأنَّ القطعَ مِنْ جنبِ القَفَا ينتهي إلى المِريءِ أوَّلاً ثم إلى الحُلْقُومِ، فيكون انقطَاعُ الحلقُومِ بعد إنقطاع المَرِيءِ.
قال الغَزَالِيُّ: (أَمَّا السُّنَنُ) فَيُسْتَحَبُّ تَحْدِيدُ الشَّفْرَةِ* وَسُرْعَةُ القَطْعِ* وَتَوْجِيهُ المَذْبُوحِ إِلَى القِبْلَةِ* وَاسْتِقْبَالُ الذَّابِحِ القِبْلَةَ* وَأَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ* وَلاَ يَقُولَ: بِسْمِ مُحَمَّدٍ* وَلاَ يَقُولَ: بِسْمِ اللهِ وَمُحَمَّدٍ* وَلَوْ قَالَ: بِسْمِ اللهِ وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ جَازَ* ويُسْتَحَبُّ ذَبْحُ البَعِيرِ فِي اللَّبَّةِ لِلتَّسْهِيلِ.
قال الرَّافِعِيُّ: تَبيَّنَ في الفصْلِ السابِقِ ما يعتبرُ في الذبْحِ لتحلَّ الذبيحةُ، والغرضُ الآنَ بيانُ ما يتعلق بسُنَته وآدابه.
فمنها تحديدُ الشَّفْرَةِ.
روي عن شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْإِحْسَانَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فإذا قَتَلْتُمْ فَأحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِحَتَهُ.
والشِّفْرةُ: السِّكِّينُ العَظِيمةُ، ويقال لِحَدِّ السيْفِ شَفْرةٌ أيضاً.
ومنها: إِمْرَارُ السكينِ بقُوَّةٍ وتحامُلٍ ذَهَاباً وعَوْداً والجد في الإسْرَاعِ ليكون أَوْحَى وأَسْهَلَ.
ومنها: استقبالُ الذَّابحِ القِبْلةَ، وتوجِيهُ الذبيحةِ إِلَيْها، وذلك في الهدْيِ والضحيةِ اْشَدُّ اسْتِحْباباً؛ لأن الاستقبالَ مُسْتحبٌّ من القُرُبَاتِ.
ويُرْوَى عن جَابِرٍ -رضي الله عنه- أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- ضَحَّى بكبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فلما وجههما قَرَأَ: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ [وَالْأَرْضَ]﴾ الآيتيْنِ وكيف توجيهها 585؟ ذُكِرَ فيه ثلاثةُ أَوْجُهٍ:
الجزء: 12 - الصفحة: 83
أَظْهرُهَا: وهو المذكورُ في الكتاب أنه يُوَجِّهُ مَذْبَحَها إلى القِبلة [ولا يوجِّه وَجْهَهَا؛ لأنه حِيئَذٍ يحتاج إلى أن يَسْتَدْبِرَ القِبلة] ويجعلها على يَسَارِه.
وثانيها: أَنْ يُوَجِّهَهَا بجميعِ بَدَنِها.
وثالثها: أَنَّهُ يُوَجِّهُ قَوَائِمَهَا.
ومنها: التسميةُ عند الذَّبْحِ، وقد سبق ذكرها في "الصيد والذَّبَائِحِ، ولو ضَمَّ صاحبُ الكتاب ما ذَكَرَ هاهنا مِنْ مَسائِل التسمية إلى ما ذَكَر هناك، وأوردهما في أحد الموضِعَيْنِ -لكان أَحْسَنَ ويجوزُ أن يُعْلمَ قولُه "وأَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللهِ" بالحَاءِ والأَلِفِ؛ لأنهما لا يَعُدَّانِه من السُّنَنِ على ما سبق بيانُ مذهبِهمَا.
ولا يجُوز أن يقول [الذابِحُ: بسم مُحمد ولا أن يقول] 586 باسْمِ الله واسم محمدٍ، وإنما هو حَقُّ لله تعالى أن تُجْعَلَ الذبائِحُ باسْمِه، وأن يكون اليمنُ باسْمِه وأن يكون الجود له لا يُشَارِكُه في ذلك خَلْقٌ.
هكذا حكاه الصَّيْدَلانِي، والرُّويَانِي، وغيرُهما عن القَفَّالِ وذكر في "الوَسِيطِ" أنه لا يجوزُ أَنْ يقولَ بِاسْم اللهِ، ومُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ؛ لأنه لاَ شَرِيكَ، وكان لا يبعدُ أَنْ يجعل إضافَتَهُ إلى الله تعالىَ بالرسالةِ صَارفاً عَنِ [التَّشْرِيكِ] 587، وإيهامه بخِلاَفِ ما إذا اقْتَصَر على العلم.
قال ولو قال: باسْمِ اللهِ ومُحَمدٌ رسولُ الله، بالرفْعِ فلا بأسَ به.
وتناسِبُ هذه المسائِلُ ما حكى في "الشَّامِل" وغيره عن النصِّ أنه لو كان لِأَهْلِ الكُفَّارِ ذبيحةٌ يذبحونها باسمِ غَيْرِ الله تعالى كالمسيحِ -لم يَحِلَّ.
وفي كتاب القاضي ابنِ كج: أن اليهودِيَّ لو ذَبَح، لـ"مُوسَى" أو النصراني لو ذبح لِـ"عِيسَى" -عليه السلام- أو الصليب -حَرُمَتْ ذبيحتُه، وأَنَّ المسلِمَ لو ذبح للكعبةِ أو للرسول -صلى الله عليه وسلم- فيقوى أن يُقَال يحرمُ لأنه ذبح لغيرِ الله تعالى.
وإن أَبَا الحُسَيْن خَرَّجَ وجهاً آخر: أنه يَحِلُّ لأن المسلمَ يذبح للهِ -عَزَّ وَجَلَّ- ولا يعتقِدُ في الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما يعتقده النصرانيُّ في عِيسَى -عليه السلام-.
قال وإذا ذبح للصَّنَمِ -لم تُؤكَلِ الذبيحةُ سَوَاءٌ كان الذابحُ مُسْلِماً أو نصرانياً.
وفي تَعْلِيقة إبراهِيم المرْورُّوذي أن ما يُذبْحُ عن استقبالِ السُّلْطانِ تقرُّباً إليه، أَفْتَى أهلُ بُخَارَى بتحريمهِ؛ لأنه مما أُهِلَّ به لغير الله تعالى واعلَمْ أن الذبْحَ للمعبُودِ وبِاسْمِه نازِلٌ منزلةَ السُّجُودِ له، وكل واحد منهما نوعٌ من أنواع التعظِيم والعبادَةِ المخصُوصَةِ بالله تعالى الذي هو المستحِقُّ للعبادةِ، فمَنْ ذبح لغيره مِنْ حَيَوَانٍ أو جَمَادٍ كالصَّنم على وَجْهِ
الجزء: 12 - الصفحة: 84
التعظيم والعبادَةِ -لم تَحِلَّ ذبيحتُه وكان ما يأتي به كُفْراً كمَنْ سَجَدَ لغيرِه سَجْدَةَ عِبَادةٍ، وكذا لو ذَبَحَ له ولغِيْره على هذا الوجه.
فأما إذ ذبح لغيرِه لا على هذ الوَجْهِ، كما إذا ضَحَّى غيرُه أو ذبح للكعبةِ تعظيماً لها؛ لأنه بيتُ الله تعالى، أو للرسولِ -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فهذا لا يجوزُ أن يمنع الحِلَّ.
وإِلَى هذا المعْنَى يرجع قولُ القائِل: أَهْدَى فلانٌ للحرَمِ أو للكعْبَةِ.
ومِنْ هذا القَبِيل: الذبحُ عند استقبَالِ السُّلْطَانِ فإنه استبشَارٌ لقدُومِه نازِلٌ مَنْزلةَ ذَبْحِ العَقِيقَةِ لولادَةِ الموْلودِ، ومِثْلُ هذا لا يُوجِبُ الكُفْرَ، وكذا السجودُ للغير خُضُوعاً وتذلُّلا.
وعلى هذا فإذا قال الذَّابحُ: باسمِ الله وباسم اسم مُحمدٍ، وأراد: أَذْبَحُ بِاسْمِ الله وأتبرَّكُ باسْمِ محمدِ فينبغي أَلاَّ يحرمَ.
وقول مَنْ قال لا يجوزُ ذلك يمكِنُ أن يُحْمَل على أن اللفظةَ مكروهةٌ لأنها فيها الجمعُ والتَّشْرِيكُ، فالمكروه يَصِحُّ تَغْلِيباً للجوازِ والإِبَاحَةِ المطلقَةِ عنه 588.
وكانت وقعت مُشَاجَرةٌ بين جماعةٍ مِمَّنْ لقيناهم مِنْ فُقَهاء "قَزْوِين".
في أَنَّ مَنْ ذبحَ باسم الله واسم رسوله، هل تَحِلُّ ذبيحتُه؟ وهل يكفر بذلك؟ وأفضت تلك المشاجرةُ إلى فِتْنةٍ، والصوابُ ما بينا.
ولا تُكْرَهُ الصلاةُ على النبي -صلى الله عليه وسلم- عند الذَّبْحِ، خِلاَفاً لأبي حَنِيْفَةَ ومَالِكٍ، وأَحْمَدَ رحمة الله عليهم.
وعن نَصِّه -رضي الله عنه- في "الأُمِّ" أنها مُسْتَحَبَّةٌ كما في سائِر الحَالاَتِ.
وعن ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أنها لا تُسْتَحَبُّ ولا تُكْرَهُ 589.
ومِنْهَا: المستحبُّ في الإبِل النَّحْرُ، وهو [قطعُ] 590 اللَّبَّةِ من أَسْفَلِ العُنق، ومن البَقَرِ والغَنَم الذّبْحُ؛ وهو قَطْعُ الَحلْقِ أَعْلَى العُنُقِ، وذلك لأن عنقَ الإِبِل طوِيلٌ فإذا قطع أَعْلاَهُ تبَاطَأَ خُرُوجُ الرُّوحِ، والمرعى في الحالتَيْنِ قَطْعُ الحلقُوم والمِريءِ.
ولو ذَبَحَ الجازِرُ الابلَ أو نحو البقرَ والغنمَ ثبت الحِلُّ، ولم يكره فِعْلُه وإن ترك المستحب.
الجزء: 12 - الصفحة: 85
وفيه قولٌ أنه يُكْرَهُ.
وعن مَالِكٍ: أنه لا يحلُّ إذا ذبح البَعِيرَ أو نحرَ الشَّاةَ، وفي البقرِ يحصل الحلُّ بالطريقَيْن.
والأَوْلَى أن ينحر البعيرُ قَائِماً على ثَلاَثِ قَوَائِمَ مَعْقُولُ الرُّكْبَةِ 591، وإلا فَبَارِكاً وأن تُضْجَعَ البقرة والشاةُ على الجنْبِ الأَيْسَرِ 592، ويتركُ رِجْلُها الأَيْمنُ وتشد القوائم الثلاث.
ومنها: إذا قطع الحلقومَ والمرِيءَ من الحيوان، فينْبَغِي أن ينكف ولا يبينُ رَأْسَه في الحال ولا يَزيدُ في القَطْع حتى يبلغ النُّخَاعَ.
وفسره بعضُهم [بعظم] 593 الرقَبَةِ المتَّصِل بالقَفَا، وآخرون قالوا: إنه عَرْقٌ أبيضُ يمتد من الدِّمَاغِ إلى الظاهِر إلى عَجْبِ الذَّنَبِ.
ولا يُبَادَرُ إلى سَلْخِ الجِلْدِ، ولا يَكْسِرُ القفارَ، ولا يقطع عُضْواً من الأَعْضَاءِ [ولا
يحرك البَهِيمة] 594 ولاَ يجرُّهَا مِنْ مكانِ إلى مَكَانِ، بل يترك جَمِيعَ ذلك إلى مفارقَةِ الرُّوحِ، ولا يمسِكُها بعد الذبح؛ لِئَلاَّ تضطربَ، والأَوْلَى أن تُسَاقَ إلى المذْبَحِ برفْقٍ، وتضجعَ برفْق، ويَعْرِضَ عليها الماءَ قبل الذبح ولا يحِدُّ الشِّفْرةَ في وَجْهِهَا، ولا يذبح بَعْضَها في وَجْهٍ بَعْضٍ.
قال الغَزَالِيُّ: وَيَقُولُ في الضَّحِيَّة: اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا مِنْكَ وَإلَيْكَ فَتَقبَّل مِنِّي* وَيَنْوِيْ عِنْدَ التَّضْحِيَةِ وَإِنْ كان قَدْ عَيَّنَ الشَّاةَ* وَإنَّمَا تَتَعَيَّنُ بِقَوْلهِ: جَعَلْتُ هَذِهِ ضَحِيَّةً* وَلَوْ نَذَرَ ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ عَنْ نَذْرِي فَفِي التَّعْيِينِ وَجْهَانِ* وَلَوْ قَالَ: للهِ عَلَيَّ التِّضْحِيَةُ بِهَذِهِ الشَّاةِ فَفِي التَّعْيِينِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ وَأَوْلَى بِأنْ يَتَعَيَّنَ* وَلَوْ عَيَّنَ الدَّرَاهِمَ لِلصَّدَقَةِ لَمْ تَتَعَيَّنْ* وَلَوْ نَذَرَ الضَّحِيَّةَ فَفِي تَعْيِينِ وَقْتِ الضَّحِيَّةِ خِلاَفٌ* وَيُسْتَحَبُّ لِلمُضَحِّي أَنْ لا يَحلِقَ وَلاَ يُقَلِّمَ في عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ تَكْمِيلاً لِلأَجْرِ وَرَجَاءً لِلعِتْقِ مِنَ النَّار فيهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: لما تكلَّم فيما يعتبر في مُطْلق الذبح ليفيد الحل، وفي سُنَنَه، وآدابِه أراد أن يتكلَّمَ فيما يختص بذبح الضَّحيةِ فذكر ثلاثَ مَسائِلَ:
إِحداها: يُسْتحب أَنْ يقولَ عند التضحِيَةِ: "اللَّهُمَّ مَنْكَ وإِلَيْكَ فتقبلْ مِنّي".
والمعنى: هذه نعمةٌ وعطيةٌ منك وسعيُها وتقرِيبُها إليك، واحتج له بما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال عند التضحية بذلك الكَبْشِ؛ "اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وآلِ مُحَمَّدٍ" وعن "الحَاوِي" ذكر
الجزء: 12 - الصفحة: 86
وجْهَيْن في استحبابه.
وقال أَبُو حنيفةَ: إنه مكروهٌ.
وعن مالك: مِثْلُه.
وفي "البَحْر" أنه رُوِيَ عن بعْضِ السَّلَفِ أنه يقول: تَقَبَّلْ مني كما تقبلت مِنْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِكَ، ومُوسَى كَلِيمِكَ، وعِيسَى رُوحِكَ، ومُحمّدٍ عَبْدِكَ ورَسُولِكَ -صلوات الله عليهم أجمعين، فإنَّ أصحابَنا قالوا: لا يُكْرَهُ ذلك ولا يُسْتَحبُّ؛ لأنه لا يُسَاوِيهم غيرُهم فيها، لكن يجوز أن يكون المسؤُولُ التشرِيكَ في أَصْل التقبل.
وعن "الحَاوِي" أنه يُخْتَارُ في الأُضْحِيَةِ أن يكبِّرَ الله تعالى قبل التسمية وبعدها ثَلاَثاً ويقول: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبر اللهُ أكبرُ وللهِ الحمدُ؛ لأنه في أَيَّامِ التكبير.
الثَّانِيَةُ: قدَّمْنَا أن النيةَ شرطٌ في التضحية وذكروا وجهيْن في أنه إذا عَيَّن الشاةَ وجعلها أُضْحيةً؛ هل يُغْنِيه ذلك عن تَجْدِيد النيةِ عند الذبْح، وبيَّنَّا أن جوابَ صاحب الكتاب أن يغنيه.
والوجْهُ أن يحمل قولُه هاهنا ويَنْوِي عند التَّضْحِيةِ.
وإن كان قد عَيَّن الشاةَ على أنه يُسْتَحِبُّ ويحْسُنُ التجديدُ بعد التعْيِين السابِقِ، وإن كان التَّعْيِينُ مُغْنياً عنه.
ولو حُمِل على الوجُوبِ كان ذلك مُنَاقِضاً لقوله مِنْ قَبْلُ.
ولو قال: جعلتُ هذه الشاةَ ضحيةً أغناه ذلك عن تَجْديدِ النِّيةِ عند الذبْح.
ثم ذكر صاحبُ الكتابِ هاهنا قاعِدَتيْنِ تتعلقَان بالضحية المعنية.
إحداهما فِيما يحصلُ التعْيينُ، ومهما كانت في مِلْكِه بدنةٌ أو شَاةٌ فقال جعلتُ هذه ضحيةً [أو هذه ضحيةً 595] أو عليّ أن أُضَحِّيَ بها صارت ضَحيةً مُعينةً.
ويجوزُ أن يُعْلَم قولُه في الكتاب "وإنَّما يتعيّنُ" بالحاءِ؛ لما سنذكر أَنَّ عنده يجوزُ إِبْدَالُها بغيرها.
وكذا لو قال: جعلتُ هذه هَدَايَا أَوْ هَذا هَدْيٌ أو عليّ أَنْ أهدي به يَصِيرُ هَدْياً، وشرط بعضُهم أن يقولَ مع ذلك؛ لله تعالى.
قال في "التهذيب": والمذهبُ الأولُ، وشبه ذلك بتوجِيه العتق تَنْجِيزاً على العَبْدِ.
قال الإمامُ [تَشْبيهُهُ بتعيين] 596 الشيْءِ للوقْفِ والحبْسِ أقربُ، فإن الضيحةَ لا تخرجُ عن الماليَّةِ وإِنْ تَعيَّنَ كالعَيْنِ المحتبسةِ والعبدُ الذي وجد عليه العتق يخرُجُ عن المالِيَّةِ بالكُلِّية، وهذا لا يسلمه الأَوَّلُونَ، بل صَرَّحُوا بزوال المِلْكِ عن الهدْي [والأُضْحيةِ المعنيَّةِ كما سيأتي إن شاء الله تعالى بتفارِيعه] 597، وكذلك لو نذر أن يتصدَّقَ بمالٍ بعَيْنهِ- يزولُ مِلْكُه عنه بخلاَفِ ما لو نَذَر إعتاقَ رقبةٍ بعيْنها لا يزول مِلْكُه عنها ما
الجزء: 12 - الصفحة: 87
لم يُعْتَقْ؛ لأن المِلْكَ في الهدْي والأُضْحيةِ والمالِ المعيَّنِ ينتقل إلى المسَاكِينِ، وفي العَبْدِ لا ينتَقِلُ المِلْكُ إليه بل ينتقل الملك بالكُلِّية وإن لم يتلفظ بشيْءٍ، ونوى جعْلَ الشاةِ هَدْياً أو أضحيةً -لم تصر هَدْياً أو أُضْحيةً على القوْلِ الجَديدِ، كما لا يحصلُ العِتْقُ والوقْتُ إلاَّ باللفْظِ.
والقَدِيمُ ويُحْكَى عن اختيارِ ابْنِ سُرَيْج وَالإِصْطَخْرِيّ -أنه لا حاجةَ إلى اللفْظِ؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَهْدَى ولم ينقل أنه تلفَّظَ بشِّيْءٍ، وعلى هذا فبم تَصِيرُ هَدْياً وأضحية؟ فيه وُجوهٌ:
أَحدُها: وبه قال ابن سُرَيْج بمجردِ النيَّةِ كما يدخل في الصَّوْمِ بالنية.
والثاني: وبه قال الإصطخري، بالنيَّةِ والتَّقْلِيد أو الإشْعَارِ لتنضم الدلالةُ الظهِرَةُ إلى النيةِ البَاطِنَةِ فيقوم مقامَ اللَّفْظِ.
والثَّالِثُ: بالنيةِ والذَّبْحِ؛ لأنه المقصودُ وهو كالقبْضِ من الهِبَةِ.
والرَّابعُ: بالنيَّةِ والسَّوْقِ إلى المذْبَحِ.
وإذا لزمه هَدْيٌ أو أضْحيةٌ بالنذْرِ وقال: عيَّنْتُ هذه الشاةَ لنذري أو جعلتُها عن نَذْرِي، أو قال: لِلَّه عَلَيّ أَنْ أُضَحي بها عما في ذِمّتي فَفِي تَعْيِينها وَجْهانِ نقلهما الإِمامُ.
أَظْهرُهما: وهو الذي يوجد لأكثرهم -التعيِينُ وبل أَوْلَى؛ لأنه لو أَوْجَبَ على نَفْسِه ابتداءً، ولا شَيْءَ عليه تَعَيَّنَ ما عَيَّنَهُ فإذا عيَّن عما هو واجبٌ عليه كان أَوْلَى بأن يتعين.
هكذا وجه ابْنُ الصَّبَاغِ وغيرُه.
والثَّانِي: لاَ يَتَعَيَّنُ؛ لأن الملتزِمَ في الذِّمَةِ دَيْنٌ، والديْنُ لا يتعين إلاَّ بالإبقاء على المستحق.
وحكى الإمامُ هذا الخِلافَ في صُوَرٍ سَرَدَها، ورتَّبَ الخلافَ في بعضها على بَعْضٍ نُورِدُها مع زَوَائِدَ:
فمنها: لو قال ابتداء لله على التضحية بهذه البَدَنَةِ أو الشاةِ فعليه التضحيةُ، وفي تَعْيينِ تلك الشَّاةِ وجْهَانِ، وهذه الصورةُ أَوْلَى بالتعْيِين لأنه لم يتجرّدْ الاِلْتِزَامْ على التَّعْيِينِ.
وهذا هو الصحيح.
ولو قال: لله عَلَيَّ أن أَعْتِقَ هذا العبدَ -يلزمُه العِتْقُ، وفي تعيين ذلك العبْدِ وجهانِ مُرَتَّبانِ على الخِلاَفِ في مِثْلِ هذه الصُّورَةِ من الأُضْحية والعبْدُ أَوْلَى بالتعيينِ؛ لأنه ذُو حَقٍّ وحَظٍّ في العِتْق بخلاف الأُضْحيةِ، فلو كان قد نذر إعتاقَ عَبْدٍ ثم عَيِّنَ عبداً عما التزمَ، فالخِلاَفُ مرتَّبٌ على الخلاف في مِثْلِه من الأُضْحية.
الجزء: 12 - الصفحة: 88
ولو قال: جعلتُ هذا العبْدَ عَتِيقاً -لم يُخْفَ الحُكْمُ.
ولو قال: جَعَلْتُ هذه الدراهِمَ أو هذا المالَ صدقة فَفِيه وَجْهانِ، قد يوجه التعيينُ بالقِياسِ على ما إذا قال: جعلتُ هذه الشاةَ ضحيةً، والآخر بأنه لاَ فَائِدَةَ في تَعْيينِ الدراهِمِ، والشاةُ يُفْرَضُ اختصَاصُها بِسِمَنٍ وَحسْنٍ مَنْظَرٍ وغَيْرِهما وتفاريعُ الأئِمَّةِ لِلتَّعْيِين أَوْفَقُ.
ولو قال عَيَّنْتُ هذه الدَّرَاهِمَ عَمَّا في ذِمتِي منْ زكاةِ أَوْ نَذْرٍ، فَقَدْ ذكر الإمامُ أَنَّ الأصحابَ قطعُوا بأنه يلغو؛ لأنَّ التعيينَ ضَعِيفٌ في الدَّرَاهِم، وتَعْيِينُ ما في الذِّمَّةِ ضعيفٌ فيه، فإذا اجتمع سَبَبُ الضَّعْفِ لغى، وقد يِقَاسُ ذلك علىَ تَعْيِين الدَّرَاهِم كديون الآدَمِيِّين.
قال: وَلَيْسَتِ الصورةُ خَاليةً عن الاحتمَالِ 598.
وقولُه في الكتاب: "ولو عيَّن الدراهمَ للصدقةِ، لم يتعيَّنْ، يمكنُ حملُه على هذه الصورةِ إلى الصدَقَةِ الثابتة في ذِمَّته، ويمكن حملُه على ما إِذَا قال: جعلتُ هذه الدراهمَ صدقةً، أو: لله عليّ أن أتصدَّقَ بهذه الدراهِمِ، والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأن الأَقْرَبَ إلى اختيارِ الأَئِمة السَّالِفِين -رحمهم الله- في الصورة الثانية التعيين فلو حُمِل عليها كان جوابُه على خلافِ جوابِهم.
الثانيةُ وقْتُ التَّضْحِية للمتطوِّع بها قد تبيَّن من قبلُ.
قال الرُّوَيانِي: فإذا أراد التطوّعَ بالذبح، وتَفْرِيق اللحم في غير أَيَّام التشرِيقِ -يحصلُ له ثوابُ الصدقةِ ولا تحصلُ الأُضْحيةُ ولا ثوابُها.
ولو قال: جعلتُ هذه الشاةَ ضحِيةً فوقْتُها قوتُ المتطوع بها.
ولو قال: لِلَّه عليِّ أن أُضَحِّي بشاة، فهل [تتأقَّتُ] 599 بذلك الوقْتِ؟ فيه وجهانِ:
أَحدُهما: لاَ؛ لثبوتها في الذَّمِّةِ كما في دماءِ الجُبْرانَاتِ.
وأظْهرُهما: نَعَمْ؛ لأنه التزمَ ضحيةً في الذمةِ، والضحيةِ مؤقَّتة وعلى هذا ينطبقُ ما حكى الرُّوَيانِي عن الأصْحاب أنه لا تجوزُ التضحية بعد أيام التشْرِيق إلا أُضْحيةً واحدةً -وهي التي أَوْجبها في أيامها أَو قبلِها ولم يذبحْهَا حتى فات وقتُها، فإنه يذبحها قضاءً.
فإن قُلْنا: لا تتأقتُ فلو التزم بالنذْرِ ضحيةً، ثم عيَّن واحدةً عن نذره وفرّعْنا على أنها تتعيَّنُ، وهل تتأَقّتُ التضحيةُ بها؟.
فيه وجهان:
أحدُهما: نعم -كما لو قال: جعلتُ هذه ضحيةً، ولم يلتزم في الذمة.
الجزء: 12 - الصفحة: 89
وأَقْيسُهما: لا؛ لأنه عيّنَها عما التزم وما التزم غير مؤقَّتٍ على هذا الوجه.
المَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ 600: يُسْتَحَبُّ لمن أرادَ التضحيةَ أَلاَّ يحلِقَ شعرَه، ولا يقلّم ظُفْرَه في عَشْرِ ذِي الحِجّةِ حتى يُضَحّي 601، فإن خالف فقد فعل مَكْرُوهاً.
وعن أَبِي حنيفةَ: أنه لا يُسْتحبُّ تركُ الحلْقِ والقلْم بل يكرهُ.
وقال أحمدُ: يجب ترْكُهما.
وفي "الرّقمِ": أَنَّ لبعض أَصْحابنا تخريجاً [مِثْلَه] 602.
ويُروَى عن مالكٍ [مِثْلُ قولنا، ويُرْوَى مثل] 603 قول أَبِي حنيفةَ.
لنا ما رُوِيَ عن أم سَلَمةَ -رضي الله عنها- قالت: قال رسُول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلاَ يَمَسّ مِنْ شَعَرِهِ وَلاَ بَشَرِهِ شَيْئاً" 604.
والمقصودُ مِنْه الكراهةُ دُونَ التحريم.
واحتج له بما رُوِي عن عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أنها قالتْ: "كُنْتُ أَقْتِلُ قَلاَئِدَ هَدْيِ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- ثم يُقَلّدُهَا هو بيَدِه ثم يَبْعَثُ بها فلا يحرم عليه شيءٌ أَحَلَّهُ اللهُ له حتى يُنْحَرَ الهدْيَ" 605 وذكر فيه معنيانِ:
أَحدُهما: التشبيهُ بالحاجِّ، واعتُرِض عليه بأنه لو كان كذلك، لأمرَ بترك التطيُّيبِ ولُبْسِ المخِيطِ.
وأَظْهرُهما: وهو المذكورُ في الكتابِ: أن التضحيةَ سببُ الغُفْرانِ والعِتْق من النار، وقد ورد أن الله تعالى يَعْتِقُ بكل عُضْوِ من الضحية عُضْواً من المُضحّي؛ فاستحب أن يكون على أَكْمل الأجزاء ليعتق من النَّارِ.
ويجوزُ أن يُعْلَم -لما بينا- قولُه في الكتاب "وَاسْتُحِبَّ" بالحاءِ والمِيمِ والأَلِفِ [والواوِ وقولُه "ولا يُقَلِّم] " 606 بالواوِ؛ لأن في "الحَاوِي" أن قوله في الخبر: "فلا يَمَسُّ مِنْ شَعَرِه وبَشَرِه" له تأْوِيلان عن الشَّافعي -رحمه الله-:
الجزء: 12 - الصفحة: 90
أَحدُهما: أن المرادَ من الشعر شعرُ الرأْسِ، ومن البَشَرِ شعرُ البدَنِ، وعلى هذا لا يكره تَقْلِيمُ الأَظْفَارِ.
والثَّانِي: أن المرادَ من البَشَرِ تقليمُ الأَظْفار.
وكذا قوله: "فِي عَشْرِ ذِي الْحِجَّة"؛ لأنه حكى وجه؛ أن الحلْقَ والقَلْمَ لا يكرهانِ باستهلالِ ذي الحجَّة، وإنما يكرهان إذا دخل العشْرُ واشترى [أُضْحيةً أَوْ عيَّن] (1) واحدةً مِنْ مَوَاشِيَه للتضحية.
قال الغَزَالِيُّ: (النَّظَرُ الثَّانِي في
أحْكَامِ الضَّحَايَا)
وَهِيَ ثَلاَثَةٌ: (الحُكْمُ الأَوَّلُ) إِذَا قَالَ: جَعَلْتُ هَذِهِ الشَّاةَ ضَحِيَّةً فَمَاتَتْ فَلاَ شيْء عَلَيْهِ وَإِنْ عَيَّنَها عَنْ نَذْرٍ سَابِقٍ وَقُلْنَا تَتَعَيَّنُ فَمَاتَتْ فَفِي وُجُوبِ الإِبْدَالِ وَجْهَان* وَإِنْ أَتْلَفَهَا أَجْنَبِيٌّ فَيَشْتَرِي بِقِيمَتِهَا أُخْرَى* فَإِنْ لَمْ تَفِ القِيمَةُ بِشَاةٍ كَامِلَةٍ اشْتَرَى بِهَا شِقْصاً لِلضَّرُورَةِ* وَعَلَى وَجْهٍ يُصْرَفُ مَصْرِفَ الضَّحَايَا* وَلَوْ أَتْلَفَ المَالِكُ وَنَقَصَتِ القِيمَةُ فَفِي وُجُوبِ التَّكْمِيلِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ* وَلَوْ زَادَتْ القِيمَةُ اشْتَرَى بِهَا كَرِيمَةً* فَإنْ لَمْ يُوجَدْ فَشِقْصٌ آخَرُ عَلَى وَجْهٍ* وَعَلَى وَجْهٍ يَشْتَرِي خَاتَماً فَيَتَخَتَّمُ بِهِ أَوْ بِصَرْفه مَصْرِفَ الضَّحَايَا.
قال الرَّافِعِيُّ: النظرُ الثانِي: حضر أحكام الضَّحَايَا في ثلاثة أنواع:
أحدُها: فيما يتعلّقُ بتلَفِها وإِتْلاَفِها، ويقدم عليه أن الأُضْحيةَ المعيَّنةَ، والهدْيَ المعيَّن يزول مِلْكُ المتقرِّب عنهما، ولا ينفذ تصرفُه ببيع، أو هِبَةٍ وإبْدَالٍ بمثله وبخير منه؛ لما روي أن عُمَرَ -رضي الله عنه- قال: قلتُ: يا رسولَ الله؛ إني أوجبتُ على نَفْسِي بَدَنَةً وهي تُطْلَبُ مِنِّي بِنُوقٍ فقال -عليه السلام-: "انْحَرْهَا وَلاَ تَبِعْهَا وَلَوْ طُلِبَتْ بمِائَةِ بَعِير" 608.
وعن عَلِيٍّ -رضي الله عنه- أنه قال: مَنْ عَيَّنَ أضحيةً فلا يستبدلَ بها 609.
وفي "شَرْح الفُرُوعِ" للشيخ أَبِي عَلِيّ وجهٌ آخرُ: أنه لا يزولُ المِلْكُ عنه حتى يَذبَحَ ويتصدَّقَ باللحم.
كما لو قال: لله عليّ أن أعْتِقَ هذا العبْدَ، لا يزولُ مِلْكُه إِلاَّ [بإعتاقِه] 610، ولكن الفرْقَ ما تقدَّمَ.607
الجزء: 12 - الصفحة: 91
وعن أَبِي حَنيفةَ: لا يزولُ المِلْكُ عنها، وله بيعُها وإبْدَالُها.
ولو نذر العِتْقَ في عَبْدٍ بعَيْنِه، لم يجز بيعُه وإِبْدَالُه، وإن لم يزل المِلْكُ عنه.
وقال أَبُو حنيفةَ: يجوزُ.
ولو خالف ما ذكرناه وباع الأُضْحيةَ والهدْيَ المعيَّنَ -فيُسْتردُّ إن كانت العيْنُ باقيةً، ويردُّ الثمنَ.
وإن أَتْلَفها المشتَرِي أو تلِفَتْ عنده فعلَيْه القيمةُ أكثر ما كانت من يوم القَبْضِ إلى يوم التَّلَفِ.
والناذِرُ يَشْتَرِي بتلك القِيمَةِ مِثْلَ الذي تلِفَ جِنْساً ونَوْعاً وسِنّاً فإن لم يجِدْ بالقِيمَةِ المثْلَ لغلاء حَدَثَ فيضم إليها مِنْ عنده ما يتم به الثمنُ، وهذا معنى قولِ الأَصْحابِ: إنه يضْمَنُ ما باعَ بأكثر الأَمْرَيْن مِن قِيمته ومِثْله.
وإن كانت القيمةُ أكْثَر من ثَمَنِ المِثْلِ لِرُخْصٍ حادثٍ، فعلى ما سنذكرُ إنْ شاء الله تعالى في نظيره ثم المثل إنِ اشْترى بعيْنِ القيمةِ -صار المُشْتَري ضحيةً [بنفس الشراءِ] 611، وإنِ اشْتراه في الذِّمة ونوى عند الشراءِ أنَّها أُضْحيةٌ فكذلك، وإلاَّ فليجعله بعد الشراء أُضْحِيَةً؛ ذكره الرُّوَيانِي وغيره.
وكما لا يصحُّ بيعُ الضحية التي عُيِّنَتْ -لاَ يَصِحُّ إجارتُها؛ اتباعاً للمنافع بالأَعْيان ويجوزُ إعارَتُها؛ لأنها إرفاقٌ.
ولو [ركبها] 612 المُسْتأْجِرُ فتلِفَتْ ضمن المؤَجِّر قِيمتَها والمستأجر الأُجْرة، وفي الأجرة التي يضمنها وجهانِ:
أَظْهرُهما: أُجْرةُ المِثْل.
والثاني: الأكثرُ مِنْ أُجْرةِ المِثْل والمُسَمَّى، ثم يصرفها مصرف الضحايا أو الفقراء خاصةً؟ حكى "صاحب البَحْر" فيه وجهين.
إذا تقرر ذلك فلو قال: جعلتُ هذه البدَنَةَ أو الشاةَ ضَحِيَّةً، أو نذر أَنْ يُضَحِّي ببدنةٍ أو شاةٍ عَيَّنَها فماتَتْ قبل يوم النَّحْر أو سُرِقَتْ قبل أن يتمكَّنَ مِنَ الذَّبْحِ يوم النحر -فلا شَيْءَ عليه، وكذا الهَدْيُ المَعيَّن إذا تَلِفَ قبل بلُوغِ المنسَكِ أو بَعْدَهُ وقبل التمكُّنِ من الذبح.
ولو كان في ذِمَّتِه دَمٌ عن قِرَانٍ أو تمتُّعٍ أو أُضْحيةٍ أو هَدْيٍ عن نَذْرٍ مُطْلق ثم عُيَّن بدنةً أو شاةً عما في ذِمَّته -فقد قدَّمْنَا خِلاَفاً في أنها هل تتعيَّينُ؟ وَالظاهِرُ التَّعْيِينُ، وحينئذٍ فالظاهِرُ زوالُ المِلْكِ عنها؛ كالمعينة ابتداءً لكن لو تَلِفَتْ ففي وُجُوبِ الإِبْدَالِ وَجْهانِ رواهما الإمامُ وصاحبُ الكتاب:
أَحَدِهما: المنعُ؛ لأنَّها تعينت بالتعْيِين فتلتحِقُ بما إذا قال: جعلتُ هذه الشاةَ ضحيهً.
الجزء: 12 - الصفحة: 92
وأَصَحُّهما: وهو الذي اقتصر عليه المعظُم؛ الوجوبُ؛ لأن ما التزمَهُ يثبت في ذِمَّته 613، والمعيَّنُ وإنْ زال مِلْكُه عنه فهو مَضْمونٌ عليه، كما لو كان لرجُلِ على آخر دَيْنٌ فاشترى منه سِلْعة بذلك الدَّيْن 614 ثم تلِفَتِ السلعةُ قبل التَّسْلِيم في يَدِ بائِعِها -فإنه ينفسِخُ البيعُ ويعودُ الدَّيْنُ؛ كذلك هاهنا يبطل التعيِينُ ويعودُهَا في ذِمَّته كما كان.
وفي "الشَّامِلِ" أن على قول ابْنِ الحدَّادِ في صورة التعييب 615 على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
إن تلِفَ [الهديُ] 616 بعد الوُصُولِ إلى المقام توسُّعاً وذلك لأنَّ ما [يؤديه] 617 بعد تلَفِ المعيَّن ليس بَدَلاً عنه، ولكن يَعُودُ الدَّيْنُ علىَ رَأْي، وما يُؤَدِّيه يؤديه عما في الذمِّةِ واللفظة الناصَّة على الغرضِ أنه هل يَبْطُلُ التَّعْيِينُ ويعود الدِّين أم لا؟.
هذا إذا تَلِفَ الهديُ والأُضْحيةُ المعيَّناِن، وإن فُرِض إتلافٌ فينظر، إنْ وُجِد من أَجْنبيٍّ، فعلَيْه القيمةُ يأخُذُها المضحِّي ويشتري بها مِثْلَ الأول فإنْ لم يجِدْ بها مِثْلَ الأول، اشْتَرى ما دُونه ويخالف ما إذا نَذَرَ إعتاقَ عَبْدِ بعيْنِه فقُتِل حيثُ يأْخُذُ القيمةَ ولا يلزمه أن يشتري بها عَبْداً آخر ويَعْتِقَه؛ لأن مِلْكَه هنا لم يزل عنه، ومُسْتحقُّ العِتْقِ العبدُ وقد هلكَ بالقَتْلِ ومُسْتَحِقُّو الهدْي والأُضْحية باقُونَ، وإن لم يجدْ بها ما يصلح للهدْي والأضحيةِ.
فعن "الحَاوِي" أن علَى المضحِّي أن يُضُمَّ من عنده إلى ما أخذه مَا يَحْصُلُ به أُضْحيةً؛ لأنه قَدِ التزمَهَا، ومن قال بهذا فيُمْكِنُ أن يطرده في التَّلَفِ [وهذا الذي في "الحاوي" شاذٌ] والصحِيحُ المشهورُ أنه لاَ شَيْءَ عليه؛ لأنه لم يُوجَدْ مِنْه تقصيرٌ ولا إِتْلافٌ، وعلى هذا فإنْ أَمْكَن أن يَشْتَرِيَ بها شِقْصاً مِنْ هَدْيٍ أو أُضْحيةٍ، ففيه وجهان:
أَصَحُّهمَا على ما ذكره القاضي الرُّوَيانِي: أنه يلزمه شِرَاؤُه، والذبح مع الشِّرِيك، ولا يجوزُ إخراجُ القِيمة، كما لا يجوزُ إخراجُها في الأَصْلِ بدلاً عن التضحية.
والثَّانِي: يجوزُ -لأنَّ في شِراءِ الشِّقْصِ مَشَقَّةٌ وتجعل الدراهِمُ أَصْلاً؛ كما في الجبْرانِ في الزكاة، ويُحْكَى هذا عن أبي إِسْحاقَ، وقرَّب الإمامُ الوجْهَيْن من الخلاف فيما إذا أخرج واجِبَ مَالِه بحساب الحقَاقِ وبناتِ اللَّبُونِ، وأخرج غيرَ الأغبط، وأَلْزمْناهُ [جَبْرَ] 618 التفاوُتَ، هل يجوزُ إخراجُ الدراهم أو عليه صرفُها إلى شِقْصٍ، ثم إذا قلنا بالوجْهِ الثاني فقد أطلَقَ مُطْلِقُونَ: أنه يتصدَّقُ بها، وعبارةُ الإمامِ: أنه يصرِفُها إلى مَصْرِف الضحايا حتى لو أراد أن يتَّخِذَ مِنْه خاتماً يَقْتَنِيه ولا يَبِيعه -فله ذلك، وهَذا
الجزء: 12 - الصفحة: 93
أَوْجَةٌ، ويُشْبه ألاَّ يكونَ فِيه خلافٌ محقق لكنَّ مقصودَ الوجْهِ أَلاَّ يجبَ شراءُ الشِّقْصِ، ويجوز إخراجِ الدراهِمِ، وقد يُتساهَلُ في [ذكْر المصرِفِ] 619 في مثل ذلك 620.
وفيه وجْهٌ ثالِثٌ: أنه يشترِي بها لَحْماً، ويتصدَّقُ به؛ فإنه أقربُ إلى التضْحِية مِنْ تَفْرِقَةِ الدَّراهِمِ، فإن كان الدراهمُ قَدْراً لا يمكِنُ أَنْ يَشْتَرِيَ بها شِقْصاً؛ لقلته -سقط الوجْهُ الأول، ويبقى الثانِي والثَّالثُ.
وعَنِ "الحَاوِي" ترتيبٌ حَسَنٌ لأحوالٍ تُفْرَضُ في هذه الصورة وهي أنه إذا كان المُتْلَفُ ثَنِيَّةً من الضَّأْنِ مثلاً، ولم يمكن أن يشتري بالمأْخُوذِ مِثْلَها أو أمكن أَنْ يشتريَ به 621 جَذَعَةً من الضأْنِ وثَنِيَّةً من المعْزِ فيتعينُ الأَوَّلُ؛ رعايةً للنوع، وإن أمكن شراءُ الثنية من المعْزِ وما دون الجذَعَةِ من الضَّأْنِ، فيتعين الأول لأن الثاني لا يصلح للتضحية.
وإن أَمْكَن شراءُ ما دُون الجدَعَةِ وشراءُ سَهْم من الضحية، فيتعيَّن الأول؛ لأن التضحيةَ لم تحصُلْ لواحدٍ منهما، وفي الأول إراقة دَمٍ كامل.
وإن أمكن شراءُ سَهْمٍ، وَشُرَاءُ لَحْمٍ -فيتعيَّن الأولُ؛ لأن فيه شِرْكةً في إراقَةِ الدَّمِ، وإن لم يمكن إلاَّ شراءُ اللحم وتفرقةُ الدراهِم- فيتعيَّن الأولُ؛ لأن اللحمَ هو مقصودُ الأُضْحية، وإن وُجِد إتلافٌ منَ المضحي فوجهان ذكرهما الإمامُ:
أَحدُهما: أن الواجِبَ عليه قيمتُه يوم الإِتْلافِ كالإِجْنبي، وبهذا قال أَبُو حَنِيفَة وأحمدُ -رحمهما الله-.
وأَصحُّهمَا: أنه يلزمه أكثرُ الأَمْرَيْنِ من قيمتهِ، وتحصيل مثله كما ذكرنا فيما إذا باع الأُضْحيةَ المعيَّنة، وتلِفَتْ عند المشتري؛ واحتج له بأن مَنْ نذر أضحيةً فقد ألزم نفْسَه أمريْن مقصودَينِ -وهما النحرُ وتفرقةُ اللحمِ.
فإن كانت القيمةُ أكثرَ، لزمه ذلك اللحمُ، وإن كان المثل أكثر لزمه ذلك؛ لتحصيل النَّحْرِ 622 فهو كما لو نَذَرَ أُضْحِيتْينِ ثم أَتْلَفهما عليه ضمانهما، وعلى هذا فإن كانت قيمةُ يوْم الإتلافِ أكثرَ ثم رَخُصَتِ الغنمُ وأمكن شراءُ مِثْلِ الشاةِ الأُولَى ببعضها فيشتري بها كَرِيَمةً، أو شاتين فصاعداً، وإن لم يُوجَدْ كريمةٌ وفضل مالاً يفي بأُخْرَى فعلى ما ذكرنا فِيما إذا لم تَفِ القيمةُ عند إتلافِ الأَجْنبِيّ بشاة وهاهنا وجهٌ: أَنَّ له أنْ يَصْرِفَ ما فَضَلَ عن واحدٍ إلى غير المِثْل؛ لأن الزيادةَ بعد حُصُولِ المِلْكِ كابتداء الضحية.
الجزء: 12 - الصفحة: 94
ووجْهٌ: أنه يملكُ ما فَضَل.
إذا تمكن 623 مِنْ ذَبْحِ الهدْي بَعد بلوغ المنسكِ أو من ذبح الأُضْحيَةِ يومَ النحْرِ فلم يذبح حتى تَلِفَ -فهو كالإتلاف؛ لتقصِيره بتأْخر الذَّبْحِ.
وقولُه: "وعلى وجْهٍ يشترِي خَاتِماً ويتختِمُ به أو يصرِفَه إلى مَصْرِف الضحايا" يعني سائر مصارِف الضَّحَايَا وإلاَّ فاقتناؤه خاتماً لينتفع بعيْنهِ من المصارِف، ولم يذكِر الإِمام شراء الخاتَمِ بها، إنما ذكر اتخاذه منها.
فَرْعٌ اسْتحبَّ الشافِعِيَّ -رضي الله عنه- أن يتصدَّقَ بالفاضِلِ الذي لا يَفِي بشاةٍ أُخْرَى ولا يأْكُلَ منه شَيْئاً، وفي معناه البدلُ الذي يذبحه.
وعن أبي عَلِيٍّ الطَّبرِيّ وجهٌ: أنه لا يجوزُ له الأكْلُ منه؛ لتعديه بالإتلاف.
قال الْغَزَالِيُّ: أَمَّا إذَا ذَبَحَهَا أَجْنَبِيٌّ فِي وَقْتِ التَّضْحِيَةِ فحَيْثُ لاَ يُشْتَرَطُ النِّيَّةُ للتَّعْيِينِ السَّابِقِ وَقَعَ المَوْقِعَ* وَفِي لُزُومِ أَرْشِ الذَّبْحِ وَجْهَانِ* وَحَيْثُ تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فَاتَتِ القُرْبَةُ وَيُصْرَفُ لَحْمُهَا مَصْرِفَ الضَّحَايَا عَلَى وَجْهٍ* وَيُؤْخَذُ القِيمَةُ مِنَ الذَّابِحِ وَيُصْرَفُ فِي الأُضْحِيَةِ* وَيَنْفَكُّ عَنُ حُكْمِ الضَّحِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ* وَمَنْ ذَبَحَ شَاةَ غَيْرِهِ وَأكَلَ لَحْمَهُ فَفِي قَوْلٍ: يَلْزَمُهُ قِيمَةِ الشَّاةِ* وَفِي قَوْلٍ: يَلْزَمهُ أَرْشُ الذَّبْحِ وَقِيمَةُ اللَّحْمِ وَرُبَّمَا زَادَ ذَلِكَ عَلَى قِبمَةِ الشَّاةِ أَوْ نَقَصَ.
قال الرَّافِعِيُّ: قد تبيَّنَ حكمُ إتلافِ الأُضْحية الذي هو إفسادٌ.
وأما إذا ذبحها في غَيْرِ وقْتِ الضحية، وإذا جعل شاته أُضْحيةً أو نذر أن يُضَحِّي بمعيَّنةٍ ثم ذبحها قبل يَوْم النحر -فعليه أن يتصدَّقَ بلحمها ولا يجوزُ أَكْلُ شيء منها، وعليه أَنْ يذبَحَ مِثْلَها بدلاً عنها يَوْمَ النحر، وكذا لو ذبح الهدْيَ المعيَّنَ قبل بُلُوغ المَنْسَكِ يتصدق بلحْمِه وعليه البَدَلُ.
ولو باع الهدْيَ أو الأضحيةَ المُعَيَّنَيْنِ فذبحها المشتَرِي، واللَّحْمُ باقٍ فيأخذُه ويتصدَّقُ به، وعلى المُشْتَرِي أَرْشُ ما نقص بالذَّبْحِ ويضم البائِعُ إليه مَا يشتري به البدَل.
وفيه وجهٌ 624. أَنَّ المشتريَ لا يُغَرَّمُ شَيْئاً؛ لأن ما فعله كان بتسْلِيط البائع.
وذُكِرَ أن الوجهيْنِ مبنيَّانِ على أَنَّ السيِّدَ إذا باع المُكَاتَبَ فأدى المكاتب النجومَ إلى المُشْتَرِي هل يَعْتِقُ؟.
وفيه خلافٌ.
والظاهِرُ ما قدَّمُنا.
ولو ذبح أَجنَبِيٌّ الأضيحةَ المعيَّنةَ قبل يَوْمِ النحر فيلزمُه ما نقص مِنَ القِيمَةِ بسبَبِ
الجزء: 12 - الصفحة: 95
الذبْحِ، ويشبه أَنْ يجيءَ خلافٌ في أن اللحمَ يُصْرف إلى مصارِفِ الضحايَا أو ينفك عن حُكْم الضحية وتعود مِلْكاً كما سنذكر في مِثْله -إن شاء الله تعالى- فيما إذا ذبح الأَجْنبي يَوْمَ النَّحْرِ، وقُلْنا: إنه لا يقعُ ضحيةً ثم ما حصل من الأَرْشِ ومن اللحم إن عاد مِلْكاً له، يَشْتَرِي به أضحيةً يذبحها يومَ النحْرِ، ولو كان قد نذر أضحيةً ثُمَّ عيَّن واحدةً عما في ذِمَّته، فذبحها أجنبيٌّ قبل يوم النحر.
قال في "التهذيب": يأْخُذُ اللحمَ ونقصان الذبح ويملك الكل والأصل في ذمته.
وإنْ ذبح الأَجْنَبيّ الأُضْحيةَ المعيَّنةَ ابتداءً في وقْتِ التضحية، فهذه مَسْألةُ الكتاب وفي معناها ذبحُ الهدْي المعيَّن بعد بلوغ المنسَكِ فالمشهورُ أنه يقعُ الموْقِعَ، ويأخذ صاحِبُ الضحية لَحْمَهاَ ويُفَرِّقُه.
وبناه الإمامُ وصاحبُ الكتابِ على أَنَّ التَّعْيِينَ السابِقَ هَلْ يُعْني عن النيةِ عند الذبح؟ إِن قُلْنا: نَعَمْ، وقع الموقع، وعلى صاحب الضحية بدلُها وما يأْخذُه من الأَرْشِ مِلْكٌ له.
واحتج الأصحابُ بأنه يستحق الصَّرْفَ إَلى هذه الجهة، ولا يُشْتَرطُ فيه فِعْلَه كردِّ الودِيعةِ وبأن ذبحها لا يفتقر إلى النيَّةِ، فإذا أتى به غيرُه أَجْزَأَ كما 625 في إزالة النجاسَةِ، وهذا يُؤَيِّدُ قولَ مَنْ قَالَ: إِنَّ التعيِينَ السابِقَ يُغْني عن تجديد النيَّةِ.
وعن القَدِيم قولٌ: أنَّ لصاحِب الضحية أَنْ يجعلَها عن الفُضُولِيّ الذَّابح، وُيغَرِّمُه القيمةَ بتمامِها؛ بناءً على وقْفِ العُقُودِ.
وإذا قلنا بالظاهِر، وهو وقوعُ الضحية مَوْقِعَها فهل على الذابح أَرْشُ ما نقص بالذبح؟ [قال في الكتاب: "فيه وَجْهانِ"، وقال أكثرُ مَنْ نُقِلَ فيه الخلافُ قولان أَحدُهما وبه] 626 قال أَبُو حنيفةَ: لاَ؛ لأنه لم يُفَوِّتْ عليه شيئاً مَقْصُوداً بل خَفَّفَ عنه مُؤْنَةَ الذبح.
وأَصحُّهما: وهو المنصُوصُ وما أورده المعظم: نَعَمْ؛ لأنَّ إراقَةَ الدمِ مقصودَةٌ وقد فوّتَها، وشُبِّهَ ذلك بما إذا شَدَّ قوائِمَ شاتِه، وأراد ذَبْحَها، فجاء آخرُ وذبحها بدُون إِذْنه -يلزمه أَرْشُ النقصانِ.
وعن أَقْضَى القُضَاةِ المَاوَرديّ أنه قال: عِنْدِي إِنْ ذَبَحَهَا وفي الوقْتِ سَعَةٌ فعليه الأرْشُ؛ لأنه لم يتعيَّنْ ذبحُه حقيقةً، وإن ضاق الوقْتُ ولم يبق إلا مَا يَسَعُ للذبح فذبحها -فلا أَرْشَ عليه؛ لِتَعَيُّنِ الوقْتِ، وإذا أوجبْنَا الأَرْشَ- ففيه وجوهٌ:
أَحدُها: أنه للمضحي 627 لأنه ليس مِنْ عَيْن الأُضْحية حتى يستحقَّه المسَاكِينُ.
الجزء: 12 - الصفحة: 96
وثَانِيها: أنه للمساكين خاصَّةً؛ لأنه بدلُ بَعْضِ الأُضْحية، وليس [للمضحي] 628 من الأُضْحيةِ إلاَّ الأَكْلُ.
وأظهرها: أنه يَسْلُكُ به مَسْلَكَ الضحايا، وعلى هذا فيشتري به شاةً، وإن لم يتيسَّرْ عاد ما سبق أنه يَشْترى به جُزْءاً من ضحيةٍ أو لحْمٍ أو يفرق نفسه.
وقِيلَ: هو مُخَيَّر بين أن يصرِفَ إلى جُزْءٍ، وبين أن ينتفعَ به ولا يَبِيعَهُ، وجميعُ هذا فِيمَا إذا ذَبح الأَجْنَبيُّ واللحم باقٍ.
فأما إذا أكله أو فَرَّقَهُ في مصارِفِ الضحايا، أو تعذَّر اسْتردادُه فهو كإلاتلاَفِ الإِفْسادِ لأن تعيين 629 المَصروف إليه، إلى المضحي فعليه الضمانُ، والمالِكُ يشتري أُضْحية أُخْرَى بما يأخذ.
وفي كتاب القاضِي ابْنِ كج أنه تقع [التفرقةُ] 630 عن المالِكِ كالذَّبْح والظَّاهِرُ الأَوَّلُ.
وفي الضمانِ الوَاجِبِ -والحالة هذه- قَوْلاَنِ عن حكاية "صاحب التقريب":
أَحدُهما: وهو اختيارُ الجمهورِ: أنه يضمن قِيمَتها عند الذبح كما في صورةِ الإِفْسَادِ.
والثاني: وبه قال ابنُ أَبِي هريرة: أنه يضمن الأكثرَ من قيمتها وقيمة اللحم؛ لأنه فرّقَ اللحمَ متعدياً بعدما ذبح.
ورَوَى بعضُهم بدل الثاني أنه يُغَرَّمُ أَرْشَ الذبح، وقِيمةَ اللَّحمِ، وعلى هذا جرى الامامُ وصاحبُ الكتابِ.
وقد يزيدُ الأَرْشُ مع قيمةِ اللحم على قيمة شاةٍ، وقد يَنقَص، وقد يتأدَّى المقداران ولا اختصاصَ [لهذا الخلافِ] 631 بصورة الضَّحيةِ بل يطردُ في كل مَنْ ذبح شاةَ إنسانٍ ثم [أتْلَف] 632 اللحْمَ ولذلك عمم التَّصْويرَ فقال: "ومَنْ ذَبحَ شاةَ غَيْرهِ وأكل لَحْمها" وهذا كلُّه تفريعٌ على أن الشاةَ التي ذبحها الأَجْنبيُّ في الوقْتِ تقع ضحيةً عن صاحبها.
أما إذا قُلْنا: لا تقع أُضْحيةً، فليس على الذابح إلاَّ أَرْشُ النقصانِ.
وما حُكْمُ اللحم؟
فيه وجهان:
أَحدُهما: أن اللحم صَار مُسْتحقّاً بجهة الضحية حيثُ قال: جعلت هذه الشاةَ ضحيةً [فيصرف إلى مَصَارِفِها، وإن لم تقع ضحيةً] 633.
والثاني: أنه ينفكُّ عن حُكْم الأضحية، ويصيرُ مِلْكاً له.
ولو التزم ضحيةً أو هَدْياً
الجزء: 12 - الصفحة: 97
لنذْرِه ثم عَيَّن واحِدةً عما في ذِمَّته فذبحها أجُنبيٌّ يومَ النحرِ أو فِي الحَرَم، فالقولُ في وُقُوعِها عن صاحبها ومن أْخْذِه اللحمَ وتصدُّقِه به وفي غرامة الذَّابِح أَرْشَ ما نقص بالذبح على ما ذكرنا فيما إذا كانت مُعَيَّنةً في الابتداءِ، وإن كان اللحم تالِفاً.
قال "صاحبُ التهذِيب" وغيرُه: يأخذ القيمةَ ويملكُها والأصْلُ في ذِمَّتِه، وفي هذه اللفظةِ ما بيْن أن قولَنَا في صورة الإتْلافِ: أنه يأْخُذُ القيمةَ ويشترِي بها مِثْلَ الأول يريد به أن يَشْتري بقدْرِها فأَمَّا ما أخذ فهو مِلْكٌ له، فله أَنْ يُمْسِكَهُ.
قال الغَزَالِي
ُّ: (الحُكْمُ الثَّانِي: التَّعَيُّبُ)
وَحَيْثُ لاَ يَلْزَمُ شَيْءٌ بِالتَّلَف فَلاَ يَلْزَمُ بالتَّعَيُّب* فَإنْ كَانَ العَيْبُ مَانِعاً مِنَ الضَّحِيِّةِ فَغِي انْفِكَاكِ الشَّاةِ عَنِ الضِّحِيَّةِ وَجهَانِ* وَلَوْ قَالَ ابْتِدَاءً: جَعَلْتُ هَذِهِ ضَحِيَّةً وَهِيَ مَعِيبَةٌ فالصَّحِيحُ وُجُوبُ صَرْفِهَا اِلَى مَصَارِفِ الضَّحِيَّةِ* وَلَوْ قَالَ لِظَبْيَةٍ جَعَلْتُهَا ضَحِيَّةً فَهُوَ لاَغٍ* وَلَوْ قَالَ لِفَصِيلٍ أَو سَخْلَةٍ فَوَجْهَانِ* وَلَوْ عَيَّنَ مَعِيبَةً لِنَذْرِهِ وَقُلْنَا: تَتَعَيَّنُ فَلاَ تَبْرَأُ بِهَا ذِمَّتُهُ* وَهَلْ يَلْزَمُ تَفْرِقَةُ لَحْمِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ* وَلَوْ زَالَ العَيْبُ بَعْدَ ذَلِكَ فَفِي البَرَاءَةِ بِهَا وَجْهَانِ* وَإِنْ تَعَيَّبَتِ المَعِيبَةُ بِفِعْلِهِ فَعَلَيْهِ إِبْدَالُهَا بِصَحِيحَةٍ* وَفِي انْفِكَاكِ المَعِيبَةِ وَجْهَانِ* وَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضْحِيّ بِعَرْجَاءَ لَزِمَهُ عَرْجَاءُ* وَفِي وَجْهٍ يَلْزَمُهُ صَحِيحَةٌ* وَفِي وَجْهٍ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفَصْلِ مَسَائِلُ:
إحْدَاها: إذا قال: جعلتُ هذه الشاةَ ضحِيّةً أو نذر أن يُضَحِّيَ ببدنَةٍ بعيْنها، ثم حَدَثَ قبل وقْتِ التضحيةِ [عيبٌ] 634 يمنع من ابتداءِ الضحية -فلا يلزمُه، لما حدث شيءٌ؛ كما لا يَلْزَمُه شَيْءٌ لو تلفت ولا تنفكُّ هي عن حُكْمِ الضحيَّةِ بل تُجْزِئُه عن التضحية 635 ويذبحُها في وقتها.
وقال مَالِكٌ: لا تجْزِئُه، وسلم في الهدْيِ الأجزَاءُ.
وعند أبِي حَنِيفةَ: لا تُجْزِئُه، بل عليه التضحيةُ بسلِيمةٍ إن كان ممَّنْ يجب عليه الأضحيةُ، ويُحْكَى ذلك عن أَبِي جَعْفرٍ الأَسْتَرابَاذِي من أصحابنا.
لَنَا ما رُوِي عن أَبي سَعيدٍ الخُدْرِيّ -رضي الله عنه- أنه قال: اشتريْتُ كَبْشاً لأُضْحِّي به [فَعَدَا] 636 الذِّئُبْ فأخذ منه الألْيَةَ فسألْتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فقال:
الجزء: 12 - الصفحة: 98
"ضَحِّ بِهِ" 637.
ولو خالف ما ذكرنا، وذبحها قبلَ يوْم النحر -تصدَّقَ باللحم، وعليه التصدُّقُ بقِيمتها أيضاً، ولا يجبُ أنْ يشترِيَ بها أضحيةً أُخْرى كذا نقله في 638 "التهذِيبِ" وكان سبَبُه أن تلك القيمةَ بدلُ حيوان لا يجوزُ ابتداءُ التضحية به.
ولو تَعيَّبتْ يومَ النحْر قبل التمكُّنِ من الذبح فيذبحها، ويتصدق بلحْمِها [وإنْ تَعَيَّبَتْ بَعْدَ التمكِين يَذْبَحُها] 639، وعليه ذبحُ بدَلِها، وتقصيرُه بالتأْخِير كالتعييب، ولو لزم ذمته أُضْحيةً بنذرِ أَوْ هَدْيٍ عن قِرَان أو تَمتُّعٍ أو نَذْرٍ -تعيَّن واحدة عما في ذِمَّته، فحدث بها عَيْبٌ قبلَ وَقْتِ التضحية أو قبل بلُوغ المنسَكِ فيجيءُ الخلافُ السابقُ في أنها: هل تَتَعيَّنُ؟ إنْ قُلْنا لا تتعيَّنُ، فلا أثر لتعيبها.
وإنْ قُلْنا: تتعين -وهو الصحِيحُ- فهلْ عليه ذبحُ سَلِيمة؟ فيه وجهانِ حكاهما الإمامُ كما في صُورةِ التَّلَفِ الصحيح -وهو جوابُ الجمهورِ.
نَعَمْ؛ لأنَّ الواجِبَ في ذمَّتِه سَلِيمٌ فلا يتأدى بالمعِيب.
وهل تنفكُّ تلك المُعيّنةُ عن الاستحقَاقِ، أو يلزمُه ذبحُها والتصدقْ بلحمها؟
فيه وَجهانِ:
أَحدُهما: أنه يلزمُه الذَّبْحُ والتصدُّق؛ لأنه التزمَها بالتعيين.
وأَصَحُّهما: وينسب إلى النصِّ: المنعُ -بل له تملّكُهَا وبيعُها؛ لأنه ما التزم التصدُّقَ بها ابتداءً، إنما عيَّنها لأداءِ ما في الذِّمَّةِ بها وإنما يتأدَّى بها ما في الذمةِ بشرْطِ دَوَام السلامة.
قال الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ: وقرَّب بعضُ الأصحاب الوجهَيْن في أن تقليد الهدْيِ ونية الذبح: هَل تكْفِي لوجُوب الذَّبْح ووَجَّهَ إِلَيْنَا أنه إنَما أَوْجَبَها عَمَّا في ذِمَّته، وقد خرجت بالتعيب عن أنْ تجزئَ فيَبقى التعيِينُ مع النية، ويقرب من الوجهين وَجْهان ذُكِرَا فيما إذا عَيَّن أفضلَ مِمَّا عليه، ثم عاب: هل يَلْزمُه رعايةُ تلك الزيادةِ في البَدَلِ؟
ففي وَجْهٍ: يلزم؛ لالتزامِه تلك الزيادةَ بالتعيِين.
وعلى الأَصَحِّ: لا يلزُم؛ كما لو التزم مَعِيبةً ابتداءً، فهلكت مِنْ غير تعدٍّ منه.
الجزء: 12 - الصفحة: 99
ولو تعيب الهدْيُ بعد بلوغ المَنْسَكِ فوجهان:
أَحدُهما: ويُحْكَى عن ابنِ الحدَّادِ: أنه يجزئُ ذَبْحُه؛ لأنه لما بلغ مواضِعَ الذَّبْحِ -صار كالحَاصِل في يَدِ المسَاكِين، [ويكون كمن دفع] 640 الزكاةَ إلى الإِمام فتلِفَتْ في يده، تُحْسَبُ مِنْ زكاتِه، ونسب الإمامُ هذا الوجهَ إلى القُّفالِ.
وأَصحُّهما: المنعُ -لأنه منْ ضمانِه حتى تُذْبَحَ.
وفي "التهذِيب": أنه إن تعَيَّب بعد بُلُوغِ المنْسَكِ والتمكن من الذبْح، فالأصْلُ في ذِمِته، وهل يتملَّكُ المعيَّن أو يلزمه ذَبْحُه؟ فيه الخلاَفُ، وإن تعيَّبَ قبل التمكُّنِ من الذبح فوجهان:
أَصحُّهما: أَنَّ الحُكْمَ كذلك.
والثاني: أنه يكْفِيه ذبحُ المعيب والتصدُّقُ به، ويقرب من الخلاف المذكور فيما إذا حدث العَيْبُ بعد بلوغ المنْسَكِ.
واختلف الأصْحابُ فيما إذا شَدَّ قوائِمَ الشَّاةِ؛ قاصِداً للتضحية بها، فاضْطَربَتْ؛ وانكسر رجْلُها، وهذا قد ذكرنَاهُ مِنْ قَبْلُ -ورَأى الإمامُ تَخْصِيصَه بما إذا عَيَّن عن نذْرٍ في الذمَّةِ، والقطع بعدم الإجزاءِ إذا فرض ذلك في الأُضْحية المتطوع بها 641.
وعن أَبِي حَنِيفَة: أَنَّ العَيْبَ الحادِثَ لمعالجةِ الذبْحِ كما إذا أصابت [المُدْيَة] 642 عَيْنَها فعوّرَها، لا يَمْنَعُ الإجزاءَ.
وقولُه في الكتابِ: "فإن كان العَيْبُ مانِعاً من التَّضْحِية" ليس بحَسَن الموْقِع فإنَّ الفَصْلَ مِنْ أوَّله في هذا النوع من العَيْبِ.
فإما ما لا يمنع الإجزاءَ فلا أثرَ لحدُوثهِ، ثم المقصودُ من الصورة ما إذا كانتِ الشاة مُعيَّنةً عن واجب في الذمة، فهي التي يشتهر في انفِكَاكِهَا عن الضحيَّةِ الوجهان.
فأما المعُيَّنة للالتزام ابتداء فَلاَ انْفِكاكَ لها إلاَّ على ما روينا عن الأَسْتَرَابَاذِي، لكن الحملَ على البعِيدِ بَعِيدٌ.
المَسْألَةُ الثَّانِيَةُ: لو قال لمَعِيبَةٍ بعَورٍ ونحوه: جعلتُ هذه ضحيةً، أو نَذَرَ أن يُضَحِّيَ بها ابتداءً -وجب ذَبْحُها؛ لأنه التزمَه وهو 643 كما إذا عتق مَعِيباً عن كفَّارَتِه [يَعْتِق ويُثابُ] 644 عليه.
وإن كان لا يُجْزِئُ عن الكفارَةِ ويكونُ ذبْحُها قُرْبةً، وتفرقُه لحمها
الجزء: 12 - الصفحة: 100
صَدَقةً ولا تجزئ عن الضَّحايَا والهدَايَا المشروعَةِ؛ فإنَّ السلامةَ مُعْتبرةٌ فيها.
وهل يختَصُّ ذَبْحُها بيومِ النحْر، ويجري مَجْرَى الضحايا في المصْرِف فيه وَجْهانِ:
أَحدُهما: لاَ؛ لأنها ليْسَتْ بأُضْحيةٍ في الحقيقة، وإنما هي شاةُ لحْمٍ.
وأَصَحهما عند الإِمام وصاحِب الكتاب: نَعَمْ؛ لأنه أَوْجَبَ بِاسْم الضَّحيةِ ولا مَحَمَلَ لكلامِه، إلاَّ هذا، وعَلى هذا فُلَوْ ذبحها قبل يوْم النحر -فيتصدَّق بلحْمِها، ولا يأكل منها شَيْئًا، وعليه قِيمتُها يتصدقُ بها، ولا يَشْتَرِي أُخْرَى؛ لأن المعِيب لا يثبت في الذمَّةِ- قاله في "التهذيب".
ولو أشار إلى ظَبْيةٍ وقال: جعلتُ هذه أضحيةً فهو لاغ 645 -هكذا أطلق هاهنا وفي "الوَسِيط" وأضاف الإمامُ إلى ذلك قولَه: ولا يلزمه صَرْفُه 646 إلى حُكْم الضحيةِ، وقد يُفْهِمُ ذلك وُجُوبَ أَهْلِ التصدق بها.
ولو أشار إلى فَصِيلٍ أو سَخْلَةٍ وقال: هذه أضحيةٌ، فوجهان إِلْحَاقاً لنُقْصانِ السِّنِّ في أحدهما بالجِنْس المخالف للنَّعَم.
وفي الثَّانِي بالعَيْب -وهو الأَشْبَهُ- لأن نقصانَ السنّ من جِنْس ما يُضَحّي به -وبهذا أجاب الشيخ أبُو عَلِيّ.
وإذا أوجبه مَعِيباً ثم زال العيبُ: فهل يُجْزِئُ ذبحُه عن الضحية؟ فيه وجهان:
أصحهما 647: المنعُ؛ لأنه زال مِلْكُه عنه [وهو] 648 ناقِصٌ فالكمال بعد ذلك لا يُؤَثِّر كما إذا أَعْتَقَ عَبْداً أَعْمَى عن كفارته فارتد [بَصِيراً] 649.
والثاني: يَجُوز؛ لكماله وقْتَ الذبح.
وعن القاضي أَبِي حَامِدٍ -أنه حكى الجوازَ قَوْلاً عن القديم.
ولو كان في ذمَّتِه أَضحيةٌ أو هَدىٌ بنذْرٍ وغيره، فعيَّن مَعِيبةً عما عليه -لم تَتَعيَّنْ ولم تبرأ بذبحها ذمتُه؛ لأن السليم هو الواجبُ عليه، وهل يلزمُه بالتعْيِين ذبحُ المعِيبة؟ نُظِرَ، إن قال: عينت هذه عما في [ذِمَّتِي- لم يلزمْهُ وإن قال: لِلَّه عَلَيَّ أن أُضَحي بهذه عَمَّا في] 650 ذِمَّتي أَوْ أَهْدَى بهذه أو قال: لله عليّ ذبحها [عن الواجب في ذمتي -فوجهان:
الجزء: 12 - الصفحة: 101
أظهرُهما على ما ذكره الشيخ أبُو عَلِيّ والأئمة أنه يلزف ذبحُها] 651 كما لو التزمَ ابتداءً ذبح مَعِيبة.
والثاني: المنعُ؛ لأنه جعلَها عما في الذمَّةِ فلا تقع عنه فيستمر الملك فيها، والوجهانِ عند الشيخ مُبْنِيَّانِ على أنَّ قولَ القائِل: لله عَلَيّ أنْ أذبحَ هذه الشاةَ أو أتصدَّقَ بها هل يزيلُ المِلْك في الحال؟ وفيه خلافٌ قد مَرّ.
والأصَحُّ: أنه يلزمُه وحينئذ فقولُه: لِلَّه عَلَيّ أن أضحي بهذه عما عليّ ينزل مَنْزِلةَ إِعْتاقِ العَبْدِ الأَعْمَى عن الكفَّارة وأنه يُوجِبُ العِتْقَ، لكان كان لا يقَعُ عن الكفَّارةِ فإنْ قُلْنَا: يلزمُه ذبْحُها: فهل يختصُّ بوقْتِ التضحيةِ إذا كان التعيِينُ عن الأضحية؟ فيه الوجهانِ السابقان ولو زال عَيْبُ المعيَّنةِ المَعِيبةِ قبل أنْ يَذْبَحَها، فهل تحصل البراءةُ بذبحها؟ فيه الوجْهانِ السابقانِ وليبنيا على أنه هل يزولُ الملْكُ في الحال عنها بالتعيين؟ إن قُلْنا: نَعَمْ، فلا أَثَر لزوالِ العَيْب بعد ذلك.
وقولُه في الكتاب: "ولو عَيَّنَ مَعِيبةً لنذْرِه وقلنا: تتعين" كأنه أراد به الخلافَ الذي مَرَّ في أن تعيينَ واحدَةٍ عن الثابت 652 في الذّمة هل يُوجِبُ تعْيِينُها؟
قال قُلْنا: لا تتعيَّنُ، فيلْغُو التَّعْيِين، ولم يتعرَّضْ في "الوسيط" للتقيِيدِ بهذا التفْرِيع، وهذا كُلُّه فيما إذا لم يكنِ التَّعيُّبُ بفعله.
فأما إذا تعيَّبَتِ المعيبةُ ابتداءً، أو عما في الذمة بِفعْله -فعليه ذبْحُ صحيحةٍ.
وفِي انْفكاكِ المعِيبة عن حُكْمِ الالتزامِ الخلافُ الذي سبق.
ولو ذبح الأُضْحيةَ المنذُورةَ يومَ النحر أو الهدْيَ المنذُورَ بعد بُلوغِ المنْسَكِ ولم يفرِّقِ اللحْمَ حتى تغَيَّر وفَسَدَ -فعليه قِيمَةُ اللَّحْم ويتصدَّقُ بها، ولا يلزمُه شراءُ أُخْرَى؛ لأنها حصلت إِرَاقَةُ الدمِ وكذا لو كصب اللحم غَاصِبٌ وتلِفَ عنده أو أَتْلَف مُتلِفٌ يأخذ القيمةَ ويتصدَّق بها.
الثَّالِثَةُ 653: لو التزم بالنذْرِ التضحيةُ بمعِيبة عن مُعَيَّنة بأن قال: لله عليّ أنْ أضحّي بشاةٍ عَرْجَاءَ أو عَجْفَاءَ لا نَتْقِي ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ:
أَحدُها: أنه يلزْمه ما التزم، ولا يَلْزَمُه صَحِيحةً.
والثَّانِي: يلزُمه صحيحةً؛ لأن التضحية بالعَرْجَاءِ لا يجوزُ فكأن هذا القائِلَ يعتبر قوله: أُضَحِّي ويُلْغَى ما بعده.
الجزء: 12 - الصفحة: 102
والثالثُ: أنه لا يلزمُه شيءٌ؛ لأنه التزمَ مَا لا يجوِّزُه الشرعُ، ونظمُ الكتابِ يَقْتَضِي ترجيحَ الأَوَّلِ، ويُشْبِهُ أن يكونَ الحكمُ في لزوِم ذبْحِها، والتصدُّقِ بلحمها، وفي أَنَّها ليْسَت من الضَّحايَا وفي أن مَصْرِفَها هل هو مَصْرِفُ الضَّحايَا؟ على ما ذكرْنَا فِيما إذا قال: جعلتُ هذه المعِيبةَ ضحيةً، وإن التزم الضحيةَ بظَبْيةٍ أو بفصِيلٍ ففيه التَّرْتِيبُ الذي تقدَّم في المعِيبَةِ.
[ويشبه] 654 أن يَجِيءَ [الخلافُ] 655 في قولِه: لله عَلَيَّ أن أُضحي بظَبْية وإن لم يذكرْ خلافٌ في قوله: جعلتُ هذه الظَّبْيةَ أُضْحيةً 656.
قال الغَزَالِيُّ: وَالضَّلاَلُ كَالهَلاَكِ* وَلَكِنْ حَيْثُ وَجَبَ البَدَلُ وَوَجَدَ الضَّالَّةَ بَعْدَ تَضْحِيَةِ البَدَلِ فَفِي تضْحِيَةِ الضَّالَّةِ قَوْلاَنِ* وَلَوْ عيَّنَ وَاحِدَةً بَدَلَ الضَّالَّةِ ثُمَّ وَجَدَهَا قَبْلَ ذَبْحِ البَدَلِ وَجَبَ ذَبْحُهُمَا في قوْلٍ* وَتَعَيَّنَ الأوَّلُ فِي قَوْلٍ* وَتَعيَّنَ الثَّانِي في قَوْلٍ* وَيُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلٍ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا ضَلَّ هدْيُهُ أو أضحيتهُ المتطَوَّعُ بها لم يلزمْهُ شَيْءٌ 657.
والهدْيُ الملتزم بعينهِ ابتداءً إذا ضَلَّ بغيْرِ تَقْصِيرِ لم يلزمْهُ ضمانَه، فإن وجده ذَبَحَهُ والأُضْحية إِنْ وجدَها في وقْتِ التضحية -ذبحَها وإن وجدَها بعد مُضِيّ الوقْتِ- فله أنْ يذبحَها قضاءً ولا يلزمُه الصبرُ إلى قَابِلٍ، وإذا ذَبَحَهَا صرفَ لحْمَها إلى مَصَارِف الضحايا.
وعن ابْنِ أَبِي هُريْرَةَ وجهٌ ضَعِيفٌ: أنه يصرفُه إلى المساكِينِ خاصَّةً ولا يأكلُ ولا يدَّخِرُ؛ لأنها لما صارت قضاءً صارت حَقّاً للغير.
وعند أَبِي حَنِيفةَ إذا وجدها بعد وقْتِ التضحية، لم يذبحْها، ولكن يتصدّقُ بها حَيَّةَ أو ينتظر العامَ القَابِلَ.
وعند مَالكٍ: أنها تعودُ إلى مِلْكِه ومهما كان الضَّلاَلُ بغير تقصيرهِ فلا يلزمُهُ الطلبُ إن كان فيه مَؤُنةٌ، وإن لم يكن لزمَهُ؛ لأنه مُؤْتَمنٌ في حُقُوقِ المستحقِّين، وإن كان الضلالُ بتقصِيره -فعليه الطَّلَبُ، فإن لم يجُدْ.
فعليه الضمانُ، فإن عَلِم أنه لا يجدُها في أيَّام التشرِيقِ- فعليه ذَبْحُ بَدَلِها في أَيَّامِ التشريق وتأخُّرُ 658 الذَّبْحِ إلى مُضِيِّ أيام التشرِيقِ بِلا عْذُرٍ -تَقْصِيرٌ.
الجزء: 12 - الصفحة: 103
فإذا ضلت بعده، فعلَيْه الضمانُ، وإن مضى بعد أيامِ التشريق ثُمَّ ضلت، فهل هو تقصيرٌ؟ فيه وجهان 659.
ولو عيَّن هَدْياً، أو أضحيةً عما ثبت في ذِمَّته، فضَلَّ ما عينه، فقد قال الإمامُ: هو كما لو تَلِفَتْ هذه المعيَّنةُ، وفي وُجُوبِ البدل وَجْهَانِ.
وقد ذكرنا هُناكَ حالَ هَذا الخلافِ، وما في إِطْلاَقِ لفْظِ البَدَلِ من التَّوسُّعِ.
وعبارةُ الجمهورِ: أن الأصْلَ الملتزم في ذمَّته يلزمه إخراجُه، فإن ذبح واحدةً عما عليه ثُمَّ وجد الضَّالَةَ، فهل يلزمُه ذَبْحُها؟
فيه وجهان:
وقيل قَوْلاَنِ:
أَصَحُّهمَا على ما ذكر في "التهذيب": أنه لا يلزمُ، على ما ذكرنا في التعيُّبِ، بل له تَملُّكُ الضَّالةِ.
والثَّانِي: يلزمُ؛ لأنه رَبَط الاستحقاق بهاْ وأزال الملْكَ عنها بالتعْيِينِ.
ويُرْوَى أن عائشةَ -رضي الله عنها- أَهْدَتْ هَدْيَيْن فضلتُهما [فبعث ابن الزبير - رضي الله عنهما- إليها هديين، فنحرتهما] 660 ثم عاد الضَّالاَّنِ فنحرتْهُما، وقالت: هذه سُنَّةُ 661 الهدْي وهذا ما أورده ابنُ الصَّباغِ، وفرَّق بين الضَّالةِ، والمَعِّيبة بأن الضالةَ لم تخرج عن صِفَةِ الإِجْزَاءِ فلا يزولُ عنها مِلْكُ الفقراءِ ولو عَيَّن بدلَ الضالةِ أُخْرَى، ثم وجد الضالةَ قبل ذَبْحِ البدَلِ، ففي أَرْبَعةُ أَوْجُهٍ:
أَحدُها: أنه يُضَحِّي بالضَّالَّة؛ فإنها الأصلُ الذي تعيَّن أولاً، والثاني كان بدلاً لا يسقط حُكْمه بالقدرة على الأصْل.
والثَّانِي: يُضَحِّي بهما جَمِيعاً لتعيِيْنهما وتعلُّقِ إلاسْتحقاقِ بها، والوجْهانِ مَبْنِيَّانِ على الخِلاَفِ في أنه هل يَجِبُ ذَبْحُ الضَّالةِ إذا وجدت بعد ذَبْحِ البدل؟
الجزء: 12 - الصفحة: 104
إنْ قُلْنا: نَعَمْ، أوجبْنَا هاهنا ذبحَها وإلاَّ اكتفينا بالأَصْل.
والثالِثُ: أنه يضحِّي بالثانِي؛ لانتقَالِ الوُجُوبِ إليه، لانْفِكَاكِ الأول.
والرَّابعُ: أنه لا يَعْدِلُ عنهما لتعَيُّنِهِمَا ويتخيَّرُ فيهما، والتعبِيرُ عن هذا الخلافِ بالأقْوَالِ لا يكادُ يُوجَدُ إلاَّ لصاحب الكِتَابِ في هذا الكتاب، ولم أَرَ نَقْلَ الوجوهِ مَجْمُوعةً إلاَّ للإمام.
فَرْعٌ: لو عيَّن واحدةً عن أُضْحيةٍ في ذمَّته، وقلْنا: إنها تَتَعيَّنُ ثم ضحى بأُخْرَى عما في ذِمّته.
قال الإمامُ: يخرَّجُ على أن المعِيبةَ لو تلِفَتْ هل تبرأ ذِمَّتُه؟
إن قلنا: نَعَمْ، لم تقعَ الثانيةُ عَمَّا عليه، وكان كما إذا قال: جعلتُ هذه الشاةَ ضحيةً ثم ذبح أُخْرَى بدلاً عنها.
وإنْ قُلْنَا: لاَ -وهو الصحيحُ- ففِي وقوع الثانية عَمَّا عليه تردُّدٌ، فإن قُلْنا: تقعُ عنه، فهل تنفكُّ الأَوْلَى عن الاستحقَاقِ؟ فيه الخلَافُ السابِقُ.
ولو عيَّن مَنْ عليه كفارةٌ عَبْداً عما عليه ففي تَعْيِينه خلاف.
والذي أجاب به الشيخُ أَبُو حَامدٍ أنه يتعيَّنُ (1). وإن تعيَّبَ المُعيَّن فعليه إعتاق عَبْدٍ سَلِيمٍ، ولو مات بقِيَتْ ذمَّتُه مشغولةً بالكفارة عما كانت، وإن أَعْتق عَبْداً آخر عن كفَّارته مع التمكُّنِ من إعتاق المعيَّنِ، فالظاهِرُ أن ذمتَهُ تبرأُ.
وفرْقٌ بين ما نحن فِيه، وبيْنَ الكفارةِ: بأن النَّاذِرَ وإنْ كان مُلْتزِماً، فهو متبرَّعٌ بالالتِزَام، فإنْ قَبِلَ النقْلَ إلى عيْن، كان له، وجهٌ على بُعدٍ، والكفارةُ الواجِبة شَرْعاً لا تَحْتَمِلُ ذلك.
قال الغَزَالِي
ُّ: (الحُكْمُ الثالِثُ في الأكْلِ)
وَفِي جَوَازِ الأَكْلِ مِنَ المَنْذُورَةِ وَجْهَانِ* وَالمُتَطَوِّعُ بِهَا يَجْوزُ الأَكْلُ مِنْهَا وَإِطْعَامُ الأغْنِيَاءِ* وَلاَ يَجُوزُ تَمْلِيكُ الأَغْنِيَاءِ لِلبَيْعِ* وَيَجُوزُ تَمْلِيكُ الفُقَرَاءِ لِلبَيْعِ* وَهَلْ يَجِبُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِقَدْرِ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الاسْمُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ* وَإِنْ أَوْجَبْنَا لزم التَّمْلِيكُ فِي ذَلِكَ القَدْرِ* فَإنْ أكَلَ الجَمِيعَ لَمْ يَلْزَمْهُ إلاَّ قِيمَةُ ذلك القدر وقيل يجب قيمة النِّصْفِ* ثُمَّ الأَحْسَنُ التَّصَدُّقُ بِالجَمِيعِ والتَّبَرُّكُ بِأْكْلِ لُقمَةٍ* وَيَتأَدَّى كَمَالُ الشِّعَارِ بِالتَّصَدُّقِ بِالثُّلُثِ* وَبِأَكْلُ الثُّلُثَ* وَيدَّخِرُ الثُّلثُ* وَقِيلَ: بَلْ يَتَصَدَّقُ بالنِّصْفِ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الأَكْلِ من الهدْيِ والأَضْحية فضْلاَنِ:662
الجزء: 12 - الصفحة: 105
أَحدُهما: في الأَكْلِ مِنَ الوَاجِب منها، فكُلُّ [هَدْيٍ] 663 وَجَبَ ابتداءً من غَيْرِ التزَامٍ كدمِ القِرَانِ والتمتُّعِ ودِمَاءِ الجبراناتِ فَي الحجِّ -لاَ يجوزُ الأَكْلُ منه.
وعند أَبِي حَنِيْفَةَ: يجوزُ الأكْلُ مِنْ دَمِ التَّمتع والقِرَانِ وقال مَالِكٌ: يجوزُ الأكْلُ منها إلاَّ من فِدْيةِ [الأَذَى] 664، وجزاء الصيد.
لنا أنها كفاراتٌ فلا يجوزُ للمكفِّرِ الانتفاعُ بها؛ كسائر الكفاراتِ فلو أكل منها شَيْئًا -غَرِمَهُ، ولا يجبُ إراقةُ الدمِ ثانياً وفيما يَغْرَمُ، ثلاثةُ أَوْجُهٍ:
أظهرها 665: ويحكى عن نصِّه -رضي الله عنه- في القديم أنه يَغْرَمُ قيمةَ اللَّحْمِ، كما لو أَكَلَهُ أو أتْلَفَه غيرُه.
والثاني: أنه يلزَمُ مِثْلَ ذلك اللحم؛ لأنه لو أَتْلَفَ الشاةَ التي عيَّنها لما عليه، أو أتلف الهدْيَ -لزمه مِثْلُه، فكذلك إذا أتلف بعضَه لَزِمَهُ مِثْلُه.
والثَّالِثُ: عليه أن يشترِيَ شِقْصاً من حيوانِ مِثلِه، ويشاركه في الذبح؛ لأن ما أكله أَبطَلَ إِرَاقَةَ الدمِ فيه، فصار كما إذا ذبح وكل الجمِيعَ يلزَمُه دَمٌ آخر.
وأما الملتزِمُ بالنذْرِ من الضحايا أو الهدَايَا، فإنْ عيَّن بالنذْرِ عما في ذمَّته حَلْقٍ أو تَطَيُّبِ أو غَيْرِهما -شاةً، لَمْ يَجُزْ له الأكلُ منها إذا ذبحها؛ كما لو ذبح شاةً بهذه النيَّةِ من غَيْر نَذْرٍ.
واحتجَّ له الشيخُ أَبُو عَلِيّ بأنه أَخْرَجَهَا عن الواجب في ذمته، فليس له صَرْفُ شَيْءٍ منها إلى نَفْسِه؛ كما إذا أَخْرَجَ الزكاةَ وإن نَذَرَ نَذْرَ مُجَازَاةٍ فمات، [فإن] 666 علَّقَ التزام الأُضْحيةِ أو الهَدْيِ بشفاءِ المرِيضِ، وقُدُومِ الغَائِبِ، وغَيْرِهما -لم يَجُزِ الأكْلُ منها.
واحتجَّ له بأنه وجب على سبيل المُجَازاةِ والمُعَاوَضَةِ فأشبه جزاءَ الصيْدِ، وقضيةُ ما أَطْلقوه -والحالةُ هَذهِ أَلاَّ يفرق بين أن يكونَ الملتزَمُ مُعَيَّناً أو مُرْسَلاً في الذمة، ثم يذبح عنه، وإن أطلق الالتزامَ ولم يعلِّقْه بشيء، وفرَّعْنَا على أنه يلْزَمُ الوفاءُ؛ وهو الأظهرُ، فيُنْظَرُ.
إنْ كان الملتزَمُ معيَّناً كما إذا قال: للهِ عليّ أن أضحّي بهذه أو أهدي هذه ففي جوازِ الأكْلِ قَوْلاَنِ أَوْ وجهانِ بناءً على أن النذورَ تحمل على أَقَلِّ ما أوجبَ الله تعالى من ذلك النوع، أو على أَقَلِّ ما يُتَقَرَّبُ به إليه.
فإن قُلْنا بالأول، لم يجز الأكلُ منها؛ كالهدْيِ الواجب بالشرع.
الجزء: 12 - الصفحة: 106
وإن قلنا بالثاني، فيجوزُ؛ كما لو ضَحَّى بشاةٍ وقد توجه المنعُ من غير بناءً بأنه دم واجبٌ فأشبه دِمَاءَ [الجبراناتِ] 667.
والثَّانِى: بأنه متطوِّعٌ بالتزامه فأجرى عليه حكم المتطوع به.
وفيه وجْهٌ ثالثٌ: وهو الفرقُ بين أن ينذِرَ الأُضْحيةَ فيجوز الأكلُ منها أو الهدْيَ فلا يجوزُ؛ حملاً لكل واحدٍ منهما على المعْهُودِ الشرْعِيّ.
ومِنْ هذا القبيل ما إذا قال: جعلتُ هذه الشاةَ ضحيةً من غير تقدم نذر والتزام وإن التزَمَ في الذِّمَّةِ ثم عيَّن واحدةً عما عليه، فهل يجوزُ الأكلُ منها إذا ذبحها؟
ترتب ذلك على المعيَّنةِ ابتداءً إن لم نجوِّزُ الأكْلَ هناك فهاهنا أَوْلَى.
وِإنْ جَوَّزْنَاه فهاهنا قولانِ أَوْ وجهان.
والفرقُ أن ما في الذمةِ آكدُ؛ ألا تَرَى أنه إذا عيَّن عنه واحدةً فهلكت -لم تبرأْ ذِمَّتُه والمعيَّنةُ ابتداءً إذا هلكت تبرأُ ذِمَّتُه، وأيضاً فإن ما يثبت في ذمتِه يثبت لغيره، وما لا يتعلق بالذمَّةِ لا يبعد أنْ يكُونَ هو فيه كغيْره هكذا فَصَّلَ حُكْمَ الأَكْلِ في الملتزمِ بالنذْرِ [كثيرُون من مُعْتَبِري] 668 الأَئِمّةِ وهو الأَثْبَتُ.
وقولُه في الكتاب: "وفي جَوَازِ الأَكْلِ من المنذُورَةِ وجهان" يقتضي ظاهِرُه التسويةَ بين نَذْرِ المُجَازَاةِ وغيرِه، وبين الملتزم المعيَّن والمرْسَلِ، ولذلك أطلقَ جماعةٌ، وبالمنْع قال أَبُو إسحاقَ، وذكر المحَامِلِي: أنه المذهبُ، والجوازُ هو اختيارُ الإمامِ والقفَّالِ، وفي "العُدَّةِ" أنه المذهبُ ويشبه أن يتوسط [فيرجح في المعين] 669 الجوازَ، وفي المرسل المنْعَ سواءٌ عَيَّنهُ عنه ثم ذبح المعيَّن، أو ذبح بلا تَعْيِينٍ؛ لأنَّه عن دَيْنِ في الذِّمةِ كجبرانَاتِ الحجِّ وإلى هذا ذهب "صَاحِبُ الحَاوِي" وعليه ينطبق سِيَاقُ الشيخ أبِي عَلِيّ.
وحيثُ قلْنا: لا يجوزُ الأكْلُ من المنذُورِ فإنْ أكل فَفِيمَا يغرم الوجوهُ الثلاثةُ المذكورَةُ في [الجبرَانَات] 670 وحيثُ قُلْنا: يجوز.
قال في "التهذيب": كَمْ يأْكُل؟
فيه قولانِ يأتي ذِكْرهما في أُضحية التطوّعِ، ولك أن تقولَ ذلك الخلاف في القدْرِ المُسْتحب أَكْلُه، ولا يبعد أن يُقال: لا يُسْتحبَّ؛ الأَكْلُ، وأقلُّ ما في تركهِ: الخُروجُ من الخلاف.
والفُصْلُ الثَّاني: في الأَكْلِ من الأُضْحية والهدْيِ المتطوَّعِ بهما، وهو جائِزٌ بل مُسْتحب.
قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28] وروي عن
الجزء: 12 - الصفحة: 107
جَابرِ -رضي الله عنه- أن عَلِيًّا -كرم الله وجهه- قَدِمَ ببدنٍ من اليمن وساق النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- مائةَ بدنَةٍ فنحر منها ثَلاَثاً وسِتِّين بيده ونحر عليٌّ -رضي الله عنه- ما بقي ثُمَّ أمر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن يُؤْخَذَ بِضْعَةٌ من كُلِّ بدنةٍ، فتجعل في قِدْرٍ فأَكَلا من لحمِهَا وحَسَيَا من مَرَقِهَا وكان النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مُتَطَوِّعاً 671 بها.
وليس للمُضَحِّي والمهدِي أن يتلف شيئاً منها، بل إمَّا أن يُطْعِمَ وإمَّا أن يَطْعَمَ، ولا يجوزُ بَيْعُ شيءٍ منهما ولا أن يُعْطِي الجزَّارَ شيئاً أُجْرةً له بل مُؤْنَةُ الذبْحِ على المُضَحِّي والمُهْدِي كمؤنة الحصاد.
وروي عن علي -كرم الله وجهه- أنه قال: أَمَرنِي رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أَنْ أَقُومَ على بَدَنةِ وأُقَسْمَ جُلُودَها وجلاَلَها، ولا أُعْطِي الجازِرَ منها شَيْئاً 672.
ويجوزُ أَنْ يُعْطَى منها شيئاً؛ لفَقْرِه أو يُطْعَم إن كان غَنِيّاً، ولا يجوزُ تَمْلِيكُ الأَغْنياء مِنْها، وإن كان يجوزُ إِطْعَامَهم كما يُطْعَمُ الضَّيْفُ.
ويجوزُ تملِيكُ الفقراءِ؛ ليتصرَّفوا فيه بالبيْعِ، ونحوه بل لو أصْلَحَ الطعامَ ودعا إليه الفُقَراءَ فَقَدْ قال الإمامُ: الذي ينقدِحُ عندي إذا أَوْجَبْنا التصدقَ بشيْءٍ أنه لا بُدَّ من التَّمْلِيكِ كما في الكَفَّارَاتِ، وهذا ما أطلَقَهُ القاضي الرُّوَيانِي في "البَحْر" فقال: لا يجوزُ أن يَدْعُوَ الفقراءَ ليأكلُوا مَطْبُوخاً؛ لأن حَقَّهُم في تملُّكهِ لا في أَكْلِه، وإِنْ دفع مَطْبُوخاً -لم يَجُزْ بل يفرِّقُه نَيّاً، وقد شبه المطبوخ بالخبز في الفطرة.
وقولُه في الكتاب: "ولا يجوزُ تملِيكُ الأغنياءِ البيعَ": كلمةُ "البيْع" تذكر في مِثْلِه للإيضاح، وفي لفظ "التَّمْلِيك" ما يُغْنِي عنه.
وقولُه: "ويجوزُ تمليكُ [الفقير] 673 للبيع" وقد عرفت أنه لازمٌ فَضْلاً عن كونه جَائِزاً، واقتصر هاهنا على ذِكْر الجوَازِ في مقابلة نفي الجوَازِ في تمليك الأغنياءِ، وأما لزومُه فقد ذكره مِنْ بَعْدُ مُفَرَّعاً على وُجُوبِ التصدُّقِ بشَيء، كما ذكره الإمامُ.
وفي الفصْلِ مَسْأَلتانِ:
إحْدَاهُمَا: هَل يُشْتَرطُ التصدُّقُ بشيء، أم يجوزُ أَكْلُ الجميع؟ فيه وَجْهان:
أَحدُهما: لا يشترطُ، ويجوز أَكْلُ الجمِيع، وبه قال أَبُو العَبّاسِ بنُ سُرَيْجٍ، وابن القَاصِ والاِصْطَخْري، وابْنُ الوَكِيل: أنه يجُوز أكلُ أكثرِهَا، فيجوزُ أَكْلُ جمِيعِهَا،
الجزء: 12 - الصفحة: 108
وحيازةُ الثَوابِ تحصلُ بإِرَاقَةِ الدم بنية القُرْبةِ.
قال الله تَعَالَى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾.
ونسب ابنُ القاص هذا الوجْهَ إلى النصِّ، وحكاه الموفقُ ابْنُ طاهرٍ، عن أَبِي حَنِيفةَ.
وأَصحهُّمَا: أنه لا بُدَّ من التصدُّقِ بقدر ما يَنْطَلِقُ عليه الاسمُ لقوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28] ولأنَّ المقصودَ الإرفاقُ بالمسَاكِينِ، ولا يحصلُ ذلك بمجرد الإراقَةِ، وعلى هذا فلو أَكَل الجميعَ، ضمن، وما الذي يضمن؟ عن رواية القَاضِيَيْن: ابْنِ كج، والماوردي، أنه يَضمَنُ الكُلَّ بأكثر الأَمْرَيْن من قِيمَتِهما، ومثلها؛ لأنه يَأكُلِ الكُلِّ عَدَلَ عن حُكْمِ الأُضْحية فكأنه أَتْلَفَها، وينسب هذا إلى أَبِي إِسْحَاقَ، وابْنِ أَبِي هُريْرة، وعلى هذا فينَبغي أنْ يذبَحَ البدلَ في وقْتِ التضحية فلو أَخَّره عن أَيَّامِ التشرِيقِ، ففي إجزائِه وَجْهانِ: وجهُ المنْعِ بالقياسِ على تَأْخِير ذبح الأَصْلِ.
والآخَرُ بأنَّ إراقةَ الدَّم في وقْتِ التضحية، والمقْصُودُ من البدل تَدارُكُ الإطعام، وهل يجوزُ أن يأكُلَ من البدلِ؟ ذكر فيه وَجْهين، والظاهِرُ المشهورُ: أنه لا يُغرَّمُ الجمِيعَ ويعتد بإراقَةِ الدم، وعلى هذا فكم يُغَرَّمُ؟
فيه وجهان، أو قولان:
أَصحُّهمَا: القدْرُ الذي كان يجوزُ الاقتصارُ على التصدُّقِ به ابتداءً.
والثَّاني: القدْرُ الذي لا يُسْتحب أن يَنْقُصَ التصدُّقُ عنه وهو النِّصْفُ أو الثُّلثُ على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى.
وبنوا الخلافَ على الخلافِ: في أنه إذا دفع أحد سهمان الزكاة إلى اثنين يغرم أقَلَّ ما يتموَّلُ؛ لأنه لو دفعه إلى الثالثٍ في الابتداءِ لجازَ أو الثلث لأنَّ المُسْتحبَّ في الابتداءِ التسويةُ، وذكر القاضي الرُّوَيانِي في "البَحْر" أن ما يَضْمَنُه على الوجْهينِ لا يتصدَّقُ به ورِقاً، وهل يلزمُه صرفُه إلى شِقْصٍ من أضحية، أو يكْتَفِي بصرْفِه إلى اللحم، وتَفْرِقته؟
فيه وَجْهانِ: وعلى الوجهين يجوزُ تأخِيرُ الدفعِ أو التفريقُ عن أيام التشريقِ؛ لأن الشَّقْصَ ليس بأُضْحية فلا يُعْتَبرُ فيه وقْتُ الأُضْحية، ولا يجوزُ أَنْ يَأْكُلَ منه.
الثانيةُ: الأفْضَلُ [والأحْسَنُ] 674 التصدَّقُ بالجمِيعِ، والتبرُّكُ بأَكْل لُقْمةٍ.
الجزء: 12 - الصفحة: 109
ويُرْوَى أَن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- كان يَأْكُلُ من كَبِدِ أُضْحِيَته 675.
وعن عَلِيٍّ -كرم اللهُ وجهه- أنه قال في خُطْبتهِ بالبصرة: إِنَّ أَمِيرَكُمْ هذا قَدْ رَضِيَ مِنْ دُنْيَاكُم بطمرية، وأنه لا يأْكُلُ اللحْمَ في السَّنَةِ إلا الفَلْذَةَ مِنْ كَبِدِ أُضْحِيَتِه 676.
وعن "الحَاوِي" أن أَبَا الطَّيبِ بْنَ سَلَمةَ قال: لاَ يَجُوزُ أَنْ يتصدَّقَ بالجميع ولا بُدَّ وأن يأكل شيئاً، وفي القدْرِ الذي يستحب ألاَّ ينقصَ التصدُّقُ عنه قولان:
القدِيمُ: أنه يأْكُل النِّصْفَ ويتصدَّقُ بالنصْفِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28] جعلها على قِسْمَيْنٍ واختلفوا في التعيِين على القول الثاني، فنقَلَ ناقِلُون عن الجدِيدِ: أنه يأكلُ الثلثَ، ويتصدقُ بالثلثِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36] جعلها على ثَلاثَةِ أَقْسَامٍ.
وفسّر مُفسِّرون القانِعَ: بالذي يَسْأَلُ، يُقالُ: قَنَعَ قُنُوعاً إذا سأل، وقَنِعَ قَنَاعَةً: إذا رَضِيَ بما رزقه الله تعالى.
والمُعْتَرُّ: الذي يُعَرِّضُ بالسُؤالِ، ويحُومُ حَوْلَه.
وروى آخروُنَ أنه يَأْكُلُ الثلثَ، ويهدي للأغنياءِ والمتجملِينَ الثلثَ، ويتصدق بالثُّلثِ.
وهكذا حكاه الشيخ أَبُو حَامِدٍ في التعْلِيق ثم قال: ولو تصدَّقَ بالثلثَيْن -كان أَحَبَّ، ويُشْبه ألاَّ يكونَ في الحقِيقَةِ اختلافٌ، ولكن مَنِ اقْتصر على التصدُّقِ بالثلثَيْن ذكر ما هو الأَحَبّ، أو توسَّعَ فعدَّ الهديةَ من الصدَقَةِ ولكن عن "صاحِب الحَاوِي": أنه في الحِكَايةِ عن القَدِيم جعل الهديةَ من حيز الأَكْل فقال على القدِيم: يأكَلُ ويهدِي النصْفَ، ويتصدق بالنصف وهذا يخالِفُ عَدَّ الهديةَ من الصدقة.
والمفهومُ مما أجروه أن الهديةَ لا تُغْنِي عن التصدق بشيْءٍ إذا أَوْجَبْناه وأنها لاَ تحسب من القَدْرِ الذي يُسْتَحبُّ التصدُّقُ به، ويجوزُ صَرْفُ القدْرِ الذي لا بُدَّ منه إلى مِسْكِين وَاحدٍ بخلاف الزكاة 677.
وقولُه في الكتاب: "وقِيلَ يَجِبُ قِيمةُ النِّصْفِ" يريدُ أو الثلثَ بناءً على الخِلاَفِ في أنه بكَمْ يتصدَّقُ؟
الجزء: 12 - الصفحة: 110
هكذا ذكر في "الوَسِيط" ويجوزُ أَنْ يُقَدَّرَ أنه قصد ذِكْرَ أحدٍ القَوْلَيْن، وتركَ الثاني.
وقولُه: "ثم الأَحْسَنُ التصدقُ بالجمِيع، والتبرُّكُ بأَكْلِ لُقْمة".
فيه معنى الاستثناءِ، أَي التَّصدُّق بالجمِيع سِوَى لُقْمةِ يتبرك بأَكْلها، وإلاَّ فالتصُّدقُ بالجمِيعِ، وأَكْلُ البعْضِ لا يجتمعانِ.
وقولُه: "ويتَأدَّى كَمَالُ الشّعارِ بكَذَا" يريدُ أنه الدرجةُ المرضِيّة المُسْتَحبّة، ويجوزُ أَنْ يكُونَ فَوْقَها ما هو أَحَبُّ مِنْها، وهذا كما يُقال في تَسْنبِيحات الركُوع والسُّجُودِ: الأفْضَلُ كذا، وأَدْنَى الكمالِ كَذَا.
وقوله: "التصدُّقُ بالثلثِ، ويأْكُلُ الثلثَ، ويدَّخِرُ الثلثَ" نذكر فيه أَوَّلاً حُكْمَ الادِّخَارِ، ثُمَّ تعودُ إلى ما يتعلَّقُ بالكتاب خاصَّةً.
أَمَّا الأولُ: قال العلماءُ: كان ادخارُ الأُضْحية فوقَ الثلاثِ مَنْهِيّاً عنه، ثم أَذِنَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فيه لَمَّا رَاجَعُوهُ.
وقال: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ الدَّافّة وَقَدْ جَاءَ اللهُ تَعَالَى بِالسَّعَةِ فَادَّخِرُوا مَا بَدَا لَكُمْ" 678.
والدَّافَّةُ: جماعةٌ كانوا قد دخلوا المدِينَة قد أَفْحَمَتْهُم السَّنَةُ في البادِيَةِ، فأرادوا أَنْ يُوَاسُوهم، ويَتَصدَّقُوا عليهم.
والدَّفِيفُ: سَيْرٌ فيه سُرْعَة وتَقَاذُفُ 679 خُطًى ويُقَالُ: هو السَّيْرُ اللَّيْنُ تقول منه: دَفَّ يَدِفُّ.
وقيل: الدَّافَّةُ: النَّازِلَةُ، ودَفَّ القومُ بموضِع كذا؛ أَيْ: نزلوا والمشهورُ أن النهيَ أَوَّلاً كان نَهْيَ تَحْريمٍ.
وعن "صاحب الإِفْصَاح" أنه يحملُ على [الإرْشَادِ] 680 وَالاِسْتِحْبَابِ وذكروا تَفْرِيعاً على الأول وَجْهَيْن: في أَنَّ ذَلك التحريمَ كان عاماً ثم نُسِخ؛ إذ كان مَخْصُوصاً بتلك الحالَةِ الحادِثَةِ، فلمّا انتهت انتهى التحريمُ.
ووجْهِيْن تَفْرِيعاً على الثاني: في أنه لو حَدَثَ مِثْلُ ذلك في زَمَانِنَا وبِلاَدِنَا، هل يُحْكَمْ بالتحرِيمِ؟
والظاهِرُ أنه لا يُحَرّمُ اليومَ بمالٍ.
وأمَّا مَا يتعلَّقُ بالكتابِ فما تعرض له مِنْ الإدِّخَار
الجزء: 12 - الصفحة: 111
فبقوله "بالتصدُّقِ بالثلثِ، ويأْكُلُ الثلثَ، ويدخر الثلثَ" [ويجوز أن يقرأ: وَيدَّخِرُ الثلثَ] 681 والأَحْسَنُ أَنْ يُقْرَأ أَوْ يِدَّخِرُ الثلثُ؛ ليوافِقَ اللفْظَ والتصدُّقَ والأَكْلَ، ثُمَّ التثلِيثُ ثم بالكيفيةِ التي أَوْرَدَها بَعِيدٌ نَقْلاً وَمَعْنًى.
أَمَّا النقلُ فلأنه لا يكادُ يُوجَدُ في كتابٍ مُتَقدِّمٍ، ولا مُتَأَخِّر وليس في "النِّهايَةِ" ولا في "الوَسِيط" تصريحٌ به.
وأما المذكورُ أنه يكْفِي التصدُّقُ بالثلثِ، والذي رواه سائِرُ الأَصْحابِ ما قدَّمْنَا 682.
وأما المعْنَى: فَلأَنَّ الإِدِّخارَ والأَكْلَ [تختصُّ فائِدتُهما به فلا وَجْهَ] 683 لجعْلِ أَحدِهما في حَيِّزٍ والآخرَ في حَيِّزٍ وإنما المعقولُ أن يُجْعَلاَ في حيِّزَ وَاحِدٍ، ثم تارةً يُذْكَرانِ مَعاً، وتارة يُسْتَغْنَى بأَحدِهما عن الآخر؛ كما اقتصر كَثِيرُونَ على ذُكْر الأكْلِ، ولم يتعرّضُوا للادِّخَارِ.
وعن البُوَيْطِي: أنه يُبَقِّي الثلثَ -أَيْ: لِنَفْسِه، ويتصدقُ بالثلثِ ويهدي الثلثَ، والصدقةُ والهديةُ ترجع فَائِدَتُهما إلى صنفين، فحسن جَعْلُ كُلِّ واحدٍ منهما في حَيِّزٍ ويُشْبِه أَنْ يَكُونَ الموهَمُ الكيفيةَ التي أوْرَدها في الكتاب ما ذكر الإمامُ أنه مَنْ قال بالتثلِيثِ احتج بما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في حَدِيثِ الدَّافَّة " ألا فَكُلُوا وَادَّخرُوا وَاتجِرُوا" 684 أي: اطْلُبُوا الأَجْرَ بالصدقةِ، فذكر ثلاث جهات [ولك أنْ تمنع كَوْنَها ثَلاَثَ جِهَاتٍ] 685 وتجعل الأكْلَ وَالاِدِّخَارِ جهةً واحدَةً؛ لما تقرَّرَ وتقول: إنما تعرَّضَ للادخارِ؛ لأنَّهُم راجَعُوه فيه، فقال: كُلُوا في الحَالِ إن شِئْتُم، وادَّخَروا إِنْ شِئْتُم.
قال الغَزَالِيُّ: وَجِلْدُ الضَّحِيَّةِ يَتَصَدَّقُ بِهِ أَوْ يُنْتَفَعُ بِهِ في البَيْتِ* وَوَلَدُ الضَّحِيَّةِ لَهُ حُكْمُ الأُمِّ لَكِنْ يَجُوزُ أَكْلُ جَمِيعِهِ كَمَا يَجُوزُ أَكْلُ جَمِيعِ اللَّبَنِ لِأنَّهُ جُزْءٌ* وَلَوِ اشْتَرَى شَاةً وَقَالَ: جَعَلْتُهَا ضَحِيَّةَ ثُمَّ وَجَدَ بها عَيْباً لَمْ يَكُنُ لَهُ الرَّدُّ وَلَهُ الأَرْشُ* وَلاَ يَلْزَمُ صَرْفُ الأَرْشِ إِلَى مَصْرِفِ الضَّحَايَا.
قال الرَّافِعِيُّ: في هذه البقيَّةِ مَسَائِلُ ثلاثٌ:
الجزء: 12 - الصفحة: 112
إحْدَاهَا: جلْدُ الأَضْحيةِ لا يجوزُ بَيْعُه، ولا جَعْلُه أُجْرةً للجزَّارِ، ولكن للمُضَحِّي أن يتصدَّقَ به، أوَ يَتَّخِدَ مِنْهُ ما ينتَفِعُ بِعَيْنهِ مِنْ خُفٍّ أو نَعْلٍ أو دَلْوٍ أو فَرْوٍ أَو يعيره من غيره ولا يؤجره.
وعن رِوَايَة "صَاحِب التقريب" قولٌ غَرِيبٌ؛: أنه يجوز أن يبيعَ الجِلْدَ ويصرف ثُلُثَه إلى ما تُصْرفُ الأُضْحيةُ إلَيه، فيجبَ التشريِكُ فيه كالانتفاعِ باللَّحْم.
وعند أَبي حَنِيفةَ يَجُوز أَنْ يَبيعَهُ، ويتصدقَ بثمنِه، وأن يشتري بعيْنِه [ما ينتفِعُ به] 686 في البيْتِ.
لنا القياسُ على اللحم 687.
والتصدقُ بالجِلْدِ لا يَكْفِي وإذا أَوْجَبْنَا التصدقَ من الأُضْحيةِ بشيْءٍ نقله الإمامُ عند "صَاحِب الحَاوِي" واسْتَحْسنهُ، وليكن القَرْنُ كالجِلْدِ.
ولا يُجزُّ صوفُ الأُضْحيةِ إن كان وقْتُ الذَّبْحِ قَرِيباً ولم يَضُرَّ إبقاؤُه أو إن كانتِ المصْلَحةُ في الابقاءِ لِلْحَاجَةِ إلى دَفْعِ الحرّ والبرْدِ به وإلاَّ فيجزّه، وحِينئَذٍ فيجوزُ أن يَنْتَفِع به، والأَحَبُّ التصدقُ.
وفي "التَّتِمَّةِ": أَنَّ صُوفَ الهدْي إذا جَزَّهُ يستصحبُه مع نَفْسه ويتصدَّقُ به على مَسَاكِينِ الحَرَمِ كالولد.
الثانيةُ: إذا ولَدَتِ الأُضْحية أو الهدْيُ المُتَطَوَّعُ بِهِمَا فهو مِلْكُه كالأُمِّ والمعيَّنةِ بالنذْرِ ابتداءً، إذا ولدت سَواءٌ كانت حَامِلاً عند التعْيِين، أو حدث الولدُ بعده يتبع الأم، ووجْهُ ذلك بأنَّ تعْيِينَها يزيلُ المِلْك؛ فتستتبعُ الولَدَ كما لَوْ أَعْتقها.
فإن ماتَتِ الأُمُّ بقي حُكْمُ الولدِ كما كان؛ كولدِ المدبرةِ، ولا يرتفعُ التدبِيرُ عنه بموتِ الأمّ، وإن عُيِّنت عما في الذِّمَّةِ -فحكم الولدِ كما ذكرنا في المعيَّنة بالنْذرِ ابتداءً.
وفي "الشَّامِلِ" لابْنِ الصَّبَّاغِ وجهٌ آخر: أنه لا يَتْبَعُها الولدُ فيكون مِلْكاٌ للمُضَحِّي والمهدِي؛ لأن مِلْكَ الفقراءِ غيرُ مُسْتقِر في هذه؛ أَلاَ تَرَى أنها لو عابت عادَتْ إلى مِلْكه.
والظِاهِرُ الأولُ، وعدمُ الاستقرارِ لا يمنَعُ ثبوتَ المِلْكِ في الولَدِ بدليلِ أَنَّ الأمةَ المبيعةَ إذا ولدَتْ في يَدِ البائِعِ، يكون الولدُ للمشترِي، وعلى هذ فلو ماتَتْ يبقى الحكْمُ في الولدِ.
وفِيه وجْهٌ: أنه لاَ يَبْقَى، والخلاف مُجْرى في وَلَدِ الأمةِ المبِيعَةِ إذا ماتَتْ في يدِ البائع، وإذا لم يَطُقْ ولدُ الهدْيِ المشيَ بنفْسِه -حُمِل على الأُمِّ أو غيرها؛ ليبلغ الحرمَ، ثُمَّ إذا ذبح الولدُ والأُمُّ ففي تفرقة لحمها وجوهٌ:
أَحدُهَا: أنه يُسَلَكُ بلحْمِ كُلِّ واحدٍ منهما مَسْلَكَ الضَّحَايَا فيتصدّق مِنْ كُلِّ واحدٍ
الجزء: 12 - الصفحة: 113
منهما بشيءٍ؛ تفرِيعاً على الصحِيحِ لأنهما أُضْحِيتانِ.
والثَّانِي: أنه يكفي التصدُّقُ من أحدهما؛ لأن الولدَ بعضٌ 688 منها.
والثَّالِث: أنه لاَ بُدَّ مِنَ التصدُّقِ مِنْ لَحْم الأُمِّ؛ لأنها الأصلُ والولدُ تابعٌ، والوجهانِ الآخرانِ يشتركَانِ في تَجْوِيز أَكْلِ جميع الَولد وهو الذي رآه صاحبُ الكتابِ؛ أصحَّ، وبه أجابَ في الكتاب، وقاسه على اللَّبَن، وذكر الرُّوَيانِي: أَنَّ المذهبَ الأولُ.
وإذا ضَحَّى بشاةٍ، فوجد في بَطْنِها جَنِيناً -فيمكِنُ أَنْ يطَّرِدَ فيه هذا الخلافُ، ويمكِنُ أن يقطع بأنه 689 بعضُها.
ولبنُ الأُضْحيةِ، والهدْي لا يُحْلَبُ إنْ كان قدْرَ كفايةِ الولد، فإن حلَبَه ونقصَ الولدُ -ضمن النقْصَ.
وإِنْ فَضَل عن رِيِّ الولدِ، فيُحْلَب؛ لأنَّ في تركه إِضْراراً بالبهيمة.
ثم قال في التتمةِ: يُبْنَى شُرْبُه على أُكْلِ اللَّحْمِ: فإنْ لم نجوِّزْةُ، لم يُشْرَبِ اللبنُ، ويُنْقلُ لبنُ الهدْيِ إلى مكَّةَ، إن تيسَّرَ أمْكَنَ تجفِيفُه وإِلاَّ فيتصدَّقُ به على الفقراءِ هناك.
وإِنْ جوَّزْنَا الأكْلَ، فيُشْرب اللبنُ، وهذا ما أورده الجمهورُ ورَوَوْا عن عَلِيٍّ -كرم الله وجهه- أنه رأى رَجُلاً يسوقُ بدنَةَ معها ولدُها؛ فقال: لا تشرَبْ مِنْ لبنها إلاَّ ما فضل عَنْ 690 وَلَدِها وفَرَّقُوا بينه وبين الولَدِ بأنَّ اللبنَ يعسر نقلُه بخلافِ الولد وبأنه يُسْتَخلَفُ فيُسَامَحُ به.
وعن تخريجِ أَبِى الطَّيِّبِ بْنِ سُلَمَةَ، فيما حكاه القاضي ابْنُ كَجٍّ وجهٌ: أنه لا يجوزُ شربُ لبنِهَا، وبه قال أبُو حنيفةَ، وقال: يُرَشَّ على الضَّرْعِ الماء؛؛ ليتقطع اللبنُ.
ويجوز أن يركبَ الدَّابَّةَ وأَنْ يركب ويحمِلَ عليها مِنْ غَيْرِ إِجْحافٍ، فإنْ دخلَها نقصٌ بالركُوبِ، ضمِنَهُ ولا يجوزُ إجارةُ الهدْيِ والأُضْحية.
الثَّالِثَة: إذا اشْترى شاةً، وجعلها أُضْحيةً، ثم وجَدَ بها عَيْباً قَدِيماً -لم يكُنْ له
الجزء: 12 - الصفحة: 114
رَدُّها؛ لزَوَالِ المِلْكِ عنها؛ كما لوِ اشْتَرى عَبْداً وأَعْتقه، ثُمَّ وجد به عَيْباً، ولكنه يرجع على البائِعِ بالأَرْشِ، وما الذي يُفْعَلُ به؟
فِيه وَجْهانِ عن "صَاحِبِ الحَاوِي":
أَحدُهما: أنه يصرِفُه إلى جِهَةِ الأُضْحيةِ، وينظر: أَيُمْكِنهُ أَنْ يشتريَ به أضحيةً، أو جُزْءاً، ولا يُمْكِنه أَنْ يشتريَ به أُضْحيةً ويعود فيه ما سبق في نَظَائِرِ، وفَرَّقُوا بين الأُضْحيةِ، وبَيْن الأَرْش المأْخُوذِ فيما إذا وَجَدَ عَيبَ العَبْدِ بعد إعْتاقِه، حيْثُ يكون ذلك للمُعْتِق بأن المقصودَ من العِتْقِ تكميلُ الأَحْكامِ، والعيبُ لا يؤثرُ فيه، والمقصودُ من الأُضْحيةِ اللَّحْمُ، ولحمُ المعِيبَةِ ليس بكامِلٍ.
والثَّانِى: أنه لِلْمُضَحِّي خاصِّةً لا يلزمُه صَرْفُه إلى مَصَارِف الضحايا لأن الأرْشَ إنما يجب لاقتضاءِ البيْعِ السلامةَ، وهو حَقٌّ يثبت للمشتري قبل التعْيِين، وثُبُوتِ حَقِّ المساكِين.
وأيضاً فإنَّ العيْبَ قد لا يُؤَثِّرُ في اللحْمِ الذي هو مَقْصُودُ الفقراءِ (1). والوجهُ الأولُ هو الذي أَوْرَدَه أكثرُهم، لكنَّ الثانِي أَقْوَى، ونسبه الإمامُ إلى المراوزَةِ وقال: لا يَصِحُّ غيرُه، وإليه ذهب ابنُ الصبَّاغ والرُّوَيانِي (2)، وهو الجوابُ في الكتاب ويجوزُ أَنْ يُعْلَمَ قولُه: "وولدُ الأُضْحيةِ له حُكْم الأُمِّ" بالواوِ؛ لأنه يتناوَلُ المعيَّنةَ ابتداءً والمعيَّنةَ عَمَّا في الذمَّةِ، وفي الثانية خِلاَفٌ كما عرفت.
والله أعلم.
فُرُوعٌ وصُوَرٌ مِنَ الْبَابِ
في مَجْمُوع أَبِي الحُسَيْنِ بْنِ المرزبان: أَنَّ مَنْ أَكَلَ بعضَ الأُضْحية، وتصدَّقَ ببعْضِها، يثابُ علىَ الكُلِّ أو على ما تصدق به؟
فيه وجهانِ كوجْهيْن ذُكِرَا في أن المتطوعَ بالصوْم إذا نوى نهاراً يُثابُ بجمِيع اليوْمِ، أم لما [اقترنت] 693 به النيَّةُ؟ وينبغي أن يُقالَ لَه: ثوابُ التضحيةِ بالكلِّ والتصدّق 694 بالبعض.
وأن في جواز صَرْفِ الأُضْحية إلى المكاتب وجهين:691692
الجزء: 12 - الصفحة: 115
في وجه يجوزُ كالزكاةِ.
وفي مجمُوعِ القاضي ابنِ كج: أن مَنْ ذبح شاةً، وقال أذبحُ لِرَضَا فلانٍ -حلَّتِ الذبيحةُ ولا يَضُرُّ قولُه: لرضَا فلانٍ؛ فإنه لا يتقرب إليه بخلاَفِ مَنْ يتقرب إلى الصنم بالذَّبْحِ.
وفي "البَحْر" للرُّوَيَانِي: أَنَّ مَنْ ذبح ذَبِيحةَ للجِنَّ، فينظر: إِنْ قَصَدَ به التقربَ إلى الله تعالى؛ ليصرفَ عنه شرَّهم، فهو حلالٌ، وإن قصد الذبح لهم فهو حرامٌ.
وفيه يروى أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-نَهَى عن ذَبَائِح الجِنِّ (1). وعن أبِي إِسْحَاقَ: أنه إذا أَوْجب الأُضْحيةَ العامَ فأَخَّرها عَصَى، ويَقْضِي؛ كما إذا أخَّر الصلاةَ عَنِ الوقْتِ.
ومَنْ ضَحَّى بعَدَدٍ فليفرِّقْ على أيَّام النَّحْرِ، إنْ كان يُضَحِّي برَأْسَيْن وقع ذبحُ أَحَدِهما إلى الأَوَّلِ مِنَ الأيَّامِ، وختم بذبح الثاني آخرها.
ومحل الأُضْحيةِ بلدُ المُضَحِّي بخلاف الهدْيِ، وخُرِّجَ في نقل الضحيَّةِ وَجْهَانِ من القولين في نقل الزكاةِ.
والأَحْسَنُ أن يُضَحّي في بَيْتِه بمشهد (2) أَهْلِه.
وعن "الحَاوِي": أنه يُختار للإمامِ أَنْ يُضحي لكافَّةِ المسلمين [من بيت المال] (3) بَدَنَةً ينحرها في المُصَلَّى، فإن لم يتيسَّرْ فبشاةٍ، وأن يتولى النحرَ بنفْسِه، وإن ضحَّى مِنْ مالِه ضحى حيْثُ شاءَ.
قال الغَزَالِي
ُّ: (وَأَمَّا العَقِيقَةُ)
فهِيَ أَيْضاً كَالضَّحِيَّةِ فِي أَحْكَامِهَا لَكِنَّ وَقْتَهَا يَدْخُلُ بِوِلاَدَةِ المَوْلُودِ إِلَى السَّابِعِ* وَلاَ يَتأَدَّى الاسْتِحْبَابُ اِلاَّ بِمَا يَتأَدَّى بِهِ الضَّحِيَّة* لَكِنْ تَنْضُجُ عِظَامُهَا صَحِيحَةَ مِنْ غَيْرِ كَسْرِ تَفَاؤلاً بِسَلاَمَةِ أَعْضَاءِ الصَّبِيِّ* وَيُعَقُّ عَنِ الجَارِيَةِ بِشَاةٍ وَعَنِ الغُلاَمِ بِشَاتَيْنِ* وَتَكْفِي وَاحِدَةٌ أَيْضاً* وَالتَّصَدُّقُ بِهِ أَفْضَلُ مِنَ الدَّعْوَة* وَالتَّصَدُّقُ بِالمِرَقَةِ يُغْنِي عَنِ التَصدُّقِ بِاللَّحْمِ* أَعْنِي إِذَا أَوْجَبْنَا التَّصَدُّقَ بِمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاَسْمُ لِأَدَاءِ العِبَادَة* وَتَلْطِيخُ رَأْسِ الصَّبيِّ بِدَمِ الشَّاةِ مَكْرُوهٌ* لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسَمَّى فِي السَّابعِ وَيُحْلَقَ شَعْرَهُ وَيتصَدَّقَ بِزِنَةِ شَعْرِهِ ذَهَبَاً أَو فِضَّةً.
قال الرَّافِعِيُّ: العقيقةُ في أصْلِ اللغَةِ: اسمٌ للشعرِ الذي يُولَدُ المولودُ وهو عَلَيْه، ثم تُسَمَّى الذبيحةُ التي تذبحُ عن المولودِ عند حَلْقِ شَعَرِه عَقِيقَةً على عادتِهم وفي تَسْميةِ695696697
الجزء: 12 - الصفحة: 116
الشئَ باسم سَبَبِه أو ما يُجَاوِرُه، والفِعْل منه: عَقَّ يَعُقُّ، يعني بضَمِّ العيْنِ، والعَقِيقَةُ سُنَّةٌ.
رُوِيَ عن عائشةَ -رضي الله عنه- قالتْ: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أَن نعقَّ عن الغُلاَمِ بشَاتَيْنِ، وعن الجارية بِشَاةٍ 698.
وعن سَمُرَةَ أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "الغلامُ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ تَذْبَحُ عَنْهُ في الْيَوْم السَّابعِ، وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، وَيُسَمَّى" 699 وعن أُمِّ كُرْزٍ أَنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "عَنِ الغُلاَمِ شَاتَانِ، وَعَنِ الجَارِيةِ شَاةٌ" 700.
وقال أَبُو حنيفةَ -رضي الله عنه-: لا تُسْتَحَبُّ العقيقةُ وربَّمَا قال: هي بِدْعَةٌ، والأَحَبُّ الذبْحُ في اليومِ السَّابع مِنَ الولادَةِ، ويدخُلُ يومُ الولادةِ في الحسابِ.
وفي وَجْهٍ: لا يدخُلُ -وهو اختيارُ الزُّبَيْرِيّ.
والذبحُ قبلَ تمامِ السَّبْعَةِ مُعْتَدٌّ به، وقبلَ الولادةِ، لا تكون عقيقةً بل شاةَ لحْمٍ وتأخرها عن السبْعَةِ لا يُفَوِّتُها، ولكنْ الاختيارُ ألاَّ تؤخر إلى البُلُوغِ.
وعن أبي عبد الله البوشنجي من أصحابنا أنه إن لم تذبح في السابع فتذبح في الرابع عشر، فإن لم يفعل ففي الحادي والعشرين.
وقيل إذا تكررت السبعة ثلاث مرات؛ فات وقت الاختيار، وإن أخرت إلى البلوغ سقط حكمها في حق غير المولود، وهو مخير في العقيقة عن نفسه، واستحسن القفال الشاشي أن يقوم بها، ويروى أن النبي -صلى الله عليه وسلم-عق عن نفسه بعد النبوة 701.
وعن نصه -رضي الله عنه- في البويطي أنه لا يفعل ذلك واستغربوه، وإنما يعق عن المولود من تلزمه نفقته ولكن روي أنه -صلى الله عليه وسلم- عق عن الحسن والحسين -رضي الله
الجزء: 12 - الصفحة: 117
عنهما 702 - وكأنه مؤول، ولا يذبح عن المولود من ماله، ولكن المنفق عاجزاً عن العقيقة فأيسر في السبعة استحب له إقامة الستة، وإن أيسر بعدها وبعد مدة النفاس فهي ساقطة وإن أيسر في مدة النفاس فيه احتمالان عن الأصحاب، لبقاء أثر الولادة، ولتكن الذبيحة جذعة من الضأن، أو ثنية من المعز كما في الضحية وعن "الحاوي" أنه يجزي ما دون الجزعة والثنية ولتكن سليمة عن العيوب المانعة من التضحية وفي "العدة" ما يشعر بوجه آخر مسامح وعن بعض الأصحاب أن الغنم أفضل من الإبل والبقر والصحيح خلافه كم في الأضحية وينبغي تتأدى السنة بسُبع من البدنة والبقرة، وحكم العقيقة في التصدق منها وفي الأكل والهدية والادخار وقدر المأكول وامتناع البيع وتعيين الشاة إذا عينت للعقيقة كما ذكرنا في الضحية، وقيل إن جوزنا ما دون الجذعة لم يلزم التصدق منها وجاز تخصيص الأغنياء بها وينوي عند الذبح أنه عقيقة، نعم إن جعله عقيقة من قبل ففي الحاجة إلى النية عند الذبح ما ذكرنا في الأضحية، ويستحب ألا يتصدق بلحمها نياً بل يطبخه وعن الحاوي أنا إذا لم نجوز ما دون الجذعة من الضأن والثنية من المعز فيجب أن يتصدق بلحمها نياً وهذا ما رآه الإِمام وقال إذا أوجبنا التصدق بمقدار فيجب تمليكه وهو ني والمشهور الأول ثم يطبخه قيل: بحموضة وعزاه في التهذيب إلى النص والأظهر أنه يطبخه بحلو تفاؤلاً بحلاوة أخلاق المولود وذكروا على هذا وجهين في أنه هل يكره الطبخ بالحامض والأظهر المنع ولا بكسر عظام العقيقة تفاؤلاً بسلامة الولد عن الآفات، قال في العدة وهل يكره فيه وجهان المذهب المنع ويعق عن الجارية بشاة وعن الغلام بشاتين وإن كان أصل السنة يتأدى بواحدة وقال مالك الغلام كالجارية لنا ما سبق من الخبر.
ويستحب أن تكون الشاتان متساويتين لأنهما إذا اختلفتا آثرت النفوس الأجود فيختلف ما يطعم وما يطعم والتصدق بلحمها ومرقها على المساكين بالبعث إليهم أفضل من الدعوة إليها ولو دعا إليه قوماً فلا بأس، واستحب أن يكون ذبح العقيقة في صدر النهار وأن يعق عن من مات بعد الأيام السبعة وإمكان الذبح، وقيل إنها تسقط بالموت وأن يقول الذابح بعد التسمية اللهم لك وإليك عقيقة فلان ويكره تلطيخ رأس الصبي بدم العقيقة وكانوا يفعلونه بالجاهلية ولا بأس بتلطيخه بالزعفران أو الخلوف وقيل باستحبابه ويستحب أن يسمى المولود في اليوم السابع ولا بأس بأن يُسَمَّى قبله واستحب بعضُهم ألاَّ يفعله.
ويُرْوَى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "سَمُّوا السِّقْطَ".
ولْتكن التسميةُ باسمٍ حَسَنٍ، وتغير الأسماءُ القبيحةُ، ويكره مِنَ الأَسْمَاءِ: نَافِعٌ،
الجزء: 12 - الصفحة: 118
ويَسَارٌ، ونَجِيحٌ، وأَفْلَح وبَرَكَةٌ.
وأنْ يُحْلَقَ رأْسُ المولودِ في اليوم السابع، وِيتَصدَّقَ بوزْنِ شَعَرِه ذهباً، فإنْ لم يتيسَّرْ ففِضَّةْ، ولا فرْقَ فيه بين الذكرِ والأُنْثَى.
ورُوِيَ أَنَّ فَاطِمةَ -رضي الله عنها- بِنْتَ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- وَزَنَتْ شَعَرَ الحَسَنِ والحُسَيْنِ -رضي الله عنهما- وزَيْنَبَ وأُمَّ كُلْثُوم فتصدقت بوزْنِهِ فِضَّة 703.
ثم في "التهذيب": أن الحلْقَ يكون بَعْد ذبحِ العَقِيقة.
والذي رجحه القاضي الرُّوَيانِي، ونسبه إلى النصِّ: أنه يكونُ قبل الذبحِ 704.
وأنه يُؤَذِّنَ مَنْ وُلِد له ولدٌ في أُذنه؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- أَذَّنَ في أُذُنِ الْحُسَيْنِ حِينَ ولدتْهُ فاطمةُ -رضي الله عنهم 705 -.
وعن عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ -رضي الله عنه- أنه كان إذا وُلِدَ له وَلَدٌ أذَّن في أُذُنِه
الجزء: 12 - الصفحة: 119
الْيُمْنَى، وأَقَامَ في اليُسْرَى 706، وعلى هذا جَرَى بعضُ الأَصْحاب.
وعن مَالِكٍ -رضي الله عنه- أنه لاَ يُسْتحبُّ.
وأن يقولَ في أُذُنِ المولُودِ: إِنِّي أُعِيذُهَا بكَ وَذُزِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم، وأن يُحَنكه بالتّمْرِ: وهو أَنْ يَمْضَغُهُ ويدلك 707 به حَنَكَه، فإن لم يكن تمرٌ حَنَّكَه بِشَيْء آخرَ حُلْوٌ، وأَنْ يُهَنَّأ الوالدُ بالولاَدَةِ.
وأَمَّا لفظُ الكتاب فقولُه: "فهي أيضاً كالضحية في أَحْكامها" يعني: في الأَكْلِ، والهَدِيَّةِ، والسَّلاَمَةِ، عَنِ العُيُوب، وغيرها؛ كما بينا لكنَّ الضحيةَ يختصُّ ذَبْحُهَا بأيَّام النَّحْرِ، والعقيقةُ يدخُلُ وقتُ ذبَحِهَا بولادَةِ المولُودِ كدماءِ [الجُبْرانَاتِ] 708 التي تتعلَّق بأسبابٍ حَادِثةٍ.
وقوله: "إلى السَّابع" ليس على مَعْنَى أنه يَنْتَهِي وقْتُها بتمام السبعة لكن فيه على معنى أَنَّ الأَحَبَّ أَلاَّ يُؤَخرَ عنه.
وقوله "ولا يَتَأَدَّى الاستحبابُ إلا بما يتأدَّى به" يُشْبه أَنْ يُريدُ به القدْرَ الذي يخرجه، وكيفيةَ الإخْراجِ، ومَنْ يخرج إليه، وهو في الحقيقةِ دَاخِلٌ في قوله: أَوَّلاً إِنَّها كالضحية في أَحْكَامِها.
ويجوزُ إعلامُ قولِه: "يتضح" بالواوِ؛ لما سبق.
وقولُه: "والتصدُّقُ بالمرَقَةِ" يُغْنِي عن التصدُّقِ باللَّحْم أعني إذا أَوْجَبْنَا التصدُّقَ بقدْرِ مَا يَنْطَلِقُ عليهِ الاِسْمُ" هذا ليسَ بواضِحِ لا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، ولا مِنْ جِهَةِ الْمعنى.
أمَّا المعْنَى فظاهِرٌ.
وأما النقلُ، فلأَنْهُ لاَ يَكادُ يُوجَدُ ذلك لغيْرِه.
نَعَمْ، في "الْوَسِيطِ" أن الصِّيْدَلاَنِيّ قال: يجوزُ التصدُّقُ بالمرقةِ، ثم قال مُعْتَرِضاً عليه؛ إِنْ أراد بهذا أنه يكفي عن التصدُّقِ بمقدَارٍ من اللحْم، إِذَا قُلْنَ: لا بُدَّ مِنْه فَفِيه نَظَرٌ، وقد نظرتُ في مَجْمُوع الصيدلاَنِي فلم [أجدْ فيه ما نقَله] 709 وإنما قال: يَطْبُخُهَا ويبعَثُ بها وبمَرَقِهَا إلى الفُقَرَاءِ.
وكذلك حكاه الإمامُ عنه، وكلمة أَعْنِي: لا حاجةَ إِلَيْها، ولو طَرَحها لانْتظم الكلامُ.
فَرْعٌ: تُعْطَى الْقَابِلَة رِجْلَ العَقِيقَة؛ اقتداء بفَاطِمَةَ -رضي الله عنها 710 -.
آخرِ -رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا فَرَعَةَ ولا عَتِيرةَ" 711.
الجزء: 12 - الصفحة: 120
ويُرْوَى: لا فَرَعَ والفرع: أَوَّلُ نتاج البهِيمَةِ كانوا يذبحونَهُ ولا يملِكُونه؛ رجاءَ البركةِ من الأُمِّ وكثرة نَسْلها.
والعتيرةُ: ذبيحةٌ كانوا يَذْبَحونَها في العَشْرِ الأُوَلِ مِنْ رَجَبٍ، وُيسَمُّونَها: الرَّجَبيَّةَ أيضاً.
في كتاب القاضِي ابْنِ كَجٍّ، وغيرِه اختِلاَفٌ فيها؛ فَعَنْ بعضِ الأصْحاب: أنهما مَكْرُوهان؛ عن ظَاهِرِ الخبر.
وعن بَعْضِهم: أنه لا كراهةَ فيهِما والمنعُ رَاجِعٌ إلى ما كانوا يَفْعَلُونَ، وهو الذبحُ لآلِهَتِهم أو المقصودُ بنفْي الوُجُوبِ: أنَّهما ليستَا كالأضْحيَةِ في الاِسْتحبابِ أو في الثَّوابِ على إِرَاقَةِ الدم.
فأمَّا تفرقَةُ اللحْمِ على المسَاكِين، فَبِرٌّ وصدقَةٌ.
ويُرْوَى أَنَّ الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه- قال: إِنْ تَيَسَّرَ ذلك في كُلِّ شَهْرٍ كان حَسَناً.
والله اعْلَمُ 712. = وبين حديث أبي هريرة، أن المراد الوجوب، أي لا فرع واجب، ولا عتيرة واجبة، قاله الشافعي، ونمى في رواية حرملة أنهما إن تيسّرا كل شهر كان حسناً.
قاله الحافظ.
الجزء: 12 - الصفحة: 121
.......................................................... = التاسعة: ذكر الغزالي وغيره، في اللحية عشر خصال مكروهة: خضابها بالسواد إلا للجهاد، وتبييضها بالكبريت أو غيره استعجالاً للشيخوخة، ونتفها أول طلوعها إيثاراً للمرودة وحسن الصورة، ونتف الشيب، وتصفيفها طاقة فوق طاقة تحسناً، والزيادة فيها، والنقص منه بالزيادة في شحر العذارين من الصدغين، أو أخذ بعض العذار في حلق الرأس، ونتف جانبي العنفقة، وغير ذلك، وتركها شعثة إظهاراً لقلة المبالاة بنفسه، والنظر في بياضها وسوادها إعجاباً وافتخاراً، ولا بأس بترك سباليه، وهما طرفا الشارب.
العاشرة: في "صحيح مسلم" عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن أحب أسمائكم إلى الله عزّ وجلّ، عبد الله، وعبد الرحمن"، وإذا سمي إنسان باسم قبيح، فالسنة تغييره.
وينغي للولد والتلميذ والغلام، أن لا يسمي أباه ومعلِّمه وسيده باسمه.
ويستحب تكنية أهل الفضل من الرجال والنساء، سواء كان له ولد، أم لا، وسواءكني بولده، أم بغيره.
ولا بأس بكنية الصغير، وإذا كني من له أولاد، فالسنة أن يكنى بأكبرهم، ونص الشافعي رحمه الله، أنه لا يجوز التكني بأبي القاسم، سواء كان اسمه محمداً، أم غيره، للحديث الصحيح في ذلك، وسنوضحه في أول النكاح إن شاء الله تعالى.
ولا بأس بمخاطبة الكافر والمبتدع والفاسق بكنيته إذا لم يُعرَف بغيرها، أو خيف من ذكره باسمه فتنة، وإلا فينبغي أن لا يزيد على الأسم.
والأدب، أن لا يذكر الإنسان كنيته في كتابه ولا غيره، إلا أن لا يعرف بغيرها، أو كانت أشهر من اسمه.
ولا بأس بترخيم الاسم إذا لم يتأذِّ صاحبه، ولا بتلقيب الإنسان بلقب لا يكره.
واتفقوا على تحريم تلقيبه بما يكرهه، سواء كان صفة له، كالأعمش والأعرج، أو لأبيه، أو لأمه، أو غير ذلك.
ويجوز ذكره بذلك للتعريف، لمن لا يعرفه بغيره، ناوياً التعريف فقط.
وثبت في "صحيح مسلم" وغيره: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا كان جنح الليل أو أمسيتم، فكلفوا صبيانكم، فإن الشيطان ينتشر حينئذ، فهذا ذهب ساعة من الليل، فخلوهم، وأغلقوا الباب، واذكروا اسم الله، فإن الشيطان لا يفتح باباً مغلقاً، وأَوْكوا قِرَبكم واذكروا اسم الله، وخمِّروا آنيتكم واذكروا اسم الله، ولو أن تَعْرُضوا عليها شيئاً، وأطفئوا مصابيحكم" وفي رواية: "لا ترسلوا فواشيكم وصبيانكم إذا غابت الشمس، حتى تذهب فحمة العشاء" وفي رواية: "لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون".
فهذه سنن ينبغي المحافظة عليها، و"جنح الليل" بضم الجيم وكسره: ظلامه.
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "تعرضوا عليها شيئا" -بضم الراء- على المشهور.
وقيل: بكسرها، أي: تجعلوه عرضاً.
وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا ترسلوا فواشيكم" هي -بالفاء جمع فاشية- وهو كل ما ينشر من المال كالبهائم وغيرها، وفحمة العشاء: ظلمتها.
الجزء: 12 - الصفحة: 122