العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ الرَّهْنِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الغزالي: وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ:

البَابُ الأَوَّلُ في أَرْكَانِهِ

وَهِيَ أَرْبَعَةْ: الرَّاهِنُ وَالمَرْهُونُ وَالمَرْهُونُ بِهِ وَصِيغَةُ الرَّهنِ الرُّكْنُ الأَوَّلُ المَرْهُونُ وَفيهِ ثَلاَثَةُ شَرَائِطَ: الأُوليَ أَنْ يَكُونَ عَيْناً فلاَ يَجُوزُ رَهْنُ الدَّيْنِ، لأَنَّ الرَّهْنِ عِبَارَةٌ عَنْ وَثيقَةِ دَيْنٍ فِي عَيْنٍ، وَإذَا كانَ عَيْناً لَمْ يُشْتَرَطُ (ح) فِيهِ الإِفْرَازُ بَلْ يَصِحُّ رَهْنُ الشَّائِعِ وَيَكُونُ علَى المُهَايَأَةِ كَمَا فِي شُرَكَاءِ المِلْكِ.
قال الرَّافِعِيُّ: أصل الرَّهْن 1 مجمع عليه، والكتاب والسنة متعرضان له.
قال -تعالى-: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ 2. "وَرَهَنَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- دِرْعَهُ مِنْ يَهُودِيَّ فَتُوُفَّيَ وَهِيَ مَرْهُونَةٌ عِنْدَهُ" 3.

الجزء: 4 - الصفحة: 437

ووجه إدراج حجة الإسلام رحمه الله تعالى كلام الكتاب في الأبواب الأربعة.
أن الرَّهن إمَّا صحيح أو فاسد، والصحيح منها إما جائز، أو لازم وكيفما كان فقد يتفق المتعاقدان على كيفية العقد البخاري بينهما، وقد يتنازعان فيه.
فالباب الأول: فيما يعتبر في صحته.
والثاني: في الرهن الجائز وأحكامه.
والثالث: في اللازم وأحكامه.
والرابع: في التنازع.
وقد عد أركان الرهن أربعة: الراهن، والمرهون به، والصيغة، والعاقد.
ولو جمع بين المرهون والمرهون به، وجعل ما يتعلق بالعقد ركناً كما فعل في البيع، وكما جعل من يصدر منه العقد ركناً لجاز، ولو فصل الثمن عن البيع كما فعل هاهنا لجاز، ومثل هذا يرجع إلى مجرد رَسم وترتيب، والمقصود لا يختلف.
الأول: المرهون وله شروط: أحدهما: أن يكون عيناً، أما الدَّيْن ففي جواز رهنه وجهان: أحدهما: الجواز تنزيلاً لما في الذمم منزلة الأعيان، ألا ترى أنه يجوز شراء ما في الذمة وبيعه سلماً؟ وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب المنع؛ لأن الدَّيْن غير مقدور على تسليمه، ومنهم من رتب هذا الخلاف على الخلاف في بيع الدَّيْن، والرهن أولى بالمنع، لأنه لا يلزم إلاَّ بالقبض والقبض لا يصادق ما تناوله العَقْد، ولا مستحقّاً بالعقد، والقبض في البيع يصادف مستحقاً بالعقد؛ لأن البيع سبب الاسْتحقاق، ولا يشترط كون المرهون مفروزاً؛ بل يصح المرهون الشائع، سواء رهن من شريكه أو غيره، وسواء كان ذلك مما يقبل القسمة أو لا يقبلها 4، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله تعالى وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يجوز رهنه من غير الشريك، وفي رهنه من الشريك روايتان.
لنا: إلحاق الرهن بالبيع والشائع بالمفروز، ولو رهن نصيبه من بيت معين من الدار المشتركة بإذن الشريك صح، وبغير إذنه وجهان عن ابن سُرَيج.
أصحهما: عند الإمام أنه يصحُ كما يصح بيعه 5.

الجزء: 4 - الصفحة: 438

والثاني: لا؛ لأنه ربما تتفق القِسْمة ويقع هذا البيت في نصيب صاحبه، فيكون قد رَهَن ملك غيره ويخالف البيع، فإنه إذا باع زال ملكه عن البيت واسْتَحَالت المُقَاسَمَة معه، وهذا أرجح عند صاحب "التهذيب"، وادَّعى أن الحكم في البيع مثله.
وإذا قلنا بالوجه الأول، واتفقت القسمة كما قررناه فهو كَتَلَفِ المَرْهُون، أو يغرم قيمته فيه احتمالان للإمام أوجههما: الثَّاني إضافة للفوات إليه، وكيف ينزل منزلة الآفَة السَّمَاوية، وقد حصل له في قطر آخر من الدَّارِ مثل ما كان له في ذلك البيت، وعن الإمام محمد بن يحيى توسط بين الاحتمالين، وهو: أنه إن كان مختاراً في القسمة غرم القيمة، وإن كان مجبراً فهو كالفوات 6. ثم القبض في الرَّهْن المشاع بتسليم الكل، فإذا حصل القبض جرت المُهَايَأة بين المُرْتَهن والشَّريك في الرهن جريانها بين الشريكين ولا بأس بِتَبْعِيض اليد بحكم الشيوع، كما لا بأس به لاسْتِيْفَاء الرَّاهن المنافع 7 واعلم: أن لفظ العَيْن الذي ترجم به هذا الشرط يطلق بالمعنى المقابل للدين ويطلق بالمعنى المقابل بالمنفعة، وكل واحد من المعنيين معتبر في المرهون، أما بالمعنى الأول فقد عرفته.
وأما بالثاني، فقد ذكر ابن الصَّبَّاغ وغيره: أنه لو رهن بالدين سُكْنى دار مدة لم يصح؛ لأنه إن كان مؤجلاً فالمنافع إلى حلول الأجل وإن كان حالاً فبقدر ما يتأخر الدين يتلف جزء من المرهون فلا يحصل الاستيثاق.
قال الغزالي: الثَّانِيَةُ أَنْ لاَ يَمْتَنِعَ إِثْبَاتُ يَدِ المُرْتَهنِ عَلَيْهِ كَرَهْنِ المُصْحَفِ (ح) وَالعَبْدِ (ح) المُسْلِمِ مِنَ الكَافِرِ فِيهِ خِلاَفٌ مُرَتَّبٌ عَلَى البَيْعِ، وَكَذَا رَهْنُ الجَارَيةِ الحَسْنَاءِ مِمَّنْ لَيْسَ بِعَدْلٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ، وَلَكِنْ إنْ جَرَى فَالأَصَحُّ صِحَّتُهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: فقه الشرط صورتان:

الجزء: 4 - الصفحة: 439

الأولى: في رهن العبد المسلم من الكافر طريقان: أحدهما: وبه قال أبو إسحاق، والقاضي أبو حامد أنه على القولين في بيعه منه إن صححناه جعل في يدي عدل من المسلمين 8. والثاني وبه قال صاحب "الإفصاح": القطع بجوازه؛ لأنه لا ملك فيه للكافر، ولا انتفاع، وإنما هو مجرد استيثاق والظاهر جوازه، أثبت الخلاف أم لا، ورهن المُصْحف منه يترتب على رَهْن العبد ورهن السلاح من الحَرْبِي يترتب على بيعه منه.
الثانية عن الشيخ أبي علي رواية قول: إن رهن الجارية الحسناء لا يجوز إلاَّ أن تكون محرماً للمرتهن، والمذهب المشهور جواز رهن الجواري مطلقاً ثم إنْ كانت صغيرة لا تشتهى بعد فهي كالعبد وإلاَّ فإن رهنت من محرم أو امرأة فذاك؛ وإنْ رهنت من رجل أجنبي فإن كان ثقة وعنده زوجته أو جاريته أو نسوة يؤمن معهن من الإلمام بها فلا بأس أيضاً، وإلاَّ فلتوضع عند محرم لها أو امرأة ثقة، أو عدل بالصفة المذكورة في المرتهن، فإن شرط وضعها عند غير من ذكرنا، فهو شرط فاسد لما فيه من الخَلْوة بالأجنبية وخوف الفتنة، وألحق الإمام بالصِّغر الحسنة الخسيسة مع دَمَامَة 9 الصورة، لكن الفرق بينهما بيّن.
ولو كان المرهون خُنْثَى فهو كما لو كان جارية، إلاَّ أنه لا يوضع عند المرأة.
وقوله في الكتاب (من ليس بعدل) يشعر بجواز الرَّهْن من العدل بلا كراهة، ولفظ "الوسيط" كالمصرح بذلك، لكن المعظم ما قنعوا بالعدالة، وشرطوا معها أن يكون ذا أهل كما سبق.
وإذا عرفت الصُّورتين عرفت أَنَّ اعتبار هذا الشرط مختلف فيه، وفي العبارة المذكورة لترجمته نظر، والله أعلم.
قال الغزالي: الثَّالِثَةُ أَنْ تَكُونَ العَيْنُ قَابِلَةَ لِلْبَيعِ عِنْدَ حُلُول الأجَلِ، فَلاَ يَجُوزُ رَهْنُ أُمِّ الوَلَدِ، وَالوَقْفَ، وَسَائِرِ أَرَاضِي العِرَاقِ مِنْ عَبَادَانَ إِلَى المَوْصِلِ طُولاً، وَمِنَ القَادِسِيَّةِ إِلَى حُلْوَانَ عَرْضاً، فَإِنَّهُ وَقْفٌ عَلَى اعْتِقَادِ الشَّافِعِي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَقَفَهَا عمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَلَى المُسْلِمِينَ بَعْدَ تَملُّكِهَا عَنْوَةً، وَقَال ابْنُ سُرَيجٍ: هِيَ مِلْكٌ.

الجزء: 4 - الصفحة: 440

قال الرَّافِعِيُّ: مقصود الرَّهْن أو من مقاصده استفاء الحق من ثمن المرهون عند الحاجة، فيشترط قبوله للبيع، وما لا يجوز بيعه كالحُرّ، وأم الولد والمكاتب، والوقف لا يجوز رهنه 10، وذكر الشَّافعي -رضي الله عنه- والأصحاب رحمهم الله هاهنا طرفاً

الجزء: 4 - الصفحة: 441

من الكلام في أرض الخراج، ولا شك أنه دخيل في الباب، وفي السير عودة إليه، فنؤخره إليه، إن شاء الله تعالى ونقتصر الآن على حط الرهن منه فنقول: سواد العراق وقف على المسلمين على الأظهر، وكل أرض هي كذلك لا يجوز رهنها كسائر الوقوف وأبنيتها وأشجارها إنْ كانت من تربتها، وغُرُوسها التي كانت قبل الوقف فهي كالأرض، وإن أحدثت فيها من غيرها جاز رهنها، فإن رهنت مع الأرض فهو من صور تفريق الصفقة في الرهن، وكذا رهن الأرض مطلقاً.
إن قلنا: إنَّ البناء والغِرَاس يدخلان فيه، وإذا صَحّ الرهن في البناء والغِرَاس، فلا خراج على المرتهن، وإنما هو على الراهن فإنه مضروب على الأرض، فإنْ أداه المرتهن بغير إذنه فهو متبرع، وإن أداه بإذنه وبشرط الرجوع رجع، وإنْ لم يشترط الرجوع فوجهان جاريان في أداء دين الغَيْرِ بإذنه مطلقاً، وظاهر النص الرجوع.
= رهناً بهما.
صح على المذهب.
ومنها: الدين لا يصح رهنه على الصحيح، وإن قلنا يصح بيعه.
ومنها: إذا تزوج العبد بإذن مولاه بصداقٍ معينٍ، وقَبِلَ السيدُ الصداقَ في ذمته، فإنه لا يصح أن يرهن العبد عند الزوجة على الصداق؛ لأن الدين مضمون على العبد، فلم يجز أن يجعل رهناً في الدين كما ذكره الماوردي.
وحكى ابن الرفعة فيها احتمالاً: إذا قلنا إن الرهن لا يتعلق برقبته.
ومنها: الجارية الحسناء، لا يصح رهنها عند غير المحرم على قول، والراجح الصحة.
وتوضع عند امرأة أو أجنبي ثقة له نساء، وليس للراهن وطؤها سواءكانت بكراً أو ثيباً، عَزَلَ أم لا، فلو وطئ إن عليه أرْشُ البكارة إنْ افتضها، فإن شاء جعله رهناً أو قبضه له من الدين.
ولو أتت المرهونة بولد ادعى الراهن أنه منه بإذن المرتهن، وادعى المرتهن أنه من زنى أو من زوج، فالقول قول الراهن من غير يمين، إن صدقه المرتهن بالإذن في الوطء، وأنه وطئ، وأنها ولدت، وإمكان الولد منه، فإن أنكر شيئاً من ذاك، كان القَوْلُ قَوْلَهُ؛ لأن الأصل عدمه، كما ذكره النووي في أصل الروضة.
ومنها: ما يتسارع إليه الفساد إذا رهنه بدين مؤجل، وشرط أن لا يباع قبل حلول الأجل، فهو باطل قطعاً.
وإن شرط بيعه عند إشرافه على الفساد وجعل ثَمَنَهُ رَهْنَاً مكانَهُ، صح، ولزم الوفاء به، وإن لم يشترط واحداً منهما لم يصح الرهن على الأظهر، وهو اختيار العراقيين.
ذكره ابن عبد السلام في قواعده الكبرى.
فلو باعه المرتهن بغير إذن الحاكم خوف فساده، ووضع الثمن عند عدل فادعى تلفه، أخذ الراهن حقه من المرتهن، ورجع المرتهن على العدل، فلو تلف الثمن في يد العدل، ثم خرج الرهن مستحقاً، فللمشتري الخيار بيِن أن يرجع بالثمن على الراهن، أو العدل والقرار على الراهن.
فإن قال قائل: ما الفرق بين هذه المسألة وبين ما إذا مات الراهن، فأمر الحاكم عدلاً يبيع الراهن، فباعه وقبض ثمنه، فتلف ثم خرج مستحقاً، رجع المشتري في مال الراهن ولم يضمن العدل شيئاً على الأصح؟.
قيل: الفرق بينهما أنه في هذه المسألة نائبٌ عن الحاكم، والحاكم لا يضمن بخلاف الأولى، فإنه نائب عنهما، فدل على الفرق بينهما.
وبعض هذه الفروع ذكرها المصنف في أثناء شرحه.
ينظر الاعتناء 1/ 501 - 504.

الجزء: 4 - الصفحة: 442

وقوله: (عند حلول الأجل) أي: إذا كان الدَّين مؤجلاً، فإن كان حالاً فالشرط أن يكون قابلاً للبيع في الحال وقوله: (وسائر أراضي العراق) أي: جميعها وقد مر نظيره.
قال الغزالي: وَيَجُوزُ رَهْنُ الأُمِّ دُونَ وَلَدِهَا إِذْ لاَ تَفْرِقَةَ فِي الحَالِ، وَعِنْدَ البَيْعِ تُبَاعُ الأُمُّ دُونَ الوَلَدِ عَلَى رَأْيِ، وَيُقَالُ: هَذِهِ تَفْرِقَةٌ ضَرُورِيَّةٌ، وَعَلَى رَأْيِ تُبَاعُ مَعَهُ، ثُمَّ يَخْتَصُّ المُرْتَهِنُ بِقيمَةِ الأُمِّ فَتُقَوَّمُ الأُمُّ مِنْفَرِدَةً فَإذَا هِيَ مِائةٌ وَمَعَ الوَلَدِ فَهِيَ مِائةٌ وعِشْرُونَ فَنَقُولُ: حِصَّةُ الوَلَدِ سُدْسٌ كَيْفَمَا اتَّفَقَ البَيْعُ، وَقِيلَ: إِنَّ الوَلَد أَيْضاً يُقَدَّرُ قِيمَتُهُ مُفْرَداً حَتَّى تَقِلَّ قِيمَتُهُ فَتَكُونَ عَشَرَةٌ مَثَلاً فَيُقَالُ: هُوَ جُزْءٌ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءاً فَيُقَسَّمُ عَلَى هَذِهِ النِّسْبَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: التَّفريق بين الأم وولدها الصغير ممنوع منه، وفي إِفْسَاده البيع قولان سبقا، ويصح رهن أحدهما دون الآخر.
قال الشَّافعي رضي الله عنه: لأن ذلك ليس بتفرقة بينهما.
قيل: معناه أن الرهن لا يوجب تفرقة؛ لأن الملك فيهما باقٍ للراهن والمنافع له، فيمكنه أنْ يأمرها بتعهّد الولد وحَضَانَتِهِ، وإذَا كان كذلك وجب تَصْحِيح الرَّهْن، ثم ما يتفق بعده من بَيْع وتفريق فهو من ضرورة إلجاء الرهن إليه.
وقيل: معناه أنه لا تفرقة في الحال، وإنما التفرقة تَقَعُ عند البيع، وحينئذ يحذر منها بأن يبيعهما معاً، ومن قال بالأول، لم يبال بإفراد أحدهما عن الآخر بالبيع إذا وقعت الحاجة إلى البيع.
والأصح: التَّفْسير الثاني وأنهما يباعان جميعاً، ويوزع الثمن على قيمتهما 11 وكيف يوزع قدم الإمام على بيانه مسألة هي مقصودة في نفسها فنأتم به في تقديمها، ثم نعود إلى هذه.
أما تلك المسألة فهي ما إذا رهن أرضاً بيضاء، ثم نِبت فيها نخيل.
ولها حالتان: إحداهما: أن يرهن الأرض، ثم يدفن فيها النَّوى أو يحملها السَّيْل، أو الطَّيْر إليها

الجزء: 4 - الصفحة: 443

فتنبت فهي للراهن، ولا يجير في الحال على قَلْعها، فلعله يؤدي الدَّيْن من موضع آخر، فإذا مست الحاجة إلى بَيْع الأرض، نظر إنْ وَفى ثمن الأرض لو بيعت وحدها بالدَّيْن بيعت وحدها، ولم تقلع النخيل، وكذا لو لم تَفِ به إلاَّ قيمة الأرض وفيها الأشجار كقيمتها بيضاء، وإن لم تف به ونقصت قيمتها بالأشجار، فللمرتهن قلعها ليبيع الأرض بيضاء، إلاَّ أن يأذن الراهن في بيعها مع الأرض، فيباعان ويوزع الثَّمن عليهما.
هذا إذا لم يكن الراهن محجوراً عليه بالإفلاس فإنْ كان كذلك، فلا قلع بحال لتعلق حق الغرماء بها، بل يباعان ويوزع الثمن عليهما فما يقابل الأرض يختص به المرتهن، وما يقابل الأشجار يقسم بين الغرماء فإن انتقصت قيمة الأرض بسبب الأشجار، حسب النقصان على الغرماء؛ لأن حق المرتهن في أَرْض فارغة، وإنما منع من القَلْع لرعاية جانبهم، فلا يهمل جانبه بالكلية.
الحالة الثَّانية: أنْ تكون النَّوَى مدفونة في الأرض يوم الرَّهْن، ثم تنبت فإن كان المُرْتَهن جاهلاً بالحال، فله الخيار في فَسْخ البيع الَّذي شرط فيه هذا الرَّهْن، فإن فسخ فذاك، وإلاَّ فهو كما لوم كان عالماً وإن كان عالماً فلا خيار.
وإذا بيعت الأرض مع النخيل وزع الثمن عليهما، والمعتبر في الحالة الأولى قيمة أرض فارغة، وفي الثانية قيمة أرض مشغولة؛ لأنها كانت كذلك يوم الرَّهْن.
وفي كيفية اعْتباره قيمة الأَشْجَار وجهان نقلهما الإمام في الحالتين: أظهرهما: أن الأَرض تُقَوَّمُ وحدها فإذا قيل: هي مائة قومت مع الأشجار، فإذا هي مائة وعشرون فالزيادة بسبب الأشجار عشرون، وهي سدس المائة والعشرين فيراعى في ثمنها نسبة الأسداس.
والثَّاني: أنَّا كما قَوَّمنا الأرض وحدها نقوم الأشجار وحدها ثانية، فإذا قيل: هي خمسون عرفنا أن النسبة بالأثلاث.
واعلم أن في المثال المذكور لإيضاح الوجهين تكون قيمة الأرض ناقصة بسبب الاجتماع؛ لأنا فرضنا قيمتها وحدها مائة، وقيمة الأشجار وحدها ثابتة خمسين، وقيمة المجموع مائة وعشرين.
عدنا إِلَى مسألة الأم والولد، فإذا بيعا معاً فأردنا التوزيع.
قال الإمام: فيه طريقان: أحدهما: أن التوزيع عليهما كالتَّوْزيع على الأرض والأشجار فتعتبر قيمة الأم وحدها، وفي الولد الوجهان.
والثاني: أن الأم لا تُقَوَّمُ وحدها بل تقوّمُ مع الولد خاصة؛ لأنها رهنت وهي ذات

الجزء: 4 - الصفحة: 444

ولد، والأرض رهنت بلا أَشْجَار، وهذا ما أورده الأكثرون، نعم لو حدث الولد بعد الرَّهْن والتَّسليم من نكاح أو زنا، وبيعا معاً فللمرتهن قيمة جارية لا ولد لها، وصاحب الكتاب اقتصر على رواية الطريق الأول، لكن نقله الوجه الثاني هاهنا وفي "الوسيط" يخالف منقول الإمام لأنه قال: تقدر قيمة الولد أيضاً مفرداً والوجه ما نقله الإمام كما تقدر قيمة الأشجار ثابتة لا مقلوعة.
وقوله: (حتى تقل قيمته) أي: هكذا يكون لكونه ضائعاً، وتمثيله المسألة بما إذا كانت قيمة الولد عشرة، يناسب ما نقله، ومثل في "الوسيط" بما إذا كانت قيمة الولد خمسين، وليس ذلك مع كون قيمتهما مائة وعشرين على ما فرضه الإمام في الوجه الأول، فإذا كانت وحدها مائة وكانت مع الولد مائة وعشرين استحال أن يكون الولد وحده خمسين لضياعه.
قال الغزالي: وَرَهْنُ مَا يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الفَسَادُ بِدَيْنِ مُؤَجَّلِ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِهِ صَحِيحٌ إِنْ شَرَطَ البَيْعِ وَجَعَلَ الثَّمَنَ رَهْناً، وَإِنْ شَرَطَ مَنْعَهُ فَبَاطِلٌ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَقَوْلانِ، وَلاَ خِلاَفَ أَنَّهُ لَوْ طَرَأَ مَا يُعَرِّضُهُ لِلفَسَادِ يُبَاعُ ويُجْعَلُ بَدَلُهُ رَهْناً.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا رهن شيئاً رطباً يتسارع إليه الفساد، نظر إن أمكن تجفيفه كالرطب والعنب صح رهنه وجفف 12، وإن لم يمكن كالثمرة التي لا تجفف والمَرقَة والرّيْحَان والجَمد فرهنه، إن كان بدين حال يصح، ثم إنْ بيع في الدين أو قضى الدين من موضع آخر فذاك، وإلاَّ بيع وجعل الثمن رهناً كَيْلاً يضيع ولا تفوت الوثيقة، فلو تركه المرتهن حتى فسد.
قال في "التهذيب": إن كان الراهن أذن له في بيعه ضمن وإلاَّ لم يضمن، ويجوز أن يقال: عليه رفع الأمر إلى القاضي ليبيعه 13. وإن كان رهنه بمؤجل، فله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يَعْلَم حلول الأجل قبل فساده فهو كرهنه بدين حال.
والثانية: أن يعلم عكسه، فإنْ شرط في الرَّهن بيعه عند الإِشْراف على الفساد،

الجزء: 4 - الصفحة: 445

وجعل ثمنه رهناً صح، ولزم الوفاء بالشرط، وإنْ شرط إلاَّ يباع بحال قبل حلول الأجل، فهو فاسد مفسد للرهن لمناقضته مقصود الوثيقة، وإنْ لم يشترط هذا ولا ذاك فقولان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة وأحمد: يصح الرهن ويباع عند تعرضه للفساد كما لو شرطه، لأن الظاهر أنه لا يقصد فساد ماله.
والثاني: لا يصح؛ لأنه مرهون لا يمكن استيفاء الحق منه عند المحل، والبيع قبله ليس من مقتضيات الرهن، وهذا أصح عند أصحابنا العراقيين، وميل من سواهم إلى الأول، وهو الموافق لنص الشافعي رضي الله عنه في "المختصر" 14. والثالثة: أن لا يعلم واحد من الأمرين وكانا محتملين، ففي جواز الرهن المطلق قولان مرتبان على القولين في القسم الثاني، والصحة هاهنا أظهر.
ولو رهن ما لا يتسارع إليه الفساد فطرأ ما عرضه للفساد قبل حلول الأَجل كما إذا ابتلّت الحِنْطة وتعذر التَّجْفيف، فلا يفسخ الرهن بحال، وإنْ منع الصحة في الابتداء على قول، كما أن إِبَاق العبد يمنع صحة العقد، وإذا طرأ لم يوجب الانفساخ، ولو طرأ ذلك قبل المرهون ففي الانفساخ وجهان، كما في عروض المجنون والموت، وإذا لم ينفسخ يباع ويجعل الثمن رهناً مكانه 15. قال الغزالي: وَيَجُوزُ رَهْنُ العَبْدِ (ح) المُرْتَدِّ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَرَهْنُ العَبْدِ الجَانِي يَنْبَنِي عَلَى جَوَازِ بَيْعِهِ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ علَى أَنَّ رَهْنَ المُدَبّرِ بَاطِلٌ، وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ مُنْقَاسٌ أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَكَذَا رَهْنُ المُعَلَّقِ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ بَاطِلٌ إِذْ لاَ يَقْوَي الرَّهْنُ عَلَى دَفْعِ عِتْقٍ جَرَى سَبَبُهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل أربع صور: إحداها: رهن العبد المرتد كبيعة وقد مرّ، والمذهب صحتهما، ثم إنْ كان المرتهن عالماً بردته، فلا خيار له في فسخ البيع المشروط فيه الرهن، وإنْ كان جاهلاً فله الخيار، فإنْ قتل قبل القبض فله فسخ البيع، وإنْ قتل بعده فهو من ضمان من؟ فيه وجهان مقرران في البيع، فإنْ جعلناه من ضَمَانِ الرَّاهِن فللمرتهن فسخ البيع، وإنْ جعلناه من ضمان المرتهن فهو كما لو مات في يده، فلا فسخ ولا

الجزء: 4 - الصفحة: 446

أرْش 16. ورهن العبد المُحَارب كبيعه.
وقوله: (ويجوز رَهْن العبد المرتد كما يجوز بيعه) مُعَلّمان بالواو لما قدمناه وبالزاي؛ لأن الموفق ابن طاهر روى عن المزني المنع منهما.
الثانية: رهن العبد الجاني مرتب على بيعه، إنْ لم يصح بيعه فرهنه.
أولى، وإنْ صح ففي رهنه قولان، وفرقوا بينهما بأن الجناية العارضة في دوام الرهن تقتضي تقديم حق المجني عليه، فإذا وجدت أَوَّلاً منعت من ثبوت حق المرتهن.
التفريع: إنْ لم يصح الرهن ففداه السيد، أو أسقط المجني عليه حقه، فلا بد من استئناف رهن وإن صححناه.
فقد قال المَسْعُودي: إنه يكون مختاراً للفداء كما سبق في البيع، وبمثله أجاب الإمام، لكن ابن الصَّبَّاغ قال: لا يلزمه الفداء بخلاف ما في البيع والعتق، لأن محل الجناية باقٍ هاهنا، والجناية لا تُنَافي الرهن 17، أَلاَ ترى أنه لو جنى وهو مرهون تعلقت الجناية به، ولا يبطل الرهن؟

الجزء: 4 - الصفحة: 447

وإذا صححنا الرهن والواجب القصاص، ومنعناه والواجب المال فرهن والواجب القِصَاص، ثم على المُسْتحق على مال فيبطل الرهن من أصله، أو هو كجناية تصدر من المرهون، حتى يبقى الرهن لو لم يبع في الجناية فيه وجهان: اختار الشيخ أبو محمد أولهما، وإذا قيل به فلو كان قد حفر بئراً في محل عدوان، فَتَرَدَّى فيها بعد مَا رهن، ففي تبين الفساد وجهان، والفرق أنه في الصورة الأولى رهن وهو جان وهاهنا بخلافه.
الثالثة: قال الشَّافعي -رضي الله عنه-: ولو دبره ثم رهنه كان الرهن مفسوخاً أي باطلاً، وللأصحاب في رهن المُدَبّر طرق: أحدها، وبه قال ابن سُرَيج: أنه على قولين مبنيين على أنَّ التَّدْبير وصية أو تعليق عتق بصفة.
إنْ قلنا: بالأول صح الرهن.
وإن قلنا بالثاني لم يصح على الأصح، كما لو رهن المُعلق عتقه بصفة يحتمل أنْ تتقدم على المحل، ويحتمل أنْ تتأخر.
والثاني: القطع بالمنع؛ لأن السَّيد قَدْ يموت فَجْأَة، فيبطل مقصود الرهن، ولا يقف على موته ليبيعه قبله، ومن قال بهذا قال: التَّدْبير وإنْ جعل وصية فهو آكد من سائر الوَصَايا بدليل أنه يَتَنَجَّز بالموت، والرهن ليس بصريح في الرجوع فجاز أن يؤثر في سائر الوصايا، ولا يؤثر في التَّدْبير.
والثالث: القطع بجواز رَهْنِه كبيعه.
التفريع: إن صححنا الرهن بناء على أنه وصية، فيبطل التَّدْبِير ويكون بالرَّهْن راجعاً عنه، وهو اختيار المزني، وإن أبطلناه بناء على أنه تَعْلِيق عتق بصفة، فالتَّدْبير بَاقٍ بحاله، ولا يحصل الرجوع إلاَّ بتصرف مزيل للملك، وكذا الحكم إن قلنا بالطريقة الثانية.
وإن قلنا بالثالثة فالتَّدْبِير باقٍ أيضاً، وهو مرهون مدبر، فإن قضى الراهن الدين من غيره فذاك، وإنْ رجع في التَّدْبير وباعه في الدَّيْن بطل التدبير، وإن امتنع من الرجوع فيه ومن بيعه فإنْ كان له مال آخر أُجيرَ على قضائه منه، وإلاَّ فوجهان عن أبي إسحاق.
أصحهما: أنه يباع في الدين ويفسخ التدبير.
والثاني: أنه يحكم بفساد الرهن، ومن قال بهذا حمل قول الشافعي -رضي الله عنه- وكان الرَّهن مفسوخاً عليه.

الجزء: 4 - الصفحة: 448

بقي الكلام في أن أظهر الطرق ماذا؟ وفي أن الأظهر من صحَّة الرهن وفساده ماذا؟ أما الأول فالحق ما ذكره صاحب "الشامل"، وهو أن الطريق الأول أقرب إلى القياس.
والثاني: أقرب إلى النص.
والثالث: أبعد الثلاثة.
أما كون الأول أقرب إلى القياس فلان في كون التَّدْبير وصية، أو تعليق عِتْق بصفة قولين معروفين، وقضية كونه وَصِيّة صحة الرهن.
وأما كون الثَّاني أقرب إلى النص، فلأن كلامه في "الأم" كالصَّريح في القطع بالمنع؛ لأنه قال: "ولو دبره ثم رهنه كان الرَّهْن مفسوخاً"، ولو قال: رجعت عن التدبير، ثم رهنه فقولان، فخص القولين بما بعد الرجوع.
وأما الثَّاني فعامة الأصحاب مائلون إلى تَرْجِيح البطلان، كما نص عليه وربما وجهوه بأن العتق مستحق بالتدبير، فلا يقوى الرهن على دفعه، واختار الإمام وصاحب الكتاب ترجيح الصحة.
قال الإمام: أما إذا قلنا: إنه وصية فظاهر.
وأما إذا قلنا: إنه تعليق عِتْق بصفة؛ فلأنه مع ذلك محسوب من الثلث، بخلاف العتق المعلق النازل في حياة المعلق، والدَّيْن محسوب من رأس المال.
ولو مات ولمْ يخلف إلاَّ هذا العبد، والدين مستغرق ولا رهن لصرفناه إلى الدين، ولم نبال ارتفاع العتق، فلا معنى لمنعه من الرهن لغرض العتق.
وقوله في الكتاب (وفيه قول مخرج) إنما سماه مخرجاً؛ لأن المنصوص البطلان، وهذا مخرج من أن التدبير وصية، وطريقة القولين هي التي أوردها في الكتاب، ويجوز الإعلام بالواو لغيرهما.
الرابعة: الرهن المعلق عتقه بصفة تصوره على وجوه: أحدها: أنْ يرهن بدين حال أو مؤجل يتيقن حلوله قبل وجود الصفة، فهو صحيح ويباع في الدين، فلو لم يتفق بيعه حتى وجدت الصفة، فيبنى على القولين في أنَّ أمر الاعتبار في العِتْق المعلق بحالة التعليق، أم بحالة وجود الصفة؟ من قلنا: بالأول عتق، وللمرتهن فَسْخ البيع المشروط فيه الرَّهْن إن كان جاهلاً 18.

الجزء: 4 - الصفحة: 449

وإن قلنا بالثَّاني فهو كإِعتاق المرهون، وسيأتي.
والثاني: أن يرهن بدين مؤجل، يتيقن وجود الصِّفَة قبل حلوله، ففيه طريقان: عن صاحب الإفصاح: أنه على القولين في رَهْن ما يتسارع إليه الفساد، فعلى قول: يباع إذا قرب أوان وجود الصفة، ويجعل ثمنه رهناً.
قال الإمام: وهذا البناء إنما ينتظم إذا قلنا بنفوذ العِتْق المعلق قَبْل الرهن عند وجود الصِّفَة حالة الرهن.
أما إذا لَمْ نقل بذلك فلا نخاف تسارع الفساد إليه، وفوات الوثيقة فيوجه الخلاف بشيء آخر، وهو أن الرهن هل يصلح دافعاً للعِتْق المستحق بالتعليق؟ فتارة نقول: نعم كالبيع وأخرى نقول: لا لضعفه.
والطريق الثاني، وهو المشهور: القطع بالمنع لفوات مقصود الرَّهْن قبل المحل، وليس ذلك كرهن ما يستارع إليه الفساد؛ لأن الظَّاهر من حال صاحب الطَّعام الرِّضا بالبيع عند خوف الفساد كيلا يضيع، والظَّاهر من حال المعلق إِمْضَاء العتق.
والثالث: أن لا يتيقن واحد من الأمرين، بل يَجُوز تقديم الصِّفَة على حلول الدَّين وبالعكس فقولان: أصحهما: المَنْع لما فيه من الغَرَر.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة وأحمد: أنه يصح؛ لأن الأصل استمرار الرق.
وقال القاضي أبو الطيب: هذا مخرج من تَجْويز رهن المُدَبّر بناء على أن التَّدْبِير تعليق عتق بصفة.
وعن صاحب "الإفصاح" طريقة قاطعة بالمنع هاهنا، فهذا كلام الأصحاب في المسألة، وقد عرفت منه فتواهم بالبطلان، وإيراد صاحب الكتاب يقتضي ترجيح الصحة هاهنا، والله أعلم.
قال الغزالي: وَيَصِحُّ رَهْنُ الثِّمَارِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلاَحِ، وَالأَصَحُّ جَوَازُهُ أَيْضاً قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلاَحِ وإنْ لَمْ يَشْتَرِطِ القَطْعَ، وَلَكِنْ عِنْدَ البَيْعِ يُشْتَرَطُ القَطْعُ، وَقِيلَ: لاَ يَجْوزُ إِلاَّ بالتَّصْرِيحِ بِالإِذْنِ فِي شَرْطِ القَطْعِ عِنْدَ البَيْعِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا رهن الثمار على الأشجار، فأما أن يرهنها مع الأشجار، أو وحدها.
الحالة الأولى: أن يرهنها مع الأشجار، فينظر إنْ كانت الثمرة مما يمكن تجفيفها

الجزء: 4 - الصفحة: 450

صح الرهن، سواء بَدَا الصلاح فيها أو لم يَبْدُ، وسواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً، وإن كانت مما لا يمكن تجفيفها، ولم نصحح رهن ما يتسارع إليه الفساد فطريقان: أشبههما: أنه لا يصح في الثَّمَار، وفي الأشجار قَوْلاً تفريق الصفقة.
والثاني: يصح فيهما قولاً واحداً، وتكون الثمار تابعة للأشجار.
الحالة الثانية: أن يرهنها وحدها، فإن لَمْ يمكن تجفيفها، فهو كرهن ما يتسارع إليه الفساد على وجه الأرض، وإنْ أمكن تجفيفها، فأما أن يرهن قبل بُدُوِّ الصلاح أو بعده.
القسم الأول: أن يرهن قبل بُدُوِّ الصَّلاَح، فإن رهنها بدين حال، وشرط قطعها وبيعها أو بيعها بشرط القطع جاز، وإن أطلق فقولان: أحدهما: لا يجوز، كما لا يجوز بيعها مطلقاً.
وأصحهما: الجواز لأن حق المرتهن لا يبطل باجتياحها، وحق المشترى يبطل، وأيضاً فإن الحلول قرينة نازلة منزلة شرط القطع.
وإنْ رهنها بدين مؤجل نظر إنْ كان يحل مع بلوغ الثمار أوان الإدراك أو بعده فهو كما لو كان حالاً، وإنْ كان يحل قبل بلوغها أوان الإدراك، فإن رهنها مطلقاً فقولان: أصحهما: أنه لا يصح؛ لأن العادة في الثمار الإبقاء إلى الإدراك فأشبه ما لو رهن شيئاً على أن لا يبيعه عند المحل إلا بعد أيام.
والثاني: يصح؛ لأن مقتضى الرهن البيع عند المحل، فكأنه شرط بيعه عند المحل، وإنْ رهنها بشرط القطع عند المحل فطريقان: منهم: من طرد القولين، ووجه المنع التشبيه بما إذا باع بشرط القَطْع بعد مدة.
ومنهم: مَنْ قطع بالجواز، وإليه أشار الشيخ أبو حامد وصاحب "التهذيب".
وعن صاحب "التقريب" طريقة قاطعة بالمنع فيما إذا رهنها مطلقاً، كما إذا باعها.
والقسم الثَّانِي: أنْ يرهن بعد بدو الصَّلاحَ، فيجوز بشرط القطع ومطلقاً إنْ رهنها بدين حال أو مؤجل هو في معناه، وإنْ رهنها بمؤجل يحل قبل بلوغها أوان الإِدْراك، فعلى ما ذكرنا في القسم الأول.
إذا وقفت على هذا التَّفْصِيل، عرفت أنَّ مطلق قوله في الكتاب (ويصح رهن الثَّمَار بعد بُدُوِّ الصلاح) على ماذا يجب تنزيله وقوله: (وقيل) هو القول الثَّانِي، ومتى صح رهن الثمار على الأشجار، فَمُؤْنَةَ السّقي والجُذَاذ والتَّجْفِيف على الراهن دون المرتهن، فإنْ لَمْ يكنْ له شيء لاع الحاكم حزءاً منها وأنفقه عليها، ولو توافق الرَّاهِن

الجزء: 4 - الصفحة: 451

والمرتهن على ترك السَّقْي جاز بخلاف عَلَفِ الحيوان، وحكى الرُّوياني على بعض الأصحاب، أنه يجبر عليه كما يجبر على عَلَفِ الحيوان، وادَّعى أنه الأصح، وإذا أراد أحدهما قَطْع الثمرة قبل أَوَانِ الجُذَاذ فللآخر أن يمتنع منه، وبعد أوان الجُذَاذ ليس له ذلك، بل يباع في الدَّيْن إنْ حلّ وإلاَّ أمسكه رهناً.
فرعان: أحدهما: الشجرة الَّتي تثمر في السنة مرتين، يجوز رهن ثمرتها الحاصلة بالدين الحال والمؤجل الذي يحل قبل خروج الثمرة الثانية، وقبل اختلاطها بالأولى، وإلاَّ فإنْ شرط أنْ لا تقطع عند خروج الثَّانية لم يصح، وإنْ شرط قطعها صح، وإنْ أطلق فقولان، فإنْ صححا أو رهن بشرط القَطْع، ثم لم يَتَّفق القَطْع حتى حصل الاخْتِلاَط، ففي بطلان الرَّهن قولان، كالقولين في البيع إذا عرضت هذه الحالة قبل القَبْض والرَّهْن بعد القبض كالبَيْع قبله، لأن المرتهن إنما يتوثق بعد القبض، فهو والمرهون عنده كالبائع والمَبِيْع محبوس عنده.
فإنْ قلنا: يبطل الرَّهْن فذاك.
وإنْ قلنا: لا يبطل، فلو أنفق قبل القبض بطل، وفيه وجه سيأتي نظيره فيما إذا تَخَمَّر العصير قبل القبض، وإنْ لم يبطل، فإنْ رضي الراهن بأنْ يكون الكُلّ رهناً أو توافقا على أن يكون النِّصف من الجملة مثلاً رهناً فذاك، وإنْ تنازعا في قدر المرهون، فالقول قول الرَّاهن مع يمينه، كما لو اختلطت الحِنْطَة المرهونة بِحِنْطَة أخرى للراهن.
وقال المزني: القول قول المرتهن مع يمينه؛ لأن اليد له كما لو تنازعا في ملك.
وأجاب الأصحاب بأن اليد تدل على الملك دون الرهن، أَلاَ ترى أنه لو قال: مَنْ في يده المال رهنتنيه، وأنكر المالك كان القول قوله.
وذكر الروياني في مسألة الحنطة، إن طرد الخلاف محتمل لتعذُّر الفرق.
الثاني: إذا رهن زرعاً بعد اشتداد الحَبّ، نظر إن كان ترى حَبّاته من السُّنْبُلَة صح، وإلاَّ فقولان كما في البيع.
والأصح: المنع.
ولو رهنه وهو بقل فهو كما لو رهن الثمرة قبل بدو الصلاح.
وعن صاحب "التلخيص": أنه لا يجوز إذا كان الدَّيْن مؤجلاً قولاً واحداً، وإنْ صح بشرط القطع عند المحل؛ لأن الزرع لا يجوز بيعه إذا تسنبل، وقد يتفق الحُلُول في تلك الحالة؛ ولأن زيادة الزَّرع بالطول، فهي كثمرة تحدث وتختلط بالمرهون، وزيادة الثمرة بكبر الحَبَّة فهي كالسمن.

الجزء: 4 - الصفحة: 452

قال الغزالي: فَإِنْ قِيلَ: هَلْ يُشْتَرَط أَنْ يَكُونَ المَرْهُونُ مِلْكًا لِلرَّاهِنِ؟ قُلْنَا: لاَ فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَو اسْتَعَارَ الرَّهْنَ جَازَ، وَفِي تَغْلِيبِ حَقِيقَةِ الضَّمَانِ أَو العَارِيَةِ تَرَدُّدُ قَوْلٍ، وَالأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: هُوَ فِيمَا يَدُورُ الرَّاهِنَ وَالمُرْتَهَنِ رَهْنٌ مَحْضٌ وَفِيمَا بَيْنَ المُعِيرِ والمُسْتَعِيرِ عَارَيةٌ، وَفِيمَا بَيْنَ المُعِيرِ وَالمُرْتَهَنِ حُكْمُ الضَّمَانِ أَغْلَبُ فَيَرْجِعُ فِيهِ مَا دَامَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ، وَلاَ يَرْجِعُ بَعْدَ القَبْضِ عَلَى الأَصَحِّ؛ لأَنَّهُ ضَمنَ لَهُ الدَّيْنَ فِي عَيْنِ مِلْكِهِ وَيقْدِرُ علَى إِجْبَارِ الرَّاهِنِ عَلَى فَكِّهِ بِأَدَاءِ الدَّيْنِ؛ لأَنَّهُ مُعِيرٌ فِي حَقِّهِ إنْ كَان الدَّيْنُ حَالاً، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلاً فَقَوْلاَنِ، وَلاَ يُبَاعُ فِي حَقِّ المُرْتَهَنِ إِلاَّ إِذَا أَعْسَرَ الرَّاهِنُ، وَلَوْ تَلَفَ فِي يَدِ المُرْتَهَنِ فَلاَ ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ عَلَى الأَصَحِّ، وَإِنْ تَلَفَ فِي يَدِ الرَّاهِنِ ضَمِنَ لأنَّهُ مُسْتَعِيرٌ، وَالأَصَحُّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي هَذِهِ الإِعَارَة ذِكْرُ قَدْرِ الدَّيْنِ وَجِنْسِهِ وَمَن يَرْهَنُ عِنْدَهُ لأَنَّ مَعْنَى الضَّمَانِ ظَاهِرٌ فِيهِ وَالغَرَضُ يَخْتَلِفُ بِهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: لما كان حجة الإسلام يتكلم في هذا الركن في شرائط المرهون، بحث عن أنه هل يشترط كون المَرهُون مِلْكاً للراهن؟ والجواب الجملي: أنه ليس بشرط على المذهب.
والتفصيل: أنه إذا استعار عبد الغير ليرهنه بدينه فرهنه، فسبيل هذا العَقْد سبيل العَارِية أو الضَّمَان فيه قولان: أحدهما: سبيل العَارِية؛ لأنه قبض مال الغير بإذنه لينتفع به ضرب انتفاع فأشبه، ما لو استعاره للخدمة.
وأصحهما: أنَّ سبيله سبيل الضَّمَان، ومعناه أنه ضمن دين الغَيْر في رقبة ماله، كما لو أذن لعبده في ضَمَان دين غيره يصح وتكون ذمته فارغة، وكما ملك أن يلزم ذمته دين الغير وجب أنْ يملك التزامه في عين ماله؛ لأن كل واحد منهما محل حقّه وتصرفه، ولو قال المديون لغيره: ارهن عَبْدك بِدَيْني من فلان فهو كما لو قبضه ورهنه.
وقوله: في الكتاب (وفي تَغْليب حقيقة الضَّمَان أو العارية تردد) قول أشار به إلى ما ذكره الإمام منْ أنَّ في العقد شبهاً من هذا وشبهاً من ذاك، وليس القولان في أنه يتمحّض عارية أو ضماناً وإنما هما في أن المغلب أيهما.
وقوله: (والأولى أن يقال: هو فيما يدور بين الرَّاهِن والمرتهن) ليس للإشعار بتردد في هذه القضية، ولكن أراد أنه لا ينبغي أنْ نحكم بتغليب أحد الطرفين على الإطلاق، بل نفصل التفصيل الذي ساقه.
وقوله: (وفيما بين المعير والمستعير) إلى آخره غير مساعد عليه، بل على قول

الجزء: 4 - الصفحة: 453

الضَّمَان المعير ضامن في عين ماله، والمستعير مضمون عنه، وليس ما بين المُعِيْر والمُسْتَعِيْر عارية محضة على ما سنبيّن في التفريع إن شاء الله -تعالى-.
وذكر في الوسيط أن القولين مستخرجان من تردُّد الشَّافعي -رضي الله عنه- في أحكام المَسْألة، لكن الشيخ أبا حامد في آخرين نقلوهما عن الرَّهْن الصغير منصوصين، ثم لهما فروع كثيرة ذكر بعضها في الكتاب فنشرحه ونضم إليه ما يتفق.
فمنها: أن على القولين جميعاً هذا التصرف جائز، ويخالف ما لو باع مال الغَيْر لنفسه؛ لأن البيع معاوضة فلا يملك الثَّمن من لا يملك المثمن، والرهن اسْتِيثاق يحصل بما لا يملك كما يحصل بالكَفَالة والإِشْهَاد، وعن ابن سُرَيْجٍ أنا إذا جعلناه عارية لم يصح هذا التصرف لأن الرهن ينبغي أنْ يلزم بالقبض، والعارية لا تلزم فعلى هذا يشترط في الرهن كون المرهون ملكاً للراهن.
والصَّحيح: الأول الكلام في أن هذه العارية هل تلزم؟ سيأتي إنْ شاء الله -تعالى-.
ثم العارية قد تحرم كما إذا أعار بُقْعَة لدفن ميت ودفن فيها.
ومنها: لو أذن في رَهْن عبده، ثم رجع عنه قبل الرَّهْن أو بعده، وقبل أن يقبضه المرتهن كان له ذلك.
أما على قول العارية فظاهر.
وأما على قول الضَّمَان فلأنه بعد لم يلزم ألا ترى أنَّ المستعير مخيَّر في فسخ الرهن قبل القبض؟ وإذا لم يلزم في حقه وهو المديون، فأولى أن لا يلزم في حق غيره.
وأما بعد قبض المرتهن فلا رجوع على قول الضَّمَان، وعلى قول العَارِيَةِ وَجْهَان: أحدهما، وبه قطع الشيخ أبو محمد: أن له أن يرجع جرياً على مقتضى العارية.
وأظهرهما، وبه قال القاضي: لا يرجع وإلاَّ لمْ يكن لهذا الرهن معنى، ولا يحصل به توثق.
وعن صاحب "التقريب": أنه إذا كان الدَّيْن مؤجلاً؛ ففي جواز الرُّجُوع قبل حلول الأجل وجهان لما فيه من الإذن بمدة كما لو أعار للغِرَاس مدة، ومتى حكمنا بالرجوع فرجع، وكان الرهن مشروطاً في بيع، فللمرتهن فسخ البيع إذا كان جاهلاً بالحال والله أعلم.
ومنها: هل للمالك إجبار الراهن على فك الرهن؟ أما من قال له أنْ يرجع ويسترد المال متى شاء بناء على قول العارية، فلا حاجة عنده إلى هذا.
وأما من لم يقل بذلك فإن قلنا: إنه عارية فله إجباره على الفَكّ.
وإنْ قلنا: إنه ضمان، فإنْ كان الدَّيْن حالاً فكذلك لاستخلاص ملكه المشغول بوثيقه الرَّهْن ولا يخرج على الخِلاَف في أنَّ الضَّامن هل يملك إِجْبَار الأصيل على الأداء لتبرئة ذِمَّته بسببها للشّغل الَّذِي أثبته بأداء الدين؟ وإنْ كان مؤجلاً فليس له إجباره

الجزء: 4 - الصفحة: 454

عليه، كمن ضمن ديناً مؤجلاً لا يطالب الأصيل بتعجيله لتبرأ ذمته، ثم إذا حل الأجل وأمهل المرتهن الراهن، فللمالك أن يقول: إما أن ترده إليّ، أو تطالبه بالدين ليؤدي فينفك الرهن، كما إذا ضمن ديناً مؤجلاً ومات الأصل، للضامن أن يقول: إما أن تطالب بحقك من التَّرِكة أو تبرئني.
وقوله: في الكتاب: "لأنه معير في حقه، إنْ كان الدين حالاً"، هذا التعليل يقتضي القدرة على الإجبار، سواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً، كما عرفته فكان الأحسن أنْ يقدم ويؤخر، فيقول: إنه يقدر عليه إنْ كان الدين حالاً؛ لأنه معير في حقه، وإن كان مؤجلاً فقولان، وإيراد "الوسيط" قريب من ذلك، ثم وجه أحد القولين بأنه معير.
والثَّاني: بأن فيه إلزام أداء الدَّيْن قبل لزومه.
ومنها: إذا حل أجل الدين أو كان حالاً.
قال الإمام: إن قلنا: إنه ضمان، فلا يباع في حق المرتهن إنْ قدر للراهن على أداء الدين، إلاَّ بإذن مجدد، وإنْ كان معسراً فتباع، وإنْ سخط المالك.
وإن قلنا: إنه عارية فلا يباع إلاَّ بإذن مجدد، سواء كان الرَّاهِن موسراً أو معسراً، قال: وقياس طريق القاضي حيث حكم بلزوم الرهن على قول العارية تجويز بيعه عند الإِعْسَار من غير مراجعة كما على قول الضمان، وتابعه المصنف على ما ذكره ليعلم قوله: (إلاَّ إذا أعسر الراهن)، لما حكاه علي قول العارية، ولك أن تقول: الرَّهن وإن صدر من المالك، فإنه لا يسلط على البيع إلاَّ بإذن جديد، فإنْ رجع ولم يأذن، فحينئذ يباع عليه على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، فإذاً المراجعة لا بد منها، ثم إذا لم يأذن في البيع، فقياس المذهب أن يقال: إنْ قلنا: إنه عارية فيعود الوجهان في أنه، هل يمكن من الرجوع؟ وإن قلنا: إنه ضمان ولم يؤد اللدين الراهن، فلا يمكن من الإباء ويباع عليه معسراً كان الرَّاهن أو موسراً، كما لو ضمن في ذمته يطالب موسراً كان الأصيل أو معسراً، ثم إذا اتفق بيعه في الدَّين نظر إن بيع بقدر قيمته يرجع المالك على الرَّاهن على القولين، وإن بيع بأقل قدراً تَغَابن الناس بمثله، فعلى قول العارية يرجع بتمام القِيْمَة، وعلى قول الضَّمَان لا يرجع إلاَّ بما بيع؛ لأنه لم يفض الضَّامن من الدين إلا ذلك القدر، وإن بيع بأكثر من القيمة يرجع بما بيع على قول الضمان، وعلى قول العَارِية وجهان: ذهب الأكثرون: إلى أنه لا يرجع إلا بالقيمة؛ لأن العارية بها تضمن.
وقال القاضي أبو الطيب: يرجع بما بيع؛ لأنه ثمن ملكه، وقد صرف إلى دين الرَّاهِن وهذا أحسن، واختاره ابن الصَّبَّاغ والإمام والقاضي الروياني.
ومنها: لو تلف في يد المرتهن.

الجزء: 4 - الصفحة: 455

إن قلنا: إنه عارية فعلى الراهن الضمان، كما لو تلف في يده.
وإنْ قلنا: إنه ضمان فلا شيء؛ لأنه لم يسقط الحق عن ذمته، ولا شيء على المرتهن بحال؛ لأنه يمسكه رهناً لا عارية، وإنْ تلف في يد الرَّاهِنِ فقد أطلق في الكتاب أنه يضمن؛ لأنه مستعير، وفي تعليق الشيخ أبي حامد بناؤه على القولين، كما لو تلف في يد المرتهن.
ولو جنى في يد المرتهن فبيع في الجناية.
فإن قلنا: إنه عارية فعلى الراهن القيمة.
وقال الإمام: هذا إذا قلنا: إن العارية تضمن ضمان المغصوب، وإلاَّ فلا شيء عليه.
وإن قلنا: إنه ضمان فلا شيء عليه في هذه الصورة، وأشار في "المختصر" إلى القولين، وإلى ترجيح قول الضمان فقال رضي الله عنه: فلو أذن في الرَّهْن فرهنه فجنى فبيع في الجناية، فأشبه الأمرين أنه غير ضامن.
ومنها: إذا قلنا: إنه ضامن وجب بيان جنس الدين وقدره وصفته في الحلول والتأجيل وغيرهما لاختلاف أغراض الضَّمَان بذلك، وذكر أبو علي الزَّجَاجِيُّ 19 أنه أجاز في القَدِيم السُّكوت عن ذكر الحلول والتَّأْجيل، وهل يجب بيان من يرهن عنده؟ عن صاحب "التقريب" فيه وجهان: والأصح: الوجوب وعلى القولين إذا عين شيئاً من ذلك لم تَجُزْ مخالفته، نعم لو عين قدراً جاز أن يرهن بما دونه، ولو زاد فمنهم من قال: يبطل في الزائد، وفي المأذون قَوْلاَ تَفْرِيق الصَّفقة، والصحيح البطلان في الكل للمخالفة.
كما لو باع الوكيل بالغبن الفَاحش، لا نقول يصح البيع في القدر الذي يساوي الثمن.
وإذا قال المستعير: أعرني لأرهنه بألف أو من فلان فأعاره، كان ذلك كتقييد المعير بنفسه على أظهر الوجهين تنزيلاً للإسعاف على الالتماس 20. ومنها: لو أعتقه المالك فإن قلنا: إنه ضمان، فقد حكى الإمام عن القاضي أنه ينفذ، وتوقف فيما ذكره وذكر في التهذيب أنه كإعتاق المرهون.

الجزء: 4 - الصفحة: 456

وإنْ قلنا: إنه عارية فعن القاضي أنه على الخلاف من إعتاق المرهون، وهذا بناء على لزوم هذا الرهن على قول العارية.
وفي "التهذيب": أنه يصح ويكون رجوعاً، وهو بناء على عدم اللزوم.
ومنها: لو قال مالك العبد: ضمنت ما لفلان عليك في رَقَبَةِ عبدي هذا، قال القاضي: يصح ذلك على قول الضمان، ويكون كالإعارة للرهن.
قال الإمام: وفيه تردُّد من جهة أنَّ المضمون له لم يقبل، ويجوز أن يعتبر القبول في الضمان المتعلّق بالأعيان تقريباً له بالمرهون.
وإن قلنا: إنه لا يعتبر في الضمان المطلق في الذمة.
فرع: لو قضى المالك الدَّيْن من مال نفسه انفك الرَّهْن، ثم رجوعه على الراهن يتعلق يكون القضاء بإذن الراهن أو عدمه، وسيأتي ذلك في باب الضَّمان، فإن اختلف في الإِذْن فالقول قول الراهن، ولو شهد المُرْتَهِنُ للمالك قبلت شهادته؛ لأنه لا يجرّ به نفعاً ولا يدفع ضرراً، ولو رهن عبده بدين الغير دون إذنه جاز، ولو بيع فيه فلا رجوع.
قال الغزالي: الركُّنُ الثَّانِي المَرْهُونُ بِهِ وَلَهُ ثَلاثَةُ شَرَائِطَ أَنْ يَكُونَ دَيْناً ثَابِتاً لاَزِماً، فَلاَ يُرْهَنُ بِعَيْنٍ، وَلاَ بِدَيْنٍ لَمْ يَثْبُتْ بَعدُ كَقَوْلِهِ: رَهَنْتُكَ بِمَا تَقْرِضُهُ مِنِّي أَوْ بِالثَّمنِ الَّذِي أَلْتَزِمُهُ بِالشِّرَاءِ مِنْكَ، وَلَوْ قَالَ: بِعْتُ مِنْكَ العَبْدَ بِأَلْفٍ وَارْتَهَنْتُ الثَّوْبَ بِهِ، فَقَال: اشْتَرَيْتُ وَرَهَنْتُ جَازَ عَلَى الأَصَحِّ، لأَنَّ شَرْطَ الرَّهْنِ فِي البَيْعِ جَائِزٌ لِلْحَاجَةِ فَمَزْجُهُ بِهِ أَوْلَى وَآكَدُ، وَلَكِنْ لِيَتَقَدَّمْ مِنَ الخَطَّابِينَ وَالجَوَّابِينَ لَفْظُ البَيْعِ، وَلْيَتَأَخَّرْ لَفْظُ الرَّهْنِ حَتَّى يَتَأَخَّرَ تَمَامُ الرَّهْنِ عِنْدَ تَمَامِ البَيْعِ.
قال الرَّافِعِيُّ: يشترط في المرهون ثلاثة أمور: أحدها: أن يكون ديناً 21، أما الأعيان المضمونة في يد الغير إما بحكم العقد كالبيع، أو بحكم ضمان اليد كَالمَغْصُوب والمُسْتَعَار والمأخوذ على جهة السّوْم فلا

الجزء: 4 - الصفحة: 457

يصح الرَّهْن بها؛ لأن غرض الرَّهْن بيع المرهون واستيفاء الحق من ثمنه عند الحاجة، ويستحيل اسْتيفاء تلك الأعيان من ثمن المرهون.
ونَقَلَ الإمام وجهاً: أنه يجوز الرَّهْن بها بناء على تجويز ضمان الأعيان المضمونة، والفرق على قول المذهب أن الضَّمَان التزام في الذمة، فلو لم تتلف العين المَضْمُونة لم يَجُزِ الالْتِزَام ضررًا، وفي الرَّهْن دوام الحَجْرِ في المرهون يجر ضرراً ظاهراً، وعن مالك أن الرَّهْن بالأعيان المضمونة جائز، وعند أبي حنيفة أنه يجوز بكل عَيْنِ تضمن بالمِثْل أو القِيْمَة.
والثانية: كونه ثابتاً.
أما الذي لم يثبت بعد فلا يجوز الرَّهْن به، كما إذا رهنه بما يستقرضه منه، أو بثمن ما يشتريه منه، لأنه وثيقة حق فلا تتقدم على الحق كالشَّهَادة، وبهذا قال أحمد، وقال أبو حنيفة ومالك: إنه جائز وحكاه القاضي ابن كجّ وجهاً عن بعض الأصحاب، إذا عيّن ليستقرضه.
ومنهم: من قال: لو تراهنا بالثَّمَن، ثم لم يتفرَّقا حتى تبايعا صَحَّ الرَّهْن إلحاقاً للحاصل في المَجْلِس بالمقترن بالإَيجاب والقبول، وعلى المَذْهَب لو ارتهن قبل ثُبُوت الحَقّ وقبضه كان مأخوذاً على جهة سَوْم الرَّهْن، فإذا استقرض أو اشترى لم يصر رهناً إلاَّ بعقد جديد، نص عليه الشيخ أبو حامد وغيره، وفيه وجه: أنه يصير رهناً.
ولو امتزج الرَّهْن بسبب ثبوت الدَّيْن بأنْ قال: بعتك هذا العبد بألف، وارتهنت هذا الثوب به.
فقال المشتري: اشتريت ورهنت.
أو قال: أقرضتك هذه الدَّرَاهم وارتهنت بها عبدك، فقال: استقرضتها ورهنته فوجهان: أصحهما: وهو ظاهر النص: صحة الرَّهْن؛ لأن شرط الرَّهْن في البيع والقرض جائز لحاجة الوثيقة، فكذلك مزجه بهما بل أولى؛ لأن الوثيقة هاهنا آكد، فإن الشرط ربما لا يفي به.
والثاني: أنه فاسد، وبه قال أبو إسحاق وهو القياس؛ لأن أحد شِقّي الرَّهْن متقدم على ثبوت الدين.
واحتج له بأنه لو قال لعبده: كاتبتك على ألف درهم، وبعت منك هذا الثوب بكذا، فقال: قَبِلْتُ الكتابة والبيع لا يصح البيع، وأجيب عنه بفرقين: أحدهما: أَنَّ العبد لا يصير أهلاً للمعاملة مع مولاه إلا بعد أن تتم الكتابة.
الثَّاني: أنَّ الرَّهْن من مصالح البيع، والبيع ليس من مصالح الكتابة.

الجزء: 4 - الصفحة: 458

ولو قال البائع: ارتهنت وبعت، وقال المشتري: اشتريت ورهنت لم يصح، لتقدم أحد شِقّي الرَّهْن على شقي البيع.
وكذا لو قال: ارتهنت وبعت، وقال المشتري: رهنتُ واشتريت، لم يصح لتقدم أحد شِقّي الرَّهْن على أحد شقي البيع.
وبهذا قال في الكتاب، لكن يتقدم الخِطَابين والجوابين إلى آخر معناه أنَّ شرط الصِّحة تقدم خطاب البيع على خطاب الرَّهْن، وتقدم جواب البيع على جواب الرَّهْن.
وإنْ شئت قلت: الشرط أن يقع أحد شقي الرَّهْن بين شقي البيع، والآخر بعد شقي البيع.
ولو قال: يعني عبدك بكذا، ورهنت به هذا الثوب، فقال البائع: بعت وارتهنت، فيبنى على الخلاف في مسألة الاستيجاب والإيجاب.
ولو قال البائع: بعتك بكذا على أنْ ترهنني دارك به.
فقال المشتري: اشتريت ورهنت فوجهان قال بعضهم: يتم العقد بما جرى وذكر في "التتمة" أنه ظاهر النص.
وقال القاضي لا يصح، بل يشترط أن يقول بعده: ارتهنت أو قبلت؛ لأن الذي وجد منه شرط إيجاب الرَّهْن لا استيجابه، كما لو قال: أفعل كذا لتبيعني لا يكون مستوجباً للبيع، وهذا أصح عند صاحب "التهذيب"، وللأول أن يقول: الصُّورة المشبه بها لا تناظر هذه؛ لأنه لم يصرح في تلك الصورة بالالتماس، وإنما أخبر عن السَّبب الداعي إلى ذلك الفعل، وهو الرغبة في البيع وهاهنا باع، وشرط عليه الرَّهْن، وهو مشتمل على الالْتماس، أو أبلغ منه ألا ترى أن أبا العباس الرُّويَانِيّ حكى في "الجُرْجَانِيّات" وجهاً أن شرط الرَّهْن في البيع يغني عن استئناف رهن بعد البيع، ويكون الشَّرْط بمنزلة الإيجاب والقبول.
ويجوز إعلام قوله في الكتاب: "وليتقدم وليتأخر" بالواو للوجه المنقول عن رواية ابن كَجٍّ، وللوجه القائل بوقوع البيع في مجلس الرَّهْن.
قال الغزالي: وَكُلُّ دَيْنٍ لاَ مَصِيرَ لَهُ إِلَى الُّلُزومِ كَنُجُومِ الكِتَابَةِ لاَ يَصِحُّ الرَّهْنُ بِهِ، وَمَا هُوَ لاَزِمٌ أَوْ مَصِيرُهُ إِلَي الّلُزومِ كَالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الخِيَارِ جَازَ الرَّهْنُ بِهِ، وَمَا أَصْلُهُ عَلَى الجَوَازِ لَكِن قَدْ يَصِيرُ إِلَى الُّلزُوم كَالجَعْلِ فِي الجَعَالَةِ فِيهِ وَجْهَانَ، وَالأَصَحُّ المَنْعُ لأَنَّ سَبَبَ وُجُودِهِ لَمْ يَتِمَّ قَبلَ العَمَلِ فَكَأنَّهُ غَيْرُ ثَابَتٍ.
قال الرَّافِعِيُّ: الأمر الثالث: كونه لازماً والديون الثابتة ضربان: أحدهما: ما لا مصير له إلى الُّلزُوم بحال كنجوم الكتابة، فلا يصح الرَّهْن به؛ لأن الرَّهْن لِلتَّوْثيق والمُكَاتَب بسبيل من إسقاط النجوم متى شاء، فلا مَعْنَى لتوثيقها، وعند أبي حنيفة يصحّ الرَّهْن بها.

الجزء: 4 - الصفحة: 459

والثاني: غيره وهو إما لازم في حال الرَّهْن أو غيره.
والأول: يصح الرَّهْن به سواء كان موصوفاً بحالة الجواز أو لم يكن، وسواء كان مستقرّاً كَالقَرْض وَأرْش الجِنَاية، أو ثمن المبيع المقبوض أو غير مستقر، كالثمن قبل قبض المبيع والأجرة قبل استيفاء المنفعة، والصداق قبل الدخول.
وأما الثَّاني فينظر إنْ كان الأصل في وصفه اللزوم، كالثمن في مدة الخِيَار صحَّ الرَّهْن به أيضاً لقرب حاله من اللُّزُوم وأيضاً فإنَّ شرط الرَّهْن في البَيْع جائز، مع أن الثمن غير ثابت بعد فهاهنا أولى قال الإمام: وهذا يتفرَّع على أنَّ الخِيَار لا يمنع نقل المِلْك في الثمن إلى البائع، وأما إذا جعلناه مانعاً، فالظاهر منع الرَّهْن لوقوعه قبل ثبوت الدَّيْن، ولا شك في أنه لا يباع المرهون في الثمن، ما لم تمض مدة الخِيَار، وإنْ كان الأصل في وصفه الجواز، كالجُعْل في الجعَالَة فوجهان: أحدهما: يصح الرَّهْن به لانتهاء الأمر فيه إلى اللّزوم كالثمن في مدة الخيار.
وأصحهما: المنع؛ لأن الموجب للجُعْل هو العمل، وبه يتم الموجب فكأنه، لا ثبوت له قبل العمل، وموضع الوجهين ما بعد الشروع في العمل وقبل تمامه.
أما التقييد بما بعد الشروع؛ فلأنه لا ثبوت للجُعْل قبل الشروع بحال، وكيف يتخيل ذلك وليس ثم مستحق معين؟ وأما التَّقييد بما قبل التَّمَام؛ فلان الجُعْل بعده لازم، ثم لبان أن يبني الوجهين على الوجهين في جواز رجوع المالك بعد الشّروع في العمل، ويقول إنْ لم نجوّز الرجوع، فقد لزم الجُعْل من قبله فيصح الرَّهْن به، فإنْ لم يصح الرَّهْن به 22، والرهن يعوض المسابقة ينبني على أنها إجارة أو جعَالة.
إن قلنا بالأوَّل فالرَّهْن به كالرَّهْن بالأُجْرة.
وإنْ قلنا بالثاني فهو كالرَّهْن بالجُعْل.
فرع: يجوز الرَّهْن بالمنافع المستحقْة بالإجارة، إنْ وردت على الذِّمَّة، وتباع عند الحاجة وتحصل المَنْفَعَة من ثمنه، وإن كانت إِجَارة عَيْن، لم يجز لفوات الشَّرْط الأول.
فرع: لا يجوز رَهْنُ الملاك بالزَّكَاة، ولا العَاقِلَة بالدِّيَة قبل تمام الحَوْل، لفوات الشَّرْط الثَّاني ويجوز بعده.

الجزء: 4 - الصفحة: 460

واعلم أن التوثيق بالرَّهْن والضَّمَان شديد التَّقَارب، فما يجوز الرَّهْن به يجوز ضمانه، وبالعكس إلاَّ أنَّ ضمان العهدة جائز، ولا يجوز الرَّهْن بها، هذا ظاهر المذهب والفرق ما مرّ ومنهم من سَوَّى بينهما في العهدة أيضاً، ووفى بتمام التلازم، وأما في طرف الإثبات فعن القَفَّال وجه أنه يجوز الرَّهْن بها كالضَّمان 23. وأما في طرق النفي فسيأتي في باب الضمان إن شاء الله تعالى.
قال الغزالي: وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الدَّيْنِ أَنْ لاَ يَكُونَ بِهِ رَهْنٌ بَلْ تَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِي قَدْرِ المَرْهُونِ بِدَيْنٍ وَاحِدٍ، وَفِي الزِّيَادَةِ فِي الدَّيْنِ عَلَى مَرْهُونٍ وَاحِدٍ قَوْلاَنِ، وَاخْتِيَارُ المُزَنِيِّ جَوَازُهُ (ح).
قال الرَّافِعِيُّ: ليس من شرط الدين المرهون به أنْ لا يكون به رهن، بل يجوز أنْ يرهن بالدَّيْن الواحد رهناً بعد رهن، ثم هو كما لو رهنهما معاً.
ولو كان الشيء مرهوناً بعشرة وأقرضه عشرة أخرى، على أن يكون مرهوناً بها أيضاً فقولان: القديم: وبه قال مالك والمُزَنِيّ أنه جائز، كما تجوز الزِّيَادة في الرَّهْن بِدَيْن واحد.
والجديد؛ وبه قال أبو حنيفة: أنه لا يجوز كما لا يجوز رهنه عند غير المرتهن، وإن وفي بالدَّيْنَيْن جميعاً، فإنْ أراد توثيقهما فسخا، وليستأنفا رهناً بالعشرين، ويفارق الزِّيَادة في الرَّهْن بِدَيْن واحد؛ لأن الدَّيْن شغل الرَّهْن ولا ينعكس، فالزيادة في الرَّهْن شغل فارغ، والزيادَة في الدَّيْن شغل مشغول.
ونقل القاضي ابن كَجٍّ وغيره أَنَّ له في الجديد قولاً آخر كالقديم، وسواء كان كذلك أم لا فالأصح المنع، ولو جنى العَبْد المرهون ففداه المرتهن بإذن الرَّاهِن على أنْ يكون العبد مرهوناً بالفداء، والدين الأول نص في "المختصر" على جوازه، وللأصحاب طريقان: أظهرهما: القطع بالجواز؛ لأنه من مصالح الرَّهْن من حيث أنه يتضمن استيفاؤه.
والثاني: أنه على القولين وبناهما بَانُون على أن المشرف على الزوال إذا استدرك وصين عن الزوال، يكون اسْتِدْرَاكه كإزالته وإعادته، أو هو مَحْض اسْتِدَامة وفيه خلاف.

الجزء: 4 - الصفحة: 461

إنْ قلنا بالأول فكأنهما فَكَّا الرِّهان واستأنفا.
وإنْ قلنا بالثاني، ففيه القولان، وعلى هذا الأصل خرجوا الخلاف، فيما إذا كان على الشجرة ثمرة غير مُؤَبَّرة، فباعها واستثنى الثِّمَار لنفسه، هل يحتاج إلى شرط القطع وقد سبق؟ ولو اعترف الراهن بأن المرهون مرهون بعشرين، ثم ادَّعى أنه رهن أولاً بعشرة، ثم رهن بعشرة أخرى ونازعه المرتهن، فإن فرعنا على القديم فلا ثمرة لهذا الاختلاف.
وإن قلنا بالجديد، فالقول قول المرتهن مع يمينه؛ لأن اعتراف الرَّاهن يقوي جانبه ظاهراً، ولو قال المرتهن في جوابه: فسخنا الرَّهْن الأول واستأنفنا بالعشرين رهناً، فالقول قول المرتهن لاعتضاد جانبه بإقرار صاحبه، أو قول الراهن لأن الأصل عدم الفسخ، فيه وجهان ميل الصَّيْدَلاَني إلى أولهما.
والأصح عند صاحب "التهذيب": الثاني، ورتب عليه فقال: لو شهد شاهدان أنه رهن بألف ثم بألفين، فلا يحكم بأنه رهن بألفين، إذ لم يصرح الشُّهود بأنَّ الثَّاني كان بعد فسخ الأول.
ولو رهنه بعشرة ثم استقرض عشرة أخرى، ليكون رهناً بهما وأشهد شاهدين أنه مرهون بالعشرين، فإن لم يعلم الشاهدان كيفية الحال، شهدا بما سمعا وحكم الحاكم بأنه مرهون بالعشرين، نعم لو قال عند الإشهاد: كان مرهوناً بعشرة فجعلته رهناً بعشرين، ونقل الشاهدان ما سمعاه، فهل يحكم بكونه رهناً بالعشرين إذا كان الحاكم ممن يذهب إلى القول الجديد؟ حكى الإمام عن صاحب التقريب فيه وجهين.
وإنْ عرفا كيفية الحال نظر إنْ كانا يعتقدان جواز الإلحاق، فهل لهما أنْ يشهدا بأنه مرهون بالعِشْرين، أو يشهدان بما عليه الأمر في الباطن؟ فيه وجهان، وإنْ كانا يعتقدان امتناع الإِلْحَاق لم يشهدا إِلاَّ بما جرى في الباطن وفيه شيء بعيد، وهذا التفصيل فيما إذا كانا يشهدان على نفس الرَّهْن، وفيه صوّر الجمهور.
أما إذا كانا يشهدان على إقرار الرَّهْن فالوجه تجويزه مطلقاً 24. قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّالِثُ الصِّيغَةُ، وَلاَ يَخْفَى اشْتِرَاطُ الإِيجَابِ وَالقَبُولِ فِيهِ،

الجزء: 4 - الصفحة: 462

وَكُلُّ شَرْطٍ قُرِنَ بِهِ مِمَّا يُوَافِقُ مُقْتَضَى مُطْلَقِهِ، أَوْ لاَ يَتَعَلَّقُ بِهِ غرَضٌ أَصْلاً فَلاَ يَقْدَحُ، وَمَا بِغَيْرِ مُوجِبِهِ كَشَرْطِ المَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ فِي حَقِّهِ فَهُوَ مُفْسِدٌ، وَمَا لاَ يُغَيِّرُ مُطْلَقَهُ وَلَكِنْ يَتَعَلَّقُ بِهِ غرَضٌ كَقَوْلهِ: بِشَرْطِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ المُرْتَهِنُ فَقَوْلاَنِ فِي فَسَادِ الرَّهْنِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الإيجاب والقبول مُعْتَبران في الرَّهْن اعتبارهما في البيع، والخلاف في المُعَاطَاةِ 25، والاسْتِيجاب والإيجاب عائد بِرُمَّتِهِ هاهنا.
ثم اعلم أن الرَّهْن ينقسم إلى ما شرط في عَقْد كما لو باع، أو أجّر بشرط الرَّهْن بالثمن أو الأجرة، أو أْسلم بشرط الرَّهْن بالمسلم فيه، أو نكح بشرط الرَّهْن بالصَّدَاق، وإلى ما لا يشترط ويسمى رَهْن التَّبرع، والرَّهْن المبتدأ في القِسْمِ الأول إذا قال: بعتك داري بكذا على أن ترهنني به عبدك، فقال: اشتريت ورهنت، فقد قدمنا خلافاً في أنه يتم الرَّهْن أم لا بد، وأن يقول بعد: ارتهنت فعلى الأول يقوم الشرط مقام القبول كما يقوم الاسْتِيْجَاب مقامه.
ويجوز أن يعلّم قوله في الكتاب: "اشتراط الإيجاب والقبول" بالواو للخلاف المذكور في المُعَاطَاة، ولما حكيناه عن الجُرْجَانِيَّاتِ أن التشارط يغني عن الإيجاب والقبول، ثم يتعلّق بالصِّيغة مسائل يشتمل الفصل على واحدة منها، وهي أَنَّ الشروط في الرَّهْن على ضربين: أحدهما: ما هو من قضايا الرَّهْن، فلا يضر التعرض له لا في رهن التبرع، ولا في الرَّهْن المشروط في العقد، وإنما هو تصريح بِمُقْتَضَى الرَّهْن، وذلك كقوله: على أن يباع في دينك وقت الحاجة، أو يتقدم به عند تزاحم الغرماء، أو لا أبيعه إلا بإذنك.
والثاني: ما ليس من قضاياه، وهو الذي يتعلّق بمصلحة العَقْد كالإشْهَاد، أو الَّذِي لا يتعلق به غرض كقوله: "بشرط أن لا يأكل إلاَّ الهَرِيْسَة"، والحكم فيها على ما سبق في البيع.
وأما غيرهما فهو على نوعين: أحدهما: ما ينفع المُرْتهن ويضرّ الراهن، كما إذا رهن عبداً بشرط أن يرهن منه غيره، أو بشرط أنْ لا ينفك الرَّهْن بعد أداء الدَّيْن شهراً، أو يكون منافع المرهون أو زوائده مملوكة للمرتهن فالشرط فاسد، ثم أَنْ كان الرَّهْن رهن تبرع فقولان: أصحهما: أنه فاسد أيضاً، لما فيه من تغيير قضية العقد.
والثَّاني، وبه قال أبو حنيفة: أنه لا يفسد؛ لأن الرَّهْن تبرع من الراهن، وهذا

الجزء: 4 - الصفحة: 463

الشرط فيه تبرع آخر، وأحد التبرعين لا يبطل ببطلان الثَّاني، كما لو أقرضه الصِّحَاح بشرط رد المكسرة يلغو الشرط ويصح القرض، وإنْ كان الرَّهْن مشروطاً في بيع، نظر إن لم يجر الشرط جَهَالة الثمن، كما إذا شرط في البيع رهناً عن أنه يبقى محبوساً عنده بعد أداء الثمن شهراً، ففي إفساد الرَّهْن القولان في رهن التَّبَرع، فإنْ فسد ففي فساد البيع القولان، في أنَّ الرَّهْن وسائر العقود المستقلة، إذا شرطت في البيع على نعت الفساد، هل تفسد البيع؟ وقد ذكرناهما في باب البَيَاعات المنهي عنها.
فإن قلنا بصحة البيع فللبائع الخيار، صح الرَّهْن أو فسد؛ لأنه إنْ صح لا يسلم له الشرط، وإنْ لم يصح فلا يسلم له أصل الرَّهْن، ولو جرّ الشرط جهالة الثمن، كما إذا شرط في البيع رهناً، وشرط أن يكون منافعه وزوائده للمرتهن فالبيع باطل؛ لأن المشروط استحقاقه يصير من الثمن وهو مجهول، وإذا بطل البيع بطل الرَّهْن والشرط لا محالة، هذا ما نقله الرَّبِيع واتفق عليه الجماهير، ووراءه كلامان: أحدهما: نقل المزني في المسألة: أن للبائع الخيار في فسخ البيع وإثباته، وحسبت أنه ذهب إلى تصحيح العقد، إذا حذف منه الشرط الفاسد، واعترض عليه بأنه خلاف أصله في أن الفاسد لا خيار فيه، والأصحاب خطئوه في نقله وحسبانه.
والثَّاني: أن القاضي ابن كَجٍّ حكى طريقة أخرى أنَّ في فساد الرَّهْن قولين، وإن فسد ففي فساد البيع قولان كما سبق، وكلام ثالث حسن استدركه أصحابنا العِرَاقيون: وهو أنَّ الحكم بالبطلان فيما إذا أطلق، وقال: بعتك هذا العبد بِأَلْف لترهن به دارك وتكون منفعتها لي، فأما إذا قيد وقال: تكون منفعتها لي سنة أو شهراً، فهذا جمع بين البيع والإجارة في صَفْقَة واحدة وقد سبق حكمه.
النوع الثاني: ما ينفع الراهن ويضر المُرْتَهن، كما لو قال: رهنتك بشرط أنْ لا تبيعه عند المحل، أو لا تبيعه بعد المحل، إلاَّ إذا مضى شهر، أو إلاَّ بما أرضى أو بأكثر، من ثمن المِثْل فهو فاسد مفسد للرهن، وفي كتاب القاضي ابن كَجٍّ أن ابن خَيْرَانَ قال: يجيء في إفساد الرَّهْن القولان المذكوران في النوع الأول، وهو غريب والفرق على المذهب أن ما ينفع المرتهن يزيد في الوثيقة، ويؤكد ما وضع العقد له، وما يضره يجل به، فإنْ كان الرَّهْن مشروطاً في بيع، عاد القول في فساده بفساد الرَّهْن المشروط، فإنْ لم يفسد فللبائع الخيار.
قال الغزالي: وَإذَا قَالَ: رَهَنْتُكَ الأشْجَارَ بِشَرْطِ أَنْ تُحْدِثَ الثِّمَارَ مَرْهُونَةً فَفِي صِحَّةِ الشَرْطِ قَوْلاَنِ، وَلَو شُرِطَ عَلَيْهِ رَهْنٌ فِي بَيْعٍ فَاسِدٍ فَظَنَّ لُزُومَ الوَفَاءِ بِهِ فَرَهَنَ فَلَهُ (و)

الجزء: 4 - الصفحة: 464

الرُّجُوعُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ ظَنَّ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْناً فَأَدَّاهُ ثُمَّ تَبَيَّنَ خِلافَهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسألتان: الأولى: زوائد المرهون غير مرهونة عند إطلاق الرَّهْن كما سيأتي، لكن لو رهن الشَّجرة بشرط أنْ تحدث الثمرة مرهونة، أو الشاة بشرط أن يحدث النِّتاج مرهوناً، فقولان: قال في القديم: والرهن اللَّطِيف يصح الشرط ويتعدى الرَّهْن إلى الزوائد؛ لأن الرَّهْن عند الإطلاق إنما لا يسرى إلى الزوائد لضعفه، فإذا قوى بالشرط سرى.
وقال في الأم: لا يصح، وهو الأصح لأنها معدومة مَجْهُولة، فلا يصح الرَّهْن فيها، ومنهم من قطع بهذا، وأول الأول حكاه القاضي ابن كَجّ رحمه الله.
التفريع: إنْ صححناه، ففي اكتساب العبد إذا شرط كونه مرهوناً وجهان للشيخ أبي محمد، والأظهر المنفع، لأنها ليست من أجزاء الأصل، وإنْ أفسدناه ففي صِحَّة الرَّهْن خلاف له مخرجان: أحدهما: القولان في فساد الرَّهْن لفساد الشَّرْط الَّذِي ينفع المرتهن.
وثانيهما: أنه جمع في هذا الرَّهْن بين معلوم ومجهول، فيجيء فيه الخِلاَف الَّذِي في تفريق الصَّفْقة، فإنْ كان الرَّهْن بهذا الشَّرط مشروطاً في بيع، فإن صححنا الشرط أن أو أفسدناه وصححنا الرَّهْن صح البيع وللبائع الخيار، ولا ففي البيع القولان في أنَّ إفساد الرَّهْن المشروط في البيع، هل يفسد البيع؟ وإذا اختصرت قلت: في المسألة أربعة أقوال: صحة الشرط والرهن والبيع، وصحة البيع دونهما، وصحتهما دون الشرط، وبطلان الكل، ولو رهن وشرط كون المَنَافع مرهونة، فالشرط باطل، ولا يجري فيها القولان المذكوران في الزوائد.
فرع: لو أقرض بشرط أن يرهن به شيئاً، وتكون منافعه مملوكة للمقرض، فالقرض فاسد؛ لأنه جَرَّ منفعة، وإذا بطل الرهنَ، وإن شرط كون المنافع مرهونة أيضاً، فالشرط فاسد والقرض صحيح؛ لأنه لا يجر منفعة، وفي صحة الرَّهْن القولان.
المسألة الثانية: لو قال: أقرضتك هذا الألف بشرط أن ترهن به، وبالألف الذي لي عليك كذا، أو بذلك الألف وحده، فالقَرْض فاسد على ما مر في بابه.
ولو قال المستقرض: أقرضني ألفاً على أن أرهن به، وبالألف القديم الذي لك عليّ أو بذلك الألف فقط فقد نقل الإمام فيه تردُّداً بناء على أن القبول من المستقرض غير معتبر، والأصح اعتباره، والتَّسوية بين أن يصدر الشرط من المقرض ويقبله المستقرض وبين عكسه، وكذا لو باع بشرط أنْ يرهن بالثمن، والدين القديم أو بذلك الدين رهناً، فالبيع باطل كما تقدم.

الجزء: 4 - الصفحة: 465

إذا تذكرت ذلك فلو رهن المستقرض أو المشترى كما شرط، لم يخل إما أن يعلم فساد ما شرط، أو يظن صحته، فإن علم الفساد فينظر إنْ رهن بالألف القديم صح، وإن رهن بهما لم يصح بالألف الَّذِي فسد قرضه؛ لأنه لم يملكه، وإنما هو مضمون في يده للمقرض، والأعيان لا يرهن بها، وفي صحته بالألف القديم قَوْلاً تفريق الصَّفْقة، فإن صح لم يوزع، بل كان الكل مرهوناً بالألف القديم، لأن وضع الرَّهْن على توثيق كل بعض من أبعاض الدين بجميع المرهون ولو تلف الألْف الَّذِي فسد القرض فيه في يده صار دَيْناً في ذمته، وصح الرَّهْن بالألفين حينئذ.
وأما عند ظن الصِّحة فإذا رهن بالألف القديم، فعن القاضي: أنه لا يصح الرَّهْن، كما لو أدى ألْفاً على ظن أنه عليه ثم تبين خلافه، له الاسترداد ويتبيّن بطلان الأداء، وعن الشيخ أبي محمد وغيره صحته بخلاف صورة الاستشهاد؛ لأن أداء الدين يستدعي سبق ثبوته، وصحّة الرَّهْن لا تستدعي سبق الشروط، ولو رهن بالألفين، وقلنا: إِنَّ الصفقة تفرق، فَصِحّته بالألف القديم على هذا الخلاف، وكذا لو باع بشرط بيع آخر فأنشأ البيع الثاني ظانّاً صحة الشرط، وقد ذكرنا هذه الصورة في موضعها، وهذه الصورة والخلاف فيها شبيه بما إذا باع مال أبيه، على ظن أنه حي فكان ميتاً على رأي يجعل ظنه مانعاً صحة الإقدام، لأنه ربما لم يبع لو عرف حقيقة الحال.
وقوله في الكتاب: (ولو شرط عليه رهن في بيع فاسد) أراد به صورة خلاف الشيخ، والقاضي على ما بينه في "الوسيط"، لكنه اقتصر هاهنا على جواب القاضي، والمعنى شرط عليه رهن في بيع فاسد بدين قديم.
وقوله: فظن لزوم الوفاء به، ليس المراد اللُّزُوم الذي يفيد الإجبار، فإن الرَّهْن المشروط لا يجبر عليه بحال، ولكن المراد صِحّة الشرط ولوازمها.
وقوله: (فله الرجوع) يشعر بالصِّحة، وتفويض الأمر فيه إلى خيرة الرَّاهن، وهذا الظاهر غير معمول به، بل أحد القائلين يلغيه، والثَّاني يجعل سبيله سبيل سائر الرّهُون حتى يلزم، ولا يتمكن الراهن من الرجوع عنه.
قال الغزالي: وَلَوْ قَالَ: رَهَنْتُكَ الأَرْضَ فَفِي انْدِرَاجِ الأَشْجَارِ تَحْتَهُ، وَكَذَا فِي انْدِرَاجِ الأُسِّ تَحتَ الجِدَارِ، وَفِي انْدِرَاجِ المَغْرَسِ تَحْتَ الشَّجَرِ قَوْلاَنِ، وَكَذَا فِي الثَّمَارِ غَيْرِ المُؤَبَّرَةِ وَفِي الجَنِينِ وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ خِلاَفٌ، وَكَذَا فِي الصُّوفِ المُسْتَجَزِّ عَلَى ظَهْرِ الحَيَوَانِ، وَفِي الأَغْصَانِ الخِلاَفُ، وَوَجْهُ الأَخْرَاجِ مِنَ اللَّفْظِ ضَعْفُ الرَّهْنِ عَنِ الاسْتِتْبَاعِ.
قال الرَّافِعِيُّ: نظر الفصل في جملة من الألفاظ المُطْلَقَة في المرهون، وتمس الحاجة إلى البحث عما يدخل فيها ويخرج، وحاصله، صور:

الجزء: 4 - الصفحة: 466

أحدها: في انْدِرَاج الأَبْنِيَة والأشجار الَّتِي في الأرض تَحْتَ رهن الأرض مطلقاً الخلاف الذي ذكرناه في البيع.
الثانية: في دخول الغَرْس تحت رهن الشجر خلاف مرتب على الخلاف في البيع، والرهن أولى بالمنع لضعفه، وفي معناه دخول الآس تحت الجدار وتدخل الثمرة المُؤَبَّرَة تحت رهن الشجرة بحال، وفي غير المُؤَبَّرَة قولان.
وقال في "الوسيط" وجهان: أحدهما: تدخل كما في البيع.
وأصحهما: أنها لا تدخل؛ لأن الثمار الحادثة بعد استقرار العقد لا يثبت فيها حكم الرَّهْن، فالموجودة عند العَقْد أولى، وبهذا يفارق البيع.
ومنهم مَنْ قطع بعدم الدخول ونفي الخلاف، وعند أبي حنيفة تدخل الثمار في الرَّهْن بكل حال بناء على أن رهن الشجرة دون الثمرة لا يصح، ويجوز أن يعلم قوله: (وكذا في الثمار غير المؤبرة) بالواو للطريقة المذكورة، بل يجوز إعلام قوله: (قولان) -بالواو- أيضاً؛ لأن منهم من نفى الخلاف في المسائل كلها.
أما في اندراج الأشجار تحت رهن الأرض فقد سبق في المبيع.
وأما في الآس والمغرس فللطريقة المتولدة من ترتيب الخلاف على الخلاف في البيع، وقد صرح بنقلها المُتَوَلِّي، ولا يدخل البَيَاضُ بين الأشجار تحت رهن الأشجار، إن كان بحيث يمكن إفراده بالانتفاع، وإن لم ينتفع به إلا بتبعية الأشجار، فكذلك على أشهر الطريقين.
وعن صاحب "التقريب" والشيخ أبي محمد: أنه على الوجهين في المَغَارس، ويدخل في رَهْنِ الأشجار الأغصان والأوراق، نعم الَّتِي تفصل غالباً كأغصان الخلاف وورق الآس والفِرْصَاد، فيها القولان المذكوران في الثمار التي لم تُؤَبَّر.
الثالثة: في انْدِرَاج الجَنِيْن تحت رهن الحيوان الحامل، خلاف نعود لشرحه بعد إن شاء الله تعالى والغَرَض من ذكره هاهنا التنبيه على تقارب مأخذَ الخلاف فيه، والخلاف في الثَّمَار غير المُؤَبَّرَة وأحد الخلافين مرتب على الآخر، والجنين أوّلاً بالاندراج؛ لأنه لا يقبل التصرف على الانفراد، فبالأحرى أنْ يكون تبعاً.
وفي اللَّبَن في الضَّرْع طريقان: عن أبي الحسين: القطع بأنه لا يدخل.
والمشهور أنه على الخلاف، ثم هو عند بعضهم في مرتبة الجنين، وعند آخرين في مرتبة الثمار لتيقن وجوده، وسواء أثبت الخلاف أم لا، فَالظَّاهر أنه لا يدخل في الرَّهْن، وهو الَّذي أورده في "التَّهْذيب".

الجزء: 4 - الصفحة: 467

وفي الصّوف على ظهر الحيوان طريقان: أحدهما: القطع بدخوله إلحاقاً بالأجزاء والأعضاء، نقله في "التتمة".
وأظهرهما: أنه على قولين: أحدهما: الدخول كالأغصان والأوراق في الشجر.
وأصحهما: المنع كما في الثمار، لأن العادة فيه الجَزّ، ونقل بعضهم بدل القولين وجهين وزاد وجهاً ثالثاً، وهو: الفَرْق بين الصُّوف القصير الذي لا يعتاد جَزّه، وبين المنتهي إلى حَدّ يجزّ والمُسْتَجِز بكسر الجيم: البالغ أوان الجز.
وقوله: (ووجه الإخراج من اللفظ ضعف الرَّهْن عن الاستتباع) أي في كل صورة فاق الرَّهْن فيها البيع.
فروع: لو قال: رهنتك هذا الحُقّ بما فيه، أو هذه الخَرِيْطَة بما فيها، وما فيهما غير معلوم مرئي صح الرَّهْن في الظرْف والمَظْرُوف، وإلاَّ لم يصح الرَّهْن في المظروف، وفي الحُقَّ والخَريْطَة قَوْلاَ تفريق الصفقة، وما نص عليه في "المختصر" من الصحة في الحُقِّ وعدمها في الخريطة، فسببه أنه وضع المسألة في حق له قيمة يقصد مثله بالرهن، وفي خَرِيْطَة ليست لها قيمة تقصد بالرهن، وحينئذٍ يكون المقصود ما فيها، وإنْ كان اللَّفْظ مضافاً إليهما جميعاً، وما فيهما بحيث لا يصح الرَّهْن فيه يبطل فيهما جميعاً، وفي وجه يصح الرَّهْن فيهما جميعاً، وإنْ كانت قليلة القيمة اعتباراً باللفظ، ولو عكست التَّصْوير في الحُقِّ والخَرِيطة كان الحكم بالعكس مما نص عليه ولا فرق.
ولو قال: رهنتك الظَّرْف دون ما فيه صَحَّ الرَّهْن فيه مهما كانت له قيمة، وإن قلَّتْ، لأنه إذا أفرده فقد وجه الرَّهْن نحوه وجعله المقصود، وإن رهن الظَّرْف ولم يتعرض لما فيه نفياً أو إثباتاً، فإن كان بحيث يقصد بالرَّهْن وحده فهو المرهون لا غير، وإنْ كان لا يقصد منفرداً لكنه متموّل فالمرهون الظَّرْف وحده أو مع المَظْرُوف، فيه وجهان حكاهما الإمام: أصحهما: أولهما: ويجيء على قياسه وجهان، فيما إذا لم يكن متمولاً أن الرَّهْن ينزل على المظروف أو يلغى 26. قال الغزالي: الرُّكْنُ الرَّابعُ: العَاقِدُ فَلاَ يَصِحُّ إِلاَّ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنْهُ البَيْعُ، وَفِيهِ زِيَادَةُ

الجزء: 4 - الصفحة: 468

شَرْطٍ وَهُوَ كَوْنُهُ مِنْ أَهْلِ التَّبَرُّعِ، وَلِذَلِكَ لاَ يَصِحُّ لِوَليِّ الطِّفْلِ أَنْ يَرْهَنَ مَالَهُ إِلاَّ لِمَصْلَحَةٍ ظَاهِرَةٍ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَاَئةٍ مَا يُسَاوِي مائَتَيْنِ وَلاَ يُسَاوِي المَرْهُونُ أَكْثَر مِنْ مَائَةٍ حَتَّى لَوْ تَلَفَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا لاَ يَجْبُرُهُ المُشْتَرِي، إِلاَّ إِذَا كَانَ فِي وَقْتٍ يَجُوزُ فِيهِ الإِيدَاعُ خَوْفاً مِنَ النَّهْبِ فَيَجُوزُ الرَّهْنُ، وَكَذا المُكَاتَبُ (و) وَالمَأْذُونُ (و)، وَيَجُوزُ لِلوَلِيِّ الارْتِهَانُ عِنْدَ عُسْرِ اسْتِيفَاءِ الحَقِّ أَوْ تَأَجُّلِهِ مَهْمَا بَاعَ بِنَسِيئَةٍ مَعَ الغِبْطَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَ عَقَارَهُ لِحَاجَةٍ ظَاهِرَةٍ فِي القُوتِ حَتَّى لاَ يَفْتَقِرَ إِلَى بَيْعِهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: يعتبر في المتعاقدين التكليف كما في البيع، لكن الرَّهْن تَبَرُّع فإن صدر من أهل التَّبَرُّع في ماله فذاك، وإلاَّ فالشرط وقوعه على وِفْق المَصْلَحَة والاحتياط، إذ مقصود هذه التَّوْطِئَة التدرج إلى الكلام في ثلاثة فصول: أولها: رهن الوَلِيّ مال الصَّبي والمَجْنُون وَالمَحْجُور عليه بالسَّفَهِ، وارتهانه لهم مشترط بالمَصْلَحَة والاحتياط، فمن صوّر الرَّهْن على وجه المَصْلَحَةَ أنْ يشتري للطفل ما يساوي مائتين بمائة نَسِيْئَة، ويرهن به ما يساوي مائة من ماله فيجوز؛ لأنه إذا لم يعرض تلف ففيه غِبْطَة ظاهرة، وإنْ تلف المرهون كان في المشتري ما يجبره، ولو لم يساعد البائع إلاَّ بِرَهْن ما يزيد على مائة أعرض عَنْ هذه المعاملة؛ لأن الرَّهْن يمنع من التَّصَرف، وربّما يتلف فيتضرر به الطِّفْل، نعم لو كان المرهون ما لا يتلف في العادة كالعَقَار، فعن الشيخ أبي محمد الميل إلى تَجْويزه.
قال الإمام: وهو منقاس: لكنه خلاف ظاهر المذهب.
ومنها: إذا كان الزمان زمان نَهب، أو وقع حَريق وخاف الوَلِيُّ على ماله، فله أن يشتري عَقَاراً، ويرهن بالثمن شيئاً من ماله إذا لم يتهيَّأ أداؤه في الحال، ولم يبع صاحب العقار عقاره إلا بشرط الرَّهْن، وذلك؛ لأن الإيداع المُجَرّد في مثل هذه الحالة جائز ممن لا يمتد النَّهب إلى يده فهذه أولى.
ولو استقرض شيئاً والحالة هذه ورهن به لم يجز قاله الصيدلاني؛ لأنه يخاف التلف على ما يقرضه خوفه على ما يرهنه، وأنت بسبيل من أن تقول: إذا لم يجد من يأخذه وديعة، ووجد من يأخذه رَهْناً، وكان المرهون أكثر قيمة من القرض، وجب أن يجوز رهنه.
ومنها: أن يستقرض الولي له لحاجته إلى النَّفَقَة أو الكسوة أو تَوْفِيَة ما يلزمه، أوْ لإصْلاح ضِيَاعه ومرمَّتها ارتقاباً لغلّتها أو لحلول ما له من الدَّيْن المؤجل، أو لنَفَاق متاعه الَكَاسِد، فإن لم يرتقب شيئاً من ذلك، فبيع ما تعذَّر رهنه أولى من الاستقراض.

الجزء: 4 - الصفحة: 469

وأما الارْتِهَان فمن صور المصلحة، فيه أن يتعذَّر على الولي استيفاء دين الصبي فيرتهن به إلى أن يتيسر الاستيفاء.
ومنها: أن يكون دينه مؤجلاً، إما بأن ورثه كذلك، أو باع الولي ماله نَسِيئَة بالغبطة، ولا يجوز الاكتفاء بِيَسَارِ المشتري، بل لا بد من الارْتِهَان بالثمن، وفي "النهاية" رمز إلى خلاف ذلك أخذاً من جواز إبضاع ماله، وإذا ارتهن جاز أن يرتهن بجميع الثمن، وفيه وجه أنه لا بد وأن يستوفي ما يساوي المبيع نقداً، وإنما يرتهن ويؤجل بالإضافة إلى الفاضل 27. ومنها: أن يقرض ماله أو يبيعه لضرورة نَهْب، ويرتهن به أو بالثمن، قال الصَّيْدَلاَني: والأولى ألاَّ يرتهن إذا كان المَرْهُون مما يخاف تلفه؛ لأنه قد يتلف ويرفع الأمر إلى حاكم يرى سقوط الدَّيْن بتلف الرَّهْن، وحيث جاز للولي الرَّهْن فالشرط أن يرهن عند أمين يجوز الإيداع منه، ولا فرق في جميع ذلك بين الأب والجد والوصي والحاكم وأمينه، نعم حيث يجوز الرَّهْن أو الارتهان، فللأب والجد أن يعاملا نفسهما، ويتوليا الطرفين وليس لغيرهما ذلك، وإذا تَوَلَّى الأب الطرفين فكيفية القبض سنذكرها إن شاء الله تعالى في رَهْن الوديعة من المودع.

[القول في رهن المكاتب وارتهانه]

الفصل الثاني: رهن المُكَاتَب وارتهانه جائزان بشرط النظر والمصلحة كما ذكرنا في حق الطفل 28. ومنهم: من قال: لا يجوز الرَّهْن استقلالاً، وبإذن السيد قولان بناء على أن الرَّهْن تبرع، وتفصيل صور الارْتِهَان كما في الفصل الأول، وفيه وجه آخر أنه لا يجوز

الجزء: 4 - الصفحة: 470

له الاسْتِقْلاَل بالبيع نَسِيْئَة بحال، وبإذن السيد يخرج على الخلاف في تبرعاته.
الفصل الثالث: في المأذون، فإن دفع إليه السَّيد مالاً ليتَّجر فيه فهو كالمُكَاتب إلاَّ من وجهين: أحدهما: أنَّ رهنه أولى بالمنع مِنْ جهة أنَّ الرَّهْن ليس من عقود التِّجَارات، وشبهه الإمام بإجارة الرِّقَاب، وفي نفوذها منه خلاف سبق في موضعه.
والثاني: أن له البيع نَسِيْئَةً بإذن السَّيد بلا خلاف، وإن قال له: اتِّجر بجاهك ولم يدفع إليه مالاً، فله البيع والشراء في الذِّمَّة حالاً ومؤجلاً، وكذا الرَّهْن والارتهان إذ لا ضرر فيه على السَّيد، فإن فضل في يده مال كما لو دفع إليه مالاً (1). وقوله في الكتاب: (إلاَّ لمصلحة ظاهرة) يجوز إعلامه بالواو؛ لأن القاضي ابن كَجٍّ حكى وجهاً: أنه لا يجوز رهن مال الطِّفل بحال من الأحوال.
وقوله: (إلاَّ إذا كان في وقت يجوز فيه الإيداع)، هذا الاسْتِثْنَاء في نظم الكتاب يرجع إلى اشتراط مساواة قيمة المرهون للدين، فإنه يجوز أنْ يكون في زمان النَّهْب أكثر من الدين، بل هو عُذْرٌ يجوز الرَّهْن على ما نلحظ.
وقوله: (وكذا المُكَاتَب والمَأْذُون) مُعَلّمان بالواو.

البَابُ الثَّانِي: فِي القَبْضِ وَالطَّوَارِئ قَبْلَهُ

قال الغزالي: القَبْضُ رُكْنٌ فِي الرَّهْنِ لاَ يَلْزَمُ (م) إِلاَّ بِهِ، وَكَيْفِيَّتُهُ فِي المَنْقُولِ وَالعَقَارِ مَا ذَكَرَنَا فِي البَيْعِ، وَلاَ يَصِحُّ إِلاَّ مِنْ مُكَلَّفٍ، ويَجُوزُ لِلْمُرْتَهَنِ أَنْ يُنِيبَ غَيْرَهُ إِلاَّ عَبْدَ الرَّاهِنِ وَمُسْتَوْلَدَتَهُ لأَنَّ يَدَهُمَا يَدُ الرَّاهِنِ، وَيسْتَنِيْبَ مُكَاتِبَ الرَّاهِنِ، وَفِي عَبْدِهِ المَأْذُونِ خِلاَفٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: كلام الباب يقع في قسمين: أحدهما: بيان اعتبار القبض، وأنه بم يحصل وممن يصح؟ أما الاعتبار الأول فإن القبض ركن في لزوم الرَّهْن 30، فلو رهن ولم يقبض كان29

الجزء: 4 - الصفحة: 471

له ذلك، نعم لو كان مشروطاً في بيع فللبائع الخيار.
وقال مالك: يلزم الرَّهْن بنفسه، وعن أحمد مثله إلا في المكيلات والموزونات.
لنا: أنه عقد إرفاق يحتاج إلى القبول، فلا يلزم إلاَّ بالقبض كالقرض.
وأما أنه بم يحصل؟ فسبيله في العَقَار والمنقول ما تقرر في البيع، ويعود الخلاف المذكور في أن التَّخْلِيَة، هل تكفي في المنقول أم لا بد من النقل؟ وعن القاضي القطع بأنه لا يكفي التَّخْلِية في الرَّهْن؛ لأن القبض مستحق في البيع، وهاهنا بخلافه، ويتعلق بهذا الأصل فروع مذكورة في الفصل الَّذِي بعد هذا الفصل.
وأما أنه مِمَّن يصح فهو الذي يصح منه العقد، وتجري النيابة في القبض جَرَيَانها في العقد، لكن لا يجوز للراهن إِنَابَة المرتهن؛ لأن الواحد لا يتولَّى طرفي القبض كما بَيَّنا في البيع، وكما لا ينيبه لا ينيب عبده ولا مُدَبّره ولا أم ولده؛ لأن يَدَهُمْ يَدَهُ، ولا بأس وإنابة مُكَاتَبه لاستقلاله باليد والتصرف، وفي عبده المأذون وجهان: أحدهما: الجواز لانفراده باليد والتصرف.
وأصحهما: المنع فإنه عبده القِنّ، وهو متمكن من الحجر عليه 31، وهذا كُلّه قد أشرنا إليه في البيع، وعن الشيخ أبي علي حكاية وجه ثالث، وهو أنَّ المأذون إنْ لم تركبه الديون لم يجز إنابته، وإن ركبته جاز لانقطاع سلطة السَّيد عما في يده، ومشابهته المكاتب.
قال الغزالي: وَلَوْ رَهَنَ مِنَ المُودِعِ نَصَّ أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَي إِذْنِ جَدِيدٍ، وَفِي الهِبَةِ مِنَ المُودِعِ نَصَّ أنَّهُ يَلْزَمُ، فَقِيلَ قَوْلاَنِ بالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، وَقِيلَ بِالفَرْقِ لِضَعْفِ الرَّهْنِ، ثُمَّ لاَ بُدَّ (و) مِنْ مِضِيِّ زَمَانٍ يُمْكِنُ المَسِيرُ فِيهِ إِلَي البَيْتِ الَّذِي فِيهِ الرَّهْنُ حَتَّى يَلْزَمَ، وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ قَبْضاً مَا لَمْ يَصِلْ إِلَي بَيْتِهِ، وَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُشْتَرَطُ عِنْدَ التَّرَدُّدِ فِي بَقَائِهِ لِيُتَيَقَّنَ وُجُودُهُ، وَالأَصَحُّ: (و) أَنَّه لَوْ بَاعَ مِنَ المُودِع دَخَلَ فِي ضَمَانِهِ بِمُجَرَّدِ البَيْعِ.

الجزء: 4 - الصفحة: 472

قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسألتان: إحداهما: لو أودع مالاً عند إنسان ثم رَهَنَهُ منه، فظاهر نصه أنه لا بد من إِذْن جديد في القبض.
ولو وهبه منه فظاهر نَصِّه أنه يحصل القبض من غير إذنْ جديد، وللأصحاب فيهما طريقان مشهوران، وثالث غريب.
أظهر المشهورين: أن فيهما قولين: أحدهما: أنه لا حاجة في واحد من العقدين إلى الإذن في القبض، بل إنشاؤهما مع الَّذِي في يده المال، يتضمَّن الإِذْن في القبض.
وأصحهما: أنه لا بد منه وبه قال أبو إسحاق ولأنَّ اليد الثابتة كانت غير جهة الرَّهْن، ولم يجر تعرض للقبض بحكم الرَّهْن.
والثاني: تقرير النَّصين.
والفرق: أن الهِبَةَ عقد تمليك ومقصوده الانتفاع، والانتفاع لا يتم إِلاَّ بالقبض والرهن توثيق، وأنه حاصل دون القبض، ولهذا لو شرط في الرَّهْن كونه في يد ثالث جاز، ولو شرط مثله في الهبة فسد، وكانت الهبة ممن المال في يده رضا بالقبض.
والثالث: الغريب الذي حكاه القاضي ابن كَجٍّ عن ابن خَيْرَان القطع باعتبار الإذن الجديد فيهما، ومحاولة تأويل نَصِّه في الهِبَة، وسواء شرط إذن جديد في القبض أو لم يشترط، فلا يلزم العقد ما لم يَمْضِ زمان يتأتى فيه القبض، لكن إذا شرط الإذن فهذا الزمان يعتبر من وقت الإِذْن، فإن لم يشترطه فهو معتبر من وقت العقد، وقال حرملة: لا حاجة إلى مُضِيِّ هذا الزمان ويلزم العقد بنفسه، والمذهب الأول 32؛ لأنا نجعل دوام اليد كابتداء القَبْضِ، فلا أقل من زمان يتصور فيه ابتداء القبض، فعلى هذا لو كان المَرْهون منقولاً غائباً، اعتبر مضى زمان يمكن المَصِير إليه ونقله، وهل يشترط مع ذلك نفس المصير إليه ومشاهدته؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، ليتعين حصولُه وثبوته، وهذا ظاهر النص.
وأصحهما: لا، ويكتفي بأن الأصل بقاؤه.

الجزء: 4 - الصفحة: 473

واختلفوا في محل النص، منهم من جعله احتياطاً، ومنهم من حمله على ما إذا كان المرهون ممَّا يتردد في بقائه في يده، بأن كان حيواناً غير مأمون الانقلاب.
أما إذا نفيه فلا حاجة إليه، ومن قال بهذا جعله وجهاً ثالثاً فارقاً، فإن شرطنا الحضور والمشاهدة، فهل يشترط النقل؟ أيضاً فيه وجهان: أحدهما: نعم، لأن قبض المنقول يحصل.
والثاني: وهو أصحهما وقطع به طوائف من الأصحاب: أنه لا يشترط؛ لأن النقل إنما يعتبر ليخرج من يد المالك وهو خارج هاهنا وإذا شرطنا وراء مضي المدة شيئاً، إما الحضور وحده أو مع النقل، فهل يجوز أن يوكل فيه؟ حكى الإمام فيه وجهين: أصحهما: الجواز كما في ابتداء القبض، ووجه المنع أن ابتداء القبض وهو النقل وحده من المودع، فليصدر بثمنه منه.
فرعان: الأول: لو ذهب إلى موضع المرهون فوجده قد خرج من يده، نظر إنْ أذن له في القَبْض بعد العقد، فله أخذه حيث وجده، وإنْ لم يأذن له لم يأخذه، حتى يقبضه الرَّاهن سواء شرطنا الإذن الجديد، أو لم نشرطه، هكذا قاله أبو الفضل بن عبدان، وكأنه صوّر فيما إذا علم بخروجه من يده قبل العقد.
أما إذا خرج بعده، ولم يشترط الإذن الجديد فقد جعلنا الرَّهْن مِمَّن في يده إذناً في القبض، فليكن بِمَثَابة ما لو استأنف إذناً.
الثاني: إذا رهن الأب مال الطِّفْل من نفسه، أو ماله من الطفل ففي اشتراط مضي زمان يمكن فيه القبض وجهان، كالوجهين في اشتراط لفظي الإيجاب والقبول، وقد ذكرناهما في البَيْع، إن شرطناه فهو كما لو رهن الوَدِيْعَة من المودع، فيعود الاختلاف المذكور، وقصد الآن قبضاً وإقباضاً نازل منزلة الإذن الجديد هناك.
المسألة الثَّانية: إذا باع المالك الوَدِيعة أو العَارِيَة مِمَّن في يده، فهل يعتبر زمان إمكان القبض لجواز التَّصَرف وانتقال الضمان؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم، ثم القول في اشتراط المشاهدة، واشتراط النَّقْل كما في الرَّهْن والهبة.
والثاني: لا؛ لأن البيع يفيد إلملك في معنى مع اجتماع الملك واليد لاعتبار شيء

الجزء: 4 - الصفحة: 474

آخر، وهل يحتاج إلى الإذن في القبض تفريعاً على الوجه الأول؟ نظر إنْ كان الثمن حالاً ولم يُوَفِّهِ لم يحصل القبض إلاَّ إذا أذن البائع فيه، فإن وَفَّاه أو كان مؤجلاً فعن الشيخ أبي علي رواية طريق أنه كالرَّهْن.
والمشهور: أنه لا يحتاج إليه.
والفرق أنَّ البيع يوجب القبض، فدوام اليد يقع عن القبض المستحق ولا استحقاق في الرَّهْن.
ونعود إلى ما يتعلّق بلفظ الكتاب قوله: (قولان بالنقل والتخريج) المشهور عند مثبتي القولين في العقدين أنهما حاصلان عن ضرب أحد النَّصَّين بالآخر، على ما هو سبيل النَّقْل والتَّخْرِيج، وروى ابْنُ عَبْدَان أنه نص في الهِبَة على قولين، فعلى هذا التصرف مخصوص بالرَّهْن.
وقوله: (لضعف الرَّهْن) أراد به ما ذكرناه من تقاعده عن إفادة المِلْك وقوله: (ثم لا بد من مضي زمان) مُعَلّم بالواو لوجه حرملة.
وقوله: (يمكن المسير) ولم يسر ينتظم فيهما السين والصاد، ولفظ الشَّافعي -رضي الله عنه- في "المختصر" الصاد.
وقوله: (والأصح أنه لو باع من المودع) إلى آخره يمكن حمله على الخلاف المذكور، في أن مضي الزمان هل يعتبر؟ لكن الأقرب أنه أراد الخلاف المذكور في أن الإذن الجديد هل يعتبر؛ لأن إيراده في "الوسيط" مشعر به، وأيضاً فإنه لو حمل على الأول لكان اختياره على خلاف اختيار المُعْظَم لما ذكرنا أنهم اعتبروا الزمان، وعلى هذا فقوله: (مجرد البيع) لم يرد التَّجَرُّد المطلق، وإنما أراد البَيْعَ المجرد عن الإذن الجديد.
قال الغزالي: وَلَوْ رَهَنَ مِنَ الغَاصِبِ لَمْ يَبْرَأ (م ح ز) مِنْ ضَمَانِ الغَصْبِ، كمَا لَوْ تَعَدَّى في المَرْهُونِ يَجْتَمِعُ الضَّمَانُ وَالرَّهْنُ، وَلَو أَوْدَعَ مِنَ الغَاصِبِ يَبْرَأُ، وَفِي بَرَاءَتِهِ بِالإِجَارَةِ مِنْهُ وَتَوْكِيلِهِ بِالبَيْعِ وَجْهَانِ، وَكَذَلِكَ فِي بَرَاءَةِ المُسْتَعِيرِ، وَكَذَا لَوْ صَرَّحَ بِإبْرَاءِ الغَاصِبِ مَعَ بَقَائِهِ فِي يَدِهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا رهن المالك ماله من الغَاصِب أو المُسْتَعِير أو المُسْتَأجر أو الوكيل صح الرَّهْن، والقول في افْتِقَار لزومه إلى مضي زمان يتأتَّى فيه القبض 33، وإلى إذن جديد في القَبْض على ما ذكرنا في رَهْن الوديعة من المودع، ومنهم من قطع في الغَصْب بافتقاره إلى إِذْن جديد؛ لأن يده غير صادرة عن إذن المالك أصلاً، ثم الرَّهْن من الغاصب لا يبرئه عن ضَمَان الغَصْب، وإنْ تَمَّ ولزم خلافاً لأبي حنيفة وهو اختيار

الجزء: 4 - الصفحة: 475

المزني، واحتجَّ الأصحاب: بأن الدوام أقوى من الابتداء، ودوام الرَّهْن لا يمنع ابتداء الضَّمَان، فإن المرتهن إذا تعدى في المرهون يصير ضامناً، ويبقى الرَّهْن بحاله، فلأن لا يرفع ابتداء الرَّهْن دوام الضِّمَان كان أَوْلَى.
إذا تقرر ذلك فلو أن المرتهن أراد البراءة عن الضمان، فليرده إلَى الرَّاهن ثم له الاسترداد بحكم الرَّهْن، ولو امتنع الراهن من قبضه فله أن يجبره عليه.
قال الإمام: وفي كلام الشيخ أبي علي ما يدل على أن لِلرَّاهن أن يجبره على رده، ثم يرده هو عليه، ولكن القياس، وبه قال القاضي أنه ليس له ذلك، إذ لا غرض له تَبْرئة ذمة المرتهن، ولو أودع الغاصب المال المغصوب فوجهان: أحدهما: أنه لا يبرأ من الضَّمَان كما في الرَّهْن منه.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب أنه يبرأ؛ لأن مقصود الإِيْدَاع الائتمان، والضمان والأمانة لا يجتمعان، ولهذا لو تعدى المودع في الوديعة اَرتفعت الوديعة ويخالف الرَّهْن، لأن الغرض منه التوثيق، إلاَّ أن الأَمَانة من مقتضاه وهو مع الضَّمَان قد يجتمعان على ما بينا، ولو أجَّر العَيْن المَغْصُوبة منه فوجهان مرتبان على الإيداع والإجارة أوْلى بأن لا تفيد البراءة وهو الظاهر، لأنه ليس الغرض منها الائتمان بخلاف الوديعة.
ولو وَكّله ببيع العبد المَغْصُوب أو إعتاقه، فوجهان مرتبان على الإجارة وأولى بعدم إفادة البراءة، لأن في عقد الإِجَارة تسليطاً على القَبْض والإِمْسَاك والتوكيل بخلافه، ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب (وجهان) في مسألتي الإجارةَ والتوكيل بالواو للطريقة القاطعة بالمنع المتولّدة من ترتيب الخلاف على الخلاف، إليها إشار الأكثرون، وفي معنى الاجَارة والتَّوْكيل ما إذا قارضه على المال المغصوب أو كانت جارية فزوجها منه، ولو صرح بإبراء الغَاصِب عن ضَمَان الغَصْب والمال بَاقٍ في يده، ففي براءته وَصَيْرُورَة يده يد أمانة وجهان مبنيان على القولين في الإبراء عما لم يجب ووجد سبب وجوبه؛ لأن الغَصْب سبب وجوب القيمة عند التلف.
والظَّاهر: عدم حصول البراءة 34 وربما استشهد من قال بعدم البَرَاءة في الصُّوْرَة السابقة بهذه الصورة، فقال: إنشاء عقود الأمانات ليس بآكد من التَّصْريح بالإبراء، فإذا لم تحصل البراءة به فتلك العقود أولى.
وأما قوله: (وكذلك في بَرَاءَة المُسْتَعِير) فصورته

الجزء: 4 - الصفحة: 476

ما إذا رهن المعير العارية من المستعير ولزم الرَّهْن كما سبق، ففي البَرَاءة عن ضمان العارية وجهان عن حكاية صاحب "التقريب".
أصحهما: أنه لا يبرأ كما لا يبرأ عن ضَمَان الغَصْب.
والثاني: يبرأ؛ لأن ضمان العَارِية أخف أمراً من ضمان الغَصْب؛ لأن اليد فيها مستندة إلى رضي المالك، ورهن المقبوض على سبيل السَّوْم والشراء الفاسد من المُسْتَام والمشتري كرهن العارية من المستعير (1). والله أعلم.

فصل: في الطوارئ المؤثرة في العقد قبل القبض

قال الغزالي: أَمَّا الطَّوَارِئُ قَبْلَ القَبْضِ فَكُلُّ مَا يُزِيلُ المِلْكَ فَهُوَ رُجُوعٌ، وَالتَّزويجُ لَيْسَ بِرُجُوعٍ، وَإِجَارَتُهُ رُجُوعٌ إِنْ قُلْنَا: إِنَّها تَمْنَعُ مِنَ البَيْعِ، وَالتَّدْبيرُ رُجُوعٌ عَلَى النَّصِّ، وَعَلَى التَّخْرِيجِ لاَ.
قال الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني من الباب القول في الطَّوَارئ التي يتأثر العَقْد بطروئها قبل القبض، وهي ثلاثة أنواع: الأول: ما ينشئه الرَّاهِن من التصرفات، وكل ما يزيل المِلْك كالبيع والإعتاق والإصْداق، وجعله أجُرْة في إجارة، فإذا وجد قبل القبض فهو رُجُوع عن الرَّهْن، وفي معناه الرَّهْن والهِبَة من غيره مع القبض، وكتابة العبد وَوَطْء الجارية مع الإحْبَال، ليس برجوع وكذا التزويج، إذ لا تعلق له بمورد الرَّهْن، بل رهن المزوجة ابتداء جائز.
وأما الإجارة إن قلنا: إن رهن المكرى وبيعه جائز، فهو كالتزويج وإلاَّ فهي رجوع، وحكى الإمام وجهاً آخر، أنها ليست برجوع بحال، كما لو دَبّر العبد المرهون، وَالنَّص أنه رجوع، وخرج الرَّبيع قولاً، أنه ليس برجوع، ولهذا مأخذان: أحدهما: البناء على النَّص والتخريج في رهن المُدَبّر.
والثاني: توجيه التَّخْرِيج بامكان الرُّجُوع عن التَّدْبير، ووجه النَّص وهو الأظهر بمنافاة مقصود التّدْبير لمقصود الرَّهْن وإشعاره بالرجوع 36.35

الجزء: 4 - الصفحة: 477

ولا يخفى عليك بَعْد مَعْرفة هذه الصور أن قوله في الكتاب: (ما لا يزيل كالتزويج) ليس برجوع غير معمول به على الإطلاق، وأن قوله: (وَإِجَارَته رجوع) بجواز إعلامه بالواو، والله تعالى أعلم.
قال الغزالي: وَالنَّصُّ أَنَّهُ يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الرَّاهِنِ وَلاَ يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ المُرْتَهِنِ، فَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ لِتَرَدُّدِ الرَّهْنِ بَيْنَ البَيْعِ الجَائِزِ وَالوكَالَةِ، وَقِيلَ بِالفَرْقِ لأنَّ رُكْنَ الرَّهْنِ مِنْ جَانِبِ الرَّاهِنِ العَيْنُ وَهُوَ مُتَعَلِّقُ حَقِّ الوَرَثَةِ وَالغُرَمَاءِ، وَرُكُنُهُ مِنْ جَانِبِ المُرْتَهِنِ دَيْنُهُ وَهُوَ بَاقٍ بِحَالِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لاَ يَنْفَسِخُ بِجُنُونِ العَاقِدَيْنِ، وَبِالحَجْرِ عَلَيْهِمَا بِالتَّبْذِيرِ.
قال الرَّافِعِيُّ: النوع الثاني: ما يعرض للمتعاقدين من الحالات، وفيه ثلاثة صور: إحداها: نص في "المختصر" أن الرَّهْن لا يبطل بموت المرتهن قبل القبض، ونقل نص أنه يبطل بموت الراهن، وفيهما طرق: أظهرهما: أن في موتهما قولين نقلاً وتخريجاً: أحدهما: أنه يبطل بموت كل واحد منهما؛ لأنه عقد جائز، والعقود الجائزة تَرْتَفِعُ بموت المتعاقدين كالوِكالَة.
وأصحهما: أنه لا يبطل؛ لأن مصيره إلى اللُّزُوم فلا يتأثر بموتهما كالبيع في زمان الخِيَار.
والثاني: تَقْرِير النَّصّين، وبه قال أبو إسحاق وفرقوا بأن المرهون بعد موت الرَّاهن ملك الورثة، ومتعلق حق الغُرَمَاء إنْ كان له غريم آخر، وفي اسْتِيفَاء الرَّهْن إضرار بهم، وفي صورة موت المرتهن يبقى الدين كما كان وإنما ينتقل الاستحقاق فيه إلى الورثة، وهم مُحْتَاجون إلى الوثيقة حاجة مورثهم.
والثالث: القطع بعدم البطلان، سواء مات الرَّاهن أو المرتهن وبه قال القاضي أبو حامد، ومن قال بهذا أول ما نقل في موت الراهن، وإذا أبقينا الرَّهْن قام ورثة الرَّاهن مقامه في الإِقباض، وورثة المرتهن مقامه في القبض، ووراء هذا في المَسْألة شيئان: أحدهما: اختلف المُثْبِتون للقولين في موضعهما، فقال ابْن أبي هريرة: موضع القولين رَهْنُ التبرع.
وأما الرَّهْن المَشْرُوط في البيع فإنه لا يبطل بالموت قطعاً لتأكده بالشرط واقترانه بالبيع اللاَّزِم، فلا يبعد أن يكتسب منه صفة اللُّزوم.
وقال أبو الطيب بن سلمة: القولان جاريان في النوعين وهو المشهور، وسواء قلنا بالبطلان، أو قلنا: إنه لا يبطل، ولم يتحقق الوفاء بالرهن المشروط، فيثبت الخيار في البيع.

الجزء: 4 - الصفحة: 478

والثاني: لك أنْ تستخرج الخلاف في طرف موت الرَّاهن من أصل سيأتي، إن شاء الله تعالى وهو أنَّ التركة الَّتِي تعلّقت بها الديون حكمها حكم المرهون أم لا؟ إن قلنا: نعم، فقد أخذ جميع التركة حكم المرهون، لغى العقد السابق.
وإن قلنا: لا، بقي الرَّهْن لظهور فائدته، ويجوز أن يعكس فيقال: إن قلنا: يأخذ حكم المرهون بقي الرَّهْن لتأكُّده بما عرض.
وإن قلنا: لا، لغى العقد السابق كيلا يتضرَّر الورثة.
الصُّورة الثَّانية: لو جُنَّ أحد المتعاقدين، أو أُغْمِيَ عليه قبل القبض ترتَّب ذلك على الموت.
إنْ قلنا: لا يؤثر الموت، فَالجُنُون أَوْلى.
وإنْ قلنا: يؤثر ففي الجُنُون وجهان: فإذا قلنا: لا يبطل الرَّهْن، فإن جُنّ المرتهن، قبض الرَّهْن مَنْ ينصبه القاضي قيماً في ماله، فإنْ لم يقبضه الراهن، وكأن الرَّهْن مشروطاً في بيع، فعل ما فيه الحظ من الفَسْخ والإجازة، وإن جن الراهن، فإن كان الرَّهْن مشروطاً في بيع، وخاف القيم فسخ المرتهن إن لم يسلمه، والحظ في الإمضاء سلمه، وإن لم يخف، أو كان الحظ في الفسخ لم يسلمه، وكذا لو كان الرَّهْن رهن تبرع، هكذا أطلقوه وهو محمول على ما إذا لم تكن ضرورة ولا غبطة؛ لأنهما يجوزان رهن مال المجنون ابتداء فالاستدامة أَولى.
الثالثة: لو طرأ الحَجْر على أحدهما لِسَفَهٍ أو فَلَسٍ، فهو لو كما طرأ المجنون، ولكن الخلاف فيه بالترتيب؛ لأن السَّفَهَ لا يوجب سقوط العبارة رأساً والجنون بوجه.
قال الغزالي: وَفِي انْفِسَاخِهِ بِانْقِلاَبِ العَصِير خَمْراً، وَبِاباقٍ العَبْدِ وَجِنَايَتِهِ وَجْهَانِ أَيْضاً، وَلاَ يَجُوزُ إِقْبَاضُهُ وَهُوَ خَمْرٌ فَلَوِ انْقَلَبَ خَمْرًا بَعْدَ القَبْضِ خَرَجّ عَنْ كَوْنِهِ مَرْهُوناً، فَإِذَا عَادَ خَلاًّ عَادَ مَرْهُوناً (و).
قال الرَّافِعِيُّ: النوع الثالث: ما يعرض في المرهون، وفيه صور: إحداها: أنه لو رهن عصيراً وأقبضه، فانقلب في يد المرتهن خَمْراً، فلا نقول بأنها مرهونة.
وللأصحاب عبارتان: قالت شرذمة: يتوقف إنْ عاد خلاًّ بان أن الرَّهْن لم يبطل، وإلا بان أنه يبطل.
وقال الجمهور: يبطل الرَّهْن لخروجه عن كونه مالاً، ولا خيار للمرتهن إنْ كان الرَّهْن مشروطاً في بيع لحدوثه في يده، ثم إذا عاد خَلاًّ يعود الرَّهْن كما يعود الملك.

الجزء: 4 - الصفحة: 479

وحكى القاضي ابن كَجٍّ عن أبي الطيب بن سلمة؛ أنه يجيء فيه قول آخر: أنه لا يعود الرَّهْن إلاَّ بعقد جديد، وادَّعى أنه مذهب أبي حنيفة، وكان هذا النقل لم يبلغ القاضي حسين، فقال على سبيل الاحتمال: يجوز أن يجعل هذا على قياس عود الخبث، ويخرج فيه مثل ذلك الخلاف.
والمذهب الأول: وهو عود الرَّهْن، وتبين بذلك أنهم لم يريدوا ببطلان الرَّهْن اضْمحلال أثره بالكلية، وإنما أرادوا ارتفاع حكمه ما دامت الخَمْرِيّة.
ولو رهن شاة فماتت في يد المرتهن فدبغ جلدها فوجهان: أحدهما: وبه قال ابْنُ خَيْرَان، واختاره القاضي الرُّويَانِي أنه يعود الرَّهْن كما لو انقلبت الخَمْر خَلاًّ.
وأظهرهما عند الأكثرين: لا يعود؛ لأن ماليته مَجْلُوبة بالصّنْعَة والمُعَالَجَة، وليس العائد ذلك الملك.
ولو انقلب العَصِيرُ المرهون خمراً قبل القبض، ففي بطلان الرَّهْن البطلان الكلي وجهان: أحدهما: نعم، لاختلال المحل في حال ضعف الرَّهْن وجوازه.
والثَّاني: لا، كما لو تَخَمَّر بعد القبض وقبضه.
وإيراد الأئمة ترجيح هذا الوجه 37؛ لأنهم قَرَنُوا هذا الخلاف من الخلاف في صورة عُرُوض الجُنُون، أو بنوه عليه فقالوا: إنْ ألحقنا الرَّهْن بالوِكَالَة بطل بعروض الجُنُون، وانقلابه خَمْراً قبل القبض، وإنْ ألحقناه بالبيع الجائز لم يبطل، وقد مَرَّ أن الثاني أظهر.
قال في "التهذيب": وعلى الوجهين لو كان الرَّهْن مشروطاً في بَيْع ثبت للمرتهن الخيار؛ لأن الخَلَّ أنقص من العصير، ولا يصح الإقباض في حال الشِّدة، ولو فعل وعاد خلاًّ، فعلى الوجه الثَّاني لا بد من استئناف قَبْض، وعلى الأول لا بد من استئناف عقد.
ثم القبض فيه على ما ذكرنا في انقلاب العَصِير المرهون خمراً قبل القبض.
فرع: إذا انقلب المبيع خمراً قبل القبض، فالكلام في انقطاع البيع وعوده إذا عاد خَلاًّ على ما ذكرنا في انقلاب العصير المرهون خمراً بعد القبض 38.

الجزء: 4 - الصفحة: 480

الصورة الثانية: إذا جنى العبد المرهون قبل القبض، وتعلّق الأَرْش بِرَقَبَتِه، وقلنا: رهن الجاني ابتداءاً فاسد.
فعن الشيخ أبي علي أن في بطلان الرَّهْن وجهين إلحاقاً للجناية بِتَخْمِير العَصِير، والجامع عروض الحالة المانعة من ابتداء الرَّهْن قبل استحكام العقد، وهذه الصورة أولى بأنه لا يبطل الرَّهْن فيها لدوام المِلْك في الجاني بخلاف الخمر.
الثالثة: إذا أبق العبد المرهون قبل القبض.
قال الإمام: يلزم على مساق ما سبق تخريج وجهين فيه لانتهاء المرهون إلى حالة يمنع ابتداء الرَّهْن فيها.
وقوله في الكتاب (وجنايته وجهان) يجوز إعلامه بالواو، لأن الخلاف في صورة الجناية يتفرع على منع رَهْن الجاني.
أما إذا جَوَّزناه لا يأتي هذا الخلاف بحال.
وقوله: (عاد مرهوناً) مُعَلَّم بالواو لما قدمناه.
قال الغزالي: وَالتَّخْلِيلُ بِإلْقَاءِ المِلْحِ فِيهِ (ح) حَرَامٌ لِحَدِيث أَبِي طَلْحَةَ، وَبِالإمْسَاكِ غَيْر مُحَرَّمٍ، وَكَذَا بِالنَّقْلِ مِنْ ظِلٍّ إلَى شَمْسٍ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرَّافِعِيُّ: أشار في "المُخْتَصَر" إلى مَنْعِ التَّخْلِيل في هذا الموضع، وَتَأَسَّى به أكثر الأصحاب فذكروا مسائله هاهنا، وأول ما ينبغي أنْ يعرف أن الخمر قسمان: خمر محترمة: وهي التي اتخذ عصيرها لتصير خَلاًّ، وإنما كانت محترمة؛ لأن اتخاذ الخَلّ جائز بالإجماع، ولن ينقلب العَصِيرُ إلى الحُمُوضة إلاَّ بتوسط الشدة، فلو لم تحترم وَأُرِيْقَت في تلك الحَالة لتعذُّر إيجاد الخَلِّ.
وخمرة غير محترمة، وهي الَّتي اتّخذ عصيرها لغرض الخَمْرية، وفي كل واحد من القسمين ثلاث مسائل: إحداها: تَخْلِيل الخمر بطرح العَصِير أو الخَلّ أو الخبز الحَارّ أو غيرها فيها حرام، والخَلّ الحاصل نجس، وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة، وعن مالك روايتان: إحداهما: كمذهبنا.
والأخرى: أنه يكره ولكن لو فعل جاز.
لنا ما روي عن أنس -رضي الله عنه- قال: "سُئِلَ رَسُولُ -صلى الله عليه وسلم- أَنَتَّخِذُ الْخَمْرَ خَلاًّ؟ قَالَ: لاَ" 39، وروى أَنَّ أبا طلحة -رضي الله عنه- "سَأَلَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: عِنْدِي خُمُورٌ لأيْتَامٍ، فَقَالَ: أَرِقْهَا، فَقَالَ: أَفَأُخَلِّلُهَا؟ قَالَ: لاَ" 40.

الجزء: 4 - الصفحة: 481

وإذا حرم التَّخْلِيل كان الخُلّ الحاصل نجساً؛ لأن الفعل الحرام لا يستباح به الغير المحظور كاصطياد المحرم، وأيضاً فإن المطروح في الخمر ينجس بملاقاتها، وتستمر نجاسته، إذْ لا مزيل لها ولا ضرورة إِلَى الحكم بانقلابه طاهراً بخلاف آخر الدَّنِّ 41، ولا فرق في هذه المَسْأَلة بين المُحْتَرمة وغيرها.
وحكى الإمام عن بعض الأصحاب جواز تَخْلِيل المحترمة؛ لأنها غير مستحقّة للإراقة، والمذهب الأول وفي حديث أبي طلحة -رضي الله عنه- كانت تلك الخمور محترمة؛ لأنها كانت مُبَاحَة مُتَّخذة قبل وُرُودِ التَّحْريم.
وهل يفرق بين الطَّرْح بالقصد وبين أن يتفق بغير قصد كطرح ريح؟ فيه اختلاف للأصحاب مبنى على أنّ المعنى تحريم التَّخْليل أو نَجَاسة المطروح فيه.
والأظهر أن لا فرق، هذا إذا كان الطرح في حال التَّخْمِير، أما إذا طرح في العَصِير بصلاً أو مِلْحاً واستعجل به الحُمُوضة بعد الاشْتِداد فوجهان: أحدهما: أنه إذا تخلّل كان طاهراً؛ لأن ما لاقاه إنَّما لاقاه قبل التّخْمِير فطهر بطهارته كأجزاء الدَّنِّ.
والثاني: لا؛ لأن المَطْرُوح فيه ينجس عند التَّخْمِير، وتستمر نجاسته بخلاف أجزاء الدَّن للضرورة.
قال في "التهذيب": وهذا أصح، ولو طرح العصير على الخَلّ وكان العصير غالباً يَنْغَمِرُ الخل فيه عند الاشتداد، فهل يطهر إذا انقلب خلاًّ؟ فيه هذان الوجهان، ولو كان الغالب الخَلّ، وكان يمنع العَصِيْر من الاشْتِدَاد فلا بأس.
المسألة الثانية: إمساك الخَمْر المحترمة إلى أنْ تصير خلاًّ جائز، وَالَّتِي لا تحترم تجب إِرَاقَتُها، لكن لو لم يرقها حتى تخلَّلت فهي طاهرة أيضاً؛ لأن النَّجَاسة والتحريم إنما ثبتا للشِّدة وقد زالت، هذا ما به الفتوى، وحكى الإمام -رضي الله عنه- عن بعض الخلافيين: أنه لا يجوز إِمْساك الخمرة المحترمة، بل يعرض عن العصير إلى أنْ يصير خلاًّ، فإن اتفقت رؤيته إياه وهو خمر أرقناه، وذكر الحَنَّاطي وجهاً: أنه لو أمسك التي لا تحترم حتى تَخَلَّلت لم تحل ولم تطهر؛ لأن إمساكها حرام فلا يستفاد به نعمة، ومتى عادت الطَّهَارة بالتَّخَلُّل فتطهر أجزاء الظّرف أيضاً للضرورة، وفي "البيان" أن الدَّارِكي قال: إن كان الظَّرْف بحيث لا يتشرب شيئاً من الخمر كالقَوَارِيرِ طهر، وإن كان مِمَّا يتشرب لم يطهر، والمذهب الأول، وكما يطهر ما يلاقي الخَلَ بعد التخليل يظهر ما

الجزء: 4 - الصفحة: 482

فوقه الَّذي أصابته الخَمْر في حالة الغَلَيَان، ذكره القاضي الحسين وأبو الربيع الإِيْلاَفي (1). الثالثة: لو كان ينقلها من الظِّلّ إلى الشّمس أو يفتح رأسها ليصيبها الهواء استعجالاً للحموضة فوجهان: أحدهما: لا تطهر كما لو طرح فيها شيئاً، وبهذا قال أبو سهل الصُّعْلُوكي.
وأصحهما: أنه يطهر لزوال الشِّدة من غير نجاسة تخلفها، وهذا في غير المحترمة، وفي المحترمة أولى بالجواز.
واعلم أنه ليس في لفظ الكتاب تعرض لانقسام الخمر إلى محترمة وغيرها.
وقوله: (التَّخْلِيل بِإلْقَاء المِلْح فيه حرام) يمكن إجراؤه فيه على إطلاقه على ما بيناه وإعلامه بالواو للوجه المنقول في المحترمة، وكذا مثله النقل من الظل إلى الشمس يمكن إجراؤه على إطلاقها، وأما قوله (والإمساك غير حرام) فلا يمكن إجراؤه على إطلاقه.
لأن الإمساك حرام في غير المحترمة، والإراقة واجبة والكلام في أنه لو اتفق الإمساك وتخلَّلت، هل تطهر؟ هذا هو المشهور، والذي في طريق الصَّيْدَلاَنِي من تجويز الإمساك على قصد أن لا يصير خلاًّ، وعدم وجوب الإرَاقَة فهو مما يستغرب، فإذا هو مخصوص بالمحترمة، لكنه غير مستحسن من جهة النَّظَم؛ لأنه على خلاف ما قبله وما بعده، وليس في اللَّفْظ ما يدل عليه.
فرع: عن الشيخ أبي علي ذكر تردد في بيع الخمرة المحترمة بناء على التردد في طهارتها، وقد حكيناه في باب النَّجَاسات، والعناقيد إذا استحالت أجواف حَبَّاتِها خَمْراً، فعن القَاضِي وغيره: ذكر وجهين في جواز بيعها اعتماداً على طهارة ظَاهِرِها في الحال، وتوقع فائدتها في المآل وطرودهما في البَيْضَة المُسْتحيل باطنها دَماً والمذهب المنع.

البَابُ الثَّالِثُ: فِي حُكْمِ المَرْهُونِ بَعْدَ القَبْضِ

قال الغزالي: وَهُوَ وَثِيقَةٌ المُرْتَهِنِ فِي عَيْنِ الرَّهْنِ تَمْنَعُ الرَّاهِنَ مِنْ كُلِّ مَا يَقْدَحُ فِيهِ وَالنَّظَرُ فِي أَطْرَاف ثَلاثَةٍ: الأَوَّلُ -جَانِب الرَّاهِنِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ عَنْ كُلِّ تَصَرُّفٍ قَوْلِيِّ يُزِيلُ المِلْكَ كَالبَيْعِ وَالهِبَةِ، أَوْ يُزَاحِمُ حَقَّهُ كَالرَّهْنِ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ يَنْقُصُ كَالتَّزْوِيجِ، أَوْ يُقَلِّلُ42

الجزء: 4 - الصفحة: 483

الرَّغْبَةَ كَالإِجَارَةِ الَّتِى لاَ تَنْقَضِي مُدَّتُهَا قَبْلَ حُلُولِ الدَّيْن.
قال الرَّافِعِيُّ: صدر الباب يشير إلى مقدمة مرشدة إلى ضبط الأَطْرَاف الَّتي يتضمنها وإلى وجهة اقتضاء الدين لها، وهي أَنَّ الرَّهْن وثيقة لدين المرتهن في غير الرَّهْن أو بدله، وإنَّمَا تحصل الوثيقة بالحَجْر عن الراهن، وقطع سلطنة كانت له ليتحرك للأداء، وتجدد سلطة المرتهن لم يكن ليتوصّل بها إلى الاسْتِيْفَاء، ثم هذه الوثيقة ليست دائمة بل لها غاية ينتهي عندها، وكلام الباب فيما ينقطع من سلطنة الراهن، وفيما يحدث من سلطنة المرتهن، وفي غاية الرَّهْن فهي ثلاثة أطراف، والذي يشتمل عليه الفصل من الطرف الأول أن الراهن يمنع من كل تصرف يزيل الملك، وتنقل لمال الغير كالبيع والهِبَة ونحوهما؛ لأنا لو صَحَّحناها لفاتت الوثيقة، ومنع مِمّا يزاحم المُرْتَهن في مقصود الرَّهْن، وهو الرَّهْن من غيره ومن كل تصرف ينقص المرهون، ويقلل الرغبة فيه كالتزويج، فإنَّ الرغبة في الجَارِية الخَلِيّة فوق الرغبة في المُزَوَّجَة 43، وعند أبي حنيفة: يجوز التَّزْويج.
وأما الإجارة فينظر فإنْ كان الدَّين حالاً، أو كان مؤجلاً لكنه يحل قبل انقضاء مدة الإجارة، فعن بعض الأصحاب فيما رواه ابن القَطَّان بناء صِحَّة الإجارة على القولين في جواز بيع المستأجر، إنْ جوزناه صحَّت الإجارة، وإلاَّ فالمشهور بطلانها قطعاً.
أما إذا لم نجوز بيع المُسْتَأْجر فظاهر.
وأما إذا جوزناه؛ فلأن الإجارة تبقى وإنْ صح البيع، وذلك مما يقلّل الرغبة، ثم القائلون بالمَنْع لم يفصل الجمهور منهم.
وقال في "التتمة": يبطل في الأَجَل، وفي الزائد على الأجل قَوْلاَ تَفْرِيق الصَّفْقة، وإنْ كان الأجل يحل مع انقضاء مدة الإجارة أو بعدها صحَّت الإجارة، ثم لو اتفق حُلُول الدَّيْن قبل انقضائها بموت الراهن فوجهان: أحدهما: أن تنفسخ الإجارة رِعَايَةً لحق المرتهن فإنه أسبق ويُضَارِب المستأجر بالأُجْرة المدفوعة مع الغرماء.
والثاني: وهو اختيار أبي الحسين: أن المرتهن يصبر إلى انقضاء مدة الإجارة، كما يصبر الغرماء إلى انقضاء العدة لتستوفى المعتدة حق السُّكْنَى جمعاً بين الحَقَّين، وعلى هذا يُضَارب المرتهن بدينه مع الغُرَمَاء في الحال.

الجزء: 4 - الصفحة: 484

ثم إذا انقضت المدة وبيع المرهون قُضِيَ باقي دينه، فإن فَضَلَ شيء فهو للغرماء، هذا كله فيما إذا أجر المرهون من غير المرتهن.
أما إذا أجره منه فيجوز، ولا يبطل به الرَّهْن، وكذا لو كان مكري منه، ثم رهنه منه يجوز.
فلو كانت الإجارة قبل تسليم الرَّهْن ثم سلمه عنهما جميعاً جاز.
ولو سلم عن الرَّهْن وقع عنهما جميعاً؛ لأن القبض في الإِجَارة مستحق، كذا قاله في "التهذيب"، ولو سلمه عن الإجارة لم يحصل قبض الرَّهْن، وعند أبي حنيفة الرَّهْن والإجارة لا يجتمعان، والمتأخر منهما يرفع المتقدم ويبطله.
لنا: أن الإعارة من المرتهن لا تبطل الرَّهْن فكذا الإجارة.
وقوله في الكتاب: (كل تصرف قولي) أفهم بالقول أن ما يمنع منه الرَّهْن من التصرفات بعضها قَوْلِيّ وبعضها ليس بِقَوْلِيّ، فإنه قدم التصرفات القَوْلِية، ثم تعرض لغيرها كالوَطْءِ، ويجوز إعلام قوله: (كالإجارة التي لا تنقضي مدتها قبل حلول الدين) بالواو للطريقة الَّتِي قدمناها وفي هذه اللَّفظة شيء، فإن الإجَارة الَّتِي لا تنقضي مدتها قبل حلول الدَّين تارة تنقضي مدتها بعد حلول الدين، وتاَرة معه، والثانية صحيحة، فكان الأولى أن يقول: كالإجارة الَّتِي لا تنقضي مدتها بعد حلول الدين.
واعلم أن ما قدمناه من منع الراهن من البيع ونحوه من التَّصرفات، والحكم بإبطالها هو المذهب الجديد، وعلى القديم الَّذِي يجوز وقف العقود، تكون هذه التَّصَرفات موقوفة على الانفكاك وعدمه، ومال الإمام إلى شيء آخر، وهو تخريجها على الخلاف في بيع المفلس ماله، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
قال الغزالي: وَفِي الإِعْتَاقِ (ح) ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ المُوسِرِ وَالمُعْسِرِ، فَإِنْ نَفَّذْنَا غَرَّمْنَاهُ، وَإِنْ لَمْ يُنَفِّذْ فَالأَقْيَسُ أَنْ لاَ يَعُودَ العِتْقُ إِنِ اتَّفَقَ فِكَاكُ الرَّهْنِ، وَحُكْمُ التَّعْلِيقِ مَعَ الصِّفَةِ فِي دَوَامِ الرَّهْنِ حُكْمُ الإِنْشَاءِ، فَإِنْ وُجِدَتِ الصِّفَةُ بَعْدَ فِكاكِ الرَّهْنِ نَفَذَ عَلَى الأَصَحِّ.
قال الرَّافِعِيُّ: الفصل يتضمَّن مسألتين: مسألة في إِعْتَاق الرَّاهن العبد المرهون منجزاً.
ومسألة في تعليق إعتاقه.
أما الأُولى فالمنقول عن القديم ومختصر المزني الجزم بأنه لا ينفذ إِنْ كان الراهن معسراً، وقولان إن كان موسراً، وعن الجديد الجزم بنفوذه إن كان موسراً، وإن كان معسراً فقولان، فإذا ضرب البعض بالبعض خرجت ثلاثة أقوال:

الجزء: 4 - الصفحة: 485

أحدها: أنه لا ينفذ بحال؛ لأن الرَّهْن عقد لازم حجر به الراهن على نفسه، فلا يتمكن من إبطاله مع بقاء الدين.
والثاني: ينفذ؛ لأنه إعتاق صَادَفَ الملْك فأشبه إعتاق المستأجر والزوجة، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد، إلاَّ أنَّ أبا حنيفة يقول: يستبقى العبد في قيمته إنْ كان الراهن معسراً.
والثالث: وهو الأصح، وبه قال مالك: أنه إنْ كان موسراً نفذ، وإلاَّ فلا تشبيهاً لسريان العِتْق إلى حق المرتهن بسريانه من نصيب أحد الشريكين إلى الآخر، والمعنى فيه أن حق الوثيقة لا يتعطّل ولا يتأخر إذا كان موسراً.
التفريع: إنْ قلنا: لا ينفذ فالرهن بحاله، فلو انفك بإبراء أَوْ غيره فقولان أو وجهان: أظهرهما: أنه لا يحكم بنفوذه أيضاً؛ لأنه لا يملك إعتاقه فأشبه ما إذا أعتق المَحْجُور عليه بالسَّفَه ثم زال الحَجْر.
والثاني: يحكم بنفوذه؛ لأن المانع من النّفوذ في الحال حق المرتهن وقد زال، وقطع قاطعون بالثاني، والخلاف فيه كالخِلاَف فيما إذا أعتق المَحْجور عليه بالفَلَس عبداً ثم انفك الحجر عنه، ولم يتفق بيع ذلك العبد هل يعتق؟ وإنْ بيع في الدين ثم ملكه يوماً لم يحكم بالعِتْق، ومنهم مَنْ طرد فيه الخِلاَف المذكور في الصُّورة الأولى، وعن مالك أنه يحكم بنفوذ العِتْق في الصورتين.
وإن قلنا: ينفذ العتق مطلقاً فعلى الراهن قيمته باعتبار يوم الإِعْتَاق، ثم إنْ كان موسراً أخذت منه في الحال وجعلت رهناً مكانه، وإنْ كان معسراً نظَر إلى اليسار، فإذا أَيْسَرَ أخذت منه وجعلت رهنًا إنْ لم يحل الحق بعد، وإنْ حلّ طُوْلِبَ به ولا معنى للرهن، هكذا قاله أصحابنا العراقيون.
ولك أن تقول: كما أن ابتداء الرَّهْن قد يكون بالحال وقد يكون بالمؤجل، فكذلك قد تقتضي المَصْلَحة أخذ القيمة رهناً، وإن حل الحق إلى أنْ يتيسر استيفاؤه، وبتقدير صحَّة التَّفصيل الذي ذكروه، وجب أنْ يجري مثله في القيمة التي تؤخذ من المُوسر.
ثم قال الإمام: ومهما بدل القيمة على قصد المغرم صارت رهنًا، ولا حاجة إلى عقد مستأنف، والأعيان مقصد المُؤدّى، ومتى كان المُعْتق موسراً أو التفريع على القول الثَّاني أو الثَّالث ففي وقت نفوذ العِتْق طريقان: أحدهما: وهو الذي أورده القاضي ابن كَجٍّ: أنه على الأقوال في وقت نفوذ العِتْق في نَصِيب الشَّرِيك إذا أعتق الشَّريك نصيبه ففي قول: يتعجل، وفي قول: يتأخر إلى أن يغرم القيمة، وفي قول: يتوقف فإذا كرم أنفذنا العِتْق يقيناً.

الجزء: 4 - الصفحة: 486

وأظهرهما: القطع بنفوذه في الحال، والفرق أن العِتْق ثم يسري إلى ملك الغير ولا بُدَّ من تقدير انتقاله إلى المعتق فجاز أن يقول: إنما ينتقل إذا استقر ملك الشريك ويده على العوض، وإعتاق الراهن يصادف ملكه.
وأما المسألة الثَّانية: فينظر إنْ علق عتق المرهون بفِكَاك الرَّهْن نفذ عند الفِكَاك؛ لأن مجرد التَّعْليق لا يضرّ بالمرتهن، وحين ينزل العِتْق لا يبقى له حق، وإن علق بصفة أخرى فإنْ وجدت قبل انْفِكَاك الرَّهْن ففيه الأقوال المذكورة في التَّنْجيز، وإن وجدت بعده فوجهان: أصحهما: النفوذ؛ لأنه لا يبطل حق المرتهن.
والثاني: لا ينفذ أيضاً لا للتعليق مطلقاً كالتنجيز في قول، والوجهان مشتبهان بالخلاف فيما إذا قال العبد لزوجته: إنْ فعلت كذا فأنت طالق ثلاثاً، ثم عتق ثم فعلته، هل تقع الطلقة الثالثة؟ لكن ذلك الخلاف جارٍ، وإن علق بالعتق فقال: إن عتقت فأنت طالق ثلاثاً، فلا خلاف في تعليق العِتْق بالفِكَاك أنه ينفذ عند الفكاك.
قال الإمام: والفارق أنَّ الطلقة الثالثة ليست مملوكة للعبد، ومحل العتق مملوك للراهن، وإنما منع لحق المرتهن ولعلك لا تنقاد لهذا الفرق، وتقول: العتق غير مملوك للراهن، كما أن الطَّلقة الثالثة غير مملوكة لِلْعَبْد، ومحل الطَّلاق مملوك للعبد كما أنَّ محل العِتْق مملوك لِلرَّاهن فلا فرق، والله أعلم.
فرعان: أحدهما: لو رهن نصف عبده ثم أعتق نصفه، نظر إنْ أضاف العتق إلى النصف المرهون ففيه الخلاف، وإنْ أضافه إلى النصف الآخر أو أطلق عِتْقَ ما ليس بمرهون، وهل يَسْرِي إلى المرهون؟ إن جوزنا إعتاق المرهون فنعم، وإلاَّ فوجهان: أصحهما: أنه يسرى أيضاً؛ لأن أقصى ما في الباب تنزيل المرهون منزلة ملك الغَيْر، والعِتْق يسري إلى ملك الغير، وعلى هذا هل يفرق بين الموسر والمعسر؟ قال في "النهاية": قال المحققون: نعم، وفي "التتمة" أنه يسري سواء كان له مال آخر أو لم يكن؛ لأنه ملكه 44.

الجزء: 4 - الصفحة: 487

الثاني: في وقف المرهون طريقان: أحدهما: أنه كالعِتْق لما فيه من الغَرَر والتَّعليق الذي لا يقبل النَّقض.
وأظهرهما: القطع بالمنع، ويفارق العتق لقوة العِتْق بالسّرَاية وغيرها.
وقال المتَوَلِّي: إن قلنا: الوقف لا يحتاج إلى القبول فهو كالعتق.
وإن قلنا: يحتاج إليه فيقطع بالمنع وهذه طريقة ثالثة، والله أعلم.
قال الغزالي: وَيُمْنَعُ مِنَ الوَطْءِ خِيفَةَ الإِحْبَالِ المُنْقِصِ، وَالأَحْوَطُ (و) حَسْمُ البَابِ وإنْ كَانَتْ صَغِيرَةً (و) أَوْ آيسَةً (و) فَإِنْ فَعَلَ فَالوَلَدُ نَسِيبٌ، وَالاسْتِيلاَدُ مُرَتَّبْ (و) عَلَى العِتْقِ وَأَوْلى بِالنُّفُوذِ لأَنَّهُ فِعْلٌ، وَقِيلَ بَنَقِيضِهِ لأَنَّ العِتْقَ مُنَجَّزٌ، ثُمَّ إِذَا انْفَك فَالأَصَحُّ عَوْدُ الاسْتِيلاَدِ.
قال الرَّافِعِيُّ: عرفت من قبل أنَّ المذهب الصحيح جواز رهن الجَوَاري على الإطْلاق، وعلى هذا فلو كانت الجَارِية المرهونة بِكْراً فليس للراهن وَطْؤها بحال؛ لأن الاَفْتِضَاض ينقص قيمتها، وإن كانت ثَيِّباً فكذلك إن كانت في سن تحبل، لأنها ربما حبلت فتفوت الوثيقة أو تتعرّض للهلاك في الطَّلق، ولنقصان الولادة فليس له أن يقول أَطَأُ وأَعْزِل؛ لأن الماء قد يسبق، وإنْ كانت في سن لا تحبل لصغر أو إِياس فوجهان.
قال أبو إسحاق: له أن يطأها كسائر الانتفاعات التي لا تضر بالمرتهن، وهذا الاختيار للقاضي ابن كَجٍّ، وقال ابن أبي هريرة والأكثرون: يمنع من وطئها احتياطاً لجسم الباب إذ العُلُوق ليس له وقت مَعْلُوم، وهذا كما أن العِدّة تجب على الصَّغِيرة والآَيِسَة، وإن كان القصد الأصلي اسْتِبْراء الرَّحم، ويجري الوجهان فيما إذا كانت حَامِلاً من الزنا؛ لأنه لا يخاف من وطئها الحَبَلُ نعم غَشَيَانُ مثل هذه المَرْأة مكروه على الإطلاق 45. فلو خالف ما ذكرناه ووطئ فلا حَدَّ ولا مهر، ولكن عليه أَرْشُ البَكَارة إذا افتض أما أنه لا حَدَّ ولا مهر فلأنه أصاب مِلْكه، ويخالف ما لو وطئ المُكَاتَبة حيث يغرم المَهْر لها؛ لأن المُكَاتبة قد استقلْت واضطرب الملك فيها لو زال، ولهذا لو وطئها أجنبي كان المهر لها، ولو وطئ المرهونة أَجْنَبِيّ كان المهر للسَّيد، وأما وجوب أَرْش البَكَارَة فلأن الافتضاض إتلاف جزء، ثم إنْ شاء جعله رهناً، وإنْ شاء صرفه إلى أداء الدَّين، وإذا أولدها فالولد نَسِيب حُرٌّ، ولا قيمة عليه لأن المرتهن لا حق له في ولد

الجزء: 4 - الصفحة: 488

المرهونة بحال، وهل تفسير أم ولد؟ فيه الأقوال المذكورة في الإعتاق، ثم منهم من جعل الخِلاَف بالترتيب، واختلفوا في كيفيته، فقال أبو إسحاق والأكثرون: الاستيلاد أولى بالنفوذ؛ لأنه فعل والأفعال أشد وأقوى نفوذاً، ولهذا ينفذ استيلاد المجنون والمحجور عليه ولا ينفذ إعتاقهما، وينفذ اسْتِيْلاَد المريض من رأس المال وإعتاقه من الثّلث.
وقال آخرون: الاستيلاد أولى بعدم النفوذ؛ لأنه لا يفيد حقيقة العِتْق، وإنما يثبت به حق العتق، وحق العِتْق دون حقيقة العتق المنجزة، فكان العتق أولى بالنفوذ، ومنهم من امتنع من الترتيب وسوى بينهما لتَّعَارض المعنيين، وبه قال الشيخ أبو حامد، ويخرج من هذه الاختلافات ثلاثة طرق كما أفصح بها صاحب "التتمة": أظهرها: طرد الخلاف.
والثاني: القطع بنفوذ الاسْتِيْلاَد.
والثَّالث: القطع بعدمه.
التفريع: إن قلنا: ينفذ الاستيلاد فعليه القِيْمَة، والحكم على ما مَرَّ في العِتْق، وإنْ قلنا: لا ينفذ فالرهن بحاله، فلو حل الحق وهي حامل بعد لم يجز بيعها؛ لأنها حامل بِحُرٍّ، وفيه وجه آخر، وقد ذكرنا ذلك في البيع، فإذا ولدت فلا تُبَاع حتى تسقى ولدها اللَّبأ 46، وإذا سقته ولم يوجد مرضعةً فلا تباع حتى توجد مرضعة خوفاً من أنْ يسافر بها المشتري لو بيعت فيهلك الولد، وإذا وجدت مرضعة فتباع الجارية، ولا يبالي بِالتَّفريق بين الأم والولد للضرورة، فإن الولد حُرٌّ وبيعه ممتنع.
ثم إن كان الدَّيْن يستغرق قيمتها بيع كلها، وإلاَّ بيع منها بقدر الدّين، وإن أفضى التَّشْقِيص إلى نقصان رعاية لحق الاسْتِيْلاَد، ويخالف ما إذا اتفق مثل ذلك في العبد القِنّ، بأن كانت قيمته مائة، وهو مرهون بخمسين، وكان لا يشتري نصفه إلاَّ بأربعين، ويشتري الكل بمائة حيث يباع الكل دفعاً للضَّرر عن المالك، وإنْ لم يوجد مَنْ يشتري البعض بيع الكل للضَّرورة.
وإذا بيع منها بقدر الدين انفك الرَّهْن عن الباقي واستقرَّ الاستيلاد، وتكون النَّفَقَة على المشتري والمستولد بحسب النَّصِيبين، والكسب بينهما كذلك، ومهما عادت إلى ملكه بعد ما بيعت في الدين فهل يحكم بنفوذ الاستيلاد؟ فيه طريقان:

الجزء: 4 - الصفحة: 489

أظهرهما: أنه على قولين، كما لو استولد جَارِيَةَ الغير بالشُّبهة ثم ملكها اختار المزني أنه لا يحكم به.
والمذهب المنصوص: أنه يحكم به، وفي مثل هذه الصورة في الاعتاق ذكرنا أن الأظهر عدم نفوذ العِتْق، والفرق أن الإعتاق قول يقتضي العتق في الحال فإذا رد لغى بالكلية، والاسْتِيْلاَد فعل لا يمكن رده، وإنما منع حكمه في الحال لحق الغُرَمَاء، فإذا زال حق الغيْر عمل عمله.
والطَّريق الثَّاني: القطع بنفوذ الاسْتِيْلاَد لنفوذه في المِلْك بخلاف استيلاد جارية الغير بالشبهة.
ولو انفك الرَّهْن عنها ولم يتفق بيعها بعد الاستيلاد ومنهم من خرجه على الخلاف المذكور فيما إذا بيعت ثم عادت إليه وعلى الخلاف المذكور في نظيره من الإعتاق.
والمذهب الأول، ويفارق ما إذا بيعت وعادت؛ لأن الملك هاهنا هو الملك الَّذِي تصرف فيه، ويفارق الأعتاق لما سبق، وليس لِلرَّاهن أنْ يهب هذه الجَارِية للمرتهن، وإنما تباع في الحق للضرورة، وهذا معنى قول الأئمة: إن الاستيلاد ثابت في حق الراهن والخلاف في أنه هل يثبت في حق المرتهن؟ والله أعلم.
وقوله في الكتاب: (مرتب على العتق) يجوز إعلامه بالواو للطريقة الثانية للترتيب وكذا قوله: (والأصح عود الاستيلاد للطريقة النافية للخلاف)، وليس لفظ العود هاهنا مستعملاً في حقيقته فإنه يستدعي ثبوتاً في الابتداء وزوالاً وليس الاستيلاد كذلك.
قال الغزالي: وَلَوْ مَاتَتْ بِالطَّلْقِ فَعَلَيْهِ القِيمَةُ لأَنَّهُ مُهْلِكٌ بِالإِحْبَالِ، وَكَذَا إِذَا وَطِئَ أَمَةَ الغَيْرِ بشُبْهَةٍ، وَلاَ يَضْمَنُ الزَّوْجُ زَوْجَتَهُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الزَّانِي بِالحُرَّةِ لأَنَّ الاسْتِيْلاَدَ كَأَنَّهُ إِثْبَاتُ يَدٍ وَهَلاَكٌ تَحْتَ اليَدِ المُسْتَوْليَةِ عَلَى الرَّحْمِ وَالحُرَّةُ لاَ تَدْخُلُ تَحْتَ اليَدِ وإلاَّ فَمُجَرَّدُ السَّبَبِ ضَعِيفُ، وَلِذَلِكَ قِيلَ عَلَى رَأْيٍ يَجِبُ أَقْصَى القِيَمِ مِنْ يَوْمِ الإِحْبَالِ إِلَى المَوْتِ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ يَوْمِ الإِحْبَالِ، وَقِيلَ: يَوْمُ (ح) المَوْتِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا ماتت الجارية التي أولدها الرَّاهن بالولادة والتفريع على أن الاستيلاد غير نافذ فعليه قيمتها لتكون رهناً مكانها؛ لأنه تسبب إلى إهلاكها بالإحْبَال لا عن استحقاق، والضَّمَان كما يجب بالمُبَاشرات يجب بالأَسْباب، كحفر البئر ونحوه، وعن أبي علي الطَّبَرِي وغيره وجه: أنه لا تجب عليه القيمة؛ لأن إضافة الهلاك إلى الوطء بعيدة، وإحالته على علل وعوارض تقتضي شدة الطلق أقرب وأظهر، والمذهب المشهور الأول.
ولو أولد أَمَةَ الغَيْرِ بالشُّبْهة وماتت بالولادة ففي وجوب القيمة هذا الخلاف.

الجزء: 4 - الصفحة: 490

ولو كانت حُرَّة ففي وجوب الدِّيَة وجهان.
قال الإمام: أقيسهما الوجوب؛ لأن طريق وجوب الضَّمَان لا يختلف بالرِّقِّ والحُرِّية.
وأشهرهما: المنع؛ لأن الوطء سبب ضعيف، وإنما أوجبنا الضَّمَان في الأمة؛ لأن الوطء استيلاء عليها والعُلُوق من آثاره، فأدمنا به اليد والاستيلاء كما إذا نفر المحرم صيداً فبقى نِفَارُهُ إلى التغير والهلاك، والحُرَّة لا تدخل تحت اليد والاسْتيلاء.
ولو أولد امرأة بالزنا وهي مكرهة فماتت بالولادة، فقد روى الشيخ أبو حامد في وجوب الضمان قولين حُرَّة كانت أو أَمَةً.
أحدهما: يجب لما سبق.
وأصحهما: المنع؛ لأن الولادة في الزِّنَا لا تَنْضَاف إلى وطئه؛ لأن الشرع قطع سبب الولد عنه، ولا خلاف في عدم وجوب الضَّمَان عند موت الزَّوْجة من الولادة لتولُّد عن مستحق، وحيث أوجبنا الضَّمَان في الحُرَّة فهو الدِّيَة مضروبة على العاقلة، وحيث أوجبنا القيمة فالاعتبار بأية قيمة فيه ثلاثة أوجه: أحدها: بأقصى القيم من يوم الإِحْبَال إلى الموت تنزيلاً له منزلة الاسْتِيْلاَد والغَصْب.
وثانيها: وبه قال ابن أبي هريرة: بقيمة يوم الموت؛ لأن التَّلَف حينئذٍ متحقق.
وأصحهما: بقيمة يوم الإِحْبَال؛ لأنه سبب التَّلَف فصار كما لو جَرَحَ عبداً قيمته مائة وبقي مثخناً حتى مات وقيمته عشرة، فإنَّ الواجب مائة، ويقال: إن ابن أبي هريرة ألزم هذه المسألة فمنعها وطرد قياسه ولا يخفى بعده.
ولو لم تَمُت الجارية ونقصت قيمتها بالولادة فعليه الأَرْش ليكون رهناً معها، وله أن يصرف القيمة أو الأَرْش إلى قضاء الحق ولا يرهن.
قال الغزالي: وَلاَ يَمْنَعُ مِنَ الانْتِفَاع (ح) بِسُكْنَى الدَّارِ أَوِ اسْتِكْسَابِ العَبْدِ أَوَ اسْتِخْدَامِهِ أَوْ إنْزَاءِ الفَحْلِ عَلَى الإِنَاثِ إِنْ لَمَ يَنْقُضْ قِيْمَتُهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: افتتح الكلام في نوع آخر من تصرفات الراهن، وهو ما سوى الوَطْء من الانتفاعات، وجملته أن المنافع الَّتِي لا يضر استيفاؤها بالمرتهن لا تعطل من المرهون، بل هي مُسْتَوْفاة لِلرَّاهن خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: هي معطلة، وروى في "الشامل" عن مالك مثل مذهبنا، وعن أحمد: اختلاف رواية.
لنا: ما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الظَّهْرُ يُرْكَبُ إِذَا كَانَ مِرْهُوناً، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُهُ

الجزء: 4 - الصفحة: 491

نَفَقَتُهُ" 47. وروي أنه قال: "الرَّاهِنُ مَحْلُوبٌ وَمَرْكُوبٌ" 48. وفي الفصل صور: إحداها: يجوز السُّكْنَى في الدار وركوب الدَّابة واسْتِكْسَاب العبد ولبس الثوب المرهونة إلاَّ إذا كان ممَّا ينقص باللبس.
الثانية: الفَحْل المرهون يجوز إِنْزَاؤُه على الإناث، كالركوب إِلاَّ إذا أثر ذلك في القيمة، والأُنْثَى يجوز الإنْزَاء عليها كذلك إنْ كان يحل الدَّيْن قبل ظهور الحمل أو تلد قبل حُلُول الدين، فإنْ كان يحل بعد ظهور الحمل وقبل الولادة فإن قلنا: إن الحمل لا يعرف جاز أيضاً؛ لأنها تباع مع الحمل، وإن قلنا: يُعْرَف، وهو الصحيح لم يجز؛ لأنه لا يمكن بيعها دون الحَمْل والحمل غير مرهون.
الثالثة: ليس للراهن أَنْ يبني في الأرض المرهونة، ولا أنْ يغرس؛ لأنه ينقص قيمة الأرض.
وفي "النهاية" ذكر وجه: أنه يجوز إنْ كان الدين مؤجلاً وزرع ما ينقص قيمة الأرض لاستيفاء قوتها ممنوع، وما لا ينقص إنْ كان بحيث يحصد قبل حلول الأجل فلا منع منه ثم إنْ تأخر الإدراك لعارض ترك إلى الإدراك، وإنْ كان بحيث يحصد بعد الحُلُول أو كان الدَّيْن حالاً منع منه لنُقْصَان الرغبة في الأرض المزروعة، وعن الرَّبِيْع حكاية قول: أنه لا يمنع منه، لكن يُجْبَرُ على القَلْعِ عند الحُلُول إن لم يَفِ بيعها مزروعة دون الزَّرع بالدَّيْن، وفي هذا الْتِفَات إلى أن الأرض المزروعة هل يجوز بيعها أم لا؟ ولو خالف ما ذكرناه فَغَرَس أو زرع حيث منعناه منه فلا يقلع قبل حلول الأجل فلعله يقضي الدَّين من موضع آخر، وفيه وجه أنه يقلعه، وبعد حلول الدَّيْن ومَسَاس الحاجة إلى البَيْع يقلع إنْ كانت قيمة الأرض لا تفي بدينه، وتزداد قيمتها بالقلع، نعم لو صار الراهن محجوراً عليه بالإفلاس ففي القَلْع وجهان، بخلاف ما لو نَبَتَ النَّخْل من النَّوَى في حَمِيل السَّيْل حيث جزمنا بأنه لا يقلع في مثل هذه الحالة؛ لأنا منعناه هاهنا فخالف كذا قاله الإمام.
قال الغزالي: وَيُمْنَعُ عَنِ المُسَافَرَةِ بِهِ لِعِظَمِ الحَيْلُولَةِ كَمَا يُمْنَعُ زَوْجُ الأَمَةِ عَنِ السَّفَرِ بِهَا، بِخِلاَفِ الحُرِّ فَإنَّهُ يُسَافِرُ بِزَوْجَتِهِ، وَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِكْسَاب العَبْدِ فِي يَدِهِ لَمْ يُنْتَزَعْ مِنْ يَدِهِ جَمْعاً بَيْنَ الحَقَّيْنِ، وَمَهْمَا انْتَزَعَ فَعَلَيْهِ الإِشْهَادُ، إلاَّ أَنْ يَكُونَ عَدَالَتُهُ ظَاهِرَةً فَفِي تَكْلِيفِهِ ذَلِكَ خِلاَفٌ.

الجزء: 4 - الصفحة: 492

قال الرَّافِعِيُّ: أصل الفصل أن اليد على المرهون مستحقة للمرتهن، فإنها الرُّكْن الأعظم وفي التَّوَثُّق مما لا منفعة به مع بقاء عينه كالنقود والحبوب لا تزال يد المرتهن عنه، وإنْ أَمْكَن تحصيل الغَرَض مع بقائه في يد المُرْتهن يصار إليه جمعاً بين الحَقّين، وإنما تزال يده عند اشتداد الحاجة إليه.
إذا عرفت ذلك فإنْ كان العبد محترفاً وتيسر استكسابه هناك، ولم يخرج من يده إِنْ أراد الراهن الاستكساب، وإنْ أراد الاسْتِخْدام أو الركوب أو شيئاً من الانتفاعات التي يحوج استيفاؤها إِلَى إخراجه من يده فعن رواية صاحب "التقريب" قول قديم أنه لا يخرج من يده، ولا نوهن وثيقته، والمشهور أنه يخرج ثم ينظر إن استوفى تلك المنافع بإعارة من عدل أو إجارة بالشرط الذي سبق فله ذلك، وإن أراد استيفاءها بنفسه.
قال في "الأم": له ذلك، ومنع منه في القديم، فحمل حاملون الأول على الثقة المأمون جحوده، والثاني على غيره، فأجراهما مُجْرون قولين مطلقين 49، ووجهوا الثَّاني بما يخاف من جُحُوده وخيانته لو سلم إليه، والأول بأن ماله استيفاؤه بغيره له استيفاؤه بنفسه، ويشبه أن يكون هذا أظهر، ويتفرّع عليه ما نقله إمام الحرمين وصاحب الكتاب، وهو أنه وثق المُرْتهن بالتسليم فذاك، وإلاَّ أشهد عليه شَاهِدَيْن أنه يأخذه للانتفاع فإنْ كان مشهور العَدَالة موثوقاً به عند الناس فوجهان: أشبههما: أنه يكتفي بظهور حاله، ولا يكلف الإِشْهَاد في كل أخذة لما فيه من المشقة، ويزداد في أخذ الجَارِيَة للاستخدام نظر آخر، وهو أنَّ الراهن إنما يمكن منه إذا أمن غشيانه إياها بأن كانت محرماً له، أو كان ثقة وله أهل كما تقدم نظيره، ثم إنْ كان إخراج المرهون من يد المرتهن لمنفعة يدام استيفاؤها فذاك، فإن كان لمنفعة تستوفى في بعض الأوقات كالاستخدام والركوب فتستوفى نهاراً وترد إلى المرتهن ليلاً.
وليس لِلرَّاهن أنْ يسافر بالمرهون بحال طاهر سفره أم قصر لما فيه من الخَطَر والحَيْلُولة القوية من غير ضرورة، ولمثل هذا منع زوج الأَمَة من المسافرة بها، وإنما جاز لِسَيِّدها أنْ يسافر بها لحقه المتعلّق بالرَّقَبَة، ولئلاَّ يتكاسل في تَزْوِيْجِها، ويجوز لِلْحُرِّ أنْ يسافر بزوجته رعاية لمصالح النِّكَاح التي لها فيها الحظ الوافر.
واعلم أن لفظ الكتاب هاهنا وفي "الوسيط" يدل على أنه لا ينزع العبد من يد المرتهن إذا أمكن اسْتِكْسَابه وإن طلب الراهن منه الخدمة، ولم يتعرض الأكثرون لذلك، وقضية كلامهم أن له أن يستخدم مع إمكان الاستكساب 50، والله تعالى أعلم.

الجزء: 4 - الصفحة: 493

فرع: لا تزال يد البائع عن العبد المحبوس بالثمن بسبب للانتفاع؛ لأن ملك المشتري غير مستقر قبل القبض، وملك الراهن مستقر، وهل يستكسب في يده للمشتري أم تعطل منافعه؟ فيه اختلاف للأصحاب 51. قال الغزالي: وَكُلُّ مَا مُنْعَ مِنْهُ فَإِذَا أَذِنَ المُرْتَهِنُ جَازَ؛ لأَنَّ الحَقَّ لاَ يَعْدُوهُمَا، ثُمَّ إِذَا أَذِنَهُ فِي العِتْقِ سَقَطَ الغُرْمُ عَنْهُ، وَفِي البَيْعِ قَبلَ حُلُولِ الأَجَلِ يَمْنَعُ (ح) تَعَلُّقَهُ بِالثَّمَنِ، وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ البَيْعِ، وَكَذَا إِذَا أَذِنَ فِي الهِبَةِ وَوَهَبَ وَلَمْ يَقْبِضْ فَلَهُ الرُّجُوعُ، وَلَوْ شَرَطَ فِي الإِذْنِ فِي البَيْعِ جَعَلَ الثَّمَنَ رَهْناً لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الأَصَحِّ؛ لأِنَّهُ نَقْلٌ لِلوَثِيقَةِ، وَلَوْ شَرَطَ أَنْ يُعَجِّلَ حَقَّهُ مِنَ الثَّمَنِ فَسَدَ الإِذْنُ (و) لأِنهُ إِذْنٌ بِعِوَضٍ فَاسِدٍ، بِخِلاَف مَا لَوْ شَرَطَ لِوَكِيلِهِ أُجْرَةً مِنْ ثَمَنِ مَا يَبِيعُهُ إِذْ لَيْسَ، العَوضُ هَاهُنا فِي مُقَابَلَةِ الإِذْنِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الفصل يشتمل على قاعدتين: إحداهما: التصرفات الَّتِي يمنع منها الراهن لحق المرتهن إذا اقترنت بإذن المرتهن نفذت، فإذا أذن له في الوطء حل له الوطء، ثم إنْ وَطئ ولم يُحْبل فالرهن بحاله، وإن أحبل أو أعتق أو باع بالإذن نفذت هذه التَّصرفات وبطل الرَّهْن، ويجوز أن يرجع المرتهن عن الإذن قبل تصرف الراهن كما يجوز للمالك أن يرجع قبل تصرف الوكيل، فإذا رجع فالتَّصرف بعده، كما لو لم يكن إذن ولو أذن في الهِبَة والإقْبَاض ورجع قبل الإقباض صح، وامتنع الإِقْبَاض؛ لأن تمام الهِبَة بالإِقْبَاض، ولو أَذن في البيع فباع الراهن بشرط الخِيَار فرجع المرتهن فوجهان: أحدهما: يصح رجوعه؛ لأن العقد لم يلزم بعد، كالهِبَة قبل الإقباض.
وأصحهما: المنع؛ لأن مبنى البيع على اللزوم والخِيَار دخيل، وإنَّما يظهر أثره في حق من له الخيار، وفي الهِبَة الركن الأقوى إنما هو الإقباض، ولو رجع المرتهن ولم يعلم به الراهن فتصرف ففي نفوذه وجهان مبنيان على أنَّ الوكيل هل ينعزل بالعزل قبل بلوغ الخبر؟ الأصح: الانعزال، ومهما أحبل أو أعتق أو باع، وقال: فعلته بالإذن وأنكر المرتهن، فالقول قول مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الإذن وبقاء الرَّهْن، فإنْ حلف فهو كما لو تصرف بغير إذنه، وإن نكل فحلف الرَّاهِن فهو كما لو تَصَرَّف بإذنه، فإن نكل فهل يرد اليمين على الجارية أو العبد؟ فيه طريقان:

الجزء: 4 - الصفحة: 494

إحداهما، وبه قال ابن القَطَّان: فيه قولان، كما لو نكل الواوث عن يمين الرَّدِّ هل يحلف الغُرَمَاء؟ وأشبههما، وبه قال أبو إسحاق وأبو حامد: القَطْع بالرد؛ لأن الغرماء يثبتون الحق للميت أولاً، والجارية والعَبْد يثبتان لأنفسهما، ولو وقع هذا الاختلاف بنن المُرْتَهِن وورثة الرَّاهن حلفوا على نفى العلم ولو اختلف المرتهن وورثة الراهن حلفوا يمين الرَّد على البَتّ، وهل يثبت إذن المرتهن برجل وامرأتين؟ حكى القاضي ابن كَجّ فيه وجهين، والقياس المنع، كالوِكَالة والوِصَايَة، ولو حصل عند الجارية المرهونة ولد فقال الراهن: قد وطئتها بإذنك فاتت بهذا الولد منى وهي أم ولد، وقال المرتهن: بل هو من زوج أو زنا، فالقول قول الراهن بعد أنْ يسلم له المرتهن أربعة أمور: أحدها: الإذن في الوطء.
والثَّانى: أنه وطء.
والثالث: أنها ولدت.
والرَّابع: أنه مضى مدة إمكان الولد منه، فإنْ لم يسلم الإذن فقد ذكرنا أن القول قوله، وإنْ لم يسلم أنه وطئ وسلم الإذن فوجهان، الذي ذكره المعظم أن القول قوله أيضاً؛ لأن الأصل عدم الوَطْء وبقاء الرَّهْن.
وقال القاضي ابن كَجٍّ والإمام: الأصح أن القول قول الراهن؛ لأنه أخبر عما يقدر على إنشائه، وإنْ سلمهما وقال: ما ولدته ولكن التقطته فالقول قوله، وعلى الراهن البَيِّنة على الولادة أيضاً، ولو سلم الوِلاَدَة وأنكر مضى الإمكان فالقول قوله أيضاً، ومهما سلم الأمور الأربعة فالقول قول الراهن من غير يمين؛ لأنه إذا أقر بأن الولد منه لم يقبل رجوعه فكيف يحلف عليه، ولو لم يتعرض المُرْتَهن لهذه الأمور منعاً وتسليماً، واقتصر على إنكار الاسْتِيْلاَد فالقول قوله أيضاً، وعلى الرَّاهن إثبات هذه الوسائط.
الثانية: إذا أعتق أو وهب بإذن المرتهن بطل حقه من الرَّهْن سواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً، وليس عليه أنْ يجعل قيمته رهناَ مكانه ولو باع بإذنه، والدَّيْن مؤجل فكذلك، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يلزمه أن يرهن ثمنه مكانه أو يقضي الدَّيْن.
لنا: القياس على الإِعْتَاق والهبة ولو كان الدَّين حالاً قضى حقه من ثمنه وحمل إذنه المطلق على البيع في عرضه، يخطيء وقته، ولو أذن في البيع بشرط أَنْ يجعل الثمن رهناً مكانه فقولان، سواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً: أحدهما: يصح الإذن والبيع، وعلى الراهن الوفاء بالشَّرْط، وبهذا قال أبو حنيفة والمزني وأصحاب أحمد؛ لأن الرَّهْن قد ينتقل من العَيْن إلى البَدَل شَرْعاً، كما لو أتلف المَرْهُون فجاز أن ينتقل إليه شرطاً.
وأصحهما عند المُحَامِلِيّ وصاحب الكتاب أنها فاسدة.

الجزء: 4 - الصفحة: 495

أما الشرط فلأن الثمن مجهول عند الإذن فأشبه ما إذا أذن بشرط أن يرهن به مالاً آخر مجهولاَ، وإذا بطل الشرط بطل الإذن فإنه وقف الإذن على حصول الوَثِيْقَة في البَدَل، وإذا بطل الإذن بطل البيع، ولو أذن في الإِعْتَاق وشرط جعل القيمة رهناً أو في الوطء بهذا الشرط إنْ أحبل ففيه القولان.
ولو أذن في البيع بشرط أن يعجل حقه من ثمنه وهو مؤجل فالمنصوص فساد الإذن والبيع لفساد الشرط.
وقال أبو حنيفة والمزني وأصحاب أحمد: يصح الأِذْن والبيع ويجعل الثمن رهناً مكانه، وعن أبي إسحاق تخريج قول من المسألة السَّابقة، واحتج المُزَنِيّ بأن فساد الشَّرْط لا يوجب فساد الإِذْن والبيع، أَلَا ترى أنه لو وكل وكيلاً يبيع عبده على أن له عشر ثمنه يصح الإذن والبيع مع أن الشرط فاسد لكون الأُجْرَة مجهولة، ويرجع الوكيل إلى أجرة المِثْل، وأجاب الأصحاب بأن الموكل لم يجعل لنفسه في مقابلة الإذن شيئاً، وإنما شرط للوكيل جُعْلاً مَجْهُولاً فاقتصر الفساد عليه، فهاهنا المرتهن شرط لنفسه شيئاً في مقابلة إذنه وهو تعجيل الحق فإذا فسد فسد ما يقابله، ولهذا المعنى قدح قادحون في تخربج أبي إسحاق وقالوا: الشَّرط صحيح في المسألة الأولى على قول فصح الإذن المقابل له، وهاهنا المرتهن شرط لنفسه شيئاً في مقابلة إذنه وهو تعجيل الحق، فالشرط فاسد بالاتفاق، فلا يمكن تصحيح ما يقابله، ولو اختلفا فقال المرتهن: أذنت في البيت بشرط أن ترهن الثمن، وقال الراهن: بل أذنت مطلقاً، فالقول قول المرتهن، كما لو اختلفا في أصل الإذن، ثم إنْ كان الاختلاف قبل البيع فليس له البيع، وإنْ كان بعده وحلف المرتهن، فإنْ صححنا الإذن فعلى الراهن رهن الثمن، وإلاَّ فإنْ صدق المُشْتَرِي المرتهن فالبيع مردود وهو مرهون كما كان، وإنْ كذبه نظر إنْ أنكر أصل الرَّهْن حلف وعلى الراهن أنْ يرهن قيمته، وإنْ أقر بكونه مرهوناً، وادَّعى مثل ما ادعاه الراهن فعليه رد المبيع، ويمين المرتهن حجة عليه أيضاً.
قال الشيخ أبو حامد: ولو أقام المرتهن بَيّنة على أنه كان مرهوناً فهو كما لو أقر المشتري به، والله أعلم.
وقوله في الكتاب: "لأنه نقل للوثيقة" ليس تعليلاً لقول المنع خاصة وإنما أشار به إلى كلام ذكره الإمام وهو أن الخلاف في المسألة يترتب على الخلاف في رهن ما يتسارع إليه الفساد بالدين المؤجل، فإن منعناه بذلك لصرنا إلى امتناع نقل الوثيقة من عين إلى عين، فعلى هذا لا يجوز الإذن بشرط النقل، وإنْ صححناه وقد احتملنا نقل الوثيقة فيجوز شرطه، فهذا ما أراده إلاَّ أنَّ لك أنْ تمنع قوله، إذا منعنا رهنه بالدين المؤجل فذلك لمصيرنا إلى امتناع نقل الوثيقَة من عين إلى عين، وتقول: بل ذلك لامتناع النقل من غير التعرض للنقل، ولهذا يصح رهنه بالدين المؤجل بشرط البيع عند الإشراف على الفساد، وهاهنا وجد التعرض للنقل.

الجزء: 4 - الصفحة: 496

فرع منقول عن "الأم": لو أذن المرتهن لِلرَّاهن في ضرب العَبْد المرهون فهلك في الضرب فلا ضمان عليه لتولده من مأذون فيه، كما لو أذن في الوَطْء وأحبل بخلاف ما إِذا ضرب الزَّوْج زوجته أو الإمام إنساناً تعزيزاً؛ لأن المأذون فيه هناك ليس مطلق الضرب وإنما هو ضرب التَّأْديب وهاهنا أيضاً لو قال: أدبه فضربه حتى هلك فعليه الضَّمَان.
قال الغزالي: وَالتَّرِكَةُ إِذَا تَعَلَّقَتِ الدُّيُونُ بِهَا كَالمَرْهُونِ فِي مَنْعِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَالعَبْدِ الجَانِي، فَإِنْ مُنِعَ مِنْهُ فَظَهَرَ دَيْنٌ بِرَدِّ عِوَضٍ بَعْدَ تَصَرُّفِ الوَرَثَةِ فَفِي تَتَبُّعِهِ بِالنَّقْصِ خِلاَفٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: لا شَكَّ في أن الدُّيُون على المتوفى تتعلّق بتركته، وفي كون ذلك التَّعلق مانعًا أو أمن الإرث خلاف ذكرناه في الزكاة، وبينا أن الأصح أنه لا يمنع وعلى هذا في كيفيته قولان، ويقال وجهان: أحدهما أنه كتعلُّق الأَرْش برقبة الجاني؛ لأن كل واحد منهما يثبت شرعاً من غير اختيار المالك.
والثاني: أنه كتعلّق الدين بالمرهون؛ لأن الشارع إنما أثبت هذا التعلّق نظراً للميت لتبرأ ذمته فاللائق به أَلاَّ يسلط الوارث عليه، وهذا أظهر فيما ذكره الإمام وغيره، فلو أُعتق الوارث أو باع وهو معسر لم يصح، سواء جعلناه كالعَبْد الجاني أو كالمَرْهُون، ويجيء في هذا الإعتاق خلاف، وإنْ كان موسراً نفذ في وجه بناء على أن التعلق كتعلّق الأَرْش، ولم ينفذ في وجه بناء على أَنَّ التَّعَلّق كتعلّق الدَّيْن بالمرهون، وحكى الشيخ أَبُو عَلِيّ وجهاً ثالثاً، وهو أنهما موقوفان إن قضى الوارث الدَّين تبينا النفوذ، وإلاَّ فلا، ولا فرق بين أَنْ يكون الدَّيْن مستغرقاً للتركة أو أقل منها على أظهر الوجهين، كما هو قياس الديون والرهون.
والثَّاني: أنه إِنْ كان الدين أقل فقد تصرف الوارث إلى أَنْ لا يبقى إلا قدر الدين؛ لأن الحَجْر في مال كثير بشيء حقير بعيد، وإذا حكمنا ببطلان تصرّف الوارث فلو لم يكن في التَّركة دين ظاهر فتصرف ثم ظهر دين بأن كان قد باع شيئاً وأكل ثمنه فرد بالعيب ولزم رد الثمن أو تردى متردٍ في بئر كان قد احتفرها عدواناً فوجهان: أحدهما: أنه يتبيّن فساد التصرف إلحاقاً لما ظهر من الدين بالدين المقارن لتقدم سببه.
وأظهرهما: أنه لا يتبين؛ لأنه كان مسوغاً لهم طاهراً فعلى هذا إنْ أدى الوارث الدين فذاك وإلاَّ فوجهان: أظهرهما: أنه يفسخ ذلك التَّصرُّف ليصل المستحق إلى حقه.

الجزء: 4 - الصفحة: 497

والثاني: لا يفسخ، ولكن يطالب الوارث بالدَّين ويجعل كالضَّامن، وعلى كل حال فللوارث أنْ يمسك عَيْنَ التركة، ويؤدي الدُّيُون من خالص ماله، نعم لو كمن الدين أكثر من التركة فقال الوارث: آخذها بقيمتها، والتمس الغرماء بيعها على توقع زيادة راغب فوجهان بنوهما على أن السيد يَفْدي العبد الجاني بأَرْش الجناية، أو بأقل الأمرين من قيمته وأَرْش الجناية.
والأصح: أن المجاب هو الوارث؛ لأن الظاهر أنها لا تشتري بأكثر من القيمة وفي تعلّق حقوق الغرماء بزوائد التركة كالكَسْب والنِّتَاج خلاف يتفرع على ما مر أن الدَّين هل يمنع الميراث إن منعه ثبت التعلّق وإلا فلا 52؟ وقوله في الكتاب: (ففي بيعه بالنقص خلاف) أراد به أَنَّا هل نتبين الفساد على ما هو مبين "الوسيط"، ويمكن حمله على الخلاف في أَنَّا هل نفسخه تفريعاً على الصحة، واللفظ أقرب إليه، ولا يخفى أنه ليس لهذا الفَصْل كبير تعلُّق بباب الرَّهْن ولا شبه منه بهذا الموضع، لكن صاحب الكتاب اقتدى بإمام الحرمين في إبداع هذا الباب إلاَّ أنه رسمه فروعاً في آخره.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّانِى جَانِبَ المُرْتَهِنِ، وَهُوَ مُسْتَحِقٌ إِدَامَةَ اليَدِ وَلاَ تَزَال يَدُهُ إلاَّ لأَجْلِ الانْتِفَاعِ (ح) نَهَاراً ثُمَّ يُرَدُ عَلَيْهِ لَيْلاً، وَلَوْ شَرَطَ التَّعْدِيلَ عَلَى يَدِ ثَالِثٍ لِيَثِقَ كُلُّ وَاحِدٍ بِهِ جَازَ، ثُمَّ لَيْسَ للِعَدْلِ تَسْلِيمُهُ اِلى أَحَدِهِمَا دُونَ إِذْنِ صَاحِبِه، فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَ لِلآخَرِ، وَلَو تَغَيَّرَ حَالَهُ بِالفِسْقِ أَوْ بِالزِّيادَةِ فِيه فَلِكُّلِّ وَاحِدٍ طَلَبُ التَّحْوِيلِ مِنْهُ إلَى عَدْلٍ آخرَ.
قال الرَّافِعِيُّ: اليد في الرَّهْن بعد لزومه مستحقة للمرتهن، فإنَّ قوام التوثق بها، ولا تزال يده إلا للانتفاع كما سبق، ثم يرد إليه ليلاً، وإن كان العبد ممن يعمل باللَّيل كالحارس فيرد إليه نهاراً، ولو شرطا في الابتداء وضعه في يد ثالث جاز، فربما لا يثق أحدهما بالآخر ولو شرط وضعه عند اثنين فإنْ نصَّا على أن لكل واحد منهما الانفراد بالحفظ، أو على أن يحفظاه معاً في حِرْز اتبع الشرط، وإنْ أطلقا فوجهان لابن سُرَيْج: أصحهما: أنه ليس لأحدهما أن ينفرد بالحِفْظ، كما لو أوْصَى إلى رجلين، أو وكّل رجلين بشيء لا يستقل أحدهما، فعلى هذا يجعلانه في حِرْز لهما.

الجزء: 4 - الصفحة: 498

والثَّاني: يجوز الانفراد كيلا يشق عليهما، فعلى هذا إن اتفقا على كونه عند أحدهما فذاك، وإنْ تنازعا والرهن مما ينقسم قسم وحفظ كل واحد نصفه، وإن كان مِمَّا لا ينقسم حفظه هذا مدة وهذا مدة.
ولو قسماه بالتَّرَاضي والتَّفْريع على الوجه الثَّاني، ثم أراد أحدهما أَنْ يرد ما في يده علي صاحبه ففي جوازه وجهان لابن سُرَيْجٍ 53. وجه المنع: أن المشقة قد اندفعت بما جرى، وإذا أراد العَدْل الذي وضع الراهن عنده رده إليهما أو إلى وكيلهما، فإن كان غائبين ولا وكيل فهو كرد الوديعة وسيأتي إن شاء الله تعالى، وليس له دفعه إلى أحدهما دون إذن الآخر، فإنْ فعل ضمن، واسترد منه إن كان باقياً، وإنْ تلف في يد المدفوع له نظر إنْ دفعه إلى الراهن رجع المرتهن بكمال قيمته، وإن زادت على حقه ليكون رهناً مكانه ويغرم من شاء من العَدْل والرَّاهن والقرار على الراهن، فإن غرم العَدْل فله أن يكلف الرَّاهن قضاء الدَّيْن لفك المَأْخُوذ منه، وإن دفعه إلى المُرْتَهِن فلِلرَّاهن أنْ يغرم من شاء من العدل والمرتهن قيمته ليكون رهناً والقرار على المرتهن؛ فإنْ كان الحق حالاً والدين من جنس القيمة وقع الكلام في التَّقاص، ولو غصب المرتهن الرَّهْن من يد العدل ضمن، فلو رده إليه برئ، وحكى الإمام في "النهاية" وجهاً: أنه لا يبرأ إلا بالرَّدِّ إلى المالك أو بإذن جديد للعدل في أخذه والمذهب الأول، وكذلك الجَوَاب لو غصب الوَدِيعة من المودع أو العَيْن المُكْرَاة من المكتري أو الرَّهْن من المرتهن ثم رد إليهم.
ولو غصب اللّقَطَة من الملتقط لم يبرأ بالرد إليه، ولو غصب من المستعير أو المُسْتَام ثم رد فوجهان؛ لأنهما مَأْذُونَان من جهة المالك لكنهما ضامنان.
ولو اتفق المتراهنان على نقل الرَّهْن إلى يد عدل آخر جاز، فإنْ طلبه أحدهما فلا يجاب إلاَّ أنْ يتغير حاله بفسق أو يضعف عن الحفظ بينه وبين أحدهما عَدَاوَة فيطلب نقله، فحينئذٍ ينقل إلى يد آخر يتفقان عليه، فإنْ تشاحا وضعه الحاكم عند مَنْ يراه، فلو كان من وضعاه عنده فاسقاً في الابتداء فازداد فسقًا فهو كما لو كان عدلاً ففسق، وكذا لو مات وأراد أحدهما إخراجه من يد وارثه، وكذا لو كان في يد المرتهن فتغير حاله أو مات كان للراهن نقله، وفي "النهاية" نقل وجه أنه إذا مات المرتهن لا تزال يد ورثته، ولكم إذا لم يرض الرَّاهن بيدهم ضمَّ القاضي إليهم مشرفاً.
وإذا ادَّعى العدل هلاك الرَّهْن في يده أو رده فالقول قوله مع يمينه كالمودع، ولو أتلف الرَّهْن عمداً أخذت منه القيمة، ووضعت عند آخر، ولو أتلفه مخطئاً أو أتلفه غيره

الجزء: 4 - الصفحة: 499

أخذت القيمة ووضعت عنده، هكذا ذكره الأكثرون وفرقوا بينه وبين ما إذا كان مأذوناً في بيعه حيث لا يتمكّن من بيع القيمة المأخوذة بأن المأذون في بيع شيء لا يكون مأذوناً في بيع بدله والمُسْتَحْفِظ في شيء يكون مستحفظاً في بدله، وهذا غير محل السلام ولضعفه ذهب الإمام إلى أنه لا بد من استحفاظ جديد، وقياسه أن يقال: لو كان الرَّهْن في يد المُرْتَهن فأتلف وأخذ بدله كان للراهن إِلاَّ يرضى بيده في البدل.
وقوله في الكتاب: (فإن تغير حاله بالفسق) لا يمكن صرف الكناية فيه إلى العدل في قوله: (ثم ليس للعدل تسليمه) لأن العدل لا يكون فاسقاً حتى يتغير حاله بالزيادة فيه، بل هي منصرفة إلى الثالث في قوله على يد ثالث وما أشبه ذلك.
قال الغزالي: وَللْمُرتَهِنِ اسْتِحْقَاقُ البَيْعِ تَقَدُّماً بِهِ عَلَى الغُرَمَاءِ عِنْدَ حُلُولِ الدَّيْنِ وَلَكِنْ لاَ يَسْتَقِلُّ بِهِ دُونَ إِذْنِ الرَّاهِنِ، بَلْ يُرفَعُ اِلَي القَاضِي حَتَّى يُطَالِبَ الرَّاهِنَ أَوْ يُكَلِّفَهُ البَيْعَ، وَلَوْ أَذِنَ لِلْعَدْلِ وَقْتَ الرَّهْنِ فِي البَيْعِ لَمْ يَجِبْ مُرَاجَعتُهُ ثَانِياً عَلَى الأَصَحِّ، وَلَوْ ضَاعَ الثَّمنُ فِي يَدِ العَدْلِ فَهُوَ أَمَانَةٌ، فَإنْ سَلَّم إلَى المُرْتَهِنِ بِإذْنِ الرَّاهِنِ وَلَكِنْ أَنْكَرا تَسْلِيمَهُ فَهُو ضَامِنٌ، فَإِنْ صَدَّقَهُ الرَّاهِنُ فَفِي ضَمَانِهِ لِتَقْصِيرِهِ فِي الإِشْهَادِ خِلاَفٌ، وَلاَ يَبيعُ العَدْلُ إلاَّ بِثَمنِ المِثّلِ، فَإِنْ طَلَبَ بِزِيَادَةٍ فِي مَجْلِسِ العَقْدِ حَوَّلَ العَقْدَ إلَى الطَّالِبِ.
قال الرَّافِعِيُّ: المُرْتَهِن يستحق بيع المَرْهُون عند الحاجة، ويتقدم بثمنه على سَائِر الغُرَمَاء، وإنما يبيعه الرَّاهِن أو وكيله بإذن المُرْتَهِن فلو لم يأذن المُرْتَهِن وإن أراد الرَّاهن بيعه وَأَبى المرتهن قال له القَاضي: آئذن في بَيْعِه، وخُذْ حَقَّك من ثمنه أو أبرئه، وإنْ طلب المُرْتَهن البيع وأبى الرَّاهن ولم يقبض الدين أجبره الحاكم على قضائه، أو البيع إما بنفسه أو بوكيله، فإن أصَرَّ باعه الحاكم، وعند أبي حنيفة لا يبيعه، ولكن يحبس الراهن حتى يبيع ولو كان الراهن غائباً أثبت الحال عند الحاكم حتى يبيعه، فإن لم تكن له بيّنة، أو لم يكنْ في البلد حاكم فله بيعه بنفسه، كما أنَّ مَنْ ظفر بغير جنس حقه من مال المديون وهو جاحد ولا بينة له أن يبيع ويأخذ حقه من ثمنه.
ثم في الفصل مسائل: إحْدَاها: لو أذن الرَّاهن للمرتهن في بيعه بنفسه فباع في غيبة الراهن فوجهان: أحدهما، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد رحمهم الله تعالى: أنه يصحّ البيع، كما لو أذن له في بيع مال آخر.
وأصحهما: المنع؛ لأنه يبيعه لغرض نفسه، فيكون متهمًا في الاسْتِعْجَال وترك النظر، وإنْ باعه بحضوره صَحّ لانقطاع التُّهْمة هذا ظاهر النَّص، حيث قال: ولو شرط لِلْمُرْتَهِن إذا حلّ الحق أنْ يبيعه لم يجز أن يبيع لنفسه، إلاَّ بأن يحضر رب الرَّهْن.

الجزء: 4 - الصفحة: 500

وفيه وجه: أنه لا يصحّ أيضاً؛ لأنه توكيل فيما يتعلق بحقه، فعلى هذا لا يصح توكيله ببيعه أصلاً، ويتفرع عليه أنه لو شرط ذلك في ابتداء الرَّهْن، فإنْ كان الرَّهْن مشروطاً في بيع فالبيع باطل، وإنْ كان رهن تبرع فعلى القَوْلَين في الشروط الفاسدة التابعة للمرتهن أنها هل تبطل الرَّهْن؟ وعلى الأول، وهو المذهب في نَصّ لفظ الرَّهْن في الإذن تفصيل مذكور في الكتاب من بعد.
وإذن الوارث لِغُرَمَاء الميت في بيع التركة، كإذن الرَّاهن للمرتهن، وكذا إذن السيد للمجني عليه في بيع العبد الجاني، قاله الشيخ أبو حامد، والله أعلم.
واعلم أن صاحب الكتاب قَدّر صحة البيع في المُرْتَهِن مفروغاَ منه متفقًا عليه، وتكلم في أنه لا يستقل به المُرْتَهن، كذلك ساق الإِمَام وأول النص الذي سبق على شيء آخر سنذكره إنْ شاء الله تعالى.
الثانية: إذا وضعا الراهن عند عدل بشرط أن يبيعه عند المحل جاز، ثم في اشتراطه مراجعة الراهن، وتجديد إذنه عند البيع وجهان: أحدهما، وبه قال ابن أبي هريرة: يشترط، لأنه قد يكون له غرض في اسْتِبْقَاء المرهون، ويريد قضاء الحق من غيره.
وأصحهما: عند الإمام وصاحب الكتاب، وبه قال أبو إسحاق: لا يشترط، لأن الأصل دوام الإذن الأول.
وأما المرتهن فجواب العراقيين: أنه لا بد من مراجعته ويحصل إذنه ثانياً، ولم يجروا فيه الخلاف، ووجهوه بأن المرهون إنّما يباع لإيصال حقه إليه، وذلك يستدعي مطالبته بالحق، فيراجع ليعرف أنه مطالب أو ممهل أو مبرأ.
وقال الإمام: لا خلاف في أنَّ المرتهن لا يراجع؛ لأن غرضه تَقْوية الحَقّ بخلاف الراهن، فإنه قد يستبقي العين لنفسه، فتأمل بعد إحدى الطرفين عن الأخرى.
ولو عزل الرَّاهن العدل قبل البيع انعزل، وبه قال أحمد كسائر الوكلاء في سائر الأَعْمَال.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا ينعزل ولو عزله المُرْتَهن فوجهان: أحدهما: وهو ظاهر النَّص: أنه ينعزل كما لو عزله الرَّاهن؛ لأنه يتصرف لهما جميعاً.
وأظهرهما: وبه قال أبو إسحاق: لا ينعزل؛ لأنه وكيل الراهن، إذ المرهون له، وإذن المرتهن شرط جواز التَّصرف، ولا كلام في أنه لو منعه من البيع لم يبع، وكذلك لو مات أحدهما.

الجزء: 4 - الصفحة: 501

فإذا قلنا: لا ينعزل بعزل المُرْتهن، فلو عاد إلى الإِذْن جاز البيع، ولم يشترط تجديد توكيل من الراهن.
قال في "الوسيط": ومساق هذا أنه لو عزله الرَّاهن ثم عاد ووكل افتقر إلى تجديد إذن لِلْمُرْتهن، ويلزم عليه أنْ يقال: لا يعتد بإذن المرتهن قبل توكيل الرَّاهن، ولا بإذن المرأة للوكيل قبل تَوْكيل الوَلِيّ إياه، والكل محتمل.
الثَّالثة: إذا باع العدل، وأخذ الثمن فهو أمين، والثمن من ضَمَان الرَّاهِن إلى أنْ يتسلمه المرتهن، وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة ومالك، حيث قالا: هو من ضمان المرتهن.
لنا: أنَّ الثمن ملك الراهن والعدل أمينه، فما تلف في يده يكون من ضمان المالك، ولو تلف الثَّمَن في يد العَدْل ثم خرج الرَّهْن مستحقّاً، فالمشتري بالخيار بين أنْ يرجع بالثمن على العَدْل، وبَيْنَ أَنْ يرجع على الرَّاهِن، ولو كان العَدْل قد باع بإِذن الحاكم لموت الرَّاهِنِ أو غيبته وتلف الثمن، وخرج المَرْهُون مستحقّاً، فللمشتري الرجوع في مال الراهن، ولا يكون العَدْل طريقاً للضَّمَان في أصَحِّ الوجهين؛ لأنه نائب الحاكم، والحاكم لا يطالب فكذلك نائبه.
والثاني: يكون طريقاً الوكيل والوصي.
وإذا ادَّعى العدل تلف الثمن في يده، قبل قوله مع يمينه، فإن ادعى تسليمه إلى المرتهن وأنكر المرتهن، فالقول قول المرتهن مع يمينه.
وعن أبي حنيفة أنَّ القول قول العدل مع يمينه، وإذا حَلَفَ المرتهن أخذ حقه من الراهن، ويرجع الراهن على العدل، وإنْ كان قد أذن له في التسليم، نعم لو أذن أَوَّلاً وصدقه في التَّسْليم فوجهان: أظهرهما: أنه يضمن أيضاً لتقصيره بترك الإِشْهاد.
والثاني: لا، لاعتراف الراهن بأنه امتثل ما أمره به، والمُرْتَهِن ظالم فيما يأخذه، وبهذا قال ابْنُ الوَكِيل، والوجهان فيما إذا أطلق الإذن في التسليم.
فأما إذا شرط عليه الإشْهَاد فتركه ضمن بلا خلاف، وإذا ضمن بترك الإِشْهاد، فلو قال: أشهدت، وماتت شهودي وصدقه الرَّاهن فلا ضمان، وإنْ كذبه فوجهان، نشرحهما مَعَ مَا يُنَاسب هذه الصُّورة في الضَّمَان إنْ شاء الله تعالى.
الرابعة: إذا جاز لِلْعَدْل البيع لم يبع إلاَّ بثمن المِثْل، أو بما دونه في قدر ما تَتَغَابَن به النَّاس، وليكن ذلك من نَقْد البلد حالاً، فإن أجل بشيء من هذه الشُّرُوط لم يصح البيع، وعن القاضي أبي حامد حكاية وجه: أنه لو باع نَسِيْئَةٍ صَحَّ ولا اعتبار به، ولو سلّم إلى المشتري صار ضامناً.
ثم للمبيع حالتان:

الجزء: 4 - الصفحة: 502

إحداهما: أنْ يكون باقياً فيسترد ويجوز لِلْعَدْل بيعه بالإذن السابق، وإنْ صار مضموناً عليه، فإذا باعه وأخذ الثمن لم يكن الثمن مضموناً عليه؛ لأنه لم يتعد فيه.
الثانية: أن يهلك في يده، فإن كان قد باع بغير نقد البلد أو نَسِيْئَة، فالرَّاهن بالخِيَار في تَغْرِيم من شاء من العَدْل أو المشتري كمال قيمته، وإنْ باع بدون ثمن المثل فقولان.
أصحهما، وبه قال أبو إسحاق: أن الحكم كذلك؛ لأنه أخرجه من يده على وجه غير متبوع.
والثاني: أنه إِنْ غرم العدل حطّ النُّقْصان الَّذي كان محتملاً في الابتداء.
مثاله: لو كان ثمن مثله عشرة، وكان يتغابن فيه بدرهم فباعه بثمانية يغرمه تسعة، ويأخذ الدرهم الباقي من المشتري، هكذا نقلوه وغالب الظَّن طرد هذا الخِلاَف في البيع بغير نقد البلد والنَّسِيئة، وإن اتَّفق النَّص على القولين في الغَبْن، ويؤيده أنَّ صاحب "التهذيب" في آخرين جعلوا كبقية تغريم الوَكِيْل إذا بَاعَ على أحد هذه الوجوه، وسلم على الخِلاَف، وسووا بين الصُّوَر الثَّلاَث، ومعلوم أَنَّه لا فرق بين العَدْل في الرَّهْن وبين سائر الوكلاء، وعلى كل حال فالقرار على المشتري لحصول الهلاك عنده.
فرع: لو قال أحد المرتهنين: بعه بالدّراهم، وقال الآخر: بالدَّنَانير لم يبع بواحد منهما لاختلافهما في الإذن، لكن يرفعان الأمر إلى الحاكم ليبيع بِنَقْدِ البلد، ثم إنْ كان الحَق مِنْ جنس نقد البلد فذاك، وإلاَّ صرف نقد البلد إليه، ولو رأى الحَاكِم أنْ يبيعه بجنس حق المرتهن جاز.
الخامسة: إذا باع بثمن المِثْل، ثم زاد راغب قبل التفرق، فليفسخ البيع وليبعه منه، فإنْ لم يفعل فوجهان: أحدهما: أن البيع لا ينفسخ.
لأن حصول الزِّيَادة غير موثوق بها.
وأصحهما: الانفساخ؛ لأن مجلس العقد كَحَالَة العَقْد، وليس له أن يبيع بثمن المثل.
وهناك من يبذل زيادة فعلى هذا.
فلو بدا للراغب نظر إنْ كان قبل التمكن من البيع منه، فالبيع الأوّل بحاله، وإنْ كان بعده فقد ارتفع ذلك البيع فلا بد من بيع جديد، وفي طريقة الصيدلاني أنه إذا بدا له بأن البيع بحاله، كما لو بذل الابْن الطَّاعة لأبيه في الحج، وجعلناه مستطيعاً به، ثم رجع عن الطَّاعة قبل أنْ يحج أهل بلده، فإنَّا نتبين عدم الوجوب، ولو لم ينفسخ العَقْد في البيع الأول وباع من الراغب، ففي كونه فسخًا لذلك البيع، ثم في صحته في نفسه خلاف سبق في البيع، وأشار الإمام في المسألة إلى شيء آخر، وهو أنَّ الوكيل بالبَيْع لو باع ثم فسخ البيع هل يتمكن مِنَ البيع مرة أخرى؟ فيه خلاف، والأَمْر بالبيع من الرَّاغب هاهنا جواب على أَنَّهُ يتمكّن منه أَوْ مفروض

الجزء: 4 - الصفحة: 503

فيما إذا صَرَّح بالاذن بذلك، وأكثر هذه المَسَائل يطّرد في جميع الوِكَالاَت 54. قال الغزالي: وَعلَى الرَّاهِنِ مَؤُنَةُ المَرْهُونِ، وَأُجْرَةُ الإِصْطَبْلِ، وَعَلَفُ الدَّابَّةِ، وَسَقْيُ الأَشْجَارِ، وَمُؤنَةُ الجِذَاذِ مِنْ خَاصِّ مَالِهِ عَلَى الأَصَحِّ، وَقيلَ: إِنَّهُ يُبَاعُ فِيهِ جُزْءٌ مِنَ المَرْهُونِ، فَإنْ كَانَ بِحَيْثُ تُهْلِكُهُ النَّفَقَةُ يُبَاعُ كَمَا يَفْعَلُ بِمَا يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الفَسَادُ، وَلاَ يُمْنَعُ الرَّاهِنُ مِنَ الفَصْدِ وَالَحِجَامَةِ وَالخِتَانِ، وَيُمْنَعُ مِنْ قَطْعٍ سِلْعَةٍ فِيهِ خَطَرٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: مؤنات الرَّهْن الَّتِي بها يبقى لها الرَّهْن، كنَفَقة العبد وكسوته وعَلَف الدَّابة على الراهن؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يغْلَقُ الرَّهْنُ، مَنْ رَاهَنَهُ عَلَيْهِ غُرْمُه وَلَهُ غُنْمُهُ" 55.

الجزء: 4 - الصفحة: 504

قوله: "من راهنه" أي: من ضمان راهنه، وفي معناه سقى الأَشْجَار والكُرُوم ومؤنة الجُذَاذ، وتَجْفيف الثمار، وأُجْرة الإصْطَبل، والبيت الذي يحفظ فيه المتاع المرهون، إذا لم يتبرع به المُرْتَهن أو العَدْل، وأجرة من يرد العبد من الإباق وما أشبه ذلك، ثم حكى الإمام والمُتَولي وجهين في أنَّ المؤنات، هل يجبر الرَّاهِن عليها حتَّى يقوم بها من خالص ماله؟ أصحهما: الإِجْبَار استبقاء لوثيقة المرتهن.
= الرَّهْن وقال "أبو بكر الرازي": الغرم الدين فيكون تفسيراً لقوله لا يغلق الرَّهْن -أي لا يملك بالشرط عند محل الأجل ولصاحبه إذا جاء زيادته وعليه دينه الذي هو مرهون به وفي التمهيد قال أبو عبيد لا يجوز في كلام العرب أن يقال الرَّهْن إذا ضاع قد غلق إنما يقال قد غلق إذا استحقه المرتهن فذهب به، وهذا كان من فعل الجاهلية فأبطله النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "لا يغلق الرَّهْن" وقال "مالك": تفسيره فيما نرى أن يرهن شيئاً فيه فضل فيقول للمرتهن: إن جئتنا بحقك إلى كذا وإلا فالرهن لك بما فيه فهذا لا يحل وهو الذي نهى عنه وبنحوه هذا فسره الزهري، والنخعي، والثوري، وطاوس، وشريح -وفي القواعد "لابن رشد" أن "أبا حنيفة" وأصحابه تأولوا غنمه بما فضل منه على الدين وغرمه بما نقص ومعنى قوله وعليه غرمه عند "مالك" ومن قال بقوله أي نفقته وحكى صاحب التمهيد عن "أبي حنيفة" و"مالك" وأصحابهما في تأويل الحديث كما حكاه "ابن رشد" فالحاصل أن "الشافعي" احتج بمرسل ابن المسيب وأوله بتأويل أنكر عليه وأقل الأحوال أنه يجعل غير ما ذكر مما تقدم من التأويلات، وترك القول بالتضمين مع أنه منصوص عليه في عدة أحاديث قد تأيد بعضها وتأيدت أيضاً بأقوال السلف من الصحابة والتابعين.
على أن مذهب "ابن المسيب" بخلاف ما تأول الشافعي حديثه به قال صاحب التمهيد: قال شريح والشعبي: وغير واحد من الكوفيين يذهب الرَّهْن بما فيه كانت قيمته مثل الدين أو أكثر منه أو أقل ولا يرجع واحد منهما على صاحبه بشيء.
وهو قول الفقهاء السبعة المدنين إذا هلك وعميت قيمته ولم تقم بينة.
فإن قامت بينة ترادا الفضل وهكذا قال الليت: وقال بلغني ذلك عن علي بن أبي طالب انتهى كلامه -وابن المسيب من الفقهاء السبعة بلا خلاف- وفي مصنف عبد الرزاق أنا معمر عن الحسن والزهري، وقتادة، وابن طاوس عن أبيه قالوا من ارتهن حيواناً فهلك فهو بما فيه -وقال أبو بكر الرازى: اتفقت الصحابة على أنه مضمون وإن اخلفوا في كيفية الضمان فالقول بأنه أمانة خلاف لاجماعهم -وروى "الطحاوي"- بسنده عن أبي الزناد قال كان من أدركت من فقهائنا الدين ينتهي إلى قولهم منهم "ابن المسيب" وعروة، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة، وعبيد الله بن عبد الله في مشيخة من نظرائهم أهل فقه وصلاح وفضل فذكر ما جمع من أقاويلهم في كتابه أنهم قالوا الرَّهْن بما فيه هلك وعميت قيمته ويرفع ذلك منهم الثقة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- "قال الطحاوي": فهؤلاء أئمة المدينة وفقهاؤها يقولون الرَّهْن يهلك بما فيه ويرفعه الثقة منهم إليه -صلى الله عليه وسلم- انتهى كلامه وظهر من هذا أن "ابن المسيب" يقول: بضمان الرَّهْن على التفصيل المتقدم ومذهب "الشَّافعي" أن من روى كان أعلم بتأويله.
"البيهقي" 6/ 42.

الجزء: 4 - الصفحة: 505

والثاني عن الشيخ أبي محمد وغيره: أنه لا يُجْبَر عند الامتناع، ولكن يبيع القَاضِي جزءاً من المَرْهُون بحسب الحاجة.
وقد فرع الإمام على هذا أنَّ النفقة لو كانت تأكل الرَّهْن قبل الأجل ألحق بما يفسد قبل الأَجل فيباع، ويجعل ثمنه رهناً.
ولك أنْ تقول: هذا إما أنْ يلحق 56 بما لا يتسارع إليه الفساد، ثم عرض ما أفسده، أو بما يتسارع إليه الفساد، لا وجه للأول؛ لأن العارض ثم اتفاقي غير متوقع، والحاجة إلى هذه المُؤنات معلومة محققة، وإنْ كان الثَّاني لزم إثبات الخِلاَف المذكور في رهن ما يتسارع إليه الفَسَاد في رَهْن كل ما يحتاج إلى نفقة، أو مكان يحفظ فيه، وأنه بعيد وبه يظهر ضعف الوجه من أصله، وإذا قلنا بالأصح، فلو لم يكن لِلرَّاهن شيء أو لم يكن حاضراً، باع الحاكم جزءاً من المرهون، واكترى به بيتاً يحفظ فيه الرَّهْن، هكذا قاله الأئمة رحمهم الله تعالى وقد مرّ في مؤنة السَّقْي والجُذَاذ والتَّخفِيف مثله، وأما المُؤْنَات الدَّائِمة فيشبه أن يقال: حكمها حكم ما لو هرب الجِمَال وترك الجِمَال المُكْتَرَاة، أو عجز عن الإِنْفَاق عليها 57، هذه إحدى مسألتي الفصل.
والثانية: أنه لا يمنع الرَّاهن منْ أن يفعل بالمرهون ما فيه مصلحته، كفَصْد العبد وحِجَامته، وتَوْدِيج الدَّابة وبَزْغها، والمُعَالَجة بالأدوية والمَرَاهم، لكن لا يجبر عليها بخلاف النفقة، وأجرى صاحب "التتمة" الوجهين في المُدَاوَاة، ثم إنْ كانت المداواة فيما يرجى نفعه ولا يخاف منه غائلة فذاك، وإنْ كان يخاف، فعن أبي إسْحَاق أنَّ للمرتهن المنع منه، وقال أبو علي الطَّبَرِي: لا يمنع 58، ويكتفي بأن الغالب منه السَّلاَمة، واختاره القاضي أبو الطَّيب، ويجري الخلاف في قطع اليد المتآكلة إذا كان في قطعها وتركها خطر، فإنْ كان الخطر في التَّرْك دون القطع فله القطع، وليس له قطع سلعة، وأصبح لا خطر في تركها إذا خيف منه ضرر، فإنْ كان الغالب السَّلاَمة ففيه الخلاف، وله أنْ يختن العبد والأمة في وقت اعتدال الهواء، إن كان يَنْدَمِل قبل حلول الأجل، لأنه أمر لا بد منه والغالب فيه السَّلامة، وإن كان يندمل وكان فيه نقص لم

الجزء: 4 - الصفحة: 506

يجز، وكذلك لو كان به عارض يخاف معه من الخِتَان 59. ووراء هذه صورتان: إحداهما: له تَأْبِير النَّخْل المرهونة، ولو ازدحمت.
وقال أهل الخبرة 60: تحويلها أنفع جاز تحويلها، وكذا لو رأى قطع البعض لصلاح الأكثر، ثم ما يقطع منها لو يجف يبقى مرهوناً، بخلاف ما يحدث من السَّعَف ويجف، فإنَّ الراهن يختص بها، وينزل منزلة الثِّمَار، وما كان ظاهراً منها عند الرَّهْن.
قال في "التتمة": فهو مرهون وقال في "الشامل": لا فرق 61. الثانية: لا يمنع من رعي المَاشِيَة في وقت الأمن، وتأوي ليلاً إلى يد المُرْتَهِن أو العدل، وإذا أراد الراهن أن يبعد في طلب النُّجْعَة 62 وبالقرب ما يبلغ منها مبلغاً، فللمرتهن المنع، وإلاَّ فلا منع، وتَأْوي إلى يد عدل ينفقان عليه، أو ينصبه الحاكم، وإنْ أراد المرتهن ذلك وليس بالقرب ما يكفي فلا منع، وكذا لو أراد نقل المتاع من بيت غير مُحْرز إلى مُحْرز، ولو بيعا بهما المكان، وأرادا الانتقال نظر، إن انتقلا إلى أرض واحدة فلا إشكال، وإلاَّ جعلت الماشية مع الرَّاهن، ويحتاط ليلًا كما سبق.
وقوله في الكتاب: (وأجرة الإصْطَبْل) معلم بالحاء لأن عنده مؤنة البيت والإصْطَبْل على المرتهن، إنْ لم يزد الرَّهن على قدر الدَّين، فإنْ زاد فقسط الزيادة على الراَهن، وبمثله أجاب في المُدَاوَاة وأجرة رد الآبِق.
وقوله: (على الأصح) يتعلّق به من خالص ماله، لا بأصل لزوم المُؤْنة عليه، فالمقابل للأصح قوله: وقيل: يباع إلى آخره.
قال الغزالي: وَالمَرْهُونُ أَمَانَةٌ (ح) فِي يَدِهِ، وَلاَ يَسْقُطُ (ح) بِتَلَفِهِ شَيْءٌ مِنَ الدَّيْنِ، وَلَو أَذِنَ لَهُ فِي الغِرَاسِ بَعْدَ شَهْرٍ فَهُوَ بَعْدَ الغِرَاسِ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ، وَإِنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ

الجزء: 4 - الصفحة: 507

مَبِيعاً مِنْهُ بَعْدَ شَهْر بِالدَّيْنِ فَهُوَ بَعْدَ الشَّهْرِ مَضْمُونٌ لأَنَّهُ مبِيعٌ بَيْعاً فَاسِداً، وَلِلْفَسَادِ حُكْمُ الصِّحَّةِ فِي ضَمَانِ العُقُودِ، وَلَو ادَّعَى المُرْتَهِنُ تَلَفاً أَو رَدّاً فَهُوَ كَالمُودِعِ عِنْدَ المَرَاوِزَةِ، وَالقَوْلُ قَوْلُهُ، وَطَرَدُوا ذَلِكَ فِي المُسْتَأْجِرِ، وَكُلُّ يَدٍ هِيَ غَيْرُ مُضْمَنَةٍ، وَقَالَ العِرَاقِيُّونَ: يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالوَدِيعَةِ وَبِالوَكِيلِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ، وَمِنْ عَدَاهُمَا يُطَالَبُ بِالبَيِّنَةِ قِيَاساً لأَنَّ المُودِعَ وَقَعَ الاعْتِرَافُ بِصِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَالمُرْتَهِنُ مِنَ الغَاصِبِ عِنْدَ المَرَاوِزَةِ كَالمُودِع مِنَ الغَاصِبِ يُطَالَبُ وَلاَ يَسْتَقِر الضَّمَانُ عَلَيْهِ وَإِنْ تَلَفَ فِي يَدِهِ، وَكَذَا المُسْتَأَجِرُ بِخِلاَفِ المُسْتَعِيرِ وَالمُسْتَامِ، وَعنْدَ العِرَاقِيِّينَ فِي مُطَالَبَتِهِمْ وَجْهَانِ، ثُمَّ فِي قَرَارِ الضَّمَانِ بَعْدَ المُطَالَبَةِ وَجْهَانِ آخَرَان.
قال الرَّافِعِيُّ: في الفصل أصْلاَن وفروع: أحد الأصلين: أن المرهون أمانة في يد المرتهن لا يسقط بتلفه شيء من الدين، ولا يلزمه ضمانه إلاَّ إذا تعدى فيه وبهذا قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: هو مضمون بالأقل من قيمته أو الدَّيْن فإن كانت قيمته أقل سقط بتلفه من الدَّيْن بقدر قيمته، وإلاَّ سقط الدين ولا يضمن الزيادة.
وقال مالك: ما يظهر هلاكه كالحيوان والعَقَار والأشجار أمانة، وما يخفى هلاكه كالنُّقُود والعروض مضمون بالدين؛ لأنه يتهم فيه.
لنا أن بعض المرهون أمانة، فكذلك كله كالوديعة، وأيضاً فإن الرَّهْن شرع وثيقة لِلدَّين أيضاً في يد المرتهن، ولا يصير مضموناً عليه إلاَّ إذا امتنع من الرد بعد المطالبة.
وقال ابن الصباغ: ينبغي أن يكون المرتهن بعد الإبْراء كمن طيرت الرِّيح ثوباً إلى داره حتى يعلم المرتهن به أو يرده؛ لأنه لم يرض بيده إلاَّ على سبيل الوثيقة.
والأصل الثاني: أن كل عقد يقتضي صحيحه الضّمان، فكذلك فاسده، وما لا يقتضي صحيحه الضمان، فكذلك فاسده.
وأما الطرف الأول؛ فلأن الصحيح إذا أوجب الضَّمان فالفاسد أولى باقتضائه.
وأما الثاني؛ فلأن من أثبت اليد أثبته عن إذن المالك، ولم يلزم بالعقد ضَمَانًا، ولا يكاد يوجب التَّسْليم والتسلم إلاَّ من معتقدي الصحة.
وأما الفروع فأربعة: أحدها: لو أعار المرهون من المرتهن لينتفع به ضمنه وعند أبي حنيفة يخرج عن كونه مضموناً بناء على أنَّ العارية غير مَضْمُونة.
ولو رهنه أرضاَ وأذن له في الغِرَاس بعد شهر، فهي بَعْدَ الشَّهْر عارية وقبله أمانة

الجزء: 4 - الصفحة: 508

حتى لو غرس قبله قَلَعَ ولو غرس بعده فَسَيَأْتي الحكم في العَارِية.
وقوله في الكتاب: (وهو بعد الغِرَاس عارية) يجب تأويل؛ لأنه بعد الشَّهْر عَارِيَة غرس أو لم يغرس.
وثانيها: لو رهن منه مالاً على أنه إذا حل الأجل فهو مبيع منه، أو على أن يكون مبيعاً منه بعد شهر، فالرَّهْن والبيع فاسدان، أما الرُّهْن فلكونه مؤقتاً.
وأما البَيْع فلكونه مشروطاً، ويكون المال أمانة في يده قَبْل دخول وقت البيع وبعده مضمونًا، لأن البَيْع عقد ضمان ونقل وجهاً في "النهاية": أنه إنما يصير مضموناً إذا أمسكه عن جهة البَيْع، أما إذا أمسكه على موجب الرَّهْن فلا، والمذهب الأول، فلو كان أرضاً فغرس فيه المرتهن، أو بني قبل دخول وقت البيع قلع مجاناً، وكذا لو غرس بعده وهو عالم بفساد البيع، وإنْ كان جاهلاً لم يقلع مجاناً لوقوعه بإذن المالك وجهله بعدم الجواز، فيكون الحكم كما لو غَرَسَ من المُسْتَعِير ورجع المعير.
وثالثها: إذا ادَّعى المرتهن تلف الرَّهْن في يده قبل قوله: مع يمينه، وعن مالك أنه إنْ أخفى هلاكه لم يقبل، وإن ادَّعى ردّه إلى الرَّاهن: فطريقة العراقيين من أصحابنا أنَّ القول قول الرَّاهن مع يمينه، ولا يقبل قول المرتهن إلاَّ ببيّنة؛ لأنه أخذه لمنفعة نفسه فأشبه المستعير، ويخالف دعوى التَّلف لأنه لا يتعلق بالاختيار، ولا تساعده فيه البَيّنة، قالوا: وكذا الحكم في المستأجر إذا ادَّعى الرَّد، ويقبل قول المودع والوكيل بغير الجُعْل مع اليمين؛ لأنهما أخذا المال بمحض غرض المالك، وقد ائتمنهما فليصدقهما، وفي الوكيل بالجُعْل والمُضَارب، والأجير المشترك إذا لم يضمنه ذكرنا وجهين: أحدهما: أنهم مطالبون بالبينة؛ لأنهم أخذوا لغرض أنفسهم في الأجرة والربح.
وأصحهما: أنه يقبل قولهم مع أيمانهم؛ لأنهم أخذوا العيْن لمنفعة المالك، وانتفاعهم بالعمل في العَيْن لا بالعَيْن، بخلاف المُرْتهن والمستأجر، وهذه الطريقة هي الَّتِي سلكها أكثر الأصحاب سيما قدماؤهم، وتابعهم القاضي الرُّوياني، وذهب بعض الخُرَاسَانيين من المَرَاوِزَة وغيرهم: أن كل أمين يصدق في دعوى الرد كالمودع، قالوا: ولا عبرة بمنفعته في الأخذ، كما لا عبرة بها في وجوب الضَّمَان عند التلف بخلاف المستعير والمستام واعرف في لفظ الكتاب من الفرع شيئين: أحدهما: أنه سوى بين التَّلف والرد، وساق الطريقين في دعواهما جميعاً، وليس كذلك بل الكُلّ مطبقون على تَصْدِيقه في دعوى التَّلَف، وإنَّمَا الاختلاف في الرد.
واعلم: أن قولنا: يقبل قوله في التلف نريد به القبول في الجملة، وله تفصيل نذكره في كتاب "الوديعة" إن شاء الله تعالى.

الجزء: 4 - الصفحة: 509

والثَّاني: أنه لم يَحْكِ طريقة العراقيين بتمامها، ولم يستوعب مواضع الوِفَاق والخِلاَف بالذَّكْر، ولفظه في تَخْصِيص التَّصْديق بالمودع والوَكِيل بغير جُعْل لا يستمر إلاَّ على أحد الوَجْهَيْن الذين نقلوهما.
وقوله: (لأن المودع وقع الاعتراف بصدقه وأمانته) لا يتضح به الفرق، إذ لا بعد في أن يقال: كل أمين يقع الاعتراف بصدقه وأمانته، والَّذي ذكروه في الفرق أن الوَدِيْعة ائتمان محض لا غرض للآخذ فيها كما مرّ.
ورابعها: لو رهن الغَاصِب المغصوب من إنسان فتلف في يد المرتهن، فللمالك تَضْمِيْنُ الغاصب، وفي تَضْمِييْن المرتهن طريقان.
قاله العراقيون: فيه وجهان لابن سُرَيْج: أحدهما: أنه لا يطالب بالضَّمَان؛ لأن يده يد أمانة.
وأصحهما: أنه يطالب لتفرغ يده على يد الغاصب، وعدم ائتمان المالك إياه، وعلى هذا فيستقر الضَّمَان عليه أم يرجع على الغاصب؟ فيه وجهان: أحدهما: يستقر لحصول التلف عنده، فينزل التلف منزلة الإتلاف في المَغْصُوبات.
وأظهرهما: أنه يرجع لِتَغْرير الغَاصِب إياه وعدم التَّعدِّي منه، هذه طريقة، وعن المَرَاوزة القَطْعُ بالمُطَالَبَة وعدم الاسْتِقْرَار، والطَّرِيقَان جاريان في المُسْتأْجر من الغَاصِب والمودع منه والَمُضَارب والذي دفع المغصوب إليه ووكّله ببيعه، وكل ذلك فيما إذا جهلوا كونه مغصوباً، فإنْ علموا فهم غاصبون أيضاً، والمُسْتَعْيرِ منه والمُسْتَام فيطالبان، ويستقر عليهما الضمان؛ لأن يد كل واحد منهما يد ضمان، وهذه الصور تعود في الغَصْب إن شاء الله تعالى.
وقوله في الكتاب: (وعند العراقيين في مطالبتهم وجهان) يرجع إلى المرتهن والمستأجر والمودع، دون المستعير والمُسْتَام.
ومن الفروع التي تندرج في الفصل: أنه لو رهن بشرط أن يكون مضمونًا على المرتهن يفسد الشرط والرهن، ثم لا يكون مضمونًا عليه.
ومنها: لو قال: خذ هذا الكيس واسْتَوْفِ حقك منه، فهو أمانة في يده قبل أن يستوفى حقه، فإذا اسْتَوْفَى حَقَّه منه كان مَضْمُوناً عليه، ولو قال: وفيه دراهم خُذْه بدراهمك، وكانت الدراهم التي فيه مَجْهُولة القَدْر، أو كَانَتْ أكثر من دراهمه لم يملكه، ودخل في ضمانه بحكم الشِّرَاء الفاسد وَإِنْ كانت مَعْلُومة، وبقدر حقه ملكها، ولو قال:

الجزء: 4 - الصفحة: 510

خذ هذا العبد بحقك، ولم يكن سليماً فقبل ملكه، وإنْ لم يقبله وأخذه دخل في ضمانه بحكم الشراء الفاسد.
قال الغزالي: وَالمُرْتَهِنُ مَمْنُوعٌ مِنْ كُلِّ تَصَرُّفٍ قَوْلاً وَفِعْلاً فَإِنْ وَطِئَ فَهُوَ زَانٍ، وإنْ ظَنَّ الإِتاحَةَ فَوَاطِئٌ بِالشُّبْهِةِ، فَإِنْ أَذِنَ الرَّاهِنُ وَعَلِمَ التَّحْرِيمَ فَزَانٍ، وَقِيلَ: مَذْهَبُ عَطَاءٍ فِي إِبَاحَةِ الجَوَارِي بِالإِذْنِ شُبْهَةٌ، وَإِنْ ظَنَّ حِلاّ فَوَاطِئٌ بِالشُّبْهَةِ، وَفِي وُجُوبِ المَهْرِ عَلَيْهِ وَقِيمَةِ الوَلَدِ عَلَيْهِ وَجْهَان مِنْ حَيْثُ إنّ الإِذْنَ ضَعِيفُ الأثرِ فِي الوَطْءِ بِدَلِيلِ المُفَوِّضَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: ليس للمرتهن في المرهون سوى حق الاستيثاق.
أما البيع وسائر التصرفات القولية والانتفاعات وسائر التَّصرفات العَقْلية، فهو ممنوع من جميعها، فلو وَطِئَ الجارية المرهونة لم يخل إما أنْ يطأ بدون إذْنِ الراهن أو بإذنه.
الحالة الأولى: أن يطأ بدون إذنه، فهو كما لو وطئ غير المرهونة وإن ظنها زوجته أو أمته، فلا حَدَّ وعليه المهر والولد حُرٌّ نسيب، وعليه قيمته للراهن، وإنْ لم يظن ذلك ولم يدع جَهْلاً، فهو زَانٍ يلزمه الحَدِّ كما لو وطئ المستأجر الجارية المُكْراة، ويجب المَهْر إنْ كانت مدكرهة، وإنْ كانت مطاوعة لم يجب على الأصح، وهذا الخلاف بتوجيهه مذكور في الغَصْب.
وإن ادَّعى الجهل بالتَّحْريم، لم يقبل إلاَّ أنْ يكون حديث العَهْد بالإِسلام، أو نشأ في بادية بعيدة عن بلاد المُسْلِمِين، فقبل قوله لدفع الحد، وحكى المسعودي في قبوله لثبوت النَّسب خلافاً للأصحاب، وأجرى مسألة في حُرِّيَّة الولد ووجوب المَهْر، والأصح ثبوت الكل؛ لأن الشُّبْهة كما تدرأ الحَدّ تثبت النَّسب والحرية، وإذا سقط الحَدّ وجب المهر.
والثانية: أنْ يَطَأَ بإذنه فإنْ علم أنه حرام، فظاهر المذهب أنه يجب عليه الحَدّ، وفيه وجه: أنه لا يجب لاختلاف العلماء، فإن عطاء بن أبي رباح -رضي الله عنه- كان يجوز وطء الجارية بإذن مالكها، وإن ادَّعى الجهل بالتَّحريم، فوجهان: أحدهما: أنه لا يقبل إلاَّ أن يكون حديث العهدب بالإسلام، أو من في معناه كما في الحالة الأولى.
وأصحهما، وبه قال القاضي أبو الطيب: أنه يقبل ويرفع الحَدّ، وإنْ نشأ بين المسلمين؛ لآن التحريم بعد الإذْن لما خفى على عَطَاء، مع أنه من علماء التَّابِعِين لا يبعد خفاؤه على العَوَام، وإذا اندَفع الحَدّ فهل يلزمه المَهْر؟

الجزء: 4 - الصفحة: 511

أما إذا كانت مطاوعة فلا، لانضمام إذن المستحق إلى طواعيتها.
وأما إذا كانت مُكْرَهة فقولان: أحدهما: أنه لا يجيب أيضاً؛ لأن مستحق الرَّهْن قد أذن، فأشبه ما لو زَنَتِ الحرة.
وأصحهما، وبه قال أبو حنيفة: يجب، لأن وجوب المهر حيث لا يجب الحَدّ حق الشرع، فلا يؤثر فيه الإذْن، كما أن المُفَوضة تستحق المَهْر بالدخول مع تفويضها، وإنْ كان قد أَوْلَدها بوطئه فاَلولد حُرٌّ نسيب، وفي وجوب قيمة الولد طريقان: أحدهما: أنه على القولين في المهر.
وأصحهما: الوجوب جزماً والفرق أنَّ الإذن في الوطء رضا بِإتْلاَف المنفعة، وليس رِضاً بالإحبال جزماً 63 وأيضاً فإِنَّ الإذن لا أثر له في حرية الولد، وإنَّمَا الموجب له ظن الواطئ فحسب، ولا تصير الجَارِية أم ولد للمرتهن بحال، وإنْ ملكها يوماً من الدَّهْر ففيه قولان، إذا كانت الصُّورة صورة ثبوت النَّسب.
وقوله في الكتاب: (فهو زان)، يمكن إعلامه بالحاء؛ لأنه لا حَدَّ عليه في رواية عن أبي حنيفة.
وقوله: (فإن ظن إباحته، فوطئ بالشبهة) غير مجرى على إطلاقه، بل المراد ما إذا كان حديث العَهْد بالإسلام أو من في معناه.
وأما قوله: (وفي وجوب المَهْر وقيمة الوَلَد وجهان) ففيه نظران: أحدهما: أنَّ الخلاف في المهر قولان لا وجهان، وقد نص عليهما في "المختصر".
والثاني: أنه أجاب بطريقة إثبات الخلاف في القيمة، والأصح عند الأئمة الطَّريقة النافية للخلاف، ويجوز إعلام "القيمة" بالواو إشارة إليها.
فرع: زعم المرتهن بعد الوَطْء أن الراهن قد باعها منه أو وهبها وأقبضها، فأنكر الراهن فالقول قوله مع يمينه، فإنْ حلف فهي والولد رقيقان له، ثم لو ملكها يوماً من الدهر فهي أم ولد له والولد حُرٌّ لإقراره السَّابق، كما لو أقر بحرية عَبْد الغير، ثم اشتراه فإنْ نكل الرَّاهن وحلف المرتهن فالولد حر، وهي أم ولد له.
قال الغزالي: وَهَذِهِ الأَحْكَامُ تَثْبُتُ في عَيْنِ الرَّهْنِ وَبَدَلِهِ الوَاجِبِ بِالجِنَايَةِ عَلَى

الجزء: 4 - الصفحة: 512

المَرْهُونِ إِذْ يَسْرِي إِلَيْهِ حَقُّ الرَّهْنِ حَتَّى لاَ يَنْفَذَ إبْرَاءُ الرَّهْنِ اسْتِقْلاَلاً وَلاَ إبْراءُ المُرْتَهِنِ إِذْ لاَ دَيْنَ لَهُ، وَلاَ يَسْرِي إلَى الكَسْبِ وَالعُقْرِ (ح) وَالزِّيَادَاتِ العَينية (ح) كَالَّلبَنِ وَالوَلَدِ (ح) وَالصُّوفِ وَالثَّمَرَةِ (ح)، فَإِنْ كَانَ الوَلَدُ مُجْتنًا حَالَةَ البَيْعِ وَالعَقْدُ كَانَ تَابِعاً، وإِنْ كَانَ مُجتَناً في إحْدَى الحَالَتَيْنِ فَفِي تَبَعِيَّتهِ خِلاَفٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: مقصود هذه البقية بيان ما يتعلّق به حق الوثيقة، وتثبت فيه أحكامها ولا شك في تعلّقه بِعَيْنِ الرَّهْن، والكلام وراءها في بدل الرَّهْن وزوائد المرهون.
الفصل الأول: في بدله، ومهما جنى على المرهون، وأخذ من الجاني الأرْش انتقل حق الرَّهْن إليه كما ينتقل المِلْك لقيامه مقام الأصل، ويجعل في يد مَنْ كان الأصل في يده مِنَ المُرْتَهن أو العَدْل، وإلى أن يؤخذ هل يقال بأنه مرهون؟ قال قائلون: لا؛ لأنه دين والدُّيون لا تكون مرهونة، فإذا تعيّن صار مرهوناً، والحالة المتخلّلة كتخمُّر العَصِير وتخلّله بعده، وقال آخرون: هو مرهون كما كان؛ لأنه مال بخلاف الخمر، ومنعوا خروجه عن كونه مرهوناً بخروجه عن كونه عَنباً، وإنما المُسَلَّم أنه لا يرهن الدَّين ابتداء 64، والخَصْم في بدل المرهون إنما هو الراهن؛ لأنه المالك كما لو جنى على العبد المستأجر أو المودع يكون الخَصْم فيها المالك، فلو قعد عن الخُصُومة فقولان في أن المرتهن هل يخاصم؟ قال في "التهذيب" أصحهما عند الأصحاب، وبه قال القفال: أنه لا يخاصم 65 قال: ورأيت بخطّ شيخي أنَّ للمرتهن أنْ يدعي ويخاصم فيه، وكذلك المستأجر إذا دعى العَيْن، وقال لمن في يده: إنها ملك فلان أجرها منى، وإنما لا يدعي المُسْتأجر القيمة؛ لأن حقه لا يتعلّق بها، قال وهو القياس: وإذا خاصم الراهن فللمرتهن أنْ يحضر خصومته، لتعلّق حقه بما يأخذه، ثم إنْ أقر به الجَانِي أو أقام الرَّاهن البَيّنة، أو حلف بعد نُكُول المُدّعي عليه ثبتت الجناية، وإنْ نكل الراهن فهل يحلف المرتهن؟ فيه قولان، كما إذا نكل المُفْلس هل يحلف الغُرَمَاء؟ وإذا ثبتت الجِنَاية فإنْ كانت عمداً فلِلرَّاهن أن يقبض، ويبطل حقّ المبرتهن، وإنْ عَفَا عن القِصَاص مطلقاً ثبت المال، إن قلنا: مطلق العفو يوجب المال، وإلاَّ لم يجب وهو الأصح، هكذا قاله صاحب "التَّهذيب"، وإن عفا على أنْ لا مال.
فإن قلنا: إنّ موجب العمد أحد الأمرين لم يصح عفوه عن المال.

الجزء: 4 - الصفحة: 513

وإن قلنا: إنّ موجبه القَوَدُ، فإن قلنا: إن مطلق العَفْو لا يوجب المال، لم يجب شيء.
وإن قلنا: يوجبه فوجهان: أحدهما: يجب لِحَقّ المرتهن.
وأصحهما: المنع؛ لأن القتل لم يوجبه، وإنما يجب بعفوه المطلق أو بعفوه على المال، وذلك نوع اكْتِسَاب منه وليس عليه الاكْتِسَاب للمرتهن، وإنْ لم يقبض في الحَال ولم يعف، ففي إِجْبَارِهِ على أحدهما طريقان: أحدهما: يجبر ليكون المرتهن على ثبت من أمره.
والثَّاني: إن قلنا: موجب العمد أحد الأمرين أجبره.
وإن قلنا: موجبه القَوَدُ لم يجبر؛ لأنه يملك إسقاطه فتأخيره أولى بأن يملكه 66 وإن كانت الجناية خطأ أو عفا، ووجب المال فعفا عن المال، لم يصح عفوه لحق المرتهن، وفيه قول أنَّ العفو موقوف، ويؤخذ المال في الحال لحق المرتهن، فإن انفك الرَّهْن ردَّ إِلَى الجاني، وبان صحة العَفْو وإلاَّ بان بطلانه، ولو أراد الرَّاهن أنْ يصالح عن الأَرْش الواجب على جِنْس آخر لم يَجُز إلاَّ بإذن المرتهن، فإذا أذن صح وكان المأخوذ مرهوناً، هكذا نقلوه.
ولك أن تقول: قد مَرَّ أنه إذا أذن في البيع والدَّين مؤجل فباع، يرتفع الرَّهْن ولا يكون الثَّمن رهناً، وأنه إذا أذن بشرط أنْ يكون الثمن رهناً ففي كونه رهناً قولان، وقياسه أنْ يكون المصالح عليه كذلك؛ لأن الصُّلْح بيع.
ولو أَبْرأ المرتهن الجاني لم يصح؛ لأنه ليس بمالك، وهل يسقط حقه عن الوثيقة بهذا الإِبْرَاء؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، ويخلص المأخوذ للراهن كما لو صرح بِإِسْقَاط حقّ الوثيقة.
وأصحهما: لا.
لأنه لم يصح إبرازه، فلا يصح ما يتضمنه الإبراء، كما لو وهب المرهون من إنسان لم يصح، ولا يبطل الرَّهْن.
الفصل الثاني: في زوائد المرهون، وهي إما متصلة كَسِمَنِ العبد وكِبَرِ الشجرة والثّمرة، فتتبع الأصل في الرَّهْن أو منفصلة كالثمرة والولد واللَّبن والبَيْض والصُّوف، فلا يسري إليها الرَّهْن وبه قال أحمد، وعند أبي حنيفة يسري.

الجزء: 4 - الصفحة: 514

وقال مالك: الولد مرهون والثمرة غير مرهونة.
لنا القياس على ولد الجارية الجانية، فإن الأرش لا يتعلق به بالاتفاق، وكما أنَّ هذه الزَّوَائد غير مرهونة، فكذلك مَهْرُ الجَارِية إذا وطئت بالشُّبْهة بل أولى، لأنه غير حاصل من نَفْس المرهون، وعند أبي حنيفة هو مرهون أيضاً، ولا خلاف في أن كَسْب العبد ليس بمرهون، هذا في الزوائد الحادثة بعد الرَّهْن.
ولو رهن حاملاً، أو مست الحاجة إلى البيع وهي حامل بعد فيباع كذلك في الدين؛ لأنا إنْ قلنا: الحمل يعلم فكأنه صرح برهنها، وإلاَّ فقد رهنها والحمل مَحْض صفة، ولو ولدت قبل البيع فهل الولد رهن؟ فيه قولان مبنيان على أن الحمل هل يعلم؟ إن قلنا: لا، فهو كالحادث بعد العقد.
وإن قلنا: نعم، فهو رهن يباع مع الأم كما لو رهن شيئين.
وزاد الشيخ أبو محمد فقال: إن قلنا: نعم، ففي كونه مرهوناً قولان لضعف الرَّهْن عن الاسْتِتْبَاع وقد سبق نَظَائِره، فإن قلنا: الولد لا يكون مرهوناً، فلو صرح في العقد وقال: رهنتها مع حملها.
قال الإمام: فيه تردد للأصحاب، والظَّاهر أنه لا يكون مرهوناً أيضاً، إذ لو جاز ذلك لجاز إفراده بالرَّهْن، ولو حبلت بعد الرَّهْن وكانت حاملاً عند الحاجة إلى البيع.
فإن قلنا: الحمل لا يعلم بيعت حاملاً، وهو كزيادة متصلة.
وإنْ قلنا: يعلم لم يكن الولد مرهوناً وتعذر بيعها؛ لأن استثناء الحمل لا يمكن ولا سبيل إلى بيعها حاملاً، ويوزع الثمن على الأم والحمل؛ لأن الحمل لا تعرف قيمته، فلو رهن نخلة فأطلعت فطريقان: أحدهما: أن بيعها مع الطَّلْع على قولين كما في الحمل.
والثاني: القطع بأن الطَّلْع غير مرهون؛ لأنه يمكن إفراده بالعقد فلا يجعل بيعاً، فإذا قلنا: إنه غير مرهون تباع النَّخْلة، ويستثنى الطَّلْع بخلاف الجارية الحامل، ولو كانت مطلعة وقت الرَّهْن ففي دخول الطَّلْع ما سبق في الباب الأول، فإن أدخلناه فجاء وقت البيع وهو طلع بعد بيع مع النخيل، ولو أبرت فطريقان: أحدهما: أن الحكم كما إذا ولدت الحامل.
والثاني: القطع ببيعه مع النَّخْل؛ لأنه معلوم مشاهد وقت الرَّهْن.

الجزء: 4 - الصفحة: 515

وقوله في الكتاب: (والزيادات العينية) أراد به الزيادات الحَادِثَة من العين، لا كالكسب والمهر.
وقوله: (حالة البيع) (1) يقتضي اعتبار نفس العقد في مقارنة الولد وحدوثه بعده، والأمر على ما يدل عليه ظاهره، وكذك القول في سائر الزَّوَائد.
وحكى الإمام وجهاً آخر: أن الاعتبار بحالة القبض؛ لأن الرَّهْن به يتم.
فرع: أَرْش الجناية على المرهونة، وافتضاض البكر مرهونان؛ لأنهما بدل جزء من المرهون وليسا من الزوائد.
فرع: لو ضرب الجَارَيةَ المرهونة ضارب، فألقت جنيناً ميتاً، فعلى الضارب عشر قيمة الأم، ولا يكون مرهونًا؛ لأنه بدل الولد وإن دخلها نقص لم يجب بسببه شيء آخر، ولكن قدر أَرْش النُّقْصَان من العشر يكون رهناً، وإنْ ألقته حيّاً ومات ففيما يجب على الجاني؟ قولان: أصحهما: قيمة الجنين حيّاً وأَرْش نقص الأم إن انتقصت، فعلى هذا القيمة للراهن والأَرْش مرهون.
والثاني: أكثر الأمرين من أَرْش النَّقْص أو قيمة الجنين، فعلى هذا إنْ كان الأرش أكثر فالمأخوذ رهن كله، وإنْ كانت القيمة أكثر فقدر الأَرْش من المأخوذ رهن، والبهيمة المرهونة إذا ضربت فألقت جنيناً ميتاً، فلا شيء على الضَّارب سوى أَرْش النُّقْصَان إن نقصت ويكون رهناً.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي فَكِّ الرَّهْنِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِالتَّفَاسُخِ، وَفَوَاتِ عَيْنِ المَرْهُونِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، وَيَلْتَصِقُ بِهِ مَا إِذَا جَنَى العَبْدُ وَبِيعَ فِي الدَّيْنِ فَإِنَّهُ فَاتَ بِغَيْرِ بَدَلٍ، وَكَمَا يُقَدَّمُ حَقُّ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ علَى حَقِّ المَالِكِ يُقَدَّمُ علَى حَقِّ المُرْتَهِنِ.

أسباب انفكاك الرَّهْن

قال الرَّافِعِيُّ: الرَّهْن ينفك بأسباب: أحدها: الفسخ منهما أو من المرتهن وحده، فإن الرَّهْن جائز من جهته.
والثاني: تلف المرهون بآفة سَمَاوِية، ولو جنى العبد المرهون لم يبطل الرَّهْن بمجرد الجِنَاية، ولكن ينظر أتتعلق الجناية بأجنبي أم بالسيد؟67

الجزء: 4 - الصفحة: 516

القسم الأول: أن تتعلّق بأجنبي فيقدم حق المجني عليه؛ لأن حقه متعين في الرقبة، وحق المرتهن متعلق بذمة الراهن بالرقبة، وأيضاً فإن حق المجني عليه متقدم على حق المالك، فأولى أن يتقدم على حق المستوثق، ثم إنْ أوجبت الجناية القِصَاص واقتصى المجني عليه بطل الرَّهْن، وإنْ أوجبت المال أو عفا على مال بَيْع العبد في الجِنَاية، وبطل الرَّهْن أيضاً، حتى لو عاد إلى ملك الراهن، لم يكن رهناَ إلاَّ بعقد جديد.
ولو كان الواجب دون قيمة العبد بيع منه بقدر الواجب وبقي الباقي رهناً، فإن تعذَّر بيع البعض أو انتقص بالتَّشْقِيص بيع الكُلّ، وما فضل من الثمن عن الأَرْش يكون رهنًا، ولو عفا المجني عليه عن المال أو فداه الرَّاهن بقي العبد رهنًا كما كان، وكذا لو فداه المرتهن، ثم في رجوعه على الرَّاهن ما ذكرناه في رهن أرض الخراج، وعند أبي حنيفة ضمان جناية المرهون على المرتهن بناء على أن المرهون مضمون عليه، فإن فداه المرتهن بقي رهناً ولا رجوع له بالفداء، وإنْ فداه السيد أو بيع في الجناية سقط دين المرتهن، إنْ كان بقدر الفداء أو دونه، وهذا كله فيما إذا جنى العبد بغير إذن السيد، أما إذا أمره السيد بذلك، نظر إنْ لم يكن مُميزاً أو كان أعجمياً يعتقد وجوب طاعة السيد في كل ما يأمره به، فالجاني هو السيد وعليه القِصَاص أو الضَّمَان، وهل يتعلق المال برقبته؟ فيه وجهان يذكران في موضعهما والأظهر المنع.
وإذا قلنا يتعلق فبيع في الجناية، فعلى السيد أن يرهن قيمته مكانه، وإذا جنى مثل هذا العبد.
فقال السيد: أنا أمرته بذلك، لم يقبل قوله في حق المجني عليه بل يباع العبد فيها، وعلى السيد القيمة لإقراره، وإنْ كان العبد مميزاً يعرف أنه لا يطاع السَّيد فيه بالغاً كان أو غير بالغ، فهو كما لو لم يأذن السَّيد إلاَّ أنه يأثم بما فعل، وإذا عرفت ما ذكرناه لم يخف عليك أن قوله (وبيع في الدين) أراد به دين الجِنَاية فإنَّ الغرض فيما إذا نسبت الجناية إلى السَّيد وإلاَّ فلا يكون الفوات بغير بدل.
قال الغزالي: فَإنْ جَنَى عَلَى عَبْدِ السَّيِّدِ أَو السَّيِّدِ نَفْسِهِ فَلَهُ القِصَاصُ كَمَا لِلأَجْنَبِيِّ، وَلَيْسَ لَهُ الأَرْشُ وَالبَيْعُ إِذْ لاَ يَسْتَحِقُّ شَيْئاً عَلَى عَبْدِ نَفْسِهِ، وَلَوْ جَنَى عَلَى عَبْدِ أَبِيهِ وَانْتَقَلَ إِلَيْهِ بِمَوْتهِ فَفِي اسْتحْقَاقِهِ الفَكَّ خِلاَفٌ لأَنَّهُ فِي حُكْمِ الدَّوَامِ، وَإِنْ جَنَى عَلَى عَبْدٍ آخَرَ لَهُ مَرْهُونٍ مِنْ غَيْرِ هَذا المُرْتَهِنِ فَلَهُ قَتْلُهُ، وَإِنْ فَاتَ حَقُّ المُرْتَهِنِ فَإِنْ عَفَا عَلَى مَالٍ تَعَلَّقَ حَقُّ مُرْتَهِنِ القَتيلِ بِالعَبْدِ، وَإِنْ عَفَا بِغَيْرِ مَالٍ فَهُوَ كَعَفْوِ المَحْجُورِ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَوْجَبَ أَرْشاً

الجزء: 4 - الصفحة: 517

فَلِمرْتَهِنِ القَتِيلِ أَنْ يَطْلُبَ بَيْعَهُ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ القَتِيلُ أَيْضاً مَرْهُونًا عِنْدَهُ فَهُوَ فَوَاتٌ مَحْضٌ فِي حَقِّهِ إلاَّ أَنْ يَكُونَ القَتِيلُ مَرْهُونًا بِدَيْنٍ آخَرَ يُخَالِفُ هَذَا الدَّيْنَ فَلَهُ بَيْعُهُ وَجَعْلُ ثَمَنِهِ رَهْناً بِالدَّيْنِ الآخَرِ.
قال الرَّافِعِيُّ: القسم الثاني: أن تتعلق الجناية بالسيد وفيه مسائل: إحداها: إذا جنى العبد المرهون على طرف سيده عمداً فله القِصَاص لِلزّجر والانتقام، وهو أحوج إلى ذلك من الأجانب، فإن اقتص بطل الرَّهْن، وإنْ عفا على مال أو كانت الجناية خطأ، فعن ابن سُرَيْجٍ أنه يثبت المال، ويتوصل الرَّاهن به إلى فك الرَّهْن.
والمذهب: أنه لا يثبت؛ لأن السيد لا يثبت له على عبده مال، ويبقى الرَّهْن كما كان، وإن جنى على نفسه عمداً فللوارث القصاص، فإن عفا على مال أو كانت الجناية خطأ، ففي ثبوت المال قولان منقولان عن "الأم".
أحدهما: يثبت؛ لأن الجناية هاهنا حصلت في ملك غير الوارث، فجاز أنْ يثبت له المال كما ثبت للأجنبي.
وأصحهما: أنه لا يثبت أيضاً؛ لأنه لو ثبت لثبت على مملوكه، والقولان عند ابن أبي هريرة والشيخ أبي حامد مبنيان على أن الدِّيَة تثبت للوارث ابتداء أم يتلقاها الوارث من القتيل؟ إن قلنا بالأول ثبت المال لاستفادته في جناية على الغير.
وإنْ قلنا بالثاني لا يثبت؛ لأنه لم يثبت للقتيل حتى يتلقى منه، وأبى الجمهور هذا البناء، وقالوا: قضية القولين أن لا يثبت شيء.
أما إذا قلنا بالتلقي فظاهر.
وأما إذا قلنا بالقول الآخر؛ فلأنه كما يمنع ابتداء إثبات المال للمالك في ماله دواماً وإنما يمتنع ابتداؤه للمالك ابتداء.
الثانية: لو جنى على طرف من يرثه السيد كأبيه وابنه عمداً، فله القصاص وله العفو على مال، ولو جنى خطأ ثبت المال، فإن مات قبل الاستيفاء وورثه السيد فوجهان: أصحهما: عند الصيدلاني والإمام: أنه كما انتقل إليه سقط، ولا يجوز أن يثبت له على عبده اسْتِدامةٌ الدَّيْن، كما لا يجوز له ابتداؤه.
والثاني: وهو الَّذِي أورده العراقيون أنه لا يسقط، وله بيعه فيه كما كان للمورث، ويحتملى في الاسْتِدَامة ما لا يحتمل في الابتداء، وشبه الأصحاب الوجهين بالوجهين

الجزء: 4 - الصفحة: 518

فيما إذا ثبت له دَيْن على عبد غيره، ثم ملكه يسقط أو يبقى حتى يتبعه به بعد العِتْق، واستبعد الإمام هذا التشبيه وقال: كيف يكون الاستحقاق الطارئ على الملك بمثابة المِلْك الطَّارئ على الاستحقاق؟ ثم أجاب بأن الدَّيْن إذا ثبت لغيره، فنقله إليه بالإرث إدامة لما كان، كما أن إبقاء الدَّيْن الذي كان له على عبد الغير بعد ما ملكه إدامة لما كان، فانتظم التشبيه من هذا الوجه، وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكتاب بقوله: (لأنه في حكم الدوام).
ولو كانت الجناية على نفس مورثه، وكانت عمداً فللسيد الاقتصاص، فإنْ عفا على مال أو كانت خطأ بني ذلك على أن الدية تثبت للوارث ابتداء أم يتلقاها عن المورث؟ إن قلنا بالأول لم يثبت.
وإن قلنا بالثاني فعلى الوجهين فيما إذا جنى على طرفه ثم انتقل إليه بالإرث.
الثالثة: لو قتل عبداً آخر للراهن نظر إنْ لم يكن المقتول مرهوناً، فهو كما لو جنى على السيد، والحكم في القِنّ والمُدَبّر وأم الولد سواء، وإنْ كان مرهوناً أيضاً فله حالتان: إحداهما: أن يكون مرهوناً عند غير مرتهن القاتل، فإن قتل عمداً فللسيد القصاص ويبطل الرهنان جميعاً، وإنْ عفا على مال أو كان القتل خطأ، وجب المال متعلّقاً برقبة العبد لحق مرتهن القتيل، فإن السيد لو أتلف المرهون لغرم حق المرتهن؛ فلأن يتعلق الغُرْم بعبده كان أولى، وإنْ عفا بغير مال.
فإن قلنا: موجب العمد أَحَدُ الأمرين وجب المال، ولم يصح عفوه عنه إلاَّ برضا المرتهن.
وإنْ قلنا: موجبه القَود فإنْ قلنا: مطلق العفو لا يوجب المال لم يثبت شيء.
وإنْ قلنا: يوجبه، فوجهان: قال في "التهذيب": أصحهما: أنه لا يثبت أيضاً؛ لأن القتل غير موجب على هذا التقدير، فعفوه المطلق أو على مال نوع اكتساب للمرتهن، وإن عفا مطلقاً.
فإن قلنا: مطلق العفو يوجب المال يثبت عليه المال كما لو عفا على مال.
وإنْ قلنا: لا يوجبه صح العفو وبطل رهن مرتهن القتيل، وبقي القاتل رهناً كما كان.
والحكم في عفو المُفْلس المَحْجُور عليه كالحكم في عفو الرَّاهِن، والراهن محجور عليه في المرهون كما أن المفلس محجور عليه في جميع أحواله، ثم مهما

الجزء: 4 - الصفحة: 519

وجب المال نظر إنْ كان الواجب أكثر من قيمة القاتل أو مثلها، فوجهان: أحدهما: أنه ينقل القَاتِل إلى يد مرتهن القَتِيل ولا يباع؛ لأنه لا فائدة فيه.
وأظهرهما، وهو اختيار القاضي حسين: أنه يباع ويجعل الثمن في يده؛ لأن حقه في مالية العبد لا في العين، وأيضاً فقد رغب راغب بزيادة، فيتوثق مرتهن القاتل بتلك الزيادة وإن كان أكثر من قيمة القاتل، فعلى الوجه الأول ينقل من القاتل بقدر الواجب إلى مرتهن القتيل، وعلى الثاني يباع منه قدر الواجب ويبقى الباقي رهناً، فإنْ تعذر بيع البعض أو نقص بالتَّشْقِيص بيع الكل، وجعل الزائد على الواجب عند مرتهن القاتل.
واعلم: أن الوجهين إنما يظهران فيما إذا طلب الراهن النقل، وطلب مرتهن القتيل البيع، ففي وجه يجاب هذا، وفي وجه يجاب ذلك، أما إذا طلب الراهن البيع ومرتهن القتيل النقل فالمُجَاب الراهن؛ لأنه لا حق لصاحبه في عينه، ولو اتفق الراهن والمرتهنان على أحد الطريقين، فهو المسلوك لا محالة ولو اتفق الراهن ومرتهن القتيل على النقل.
قال الإمام: ليس لمرتهن القاتل المنافسة فيه وطلب البيع، وقضية التوجيه الثَّاني لأظهر الوجهين أنَّ له ذلك.
الحالة الثَّانية: أن يكون مرهوناً عند مرتهن القاتل أيضاً، فإن كان العبدان مرهونين بدَيْنٍ واحد بعد انتقصت الوثيقة ولا مستدرك، كما لو مات أحدهما، وإنْ كانا مرهونين بدينين نظر في الدَّيْنَيْن أيختلفان حلولاً وتأجيلاً أم لا يختلفان؟ أما في القسم الأول فله أن يتوثق لدين القتيل بالقاتل؛ لأنه إنْ كان الحال دين القاتل، فتحصل الوثيقة بالمؤجل، ويطالب الراهن بالحال في الحال، وإنْ كان الحال دين المقتول، ففائدته استيفاءه من ثمنه في الحال، وكذا الحكم لو كانا مؤجلين، وأحد الأجلين أطول.
وأما القسم الثاني فينظر أبين الدينين اختلاف في القدر أم لا؟ إنْ لم يكن بينهما اختلاف في القدر كعشرة وعشرة فإنْ كان العبدان مُخْتلفي القيمة، وكانت قيمة القتيل أكثر لم تنقل الوثيقة، وإنْ كانت قيمة القاتل أكثر نقل منه قدر قيمة القتيل إلى دين القتيل، وبقي الباقي رهناً بما كان، وإنْ كانا متساويين في القيمة بقي القاتل مرهوناً بما كان ولا فائدة في النقل، وإنْ كان بين الدَّيْنين اختلاف كعشرة وخمسة نظر إنْ تساوي العبدان في القيمة، أو كان القتيل أكثرهما قيمة، فإنْ كان المرهون بأكثر الدينين القتيل فله توثيقه بالقاتل، وإن كان المرهون بأقلهما القتيل فلا فائدة في نقل الوثيقة، وإنْ كان القتيل أقلهما قيمة، فإنْ كان مرهوناً بأقل الدينين فلا فائدة في نقل

الجزء: 4 - الصفحة: 520

الوثيقة، وإنْ كان مرهوناَ بأكثرهما نقل من القاتل قدر قيمة القتيل إلى الدَّيْن الآخر، وحيث قلنا بنقل التوثيق فيباع ويقام ثمنه مقام القتيل أَوْ مقام عينه مقامه، فيه الوجهان السابقان.
وقوله في الكتاب: (وله بيعه وجعل ثمنه رهنًا بالدين الآخر) يوافق أظهر الوجهين منهما.
وقوله: (بدين يخالف هذا الدين) قد يبحث عنه فيقال: ظاهره يقتضي تأثير اختلاف الدينين في الجنس كالاختلاف في القدر، أو في الحلول والتأجيل، وكذلك يقتضي تأثير اختلافهما في الاسْتقرار وعدم الاستقرار، كما إذا كان أحدهما عوض ما يتوقع رده بالعيب، أو صداقاً قبل الدخول، فهل الأمر كذلك أم لا؟ الجواب: أما الأول فإن صاحب الكتاب صرح في "الوسيط" بتأثير اختلاف الجنس، وهو متجه في المعنى، لكن الشَّافعي -رضي الله عنه- نص على خلاف، وبه قال الأصحاب على طبقاتهم، وأما الثاني فإنْ كان القاتل مرهونًا بالدين المستقر فلا معنى لنقل الوثيقة، وإن كان مرهوناً بالآخر ففي "الشامل" أن أبا إسحاق حكى فيه وجهين، والأكثرون لم يعتبروا سوى ما قدمناه من وجوه الاختلاف 68 والله أعلم.
فرع: لو تساوى الدَّيْنَان في الأوصاف، وحكمنا بأنَّ الوثيقة لا تنقل قال المُرْتَهن: إني لا آمنه وقد جنى فبيعوه وضعوا ثمنه مكانه، هل يجاب إليه؟ روى الإمام فيه وجهين: فرع: لو جنى على مُكَاتب السيد، ثم انتقل الحَقّ إليه بموته، أو عجزه فهو كما لو انتقل من المورث وقد مر.
قال الغزالي: وَيَنْفَكُّ الرَّهْنُ أَيْضاً بِقَضَاءِ كُلِّ الدَّيْنِ، فَإِنْ قَضَى بَعْضَهُ بَقِيَ كُلُّ المَرْهُونِ مَرْهُونًا بِبَقِيَّةِ الدَّيْنِ، وَكَذَلِكَ إذَا رَهَنَ عَبْدَيْنِ وَسَلَّمِ أَحَدَهُمَا كَانَ مَرْهُونًا بِجُمْلَةِ الدَّيْنِ (ح)، وَكَذَا لَوْ تَلَفَ أَحَدُهُمَا، إِلاَّ أَنْ يَتَعَدَّدَ العَقْدُ وَالصَّفْقَةُ أَوْ مُسْتَحِقُّ الدَّيْنِ أَو المُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ فَيَنْفَصِل أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ وَلاَ يُنْظَرُ إِلَى تَعَدُّدِ الوَكيلِ وَاتِّحَادِهِ، وَفِي النَّظَرِ إِلَى تَعَدُّدِ المُلْكِ فِي المَرْهُونِ المُسْتَعَارِ مِنْ شَخْصَيْنِ خِلاَفٌ مَهْمَا قَصَدَ بِقَضَائِهِ فَكَّ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا، وَإِذَا مَاتَ الرَّاهِنُ فَقَضَى أَحَدُ ابْنَيْهِ نِصْفَ الدَّيْنِ لَمْ يَنْفَكَّ (و) نَصِيبُهُ،

الجزء: 4 - الصفحة: 521

وَلَوْ تَعَلَّقَ دَيْنٌ بِإقْرَارِ الوَرَثَةِ بِالتَّرِكَةِ فَقَضَى وَاحِدٌ نَصِيبَهُ فَفِي انْفِكَاكِ الحِصَّةِ قَوْلاَنِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الثالث: مِنْ أسباب انفكاك الرَّهْن براءة الذِّمَّة عن الدَّيْن بتمامه، إما بالقَضَاء أو الإِبْرَاء أو الحِوَالة أو الإقَالة المُسْقِطَة للثمن المرهون به، أو المسلم فيه المرهون به، وَلو اعتاض عن الدَّيْن عيناً ارتفع الرَّهْن أيضاً لتحول الحق من الذمة إلى العَيْن، ثم لو تلفت العين قبل التسليم بطل الاعتياض، ويعود الرَّهْن كما عاد الدين قاله في "التتمة"، ولا ينفك بالبراءة عن بعض الدين بعض الرَّهْن، كما أن حق الحبس يبقى ما بقي شيء من الثمن، ولا يعتق شيء من المُكَاتب ما بقي شيء من المال، وهذا لأن الرَّهْن وثيقة لجميع الدين، وكل جزء منه كالشهادة ولو رهن عبدين وسلم أحدهما، كان المسلم مرهوناً بجميع الدين، خلاف لأبي حنيفة -رحمه الله- أنه لو سلمهما ثم تلف أحدهما، كان الباقي رهناً بجميع الدين فيقاس عليه، ولو رهن داراً فانهدمت بعد القبض، فالنقض والعَرَصَة مرهونان بجميع الدين، وإنما الغرض انفكاك الرَّهْن في بعض المرهون دون بعض بأحد أمور: أحدها: تعدد القدر كما إذا رهن أحد نصفي العبد بعشرة في صفقة، ونصفه الآخر في صفقة أخرى.
وقوله في الكتاب: (وإِنْ تعدّد العقد والصَّفقة) لفظان مترادفان، وقد يؤكد بمثلهما.
والثَّاني: أن يتعدّد المستحق لِلدَّيْن كما إذا رهن رجل من رجلين بدينهما عبداً بينهما صفقة واحدة، ثم برئت ذمته عن دين أحدهما بأداء أو إبراء، ينفك من الرَّهْن بقسط دينه، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا ينفك شيء حتى يؤدي دينهما جميعاً، ولا يخفى وجه قولنا في المسألة، ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب: (أو مستحق الدين) مع الحاء بالواو، لأن عن صاحب "التقريب" رواية وجه غريب: أنه إذا اتحد جهة الدينين كما لو أتلف عليهما مالاً أو ابتاع منهما لم ينفك شيء بالبراءة عن دين أحدهما، وإنما ينفك إذا اختلفت الجهتان.
والثالث: أن يتعدد مَنْ عليه الدين كما لو رهن رجلان من رجل بدينه عليهما، فإذا أدى أحدهما نصيبه، أو برأه المستحق انفك نصيبه.
وعن أبي حنيفة فيما رواه الصَّيدلاني وغيره أنه لا ينفك حتى يبرئا عن حقه جميعاً، وجوز هذا الرَّهْن وإنْ لم يجوز رهن المشاع.
والرابع: لو وكَّل رجلان رجلاً ليرهن عبدهما من زيد بدينه عليهما، فرهن ثم قضى أحد الموكلين ما عليه، فعن بعض الأصحاب تخريجه على قولين سنذكرهما على

الجزء: 4 - الصفحة: 522

الأثر إن شاء الله تعالى والصحيح الجَزْم بأنه ينفك نصيبه، ولا نظر إلى اتحاد الوكيل وتعدده.
قال الإمام: لأن مدار الباب على اتحاد الدين وتعدده، ومهما تعدد المستحق أو المستحق عليه، فقد تعدد الدين، ويخالف ما نحن فيه البيع والشراء، حيث ذكرنا خلافاً في أنَّ الاعتبار في تعدد الصفقة، واتحادها بالمتبابعين أو الوكيل؛ لأن الرَّهْن ليس عقد ضمان حتى ينظر فيه إلى المباشر.
الخامس: إذا استعار عبداً من مالكيه لرهنه فرهنه ثم أدى الدَّين، وقصد به الشُّيوع من غير تَخْصِيص بحصّة لم ينفك من الرَّهْن شيء، وإن قصد أداءه عن نصيب أحدهما بعينه لينفك نصيبه فقولان: أحدهما: لا ينفك كما لو استعاره من واحد.
والثَّاني: ينفك كما لو رهن رجلان من رجل، ثم أدى أحدهما نصيبه، والمعنى فيه أن النظر إلى تعدد الملك وقطع النظر عن العاقد، وفي عيون المسائل ما يدل على أن هذا أظهر القولين 69، ولو كان لشخصين عبدان متماثلا القيمة فاستعارهما للرهن، فرهنهما ثم قضى نصف الدين ليخرج أحدهما عن الرَّهْن فطريقان: قيل: يخرج لانضمام تعدد المحل إلى تعدد المالك.
والأصح: طرد القولين.
وإذا قلنا: بالانفكاك فلو كان الرَّهْن مشروطاً في بيع، فهل للمرتهن الخيار إذا كان جاهلاً بأنه لمالكين؟ فيه رأيان نسبهما الأكثرون إلى ابن سريج، وحكاهما أبو بكر الفارسي قولين: أصحهما: أن له الخيار؛ لأن مقتضى الرَّهْن المطلق أن لا ينفك شيء منه إلاَّ بعد أداء جميع الدين ولم يحصل ذلك، ونقل المُحَامليْ وغيره في أصل المسألة قولاً ثالثاً وهو: أن المرتهن إنْ كانا عالماً بأن العبد لمالكين، فللراهن فك نصيبه بأداء نصف الدين، وإنْ كان جاهلاً لم يكن للراهن فكه إلاَّ بأداء الكل.
قال الإمام: ولا نعرف لهذا وجهاً، فإن عدم الانفكاك لاتحاد الدين والعاقدين، وهذا لا يختلف بالعلم والجهل، وإنما أثر الجهل الخيار على ما بيناه.

الجزء: 4 - الصفحة: 523

ولو استعار من رجلين ورهن من رجلين، كان نصيب كل واحد من المالكين مرهوناً من الرجلين، فلو أراد فك نصيب أحدهما بقضاء نصف دين كل واحد منهما فعلى القولين، ولو أراد فكَّ نصف العبد بقضاء دَيْن أحدهما، فله ذلك بلا خلاف.
ولو استعار اثنان من واحد ورهنا من واحد، ثم قضى أحدهما ما عليه انفك النِّصف لتعدد العاقد، هذا هو المنقول.
وقد يخطر بالبال أنه إذا تعدد المالك واتَّحد العاقد ينظر إلى تعدد المالك على رأي، فلم لا ينظر إلى اتحاده إذا اتحد المالك، وتعدد العاقد؟ ويجوز أن يجاب عنه بأنا إنما نلاحظ جانبه بما ينفعه لا بِمَا يَضُرُّه.
فرع: قال في "التَّهذيب": لو استعار ليرهن من واحد، فرهن من اثنين أو بالعكس لا يجوز.
أما في الصُّورة الأولى فلأنه لم يؤذن.
وأما بالعكس؟ فلأنه إذا رهن من اثنين ينفكّ بعض الرَّهْن بأداء دَيْن أحدهما، وإذا رهن من واحد لا ينفك شيء إلاَّ بأداء الجميع، ونقل صاحب "التتمة" وغيره في الطرفين الجو از، والأول أصَحّ.
والسادس: لو رهن عبداً بمائة ثم مات عن اثنين، فقضى أحدهما حِصّته من الدين، هل ينفك نصيبه من الرَّهْن؟ عن صاحب "التقريب" أنه على قولين: أحدهما: ينفك كما لو رهن في الابتداء اثنان.
وأصحهما؟ وبه قطع قاطعون: أنه لا ينفك، لأن الرَّهْن في الابتداء صدر من واحد، وأنه إنما أثبت وثيقة قضيتها حبس كل المرهون إلى أداء كل الدين، فوجب إدامتها، ولو مات مَنْ عليه الدين وتعلّق الدَّين بتركته، فقضى بعض الورثة نصيبه مِنَ الدين.
قال الإمام: لا يبعد أن يخرج انفكاك نصيبه من الرَّهْن على قولين بناء على أن أحد الورثة لو أقر بالدين وأنكر الباقون هل يلزم المقر أداء جميع الدين من حصته من التركة؟ وعلى هذا البناء فالأصح الانفكاك؛ لأن الجديد أنه لا يلزم أداء جميع الدَّين مما في يده من التركة، وأيضاً فإنَّ تعلَّق الدين بالتركة إذا مات الراهن إمَّا أنْ يكون كتعلق الرَّهْن أو كتعلّق الأَرْش بالجاني.
إنْ كان الأول فهو كما لو تعدّد الراهن.
وإنْ كان الثاني فهو كما لو جنى العبد المشترك، فادى أحد الشَّريكين نصيبه ينقطع التعلّق عنه.
واعلم: أن الحكم بانفكاك نصيبه إنما يظهر، إذا كان ابتداء التعلّق مع ابتداء تعلّق الملاك، ولو كان الموت مسبوقاً بالمرض، فيكون التعلّق سابقاً على ملك الورثة، فإن

الجزء: 4 - الصفحة: 524

للدين أثراً بيناً في الحجر على المريض، فيشبه أنْ يكون القول في انفكاك نصيبه كما مر في الصورة السابقة 70. وقوله في الكتاب: (بإقرار الورثة) قيد ذكره هاهنا وفي "الوسيط" وصورة المسألة غنية عنه، فإنَّ التعلق لا يختلف بين أنْ يكون ثبوت الدين بالبيِّنة أو بالإِقْرَار، ولم يتعرض صاحب "النهاية" لهذا القيد.
قال الغزالي: وَمَهْمَا انْفَكَّ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا فلَهُ أَنْ يَسْتَقْسِمَ المُرْتَهِنَ بَعْدَ إِذْنِ الشَّرِيكِ الرَّاهِنِ بِنَاءً عَلَى الأَصَحِّ فِي أَنَّ حُكْمَ القِسْمَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الحُكْمِ الإِقْرَارُ لاَ حُكْمُ البَيْعِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا كان المرهون لمالكين، وانفك الرَّهْن في نصيب أحدهما بأداء أو إبراء، وأراد الذي انفكَّ نصيبه القسمة، نظر إنْ كان المرهون مما ينقسم بالأجزاء كالمَكيْلات والموزونات.
قال الشَّافعي -رضي الله عنه-: كان للذي انفك نصيبه، أنْ يقاسم المُرْتَهن بإذن شريكه، وإنْ كان مِمَّا: لا ينقسم بالأجزاء كالثِّيَاب والعبيد.
قال أصحابنا العراقيون: لا يجاب إليه.
ومثاله: أن يرهنا عبدين مشتركين مُتَسَاويي القيمة، وانفكَّ الرَّهْن عن نصف كل عبد، فأراد من انفكّ نصيبه أن ينفرد بعبد، وينحصر الرَّهْن في عبد، فإنْ كان المرهون أرضاً مختلفة الأجزاء كالدَّار، وطلب من انفكّ نصيبه القسمة، قالوا: على الشريك أن يساعد، وفي المرتهن وجهان: أظهرهما: أن له أن يمتنع لما في القسمة من التَّشْقِيص وقلّة الرَّغبات، وهذا ما ضمنه العراقيون طرقهم، وزاد آخرون منهم أصحاب القَفَّال فقالوا: تجويز القسمة حيث جوزناه مبني على أنَّ القسمة إفراز حق، فأما إذا جعلناها بيعاً فهي بيع المرهون بغيره، وهو ممتنع ثم إذا جَوَّزنا القسمة فسبيل الطالب أن يراجع الشريك، فإن ساعده فذاك،

الجزء: 4 - الصفحة: 525

وإلاَّ رفع الأمر إلى القاضي ليقسم.
ونقل الصَّيْدَلاَنِيّ وجهاً: أنه لا حاجة إلى إذن الشريك في المتماثلات؛ لأن قسمتها قسمة إجبار، والمذهب الأول.
فلو قاسم المرتهن وهو مأذون من جهة المالك أو الحاكم عند امتناع المالك جاز، وإلاَّ فلا، وإذا منعناها فلو رضي المرتهن، فالمفهوم من كلام المعظم صحتها.
وقال الإمام: لا يصح وإن رضي؛ لأن رضاه إنما يؤثر في فك الرَّهْن، أما في بيع الرَّهْن بما ليس برهن ليصير رهناً فلا، وهذا إشكال قوي 71. وقوله في الكتاب: "له أن يستقسم المرتهن بعد إذن الشريك الآخر"، يوافق اللفظة الَّتي نقلناها عن الشَّافعي -رضي الله عنه- والقسمة في الحقيقة إنما تجري مع الشريك، لأنه المالك، لكن لما كان المرهون في يد المرتهن، وكان فصل الأمر معه أهون، حسن القول بأنه يقاسمه بإذن المالك.
وقوله: (بناء على الأصح) سيأتي في موضعه في أن حكم القسمة في مثل هذا حكم الإفراز، يعني بقوله في مثل هذا المكيلات والموزونات ونحوهما، وفيه النص الذي نقلناه وقد بين ذلك في "الوسيط"، وكان في خاطره إلاَّ أنه أغفل ذكره، ثم القول بأن الأصح فيها قول الإفراز غير مساعد عليه على ما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، ثم أطبقوا على تجويز القسمة هاهنا وجعلوا تأثير قولنا: إنها بيع في افتقارها إلى إذن المرتهن، والله أعلم.
ولو أراد الراهنان القسمة قبل انفكاك شيء من المرهون، فعلى التفصيل الَّذِي بيناه، ولو رهن واحد من اثنين، وقضى نصيب أحدهما، ثم أراد القسمة ليمتاز ما بقي فيه الرَّهْن، ففي اشتراط رضي الذي بقي رهنه ما ذكرناه، والله أعلم.
قال الغزالي: وَلَوْ قَالَ لِلْمُرتَهِنِ بعِ الْمَرْهُونَ لِي وَاسْتَوِفِ الثَّمَنَ لِي ثُمَّ اسْتَوْفِهِ لِنَفْسِكِ فَفِي اسْتِيفَائِهِ لِنَفْسِهِ تَرَدُّدٌ مِنْ حَيْثُ اتِّحَادُ القَابِضِ وَالمُقْبِضَ، وَإِنْ قَالَ: بِعْهُ لِي وَاسْتَوفِ الثَّمَنَ لِنَفْسِكَ فَسَدَ اسْتِيفَاؤُهُ وَكَانَ مَضْمُوناً فِي يَدِهِ، لأَنَّهُ اسْتِيفَاءٌ فَاسِدٌ فَأَشْبَهَ الصَّحِيحَ فِي الضَّمَانِ، وَلَوْ قَالَ: بعْ لِنَفْسِكَ بَطَلُ الإِذْنُ إِذْ كَيَفَ يَبيعُ مِلْكَ غَيْرِهِ لِنفْسِهِ، وَلَوْ قالَ: بعْ مُطْلَقاً فَالأَصَحُّ صِحَّتُهُ وَتَنْزِيلُهُ عَلَى البَيْعِ لِلرَّاهِنِ.
قال الرَّافِعِيُّ: وجه انتظام هذه المسائل في هذا الموضع أن الدين تارة يقضي من غير المرهون، وأثره الانفكاك على ما قررناه، وتارة يقضي منه بأن يباع فيه، وقد مرّ

الجزء: 4 - الصفحة: 526

بيان أنه متى يباع ومن يبيعه، وأنه لو أذن الراهن للمرتهن في بيعه ماذا حكمه؟ ونتكلم الآن في صيغة إذنه ببيان صور.
أحدها: لو قال للمرتهن: بع المرهون لي واستوف الثمن، ثم استوفه لنفسك صح منه البيع، والاستيفاء للراهن ثم لا يحصل الاستيفاء لنفسه بمجرد إدامة اليد والإمساك؛ لأن قوله: (ثم استوف لنفسك) مشعر بإحداث فعل فيه، فلا بد إذاً من إذن جديد لوكيل جديد على ما هو بيان القبض في المقدرات، ولو كانت الصيغة: ثم أمسكه لنفسك فلا بد من إحداث فعل أيضاً، أم يكفي مجرد الإمساك؟ حكى الإمام فيه وجهين، وقال: أولهما أظهرهما ثم إذا استوفاه لنفسه ففيه وجهان، ذكرناهما في نظائر المسألة في البيع لاتحاد القابض والمقبض، فإنْ صححناه برئت ذمة اراهن عن الدين، والمستوفى من ضمانه، وإنْ أفسدناه وهو الأصح لم يبرأ، ولكن يدخل المستوفى في ضمانه أيضاً، لأن القَبْضَ الفَاسِدَ كالصحيح في اقتضاء الضَّمَان.
الثانية: لو قال بعه واستوف الثمن لنفسك صحَّ البيع ولم يصح استيفاء الثمن؛ لأنه ما لم يصح قبض الراهن لا يتصور منه القبض لنفسه، هاهنا كما قبضه يصير مضموناً عليه.
الثالثة: لو قال: بعه لنفسك فقولان: أصحهما: أن الإذن باطل، ولا يتمكن من البيع؛ لأنه لا يتصور أن يبيع الإنسان مال غيره لنفسه.
والثاني: حكاه صاحب "التقريب": أنه يصح اكتفاء بقوله: بع، وإلغاء لقوله: لنفسك، وأيضاً فإنَّ السابق إلى الفهم منه الأمر بالبيع لغرضه، وهو التوسل به إلى وفاء الدين.
الرابعة: لو أطلق وقال: بعه، ولم يقل: لي ولا لنفسك فوجهان: أصحهما: صحة الإذن بالبيع ووقوعه للراهن، كما لو قال لأجنبي: بعه.
والثَّانِي: المنع، وعللوه بمعنيين: أحدهما: أَنَّ البيع مستحق للمرتهن بعد حلول الحق والكلام مفروض فيه، وإذا وإن كذلك نقيد الإذن به، وصار كأنه قال: بعه لنفسك.
والثاني: أنه متهم في ترك النَّظر استعجالاً للوصول إلى الدين، وعلى التعليلين لو كان الدين مؤجلاً، فقال: بعه صح الإذن لعدم الاستحقاق والتهمة، فإن قال مع ذلك: واستوف حقك مِنْ ثمنه جاءت التهمة، ولو قدر له الثمن لم يصح على التعليل الأول،

الجزء: 4 - الصفحة: 527

ويصح على الثَّاني، وكذا لو كانَ الراهن حاضرًا عند البيع.
قال الإمام: ومن قال بالمنع أول قوله في "المختصر" ولو شرط للمرتهن إذا حلّ الحق أن يبيعه، لم يجز أنْ يبيع لنفسه، إلاَّ بأن يحضر رب الدين، وقال: معناه إلاَّ أن يحضره الراهن فيبيعه، وهذا ما وعدت أن أذكره من تأويله، والله أعلم.

البَابُ الرَّابعُ: فِي النِّزَاعِ بَيْنَ المُتَعَاقِدَيْنِ

قال الغزالي: وَهُوَ فِي أَرْبَعَةِ أُمُورِ: الأَوَّلُ فِي العَقْدِ وَمَهْمَا اخْتَلَفَا فِيهِ فَالقَوْل قَوْلُ الرَّاهِنِ إِذِ الأَصْلُ عَدَمُ الرَّهْنِ، فَلَو ادَّعَى المُرْتَهِنُ أَنَّ النَّخِيلَ الَّتِي فِي الأَرْضِ مَرْهُونَةٌ مَعَ الأَرْضِ فَلِلرَّاهِنِ أَنْ يُنْكِرَ رَهْنَهَا أَوْ وُجُودَهَا وَيَحْلِفَ إِنْ لَمْ يُكَذِّبهُ الحِسُّ فِي إِنْكَارِ الوُجُودِ، فَإِنْ كَذَّبَهُ وَاسْتَمَرَّ عَلَى إِنْكَارِ الحِسِّ جُعِلَ نَاكِلاً عَنِ اليَمِينِ وَرَدَّ عَلَى المُرْتَهِنِ إِلاَّ أَنْ يَعْدِلَ إلَى نَفْيِ الرَّهْنِ فَيَحْلِفَ عَلَيهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: التنازع في باب الرَّهْن يفرض في أمور: أحدها: أصل العقد، فإذا قال رب الدين: رهنتني كذا، وأنكر المالك أو رهنتني عبدك بكذا فقال: بل ثوبي، فالقول قول الراهن مع يمينه؛ لأن الأصل عدم الرَّهْن، وكذا لو اختلفا في قدر المرهون به، فقال الراهن: رهنته بألف، وقال المرتهن: بل بألفين، قال أبو حنيفة وأحمد، وعن مالك: أن القول قول من قيمة المرهون أقرب إلى ما يقوله.
ولو اختلفا في قدر المرهون، فكذلك القول قول الراهن، ومن صوره أن يرهن أرضاً فيها أشجار، ثم قال الراهن: رهنت الأرض دون ما فيها، وقال المرتهن: بل بما فيها، وكذا لو قال: هذه الأشجار مرهونة منى كالأرض، وأنكر الراهن، ولو قال: رهنتها مع الأرض يوم رهن الأرض، وقال الراهن: إن هذه الأشجار أو بعضها لم تكن يوم رهن الأرض، وإنما أحدثتها بعدها، نظر إن كانت الأشجار بحيث لا يتصور وجودها يوم الرَّهْن فالمرتهن كاذب، والقول قول الراهن بلا يمين، وإن كانت بحيث لا يتصور حدوثها بعده، فالراهن كاذب، ثم إنْ سلم في معارضتها أنه رهن الأرض بما فيها كانت الأشجار مرهونة كما يقول المرتهن، ولا حاجة إلى التحليف فيها، وإنْ زعم رهن الأرض وحدها، أو رهن ما سوى الأشجار المختلف فيها، أو اقتصر على نفي الوجود، فلا يلزم من كذبه في إنكار الوجود.
كونها مرهونة فيطالب بجواب دعوى الراهن، إن استمر على إنكار الوجود، واقتصر عليه جعل نَاكِلاً وردت اليمين على المرتهن، وإنْ رجع إلى الاعتراف بالوجود، وأنكر رهنها قبل إنكاره، وعرض عليه اليمين لجواز كونه صادقاً في نفي الرَّهْن، وإنْ كذبه في نفي الوجود، ولو كانت الأشجار بحيث تتحمل الوجود، يوم رهن الأرض والحدوث بعده، فالقول قول الراهن

الجزء: 4 - الصفحة: 528

لما مر، فإذا حلف فهي كالشَّجَرة الحادثة بعد الرَّهْن في القَلْع، وسائر الأحكام وقد بَيَّنَاها مِنْ قبل، وهذا كله تفريع على الاكْتِفَاء منه بإنكار الوجود وهو الصحيح؛ لأن في إنكار الوجود يوم الرَّهْن إنكار ما يدعيه المرتهن، وهو رهنها مع الأرض، وفيه وجه سيأتي في نظائر المسألة في الدَّعاوي إن شاء الله تعالى أنه لا بد من إنكار الرَّهْن صريحاً.
واعلم أن الحكم بتصديق الرَّاهن في هذه الصورة مفروض، فيما إذا كان اختلافهما في رهن تبرع.
فأما إذا اختلفا فِي رَهْن مشروط في بيع، فالجواب أنهما يتحالفان كما في سائر كيفيات البيع، إذا وقع فيه الاختلاف.
وأما لفظ الكتاب فقوله: "فللراهن أن ينكر رهنها أو وجودها"، معناه أنه يقع منه بكل واحد من الإِنْكَارين، ويعتد به جواباَ، ولك أن تُعَلِّم قوله: "أو وجودها" بالواو للوجه الذي حكيناه.
وقوله قبله: (فلو ادعي المرتهن أن النَّخل التي في الأرض مرهونة مع الأرض) أي رهنها يوم رهن الأرض وإِلاَّ فلو اقتصر على دعوى رهنها لم يكن إنكار وجودها يوم رهن الأرض يكتفي به في الجواب، إذ لا يلزم أن تكون موجودة يومئذ أنْ لا تكون مرهونة.
وقوله: (فإن كذبه واستمر على إنكار الحس) أي اقتصر على كلامه الأول، بعد ما طالبناه بجواب دعوى الرَّهْن، على ما أوضحته.
قال الغزالي: وَلَوِ ادَّعَى عَلَى رَجُلَيْنِ رَهْنَ عَبْدِهِمَا عِنْدَهُ فَلأَحَدِهِمَا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى الآخَرِ إِذَا انْفَرَدَ بِتَكْذِيبِهِ وَلَو ادَّعَى رَجُلاَنِ عَلَى وَاحِدٍ فَصَدَّقَ أَحَدُهُمَا فَهَلْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ لِلمُكَذِّبِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ يَنْبَنِيَانِ عَلَى أنَّهُ هَلْ يُشَارِكُهُ فِيمَا سَلَّمَ لَهُ لَوْ لَمْ يَشْهَدِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إحدى صورتي الفصل: أنْ يدّعي رجل على رجلين أنهما رهنا منه عبدهما الفلاني بمائة وأقبضاه، فإن أنكر المدّعى عليهما الرَّهْن، أو الرَّهْن والدَّين جميعاً، فالقول قولهما مع اليمين، فإنْ صدق أحدهما دون الآخر، فنصيب المصدق رهن بخمسين، والقول في نصيب المكذب، قوله مع يمينه.
فلو شهد المصدق للمدعي على شريكه المكذب، قبلت شهادته؛ لأنها شهادة على الغير، ليس فيها دَفْع ضرر ولا جَلْب نفع، فإذا شهد معه آخر أو حلف المدعي معه، ثبت الرَّهْن في الكل ولو زعم كل واحد منهما أنه ما رهن نصيبه، وأنَّ شريكه رهن، وشهد عليه فوجهان، ويقال قولان: أحدهما، وبه قال الشيخ أبو حامد: أنه لا تقبل شهادة واحد منهما؛ لأنَّ المدعى يزعم أن كل واحد منهما كاذب ظالم بالجحود، وطعن المشهود له في الشاهد يمنع قبول شهادته له.

الجزء: 4 - الصفحة: 529

والثاني: تقبل، وبه قال الأكثرون؛ لأنهما ربما نسيا وإنْ تعمدا فالكذبة الواحدة لا توجب الفسق، ولهذا لو تخاصم رجلان في شيء، ثم شهدا في حادثة تقبل شهادتهما، وإنْ كان أحدهما كاذباً في ذلك التخاصم 72، فعلى هذا إذا حلف جمع كل واحد منهما، أو أقام شاهداً آخر ثبت رهن الكل، وعن أبي الحسن بن القَطَّان الَّذِي شهد أَوَّلاً تقبل شهادته دون الذي شهد آخراً؛ لأنه انتهض خصماً منتقماً، والله أعلم.
الثانية ادَّعى رجلان على واحد أنك رهنتنا عبدك هذا بمائة واقبضناه، فإنْ صدقهما أو كذبهما لم يخف الحكم، وإنْ صدق أحدهما دون الآخر، فنصف العبد مرهون عند المصدق ويحلف الآخر، وهل تقبل شهادة المصدّق على المكذّب للمكذب؟ أطلق مطلقون أنها لا تقبل، وقال القاضي ابن كَجٍّ: تقبل، وحكى الإمام وصاحب الكتاب فيه وجهين؟ بناء على أنَّ الشريكين إذا ادَّعيا حقاً أو ملكاً بابتياع أو غيره، فصدق المدعى عليه أحدهما دون الآخر، يستبد المصدق بالنصف المسلم إليه أو يشاركه الآخر فيه، وفيه وجهان: وإنْ قلنا: إنه يستبد المصدق بالنصف، قبلت شهادته للشريك، وإلاَّ فلا؛ لأنه يدفع بشهادته زحمة الشريك عن نفسه، والكلام في الأصل المبني عليه يذكر في الصُّلْح، إنْ شاء الله تعالى، والذي ينبغي أن يفتي به فيما نحن فيه القبول إنْ كان الحال لا يقتضي الشركة، والمنع إن اقتضت الشركة؛ لأنه دافع وذكر في "التهذيب": أنه إنْ لم ينكر إلاَّ الراهن قبلت شهادته للشريك، وإن أنكر الدين والرهن، فحينئذٍ يفرق بين أن يدعي الإرث أو غيره، ولك أن تقول كما أن الاستحقاق في الدين يثبت بالإِرْث تارة، وبغيره أخرى فكذلك استحقاق الرَّهْن، فليجر التَّفْصيل وإنْ لم ينكر إلاَّ الرَّهْن.
فرع: منصوص عليه في رواية الربيع، ادَّعى زيد وعمرو على ابني بكر أنهما رهنا عبدهما المشترك بينهما بمائة، فصدق أحد المدعيين ثبت ما ادَّعاه وكان له على كل واحد منهما ربع المائة، ونصف نصيب كل واحد منهما مرهوناً به، وإنْ صدق أحد الاثنين زيداً، والآخر عمراً ثبت الرَّهْن في نصف العبد لكل واحد من المدّعيين في ربعه بربع المائة؛ لأن كل واحد منهما يدعي على الاثنين نصف العبد، ولم يصدقه إلاَّ أحدهما، ثم لو شهد أحد الاثنين على الآخر قبلت شهادته، ولو شهد أحد المدعيين

الجزء: 4 - الصفحة: 530

للآخر، فعلى ما ذكرناه في الصورة الثانية، والمسألة ظاهرة من جهة المعنى، لكن في فهمها وتصورها تعقيد.
حكى الصَّيْدَلاَنِي أن ابن سُرَيْجٍ قال: ما انتهيت إليها إلاَّ احتجت إلى الفكرة في تصورها، حتى أثبتها على حاشية الكتاب.
فرع: منصوص عليه في "المختصر": ادعى رجلان على واحد، فقال كل واحد منهما: رهنتني عبدك هذا وأقبضتنيه نظر إن كذبهما جميعاً، فالقول قوله ويحلف لكل واحد منهما يميناً، وإنْ كذب أحدهما وصدق الآخر قضى بالرهن للمصدق، وهل للمكذب تحليفه؟ فيه قولان: أصحهما: لا، قاله في "التهذيب" وهما مبنيان على أنه لو أقرَّ بمال لزيد، ثم أقر به لعمرو، هل يغرم قيمته لعمرو؟ فيه قولان: وكذا لو قال: رهنت هذا من زيد وأقبضته، ثم قال: لا، بل رهنته من عمرو وأقبضته، هل يغرم قيمته للثاني ليكون رهناً عنده؟ إنْ قلنا: يغرم، فله تحليفه، فربما يقر ويأخذ القيمة.
وإنْ قلنا: لا يغرم يبنى على أنَّ النكول ورد اليمين بمثابة الإقرار أو البينة.
إن قلنا بالأول لم يحلف؛ لأن غايته أن ينكل فيحلف، وذلك مما لا يفيده شيئاً، كما لو أقر.
وإن قلنا بالثاني حلفه، فإن نكل فحلف اليمين المردودة ففيما يستفيد به وجهان: أحدهما: يقضي له بالرهن، وينتزع من الأول وفاء بجعله كالبينة.
وأصحهما: أنه يأخذ القيمة من المالك لتكون رهناً عنده ولا ينتزع المرهون من الأول؛ لأنا وإنْ جعلناه كالبينة، فإنما نجعل ذلك بالإضافة إلى المتداعيين، ولا نجعله حجّة على غيرهما، وإنْ صدقهما جميعاً، نظر إنْ لم يدعيا السبق، أو ادّعاه كل واحد منهما، وقال المدعى عليه: لا أعرف السابق منكما، وصدقاه فوجهان: أحدهما: أنه يقسم الرَّهْن بينهما، كما لو تنازعا ملكاً في يد ثالث، واعترف صاحب اليد لهما بالمِلْك.
وأصحهما: أنه يحكم ببطلان العقد، كما إذا زوج وليَّان من شخصين، ولم يعرف السَّابق منهما، وإن ادَّعى كل واحد منهما السَّبْق، وأنَّ الراهن عالم بصدقه، وأنه بقي علمه بالسبق، فالقول قوله مع يمينه، فإن نكل ردت اليمين إليهما، فإن حلف أحدهما دون الآخر قضى له، وإنْ حلفا أو نكلا تعذر معرفة السابق وعاد الوجهان، وإنْ صدق أحدهما في السَّبْق، وكذب الآخر قضى للمصدق، وهل يحلفه المكذب؟

الجزء: 4 - الصفحة: 531

فيه القولان السابقان، وحيث قلنا: يقضي للمصدق، فذلك إذا لم يكن العبد في يد المكذب، فإنْ كان فقولان: أحدهما: وهو اختيار المزني أخيراً أنَّ يده ترجّح على تصديق الراهن الآخر، وتقتضي له بالراهن.
وأصحهما: أن المصدق مقدم؛ لأن اليد لا دلالة لها على الرَّهْن، ألا ترى أنه لا تجوز الشهادة بها على الرَّهْن، ولو كان العبد في أيديهما معاً؟ فالمصدق مقدم في النصف الَّذِي هو في يده، وفي النصف الأخير قولان، والاعتبار في جميع ما ذكرناه بسبق القبض لا بسبق العقد، حتى لو صدق هذا سبق العقد، وهذا سبق القبض، فالمقدم الثاني 73. فرع ثالث: دفع متاعاً إلى رجل، وأرسله إلى غيره ليستقرض منه للدافع، ويرهن المتاع به ففعل، ثم اختلفا فقال المرسل إليه: استقرض مائة، ورهن المتاع بها بإذنك، وقال المرسل: لم آذن له إلاَّ في خمسين، نظر إن صدق الرسول المرسل فالمرسل إليه مدّع عليهما على المرسل بالإذن، وعلى الرسول بالأخذ، فالقول قولهما في نفي ما يدعيه، وإنْ صدق المرسل إليه، فالقول في نفي الزيادة قول المرسل، ولا يرجع المرسل إليه على الرسول بالزيادة، إنْ صدقه في الدفع إلى المرسل؛ لأنه مظلوم بقوله، وإنْ لم يصدقه رجع عليه هكذا ذكروه، وفيه إشكال؛ لأن الرسول وكيل المرسل، وقبضه يحصل الملك للموكل حتى يغرم له إنْ تعدى فيه، ويسلمه إليه إن كان باقياً، وإذا كان كذلك فرجوع المرسل إليه إنْ كان بناء على توجه العهدة على الوكيل فليرجع، وإنْ صدقه في دفع المال إلى المرسل كما يطلب البائع الوكيل بالشراء بالثمن، وإن صدقه في تسلم المبيع إلى الموكل، وإنْ كان الرجوع للمقرض أن يرجع في عين القرض، ما دام باقياً.
فهذا ليس بتعريض ورجوع مطلق، وإنما يسترد عين المدفوع، فيحتاج إلى إثبات كونه في يده، ولا يكفي فيه عدم التَّصْديق بالدفع إلى المرسل، وإنْ كان غير ذلك فلم يرجع إذا لم يصدقه، ولم يوجد منه تعد عليه ولا على حقه، والله أعلم.

الجزء: 4 - الصفحة: 532

قال الغزالي: الأَمْرُ الثَّانِي فِي القَبْضِ وَالقَوْلُ فِيهِ أَيْضاً قَوْلُ الرَّاهِنِ، وَكَذا إِنْ وَجَدْنَاهُ فِي يدِ المُرْتَهِنِ إِذَا قَالَ الرَّاهِنُ: غَصَبْتُهُ (و)، وَلَوْ قَالَ: أَخَذْتُهُ وَدِيعَةً أَوْ عَارِيَةً أَوْ بِجِهَةٍ أُخْرَى مَعَ الإِذْنِ فَوَجْهَانِ، لأِنَّهُ اعْتَرَفَ بِقَبْضٍ مَأذُونٍ فِيهِ مِنَ الرَّاهِنِ وَأَرَادَ صَرْفَهُ عَنْهُ، فَلَوْ أُقِيمَتِ الحُجَّةُ علَى إِقْرَارِهِ بِقَبْضِ الرَّهْنِ فَقَالَ: كُنْتُ غَلِطْتُ تَعْوِيلاً عَلَى كَتَابِ الوَكِيلِ أَوْ إقَامَةٍ عَلَى رَسْمِ القَبَالَةِ (و) فَلَهُ أَنْ يُحَلِّفَ المُرْتَهِنَ عَلَى نَفْيِهِ، وَإِنْ قَالَ: تَعَمَّدتُّ الكَذِبَ فَلاَ يُسْمَعُ (و) وَلاَ يُمَكَّنُ مِنَ التَّحْلِيفِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الأمر الثَّاني مما يعرض فيه التَّنَازع في القبض، وفيه مسألتان: إحداهما: إذا تنازعا في قبض المرهون، نظر إنْ كان في يد الراهن وقت النزاع، فالقول قوله مع يمينه كما في أصل الرَّهْن، وإنْ كان في يد المرتهن، وقال: أقبضنيه عن الرَّهْن وأنكر الراهن، نظر إنْ قال: غصبتنيه فالقول قوله أيضاً؛ لأن الأصل عدم لزوم الرَّهْن وعدم إذنه في القبض، وإن ادعى قبضه عن جهة أخرى مأذون فيها سوى الرَّهْن، فإن قال: أوْدَعْتكه أو أَعَرْت أو اكْتَرَيْت أو اكتريته من فلان بإكراه منك فوجهان: أحدهما: أن القول قول المرتهن؛ لأنهما اتفقا على قبض مأذون فيه، وأراد الراهن أنْ يصرفه إلى جهة أخرى، والظاهر خلافه لتقدم العقد المحوج إلى القبض.
وأصحهما، وهو المنصوص: أن القول قول الراهن؛ لأن الأصل عدم اللزوم، وعدم إذنه في القبض عن الرَّهْن، وفي "النهاية" حكاية وجه بعيد فيما إذا قال: غصبتنيه أيضاً، أن القول قول المرتهن استدلالاً باليد على الاستحقاق، كما يستدل بها على الملك، ويجري مثل هذا التفصيل، فيما إذا اختلف البائع والمشتري في القبض، حيث كان للبائع حق الحبس، إلاَّ أنّ الأظهر هاهنا الحكم بحصول القبض إذا كان المبيع عند المشتري، وادّعى البائع أنه أعاره أو أودعه لتقوى اليد بالملك، وهذا يتفرع على أنَّ حق الحبس لا يبطل بالإِيْدَاع والإِعَارة عند المشتري، وفيه وجهان، ولو سلم الراهن أنه أذن له في قبضه عن جهة الرَّهْن، ولكن قال: رجعت قبل أن قبضته، وقال المرتهن: لم ترجع فالقول قوله؛ لأن الأصل عدم الرجوع، ولو قال الراهن: لم تقبضه بعد، وقال المرتهن: قبضته، فقد نقل فيه اختلاف نص عن "الأم"، واتفق الأصحاب على تنزيلهما على حالين، إنْ كان المرهون في يد الراهن فالقول قوله، وإن كان في يد المرتهن فالقول قوله؛ لأن اليد قرينة دالة على صدقه.
الثانية: إقرار الراهن بإقباض المرهون مقبول ملزم لكن بشرط الإمكان حتى لو قال: رهنته اليوم داري بِهَمَدان، وأقبضتها إياه وهما بقزوين فهو لاَغٍ، ولو قامت الحجة على إِقْرَاره في محل الإمكان، فقال: لم يكن إقراري على حقيقته، فحلفوه أنه قبض،

الجزء: 4 - الصفحة: 533

نظر إنْ ذكر لإقراره تأويلاً، كما إذا قال: كنت أقبضته بالقول، وظننتُ أنه يكفي قبضاً، أو ألقى إلى كتاب على لسان وكيلي أنه أقبض، ثم خرج مزورًا أو قال: أشهدت على رسم القبَالَة قبل تحقيق القبض فله تحليفه، وإنْ لم يذكر تأويلاً فوجهان: عن أبي إسحاق أنه لا يمكن من التَّحليف، ولا يلتفت إلى قوله الثاني لمناقضته الأول.
وقال ابن خَيْرَانَ وغيره: يمكن منه وهو ظاهر النّص: لأنا نعلم أن الوثائق في الغالب يشهد عليها قبل تحقيق ما فيها، فأي حاجة إلى تلفظه بذلك، وهذا أصح عند العراقيين والأول أصحّ عند المَرَاوِزَة، وهذا إذا قامت الحُجَّة على إقراره، أما إذا أقر في مجلس القضاء بعد توجه الدَّعْوى عليه، فعن الشيخ أبي محمد عن القَفّال: أنه لا يمكن من التَّحْليف، وإنْ ذكر لإقراره تأويلاً؛ لأنه لا يكاد يقر عند القاضي، إلاَّ عن تحقيق، وقال غيره: لا فرق لشمول الإِنكار، ولو شهد الشهود على نفس الإقباض، فليس له التَّحْليف بحال، وكذا لو شهدوا على إقراره، فقال: ما أقررت؛ لأنه تكذيب للشهود.
ولو كان الرَّهْن مشروطاً في البيع، فقال المشتري: وأقبضت، ثم تلف الرَّهْن، فلا خيار لك في البيع، وأقام على إِقْرَاره بالقبض حجة فأراد المرتهن تحليفه، فهو كما ذكرنا في إِقْرار الرَّاهن وطلبه يمين المُرْتهن، وقس على هذا ما إذا قامت البَيّنة على إقراره لزيد بألف، فقال: إنما أقررت وأشهدت ليقرضني، ثم إنه لم يقرضني فحلفوه وسائر النظائر.
وقوله في الكتاب: (فله أن يحلف المرتهن على نفيه)، قد أعلم بالواو؛ لأنه روى في "الوسيط" إذا كذب نفسه في إقراره ثلاثة أوجه: المنع المطلق، وتمكينه من التحليف مطلقاً، والفرق بين أن يذكر سبباً وتأويلاً، وبين أنْ يقول كذبت عمداً ولا يعتذر، لكن المنع المطلق قَلَّ مَنْ رواه.
وقوله: (على نفيه) أي على نفي ما يدعيه من التَّأْويل، وليس ذلك على معنى أنه يتعين محلفاً عليه، بل له تحليفه على القبض كما مر، وينبغي أن يكون التَّحْليف على نفي ما يدعيه من التَّأْويل فيما إذا نازعه المرتهن في تأويله ونفاه، أما إذا لم يتعرض له، واقتصر على قوله: قبضت، فيقنع منه بالحلف عليه.
وقوله: (فلا يسمع، ولا يمكن من التحليف) يجوز إعلامه بالواو؛ لأنه أراد ما إذا قال: كذبت عمداً ولم يعتذر بشيء، وقد بان الخلاف فيه.
قال الغزالي: الأَمْرُ الثَّالِثُ فِي الجِنَايَةِ، فَإذَا اعْتَرَفَ الجَانِي وَصَدَّقَهُ الرَّاهِنُ دُونَ المُرْتَهِنِ أَخَذَ الأَرْشَ وَفَازَ بِهِ، وَإِنْ صَدَّقَهُ المُرْتَهِنُ أَخَذَ الأَرْشَ وَكَانَ رَهْناً عِنْدَهُ إِلَى قَضَاءِ

الجزء: 4 - الصفحة: 534

الدَّيْنِ، فَإِذَا قَضَى مِنْ مَوْضِعِ آخَرَ فَهُوَ مَالٌ ضَائِع لاَ يَدَّعِيهِ أَحَدٌ، وَإِنْ جَنَى العَبْدُ وَاعْتَرَفَ بِهِ المُرْتَهِنُ فَالقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ، وَلَوْ قَالَ الرَّاهِنُ: أَعْتَقتُهُ أَوْ غَصَبْتُهُ قَبْلَ أَنْ رَهَنْتُ أَوْ كَانَ قَدْ جَنَى وَأَضَافَ إِلَى مُعَيَّنٍ مَجْنِيٍّ عَلَيْهِ فَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ، كَمَا فِي تَنْفِيذِ عِتْقِهِ، لأَنَّهُ مَالِكٌ لاَ تُهْمَةَ فِيهِ.
فَإِنْ قُلْنَا: لاَ يُقْبَلُ فَيُحَلَّفُ المُرْتَهِنُ عَلَى نَفْيِ العِلْمِ، فَإِنْ حَلَفَ هَلْ يُغَرَّمُ الرَّاهِنِ للْمُقِرِّ لَهُ؟ يُبَتْنِي عَلَى قَوْلِي الغُرْمِ بِالحَيْلُولَةِ، وإِنْ نَكَلَ يُرَدُّ اليَمِينُ عَلَى الرَّاهِنِ أَوْ عَلَى المُقِرِّ لَهُ قَوْلاَنِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ المُرْتَهِنِ وَالمُقِرِّ لَهُ مَهْمَا نَكَلَ فَقَدْ أَبْطَلَ حَقُّ نَفْسِهِ عَنِ الغُرْمِ بِنُكُولِهِ، وَإِنْ رَدَدْنَا عَلَى الرَّاِهنِ فَنَكَلَ فَهَلْ لِلمُقِرِّ لَهُ الحَلِفُ لِكَيْلاَ يَبْطُلَ حَقُّهُ بِنُكُولِ غَيْرِهِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَإِنْ قُلْنَا: يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فَهَلْ لِلمُرْتَهِنِ تَحْلِيفُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ حَلَّفْنَاهُ فَنَكَلَ وَحَلَفَ المُرْتَهِنُ اليَمِينَ المَرْدُودَةَ فَفَائِدَةُ حَلِفِهِ تَقْرِيرُ العَبْدِ فِي يَدِهِ أَوْ أَنْ يغَرَّمَ الرَّاهِنُ لَهُ قَوْلاَنِ، وَلَوْ كَانَ المُقِرُّ بِهِ الاسْتِيلاَدُ فَيَزِيدُ أَنَّ المُسْتَوْلَدَةَ تَحْلِفُ إِذَا نَكَلَ الرَّاهِنُ وَإِنَّ حُرِّيَّةَ الوَلَدِ وَالنَّسَبَ تَثْبُتُ لاَ مَحَالَةَ.
قال الرافِعِي: الثالث: مما يتنازعان فيه الجناية، إما على المرهون أو به.
أما القسم الأول: فإذا جنى على العبد المرهون، فجاء إنسان، وأقر بأنه الجاني، فإن صدقه المتراهنان أو كذباه لم يخفف الحكم، وإنْ صدقه الراهن وحده أخذ الأَرْش وفاز به، وليس للمرتهن التوثق به، وإن صدقه المرتهن وحده أخذ الأَرْش وكان مرهوناً، فإن اتفق قضاء الدين من غيره، أو أبرأ المرتهن فوجهان: أصحهما: أنه يرد الأَرْش إلى المقر.
والثَّاني: يجعل في بيت المال؛ لأنه مال ضائع لا يدّعيه أحد، إذ المرتهن انقطعت علقته، والراهن ينكر استحقاقه، والمقر معترف بأن أداءه كان واجباً عليه، للصورة أخوات تذكر في مواضعها إِنْ شَاء الله تعالى.
والقسم الثاني: الجناية من المرهون، والنزاع في جِنَايته إما أنْ يقع بعد لزوم الرَّهْن أو قبله.
الحالة الأولى: أن يتنازعا في جنايته بعد لزوم الرَّهْن، فإذا أقر المرتهن بأنه جنى وساعده العبد أو لم يساعده لم يقبل قوله على الراهن، بل القول قول الراهن مع يمينه؛ لأن المِلْك له وضِرر الجِنَاية يعود إليه، وإذا بيع في دين المرتهن لم يلزمه تسليم الثمن إليه بإقراره السابق، واحتجوا له بأن العبد إنْ لم يكن جانياً فلا حقَّ فيه لغير المرتهن، وإنْ كان جانباً فلا يصح بيعه للمرتهن لتعلق حق المجني عليه به، وإذا لم يصحّ بيعه كان الثَّمن باقياً على ملك المشتري، ولو أقر الراهن بجنايته وأنكر المرتهن فالقول قوله؛

الجزء: 4 - الصفحة: 535

لأن الأصل عدم الجِنَاية وبقاء الرَّهْن، وإذا بيع في الدَّيْن فلا شيء للمقر له على الراهن؛ لأن الراهن لا يغرم جناية المرهون، ولم يتلف بالرَّهْنِ شيئاً لِلمُقرّ لَهُ؛ لكون الرَّهْنِ سَابِقاً على الجِنَايَةِ، وليس كما لو أقرَّ بجناية أُمِّ الوَلَدِ، حيث يغرم للمُقِرّ لَهُ، وإن سبق الاستيلادُ الجِنَايَةَ؛ لأن السَّيِّدَ يغرم جِنَايَةَ أُمِّ الوَلَدِ، وذكر القَاضِي ابْنُ كِجٍّ وجهاً آخر: أنه يقبل إقرار الرَّاهِن، ويباع العَبْدُ في الجناية، ويغرم الرَّاهِنُ للمرتهن.
الحالة الثانية: أن يتنازَعا فِي جِنَايَتِه قبل لزوم الرَّهْن، وفيها مسألتان: احدَاهُما: أقر الرَّاهِنُ بأنه كان قد أتلف مالاً، أو جنى على نفس جنايَةَ توجب المَالَ، فينظر إن لم يعين المَجْنِيُّ عَلَيْهِ، أو عينه ولكنه لم يصدقه ولم يدّع ذلك فالرهن مُسْتَمِّرٌ بحاله، وإن عينه وادْعاه المَجْنِيُّ عَلَيْهِ، نظر إن صدقه المُرْتَهنِ بيعَ فِي الجِنَايَةِ، وللمرتهن الخَيارُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ الرَّهْن مشروطاً فِي بَيْع، وإن كذبه فأصّح القولين -وبه قال أبو حنيفة واختاره المزني-: أنه لاَ يُقْبَل قَوْلَه صيانَة لِحَقِّ المُرْتَهِنِ.
والثَّاني: يقبل؛ لأنه مالك فيما أقر به، فلا تنقدح تهمة في إقراره، وقال من نصر الأول: بل فيه تهمة ومواطَأة للمقر له، والتدرج إلى دَفْعِ الرَّهْنِ، والقولان كالقولين فيما لو أقر العبد بسرقة مَالٍ ونفذناه فِي القَطْعِ، هل ننفذه في المَالِ؟ لأنه بهذَا الإِقْرَارِ يَضُرُّ بِنَفْسِهِ، فلا يَنْفِي التُّهْمَة.
ويجري القَوْلاَن فيما لو قال: كنت غصبته أو اشتريته شراء فَاسِداً أو بعته قبل أن رهنته، أو وهبته وأقبضته، وفيما لو قال: كنت أعتقته، قال الشيخ أبُو حَامِدٍ: ولا حاجة في هذه الصُّورة إلى تصديق العَبْدِ دعواه، بخلاف سائر الصور، وفي الإقرار بالعتق قولٌ ثَالِثٌ: أنه إن كان موسراً نفذ، إلا فلا، تنزيلاً للإقرار بالإعتاق منزلة الإعْتَاقِ، ونقل إمام الحَرَمَيْنِ هذا القول الفارق في الصّور كُلِّهَا، وجعلها على ثَلاثَةِ أقوالٍ، وتابعه المصنف.
التفريع: إن قلنا: لا يُقْبَلُ إقْرار الرّاهِنِ فالقول في بقاء الرَّهْنِ قولُ المرتَهِن مَعَ يَمِينه، ويحلف على نَفْي العِلْم بالجِنَاية، وإذا حلف واستمر الرَّهْن فهل يَغْرَم الرَّاهِن للمجني عَلَيْهِ فيه قولان.
قال الأئمة: أصحهما: أنه يغرم، وهو اختيار المُزَنِي، كما لو قَتَله؛ لأنه حال بينه وبين حَقِّه.
الثاني: لا يغرم؛ لأنه أقر في رَقَبَةِ العَبْدِ بما لم يقبل إقْراره، فكأنه لم يُقِر، والقولان كالقولين فيما إذا أَقَر بالدَّارِ لَزِيْدٍ، ثم أقر بها لعمرو، هل يغرم لِعَمْرو؟ وُيعَبَّر عنهما بقولي الغرم لِلْحَيْلُولة؛ لأنه بالإقرار الأول حَالَ بين من اعترف باستحقاقه ثَانِياً وبين حقه.

الجزء: 4 - الصفحة: 536

فإن قلنا: يغرم، طولب في الحَالِ إن كان موسرًا وإن كان معسرًا فإذا أيسر، وفيما يغرم المَجْنِيُّ عَلَيْهِ؟ طريقان.
قال أبو إسحاق وطائقة: أصح القولين أنه يغرم الأقل من قيمته وأرش الجِنَاية.
وثانيهما: أنه يغرم الأرْشُ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وقال الأكْثَرُونَ ومنهم أبو الحَسَن: يغرم الأقل بِلاَ خِلاَف، كما أن أُمَّ الولد لا تفدى إلا بالأقل إذا جَنَت؛ لامتناع البيع، بخلاف العبد القِنِّ.
وإن قلنا: لا يغرم الرَّاهن، فإن بِيعَ فِي الدَّيْنِ فلا شيء عليه، لكن لو ملكه يوماً فعليه تسليمه في الجِنَاية، وكذا لو انفك الرَّهْن عنه فهذا إذا حَلَف المرتهن، فإن نكل فعلى من تُرَدُّ اليمين؟ فيه قولان، ويقال: وجهان: أحدهما: على الرَّاهِنِ؛ لأنه المَالِكَ لِلْعَبْدِ، والخصومة تجري بينه وبين المرتهن.
وأصحهما: على المجني عَلَيْهِ؛ لأن الحق فيما أَقَرّ لَه، والرَّاهِن لا يدعي لِنَفْسِهِ شَيْئاً، وهذا الخِلاَف عن الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ مبني على أنه لو حلف المرتهن هل يغرم الرَّاهِنُ عليه؟ إن قلنا: نعم، يرد على المجنى عليه؛ لأن الرَّاهِنَ لا يستفيد باليَمِينِ المَرْدُودَةِ شَيْئاً والمجنى عليه يستفيد بها إِثْبَاتَ دَعْوَاهُ، وسواء قلنا: ترد اليمين على الرَّاهِن أو المجنى عَلَيْهِ، فإذا حلف المردود عليه بِيعَ العَبدُ في الجِنَايَةِ، ولا خيار للمُرْتَهِن في فَسْخِ البيع إن كان الرَّهْن مشروطاً فِي بَيْعِ؛ لأن إِقرارَ الرَّاهِنِ إذا لم يقبل لا يفوت عليه شيئاً، وإنما يلزم الفوات من النُّكولِ، ثم إن كان الأرش يستغرق قيمة العبد بيع كله، وإلا بيع منه بقدر الأَرْشِ، وهل يكون البَاقِي رَهْناً؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لأن اليَمِينَ المردودةَ كالبينة، أو كإقرار المرتهن بأنه كان جَانِياً في الابتداء، فلا يَصِح الرَّهْنُ فِي شَيْءٍ منه وإذا رددنا على الرَّاهِنِ فَنَكل فهل يرد الآَن على المجنى عليه؟ فيه قولان ويقال: وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن الحَقَّ له، فلا ينبغي أن يبطل بنكول غيره.
وأشبههما: لا؛ لأن اليَمِينَ لاَ تُرَدُّ مرةً بَعْدَ مَرّةٍ فعلى هذا نكول الراهن كَحَلِفِ المرتهن في تَقْرِيرِ الرَّهْنِ، وهل يغرم الرَّاهِن لِلْمقر لَهُ؟ فيه القولان، وإن رددنا على المَجْنِي عليه فنكل قال الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وغيره: تسقط دعواه وتنتهي الخصومة، وطرد العراقيون في الرَّدِّ منه على الرَّاهِنِ الخلاف المذكور في عكسه، وإذا لم يُرَدّ لم يغرم له الرَّاهن قولاً واحداً، ويحال بالحيلولة على نكوله، هذا تمام التفريع على أحد القَوْلَيْنِ في أصْلِ المسألة، وهو أن الراهن لا يقبل إقراره.
أما إذا قلنا: إنه يقبل إقراره فهل يُحْلِف أم يقبل قولُه من غير يَمِين؟ فيه قولان أو وجهان:

الجزء: 4 - الصفحة: 537

أحدهما: أنه لا يحلف وهو اختيار القاضي أَبِي الطَّيِّبِ؛ لأن اليمين للزَّجْرِ والتخويف ليرجع عن قوله إِنْ كان كَاذِباً، وهاهنا لا سبيل له إلى الرّجوع.
وأصحهما عند الشيخ أَبِي حَامِدٍ ومن نحا نحوه: أنه يحلف لِحَقِّ المُرْتَهِنِ، وعلى هذا فَيَحْلِفُ على البِّت؛ لأنه يحلف على الإِثْبَات، وسواء قلنا: لا يحلف أو قلنا: يحلف، فيباع العَبْدُ فِي الجِنَايَةِ، إمَّا كله أو بعضه على مَا مَرّ، وللمرتهن الخِيَارُ فِي فَسْخِ البَيْعِ الَّذِي شرط فيه هذا الرَّهْن، فإن نَكَلَ حلف المُرْتَهِن؛ لأنا إنما حلفنا الرَّاهِن لِحَقِّه، فالرَّدُّ يكون عليه، وما فائدة حلفه؟ فيه قولان حكاهما الصَّيْدَلاَنِيُّ وغيره: أصحهما: أن فائدَتَهُ تقريرُ الرَّهْنِ فِي العَبْدِ على ما هو قِيَاسُ الخُصُومَاتِ.
والثاني: أن فائدته أن يغرم الرَّاهِن قيمته؛ ليكون رَهْناً مكانه، وَيُبَاعُ العَبْدُ في الجِنَايَةِ بإقرار الرَّاهِنِ، فإن قلنا بالأول فهل يَغْرَمُ الرَّاهِنُ للمقر له؛ لأنه بنكوله حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَقِّهِ؟ فيه ما سبق من القَوْلَيْنِ، وإن قلنا بالثاني فَهَلْ للمُرْتَهِنِ الخِيَارُ فِي فَسْخِ البَيْعِ الذي شرط فيه هذا الرَّهْن؟ فيه وجهان، ينظر في أَحَدِهِمَا إلى حُصُولِ الوَثِيقَةِ والثاني إلى أن غيْرِ المَشْرُوطِ لم يسلم وهو الأَصحَ، وإن نَكَل المُرْتَهِنُ بِيعَ العَبْدُ في الجناية، ولا خيار له في البَيْعِ، ولا غرم على الرَّاهِن.
وإذا عرفت تفريع القولين فيما لو أقر بالجناية فَقِسْ به تفريعهما فيما لو أَقَرّ بالبَيْعِ أو الغَصْب ونحوهما قبل الرَّهْن.
ولو أقر بالعتق وقلنا: إنه لا يقبل إقراره فالمنصوص: أنه يجعل ذلك كإنْشَاء الإِعْتَاقِ حتى تَعُودَ فِيهِ الأقوالُ؛ لأن من ملك إنْشَاء أَمْرِ قُبِلَ إقراره فيه، ونقل الإمام رحمه الله تعالى في نُفوذِهِ وَجْهَيْنِ، وإن حكمنا بنفوذ الإنشاء؛ لأنه ممنوع من الإنشاء تبرعاً وإن نفذناه إذا فَعَل، وهذا كما أن إقرار السَّفِيه بالطَّلاَق مقبولٌ كإنشائه، ولو أقر بِإتْلاَفِ مَالٍ ففي قبوله وجهان؛ لأنه ممنوع من الإتْلاَفِ شَرْعاً، ففي مسألة الإقْرارِ بالخِيَارِ كَلاَمَانِ: أحدهما: جميع ما ذَكَرْنَاهُ في المسألة مَبْنِيٌّ على أَنَّ رهن الجَانِي لاَ يَجُوز، أما إذا جوزناه فعن بعض الأصحاب: أنه يقبل إقراره لاَ مَحَالة، حتى يغرم لِلمْجنِي عليه، ويستمر الرَّهْن، وقال آخرون: يطرد فيه القَوْلاَن.
ووجه عَدَم القبول: أنه يحصل بلزوم الرَّهْنِ؛ لأن المجني عليه يَبيع المَرْهُون لو عَجَزَ عن أخذ الغَرَامَةِ من الرَّاهِنِ.
والثاني: أنه لو أقر بجنايةٍ تُوجِبُ القِصَاصَ لم يقبل إقْرَارُهُ على العَبْدِ، ولو قال: ثم غفى على مَالٍ كما لو أقر بما يوجب المال.

الجزء: 4 - الصفحة: 538

المسألة الثانية: رَهْنُ الجَارِية الموطوءة جَائِزٌ، ولا يمنع من التَّصَرُّفِ لاحتمال الحَمْلِ، فإذا رَهَنَ جاريةً فأتت بولد، ينظر إن كان الانفصال لدون سِتَّة أشْهُرٍ من يَوْمِ الوَطْءِ أو لأكثر من أَرْبِع سنين فالرهن بِحَالِهِ، والولد مَمْلُوكٌ له غَيْر لاَحِقٍ به، وإن كان لِسِتَّة أَشْهرٍ فأكثر إلى أرْبَع سنين فقال الرَّاهن: هذا الولد مِنِّي، وكنت وطئتها قبل لزوم الرَّهْنِ، نظر: إن صدقه الَمُرْتَهِن، أو قامت عليه بِهِ بَيِّنَة، فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لَهُ، والرَّهْنُ بَاطِلٌ، وللمرتهن فَسْخُ البيع الذي شرط فيه رَهْنها، وإن كذبه المرتهن ولا بينة، ففِي قَبُولِ إقْرَارِهِ لثبوت الاستيلاد قَوْلاَن، كما لو أقر بالعِتْقِ ونظائره، والتفريع كما مَرَّ، وعلى كل حال فالولد حُرٌّ ثابت النَّسَبِ عند الإمكان، ولو لم يُصَادِف وَلَدًا في الحَالِ وزعم الراهن أنها ولدت منه قَبْلَ الرَّهْن ففيه هذا التَّفْصِيلِ والخِلاَف.
وقوله في الكتاب: (وكل واحد من المرتهن أو المقر له مهما نكل فقد أَبْطَل حتى نفسه عن الغرم بنكوله هذا في حق المقر له) مُفَرَّعٌ على قول التغريم من قولي: الغرم بالحيلولة.
أما المرتهن فليس له غرم تفريعاً على قولنا: إنه لاَ يُقْبَل إقْرَارُ الرَّاهِنِ حتى يفرض بطلانه بنكوله، نعم على قولنا: يقبل إقرار الراهن ينتهي التفريع إلى أن يغرم له الرَّاهِنُ القِيمَة على رَأَيٍ كما سبق، وذلك هو الذي يبطل بنكوله، فإذا كان الأحسن أن يذكر هذا بعد التفريع على القولين جميعاً لا في آخر التفريع على الأَوَّلِ.
وقوله: (فهل للمرتهن تحليفه وجهان)، ذكرنا أن بعضهم رواهما قولين، وأن قوله: (قولان) في المسألة بعدها يرويهما بعضهم وجهين، والأولى أن يرويهما جميعاً قولين أو وَجْهَيْنِ، أو يروى في الأولى قولين وفي الثَّانية وجهين، فأما تفريع القولين على الوَجْهَيْنِ فمما يستبعد.
وقوله: (مريداً أن المستولدة تحلف) أي: إذا فرعنا على أن المجني عليه يحلف في مسألة الجِنَايَة، فهاهنا يحلف المستولدة فإنها تَقَع في رُتْبَتِهِ، وفي العتق يحلف العبد 74. فرع: لو أقر بجناية ينقص أَرْشُها عن قيمة العَبْدِ، ومبلغ الدين، فالقول في مقدار الأَرْشِ عَلَى الخِلاَفِ السَّابِقِ، ولا يقبل فِيمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ؛ لظهور التهمة، وقيل: يطرد الخلاف فيه.
فرع آخر: لو باع عبداً، ثم أقر بأنه كان قد غَصبه أَوْ بَاعه، أو بأنه اشتراه شراءً فاسداً لم يلفت إلى قوله؛ لأنه إقرارٌ فِي مِلْكِ الغَيْرِ، والإقرار في ملك الغير مردود

الجزء: 4 - الصفحة: 539

ظاهر، ويخالف إقرار الرَّاهن فإنه في ملكه، وعن بعض الأصْحَاب: إجراء الخِلاَفِ فِيهِ، والمَذْهَبُ الأَوَّلُ، وحينئذ يَكُون القَوْلُ قَوْلَ المُشْتَرِي، فإن نكلَ فالرد على المُدَّعِي أو على المقر البَائِع، حكى القاضي ابْنُ كِجٍّ فيه قولين، ولو أَجَّرَ عَبْداً، ثم أقر بأنه كان قد بَاعه أو أَجَّرَهُ أو أعتقه، ففيه الخلاف المذكور في الرَّهْنِ لبقاء المهلْك.
ولو كاتبه ثم أَقَرَّ بما لا يَصح معه الكتابة، فإن القاضي ابْنَ كِجٍّ أجرى الخلاف فيه، وقال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ: لا يقبل بِحَالٍ؛ لأن المكاتب بمنزلة من زال الملك عنه، والله أعلم.
قال الغزالي: الأَمْرُ الرَّابعُ فِيمَا يَفُكُّ الرَّهْنَ فَلَوْ أَذِنَ المُرْتَهِنُ فِي البَيْعِ ثُمَّ ادَّعَى الرُّجُوعَ قَبْلَ البَيْع فَالقَوْلُ قَوْلُهُ (و) لأَنَّ الأَصْلَ أَنْ لاَ بَيْعَ وَلاَ رُجُوعَ فَيتَعَارَضَانِ وَيَبْقَى أَنَّ الأَصْلَ اسْتِمْرَارُ العَقْدِ، وَلَوْ قَالَ الرَّاهِنُ مَا سَلَّمْتُهُ مِنَ المَالِ كَانَ عَنْ جِهَةِ الدَّيْنِ الَّذِي بِهِ الرّهُنُ فَانْفَّكَ وَادَّعَى المُرْتَهِنُ أنَّهُ عَنْ جِهَةِ غَيْرِهِ فَالقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ، وَكَذَا فِي كُلِّ مَا يَدَّعِيهِ مِنْ قُصُودِهِ فِي الأَدَاءِ فَإِنَّهُ أَعْرَفُ بِنِيَّةِ نَفْسِهِ، وَلَوْ قَالَ: لَمْ أَنْوِ عِنْدَ التَّسْلِيمِ أَحَدَ الدَّيْنَيْنِ فَعَلَى وَجْهٍ يُوَزَّعُ عَلَى الجِهَتَيْنِ، وَعَلَى وَجْهٍ يُقَالُ لَهُ: اصْرِفِ الآنَ إِلَى مَا شِئْتَ، وَكذَا فِي جَمِيعِ نَظَائِرِهِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الأمر الرابع: مما يتنازع فيه المتراهنان ما يفك الرَّهْن، وذكر فيه صورتين: إحداهما: إذا أذن المُرْتَهِن في بَيْعِ الرَّهْنِ، فباع الرَّاهِنُ، وَرَجَع المُرْتَهِن عن الإِذْنِ، ثم اختلفا، فقال المُرْتَهِنُ: رجعت قبل البيع فَلَمْ يَصِح بَيْعُك، وبقي المَالُ رهناً كما كان، وقال الرَّاهِن: بل رجعتَ بَعْدَ البَيْعِ، فوجهان: أظهرهما: عند الأكثرين أنَّ القولَ قولُ المرتهن؛ لأن الأصل عدم رجوع المُرْتَهِنِ فِي الوَقْتِ الذي يدعيه الراهن، والأصل عَدَمُ بيع الرَّهْنِ في الوقت الذي يَدَّعِيهِ، فيتعارضان ويبقى أن الأصل استمرار الرَّهْنِ.
والثاني: أن القولَ قولُ الرَّاهِنِ؛ لتقوى جانبه بالإذن الذي سَلَّمه المُرْتَهن، وتوسط في "التهذيب" بين الوجهين فقال: "إن قال الرَّاهن أولاً تصرفت بِإذْنِكَ، ثم قال المُرْتَهِن كُنْتُ رجعت قَبْلَه، فالقولُ قول الرَّاهِنِ مع يمينه، وإن قالَ المرتهن أولاً رجعت عما أذنت، فقال الرَّاهِن كنت تَصَّرفْتُ قبل رُجوعِكَ، فالقُول قول المُرْتهن مع يمينه؛ لأن الراهن حين أخبر لم يكن قادراً على الإنشاء، ولو أنكر الرَّاهِنُ أَصْلَ الرجوع فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصْلَ عدم الرجوع.
الصورة الثانية: إذا كان عليه دينان بأحدهما رَهْنٌ دُون الآخر، فسلم إليه ألْفاً ثم اختلفا فقال من عليه الدين: سلمته عَمَّا بِهِ الرَّهْن، وقَالَ المستحق بَلْ عَن الآخَرِ،

الجزء: 4 - الصفحة: 540

فالقولُ قولُ الدَّافِعِ مَع يَمِينِهِ؛ لأنه أعرف بقَصْدِهِ وكيفية أدائه، ولا فرق بين أن يَخْتَلِفَا في مُجَرَّدِ النية أو في اللَّفْظِ أَيْضًا 75، بأن يقول: قد ذكرت أنه عن هذا الدَّيْن، وخالفه الآخَرُ، وكذا الحكم لو كانَ بأحدهما كَفِيلٌ، أو كان أحدهما حالاًّ أو ثمن مبيع، وهو مَحْبُوسٌ بِهِ، فقال: سلمته عنه، وأنكر صاحِبُه، قال الأئمة: والاعتبار في أداء الدَّيْنِ بقصد المُؤَدي، حتى لو ظَنَّ المستحق أنه يودعه عنده وظَنَّ من عليه أداء الدَّيْنُ الأداء تبرأ ذِمَّتُهُ، ويصير المُؤَدَّى مِلْكاً للمستحق.
فإن كان عليه دَيْنَان فأدى عن أَحَدِهِمَا بعينه وَقَعَ عَنْهُ، وإن أَدَّى عنهما يقسط على الدينين، وإن لم يقصد في الحَالِ شيئاً، فوجهان: أحدهما: وبه قال أبو علي ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: أنه يوزع على الدَّينين، إذ ليس أحدهما بأوْلَى من الآخر.
وأظهرهما: وبه قال أبو إسْحَاق: أنه يراجع حتى يَصْرِفَهُ إِلَيْهِمَا أَوْ إِلَى أَيِّهِمَا شَاء، كما إِذَا كَانَ له مالان: حَاضِرٌ، وَغَائِبٌ، ودفع دراهم إلى المستحقين زَكاة، وأطْلَقَ له صَرْفُهَا إلى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا.
وتردد الصَّيْدَلاَنِيُّ في حكاية الوجه الأول أنه يوزع على قدر الدَّينين، أو على المستحقين بالسَّوِيَّة، وعلى هذا القِيَاس نَظَائِر المَسْأَلة، كما إذا تبايع مشركان دِرْهماً بدرهمين، وسلم الفضل من التزمه، ثم أسْلَمَا إن قصد تسليمه عن الفَضْلِ فعليه الأَصْلُ، وإن قَصَدَ تَسْلِيمَهُ عن الأَصْلِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وإن قصد تسليمه عَنْهُمَا وَزِّعَ عَلَيْهِمَا، وسقط ما بقي من الفَضْلِ، وإن لم يقصد شيئاً ففيه الوجهان.
ولو كان لزيد عليه مائة ولعمرو مِثْلها، فَوَكَّلاَ وَكيلاً بالاستيفاء، فدفع المديون إلى الوَكِيل لزيد أو لعمرو فَذَاك، وإن أطلق فَعَلَى الوَجْهَيْنِ، ولو قال: خذه وادفعه إلى فلان

الجزء: 4 - الصفحة: 541

أو إليهما فهذا تَوْكِيلٌ منه بالأداء، وله التغيير ما لم يصل إلى المستحق 76، ولو أبرأ مستحق الدينين المديون عَنْ مائَةٍ وكل واحد منهما مائَةْ، نظر فإن قصد أحدهما أو قصدهما فالأمر على مَا قَصَدَ، وإن أطلق فَعَلَى الوَجْهَيْنِ، ولو اختلفا فقال المبرئ: أبرأت عن الدَّيْن الخَالِي عن الرَّهْنِ والكَفِيل، وقال المديون: بل عن الآخر، فالقولُ قولُ المُبْرِئِ مَعَ يَمِينِهِ، والله أعلم.
هذا شرح ما أورده في بَاب النِّزاع، وقد يختلف المُتَرَاهِنَانِ في أمور أخر: منها: ما اندرج فيما قبله من أبْوَابَ الرَّهْنِ.
ومنها: ما إذا اختلفَا المُتَرَاهِنَانِ في قَدِمِ عَيْبِ الرَّهْنِ وحدوثه إذا كان مشروطاً بيع، وقد ذكرناه في كِتَابِ البَيْعِ.
ومن فروعِ هذاَ البَاب: ما إذا رهنه عصيرًا ثم اختلفا بعد القبض، فقال المرتهن: قبضته وقد تَخَمَّر فلي الخيار فِي فسْخِ البَيْعِ المشروط فيه هذا الرَّهْن، وقال الراهن: بل صار عِنْدَكَ خَمْراً، فقولان: أصحهما: أن القولَ قول الرَّاهِنِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لأن الأصْلَ بقاء المَبِيع، والمُرْتَهِنَ يتدرج بِمَا يقوله إلى الفَسْخِ.
والثاني: وبه قال أبُو حَنِيفَة والمُزَنِيَ: إن القولَ قولُ المرتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لأن الأصل عَدَمُ القَبْضِ الصَّحِيحِ.
ولو زعم المرتهن أنه كان خمراً يَوْمَ العَقْدِ، وكان الشَّرْطُ رَهْنِ فَاسِدٍ، فمنهم من طرد القولين، وعن ابن أبي هريرة القَطْعُ بأن القولَ قولُ المرتهن.
ومأخذ الطريقين: أن فَسَاد الرَّهْنِ هل يوجب فساد البيع.
إن قلنا: لا، خرج على القولين.
وإن قلنا: نعم، فالجواب ما قَالَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ لأنه ينكر أَصْلَ البَيْعِ، والأصل عَدَمُه، ويمكن أن يخرج على الخِلاَف.
وإن قلنا: إن فَسَادَ الرَّهْن يوجب فَسَادَ البَيْعِ على الخلاف فيما إذا اختلف المتبايعان في شَرْطٍ مُفْسِدٍ وَقَدْ مَرَّ.
ثم هاهنا فائدتان: إحداهما: خَرَّجَ مُخَرَّجُونَ القولين على أن المُدَّعيِ من يدعي أَمْراً خَفِيّاً، والمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ يَدَّعيِ أَمْراً جِليّاً، والمْدَّعِي مَنْ لَوْ سَكت لتِركَ، وَالمُدَّعَى عَلَيْهِ مَنْ لَوْ سكت لَمْ يترك، هذا أصْلٌ معروف في موضعه 77.

الجزء: 4 - الصفحة: 542

فإن قلنا بالأول فالمُدَّعِي الرَّاهِنُ؛ لأنه قد يَدَّعِي جريان القَبْضُ الصَّحِيح، والأصل عَدَمُه، فيكون القولُ قولَ المُرْتَهِنِ.
وإن قلنا بالثاني، فالمُدَّعِي المرتهن؛ لأنه لو سَكَت لترك، والراهن لا يترك لو = والمدعى عليه من ينفي شيئاً.
ومنهم من قال: المدعي من يقول بالاختيار، والمدعى عليه من يجيب بالاضطرار.
ومنهم من قال: المدعي من إذا سكت ترك وسكوته، والمدعى عليه من لا يترك وسكرته، وهذه عبارة الحنفية وهي معنى العبارة الثانية بعينها، وإنما اختلفت العبارة.
وقال الإمام: المدعي عند أبي حنيفة من يثبت الشيء لنفسه، والمدعى عليه من يثبته عن غيره، وفي نسخة أخرى: من ينفيه عن غيره.
هذا نقل الإمام عن ذلك الحبر الإمام، ولم يزد عليه شيئاً مع شدة تتبعه كلام من تقدمه بالبحث والتحقيق.
وهذا الحد باطل في الطرفين: أما قوله: "المدعي من يثبت الشيء لنفسه"، فيزيد بالشيء المدعى به، وهو باطل بدعوى الوصي للموصى عليه المحجور عليه على الغير مالا، أو غيره، فإنه مدع بالاجماع، مع أنه يثبت الشيء المدعى به لغيره.
وهكذا القيم من جهة الحاكم على المحجور عليهم.
وهكذا الناظر في الوقف.
وهكذا الوكيل يثبت المدعى به للموكل لا لنفسه.
ولا يقال: مراده بالشيء الذي يثبته للسلطنة، واستحقاق قبضه وتسلمه أن يثبت، لأنا نقول: السلطنة ثابتة قبل هذه الدعوى، لأن الكلام مفروض في دعوى وصي ثابت الوصية عند الحاكم، وكذلك القيم والناظر والوكيل سلطنتهم ثابتة، بمعنى أن كل أمر تحقق أنه للمحجور عليه، أو للموكل، أو للموقوف عليهم، تسلط هؤلاء شرعاً على قبضه، فهو لا يثبت بالدعوى سلطنة، ولا السلطنة يدعي بها، وإنما المدعى به هو المال في الذمة، أو الثوب المعين مثلاً، وهو الشيء الذي يثبته.
نعم إذا ثبت عند الحاكم، تسلط هذا المدعي على قبضه لا بدعواه، بل بالتسليط السابق على هذه الدعوى الثابت بوصية، أو نظر، أو وكالة.
وأما الطرف الثاني: وهو قوله: "والمدعى عليه من يثبته غيره"، على النسخة الأولى، فبطلان هذا أظهر من الكلام عليه، فإن المدعى عليه بمال في ذمته ينفي استحقاق المدعى له، فلا يثبت شيئاً.
فإن قيل: هو وإن نفى الاستحقاق، لكنه يثبت براءة ذمته، فهو مثبت، قلنا: عنه جوابان: أحدهما: أن البراءة الأصلية حاصلة بالأصل واستصحابه، فهي ثابتة، وهو غير محتاج إلى إثباتها، وإنما هو ناف ما يشغلها.
والثاني: هب أنه مثبت براءة نفسه وذمته، فهل هو مثبت للشيء عن غيره؟ كلا، فهذا حد باطل.
وعلى النسخة الأخرى، وهو: "ينفيه عن غيره" باطل، وإنما هو ينفيه عن نفسه.
وعندي أن هذا زال من النساخ، فإن منصب هذا الإمام أجل من قول مثل هذا.
وقال بعض الأصحاب: المدعي من يدعي أمراً باطناً خفياً، والمدعى عليه من يدعي أمراً ظاهراً جلياً.
وهذا الحد مع الحد الذي سبق ذكره، "وهو أن المدعي من يخلى وسكوته والمدعى عليه من لا يخلى وسكوته"، مستنبطان من مسألة استنبطها الشيخ القفال وهي، ما إذا كان الزوجان مشركين، ثم أسلما قبل الدخول، ثم اختلفا، فقال الزوج: أسلمنا معاً، فنحن على الزوجية، وقالت المرأة: أسلم أحدنا قبل صاحبه فقد بطل نكاحنا، ففيه قولان: أحدهما: إن القول قول الزوج، لأن الأصل بقاء النكاح، وهذا على قولنا: إن المدعي من يترك وسكوته، فإن المرأة هي التي بهذه الصفة، وهي مدعية.
والقول الثاني: إن القول قول الزوجة، وهذا على قولنا: إن المدعي هو الذي يدعي أمراً باطناً خفياً يخالف الظاهر، والزوج هاهنا هو الذي بهذه الصفة، لأن اتفاقهما على الإسلام في حالة واحدة بحيث لم يسبق أحدهما الآخر، خلاف الظاهر.

الجزء: 4 - الصفحة: 543

سكت، فيكون القولُ قولَ الرَّاهِنِ.
والثانية: استنبط القاضي حسين من القولين الجواب في فرعين.
أحدهما: سلم العبد المشروط رَهْنَه ملفوفاً في ثَوبٍ، ثم وجد ميتاً، فقال الرَّاهن: مات عندك، وقالَ المرتهن: بل كان عِندك ميتاً، فمن المصدق منهما فيه القولان.
الثاني: اشترى مائعاً وجاء بظرف فصيه البائع فيه، فوجدت فيه فأرة ميتة، فقال البائع: إنها كانت في ظرفك، وقال المشتري: بل أقبضتنيه وفي الفأرة، فَمَنْ يُصَدَّق؟ القولان.
ولو زعم المشتري أنها كانت فيه يوم البيع، فهذا اختلاف في أن العقد جرى صحيحاً أو فاسداً.
خاتمة: ليس للراهن أن يقول: أحضر المرهون وأنا أؤدي دَيْنَكَ من مالي، بل لا يلزمه الإِحْضَار بعد الأداءِ أيضاً، وإنما عليه التمكين كالمودع، والإحْضَار وما يحتاج إليه من مؤنة على رَبِّ المَالِ، ولو احتاج إلى بيعه في الدَّيْنِ لم يكن عليه الإِحْضَار أيضاً، بل يتكلف الرَّاهِن مؤنته ويحضره القَاضِي بنفسه حتى يبيعه 78، والله تعالى أَعْلَم.
تم الجزء الرابع، ويليه الجزء الخامس، وأوله: "كتاب التفليس"

الجزء: 4 - الصفحة: 544

العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير تأليف الإمام أبي القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني الشافعي المتوفي سنة 623 هـ تحقيق وتعليق الشيخ علي محمد معوض ... الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الجزء الخامس يحتوي على الكتب التالية: التفليس - الحجر - الصلح - الحوالة - الضمان - الشركة - الوكالة - الإقرار - العارية - الغصب - الشفعة دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

الجزء: 5 - الصفحة: 1

جميع الحقوق محفوظة جميع حقوق الملكية الادبية والفنية محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزأً أو تسجيله على أشرطة كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيًا.
الطبعة الأولى 1417 هـ - 1997 م دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

الجزء: 5 - الصفحة: 2

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل