العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ الدِّيَاتِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(1) قال الغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ في أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ، الأَوَّلُ فِي الوَاجِبِ، وَفِيهِ بَابَانِ

البَابُ الأَوَّلُ فِي النَّفْسِ

وَدِيَةُ النَّفْسِ الكَامِلَةُ عِنْدَ الخَطأَ مَائَةٌ مِنَ الإبلِ مُخَمَّسَةَ، عِشْرُونَ بنْتَ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ ابْنُ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ حِقَّةً وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، ثُمَ تَعْتَرِيهِ أَرْبَعُ مُغَلَّظَاتٍ، وَهِيَ الوُقوعُ فِي حَرَم مَكَّةَ أمَّا حَرَمُ المَدِينَةِ فَفِيهِ خِلاَفٌ، أَوِ الوُقوُعُ فِي الأَشْهُرِ الحُرُم وَهِيَ ذُو القَعْدَةِ وَذُو الحِجَّةِ وَالمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ، وَمُصَادَفَتُهُ ذَا رِحَم مُحْرمٍ، أَوْ كَوْنُهُ عَمْداً أَو شِبْهَ عَمْدٍ، وَلَوْ رَمَى مِنَ الحَرَمِ إِلَى الحِلِّ أَوْ مِنَ الحِلِّ إلى الحَرَمِ تُغَلَّظُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الدية بَدَلٌ نفس الحر أو أطرافه، والجمع: دِيَات، ويقال: وَدَيْتُ القَتِيلَ، أَدِيهِ دية [إذا أَدَّيْتَ] 2 ديته، فالدية اسْمٌ للمال، ومَصْدَرٌ.
والإجماع منعقدٌ على تعلّق الدِّيَة بالقَتْلِ؛ قال الله تعالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً1

الجزء: 10 - الصفحة: 313

فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92].
وعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنَّه كتب لعمرو [بن حزم] 3 كتاباً إلى أهل اليمن فيه ذكر الفَرَائض والدِّيَات 4، والكتاب يشتمل على ذكْر دِيَةِ الشخْص المستقل 5، ودية [الجنين] 6 ويحتاج في كلِّ واحدٍ من النوعَيْن إِلى معرفة الواجب، والمُوجب، والواجب عليه؛ إِلا أَن النَّظَر فيها لا يطول في النَّوْع الثَّاني، فجَعَلَ النوع الثاني بأطرافه قِسماً عديلاً للأطراف الثَّلاثة من النوع الأول، وجَعَل نَظْم الكتاب في أربعة أقسام: الأول: في الواجب، يَعْني من النوع الأوَّل، وفيه بابان: الباب الأول: في بَدَلِ النَّفْسِ، ويتعلَّقُ بقتل الحُرِّ المُسْلم 7 مائة من الإِبل، فعن أبِي بَكْرِ بن محمد بن عَمْرو بن حَزْمٍ عن أبيه عن جَدّه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كَتَبَ إلى أهلِ "اليمن" أَنَّ في النَّفْسِ المُؤْمِنَةِ مَائَةً مِنَ الإِبِلِ"، وهذه المائة تجب إِذا كان القتل خطأً مُخَمَسَّةً؛ عشْرُونَ منها بِنتُ مَخَاضٍ، وعشرون بنت لَبُون، وعشرونَ ابنُ لَبُونٍ، وعشرون حِقَّةٌ، وعشرون جَذَعة، وبه قال مالك، وأبدل 8 أبو حنيفة ابني اللَّبُون بابني المَخَاض، وبه قال أحمد.
وعَنِ ابن المُنْذِرِ مثله، واحتج الأصحابُ بما روي عن ابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَضَى في دية الخَطَأ بمائَةٍ من الإبل، وفصَّلَهَا على ما ذكرنا، ويُرْوَى ذلك موقوفاً عن ابن مسعود، وعن سليمان بن يسار: أنهم كانُوا يَقُولُونَ: دِيَةٌ الخَطَأ مَائَةٌ مِنَ

الجزء: 10 - الصفحة: 314

الإِبِلِ 9، وفَصَّل ذلك، وقد يطرأ ما تُغَلَّظُ به المائة الواجبة، وهي أربعة أسباب: أحدها: أن يقع الْقَتْلُ في حرم "مكة"، فيتغلَّظ به الديةُ، وإن كان القتْلُ خطأً، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- كيفية التغليظ، ولا فَرْقَ بين أن يكون القاتلُ والمقتولُ معاً في الحَرَمِ، وبين أن يكون أحدُهما فيه، كما في جزاء الصَّيْدِ 10. وفي حرم "المدينة" وجهان: أظهرهما: أن وُقُوع القَتلِ فيه لا يقتضي التغليظ، وهما مبنيان على الخِلاَفِ في صَيْدها.
ومنهم من لا يُطلِقُ الخِلاَفَ، وخَصَّص التردد بما إِذا قلنا: إن قاتلَ الصَّيْد فيها تُسْلَبُ ثيابه، وهل تتغلَّظ الدية بوقوع القَتْلِ في الإحرام فيه قولان: أحدهما، وبه قال أحمد: نعم؛ لأنه سَبَبٌ يجب به جزاء الصَّيْد، فيتغلَّظُ به كالحَرَم، وحُكِيَ هذا عن ابن القَاصِّ.
وأصحُّهما: لا؛ لأن حرمة الإحْرام عارضةٌ غَيْرُ دائمةٍ، ولم يَرِدْ فيه من التغليظ ما وَرَدَ في القَتْل في الحَرَم، ورُوِيَ أنَّه -عليه السَّلاَمُ- قال: إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللهِ -تَعَالَى- ثلاثة 11 رَجُلٌ قَتَلَ في الَحَرَمِ، وَرَجُلٌ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، وَرَجُلْ قَتَلَ بذحل الجَاهليَّة.

الجزء: 10 - الصفحة: 315

والثاني: أن يقع في الأَشْهرِ الحُرُم، وهي ذُو القَعْدة، وذو الحجَّة، والمُحَرَّم، ورَجَب، ثلاثة سرداً وواحدٌ فرداً؛ وذلك لِعَظَم حُرْمتها؛ ولا يُلْحَقُ بها شَهْرُ رمَضَانَ.
والثالث: أن يصادف القَتْل قريبًا مُحْرِماً، وهل تَتَغلَّظ الدية بالقَرَابَةِ دون المحرمِيَّة؟ فيه وجهان عن القَفَّال، واختاره الشَّيخ أبُو محَمَّدٍ، والقاضي الرُّويانيُّ: أنها تتغلَّظُ؛ لما فيه من قَطِيعَةِ الرحم، وتأكيد الحُرْمة.
وقال الأكثرون: لا تتغلَّظ؛ لِمجرَّدِ القَرَابة، ويعتبر معها المحرمية، وقد رُوِيَ عن عُمَر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ما يدلُّ عليه، ويُشعِرُ به، ولا تُلْحَقُ حرمة الرَّضَاع، والمُصَاهرة بُحْرمَةِ النَّسَبِ في هذا الباب.
وعند أبي حنيفة ومالك: هذه الأسباب الثلاثة لا تقتضي التَّغليظَ، ويميلُ الأصحاب للمذهب بالآثار عن عمر، وعثمان، وابن عباس -رَضِيَ الله عَنْهُم- وادَّعوا فيها الاشتهار، وحصول الاتفاق.
والرابع: إذا كان القتل عمداً أوْ شبه عمد، تغلَّظَتِ الدية، ويُسَمَّى شبهُ العَمْدِ عمداً خَطَأً أيضاً، وقد رُوِيَ عن ابن عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنهُ- أنَّ رسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَلاَ إِنَّ في قَتْلِ العَمْدِ الخَطَأ بِالسَّوْطِ، والعَصَا مَائَةً مِنَ الإِبِلِ مُغَلَّظَةً، مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً في بُطُونِهَا أَوْلاَدُهَا" 12. ويجوز أن يُعلَّم قوله في الكتاب: "أو شِبْه عَمْدٍ" بـ"الميم"؛ لأن المشهور عن مالك: أن القَتْل إما عمدٌ مَحْضٌ، أو خطأٌ مَحْضٌ، ونفي شبه العمد.
وقوله: "وعِشْرُونَ ابن لَبُونٌ معلم بـ"الحاء" والألف والواو"، وقوله: "الوقوع في حرم مكة معلم بالحاء والميم".
وقوله: "والوقوع في الأشهر الحرم".
وقوله: "أو مُصَادفته ذا رحم محرم" بالواو وقد بَيَّنا وجوهها.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَتَلَ مُسْلِماً فِي دَارِ الحَرْبِ عَلَى زِيِّ الكُفَّارِ وَلَم يَعْلَمْ إِسْلاَمَهُ فَيَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ عَلَى قَوْلٍ وَلَكِنْ دِيَةُ العَمْدِ أَوْ دِيَةُ شِبْهِ العَمْدِ أَوْ دِيَةُ الخَطأ المَحْضِ فِيهِ ثَلاثةُ أَوْجُهٍ، وَكَذَا إِذَا رَمَى إِلَى مُرْتَدٍّ فَأَسْلَمَ قَبْلَ الإصَابَةِ، وَيَجْرِي هَذَا الخِلاَفُ فِي كُلِّ قَتْلٍ عَمْدٍ مَحْضٍ صَدَرَ عَنْ ظَنٍّ فِي حَالِ القَتِيلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: سيظهر في الفصل التالي 13 لهذا الفَصْل أن شبه العَمْد في التغليظ = حديث أبي شريح، ورواه الحاكم والبيهقي من حديث عائشة بمعناه، وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس مرفوعاً: أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرم، ومبتغ فى الإِسلام سنة الجاهلية، ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه.
قاله الحافظ في التلخيص.

الجزء: 10 - الصفحة: 316

والتخفيف على مرتبة 14 متوسِّطة بين العَمْد والخطأ.
وفي الفصل صورتان، [و] قد سبق أصلهما، والغَرَضُ الآن الكلام في أنَّ الدية إن وجبت فيهما 15، فمن أي قبيل هي؟ إحداها: إذا قَتَل في دار الحرب مسلماً وجدُوه على زَيِّ الكُفَّار، وظنَّه كافراً، فقد سبق أن في وجوب الدِّيَةِ فيه قولين: أصحُّهما: المنع، وإذا قيل: بوجوبها، فمحصول المَنْقُول في كيفيتها ثلاثة أوجه: أحدها: أن الدية الواجبة دِيَةُ العَمْد؛ لأنه قتله متعمداً والثاني: دية شبه العَمْدِ؛ لأنه، وإن تعمد القَتْل، لم يقصد قتل المسلم، فأشبه ما إذا ضربه بما لا يَقْتُلُ غالباً.
والثالث: دية الخَطَأ المَحْضِ؛ لأنه معذور في القَتْل، جاهلٌ بالحال.
والثانية: إذا رمى إلى مرتد أو حربي، فأسلم، ثم أصابه السَّهم ومات، ففي وجوب الدية خلاف قَدَّمناه، والأصح وجوبها، وفي كيفيتها الوجوه الثلاثة، وهذه الصُّورة أولى بأن تلحق بالخطأ؛ لأنه لم يكن معصوماً عند الرمي، ويشبه أن يكون هو الأظهر لما ذكرنا أن الإِمام رأى القطع به فيما إذا جرح مرتداً أو حربياً فأسلم ثم مات، لكن في كتاب القاضي ابن كج أنَّه إذا أصاب سهمه من أسلم وكان مرتداً عند الرمي، لم يكن قصد إلى رميه تكون الدية في ماله لا على عاقلته؛ لأنهم يقولون: إنك لما أرسلت السَّهْم كان المرميُّ مُهْدراً، لا يلزمنا في قَتْلِهِ شيْء، ومن نُوجَب الدِّية في ماله، إذا لم يقْصِد الرمي إليه، فأولى أن نوجبها في ماله إذا قصد، ولو رمى إلى شخص 16 ظنه شَجَراً أو ظَبْية، وكان إنساناً، فالظاهر، وبه قطع الشيخ أبو محمد: أنَّه خطأ مَحْض، كما لو رمى إلى سعيد، فعرض في الطريق إنسان، أو مرق 17 منه فأصاب إنساناً، وقربه الإِمام من مسألة الرُّمْي إلى من ظنه كافراً في دار الحرب [فكان] 18 مسلماً، تنزيلاً لظنْ كونه شجراً منزلة ظن كَون الرجل حَرْبياً، ويوافق هذا لفظ الكتاب حيث قال: "ويجري هذا الخلاف في كل قَتلٍ عمد مَحْض صدر عن ظن في حال القَتْل".
قال الغَزَالِيُّ: وَالدِّيَةُ يَتَغَلَّظُ فِي العَمْدِ مِن ثَلاثَةِ أَوْجُهِ: التَّخْصِيصُ بِالجَانِي وَالتَّعْجِيلُ والتَّثْلِيثُ، وَهُوَ أنْ يَكُونَ ثَلاثُونَ حِقَّةً وَثَلاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً في بُطُونِهَا

الجزء: 10 - الصفحة: 317

أَوْلادُها، وَفِي الخَطَأِ يَتَخَفَفَّ مِنْ ثَلاثَةِ أَوْجُهٍ إِذْ تَجِبُ عَلَى العَاقِلَةِ مُؤَجَّلةَ إِلَى ثَلاَثِ سِنِينَ مُخَمَّسَةٍ، وَفِي شِبْهِ العَمْدِ تَجِبُ علَى العَاقِلَةَ مُؤَجَّلَةً مُثَلَّثَةً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الدية في القَتْلِ العمد تتغلّظ من ثلاثة أوجه: أحدها: أنها تجب على الجاني، ولا تتحمَّلُها العاقلة.
والثاني: أنها تجب حالة مُعَجَّلة، والوَجْهَان قياس إبدال المتلفات 19. والثالث: أنها تجب مثلّثة ثلاثون منها حِقّة، وثلاثون جَذَعَة، وأربعون خلفة، والخَلِفَةُ: الحامل 20، ويسمى هذا الوجه الثالث تغليظاً بالسن.
واحتج بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أوجب في الخبر الذي مر 21 من الخلفات في شبه العمد، فإذا وجبت في شبه العَمْدِ تغليظاً، فلأن تجب في العمد كان أولى.
وأيضاً ففي بعض الشروح أنَّه روي عن عبد الله بن عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ قَتَلَ مُتَعَمِّداً سُلِّمَ إِلَى أوْليَاءِ القَتِيلَ فَإنْ أحَبُّوا قَتَلُوا، وإنْ أَحَبُّوا أخَذُوا العَقْلَ، [وَالعَقْلُ]: ثلاثون حِقَّة وثلاثون جَذَعة وأربعون خَلِفَةِ فِي بُطُونِهَا أوْلاَدُهَا" 22. ولا فرق في ذلك بين أن يكون العَمْد موجباً للقصاص، فيعفى عنه، ويعدل إلى الدية، وبين ألاّ يكون موجباً للقصاص كقتل الوالد ولده، وفي الخطأ تتحقق الدية من ثلاثة أوجه: أحدها: أنها تكون عن العاقلة.
والثاني: أنها تكون مؤجّلة في ثلاث سنين، وسيأتي الكلام فيها إن شاء الله -تعالى- في القِسْمِ الثالث من الكتاب.
والثالث: أنها تجب مخمّسة على التفصيل الذي سبق، وفي شبه العمد بتخفيف من وجهين الوجوب على العاقلة، وكونها مؤجلة، ولكن تتغلّظ من حيث إِنها تجب

الجزء: 10 - الصفحة: 318

مُثَلَّثة لما قدمنا من الخبر.
هذا ظاهر المذهب.
وحكى القاضي ابن كَجّ، وأبو الفرج السَّرَخسي وجهاً أن بدل شبه العَمْدِ لا تحمله العاقلة؛ لأنها دية مغلّظة بإِيجاب الخلفات، فأشبهت دية العَمْدِ المَحْض.
وروى بعضهم هذا قولاً مخرجاً عن ابن القَاصّ، ووجه المذهب بما روي أن امْرَأَتَيْنِ 23 اقتتلتا، فضربت إحداهما الأُخرى بعَمُودٍ فُسْطَاط، فماتت، فقضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بِالدِّيَةِ على عَاقِلَتِها 24. وعند أبي حنيفة: أنها إِذا أوجبت الدية في العمد كقتل الوالد ولده تكون مؤجّلة على القَاتِلِ في ثلاث سنين.
وعند مالك: الدِّية في العمد، وشبه العمد تجب أرباعاً بخمسة وعُشرون بنت مخاض، وخمسة وعشرون بنت لبون، وخمسة وعشرون حقّة، وخمسة وعشرون جذعة، ولا يجب الخلفات بحال.
لنا: حديث العمد والخطأ على ما تقدم، وأيضاً فعن عُبَادة بن الصَّامت -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَلاَ إِنَّ فِي الدِّيَةِ العُظْمَى مَائَةً مِنَ الإبِلِ أَرْبَعُونَ خَلِفَةً في بُطُونِهَا أَوْلاَدُهَا".
وعن أحمد رواية كقوله 25، ورواية كقولنا.
والقتل الخطأ في الحرم، وفي الأشْهر الحرم والمصادف للمحرمِ دِيَتُهُ كَدِيَةِ شبه العَمْدِ تكون على العَاقِلَةِ مؤجلة 26، لكن مثلّثة، وإنما تجتمع التخفيفات 27 من الوجوه الثلاثة في الخطأ إذا وقع في غير 28 هذه الأحوال.
واعلم أن الدية المخمّسة يرجع تفاوت أقسامها إلى السن إلا في بَنَات اللَّبُون فإن تفاوتها يرجع إلى الذكورة والأنوثة، والتخميس في هذه الدية حاصل بأقسام مُتَعَادلة، والتثليث في الدية المثلثة غير حاصل على التعديل.
وأما النسبة المخفّفة فيها بالاعتبار بثلاثة أعشارها حِقَاق، وثلاثة أعشارها جِذَاع، وأربعة أعشارها خَلَفات، وهذا ظاهر عند التأمل، وقد قال الإِمام: ويراعي القسمة المذكورة في الدية المغلّظة والمخفّفة في دية المرأة [ودية الأطراف والجراحات فتجب في دية المرأة] 29 إذا كان القتل خطأ عشر بنات مخاض، وعشر بنات لبون، وهكذا إلى آخر الأقسام وإذا كان عمداً، أو شبه عمد وجبت خَمْسَةَ عَشَرَ حقةً، وخمسة عشر جَذَعَة، وعشرون خلفة، وكذا حكم دية اليد.

الجزء: 10 - الصفحة: 319

وفي المُوَضّحة إذا كانت خطأ بنت مخاض، وبنت لبون، وابن لبون، وحقّة، وجذعة.
وإذا كانت عمداً، أو شبه عَمْد حقّة ونصف، وجذعة ونصف، وخَلَفتان.
وفي قطع الأُصبع إذا كان خطأ ابنتا مَخَاض، وابنتا لبون، وابنا لَبُون، وحِقّتان، وجذعتان.
وإذا كان عمداً، أو شبه عَمْد ثلاث حِقَاق، وثلاث جِذَاع، وأربع خَلَفات، وعلى هذا القياس.
بدل العبد 30 الدراهم والدنانير فلا مَدْخل فيها للتغليظ، كما في سائر الأموال.
وليعلم لما بينا قوله في الكتاب في دية العَمْد والتعجيل بـ"الحاء" والتثليث بـ"الحاء" و"الميم" و"الألف".
وقوله في شبه العمد "على العاقلة" بـ"الواو".
وقوله: "لكن مثلثة" 31 بـ"الحاء" و"الميم" و"الألف".
وقوله: "أربعون خلفة في بطونها أولادها" مجرى على مُوَافقة الخبر المشهور في الباب، واختلفوا في قوله: "في بطونها أولادها".
فقيل: هو تأكيد مَحْض، وليست الخَلِفَة إلا التي في بطونها أولادها.
وقيل: اسم الخَلِفَة يقع على الحامل، وعلى التي ولدت، وولدها يتبعها، وأراد تبيين أن الواجب 32 الحامل، ويجوز أن يقال: هو تفسير الخلفة.
قال الغَزَالِيُّ: وَلاَ يُؤْخَذُ مَعِيبُ، وَالخِلْفَةُ تُعْرَفُ بِقَوْلِ أَهْلِ البَصِيرَةِ، فَإِنْ أَخْطَؤُوا اسْتَدْرَكُوا، وَأَمَّا الصِّنْفُ فَيُرَاعِي إِبِلُ البَلَدِ أَوْ أَقْرَبِ البُلْدَانِ إلَيهِ، فَإِنْ كَانَ إبْلُ مَنْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ يُخَالِفُ إبِلَ أَهْلِ البَلَدِ فَفِي تَعْيِينِهَا وَجْهَانِ، فَإنْ قُلْنَا: يَتَعَيَّنُ فَإنْ كَانَتْ مَعِيبَةَ فَهِيَ كالمَعْدُومَةِ، وإنْ لَمْ يُوجَدْ في القُطْرِ رَجَعَ إِلَى قِيمَةِ الإِبِلِ، وَفِي القَدِيمُ يُرْجَعُ إِلَى أَلْفِ دِينَارٍ أَوْ أثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَإذَا تكرَّرَ أَسْبَابُ التَّغلِيظُ لَمْ يتَكَرَّرِ التَّغْلِيظُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل: إحداها: لا يؤخذ في الدية معيب، ولا مريض إِلاّ أن يرضى المستحقّ، ولا فرق بين أن يكون إبل من عليه معيبة أو مريضة، أو لا تكون كذلك، بخلاف الزَّكاة حيث يؤخذ من المِرَاض المريضة؛ لأن الزكاة تتعلّق بعين المال، والدية في الذِّمة، فيعتبر المؤدّي السلامة كالمسلم فيه، والرّقبة في الكَفَّارة، لكن الدية عِوَض، فيعتبر فيها السلامة عن العيوب التي تؤثر في المالية، ويثبت الرد في المبيع 33، والمقصود في

الجزء: 10 - الصفحة: 320

الكَفَّارة التخليص عن الرق ليستقل 34 المعتق، فيعتبر السلامة عن العيوب التي تؤثّر في العمل، والاستقلال.
الثانية: في الغالب أن النَّاقة لا تحمل حتى يكون لها خمس سنين، وهي الثنية ولو حملت قبل ذلك، فهل تؤخذ، فيه قولان: أحدهما: لا؛ لأن الأربعين أحد أقسام الدية، فيختص بالسِّنّ كالقسمين الآخرين، ولأن الحمل قبل 35 ذلك مما يندر، ولا يوثق 36 به.
وأصحُّهما: القبول؛ لأنه ليس في الخبر إِلا اعتبار 37 الخلفة، وإذا جاء من عليه الدية بناقة ليسلمها، أو قال: هي خَلِفة، وأنكر المستحق، فيرجع فيه إلى عَدْلَين من أهل الخبرة، ويعمل بقولهما، وإذا أخذت بقول [أهل] 38 الخبرة، أو بتصديق الجاني، فماتت عند الولي، وتَنَازعا في العمل شق بطنها ليعرف 39 الحال، فإن تبين أنها لم تكن حاملاً غرمها الولي، وأخذ مكانها خَلِفة.
وعن القاضي ابن كَجّ وجه آخر أنَّه يأخذ أرش النقصان، ويكتفي به.
والظاهر: الأول كما لو خرج المسلم فيه على غير الصفة المشروطة، ولو صادفتا النَّاقة المأخوذة حائلاً، وقال الولي: لم يكن بها حمل، وقال المؤدي: أسقطت عندك 40، فإن لم يحتمل الزمان الإسقاط ردّت وَطُولب بخلفة بَدَلها، وإن احتمل فينظر إن أخذ 41 بقول الجاني، ولم يراجع أهل الخبرة، فالقول قول الولي مع يمينه؛ لأنّ الأصل عدم الحمل، وإن أخذ بقول أهل الخِبْرَة بعد مراجعتهم ففيه وجهان: أحدهما: أن الجواب كذلك.
وأصحُّهما: وبه قال الربيع أن القول قول المؤدّي لتأيد قوله بقول أهل الخبرة، واجتهادهم، فكأنهم 42 شهدوا، وحكمنا بشهادتهم.
وعن أبي الحسين بن القَطَّان القَطْع بهذا الوَجْه الثاني.
الثالثة: من لزمه الدِّيَة من الجاني والعاقلة فإما ألا يملك إبلاً أو يملك.
الحالة الأولى: إذا لم يكن له إبل، فعليه تحصيل الواجب من غالب إبل البلدة،

الجزء: 10 - الصفحة: 321

أو القبيلة إن كان من أهل البادية الدين ينتقلون بإبلهم ولا يقيمون في بَلْدة، ولا ناحية، ودفعه إلى المستحق، فإن تفرقت العاقلة في البُلْدَان، أو القبائل أخذت حصة 43 كل واحد منهم من غالب إِبِلِ بلدته، أو قبيلته.
قال أبو الفرج الزاز: وهذا لا يتحقق تصويره في تفرق الآحاد، فإن الواجب على واحد منهم لا يبلغ ما يؤخذ به الإبل، وإنما يظهر التصوير إِذا كان بطنٌ 44 في بلدة أو قبيلة، وبطنٌ في أخرى وإن لم يكن في البلدة أو القبيلة إبل، أو كانت بعيدةً اعتبر إبل 45 أقرب البلاد، وعليه النقل إن قربت المسافة، وإن بعدت وعظمت المُؤْنة والمَشَقّة لم يلزم، وسقطت المُطَالبة بالإبل، وبم يضبط القرب والبعد؟ أشار بعضهم إلى رعاية مَسَافة القَصْر، فجعلها وما فوقها في حَدّ البعد.
وقال الإِمام: لو زادت مؤنة إحضارها على قيمتها في موضع الغرّة لم يلزمه [تحصيلها] 46 وإلا لزمه.
الحالة الثانية: إذا كانت له إبل ينظر إن كانت إبله من غالب البَلْدة أو القبيلة فذاك، وإن كانت من صنف آخر فوجهان: الذي أورده الأكثرون من العراقيين وغيرهم أن الدية تؤخذ من لغة الصنف الذي يملكه 47 مَهْرِيّة كانت أو أرْحبيّة عِرَاباً أوْ بَخَاتَى، ووجه ذلك في العَاقِلَةِ بأنهم [كانوا] يؤدّون ذلك على سبيل المُوَاسَاة، فيعطون ما عندهم كما في الزَّكَاة، وهذا ظاهر نصّه في "المختصر"، فإنه قال: ولا أكلف أحداً من العاقلة غير إبله.
والثاني حكاه الإِمام عن محققي المَرَاوزة، ورجحه 48 أن الاعتبار بغالب إبل البلد 49؛ لأن الدية عوضٌ متلف، واعتباره بملك المتلف بعيد، ومن قال أراد بقوله: "غير إبله إبل بلدته أو قبيلته" وقد يضاف ما يتعلّق بالبلد، أو القبيلة [إلى] 50 الواحد من أهلها، ولذلك قال عَقِيْبَ هذه اللِّفظة: وإن لم يكن ببلده إبل كُلِّف إبل أقرب البلدان إليه، ولو أراد بإبله ما يملكه لأشبه أن يقول: ولو لم يكن له، أو في ملكه إبل، ومهما تعين نوع، فلا عدول إلى ما دونه، أو فوقه إلاَّ بالتَّرَاضِي.

الجزء: 10 - الصفحة: 322

وإذا كان الاعتبار بإبل الدية، أو القبيلة، فلو كانت إبل الموضع من نوعين أو أكثر ولا غالب فيها، فالخِيَرَةُ إلى المُعْطِي.
كذلك حكاه الإِمام وإن اعتبرنا 51 إبل مَنْ عليه، فلو تنوّعت إبله فوجهان: أحدهما: يؤخذ من الأكثر، فإن استويا 52 أعطي ما شاء.
والثاني: يؤخذ من كل 53 يقسطه إلا أن يتبرع فيعطي الكُلّ من الأشرف 54، وإن أراد أن يعطي من شيء آخر سوى ما في بلدته أجبر 55 المستحقّ على القبول إذا كان من غالب إبل البلدة، أو القبيلة.
قاله في "التهذيب"، والوجهان مَبْنِيَّان على القولين في الزَّكَاة، إذا تنوع النِّصَاب نوعين فصاعداً، وإذا كانت الإبل تُبَاع بأكثر من ثَمَنِ المِثْلِ لم يجب تحصيلها، وكانت كالمعدومة 56. الرَّابعة: إذا كانت الإبل موجودةً، وعدل من عليه ومستحقّها إلى القيمة أو غيرها بالتراضي جاز كما لو أتلف مثليّاً، وتراضياً على أَخْذِ القيمة مع وجود المثل 57، وقال 58 صاحب البيان: هكذا أطلقوه، وليكن ذلك مبنياً على أنَّه يجوز الصُّلح عن إبل الدية، وإن أراد أحدهما العدول عن الإبل لم يُجْبَر الآخر عليه.
وعن أبي حنيفة إذا عدل الجَانِي إلى الدراهم أو الدنانير المقدرة على ما سيأتي إن شاء الله -تعالى- وجب على المستحقّ القبول.
والدية أحد ثلاثة أشياء: الإبل والدراهم والدنانير.
وعن أبي الطَّيب بن سلمة وغيره أن على القول القديم، وهو الرجوع إلى المقدّر عند إعواز الإبل على ما سنذكر على الأثر إن شاء الله تعالى يتخير الجَانِي بين الثلاثة، كما قال أبو حنيفة.

الجزء: 10 - الصفحة: 323

وفي "الشامل" حكاية مثله عن أحمد، وزاد فقال: الدية ستة أصول الإبل والدراهم والدَّنانير، وسيأتي إن شاء الله -تعالى- تقديرهما ومائتا بقرة ومائتا حلة وألفا شاة، والمراد من الحلّة غالب لباس العرب إزار ورداء 59، وبه قال أبو يوسف ومحمد ويروى عن أحمد طَرْح الحلل، واحتجّ الأصحاب لتعيين الإبل بظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "في النفس 60 مَائَةٌ مِنَ الإِبِلِ"، وقوله -عليه السلام- في قتيل السّوط والعصا: "مائَة مِن الإِبِلِ".
أما إذا لم توجد الإبل في الموضع الذي يجب تحصيل الإبل منه، أو كانت توجد بأكثر من ثمن المِثْلِ، فالرجوع إلى ماذا؟ فيه قولان: القديم: وبه قال مالك أنا نرجع إلى بَدَلٍ مقدر، وهو ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم 61 لما روي عن مكحول وعطاء قالا: أدركنا النَّاس على أن دية الحرّ المسلم على عَهْدِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مائة من الإبِلِ، فقوّمها عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بألف دينار أو اثني عشر ألف درهم 62. وروي أنَّه -عليه السلام- قضى في الدِّيَةِ بألف مِثْقَالٍ، أو اثني عشر ألف درهم 63. وعند أبي حنيفة: الدَّراهم مقدّرة عشرة آلاف.
وذكر القاضي ابن كَجّ أن أبا الحسن حكاه وَجْهاً لبعض الأصحاب، ويدل على

الجزء: 10 - الصفحة: 324

التقدير الأول ما روي عن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن رَجُلاً قتل على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَجَعَلَ ديته اثني عشر ألف درهم.
والجديد: أنّ الرجوع إلى قيمة الإبل بالغة ما بلغت لما روي عن عَمْرو بن شُعَيب عن أبيه عن جَدّه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُم- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يُقَوِّم الإبل على أهل القرى، فإذا غلت رَفَعَ في قيمتها، وإذا هانت نقص من قيمتها (1)، وهذا ما اختاره المُزَنِيّ، وادعى أن القديم مرجوع عنه.

"

التفريع

" إن قلنا بالقديم، فالاعتبار بالدراهم والدنانير المضروبة 65 الخالصة دون التبر والمغشوش.
وذكر الإِمام أن المعطِي يتخيّر بين الدراهم والدنانير، والذي أورده الجمهور أن على أهل الذَّهب الذهب، وعلى أهل الوَرِقِ الوَرِق، د إذا كان الواجب دية مغلّظة، بأن قتل في الحرم، أو قتل عمداً أو شبه عمد، فهل يزاد للتغليظ شيء؟ فيه وجهان: أصحهما: لا؛ لأن التغليظ في الإبل إنما ورد بالسِّنّ والصفة، لا بزيادة العَدَدِ، وذلك لا يوجد في الدراهم والدنانير، وهذا أحدها احتجّ به على فَسَاد القول القديم.
وقيل: المصير إليه يسقط أثر التغليظ.
والثّاني: أنَّه يزاد ثلث المقدر تغليظاً، فيجب ستة عشر ألف درهم، أو ألف دينار، أو ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار، وبه قال أحمد لما روي عن عمر -رَضيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّه قضى فيمن قتل في الحرم، أو في الأشهر الحرم أو محرماً بدية وثلث 66. وعن عثمان 67 -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّه قضى في امرأة وطئت بالأقدام بـ"مكة" بدية64

الجزء: 10 - الصفحة: 325

وثلث، وهي ثمانية آلاف درهم، وعلى هذا فلو تعدد سبب التغليظ بأن قتل محرماً في الحرم فوجهان: أصحهما: أنَّه لا يزاد على الثلث شيء، ولا يتكرر التغليظ، كما لو قتل المحرم صيداً في الحرم لا يلزمه إلا جزاء واحد.
والثاني: أنَّه يزاد لكل سبب ثلث الدية، فيجب في قَتْلِ المحرم في الحرم عشرون ألفاً، ويروى ذلك عن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا 68 - وإن انضم إليه الوقوع في الأشهر الحرم، وجب أربعة وعشرون ألفاً، فإن كان القَتْل شبه عمد وجب ثمانية وعشرون ألفاً ويحكى هذا عن أحمد.
وإن قلنا بالجديد، فتقوّم الإبل بغالب نَقْدِ البلد، ويراعى صِفَتُهَا في التغليظ، إن كانت مغلظة.
قال الإِمام: فإن غلب النَّقْدَان في البلد تخير للجاني، وتقوّم الإبل التي لو كانت موجودة وجب تسليمها، وإنْ كانت له إبل معيبة وجبت قيمة الصِّحَاح من ذلك الصنف، وإن لم يكن هناك إبل، فيقوم من صنف أقرب البلاد إليهم.
وحكى صاحب "التهذيب" وجهين في أنَّه يعتبر قيمة مواضع الموجود، أو قيمة بلدة الإعواز لو كانت الإبل موجودة فيها، والأشبه الثاني، ووقع في لفظ الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّه يعتبر قيمة يوم الوُجُوب، والمراد على ما يفهمه كلام الأصحاب يوم وجوب التسليم ألا تراهم قالوا: إن الدية المؤجّلة على العَاقِلَةِ يقوم كلّ نجم منها عند محلّه.
وقال القاضي الروياني: إن وجبت الدية، والإبل مفقودة فيعتبر قيمتها يوم الوجوب.
أما إذا وجبت وهي موجودة، فلم يتمكن 69 من الأداء وحتى أعوزت يجب قيمته يوم الإِعْوَاز؛ لأن الحق يومئذ يحول إلى القيمة، وإن وجد بعض الإبل الواجبة أخذ الموجود، وقيمة الباقي.
وقوله في الكفار: "فيراعي غالب إبل البلد، وأقرب البلدان إليه" لا يخفى أنَّه ليس على التَّخيير، بل المعنى إلى 70 أقرب البلدان إليه، إن لم يكن في البلد إبل، وفي السياق ما يبيّن أن المرعى الغالب إن لم يكن لمن عليه الدية إبل، وإن كانت وهي مُخَالفة للغالب، فهل يتعيّن؟ فيه وجهان وعلى الوجه الذي لا يتعين بتعين الغالب.

الجزء: 10 - الصفحة: 326

وقوله: "وإن لم يوجد في القُطْر ... " إلى آخره فيه إشارة إلى أنَّه إذا وجدت الإبل، فلا معدل (1) عَنْهَا، وإنما الرجوع إلى غيرها عند ضرورة الإِعواز، وفي لفظ "القُطْر" إشارة إلى ضبط القُرْب والبُعْد بما ذكره الإِمام دون مسافة القصر.
وقوله: "يرجع إلى قيمة الإبل" ليعلم بـ"الحاء" و"الميم"، فإنّ الرجوع عندهما إلى المقدر كما بَيَّناه.
وقوله: "ألف دينار أو اثني عشر ألف درهم" للتخيير على ما ذكره الإِمام، وللتنويع على ما ذكره الجمهور ولفظ "اثني عشر" معلم بـ"الحاء" و"الواو".
وقوله: "لم يتكرر" بـ"الألف" و"الواو".

" فَرْعٌ"

قال الإِمام: لو قال المستحق عند إعواز الإبل: لا أطالب الآن بشيء، وأصبر إلى أن توجد، فالأظهر أن الأمر إليه؛ لأن الأصل هو الإبل، ويحتمل أن يقال لمن عليه الدية أن يكلفه قبض ما عليه [تبرأ ذمته] 72، ولم يصر أحد من الأصحاب إلى أنَّه لو أخذ الدراهم، ثم وجدت الإبل تردُّ الدراهم، ويرجع إلى الإبل، بخلاف ما إذا غرم قيمة المثل 73 لإعواز 74 المِثْل، ثم وجد ففي الرجوع إلى المِثْل خلاف، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا المُنَقِّصَاتُ لِلدِّيَةِ عَمَّا ذَكرْنَاهُ فَأَرْبَعَةٌ، الأوَّلُ الأُنُوثَةُ فَإنَّهَا تُرَدُّ إلَى الشَّطْرِ، وَالاجْتِنَانُ فَإنَّهُ يُرَدُّ إلَى غُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، وَالرِّقُّ فإِنَّهُ يُرَدُّ إلَى القِيمَةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَإِنْ زَادَتْ عَلَى دِيَة الحَرِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لما مهد أصل الدية، وعقبه بما يعتبر بها من الأسباب المغلّظة التي تزيد صفة، أو قدراً أراد أن يبين ما يعتبر بها من الأسباب المنقصة التي تنقص صفة، أو قدراً، فهي وهي كما عدها أربعة: أحدها: الأنوثة فَدِيَةُ المرأة على النصف من دية الرجل، لما روي عن عمرو بن حَزْمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "دِيَة المَرْأَةِ نِصْفُ دِيَةِ الرَّجُلِ" 75.71

الجزء: 10 - الصفحة: 327

ويروى ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، والعَبَادِلَةِ: ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ-.
قال الأصحاب: قد اشتهر ذلك، ولم يُخَالفوا، فصار إجماعاً، ويجب في الخُنْثَى المُشْكل دِيَةَ المرأةِ؛ لأن الزيادة مشكوك فيها.
ذكره صاحب "البيان" وغيره.
وكما أن دية المرأة على النصف، فدية أطْرَافها وجِرَاحَاتها على النصف من دية أطراف الرجل وجِرَاحاته على الجديد، وبه قال أبو حنيفة اعتباراً بالأجزاء بالجملة.
وفي القديم قول أن المرأة تُعَاقِلُ الرَّجل إلى ثلث الدية أي: تساويه في العقل 76، فإذا زاد الواجب على الثّلث صارت على النصف لما روي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: "عَقْلُ المَرْأةُ كَعَقْلِ الرَّجُلِ إِلَى ثُلُثِ الدِّيَةِ" 77. وعلى هذا فيجب في أُصْبع من أَصَابعها عشر من الإبل، وفي أُصْبُعَيْنِ عشرون من الإبل، وفي ثلاث ثلاثون، وفي أربع عشرون [على النصف] 78 مما يجب في الرجل؛ لأن الواجب في الأربع يزيد على الثلث، ويروى هذا عن مالك وأحمد، ويروى عنهما أنها تعاقله فيما دون الثُّلث، وفي الثلث فما فوقه تكون على النصف، وذكر أن القول القديم مرجوع عنه.
= فأخرجه البيهقي من طريق الحكم عن الشعبي عن زيد بن ثابت أنَّه قال: في جراحات الرجال والنساء سواء إلى الثلث، فما زاد فعلى النصف، وقال ابن مسعود: إلا السن والموضحة فإنهما سواء، وما زاد فعلى النصف، وقال عليّ: على النصف في الكل، قال: وأعجبها إلى الشعبي قول عليّ، وأما ابن عمر وابن عباس فلم أره عنهما.
مراده بقوله العبادلة، جميع الثلاثة؛ لأن الذين اشتهروا بهذا اللقب هم هؤلاء الثلاثة، ولا معنى لاعتراض من اعترض عليه بذلك، ووقع في المبهمات للنووي أن الجوهري قال في مادة عبد في ذكر العبادلة، أنَّه عد فيهم ابن مسعود، وحذف ابن عمر، وليس كما قال: فالذي في الصحاح حذف ابن الزبير، والاقتصار على ثلاثة، ولم يذكر ابن مسعود انتهى.
والذي في الصحاح في مادة عبد بإثبات ابن مسعود، وحذف ابن الزبير، فهم عنده أربعة، لكن في آخر الكتاب في مادة هاء، قال: وهم ابن عباس وابن عمر وابن الزبير، فاقتصر على ثلاثة فيه، ووقع في شرح الكافية لابن مالك العبادلة خمسة، فذكر الأربعة وابن مسعود فيهم، وعد الزمخشري في الكشاف ابن مسحود فيهم أيضاً، وحذف ابن عمرو، وتعقب، قاله الحافظ في التلخيص.

الجزء: 10 - الصفحة: 328

وأن الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: قال كان مالك يذكر أنَّه السُّنة، وكنت أتابعه عليه، وفي نفسي شيء منه حَتَّى علمت أنَّه يريد سُنَّة أهل "المدينة"، فرجعت عنه.
والثاني: الاختيار، فإنه يرد الواجب إلى الغرّة، والقول فيه مؤخر إلى القسم الرابع من الكتاب.
الثالث: الرّق، فيجب في قَتْل العبد قيمته، سواء كان القتل عمداً أو خطأً، وسواء نقصت القيمةُ عن قدر الدية، أو زادت مسلوكاً به مَسْلك الأموال، ولذلك لو تَلِفَ في يد الغاصب ضمنه بتمام قيمته، وبهذا قال مالك وأحمد.
وعند أبي حنيفة: لا يزاد الواجب على دِيَةِ الحُرّ، بل ينقص منه عشرة دراهم.
وفي رواية ينقص في حقِّ الأَمَةِ خمسة.
وأما أطراف العَبْدِ وَجِرَاحاته، فالذي يجب فيها مذكور في آخر القسم الأول من الكتاب، وقد يعترض في لفظ الكتاب من وجهين أحدهما 79 أنَّه الآن يتكلّم في مُنْقِصَات الدية، فكيف يليق به أن يقول: وإن زادت على دية الحر، فإن الرِّقَّ حينئذ يكون موجباً للزيادة دون النُّقْصَان.
والثاني: أنَّه قال: يرد إلى قدر القيمة، والرد إلى الشيء في هذا المعرض يقتضي كون المردود إليه أنقص، فكيف ينتظم أن يقول معه: وإن زادت على دية الحر.
والجواب على الأول أن قَدْر القيمة في الغالب دون قَدْر الدية، والرق يقتضي القيمة، فيكون منقصاً في الغالب، فلذلك عَدَّهُ من المنقصات، ويمكن أن يقال: القيمة ناقصة، وما يرد إليها فهو منقص، وإن زاد قدرها على قدر الدية لما فيه من العرض على المقومين والإلحاق بالبهائم، وسائر الأموال، ويخرج به الجواب عن الثاني.
قال الغَزَالِيُّ: وَالْكُفْرُ فَإِنَّ دِيَةَ اليَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ثُلْثُ دِيَةِ المُسْلِمِ، وَدِيَةِ المَجُوسِيِّ ثَمَانْمَائَةُ دِرْهَمٍ، وَالْمَعَاهَدُ كَالذِّمِّيِّ، وَأَمَّا عَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَالزَّنَادِقَةُ وَالمُرْتَدُّونَ فَلاَ عِصْمَةَ لَهُمْ، فَلَوْ دَخَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِأَمَانٍ كَفَفْنَا عَنْ قَتْلِهِ، فَإِنْ قُتِلَ وَجَبَ أَخَسُّ الدِّيَاتِ في الوَثَنيِّ، وَلَمْ يَجِبْ شَيءٌ في الْمُرْتَدِّ، وَفِي الزِّنْدِيقِ تَرَدُّدٌ، وَأَمَّا الَّذِينَ لَمْ يَبلُغهُمْ دَعْوَتُنَا فَقَدْ قِيلَ: يُقْتَلُ المُسْلِمِ وَبِقَتْلِهِ، وَقِيلَ: لاَ قِصَاصَ وَيجِبُ دِيَةُ المُسْلِمِ، وَقِيلَ: يَجِبُ دِيَةُ ذَلِكَ الدِّينِ، وَأَمَّا المُسْلِمُ فِي دَارِ الحَرْبِ إِذَا لَمْ يُهَاجِرْ فَهُوَ كَالمُسْلِمِ المُهَاجِرِ فِي العِصْمَةِ، وَالصَّابِئونَ مِنَ النَّصَارَى، وَالسَّامِرَةُ مِنَ اليَهُودِ، فَإِنْ كَانُوا مُعَطَّلَةَ في دِينِهِمْ فَلاَ دِيَةً لَهُم.

الجزء: 10 - الصفحة: 329

قَالَ الرَّافِعِيُّ: الرابع: الكفر: وَالكُفَّارُ أَصْنَافٌ: أحدها: اليَهُودِي والنصراني، فديتهما ثُلُث دية المسلم، وهو من الإبل ثلاثة وثلاثون وثلث، وإن أثبتنا الإبل بدلاً مقدراً، فهو من الذَّهَب ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ديناراً وثلث دينار، ومن الوَرِقِ أربعة آلاف درهم.
وقال أبو حنيفة: ديتهما مِثْلُ دية المسلم.
وقال مالك: نصف دية المسلم.
وقال أحمد: إن كان القَتلُ عمداً، فدية المسلم، وإن كان خطأ فنصف دية المسلم.
واحتجّ الأصحاب بما روي عن عُبَادة بن الصَّامت -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "دِيَةُ اليَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةُ آلافِ دِرْهَمٍ" 80. وبأنهما 81 مكلفان لا سَهْمَ لهما من الغَنِيمَةِ، فلا تكمل ديتهما كالمرأة، والسَّامرة من اليهود، والصَّابِئُون من النصارى إن كانوا معطلة لدينهم 82 كفرة عندهم لم يجب بِقَتْلِهِمْ دية اليهودي والنصراني، بل يكون حكمهم حكم مَنْ لا كتاب له من الكُفَّارِ، وإن كانوا [لا يكفرونهم و] 83 لا يخرجونهم من جُمْلتهم، فهم كسائر فرقهم، وقد سبق في النِّكَاح أن بعضهم أطلق قولين في جواز مُنَاكحة السَّامرة والصَّابئين، وسيأتي مثله في جواز تقريرهم 84 بالجِزْيَةِ، ولا بد من مجيء هذه الطريقة هَاهُنَا.
والثاني: المَجُوسِيّ، وديته ثلثا عشر دية المسلم، وإن شئت قلت: خمسها 85 وخمس ثلثه، وبهذا الاعتبار يقال: إن ديته خمس دية اليهودي، وذلك من الإبل ستة

الجزء: 10 - الصفحة: 330

وثلثان، وإذا أثبتنا البدل، فهو من الذهب ستة وستون ديناراً [وثلثا دينار] 86، ومن الوَرِقِ ثمانمائة درهم.
وقال أبو حنيفة: ديته كدية المسلم.
واحتج الأصحاب بأن ما ذكرناه قد روي عن عمر، وعثمان، وابن مسعود -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- قالوا: ولا مخالفة لهم من الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- فصار ذلك إجماعاً، واستأنس الشَّارح لـ"مختصر الجويني" الاعتبار خمس دية اليهودي والنصراني بأن قال: لليهود والنصارى كتاب ودِيْن كان حقّاً بالإجماع 87 وتحلّ مناكحتهم، وذبائحهم، ويقرون بالجزية، وليس للمجوس من هذه الأمور الخمسة إلاَّ التقرير بالجزية، فكانت ديتهم خمس ديتهم، ولا يخفى أن الدية في الصنفين إنما تجب إذا كان القتيل 88 معصوماً إما بِعَقْدِ الذّمة، أو بعهد جرى معهم مؤقتاً، أو بأمان مثل أن دخل رسولاً، أو تاجراً 89، ودية نسائهم على النصف من ديّة الرجال، وفي شرح "مختصر الجويني" وجه أن دية نساء المَجُوس كَدِيَةِ رجالهم؛ لأن ديتهم أقل الديات، والأقل يحطّ منه شيء، كما أن [أقل] 90 النفقات تستوي فيه الخَادِمة والمَخْدومة.
وفي "أمالي أبي الفرج" ذكر هذا الوجه في المَجُوس، وسائر الكفار الذين يجب فيهم مِثْل دية المجوسي، وشبه أقل الدية بغُرَّةِ الجنين لا يختلف بالذكورة والأنوثة، والظاهر المشهور الأول، فتكون دية اليهودية والنصرانية بالدراهم [أربعة آلاف] درهم، ودية المجوسية أربعمائة درهم.
وعلى هذا قياس الأطراف ففي أصبع اليهودي والنصراني أربعمائة درهم وفي موضحته مائتا درهم، وفي أصبع المجوسي ثمانون درهماً، وفي موضّحته أربعون، ويراعى في ديات هؤلاء التغليظ والتخفيف، وإذا قتل اليهودي عمداً أو شبه عمد وجبت عَشْر حِقَاق، وعشر جِذَاع، وثلاث عشر خَلِفَة وثلث، وإذا لم يوجد ما يقتضي التغليظ وجب من بِنْت المَخَاض ستة وثلثان، وكذلك من بَنَات اللَّبُون، وسائر الأخماس، وفي المجوسي عند التغليظ يجب حِقَّتان وجَذَعتان وخَلَفتان وثلثا خَلَفة، وعند التخفيف بنت مَخَاض وثلث، وبنت لبون وثلث، وكذلك من سائر الأخماس.
الصنف الثالث: الكافر الذي ليس له كتاب، ولا شبهة كتاب كعَبَدَةِ الأوثان والشمس والقمر، والزَّنَادقة، وفي معناهم المرتدون، فهؤلاء لا يفرض لهم عَقْد ذمْة، ولكن لو فرض أمان بأن دخل بعضهم رسولاً كفينا وبذلك عن قتله، فلو قتله قاتل

الجزء: 10 - الصفحة: 331

وجبت أخَسُّ الديات، وهي دية المَجُوسي والوثني، وعابد الشمس والقمر، ولا يجب في المرتد شيء، فإنه مقتول بكل حال، وليس من أهل الأمان.
قال الإِمام: ولو تحزبت طائفة من المرتدين، ومست الحاجة إلى سماع رسالتهم، فإذا جاءنا رسول منهم فقيل: لا يتعرض له، لكن لو قتل لم يتعلق بقتله ضمان، وفي الزنديق للشيخ أبي محمَّد تردد أنه يلحق بالمرتد، أو الوثني.
والأصح إلحاقه بالوثني؛ لأنه لم يسبق منه التزام الإِسلام، وكان إلحاقه بالمرتدين من جِهَةِ أنه يظهر الإِسلام، وإن كان يستسر بالكُفْر، فإظهاره لإسلام يجعل كإسلام المرتد من قبل، ومن لا عَهْدَ له ولا 91 ذمة ولا أمان من الكفار لا ضمان في قتله على أي دين كان المرتد 92 وجميع ما ذكرناه في الكَافِرِ الذي بلغته دعوتنا، وخبر نبينا -صلى الله عليه وسلم-.
أما من لا يبلغه دعوتنا، فلا يجوز قتله قَبْل الإعلام، والدعاء إلى الإِسلام، ولو قتل، كان مضموناً خلافاً لأبي حنيفة، وبني الخلاف على أنه مَحْجُوج عليه بالعَقْدِ عنده، وعندنا من لا تثبت لم تبلغه الدعوة الحُجّة، ولا تتوجه المُؤَاخذَة، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15] وبم يضمن؟ أما الكفَّارة 93 فتجب بلا تفصيل، ثم له أحوال ثلاث: إحداها: إذا لم تبلغه دعوة نبي أصلاً، فعن القَفَّال أنه يجب القِصَاصُ بقتله، فإنه لم يوجد منه عناد وإنكار، وهو على الفِطْرَةِ الأصلية بأسرها لم يجب إلاَّ أرْشُ والظاهر أنه لا قصاص لعدم التكافؤ ونقل نصان في أنه تجب الدية الكاملة أخس الديات فأقامهما بعض الأصحاب قولين يوجه أحدهما بأنه معذور والآخر بأنه لا دين له وقطع آخرون بوجوب الأخس وحمل النص الآخر على الحالة الثانية.
الثانية: إذا كان متمسك بدين لم يبدل ولم يبلغ ما يخالف ففيه الوجه الذاهب إلى وجوب القصاص وهو أقرب هاهنا لأن الدين الذي لم يُبَدَّلْ حقٌ وهو في التمسك به محسنٌ والحالة هذه، وإذا قلنا لا يجب القصاص وهو الظاهر ففي الدية الواجبة وجهان أحدهما: الدية الكاملة والثاني: دية أهل ذلك الدين فإن منصب ذلك الدين لا يقتضي الزيادة عليها.
الثالثة: إذا كان متمسك بدين لحقه التبديل لكنه لم يبلغه ما يخالفه فلا يجب

الجزء: 10 - الصفحة: 332

القصاص بقتله لتعلقه بالدين المغير وكذلك الدية الكاملة وفيما يجب ثلاثة أوجه أحدها دية أهل ذلك الدين والثاني أخس الديات والثالث ذكره الإِمام أنه لا يجب شيء لأنه ليس على دين حق ولا عهد له ولا ذمة وامتناعنا عن قتله كالامتناع عن قتل النساء والذراري والأشبه بالترجيح في الحالة الأولى والثالثة وجوب أخس الديات، وفي الثانية دية أهل ذلك الدين ومن أسلم في دار الحرب ولم يهاجر مع التمكن من المهاجرة أو دونه فقتله مسلم تعلق بقتله القصاص أو الدية، والعصمة بالإِسلام على ما قاله -صلى الله عليه وسلم-: "فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها" وعند أبي حنيفة لا يتعلق العصمة بالدار وقوله في الكتاب: ثلث دية المسلم مُعلم بالحاء والميم والألف وقوله ثمانمائة درهم بالحاء ويجوز أن يعلم بالواو لأن وجوب هذا المِقْدَار تت

فرع

على أن للإبل بدلاً مقدراً من التقدير، وقوله: "كالمسلم المهاجر في العصمة" معلم بـ"الحاء" وقوله: "فلا دية لهم" بـ"الواو".

الْبَابُ الثَّانِي فِيمَا دُونَ النَّفْسِ

قال الْغَزَالِيُّ: وَهَذِهِ الجِنَايَةُ إمَّا جُرْحٌ أَوْ إبَانَةٌ أَوْ إبْطَالُ مَنْفَعَةٍ (النَّوْعُ الأَوَّلَ الجُرْحُ) وَفِي جَمِيعِهِ الحُكُومَةُ إلاَّ فِي المُوْضِحَةِ فَفِيهَا خَمْسٌ مِنَ الإِبْلِ، فَإِنْ صَارَتْ هَاشِمَةً فَعَشْرٌ (م و)، وَإِنْ صَارَتْ مُنَقَّلَةً فَخَمْسَ عَشَرَ، وَإِنْ صَارَتْ مَأمُومَةً فَثُلُثُ الدِّيَةِ، وَكَذَا الثُّلُثُ في كُلِّ جَائِفَةٍ، وَالجَوْفُ مَا فِيهِ قُوَّةٌ مُحِيلَةٌ كَالبَطْنِ وَالدِّمَاغِ وَالمَثَانَةِ وَدَاخِلِ الشَّرْجِ، وَأَمَّا بَاطِنُ الإحلِيلِ وَالفَمِ وَدَاخِلُ الأجْفَانِ فَفِيهَا وَجْهَانِ، وَهَذِهِ المُقَدَّرَاتُ تَخْتَصُّ بِعَظْمِ الرَّأْسِ وَالوَجْهِ سِوَى الجَائِفَةِ فَإنَّهَا تَتَقَدَّرُ عَلَى سَائِرِ البَدَنِ، وَأَمَّا المُنَقِّلَةُ وَالهَاشِمَةُ في سَائِرِ الْبَدَنِ فَفِيهَا الحُكُومَةُ، وَنَعْنِي بِخَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ فِي المُوضِحَةِ نِصْفَ عُشْرِ الدِّيَةِ فَيَجبُ بِمِثْلِ نِسْبَتِهِ فِي الذِّمِّي وَالمَرْأَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد بان في البَاب الأول قدر الدية الواجبة بقتل النفس وحقيقتها، والمقصود من هذا الباب بيان ما يجب من الدِّيَةِ فيما دون النّفس، والجناية على ما دون النفس كما سبق في باب الجراح ثلاثة أنواع: جرح، وإبانة طرف، وإزالة منفعة وإبطالها: النوع الأول: الجراحات وهي قسمان: الأول: غير الجَائِفة ولنتكلم في جراحات الرَّأس والوجه من هذا القسم، ثم في الجراحات الواقعة في سائر البدن، أما الواقعة في الرأس والوجه ففي الموضّحة خمس من الإبل لما روي عن عمرو بن حزم -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في الكتاب

الجزء: 10 - الصفحة: 333

الذي كتبه إلى أهل اليمن:"وفي المُوَضّحَةِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ" 94. وعن عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مثله 95، ولا فرق بين أن تكون الموضّحة على الهَامَةِ، أو النَّاصِيَةِ، أو القذال 96 أو الخُشَّاء وهي العَظْمة الثي تنطبق عليها صَدَفة الأذن، أو منحدر 97 القَمَحُدوَّة إلى الرَّقبة.
وذكر في العَظْمة الواصلة بين عَمُودِ الرقبة، وكرة الرأس وجه أنها ليست في محلّ الموضحة كالرقبة، ويشبه أن تكون هي المُنْحدر المذكور، أو تكون هي منه، والجبهة من الوجه والجبينان والخَدّ وقَصَبة الأنف واللّحْيَان كلها محلّ الإيضاح، ولا فرق في ذلك بين المقبل بين اللّحيين الذي تقع به المواجهة، وبين ما تحت المقبل وإن كان ما تحت خارجاً عن حَدّ المغسول 98 في الوضوء، وذلك لأن اسم الموضحة شامل لجميعها.
وقال مالك: الموضحة على الأنف واللّحى الأسفل لا توجب إلا الحكومة لبعدها عن الدِّمَاغ، والذي ورد أن في الموضحة خمساً من الإبل في حقّ من تجب الدية الكاملة بقتله، وهو الحر المسلم الذكر، وهذا المبلغ نصف عشر ديته فتراعى هذه النسبة في حق غيره حتى يجب في موضحة اليهودي نصف عشر ديته، وهو بعير وثلثان، وفي موضحة المرأة نصف عشر ديتها، وهو بعيران ونصف، وفي موضّحة المجوسي ثلثا بعير، وقد ذكرنا تقدير إبدالها بالدراهم من قبل إن جعلنا للإبل بدلاً مقدراً، هذا الذي ذكرناه ظاهر المذهب المشهور في الموضّحة.
وفي شرح "مختصر الجويني" أن الإصْطَخْرِي قال: يجب في موضحة الوجه كثر الأمرين من خمس من الإبل، وقدر الشِّين يعني الحُكُومة، وأن ابن القطان حَكَى مثله عن أبي محمَّد الفارسي، ولا تفريع في هذا.
وإذا هشم العَظْم مع الإِيضاح وجب عشر من الإبل، وإن نفذ مع ذلك وجب خمسة عشر.
وأما أرش المُنقّلة، فهو مروي في خبر عمرو بن حزم -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- منصوص عليه.
وأما وجوب العشر في الهَاشِمة، فقد حكى الإِمام عن الأصحاب خلافاً في مأخذه، وذكر أن بعضهم روى عن زيد بن ثابت -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أوجب

الجزء: 10 - الصفحة: 334

في الهَاشِمة عشرًا من الإبل 99، وأن منهم من قال: لم يرد فيه خبر، وإنما قدر الواجب فيه بالاجتهاد، وذلك لأنها متوسّطة بين شجتين لكل واحد منهما أرْش مقدّر، فيكون لهما أرش مقدر كالمُنَقّلة، وهذا ما يوجد لعامة الأصحاب، ورواية عن زيد -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- موقوف عليه وقال مالك: يجب في الهَاشِمة أرش موضّحة، وحكومة.
وفي أمالي أبي الفَرْج السَّرخسي نقل قول عن القديم كمذهب مالك، وإذا وصلت الجِرَاحَةُ إلى الخَرِيْطَةِ المُحيطة بالدِّمَاغ، وهي المأمومة، ففيها ثلث الدية، روي ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- برواية عمر 100 -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وفي كتاب عمرو بن حزم 101 -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لأن المأمومة جراحة وصلت إلى الجَوْف، وفي الجَائِفَة ثلث الدية على ما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما الدَّامِغَة الخَارِقة للخريطة 102، ففيها طريقان ذكر الشيخ أبو حامد، ومن تابعه أن فيها ثلث الدية كالمأمومة، وأنه لا فرق بين أن تَخْرق الخريطة، أو لا تخرقها، وحكى ذلك عن نص الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فيما رواه القاضي الرُّوياني عن القاضي الطَّبري، وأشار إلى القطع به، وفي "المهذب" أن أقضى [القضاة] 103 الماوردي أوجب فيها مع ثلث الدية حكومة لخرق الخريطة.
والطريقة الثانية: حكى الفوراني وجماعة أن في الدَّامِغَة تمام الدية؛ لأنها [تذففت] 104 وعلى هذا جرى الإِمام، وقال: ليست الدامغة من الجِرَاح، وإنما توحى وتذفف تَذْفِيف حز الذقنة، والأولون كأنهم يمنعون كونها مذففة، ولو هشم العَظْم ولم يوضح، فوجهان: أحدهما: وبه قال ابن أبي هريرة أن الواجب فيه الحكومة؛ لأنه كسر عَظْم بلا إيضاح، فأشبه كسر سائر العظام.
وأصحهما: وبه قال أبو إسحاق، ويقال: إن القفال قطع به أنه يجب، فيه خمس من الإبل؛ لأنه لو أوضح، وهشم وجب عشر من الإبل 105، ولو تجرّد الإيضاح لم

الجزء: 10 - الصفحة: 335

يجب إلا خمس، فيكون الخمس في مقابلة الهَشْم، فيجب عند تجرُّد الهَشْم.
وفي "منهاج الجويني" أن الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- نصّ على الوجه الثاني، ولو نقل العَظْم من غير إيضاح، فالواجب الحكومة، أو عشر من الإبل، فيه مثل هذين الوجهين.
وفي "الرَّقم" وغيره أن موضع الوجهين ما إذا لم يحوج الهَشْم إلى البَطّ والشَّقّ لإخراج العظم وتقويمه فإن أحوج إليه، فالذي أتى به هاشمة يجب فيه ما يجب في الهاشمة.
وإذا أوضح واحد، وهشم آخر، ونَقّل ثالث، وأمّ رابع، فعلى الأول القصاص، أو خمس من الإبل، وعلى الثاني خمس [من الإبل]، وعلى الثالث خمس [من الإبل]، وعلى الرابع فَصْل أرش المأمومة وعلى أرش المُنَقّلة، وهي ثمانية عشر وثلث، بعير هذا هو الصحيح وفي كتاب القاضي ابن كَجّ وغيره وجه آخر أنهم يجعلون شركاء [في] 106 المأمومة، فيكون ثلث الدية 107 عليهم أرباعاً، ولو جاء خامس وخَرَق خَرِيطَة الدِّمَاغ، ففي "التهذيب" أن عليه دِيَةَ النفس كمن حَزَّ رقبة إنسان بعد ما قطعت أطرافه، وهذا على طريقة من قال: إن الدامغة مذففة، وأما ما قبل الموضّحة من الشّجَاج كالدَّامِيَة 108 والخَارِصة والبَاضِعَة والمتلاحمة فليس فيها أرش مقدر؛ لأن التقدير يعتمد التوقيف، ولم يرد فيه توقيف، وقد روي عن مكحول -رحمه الله- مرسلاً أن النبي -صلى الله عليه وسلم- جعل في الموضّحة خمساً من الإبل 109، ولم يوقف فيما دون ذلك شيئاً، ثم منهم من أطلق بأن الواجب فيها الحكومة.
وقال الأكثرون 110: إن لم يمكن معرفة قدرها من الموضحة، فكلذلك، ولا تبلغ حكومتها أرش موضحة، وإن أمكن أن يعرف قدرها بأن كان على رأسه موضحة إذا قيس بها البَاضِعة أو المتلاحمة عرف أن المقطوع نصف، أو ثلث في عمق اللحم، فيجب قسطه من أرش الموضحة، كان شككنا في قدرها من الموضّحة أوجبنا التَّعيين.
قال الأصحاب: وتعتبر مع ذلك الحكومة، ويجب أكثر الأمرين من الحُكُومة، وما

الجزء: 10 - الصفحة: 336

يقتضيه التّقسيط؛ لأنه وجد بسبب كلّ واحد منهما فيعتبر الأكثر كما سَيَأتي في قَطْع بعض اللسان، وذهاب بعض الكلام.
وعن الشيخ أبي محمد أن الخلاف في أن الواجب في المُتَلاَحِمَةِ الحكومة، أو يقدر أَرْشُهَا بالنسبة إلى العُمْق مبني على الخلاف الذي تقدّم في أنه هل يجب في المُتَلاَحمة القصاص؟ هذا الكلام في الجراحات على الوجه والرأس.
وأما الجراحات على سائر البَدَنِ فليس في إيضاح عِظَامه، ولا هَشْمها ولا في النَّقْل أرش مقدر، ووجهوه أن الأخبار الواردة كالموضّحة والهَاشِمة والمُنَقّلة لا يتناولها من جِهَةِ اللَّفْظ لاختصاص هذه الأشياء بجراحات الرأس والوجه، كاختصاص اسم الشِّجَاج، وليست هي في معانيها 111؛ لأن الخوف والخَطَر في جراحات الرأس والوجه أعظم والشَّيْن فيها أشدّ تاثيراً لوقوع النظر عليهما، وتعلّق الجَمَال بهما، وأيضاً فأرش نفس العضو لا ينبغي أن ينقص عن أرش الجناية على العضو، وليس في الأُنْمُلَة الواحدة إلا ثلاثة أبْعِرَة وثلث، فكيف نوجب في إيضاح عظمها خمساً من الإبل؟ القسم الثاني: من الجراحات الجَائِفة، ففيها ثلث الدية لما روي في كتاب عمرو بن حزم -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: " أنَّ فِي الجَائِفَةِ ثُلَثَ الدِّيَةِ".
وعن رواية عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مثله، والجائفة الجِرَاحة الوَاصِلَة إلى الجَوْف كالمأمومة الواصلة إلى أم الدِّمَاغ، وكذا الجراحة الواصلة إلى الجوف من البَطْن، أو الصدر، أو ثغرة النحر، أو الجنينِ، أو الخَاصِرة أو الورك أو من العجان إلى داخل الشرج والعجان هو ما بين الخصية والفَتْحة، وكذا الجراحة النَافِذَة إلى الحَلق من القَفَا أو الجانب المقبل 112 من الرَّقَبة، والنَّافذة إلى 113 المَثَانة 114 من العانة، وفي النّافذة إلى مَمَّر البَوْل من الذَّكَر وجهان: أحدهما: أنها جائفة لحصولها من الظَّاهر والباطن.
وأظهرهما: المنع؛ لأنه لا يعدّ من الأجواف، وليس فيه قوة تحيل الغذاء والدواء، وإنما يقدر الأرش في الجِرَاحَةِ الوَاصلة إلى الجوف الذي فيه هذه القوة لزيادة الخَطَر فيها, ولو نفذت الجراحة إلى داخل الفَمِ بهشم الخَدّ أو اللّحى، أو بخرق الشَّفة، أو الشّدق، أو إلى داخل الأنف بهشم القّصَبة، أو بخرق المَارِن، فهل هي جائفة؟ فيه قولان، ويقال: وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنها جراحة وصلت إلى الباطن من الظَّاهر، فأشبهت الجراحة الواصلة إلى جوف الرأس والبطن.

الجزء: 10 - الصفحة: 337

وأظهرهما: المنع؛ لأنهما ليسا من الأجواف الباطنة، ألا ترى أنه لا يحصل الفِطْر بما يصل إليهما , ولا يعظم فيهما الخَطَر، بخلاف ما يصل إلى جوف الرأس والبطن.
ومنهم من خصصِ الخلاف بما إذا نفذت الجِرَاحة إلى الفم والأنف بِهَشْمِ العظم، وقطع فيما إذا نفذت بِخرْقِ الشَّفَةِ وَالمَارن أنها لا تكون جائفة، فإن جعلنا الجراحة النافذة إلى الفم والأنف جائفة، فكذلك وإلا ففي 115 صورة هشم 116 العظم يجب أرش هاشمة 117، أو منقلة وزيادة حكومة للنفوذ إلى الفم والأنف، ولا تدخل حكومة الخرق في أرش الهاشمة أو المنَقِّلة؛ لأنها جناية أخرى، ويجري مثل الخلاف المذكور في الجِرَاحة الواصلة إلى الفم والأنف في الجراحة الخارقة للجفن إلى بيضة العين، ففي وجه هي جائفة.
وفي وجه ليس فيها إلا الحكومة وهو الأظهر، ولو وضع السِّكِّين على الكَتِفِ وحَزَّه حتى بلغ البَطْن، أو على الفَخِذِ وَحَزّه 118 حتى بلغ البطن، وأجَاف فعليه مع أرش الجائفة حكومة بجراحة الكتف والفَخِذ فإنها في غير محل الجائفة، وبخلاف ما لو وضعه على صدره وحَزَّه حتى أجَاف في البطن، أو في ثغرة النحر حيث لا تجب الحكومة مع أرش الجائفة؛ لأن جميعه على الجائفة، ولو أجاف في جميعه لم يلزم إلاَّ أرش الجائفة، فلأن لا يلزم الجائفة في البعض كان أولى.
ولا فرّق بين أن يجيف بحديدة، أو بخشبة محددة 119 الرأس 120 ولا [فرق] بين أن تكون الجائفة واسعةً أو ضيقة حتى لو غَرَزَ فيه إبْرَة، فوصلت إلى الجَوْف، فقد أجافه.
وعن ابن القَطَّان أن من الأصحاب من قال: إنما يعطى له حكم الجائفة إذا قال أهل الخبرة: إنه يخاف منه الهلاك.
وقوله في الكتاب: " ففيها خمس من الإبل" معلم بـ"الواو".
وقوله: "في الهاشمة" معلم بالميم والواو.
وقوله: "والجوف ما فيه قُوَّة مُحِيلةً ليس المقصود منه حَصْر الجوف، والجائفة فيما فيه قوة محيلة للخلاف المذكور على الأثر في باطن الإِحْلِيل، وباقي المَسَائل فإن من يقول: إن الجراحة الواصلة إليها جائفة لا يقول بالحصرَ، ولكن الغرض أن نبيّن أن الواصل إلى ما فيه تلك القوة جائفة بالاتِّفَاق، وفي الواصلة إلى سائر الأجواف خلاف.

الجزء: 10 - الصفحة: 338

وقوله: "فأما المُنَقِّلة والهاشمة في سَائِرِ البَدَن، ففيها الحكومة" مستغنًى عنه؛ لأنه قد ذكر من قبل أن في الجُرُوحِ جميعها الحكومة إلا في الموضّحة والهاشمة والمُنَقّلة والمأمومة والجائفة، وبين أن التقدير فيما سوى الجَائِفَةِ تخصيص بالرأس والوجهه، والمقدّمتان معرفان أن الهاشمة والمنقلة في سائر البدن لا ينفذ الواجب فيها.
وقوله: "ونعني بخمس من الإبل في الموضحة ... " إلى آخره المراد به: أن الخمس بعينها لا تجب أرشاً في كل موضِّحة، وإنما تجب في موضحة الرجل الكامل، وهو نصف عشر ديته، فتقاس به موضحة غيره كما بَيَّنَّا.
قال الغَزَالِيُّ: وَمَهْمَا اتَّحَدَتِ المُوضِحَةُ فَأَرْشٌ وَاحِدٌ وَلَوِ اسْتَوْعَبَ الرَّأْسَ، وَتَعَدُّدُهَا إمَّا بِاخْتِلاَفِ الصُّورَةِ أو المَحَلِّ أو الحُكْمِ أَوِ الْفَاعِلِ (أَمَّا الصُّورَةُ) فَمُوَضِّحَتَانِ فِي مَوْضِعَيْنِ فِيهِمَا أَرْشَانِ، فَإنْ رَفَعَ الجَانِي الحَاجِزَ تَدَاخَلَ الكُلُّ إِلَى وَاحِدٍ، وَإِنْ رَفَعَ غَيْرَهُ لَمْ يَتَدَاخَلْ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ بَيْنَ المُوَّضِّحَتَيْنِ حَاجِزٌ سِوَي الجِلْدِ أَوِ اللَّحْمِ اتَّحَدَ عَلَى وَجْهٍ، وَتَعَدَّدَ عَلَى وَجْهٍ، وَيَتَّحِدُ بِبَقَاءِ اللَّحْمِ دُونَ الجِلْدِ عَلَى وَجْهٍ (وَتَعَدُّدُ المَحَلِّ) بِأنْ يُخْرِجَ المُوَضِّحَةُ الوَاحِدَةِ مِنَ الرَّأْسِ إلَى الجَبهَةِ، وَفِي تَعَدُّدِ الأَرْشِ وَجْهَانِ (وَتَعَدُّدُ الفَاعِلِ) بِأَنْ يُوَسِّعَ إنْسَانٌ مُوَضِّحَةَ غَيْرِهِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ أَرْشٌ, وإِنْ كَانَ هُوَ المُوَسِّعَ لمْ يَزدْ إِلَى الأَرْشِ (وَتَعَدُّدُ الحُكْمِ) بِأَنْ يَكُونَ بَعْضُ المُوَضِّحَةَ عَمْداً وَبَعْضُهَا خَطَأً أَوْ بَعْضُهَا قصَاصاً وَبَعْضُهَا عُدْوَاناً، وَفِي نُزُولِهِ مَنْزِلَةَ تَعَدُّدِ الصُّورَةِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لاَ فَرْقَ بين أن تكون الموضّحة صغيرة أو كبيرة واسعةً، ولا يجب فيها إلا خمس من الإبل، ويتبع اسم المُوَضِّحة، ولا فرق بين البارزة والمَسْتُورة بالشَّعَرِ، ولا بين التي يتولد منها شَيْن قبيح، وبين التي لا يتولّد، وإذا تعددت الموضّحة تعدد الأرش، وتعددها يفرض بأسباب: أحدها: اختلاف الصورة بأن أوضح رأسه في موضعين، وبقي الجلد واللحم بينهما كما كانا فيجب أرْشَان، ولا فرق بين أن يرفع الحديدة عن موضحة ثم يضعها على موضع آخَر، فيوضحه، وبين أنْ يَجُرَّها على الرأس موضع الإيضاح إلى أن يتحامل عليها في موضع آخر، فيوضحه والجلد واللحم بينهما سليمان.
وحكى الإِمام في الحالة الثانية وجهاً ضعيفاً أن الحاصل موضِّحة واحدة لاتحاد الفِعْلِ، وتواصل الحركات، ولو كثرت المَواضِح، تعدد الأرش بحسبها، فلا ضبط.
وفيه وجه أنها إذا كثرت، وصارت بحيث لو أوجبنا لكل واحد خمساً من الإبل لزاد المبلغ على دية النفس، فلا نوجب أكثر من دية النفس، كما أنا على قول لا نوجب

الجزء: 10 - الصفحة: 339

[في] 121 قَلْع الأسنان كلها إلا دية النفس، والصحيح الأول، وقطع به القاضي ابن كَجٍّ، وفرق بين الموضِّحات، والأسنان بأن الأسنان معلومة مَضْبُوطة كالأصابع، فجاز ألا يزاد بَدَلها على دية النفس كالأصابع والموضحات ليست مضبوطة قدرًا ولا عدداً، فيجب 122 أرشها بحسب وجودها , ولو لم يَبْقَ الحاجز من موضعي الاِيضاح بكماله، ولكن بقي الجلد دون اللحم، أو بالعكس ففيه وجوه جمعها الإِمام وصاحب الكتاب.
وأصحها: أن الحاصل موضّحة واحدة، وإنما يثبت التعدد إذا اتفقا جميعاً؛ لأنه إذا زال أحدهما، فقد أثبت الجناية على الموضع كله، وهي فيما بين موضعي الإيضاح متلاحمة، أو نحوها, ولو استوعب الإيضاح الموضع كله لما وجب إلا أرش واحد، فهاهنا أولى.
والثاني: أن الحاصل موضِّحتان، ويكتفي بما بقي منهما حاجزاً اتباعاً لصورة الوضوح 123. والثالث: أن اللحم وحده يصلح حاجزاً دون الجَلْدِ، فإن بقي الجلد وحده 124 فهي موضحة واحدة كان بقي اللحم وحده، فهما موضحتان؛ لأن اللحم هو الساتر للعظم المنطبق عليه، فيكون الاعتبار به.
والرابع: أن الجلد يصلح حاجزاً دون اللحم، فهذا بقي الجلد، فهما موضِّحتان؛ لأن الجلد هو الذي يظهر للناظرين، فهذا بقي على اتصاله لم يكن العظم واضحاً، ومنهم من قطع بأن اللحم وحده لا يصلح حاجزاً، ونفى الوجه الثالث.
وإذا قلنا: لا يثبت التعدُّد إلا إذا بقيا جميعاً، فلو أوضح في موضعين.
ثم أوغل الحديدة ونفذها من الموضّحة إلى الموضحة في الداخل، ثم سَلَّهَا، فهل يقال بأنهما اتَّحَدَا؟ حكى الإِمام فيه وجهين، ولو عاد الجاني [ورفع الحاجز] 125 بين الموضّحتين قبل الانْدِمَالِ عاد الأرْشَان إلى واحد، وكان كما لو أوضح في الابتداء موضِّحة واسعة.
قال الإِمام: وهذا مستمرّ على النَّص في تداخل الدِّيَات إذا قطع يديه ورجليه، ثم حَزّ رقبته.
وخرج ابْنُ سريج أنها لا تتداخل على ما سيأتي إن شاء الله -تعالى- فعلى قضية تخريجه يلزم هاهنا برفع الحاجز أرش ثالث، ونقل القاضي ابن كَجّ وجهاً أنه لا يجب عليه لدفع الحاجز شيء، لكن لا يسقط 126 به شيء من الأرش؛ لأن زيادة الجِنَاية تبعد

الجزء: 10 - الصفحة: 340

أن تكون مسقطة لما وجب ظَاهر المذهب الأول، ولو تآكل 127 الحاجز بينهما كان كما لو رفعه الجَاني؛ لأن الحاصل بِسَرَايَةِ فعله منسوب إليه 128 كالحاصل بفعله، ولو رفع الجلد أو 129 اللحم أو تآكل أحدهما دون الآخر، ففيه الخلاف المذكور، ولو رفع الحاجز غير 130 الجاني، فعليه أرش موضحة، وعلى الأول أرشان، ولا يبنى فعل الثاني على فعل الأول، بخلاف ما إذا كان الجاني واحداً، ولو رفعه المجني عليه، ففعله هدر، ولا يسقط به شيء مما وجب على الجاني، ولو أوضح رأسه اثنان كلّ واحد منهما موضحة، فتآكل الحاجز بينهما عادتا إلى واحدة، وعلى كل واحد منهما نصف الأرش، ولو اشتركا في موضّحتين، ثم رفع أحدهما الحاجز بينهما، فعلى الذي رفع نصف أرش موضّحة، وعلى الآخر أرش موضحة؛ لأنهما عادتا إلى موضحة واحدة في حق رافع الحاجز، دون الآخر ذكره في "البيان" ولو شَجَّه شَجَّةً منها مُتَلاَحمة أو سِمْحَاق، ومنها موضحة، فالواجب فيهما أرْش موضِّحة وتدخل فيه حكومة المُتَلاَحمة والسِّمْحَاق؛ لأنها لو كانت موضحة بأسرها لم يجب إلا أرش موضّحة، فههنا أولى، وإذا اقتصّ فيها من الموضحة، فهل له أخذ الحكومة لما حولها من المُتَلاَحمة والسِّمْحَاق؟ قال صاحب "التهذيب" يحتمل أن يكون على وجهين كما لو قطع يده من نصف الكَفّ فاقتصّ المجني عليه من الأصابع، هل له حكومة نصف الكف؟ فيه وجهان: والسبب الثاني: اختلاف المحل، فلو نزل في الإيضاح من الرأس إلى الجبهة، إما لشمول [اسم] 131 الإيضاح، أو بأن أوضح شيئاً من الرأس، وشيئاً من الوجه وجرح 132 بينهما جراحة، دون الموضحة، ففيه وجهان:

الجزء: 10 - الصفحة: 341

أحدهما: أن الحاصل موضحة واحدة، والواجب أرش واحد؛ لأن الجبهة 133 والرأس كليهما محلّ الإيضاح، فأشبه ما إذا أوضح رأسه في موضعين، وجرح ما بينهما.
وأصحهما: أن الحاصل موضحتان؛ لأن الرأس والوجه عُضْوَان مختلفان، ولهذا قلنا: لو أوضح رأس غيره، ورأس الشَّاجّ أصغر من رأسه لا يجوز النزول في القصاص إلى الجَبْهَةِ، وذلك لاختلاف المحلين 134، ولو شملت الموضّحة الجبهة، والوَجْنة.
قال الإِمام: في الاتحاد تردد، والأظهر الاتحاد تنزيلاً لأجزاء الوجه منزلة أجزاء الرأس، وقد سبق في القِصَاصِ حكاية وجه أنه إذا كانت ناصية الجَانِي أصغر لا يعدل إلى غير الناصية، فقضية ذلك الوجه إذا وقعت المُوَضّحة على متصل الناصية وغيرها من أجزاء الرأس، ولو حَزّ السكين من موضحة الرأس إلى القَفَا وجرح 135 مع الإيضاح، أو دونه فعليه مع أرش الموضحة حكومة لجراحة القَفَا؛ لأن القفا ليس محلّ الموضحة، ولو حَزّ السكين من موضع الرأس إلى الجبهة، وجرحها جراحة متلاحمة.
فإن قلنا: لو أوضح في الجبهة أيضاً كان الحاصل موضّحة واحدة دخلت حكلومة جراحة الجبهة في أرْش موضحة الرأس.
وإن قلنا: الحاصل جراحة وجب حكومة جراحة الجَبْهة مع أرش الموضحة، كما ذكرنا في جراحة القَفَا.
والثالث: تعدّد الفاعل، وذلك بأن أوضح رأس إنسان، فجاء آخر ووسَّع تلك الموضَّحة، وزاد في الإيضاح أو أوضح قطعة متّصلة بطرف موضحة الأول، فيجب على الثاني أرش كامل أيضاً، وإن كانت الموضحة واحدة في الصورة، وإن وسع الأول الموضّحة والصحيح وهو المذكور في الكتاب أنه لا يلزمه إلا أرش واحد، كما لو أوضح أولاً 136 كذلك.
وفيه وجه آخر 137 أنه كما لو وسع غيره، وهذا الخلاف كالخلاف المذكور فيما إذا رفع الحاجز بين موضحتيه.
والرابع: اختلاف الحكم بأن أوضح موضحة واحدة هو في بعضها مخطئ، وفي بعضها متعمد، أو أوضح موضحة هو في بعضها مقتص، وفي بعضها متعدٍ ففيه وجهان: أحدهما: أن الحاصل موضّحة واحدة لاتحاد الصورة، والجاني، والمحلّ.
وأظهرهما: موضّحتان؛ لأن اختلاف البعضين في الحكم كاختلاف الجاني والمحلّ، أو أعظم منه.

الجزء: 10 - الصفحة: 342

وإن قلنا بالأول وزّع الأرش على البعضين 138. وإن قلنا بالثاني، فيجب أرش كامل لما تعدّى به، والصورة الثانية وهي أن يكون تبعيضها قِصَاصاً، أو بعضها عُدْواناً مذكور في الكتاب في باب "الجراح" مرة.
ولو أوضح موضحتين عمداً، أو رفع الحاجز بينهما خطأ، وقلنا: بالصحيح أنه لو رفع عمداً تداخل الأَرْشَان، ففيه وجهان لاختلاف الحكم، فإن جعلناه مؤثراً، فعليه أرش ثالث، وإلا لم يلزم إلا واحد 139. وقوله في الكتاب:"فأرش واحد وإن استوعب الرأس" قد حكينا تردداً في أن اختلاف أطراف الوجه، هل توجب تعدّد الموضحة الواقعة عليها؟ وبَيَّنا في أطراف الرأس وأجزائه ما يقتضي طرد هذا التردُّد فيها 140. وقضية ذلك أن يعلم قوله: "وإن استوعب الرأس" بـ"الواو".
وقوله: "تداخل الكل إلى واحدة" معلم بـ"الواو"، ويجوز أن يعلم بهذا الوجه الثالث في مسألة الجلد واللحم 141 لما ذكرنا أن منهم من نَفَاه، وقوله: "لم يزد الأرش" كذلك.
قال الْغَزَالِيُّ: وَأَمَّا المُتَلاَحِمَةُ فَوَاجِبُهَا حُكُومَةٌ، وَقِيلَ: يَتَقَدَّرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى المُوَضِّحَةِ، وَتَعَدُّدُ الجَائِفَةِ وَاتِّحَادُهَا بِارْتفَاعِ الحَاجِزِ كَتَعَدُّدِ المُوَضِّحَةِ، وَلَوْ ضَرَبَهُ بِمِشْقَصٍ فِي بَطْنِهِ فَجَائِفَتَانِ فيَجِبُ عَلَيْهِ أَرْشَانِ، وَإِنْ نَفَذَ سَنَّانِ وَاحِدٌ مِنَ البَطْنِ إلَى الظَّهْرِ فَهُوَ أَيْضاً جَائِفَتَانِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَالْتِحَامُ المُوَضِّحَةِ وَالجَائِفَةِ لاَ يُوجِبُ سُقُوطَ الأَرْشِ بِخِلاَفِ عَوْدِ السِّنِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل: إحداها: ذكرنا في الفصل الأول من الباب أن المتلاحمة ليس لها أرش مقدر، وأن منهم من أطلق القول بأن فيها الحكومة.
ومنهم من قال: ينسب إلى الموضحة إن أمكن معرفة النسبة، وفرض الإمكان فيها إذا كان على رأسه موضحة قريبة من المُتَلاَحمة، فيقاس بها المَقْطُوع من المتلاحمة،

الجزء: 10 - الصفحة: 343

وقد ذكرنا في القِصَاص أن بعضهم اعتمد غمر الرأس والضبط بالنجمين، وإذا جاز اعتماد ذلك في القصاص فأولى أن يجوز في الدية.
الثانية: يتعدد أرش الجَائِفَةِ بِتعدّدها، فلو أجاف جائفتين، ثم رفع الحاجز بينهما، أو تآكل ما بينهما، ورفعه غير الجاني، فعلى ما ذكرنا في المُوَضّحة، وتتعدد الجائفة بتعدد الصورة بأن يجرحه جِرَاحتين نَافذتين إلى الجَوْف، فإن بقي بينهما الجلدة الظاهرة، وانْخَرَقَ ما تَحْتَهَا أو بالعكس، فيشبه أن يكون الحكم كما ذكرنا في المُوَضِّحة، ويتعدد المحلّ بأن ينفذ جراحتين إلى جوفين، ويتعدد الفاعل بأن يوسع جائفة غيره، وفصله الأصحاب فقالوا: إن أدخل السِّكين في جائفة غيره، ولم يقطع شيئاً، فلا ضمان عليه ويعزر، وإن قطع شيئاً من الظاهر دون الباطن، أو بالعكس، فعليه حكومة، وإن قطع من جانب بعض الظَّاهر، ومن جانب بعض الباطن.
قال في "التتمة": ينظر في ثَخَانَةِ الجلد واللَّحم، ويقسط أرش الجائفة على المَقْطُوع من الجانبين، وقد يقتضي التَّقسيط تمام الأرش بأن قطع نصف الظاهر من جانب، ونصف الباطن من جانب، ولو لم يقطع من أطراف الجائفة شيئاً، ولكن زاد في غورها 142، أو كان قد ظهر عُضو باطن كالكَبدِ والطَّحال، فغرز السِّكين فيه، فعليه الحكومة، ولو عاد الجاني، ووسع الجَائفة، أَو زاد في غورها لم يزد الواجب، وكان كما لو أجاف ابتداء كذلك، ويمكن أن يعود فيه الوجه في تَوْسِعَةِ الموضّحة، ويجيء في اختلاف حكم الجَائِفَةِ، وانقسامها إلى عمد 143 وخطأ ما سبق في الموضحة، ولو ضربه بسنان أو مِشْقَصٍ له رأسان، فنفذ إلى جوفه 144 والحاجز بينهما سليم، فهما جائفتان كما لو نفذهما بآلتين وبضربتين ولو طعنه ونفذ السِّنَان من البَطْنِ حتى خرج من الظَّهْر، أو من أحد الجَنْبين إلى الآخر، ففيه وجهان ويقال: قولان: أصحهما: ويحكى عن مالك أن الحاصل جائفتان لما روي عن أبي بكر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه قضى فيه بثلثي الدية، ولم يُخَالَفْ، وأيضاً فإنه جرحه جراحتين نافذتين إلى الجوف.
والثاني: أن الحاصل جائفة واحدة، ولأن الثانية نفذت 145 إلى الظاهر من الباطن، والجائفة: هي التي تنفذ إلى الجوف من الظَّاهر.
وفي "الشامل" نسبة هذا إلى أبي حنيفة.
وفي "التهذيب" وغيره أن مذهبه كالأول.

الجزء: 10 - الصفحة: 344

وإذا قلنا بالوجه الثاني فقد قيل: لا يجب إلا أرش واحد، والأظهر وهو رواية ابن القَطَّان وغيره أنه يجب حكومة أيضاً للجراحة الحاصلة في الظهر.
الثالثة: إذا أوضح رأسه فاندمل أطراف الجِرَاحَةِ وبقي شيء من العَظْم بارز لم يسقط شيء في الأرش، وإن التحم الموضع، ولم يبق شيء بارز من العَظْم، فكذلك على ظاهر المَذْهب.
وفي "التتمة" أنه إن لم يبق شيء ولا أثر، فقد خرج وجه من مسألة عود السّن أنه يسقط الأرش.
وإن بقي شَيْن بارز فيعود الواجب إلى الحكومة أخذاً من وجه مثله نذكره في الجَائِفَةِ، وفرق على المذهب بأن السّن لا يعود في العادة، والواجب فيه واجب للخلل 146 الحاصل بِفَقْدِ السن, وإذا عاد فلا 147 خَلَلٍ والموضحة تَنْدَمِلُ إذا لم يَسُرِ، فلو كان الواجب فيها يسقط بالاندمال لكانت الموضِّحة كسن الصبي الذي لم يثغر، ولما وجب فيها شيء في الحَالِ، ولما وجب علم أنه وجب في مقابلة الجزء 148 الذي ذهب، والآلام التي لحقت 149 المجني عليه، والمذهب في الجائفة أيضاً أنها إذا اندملت لم يسقط الأرش، ولا شيء فيه.
وعن صاحب "الإفصاح" وجه أنه يعود الواجب إلى الحكومة تخريجاً عن نصّ الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فيما إذا أفضى امرأة فالتحم الموضع أن عليه الحكومة.
وفي "التهذيب" أن بعضهم خرج على القولين في سقوط الأرش عنه عَوْد الشَّين.
قال الإِمام: ولا يتصور عند 150 من قال بسقوط الأرش ثبوت أرش الجناية مستقراً 151 إلا أن يفرض إجَافة جانٍ 152 وحَزّ الرقبة من آخر، وإلا فالجائفة إذا لم تَسْرِ يكون انْدِمَالِهَا كالْتِحَامها، وفرق بين الجائفة والإفضاء بمثل ما سبق وهو أن الواجب هناك واجب لزوال الحاجز، فإذا التحم عرف أنه لم يزل وفي الجَائِفَةِ ما وجب، وإنما وجب لنفوذ الجراحة، فإذا التحمت الموضّحة، أو الجائفة فجاء جَانٍ إما الأول أو غيره وأوضح في ذلك الموضع أو أجاف، فعليه أرش آخر إن كان الالتحام قد تَمَّ، سواء نبت عليه الشّعر، أو لم ينبت، وسواء كان متغير اللّون مشيناً، أو لم يكن، وإن لم يتم الالْتِحَام، فعليه الحكلومة دون تَمَام الأرش، ولو نزع الخَيْط الذي خيطت الجَائِفة به قبل

الجزء: 10 - الصفحة: 345

أن يلتحم، فعليه التعزير وأجرة مثل الخِيَاطة، أو ضمان الخيط إن تَلِف، ولا أرش ولا حكومة، وإن التحمت ظاهرًا وباطناً، فانفتحت فهي جَائِفة جديدة، وكذا لو انفتح جانب منها بعد تمام الْتِحَامِهِ، فإن التحم ظاهرها دون باطنها أو بالعكس، فعليه الحكومة دون الأرش التام، ولا يجب مع الأرش أو الحكومة أجرة الخَيَّاط، لكن يجب ضمان الخَيْط إن تلف.
وقوله في الكتاب: وقيل إنه "يتقدر بالنسبة إلى الموضِّحة" صوَّر أكثرهم التقدير 153 فيما إذا كان بقربها موضّحة يقاس بها سُمْك المقطوع على مَا مَرّ، ويمكن حمل اللفظ على التقدير بالاجتهاد والتخمين، وإن لم يكن هناك مُوَضِّحة وقد بَيَّنَّا ذلك أيضاً.
وقوله: "وتعدد الجائفة واتحادها ... " إلى آخره مقصوده: أن ننظر في سَبَبِ الارتفاع إن ارتفع بفعل الجَانِي اتحدت الجناية، وإن ارتفع بفعل غيره لم يتَحَّد.
وقوله: "ولو ضربه بِمِشْقَص في بطنه" يعني: فأجافه في موضعين 154 والمِشْقَصُ ما طال من النِّصَال، وعرض وقد يتشعب شُعْبَتَيْنِ، وهو المقصود هاهنا.
وقوله: "لا يوجب سقوط الأرش" معلم بـ"الواو" لما نقلنا وقد تخصص العلامة في النُّسخ بالجائفة؛ لأن صاحب الكتاب في "الوسيط" خصّص وجه السقوط بالجائفة، ولم يثبته في الموضحة.
فروع وصور تتعلّق بما نحن فيه.
غرز إبْرة في رأس إنسان حتى انتهت إلى العَظْم وسَلَّها، هل هي موضِّحة؟ خرجه الإِمام على وجهين 155. وقال: يرجع التردُّد إلى أن الاعتبار بما يشقّ إلى العظم، أو بما يسمى موضِّحة، والظاهر المشهور أنها موضحة، والموضحة التي حصل الهشم 156 في بعضها دون البعض ليس فيها إلا أرش هاشمة كما مر أن الشجة التي حصل الإيضاح 157 في بعضها دون بعض ليس فيها إلا أرش موضحة.
أوضح وهشم في موضعين واتَّصل الهشم بينهما في الباطن فوجهان: أحدهما: أن الحاصل هَشْمه واحدة لاتصال الكسر، وان بقي اللحم والجلد حاجزاً بين الموضحتين.

الجزء: 10 - الصفحة: 346

والثاني: أنهما هَاشِمتان، وهذا ما اقتصر على إيراده جماعة منهم صاحب "الشامل"، ووجّهوه بأن الهاشمة تتبع المُوَضّحة، وقد وجدت الموضِّحتان فيتعدد، الهشم بتعددهما.
أوضح في مواضع متفرقة، وهشم في كلّ واحد منهما، فهي هَاشِمَتَانِ متعددة وحكى القاضي ابن كَجّ عن ابن القَطَّان وجهاً غير موجّه أنها تجعل موضحات وهاشمة واحدة.
وفي "المهذب" أنه لو أدخل حديدة أو خشبة في دُبر إنسان، وخرق حاجزاً في الباطن 158 هل عليه أرش جائفة.
فيه وجهان 159 بناء على الوجهين في أن خَرْقَ الحاجز بين الموضِّحتين في الباطن، هل يكون كَخَرْقِ الظاهر حتى لا يلزم إلا أرش موضّحة واحدة.
شَجَّة متلاحمة وجاء آخر 160 وأوضح في ذلك الموضع بقطع ما بقي من اللحم، فعلى كل واحد منهما الحكومة، ولينظر فيه إلى ما مَرّ من تقدير السُّمك عند الإمكان.
أجافه وتكأفى بعض الأعضاء الباطنة كالأمعاء، فعليه مع أرش الجَائِفة حُكُومَة.
قال الْغَزَالِيُّ: فَإنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى الحُكُومَةِ قُلْنَا أَنْ يُقَدَّرَ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَبْداً فَيُقَالُ: قيمَتُهُ دُونَ الجِنَايَةِ عَشَرَةٌ وَمَعَ الجِنَايَةُ تِسْعَةٌ فَالتَّفَاوُتُ عَشْرٌ فَيَجِبُ مِثْلُ نِسْبَتِهِ مِنَ الدِّيَةِ بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَزِيدَ عَلَى مِقْدَارِ الطَّرَفِ المَجْرُوحِ فَلاَ يُزَادُ حُكُومَةُ جِرَاحَةِ الأُصْبُعِ عَلَى دِيَةِ الأَصْبُعِ وَلاَ حُكُومَة الكَفِّ وَالسَّاعِدِ وَعَظْمِ العَضُدِ عَلَى دِيَةِ الأصَابع الخَمْس، وَلاَ بَأْسِ بِزِيَادةِ حُكُومَةِ كَفٍّ عَلَى دِيَةِ أُصْبُعٍ وَاحِدٍ، وَاليَدُ الشَّلاَّءُ يُزَادُ حُكَومَتُهَا عَلَى أَصْبُعٍ، وَيُنْقَصُ عَن اليَد الصَّحيحَة.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: تكلم هاهنا في الحكومات، تدرج إليه بسؤال افتتحه 161 وليس للقول في الحكومات كثير اختصاص بهذا الموضع وكأن تأخيره إلى آخر الباب أحسن ليتم الكلام في دِيَةِ ما دون النَّفْس التي عَقْد لها 162 الباب على الانتظام، وليتأخر ذكر الحكومة المتأخرة في الدِّيَةِ عن ذكر اليَدِ المتقدمة في الدِّيَةِ، والمقصود أن الحكومة جزء من الدية نسبته إليها نسبة ما تقتضيه 163 الجِنَاية مِن قيمة المجني عليه بتقدير 164 التقويم وذلك بأن

الجزء: 10 - الصفحة: 347

يقوم المجني عليه بصفاته 165 التي هو عليها لو كان عبداً 166، وينظر كم ينقص الجناية من قيمته فإن قوم بعشرة دون الجناية، وبتسعة بعد الجناية، والتفاوت عشر فيجب عِشْر 167 الدية ووجه ذلك بأن الجملة مضمونة باليد، فيضمن الأجزاء 168 بجزء الدية، فإذا قدر الشرع جزءاً من الدية اتبعناه، وإذا لم يقدر اجتهد في معرفته، ونظرنا في النقصان؛ لأن الأصل أنه يجب بالجناية قَدْر النقصان، ونقدر تقومية ليعرف قدر النقصان، ثم نعود إلى الدِّيَة لتكون الجملة مضمونة بها، وهذا كما أنا ننظر في نُقْصَان القيمة إذا أردنا أن نعرف 169 أرش العيب 170، ثم نعود إلى الثمن؛ لأن المبيع مضمون بالثمن، ولوقوع الحَاجَةِ في معرفة الحكومة إلى تقدير الرِّق.
قال الأئمة: العبد أصل الحر 171 في الجنايات التي لا يتقدر أرشها كما أن الحر 172 أصل العبد في الجنايات التي يتقدر أرشها حيث يجعل 173 جراح العبد من قيمته كِجِرَاحِ الحر من ديته، فليعرف هاهنا شيئان: أحدهما: في التوجيه المذكور ما يبين أن الدية التي توجب جزءها 174 هي دية النفس.
وحكى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وجهاً أن قدر النقصان يعتبر من دية 175 العضو الذي وردت الجناية عليه لا من دِيَةِ النفس حتى لو نقض عشر القيمة بالجناية على اليد، فالواجب عشر دية اليد، ولو نقص بالجناية على الرأس، فالواجب عشر دية الموضّحة، وعلى هذا القياس، ثم ضعفه بأنا إنما نقوّم النفس أولاً فوجب أن يعتبر النُّقْصَان من ديتها، وبأنا لو اعتبرنا دية العضو فقد يتباعد واجب 176 الجِنَايتين مع تقاربهما 177، وذلك بأن ينقص بالسِّمْحَاق عشر القيمة، فإذا أوجبنا عشر أرش الموضّحة بَعُدَ واجب إحدى الشَّجَّتين عن الأخرى مع تقارب 178 الشَّجتين وذلك مما 179 لا يجوز.
= يجب حكومة على وجه يقدرها الحاكم باجتهاد ويعتبر بما قبل الاندمال وهكذا ذكروا في الجراحة إذا اندملت ولم يبق شين ولا أثر أنه يجب حكومة يقدرها القاضي باجتهاده على أحد الوجهين.

الجزء: 10 - الصفحة: 348

والثاني: قد تقدم أن 180 الأصل في الدية الإبل، وأطلقوا القول بوجوب جزء من 181 الدّية إذا عرفنا قدر نُقْصَان القيمة، فأفهم ذلك أن الحكومة الواجبة تكون من جنس الإبل، ورأيته مصرحاً به لبعضهم، ثم الجراحة إما أن ترد على عضو له أرش مقدر أو على ما ليس له أرش مقدر فإن وردت على ماله أرش مقدر نظر إن لم يبلغ الحُكُومة أرش ذلك العضو وجبت، وإن بلغت أرشه نقص الحاكم منه شيئاً بالاجتهاد، ولأن بعضه مضمون بالأرش لو فات، فلا يجوز أن تكون الجناية عليه مَضْمُونة بما يضمن به العُضْو نفسه 182 مع بقائه، فالجراحةُ على الأنملة العليا، وقلع الظفر، تنقص حكومتها عن أرْش الأنملة، قال أبو الفرج السرخسيُّ: والجراحةُ على الأنملة السفلَى لا تبلغ دية الأصبع، وعلى الوسطَى لا تبلُغُ ثلثَيْ 183 دية الأصبع، ويشبه أن يريد بالجراحة على السفلَى ما إذا عمَّت الأنامل، حتَّى انتهت إلى السفلى، وبالجراحةِ على الوسطَى التي انتهتْ من العليا إلى الوسطى، دون أن تكونَ مخصوصَةً بالأنملة الواحدةَ، ولفظ الإِمام أنَّ الجنايةَ على الأصبع، إذا أتتْ عَلَى طولها، فحكومتها لا تبلغ دية الأصبع، والجراحةُ على الرأس لا تبلغُ حكومتُهَا أرْشَ الموضِّحة، وعلى البطن أرش الجائفة، وحكومة الجراحة على الكفِّ 184 لا تبلغُ دية الأصابع الخمس، وكذا حكومة قَطْع الكفِّ التي لا أصبُعَ عليها، وكذا حكمُ القَدَمِ؛ فإنَّهما يتبعانِ الأصابعَ، وهلْ يجوز أن تبلغ حَكُومَةُ الكف ديَةُ أصبعٍ، واحدةٍ، فيه وجهان: أظهرهما، عند الإِمام: المَنْعُ.
وأشبههما، وهو المذكور في الكتاب 185 نعم؛ لأن غناها ومنفعتها؛ دفعاً واحتواء 186 تزيد على منفعة الأصبع الواحدة، وهذا كما أن حكومَة اليَدِ الشلاَّء لا تبلغ دية اليد 187 الصحيحة، ويجوز أن تبلغ دية الأصبع الواحدة، وأن تزاد عليها.
وإن كانت الجراحةُ عَلَى عضوٍ، ليس له أرش مقدَّر؛ كالظَّهْر، والكتف، والفخذ:

الجزء: 10 - الصفحة: 349

يجوز أن تبلغ حكومتها ديةَ عُضْوِ مقدَّر؛ كاليد، والرِّجْل، وأن تزاد عليها، وإنما تنقص عن دية النفس، وَعَدَّ صاحبا "التهذيب"، و"التتمة" من هذا القبيل الساعِدَ والعَضُدَ؛ حتى يجوز أن تبلُغَ حكومةُ الجراحةِ عليها ديةَ الأصابع الخمس، وأن يزاد عليها وسوَّى بينهما في الكتاب، وبين الكفِّ، والأول أصحُّ؛ فإن الكف [هي التي] تتبع الأصابع دون الساعد، والعضد حتى لو قطع من الكوع، وجَبَ عليه ما يجب في لفظ الأصابع، ولو قطع من المرفق، أو من أصْلِ العضُدِ، وجبت مع الديةِ حكومةُ السَّاعد، أو العضد.
وقوله في الكتاب في جواب السائل عن معنى الحكومة: "أنْ يقدَّر المجنىُّ عليه عبْداً ... " إلى آخره، لفظ يحتاجُ إلى التأويل إذ ليست الحكومةُ عبارة عن تقديره عبدًا 188، وإنما هي جزء من الدية يعرف قدره بالتقدير المذكور.
وقوله:"بشَرْط ألاَّ يَزِيدَ عَلَى مِقْدَارِ الطَّرَفِ المَجْرُوحِ"، أي: إذا كان الطَّرفَ المجروحُ له بدلٌ مقدَّر، ثم لفظ "عدم الزيادة" هاهنا، وفي قوله: "فَلاَ تُزَادُ حُكُومَة جِرَاحَةِ الأُصْبُعِ" غيرُ وافٍ بالغرض؛ إذ لا يكفي أَلاَّ يزاد، بل يجب أن ينقص؛ كما ينقص التعزير عن الحد، والرضخ عن سهم الغنيمة.
قال الإِمام: ولا يجوز أن يقال: يكتفَى فِي الحطِّ بأقل القليل، فإن أمر الجناياتِ وأحكامِ الدماء لا يجري إلاَّ عَلَى محقَّقٍ، ولو قال قائل: نَضْبِطُ نِسْبَةٌ النّقْصَانِ الحَاصِل بالجنايةِ على العضْوِ، مع بقاء العضْو، ثم يقدر النقصان بفَوَات العضو، ويحط مثل 189 النسبة الواقِعَةِ بيْنَ النقصانَيْنِ، كان ذلك وجهاً 190 من الرأي جيداً.
مثاله: القيمة مائة، والنقصانُ بسبب الجراحةِ على الأصبع عَشَرة، والنقصان لو فات الأصْبُع عشرُونَ، فيحط من عُشْر الدية نصفه، وليعلم بالواو لفظ "السَّاعِد وعَظْم العَضُد"؟ لما بيَّناه.
قال الغَزَالِيُّ: وَهَذِهِ الحُكُومَة تُقَدَّرُ بَعْدَ انْدمَالِ الجُرْحِ، فَلَوْ لَمْ يَبْقَ شَيْنٌ وَنُقْصَانْ لَمْ يَجِبْ إلاَّ التَّعْزِيرُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: تُقَدَّرُ الجِرَاحَةُ دَامِيَةً حَتَّى يَظْهَرَ تَفَاوتُهُ، وَلَوْ قَطَعَ أُصْبُعاً زَائِدَةً أَو سِنّاً شَاغِيَةً أو أَفْسَدَ المَنْبِتَ مِنْ لِحْيَةِ امْرَأَةٍ وَزَادَتِ القِيمَة فَالْقِيَاسُ التَّعْزِيزُ فَقَطْ، وَقِيلَ يُقَدَّرُ ذَلِكَ لِحْيَةً عَبْدٍ، وَيَظْهَرُ بِهِ تَفَاوُتٌ، وَلَوْ بَقِيَ حَوَالِي جُرْحٍ شَيْنٍ وَكَانَ أَرْشُ الجُرْحِ مُقَدَّراَ فَالشَّيْنُ تَابعٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّراَ فَفِي إِتْبَاعِهِ وَجْهَانِ يُضَاهِي التَّرَدُّدَ فِي أَنَّ الكَفَّ هَلْ يَنْدَرجُ تَحْتَ أُصْبُعِ الأَشَلِّ؛ لِأَنَّهُ إِدْرَاجُ حُكُومَةِ تَحْتَ حُكُومَةٍ:

الجزء: 10 - الصفحة: 350

النَّوْعُ الثَّانِي القَطْعُ المُبِينُ لِلأَعْضَاءِ وَالمُقَدَّرُ مِنَ الأَعْضَاءِ سِتَّةَ عَشَرَ عُضْواً: الأَوَّلُ: الأُذُنَانِ وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَإِنَ كَانَ مِنَ الأَصَمِّ فَفِيهِ مَنْفَعَةُ جَمْع الصَّوْتِ وَمَنْعِ دَبِيبِ الهَوَامِّ، وَالدِّيَةُ فِي مُقَابَلَةِ أَيِّ المَنْفَعَتَيْنِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: إنَّ الأذُنَ لَيْسَ فِيهِ أَصْلاً إلاَّ الحُكُومَةُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحدَاهُما: أنها تقوَّم، ويقدَّر الرق لمعرفة الحكومةِ، بعد اندمال الجراحة، ونقصان القيمة حينئذ قد يكونُ لضعفٍ ونقصانٍ في المنفعة، وقد يكون لنقصان الجمال؛ باعوجاج 191، أو أثر قبيحٍ، أو شين من سواد أو غيره، ولو 192 اندملت الجراحةُ، ولم يبق نقصان في المنفعة، ولا في الجمال، ولم تتأثَّر به 193 القيمةُ، فوجهان: أحدهما، ويحكَى عن ابن سُرَيْج: أنه لا يجب عليه شيء سوى التعزير؛ كما لو لَطَمَهُ أو ضربه بمثقل، فزال الألم، ولم تنقص منفعة، ولا جَمَال.
والثاني، وبه قال أبو إسحاق، وهو ظاهر النص، أنَّه لا بد من وجوب أرش؛ لأن جملة الآدميِّ مضمونة، فوجب أن تكون أجزاؤه مضمونةً؛ كسائر المضمونات، ولأنها 194 جنايةٌ على معصوم، فلا يعتبر لوجوب المال بها بقاءُ شَيْنٍ 195 وأثر، كالموضِّحة، والجراحات المقدَّرة، ولأن الجراحة عظيمة الموقع؛ فلا وجه فيها لإحباط 196 والإهْدَار، وعلى هذا فوجهان: أحدهما: أن الحاكم يقدِّر شيئاً باجتهاده.
وأظهرهما: أنه ينظر إلَى ما قبل الاندمال من الحالات التي تؤثِّر في نقصان القيمة 197، ويعتبر أقربها إلى الاندمال، وإن لم يظهر نقصانٌ إلا في حالة سيلان الدَّمِ ترقبنا، واعتبرنا القيمة، والجراحةَ داميةً، وحينئذٍ فالظاهرُ تأثيرُ القيمة لما فيها من الخَطَر، وخوف السراية، وبقاء الشين، فإن فرضت الجناية خفيفة، لا تؤثر في تلك الحالة أيضاً ففي 198 "الوسيط": أنا نلحقها باللطم والضرب؛ للضرر 199، وفي "التتمة" أن الحاكم يوجِبُ شيئاً بالاجتهاد، والذي رجَّحه الأكثرون من الوجهين في أصْلِ المسألة؛

الجزء: 10 - الصفحة: 351

أنه لا بد من إيجاب شيء، ورجَّح الإِمام المنع، وقال: هو القياسُ على الحقِّ، واعترض على تفويض الأمر إلى اجْتهاد الحاكم؛ بأن الحاكم إن قيل: إنه يوجبُ ما شاء، فهو في غاية البُعْد، وإن كان يستند نظْره إلى رأي، فهو المبحوث 200 عنه، وعلى الثاني؛ بأنا إذا اعتبرنا 201 ما قبل الاندمال، كحالة 202 الجناية، فإما أن نقول ما قيمته لو كان عبداً، والآلام لا تزول، أو نقول: ما قيمته، والتقدير أن الآلام تزول، والأول ظُلْم، وإن قلْنا؛ بالثاني، فسيقول المقوِّمون: إذا كانتِ الآلامُ تزولُ، والشين لا، يبقى، فالقيمة بحالها، وإذا بطل الوجْهَانِ 203؛ تعيَّن المصير إلى أنه لا يجبُ شيء، ولناصري الوجْهِ الآخر أن يقولوا: يسندُ الحاكم اجتهاده إلَى كيفية الجناية خفَّةً وفحشاً 204، وإلى قُبْحها في المنظر سعةً أو غَوصاً، وإلى قدر الآلام المتولِّدة منها المختلفة بسُرْعة البرء وبُطَئِهِ، وأن يجيبوا عن الثاني، بأن هاهنا قسماً آخر، وهو أن يقول: ما قيمته وبه هذه الجناية التي لا ندْرِي، أيحصل الاندمالُ منها، وتزول آلامها أو يسري ولا ندري على التقدير الأول، أيبقى شين وأثرٌ أم لا؟ ولا شكَّ أن الجراحة الَّتي حالها ما ذكَرْنا توجبُ نقصانَ القيمة، وقدْ يعرض الإِمام في خلالِ الفَصْل لهذا الجواب إلاَّ أن نفسه لم تسكُنْ إليه، وتقارب المسألة، ما إذا قطع أصبعاً زائدة أو سنّاً شَاغِيَةً، أو أتلف لحيةَ امرأةٍ، وأفْسَد مَنْبِتَهَا, ولم تنقص القيمة بذلك، وربما زادت؛ لزوال الشين مثل أن يكون خلف السنن الشاغية سنٌّ أصليةٌ على استواء الأسنان، وكان سببُ الشين وجودَ تلك الشاغِيَةِ، فهلْ يجبُ شيء؟ فيه الخلاف المنسوبُ إلى ابن سُرَيْج، وأبي إِسحاق، وإذا قلنا؛ بالوجوب، وهو الأصحُّ، فعلَى وجهٍ يجتهدُ فيه الحاكم، وعلى الأظهر يعتبر في قطع الأصبع أقربُ أحوال النقصان من الاندمال على ما مرَّ، وفي السنن الشاغية التي وصفناها تقوَّم 205، وله السنُّ الزائدة، ولا أصليَّة خلفها، ثم يقوَّم 206 مقطوع تلك الزائدة، ويظهر التفاوُتُ بذلك؛ لأن الزائدة تشدُّ الفُرْجَة، ويحصل بها ضرر جمال، وفي لحية المرأة يقدَّر كونها لحية عَبْدٍ كبير يتزيَّن باللحية، فيقال: لو كان للعبد الكبير مثل هذه اللحية، كم قيمته، وينظر كَمْ ينقصُ من القيمة، لو لم يبق له لحيةٌ في ذلك الوقت، فيعرفُ قدر النقصان ويؤخذ 207 بتلك النسبة من 208 ديَةِ المرأة.

الجزء: 10 - الصفحة: 352

ولو قطع أنملة لها شعبتان؛ أصليةٌ وزائدةٌ، وقالوا: لا يمكن اعتبارُ الزائدةِ بشيء، فيقدِّر الحاكم لها 209 شيئاً بالاجتهاد، ولا يبلغ به أرش أصلية 210، وكان يجوز أن يقوَّم، وله الزائدةُ بلا أصلية، ثم يقوم دونها؛ كما فعل في السنن الشاغية، أو يعتبر بأصلية؛ كما اعتبرت لحيةُ المرأة بلحية الرجُلِ، ولحيتها كالأعضاء الزائدة، ولحيته كالأعضاء الأصلية.
ولو ضرب إنساناً بالسوط أو غيره، أو لطمه، ولم يظهر له أَثَرٌ، لم 211 يتعلَّق به ضمانٌ، فإن اسودَّ أو اخضرَّ، وبقي الأثر 212 بعد الاندمال، وجبت الحكومة، فإن زال الأثر بعد أخذ الحكومة، رُدَّت وضُبِطت هذه الصور؛ بأن قيل: إذا بقي أثر الجناية من ضعفٍ أو شينٍ، وجبت الحكومة، وإذا لم يبق أثر، فإن لم تكن الجناية جرحاً، بل ضرباً 213 ونحوه، لم يجب شيء، وإن كان جرحاً، فوجهان: فرع: لو كسر عظماً في غير الرأس والوجه، وعادَ بَعْد الجبر مستقيماً، فإن بقي فيه ضعفٌ وخللٌ؛ وهو الغالب، فيجب الحكومة، وإلا فعلى الوجهين، وإذا كان مع الضعْفِ اعوجاجٌ، كانت الحكومة أكثر، وليس الجاني أن يقول كسره ثانياً؛ لينجير مستقيماً، ولو فعل، لم تسقط الحكومة الأُولَى، ويجب للكسر الثاني حكومةٌ ثانية؛ لأنها جنايةٌ جديدةٌ.
وقوله في الكتاب: (وقيل: تقدَّر 214 الجراحةُ داميةً؛ حتى يظهر تفاوت"، هذا هو الوجه الثاني من قوله على أحد الوجهين، والأمر فيه على التدريج كما بيَّنا، وإنما يترقَّى إلى حالة سيلان 215 الدم، إذا لم يظهر النقصان في 216 الأحوال التي هي 217 أقرب 218 إلى الاندمال.
وقوله: "أو أفسد المنبِتَ من لحية امرأة"، إنما ذكر بهذه اللفظة؛ لأن إزالة الشعور بحلق ونحوه؛ من غير إفساد المَنْبِتِ، لا يجب به حكومة أصلاً؛ لأن الشعور تعودُ مرة بعد أخرَى، ولا تفوت.
المسألة الثانية: إن كان للجراحة أرشٌ مقدَّر كالموضحة، فالشينُ حواليها يتبعها 219، ولا يفرد بحكومة؛ لأنه لو استوعبَ بالإيضاح جميعَ موضعِ الشين، لم يكن

الجزء: 10 - الصفحة: 353

فيه إلا أرش موضِّحة، وقد سبق هذا، أو نحو منه، وهذا إذا كان الشينُ في محلِّ الإِيضاح، فأما إذا أوضح رأسه، واتسع الشين؛ حتى انتهى إلى القفا، فقد حكى الإِمام فيه تردُّداً عن الأصحاب لتعدية محلِّ الإيضاح 220، وهل المتلاحمةُ كالموضِّحة في استتباع الشين، إذا قدَّرنا أرشها بالنسبة إلى الموضحة، ففيه وجهان: أشبهُهُما: نعم، وإن لم يكن للجراحة أرشٌ مقدَّر، فقد مرَّ أن ما دون الموضِّحة من جراحات الرأس، إذا أمكن تقديرها 221 بموضحة على الرأس، يجب فيها أكثر الأمرين من قسْطِ أرش الموضِّحة، ومن الحكومة؛ على ما قاله الأكثرون، والجراحات على البدن، إن أمكن تقديرها بالجائفَةِ؛ بأن كان بقربها جائفةٌ، هل تقدَّر بها كالتقدير بالموضِّحة، أم الواجب فيها الحكومةُ لا غير؟ ذكر القاضي الرُّويانيُّ في "جمع الجوامع": أنه على وجهين، وفي إيراده ما يشعر بترجيح الأول، وإذا عرفتَ ذلك، فإن قدرت الجراحة بالنسبة إلى جراحةٍ مقدَّرةٍ الأرشِ، وأوجبنا ما يقتضيه 222 التقسيطُ لكونه أكثر من الحكومة، فالشين تابع 223 له؛ لا يفرد بحكومة؛ كالموضحة، وما يتقدَّر 224 أرشه من الجراحات، وإن كانت الحكومة أكثر، وأوجبناها، فقد وفينا حق الشين، وأوجبنا ما هو قضية.
هذا ما يتلخَّص من كلام الأصحاب، وعلى ذلك يحمل قوله في المختصر: "ولو جَرَحَهُ فَشَانَ رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ شَيْئاً يَبْقَى، فإنْ كَانَ الشيْنُ أكْثَرَ مِنَ الجُرْحِ، أُخِذَ بِالشَّيْنِ، وإنْ كَانَ الجُرْحُ أَكْثَرَ مِنَ الشَّيْنِ أُخِذَ بالجُرْحِ، وَلَمْ يَزِدْ لِلْشَّيْنِ"، وقال الإِمام حاكياً عن النصِّ، ومعبراً عنه:"إذا اندملتِ الجراحةُ، فإن كان الجرحُ أكثرَ من الشيْن، فالواجب حكومةُ الجرحِ، وإن كان الشيْنُ أكثر، فالواجبُ حكومة الشيْنِ، ولم يطب 225 له الفرْقُ بين الشيْنِ والجرح أصلاً؛ من حيث إن الجراحاتِ إذا اندملت، وبقي لها أثر في محلِّها، فاسم الشين يقع عليه، وعلى محله؛ لأن الشين هو الأثر المنكر 226؛ من تغيُّر لون وتحوَّلِ، واستحشافٍ، وتغيره يبقى ولحمه يزيد، ثم أشار إلى أن المقصود أنه ينظر إلى أثر محلِّ الجراحة، وإلى ما حواليه، فيحمل وجوب أكثرهما حكومةً، ويتبعها

الجزء: 10 - الصفحة: 354

حكومة أقلُّهما حكومة، وحكى عن الأصحاب فيه وجهين: أحدُهُما: الأخذُ به، قال: وهو الذي ذكره الشيخان الصيدلانيُّ وأبو مُحَمَّد.
وثانيهما: وجوب الحكومتين جميعاً، فإن كان ذلك متولِّداً من جناية، وحكاه عن اختيار القاضي واختاره، وقرَّب الخلاف من الخلاف في أن الأصبع الشَّلاَّء، إذا قطعت مع ما يقابلها من الكف، هل يندرج تحت حكومتها حكومةُ ذلك الجزء (1) من الكفِّ، فان موضع الجراحة بمثابة (2) الأصبع الشَّلاَّء، والشين المتصلُ به بمثابة جرم (3) الكف، فعلى رأي تتبع حكومة الكف وحكومة الأصبع؛ كما تتبع ديتها، وعلى رأي: يقال: الحكومة ضعيفةٌ لا تقوى على الاستتباع؛ بخلاف الدية، وذكره تفريعاً على أنه يجب أكثرُ الحكومتين ويتبعُها الأقلُّ (4) وجهَيْن فيما لو استويا: أحدهما: أنهما تجبان، إذ ليست إحداهما بالإتباع أولَي من الأخْرَى.
وأظهرهما: أنه لا يجبُ الأخذ بهما.
والأشبهُ نسبتها إلى الجراحة؛ فإنها الأصل، والشَّيْن حادث منها, ولا يخفى أن ما أورده صاحب الكتاب منتزعٌ (5) من طريقة الإِمام ومختصرٌ منه.

" فَرْعٌ"

لو أوضح جبينه، وأزال حاجبه، فعليه أغلظُ الأمرين من أرش الموضِّحة، وحكومة الشين، وإزالة الحاجب، قاله في التتمة 232. النوع الثاني في القطعِ المُبِينِ للأعضاء.
فرغْنَا عن الكلام في "الجراحات".
والنوع الثاني من الجنايات: إبانةُ الأطرافِ والأعضاءِ، فمنْهَا الأذنان، فظاهر المذْهَب، وبه قال أبو حنيفة وأحمدُ: أن في استئصالهما قطعاً أو قلعاً كمالَ الدِّية، وحُكِيَ قولٌ أو وجةٌ مخرَّج؛ أن فيهما الحكومة؛ لأن السمع لا يحلهما , وليس فيهما منفعة ظاهرة 233، وإنما فيهما جمالٌ وزينة، فاشبهتا الشعور؛ قال الإِمام 234 والذي227228229230231

الجزء: 10 - الصفحة: 355

يقوي 235 هذا الوجهَ: أنه لم يُجْزِ 236 رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- للأذنين ذِكْراً في كتابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مع سائر الأعضاءِ الَّتي أوجبَ فيها الدِّيَةَ، وذلك يُشْعِر بإخراجها عن الأعضاء التي لها بدلٌ مقدَّر، ولكن الموجهين 237 لظاهر المذهب رَوَوْا 238 عن كتاب عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّ في الأذنين 239 خمسِينَ من الإبل 240، وعن عمر وعليٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-؛ أنَّهُمَا قالا: في الأذنين الدية 241. واحتجُّوا أيضاً؛ بأن الأذن جنس مثنَّى 242 من الأعضاء، مضمونٌ، فيضمن بكمال الدية؛ كاليدين، والعينين، وبأن فيهما مع الجمال منفعةً من وجهين: أحدهما: أنها تجمع الصوت وتؤديه إلى الصماخ ومحلِّ السماع.
والثاني: أنها تمنع الماء والهوامَّ؛ فإنه يحيى بسبب معاطفها وتعاريجاتها بدبيب الهوامِّ، فيطردها.
وإذا قلنا؛ بالظاهر، ففي إحدى الأذنَيْنِ نصْفُ الدية، وفي بعضها بقسط، وتقدَّر بالمساحة، ولا فرق 243 بين الأعلى والأسفل، كان اختلفا في الجمال والمنفعة؛ كما لا فَرْقَ بين الأسنان والأصابع، كان اختلفتْ في المنافعِ، ولا فرق في الديَةِ بين أذن السميع والأصمِّ؛ لاستوائهما في السلامة، وليس السمعُ في نفس الأذن، ولو ضرب 244 على أذنه، فاستحشفت، والاستحشافُ في الأذن كالشلل 245 في اليَدِ، يقال: استحشفَتِ الأذنُ، إذا يَبِسَتْ، وصارَت كَحَشَفِ التَّمْرِ، وفيما يجب علَى الجاني قولانِ منقولانِ عن "الأم": أصحهما، على ما ذكر في "التهذيب": أنه يجب كمالُ الدية، كما لو ضرب على يده، فشَلَّت.
والثاني، ويحكَى عن أبي حنيفة: أنه لا يجب إلا الحكومة؛ لأن منفعتها لا تبطلُ بالاستحشاف؛ بخلاف شلل اليد؛ فإنه تُبطل منفعتها، وأشار في الكتاب إلى بناء الخلاف عَلَى أن الدية في الأذن تجبُ، لما فيها من جمع الصوت، أو لما فيها من مَنْع

الجزء: 10 - الصفحة: 356

الهوامِّ، فإن اعتبرنا (1) الجمع، لم (2) تجبِ الديةُ؛ لبقائه بعد الاستحْشَاف، وإن اعتبرنا (3) المنْعَ وجب (4) لسقوط الحسن بالاستَحشاف، وبطلانِ الشعور بالدَّبيب.
ولو قطع أذنين مستحشفتين، يبنى عَلَى هذا الخلاف، إن قلنا: هناك تجبُ الدية، فههنا تجب الحكومةُ؛ كما لو قطع يداً شلاء، وإن قلنا: تجب الحكومة، فالواجب ههنا الدية؛ لأن المنفعة المرعية (5) إنما بطَلَتْ (6) بالقطع.
وعن الشيخ أبي حامدٍ: القطعُ بوجوب الحكومة؛ كما في العين القائمة، واليد الشَّلاَّء، وإذا أوجبنا بقطع الممستحشفتين الحكومةَ، فهل يشترط ألا تنقص هذه الحكومة مع الحكومة الواجبة بالجناية التي حَصَل بها الاستحشاف عن كمال الدية؟ حكى القاضي ابن كَجٍّ فيه وجهين.
وقوله في الكتاب: "والمقدَّر من الأعضاء" يعني المقدر بذْلُهُ (7). ولفظ "الأُذُنْينِ" مُعْلَم بالواو، وكذلك قوله: "نصْف الدِّية"، وقوله: "لأن فيه منفعة جَمْعِ الصَّوْتِ" لا يختص بالأصمِّ، بل الغرض بيانِ منفعةِ العُضْو، والردّ على من لم يوجِبْ فيه إلا الحكومة.

" فَرْعٌ"

لو لم يقتصرْ على استئصال الشَّاخص، بل أوضح معه العظم، لم يجعل أرش الموضِّحة تبعاً لدية الأذن؛ لأنَّه لا يتبع مقدَّرٌ مقدَّراً 253. قال الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي: العَيْنَانِ وَفِي إِحْدَاهُمَا إِذَا فُقِئَتِ النِّصْفُ، وَفِي عَيْنِ الأَعْوَرِ النِّصْفُ (م) وَفِي عَيْنَيِ الأَخْفَشِ كَمَالُ الدِّيَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجبُ في فَقْء العينَيْنِ كمالُ الدية، وفي إحداهما نصفُها؛ لما روي عن 254 النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "في العينينِ الدِّيَةُ" 255، وفي كتاب عَمْرو بن حَزْمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الذي كتبه رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "فِي العَيْنِ خَمْسُونَ مِنَ الإبِلِ" 256، وعينُ الأعورِ المبصرةُ كغيرها؛ لا يجب فيها إلا نصفُ الدية؛ كما أن يد الأقْطَع لا يجبُ فيها إلا نصْفُ الدية، وقال مالك وأحمد: في عين الأعور كمالُ الدية.
ولو فقأ الأعورُ مثْلَ عينه المبصرة مِنْ إنسان، فله القصاص خلافاً لأحمد، فإن246247248249250251252

الجزء: 10 - الصفحة: 357

عفا المجنيُّ عليه عن القصاص، فله نصف الدية، وعن مالك أن له جميعَ الدية، وتكمل الدية 257 في عينَيِ الأحول والأعمش، قال في الصحاح 258: والعَمَشُ ضعْفُ الرؤيةِ، مع سَيْلاَنِ الدمع في أكثر الأوقات، ويقال: إنَّ خلل الأعمش في الأجْفَان، والأعشَى: هو الذي لا يبصر بالليل، ويبصر بالنهار، والأخفشُ والخَفَش: صغَرُ العَيْن، وضعفُ البَصَر خلقةً، ويقال: الأخفش الذي يُبْصِرُ بالليل، دون النهار، وهذا لأن المنفعة باقيةٌ في أعين هؤلاء، ومقادير المنفعة غير منظور إلَيْها؛ ألا ترى أنه لا ينظر إلى قوة البطش، والمَشْي وضعفهما، وإذا كان في العَيْنِ بياضٌ لا ينقص الضوء، لم يمنع القصاص، ولا كمال الدية، وكان كالثَّالِيلِ في اليد والرِّجْل، ولا فرق بين أن يكون على بياض الحَدَقة، أو سوادها، وكذا لو كان على النَّاظِر 259 إلا أنه رقيقٌ لا يمنع الإبصار، ولا ينقص الضوء، فإن كان ينقص الضوء نُظِرَ: إن أمكن ضبطُ النقصان بالاعتبار بالصحيحة التي لا بياض فيها سقط 260 من الدية قسْطُ ما انتقص وإن لم يمكنِ الضبطُ، فالواجب الحكومة 261، وفرق بينه وبَيْن عين الأعمشِ؛ بأن البياض نقْصُ الضوء الذي كان في أصلِ الخِلْقَة، وعيْن الأعمش لم ينقص ضوءُها عما كان في الأصل.
قال الغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ: الأَجْفَانُ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ رُبْعُ الدِّيَةِ (م) وَفِي بَعْضِ الوَاحِدِ

الجزء: 10 - الصفحة: 358

يُقَدَّرُ نِسْبَتُهُ مِنَ الرُّبُع، وَلَيْسَ فِي إِفْسَادِ مَنَابِتِ الأهْدَابِ وَسَائِرِ الشُّعُورِ إِلاَّ الحُكُومَةُ خِلاَفاً لِأَبِي حَنِيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَفِي انْدِرَاجِ حُكُومَةِ الأهْدَابِ تَحْتَ دِيَةِ الأَجْفَانِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما: في الأجفان كمالُ الدية؛ لأن فيها جمالاً ومنفعة، أم الجمالُ، فظاهر، وأما المنفعة؛ فلأنها تقي الحَدَقَة عن الحَرِّ والبَرْد، والقَذَى والآفات، وعن مالك: أن فيها الحكومةَ، وفي جَفْنَيْ إحدى العينَيْن نصْفُ الدية، وفي كلِّ واحدة منهما الربع؛ وذلك لأن كل متعدِّد من أعضاء البدن يجبُ في جنسه الدية، وتوزع الدية على عدد ذلك الجنس، ألا تَرَى أن الدية توزَّع على اليدين والرِّجْلين؛ حتى يجب في اليد الواحدة النصفُ، وعلى الأصابع العُشْرُ؛ حتى يجب في إحداها العشر؛ قال الإِمام: هذا مطَّرد إلا أن يقدِّر الشرع بدلَ الواحدِ من ذلك الجنس؛ كما فعل في السن , وفي بعض الجفْنِ الواحدِ قسطُه من الربع، وإنما يجب كمالُ الدية في الأجفان، إذا استُؤْصِلَتْ، وقد يقطع معظم الجفْن، فيتقلَّص الباقي، ويوهم الاستئصال فليحقق، ولا فرق بين الجَفْن الأعلَى والأسفل، وجفنُ الأعمَى كجفن البصير، وكذلك جفن الأعمش، والعَمَش بمنزلة المَرَض فيه، ولا ديةَ في جَفْن المستحشف، وإنما يجب فيه الحكومةُ، ولو ضرب على الجفن، فاستحشف، فعليه الدية، ولا يجيء فيه الخلافُ المذكورُ في استحشاف الأذن؛ لبقاء المنفعة هناك، مع الاستحشاف، وإذا قلع الأجفان مع العينين، وجب دية للأجفان 262، وأخرى للعينين.
الثانية: إزالة الأهداب وسائر الشعور؛ كشعر الرأس واللحية؛ بالحلق وغيره من غير إفساد المَنْبِتِ: لا يوجب إلا التعزير 263، فإن أفسد منبتها، فعليه الحكومة؛ لأن الفائت 264 بتلفها الزينةُ والجمالُ، دون المقاصد الأصلية، وبهذا قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: تجب الدية بكمالها في أربعةِ من الشُّعُور، وهي: الأهداب، والحاجبانِ وشَعْرُ الرأْس واللِّحية، فإنْ لم يكُنْ على الأجفان أهدابٌ، فالواجب بقطعها الديةُ؛ عَلَى ما تبيَّن، وإن قطعت وعليها الأهْدَابُ فهلْ يجب مع الدية حكومةُ الأهداب في دية الأجفان؟ فيه وجهان: أحدُهما: أنه تجب الحكومة مع الدية؛ لأن فيها جمالاً وفائدةً زائدةً، وهي أنها

الجزء: 10 - الصفحة: 359

يحتد بها النظر، وإذا أسبلت 265 دارت الغبار مع نفوذ البصر.
وأظهرهما؛ على ما ذهب إليه القاضي الطَّبريُّ والشيخُ أبو محمَّد وغيرهما: أن حكومة الأهداب تدخلُ في دية الأجفان؛ كما تدخلُ حكومة الكفِّ في الأصابع، وكما أن الشَّعْر على الساعدِ والساقِ لا يفرد بالحكومة؛ واستشهد لهذا الوجْه أيضاً بأن الشَّعر عَلَى محلِّ الموضِّحة لا يُفْرَد بالحكومة، بل يدخل في أرْش، وهذا يشعر بالقَطْع به، وكذلك ذكره الإِمام وغيره، لكن في كتاب القاضي ابن كج حكايةُ وجهين في دُخُول حكومة الشعْر تحت أرش الموضِّحة، والظاهر الأول، وإن ثبت الخلافُ، وأجاب صاحب "التتمة" بما يوافق الوجه الآخر، فقال فيما إذا أوضح على الرأس أو الجبين 266، وأزال الشعر، إنه يجب عليه أغلظ الأمرين من الأرش أو الحكومةِ؛ كما حكينا عنه فيما إذا أَوْضَحَ جبينه، وأزال الحاجب، ويمكن أن يعود الخلاف هناك أيضاً، وقوله في الكتاب: "خلافاً لأبي حَنِيْفَةَ" بخلاف رسْم الكتاب، ويجوز أن يعلم لفظ "الأجْفَان وربع الدية" بالميم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرَّابعُ: الأنْفُ وَفِي قَطْعِ جَمِيعِ مَا لاَنَ مِنَ المَارِنِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَفِي بَعْضِهِ البَعْضُ بِالنِّسْبَةِ، وَهُوَ مَعَ الحَاجِزِ بَيْنَ المَنْخَرَينِ ثَلاَثُ طَبَقَاتٍ، فَفِي كُلِّ طَبَقَةٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَقيلَ الحَاجِزُ فِيهِ حُكُومَةٌ، وَفِي ظَاهِرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ المَنْخِرَينِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب في قطع المارن، وهو ما لان من الأنف، وخلا من العظم -كمالُ دية النفس؛ لما رُوِيَ في كتاب عمرو بْنِ حَزْم الَّذي كتبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "وَفِي الأَنْفِ إِذَا أَوْعَبَ جَذعاً- الدِّيَةُ" 267 أي: استوعب وحمل ذلك على المارن، دون جميع الأنف؛ لما رُوِيَ عن طَاوُسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه قال: "عِنْدِي كتابُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- وفيه: "وفي الأنْفِ، إذاً قُطِعَ مَارِنُهُ مَائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ" 268، ويروى: "وفي الأنفِ، إذا استُؤْصِل المارن الديةُ الكاملةُ" 269 ولأن الأنف عضوٌ فيه جمال، وفيه منفعة جمع الروائح، ومنع الغبار، وسائر ما يؤدي الدماغَ عنه، وهو فرد في جنسه، فكمل فيه الديةُ؛ كاللسان والذكر، والمارنُ ثلاثُ طبقات؛ الطرفان، والوترة، الحاجزة بينهما، وكيف تتوزَّع عليها الدية؟ فيه وجهان:

الجزء: 10 - الصفحة: 360

أحدهما؛ وبه قال أبو علي الطبريُّ: أنها تتوزَّع عليها جميعاً؛ لتعلق الجمال والمنفعة بها، فلو رفع الجاجز وحده، فعلَيْه ثلث الدية، ولو قطع إحدى الطرفَيْن، فكذلك، ولو قطعهما دون الحاجز أو أحدهما، مع الحاجز، فعليه ثلثا الدية، ولو قطع أحدهما، ونصف الحاجز، فعليه نصْفُ الدية.
والثاني، ويحكَى عن ابن سُرَيْجٍ وأبي إِسحاق: أن الدية تتعلَّق بالطرفين، وليس في الحاجز إلا الحكومة؛ لأن الجمال وكمالَ المنفعةِ فيهما دُون الحاجز، وعلَى هذا ففي الحاجزِ وحده الحكومةُ، وفي قطع أحد الطرفين نصفُ الدية، وفي قطعهما دون الحاجز تمامُ الدية، وفي قطعِ أحدهما مع الحاجز أو بعض الحاجز نصفُ الدية وحكومة، وفي "التهذيب": أن هذا الوجه الثاني أصحُّ، ونقل أبو إسحاق الشِّيرازيُّ؛ أنه المنصوصُ، لكن إيراد الكتاب يقتضي ترجيحَ الأول، وإليه ذهب القاضيان الطبريُّ والرويانيُّ، وقد يؤيَّد بأنه إذا قطع جميع المارن لا يجبُ إلا ديةٌ واحدةٌ، ولو كانت 270 الديةُ في مقابلة الطرَفَيْن، وكان واجب الحاجز الحكومة، لأشبه ألا تدخل 271 حكومته في الدية، كما لو قطع مع المارن شيئاً بما يتصل بالشفة أو من الخدِّ، فإنه يجب لذلك حكومةٌ مع الدية، ويخرَّج مما ذكره الإمامُ نقلاً وتلخيصاً أنه لا يجب في أحد الطرفين النصْفُ، ولا الثلث، ولكن ينسب ما أُبِينَ إلى ما بقي، ويوزَّع الواجب عليهما، فيجب ما يقتضيه التقْسيط، وأقام هذا وجهاً آخر، لكنه لا يستغنى عن النظر في أن الدية يجبُ في مقابلة الطرفين، أو الطبقات الثلاث، ثم إنْ جعلنا الدية في مقابلة الطرفين، فلا يكاد يُفْرَضُ تفاوت بينهما, ولا يكون الواجب إلا النصف، وإن جعلنا في مقابلة الطبقات الثلاثِ، فيظهر تفاوت الطرفين على الوَتَرَة، ويكون الواجب فَوْقَ الثلاث، ودون النصْفَ، وأنف المجذوم إذا سَقَط بعضُه، وقطع الباقي، يجبُ فيه قسْط الباقي من الدية، وأنف الأخشم 272 كأنف السَّليم؛ فإن الشمَّ لا يحل الأنف، ولو ضرب على أنفه فاستحشف أو قطع أنفاً مستحشفاً، فعلى الخلاف المذكور في الأذن.
وقوله في الكتاب: "وفي قطع جميع ما لان مِنَ المارِنِ كلُّ الدية"، في هذه اللفظة نظرٌ، فإن المارن هو الذي لاَنَ، ويجب بقطعه الدية؛ لأنه من المارن، فكان ينبغي أن يقول: وفي قَطْعِ جميعِ ما لاَنَ من الأنف، وهو المَارِنُ، وقد يتكلَّف، فيحمل "مِنْ" على بيان الجنس، ويقال: المعنَى في جميع ما لان مِنْ هذا الذي يُقَال له المارن.

الجزء: 10 - الصفحة: 361

وقوله: "وفي بعْضه البغض بالنسبة"، يعني إذا قطع بعْض المارِنِ، اعتبر [الباقي] بالمساحة، وأخذ قسط المقطوع من الدية، ثم الاعتبار بالجملة التي يقابلُها الدية، وفيه الخلافُ الذي بيَّناه.

" فَرْعٌ"

لو شق مارنه، فذهب منه شيء، ولم يلتئم، فعليه من الدية قسطُ الذاهب، وإن لم يذهب منه شيء التام أو لم يلتئم، فعليه الحكومة، ولو انجبرت القصبةُ بعْد الكسر، فعليه الحكومةِ، فإن بقي معوجّاً، كانت الحكومة أكثر.
قال الْغَزَالِيُّ: الخَامِسُ الشَّفَتَانِ وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ نِصْفُ الدِّيَةِ (م)، وَحَدُّهُ فِي عُرْضِ الوَجْهِ اِلَى الشِّدْقَيْنِ، وَفِي طُولِهِ إِلَى مَحَلِّ الاَرْتِفَاقِ عَلَى وَجْهٍ، وَإلَى مَا يَسْتُرُ عَمُوُدَ الأَسْنَانَ عَلَى وَجْهٍ، وَإِلَى مَا يَنْتُو عِنْدَ الانْطِبَاقِ عَلَى وَجْهٍ وَهُوَ الأَقَلُّ، وَقِيلَ: إِذَا قَطَعَ مِنَ الأَعْلَى مَا لاَ يَنْطَبِقُ عَلَى الأَسْفَلِ، فَقَدِ اسْتَوفَى الْكُلَّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في قطع الشفتين، إذا استوعبَنا كمالَ الدية؛ لما رُوِيَ في كتاب عمرو بْن حزم -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الَّذي تكرَّر ذكره، وفي الشفتين الدِّية، ولأن فيهما جمالاً ومنفعةً ظاهرةً لما يتعلَّق بهما من تمام الكلام، وإمساك الرِّيق والطعام، ولا فرق بين أن يكُونا غليظتَيْن أو رقيقتَيْنِ، كبيرتين أو صغيرتين، وفي إحداها نصفُ الدية، وتستوي في ذلك العليا والسفلى، وإن فرض تفاوتٌ في المنفعة، كما في اليدين والأصابع، وبه قال أبو حنيفة، وهو روايةٌ عن مالك، ويروَى عنه أن في العليا ثُلُثَ الدية، وفي السفلَى الثلثين؛ لأنها التي تمسك الريق والطعام، وتتحرَّك عند المضغ والكلام، وقد تعكس الرواية , ويقال: يجبُ في العليا الثلثان، وفي السفلَى الثلُثُ؛ لأن الجمال في العليا أكثر، وبجب بقطع بعض الشفة بعْضُ الدية على ما يقتضيه التقسيطُ، وحدُّ الشفة في عُرْض الوجه إلى الشِّدْقين، وقد يقال: حدُّ الشفَةِ في الطُّول فتحةُ الفم من الجانب إلى الجانب الآخر، وهذه العبارة معناها معنى الأوَّل، والمراد بالطول طُول الفم، وأما في عرض الفم 273 فقد جمع الإِمام في حدِّها أوجهاً: أحدها: أنه من المتجافي إلى محلِّ الارتتاق؛ لوقوع الاسم عَلَى جميع ذلك، وموضع الارتتاق من الأعلى يقرب من الوترة، ومن الجانب الأسفل يقع في محاذاة نهاية العَنْفَقَةِ.
والثاني: أن الشفة من حرف الفم إلى المَوْضِع الذي يستر اللِّثة، وعُمُورَ الأسنان، ولا يكاد هذا القائل يُسَلِّم تناول الاسم ما وراء ذلك.

الجزء: 10 - الصفحة: 362

والثالث، عن الشيخ أبي محمَّد: أنه القدر الذي ينتو عند إطباق الفم؛ كما أنه يراعى هذا القدر في الشُّفْرَيْن.
والرابع: أن القدر الذي لو قطع لم تنطبق الشفة الأخرَى على الباقي هو كلُّ الشفة، حكاه الإِمام عن مرامز كلام الأئمة.
والوجه الثالث: أقلُّ المقادير، والأول أكثرها، والثاني معتدلٌ متوسِّط، وروي ذلك عن نصه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "الأم"، وهو الذي أورده أكثر المتكلِّمين في حد الشفة.
وقوله في الكتاب: "وفي كل واحدةٍ نصْفُ الدية" معْلَم بالميم؛ لما روينا.
وقوله: "إلى ما يستر عُمُورَ الأسْنَانِ"، وقد يقال بدله: "إلى ما يستر اللِّثة"، وقد يجمع بينهما، والعُمُورَ جمعُ: عَمْرِ، وهو: اللحم بين الأسنان، واللَّثَة: اللحمُ حوْلَ السِّنْخ، وهو وراء العُمُورَ، فيجوزَ أن يقدَّر فيه اختلاف، ويجوز أن يبني الأمرُ على التقريب (1)، وذكر اللثة يغني عن ذكر العُمُور، فإنها وراء العمور، ولا ينعكس، وذكر في "الوَسِيطِ" بعد حكاية هذه الوجوه أن تقدَّر كل الشفة بأن يقدر قوساً طرفاه عند الشِّدْقَيْن، ومُحَدَّبُه (2) عند إلارتتاق، أو ما دونه، على أحد الوجوه، فما يحويه مقعر هذا القوس، هو كلُّ الشفة، وفي "النهاية" نحْوٌ من هذا، لكن على الوجه الأول خاصَّة، ويشبه أن يقال: لا معنى لتقدير القوْسِ واعوجاج الخَطِّ، ولكن موضع الارتتاق بما يحاذي وتره الأنف من الأعلى، إلى موضع الارتتاق مما يحاذي الشِّدْقَ من الأسفل يقرب من المسامتة، فليعتبر خط مستقيم من (3) محاذاة الوَتَرَة إلى محاذاة الشِّدْق، وكذلك في الشفة السفلَى ويكون حدُّ الشفتين معاً شكْلَ مربَّع مستطيل أو غير مستطيل، ولا يبعد عن العُرْف، وإطلاق الاسم أخذ شيء من الشِّدْق في حد الشفة، لكن قال الإِمام: لم يَصِرْ إليه أحدٌ من الأصحاب.

" فَرْعٌ"

(4) لو ضرب على شفته، فأشلَّها، فصارت منقبضة لا تسترسل، أو مسترسلة لا تنقبض، فعليه الدية 277، ولو قطع شفةً شلاء، فعليه الحكومة، ولو شق274275276278

فروع

.

الجزء: 10 - الصفحة: 363

شفتيه 279، ولم يبن 280 منها شيء ليم يلزمه إلا الحكومة 281، ولو قطع شفة مشقوقةً، ففي "التهذيب" و"التتمة"؛ أن فيها ديةً ناقصةً بقدر حكومة الشق، ولو قطع بعض الشفة، وتقلَّص الباقي حتى بقي المقطوع كالذي قطع جميعها منه، ففيه وجهان: أحدهما: أن الدية تتوزَّع على ما قطع، وعلى ما بقي 282. والثاني: يجب كمالُ الدية؛ لأن منفعة الباقي قد بطَلَت بالجناية، فصار كما لو قَطَع بعض الأصابع، وأشل بعضها، وهل يتبع حكومة الشارب دية الشفة، نقل [القاضي] ابن كج فيه وجْهَيْن.
قال الْغَزَالِيُّ: السَّادِسُ فِي لِسَانِ النَّاطِقِ كَمَالُ (ح) الدِّيَةِ، وَفِي الأخْرَسِ الحُكُومَةُ، وَفِي الصَّبِيِّ كَمَالُ الدِّيَةِ إلاَّ إِذَا قُطِعَ عَقِيبَ الوِلاَدَةِ وَلَمْ يُظْهَرْ أَثَرُ القُدْرَةِ بِالتَّحْرِيكِ وَالبُكَاءِ فَإنَّ السَّلاَمَةَ لَمْ تَسْتَيْقَنْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في اللسان كمالُ دية النَّفْسِ؛ لما روي عن كتاب عَمْرِو بنِ حَزْم -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "وفي اللِّسَانِ الدية"، وأيضاً: ففيه جمالٌ ومنافعُ ظاهرة، كمنفعة النطق التي تتميز بها الإنسان عن البهيمة، وكمنفعة الذوق، وكالإعانة على المضغ بردِّ اللقمة إلى الأضراس، وقد روي أن رسول الله به.
سُئِلَ عَنِ الْجَمَالِ، فَقَالَ: "هُوَ في اللِّسَانِ" 283، ولسان الألْكَنِ، والمُبَرْسَم الذي ثقلَ كلامه كغيره، وكذلك لسانُ الأَرَثِّ والألْثَغِ، ويجعل ما فيه من الضعْفِ كَضعف البطش في اليد، قال القاضي الرُّويانيُّ: ويحتمل أن يقال خلافه، وفي لسان الأخرَسِ حكومةٌ، كما في اليد الشلاَّء، سواءٌ كان

الجزء: 10 - الصفحة: 364

الخرس أصليّاً أو خَرِسَ بمرضٍ، وعن أبي الطيِّب بن سلَمَة؛ أنه يمكن تخريج قول؛ أنَّ الواجب فيه الديةُ، والمذهب الأوَّل؛ وذلك إذا لم يذهب الذوْقُ بقَطْع لسان الأخرس، أو كان قد بَطَل ذوقه من قبل، فأما إذا قطع لسانه، فذهب ذوقه، وجبت الدية؛ لذهاب الذوق، ولو تعذر النطقُ، لا لخللٍ في اللسان، ولكنه ولد أصمَّ، فلم يحسن الكلام؛ لأنه لم يسمع شيئاً، فالواجبُ فيه الديةُ أو الحكومةُ، فيه وجهان يجيء ذكرهما 284، وإذا قطع لسان الطفل، نُظِرَ إن نطق بـ"بابا" و"دَادَا" ونحوهما، أو كان يحركه عند البكاء، والضَّحِك، والامتصاص تحريكاً صحيحاً، وجبت الدية؛ لظهور آثار الكلام فيه، وعن أبي حنيفة؛ خلافه، كان لم يوجد نطقٌ وتحريكٌ في أن بلغ وقت النطق والتحريك، فالواجب فيه الحكومة؛ لإشعار الحال بالعجز، كان لم يبلغ بأن قطع لسانه عَقِيب الولادة، فالذي أورده في الكتاب أنه لا يجب الدية؛ لأن سلامته غير مستقيمة، والأصْلُ براءة الذمَّة عن الدية، وحكى الإمام قطْعَ الأصحاب به، ووقفة لشيخه أبي محمَّد فيه، والذي يوجد في كتب عامة الأصحاب وجوب الدية؛ أخذاً بظاهر السلامة، كما تجب الديةُ في يده ورجله، كان لم يكن بَطَش في الحال، وهذا ما حكاه القاضي ابن كَجٍّ عن أبي إسحاق، وذكر أن أبا الحسين نقل في المسألة قولين، وليعلَم لما ذكرنا قوله: "إلاَّ إذا قُطِعَ عَقِيبَ الولادةِ، ولم يظهر أثرُ القُدْرة"، وقوله: "وفي الأخْرَسِ حكومةٌ" يجوز أن يُعْلَم بالألف؛ لأن عنده في لسان الأخرسِ ثلثَ الدية في أظهر الروايتين.
ولو قطع بعض لسان الصبيِّ، واقتضى الحال إيجابَ الحكومة، فأخذناها، ثم إنَّه نطق ببعض الحروف، وعرفنا سلامة لسانه بلغنا بالحكومة القَدْر الذي يقتضيه القطْعُ من الدية، ولو كان للسانه طرفانِ، نُظِرَ: إن استويا في الخلقة، فهو لسان مشقوق، فيجب بقطعهما الدية، وبقطع أحدهما قسْطُه من الدية، وإن كان أحدهما تامَّ الخلقة أصليّاً، والآخر ناقصَ الخلقة زائداً، ففي قطعهما ديةٌ وحكومة، وفي الأصلي الدية، وفي الزائدِ الحكومةُ، ولا يبلغ بحكومته ديةُ قدره من اللسان من ثلث وربع وغيرهما، وفي قطع اللهاة الحكومة.
قال الغَزَالِيُّ: السَّابعُ: الأسْنَانُ وَفِي كُلِّ سِنٍّ تَامَّة أَصْلِيَّةِ مَثْغُورَةِ غَيْرِ مُتَقَلْقِلَةِ بِالهَرَمِ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ مِنْ غَيْرِ تَفَاضُلِ، وَفِي الشَّاغيَةِ حُكُومَةٌ، وَفِي سِنٍّ مِنَ الذَّهَبِ تَشَبَّثَ بِهَا

الجزء: 10 - الصفحة: 365

اللَّحْمُ وَاسْتَعَدَّتْ لِلمَضْغِ حُكُومَةٌ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَفِي قَطْعِ نِصْفِ السِّنِّ نِصْفُ الأَرْشِ، وَفِي إِدْخَالِ السِّنْخِ فِي حِسَابِ السِّنَّةِ وَجْهَانِ، وَبَقِيَّةُ الذَّكَرِ مِنَ الحَشَفَةِ، وَحَلَمَةُ الثَّدْيَيْنِ مِنَ الجُمْلَةِ، وَقَصَبَةُ الأَنْفِ مِنَ المَارِنِ كَالسِّنِّ مِنَ السِّنْخِ فِي أَنَّ حُكُومَتَهَا هَلْ تَنْدَرجُ عِنْدَ الاسْتِئْصَالِ؟ وَفِيهِ وَجْهٌ أنَّهُ يَجِبُ بِجَمِيعِهَا حُكُومَةٌ إِذَا اسْتُؤْصِلَتْ مَعَ دِيَةٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب في كلِّ سنٍّ من الذَّكَر الحُرِّ المسْلِمِ خمْسٌ من الإبل، لما روي في كتاب عَمْرو بن حَزْم -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الذي كتبه رسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الْإبِلِ" 285، وعن عبد الله بن عَمْرو بن العاص -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ أن النبىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "فِي كُلِّ سِنِّ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ" 286، ولا فرق في وجوب الدية بين أن يكونَ تفويتُ السن بالقلع، أو القطع، أو الكسر، ولو قلع سنه، فبقيت متعلِّقة بعروق، ثم عادت إلى ما كانت، ذكر الرويانيُّ في "جمع الجوامع"؛ أنه لا دية؛ لأن الدية إنما تجبُ بالإبانة، ولم توجد، وعليه حكومة الجناية، وتستوي الأسنان في الدية، وإن اختلفتْ منافعها؛ لما روي عن ابن عباس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: "جَعَلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَصَابعَ اليَدِ وَالرِّجْلِ سَوَاءً" 287، وقال: الأسنانُ سواءٌ، الثَّنِيَّةُ والضِّرْس سواءٌ، وهذه [وهذه] 288 سواء، واختصاص بعضها بزيادةِ طولٍ لا يوجب الاختصاص بمزيد بدلٍ؛ كما في الأصابع، وضبط صاحب الكتاب القيودَ التي تعتبر في السنِّ لتكميل الدية؛ فقال: "في كلِّ سِنٍّ تَامَّةٍ أَصْلِيَّةٍ ... " إلى آخره، وهي أربعة: الأول: أن تكون أصليةً؛ ففي السن الشاغية الحكومة دونَ الدية 289، ولو سقطَتْ سنَّة، فاتخذ سنّاً من ذهب، أو حديد، أو عظم ظاهِرٍ، لم يلزم بقلعها الديةُ، وأما الحكومة، فإن قلعت قبل الالتحام، لم يلزم أيضاً، ولكن يعزر القالع، وإن قلعت بعد تشبُّث اللحم بها، واستعدادها للمضغ والقطع، فقولان:

الجزء: 10 - الصفحة: 366

أحدهما: أنه يجب الحكومةُ؛ لما فيها من المنفعة والجمال.
وأظهرهما: المنع؛ لأنها مُلْحَقَة، وليست جزءاً من الشخْص، قال الإِمام: ولا يتصوَّر أن يلتحم على اللحم ذهبٌ، والله أعلم.
القيد الثاني: أن تكون تامَّة، وتكمل الدية بكسر ما ظهر من السنِّ, وإن بقي السِّنْخ 290 بحاله؛ لأن السنَّ اسم للظاهر، والمستتر باللحم يسمى سِنْخاً، ولأن الجمال والمنفعة من العضِّ، والقطع 291، والمضغ، وجمع الريق، كلُّ ذلك يتعلَّق بالظاهر، ومنفعة المستتر حملُ الظاهر وحفظُه، وهو مع الظاهر كالكَفِّ مع الأصابع، ولو قلع السنن من 292 السِّنْخ لم يجبْ زيادة على أرش السنِّ, بل تدخل حكومة السنخ في دية السن؛ كما تدخلُ حكومة الكفِّ في دية الأصابع، هذا ما أطلقه الجمهورُ، وحكى الإِمام في ذلك طرقاً: إِحْدَاها: أن فيه وجهين: أظهرهما: ما أجاب به الجمهور، واحتجَّ له بأن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "في كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ في مِنَ الإبِلِ"، والأولَى حمل كلامه على ما يجري مثله في العُرْف، وقلع السن من الأصْل هو الذي يتَّفق، فأما قطع الظاهر، فلا يتفق إلا باعتمادٍ وتكلف.
والثاني: أنه يجب حكومة للسنخ، مع أرش السنِّ؛ لزيادة الجناية بقلع السِّنْخ.
والثانية: القطْعُ بالوجْه الأَوَّل.
والثالثة: القطع بالثاني؛ تعليلاً بأن السِّنْخَ باطنٌ؛ فيفرد بالحكومةِ 293. ولو كسر الظاهر واحد، وجاء آخر، وقلع السِّنْخ، فعليه الحكلومة، وعلى الأول الدية؛ بلا خلاف، ولو عاد الأول، وقلعه بَعْد الاندمال، فعليه الحكومة مع الدية، وإن قلعه قبل الاندمال، فوجهان عن القاضي الحُسَيْن، والذي يوافق إطلاق أكثرهم؛ أن الجواب كذلك.
والثاني: أن حكومة السِّنْخ تندرجُ تحت دية السنِّ؛ كما لو قلعهما معاً، ويجوز أن يفرق بين قلع الأوَّل وغيره، كما في رفع الحاجز بين الموضحتين، وطرد مثل هذا في قطع الكف بَعْد قطع الأصابع؛ إما من قاطع الأصابع أو غيره، ولو قطع بعض الظاهر،

الجزء: 10 - الصفحة: 367

وأبْقَى 294 بعضه فعليه قسط ما قطع من الأرش، وكيف يقسَّط، أينسب المقطوع إلى الظاهر وحده 295؛ حتى يكون نصفاً مَثَلاً، أو اللِّثة مع السنخ؛ حتى يكون ربعاً؟ الوجه أن يقال: إن أوجبنا في قلع الظاهرِ مع السِّنْخ أرشاً وحكومة، فالتوزيع على الظاهر وحده، وإن أدرجنا الحكومةَ تحت الأرش، فوجهان حكاهما المتولِّي، والإمامُ، وصاحبُ الكتاب: أصحُّهما؛ وهو جواب المُعَظَم: أن التوزيع على الظاهر وحده؛ لأنا نوجب فيه تمام الأرش، وإذا وجب جميع الأرش في جميعه، وَجَبَ بعضه في بعضه، وهذا كما أن دية اليد، إذا وجبت بقطع الأصابع، وَجب في بعضها قسطه، ولا ينظر إلى الكف، وأيضاً: فالسنخ مستتر، وغوصه مختلفٌ يتعذَّر الوقوف عليه، والنسبة إليه.
والثاني: أن التوزيع على الظاهر، والسِّنْخ جميعاً؛ لأن السِّنْخ مع الظاهر كالشيء الملتحم؛ بخلاف الأصابع مع الكف، فإنها منفصلةٌ عنها، مربوطةٌ بها بالأعصاب والرِّباطات، ومن ذهب إلى هذا الوجْهِ، قال: قضيَّته ألا يجب تمام الأرش عنْد قطْعَ جميع الظاهر، لكن إذا قطع الجميع، لم يبق للسِّنْخ منفعةٌ بها مُبَالاةٌ، فإن منفعته المقصودة حمل الظاهر، وحفظه؛ فلذلك أتممنا الأرْشَ فيه، وإذا بقي من الظاهر بعضه، ففي السِّنخ منفعة حمله، فوزعنا الأرش عَلَى ما ذهب، وعلى جميع ما بقي منتفعاً به، وفي معنى ما نَحْنُ فيه صُوَرٌ: منها: أن الدية تكمل في قطع الحَشَفة، ولو استؤْصلَ الذكَرُ، فيفرد بقية الذكر بحكومةٍ، أو تندرج حكومتها تحْتَ دية الحشفة؟ حكى الإِمام فيه طريقين: أحدهما: أن فيه وجهين.
والثاني: القطع بالاندراج.
ومنْها: حَلَمَةُ الثدْيِ فيها كمالُ الدية، ولو استؤصل الثدْيُ، ففيه الطريقان، والأصحُّ فيهما الاندراج.
ومنها: في المارِنُ كمالُ الديةِ؛ على ما سبق، ولو قطعه مع القَصَبة، فهل يجب حكومة القصبة، أو لا يجب إلا الديةُ؟ ذكر الإِمام أن فيه وجهين، وأن المذهب الظاهرُ فيهما الاندراج 296، وههنا كلام، وهو أنا قدَّمنا أن قصبة الأنف محلُّ الموضحة في

الجزء: 10 - الصفحة: 368

الوجه، وكذا محلُّ الهاشمة والمنقلة، وذكرنا وجهين في أن الجراحة الواصلَةَ إلَى داخل الأنف، هل تكون جائفة، وإذا كان كذلك، فقطع قصبة الأنف وإبانتُها أعظَمُ من المُنَقَّلة، فيجب أن يجب فيه مع أرش المارنِ أرشُ المنَقِّلة، وهكذا حكى القاضي ابن كَجٍّ الجواب فيه عن نصِّه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "الأم"، ولم أجد تغيره تعرُّضاً لذلك، وإذا قلنا؛ بالاندراج في هذه الصورة، فلو قطع بعض الحَشَفة، أو الحَلَمة، أو المارن، فالمقطوعُ يُنْسَب إلى الحَشَفة، أو جميع الذكر وإلى الحَلَمة، أو جميع الثَّدْي؟ وإلى المارن أو إلى المارن مع القَصَبة؟ فيه الوجهان المذكوران في قَطْع بعض الظاهر من السنِّ، والأصحُّ التوزيع على الحَشَفة، والحَلَمة، والمارن، وحدُّها كما ذكرنا في السنِّ والسِّنْخ، وإذا اختلف الجانِي في القدْر المكسُور من الظاهر، والمجنىُّ عليه، فالمصدَّق الجاني؛ لأن الأصل براءة ذمته.

" فُرُوعٌ"

لو كسر واحد بعض ما ظهر، ثم جاء آخر، وكسر الباقي من الظاهر، فعلى كلِّ واحد قسطُ ما كسره من الأرش، ولو قطع الثاني الباقِيَ مع السِّنْخ، فعن نصِّه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "الأم" أن عليه قسْطَ الباقي من الأرش، وحكومة للسنخ، وللأصحاب فيه طريقان: أحدهما: أن فيه وجهين: أحدهما: الأخذُ بظاهر هذا النصِّ، وإيجاب حكومة للسنخ؛ لأنَّ الباقي بعض السنخ، وإنما يجعل السنخ تابعاً لجميع السن.
والثاني: أنه كما يتبع الجميع يتبع البعض؛ لأنَّه لا فائدة للسنخ إلا حملُ ما عليه مِنْ كلِّ السن أو بعضها.
وأظهرهما؛ وبه قال الشيخ أبوحامد، وعليه جرى ابن الصَّبَّاغ، وصاحب "التهذيب" وغيرهما: أنه ينظر في جناية الأول؛ فإن كسر بعض السن في العرض، وبقي الأسفل بحاله، فليس على الثاني حكومةٌ للسنخ، بل يدخلُ في أرش الباقي من السن, كما لو قطعت أنامل رجُلٍ، ثم جاء آخرُ، وقطع يده من الكوع، لا يلزمه حكومة الكف، بل تدخلُ في دية ما بقي من الأنامل، وإن كسر بعضها في الطول، فحكومة للسنخ بقَدْر ما يجب الباقي من السنِّ تدخل في أرشه، وما لا شيء فوقه من السنخ = المنقلة فيجب أن يجب فيه أرش المارن أرش المنقلة وهكذا حكى القاضي ابن كج الجواز فيه عن نصه في الأم ولم أجد لغيره تعرضاً لذلك.
انتهى.

الجزء: 10 - الصفحة: 369

تجبُ حكومته؛ كما ذكرنا، فيما إذا قطع كَفّاً عليها بعض الأصابع دون بعض، ولو ظهر بعض السنخ؛ كخلل أصاب اللثة، لم يلحق ذلك بالظاهر، بل كمال الدية فيما كان ظاهرًا في الأصل.
ولو تناثر بعضُ السنِّ أو تآكل، ففي قلعها قسطُ ما بقي من الدية، فإن اختلفا في قَدْر المتناثر أو المتآكل، فالقولُ قولُ المجنيِّ عليه مع يمينه.
ولو كانت أسنانُهُ من الأعلَى طويلةً ومن الأسفلِ قصيرةً, أوبالعكس، لم يؤثر ذلك، ووجب لكل واحدةٍ كمالُ الأرش، والغالب أن الثنايا من الأسنان تكونُ أطول من الرَّبَاعِيَاتِ بقليل، فإن كانت ثنايا إنسان مثل الرباعيات، أو أقصر منها، ففيما يجب فيها اختلافٌ للأصحاب: حكى الإِمام عن الأكثرين؛ أنه لا يجب فيها تمام الأرش، ولكن ينقص منه بحسب نقصانها، وهذا ما أورده الرُّويانيُّ، قال: ويخالف هذا ما إذا كانت أسنانُ الصف الواحد بأسرها قصيرةً، فإن الغالب أنَّ مثل ذلك لمعنًى في الخلقة، وتفاوت الأسنان في الصف الواحد يُشْعِر بأنه قد أصاب المنبِتَ خللٌ، وأن النقصان [كان] لذلك، وقال قائلون: يكمل فيها الأرش؛ لوقوع الاسم عليها، ودخولها تحْتَ قوله -صلى الله عليه وسلم- 297: "فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإْبِلِ" وهو ما أورده في "التهذيب"، وسَوَّى بين [أن تكون الرَّبَاعِيَاتُ أطْولَ من الثنايا، وَبيْن أن تكون الثنايا أطْوَلَ، إذا تفاحش] 298 التفاوت بينهما.
ولو كانت إحدى السنين من الأعلَى أو الأسفل أقصرَ من أختها، فقلعت القصيرة ينقص من ديتها بقدر نقصانها؛ لأن العادةَ الغالبة أنهما لا يختلفان، وإذا اختلفا، كانت القصيرة ناقصة، فإن انتهى صغَرُ السن إلى أن بطَلَت منفعته، ولم تصلُحْ للمضغ، ففي قلعها الحكومةُ دون الدية، كاليد الشَّلاَّء.
وقوله في الكتاب: "كالسنِّ من السِّنْخ في أن حكومَتَها تندرجُ عند الاستئصال" وحقُّ النظْم أن يقال: كالسِّنْخِ من السنِّ.
وقوله: "وفيه وجه أنَّه يجبُ لجميعها حكومةٌ، إذا استؤصِلَتْ مع دية"، في اللفظ تقديمٌ وتأخير، والمعنى: يجب لجميعها، إذا استؤصلَتْ حكومةٌ، مع دية أو حكومةٌ مع ديةٌ 299، إذا استؤصلَتْ.
قال الْغَزَالِيُّ: وَسِنُّ الصَّبِيَّ فَضْلَةٌ كَشَعْرِهِ فَلَيْسَ فِيهِ أَرْشٌ وَلا قِصَاصٌ إِلاَّ إِذَا بانَ

الجزء: 10 - الصفحة: 370

بالآخِرَةِ فَسادُ المَنْبِتِ، فَإذَا ماتَ قَبْلَ التَّبَيُّنِ فَفِي الأَرْشِ وَجْهَانِ لِتَقابُلِ الأَصْلَيْنِ، والمَثْغُورُ إِذَا عَادَ نَادِراً فَفِي اسْتِرْدَادِ الأَرْشِ قَوْلاَنِ، والمُوَضِّحَةُ إِذا الْتَحَمَتْ بِلَحْمٍ جَدِيدٍ لاَ يُسْتَرَدُّ أَرْشُها لأَنَّهُ جَدِيدٌ، والبَطْشُ والبَصَرُ إذَا عَادَ يُسْتَرِدَّ لإنَّهُ الأَوَّلُ، وَقَدْ عَادَ، والسِّنُّ دَائِرٌ بَيْنَهُمَا.
قَالَ الرَّافِعيُّ: القيد الثالث: أن تكونَ مثغورةً، فلو قلع سن صبيٍّ، لم يثغر، فقد سبق في "كتاب الجراح" أنه لا يستوفى 300 في الحال قصاصٌ ولا ديةٌ؛ لأن الغالب أنها تعود، فهي كالشَّعْرَ يُحْلَق، ولكن ينتظر عودُها، فإن عادت، فلا قصاص ولا دية، وتجب الحكومة، إن بقي شَيْن، وإلا فعلى ما ذكرنا في الحكومات؛ أنه لا يجب شيء، أو يعتبر حال الجناية، وقيام الألم، وإن لم تعد، وفسد المنبت، استوفى القصاص أو الدية 301، فإن مات الصبي قبل أن يتقين 302 الحال، ففي وجوب الأرش وجهان، وقيل قولان 303: أحدهما: يجب؛ لأن الجناية قد تحقَّقت، والأصل عدم العَوْد 304. والثاني: المنع؛ لأن الأصل براءة الذمة، والظاهر أنه لو عاش لعادَتْ، وهذا أقوى 305؛ على ما قالَهُ القاضي ابن كَجٍّ وغيره؛ وعلى هذا فتجب الحكومة، قال في "التتمة": وذلك على طريقة من يعتبر حالة الجناية، وتواصل الألم.
ولو قلع قالع سنَّ الصغير وجاء آخر وجنَى على منبته جنايةً أبطلت النبات، قال الإِمام: لا وجه لإيجاب الأرش على الثاني ولا عليهما؛ أما الأوَّل، فيجوز أن يقال بوجوبه عليه، ويجوز أن يقتصر على الحكومة، ولو سقطَتْ سنه بنفسها، ثم جنى جانٍ، وأفسد المنبت، فيجوز أن يقال بوجوب الأرش على الثاني؛ لأنه أفسد المنبت، ولم يسبق جناية يُحالُ الفساد عليها.
ولو قلع سنّ مثغور، فأخذ منه الأرش، فعادت السنُّ على ندرة عودها، فهل يسترد الأرش؟ فيه قولان؛ بناء على أن ما يعود يقام مقام الأول، ويجعل كأنه لا فوات،

الجزء: 10 - الصفحة: 371

أو يجعل العائدُ نعمةٌ جديدةٌ خوَّلها الله تعالى بلا توقُّع وانتظار، وقد ذكرنا في "الجراح" قولين، والحالة هذه، في سقوط القصَاص؛ بناءً على المعنيين، والظاهر أنه لا يسقط، وأن الأرش لا يسترد، والموضِّحة إذا التحمت والتأمتْ بعد ما أخذ أرشها, لم يستردَّ؛ كما ذكرنا أنه لا يؤثر في سقوط القصاص، وحكَيْنا عن صاحب "التقريب" وجهًا في الجائفة؛ أنها إذا التحمت، زالَ حكمها، وأن الإِمام رأى طرده في الموضحة، ورأى تخصيصه بما إذا كان الحاصلُ مجرَّد خرق والتئام 306 من غير أن يزول لحْمٌ، ويحدث بدله.
ولو جنَى على إنسان جناية أذهبتْ بطش يده في الحال، وأخذت الدية؛ لظنِّ الزوال، وحصول الشللِ، ثم قويتَ اليدُ، وصارت تبطش، أو جثَى على عينه، فصار لا يبصر، وأخذت الدية لظنِّ زوال البصر، ثم إنه أبصر 307، فالدية مستردة 308؛ لان الشَّلَل والعَمَى المحقَّقَيْن لا يزولان، وقد تبيَّن لنا بما جرى أنه لا زوال، وأن ذلك الظنَّ كان خطأً، وكذا القول في السمع وسائر المعاني 309. وقوله في الكتاب: "فلَيْسَ فيه أرشٌ ولا قصاصٌ إلاَّ إذا بانَ فَسادُ المَنْبتِ" يعني: إذا مضت المدة التي يتوقَّع فيها العَوْد، فلم يعد يحكم بوجوب الأرش أو القصاص، وهذا هو الظاهر، ولكن ذكر صاحب الكتاب في القصاص قولين، وإن 310 بان فساد المنبت، فيجوز أن يعلم لذلك الاستثناء هاهنا بالواو، وقوله: "والموضِّحة إذَا التحمَتْ بلحمٍ جديدٍ لا يستردُّ أرشُها؛ لأنه جديد" ذكر اللحم الجديد في التصوير، ثم التعليل بأنه جديدٌ لا يحسن موقعه، ولو قال: إذا التحمَتْ، لا يستردُّ أرشُها؛ لأنَّه جديدٌ، لكان أحسن، والمعنَى الذي التحَمَ، حدث من الغد إلاَّ أنه الأول بخلاف البطْش والبَصَر.
وقوله: "والسنُّ دائرٌ بينهما" أعادَ ذكْر السنِّ بعد ذكر القولين وفي عَوْدها؛ إشارة إلى أن السنَّ تلحق في أحد القولَيْن بالموضِّحة، إذا التحمت، وفي الثاني بالبَطْش، إذا عاد.
واعلم أن الوجْه المنْقُول في التحامِ الجائفَةِ المجرى في الموضِّحة، إن اختصت بما إذا كان الحاصلُ مجرَّد الخرق والالتَئام، وكما ذكره الإِمام، فلا يجوز أن يعلم له قوله: "لا يستردُّ أرشُها"؛ لأنه صوَّر فيما إذا كان الالتحام بلحم جديدٍ؛ لكن، يجوز أن يُعْلَمَ له قوله في الجراح: "وَلَوْ عادَتِ الموضِّحةُ ملتئمةً، لم يسقط القصَاصُ".

الجزء: 10 - الصفحة: 372

" فَرْعٌ"

لو قلع سنّ صغير، فطلع بعضها، وماتَ الصغيرُ قبل أن يتمَّ نباتها، فعليه من الدية قسْطٌ ما لم ينبت، إن قلنا بوجوب الدية فيما إذا مات قبل النبات، والحكومةُ إن قلنا لا تجب هناك الديةُ، حُكِيَ هذا التصويرُ والتفريعُ عن نصِّ الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- 311؛ وذلك يقوي رواية من روى الخلافَ في المسألة قولين، وقد حكاهما القاضي ابن كَجٍّ عن "الأم"، ولو قلعها قبل تمام الطلوع آخَر، فعن نصه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه ينتظر بها، إن لم تنبت، فعليه الديَةُ، وإن نبتت، لزمته حكومةٌ أكثر من حكومة القَلْعِ في المرة الأولَى.
قال الغَزالِيُّ: وَسِنُّ الشَّيْخِ الهَرِمِ إِذا تَقَلْقَلَتْ فَفِيهَا الأَرْشُ إِذَا كَانَ الظَّاهِرُ ثَباتَها، وَإنْ كَانَ الظَّاهِرُ سُقُوطَها فَقَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القيدُ الرابعُ: كونها ثابتةً غير متقلقلة، فإن كانت متحرِّكة، نظر: إن كانت الحركةُ يسيرةً؛ لا تنقص المنافع، لم يؤثر تحريكها في القصاص، ولا في الأرش، وإن كان بها اضطرابٌ شديدٌ, وتحرُّك قويٌّ بسبب مرض أو هَرَمٍ، فينظر؛ إن بطَلَت منفعتها، ففي قلعها الحكومةُ دون الأرشِ، وإن انتقصتْ منافعها، فقد أطلق مطلقون قولَيْن في وجوب الأرش، وقال الإِمام: إن كان الظاهرُ الغالبُ على الظن نباتَها، وجب الأرش بلا خلاف، وكان نقصانُها كالأمراض الحاصِلَة في الأعضاء، وإن كان الغالِبُ على الظنِّ سقوطَها، فهذا موضع القولَيْن: أحدهما: أن الواجب الحكومةُ دون الأرش، لِنُقْصَانِ المنفعة؛ كما في اليد الشَّلاَّء.
وأصحُّهما: وجوبُ الأرش؛ لتعلُّق الجمال، وأصل المنفعة بها في المَضْغ، وحفْظِ الطعام، وردِّ الريق، ولا أثر لضعفها؛ كضعف البطش والمشْيِ، ولو ضرب سن إنسان، فتزلزلت وتحرَّكت، نُظِرَ؛ إن سقطت بعد ذلك، وجب الأرش، وإن عادتِ كما كانت، فمنهم من يقول: تجب الحكومةُ، ومنهم من يقولُ: لا يجبُ شيء، ويشبه أن يكون هذا الخلافُ هو الخلافَ المذكورَ فيما إذا اندملَتِ الجراحةُ، ولا نقص ولا شَيْن، وإن بقيت كذلك ناقصةَ المنفعةِ، فالواجب عليه الأرش أو الحكومةُ؟ فيه القولان السابقان، فإن قلعها آخر، فعليه الأرْشُ، أن أوجبنا على الأولِ الحكومةَ، والحكومةُ إن

الجزء: 10 - الصفحة: 373

أوجبنا على الأولِ الأرشَ، ثم عن الشيخ أبي حامد؛ أنا إذا أوجبنا الحكومةَ هاهنا، فتكون الحكومة أقلَّ من الحكومة في السنن المتحرِّكة بالهَرَم، أو المرض؛ لأن النقصان الحاصل ههنا قد غرمه الجاني الأول؛ بخلاف نقصان المرض والهَرَم، وفي "التتمة"؛ أنه ليس على الجاني الثاني إلا الحكومةُ؛ بخلاف ما إذا كان الاضطرابُ لمرض وكِبَر، والاختلال الحاصلُ بالجناية يخالف الاختلالَ الحاصلَ من غير جناية؛ بدليل أنه لو قتل مريضًا انتهى إلى آخِرِ رمقٍ، يلزمه القصاص، ولو انتهى إلَى تلك الحالة بجناية جانٍ، لا يجب القصاص على الثاني، وإذا جنَى على سنٍّ، فاضطربتْ، وانتقصت منفعتها، وقلنا: إنَّ الواجبَ عليه الحكومة، فعاد وقلعها قبل أن يضمن الحكومة، فعليه الأرش بكماله، ولو قلع سنّاً سوداء كاملةَ المنفعة، نُظِرَ؛ إن كانت سوداءَ قبل أن يثغر، وبعده، فعليه كمالُ الأرش، وإنْ كانَتْ في الأصل بيضاءَ، فلما ثغر، نبتت سوداءَ أو نبتتْ [بيضاء]، [ثم اسوَدَّتْ]، فعن نص الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنه يراجع أهل الخبرة، فإنْ قالوا: إن ذلك لا يكونُ إلا لعلَّةٍ حادثةٍ، ففي قلعها الحكومةُ، وإن قالوا: لم يحدثْ ذلك لعلَّة، أو قالوا: مثل هذا قد يكون لمرضِ وعلَّةٍ، وقد يكون لغير ذلك، وجب كمال الأرش، والردُّ إلى الحكومة للمرض، مع كمال المنفعة خلافُ القياس، وإن ضرب على سِنَّة، فاسودَّتْ، فالواجب فيه الأرشُ أو الحكومةُ؛ نقل المزنيُّ اختلافَ نصٍّ فيه، وذكر الأصحاب طريقين: أحدهما؛ وبه قال المزنىُّ، وابن سلمة، وابن الوكيل: أن فيه قولين: أحدهما: يجبُ الأرش؛ لأنه أذهبَ روُحَ العضو وطراوته، فصار كما إذا أشلَّ 312 اليد، ويحكَى هذا عن أبي حنيفة، ومالك.
وثانيهما: تجب الحكومة؛ لأن الفائت الجمالُ دون المنفعة، فأشبه ما إذا جنَى على يده، فاسوَدَّتْ.
وأصحُّهما، وبه قال أبو إسحاق، وابن أبي هريرة، وعامَّة الأصحاب: تنزيلُ النصَّيْن على حالين، إن فاتت المنفعةُ مع الاسوداد، وجب تمام الأرش، وإلا فالواجبُ الحكومة، ولو اخضرت السنُّ بجناية 313، أو اصفرَّتْ، وجبت الحكومة 314، وحكومةُ الاخضرار أقلُّ، وحكومةُ الاصفرار أقلُّ.
واعلم أن قوله في أول الضبط: "غير متقلقلة

الجزء: 10 - الصفحة: 374

بالهَرَم" إشارةٌ إلى هذا القيد الرابع، لكن الحكم لا يختص بالهرم، بل التقلقل بالمرض في معناه، ولو لم يتعرَّض للهرم، أو قال بالهَرَم ونحوه، لكان أحسن.
قال الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَلَعَ جَمِيعَ الأسْنَانِ فَكَانَتِ اثْنَيْنِ وَثَلاَثينَ لَمْ يَجِبْ إلاّ مائةٌ مِنَ الإِبِلِ فِي قَوْلٍ كَيْلا يَزِيدَ عَلَى الدِّيَةِ، وَفِي قَوْلٍ مائَةٌ وَسِتُّونَ لِكُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ، فَإِنْ قُلْنا بِالمائَةِ فَذَلِكَ عِنْدَ اتِّحَادِ الجانِي وَالْجِنَايَةِ، فَلَوِ اقْتَلَعَهَا مُتَفَرِّقاً مَعَ تَخَلُّلِ الانْدِمَالِ فَفِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ، وَإِنْ كانَ عَلَى التَّعَاقُبِ فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، والجِنايَةَ المُتَّحِدَةُ أَنْ يَسْقُطَ الكُلُّ بِضَرْبةٍ واحِدَةٍ.
قَالَ الرَّافِعيُّ: الأَسْنَانُ في غالب الفطْرَة اثنتانِ وثَلاثُون، أربعٌ منها ثنايا، وهي الواقعةُ في مُقَدَّم الفم اثنتان من الأعلَى، واثنتانِ من الأسْفَل، ويليها أربعٌ من الأعلَى، والأسفل يقال لها الرَّبَاعِيَات، ثم أربعٌ ضواحِكُ، وأربعة أنياب، وأربعة نواجز، واثنا عشرة أَضْرَاسٌ، ويقال: لها الطَّوَاحِن، وفي قلع الواحدةِ منها خَمْسٌ من الإِبل؛ على ما سبق، ولو قلع عددًا، وجب ما يقتضيه الحساب ما لم يجاوز عشرين، فإن جاوز عشرين، فقولان: أحدهما: لا يجب عليه إلا مائةٌ من الإبل؛ لأن الأسنان [من] جنسٍ متعدِّد من الأجزاء والأطراف؛ فلا يضمن بأكثر من دية النفس؛ كالأصابع وسائر الأعضاء.
وأصحُّهما: أنه يجب لكل واحدة خِمسٌ من الإبل؛ حتى إذا كانت اثنتين وثلاثين، فيجب مائة وستُّون من الإبل؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "فِي كُلِّ سِنٍّ خَمْسٌ مِنَ الإبِلِ"، وعن أبي حفْصِ بنِ الوكيلِ، وغيره القطْعُ بالقول الثاني، فيجوز أن يُعْلَم لذلك قوله في الكتاب: "لم يجِبْ إلا مائةٌ من الإبل" في قولٍ بالواو، وهذا الخلافُ فيما إذا اتحد الجاني والجنايةُ، فأما إذا تعدَّد الجانِي؛ كما إذا قلع واحدٌ عشرين سنّاً، وقلع آخر ما بَقِيَ، فعلَى كلِّ واحدٍ أرْشُ ما قلعه.
وِلو اتحد الجاني، وتعدَّدت الجناية، نُظِرَ؛ إن تخلَّل الاندمال بأن قلع سنّاً، وتركه حتى بَرَأت اللِّثة، وزال الألم، ثم قلع سنّاً أخرى، وهكذا إلى استيعابِ الأسنان، فعليه أرشٌ كاملٌ لكل سنٍّ، وإن لم يتخلَّل الاندمال، ففيه طريقان: أحدهما: القطع بوجوب أرشٍ لكلِّ سنٍّ؛ لتعدد الأفعال.
وأظهرهما: أنه على قولَيْن؛ لأن الجنايتين قبل الاندمال بمثابة الجناية الواحدَةِ، وصورةُ الجناية الواحدة أن يسقطها جميعًا بضربة واحدة أو يسقيه دواءً يسقطها، وقوله في الكتاب: "ولو قلع جميع الأسْنانِ، وكانت اثنتَيْنِ وثلاثين" فيه إشارةٌ إلى أنها قد تزيدُ عَلَى هذا العدد، وقد تنقص، وإذا زادَتْ، ففي كتاب القاضي ابن كَجٍّ ما يخرَّج منه وجْهَان:

الجزء: 10 - الصفحة: 375

أحدهما: أنه يجب لكلِّ سنٍّ مما زاد أرشٌ أيضًا لظاهر الخبر.
والثاني، عن رواية أبي الحُسَيْن: أن الواجب لما زاد الحكومةُ؛ لأن الغالب في الأسْنَان هذا العددُ، فالزائد عليه كالأصبع الزائدة.
قال الغَزاليُّ: الثَّامِنُ اللَّحْيَانِ وَفِيهِما كَمَالُ الدِّيَةِ، وَإِنْ كانَ عَلَيْهِما الأَسْنَانُ لَمْ يَنْدَرجْ دِيَةُ الأَسْنَانِ عَلَى الأَظْهَرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في اللَّحْيَيْنِ الديةُ؛ لما فيها من كمال المنفعة والجَمَال، وفي أحدهما، إن ثبت الآخر، ونصف الدية، واللَّحْيَان هما العَظْمان اللَّذان عليهما تنبت الأسنان السفْلَى، وملتقاهما الذَّقَن، وقال أبو سعد المتولِّي: وفي إيجاب الدية في اللَّحْيَين إشكالٌ؛ لأنه لم يردْ فيه خبر، والقياسُ لا يقتضيه بل اللَّحْيُ من العظام الداخلةِ، فيشبه التَّرْقُوَةَ والضِّلَعَ، وأيضًا: فإنه لا دية في السَّاعد، والعَضُد، والسَّاق، والفَخِذ، وهي أيضًا عظامٌ فيها جمال ومنفعة، ثم إن لم يكن على اللَّحْيَيْن أسنانٌ، فذاك، وهو كَلَحْيتَي الطفلِ قبل نبات الأسنان، ولُحْييَ الشيخ بَعْد تناثرها، ولَحْيَيَ من سقطت أسنانُه باقةٍ أوَ جنايةٍ, وإن كانت 315 عليها أسنان 316، فوجهان: أحدهما: أنه لا يجب إلا ديةُ اللَّحْيين، ويدخل فيها أروشُ الأسنانِ إتباعاً للأقل الأكثرَ؛ كما تدخل حكومةُ الكَفِّ في دية الأصابع.
وأصحُّهما: أنه يجب دية اللَّحْيين، وأروش الأسنان عليه، والمَبْلَغ إذا كانت الأسنان ستَّ عَشْرة على الغالب -مائةٌ وثمانون من الإبل؛ وذلك لأنَّ كلَّ واحد من العضوين مستقلٌّ برأسه، ولكل واحد منهما بدلٌ مقدَّر، فلا يدخل أحدهما في الآخر؛ بخلاف اليد وجميع الأصابع، وأما الأسنان العلْيا، فمنبِتُها عظم الرأس، فلو قلع منها شيئًا من العظم، فعليه الحكومةُ مع الأَرْش.
قال الغَزالِيُّ: التَّاسِعُ: اليَدَانِ وَفِيهِمَا مَعَ الكَفِّ كَمالُ الدِّيَةِ وَتَكْمِلُ الدِّيَةُ بِلَقْطِ الأَصَابعِ فَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ عَشْرٌ، وَلَوْ قَطَعَ مَعَ السَّاعِدِ أَوِ المِرْفَقِ أَوِ العَضُدِ فَيَجِبُ حُكُومَةِ السَّاعِدِ والعَضُدِ وَلا يَنْدَرجُ بِخِلاَفِ الكَفِّ، وَفِي كُلِّ أُنمُلةٍ ثُلُثُ الْعُشَرِ إِلاَّ فِي الإِبْهامِ فَهِيِ.
أنْمُلَتانِ وَفِي إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الأَرْشِ، فَإِنْ كانَ عَلَى العَظْم كَفَّانِ باطِشَانِ فَفِي الزَّائِدَةِ حُكُومَةٌ، فَإنْ كانَتْ إِحْداهُمَا مُنْحَرِفَةً عَنِ السَّاعِدِ أَوْ ناقِصَةً بِأصْبُع أَو ضَعِيفَةَ البَطْشِ فَهِيَ الزَّائدَةُ، فَإنْ كانَتْ المُنْحَرِفَةُ أَقْوَى بَطْشاً فَهِيَ الأَصْلِيَّةُ والَّتِي عَلَيْهَا أُصْبُعٌ زائِدَةٌ تُجْعَلُ

الجزء: 10 - الصفحة: 376

زائِدَةً في أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، فَإنْ تَسَاوَيا فَفِي كِلْتَيْهِما دِيَةٌ وَحُكُومَةٌ، وَلا قِصَاصَ في إحْداهُما، وَفِيها نِصْفُ دِيَةِ اليَدِ وَزِيَادَةُ حُكُومَةٍ لأَنَّهُ نِصْفٌ فِي صُورَةِ الكُلِّ، وَلَوْ قُطِعَتِ اليَدُ الباطِشةُ فاَشْتَدَّتِ اليَدُ الأخْرَى بِالقَطْعِ وَبَطَشَتْ فَفِي اسْتِرْدادِ الأَرْشِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب بقطع اليدين الديةُ بالإجماع، وعن معاذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "وَفِي اليَدَيْنِ الدَّيَةُ، وَفِي الرِّجْلَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي إِحْدَاهُما نِصْفُها" 317؛ روي في كتاب عِمْرِو بن حَزْمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "في اليَدَيْنِ مائَةٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي اليَدِ خَمْسُونَ" 318 وتكمل الدية بِلَقْطِ الأصابع؛ لما روي: "فِي كُلِّ أُصْبُع مِنْ أَصَابعِ اليَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ"، ولو قطع من الكوع، فالواجبُ هو الواجبُ فَي لَقْطِ الأصابعِ، وحكومةُ الكف تدخلُ في ديتها، ولا يزاد بسبب الكف شيء 319 ولو قطع 320 بعض الساعد، أو المرفَقِ، أو المنكب، وجب حكومتها مع الديةِ، بخلاف الكَفِّ؛ لأنَّ الكف مع الأصابع كالعضو الواحد؛ ألا تَرَى أن أصل الكف يأخذ في الانشعاب والانقسام الظاهر في الأصابع، وبهما جميعًا يتمُّ البطش، وعليهما يقع اسم اليدِ والساعدِ والعضدِ، وخلقتهما 321 تخالفُ خلقةَ الكفِّ والأصابع، هذا هو المذهبُ، وعن أبي عُبَيْدِ بن حربويه، أن نهاية اليد التي يجبُ فيها الديةُ، الإبطُ والمَنْكِب، ويجب فيما دون ذلك قسْطُه من الدية؛ واحتجَّ الأصحاب لوقوع اسم اليدِ على الأصابع والكفِّ؛ بقوله تعالَى في حد السرقة: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] فقطع رسول الله -صلى الله عليه وسلمِ- السارق من الكوع 322، ويجوز أن يُعْلَم للوجه المذكور من لفظ الكتاب قوله: "وَتَكْمُلُ الدِّيَةُ بِلَقْطِ

الجزء: 10 - الصفحة: 377

الأصابع".
وقوله: "فَيَجِبُ حكومةُ الساعِدِ والعَضُدِ"، "وأَرْش كُلِّ أصبع" وحْدَها عَشْرٌ من الإِبل يستوي في ذلك جميعُ الأصابع، روي في كتاب عَمْرو بن حَزْمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "وَفِي كُلِّ أصْبُعٍ مِمَّا هُنالِكَ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ"، وفي كل أنملة ثلثُ أرش الأصبع؛ لأن كل أصبع ثلاثُ أناملَ، إلا الإبهام، فهي أنملتان، ففي كلِّ واحدة نصف الأرش، وعن أبي حنيفة ومالك؛ أن في كل واحدة ثلثَ الأرش، وهي ثلاثُ أنامل أيضًا، إلا أن إحداهما غائصةٌ، ولو انقسم أصبع بأربع أنامل متساوية، ففي كل واحدة ربع الأرش.
والذي ذكرناه من اندراج حكومةِ الكَفِّ، موضعُهُ ما إذا قطع مِنَ الكُوع وأبَانَ الأصابعَ والكَفَّ بجناية واحدة 323، فأما إذا قطع واحدٌ الأصابعَ، وآخرُ الكفَّ أو وقطع الأصابعَ، ثم قطع الكف بَعْد الاندمال، أو قبله، فعلَى ما ذكرنا في فصل الأسنان.
وقوله في الكتاب: "وَفِي كُلِّ أنملةٍ ثُلُثُ العَشْرِ" الأحسنُ أن يقرأ ثلث العَشْرِ بفتح العين؛ لأنه تقدم قوله: "عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ"، ويمكن أن تضم العينُ، ويراد عُشْر الدية.
إذا كان على مِعْصَم إنسانٍ كَفَّان مع الأصابع، أو على العَضُد ذراعانِ وكفان، أو على المنكب عضُدَانِ وذراعانِ وكفان مع الأصابع، نُظِرَ؛ إن لم يبطشْ بواحدة منهما، فليس فيهما قصاصٌ ولا ديةٌ، وإنما الواجبُ فيهَما الحكومةُ؛ كاليدِ الشَّلاَّء, وإن كان فيهما بطْشٌ، فإن كانت إحداهما أَصْلية، والأُخْرَى زائدة، ففي الأصلية القصاصُ أو الديةُ، وفي الزائدة الحكومةُ، وطريقُ تمييز الزائدة عن الأصلية بأن 324 ينظر، إن اختصَّت إحداهما بالبَطْش أو بقوَّة البطش، فهي الأصلية، ولا فرق بين أن تكُونَ الباطشة، أو التي هي أقوَى بطشا على استواء الذراع أو منحرفةً عنه؛ لأن اليد خلقتْ للبطش، وهي أقوى دليلٍ على كونها أصليةٌ، وإن استويا في أصل البطش، وكيفيَّته، فإن كانت إحداهما مستويةً، والأخرى منحرفةً فالمستويةُ الأصليَّة، وإن كانت إحداهما كاملةُ الأصابع، والأخرَى زائدة، ففيه وجْهَان عن القاضي الحُسَيْن؛ أنَّ المعتدلة هي الأصليَّة؛ لأن الزيادة على الكمال نقصانٌ، وقال الأكثرون: لا يؤثَّر ذلك في التمييز 325، فإن اليد

الجزء: 10 - الصفحة: 378

الأصليَّة كثيرًا ما تشتملُ على الأصبع الزائدة، والزيادة على القوة أدلُّ منها على الضعْفِ، ولو كانت إحداهما ناقصةٌ بأصبع، لكنها مستوية، والأخرى كاملةُ الأصابعِ، لكنها منحرفة، فأيتهما الأصليَّة، فيه احتمالٌ عند الإِمام، وإن لم تتميَّز 326 الزائدةُ عن الأصلية بوجْهٍ من الوجوه، فهما كَيَدٍ واحدةٍ؛ حتى يجب في قطعهما القصاص أو كمال الدية، ويجب مع القصاص أو الديةِ حكومةٌ لزيادة الصورة، وعن المزنيِّ؛ أنه لا قصاص بقطعهما؛ لنقصانهما وتشوُّه خلقهما، ولو قطعت إحداهما، لم يجب القصاصُ، ويجب فيها نصفُ دِيَةِ يد وزيادةُ حكومة؛ لأنها نصف في صورة الكلِّ، قال في "الوسيط": هذا ما قيل، وجعلُها نصفاً مع احتمال كونها زائدةً مشكلٌ، وهذا يشير إلى أن يقال إحداهما أصلية، والأخرَى زائدة، ويؤخذ في الأحكام باليقين، وفي كتاب القاضي ابن كج عن أبي الحُسَيْن روايةُ وجه؛ أنه لا يجب الحكومةُ مع نصف الدية، فيجوز أن يُعْلَمَ لذلك قولُه في الكتاب "وَزِيادَةُ حُكُومةٍ" بالواو، والظاهر الأول، وإذا قيل به، فلو قطع أصبع منها، ففيه نصفُ ديةِ أصبع وزيادةُ حكومة، ولو قطعتْ أنملة، فنصفُ ديةِ أنملةٍ، وزيادةُ حكومةٍ، ولو عاد الجانِي بَعْد قطع إحدى اليَدَيْن، وأخذ الأرش، والحكومة منه، وأراد المجنيُّ عليه القصاصَ، ورد ما أخذه إلى قَدْر الحكومة، هل له ذلك؟ فيه وجهان منقولاَنِ في "النهاية": أحدهما: لا؛ لأن القصاص يتعلق بقطعِ اليدين جميعًا، وقد سبق منه أخذ الأرش عن إحداهما، وأخذُ الأرش يتضَّمن إسقاط القصاص, ولا عود إلى القصاص بعد إسقاطه.
والثاني: نعم؛ لأن القصاصَ لم يكن ممكناً حينئذ، وإنما أخذ الأرش؛ لتعذُّر استيفاء القصاص، لا لإسقاطه 327، فإذا قطع الثانية، حصل الإمكان، ولو قطع صاحب اليدين الباطشتَيْن يدَ معتدلٍ، لم تقطع يده للزيادة، وللمجنيِّ عليه أن يقطع إحداهما، ويأخذ نصف دية اليد ناقصاً بشيء، وإن بادر وقطَعَهُمَا، عُزِّر، وأخذت منه الحكومة للزيادة، وإن كانت إحدَى يدَي القاطع زائدةٌ، وأمكن إفراد الأصلية بالقَطْع، قطعت، ولم يلزمه شيء آخر، وإنْ عرَف أن إحداهما زائدة، ولم يعرف عَيْنُها 328، لم تقطع واحدةٌ منهما كذلك، حكاه القاضي الرُّويانيُّ، ولو كانت إحدَى يدَي الشخْصِ باطشة دون الأخرى، فقطعت الباطشةُ، واستوفينا ديتها، فصارت الأخرَىَ باطشةً أو كانتْ

الجزء: 10 - الصفحة: 379

ناقصةَ البطش، فقوي بطشها؛ فقد تبيَّن أن الباقية هي الأصليةُ، حتى لو قطَعَها قاطعٌ، يلزمه القصاص، أو كمال الدية، وهل يستردُّ من المجنىُّ عليه الأرشَ، فيرد إلى مقدار الحكومة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، وإلا فقد قدرنا الأولَى أصليةً، والثانية أصلية، ولا تجتمع أصليتَان على مِعْصَمٍ واحد.
وأظهرهما: أنه لا يتبع ما مضَى، وهذه نعمةٌ من الله تعالَى، وقرب بعضهم الخلافَ من الخلاف في عَوْد السنِّ، وفرق بينهما فَارِقُون، وقالوا: السنُّ تعودُ في محلِّ الجناية، والبطش ههنا حصل في غير محلِّ الجناية، ولو كانت اليدان باطشتَيْنِ على السواء، فقطعت إحداهما، وغرمنا القاطع نصفَ ديةِ اليدِ، وزيادةَ حكومةٍ، فإن زادتْ قوة الأولَى, واشتد بطشها، فهل يستردُّ من أرش الأولَى ما يرده إلى قدر الحكومة؟ فيه مثل هذا الخلافِ، وإن ضعُفَت الثانية، لما قطعت الأولَى، وبطَلَ بطْشُها، عرفنا أن الأصلية هي المقطوعَة، فعَلَى قاطعها القصاصُ أو كمالُ الدية؟ قال القاضي ابن كَجٍّ: ويحتمل أن يقال: لا يجبُ القصاص؛ لأن الضعْفَ الذي حدَثَ يحتملُ أن يكون لسراية ألَمٍ أو علةٍ حادثةٍ، لا لكونها زائدة.
قال الْغَزَالِيُّ: العَاشِرُ التَرْقُوَةُ والضِّلَعُ فَفِي كَسْرِ كُلِّ ضِلَعٍ جَمَلٌ تَقْلِيدًا لَعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَحُكُومَةٌ عَلَى قَوْلٍ آخَرِ قِيَاساً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا تكمل الديةَ في كَسْر الضِّلْع والتَّرْقُوَةُ، إذْ لم يردْ فيهما توقيفٌ, ولا هما في معنَى ما وردَ التوقيفُ فيه، بل هما شبيهانِ بسائر العظام الباطنةِ؛ كعظم الساق والفَخِذ، والترقوة: العظْمُ المتَّصلُ بين المنكب وثُغْرة النَّحْر، ولكلِّ واحدٍ ترقوتان، وما الذي يجبُ في كسرهما؛ عن نصِّ الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "اختلاف الحديث" وغيره؛ أن فيه جَمَلاً وفي "الأم" وغيره؛ أن فيه حكومةً، وفيهما طريقانِ للأصحابِ: أحدهما، وبه قال المُزَنِيُّ، وصاحبُ "الإِفصاح":أنَّ فيه قولَيْن: القديم، وبه قال أحمد: أنه يجب فيهما 329 جَمَلٌ؛ لما روِيَ عن عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ أَنَّهُ قَضَى بِذَلِكَ 330.

الجزء: 10 - الصفحة: 380

والجديدُ: أن واجبه الحكومةُ؛ كما في سائر العظام، فإن انجبر ولا شين، ولا اعوجاج، فقد مَرَّ حكمه.
والثاني، وبه قال أكثرهم: القَطْع بأنَّ الواجب فيه الحكومة، وحملوا ما رُوِيَ عن قضاء عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَلَى أن الحكومة في الواقعة كانَتْ قدر جَمَلٍ.
ويجوز أن يعلم لفظ "الجَمَل" في الكتاب بالحاء والميم، ولفظ "الحُكُومة" بالألف، وقد يوهِمُ نظم الكتاب ترجيحَ قول الجمل، والظاهر عند عامة الأصحاب القَوْل الآخر.
قال الغَزالِيُّ: الحادِي عَشَرَ الحَلَمَتانِ مِنَ المَرْأَةِ فِيهِمَا دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَفِي حَلَمَتَي الرَّجُلِ قَوْلاَنِ إِذْ لاَ مَنْفَعَةٌ لَهُمَا.
قَالَ الرافِعِيُّ: في حلمتَي المرأة تمامُ ديتها؛ لما فيهما من الجَمَالِ، ومَنْفَعَة الإِرضاع، وفي إحْداهُما نصْفُها، والحَلَمة هي رأْس الثدْي الذي يلتقمُهُ المرتَضِعُ، ويقال: المجتمعُ ناتئاً على رأس الثدْي، وهذه العبارةُ أحسنُ؛ لتناولها حَلَمَةَ الرجل، قال الإِمام: ولونُ الحَلَمة في الغالب يخالِفُ لون الثدْي، وحوالَيْها دائرةٌ على لوْنها، وهي من الثَّدْيِ، لا من الحلمة، ولو قطع الثَّدْي 331 مع الحلمة، لم يجب إلا الدية، ويدخلُ فيها حكَومةُ الثدْي، وفيه وجهٌ قدَّمناه، وعن الماسرجسيِّ نقله قولاً 332، ولو قطع مع الثدْي جلدةَ الصدر، وجبت حكومة الجِلْدة، مع الدية، بلا خلاف، وإن وصلت الجراحةُ إلى الباطن، وجب مع دية الثدْيِ أرشُ الجائفة، وفي حلمتَي الرَّجُلِ طريقان: أظهرهما: أن فيهما قولَيْنِ: أحدهما: أنه يجبُ الدية؛ كما في المرأة؛ إلحاقاً باليد والرِّجْل، وغيرهما.
وأصحُّهما: أنه لا يجب إلا الحكُومة؛ لأنه ليس في حَلَمة الرَّجُل منفعةٌ مقصودةٌ وإنما فيها جمالٌ مجرَّد، ويقال: هذا منصوصٌ، والأول مخرَّج.
والثاني: القطْعُ بالقول الثاني.
ولو قَطَع مع حلمة 333 الرَّجُل الثَّنْدُوَةَ، ففي "التهذيب"؛ أنا إنْ أوجبنا الديَةَ في حَلَمَتِهِ 334، دخلَتْ فيها حكومةُ الثندوة، وإلا وجبتْ حكومتهما معًا، وقال الإِمام: تحْتَ

الجزء: 10 - الصفحة: 381

حلمة الرجل، إن لم يكُنْ هَزِيلاً، لحمةٌ تسمَّى الثَّنْدُوَة، وليست هي من الحَلَمَةِ بمنزلة ثَدْيِ المرأة من حلمتها، فإنهما من المرأة كالعضوِ الواحدِ، وليست تلك اللحمةُ مع الحَلمة كذلك، فتفرد الثندوة بالحكومةِ؛ بلا خلاف، وفي "جمع الجوامع" للرُّويانيِّ نحوٌ من هذا الكلام، يقال ذكره الصيدلانيُّ من عنده، وهو صحيح، إن شاء الله تعالَى.

" فَرْعَان"

أحدهما: تقطع حلمةُ المرأة بحلمة المرأة، وفي "التتمة" وجه؛ أنه إن لم يتدلَّ الثديُ، لا يجب القصاص؛ لاتصالها بلحم الصدر، وتعذُّر التمييز، والمشهورُ الأول، قال في "التهذيب": ولا يجري القِصاص في الثدْي؛ لأنه لا يمكن رعايةُ المماثلة فيه، وللمجنيِّ عليها أن تقْطَع الحلمة، وتأخذ حكومة الثدْي، ولك أن تمنع القولَ بأنه لا يمكنُ رعايةُ المماثلة فيه، وتقول: الثدْيُ هذا الشاخصُ، وهو أقرب إلى الضبْطِ من الشفتَيْن والألْيَتَيْنِ ونحوهما: وتقطع حلمة الرجل بحلمة الرجل إن أوجبنا فيهما الدية أو الحكومة، وتقطع حلَمَة المرأةِ بحلَمَة الرجُلِ، وبالعكس إن أوجبنا في حلمة الرجلِ الديةَ، وإن أوجبنا فيها الحكومةَ لم تقطع حَلَمة المرأة بحَلَمة الرجُلِ، وإن رضيتْ؛ كما لا تقطع الصحيحة بالشَّلاَّء وتقطع حلَمَةُ الرجل بحلمةِ المرأة، إن رضيتْ؛ كما تقطع الشَّلاَّء بالصحيحة, إذا قنع المستحِقُّ بها.
الثاني: سبق في الطهارات ذكر وجهَيْن في أنه هَلْ يستدلُّ بنهود الثدْي، وتدليه (1) على أنوثة الخنثَى: أحدهما، ويحكَى عن أبي علي الطَّبَرِيَّ: نعم، وبه قال الأكثرون: لا، فإن قطعهما قاطع، قال في "البيان": إن قلنا بقول أبي عَلِيٍّ، فعليه ديةُ امرأة، وإن قلنا بقول الأكثرين، فإن قلنا: يجب في ثَدْي الرجلِ الديةُ، فتجب ديةُ امرأة؛ أخذًا باليقين، وإن قلنا: تجب الحكومةُ، فالواجب عليه الحكومةُ.

فرع

ثالث: لو ضرب ثدْي المرأة، فشَلَّت، فعليه الدية، ولو كان ناهداً، فاسترسل ثديها ,لم يجب إلا الحكومة؛ لأن الفائت مجرَّد الجمال، ولو استرسل بالضَّرْب ثدْيُ الخنثى، ولم يجعل نهود 336 الثدي أمارة الأنوثة، ففي "البيان" أن القاضي أبا الفتوح قَالَ: لا تجبُ الحكومة؛ لجواز أن يكون رجلاً، فلا يلحقه نقص بالاسترسال، ولا يفوتُ جمال؛ فإن بان امرأةً، وجبت الحكومة.335

الجزء: 10 - الصفحة: 382

وقوله في الكتاب: "كمال الدية" يعني ديةَ المرأةِ، فليعلم لفظ القولَيْن بالواو؛ لطريقة القطعَ [والله أعلم].
قال الْغَزَالِيُّ: الثَّانِيَ عَشَرَ الذَّكَرُ والأُنْثُيَانَ وَفِيهِمَا دِيَتانِ، وَفِي ذَكَرِ الخَصِيِّ والْعِينّينِ دِيَةٌ، وَفِي ذَكَرِ الأشَلِّ حُكُومَةٌ، وَتَكْمَلُ بِقَطْعِ الحَشَفَةِ وَلا يَزِيدُ بِالاسْتِئْصالِ، وَفِيهِ وَجْةٌ آخَرُ أنَّهُ يَزِيدُ حُكُومَةً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الذكَرِ كمالُ الدية، وكذلك في الأُنْثَيَيْنِ؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ في كتاب عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي الأنْثَيَيْنِ الدِّيَةُ"، ويروى "وفي البَيْضَتَيْنِ"، وفي إحدى الأُنْثَيَيْنِ نصفُ الديةُ يستوي اليمنى 337 واليسرى، ولا فرق بين ذكَر الصغيرِ والكبيرِ، والشيخ والشابِّ، والعِنِّينِ والخَصِيِّ، وغيرهم، وعن أبي حنيفةَ؛ أن ذكر الخصيِّ لا يجب فيه إلا الحكومةُ، وبنى على ذلك؛ أنه لو قطع قاطع أنثَيَيْهِ، ثم ذكَرَهُ، فعليه ديةٌ وحكومةٌ؛ لأنه حين قطعِ الذَّكَرِ خُصِيَ، وإن قطعهما معًا أو قطع الذكر قبل الانثيَيْنِ، فعليه ديتان، وروى القاضي الرويانيُّ مثله عن مالك؛ واحتجَّ الأصحاب بإطلاق الخبر، وبأن ذكَر الخَصِيِّ سليم، وهو قادرٌ على الإِيلاج، وإنما الفائتُ الإِيلاد، وبأنهما عضوانِ يضْمَن كل واحد منهما بالدية، ففوات أحدهما لا يوجبُ نقصان بَدَلِ الآخرِ؛ كالشفتَيْنِ واللِّسان، وفي الذكر الأشلِّ حكومةٌ؛ كما في اليد الشَّلاَّء ولو ضرب ذَكَرَهُ حتى شلَّ، فعليه الدية، ولو خرج عن أن يمكنه الجماعُ به من غير شَلَلٍ، وتعذَّر انقباضٌ وانبساطٌ، ففي "الشامل"، و"التهذيب" وغيرهما؛ أن عليه الحكومة؛ لأن العضْوَ ومنفعته باقيان، والخلل في غيرهما، وعلى هذا، فلو قطعه قاطعٌ بعد ذلك، فعليه القصاص، أو كمالُ الدية، والمسألةُ غير صافيةٍ عن الإشكال، وربما نَعُود إليها، وتكمل الديةُ بقَطْع الحَشَفة؛ لأن معظم منافع الذَّكَر، وهو لذَّةَ المباشرة، يتعلَّق بها، وأحكام الوطء تدور عليها، فهي كالأصابع مع الكفِّ، وفي قطع بعض الحَشَفَةِ قسْطُهُ من الدية، فالتقسيط يكون على الحشفة خاصَّة، أو على جملة الذكَرِ؟ فيه خلاف، وقد تقدم، وذكر في "التتمة"؛ أن هذا إذا لم يختلَّ مجرى البَوْل؛ بأن قطع بعض الذكر طولاً، أما إذا اختلَّ، فعليه أكثر الأمرين من قسْطه من الدية، وحكومة فساد المجرَى، وأنه لو قطع جزءًا من الذكَرِ مما تحْت الحَشَفة، فإن انتهتِ الجراحة إلى مجرى البَوْل، فقد مرَّ الخلاف في أنَّها هل تكون جائفةٌ، وإن لم تنته، فإن قلنا في قطع بعض الحشفة؛ إنَّ التقسيط على الحشَفة وحْدَها، فعليه الحكومةُ ههنا، وإن قلنا: التقسيطُ على جميع الذَّكَر، فعليه قِسْطُ المقطوع من الدية، وأنه إذا لم يَبِنْ شيئًا من

الجزء: 10 - الصفحة: 383

الذكَرِ، ولكن شقَّه طولاً، زالت منفعُتهُ بذلك، وجبتِ الدية، كما في الشَّلَل، ويجب في بقية الذَّكَر وحْدها الحكومةُ، وفي استئصالِ الكلِّ الديةُ، وتدخلُ حكومةُ البقيَّة في دية الحَشَفة، وفيه وجه أنه يجب دية وحكومة، والمسألة مكرَّرة مذكورةٌ مرَّة في فصل الأسنان.
قال الغَزالِيُّ: الثَّالِثَ عَشَرَ: الألْيَتَانِ وَفِي قَطْعِ ما أَشْرَفِ مِنْهُمَا عَلَى البَدَنِ كَمَالُ الدِّيَةِ وَإِنْ لَمْ يُقْرعَ العَظْمُ.
قَالَ الرافِعِيُّ: في الألْيَتَيْنِ الديةُ؛ لما فيهما من الجمال، والمنفعة الظَّاهرة في القُعُود والركوب وغيرهما، وفي إحداهما نصفُها، والأليَةُ هي القَدْر الناتئ المُشْرِف على استواء الظهر والفخذ، فيجب بقطعه الديةُ، ولا يشترط قرع العظم وإيصال الحديدة إليه، ولو قطع بعض إحداهما، وجب قسْط المقطوع، إن عرف قدره، وأمكن الضبط، وإلاَّ فالواجب الحكومة، ولا فرق في ذلك بين الرجُل والمرأة، ولانظر إلى اختلافِ القَدْر الناتئ، واختلاف الناس فيه كاختلافهم في سائر الأعضاء.
ولو قطع ألْيَتَهُ، فنبتت والتحم الموْضِع، قال في "التهذيب": لا تسقط الدية على ظاهر المذهب، كالموضِّحة، إذا التحمت.
قال الغَزالِيُّ: الرَّابعَ عَشَرَ: الشُّفْرَانِ وَفِيمَا أَشْرَفَ مِنْهُمَا عَلَى المَنْفَذِ دِيَةُ الَمَرْأَةِ وَهُوَ القَدْرُ النَّاتِئُ عِنْدَ الانْطِبَاقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في شُفْرَي المرأةِ الديةُ؛ لأن فيهما جمالاً ومنفعةً؛ فإن بهما يقع الالتذاذُ بالجِمَاع، وفي إحداهَما نصفُ الدية، ويستوي في ذلك السمينة والهزيلةُ، والبكر والثيبُ، والرتقاء والقَرْناء، فإن النقصان والخَلَل في حقِّهما في داخل الفَرْج، لا في الشُّفْرَين، وكذلك لا فرق بين المختونة وغيرها، فإن الختانَ لا يَرِدُ على الشُّفْرين، والشُّفران: هما اللحمان المشرفانِ على المنفذ، ويقال: هما اللحمانِ المحيطانِ بالفَرْجِ إحاطةَ الشفتين بالفَم، وعبَّر الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عن الشُّفْرِين بِالأَسْكَتَيْنِ، قال أبو النصر بْن الصَّبَّاغ وَغيره: أهلُ اللغة يقولون الإسْكَتَانِ حاشيتا الفرج، والشُّفْرانِ 338 هما الطرفانِ المشرفان، ويقال: الشُّفْران هما القدر الناتئ عند الانطباق من اللحمين المحيطَيْن بالفَرْج، والعبارات كلُّها ترجع إلى شيء واحد، ولا خلاف في الحقيقة، قال الإِمام: ولو ظن ظانٌّ أنَّ قطع الشُّفْرين هو الذي يزيلُ انطباق أحدهما على الآخر، فهذا لا يتأتى تصويره 339 إلاَّ مع قطع لحمٍ كثيرٍ في الباطن، ولا ريب أن العلماء لم يريدُوا

الجزء: 10 - الصفحة: 384

بالشُّفْرين ذلك، ولو جنَى على شُفْرَيْها، فَشَلَّتَا؛ فعليه كمالُ الدية، ولو قطع مع الشُّفْرَيْنِ الرَّكَبَ، وهو عانَةُ المرأة، فعليه حكومةٌ مع الدِّية، وكذا لو قطع شيئًا مِنْ عانة الرجل مع الذَّكَر، ولو قطع شُفْرَي [المرأة] 340 البكرِ، وأزال بالجنايةِ جلدةَ البكارة، فعليه مع دية الشُّفْرين أرْشُ البَكارة، ولو قُطِعَ شُفْرَا المرأة، ثم جرح جارحٌ موضَعُهما بقَطْع لحم وغيره، لم يلزمه إلا الحكومة.
قال الغَزالِيُّ: الخَامِسَ عَشَرَ: الرَّجُلاَنِ وَهُمَا كاليَدَيْنِ، وَرِجْلُ الأَعْرَجِ كَرِجْلِ الصَّحيحِ، وَرِجْلُ مَنِ امْتَنَعَ مَشْيُهُ بِكَسْرِ الفِقَارِ كالصَّحِيحِ عَلَى الأظْهَرِ، وَفِي التِقَاطِ أَصَابعِ الرِّجْلَيْن كَمالَ الدِّيَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الرِّجْلَيْنِ الديةُ، وفي إحداهما نصفُها؛ لما سبق من الخبر، ومنفعتهما ظاهرةٌ، ورِجل الأعرج كرِجْل الصحيح، كما أن يد الأعْسَرِ 341 كيد الصحيحِ؛ وذلك لأنه لا خلل في العضو، وقد بيَّنَّا ذلك في الجراح، وفي الرِّجْل التي تعطَّل مشيها بكسر الفَقَارِ وجهان: أحدهما: أن الواجبَ فيها الحكومةُ؛ كما في اليد الشَّلاَّء؛ لأن تعطُّل المنفعة كزوالها في تعذُّر الانتفاع.
وأظهرهما: وجوبُ الدية؛ لأن الرِّجْل صحيحةٌ، لا آفةَ بها، وخلَلُ غيرها لا يوجِبُ نقصان بدلها، وتكمل دية الرجلَيْن بالتقاط أصابعهما، والقَدَمُ كالكَفِّ، والساقُ كالساعدِ، والفَخِدُ كالعضدِ، وأناملُ أصابع الرجلِ كأناملِ أصابع اليدِ، وقدمانِ على ساقٍ وساقان على ركبة؛ كَكَفَّيْنِ على معْصَم، وساعدَيْن على عَضَّد، وقد بينا الحكْمَ في جميع هذه الصُّور، وكذلك يقاس بما تقدَّم حكم الرِّجْل الشلاء، وحصول الشلل بالجناية عليها، قال الإِمام: وبين أصابع اليدين وأصابع الرِّجْلين تفاوتٌ عظيم 342، ومنفعةُ الرِّجل العظمى وهي 343 المشي تبقى ما بقي القدمان، وإنما تفوتُ بفوات الأصابعِ سرعةُ المشْي، وإن مَنِعَ 344 ذلك من الاحتباء والقَبْض والبسط وتعاطي الأعمال، والآلات المتعلِّقة بأصابع اليدين، لكن حَسَم الشرْعُ النظَر إلى أقدار المنافع، وأجرى أجْنَاس الأعضاء مُجْرَى واحدًا في تكميل دياتها.
قال الغَزالِيُّ: السَّادِسَ عَشَرَ: الجِلْدُ وَفِي سَلْخِ جَمِيعِهِ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ.

الجزء: 10 - الصفحة: 385

قَالَ الرَّافِعِيُّ: الجلْدُ كالجنس الواحدِ من الأعضاء؛ من حيث إنه معدٌّ لغرض واحدٍ، فيجب في سَلْخه الدية، قال الأئمة -رحمهم الله-: وسَلْخُ جميعِهِ قاتلٌ، لكن 345 قد يفرض حياةٌ مستقرةٌ بعده، فيظهر إيجاب الدية فيه، لو حَزَّ غيرُهُ رقبته 346، وحكى الإِمام عن الشيخ أبي عليٍّ؛ أنه لو قطعت يداه 347 بعد سَلْخ الجلْد، توزَّع مساحةُ الجلد على جميع البدن، فما يخص اليدين يحطُّ من دية اليدين، ويجبُ الباقي، وعلَى هذا القياسِ، لو قطع يد إنسان، ثم جاء آخر، وسلخ جلده، فيجب عَلَى من سلخ دية الجلد محطوطًا عنْها قسْطُ اليدين من الجلد، والله أعلم.
قال الغَزالِيُّ: النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنَ الجِنَايَاتِ مَا يُفَوِّتُ المَنَافِعَ وَهِيَ عَشَرَةٌ: الأُوْلَى العَقْلُ فَإِذَا أَزَالَهُ بِالضَّرْبِ فَدِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَلَوْ زَالَ بِقَطْعِ يَدَيْهِ فَالنَّصُّ أنَّهُ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ لأنَّ العَقْلَ لَيْسَ لَهُ مَحَلٌّ مَخْصُوصٌ فَيَنْدَرجُ تَحْتَ كُلِّ عُضْوٍ تَكْمُلُ فِيهِ الدِّيَةَ، فَلَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيهِ فَزَالَ عَقْلُهُ فَدِيَتانِ، وَقِيلَ: لاَ يَنْدَرجُ العَقْلُ لأنَّهُ لَيْسَ فِي اليَدِ وَهُوَ القِيَاسُ، وَإِذَا شَكَكْنا في زَوالِ العَقْلِ راقَبْنَاهُ فِي الخَلَوَاتِ ثُمَّ لَمْ نُحَلِّفْهُ لأنَّهُ يَتَجَانَنُ فِي الجَوَابِ.
قَالَ الرافِعيُّ: هذا النوع الثالث في الجنايات المفوِّتة للمنافع: فمنها: العَقْلُ، ويجب بإزالته الديةُ، روي في كتاب عَمْرو بْنِ حَزْمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "وَفِي العَقْلِ الدِّيَةُ" 348 ويذكر أنه مذهب عُمَر وزيد بْن ثابِتٍ -رَضِي اللهُ عَنْهُمَا- ولم يخالَفا فيه، وأيضًا: فالعقل أشرفُ المعانِي، وبه يتميز الإنسانُ عن البهيمة، ولا ينتفع بشيء انتفاعَهُ بالعقل، ولا يجب فيه القصاص؛ لعدم الإمكان، ولو انتقص عقله، ولم تستقم أحواله، نُظِرَ، إن أمكن الضبطُ، وجب قسط الزائل، والضبط قد يتأتى بالزمان بأن كان يُجَنُّ يومًا، ويفيق يوماً، فيجب نصف الدية، أو يومًا ويومين، فيجب الثلث، وقد يحصُلُ بغير الزمان، وذلك بأن يقابل صواب قوله، ومنظوم فعله بالخَطأ المصروح منهما، وتعرفُ النسبة بَيْنَهما، فيجب قسْطُ الزائل، وإن لم يمكنِ الضبطُ بأن كان يفزع أحيانًا مما لا يفزع منه، أو يستوحش إذا خَلاَ، فيجب فيه حكومةٌ يقدِّرها الحاكم باجتهاده، وذكر صاحب "التتمة" أن الديةَ إنَّما تجب عند تحقُّق الزوالِ بأن قَالَ

الجزء: 10 - الصفحة: 386

أهْلُ الخبْرة: إن العارض الذي حَدَث لا يزول، أما إذا توقَّعوا الزوال، [أو قال أهل الخبرةِ: إنَّ العارِضِ الذي حَدَثَ يزُولُ، فيتوقَّف] 349 في الدية، فإن مات قبل الاستقامة، ففي الدية وجهان؛ كما إذا قلع سنَّ مثغور، فمات قبل أن تعود 350. ثم في الفصل مسألتان: إحداهما: يُنْظَر في الجناية الَّتي ذهب بها العَقْل، إن لم يكن لها أرش، كما لو ضرب رأسه، أو لطمه، فزال عقله، فعليه ديةُ العَقْل، وإن كان لها أرشٌ؛ إما مقدَّر كالموضِّحة، وقطْعِ اليدِ، والرِّجل، وإما غير مقدَّر؛ كالجراحات الموجبة للحكومات، ففيه قولان: القديم 351، وبه قال أبو حنيفة: أنه يدخلُ الأقل في الأكثر، فإن كانت ديةُ العقلِ أكثر؛ كما لو أوضح رأسه، فزال عقله، دخَلَ فيها أرشُ الموضِّحة، وإن كان أرشُ الجنايةِ أكثرَ؛ كما إذا قطع يديه مع بعض الذراعِ، أو يدَيْه ورجلَيْه، فزال عقله -يدخل فيه ديةُ العَقل؛ ووجّه بأن العقل يشبه الرُّوحَ؛ من حيث إنَّ زواله يشبهُ زوال الروح في زوال التكليفِ، ويشبه فواتَ منفعة البَصَر؛ من حيثُ إنه يبقى الجمالُ في صورة الأعضاء مع زواله؛ كما يبقى الجمال 352 في الحَدَقة بَعْد [زوال الضوء، فلشبهة بالرُّوح يدخل أرْش الجناية في دِيَتِهِ، إذا كان الأرش أقلَّ، ولشَبَهِهِ بالضوء] 353 لا يجمع بين بَدَله وبَيْن أرش الجناية على الجرم، كما لا يجمع بين دية الضوء وأرش العَيْن القائمة، وإن كان تفويتُ العين القائمة لا 354 يوجبُ حكومةَ، بل يدخل الأقل في الأكثَرِ، والجديدُ الأصحُّ، وبه قال مالك وأحمد: أنه لا يدخلُ واحدٌ منهما في الآخر، بل يجب أرش الجناية ودية العقل جميعًا؛ لأنها جنايةٌ، أبطلت منفعةً غير حالَّة في محل الجناية؛ فصار كما لو أوضَحَه، فذهب سمعه أو بصره، لا يدخل أرش الموضِّحة في دية السمع والبصر، ولا بالعكس، فعلى هذا لو قطع يدَيْه ورجلَيْه، فزال عقله، وجبت ثلاثُ ديات، وعلى الأول لا يلزم إلا ديتان، هذا هو المشهُور من كيفية الخلافِ في المسألة، ووراءه شيئان: أحدهما: في المهذَّب وغيره؛ أنه إن كان أرشُ الجناية مثلَ الدية، أو أكثرَ،

الجزء: 10 - الصفحة: 387

وجبت ديةُ العقلِ معه، ولا تداخل قولاً واحدًا، وإنما الخلافُ فيما إذا كان أرشُها دون الدية، هل تدخل الديةُ في العقل.
والثَّاني: نقل الإِمام عن القاضي الحُسَيْن؛ أن أرش الجناية، إن لم يكن مقدَّراً، لم يدخل في دية العقل قولاً واحدًا، وإنما الخلافُ في الجناية التي لها أرشٌ مقدَّر، وأما ما أورده في الكتاب، فالسابِقُ إلى الفَهْم منه وضْع الخلافِ في أنَّ دية العَقْل، هل تنْدَرج تحْت أرش الجناَيةِ؛ ووجّه الاندراج بأن العَقْل لا يختصُّ بعضو معيَّن يحلّ فيه؛ حتى يجتنب موقعه فأيُّ عضو مضمون بالدية، أفضى قطعه إلى زواله، جعل كأن العقل كان حالاً فيه حلولَ الضوء في الحَدَقة، لكن هذا يخالفُ ما حكينا عن الكيفية المشهُورة، ويخالف أيضًا ما ذكره الإمامُ فيما لو قطع يَدَيْ رجل، وزال عقله، وقلنا: يجبُ ديةٌ واحدةٌ، فإن لفظ الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- يشيرُ إلَى أن الدية الواجبةَ ديةُ العقلِ، وديةُ اليدِ تندرج تحتها، ويخالف أيضًا قضية تشبيه العَقْل بالروحِ، فإن دية الروح لا تندرجُ تحت أروش الأطراف، وإنما تندرج الأروش 355 تحْتَها، ثم سياقُ الكتاب يُشْعِرُ بأن النصَّ الاندراجُ، وأن مقابلة وجْةٌ واحتمالٌ، وبأن الظاهر الأول، وإن كان القياسُ الثَّاني، لكن الخلاف في المسألة مشهورٌ بالقولَيْن، والظاهر الثاني عند الجمهور.
الثانية: لو أنكر الجانِي زَوالَ العقل، ونسبه إلى التجانُنِ، راقبناه في الخَلَوات، وأوقات الغَفَلات، فإن لم تنتظم أفعاله وأقواله، أوجبنا الدية، ولا نحلِّفه؛ لأنه يتجانن في الجواب، ويعدل إلى كلام آخَرَ؛ ولأن تحليفه يثبتُ جنونه، والمجنون لا يَحْلِف، وإن وجدناها منظومةً، فالقول قول الجاني مع يمينه، وإنَّما حلف؛ لجواز أنها صدَرَت منه اتفاقا أو جرياً على ما اعتاده 356. قال الغَزَالِيُّ: الثَّانِيَةُ: السَّمْع وَفِيهِ كَمَالُ الدِّيَةِ وَفِي إِحْدَاهُما نِصْفُ الدِّيَةِ، وَقِيلَ: حُكُومَةٌ لأنَّ مَحَلَّ السَّمْعِ وَاحِدٌ، وَلَوْ قِيلَ: السَّمْعُ بَاقٍ وَقَدْ وَقَعَ فِي الطَّرِيقِ ارْتِتَاق فَتَعَطُّلُ المَنْفَعَةِ كَزَوالِهَا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَيَجْرِي فِيما إِذَا ذَهَبَ سَمْعُ الصَّبِيِّ فَتَعَطَّلَ نُطْقُهُ أَوْ ضُرِبَ صُلْبِ إِنْسَانٍ فَتَعَطَّلَ رِجْلُهُ فَفِي تَعَدُّدِ الدِّيَةِ خِلافٌ، وَإِذَا شَكَّ فِي السَّمْعِ جُرِّبَ

الجزء: 10 - الصفحة: 388

بِصَوْتٍ مُنْكَرٍ بغْتَةً، وَإِنْ نَقَصَ السَّمْعُ جرِّبَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ هُوَ فِي مِثْلِ سِنَّهِ بِقُرْبِ المَسافَةِ وَبُعْدِها، فَإنْ كذَّبَهُ الجَانِي حُلِّفَ المَجْنيُّ عَلَيْهِ.
قَالَ الرافِعِيُّ: في إبطالَ السمع كمالُ الدية؛ لما رُوِيَ عن مَعاذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم-قَالَ: "وَفِي السَّمْعِ الدِّيَةُ" 357 ولو أبطل السمْعَ من إحدى الأذنين، ففي وجهٍ عن الشيخ أبي محمَّد؛ أنه يعتبر ما نقص من السمع، ويجب قسْطُه من الدية، وقد يقال: يَجِبُ فيه الحكومة؛ وذلك لأن السمع واحدٌ، وإنما التعدّد في المنفذ، بخلاف ضوء البَصَر، فإن تلك اللطيفةَ متعدِّدة، ومحلُّها الحَدَقة، والمشهور أنه يجب نصْفُ الدية، لا لتعدد السمع، ولكن 358 ضبط النقصان بالمنفذ أولَى وأقرب من ضبطه بغَيْره، ولو قطع الأذن، وبَطَل السمع، وجبت ديتانِ؛ لأن السَّمْعَ ليس في الأذُن.
ولو جنَى عليه، فكان لا يسمعُ في الحال، لكن قال أهل البصر: إنَّه يتوقَّع عوده، نُظِرَ؛ إن قدَّروا مدة، انتظرنا تلك المدة، فإن لم يعد، أخذت الدية، واستثنى الإمامُ ما إذا قدَّروا مدة يغلبُ على الظن انقراضُ العمر، قبل انقضائها، وقال: الوجهُ أن تُؤْخَذَ الدية، ولا ينتظرَ هذه المدة كما لو لم يقدِّروا، وإن لم يقدَّروا مدة، فتؤخذ الدية في الحال؛ لأن الانتظار والتأخيرَ لا إلى غَاية؛ كالتفويت، فإن عاد 359، ردَّت الدية، إذا بان أنه لم يزل، وإن قال أهل البصر: لطيفةُ السمع باقيةٌ في مقرِّها، ولكن ارتتق داخل الأُذُنِ بالجنايةِ, وامتنع نفوذ الصوت، ولم يتوقَّعوا زوالَ الارتتَاقِ، فهلْ يكون تعطُّل المنفعة كزوالها؛ حتَّى تجب الديةُ بكمالها؟ ذَكَرُوا فيه وجْهَيْن، وألحقوهما بالوجْهَيْن فيما إذا أذهب سمع الصبيِّ، وتعطَّل لذلك نطقه، فإنَّ الطفل يتدرَّج إلى النُّطْق تَلَقِّياً مما يسمعُ، فهل يجب لتعطيل النطْقِ ديةٌ مضمومةٌ إلى دية السمع؟ فيه وجهان، ومال الإِمام -رحمه الله- في مسألة الارتتاق إلى وجوب الدية، وقال: بقاءُ السمعِ وسلامتُه ليْسَ موثوقاً به، والأظهر، وهو الجواب في "التتمة" وجوبُ الحكومة؛ فإنَّ التعطيل لا ينزَّل منزلة الزوال.
وأما قوله في الكتاب: "أو كسر صلب إِنْسان، فتعطَّل رجله، ففي تعدَّد الدية خلافٌ"، فهذا يُشْعِر بأن كسر الصُّلْب يوجبُ الدية بنفسه، وأنه إذا تعطَّلت الرِّجْل، كان تعطيلها كتعطيل 360 النطْقِ؛ حتى تجب دية أخرى على رأْي، وفي كلام الإمامِ أيضًا ما يقتضي تعلّق الديةِ بمجرَّد كَسْر الصُّلْب، لكن الظاهر خلافه على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى.

الجزء: 10 - الصفحة: 389

ثم الكلام في صورتين: إحداهما: لو أنكر الجانِي زوالَ السمعِ، امتحن المجنيُّ عليه؛ بأن يصاح به في نومه وغفلته صياحَ مُنكِر، وبأن يتأمَّل حاله عند صَوْت الرعْدِ الشديدِ، فإن ظهر منه انزعاجٌ واضطرابٌ، ظهر 361 كذبه، ومع ذلك يحلف الجانِي؛ لاحتمال أن الانزعاج بسبب آخرَ اتِّفاقيَّ 362، وإن لم يظهر عليه أثر، بأن صدقه، ومع ذلك يحلفُ لاحتمال أنه يتجلَّد ويتكلَّف، وإن ادَّعى بطلان السمع من إحدى الأذنَيْن، وأنكر الجاني حُشِيَتِ السليمةُ، وامتحن في الأخرَى على ما ذكرنا.
الثانية: إذا انتقص سمعه من الأذنَيْن، فإن عرف قدْر ما نقص؛ بأن عرف أنه كان من أَيِّ موضع يسمع، وهو الآن يسمع ممَّا دون تلك المسافة، فيضبط ما انتقص، وُيؤْخذ قسْطُه من الدية، وإن لم يعرف، ولكن ساءَ سَمْعُه، وثقل أذنه، فالذي أورده أكثرهم، وعليه جرى صاحب "التَّهْذيب" وغيره: أنه لا سبيل إلى تقديره، ويجب حكومة يقدِّرها الحاكم باحتهاده، وذكر الإمَامُ وغيره أنه تقدَّر بالاعتبار بسمع رجل سليبم السمعِ في مثل سنِّه وصحَّته؛ بأن يجلس بجنب المجني عليه ويُؤْمَرُ من يرفعُ الصوت ويناديهما من مسافة بعيده لا يسمع فيها 363 واحد منهما، ثم يقرب المنادي شيئًا فشيئاً إلى أن يقول السليمُ: سَمِعْتُ، فَيعْلَم على الموضع، ثم يديم المنادِي ذلك الحدَّ من رفع الصوت، ويقرب إلى أن يقول المجنيُّ عليه سمعت، فيضبط ما بينهما من التفاوت، وإنِ انتقص السمع من إحدى الأذنين، فيقدر النقصانُ بأن تصمَّم 364 العليلة، ويضبط منتهى سماعِ الصحيحةِ، ثم تصمّم الصحيحة، ويضبط منتهى 365 سماع العليلة، ويضبط ما بينهما من التفاوُت، ويؤخذ قِسْطُه من الدية، ويمكن أن يكون الفرقُ بين انتقاصِ السمعِ من إحدى الأذنَيْن؛ حيث اتفقوا على الاعتبار بالأخرى، ولم يعدلوا إلى الحكومة وبين أن يكُونَ الانتقاصُ في الأذنين جميعًا، حيث اختلفوا في أنَّ الواجب الحكومة، أو يعتبر المجنيُّ عليه بغيرة، والأشخاص يتفاوتون في السمْع حدَّةً وكَلاَلاً؛ بحسب الأمزجة، فاستعبد اعتبار شخصٍ بشخصٍ، ولم يستبعد اعتبار أذُنِ شخصٍ بأذنه الأخرَى، وإن كذبه الجاني فيما يدعيه؛ مِنِ انتقاص السمع، فالجواب في "التهذيب" وغيره؛ أن القول قولُ المجنيِّ عليه مع يمينه، سواءٌ ادعى الانتقاصَ في الأذنين، أو

الجزء: 10 - الصفحة: 390

إحداهما؛ لأنه لا يعرف إلا من جهته، وهذا قوله في الكتاب في آخر الفصل: "فَإِنْ كذَّبه الجانِي حَلَفَ المجنيُّ عليه"، قال في "الوسيط": فلو قال الجاني: "حَلِّفُونِي" فإن الأصل بقاءُ السمع، قُلْنا: لو فتح هذا البابُ، لم يعجز من يستخير 366 الجنايةَ عن الحَلِف، وجريان الَجناية سببٌ مظهر لجانب المجنيِّ عليه، فتصديقه أَوْلَى.
وقوله: "في إحداهما نصْفُ الدية" قضيةُ هذا اللفظ تعدُّد السمع، والسمع واحد؛ عَلَى ما مرَّ، وإنما التعدد في طريقه، والمرادُ بطلان السمع من إحْدَى الأذنَيْنِ.
وقوله: "وإذا شك في السمع" أي ادعى المجنيُّ عليه ذهابَ السمع ونازعه الجاني، وشككنا في أن الصادق أيهما، فيمتحن بالطريق المذكور؛ لتظهر الأمارة الدالَّة على صدق الصادق منهما، وكذب الكاذب.
وقوله: وإنْ نقص السَّمْعُ، جرب" كلمة "جُرِّب" ههنا غير واقعة موقعها؛ بخلاف ما في الصورة السابقة؛ فإن المقصود ههنا تقديرُ بدَلِ ما نقص بالنسبة المذكورة لا الامتحان.
قال الغَزَالِيُّ: الثَّالِثَةُ: البَصَرُ وَفِي إبْطَالِهَا مَعَ بَقاءِ الحَدَقَةِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَيسْتَوِي فِيه الأَعْمَشُ والأَخْفَشُ، وَمَنْ فِي حَدَقَتِهِ بِياضٌ لا يَمْنَع أصْلَ البَصَرِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَفِي إِحْدَاهُمَا النِّصْفُ، وَيُمْتَحَنُ بِتَقْرِيبِ حَدِيدَةٍ مِنْ حَدَقَتِهِ مُغَافَصَةً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في ضوء العينين 367 تمامُ الديةِ؛ روي عن مُعَاذٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-؛ أنَّه قَالَ: "في البَصَرِ الدِّيَةُ" 368 ولأن إتلافَ المنْفَعَة المقْصُودةِ 369 من العُضْوِ تقتضي وجوبَ الدية؛ كإبطالِ منفعةِ البَطْش من اليد، وفي إذهاب ضوء إحداهما نصفُ الدية، ولا فرق بين ضَعِيفِ البصرِ، بالعَمَشِ وغيره، ولا بَيْن الأَحْوَل والأَخْفش وغيرهما، ولو فقأ عينيه، لم تجبْ إلا ديةٌ كاملةٌ، كما لو قطع يديه؛ بخلاف ما لو قطع أذنَيْه، وبطل سمعه؛ لما مر أنه ليس السمْعُ في الأذنين، ولو قال عدلان: إنَّ البصر، وإن اختلَّ، يعود إلى ما كان فيفرَّق بين أن يقدروا مدةً أو لا يقدِّروا، ويكون الحكم على ما مرَّ في الأذنين، ولو مات المجني عليه قبل مُضِيِّ تلك المدَّة، فلا قصاص للشبهة 370، وفي الدية طريقان.

الجزء: 10 - الصفحة: 391

أحدهما: أنها على الوجهين فيما إذا قَلَع سنَّ غيرِ مثغور، ومات قبل أوانِ البيان.
وأصحهما: القطْعُ بوجوبها؛ لأن الظاهر في السنِّ العَوْدُ، ولو عاش 371 لاستمرار العادة، وههنا بخلافه، ولو قال الجاني: ماتَ بعد عَوْد السنِّ أو البصرِ، وقال الوارثُ: بل قبله، فالمصدَّق الوارث؛ لأنَّ الأصل عدم العود.
وإذا ادعى المجنيُّ عليه زوالَ البصر، وأنكر الجاني، فالذي أورده جماعةً من الأئمة، وهو المنقول عن "الأم" أنه يراجع أهل الخبرة، فإنهم إذا وقفوا الشخْص في مقابلة عين الشمس، ونظروا في عينيه، عرفوا 372 أن الضوء ذاهبٌ أم 373 قائمٌ بخلافِ ما في السمع لا يراجعون فيه؛ لأنه لا طريق لهم إلى معرفته، وقال آخرون، وعليه جرى صاحب الكتاب: إنَّه يمتحن بتقريب حَيَّة، أوْ عقرب منه، أو حديدة من حدقته مغافصة، فإن انزعج واضطرب، فالقول قول الجاني مع يمينه؛ وإلا، فالقول قوله مع يمينه، ويمكن أن يقدَّر في هذا اختلافٌ قولٍ أو وجهٍ، ورد في "التتمة" الأمر إلَى خيرة الحاكم إنْ أراد أن يراجعهم، فعل، وإن أراد أن يمتحنه، فَعَل، وإذا رجع أهْلُ الخبرة، فشَهِدوا بذَهَاب البصر، فلا حاجة إلَى التحليف، ويؤخذ الدية بخلاف الامتحان، فإنه لا بد من التحليف بَعْده، ولا يقبل في ذَهاب البَصَر، إنْ كانتِ الجنايةُ عمْداً إلاَّ شهادة رجلَيْن، وإن كان خطأً، قبلت شهادة رجُلٍ وامرأتينِ، وإن ادعى ذهاب البصر من إحدى العينَيْن، فيراجع أهل الخبرة، أو يمتحَنُ، كما ذكرنا في العينين.
وإن انتقص 374 ضوءُ العينين، ولم يَزُلْ، فإن عرف مقداره؛ بأنْ كان يرى الشخص من مسافة مضبوطةٍ، فصار لا يراه إلا مِنْ بعضها، فيجب من الديةِ قِسْطُ الذاهب، وإن لم يعرف، فعلى الطريقين المذكورين في السَّمْع، فمنهم من اعتبره بمثله في السنِّ والصحَّة، وقال الأكثرون: يجب حكومة يقدِّرها الحاكمُ، ولا يعتبر بغيره؛ لاختلاف الناس في الإِدراك 375، ويروى عن الماسرجسيِّ أنه قال: رأيتُ صيَّاداً [كان] يرى الصَيْد = لا يعود بصره فمات قبلها أو أصاب عينه شيء يجبها فذهابها من الجاني الأول حتى نستيقن أن ذهابها من وجع أو جناية وليس على الجاني الآخر إلا حكومة وكان على الجاني الأول القود إن كان عمدًا أو العقل إن كانت الجناية خطأ.
انتهى.

الجزء: 10 - الصفحة: 392

على فرسَخَيْن، وإن انتقص من إِحدى العينين، فتعُصَّب العليلة، وتُطلق الصحيحةُ، ويوقف شخص في موضِعٍ يراه ويؤْمر بأن يتباعَدَ عَنْه إلى أن يقول لا أراه، فيُعْلَم [على] المسافة، ثم يُعَصَّب الصحيحةُ، وتُطلقَ العليلة، ويؤمر الشخص بأن يقترب راجعاً إلى أن يراه، فيضبط ما بين المسافَتَيْن، ويجب قسطه من الدية، وهذا الضبط مبنيٌّ على نهاية إبصاره في الصحيحة والعليلة، وهو متهم في الصحيحة بالزيادة، وفي العليلة بالنقصان؛ فلا يؤمن أنْ يكذب متدرجاً به إلى زيادة الواجب، فيمتحن في قوله:"أبصر 376 بالصحيحة" بأن تغيَّر ثياب الشخص الذي يبعدُ منه 377، ويقرب، ويسأل عنها، فينظر أيصيب أم لا؟ وفي قوله: "لا أبصرُ بالعليلة" قال بعضُهم: يحلف على أنَّه لا يبصر فوق تلك الغاية، وقال أكثرهم: يمتحن بانْ يضبط تلك الغاية، ويؤمر الشخص بأن ينتقل إلى سائر الجهَاتِ، والمجنيّ عليه بأن يدور، فإن توافَقَتِ الغاية من الجهات، فقد بأن صدْقُه، وإلا بانَ كذبه؛ لأن اختلافَ الجهاتِ لا يؤثِّر فيه، ويجري مثْلُ هذا الامتحان في نقصانِ السمْعِ من إحدى الأذُنين، فيمتحنُ في قوله: "أَسْمَعُ بالصحيحة"؛ بأن يغيِّر المنادي نداءه وكلامه، وينظر؛ هل يقف عليه المجنيُّ عليه، وفي قوله:" لا أَسْمَعُ بالعليلة" بأن ينتقل المنادي إلى سائر الجهات، وإذا انضبط 378 تفاوتُ مسافتَي الإبصار، فالواجب القِسْطُ، فإن أبصر بالصحيحة من مائتَيْ ذراعٍ، وبالعليلة من مائةِ ذراعٍ، فموجبه التنصيف 379، ولكن لو قال أهلُ البصر: إن المائة الثانيةَ تحتاجُ إلَى مثلى ما يحتاج إليه المائة الأولى؛ لقرب الأولَى وبُعْد الثانية، فيجب ثلثا ديةِ العليلة؛ قال الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وما أرى أنَّ ذلك يضبط.
وقوله في الكتاب: "البَصَر يستوي 380 فيه من الأعمش والأخفش ... " إلى آخره، هذا ساكت 381 من جهةِ اللفظِ عن بيان وجوب الديةِ في بَصَر السليم، وكان الأحسن أن يقول: "البصر، وفيه كمالُ الديةِ، وإنْ كانَ من الأعمشِ والأخفشِ ... " إلى آخره؛ ليتناول اللفظُ السليمَ وغيره، وهو الذي قصده، فيعتبر، وقد ذكرنا في النوع الثاني معنى الأعمش والأخفش، وسألت بعضَهم، ففسَّر الأخفش بالذي يبصر بالليل دون النهار، والقول بكمال الدية إلى إبْطَال بصره يقتضي وجوب كمالِهَا في بَصَر الأعشَى أيضًا، وهو الذي يبصر بالنَّهار دون الليل، لكن في "التهذيب": أنه لو جنى عليه، فصار أعشى، فعليه نصفُ الدية وأنَّه لو عَشِيَتْ بالجناية إحدى عينيه، فعليه ربع الدية، وقضيةُ إيجابِ النصفِ، إذا جعله بالجناية أعشَى -إِيجابُ النصف، إِذا جنى على الأعشَى، فأَذْهَبَ

الجزء: 10 - الصفحة: 393

بَصَره؛ وكذلك الأخْفش.
وقوله: "ومَنْ في حدَقَتِهِ بياضٌ لا يَمْنَعُ أَصْلَ البَصَرِ" ظاهره وجوبُ الدية، ما دام يبصر شيئًا، وإن ضعف بصره، ونقص ضوْءه، لكن ذكرنا في فَقْء العين التي فيها بياضٌ؛ أنه إن لم ينقص الضوء، يجب فيه الدية، وإن نقص، فلا تكمل الدية، فليكن في إذهاب ضوء العين، وفيها بيضٌ، مثلُ هذا التفصيل.

" فَرْعٌ"

لو شَخَصَتْ عينه بالجناية أو صار أعمش أو أحول، فالواجب على الجانِي الحكومةُ.
آخرُ: إذا أذهب ضوء عينه، وجاء آخر، وقلع الحَدَقة، ثم قال الأول: قُلِعَت بعد عود الضوء وقال الثاني: بل قبله، فالقول قول الثاني 382 ولو صَدَّق المجنيُّ علَيْه الأوَّلَ، ترتَّب في ذمَّة الأوَّل عن الدية، ولا يُقْبَل قوله على الثاني، بل يحلف، وعليه الحكومة.
قال الغَزَالِيُّ: الرَّابِعَةُ: الشَّمُّ وَفِيهِ كَمَالُ الدِّيَةِ وَيُمْتَحَنُ بالرَّوائِحَ الكَرِيهَةِ الحَادَّةِ، وَعنْدَ النُّقْصَانِ يُحَلَّفُ لِعُسْرِ الامْتِحَانِ، وَقِيلَ فِي الشَّمِّ حُكُومَةٌ لأنَّهُ ضَعِيفُ النَّفْعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في إزالة الشمِّ بالجناية على الرأس وغيره وجهان، عن رواية صاحبُ "التقريب"، وقولان فيما رواه منصور التَّمِيمِيُّ: أحدهما: أنَّ الواجبَ فيه الحكومةُ، دون الدية؛ لأن الشمَّ ضعيفُ النفعِ؛ فإن منفعته إدراك الروائح، والأنتان أكثر من الطيبات، فيكون التأذِّي أكْثَرَ من التلذُّذ.
وأصحُّهما: وجوب الدية؛ لما روي في كتاب عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "وَفِي الشَّمِّ الدِّيَةُ" ولأنَّ الشم حاسَّة من الحواسِّ التي هي طلائعُ البدنِ فأشبهَتْ سائرها، ولو أذهب الشمّ من أحد المَنْخِرَيْنِ، فعليه نصف الدية، ويشبه أنْ يجيء فيه الوجه المذكُور في إِبطال السمع من إِحدى الأذنين.
ولو ارتتق المنفذُ، فلم يدرك الروائح، وقال أهل البَصَر: القوة باقيةٌ؛ فليكن كما مر في السمع ولو قَطَع أنفه، فأذْهَب شمَّه، وجبَتْ ديتانِ؛ كما في السَّمع؛ لأنَّ الشمَّ لا يحلُّ الأنف، وإذا أنكر الجاني زوالَ الشمِّ، امتحن المجنيُّ عليه بتقريب مالَهُ رائحةٌ حادَّةٌ منْه طيبةٌ وخبيثةٌ، فإن هَشَّ للطيب، وتعَبَّس للنتن، صُدِّق الجاني بيمينه، وإن لم يظهر عليه أثر، صُدِّق المجني عليه بيمينه 383، وان انتقص الشمّ، نُظِرَ؛ إن عُلِمَ قدْرُ الذاهب،

الجزء: 10 - الصفحة: 394

وجب قسطه من الدية وروي أن 384 الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: "وَلا أَحْسِبُهُ يُعْلَمُ"، وإن لم يُعْلم، فيجب حكومة يقدِّرها الحاكم بالاجتهاد، ولم يذكُروا ههنا الامتحانَ بمن هو في مثل شمِّه، ولا بُعْدَ في طرده ههنا، فإن انتقص الشم من أحد المَنْخِرَيْنِ، فيمكن أن يعتبر بالجانب الآخر، ولم يذكروه ولعلهم 385 اكتفَوْا بالمذكور في السمع والبصر، وإذا ادعى النقصان، وأنكر الجاني، فيحلَّف المجني عليه، إذ لا يعرف ذلك إلا من جهته، وشبه ذلك بما إذا ادعَتِ المرأة انقضاءَ الأقراء، وقالت: حِضْتُ، وقد عُلَّق الطلاقُ بحيضها، قَالَ الإِمام: وينبغي أنْ يعيِّن المجنيُّ عليه قَدْرًا يطالب به وإلاَّ فهو كمن يَدَّعِي شيئًا مجهولاً، وسبيله في نفْسه 386 أن يأخذ الأقل المستيقَنَ، ولو عاد الشمُّ بعد ما ظُنَّ زواله، وأخذت الدية، وجب ردُّها، ولو وضع المجنيُّ عليه يده على أنفه عنْد رائحة منْكَرة، فقال الجاني: فعلت ذلك لعود شَمِّك، وأنكر المجنيُّ عليه، فهو المصدَّق باليمين؛ لأنه قد يقع ذلك اتِّفاقًا، ولرعاف وامتِخاطٍ، وعند تفكُّر ونحوه.
قال الغَزَالِيُّ: الخَامِسَةُ: النُّطْقُ وَفِي إِبْطَالِهِ كَمَالُ الدِّيَةِ وَإِنْ بَقِيَ فِي اللِّسانِ فَائِدَةُ الذَّوْقِ والحُرُوفِ الشَّفَوِيَّةِ والحَلْقيَّةِ، وَفِي بَعْضِ الكَلاَمِ بَعْضُ الدِّيَةِ، وَيُوَزَّع عَلَى ثَمَانِيَةِ وَعِشْرِينَ حَرْفاً، وَتَدْخُلُ الشَّفَوِيَّةَ والحَلْقِيَّةُ فِي التَّوْزِيعِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا جنى على لسانه، فأبطل كلامه، فعليه كمالُ الدية؛ لما روي عن زيد بْنِ أَسْلَمَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّه قال: "مَضَتِ السُّنَّةِ بإيجَابِ الدِّيَةِ" 387 ولأن اللسان عضْوٌ مضمونٌ بالدية، فتضمن منفعته العظمى بها؛ كاليد والرِّجْل، وإنما تؤخذ الدية، إذا حكم أهل البَصَر بأنَّ نطقه لا يعود، فإن أخذت، فعادَ، استردَّت، وإذا ادعى زوال النطْقِ، وأنكر الجاني، ففي "التتمة" أنَّه يفزَّع في أوقات الخَلْوة، وينظر هَلْ يبدر منه ما يُعْرَفُ به كذبه، فإن لم يظهر شيءٌ، حلف كما يحلف الأخرس، وأخذت الدية، ولو بطل بالجناية بعض الحروف، وزّعت 388 الدية عليها، فإن الكلام يتركَّب منها، ولا فرق بين ما يخف على اللسان منها، وما يَثْقُل، قال في "التهذيب": والحروف مختلفةٌ في اللغات، وكلُّ من تكلم 389 بلغة، فالنظر عند التوزيعِ إلى حروف تلك اللغة 390، وذكر

الجزء: 10 - الصفحة: 395

القاضي ابن كُجٍّ مثله، وحكى 391 عن رواية أبي الحُسَيْن بنِ القطَّان وجهين فيمن يتكلَّم بلغتين، وبَطَل بالجناية حُروفٌ من هذه، وأخرى من هذه، أنَّ الدية توزَّع على حروف أكثرهما حروفاً أو على أقلهما.
ثم في الحروف الموزَّع عليها وجْهانِ 392، قال أكثرهم، وهو ظاهر النَّصَّ: إن التوزيع يكونُ على جميعها، وهي 393 ثمانيةٌ وعشرون في اللغة العربيَّة، فإن ذهب نصفها، وجب نصف الدية، وإن ذهب واحدٌ منها، وجب جزءٌ من ثمانية وعشْرين جزءًا من الدية، وعلى هذا القياسُ؛ وذلك لأنَّ الكلام يتركَّب من جميعها، وقال الإصطخريُّ: لا يدخل في التوزيع الحروفُ 394 الشفويةُ، وهي الباء والميم والفاء والواو، ولا الحلقيةُ، وهي الهاء والعين والغين والحاء والخاء والهمزة، وإنما التوزيعُ على الحروف الخارجَة من اللسان، وهي ما عداها، وحكى أبو الفَرَج السرخسيُّ هذا المذْهَبَ.
عن مالِكِ، وقد توجَّه ذلك؛ بأن منفعة اللسان هي النطْقُ بها، فيكون التوزيعُ عليها، وتكمل الديةُ فيها، ومن نصر الظاهر، قال: الحروفُ، وإن كانت مختلفةَ المخارج، إلا أنَّ الاعتمادَ في جميعِها على اللِّسَان، وبه يستقيمُ النطْقُ ويكمل، هذا إذا ذهب بعضُ الحروف، وله فيما بقي كلامٌ مفهومٌ.
أما إذا ذهب بعضُ الحروفِ، ولم يكن لَهُ فيما بَقِيَ كلامٌ مفهومٌ، ففي "التهذيب" أنه يجبُ كمالُ الديةُ؛ لأن منفعةَ الكلام [قد] فاتَتْ، ويحكَى هذا عن أبي إِسحاق، وعن القَفَّال، وفيما رواه الرويانيُّ أنَّه المذهب، ومنهم من قال: لا يلزمه إلاَّ قسْطُ الحروف الفائتة؛ لأنه لم يفت ما سواها من الحروف، وإنما تعطَّلت منافعُها، فصار كما إذا كَسَر صلبه، فتعطَّل مشيه، والرِّجل سليمةٌ؛ فإنه لا يلزمه بتعطيل المشْي ديةٌ أخرى، وفي "التتمة" أن هذا هو المشهورُ في المذهب، والمنصوص في "الأم"، ويمكن أن يكون السببُ فيما ذكره أنَّ الأئمَّة نقلوا في طرقهم عن "الأم"؛ أنه لو ذهب حرفٌ، وتعطَّل عليه بسببه الكلمةُ المشتملةُ عَلَى ذلك الحرف؛ كما إِذا ذهب حرفُ الميمِ، فلم يمكنه أن يأتي باسْمِ محمَّد، لم يلزمه إلا قسْطُ الحرف الفائت من الدية، ويجوز أنْ يقالَ: صورةُ النصِّ ما إذا لم يمكنه أنْ يأتي بالكلمة التي فيها الحرْفُ الذَّاهب، ولكن بقي له كلامٌ مفهومٌ، والذي صحَّحه القفَّال، صورتُهُ ما إذا لم يبْقَ له كلامٌ مفهومٌ، [والله أعلم].

الجزء: 10 - الصفحة: 396

وذكر المتولِّي تفريعاً على الخلافِ في أنَّ الحروف الشفويَّة، هل تدخلُ في التوزيع؛ أنَّه لو ضرب شفَتَيْهِ، فأذهب الحروفَ الشفويةَ، أو رقبته، فأذهب الحروفَ الحلقية، فإن وزَّعنا على جميع الحروف، وجب قسْطُ الذاهب، وعلى ما ذكره الاصطخريُّ لا يجب إلاَّ الحكومة، وفي كتاب القاضي ابْنِ كَجٍّ، أنه لو قطع شفتيه، فأذهب الباء والميم، فعن أبي سعيد الإصطخريِّ؛ أنه يجب مع دية الشفتينِ أرشُ الحرفين، وأن ابنَ الوكيلِ، سُئِلَ عنه، فقال: لا يجبُ إلاَّ الديةُ؛ كما أنه لو قطع لسانه، وذهب كلامه، لا يجب إلاَّ الدية.
ولو جنَى على لسانِهِ، فصار يبدلُ حرفاً بحرف، وجب قسط الحرف الذي أبطله، ولا يصير الآخر بدلاً، فإنه أيضًا أحد الحروف المقصودة، ولو ثقل لسانه بالجناية، أو حدثت في كلامه عَجَلة أو تمتمة أوْ فأفأة، وجبت الحكومةُ دون الديةِ؛ لبقاء المنفعة، وكذا لو كان ألثغَ، وزادت لثغتُهُ.
وقوله في الكتاب: "وإن بقي في اللِّسان فائدةُ الذوقِ والحروفِ الشفويةِ والحلقيةِ" فيه تصريحٌ بأن الذوْقَ في اللسان، وهو المشهور، وفي "التتمة" أنَّ الذوقَ في طَرَف الحَلْق، ثم وجوبُ الدية بإبطال النطْقِ، وإن بقي الذوق لا شبهة فيه، فأما وجوبها بكمالها، وإن بقيت الحروفُ الشفويةُ والحلقيةُ، فقد ذكره ههنا، وفي "الوسيط"، وعلَّل هناك بأنَّ الذي بَطَل جزءٌ مقصودٌ برأسه، وهذا لم أجدْ له تعرُّضاً لسائر الأصحاب، وهو مناقض لما ذكره مِنْ بعد، وهو أنه يجبُ في بعض الكلام بعضُ الدية، ويوزَّع على جميع الحروفِ من الشفويَّة وغيرها، وإنما يستمرُّ ذلك على طريقة الإصطخريِّ على ما تبِّين.
وقوله: "وتدخُلُ الشفويةُ والحلقيةُ في التَّوْزيع" مُعْلَم بالواو، ويجوز إعلامه بالميم؛ لما سبق.
قال الغَزَالِيُّ: وَلوْ كانَ لا يُحْسِنُ بَعْضَ الحُرُوفِ فَهَلْ يَنْقُصُ الدِّيَةِ أَوْ هُوَ كَضَعْفِ القُوَي فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ بِجَنَايةِ فَوجْهَانِ مُرَتَّبانِ وَأَوْلَى بِالتَّنْقِيصِ، وَضَعْفُ سائِرِ المَنَافِعِ الَّتى لا تَتَقَدَّرُ مِثْلُ الحُرُوفِ، وَإِنْ كَانَ بِآفِةٍ لَمْ تنقُصْ، وَإِنْ كَانَ بِجِنايَةٍ فَوَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا لم يُحْسِنِ الرجلُ بعض الحروف؛ كالأرثِّ والألْثَغ الذي لا يتكلَّم إلاَّ بعشرين حرفاً مثلاً، هَل يجبُ في إبطال كلامه كلُّ 395 الدية؟ فيه وجهان 396: أصحُّهما: نعم، وهذا ما أورده صاحبُ "التهذيب"، ووجهه أنَّ هذا الشخْصَ ناطقٌ، وله كلام مفهومٌ إلاَّ أنَّ في منطقه ضعفاً، وضعف منفعة العضو لا يقدح في

الجزء: 10 - الصفحة: 397

كمال 397 الديةِ، كضعف البطْش، والبَصَر، وسائر القُوَى، وعلى هذا، فلو أبطل بعضَ حروفه، فالتوزيع على ما يحسنه، لا عَلَى جميع الحروف.
والثاني: أنه لا يجبُ إلاَّ قسطُها من جميع الحروف؛ لأنَّ النطق مقدَّر بالحروف بخلاف البطش، وما لا يقدَّر بمثل ذلك، وعلى هذا، فالتوزيعُ عَلَى جميع الحروف، لا على ما يحسنها خاصَّة، وهذا ما أورده صاحب "التتمة"، وإذا قلنا بهذا الوجه الثاني، فلو كان الشخْصُ ممَّن يَقْدِرَ على التعبير عن جميع مقاصِدِهِ، لفطنته واستمداده من اللُّغة وتهدِّيه إلى مناظِمِ الكلامِ، فهل تكملُ الدية؟ فيه وجهان: أظهرهما: لا؛ لأن اقتداره للحَذَق ومعرفة اللغةِ، لا لمعنى في الكلام، هذا إذا كان ما به مِنَ النقصانِ خلقيّاً أوحادثاً بآفة سماوية، فأما إذا حدث بجناية جانٍ، ففيه خلافٌ مرتَّب، والظاهر أنه لا تكمل 398 الديةُ، كيلا تتضاعف الغرامةُ في القَدْر الذي أبطله الجانِي الأوَّل، وهذا ما أورده الإِمام، وتكلَّم ههنا في نقصان سائر المنافع وفي نقصان الأجْرَامِ أيضًا، أما سائرُ المنافعِ 399، التي لا تتقدَّر تقدَّر النطق بالحروف؛ كالبطش والبَصَر، فإن كان النقصانُ فيها بآفةٍ، فلا اعتبار به، ويجب عَلَى من أبطلها الديةُ الكاملةُ، وكذلك مَنْ قَطَع العضْوَ الذي هو محلُّ تلك المنفعة؛ وذلك لأنه لا ينضبطُ لضعفها وقوَّتها، ويختلفان بالأعراض والأمراض، وتَتَبُّعُ مقاديرها يَعْسُر أو يتعذَّر، وإن كان النقصان بجنايةٍ، فإنَّ فيه احتمالاتٍ متلقاةٌ من كلام المشايخِ، ولا بأس، لو نقلنا وجوهًا 400: أحدُها: أنَّ الجوابَ كذلك، والثَّاني، وهو الذي رجَّح أنَّه لا تكملُ الدية، بل يحط 401 قدْرُ الحكومة الَّتي غرمها الأول عن مبطلِ المنفعةِ، وقاطع العضو جميعًا تحرُّزاً عن تضْعِيفِ الغرامةِ.
وثالُثها: أنه لا يحطُّ عن قاطع الجرم، ويحطُّ عن مبطلِ المنفعة الناقصة؛ لتناسب جنايته مع جناية الأول، وأما الأجرامُ، فإما أنْ يكون لِما نَقَص أرشٌ مقدَّرٍ أو لا يكون، إنْ كان له أرشٌ مقدَّر، فالواجب على الثاني الديةُ مخطُوطاً عنها أرشُ ما نقص، سواءٌ حصل النقصان بآفة أو جنايةٍ 402؛ حتى لو سقطتْ أنملةٌ من أنامله بآفة، ثم قطع اليد

الجزء: 10 - الصفحة: 398

قاطعٌ يحطُّ عن دية اليدِ أرش الأصبع أو الأنملة، ولو جرح رأسه متلاحمةً، وجاء آخر، وجعَلَها موضِّحة، فعلى مَنْ أَوْضَح أرْشٌ موضِّحةٍ محْطُوطاً عنه واجبُ المتلاحمةِ، سواءٌ قدَّرنا واجبها، أو أوجبنا الحكومةَ، ولو التأمتِ المتلاحمةُ، واكتسى موضعها بالجِلْد، لكن بقي غائراً، وجاء آخر، وأوْضَح فيه، فالصحيحُ أنَّ حكم ذلك الجُرْح قد سقط، وعلى من أوضح أرشٌ كاملٌ، وإن لم يكن لما نقص أرشٌ مقدَّر؛ كفلقة ينفصلُ من لحمة الأنملة، فإن لم يؤثِّر في المنفعة، لم تنتقص به الديَة، وإن قدر وجوب حكومة فيه للشَّيْن، ولا فرق بيْنَ أن يحصل ذلك بآفةٍ أو جنايةٍ وإن أثَّر في المنفعة، فكذلك لا تنتقصُ به الديةُ، إن حصل بآفةٍ، وإنْ حَصَل بجناية، قال الإِمام: يجوز أن يجعلَ كالنقصان بآفةٍ، ويجوز أن يحط 403 عن الثاني مقدارُ الحكومة الواجبةِ على الأولِ، وهو الأقرب.
قال الغَزَالِيُّ: وَلوْ قَطَعَ بَعْضَ لِسَانِهِ فأَبْطَلَ بَعْضَ كَلاَمِهِ وَتَساوَت نِسْبَةُ الجُرْمِ والحُرُوفِ فَذَاكَ، وَإِنْ تَفَاوَتا أَخَذْنَا بأكْثَرِ الشَّهَادَتَيْنِ، وَلوْ قَطَعَ رُبُعَ اللِّسَانِ فَزالَ نِصْفُ الكَلاَمِ فَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَلوْ قَطَعَ نِصْفَ اللِّسَانِ فَزالَ رُبُعُ الكَلاَمِ فَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَلَوِ اسْتأصَلَ البَاقِي وَقَدْ بَقِيَ ثَلاَثَةُ أَرْباَعِ الكَلاَمِ أَوْ ثَلاَثةُ أَرْبَاعِ اللِّسَانِ فَيَجِبُ ثَلاَثَةُ أَرْباعِ الدِّيَةِ أخْذاً بالأَكْثَرِ، وَقِيلَ: النَّظَرُ إِلَى الْجُرْمِ فِي حَقِّ البَاقِي وَلَكِنْ لَوْ بَقِيَ ثَلاَثَةُ أَرْبَاعِ اللِّسَانِ وَفِيهِ نِصْفُ الكَلاَمِ فَنِصْفُ الدِّيَةِ وَحُكُومَةٌ وَكأَنَّ رُبُعَ اللِّسَانِ أَشَلُّ.
قَالَ الرافِعِيُّ: نزَّل العلماء النطْقَ في اللسان منزلةَ البَطْش في اليدِ، والمشْي في الرِّجْل، وقالُوا: إذا استأصل لسان إنسانٍ قَطْعًا، وأبطل كلامه، لم يلزمه إلاَّ ديةٌ واحدةٌ، ولو قطع عَذَبة اللسانِ، وبطل الكلامُ، فكذلك الحكمُ، وهو كما لو قطع أصبعاً، من اليد، فشّلَّت اليد، وقد يشكل ما ذكروه، بأنَّا نرى المقْطُوع اللسان يتكلَّم، ويأتي بالحروف كلِّها مفهومةً أو معظمها، وذلك يشعر بأنَّ النطق في اللسان، ليس كالبطش في اليد، ثم قالوا: إذا قطع بعض اللسان، وذهب يعض الكلام، فينظر؛ إن تساوت نسبة جرم اللسان والكلام؛ كما إذا قطع نصْفَ لسانه؛ فذهب نصف كلامه، فالواجب نصْفُ الدية، وإن تفاوتت 404 النسبةُ، كما إذا قطع رُبُعَ لسانه، فزالَ نصف كلامِهِ، أو نصف لسانه، فزال ربع كلامه، فعليه نصْفُ الدية، واختلفوا في تعليلِهِ، فقال أكثر الأصْحَاب: اللسانُ مضمونٌ بالدية، وإبطالُ منفعته أيضًا مضمونٌ بها، فيعتبَرُ الأغلظُ من موجبيها 405، ويجب الأكثر، وهذا كما أنه 406 إذا بَطَل البطْش بقَطْع بعض الأصابع، يجب الدية، ولو

الجزء: 10 - الصفحة: 399

قطع الخنصر والبنصر، مثلاً، يلزمه خُمْساً الديةِ، وإن كان الفائتُ من المنفعة دون الخُمْسَيْنِ، وقال أبو إسحاق: الاعتبارُ بالجرم لأنه الأصل الَّذي ينال بالجنايةِ، فيجب في قطع نصفِ اللسانِ، وذهابِ ربعِ الكلام نصفُ الدية، اعتباراً بالجُرْم، وإذا قطع ربعه، وزال نصْف الكلام، فعليه أيضاً نصْف الدية (1)، فإنَّما يجب النصف لأنَّه قطع ربعاً صحيحاً، وأشَلَّ ربعاً آخر، وتظهر فائدة الاختلاف في صورتين: إحداهما: إذا قطع نصْفَ لسانِهِ، وذهب ربع الكلام، ثم جاء آخر، واستأصل الباقي، فعلى ما قاله الأكثرون: يجبُ عليه ثلاثةُ أرباع الدية لأنه أبطل ثلاثة أرباع الكلامِ، وعلى ما قاله أبو إسحاق: نصف الدية كما على الأول اعتباراً بالجرم.
والثانية: لو قطع ربع لسانه، فذهب نصف الكلام، ثم جاء آخر، واستأصَلَ الباقِيَ، فعلَى عبارة الأكثرين؛ عليه ثلاثة أرباع الديةِ؛ لأنه قطع ثلاثةَ أرباع اللسانِ، وفيها نصف (2) الكلام، وعلَى ما ذكره أبو إسحاق، عليه نصفُ ديةِ وحكومةٌ؛ لأنه قطع نصفاٌ صحيحًا، وربعاً أشَلَّ.
ولو أذْهَبَ نصفَ الكلام بجنايةٍ على اللسان من غير قطْعٍ، ثم جاء آخر، وقطعه، فعلَى طريقةِ الأكثرينَ؛ عليه ديةٌ كاملةٌ؛ لقطعه جميع اللسان، مع بقاء المنفعة فيه، وعلى ما ذكره أبو إسْحَاق؛ يلزمه نصْفُ ديةٍ وحكومةٌ؛ لأن الجرم لذهاب نصف الكلامِ، نصفُةُ صحيحٌ، ونصفه أشَلُّ، فيجب للنصفِ الصحيحِ نصفُ الدية، وللأَشَلِّ الحكومة.
وقوله في الكتاب: "وإنْ تَفَاوَتَا أَخَذْنَا بِأَكْثَرِ الشَّهادَتَيْن"، أراد به ما ذكر في "الوسيط"؛ أنَّ نقصانَ كلِّ واحد من الجرم، والحروف مبينٌ مقدار الزائل من القوَّة النطقية الَّتي لا يتقدَّر تحقيقًا، وشاهد عليه؛ فتأخذ بأكثر الشهادتين، وقوله: "وقيل: النظَرُ إلَى الجُرْم في حقِّ الثَّاني"، المرادُ منه الوجهُ المنسوبُ إلَى أبي إسحاق، وإنما قال: "في حَقِّ الَثَّاني" (3)؛ لأن الخلافَ يظهرُ في حقِّه، لا في حق القاطع الأول، وإلاَّ فالنظر إلى الجرم لا يختصُّ بالثاني على ما تبين.

" فُرُوعٌ"

رجلانِ قطع من أحدهما نصفُ لسانه، فذهب ربع كلامه، ومن الآخر نصْفُ لسانه، وذهب نصف كلامه، فقطع الأوَّل النصف الباقي من لسانِ الثانِي، لم يقتص منْه، وإن أجرينا القصاصَ في بعض اللسان؛ لنقصان المجنيَّ عليه.407408409

الجزء: 10 - الصفحة: 400

قطع نصف لسانه، وذهب نصف الكلامِ، فاقتص من القاطع، ولم يذهب منه إلاَّ ربع الكلام، يأخذ المجنيُّ عليه ربع الدية؛ ليتم حقُّه، وإن ذهب من المقتصِّ منه ثلاثةُ أرباع الكلامِ، فلا شيء على المجنيِّ عليه؛ لأن سراية القَوَدِ مُهْدَرة.
عود الكلامِ بعد ما ظُنَّ زواله، وأخذت الديةُ كعَودِ السمْع 410 والبَصَر.
من لا يتكلَّم بحرفِ من الحروف، إذا ضرب لسانه، فانطلق ذلكَ الحرفُ، وفات حرفٌ آخر، وجب قسطُ الحرفِ الفائتِ من الديةِ، ولم ينجبر الفائتُ بما انْطلق، وذلك مثل أنْ كان لا ينطقُ 411 لسانه بالتاء، وكان ينطقُ بالسينِ، فانطلق لسانه بعد الجناية بالتاءِ، وذهب مُكْنَة النطق بالسين، قال الإمامُ: والتوزيعُ يقع على الحروف، وفيها التاء 412 المستفادةُ، أم على الحروف التي كانتْ في اللسان قبل الجناية، هذا موضع النظر.
ولك أن تقولَ: ليبن هذا عَلَى أنَّ مَنْ يحسن بعض الحروفِ، وله كلامٌ مفهومٌ، إذا أبطل بالجناية بَعْضَ ما يحسنه يكونُ التوزيع عَلَى ما يحسنه، أو على جميع الحروفِ، فإن قلنا بالأول، فالتاء المستفادةُ لا تدخلُ في التوزيع، وإن قلنا بالثاني، فهما داخلان جميعًا فيه.
ومن في كلامه عجلة واضطرابٌ 413 إذا ضرب ضاربٌ لسانه، فانطلق واستقامَ لسانُه، لم يلزم الضاربَ شيءٌ؛ لأنه لم ينتقص 414 جرم ولا منفعة.
قطع فلقة من لسانه، ولم يبطل به شيءٌ من الكلامِ، قال الإِمام: من 415 راعى الكلامَ، لم يوجبْ على القاطع إلاَّ الحكومةَ، ومن راعى الجرم، أوجب قسْطاً بالنسبة إلى اللسان، لكن في هذا إيجاب المقدَّر من غير تفويتِ الكلامِ، ولو صحَّ ذلك، لزم إيجاب الدية الكاملةِ في لسانِ الأخْرَس، وبوجوب الحكومة، أجاب في "الوسيط" قال الغَزَالِيُّ: السَّادِسَةُ: الصَّوْتُ وَفِي إبْطَالِهِ كُلُّ الدِّيَةِ فَإِنْ بَطَلَ مَعَهُ حَرَكَهةُ اللِّسَانِ فَدِيَتَانِ، وَقِيلَ: دِيَةٌ واحِدَةٌ لأنَّ الصَّوْتَ يُقْصَدُ لِلنُّطْقِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لو جَنَى عَلَى إنسان، فأبطل صوته، واللسانُ على اعتداله، ويمكنه

الجزء: 10 - الصفحة: 401

من التقطيع والترديدِ، فعليه لإبطال الصوت الديةُ؛ لأنَّه من المنافع المقصودةِ في غرض الإعلام والزجْرِ، وغيرهما، وإنْ أبطل مع ذلك حركَةَ اللسانِ؛ حتى عجز عن الترديد والتقطيع، فوجهان: أرجحهما، على ما يقتضيه نَظْم الكتاب: أنَّه يلزمه ديتانِ 416؛ لأنهما منفعتانِ مختلفتانِ، وفي كل واحدةٍ منهما إذا أفردتْ بالتفويت كمالُ الديةِ، فإذا فوتتا، وجب ديتان.
والثاني: لا يلزم إلاَّ ديةٌ واحدةٌ؛ لأن المقصودَ الكلامُ، لكنه يفوَّت بطريقين: انقطاع الصوت، وعجز اللسان عن الحركة، وقد يجتمع الطريقانِ، وقد يوجَدُ أحدهما خاصَّة، وإذا قلنا: يجب ديتان، وكانت 417 حركة اللسانِ باقيةً، فقد تعطَّل النطق بسَبَب فواتِ الصوْتِ، فيجيء الخلافُ المذكورُ في أن تعطُّل المنفعةِ، هل هو كزوالها، فإن جعلناه كزوالها، وجبت ديتانِ أيضًا، وإلا لم يلزم إلا ديةٌ 418، ومثل هذا الخلافِ الخلافُ في أنَّ من أزال سمع الصبي قبل أنْ يبلغ مظِنَّة النطق، وتعطَّل لذلك نطقه لم 419 يلزمه لذلك 420 ديةٌ أو ديتان؟ وهو مبنيٌّ على الخلافِ الذي مَرَّ في أنَّه، هلْ يجب عَلَى قاطع لسانِهِ الديةُ أم لا؟ إنْ قلنا: يجبُ، فليس على مزيلِ السمعِ إلاَّ ديةٌ واحدةٌ، وإنْ قلْنا: لا يجبُ، فعليه ديتان، وكذلكَ في كاسِرِ الفَقارِ، مع قاطع الرِّجْلِ المعطَّلة بكَسْر الفَقارِ، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: السَّابِعَةُ: الذَّوْقُ: وَفِيهِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَيُجَرَّبُ بِالأَشْيَاءِ المُرَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في إبطالِ الذوقِ الديةُ؛ كما في إبطال السمْعِ والبصرِ وسائِرِ الحواسِّ، وقد يفرض ذلك بالجنايةِ على اللِّسان، وعلى الرقبة وغيرهما، واختلف كلام الأئمة؛ أن إيجاب الدية في الذوقِ منصوصٌ عليه للشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أوْ مقيسٌ بما نصَّ عليه.
والمُدْرَك بالذوْقِ خمسةُ أشياءَ: الحلاوةُ، والحموضةُ، والمرارةُ، والملوحةُ، والعُذُوبة.

الجزء: 10 - الصفحة: 402

والديةُ تتوزَّع عليها 421، فإن أبطل إِدراكَ واحدٍ منْها، فعليه خُمْسُ الدية.
ولو انتقص الإحساسَ، فَلَمْ يدركِ الطعومَ على كمالِها، فالواجبُ الحكومة، ولو اختلفا في ذهاب الذوقِ، جرب بالأشياء المرَّة المقزَّة 422، أو الحامضة الحادَّة، فإن ظهر منه تعبُّس وكراهةٌ, صدقنا الجاني بيمينه، وإلا فنصدقه باليمين، قال في "التتمة": ولو ضربه ضربةً، أزال بها نطْقَه وذوْقَه، فعَلَيْه ديتَانِ؛ لأنهما منفعتان مقصودتان، فلا تتبع إحداهُما الأخرى؛ لأن محلهما مختلفٌ, فالنطق في اللسان، والذوقُ في طرف الحَلْقِ، والذي ذكر في "التهذيب": أنه لو قطَع لسانَهُ، وذهب ذوقه، فعليه ديتان، والمرادُ منْه هذه الصورة، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: الثَّامِنَةُ: المَضْغُ فَإذَا صَلُبَ مَغْرَسُ لَحْيَيه فَعَلَيْهِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَلَوْ جَنَى عَلَى سِنِّهِ فَتَعَذَّرَ المَضْغُ فَكَمَالُ الأَرْشِ، فَإنِ اسْوَدَّ وَأَمْكَنَ المَضْغُ فَحُكُومَةٌ لإِزَالَةِ الجِمَالِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في إبطال المضغ الديةُ، وقد يحتجُّ له بأنَّ المنفعة العظْمَى للأسنان المَضْغ، والأسنان مضمونةٌ بالديةِ، فكذلك منافعُها، كالبَصَر مع العين، والبَطْش مع اليد، وذكر في الكتاب لتفويتِ المَضْغ طريقين: أحدهما: أن تصلب مغرس اللَّحْيَيْن؛ حتى تمتنع حركتهما مجيئًا وذهاباً.
والثاني: أن يجني على الأسنان، فيصيبها خَدَرٌ، وتبطل صلاحيتهما للمضْغ 423، وحكم بوجوب الديةِ بالطريقين، والوجوب بالجناية على السَّنِّ شائعٌ في كلام الأصحابِ، وبتصليب مغرس اللَّحْيَينِ، ذكره الفُوَرَانِيُّ، وعلى ذلك جرى الإِمام وصاحبَ الكتاب وغيرهما -رحمهم الله- وأعلم أنَّ تعذُّر المضغِ بالخَلَل الَّذي يصيب الأسنان؛ كتعذُّر البطْشِ لشَلَلِ اليدِ، والتعذُّر لتصليب المغرسِ شبه بتعذر المشي بكَسْر 424 الصلب، ويشبه أن يجيء في تكميلِ الديةِ في السِّنِّ المعطَّلة بتصليب المغرسِ الخلافُ المذكورُ في تكميل الديةِ في الرِّجْل المعطَّلة بكسر الصَّلْبِ، ولو جنى على أسنانِهِ، فاسودَّتْ، ولم تبطل منفعةُ المضغ، فلا يجب إلا الحكومة، وقد مرَّ ذلك، ويجوز أن يُعْلَم؛ لما مر قوله في الكتاب: "فحَكُومة" بالحاء والميم، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: التَّاسِعَةُ قُوَّةُ الإِمْنَاءِ والإِحْبَالِ فِيهَا كَمَالُ الدِّيَةِ، وَفِي قُوَّةِ الإِرْضَاعِ

الجزء: 10 - الصفحة: 403

حُكُومَةٌ لأنَّهَا عَارِضَةٌ، وَإِبْطَالُ الالْتِذَاذِ بِالجِمَاعِ أَوْ بِالطَّعَامِ إِنْ أَمْكَنَ فِيهِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَكَذَا لَوِ ارْتَتَقَ مَنْفَذُ الطَّعَامِ بِجِنَايَةٍ عَلَى عُنُقِهِ وَبَقِيَ مَعَهُ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَحَزّ غَيْرِهِ رَقَبَتَهُ فَكَمَالُ الدِّيَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا جنى عَلَى إنسان، فكَسِرَ صُلْبَهُ، وأبطل قوَّة إمنائِهِ، وجب عليه الديةُ؛ لأن الماء مقصودٌ للنَّسْل، ولو قطع أنثييه، فذهب ماؤُه، لزمه دية الأُنْثَيَيْنِ، وديةٌ لذهاب الماء، وكذا لو أبطلِ مِنَ المرأة فوقَ الإحْبَالِ، وجب عليه ديتُها، ولو جنى على ثَدْيها، فانقطع لبنُها، فعليه الحكومةُ، فإن انتقص، أخذت حكومة ما يليق به، وإن لم يكن لها لبنٌ عنْد الجنايةِ، ثم ولدت، ولم يدرَّ لها لبنٌ، وامتنع لذلك الإِرضاع، وجبت الحكومة، إذا قال أهل البَصَر: إن الانقطاع بسببِ الجنايةِ، أو جوَّزوا أن يكون بسببها، وفُرِّق بين إبطال الإرضاع وإبطالِ الامناءِ؛ حيث أوجب الدية؛ بأن استعدادَ الطبيعةِ للمَنِيِّ صفةٌ لازمةٌ للفُحُولِ، والإرضاع شيء يطرأ ويزول، هذا هو المشهور، وعن الإِمام احتمالُ أنه يجبُ الدية بإبطال منفعةِ الإرضاع، ولو جنى على صُلْبه، فذهب جِماعُهُ، لزمه الدية؛ لأن المجامعة من أصول المَنَافع، وورد الأثر فيه عن أبي بَكْرٍ وعمر وعليٍّ 425 -رَضِيَ اللهُ عَنهُمْ أجمعين 426 -. ولو ادعَى المجنُّى عليه ذَهَابَهُ، وأنكر الجاني، صُدَّق المجنيُّ عليه بيمينه؛ لأنه لا يُعْرَفُ إلاَّ منه، كما إذا قالت المرأة: حِضْتُ، إلا أن يقول أهلُ البَصَر: إنه لا يمكن أن يذْهَب الجماعُ من هذه الجناية.
واعلَمْ أنهم صوَّروا صورة ذهابِ الجماعِ بهذه فيما إذا لم ينقطع ماؤه، وبقى ذكره 427 سليماً، وذكروا أنه لو كسر صُلْبه، وأشلَّ ذكره، فعليه ديةُ الذَّكَر، وحكومةٌ لكسر الصلب، وإن كان الذكرُ سليماً، كان الشخص قادراً على الجماع حسّاً؛ فأشعر ذلك بأنهم أرادوا بذهاب الجماعِ بطلانَ الالتذاذِ به والرغبةِ فيه، وكذلك صوَّر الإِمام وصاحبُ الكتاب في إبطال شَهْوة الجماعِ على أنَّ الإِمام استبعد ذهابَ الشَّهْوة مع بقاء المنَّي، ثم قال: "إنْ أمكنَ ذلكَ، فيجب أن يُقَالَ: إذا ذهب بالجنايةِ شَهْوته للطَّعام، تجب الدية بطريق الأَوْلَى، إنْ صح تصورُّه 428 وأُدْرِكَ تأثير الجناية فيه.
ولو جنَى على عنقه، فلم يمكنه ابتلاعُ الطعام إلاَّ بمشقَّة لالتواء العُنُق، أو غيره، فعليه الحكومة، ولو لم ينفذ الطعامُ والشرابُ أصلاً، لارتتاق المنفذ، فلا يعيش المجنيُّ عليه، والحالة هذه، ولم تزد طائفةٌ من النَّقَلَةَ على أنه ساغ الطعامَ والشرابَ، فذاك،

الجزء: 10 - الصفحة: 404

وعليه حكومةٌ، وإنْ مات فعلَيْهِ الديةُ، ونقل الإمامُ وتابعه صاحبُ الكتابِ؛ أن نفْسَ الجناية المفضيَةِ إلى الارتتاق توجب الديةَ، حتى لو حزَّ غيرُه رقبتَهُ، وفيه حياةٌ مستقرةٌ، تجب الدية على الأول، ولو مات بامتناع نفوذِ الطعامِ والشراب، قال الإِمام: إن قلْنا: إنَّ من قطع يدَيْ إنسان أو رجلَيْه، ثم حَزَّ رقبته، لا يجب عليه إلا ديةٌ واحدةٌ، فكذلك ههنا، وإن قلنا هناك: يجب ديتانِ، ولا تداخل، فيجوز أن يقال ههنا: الموتُ بسبب الجوعِ والعطشِ، كسرايةِ الجراحاتِ؛ حتى لا يجبَ إلا ديةٌ واحدةٌ، ويجوز ألا يعدَّ من قبيل السرايات، بل يجعل كالحزَّ، فيجب بإبطال هذه المنفعة أو كسر الرقبة دية، وبإزهاق الرُّوح أخرَى 429، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَفِي الإِفْضَاءِ كَمَالُ الدِّيَةِ عَلَى الزَّوْجِ والزَّانِي جَمِيعاً وَهُوَ أَنْ يتَّحِدَ مَسْلَكُ الجِمَاعِ وَالغَائِطِ، وَلا يَنْدَرجُ تَحْتَهُ المُهُرُ، وَلا يَنْدَرجُ أَرْشُ البَكَارَةِ تَحْتَ المَهْرِ، وَلَوْ أَزالَ الزَّوْجُ بَكارَةَ زَوْجَتِهِ بِأُصْبُعِ فَفِي أَرْشِ البَكَارَةَ خِلاَفٌ, وَمَهْمَا كَانَتِ الزَّوْجَةُ لاَ تَحْتَمِلُ الوَطْءَ إلاَّ بِالإِفْضَاءِ فالْوَطْءُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ، فَإنْ كَانَ سَبَبُهُ ضِيقَ المَنْفَذِ فَهُوَ كَالرَّتْقِ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرَ الآلَةِ فَهُوَ كالْجَبِّ فِي إِثْبَاتِ الخِيارِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثلاث مسائل: احداها: نصَّ الشافعيُّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَلَى أن في إفضاء المرأة ديتَهَا، وذلك لما فيه من فواتِ منْفعةِ الاستمتاعِ أو اختلالِه: وقد رُوِيَ عن زيدِ بنِ ثابتٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أنَّ في الأفضاءِ الديةَ.
واختلفوا في حقيقته، فقال قائلونَ: الإفضاء أن يرفع الحاجزُ بين مدخل الذَّكَر، وهو في أسفلِ الفرج، ومنه يخرُجُ الولد، وبين مخْرَج البول، وهو ثقبةٌ في أعلاه، وقال آخرون: هو رفع الحاجزِ بين مَسْلَك الجماعِ ومخْرَج 430 الدبر.
واحتجَّ للأول؛ بأنهم صوَّروا الإفضاءِ بالوطء، ومدخلُ الذكرِ ومخرجُ البولِ متقاربانِ، فقد يفضي الوطء إلى رفع الحاجِز بينهما، والقبل والدبرُ متباعدان، وبينهما حاجزٌ قويٌّ من الأعضاء 431 الغليظة فلا يكاد يزولُ بالوطء، وبأنهم تكلَّموا في استمساك البَوْل واسترساله، إذا حصل الإفضاء عَلَى ما سيأتي، إن شاء الله تعالَى، وذلك يشعرُ بانخراق ثقبة البولِ، إذا وجد الإفضاء، وبهذا قال الشيخ أبو حامد، وتابعوه، وهو الذي رجَّحه صاحبُ "التهذيب" وغيره.

الجزء: 10 - الصفحة: 405

وللوجه الثاني؛ بأن الدية لا تجبُ إلاَّ بتفويت المنفعة، وذلك برفعِ الحاجِزِ بين السبيلَيْن، فأما رفع الحاجزِ بين ثُقْبة البول ومدخلِ الذَّكَر، فإنه لا يفوِّت المنفعة، وإنما يَنْقُصُهَا، ويحكَى هذا الثاني عن ابْن أبي هريرة، والقاضي أبي الطيِّب، والشيخ أبي محمَّد، والشريف ناصر، وهو الذي أورده الرويانيُّ في "الحِلْيَة".
وصاحب "التهذيب" في الكتاب 432. قال الشيخُ المتولِّي: والصحيحُ أن كلَّ واحد منهما إفضاءٌ موجبٌ؛ للدية؛ لأن الاستمتاعَ يختلُّ بكلِّ واحدٍ منهما؛ ولأن كل واحد منهما يفوِّت إمساك الخارج من أحد 433 السبيلين وعلى هذا، فلو أزال الحاجزَيْن، فعلَيْه ديتان، والديةُ الواجبةُ بالإفضاء تختلفُ غلظًا وخفة باختلاف حالِ الإفْضاء، فقد يكون عمدًا محضًا؛ بأن تكون المرأة ضعيفة 434 أو نحيفةً، والغالبُ إفضاء وطْئها إلى الإفضاء، وقد يكون عمدًا خطأ؛ بألاَّ يتضمن وطؤُهَا الإفضاءَ غالبًا وقد 435 يكونُ خطأً محضًا؛ بأن يجد امرأة على فراشه، فيظنها امرأته التي عَهِدَها، فيطأها فيفضيها، وهذا إذا حصل الإفضاء بالوطء، ولا فرق في الدية بينه وبين أن يحصُلَ بأصبع أو خشبة، أو شيء محدَّد، وإذا أفضاها، وكان يسترسلُ بَوْلُها، ولا يستمسكُ، فعليه مع الديةِ حكومةٌ للشَّيْن الحاصلِ باسترسال البولِ، وفيه وجه أنه لا يجب إلاَّ الدية لأن زوال الحاجزِ يتضمَّن الاسترسال غالبًا، فلا يفرد بحكومة، ولا فرق في وجوب الديةِ في الإفضاء الحاصلِ بالوطء بين أن يوجد من الزوجِ أو الواطئِ بالشبهةِ أو الزاني، ويستقرُّ المهر على الزوج بالوطء المتضمِّن للإفضاء، ويجب به مهرُ المثلِ على الواطئ بالشبهة، وكذلك على الزانِي، إن كانت مكرهةً، وعليه الحدُّ، وقال أبو حنيفةَ: لا يجبُ على الزوج ضمانُ الإفضاء، ويجب على الواطئ بالشبهةِ المهْرُ، وثلثُ الدية، إنْ كان البولُ مستمسكًا، وإن كان مسترسلًا، وجبت الديةُ دون المهر، قال: ولا مهر على الزانِي المكْرَهِ؛ بناءً عَلَى أن الحدَّ والمهر لا يجتمعانِ، وتجب الدية إنْ كان البول لا يستمسكُ، وإن كان يستمسكُ، فعليه ثلثُ الدية، وإن كانتْ مطاوعةً؛ قال: لا يجبُ على الزانِي ضمانُ الإفضاء لتولُّده من الوطء المأذون فيه، ووافق أحمدُ أبا حنيفة في جميع ذلك، واحتجَّ الأصحابُ بأن المهر وديةَ الإفضاءِ بَدَلاً منفعتين مختلفتَيْن، فلا يدخل أحدُهُما في الآخر، وقالوا: إنَّها وإن طاوعَتْ، فإنما رضيت بالوطء، لا بالإفضاء، وقوله في الكتاب: "على الزوج" معْلَم بالحاء والألف؛ لما تبيَّن، ويجوز أن يُعْلَم لفظ "الزَّانِي" بالعلامتين أيضًا؛ لأنهما لا يوجبانِ الضمانَ عليه، إن كانت المرأة مطاوعةً، وأيضًا فلو كانت مكرهةً، والبول

الجزء: 10 - الصفحة: 406

مستمسكٌ، فإنهما لا يوجبانِ عليه كمالَ الدية، وإنَّما يوجبان الثلث.
وقوله: "وهو أن يتحد مسلَكُ الجماعِ والغائطِ" معلَمٌ بالواو.
وقوله: "ولا يندرجُ تحته المهر"، أي تحت كمال الدية.
المسألة الثانية: أن إزالة بكارةِ المرأةِ توجَدُ تارةً ممَّن لا يستحقُّ الافتضاض 436، وأخرى من يستحقُّه، وهو الزوج.
القسم الأول: إذا كان مزيلُ البكارةِ ممن لا يستحقُّ الافتضاضَ، فينظرُ؛ إنْ أزالها بغير آلة الجماع: كالأصبع والخشبة، فعليه أرشُ البكارة، والمرادُ منه الحكومةُ المأخوذةُ من تقدير الرقِّ على ما بيَّنا في فصل الحكومات، وذكر في "التهذيب" وجهين في أن جنس الواجبِ يكون من الإبل، أو من نقد البَلَد، والأصحُّ الأول؛ عَلَى ما هو قاعدةُ الجناية على الأحْرار، ولو أزالت بكْرٌ بكارة أخْرَى، اقتص منها، وإن أزالها بآلة الجماعِ، فإن طاوعته المرأة، فلا أرش؛ كما لا مهر، وإن كانت مكرهةً، أو هناك شبهة نكاحٍ فاسدٍ أو غيره، فوجهان: أظهرهما، وهو الذي أورده في الكتاب، وينسب إلى النصِّ: أنه يجب مهر مثلها ثيِّبًا، وأرش البكارة 437، ولا يندرج أرشُ البكارة في المَهْر؛ لأن المهْر يجب للاستمتاعِ، واستيفاء منفعة البَضْع، والأرش يجب لإزالة تلك الجلدة، والجهتان 438 مختلفتان، فيفرد موجبُ كلِّ واحدة عن موجب الأخرى.
والثاني: يجبُ مهر مثلها بكرًا؛ لأن القصد من هذا الفعْلِ الاستمتاع، وإزالة تلك الجلدة يحصل في ضمْن الاستمتاع، وإذا أوجبنا مهْر مثلها بكرًا، فقد وفَّينا حقَّ البكارة؛ لأن مهر مثل المرأة بكرًا يزيد عَلَى مهر مثلها ثيِّبًا، وإذا قلنا يفرد بالأرش، فيعود الوجهان في أن جنسه الإبل أو النقد؟ القسم الثاني: إذا كان المزيلُ مستحقَّ الافتضاضِ 439، وهو الزوج، فإن أزالها بآلةِ الجماعِ، فقد استوفَى حقه، وإن أزالها بغيرها، فوجهان: أصحهما: لا شيءَ عليه؛ لأن المستوفَى حقُّه، وإن أخطأ في طريق الاستيفاءِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 407

والثاني: أنه يلزمه الأرشُ؛ لعدوله عن الطريقِ المستحَقِّ له.
ومن افتضَّ، وألزمناه أرشَ البكارة، فلو أفضى المرأة مع الافتضاض، ففي دخول أرش البكارةِ في دية الإفضاء (1) وجْهان: أحدهما: لا يدخل، كما لا يدخلُ المهر في الدية.
وأصحهما: الدخولُ (2)؛ لأن الدية والأرشَ يجبانِ للإتلافِ، فيدخل أقلهما في أكثرهما، والمهر (3) إنما يجبُ بسبب الاستمتاعِ، فلا يدخل في بدل الإِتلافِ، كما لو تحامل على الموطوءة، حتى كسر رجلها لا يدخلَ المَهْر في دية الرِّجْل.
الثالثة: إذا كانت الزوجةُ لا تحتملُ الوطء، إلا بالإفضاء، لم يجز للزوج وطؤُها، ولم يكن عليها (4) [التمكين، ثم الذي أورده صاحبُ الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط" أنه إن كان سببه ضيقَ المنفذ؛ بحيث يخالف العادة، فللزوج خيارُ الفسخ، كالرَّتْق، وإن كان سببه كبر الآلةَ؛ بحيث يخالف العادة، فلها الخيار؛ كما في الجَبِّ، والمشهور من كلام الأصحاب، وقد تقدَّم ذكره في "كتاب الصداق"؛ أنه فسْخَ بمثل ذلك، بخلاف الرتْقِ والجَبِّ؛ فإنهما يمنعان الوطء على الإطلاق، والضيق والكبر لا يمنعانه على الإطلاق، وليسا من جملة العيوب ويشبه، أن يفصَّل، فيقال: إن كانت المرأة نحيفةً، لو وطئها الزوج، لأفضاها لكنها تحتمل وطء نحيفٍ مثلها، فلا فسخ، وإن كان ضِيقَ المَنفَذِ، بحيث يفضي وطؤها من أي شخص فرض إلى الإفضاء، فهذا كالرَّتْق، وينزل ما قاله الأصحاب على الحالة الأولَى، وما في الكتاب على الثانية، والله أعلم.

" فَرْعٌ"

إذا التأم الجُرْح بعد الإفضاء، سقطَتِ الديةُ، وعليه حكومةٌ، إن بقي أثر، كما لو عاد ضوء البصر بعد ما ظُنَّ زواله، وعن رواية الماسرجسيِّ وغيره وجه أنَّها تسقُطُ، كما إذا التحمت الجائفة.
آخر: لو أفضى الخنثَى المُشْكِل، ففي "البيان"؛ أنَّا إن قلنا: إن الإفضاء رفَعَ الحاجز بين منفذ البول ومدخل الذكَر، لم تجبِ الديةُ؛ لأنه لا يعلمُ، هل هو فرج440441442443

الجزء: 10 - الصفحة: 408

أصليٌّ أم لا، وإن قلنا: إنه رفع الحاجز بين القُبُل والدبر، ففيه اختلافٌ، ولو أزيلت البكارةُ من فرج المشكِلِ، فيجب حكومة الجِراحةِ، من حيث هو جراحة، ولا تعتبر البكارةُ؛ لأنه لا يتحقَّق كونه فَرْجاً.
قال الغَزَالِيُّ: العَاشِرَةُ فِي مَنْفَعَةِ المَشْيِ والبَطْشِ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَلَوْ ضَرَبَ صُلْبَهُ فَبَطَلَ مَشْيُهُ وَجَبَ كَمَالُ الدِّيَةِ، وَفِي تَكْمِيلِ الدِّيَةِ فِي الرِّجْلِ المُعَطَّلَةِ بِخَلَلٍ فِي غَيْرِ الرِّجْلِ خِلافٌ سَبَقَ، وَلَوْ ضَرَبَ صُلْبَهُ فَبَطَلَ مَشْيُهُ وَمِنَيُّهُ فَفِي الانْدِراجِ خِلاَفٌ إِذِ الصُّلبُ كَأَنَّهُ مَحَلٌّ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في البطْشِ الديةُ بكمالها، وكذلك في المشْي؛ لأنهما من المنافع الخطيرة، فإذا ضَرُبَ يديه، فشَلَّتا، فعليه الديةُ، وإذا ضرب على أصْبع، فشَلَّت، فعليه ديةُ الأصبعِ، ولو كسر صلبه، ففات مشيه، والرِّجْل سليمة، وجبت الديةُ، ويحتجُّ له بما رويَ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في كتاب عَمْرو بن حَزْمٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "وفي الصُّلْبِ الدِّيَةُ" ولا تؤخذُ الديةُ؛ حتى تندمل، فإن انجبر، وعاد مشيه، كما كان، فلا دية، وعليه الحكومة، إن بقي له أثرٌ، وكذا لو انتقصَ مشيه، بأن كان يحتاجُ إلَى عصًا، أو يمشي مُحْدَوْدِبًا 444، ولو كسر صُلْبُه، وشَلَّت رِجْله، قال في "التتمة": يلزمه الدية؛ لفوات منفعة المشي، وحكومةٌ؛ لكسرِ الظهر، ويخالف ما إذا كانت الرجلُ سليمةً؛ حيث لا يجبُ مع الدية حكومةٌ؛ لأن المشيَ منفعةٌ في الرجل، وإذا شَلَّت الرجل، ففواتها لشلَلِ الرجلِ، فأفرد كسر الصلب بالحكومة، وإذا كانت سليمةً، ففوات المشي لخللِ الصُّلب، ولا يفرد بحكومة، ويوافق هذا ما ذكره ابن الصَّبَّاغ؛ 445 أنه لو كسر صلبه، فشَلَّ ذكره، يجبُ حكومة للكَسْر، وديةٌ لشللِ الذكر، وفي هذا تصريحٌ بأن مجرَّد الكسر لا يوجب الديةَ، وإنما يجب الدية، إذا فات به المشْيُ، أو الماءُ، أو الجماعُ على ما سبقَ، وإذا ادَّعَى المجني عليه ذَهَابَ المشي، وكذبه الجاني، امتحن؛ بأن يقصد بالسيف في غفلة منه، فإن تحرَّك، ومشى، ظهر كذبه، وإلا حَلَف وأخذ الدية، ولو ذهب بكسر الصُّلْب مشيه ومَنِيُّهُ 446، أو مشيه وجِمَاعُه، ففيه وجهان:

الجزء: 10 - الصفحة: 409

أصحهما: أنه يلزمه ديتَانِ؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما مضمونٌ بالدية عند الانفراد، فكذلك عند الاجتماع.
والثاني: لا يجبُ إلا ديةٌ واحدةٌ؛ لأن الصُّلْب محلُّ المني، ومنه يبتدئ المنيُّ، واتحاد المحل يقتضي اتحادَ الدية، ومن قال بالأول، قال: المشيُ في الرِّجْل لا في الصُّلْب، ومنع كون الماء مستقرًا في الصُّلْب، وقال: ليس له محلٌّ مخصوصٌ، إذا أخذ منها البَدَن، وإنما يتولَّد من الأغذية الصحيحة، إذا أخذ منها البدن.
وقوله في الكتاب: "في منفعةِ البطشِ والمَشْيِ كمالُ الدية" أي: في كلِّ واحد منهما.
وقوله: "وفي تكميلِ الديةِ في الرِّجْل المعطَّلة بخَلَلٍ في غير الرَّجْل خِلافٌ سبق"، وقد بيَّناه من قبلُ، ولا حاجة إلَى إعادته في هذا الموضع.
قال الغَزَالِيُّ: هَذَا حُكْمُ الأَطْرَافِ فَيُتَصَوَّرُ أَنْ يَجِبَ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ قَرِيبٍ مِنْ عِشْرِينَ دِيَةٌ جَمْعًا، فَلَوْ مَاتَ بِالسِّرَايَةِ تَدَاخَلَ، فَلَوْ حَزَّ الجَاني رَقَبَتَهُ تَدَاخَلَ أَيْضًا، وَعَلَى القَوْلِ المُخَرَّجِ لاَ يَتَداخَلُ، وَلَوْ كانَ القَطْعُ خَطَأً والحَزُّ عَمْدًا أَوْ بِالعَكْسِ فَفِي التَّدَاخُلِ قَوْلاَنِ لِأَنَّ تَغَايُر الحُكْمِ يُضَاهِي تَغَايُر الجَانِي، وَعَلَى التَّدَاخُلِ لَوْ قَطَعَ يَدَهُ خَطَأً وَقَتَلَ عَمْدًا فالواجِبُ دِيَةٌ نِصْفُهَا مُغَلَّظَةٌ عَلَى الجَانِي وَنصْفُهَا مُخَفَّفَةٌ عَلَى العَاقِلَةِ، وَقِيلَ: يَجِبُ الكُلُّ مُغَلَّظَةٌ إِذِ الحَزُّ أَبْطَلَ مَا سَبَقَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لمَّا فرغ من الكلام فيما يقابَلُ بالدية فيما دُونَ النفْسِ من الأجْرَام واللطائف، بَيَّنَ أنه يجوز أن يجتمعَ على الشخص الواحد كثيرٌ من أسباب الدية؛ بأن بيان منه أجرامٌ، وتزال منافعُ، ولا تسري إلى النفس، بل تندملُ، ثم بين الحكم، إذا سَرَتْ إلى النفس، أو قتله الجاني قبل الاندمال، أما الدياتُ المجتمعةُ، فقد ذكر أنه يتصوَّر في شخص واحد قريبٌ من عشرين ديةً جميعًا، وإذا تأمَّلت ما سبق، وجدْتَها أكثرَ من ذلك، وهي هذه الأذنانِ، أو إبطالُ حسِّهما، وَالعينان، أو البَصَر، والأجفان، والمَارِن، والشَّفَتَان، واللِّسان، أو النّطْق، والأَسْنَان، واللَّحْيَان، واليدان، والرجلان 447، والذَّكَر، أوالأُنْثَيَيان، والحَلَمَتان، والشُّفْران، والألْيَان، والعَقْل، والسَّمْع، والشَّمّ، والصَّوْت، والذَّوْق، والمَضْغ، والإمناء، والإحْبَال، وإبطالُ لذَّة الطَّعام، أو لذَّةِ الجمَاعِ، والإفضاءُ في المرأة، والبَطْش، والمَشْيُ، وقد يضافُ إليها موجباتُ الحكوماتِ، والمواضحِ، وسائرِ الشَّجَّات، والجوائفِ، ويجتمع مالٌ كثيرٌ لا ينحصِرُ.

الجزء: 10 - الصفحة: 410

وأما إذا سَرَت الجراحاتُ، وقَطْع الأطراف، ومات فيها، فقد صارَتْ نَفْسًا، فالواجبُ ديةُ النَّفْس، ويسقطُ بدلُ الأطراف، ولو عاد، فحزَّ رقبته، أو قدَّه نصفَيْن، نُظِر؛ إن كان ذلك بعد الاندمالِ، فله ديةُ الأطراف، وديةُ النفسِ؛ لاستقرارِ دياتِ الأطرافِ بالاندمال، وإنْ كانَ قبل الاندمال، فقدولان: [أحدهما، وهو] 448 ظاهرُ المذهبِ، وهو المنسوبُ إلى النصِّ: أنه لا يجبُ إلاَّ دية النفس؛ لأنها وجبتْ قبل استقرار بدلِ الأطرافِ، فيدخل فيها بدلُ الأطراف، كما لو سَرَتْ، وأيضًا فإن السراية، إذا لم تنقطعْ بالاندمال، كانت الجناياتُ كلُّها قتلًا واحدًا.
والثاني، خرجه ابنُ سُرَيْج، وبه قال الإِصطخريُّ، واختاره الإِمام: أنه يجب دياتُ الأَطرافِ مع دية النَّفْس، ولا تداخل؛ كما لو حَزَّ بعْد الاندمالِ، وكما لو كان الجالي 449 غيره، وهذا إذا اتفقتِ الجنايةُ على الأطراف، والجناية على النفْسِ في العمدية، أو الخَطَئِيَّةِ 450. أما إذا كانت إحداهما عمْدًا، والأخرى خَطَأً، وقلنا؛ بالتداخل عند اتفاقِ الصفَةِ، فوجهان، ويقال: قولان: أحدهما: أن الحكْمَ كما لو كانا عمدَيْن، أو خطأَيْنِ.
وأشبههما: المنع؛ لأن التداخل يليقُ بحالة الاتفاقِ دون الاختلافِ، ولأن المستحقَّ عليه يختلفُ عند اختلاف الصفةِ، فلو قطع يد رجلٍ خطأً، ثم حز رقبته قبل الاندمال عمدًا، فللولي قتله قصاصًا، وليس له قطع يده، فإن قتله قصاصًا، فإن قلنا: بالتداخُلِ، وجعلْنا الحكم للنفْسِ، فلا شيء له من الدية، وإنْ قلنا، بعدمِ التداخلِ، فيأخذ نصف الدية من العاقلة لليد، وإن عفا عن القصاص، فإن قلنا بالتداخل، فوجهان: أحدهما: أنه يجبُ ديةٌ نصفُها مخَفَّفةٌ على العاقلة، وصفُها مغلَّظة على الجانى، ويراعى الصفتان، وينسبُ هذا إلى النصِّ.
وأظهرهما، وهو الذي أورده في "التهذيب": أنه يجب دية مغلَّظة على الجاني؛ لأنا إذا قلنا بالتداخل، فمعناه إسقاطُ بدل الطرف، والاقتصارُ على بدل النفس لصيرورةِ الجنايةِ نفسًا، ولو لم يسبق قطعُ اليد، لكان يلزمه دية مغلَّظة، فكذلك هاهنا، وإن قلنا لا تداخل، فيجب نصف دية مخفَّفة على العاقلة لليد، وديةٌ مغلَّظة عليه للنفس.
وإن قطع يديه عمدًا، ثم حز رقبته قبل الاندمال خطأً، فللوليِّ قطع يده، وإذا 451

الجزء: 10 - الصفحة: 411

قطعها، فإن قلنا بالتداخل، فله نصفُ الدية المخفَّفة؛ لأنه أخذ بالقطع نصف بدلِ النفْسِ، وإن قلنا: لا تداخل، فيأخذ كمال الدية المخفَّفة، وإنْ عفا عن قطع اليدِ، وإن قلنا بالتداخلِ، فعلى الوجهين على المنسوب إلى النصِّ؛ يجب نصف دية مخفَّفة، ونصف دية مغلَّظة لليد، وعلى الآخر ديةٌ مخفَّفة للنفْسِ، قال الإِمام: ولو قطع يديه، أو يديه ورجلَيْه، أو أصبعًا من أصابعه عمْدًا، ثم قبل الاندمال حزَّ رقبته خطأً أو بالعَكْس، وقلنا: يراعى صفة الجنايَتَيْن على القول بالتداخل فينَصَّف تغليظًا وتخفيفًا، ولا ينظر إلَى أقدار أُرُوش الأطرافِ؛ لتوزَّع الدية عليها تغليظًا وتخفيفًا؛ لأن الحكم بالتداخل مبنيُّ على أن الحزَّ بعد قطع الأطراف كسراية تلْك الأطراف؛ فكان الحَزُّ مع الجنايات السابقة، كجراحاتٍ مؤثرة في الزهُوق، انقَسَمَت عمدًا وخطأ، فحينئذٍ فتُنَصَّفُ الديةُ تغليظًا وتخفيفًا، ولا نَظَر إلى أقدار الأُرُوش، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَجَرَاحُ العَبْدِ مِنْ قِيمَتِهِ كَجَرَاحِ الحُرِّ مِنْ دِيَتِهِ عَلَى النَّصِّ، وَفِيهِ قَولٌ مُخَرَّجٌ أَنَّ الواجِبَ بِقَدْرِ النُّقْصَانِ، فَلَوْ قَطَعَ ذَكَرَ العَبْدِ وَجَبَ كَمالُ قِيمَتِهِ عَلَى النَّصِّ، وَعَلَى التَّخْرِيجِ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ إِذَا لَمْ يَنْقِصَ القِيمَةُ كَالبَهِيمَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود الفصل الكلامُ في الجناية على الرقيق، وقد مرَّ أن الواجب بقتل الرقيقِ قيمتُهُ بالغةً ما بلغَتْ يستوي في ذلك القِنُّ، والمدَبَّر، والمكاتَبُ، وأمُّ الولد، وأما الجناية عليه فيما دون النفْسِ، فينظر؛ إن كانت الجنايةُ مما توجِبُ مقدارًا في الحُرِّ؛ كالشَّجَّات، وقطع الأطراف، ففيه قولان: أصحهما: أن الواجبَ فيها جزءٌ من القيمة، نسبته إليها نسبةُ الواجب في الحُرِّ إلى الدية؛ لما رُويَ عن عمر وعليٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُما-؛ أنَّ جراحَ العبدِ من ثَمَنِهِ كجراحِ الحُرِّ من ديته 452، والمرادُ من الثمن القيمةُ، وعن سعيد بْنِ المُسَيَّب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-؛ أن جراحَ العبدِ من قيمته، كجراح الحرِّ من ديته، ولأن العبد شخصٌ مضمونٌ بالقصاصِ، فيتقدَّر بدل أطرافه؛ كالحرِّ، وبهذا قال أبو حنيفةَ في رواية، ويروى عنه أن ما فيه منفعةٌ مقصودةٌ 453 يضمَّن بالمقدَّر من قيمته، وما ليْسَ فيه منفعة

الجزء: 10 - الصفحة: 412

مقصودةٌ 454؛ كالأذنَيْن، والحاجبَيْن، واللِّحْية، ففيه من العبد ما نقَصَ من قيمته، وهذا على أصْله في تقدير بعْض الشعورُ من الحرِّ.
والثاني، ويحكَى عن المُزَنِيِّ، وابْنِ سُرَيْجٍ: أن الواجب قدْرُ ما نقص من القيمة؛ لأنه مملوك؛ كالبهيمة، وقال مالك: الواجبُ قدرُ النقصان إلاَّ في الموضِّحة، والمنقِّلة، والمأمُومَة، والجائفة، ففيها المقدَّر، ومن الأصحاب من قطع بالقول الأول 455؛ ولم يثبت الثاني، والمشهور إثباتُهُما، ثم منهم من يقول: الأوَّلُ هو المنصوصُ، والثاني خرَّجه ابنُ سُرَيْج من أحد القولَيْن في أن بدَلَ العبد يتحملَّه 456 العاقلة، فإنه ألحقه بالبهيمة عَلَى هذا القول، وقال قائلون: الأول الجديد، والثاني القديم، وهما جميعًا منصوصان.
لوان كانت الجنايةُ لا توجِبُ؛ مقدارًا في حق الحر، فالواجبُ فيها في العبد ما ينقصُ من القيمة بلا خلاف.
إذا تقرَّر ذلك، فعلى الأصحِّ في إحدى يدَي العبد نصْفُ قيمَتِهِ، وفي يدَيْه قيمته 457، وفي الأصبعِ الواحدةِ عُشْرُها وفي الأنمُلَةِ الواحدَةِ ثلُثُ عُشْرِها، وفي الموضِّحة نصفُ عُشْرِها، وعلى هذا القياس.
ولو قطع قاطعٌ ذكَرَهُ، وأنثييه، فعليه قيمتان؛ كما يجب فيها من الحرِّ ديتان، وعلى القول الآخر، الواجبُ فيهما جميعًا قدْرُ النقصان، وإذا لم تنقصِ القيمةُ بقَطْع الذَّكَر والأُنْثَيَيْن، أو زادت، فوجهان: أظهرهما، وبه قال أبو حنيفة، وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يجبُ شيء.
والثاني: تجبُ حكومةٌ يقدِّرها الحاكم بالاجتهاد، أو يعتبر بما قبل الاندمال، وجعل هذا الخلاف كالخلافِ فيما إذا اندملَتِ الجراحة، ولم يبق شَيْن، ولا أثر 458، ومنهم من قطع بالوجه الأول، وإذا قطع يد عبد، قيمته ألفٌ، فعادت قيمته إلى مائتَيْن، فعلى الأصحِّ لا يجب إلا خمسُمائةٍ، وعلى الآخر ثَمَانمائة، ولو عادت إلى 459 ثمانمائة،

الجزء: 10 - الصفحة: 413

فعلى الأصحِّ يجب خَمْسُمَائَة، وعلى الآخر لا يجب إلا مائتان.
ولو جنَى على العبد اثنانِ؛ بأن قطع أحدهما إحدَى يديه، والآخر اليدَ الأخْرَى، نُظِرَ، إن وقعت الجنايتان معًا، فعليهما قيمته، وإن تعاقبتا، وكانت القيمةُ عند القطع الثاني ناقصةً؛ بسبب القطع الأول، فإن مات منهما، ففي الواجب عليهما اختلافُ أوجه مذكورة في كتاب الصيد والذبائح، وإن وقف القطعان، نُظِرَ؛ إن وقع القطع الثاني بعد اندمال الأول، فعلَى كلِّ واحد منهما نُصفُ (1) قيمته قبل جنايته، فإن كانت (2) قيمته ألفًا، فعادت بالقطع الأول إلى ثمانمائة، وبالثاني إلى ستمائة، فعلى الأول خمسمائة، وعلى الثاني أربعمائة، وإن قطع (3) الثاني قبل اندمال الأول، فقد نقل صاحب "التهذيب" وغيره؛ أن على الثاني نصْفَ ما أوجبنا على الأول، وهو مائتان وخمْسُون؛ لأن الجناية الأولَى ما استقرت بعدُ حتى يضبط النقصان، وقد أوجبنا فيها نصْفَ القيمة، فكأنه انتقص نصْف القيمة، والحكم فيما إذا قطعَ الواحِدُ يديَ العبدِ، ولم يَسْرِ، كالحكم (4) فيما لو قطع اثنان، وهذا كلُّه على القول الأصحِّ، وعلى القول الآخر يجبُ على كل قاطعٍ ما ينقص بجنايته، وإذا قطعت أطرافُ العبد، ثم حَزَّ حازٌّ رقبته، فالواجب عليه قيمة العَبد، فقيد الأطراف ويفارق الحرَّ حيث لا يؤثر فقْدَانُ الأطراف في بدله، لأن الرجوعَ في بدل العبد إلى الأسواقٍ، وقولِ المقوِّمين، وبدل الحرِّ مقدَّر بالشرع لا يختلف، وفقد بعض أطراف العبد يؤثِّر في بدل سائرِ أطرافِهِ، لتأثيره في نقصان بدل النفْس، والحرُّ بخلافه.
وقوله في الكتاب: "كجراحِ الحُرِّ من ديته" معْلَم بالميم.
وقوله: "الواجبُ بِقَدْرِ النقصان" بالحاء.
وقوله: "وفيه قولٌ مخرَّج" بالواو.
وكذا قوله: "لم يجبْ شيء"، ويجوز أن يُعْلَم الحكمُ في القولَيْن جميعًا بالألف، لأن عن أحمد روايتين كالقولين، والله أعلم.

قال الغَزَالِي

ُّ: القِسْمُ الثَّانِي مِنَ الكِتَابِ في المُوجِبِ،

والنَّظَرُ فِي أَرْبَعَةَ أَطْرافٍ، الطَّرَفُ الأَوَّلُ: السَّبَبُ وَهُوَ كُلُّ ما يَحْصُلُ الهَلاكُ عِنْدَهُ بِعِلَّةِ سَوَاهُ وَلَكِنْ لَوْلاهُ لَمَا أَثَّرَتِ العِلَّةُ كالحَفْرِ مَعَ التَّرْدِيَةِ، فأَمَّا مَا يَحْصُلُ الهَلاَكُ لَوْلاَهُ كَمَا لَوْ مَاتَ عِنْدَ صَعْقَةٍ خَفِيفَة فَهَذَا لا يَجِبُ بِهِ الضَّمَانُ، وَلَوْ صاحَ عَلَى صغيرٍ فَارْتَعَدَ وَسَقَطَ مِنْ سَطْحٍ ضَمِنَ، وَفِي460461462463

الجزء: 10 - الصفحة: 414

القِصَاصِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ كانَ بالِغًا فَثَلاَثةُ أَوْجُهٍ يُفَرَّقُ فِي الثَّالِثِ بَيْنَ أَنْ يُغَافِصَهُ مِنْ وَرائِهِ أَوْ مِنْ وَجْهِهِ، وَلَوْ صَاحَ عَلَى صَبِيٍّ عَلَى الأَرْضِ فَمَاتَ أَوْ عَلَى بَالِغٍ فَزَالَ عَقْلُهُ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ خَوَّفَ حَامِلًا فأَجْهَضَتْ جَنِينًا وَجَبَتِ الغُرَّةِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ، وَالضَّابِطُ أَنَّ مَا يَظْهَرُ كَوْنُهُ سَبَبًا وَلَكِنِ احْتَمَلَ حُصُولُ الهَلاَكِ بِغَيْرِهِ فَهُوَ كَشِبْهِ العَمْدِ إِذا قَصَدَ، وَما يُشَكُّ فِي كَوْنهِ سَبَبًا احْتَمَلَ أَنْ يُقَالَ: الأَصْلُ بَراءَةُ الذِّمَّةِ أَوِ الأَصْلُ الحِوالَةُ عَلَى السَّبَبِ الظَّاهِرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ،: غرض القسم بيانُ أن الواجب في إهلاكِ النفسِ وما دون النفس، كما يجب بمباشرةِ الإهْلاَك يجبُ بالتسبُّب إليه، وقد مرَّ أن مراتب الشيء؛ الَّذي له أثَرٌ في الهلاك ثلاثٌ، وهي: العلَّة، والسبَب، والشرط، وذكرنا في الغضْب وغيره؛ أن صاحب الكتاب لم يجر في الحَفْر على طريقة واحدةٍ، بل سمَّاه تارةً سببًا، وأخرى شرطًا، والتقسيم الذي ينطبقُ عليه المسائلُ هاهنا أن يقالَ: ما يحصل الهلاكُ عنده أو عَقِيبه؛ إما أن يكونَ هو المؤثِّر في الهلاك، أو لا يكون، إنْ كان، فهو علَّة الهلاك، ويتعلَّق به الديةُ لا محالة، وإن لم يكن، هو المؤثر، فإما أن يتوقَّف تأثير المؤثِّر في الهلاك عليه أو لا يتوقَّف، إن توقَّف؛ كالحفْر مع التردِّي، فيتعلق به الدية أيضًا على ما سيأتي، إن شاء الله تعالَى، وإن لم يتوقَّف، لم يتعلَّق به الدية، والموت عنده اتفاقيٌّ، ثم في الفصل صورٌ: إحداها: لو صَفَعَهُ صَفْعةً خفيفة، فمات، فلا ضمان؛ للعلمْ بأنه لا أثر لَهَا في الهلاك، وبأنه وافق قَدَرًا، كما لو كلَّمه أو صافَحَه، فمات، وفي بعض النسخ "صعقة" وهو صحيحٌ أيضًا.
الثانيةُ: إذا صاح على صبيٍّ غير مميِّز على طرف سطْحِ أو بئر، أو نَهْر، فارتعد، وسقط منه، ومات، وجب ضمانه؛ لأنَّ الصبيَّ الضعيفَ كثيرًا ما يتأثر، ويضْطرب بالصيحة الشديدة، وهلْ عليه القصاصُ؟ فيه وجهان، ويقال قولان: أصحُّهما: المنعُ، ومن يوجبه كأنه يدعي أن التأثُّر بها غالبٌ، ورتَّب الخلاف على الخلافِ فيما إذا حفر بئرًا في الدِّهليز، ودعا غيره عليه، وجعلت هذه الصور أولَى بوجوب القصاص 464؛ لأن تأثير الصيحة في الارتعادِ والاضطراب أشدُّ من تأثير الدعوة في التخطِّي والتردِّي، ولو كان الصبيُّ على وجه الأرض، وماَت من الصيحة، ففيه وجهان، حكى الإِمام عن بعْضِهم؛ أنه أجراه مجرى الارتعادِ، والسقُوطِ من حَرْف الجدار، والأظهرُ خلافه؛ لأن الموتَ على استواء الأرض بمجرَّد الصيحة في غاية البعد، وتأثيرها في الارتعادِ والسقوطِ قريبٌ، ولو صاحَ على بالغٍ على طرف سطحٍ

الجزء: 10 - الصفحة: 415

ونحوه، فسقط، ومات، فلا قصاص، وفي الضمان أوجه: أحدها: أن الحكْمَ كما في الصِّغَر.
وأصحُّها: المنع؛ لأن الغالب من حال البالغ العاقلِ التماسُكُ وعدمُ التَّأَثُّر 465 بالصياحِ، والسقوطُ والموتُ يحملان 466 على موافقة القَدَر.
وثالثُها: عن ابن أبي هُرَيْرة؛ أنه إن غافصه من ورائه، وجب الضمان؛ لأنه يتأثر به لغفلَتِه، وإن صاح به مِنْ وجهه، فلا، ولو صاح على الصَّغير، فزال عقله، وجب الضمان، وإن كان بالغًا، فعلى الوجوهِ الثلاثة، والمجنونُ والمعتوهُ والذي يعتريه الوساوسُ والنَّائم، والمرأة الضعيفة، كالصبيِّ الذي لا يميز 467، والمراهقُ المتيقِّظُ كالبالغ، وشهْرُ السلاحِ والتهديدُ الشديدُ كالصياح، ولو صاح على صيدٍ، فاضطرب به الصبيُّ على طرف السطح، وسقط، وجب الضمان أيضًا، لكن الدية، والحالة هذه، تكونُ مخفَّفة على العاقلة، وفيما إذا قصد الصبيَّ نفسه تكون مغلَّظة على العاقلة، وقياس من يقول بوجوبِ القصاصِ؛ أن تجب مغلَّظة على الجاني، وعن صاحب "التلخيص" أن الصائح على الصيد، إن كان محرمًا أو في الحرم تعلَّق بصيحته الضمانُ لتعديه، وإلا فلا ضمان، وقد ذكر عَلَى قياسه؛ أنه لو صاح بصبيٍّ في ملكه، لم يجب الضمان تشبيهًا بما لو حفر بئرًا في ملكه، فتردَّى فيها غيره، والظاهر أنه لا فرق كما لو رمَى من ملكه إلى إنسان، فأهْلَكَهُ.
الثالثة: إذا بعث الإمامُ إلى امرأة ذكرت عنده بسوء، وأمر بإحضارها، فأجهضَتْ جنينَها فَزَعًا، وجب ضمان الجنين؛ خلافًا لأبي حنيفة.
لنا: ما رُوِيَ أن عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أرسل إلى امرأةٍ، ذُكِرَت عنده، فأجهضَتْ ما في بطْنِها، فقال عمر للصَّحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- ما تَرَوْنَ، فقال عبْدُ الرحمنِ بْنُ عوفٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "إنَّما أَنْتَ مُؤَدِّبٌ لا شَيْءَ عَلَيْكَ، فَقالَ لِعَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: مَاذَا تَقولُ"، فقالَ: إنْ لَمْ يجتهدْ، فَقَدْ غَشَّكَ، وإنِ اجْتَهَدَ، فَقَدْ أَخْطَأَ، أرَى عليْكَ الدِّيَةَ، فقال عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: أقسمْتُ عليْكَ لتفرقَنَّها في قومِك 468. قيل: أراد به قومَهُ، لكن

الجزء: 10 - الصفحة: 416

أضافهم 469 إلى عليٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- إكرامًا وإظهارًا للاتحاد.
ولو أتاها رجلٌ، وأمرها على لسانِ الإِمام بأنْ تحضُرَ، فأجهضت جنينها، وجب الضمان على عاقلة الرجل، ولو هدَّد غير الإمام حاملاً، وأجهضت فَزَعًا، فليكنِ الحكمُ كما في الإِمام، وهذا كما أن إكراه غير الإِمام كإكراهه.
ولو ماتت الحاملُ المبعوثُ إليها، أو بعث الإِمام إلى رجل ذُكِرَ بسوء 470، وهدده، فمات، فلا ضمان لأن هذا السببُ لا يُفْضِي إلى الموت بخلافِ الإجهاض، هذا هو المشهورُ، وفي "النهاية"؛ أنه يجب الضمان وأن ذلك من الأسباب المؤدية إلى الهلاك، [والله أعلم].
ولو فزَّع إنسانًا، فأحدث في ثوبه، فلا ضمان 471؛ لأنه لم ينتقص 472 جمالٌ، ولا منفعةٌ، وليُعْلَم من لفظ الكتاب قوله: "وَجَبَتِ الغُرَّة" بالحاء؛ لما ذكرنا.
وكذا قوله: "من سَطْحٍ، ضمن"؛ لأن الحكاية عن أبي حنيفة؛ أنه لا ضمان فيما إذا مات بالصياح.
وقوله: "والضابط ... " إلى آخره، قصد به ضبط 473 مواضع الوفاق والخلاف في الصُّورة المذكورةِ وغيرها، والمقصودُ أنه إن كان السبب مما يفضي إلى الهلاك غالبًا، فهو موجب للقصاص، وإن كان قد يفضي إليه، والغالب خلافه، لكن غلب على = الصحابة، فأشار عليه بعضهم أن ليس عليك شيء، إنما أنت وال ومؤدب، فقال عمر: ما تقول يا عليّ؟ فقال: إن كانوا قالوا برأيهم فقد أخطؤوا، وإن كانوا قالوا في هواك فلم ينصحوا لك، أرى أن ديته عليك؛ لأنك أنت أفزعتها، فألقت ولدها من سببك، فأمر علياً أن يقيم عقله على قريش، وهذا منقطع بين الحسن وعمر، ورواه عبد الرزاق عن معمر عن مطر الوراق عن الحسن به، وقال: إنه طلبها في أمر، فذكر نحوه، وذكره الشَّافعي بلاغًا عن عمر مختصرًا.

الجزء: 10 - الصفحة: 417

الظن؛ أن الهلاكَ الحاصلَ في الواقعة، حصل به، فهو شبه عمد، إذا كان بقصد الشخص، وهو كالصياحِ بالصغيرِ، وتهديدِ الحامل، وإن كان يتردد في حصول الهلاك به في الواقعة، مع كونه محتملاً، ففيه وجهانِ، منهم مَنْ ينفي الضمان فيه، ويتمسَّك بأن الأصل براءة الذمة، ومنهم من يوجِبُ الضمان، ويقول: هذا محتملٌ وغيره غير معلومِ الوجودِ، ولا بد من سبب، فيحال على هذا المحتمل.
وقوله: "ما يظهر كونه سببًا" أي: يظن أن الهلاك حصل به.
وقوله: "وما يشكّ في كونه سببًا"، أي: يتردَّد في أن الهلاك في الواقعة، هل حَصَل به.
وقوله: "على السبب الظاهرِ" ليس المرادُ الذي ظهر؛ أنه سبب الهلاك في الواقعة؛ فإن ذلك يناقض التَردد فيه، وإنما المراد السببُ المعلومُ وجودُه، هذا ما يدلُّ عليه لفظه هاهنا، وفي "الوسيط" هذا تمامُ الكلامِ في الطَّرَف الأول.
واعلم أنه رتَّب القول في القسم الثاني عَلَى أربعة أطراف: أحدها: في السبب وتمييزه عما ليس بسببٍ، وقد يتخيل أنه سبب، وقد فرَغْنا منه.
والثاني: فيما إذا اجتمع العلَّة والذي نسميه سببًا أو شرطًا، ثم يناط الضمان.
والثالث: فيما إذا اجتمع سبَبَانِ، وأحدُهُما راجحٌ، يحَالُ الضمان عليه.
والرابع: فيما إذا اجتمعا معًا، وهما متقاربان 474 فيحكم بالشركة، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّانِي فِي اجْتِمَاعِ العِلَّةِ والشَّرْطِ فَإنْ كَانَ العِلَّةُ عُدْواناً كالتَّرْدِيَةِ والحَفْرِ سَقَطَ أَثَرُ الحَفْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كالتَّرَدِّي مَعَ الحَفْرِ نُظِرَ إِلَى الحَفْرِ فَإِنْ كَانَ عُدْوانًا ضَمِنَ وإلاَّ فَلاَ، وَلَوْ وَضَعَ صَبِيًّا فِي مَسْبَعَةٍ فافْتَرَسهُ سَبُعٌ وَجَبَ الضَّمَانُ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ اتَّبَعَ إِنْسانًا بِسَيفِهِ فَوَلَّى هَارِبًا وَأَلْقَى نَفْسَهُ فِي نَارٍ أَوْ مَاء أَوْ بِئْرٍ أَو افْتَرَسَهُ سَبعٌ فِي مَسْبَعٍ أَوِ انْخَسَفَ بِهِ سَقْفٌ أَلْقَى نَفْسَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ قَاتِلُ نَفْسِهِ إِلاَّ إذَا كَانَتِ البِئْرُ مُغَطَّاة فالضَّمانُ عَلَى المُتَّبعِ، وَلَوْ سَلْمَ صَبِيًّا إلى سَبَّاحِ فَغَرِقَ بِتَقْصِيرِهِ ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ بالِغًا لَمْ يَضْمَنْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: حفْرُ البئرِ الذي هو شرْطٌ أو سببٌ، مع التردِّي الذي هو علَّة الهلاك، إذا اجتمعا، نُظِر؛ إن كانت العلَّة عدوانًا؛ بأن حفر بئرًا، فَرَدِيَ فيها غيره

الجزء: 10 - الصفحة: 418

إنسانًا، فالقصاص والضمان يتعلَّقان بالتردية، ولا اعتبار للحفر معها؛ كما ذكرنا في الإمساك مع القتل، وإن لم تكن العلة عدوانًا؛ بأن كان يتخطَّى شخص 475 الموضع جاهلًا، فتردَّى فيها وهَلَك، فإن كان الحفر عدوانًا، تعلَّق الضمان به، لتولُّد الهلاك منه، وتقصيره به، وإلاَّ فلا ضمان فيه.
ثم في الفصل صُوَرٌ: إحداها: إذا وضع صبيًّا في مسبعة، فافترسه السَّبُع، نُظِر؛ إن كان يَقْدِرُ على الحركة والانتقال عن موضع الهلاك، فلم يفعل، فلا ضمان على الواضع، كما لو فتح عرقه، ولم يعصب حتى مات، وأيضًا؛ فإن الموجود تضييعٌ، وليس بإهلاك، والحرّ لا يدخلُ تحت اليد حتَّى يضمن اليد، فانتفت أسبابُ الضمان، وإن كان لا يَقْدِر على الانتقال، ففي الضمان وجْهان، حكاهما الإِمام: أصحهما، عند صاحب الكتاب، وبه قال أبو حَنيفَة: أنه يجبُ الضمانُ؛ لأن ذلك يعد إهلاكًا في العرف، ولا يبعدُ أن يقال: إنه أشدُّ وأبلغُ تأثيًرا من حفر البئر.
والثاني، وبه أجاب أكثرهم: أنه لا يجبُ؛ لأن الوضعَ ليس بإهلاك، ولم يوجدْ منه ما يلجئ السبع إليه، بل الغالب أن السبع يفر من إنسانٍ على ما تقرَّر في القصاص، وقد ذكر صاحب الكتاب الخلافَ في المسألة مرَّةً في باب الغصْب، وهي مكررة 476 هاهنا، وفي التقييد بالصبيِّ هاهنا وفي الغصب ما يَفْهِم أنه لو كان الموضوعُ بالعالم يجب الضمانُ لا محالة، والخلافُ مخصوصٌ بالصبيِّ، وذكرنا في القصاص نحوًا من هذا، ويشبه أن يقال: الحكم منوطٌ بالقوة والضعفِ، لا بالكبر والصِّغَر.
الثانية: إذا اتبع إنسانًا بسيفه، فولَّى المطلوب هاربًا، وألقَى نفسه في نارٍ، أو ماء، أو من شاهقِ جبلٍ عالٍ، أو في بئر، فهلك، فلا ضمانَ؛ لأنَّه باشر إهْلاَك نفسه [قَصْداً]، والمباشرة تتقدَّم على السبب، فصار كما لو حفر بئرًا، فجاء آخر ورَدِيَ نفسه فيها، ولأنه أوقع نفسه فيما كان يحاذرُه من المتَّبع، فأشبه ما إذا 477 أكره إنسانًا على أن يقتل نفسه، فقتل نفسه لا يجب الضمانُ على المُكْرِهِ، ولو لم يشعرْ بالمهلك، ووقع من غير قصده في النار، أو الماء، أو من السطح؛ بأن كان أعمى، أو في ظلمة الليل 478، أو في موضع مظلهم، أو في بئر مغطَّاة، فيجب على المتَّبع الضمانُ؛ لأنه لم يقصد إهلاكَ نفسه، وقد ألجأه المتَّبع إلى الهرب المفضِي إلى المعنى المهلك، وقد ذكرنا أنه لو حفر بئْر عُدْوانٍ، فتردَّى فيها إنسان، يتعلَّق الضمان بالحفر، ومعلوم أن هذا الإلجاء أقوَى وأشدُّ تأثيرًا من الحفر المجرَّد، وأبدى الإِمام احتمالاً في وجوب الضمان، وإن

الجزء: 10 - الصفحة: 419

كانت 479 البئرُ مكشوفةً، إذا كان المطلوبُ لا يتفرَّغ إلى تأمل التخطِّي، ويجعل الحالة التي أرهقته ممهِّدة لعُذْره؛ ويؤيده أنا 480 نعلِّق الضمان بالحَفْر، ولا فَرْق بين أن يكون التردِّي فيها بالليل أو بالنهار 481، ولا بين أن يكون متحفظًا أَوْ لا يكون فهاهنا أولى.
ولو استقبله سَبُعٌ في طريقه، فافترسه، أو لصٌّ فقتله، فلا ضمان على المتبع، بصيرًا كان المطلوب أو أعمَى؛ لأنه لم يوجَدْ من المتَّبع فعلٌ مهلِكٌ، ومباشرة السبع التي عرضت كعروض القتل على إمْساك الممسِكِ، نعم، لو ألجأه، إليه في مضيقٍ، وجب الضمان [على المتَّبع] 482، ولو انخسفَ به سقْفٌ في هربه، ففي وجوب الضمانِ على المتَّبع وجهانِ، حكاهما الشيخ أبو إسحاق في "المهذَّب": أحدهما: المنع؛ لأن المعنَى المُهْلِك لم يشعرْ به الطالِبُ، ولا المطلوب؛ فأشبه ما إذا عرض سبعٌ، فافترسه، وهذا ما أجاب به صاحب "التهذيب"، والقاضي الرُّويانيُّ.
والثاني: يجب؛ لأنَّه حَمَلَهُ على الهرب، وألجأه إليه، وأنه أفضى إلى المعنى المُهْلِك من غير شعور المطلوب منه، فأشبه ما إذا وقع في بئر مغطَّاة، وهذا ما أورده العراقيُّون وحكَوْه، عن نصِّه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "الأم"، ورجَّحه المتولِّي، وإليه مال الإِمام، وما ذكرناه من سقوط الضمان على المتَّبع، إذا ألقى المطلوب نفسه في ماءٍ، أو نار، أو من سطحٍ قصْدًا أَرَدْنَا به العاقل البالغ، فأما إذا كان المطلوبُ صبيًّا أو مجنونًا، فينبني على أن عمْدَهما عمْدٌ أو خطأٌ، إن قلنا: عمدٌ، لم يضمن المتبع، وإلاَّ ضمن؛ كما لو تردَّى متردِّي في البئر جاهلاً.
وقوله في الكتاب: "إذا افترسه سَبُعٌ في مَسْبَع" في بعض النسخ في "مُتَّسَعٍ"، وقد يشير ذلك إلى أنه لو كان ملجئًا 483 إليه في مضيقٍ، لم يسقط الضمان عن المتَّبع.
وقوله في الكتاب 484: "أو أنخسَفَ بهِ سَقْفٌ، ألقى نفسه عليه" هذا اللفظُ يشْعِر بالتصوير فيما إذا ألْقَى نفسه عليه من عُلْوٍ، فانخسف لثقله، وإذا كان كذلك، كان الحكم كما لو ألقَى نفسه من ماءٍ أو بئرٍ، وإن كان سببُ الانخسافِ، ضعْفَه، ولم يشعر به المطلوبُ، ففيه الوجهان المذكورانِ من قبل.
وقوله: "إلاَّ إذَا كنت البئرُ مغطَّاة" قد عرفتَ أن الاستثناءَ لا ينْحَصِر في هذه الصورة، بل يستثنى الأعمى، ومن يُلْقِي نفسه في البئر 485 في ظُلْمة الليل أيضًا، والضبط ألا يشعر بأنه يأتي المُهلِك.

الجزء: 10 - الصفحة: 420

الثالثة: لو سلَّم صبيًّا إلى سباحٍ؛ ليعلِّمه السباحة، فغَرِق، وجبتْ ديته؛ لأنه لا يغرق إلا بإهمال السباح، وقلَّة تحفظه، وتكون الديةُ الواجبةُ ديةَ شبهِ العَمْد، كما لو ضرب المُعَلِّم الصبيَّ للتأديب، فهلك، وفي "التتمة" وجه؛ أنه لا يجب الضمانُ، كما لو نقله إلى مَسْبَعَة، وبل أَوْلَى؛ لأن الخطر هناك أكثر، ولأن ذلك تضييعٌ، وهذا قد تدعو الحاجة إليه، وأبدى الإمامُ هذا الوجْه احتمالاً، وقال: الحرُّ لا يدخل تحت اليد، ولم يوجد من السَّبَّاح فعْلٌ، إذا خاض الصبي في الماء بنفسه نعم، لو ألقَاه السَّبَّاح في الماء؛ ليعلِّمه، فقد يجعل الإلْقاء موجبًا للضَّمان على تفصيل مذكور في باب القِصَاصِ، ويجري الخلافُ فيما إِذا كان الوليُّ يعلَمه السِّبَاحة بنَفْسِه، فغرق ولو أدخله الماءَ ليَعْبُر به، فالحكمُ كما لو خَتَنَه، أو قطع يده من أَكِلَةٍ، فمات منه، قاله في "التتمة".
وتبيَّن من التصوير الذي ذكَرْنا؛ أن قوله في الكتاب: "فغَرِقَ بتَقْصيرْ" ليس للتقييدِ، بل من أوجب الضمان قال: إذا غَرِق، وقد حصَلَ في الماء للسباحةِ، فقد قصر السباح، ولذلك غرق، وكان المعنى؛ فغرق ضمن 486 بتقْصيره، فأما إذا سلَّم البالغُ نفْسَه، ليعلِّمه، ففي "الوسيط" أنه إن خاض معه؛ اعتمادًا على يده، فأهمله، فيحتمل أن يجب الضمانُ، والمنقولُ عن العراقيين، والمذكورُ في "التهذيب"؛ أنه لا ضمان؛ لأنه مستقلٌّ، وعليه أن يحتاطَ لنفسه، ولا يغترّ بقول السَّبَّاح.
قال الغَزَالِيُّ: وَحَفْرُ البِئْر لاَ يَكُون عُدْواناً فِي مِلْكِهِ وَفِي المَواتِ إلاَّ إِذَا حَفَرَ بِئْرًا في دِهْلِيزِ نَفْسِهِ وَدَعا إِلَيْهِ غَيْرَهُ فَفِي الضَّمَانِ قَوْلاَنِ لِتَعارُضِ المُبَاشَرَةِ والغُرُورِ، أمَّا فِي الشَّارعِ بِحَيْثُ يَضُرُّ بِالْمُجْتَازِينَ فَعُدْوَانٌ، وإِنْ كَانَ لِمَصْلَحَةِ الطَّرِيقِ وَبإذْنِ الوَالِي فَلا ضَمَانَ، وَإِنِ اسْتَقَلَّ فَهُوَ جائِزٌ وَلَكِنْ بِشَرْطِ سَلامَةِ العَاقِبَةِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَإِنْ حَفَرَ لِغَرَضِ نَفْسِهِ وَلَمْ يَضُرُّ بِالنَّاسِ فَهُوَ جَائِزٌ بِشَرْطِ سَلامَةِ العَاقِبَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: والحفْرُ يُفْرَضُ في مواضِعَ: أحدها: إذا حفر في مِلْك نفسه، فلا عدوانَ؛ حتى لو دخل فيه [داخلٌ] بإذْنه، وتردَّى فيه، لم يجبْ ضمانه، إِذا عرَّفه المالك أنَّ هناك بئرًا، أو كانتْ مكشوفةً، والداخلُ يتمكَّن من التحرُّز، فأما إذا لم يعرِّفه، والداخلُ أعمَى، أو الموضعُ مظْلِم، ففي "التتمة" أنه كما لو دعاه غَيْره إلى طعامٍ مسمومٍ، فأكله 487، ولو حفر بئرًا في دهليز

الجزء: 10 - الصفحة: 421

دارِهِ، ودعا إليها غيره، فتردَّى فيها، ففي الضمان قولان؛ لأنه غرر، ولكن المدعو غير ملجأ، فهو المباشر لإهلاك نفسه باختياره، وهذه الصورةُ مذْكُورة مرة في أول الجراح، لكنه لم يذكر الخلافَ هناك، واقتصر على إيجاب الضمان، وهو الأشبه على ما تقرَّر هناك، ومنهم من يرتِّب، ويقول: إن كان الطريق واسعًا، وعن البئرِ 488 معدلٌ، فقولان، وإن كان ضيِّقًا، فقولان مرتَّبان، وأولَى بالوجوب، وعلَى هذا قياسٌ تقديمِ الطعامِ المسمومِ، وأطعمةٍ فيها طعامٌ مسمومٌ.
والثاني: إذا حفر في مَواتٍ، إما للتملُّك أو للارتفاقِ بالاستقَاء منه 489، فلا ضمان أيضًا؛ لأنه جائزٌ؛ كالحفر في المِلْك، وعلَى هذا يحملُ قوله -صلى الله عليه وسلم-: "البِئْرُ جُبَارٌ" 490. والثالث: إذا حفر في مِلْك غيره، نُظِر؛ إن حفر بإذْن المالكِ، فهو كما لو حَفَر في ملك نفسه، وإن حفر بغير إذن المالك يتعلَّق به الضمان؛ لكونه عدوانًا 491، وذلك إذا علم أن هناك بئرًا، ولم يمكنه التحرُّزَ، وتكون الديةُ على العاقلة، ولو هلكت بها دابَّة أو مالٌ آخر، وجب الضمان في ماله، وهلْ يجعل رضي المالك باستبقاء البئْر بعد الحفر، كرضاه عند الحفر؟ فيه وجهان مذْكُوران في الغَصْب: الأظهر: نَعَم، ولو كان الحافر عبدًا، فالضمانُ يتعلَّق برقبته، فلو أعتقه السيِّد، فضمانُ من يتردَّى في البئر بعد الاعتاق يتعلَّق بالعتق، وعند أبي حنيفةَ؛ أنه يتعلَّق بالمعتق، ولو حفر في ملْكٍ مشْتَرَكٍ بينه وبين غيره بغير إذْنِ الشَّريكِ، تعلَّق الضمان به أيضًا؛ لأنه لا يجوز الحفر في الملك المشْتَرَك، وعند أبي حنيفة؛ أنه إن كانَتِ الشَّرِكة مع واحدٍ تعلَّق به نصف الضمان، وإن كان مع اثنين، تعلَّق به ثلث الضمان لتعدِّيه في حق اثنين، وإذا حفر في ملْك الغير متعديًا، ودخل داخلٌ ملكه بغير إذنه، فتردَّى فيها، فيتعلَّق الضمان بالحافر 492؛ للتعدِّي به، أَوْ لا [يلحقُ؛ لتعدِّي] 493 المتردِّي بالدخول؟ حكى صاحب "التتمة" فيه وجهين 494، وحكى في "البيان"؛ أن المالك لو قال: حَفَرَ بإذْنِي، لم يصدَّقْ؛ خلافًا لأبي حنيفة.
والرابعُ: إذا حفر في شارع، فينظر؛ إن كان ضيقًا يتضرَّر الناس بالبئر، وجب ضمان ما هلَك بها، سواء أذن الإمامُ أو لم يأْذَن، وليس للإمام أنْ يأذن فيما يضر، وإن كان لا يتضرَّر بها الناسُ لسَعَةِ الشارعِ، أو انعطافِ موضعِ البئر، فيُنْظر، إن كان الحفْر

الجزء: 10 - الصفحة: 422

للمصْلَحَة العامَّة؛ كالحفر للاستقاء 495، والحفر لماء المَطَر، فإن أذن فيه الوالي، فلا ضمان، وإن استقل به، فمنهم من قال: فيه قولانِ: الجديدُ: أنه لا ضمان، وأشار في القديم إلَى وجوبه، وقال آخرون.
وجهان: أصحهما: أنه لا ضمان؛ لما فيه من المصْلَحة العامَّة، وقد يعْسُر مراجعةُ الإِمام في مثْلِهِ.
والثاني: يجبُ، والجواز مشروطٌ بسلامة العاقبة؛ بخلاف ما إذا أذن الإِمام فيه؛ فإنه النائب عن عامَّة المسلمين، والناظرُ لهم وإن حفر لغرضِ نَفْسه، فقد ذكر جماعةٌ منهم صاحب "التهذيب"؛ أنه يجب الضمان 496، أذن الإِمام فيه أم لم يأذن لأنه وإن كان جائزًا، فهو مشروطٌ بسلامة العاقبة؛ لأنه لا يختصُّ الآحادُ بشيء من طريق المسلمين، وعلى هذا جرى الإِمام وصاحبُ الكتاب، والذي أورده أصحابنا العراقيُّون، وتابعهم القاضي الرويانيُّ، وصاحب "التتمة"؛ أنه إن حفر بإذنِ الإِمامِ، لم يلزم الضمان، وجوَّزوا أن يخصِّص الإِمام قطعةً من الشارع ببعض الناس، والترتيبُ عند هؤلاء أن الحفر في الشارع، إذا لم يكن مضرًّا، فإن كان بإذن الإِمام، فلا ضمان بسببه، سواءٌ حفر لنفسه، أو لمصلحةٍ عامَّة، وإن كان بغَيْر إذْنه، فإن حفر لنفسه وجب الضمان، وإن حفر لمصلحة عامَّة، ففيه الوجهان، أو القولانِ، والخلاف راجع إلى ما تقدَّم في إحياء الموات؛ أن إقطاع الإمامِ، هل له مدْخَلٌ في الشوارع، وبَيَّنا أن الأكثرين قالوا: نعم، وجوَّزوا للمُقْطَع أن يبنى فيه، ويتملَّكه، والحفر في المسجد كالحَفْر في الشارع، ولو بني مسجدًا في شارع لا يتضرَّر به المارَّة، فيجوز 497 ثم لم تعثَّر به إنسانٌ أو بهيمةٌ، أو سقَط جداره على إنسان، أو مَالَ، فأهلكه، فلا ضمان، إن كان البناءُ بإذن الإِمام، وإن كان بغير إِذنه، ففيه الخلاف.
ولو بني سقفًا في مسجدٍ، أو نصب عمودًا، أو طيَّن جدارًا، أو علق قنديلًا، فسقط على إنسان، أو مال، فأهلكه، أو فرش حصيرًا، أو حشيشًا، فتزلق به إنْسَانٌ، أو قذفت عينه بشَوْكة، أذهب ضوء البصر، فكذلك ينظر أجرى ذلك بإذن الإِمَامِ، أو من يتولى أمر المسجد، أو بدون الإذن، فيكون الحكم على ما بَيَّنا، وعن أبي حنيفة؛ أنه إن صدر ذلك من غير إِذْنِ أهلِ المحلَّة، وجب الضمان، قال في "التهذيب": وهو قول

الجزء: 10 - الصفحة: 423

أبي إسْحَاق 498 وليعلم قوله في الكتاب: "بشَرْط سلاَمة العاقبة"؛ لما بيَّنا من الخلاف فيه.
قال الغَزَالِيُّ: وَكَذَا إِشْرَاعُ الأَجْنِحَةِ جائِزٌ بِشَرْطِ السَّلاَمَةِ بِخَلاَفِ مَا لَوْ حَفَرَ فِي مِلْكهِ فَسَقَطَ جِدَارُ دَارِهِ فَلا ضَمَانِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ حَرَجًا عَلَى المُلَّاكِ إِلاَّ أَنْ يُقَصِّرَ بِمُخَالَفَةِ العَادَةِ فِي سَعَةِ البِئْرِ فَيَضْمَنُ، وَلَوْ أَوْقَدَ نَارًا عَلَى السَّطْحِ فِي يَوْمِ رِيحٍ عَاصِفٍ ضَمِنَ عَهْدَةَ الشَّرارِ، وَلَوْ عَصَفَة الرِّيحُ بَغْتَةَ فَلاَ، وَلَوْ سَقَطَ مِيزَابُهُ عَلَى رَأسِ إِنْسَانٍ فَإن كانَ السَّاقِطُ القَدْرَ البَارِزَ ضِمَنَ (و) كَالجَنَاحِ، وإنْ سَقَطَ الكُلُّ لَمْ يَضْمَنْ عَلَى وَجْهٍ لِأَنَّهُ مِنْ حَاجَةِ المُلْكِ بِخَلاَفِ الجَنَاحِ، وَضَمِنَ النِّصْفَ بِإزَاءِ البَارِزِ عَلَى وَجْهٍ، وَضَمِنَ ما يَقْتَضِيهِ وَزْنُ البَارِزِ عَلَى وَجْهٍ إِذَا قِيسَ بِوَزْنِ الدَّاخِلِ، وَإِذَا مَالَ الجِدَارُ إِلَى الشَّارعِ بِأَنْ بَنَاهُ مَائِلًا فَهوَ كَالقَابُولِ، وَإِنْ مَالَ فِي الدَّوَام فَلَمْ يَتَدارَكُ مَعَ الإِمْكَانِ فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ، وَأَمَّا قِمَامَاتُ البُيُوتِ وَقُشُورُ البَطِيخِ إِذَا تَعَثَّرَ بِهَا إِنْسانٌ فَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَى المُلْقي وَجْهَانِ كَمَا فِي الْمِيزَابِ لِأَنَّ طَرْحَ الْقِمَاماتِ لِمَرَافِقِ الأمْلاَكِ، وَرَشَّ المَاءِ إِذا لَمْ يَكُنْ لِمَصْلَحَةٍ عَامَةٍ فَهُوَ سَبَبُ ضَمَانٍ فِي حَقِّ مَنْ تَزَلَّقَ وَلَمْ يَرَ مَوْضِعَ الرَّشِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل تتعلَّق بالتصرُّف بالشوارع وتصرّف الإنسان في ملك نفسه، وبيان أحكامها وآثارها، والقولُ في التصرُّف في الشارع منه ما مَرَّ في الصُّلْح، وفي باب 499 إحياء الموات، ومنه ما جَرَت العادةُ بذكره هاهنا: المسألة الأُولَى: لا يجوز اشراع الأجنحةِ التي تضرُّ بالمارَّة إلى الشارع، ولو فعل، منع، وما يتولَّد منه من هلاك، فهو مضمون، وإن كان الجناحُ عاليًا غير مضرٍّ، فلا منع من إشراعه، وكذا بناءُ السَّابَاطِ العالي، لكن لو تولَّد منه هلاكُ إنسان، فهو مضمونٌ بالدية على العاقلة، وإن هَلَكَ به مالٌ، وجب الضمان في ماله، ووجَّهوا ذلك بأنَّ الارتفاق بالشارع إنما يجوز بشرط سلامة العاقبة، ولم يفرقوا هاهنا بين أن يأذن الإِمام، أو لا يأذن؛ كما فعلوا فيما إذا حفر البئر؛ لغرضِ نفسه، واتفقوا على وجوب الضمان، إن لم يأْذَنِ الإِمام، واختلفوا فيه إذا أَذِنَ، فيجوز أن يكونَ الحكْمُ في إشراع

الجزء: 10 - الصفحة: 424

الجناح كذلك، ويجوزُ أن يقال: يجب الضمانُ هاهنا على الإِطلاق، ويفرَّق بأن الحاجة إلى الجناح أغلبُ وأكثرُ، والحفْر في الطريق مما تقلُّ الحاجة إليه، وإذا أكثر الجَنَاح، أكثر تولُّد الهلاك منه، فلا يحتمل إِهداره، ولو أشرع جناحًا إلى سكَّة منْسدَّة بغير إذن أهلها، ضمن ما يتولَّد منه، وبإذن أهلها لا يقتضي الضمان؛ كالحفر في دار الغير بإذنه.
الثانية: يتصرَّف كلُّ واحد في ملكه بالمعروف، ولا ضمانَ فيما يتولَّد منه؛ بخلافِ إشراع الجناحِ؛ حيث كان ما 500 يتولَّد منه مضمونًا؛ لأن إشراع الجناح 501 لا ضرورة إليه، ولا يَرْغبُ فيه كلُّ أحد، والتصرف في نفس الملك، لو قُيِّد بشرط السلامةِ، لأورث حرجًا عظيمًا، ولا يجرُّ ذلك إلى إبطال فائدةِ المِلْكِ، فلم يقيِّده به، ولكن بشرْطِ جريانه على الاعتيادِ، والتحرُّز عما يعد إسرافًا وإهلاكًا، فلو وضع حجرًا في ملكه، أو نصب شبكة، أو سِكِّينًا، وتعثَّر به إِنسان، فهلَكَ، أو وقف 502 على طرف سطْحه، فوقع على إِنْسَان، أو مال أو وضع عليه جرَّة ماء، فألقتها الريحُ أو ابتلَّ موضعها، فسقطتْ، فلا ضمان 503، وكذا لو أوقف دابَّة في ملكه، فرمحتْ إنسانًا، أو بالت 504 وأفسدتْ بالرَّشَاش ثوبًا أو غيره خارجَ الملكِ، أو كان يكسر الحطَب في ملكه، فأصاب شيء منْه عيْنَ إنسانٍ، فأبطل ضوءَها، وكذا لو حفر بئرًا في ملكه، فتندَّى جدارُ الجارِ وانْهَدَمَ، أو غار ماءُ بئره، أو حفر بالوعةً، فتغيَّر ماءُ بئرِ الجار -لا شيء عليه 505؛ لأن المُلَّاك لا يستغنون عن مثل ذلك، نَعَمْ، لو قصَّر، فخالف العادةَ في سعة البئر، ضَمِن، فإنه إهلاك، وليكنْ كذلك إذا قرب الحفر من الجدار عَلَى خلاف العَادَةِ، ويمنع من طرح السِّرْقِينِ في أصْلِ الحائِطِ، ولو أوقد نارًا في مِلْكه، أو على سَطْحه، فطار الشَّرَر إلى ملْك الغير، فلا ضمان إلا أن يخالِفَ العادَةَ في قدْر النارِ الموقَدَة، أو يوقد في يوم ريحٍ عاصفةٍ، فيكون ذلك كطَرْح النَّار في دار الغير، فإن عصفت [الريحُ] بغتةً، بعْد ما أوقد، فهو معذُورٌ، ولو سقَى أرضه، فخرج الماءُ من جُحْر فأرةٍ، أو شق إلى أرض غيره، وأفسد زرعه، فلا ضمان إلاَّ أن يجاوز العادَةَ 506 في قَدْر الماء، أو كان

الجزء: 10 - الصفحة: 425

عالمًا بالجُحْر أو الشَّقِّ ولم يحتطْ، وإذا حفر البئْرَ في أرض خوَّارة، ولم يَطْوِها، ومثلها ينْهَار إذا لم يُطْوَ، كان مقصِّرًا، كما ذكرنا في سَعَة البئر، ولا بدَّ من هذا الاحتياطِ؛ حيث جوَّزنا حفْرَ البئر في الشارع.
وقوله في الكتاب: "في يومِ ريحٍ" يجوزُ أن يقرأ على إضافة اليَوْم إلى الريح، ويجوز أن يقرأ "في يَوْمِ ريحٍ"، ويجعل الريح نعتًا لليوم.
الثالثة: يجوز إخراج الميازِيب إلى الشوارع؛ لما فيه من الحاجة الظَّاهرة، ويروَى أن عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- مَرَّ تحْتَ مِيزَابِ العبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المطَّلِبِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- فَقَطَرَتْ عَلَيْهِ قَطَرَاتٌ، فأَمَرِ بِقَلْعِهِ، فَخَرَجَ العَبَّاسُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وَقالَ: أتَقْلَعُ مِيزَابًا نَصَبَهُ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بيَدِهِ؟ فَقالَ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: واللهِ، لا يَنْصِبُهُ إِلاَّ مَنْ يَرْقَى عَلَى ظَهْرِي، وَانْحَنَى للْعَبَّاسِ، حَتَّى رَقِيَ عَلَيْهِ، فَأَعَادَهُ إِلَى مَوْضِعِهِ 507. وليكن الميزابُ عاليًا كالجَنَاحِ، فإذا سقط منه شيءٌ، فهلك به إنسان، أو مَالَ، ففي وجوب الضمانِ قولانِ: القديمُ، وبه قال مالكٌ: أنه لا ضمان؛ لأنه من ضرورة البناء، فأشبه ما لو تولَّد الهلاك من بنائه، بخلاف الجناح.
والجديدُ: أنه يجب، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه ارتفاقٌ بالشارع، فيكون جوازه بشَرْط السلامة؛ كما في إشراع الجناح؛ وكما إذا طرح ترابًا في الطريق ليطيِّن به سطحه، فزلق به إنسانٌ وهلك، يلزمه الضمان، ودعوى الضرورة ممنوعةٌ؛ فإنه يمكنه أن يتخذ لماء السطح بئرًا في داره أو يحدِّر الماء في أخدودٍ في الجدار من غير إخراج شَيْءٍ، وعلى هذا؛ فلو كان الميزابُ خارجًا كلُّه بأن سُمِّر على خشبة من السقف، فانقطع، وجب جميعُ الضمان 508 وإن كان بعضُه في الجدارِ وبعْضُه 509 خارجًا منه 510، فإن انكسر وسقط الخارج أو بعضه، وحصل الهلاك به، فكذلك، وإن انقلع من أصْلِه، = وقال الجاجرمي في الإيضاح: الأصل براءة الذمة، وإن غلب على الظن مجاوزة الحل بالغيرة بالسبب الظاهر لا بالبراءة الأصلية على الأصح.

الجزء: 10 - الصفحة: 426

لم يجب إلا بعض الضمان؛ لأن التلَف حصَلَ من مباحٍ مطْلَقٍ، ومباحٍ بشرطِ سلامةِ العاقبة، وفي القَدْر الواجب قوْلاَن، أو وجهان: أشهرهما: أنَّ الواجب نصْفُه توزيعًا على النوعَيْن.
والثاني: أنه يوزَّع عَلَى ما في الداخل والخارج، فيجب قسْطُ الخارج، ثم الذي ذكره صاحب الكتاب، وجماعةٌ؛ أن التوزيع يكون باعتبار الوزْنِ، وفي "التتمة" وغيرها أن التوزيع يكون باعتبار مساحةِ الداخِل والخارج، ويمتحن فيقال: رجلٌ قتل إنسانًا بخشبة يجبُ بقتله بعضُ ديته، ولو قتله ببعضِها يجب تمامُ ديته، ولا فَرْق بين أن يصيبه الطرفُ الداخل أو الخارج؛ لأنَّ الهلاك يحصُلُ بثقل الجميع، وعن أبي حنيفة أنه إن أصابه، الخارُج، وجب جميع الضمان، وإن أصابه الداخلُ، لم يجب شيء، والحكم في كيفية التضمينِ، إذا حصل الهلاكُ بالجناح المشرع، إمَّا بالخارج منه أو بالخارج والداخل معًا، على ما ذكرنا في المِيزَابِ؛ بلا فرق وقد يختصر الخلافُ في الميزاب، فيقال: في ضمانِ ما يهلك به ثلاثةُ أقوالٍ، أو أوجه: أحدها: لا ضمان.
والثاني: يجبُ نصفه.
والثالث: يوزَّع على الداخل والخارج، وهكذا أورد صاحبُ الكتابِ، إلا أنه خصَّص الوجوه بما إذا سقط الداخلُ والخارج جميعًا، وأشعر سياقه بالقطع بالوجوب، إذا سقط الخارج البارِزُ وحده، كما في الجناح، والذي يوجَدُ لعامَّة الأصحاب طَرْدُ الخلاف في الحالَيْن، وهو الذي يستَنِدُ على التوجيه، ويجوزُ أنْ يعلم لما بيَّنا قوله: "ضمن كالجَنَاح" بالواو.

" فَرْعٌ"

في "التهذيب": أنه لو رَشَّ الماء من الميزاب على ثَوْبِ إنسان، ضمنه، يعني: ما ينقص منه.
الرابعة: الجدارُ الملاصقُ للشارع، إن بناه صاحبه مستويًا، فسقط من غير ميل، ولا استهدامٍ، وتولَّد منه هلاكٌ، فلا ضمان؛ لأنه تصرَّف في ملكه، ولم يوجَدْ منه تقصيرٌ، ولو بناه مائلًا 511 إلى ملكه، أو مَالَ إليه بعْد البناء، وسقط، فلا ضمان أيضًا؛ لأن له أنْ يبني في ملكه كَيْفَ يشاء، وإن بناه مائلاً إلى الشارع، وجب ضمان ما يتولَّد من سقوطه؛ كالسَّابَاط والجَنَاح، وهو المرادُ من لَفْظ "القابول" الذي ذكره في الكتاب،

الجزء: 10 - الصفحة: 427

وإن بناه مستويًا، ثم مال إلى الشارع، وسقط، فإن لم يتمكَّن من الهدم والإصلاحِ، فلا ضمانَ، وإن تمكن فلم يفعلْ، فوجهان: أظهرهما، عند الشيخ أبي حامد، وصاحب "التهذيب" وأكثرهم: أن الجواب كذلك، وبه قال المزنيُّ والإصطخريُّ؛ لأنه بني في ملكه، والمَيْلُ لم يحصُلْ بفعله، فأشبه ما إذا سَقَط بلا مَيْل.
والثاني، وبه قال أبو إسحاق، وابن أبي هريرة، ورجَّحه القاضي الرُّويَانيُّ: أنه يضمن؛ لتقصيره بِتَرْكِ النقْضِ 512 والإصلاح، ويحكَى هذا عن أصحاب مالك، ويجري الوجهانِ فيما لو سَقَط إلى الطريقِ، فلم يرفعه، حتى تعثَّر به إنسان أو هَلَك مال، ولا فَرْق بين أن ينازعه الوليُّ أو غيره، ويطالب بالنقْض، وبين ألا يُوجَدَ ذلك، وقال أبو حنيفةَ: إن نُوزعَ وأُشْهِدَ عليه، فلم يَنْقُضْ ضمن، وإنْ لم يُشْهَدْ عليه، لم يضمن، وإذا وجب الضمانُ في البناء المائل إلى الشارع ابتداءً أو دوامًا، فلو مال بعضه دون بعض، نُظِرَ، أحَصَلَ التلف برأسه المائل، أو بما بَقِيَ على الاستواء، أو بالكلِّ، ويكون الحكمُ على ما ذكرنا في الميزاب، والجناح 513 وإذا باع ناصبُ الميزاب أو بانِي الجدارِ المائِل الدارَ 514، لم يبرأ من الضمان؛ حتى إذا سقط على إنسان، فهلكَ -يكون الضمان على عاقلة البائعِ؛ قاله في "التهذيب" 515. ولو أراد الجار أن يبني جدارَهُ الخالصَ، أو المشتركَ مائلًا إلى مِلْكِ الجار، فله المنع منه، وإن مال، فله المطالبة بالنقْض، كما أنه إذا انتشرت أغصانُ شجرته إلى هواءِ مِلْكِ الغير -فَلَهُ أن يطالب بإزالَتِها، ولو تولَّد منه هلاكٌ، فالضمان على ما ذكرنا فيما إذا مالَ إلى الشَّارع 516 وعن أبي حنيفةَ؛ أنه إن نازعه الجارُ، وأشهد، تعلَّق به الضمان، وإلاَّ فلا.
ولو استهدم الجدارُ، ولم يَمِلْ فعن الإصطخريِّ؛ أنه قال في "أدب القضاء": لا يطالَبُ بنقضه؛ لأنه لم يجاوزْ ملكه، وفي "التتمة" وجه آخر؛ أن للجار وللمارَّة في الشارع المطالبةَ به؛ لما يُخَاف منه من الضرر؛ كما أنه لا يفعل في ملكه ما يتضرَّر به الجارُ على ما مرَّ، وهذا ما أورده ابن الصبَّاغ احتمالاً، فعلى الأول لا ضمانَ فيما يتولَّد

الجزء: 10 - الصفحة: 428

منه، وعلى الثاني، وهو كما لو مال، فلم ينقضه.
الخامسة: قِمَامَاتُ البيتِ وقُشُور البِطِّيخ، والرُّمَّان والباقِلاَّء، إذا طرحها في مِلْكه، أو في مَوَات، فَزَلِقَ بها إنسانٌ، وهلكَ، أو تلف بها مالٌ -لم يجب الضمان، وإن طرحها في الطريق، وأفضى إلى التلف، فقد حكى الإِمام وصاحب الكتاب والمتولِّي -رحمهم الله- فيه وجهين: أحدهما: لا يجب الضمان؛ لأنه لا يعدُّ مقصِّرًا بذلك، وقد جرتِ العادةُ على مرَّ الأعصار به من غير إنكار.
وأصحُّهما، وهو الذي أورده أكثرُهُمْ: أنه يجب الضمان، ووجوبُ الضمانِ لا ينحصُر في التقصير 517 والتعدِّي، بل الارتفاق بالطريقِ مشروطٌ بسلامة العاقبة، كما قدَّمناه، وربَّما وجه بأن طرح القمامات إلى الشارعِ معدُودٌ من مرافق الأملاك، وفي المنع منه مشقَّة؛ فأشبه نصب الميزاب.
وذكر وجه ثالث؛ أنه يفترق بين أن يلقيها عَلَى متن الطريق، فيتعلَّق به الضمان، وبين أن يلقي في طرف ومنعطَفٍ لا ينتهي إليه المارَّة غالبًا، قال الإِمام: والوجه عندنا القطْعُ بوجوب الضمان، إذا ألقاها على متْنِ الطريق، وتخصيصُ الخلافِ بالإلقاءِ على الطرف.
ولك أن تقولَ: قد يوجد بين العماراتِ مواضعُ معدَّة لإلقاء القمامات فيها، تسمَّى تلك المواضعُ السُّبَاطاتِ والمَزَابِلَ، وتعدُّ من المرافق المشتركةِ بين سُكَّان البقعة، فيشبه أن يقطع بنفي الضمان، إذا كان الإلقاءُ فيها، فإنه استيفاءُ 518 منفعةٍ مستحَقَّة، وتخصيص الخلافِ بالإلقاءِ في غيرها، وإذا أوجبنا الضمان، فذلك إذا كان المتعثِّر بها جاهلاً، أما إذا مشَى عليها قصدًا، فلا ضمان؛ كما لو نزل البئرَ، فسقط، ولو رش الماء في الطريق، فزَلَقَ به إنسان أو بهيمةٌ، نُظِر؛ إن كان الرشُّ لمصلحة عامَّة؛ كدفع الغبار عن المارَّة، فليكن كحفر البئر للمصلَحَة العامَّة، وإن كان لمصلحةِ نفسِهِ، وجب الضمان، ويمكن أن يجيء فيه الوجهُ الآخَرُ المذكورُ في طرح القشُورِ، ولو جاوز القدْرَ المعتادَ في الرشِّ، ففي "التتمة" القطعُ بوجوب الضمان 519، وهو كما ذكرنا فيما إذا بَلَّ الطِّينَ في الطريق.

الجزء: 10 - الصفحة: 429

ولو بنَى على باب داره دَكَّةً، فتَلِفَ بها إنسانٌ أو دابَّةٌ، وجب الضمان (1)، وكذا الطَّوَّاف، إذا وضع متاعَهُ في الطريق، فحصل به تَلَفٌ، بخلاف ما لو وضع على طرف حانوته.
ولو بالَتْ دابته، أو راثَتْ، فَزَلِقَ به رِجلُ إنسانٍ، أو دابَّة، أو تطاير شيْءٌ منه إلى طعام إنسان، فنجَّسه، نُظِر؛ إن كانت في ملْكه، فلا ضمان، وإن كانَتْ في الطريق، فالحُكْم على ما سيأتي، إن شاء الله تعالَى، في آخر كتاب موجِبَاتِ الضمان، ولو ربَطَها في الطريق، فقد ذَكَره هناك، ولو مشَى قصدًا على موضع الرشِّ أو البَوْل، لم يجب الضمان.

" فَرْعَانِ"

الأول: أسندَ خشبةً إلَى جدارٍ، فسقط الجدارُ عَلَى شيء، فأتلفه؛ إن كان الجدارُ لغير المُسْنِدِ، ولم يأذنِ المالكُ، فعليه ضمان الجدار، وما يسقط عليه الجدارُ، ولا فرق بين أن يسقطَ الجدارُ عَقِيب الإسناد، أو يتأخَّر عنه؛ بخلاف ما لو فتح قَفَصًا عن طائر، وطار؛ حيث يفرَّق بين أن يطير في الحال، أو بعد مدَّة؛ لأنَّ الطائر مختارٌ، والجماد لا اختيار له، وإن كان الجدارُ للمُسْنِدِ أو لغيره وقد أذِنَ فيه، لم يجبْ ضمانُ الجدارِ، ففي ضمان ما يسقُطُ عليه وجْهَانِ عن صاحب "التَّلْخيص"، وبه قال أبو زَيْدٍ: إنه إن سقط في الحال، وجب الضمان؛ كما لو أسقط جداره على مالِ الغَيْر، وإن سقط بعد زمان، لم يجبْ كما لو حفر بئرًا في ملكه، لا يضمن ما يسقُطُ فيها، وعن القَفَّال؛ أنه لا يضمن في الحالتَيْنِ؛ كما أنَّ في حفر البئر إذا كان في ملكه، لا يجب ضمانُ ما يسقُطُ، فيها سواءٌ كان عَقِيبَ الحفْرِ أو بعد مُدَّة، فإن قلْنا: يضمن، إذا سقط في الحال، فلو لم يسقط، لكن مَالَ في الحال إلَى الشَّارع، ثم سقط بعد مدة، يجب الضمانُ، كما لو بني الجدارَ مائلاً؛ لأنه مَالَ بفعله؛ بخلاف ما لو مال في الدوامِ بنفسه.
الثاني: إذا نَخَس دابَّةً، أو ضربها مغَافَصَةٌ، فقفزت، ورمت راكبَها، فمات، أو أتلفتْ مالًا -وجب الضمان، قال في "التهذيب": فان كان النخْسُ بإذن المالك،520 = حصل به التلف أما إذا رآه وتعمد وضع رجله عليه حتى هلك فلا ضمان جزمًا في جميع الصور.
وكذا ذكره المصنف نحوه إذا قصد المشي على الرش أو البول، وفي تعليق البغوي وإنما يضمن في الرش وقشور البطيخ وأمثالها إذا لم يتعمد الماشي المشي عليه حتى لو تعمده فلا ضمان لأنه أتلف نفسه.

الجزء: 10 - الصفحة: 430

فالضمان 521 عليه، ولو غلبته دابَّته، فاستقبلها إنسانٌ، وردها، فأتلفت في انصرافها، فالضمانُ على الرادِّ، ولو كان رجلٌ يحمل رجلاً، فجاء آخر وقرص الحامل، أو ضربه، فتحرَّك، فسقط المحمولُ من ظهره، قال في "التتمة": هو كما لو أكره الحامل 522 على إلقاء المحمول عن ظَهْره [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّالِثُ فِي تَرْجِيحِ سَبَبٍ عَلَى سَبَبٍ وَمَهْمَا اجْتَمَعَ سَبَبانِ مُخْتَلِفانِ قُدِّمَ الأَوَّلُ، وَلَوْ حَفَرَ بِئْرًا وَنَصَبَ آخَرُ حَجَرًا فَتَعَثَّرَ بِالحَجَرِ وَوَقَعَ فِي البِئْرِ فَالضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِ الحَجَرِ، وَكَذَا لَوْ سَقَطَ الحَجَرُ بِسَبَبِ السَّيْلِ عَلَى طَرَفِ البِئْرِ سَقَطَ الضَّمَانُ عَنِ الحَافِرِ، وَلَوْ سَقَطَ فِي بِئْرِ عَلَى سِكِّينٍ مَنْصُوبٍ فالضَّمَانُ عَلَى الحَافِرِ لاَ عَلَى ناصِبِ السِّكِّين، وَلَوْ حَفَرَ بِئْر قَرِيبُ العُمْقِ فَعَمَّقَها غَيْرُهُ فَالضَّمَانُ عَلَى الأَوَّلِ فِي وَجْهٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُما يَشْتَرِكانِ لِتَناسُبِ الْجِنايَتَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اجتمع سَبَبَا هَلاَكٍ، يقدَّم الأول منهما؛ لأنه المُهْلِك؛ إما بنفسه، أو بواسطة الثاني، فيشبه التردَيَة مع الحفر، فلو حَفَر بئرًا في محلِّ عدوان أو نصبِ سكِّينًا، ووضع آخر حجرًا، فتعثَّر بالحجر، ثم وقع في البئر، أو على السِّكِّين، فمات، فالضمان يتعلَّق بواضع الحَجَر، وفي "البيان"؛ أنَّ أبا الفيَّاض البَصْرِيَّ قال: يتعلَّق الضمانُ بناصب السِّكِّين، إذا كان قاطعًا موحيًا، فإنه أقوى، والمشهورُ الأول؛ لأن التعثُّر بالحجر هو الذي ألجأه إلى الوقوع في البئر أو على السكين، فكأنه أخذه 523 فردَّاه في البئْر، أو ألقاه على السِّكِّين، وهذا كما أنه لو كان في يدهِ سكِّينٌ، فألقى عليه رجلٌ إنسانًا، يجب الضمان والقصاصُ على المَلْقِي، ولو أهوى إليه مَنْ في يده السِّكِّينُ، ووجْهُه نحوه، لما ألقاه الملْقِي، كان القصاصُ على صاحبِ السِّكِّين، هذا إذا كانا متعدِّيَيْن، ولو حفر بئرًا، أو نصب سكيناً في ملكه، ووضع متعدِّيه حجرًا، فتعثر بالحَجَر، ووقع في البئر، أو على السِّكِّين، فكذلك يكون الضمان عَلَى واضع الحَجَر، ولو وضع حَجَرًا في مِلْكه، وحَفَر متعدٍّ هناك بِئْرًا، أو نصب سِكِّينًا، فتعثَّر بالحجر، أو وقع في البِئرِ، أو على السِّكِّينِ فالمنقول أنه يجب الضمانُ على الحافر، وناصب السِّكِّين، فإنه المتعدِّي، وإنما يجعل الضمان على واضع الحَجَر، إذا كان متعدِّيًا، وينبغي أن يقال: لا يجب الضمانُ على الحافرِ، وناصبِ السِّكِّين؛ كما يذكر في مسألة السبيل على الأثر، ويدلُّ عليه أن أبا سَعْدٍ المتولِّيَ قَالَ في "التَّتِمَّة": لو حفر بئرًا في

الجزء: 10 - الصفحة: 431

ملكه، وجاء آخر، فنصب فيها حديدةً، فوقع إنسانٌ في البئر، وجرحته الحديدةُ، فمات، فلا ضمانَ عَلَى واحدٍ منهما؛ أما الحافرُ، فظاهر، وأما الآخَرُ؛ فِلأَنَّ الوقوع في البئر هو الذي أفضَى إلى الوقوع على الحديدة، فكان حافر البئْر كالمباشر، والآخرُ كالمتسبِّب.
ولو حفر بئرًا في محلِّ عدوانٍ، وسقط الحجر على طرف البئرِ بمجيء السيل به، أو وضعه هناك حربيٌّ، أو سبع، فتعثَّر بالحجر، ووقع في البئر، أو على السِّكِّين، فلا ضمان على أحدٍ، كما لو ألقاه السبع، أو الحربي في البئْرِ، وفي "التتمة" وجه آخر؛ أنه يجب الضمان على عاقلة الحافر؛ لأنه لا وجه للإِهدار، والحافرُ هو المتعدِّي.
ولو حفر بئر عدوانٍ، ونصب آخر في أسْفَلِها سِكِّينًا، فالضمان على عاقلة الحافِرِ، دون ناصب السِّكِّين؛ لأن الحفر هو الذي ألجأه إلى الوقوع على السِّكِّين، هذا هو المشهُور، ويحكَى عن أبي حنيفة، وفي "البيان" وجه أن الضمانَ على ناصب السكينِ؛ لأن التلف حصلَ بوقوعه على السِّكِّين قبل الانصدام بقَعْر البئر، ولو حفر بئرًا قريبةً العمقِ، فعمقها غيره، فضمانُ من تردَّى فيها عَلَى مَنْ يَكونُ؟ فيه وجهان: أحدهما: يختص بالأول لما مرَّ.
وأظهرهما: أنه يتعلَّق بهما جميعًا؛ لتناسب الجنايتين وتأثره بالانصدام، فعليهما جميعًا، فصار كما لو تعاونا على الحَفْر، وعلى هذا، ففي كيفية شركتهما في الضمان وجهان، حكاهما الشيخ أبو عَلِيٍّ: أحدهما: التنصيف؛ كما لو مات بجراحاتٍ صدَرَتْ من شخصين.
والثاني: يوزَّع على القَدْرِ الذي حفره كلُّ واحدٍ منهما، حتَّى لو حفر أحدهما عشرين ذراعًا، والآخر ثلاثين ذراعًا، يكون الضمانُ بينهما أخماسًا.
ولو حَفَر بئرًا متعديًا، ثم طَمَّها، وجاء آخر، وأخرج ما طُمَّت به، وتردَّى فيها إنسانٌ، فالضمان يتعلَّق 524 بالأول؛ لأنه المبتدئُ بالتعدي، أو بالثاني؛ لانقطاع أثر الحفر الأولِ بالطَّمِّ؟ فيه وجهان، نقلهما في "البيان" 525. ولو وضع رجلٌ حجرًا في الطريق، وآخران حجرًا بجنبه، وتعثَّر بهما إنسانٌ،

الجزء: 10 - الصفحة: 432

ومات- فالوجه الأظهرُ: أن الضمان يتعلَّق بهم أثلاثًا، وإن تفاوت فِعْلُهُمْ؛ كما لو مات بجراحةِ ثلاثةٍ، واختلفت الجراحاتُ، وفي "التهذيب" وجه؛ أنه يتعلَّق نصف الضمان بالمنْفَرِد، ونصفه بالآخرين.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ تَعَثَّرَ بِحَجَرٍ فِي الطَّرِيقِ فَالضَّمَانُ عَلَى وَاضِعِهِ، وَلَوْ تَعَثَّرَ بِقَاعِدٍ فَالضَّمَانُ عَلَى الْقَاعِدِ، وَلَوْ تَعَثَّرَ بِواقِفٍ فَالمَاشِي مُهْدَرٌ وَضَمَانُ الوَاقِفِ عَلَى المَاشِي لِأَنَّ الوُقُوفَ مِنْ مَرَافِقِ المَشْيِ دُونَ القُعُودِ، وَقِيلَ في المَسْأَلَتَيْنِ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صورتان: إحداهما: وضْعُ الحَجَرِ كحَفْر البئرِ؛ يتعلَّق الضمان به، إذا تعثَّر به من لم يره؛ عَلَى ما مَرَّ، ولو وضع حَجَرًا في الطريق، فتعثَّر به إنسانٌ ودحْرَجة، ثم تعثَّر به آخر وهلك، فضمان الثانِي يتعلَّق بالمُدَحْرِجِ؛ لأن الحجر في ذلك الموضع، إنما حَصَل بفعله.
الثانية: من قعد في موضع، أو نام، أو وقَفَ، فتعثَّر به ماشٍ، وماتا، أو أحدُهُما، نُظِرَ؛ إن كان ذلك في مِلْكه، ودخله الماشي من غير إذْنٍ، فهو مُهْدَر؛ لأنه قتل نفْسَه، وعلى عاقلته ديةُ القاعدِ، أو الواقفُ، وكذا الحكم لو قَعَدَ أو وَقَفَ في مَوَاتٍ، أو طريقٍ واسع لا يتضرَّر به المارَّة، ولا فرق بين أن يكون القاعدُ أو الواقفُ بصيرًا أو أعمَى، كما لو قصد قتل من يمكنه الاحتراز 526 منْهُ، فلم يحترز حتَّى قتله، وإن قعد أو وقَفَ في طريقٍ ضيِّقٍ يتضرَّر به المارَّة، واتفق ما صوَّرناه، فالأصحاب فريقانِ، قال أكثرهم، وتابَعَهُم صاحبُ الكتاب: النَّصُّ فيما إذا تعثر الماشي بالقاعدِ أو النائم؛ أن دَمَ القاعدِ والنائم مُهْدَر، وعلى عاقلتهما ديةُ الماشي، والنصُّ فيما إذا كان التعثّر بالواقف، وماتا؛ أنه يُهْدَر دمُ الماشِي 527، ويجبُ دية الواقِفِ على عاقلته، وفيهما طريقان: أحدهما: التصرُّف في النصَّيْن، وجعل الصورتين عَلَى قولَيْن بالنقل والتخريج: أحدهما: أنه يُهْدَرُ دم الواقفِ، والقاعدِ، والنَّائم، ويجب ديةُ الماشِي على عاقلة هَؤُلاء؛ لأن الطريق للطروق، وهم بالوقوفِ والقعودِ والنَّوْم مقصِّرون، فينزل فعْلُهم منزلةَ وضْع الحَجَر في مثل هذا الطَّريق.

الجزء: 10 - الصفحة: 433

والثاني: يُهْدَر ديةُ الماشِي، ويجب على عاقلته ديةُ الواقِفِ أو القاعدِ أو النائمِ؛ لأن القتل حصل بحرَكَتِهِ، والمَشْيُ ارتفاقٌ بالطريق، فيباحُ بشرط السَّلامة، فصار كما إذا تردَّد الأعمَى في الطريق بلا قائد، فأتلف، فلَزِمَهُ الضمان.
والثاني: تقريرُ النصَّيْن، والفرق أن الماشي قد يحتاجُ إلى الوُقُوف؛ لانتظار رفيقٍ أو كلالٍ أو سماع كلامٍ، أو إِسماعِهِ، فالوقوف من مرافِقِ الطريقِ؛ كالمشْي، لكن الهلاكَ حصَلَ بحركة الماشِي، فيختص بالضمان، والقعودُ والنومُ ليْسَا من مرافق الطريقِ، فمن قَعَد أو نامَ، فقد تعدَّى، وعرض نفْسَه للهلاك، وهذا ما اختاره القاضي الحُسَيْن، وفي "التهذيب" أنه الأصحُّ، وقال أصحابنا العراقيُّون: يجبُ على عاقلة كلِّ واحدٍ من الماشِي والواقِفِ ديةُ الآخر، أما الماشي، فلأنَّه قتل الواقف، وأما الواقف، فلأنه تسبَّب إلَى قتل الماشي بالوقوف في الطريق، وينسب هذا إلَى نصِّه في القديم، ونقلوا وجْهًا آخر؛ أنه لا ضمانَ عَلَى عاقلة الواقفِ؛ لأنه لا حركَةَ منه، والقعودُ عَلَى هذه الطريقة كالوُقُوف، ويخرجُ من الطريقَيْن في الواقِفِ والماشِي ثلاثةُ أوجُه، أو أقوالٍ: أحدُها: وجوبُ دية كلِّ واحدٍ منهما عَلَى عاقلة الآخر.
والثاني: وجوبُ ديةِ الواقِف عَلَى عاقلة الماشِي، دون العكس.
والثالث: وجوبُ ديةِ الماشِي عَلَى عاقلة الواقِفِ، دون العكس، والأقربُ الثَّاني، وبه أجاب صاحب "التتمة" ورجَّحه أبو الحَسَنِ العَبَّادِيُّ، ويليه الأول، وهذا كلُّه فيما إذا لم يوجَدْ من الواقف فعلٌ، فإن وجد كما إذا انحرف إلى الماشي، لما قَرُب منه وأصابه في انحرافه، وماتا، فهما كماشِيَيْنِ اصْطَدَما، وسنذكر حُكْمَه، ولو انحرف عنْه، فأصابه في انحرافه، أو انحرف إليه، وأصابه بعد تمامِ الانحرافِ، فالحكْمُ كما لو كان واقفًا لا يتحرَّك.
ولو جلس في مسْجدٍ، فتعثَّر به إنسانٌ وماتا، فعلى عاقلة الماشي ديةُ الواقفِ، ولا ضمان للماشي؛ كما لو جلس في ملكه، فتعثَّر به ماش، ولو 528 نام في المسجد معتكفًا، فكذلك، ولو جلس لأَمْرٍ يُنَزَّهُ عنه المسجدُ، أو نام غيْرَ معتكِفٍ، فهو كما لو نام في الطريق، ذكره في "التهذيب" 529، وعن أبي حنيفة وأصحابه، أنَّ الجالس يضمن ديةَ الماشِي، إذا جلس لغير الصَّلاة، ولا يخفى أن ما أطلقه صاحبُ الكتاب في هذا الفَصْل، والذي قبله من أنَّ الضمان على الحافر، وعلى واضع الحجر، وعلى القاعد،

الجزء: 10 - الصفحة: 434

أراد به تعلُّقَ الضمان بهم بوجوبه عَلَى عواقلهم، لا وجوبَ الضمانِ عليهم في أنْفُسِهِمْ، وقد وقَع في لَفْظ الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في مسألةِ وضْع الحَجَر، وإذا قلنا: إن العاقلةَ يتحملَّون الدية فالوجوب يلاقي الجاني أخذًا بظاهر اللفظ، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ تَرَدَّى فِي بِئْرٍ فَسَقَطَ عَلَيْهِ آخَرُ فَضَمَانُهُما عَلَى عَاقِلَةِ الحَافِرِ، وَهَلْ لِوَرَثَةِ الأَوَّلِ مُطَالَبَةُ عَاقِلَةِ الثَّانِي بِنِصْفِ الدِّيَةِ حَتَّى يَرْجِعُوا بِهِ عَلَى عَاقِلَةِ الحَافِرِ؟ فِيهِ تَرَدُّدٌ، مَنْشُؤُهُ أَنَّ المُكْرَهُ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِهِ عُهْدَةٌ؟، وَلَوْ تَزَلَّقَ عَلَى طَرَفِ البِئْرِ فَتَعَلَّقَ بِآخَرَ وَجَذَبَهُ وَتَعَلَّقَ الآخَرُ بِثَالِثِ وَجَذَبَهُ وَوَقَعَ بَعْضُهُم عَلَى البَعْضِ فالأَوَّلُ مَاتَ مِنْ ثَلاَثَةِ أَسْبَابٍ بِصَدْمَة البِئْرِ وَثَقِلَ الثَّانِي والثَّالِثِ وَهُوَ مُتَسَبَّبٌ إَلَى وَاحِدٍ فَيُهْدَرُ ثُلُثُ دِيتِهِ وَثلُثُهُ عَلَى الحَافِرِ وَثُلُثُهُ عَلَى الثَّانِي فَإِنَّهُ جَذَبَ الثَّالِثِ وَأَمَّا الثَّانِي هَلَكَ بِسَبَبَيْنِ وَهُوَ مُتَسَبِّبٌ إِلَى أَحَدِهِمَا فَيُهْدَرُ نِصْفُهُ وَنِصْفُ دِيتِهِ عَلَى الأَوَّلِ لِأَنَّهُ جَذَبَهُ وَأَمَّا الثَّالِثُ فَكُلُّ دِيتِهِ عَلَى الثَّانِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا وقع في البئرِ واحدٌ [خَلْفَ واحدٍ]، وهلكوا أو بعضُهم، فإما أن يكون وقوع الثاني بجَذْبِ الأول، أو من غير جذبه: الحالة الأولَى: إذا وقع الثاني من غير أن يجذبه الأوَّل، فإن مات الأول، فالثاني ضامنٌ؛ لأنه أتلفه بثَقلِهِ ووقوعِهِ عليه، فكان كما لو رماه بحَجَر، فقتله، وما الذي يلزمه ينظر؛ إن تعمد إلقاء نفسه عليه، ومثله يَقْتُلُ مثْلَهُ غالبًا؛ لضخامته، وعُمْق البئر، وضيقها فعليه القصَاص، وإن تعمَّده، لكنه لا يقتل بمثله غالبًا، فهو شبه عمد، وإن لم يتعمَّد وتردَّى في البئر بغير اختياره، أو لم يعلم وقوع الأول في البئر، فهو خطأ محضٌ، ثم الذي أطلقه المطْلِقُون، إذا آل الأمر إلى المال؛ أنه تجبُ الدية بتمامها، وقد يحتجُّ له بما روي أن بصيرًا كان يقُودُ أعمَى، فوقع البصيرُ في بئْرٍ، ووقع الأعمَى فوقه، فقتله، فقَضَى عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بِعَقْلِ البَصِيرِ على الأَعْمَى، فذكر أنَّ الأَعْمَى كان ينشد في المَوْسِمِ: [الرجز]: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، رَأَيْتُ مُنْكَرًا!! هَلْ يَعْقِلُ الأَعْمَى الصَّحِيحَ المُبْصِرا؟ خَرَّا مَعًا كِلاَهُما تَكَسَّرا واستدركَ مستدركونَ؛ فقالوا: كما أن وقوعَ الغيرِ على الإنسان مُهْلِكٌ، فوقوعه في البئر وتأثُّره بما يصادِمُه 530 مهلِكٌ أيضًا، فالأول ماتَ بوقوع الثاني عليه، وبوقوعه في البئر، فعلى الثاني نصفُ الدية، ويكون النصْفُ على الحافر، إن كان الحفر 531 عدوانًا،

الجزء: 10 - الصفحة: 435

وإلا فهو مُهْدَرٌ، وهذا أصحُّ عند صاحب "التتمة" وغيره، نَعَمْ، لو نزل الأولُ في البئْر، ولم ينصدم 532، ثم وقع عليه الثاني، تعلَّق بوقوعه كلُّ الدية، وإن ماتَ الثاني، فإن تعمَّد إلقاءَ النَّفْس فيها، أو لم يكنِ الحَفْر عدوانًا، فهو هَدَر، وإلا تعلَّق الضمان بالحافر، وإنْ ماتا معًا، فالحكم في حقِّ كل واحد منهما 533 على ما بيَّنَّا، وإن تردَّى في البئر ثلاثةٌ، واحدٌ بعد واحدٍ، فمن قال في الصورة السابقة: إن ديةَ الأول على عاقلة الثاني، قال هاهنا دية الأولِ علَى عاقلة الثاني، والثالثُ؛ لأنه مات بوقوعهما عليه، ويحكَى هذا عن الشيخ أبي حامد، ومَنْ قال هناك: ليس على الثانِي إلاَّ النصْفُ، قال هاهنا: ليس على الثاني والثالث إلاَّ ثلثا الضمانِ، والثلُثُ الباقي 534 على الحافر إن كان متعديًا، وإلا فهو هَدَر، وينْسَبُ هذا إلى القاضي أبي الطَّيِّب 535، واختاره ابن الصبَّاغ وقوله في الكتاب: "ولو تردَّى في بئْر، وسقَطَ عليه آخر، فضمانُهُما على عاقلة الحَافِر"، يعني: إذا ماتا، وكان الحفّر عدوانًا، فيثبت لورثة كلِّ واحد منهما مطالبةُ عاقلةِ الحافِرِ بالدية.
وقوله: "وهَلْ لورثة الأوَّل ... " إلى آخره، أراد به أن الثاني، وإن أهلك 536 الأول بوقوعه عليه، فإنه غير مختارٍ فيه، بل ألجأه الحفْرُ إليه، فهو كالمكْرَهِ على الإِتلاف، وليس للإتْلاَف 537 في صورة الترَدِّي موجبٌ سوى المال، فكان كالمكْرَهِ على إتلاف المال، وقد سبق ذكْرُ وجهين في أن المكْرَهَ على إِتلاف المال، هل يُطَالَب بالضمان، وأن القرار على المِكْرَه، وإن طولِبَ به المُكْره، وإذا كان كذلك، استقرَّ ضمان الثاني على عاقلة الحافر؛ لأنه كالمكْرَه، وفي مطالبة عاقلة الثانِي به الخلافُ في مطالبة المُكْرَه، والظاهر المطالبةُ.

الجزء: 10 - الصفحة: 436

وقوله: "فضمانُهُما على عاقِلَةِ الحافِرِ"، يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ لأن الحافر، وإن قدر أنه كالمَكْرَهِ، فقد قدَّمنا وجهًا؛ أن ضمان المال علَى المُكْرِهِ، دون المكْرَه.
وكذا قوله: "حتَّى يرجِعُوا به عَلَى عاقلة الحافر" لوجهٍ آخر، أنَّ الضمان يتقرَّر عليهما بالسوية، فلا يرجع المكره، إذا غرم النصف.
وقوله: "بنصْفِ الدية" يوافقُ قَوْلَ من قال: إن الضَّمَان الذي يتعلَّق بالثاني نصْفُ الدية لا جميعها، [والله أعلم].
الحالة الثانية: أنْ يقَعَ الثاني في البئْر بجذب الأول، فإذا تَزَلَّق على طرف البئر، فجذب غيره، ووقع في البئر، ووقع المَجْذُوب فوقه، فماتا، فالثاني هلك بجَذْب الأول، فكأنه أخذه، وألقاه في البئْر إلاَّ أنه قَصَد الاستمساكَ والتحرُّز عن الوقوع، فكان مخطئًا؛ ووجب ضمان الثاني على عاقلته، وأما الأول، فإن كان الحفْرُ عدوانًا، ففيه وجهان: أحدهما، ويحكَى عن الخُضَرِّي: أنه مُهْدَر لا يتعلَّق شيءٌ من ضمانه بحافر البئر؛ لأن الحفر سبَبٌ، والذي وجد منه، وهو جذب الثاني مباشرة، فصار كَمَا إذا حفر بئرًا عدوانًا، وطرح آخر فيها نفْسَه لا يجب على الحافر شيْءٌ من ضمانه.
والثاني: أنَّه يجبُ نصف ديته على عاقلة الحَافر، ويُهْدَر النصْفُ؛ لأنه مات بسببين؛ صدمةِ البئرِ، وثِقَلِ الثاني، والثَّاني: فعلُه، فيهدَرُ النصفُ، ويجب النصف، وهذا أصحُّ على ما ذكره الشيخ أبو علي وغيره، وأجاب الشيخ عن الأول؛ بأن ابتداءَ السقوط والتردِّي لم يكن بفعْلِهِ واختياره، والجَذْب وجد بعْدَ ذلك، كأنه زَلِقَتْ رجْلُه، أو انهار طَرَفٌ من أطراف البئر، فتعلَّق بغيره مستمسكًا، فانقلع الغَيْرُ معه، ويخالف ما إذا طرح نفسه في البئر قصْدًا؛ فإنه أحدث سبب الهلاك باختياره، وإن لم يكن الحفر عدوانًا، فالأول مُهْدَر بلا خلاف، وليحمل على هذه الحالةِ إطلاقُ من أطلق القولَ بإهدار الأول، وقد أطلقه كثيرون 538، ولو كان التصويرُ كما ذكرنا، وجذب الثاني ثالثًا، وماتوا جميعًا، فأما الأول، ففيه وجهان: أحدهما: أنه يُهْدَر نصْفُ ديته لجذْبه الثاني، وبجبُ نصفها على عاقلة الثَّاني؛ لجذْبه الثالث، فإنه مات بثقلهما، وهذا ما أورده جماعةٌ، منهم صاحبُ "التهذيب" والقاضي الرويانيُّ، وهو مبنى على أن الحفْر لا أثر له مع الجَذْب.

الجزء: 10 - الصفحة: 437

وأَظْهَرُهُما، وهو المذكور في الكتاب: أنه مات بثلاثةِ أسبابٍ، صدمةِ البئر، وثِقَلِ الثاني والثَّالث، فيهدر لما حَصَل بفعله، وهو ثقلُ الثاني -ثلُثُ الدَية، وينظَرُ بعد ذلك؛ إن كان الحفر عدوانًا، فيجب ثلث الدية 539 على عاقلة الحافر، وثلثُهَا على عاقلة الثاني؛ لجذبه الثالث، وإن لم يكن الحفْرُ عدوانًا، فيهدر ثلث آخر، ويجب الثلث على عاقلة الثاني، وذكر ابن الحَدَّاد؛ أنه مات بالوقوعِ في البئرِ، وبَجذبْه الثاني، فيهدَرُ نصْف ديته، ونصْفُها على عاقلة الحافر، وأعْرَضَ عن النظر إلى تأثره بثقل الثالث، وهو غيْرُ مرضيٍّ عند الأصحاب.
وأما الثاني: فإنه ماتَ بجَذْب الأول وإلقائه إياه في البئْر، وبثقل الثالث، وثقلُ الثالثِ حَصَل بفعله، فيُهْدَرُ نِصْفُ ديته، ويجب نصفها على الأول، ولا أثر للحَفْر في حقِّه؛ إذ جذب وألقى فيها.
وأما الثَّالث: فإنه لم يوجَدْ منه ما يؤثِّر في هلاكه، فيجب تمام ديته، وعلى مَنْ تجب؟ فيه وجهان: أصحهما: أنه على الثاني؛ لأنه الذي جَذَبَهُ، وأوْقَعَه في البئر.
والثَّاني: على الأوَّل والثاني جميعًا؛ لأنه لما جذب الثاني الثالثَ، والأوَّلُ الثانِيَ، صار الثالث مجذوبًا بالقوتَيْن جميعًا.
ويجوزُ أن يُعْلَم؛ [لما ذكرنا] 540، قولُه في الكتاب في حقِّ الأول: "فَيُهْدَرُ ثُلُثُ دِيَتهِ" بالواو.
وكذا قوله في آخر الفصْل "على الثاني"؛ إشارةً إلى الوجه الذاهب إلَى أن ديةَ الثالثِ على الأول، والثاني مَعَهُ، لا على الثاني وحْده.
[ولو كانَتِ] 541 الصورةُ بحالها وجذبَ الثَّالِثُ رابعًا، وماتوا جميعًا، ففي الثلاثة الأولينَ وجوه: أصحها: أن الأول مات بأربعة أسبابٍ؛ صدمةِ البئرِ، وثقلِ الثلاثةِ؛ فيهدَرُ ربع ديته؛ لجذبه.
الثاني، ويجبُ الربعُ على عاقلة الحافِرِ، إن كان الحفْرُ عدوانًا، ويهدر أيضًا إن لم يكن عدوانًا، ويجب الربع على عاقلة الثاني؛ لجذبه الثالثَ، والربُعُ 542 على عاقلة الثالث؛ لجذبه الرابع، وأمَّا الثاني، فلا أثر للحَفْر في حقه، وقد مات بجَذْب الأوَّل

الجزء: 10 - الصفحة: 438

إياه، وبثقل الثالث والرابع، فيُهْدَر ثلث ديته، ويجب ثلثها على الأوَّل، والثُّلُث على الثالث، وأما الثالثُ، فقد مات بجَذْب الثاني إياه، وبثقل الرابع، فيُهْدَر نصْفُ ديته، ويجب نصْفُها عَلَى عاقلة الثاني.
والوجه الثاني: أنه لا يجبُ للأول شَيْء؛ لأنه باشر قَتْل نفسه بجذب الثاني، وما تولد من جذبه، ودية الثاني بُهْدَرُ نصْفُها بجَذْبه الثالثَ، ويجبُ نصْفُها على عاقلة الأول؛ لجذبه إياه، وديةُ الثالثِ يُهْدَرُ نصفها لجذْبه الرابعَ، ويجبُ نصفُها على عاقلة الثاني؛ لجذبه إيَّاه، وقضيةُ هذا الوجْه: ألا يجبَ للأولِ في صورة الثلاثةِ شَيْءٌ؛ أيضًا، وإن لم يذكُرُوهُ هناك.
والثالث: أنه يجعلُ دية الأول أثلاثًا، فيهدَرُ ثلثها، ويجبُ الثلث على عاقلة الثاني، والثلُثُ على عاقلة الثالث؛ لأنه هَلَك بفعلِ نفسه وفعْلِ الثانِي والثالِث؛ لأن أفعالهم مباشرةٌ، فَيُقَدَّم على الحَفْر الذي هو السبب، وكذلك، تجعلُ دية الثاني أثلاثًا، فيهدر ثلثها؛ لجذبه الثالث، ويجب الثلث على عاقلة الأول؛ لجذبه إياه 543، والثلثُ على عاقلة الثالث، [وأما الثالثُ، فَيُهْدَرُ أيضًا] ثلثها؛ لجذبه الرابعَ، وكذلك تجعلُ ديةُ الثالثِ أثلاثًا، فيهدر ثلثُها؛ لجَذْبه الرابعَ، ويجب ثلثها على عاقلة الأول، وثلثُها على عاقلةِ الثاني؛ لأن الأوَّل جَذَب الثانيَ، والثانِيَ جذَبَ الثالثَ؛ فكأنهما شاركاه في إهْلاَك نفسه.
والرابع، حكاه أبو سَعْدٍ المتولِّي، أن للأول رُبُعَ الديةِ، إن كان الحفر عدوانًا، وللثانِي الثلثُ، وللثالثِ النصفُ، وللرابع كمالُ الدية؛ لما رُوِيَ أنَّ ناسًا باليمن حَفَرُوا زُبْيَةً للأسد، فوقع الأسد فيها، فازدحم الناسُ عليها، فتردَّى فيها واحدٌ، فتعلَّق بواحدٍ، فجذبه، وجذب الثاني ثالثًا، والثالثُ رابعًا، فرفع ذلك إلى عَلِيٍّ (كرم الله وجهه)، فقال: للأوَّلِ رُبُعُ الديةِ، وللثانِي الثلثُ، وللثالثِ النصْفُ، وللرابعِ الجميعُ، فرفع ذلك إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فأمْضَى قَضَاءَهُ، والمعنى فيه؛ بأن الأوَّل ماتَ بالوقوع في البِئْر، ووقوع الثلاثة فوْقَهُ، ووقوعهم نتيجة فعله، ولم يتعلَّق به ضمان، وموت الثانِي بجَذْب الأول، ووقوع الاثنين فوقه، ووقوعهما من نتيجة فعْله، فوجب ثلث الدية، وموت الثالث مِنْ جذب الثاني، ووقوع الرابع فوقه، وذلك من فعله؛ فوجب النصفُ، والناصرُونَ للأصحِّ في المسألة لم يثبتوا قصَّةَ عليٍّ (كرَّم الله وَجْهَه)، وربما تكلَّفوا تأويلها، واتفاق الوجوه تجبُ دية الرابع بكمالها، لكنها على من تجبُ؟ فيه وجهان: أصحهما: على الثالث.

الجزء: 10 - الصفحة: 439

والثاني: على الجميع.
وقد مرَّ نظيرُهُما، وجميعُ ما ذكرنا فيما إذا وقع الثلاثةُ أو الأربعةُ بعْضُهم فوق بعض.
أما إذا كانتِ البئرُ واسعةً، وجذب بعضهم بعضًا، لكن وقع كلُّ واحد منهم في ناحية من البئر، فديةُ كلِّ مجذوبٍ على عاقلة جاذِبِه، وديةُ الأولِ عَلَى عاقلة الحافِرِ، إن كان متعديًا، ومن على عاقلة ديةُ بعضهم أو بعضُها في هذه الصورة، وجبت في ماله الكَفَّارة، ويقع النظر في أنَّها هل تتجزأ، ومَنْ أَهْدِرَ دمُه، أو شيْءٌ منه لفعْلِهِ، ففي وجوب الكفَّارة عليه الخلافُ في أن قاتِل النفْسِ، هل يلزمه الكفَّارة؟ قال الغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الرَّابِعُ فِيما يُوجِبُ الشَّرِكَةَ كَمَا إِذَا اصْطَدَمَ حُرَّانِ وَمَاتَا فَكُلُّ وَاحِدٍ شَرِيكٌ فِي قَتْلِ نَفْسِهِ وَقَتْلِ صَاحِبِهِ فَفِي تَرِكَةِ كُلِّ وَاحِدِ كَفَّارَتانِ وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ دِيَةِ صَاحِبِهِ إِلاَّ إِذَا كَانَا مُتَعَمَدِّيْنِ فَهِيَ فِي تَرِكَتِهِمَا، فَإنْ كَانَا راكِبَيْنِ زَادَ فِي تُرْكَةِ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ قِيمَةِ دَابَّةِ صَاحِبِهِ، فَإنْ غَلَبَهُمَا الدَّابَّتَانِ أُهْدِرَ الهَلاَكُ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ إِحَالَةً عَلَى الدَّوَابِّ، وَفِي الثَّاني يُحَالُ عَلَى رُكُوبِهِمَا، فَإِنْ كَانَا صَبِيَّيْنِ أَرْكَبَهُمَا أَجْنَبِيٌّ مُتَعَدِّيًا فَحَوالَةُ الكُلِّ عَلَى الأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ أَرْكَبَهُمَا الوَلِيُّ فَلا حَوَالَةَ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ كَرُكُوبِ الصَّبِيَّيْنِ بِنَفْسِهِمَا، وَإِنْ أَرْكَبَ الوَلِيُّ لِأَجْلِ زِينَةٍ لاَ حَاجَةٍ فَفِي تَقْيِيدِهِ بِشَرْطِ سَلامَةِ العَاقِبَةِ فِي حَقِّ الوَلِيِّ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيّ: غرضُ الطرفِ الكلامُ في الاصطدامِ وما يناسبه، وفيه مسائل: الأولى: إذا اصطدم ماشيانِ، فوقَعَا، وماتا، فكلُّ واحدٍ منهما ماتَ بفعْله وفعْل صاحبه، فهو شريكٌ في القتلين، فيكونِ فعْلُه هدرًا في حقِّ نفسه، ومضمونًا في حقِّ صاحبه؛ كما لو جرح نفسه، وجَرَحَه غيرُهُ، ومات من الجراحَتَيْنِ، يسقطُ نصف الدية، ويجبُ على ذلك الغَيْر نصفها، وإذا تحقَّق ذلك، فعَلَى كلِّ واحد منهما كفَّارةٌ لقتلِ الآخر، إن قلنا: إن الكفارةَ لا تتجزأ، ونِصْف كَفَّارَةٍ، إن قلنا: إنَّها تتجزأ، ثم إن لم نوجب الكفَّارة على قاتل النفس، لم يلزم واحدٌ منهما بشركتة في قتل نفسه كفارةٌ، وإن أوجبنا، فيعود الخلافُ في التجزؤ، والصحيحُ: أن الكفَّارة لا تتجزأ، وأنَّ قاتل النفس يلزمه الكفَّارة على ما سيأتي، إن شاء الله تعالى، والمسألتان في باب الكفَّارة.
وقوله هاهنا: "ففي تركةِ كلِّ واحدٍ كفَّارَتان"؛ اقتصارًا على الصحيحِ في المسألتَيْن، ويجوز أن يُعْلَم بالواو.
وأمَّا الديةُ، فيجب نصف ديةِ كلِّ واحد منهما، ويسقط نصفُ الديةِ بفعْله؛ لِمَا ذكَرْنا، وبه قال مالك، وقال أبو حنيفةَ، وأحمدُ: يجبُ لكل واحد منهما كمالُ ديته.

الجزء: 10 - الصفحة: 440

ثم إنْ لم يقصد الاصطدامُ بأن اتفق ذلك في ظلمة، أو كانا أعْمَيَيْن، أو مدَّبَّرَيْن، فاصطدما من خلفٍ، أو كان كل واحد منهما غافلًا عن الآخر، فهو خطأٌ محضٌ، فيجب على عاقلة كلِّ واحد منهما نصفُ دية الآخر مخفَّفة، وإن تعمَّد الاصطدام، فوجهان: الذي نصره الأكثرونَ ونقل عن نَصِّه -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "الأم": أن القتلَ الحاصلَ شبْهُ عمد؛ لأن الغالب أنَّ الاصطدامَ لا يفضي إلى المَوْت، فلا يتحقَّق فيه العمدُ المحضُ؛ ولذلك لا يتعلَّق به القصاصُ، إذا مات أحدهما دون الآخر، وعلى هذا فيجبُ على عاقلة كلِّ واحد منهما نصفُ دية الآخر مغلَّظة، وعن أبي إسحاق؛ أن الحاصل عمْدٌ محضٌ، ويجب في تركة كلِّ واحد منهما نصْفُ دية الآخر، وهذا ما أورده صاحبُ الكتاب، والإمامُ، وجعل وجوب القصاص على الخلاف في شريكِ النَّفْس، وقال: إذا اصطدما مقبلَيْنِ، وقَصَدا الصدْمة، فالذي صدر عن كلِّ واحد منهما عَمْدٌ مَحْضٌ، وإذا كانا مقبلَيْنِ، واتفق الاصطدام، لا عن قصد، فهذا يلتحق بشبه العمد، وهذا غَيْرُ واضح.
وليعْلَمْ؛ لما ذكرنا، قولُه في الكتاب: "فهو في تَرِكَتِهِمَا" بالواو، ولو تعمَّد أحدهما الصدمةَ دون الآخر، فلكلِّ واحدٍ منهما حُكْمه.
وقوله في أوَّل الطرف: "كما إذا اصْطَدَمَ حُرَّان" أشار به إلَى أنه لو كان المصطَدِمان عبْدَيْن، كان الحكْمُ بخلاَف ما ذكرنا، وسيأتي من بعد.
الثانية: إذا كان المصطدمانِ راكبَيْن، فحكم الدية والكفَّارة ما بيَّنَّاه، ولو تلفت الدابتان، ففي تركة كلِّ واحد منهما نصْفُ قيمة دابة الآخر؛ لاشْتراكِهما في إتلاف الدابَّتَيْنِ، وعن أبي حنيفة، [أنه يجب] عَلَى كلِّ واحد منهما تمامُ قيمة دابَّة الآخر، ولا مجالَ في القيمة لتحمُّل العاقلة، وقد تقعُ في التقَاصِّ، ولا تقع الديةَ في التقاصِّ؛ لأنها تجبُ على العاقلَةِ، ويستحقُّها الورثة، ولو غَلَبَت الدابتان، وجرى الاصطدام، والراكبانِ مغلوبانِ، ففيه طريقانِ، نقلهما صاحبُ "التهذيب" وغيره: أحدهما: أن هلاكهما وهلاك الدابَّتَيْنِ، والحالَةُ هذه، مُهْدَرَان؛ لأنه لا صنع ولا اختيار للراكبين فيما جَرَى، فصار كالهلاك بالآفة السماوية.
والثاني: أن الحُكْم كما لو لم يكُونا مغلوبَيْن؛ لأن الركوبَ كان بالاختيار، والركوبُ لا يتقاعَدُ في التَّسَبُّب عن حَفْر البئر، ولذلك كان الراكبُ في عُهْدة ما تتلفه الدابَّة، وهذا أظهرُ، إن أثبتنا الخلافَ.
والثاني: القطْعُ بأن المغْلُوب كغَيْره بخلافِ السفينَتَيْن؛ لأن السفينة تجْرِي بالرِّيح،

الجزء: 10 - الصفحة: 441

وليستِ الريحُ تحت ضَبطِه، والدابَّةُ زمامُها وعنانُها بيده، فإذا غلبته، دلَّ ذلك على سوء فروسيته وتقصيره، ويجْري الوجهانِ فيما إذا غَلَبَتِ الدابَّةُ راكبَها، أو سائِقَها، وأتلفتْ مالًا، هل يسقط الضمانُ عنه؟ ويجوز أن يُعْلَم لذلك قولُهُ في الكتاب: "على أَحَدِ القوليْنِ" بالواو، ولا فرق في اصطدام الراكبَيْن بين أن يتَّفِقَ جنْسُ المركوبَيْن، أو يختلفَ الجنْس والقُوَّة؛ بأن يكون أحدهما راكبًا بعيرًا، أو فرسًا، والآخر راكبًا بغلًا أو حمارًا، ولا في الراجلَيْنِ بَيْن أن يتَّفِق سيرهما قوَّةً وضعفًا، أو يختلفَ، بأنْ كان أحدهما يعْدُو، والآخر يمْشِي، ولا بَيْن أن يكونَا مقبلَيْن أو مدبرَيْن؛ كما إذا جرت (1) الدابَّتان، فاصطدما من خَلْف، أو أحدُهما مقبلًا، والآخر مدبِرًا؛ لأنَّ الاصطدام والحركة المؤثِّرة إذا وجدتْ منهما جميعًا، اكتفى به، ولم ينظر إلى مقادير المؤثِّر، وتفاوت التأثيرِ كالجراحَةِ الواحدة والجراحات، نَعَمْ، قال الإمامُ: لو كانتْ إحدى الدابَّتين ضعيفةً؛ بحيث يقطع بأنّه لا أثر لحركتها، مع قوة الدابَّة الأخرى، فلا يناط بحركتها حُكْم؛ كغرز الإبْرة في جلْد العَقِب مع الجراحات العظيمة (2)، ولا فَرْق بين أن يقع المُصْطَدِمان مُنكَبَّيْنِ أَو مُسْتَلْقِيَيْنِ، أو أحدهما منكبًّا، والآخر مستلقيًا، وقال أبو حنيفةَ: إنما يجبُ الضمان، إذا وقعا مُسْتَلْقِيَيْنِ، فأما إذا وقعا منكبَّيْنِ، فهما مُهْدَران؛ لأن الانكباب إنما يحصل بفعل المنكَبِّ، لا بفعل الآخر، وإذا وَقَع أحدهما منكبًّا، والآخر مستلقيًا، فالمنكب هَدَر، وضمان المستلقي على عاقلة المُنْكَبِّ، وعن المُزَنِيِّ؛ أنه ساعده في "المنثور" فيما إذا وقع أحدهما منكبًّا، والآخر مستلقيًا، وعن صاحب "التلخيص" مثله؛ تخريجًا، ويقال: إنه وافق أبا حنيفةَ في المنكبَّيْنِ أيضًا، وإنَّ الأصحاب مَنْ تابعه عَلَى تخريجه، وعامتهم قالوا: الانكبابُ أثرُ الصَّدْمة، والصدمة بينهما، فأشبه الاستلقاء، ولو اصطدم ماشٍ وراكبٌ لطول الماشِي (3)، وهَلَكا، فالحكم عَلَى ما بيَّنَّا.

" فَرْعٌ"

تجاذب اثنانِ حَبْلًا، فانقطع وسقَطَا، وماتا، فيُهْدَر من دية كلِّ واحد منْهما النصفُ، ويجب النصفُ على عاقلة الآخر؛ لأنَّ كل واحدٍ منهما هَلَك بفعْلِ نفسه وفعْلِ الآخر، ولا فرق بين أن يقعا منكبَّيْن أو مستلْقِيَيْنِ، أو أحدهما هكذا، والآخر هكذا،544545546

الجزء: 10 - الصفحة: 442

وقال أبو حنيفةَ: إنْ وقعا منكبَّيْن، فعلى عاقلة كلِّ واحد تمامُ دية الآخر، وإنْ وقعا مستلْقِيَيْنِ، فهما مُهْدَران؛ لأن انكباب كلِّ واحد منهما هاهنا يكون بفعل الآخر، والاستلقاء يكون بفعْله، لا بفعل الآخر عَلَى نقيض ما سبق في الاصْطِدام، ولو وَقَع أحدهما مستلقيًا، والآخر منكبًا.
قَدَمُ المستلقي هَدَر، وعلَى عاقلته جميعُ دية المنْكَبِّ، وقياسُ ما حكينا عن المُزَنِيِّ وصاحب "التلخيص" موافقته، وذكر صاحب "التهذيب" فيما إذا انكب أحدهما، واستلقَى الآخر؛ أنه يجب على عاقلة المستلقي نصْفُ دية المنكبِّ مغلَّظة، ويجبُ على عاقلة المنْكَبِّ نصفُ ديةِ المستلْقِي مخفَّفة، وهذا إنْ صحَّ (1)، اقتضى أن يقال في صورة الاصطدام، إذا انكب أحدهما، واستلقى الآخر، يجب على عاقلة المستلقِي نصْفُ دية المنكبِّ مخفَّفة، وعلى عاقلة المنكبِّ نصفُ دية المستلقي مغلَّظة، ثم ال

فرع

مصوَّر فيما إذا كان المتجاذبان مالكَيْن للحَبْل أو غاصِبَيْنِ، فأما إذا كان أحدهما مالكًا، والآخر ظالِمًا 548، فَدَمُ الظالمِ مُهْدَرٌ، وعلى عاقلته نصفُ دية الآخر، ولو أرخَى أحد المتجاذبَيْن، فسقط الآخر، ومات، فنصف ديته على عاقلة المُرْخِي، ونصفُها هدر؛ لأنَّ سقوطه إنما يكون بالإرخاء بقوَّة جَرِّهِ، ولولا جرُّه، لما سقط بالإرخاء، ولو قَطَع الحبلَ الذي يتجاذبانه قاطعٌ، فسقطا، وماتا فديتهما جميعًا على عاقلة القَاطِع.
" فَرْعٌ" ما ذكرنا أنه يُهْدَر نصفُ قيمة الدابَّة، ويجب النصف الآخر؛ فيما إذا كانت الدابَّة ملكًا للراكب، فأما إذا كانتْ مستعارةً أو مستأجرةً، فلا يُهْدَرُ منْها شيْءٌ؛ لأن العاريّةَ مضمونةٌ، وكذا المستأجِرُ إذا أتلف المستأجَرَ.
الثالثَةُ: بيَّنَّا حكم اصطدام البالغَيْن العاقلَيْن في حالتَي المشْي والركوب، فأما إذا اصطَدَمَ صبيان أو مجنونانِ، نُظِرَ؛ إن كانا ماشيَيْن، أو راكَبَيْن، وَقد ركبا بأنفسهما، فالحكْمُ كذلك، إلا أنا إذا أوجبْنَا الديةَ، هناك مغلَّظَة، فيبنى هاهنا على أن الصبيَّ، هل له عَمْدٌ، إن قلنا: نعم، فكذلك، وإلا، فتجبُ، مخففة وإن أركبهما مَنْ لا ولايةٌ له عليهما، فلا يُهْدَرُ شيْء من ديتهما، ولا قيمةَ للدابَّتَيْن، ولا شيءَ على الصبِيَّيْن، ولا على عاقلتهما، ولكنْ إن كان المركبُ واحدًا، فعليه قيمة الدابتين، وعلى عاقلته ديةُ الصبيين، وإن أركَبَ هذا واحدًا، وهذا آخَرَ، فعلى كلِّ واحد منهما نصفْ قيمة كلِّ547

الجزء: 10 - الصفحة: 443

واحد من الدابَّتَيْن؛ لأن الذي أركبه متعدياً أتْلَفَ النصفَيْن، فضمنه، وكذلك يَضْمَن ما أتلفت الدابَّة بيدها أو رِجْلها، وعلى عاقلة كلِّ واحد منهما نصفُ دية الصبيِّ الذي أركبه، ودية الصبيِّ الآخر لجنايته عَلَى نفسه، وجنايته على الآخر، هذا هو المشهُور، ووراءَه كلامان: أحدهما، قال الشيخُ أبو حامدٍ: كان أبو القاسم الدَّارِكِيُّ، وأبو الحَسَنِ بْنُ المَرْزُبَانِ يقُولان: يجبُ عَلَى عاقلةِ كلِّ واحدٍ من المُرْكَبَيْنِ ديةُ مَنْ أركبه، قال: وهذا لَيْسَ بشَيْء، والصوابُ الأولُ؛ لأن المُرْكِب المتعدِّي يضمن الصبيَّ الذي أركبه، وجنايته على غيره حتَّى لو وقع الصبيُّ، ومات، يلزمه الضمان، ولو جنَى على غيره، يضْمَن ذلك الغير، ولا يضمن جناية الغَيْر على الصبيِّ الذي أركبه، فلا يصحُّ القول بأنه يضمن من أركبه؛ لأن نصفه فَاتَ بجناية الغير، والذي أطلقه مِنْ أنَّه لو وقع الصبيُّ الذي أركبه، ومات، يضمنه -فيه تفصيلٌ في "التتمة"، فإنَّه قال: إن كان مثله لا يستمسكُ على الدابَّة، ولم يسنده، وجب الضمان، وإن كان يستمسك، فإن كان ينقله من موضع إلَى موضع، فلا ضمان؛ أركبه الوليُّ أو غيره؛ لأنه لا يخاف منه الهلاك غالباً، وإن أركبه لتعلم الفروسية، فهو كما لو تلف في يد السَّبَّاح، وفي كلِّ واحدٍ من الإطلاق والتفصيلِ توقُّف.
الثاني: قال في "الوسيط": لو أركب الصبيَّ متعدٍّ، وتعمَّد الصبيُّ، فيحتمل أن يحالَ الهلاكُ على الصبيِّ، إذا جعلْنا له عمداً؛ لأن المباشرة أولَى من التسبُّبَ، لكن لَمَّا لم تكن مباشرتُه عدواناً؛ كصباه، أمكن أن يجعل كالتردِّي مع الحفر، والاحتمالُ حسنٌ، والحكم إنْ قيل به كالحكْمِ فيما لو ركبا بأنفسهما، والاعتذارُ عنه متكلَّف، ثم حقُّه أن يقال بمثله في الحَفْر، حتى لو ألقى الصبيُّ نفسه في البئر عمداً يكون الضمان على عاقلة الحافر، والله أعلم.
فهذا إذا أركبهما مَنْ لا ولاية له، وإن أركبهما وليَّاهما لمصلحتهما، ففي الضمان وجهان: أصحهما: المنعُ؛ كما لو ركبا بأنفسهما؛ إذ لا تقصير.
والثاني، ويحكَى عن القَفَّال: أنه يجب الضمان؛ لأن في الإركاب خطراً ظاهراً، فلا يرخَّص فيه إلا بشَرْط الضمان، إن لم تسلم العاقبة، هكذا أطلق حكاية الوجهين جماعةٌ، منهم صاحب "التهذيب"، وإبراهيم المروزيُّ، وخصص الإمامُ وصاحبُ الكتاب الوجهَيْن بما إذا كان الإركابُ لزينة، أو لحاجة غير مهمة، فأما إذا مسَّت حاجة 549 أرهقت إلى إركابه للنَّقْل من مكان إلى مكان، فلا خلافَ في أنَّه لا يتعلَّق [به]

الجزء: 10 - الصفحة: 444

الضمانُ، ثم الوجهان في الزينة، ونحوها، على ما ذكر الإمامُ -مخصوصانِ بما إذا ظهر ظَنّ السلامة، فأما إذا أركب الوليُّ 550 الطفلَ دابَّةً شرسةً جموحةً، فلا شكَّ في أنَّه يتعرَّض لخطَرِ الضمان.
وقوله في الكتاب: "وإن أركب الوليّ؛ لأجل زينةٍ لا لحاجةٍ" فيه ما تبيَّن أن قوله أولاً: "وإن أركبه الوليُّ فلا حوالة عليه"، أراد به ما إذا أركبه لحاجةٍ، وإن أطلق الكلام إطلاقاً.
قال الغَزَالِيُّ: فَإنْ تَصَادَمَ حَامِلَتَانِ فَفِي تَرِكَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ أَرْبَعِ كَفَّارَاتٍ؛ لأَنَّهُ أَهْلَكَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ وَالكَفَّارَةُ لاَ تَتَجَزَّأ، وَقَاتِلُ نَفْسِهِ يَلْزَمُهُ الكَفَّارَةَ عَلَى الأَصَحِّ فِي المَسْألَتَيْنِ، وَعَلَى عَاقِلَةِ كُلِّ وَاحِدَةٍ غُرَّةٌ نِصْفُهَا لِهَذَا الجَنِينِ وَنِصْفُهَا لآخَرِ، وَحُكْمُ الدِّيَةِ مَا سَبَقَ، فَإِنْ كَانَا عَبْدَيْنِ فَهُمَا مُهْدَرَانِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدَهُمَا عَبْداً فَنِصْفُ قِيمَةِ العَبْدِ فِي تَرِكَةِ الحُرِّ وَنِصْفُ دِيَةِ الحُرِّ تَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ القِيمَةِ فَإِنَّهَا بَدَلُ الرَّقَبَةِ، فَإِنْ كَانَتَا مُسْتَوْلِدَتَيْنِ وَتَسَاوَتِ القِيمَتَانِ تَقَاصَّتَا، وإنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا تُسَاوِي مَائَتَيْنِ وَالأخْرَى مَائَةً فَضَلَ لِصَاحِبِ النَّفِيسِ خَمْسُونَ بَعْدَ التَّقَاصِّ، وَإِنْ كَانَتَا حَامِلَتَيْنِ وَقِيمَةِ كُلِّ غُرَّةٍ أَربَعِينَ فَصَاحِبُ النَّفِيسَةِ يَسْتَحِقُّ مَائَةَ وَعِشْرِينَ مِنْ جُمْلَةِ مَائَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَلَكِنْ قِيمَةُ الخَسِيسَةِ مَائَةٌ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى سَيِّدِ المُسْتَولِدَةِ إِلاَّ أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ فَعَلَيْهِ مَائَةٌ لَكِنَّهُ يَسْتَحِقُّ سَبْعِينَ مِنْ جُمْلَةِ مَائَةٍ وَأَرْبَعِينَ فَيَفْضُلُ عَلَيهِ ثَلاثُونَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: اصطدامُ المرأتينِ كاصطدامِ الرَّجُلَيْنِ، ولو اصطدمَتْ حاملان، فماتتا، وألقيتا الجِنينَيْنِ، فيجبُ في تركة كلِّ واحدة أربعُ كفَّاراتٍ؛ كفَّارة لنَفْسِها، وكفَّارة لجنينها، وثالثةٌ لصاحبتها، ورابعةٌ لجنينها؛ لأنَّهما اشتركا في إهْلاكِ أربعةِ أشخاصٍ، هذا إذا أوجبنا الكفَّارة على قاتل النفسِ، وقلْنا: الكفَّارة لا تتجزأ وإن لم نوجب الكفَّارة على قاتلِ النفسِ، عادت إلى ثلاثٍ، وإن قلنا: بالتجزئة، عادَتْ إلى ثلاثةَ أنصافٍ 551، ويجب على عاقلةِ كلّ واحدة نصْف غرة لجنينها 552، ونصف غرة لجنين للأخْرَى؛ لأنَّ المرأة، إذا جَنَتْ على نفسها، فألْقَتْ جنينها، وجبت الغُرَّة على

الجزء: 10 - الصفحة: 445

عاقلتها، كما لو جَنَتْ على حامل أخرَى، فلا يهدر من الغُرَّة شيء، وأما الدية، فتجب نصفها، ويهدر نصفها على ما مَرَّ.
الخامسة: إذا اصطدم عَبْدَانِ، فمات أحدهما، وجب نصف قيمته متعلقاً برقبة الحيِّ، وإن ماتا، فهما مهدران؛ لأن ضمان جناية العبد تتعلَّقَ برقبته، فإذا فاتت الرقبة، فَاتَ محلُّ التعلُّق، ولا فرق بين أن تختلف القيمتانِ، أو تتَّفقا، وإن اصطدم حُرٌّ وعبْدٌ، ومات العبد، فنصفُه هَدَر، ويجبُ نصف قيمته، ويكون على الحر أو على عاقلته، فيه الخلافُ في أنَّ قيمة العَبْد، هَل تتحمَّلها العاقلة، وإن مات الحرُّ، وجب نصف ديته متعلقاً برقبة العبد، وإن ماتا معاً، فإن قلنا: قيمة العبد لا تتحمَّلها العاقلةُ، وجب نصف قيمة العبد في تركة الحُرِّ، ويتعلَّق به نصف دية الحُرِّ، فإنه كان يتعلَّق برقبة العبد، فإذا فاتت، تعلَّق ببدلها كَمَا أن العبد الجانِيَ الذي تعلَّق الأرش برقبته إذا قيل: ينتقلُ التعلُّق إلى قيمته، ثم إن تساويا، قال الأئمة: يتقاصَّان، وليحملْ ذلك عَلَى أنَّه يقع في صورة التقاصِّ، ثم إنما يكون ذلك إذا اتَّحَدَ الجنسُ، بأنْ أعوزت الإبل، ورجع الواجب إلى نقد البلد، وإلا فالدية الإبلُ، وقيمةُ العبدِ نقْدُ البلد، وإذا اختلف الجنْسُ، لم تكن الصورة صورةَ التقاصِّ، وإن كان نصف القيمة أكثرَ، فللسيد أخذُ الزيادةِ من تركة الحُرِّ، وإن كان نصفُ الديةِ أكثرَ، فالزيادة مهدرةٌ؛ لأنه لا محلَّ تتعلَّق به، وإن قلْنا: إن قيمة العبد، تتحمَّلها العاقلةُ، فنصف قيمة العبد على عاقلة الحُرِّ، ويتعلَّق به نصفُ دية الحر، كما ذكرنا، فيأخذ السيد من العاقلَةِ نصفَ القيمةِ، ويدفع نصف الدية إلى الورثة، إما من عين المأخوذِ، أو غيره، ولا تقاصَّ 553 ههنا؛ لأنَّ المستحَقَّ عليه غير المستحِقِّ إلاَّ أن يكون الورثةُ هم العاقلةَ، قال الإِمام: والوجه أن يثبت لورثة الحرِّ مطالبةُ العاقلة بنصْف القيمة، وإن كان المِلْك فيه للسيد، ليتوثَّقوا به، وكذلك إذا تعلَّق الأرش برقبة عبْدٍ، فجاء أجنبيٌّ، وقتل العبد يثبت للمجنيِّ عليه مطالبة قاتِلِ الجاني بالقيمة، ويثبت للمرتَهن مطالبةُ قاتلِ العبدِ المرهُونِ بالقيمة، ليتوثَّق به، وليكنْ هذا مبنيّاً على أنَّه، هل للمرتهن أن يخاصم الجانيَ، وفيه خلافٌ ذكرناه في الرهْنِ، وقلنا: إن الأصحَّ أنَّه لا يخاصم، وبتقدير أن يخاصم، ويأخذ؛ فأما أن يصير المأخوذُ ملكًا للراهن، أو لا يصير ملكًا له؛ فإن لم يَصِرْ ملكًا له، فكيف يتوثَّق بما ليس ملكًا للراهن، ولا أَذِنَ في التوثق المالك، وإن صار ملْكاً له، ففيه جَعْل المرتهن نائباً عنه نيابةً قهريةً، وهو بعيد.
السادسةُ: إذا اصطدمَتْ مستولَدَتَانِ لشخصَيْن 554، وماتتا، فنصف قيمةِ كلِّ واحدة منهما هَدَرٌ لشركتها الأخرى في قَتْل نفسها، ويجب نصفُ قيمتها على سَيِّد الأخرَى؛

الجزء: 10 - الصفحة: 446

لأن ضمان جناية المستولَدَة تكون عَلَى سيدها على ما سيأتي، إن شاء الله تعالَى، وتبين هناك أنَّ الذي يضْمَنه على الصحيح أقَلُّ الأمرين مِنْ أرشِ الجنايةِ، أو قيمة المستولَدَة، فعلَى كل واحدٍ أقلُّ الأمرين من قيمة مستوْلَدَتِهِ، ونصف قيمة مستولَدَة الآخر، فإن استوَى ما يستحقُّ كلُّ واحد منْهما، وعليه فهو من صُوَرِ التقاصِّ، ففيه أقوال التقاصِّ، وإلا رجع مستحِقُّ الزيادة على الآخر بالزيادة.
مثالُه: إحداهما تساوي مائتَيْنِ، والأخرَى مائةً، فصاحب النفيسةِ يستحقُّ مائةً، وصاحب الخسيسةِ يستحقُّ خمسين، فتذهب خمسونَ بخَمْسين، يفْضُل لصاحب النفيسة خمْسُونَ، ولو كانتا حاملتين، وماتتا، وأجهضتا الجنينيْن، فحكم القيمة ما ذَكَرْنا، وأما ضمان الجنينَيْن، ففي "التتمة": أنهما إن كانتا حاملَيْن برقيقين فعلَى سيِّد كلِّ واحدة، مع نصف قيمة الأخرى نصْفُ عشر قيمتها أيضاً، وذلك في مقابلة نصف الجَنِينَ؛ فإنَّ الجنين الرقيقَ يضْمَن بعُشْر قيمة الأُمِّ، وإن كانتا حاملَيْن بولدَيْن حُرَّيْن، فعلَى كلِّ واحد من السيِّدين مع نصف قيمة الأخرى غُرَّةٌ، نصْفُها لجنين مستولَدَته، ونصفُها لجنين الأخْرَى؛ لإهلاكهما الجنينَيْن؛ كما ذكرنا في الحرتين، وإن كانتا حاملتين بولدَيْن حُرَّيْن من السيدَيْن، وهو المرادُ مما أطلقه صاحبُ الكتاب، بل الجمهور، فنصفُ كلِّ جنين هدَرٌ؛ لأن المستولَدَة إذا جَنَتْ على نفسها، وألقت الجنين، فهو هَدَر عَلَى كلِّ واحد من السيدَيْن نصْفُ غُرَّة جنين الأخرى، وتصير الصُّورة من صور التقاصِّ، وإذا فضل لأحدهما شيْءٌ، أخذ تلك الزيادة.
المثال فيهما: قيمتُها مائتانِ، ومائةٌ؛ كما مَرَّ، وقيمة الغُرَّة أربعون، فصاحب النفيسة يستحقُّ مائة وعشرين، لكن قيمة الخسيسة مائةٌ، والصحيح أنَّ سيِّد المستولَدَة، لا يضْمَن إلاَّ أقَلَّ الأَمْرَيْن؛ على ما أشرنا إليه، فإذن ليس لَهُ إلاَّ مائةٌ، وصاحب الخسيسة يستحِقُّ عليه سبعين، نِصفُ مائةٍ وأربعين، فسبعون من المائة تصير قصاصاً بالسبعين، يبقَى على صاحب الخسيسةِ ثلاثُونَ، يأخذها صاحب النفيسة منْه، هذا إذا لم يكنْ لواحدٍ من الجنينَيْن وَارثٌ سوى أبيه، وقد يفرض للجنين مع الأب وارثٌ آخر، وهو الجَدَّة أُمُّ الأُمِّ لا غير، فإذا كان لكلِّ واحد من الجنينَيْن جَدَّة، فلكل واحدٍ منهما سُدُسُ الغُرَّة، نصفه على سيد بنتها، ونصفه على سيِّد الأخرى؛ وذلك لأن المستولَدَة إذا جَنَتْ على نفسها، ولَها أمٌّ حرةٌ، يغَرَّم السيدُ لها سُدُس الغُرَّة؛ كما يغرَّم جناية المستولدة على الأجانب، ثم الباقي الذي يستحقُّه كلُّ سيِّد على الآخَر يقع فيه التقاصُّ، فإنْ كان لأحدِ الجنينَيْن جَدَّة دون الآخر، فعلَى كلِّ واحد من السيدَيْن نصفُ سدسِ الغُرَّة لها ثم سيد التي ليس لجنينها جَدَّة يستحقُّ نصف الغرة على الآخر، والآخر يستحقُّ عليه نصْفَ الغُرَّة، إلا نصف سدسها، فيقع الربع والسدس في التقاصِّ، ويأخذ سيد من ليس لجنينها جَدَّة نصْفَ سُدُس الغُرَّة من الآخر.

الجزء: 10 - الصفحة: 447

وإن كانت إحدى المستولَدَتَيْن حاملاً دون الأخرى، فألْقَتْ جنينها، فنصف الغُرَّة على سيد الحامل، فإن كانت له جَدَّة، فلها من ذلك النصفِ نصْفُ سُدُس الغُرَّة، والباقي لسيد الحامل، وعليه للجَدَّة نصفُ سدس أيضاً؛ ليكمل لها سدس الغُرَّة، [والله أعلم] 555. وقوله في الكتاب: "ففي تركة كلِّ واحدةٍ أربع كفارات" يجوز أن يُعْلَم بالواو؛ لما بيَّنَّا من الخلافِ، ويجوز ألا يُعْلَم، ويكتفي بأنَّ وجوب الأربعِ بُنِيَ على أن الكفَّارة لا تتجزأ، وأن قاتل النفْسِ تلزمه كفَّارة، وقد تعرَّض لما فيه من الخلاف، فأشْعَر ذلك بالخلاف في وجوب الأرْبَع، وأغْنَى عن الإِعلام، وليرد قوله: "على الأَصَحِّ" إلى المسألتَيْن؛ قاتل النفس، وتجزؤ الكَفَّارة.
وقوله: "وعلى عاقلةِ كلِّ واحد غُرَّةٌ، نصْفُها لهذا الجنين، ونصفُها للآخر" الغُرَّة على ما سنبيِّن عبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، وقد توهِمُ اللفظةُ المذْكُورة وجوبَ رقيقٍ نصفُه لهذا، ونصفُه لذاك، ولا معنى لوجوب نصفَيْ رقيقٍ واحدٍ، بل له أن يسلم نصْفَ رقيقٍ عن أحدِهما، ونصف رقيقٍ عن الآخر، فكان الأولى أنْ يقول: نصْفُ غُرَّة لهذا، ونصفُ غُرَّة لهذا.
وقوله: "في تركة الحُرِّ" مُعْلَم بالواو؛ للخلاف الذي ذكرناه في أنَّ قيمة العَبْد، هل تضرب على العاقلة.
وكذا قوله: "تقاصَّا"؛ للخلاف المشهور في التقاصِّ.
وقوله: "ولا يجب عَلَى سَيِّد المستولَدَة إلاَّ أقلُّ الأَمْرَيْنَ"؛ لخلافٍ قد أشرنا إلَيْه، وسيأتي في موضعه، إن شاء الله تعالَى.
وقوله: "ولكنَّه يستحقُّ سبعين"، يعني: صاحبَ الخسيسة، والمعنَى أن السِبْعِينَ تصير قصاصاً بالسبعين، فيفْضُل لصاحب النفيسة ثَلاثُون، وهذا ما أطلقه عامَّة النَّقَلَة تفريعاً على قول التقاصِّ، واستدرك أبو سعْد المتولِّي، فقال: حصولُ التقاصِّ في الغُرَّة يبنى على أنَّه، هل يجوزُ الاعتياضُ عنها، والحكم في الاعتياضِ عنها كالحُكْم في الاعتياضِ عن إبلِ الدِّية، فإن جوَّزناه حصَل التقاصُّ، وإلاَّ فما لا يجوز أن يجعلَ عوضاً بالتراضِي، لا يصيرُ عوضاً بالشرع، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: وَإِنِ اصْطَدَمَتْ سَفِينَتَانِ فَالمَلاَّحُ كَالرَّاكِبِ وَالسَّفِينَة كَالدَّابَّةِ، وَغَلَبَةُ الرِّيَاحِ كَغَلَبَةِ الدَّابَّةِ، وَلَوْ كَانَ فِي كُلِّ سَفِينَة عَشَرَة أنْفُسٍ وَأَمْوَالٌ فَهُمَا شَرِيكَانِ فِي قَتْلِ العِشْرِينَ وَإتْلاَفِ الأَمْوَالِ، وَإذَا قَالَ المَلاَّحُ: كَانَ ذَلِكَ بِالرِّيحِ صُدِّقَ مَعَ يَمِينِهِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 448

قَالَ الرَّافِعِيُّ: السابعةُ من مسائل الاصْطِدَامِ؛ إذا اصطدَمَتْ سفينتان، وغرقتا بما فيهما، فأما أنْ يحصُلَ الاصطدامُ بفعلهما، أو لا يحصل 556 بفعلهما، فهما قسمان.
القسم الأول: أن يحصلَ الاصطدامُ بفعلهما، فيُنْظَر؛ إنْ كانت السفينتانِ، وما فيهما مِلْك المَلاَّحَيْنِ المجريَيْنِ لهما، فنصفُ قيمة كلِّ سفينة وما فيها مُهْدَرٌ، ونصفُ قيمتها وقيمةِ ما فيها على صاحب السفينة الأُخْرَى؛ لأنهما أتلفاهما، وما فيهما بالشركة، فإنْ هلك الملاَّحَانِ أيضاً، فهما كالفارسَيْنِ يموتان بالاصطدام 557، وإنْ كانت السفينتانِ لهما، وحملا الأموال والأنفس؛ إمَّا تبرعاً، أو بأجرةٍ، فينظر؛ إن تعمدا الاصطدامَ بما يعدُّه أهل الخبرة مُفْضِياً إلى الهلاك، تعلَّق بفعلهما القصاصُ؛ حتَّى إذا كان في كلِّ سفينة عَشَرَةُ رجالٍ يُقْرَعُ بينهم لموتهم معاً، فمن خرجت له القُرْعةُ قُتِلَ به المَّلاحَانِ، وفي مالِ كلِّ واحد منهما نصفُ ديات الباقِينَ، فيكون على كلِّ واحد تسْعُ دياتٍ، ونصْفٌ، وعلى كل واحد منهما كفاراتٌ بعدد من في السفينَتَيْن مِن الأحرار والعَبِيد، وعلَى كلِّ واحد منهما نصفُ قيمة ما في السفينَتَيْن من الأموال لا يهدر منْها شيء، ونصفُ قيمة السفينة الأخرَى، ويهدَرُ نصفها؛ كما تقدَّم، ويجري التقاص في القدْرِ الذي يشتركان فيه، وإن تعمَّدا الاصطدام، فكان ما تعمدانه مما لا يُفْضِي إلى الهلاكِ غالباً، وقد يفضي إليه، فهذا شبْه عمدٍ، والحكُمْ كما بيَّنا إلاَّ أنَّه لا يتعلَّق به القصاصُ، وتكون الديةُ على العاقلةِ مغلَّظة.
وإن لم يتعمَّدا الاصطدام، ولكن ظنَّا أنهما يجريان علَى الرِّيح، فَأَخْطَأَ، أوْ لَمْ يعلَمْ واحدٌ منهما أن سفينته بقرب سفينة أخرى، فتكون الدية على العاقلة مخفَّفة.
وإن كانت السفينتانِ لغير الملاَّحَيْنِ، وكانا أجِيرَيْن للمالكَيْنِ، أو أمينَيْن، لم يسقط شيء من ضمان السفينتَيْن، بل علَى كل واحد منهما نصفُ قيمة كلِّ سفينة، وكلُّ واحدٍ من المالكَيْنِ بالخيارِ بَيْن أن يأخذ جميعَ قيمة سفينته من أمينه، ثم هو يرجعُ بنصفها على أمين الآخر، وبين أن يأخذ نصْفَها منه، والنصف من أمين الآخر، ولو كان المُجْرِيَانِ عبدَيْن، فالضمانُ الواجبُ يتعلَّق برقبتهما.
والقسم الثاني: أن يحصل الاصطدامُ لا بفعلهما؛ فإنْ وجد منهما تقصيرٌ؛ بأن توانيا في الضبط، ولم يعْدِلا بهما عن صَوْب الاصطدام، مع إمكانه، أو سَيَّرا في ريح شديدة لا تَسِيرُ في مثلها السفن، أو لم يكملا عدَّتَهما من الرجال والآلات، وجب

الجزء: 10 - الصفحة: 449

الضمان على ما ذكَرْنَا، وإن لم يوجد منهما تقصيرٌ، وحصل الاصطدام بغلبة الرياحِ، وهَيَجان الأمواج، فهل يجب الضمانُ؟ فيه قولان: أحدهما: نعم، كالفارسَيْنِ، إذا غلبت دابَّتُهما.
وأصحُّهما: لا؛ لأنهما مغلوبانِ، لا اختيارَ لهما، فأشبه ما إذا حصل الهلاكُ بصاعقةٍ من السماء، وليستْ غلبةُ الرياح كغلبةِ الدابَّة، فإن ضبط الدابة باللِّجام ممكنٌ، والبحر المغتلم لا طاقة به، وفي محلِّ القولَيْن طريقانِ، خصَّصهما مخصِّصون بما إذا لم يوجد من المجرِيَيْنِ فعلٌ أصلاً؛ بأن كانت السفينةُ مربوطةً على الشَّطِّ أو مرسَاةً في موضع، وَهاجت ريحٌ، وسيَّرتهما، فأما إذا سيَّراهما، ثم غلبَتِ الريحُ، وعجزا، وجَب الضمانُ؛ لأن ابتداء السير كان بفعلهما واختيارهما، وطردهما أبو إسحاق والإِصطخريُّ وآخرون في الحالتين، وهو الأظهر.
التفريع: إن قلنا: يجبُ الضمان، فهو كما لو فرَّطا، ولكن لم يقصدا الاصطدام، وإن قلنا بالأصحِّ، فلا يجبْ ضمانُ الأحرار، ولا ضمانُ الودائعِ والأماناتِ فيهما، وكذا لا يجبُ ضمانُ الأموالِ المحْمُولة بالأجرة، إن كان مالكُها معَهَا، وكذا لو كان عبدُ المالِكِ معَها يحْفَظُها، وإن استقلَ المجرِيَانِ باليد، فعلى الخلافِ في أنَّ يد الأجير المشتَرَكِ، هلْ هي يدُ ضمان، وإن كان فيهما عبيدٌ، فإن كانوا أعواناً أو حفَّاظاً للمالِ، لم يجبْ ضمانهم، وإلاَّ فهم كسائر الأموالِ، وعلى هذا القوْلِ، لو اختلف صاحبُ المالِ والملاَّحان؛ فقال صاحبُ المال: كان الاصطدامُ بفعلِكُمَا، وقالا: بل بغَلَبة الرِّيَاح، فالقول قولُهما، مع يمينهما؛ لأنَّ الأصل براءةُ ذمَّتهما، ومهما كان أحدُ الملاَّحَيْن عامداً دون الآخر، أو مفرِّطاً دون الآخر، خصَّ كلَّ واحد منهما بالحُكْم الذي يقتضيه حالُهُ عَلَى ما تبيَّن، ولو صدَمَتِ السفينةُ المربوطةُ على الشطِّ سفينةً، فكسرتها، فالضمانُ على مجرى السفينةِ الصَّادمة [والله أعلم].
وقوله في الكتاب: "فالمَلاَّح كالرَّاكب ... " إلى آخره 558، ينطبقُ عَلَى ما إذا كانت السفينتانِ وما فيهما للملاَّحَيْن، ويجوز أن يُعْلَم قوله: "وغلبة الرياحِ كغَلَبة الدَّابَّة" بالواو؛ لأنَّ في غلبة الرياح قولَيْن منصوصَيْن، وفي غلبة الدابَّة طريقان: أحدهما: أنها على قولَيْن أيضاً.
والثاني: القطْعُ بوجوب الضمان، وعلَى هذا فلا يكونُ غلبة الرياح كغلبة الدابة.
وقوله: "ولو كان في كلِّ سفينةٍ أنفُسٍ ... " إلى آخره، المرادُ ما إذا حملا في

الجزء: 10 - الصفحة: 450

سفينتهما الأنْفُسَ والأموالَ، وهما، والحالةُ هذه، شريكانِ إذا حَصَل الاصطدامُ بفعلهما، وهذا هو الذي قصده، وإن أطلق اللفظ، فإن حصل بغلبة الريحِ، ففيه الخلاف.

" فَرْعٌ"

إذا خرق سفينةً، فغرق ما فيها من نفسٍ ومالٍ، وجب ضمانه، ثم إن تعمَّد الخرق بما يفضي إلى الهلاك غالباً؛ كالخرق الواسع الذي لا مَدْفَع له، تعلَّق به القصاصُ والدِّيَة المغلَّظة في ماله، وإن تعمَّده بما لا يحصل به الهلاك غالباً، فهو شبه عَمْدٍ، وكذا لو قصد إصلاح السفينة، فنفذت الآلة في موضِع الإِصْلاح، وحصل الغَرَق، وإنْ أصابت الآلةُ غيرَ موضع الإِصلاح، أو سقط من يده حجر أو غيره، وانتقبت السفينة، فهو خطأ محض.

" فَرْعٌ"

لو كانتِ السفينةُ مثْقَلَةً بتسعةٍ أعدال، فجاء آخر، ووضع فيها عِدْلاً آخر متعدِياً، فَغَرِقَتْ، فهل يَضْمَنُ الأعدالَ التسعة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن الهلاك ترتَّب على فعله.
والثاني: لا يَضْمَن كلَّ الضمان؛ لأنَّ الغَرَقَ حصَلَ بثقَلِ الجميع، لا بما فعله.
والوجهانِ على ما حَكَى الإِمامُ وغيره مبنيَّان عَلَى ما إذا رمى إِلى صيد، فأبطل بعض امتناعه ولم يزمنه، ثم رمى إليه آخر، فأزمنه، ولولا رمي الأول، لما كان الثاني مزمناً، فلمن الصيد؟ فيه وجهان: أحدهما: أنَّه للثاني؛ لحصول الزمانة عَقِيبَ فعله، فعلى هذا يجبُ على واضعِ العدل كل الضمان.
والثاني: أنَّه لهما؛ لأنَّ الزمانة حصَلَتْ بفعلهما معاً، قال الإِمام: وهذا هو الأقيس، والأصَحُّ، وعلى هذا فلا يجبُ كلُّ الضمان عليه، وكمْ يجب؟ فيه وجهان 559: أحدهما: نصْفُ الضمان.
والثاني: يوزَّع الضمانُ عَلَى جميع الأعدال، ويجب حصَّة ما وضعه عليه، وهذا كالخلافِ فيما إذا زاد الجِلاَّدِ على الحد المشروع، وهلك المحدودُ، ولذلك نظائر متقدِّمة ومتأخِّرة.

الجزء: 10 - الصفحة: 451

قال الغَزَالِيُّ: وَإِنْ أَشْرَفَتْ سَفِينَةٌ عَلَى الغَرَقِ فَقَالَ الخَائِفُ عَلَى نَفسِهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ: أَلْقِ مَتَاعَكَ وَعَلَيَّ ضَمَانُهُ لَزِمَهُ لِحَاجَةِ الفِدَاءِ، وَإِنْ كَانَ مَلْقِيُّ المَتَاعِ أَيْضاً مُحْتَاجاً لَزِمَهُ أَيْضَاً، وَقِيلَ: يَسْقُطُ بِقَدْرِ حِصَّةِ المَالِكِ، وَلَوْ كَانُوا عَشَرَةٌ سَقَطَ العُشرُ، وَلَوْ كَانَ المُحْتاجُ هُوَ المَالِكَ فَقَطْ فَأَلْقَى بِضَمَانِ غَيْرِهِ لَمْ يحِلَّ لَهُ الأَخْذُ، وَلَوْ قَالَ المُلْتَمِسُ: أَلْقِ وَرُكْبَانُ السَّفِينَةِ ضَامِنُون ثُمَّ قَالَ: أَرَدَتُّ التَّوْزِيعَ يُصَدَّقُ مَعَ يَمِينهِ وَلَزِمَهُ حِصَّتُهُ، والرَّاكِبُونَ إنْ رَضُوا بِهِ لَزِمَهُمْ وإلاَّ فَلاَ.
قال الرَّافِعِيُّ: صُوَرَ الفصل تورَدُ في هذا الموضِعِ؛ لتعلُّقها بحال السفينة التي جَرَى الكلامُ في اصْطدامِها، وإلاَّ فلا اختصاص لها بالباب.
والمقصودُ أنَّ السفينة، إذَا أشرفَتْ على الغرقِ، فيجوز إلقاءُ بعْض أمتعتها في البَحْر، وقد يجب؛ رجاءَ نجاةِ الراكبينَ، إذا خَفَّتْ 560، ويجب إلقاء مَا لاَ رُوحَ فيه؛ لتخليص 561 ذي الروح، ولا يجوز إلقاء الدوابِّ، إذا أمكن دفع الغَرَق بغَيْر الحيوانِ، وإذا مسَّت الحاجة إلى إلقاء الدوابِّ، ألقيتْ؛ لإبقاء الآدميين، والعَبيدُ كالأحرار، وإذا قصر من لزمه الإلقاءُ، فلم يُلْقِ حتَّى غرقَتِ السفينةُ، فعليه الإثم، ولا ضَمَان؛ كما لو لم يُطْعِمْ صاحبُ الطعايم المضْطَرَّ؛ [حتى هلك]، يعصي، ولا يجوز إلقاءُ المالِ في البَحْر من غير خوف؛ لأنه إضاعة للمال.
إذا تقرَّر ذلك، فلو ألقى متاعَ نفسِهِ، أو متاع غيره، بإذنه؛ رجاءَ السلامة، فلا ضمان على أحد.
ولو أَلقى متاعَ غيره بغَيْر إذنه، وجب الضمانُ؛ لأنه أتلف مال غيره بغَيْر إذْنه من

الجزء: 10 - الصفحة: 452

غير أن يلجئه إلَى الإتلاف، فصار كما إذا أكل المضطرُّ طعامَ الغير، وليس كما إذا صَالَتْ عليه 562 بهيمة، فأتلَفَها؛ دفْعاً، وعن مالك: لا ضمان على المُلْقِي، وذكر الإِمام اعتراضاً فيما [إذا] 563 خَلَصَ عن الغرق بإلقاء متاعِ نَفْسه، فقال: سيأتي ذكْرُ وجهين في أن صاحب الطعامِ، إذا أطْعَمَ المضطرَّ قهراً، هل يرجعُ عليه بقيمة الطعامِ، فهلاَّ كان الحكم فيما إذا ألقى متاعه كذلك، وأجاب عنه بأنَّ مُلْقِي المة ع، إن كان شمله الخَوْفُ؛ بأن كان من ركَّاب السفينة المُشْرِفة على الغَرَق، فهو سَاعٍ في تَخْليص نفسه، مُؤَدٍّ واجباً عليه، فيبعد أن يرجعَ على غيره بخلافِ صاحب الطَّعاَم مع المضطرِّ، وإن كان على الشَّطِّ، أو في زوْرَقٍ، ولا خَوْفَ عليه، فالفرق أن المُطْعِم مخلِّصٌ لا محالة، دافع للتَّلَفِ الذي يفضي إلَيْه الجوع، ومُلْقِي المتاع غَيْر دافِعِ لِخَطَر الغَرْق، لا محالة.
وعن "المنهاج" للجوينيِّ إجراءُ الوجهين فيما إذا ألقى المتاعَ، ولا خوف عليه، ولو قال لغيره: "ألْقِ متاعَكَ في البَحْر، وعَلَيَّ ضمانُه، أو عَلَيَّ أنِّي ضامنٌ، أو عَلَيَّ أنِّي أضمَنُ قيمتَهُ"، فعلى الملتمِسِ 564 الضمانُ، وفي شرح "مختصر الجوينيِّ" عن بعض الأصحاب؛ أنَّه لا يلزمه شيءٌ؛ لأنه ضمان ما لَمْ يجب، وهذا يشتهر 565 بأبِي ثَوْر، لكن الشارحَ لم يروْهُ، فإنه قال: وقال أبو ثوْرٍ وبعضُ أصحابنا: لا يضمَنُ، ووجه ظاهرِ المذهب أنَّه التماسُ إتلافِ بِعِوَضٍ له فيه غرضٌ صحيحٌ؛ فصار كما لو قال: أعتِقْ عَبْدَكَ عَلَى كذا، فأعتق، قال الأصحاب: وليس هذا عَلَى حقيقة الضمانِ، وإن سُمِّيَ به لكنه بَذْلُ مالٍ للتخليصِ عن الهلاك، فهو كما لو قَال: أَطْلِقْ هذا الأسيرَ، ولك عَلَيَّ كذا، فأطلقه، يجبُ الضمان، وبنى القاضِي الحُسَيْن عليه؛ أنَّه لو قال لمن له القصاصُ: اعْفُ، ولك كذا، أو قال لغيره: أَطْعِمْ هذا الجائِعَ، ولك عَلَيَّ كذا، فأجاب؛ يستحقُّ ما سمي، ولو اقتصر عَلَى قوله: أَلْقِهِ في البَحْر، ولم يَقُلْ: وعَلَيَّ ضمانه، فمنهم مَنْ جعل

الجزء: 10 - الصفحة: 453

وجوبَ الضَّمان على الخلافِ؛ فيما إذا قال: إدِّ دَيْنِي، فأدَّاه، هَلْ يرجعُ عليه، وقطع الأكثرونَ بالمَنْع، وفرَّقوا بينه وبيْن أداء الدَّيْن؛ بأن أداء الدين 566 منفعةٌ لا محالة، وإلقاء المتاع قد يُفْضِي إلى النجاة، وقد لا يفضي إلَيْها، قال في "التهذيب": وتعتبر قيمة المُلْقَى بما قبل هَيَجَانِ الأمواج؛ فإنه لا قيمة للمال في تلْكَ الحالة، ولا يجعلُ قيمة المال في البَحْر، وهُوَ على خَطَر الهلاك كقيمته في البَرِّ، ثم الضمانُ إنما يجبُ على الملْتَمِس بشرطَيْن: أحدهما: أن يكون الالتماسُ عند خوفِ الغَرَق، فأما في غير حالِ الخَوْف، فلا يقتضي الالتماسُ الضمانَ، سواءٌ قال: عَلَيَّ أنِّي ضامنٌ، أو لم يقُلْ؛ كما لو قال: أهْدِمْ دارَكَ، ففَعَل.
والثاني: ألاَّ يختصَّ فائدة الإِلقاء بصاحب المتاع 567. واعلم أنَّ فائدة التلخيص بإلقاء المتاع تفرض على وجوه: أحدها: أنَّ تختصَّ بصاحب المتاع، فإذا كان في السفينة المشْرِفة 568 راكبٌ ومتاعُهُ، فقال له غيره مِنَ الشَّطِّ، أوْ من زَوْرَقٍ بقُرْبها: "ألْقِ مَتَاعَكَ في البَحْرِ، وعلَيَّ ضمانُهُ" فألقَى، لم يجب الضمانُ، ولم يحلَّ له الأخذ؛ لأنه فعْل ما هو واجبٌ عليه؛ لغرض نفسه، فلا يستحقُّ به عوضاً؛ كما لو قال للمضطَرِّ: "كُلْ طعامَكَ، وأنا ضامِنٌ" فأكل، فلا يرجع على الملتَمِسِ بشَيْء.
والثاني: أن يختصَّ بالملتمِسِ بأن أشرفَتْ سفينةٌ على الغَرَق، وفيها متاعٌ لغيره، وهو خارجٌ منْها، فقال له: أَلْقِ متاعَكَ في البَحْر، وعَلَيَّ ضمانُهُ، فيجب الضمانُ، إذا ألقَى عَلَى ما ذكَرْنا، ولا فرق بيْنَ أن تحصلَ السلامة أوْ لاَ تحصُلَ؛ حتى إذا هلك الملتمسُ، يكُونُ الضمان في تركته.
والثالث: أن تختص بغيرهما؛ بأن كان الملتمِسُ، وصاحبُ المتاعِ خارجَيْن من السفينة، وفيهما جماعةٌ مشرفون علَى الغَرَق، فيجب الضمانُ على الملتمس أيضاً؛ لأن تخليصَ من فيها غرضٌ صحيحٌ، وإذا جاز بَذْلُ المالِ في خلع الأجنبيِّ لدفع سلطنة الزوْجِ، فَلأَنْ يجوزَ التخليصُ من الهلاك، كَانَ أوْلَى.
والرابع: إذا رجعتْ فائدةُ التخليصِ إلَى مُلْقِي المتاعِ وغيره، والملتمسُ خارجٌ من السفينة، ففيما يجب الضمَانُ وجهان:

الجزء: 10 - الصفحة: 454

أصحُّهما: أنَّه يجبُ جميع الضمانِ؛ لأن فيه تخليصَ غَيْرِ مالكِ المتاع، وهو يلقي بقَصْد الالتزام.
والثاني، وبه قال القاضي الحُسَيْن: أنَّه يقسِّط المال المُلْقَى على مالكه، وعلى سائرِ من فيها، فيسقط قسْطُ المالك، ويجب الباقي، فلو كان معه واحدٌ، وجب نصف الضمان، ولو كان معَهُ اثنانِ، يجب ثلثاه، ولو كانوا عشرَةً، وجب تسعة أعشارِهِ، وسقط العُشْر، وعلى هذا.
والخامس: إذا كان في الإلقاءِ تخليصُ الملتمِس وغيره بأن التمس بَعَضُ 569 الركْبَانِ من بعض، فيجب الضمانُ على الملتمس؛ لأَن له غرضاً 570 في تخليصه، وتخليص غيره؛ قال الإِمام: ويجيءُ الوجهانِ في أنَّه، هل تسقط حصَّة المالك، ويجيئان أيضاً فيما إذا كان الملتمس خارجَ السفينةِ؛ ومُلْقِي المتاعِ من الركبان.
ومن مسائل الفَصْلِ، لو قال: "أَلْقِ مَتَاعَكَ في البَحْر، وأَنَا ورُكبَانُ السَّفِينَةِ ضَامِنُونَ، كلُّ واحدٍ منا على الكَمَال"، أو قال: "عَلَيَّ أنِّي ضامنٌ" فكلُّ واحد منهم ضامنٌ، فعليه ضمَانُ الجميع، ولو قال: "أنا وَهُمْ ضامنُونَ؛ كلُّ واحدٍ منا ما يخُصُّهُ"، لزمه بالحصَّة، وبمثله أجيبَ فيما إذا قال: "أنا وهُمْ ضامنُونَ"، واقتصر عليه، ولو قال: "أنا ضامِنٌ ورُكْبَانُ السَّفينة، أوْ "عَلَيَّ أنْ أضْمَنَهُ وركْبَانُ السَّفينةِ"، أو قال: "وأنا ضامِنٌ، وهم ضامِنُونَ" ففيه وجْهَان: أظهرهما: أنَّه يلزمه جميعُ الضمانِ؛ لأنه قال أولاً: "أنَا ضامنٌ"؛ ولهذا لو اقتصر عليه، لزمه 571 الجميع.
والثاني، وينسب إلى اختيار المزنيِّ: أنَّه لا يلزمه إلاَّ ما يخصُّه؛ لاحتمال اللفظ، ثم قوله: "وهم ضامِنُون" إمَّا للجميع أو للحصَّة، إن قَصَدَ به الإخبار عن ضمانٍ سَبَقَ منهم، واعترفوا به، توجَّهت المطالبة 572 عليهم، وإن أنْكَروا، فهم المصدَّقون، وإن قال: أردْتُ إنشاءَ الضَّمان عَنْهُمْ، فعَنْ بعض الأصحاب؛ أنهم إنْ رَضُوا به، ثبت المالُ عليهم أيضاً، والظاهرُ خلافُهُ؛ لأنَّ العُقُودَ لا تُوَقَّفُ عَلَى أصْل الشافعيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وهذا ما ارتضاه القاضي الحُسَيْن، والإِمام، وقرب في "الوسيط" الأول، وقال: يلزمهم المالُ، وإن كنَّا لا نقولُ بوَقْفِ العقودِ؛ فإنَّ هذا مبنيٌّ على المسامَحَة للحاجَة، ولو قال: أَنَا وهُمْ ضُمَنَاء، وضَمِنْتُ عنْهم؛ بإذنهم، فيطالَبُ هو بالجميعِ؛ بقوله، وإذا أنْكَرُوا الإذْنِ، فهم المصدَّقون؛ حتى لا يرجع علَيْهم، ولو قال: أنَا وهُمْ ضمناً، وأصحِّحه مِنْ مالهم، فقد

الجزء: 10 - الصفحة: 455

قال الأئمة، سِيَمَا العراقيُّون: إنَّه يطالب بالجميع أيضاً، وكذا لو قال: وأنا أخلصه من مالهم؛ كما لو قال: أخلعها على ألْفِ، أصَحِّحها لك مِنْ مالها، أو أضمنها مِنْ مالها، تلزمه الألْفُ.
ولو قال ألْقِ متاعاً في البَحْر علَى أنِّي وهُمْ ضمناء، وأذن نيه، فألقاه، فالواجبُ بالحصَّة أو بالجميع؛ لأنه باشر الإِتلافَ؟ فيه وجهان، ويحكي الثَّاني عن القاضي أبي حامد.
ولو قال: ألق متاعَكَ، وعلي نصْفِ الضمانٍ، وعلى فلانٍ الثلثُ، وعلى فلانٍ السدُسُ، لزمه النصف.
ونختم هذه الصورة بكلامَيْن: أحدهما: قال في "المختصر": فإن قال أحدُهُمْ لصاحِبهِ: ألْق متاعَكَ في البَحْر، وعلَيَّ أن أَضْمَنَ لك رُكْبَانُ السفينة، ضمنه دونَهُمْ، إلاَّ أن يَتَطَوَّعوا، واعترض المزنيُّ علَيْه، وقال: ينبغي أنْ يضمن حصَّته، وتكلَّموا في أنَّه أراد ضمَانَ الجَمِيع؛ كما توهَّمه المُزَنِيُّ، أو ضمان الحِصَّة، وأنه إن أراد ضَمَانَ الجميع، فما الصُّورة 573 التي أرادها، والفِقْهُ ما بيَّنَّاه.
وَالثَّانِي: أن كان المالُ في الصور المفروضة لغير الملتمس، فالحكمُ ما ذَكَرْناه، وإن كان لبعضهم 574، والتمس منْه القاؤه عاد النَّظَر في أنَّ مُلْقِي المتاعِ، إذا كان محتاجاً إلى الإِلقاء، هل يسقط قسْطُه من الضمان؟ وقوله في الكتاب: "ولو قال الملتمِسُ: أَلْق، وَأَنَا ورُكْبَانُ السَّفينةِ ضامنون، ثم قال: أردْتُ التوزيعَ، صُدِّق مع يمينه، ولزمته حصَّته" قد يشعَر 575 بالحَمْل على انفراد كلِّ واحد بالضَّمَان، والصَّرْف عنه بقوله: "أردْتُ التوزيعَ"، ولفظ النهايةِ في هذه الصورةُ؛ أنَّ هذا لا يحمل علَى انفرادٍ هذا الشَّخْص بالضَّمانِ إلا أن يقولَ: أردْتُ ذلك، فيؤاخذ بموجِبِ إرادته، وهذا يقتضي الحَمْل على التوزيع، وإن لم يقل: أرَدْتُهُ، فإن فرض نزاعٌ، فحينئذ يحلف.
وقوله: "والرُّكْبَان إنْ رَضُوا بهِ، لزمهم، وإلاَّ فلا"، إن كان المرادُ أنهم صدَّقُوه في إِخباره عن ضمانٍ سَبَقَ منْهم، فهو ظاهرٌ، ويشبه أنْ يكون المرادُ ما حكَيْناه عن "الوسيط" وحينئذ، فليعلم قوله: "لَزِمَهُمْ" بالواو.

الجزء: 10 - الصفحة: 456

" فُرُوعٌ"

لو قال لصاحب المتاع: "أَلْقِ مَتَاعَكَ، وعلَيَّ ضمانُهُ" فقال: نعم، فله أن يُلْقِيَ، وعليه الضمان، إذا ألَقَى.
ولو قال الآخَر: "أَلْقِ مَتَاعَ فُلاَنٍ، وعلَيَّ ضمانُهُ، إن طالَبَكَ"، فألقاه، فالضَّمَانُ علَى المُلْقِي دون الآمِرِ، وحكى الإمامُ أنَّ المتاع المُلْقَى لا يخرج عن ملك مالِكِهِ؛ حتى لو لفظه البحْرُ على الساحل، وانفق الظَّفَر به، فهو لمالكله، ويسترِدُّ الضامنُ المبذول، وهل للمالكِ أنْ يمسكَ ما أخذ ويرُدَّ بدله نيه خلافٌ؛ كالخلاف في أن العَيْن المستقرضة، إذا كانَتْ باقيةً عند المقرض، هل له إمساكه، وغرامُه مثله 576 أو قيمته.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ رَجَعَ حَجَرُ المَنْجَنيقِ عَلَى الرُّمَاةِ وَكَانُوا عَشْرَةٌ فَيُهْدَرُ مِنْ دَمِ كُلِّ وَاحِدٍ عُشْرُهُ، فَإنْ أَصَابَ غَيْرَهُمْ فالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِمْ إلاَّ إذا قَصَدُوا شَخْصاً وَقَدَرُوا عَلَى إصَابَتهِ فَهُوَ عَمْدٌ، وَإنْ قَدَرُوا عَلَى إِصَابَة وَاحِدٍ مِنَ الجَمْعِ لاَ يعَيْنهِ فَهُوَ خَطَأٌ فِي حَقِّ ذَلِكَ الوَاحِدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا عاد حَجَرٌ المَنْجَنِيقِ على الرامين، فقتل واحداً منْهم، فقد مات ذلك الواحدُ بفعله وفعْلِ شركائه؛ كما في صور الاصطدام، [فإن كانوا عَشَرَةً] 577 فيهدر عُشْر ديته، [وعلى عاقلة كلِّ واحدٍ من الباقين عُشْرُ ديتهِ] 578، ولو قتل اثنين فصاعداً،

الجزء: 10 - الصفحة: 457

فكذلك، ولو قتل العشرةَ، حين عاد، أهدر العشر مِنْ دم كلِّ واحدٍ، ووجب على عاقلةِ كلِّ واحد من الباقِينَ عُشْر الدية، ولو أصاب الحَجَرُ غيرهم، نُظِرَ؛ إن لم يقصدوا واحداً، أو أصاب غَيْرَ مَنْ قصدوا، كما إذا عاد الحَجَرُ وقتل بعض النَّظارة، فهذا خطأٌ يوجب الديةَ المخفَّفة على العاقل، وإن قصدوا شخصاً أو جماعةً بأعيانهم، فالذي أورده العراقيُّون؛ أنَّه شبه عمدٍ، إذا أصاب الحَجَر من قصدوه؛ لأنه لا يمكنُ أنْ يُقْصَدَ بالمَنْجَنِيقِ شَخْصٌ معيَّن، أو جماعةٌ معينُونَ، فتجب الدية على عواقِلِهِمْ مغلَّظة، وقال 579 آخرون: إِنْ كان الغالبُ أنَّه يصيبُ مَنْ قصد، فهو عمْد يتعلَّق به القصَاصُ أو الدية المغلَّظة في أموالهم، وهذا ما أورده الصيدلانيُّ، والإمام، والمتولِّي، وصاحبُ الكتاب، ورجَّحه صاحبُ "التَّهْذيب"، والقاضي الرُّويانيُّ، وأقاما الكَلاَمَيْن وجْهَيْن، ويشبه أن يقال: الخلافُ راجعٌ إلَى أنَّه، هل يتصوَّر تحقيقُ هذا القصْد في المنجنيق، فإن تصور، فما ينبغي أن يفرَّق بينه وبين سائر الآلات المهْلِكة.
وقوله في الكتاب: "وقدَرُوا عَلَى إِصابته" فيه إشارة إلى أنَّ تحقيق القَصْد في هذه الآلة؛ كالمستبعد، لكن لو تأتَّى لهم ذلك؛ لحَذَقِهِمْ، كانوا متعمِّدين، ويجوز أنْ يعْلَم قوله: "فهو عَمْد" بالواو؛ لما ذكرنا، وإن قصدوا واحداً أو جماعةً، والغالب أنَّه لا يصيبُ من قَصَدوه، فهو شبه عَمْد، والعلْمُ بأنه يصيبُ واحداً منهم، لا بعينه أو جماعة من القوم لا بأعيانهم لا يتحقَّق العمد به، ولا يوجب القصاص؛ لأن العمد يعتمدُ قصد عين الشخْصِ، ولهذا لو قال: اقْتُلْ أَحَدَ هؤلاءِ، وإلاَّ قتلتك، فقتل أحدَهُمْ لا يجبُ القصاصُ على المُكْرهِ؛ لأنَّه لم يقصد عيْنَ أحدهم، ثم الذي أورده صاحبُ الكتاب؛ أنَّه يكون ما جرى خطَأً في حقِّ ذلك الواحِد؛ لذلك ذكره ههنا، وفي "الوسيط"، وعدَّه صاحبُ "التهذيب" شبه عَمْدٍ يجب به الديةُ المغلَّظة على العاقلة، وهذا هو الوجْهُ إذا قصدوا واحداً أو جماعةً لا بأعيانهم، وكذا لو رمى سهماً 580 إلَى جماعة، ولم يعيِّن واحداً 581 منهم، ثم استدرك الإِمام، فقال: الذي ذكرنا أنَّه لا يجبُ القصاص مفروضٌ فيما إذا قصد الرامي إصابة واحدٍ لا بعينه أو جماعة مخصوصِينَ، فأصاب الحَجَرُ واحداً أو جماعةً لا غير، فأما إذا كان القومُ محصورِينَ في موضع، وكان الحَاذق عَلَى علْمٍ بأنه إذا سدَّد الحَجَر عليهم أتَى على جميعهم، وحقَّق قصْدَه، وأتَى عليهم، فالذي أراه

الجزء: 10 - الصفحة: 458

وجوبُ القِصَاصِ، وهو كما لو قال المُكْرِهُ: "اقْتُلْ هؤلاَءِ" فقتلَهُمْ، يجبُ القصاص علَى المُكْرِهِ، ولا أثر لاختيار المُكْرَهِ في التقديم والتأخير، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ جَرَحَ مُرْتَدَاً فَأَسْلَمَ ثُمَّ عَادَ الجَارحُ مَعَ ثَلاَثةٍ فَجَرَحُوهُ فَالجُنَاةُ أَرْبَعَةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ رُبُعُ الدِّيَةِ وَالجَانِي فِي الحَالَتَيْنِ لَزِمَهُ الرُّبعُ بِجِرَاحَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا مُهْدَرَةٌ فَيَعُودُ حِصَّتُهُ إِلَى الثَّمَن، وَقِيلَ: يُوَزَّعُ عَلَى الجِرَاحَاتِ وَيُقَالُ: الجِرَاحَاتُ خَمْسٌ فَيَسْقُطُ الخُمُسُ وَيَبْقَى عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الأَرْبَعَةِ خُمُسُ الدِّيَةِ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَ العَبْدِ الجَانِي فَجَنَى بَعْدَهُ ثُمَّ مَاتَ فَأرْشُ اليَدِ يَخْتَصُّ بِهِ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ أَوَّلاً وَالبَاقِي يُشَارِكُهُ فِيهِ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ ثَانِياً لِأَنَّهُ مَاتَ بَعْدَ الجِنَايَتَيْنِ وَقَطَعَ بَعْدَ إِحْدَى الجِنَايَتَيْنِ وَإنْ فَضَلَ مِنْ أَرْشِ الأُوْلَى فَالفَاضِلُ مِنْ أَرْشِ الطَّرَفِ للسَّيِّدِ وَقِيمَةُ النَّفْسِ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ثَانِياً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصْلِ مسألتان مِنْ مولَّدات ابْنِ الحدَّاد: إحداهما: لو جرح مرتدّاً بقَطْع يده أو بجراحةٍ أخرَى، فأسلم المرتدُّ، ثم عاد الجانِي، وجرحَه جراحةً أخرَى، وجرحه ثلاثة آخرون، فمات نُظِرَ؛ إن وقعت الجراحاتُ الأربعُ بعد إندمالِ الأولَى، فعليهم الديةُ أرباعاً، وإن وقعتْ قبل اندمالِها، ومات من الجراحاتِ الخُمْس، ففيما يجب عليهم وجْهان: أظهرهما: وبه قال ابن الحَدَّاد: أنَّه ينظر إلى عدد الجارِحينَ، وهم أربعة، فيخص 582 كلّ واحد منهم رُبُع الدية ولكن يعودُ ما على الجارحِ في الحالتَيْن إلَى الثُّمُن؛ لأن الجراحة في حالة الردَّة مُهْدَرَة.
والثاني: أنَّه ينظر في الجراحاتِ، وهي خمسٌ، فيسقط خمس الدِّية؛ لوقوع إحداهما 583 في حال الإِهدار، ويجب عَلَى كلِّ واحدٍ منهم الخمُسُ؛ لأن الجراحتَيْن من الواحد في حالتَيِ العصْمةِ والإِهدار؛ كالجراحتين من شخصَيْنِ 584. ولو جرحه خمسةٌ، أحدهم في الردَّة، والباقون بَعْد الإِسلام، سقط خُمُسُ الدية، وكان عَلَى كلِّ واحد من الأربعة الخُمُس، فكذلك ههنا؛ ويدل عليه أنَّه إذا حصل الموتُ بالجراحة في الردَّة، والجراحة في الإِسلام، نقصت جراحةُ الردَّة حصَّة جراحة الإِسلام، سواءٌ صدرت الجراحتانِ منْ واحد، أو مِنِ اثنَيْن؛ ألا تَرَى أنَّه لو جرح الشخْصُ في ردَّته، ثم جرح بعد الإِسلام، ومات من الجراحتَيْن، يكون حصَّة جراحة الإِسلام نصْف الدية، سواءٌ كان الجرْحُ الثاني صادراً من الجارح الأول أو من غيره، فإذا

الجزء: 10 - الصفحة: 459

كان كذلك، لم يجزْ أن تؤثر جراحةُ الردَّة في حقِّ الجارح في الحالتين دون غيره، ومن قال بالأوَّل قال: الجُرْحَان، إذا صَدَرا من واحدٍ، وله شريكٌ آخرُ، كانا في حِقِّهِ، كالجرح الواحدِ؛ حتى لو جرح اثنانِ، أحدُهما جراحتَيْن، والآخر جراحةً واحدةً، تكون الديةُ بينهما نصفَيْن، كما لو جرح كلُّ واحد منهما جراحةً واحدةً، وإذا كان كذلك، جاز أن يضم جرحه في الردَّة [مضموناً] 585 إلى جرحه في الإِسلام، ولا يُضَمُّ إلى جرح غيره.
ولو جنَى عليه ثلاثةٌ في الردَّة، وعادوا وجَرَحُوهُ مع رابع بَعْدَ الإِسلامِ، ومات من الجراحاتِ، فعلَى ما ذكره ابن الحدَّاد توزَّع الديةُ على الجارحِينَ الأربعة، وقد جَرَح ثلاثةٌ منهم جراحتَيْن؛ إحداهما 586: في الردَّة، فيعود ما عَلَى كلِّ واحد منهم إلى الثمن، ويبقى على الرَّابع الرُّبُع، وعلى الوجه الآخرِ الجراحاتُ سبعٌ؛ ثلاثٌ منها في حال الإهدار، فيسقط ثلاثةُ أسباعِ الدية، ويجب عَلَى كلِّ واحدٍ سبعها.
ولو جرحه في الردة أربعةٌ، وعاد أحدُهُمْ، وجرحه مع ثلاثةٍ بعد الإِسلام، فعلى ما ذكره ابنُ الحَدَّاد؛ الجارِحُون سبْعَةٌ حصَّةُ كل واحد منهم السُّبُع؛ فعلَى كلِّ واحدٍ من الَّذين لم يَجْرَحُوا إلاَّ في الإِسلام السُّبُع، ولا شيء على الذين لم يجْرَحُوا إلاَّ في الرِّدَّة، وعلى الجارحِ في الحالتَيْن نصفُ السُّبُع، وعلى الوجه الثاني؛ ماتَ من ثمانِ جراحاتٍ؛ أربعٌ منها وقعَتْ في حال الأِهدار، وأربعٌ في حال الضمانِ؛ فعلى كلِّ واحدٍ من الأربعة الجارِحِينَ في الإِسلام ثُمُنُ الدية، ولو جرحَهُ في الردَّة أربعةٌ، ثم عاد أحدُهُمْ، وجرَحَهُ بعد الإِسلام منفرداً، ومات منها؛ فعلى الأوَّل الجارحُون أربعةٌ، ثلاثةٌ منهم لم يَجْرَحُوا إلاَّ في الردَّة، فلا شيء عليهم، وواحدٌ جرح في الحالتَيْن، وحصَّته رُبُعُ الدية، فيوزَّع على جراحته، ويجب نصفه، وهو الثُّمُن، وعلى الوجْهِ الآخِر علَيْه خُمُس الدية، ويسقُطُ أربعة أخماسِهَا توزيعاً على الجراحات.
ولو جرَحَه ثلاثةٌ في الردَّة، وجرحه بعد الإسْلام أحدهم؛ فعلى الأول حصة الجارح في الحالتين ثُلُثُ الدية؛ يتوزَّع على جراحته، فيلزمه سُدُسُ الدية، ولا شيء على الآخرين، وعلى الوجه الآخر؛ عليه [ربع] 587 الديةِ توزيعاً على الجراحات الأرْبَع، وهذه الصورُ قد أورَدَها ابنُ الحَدَّاد بأسْرها، وعلى قياسِها، قال الشيخ أبو عليٍّ: لو جرحه اثنانِ في الردَّة، وعاد بعد الإِسلام أحدُهُما، وجرحه مع ثالثٍ، فعلى ما قال ابنُ الحَدَّاد: الجارحونَ ثلاثةٌ، وحصَّة كلِّ واحد منهم ثُلُثُ الديةِ، لكنَّ أحدهم لم يجْرَحْ إلاَّ في الردَّة، فلا يلزمه شيْء، والثَّاني جرح في الحالتين، فيلزمه حصَّة جراحة الإسْلاَم،

الجزء: 10 - الصفحة: 460

وهي السُّدُس، والثَّالث لم يجْرَحُ إلاَّ في الإِسلام؛ فيلزمه الثلث، وعلى الوجْهِ الآخر يجبُ على كلِّ واحدٍ من الجارحين في الحالتَيْن والجارحِ في الاسلامِ رُبُع الدية، ويُهْدَر نصفها.
ولو عادَ الجارحَانِ في الردَّة، وجَرَحَاه بَعْد الإسلام، فعلى كلِّ واحد منهما رُبُع الدية؛ باتفاق الوجهين، وعلَى قياسها، لو جرح واحدٌ في الردَّة، وعاد مع اثنين، فجرحوه بعد الإسلام، فعلى ما قال ابنُ الحدَّاد على الجارحِ في الحالتَيْنِ السُّدُسُ، وعلى كلِّ واحدٍ من الآخرين الثلُثُ، وعلى الوجه الآخر؛ الجراحاتُ أربعٌ، فيسقط ربع الدية، وعلى كلِّ واحدٍ منهم الربع.
ولو جرحه ثلاثةٌ في الردَّة، وعادوا، فجرحُوه بعد الإسْلاَم، فعلَى كلِّ واحد منهم سدسُ الديةِ؛ باتفاق الوجهَيْن، وهكذا يلتقَّي الوجهان، إذا لم يختلف عدد الجراحاتِ في الإِسْلام والردَّة، ولا عدد الجارحين.
المسألة الثانية: إذا جنَى العَبد على حُرٍّ بإيضاح، أو قطع يدٍ، أو أصبع، أو غيرهما، ثم جاء حُرٌّ، وقطع يد العبد، ثم جنى العبد عَلَى حُرٍّ آخر، وماتَ العَبْد من القطع، ومات الحُرَّان من الجنايتين، أو لم يموتا، فالواجب على الَّذي جنَى على العبد كمالُ قيمته، وحصَّة اليد منها يختص بها المجنيُّ عليه الأول، ويتضاربان في الباقي؛ هما أو ورثتهما، هذا بما بَقِيَ من حقَّه بعد أخْذِ حصَّة اليد، وهذا بجميع حقِّه، وإنما كان كذلك؛ لأنه جنَى على الأول بتمام بَدَنه، وجنى على الثاني، ولا يَدَ له، فلا حَقَّ له في بَدَلها، وما حصَّة اليد؟ الصحيحُ: أن حصَّتها، ينقص من القيمة بقَطْع اليد، وقد حكى الشيخُ أبو عليٍّ؛ أنَّ من الأصحاب من يَغْلَطُ؛ فيعتبر أرشها، وهو نصف القيمة، قال: وهو فاسد من وجهين: أحدهما: لو قطع الجانِي يدَيْه، يلزم أن يستبد المجنيُّ عليه الأول وورثته بجميع القيمة، ولا يجوز أن يجني العبْد على اثنين، ثم يكون جميع قيمته لأَحَدهما.
والثاني: أن الجراحة، إذا صارت نَفْساً، سقط اعتبار بدَلِ الطَّرف، فمن قطع يد عَبْد، ومات العَبْد منه، لا يمكن أن يقال: نصْف القيمة وجب في مقابلة اليد، والباقي في مقابلَةِ جميع البدن، نَعَمْ، لو اندملَ القطْع، عاد الجاني، فقتله، فحينئذٍ يجب عليه نصفُ القيمةِ لليد 588، ويستبد به المجنيُّ عليه الأول أو ورثته، وعليه للنفْسِ قيمته مقْطُوع اليد، ويشتركان فيها، ويقاسُ بما ذكرنا ما إذا تكرَّرت جنايةُ العبد، والجنايةُ عليه وبَيَّنه الشَّيخ أبو عليٍّ بالمثال؛ فقال: جنَى عبدٌ قيمتُهُ عشرَةُ آلافِ درهمٍ عَلَى حُرٍّ، ثم جنَى عليه حُرٌّ فنقص 589 من قيمته ألفان، ثم جنى العبدُ على حُرٍّ آخرَ، وجنى عليه

الجزء: 10 - الصفحة: 461

الجانِي الأول، فنقص من قيمته ألفانِ [أيضاً] (1)، ثم جنى العبدُ على حرٍّ ثالث، ومات العبدُ، والأحرارُ من الجناياتِ، فيؤخذُ من الجاني عَشَرَةُ آلافٍ، يستبد ورثة المجنيِّ عليه الأول منها بألفين، ثم يقسم ألفانِ، وهما حصة النقصان الثاني، بين ورثةِ المجنيِّ عليه الأول، وورثة المجنيِّ عليه الثاني، يتضاربون فيه، فيضربُ ورثة الأول بما بقي لهم من الدية، وهو عشرةُ آلافِ درهم أخْذاً بأن الدية اثنا عشر ألْفَ درهمٍ، ويضرب ورثة الثانِي بتمامِ الدِّية، فيقسم الألفان بينهم عَلَى أحد عشر سَهْماً، ثم يقسم باقي القيمة، وهو ستة آلاف درْهَمٍ بين ورثة القَتْلَى الثلاثة يُضْرب ورثةُ الأَوَّلينَ (2) بما بقي لهم من الدية، وورثة الثالث بجميع الدية.

" فَرْعٌ"

إذا اختلفتِ الجراحاتُ الصَّادرة من الشَّخْص الواحد، وكان بعضُها عمْداً، وبعضها خطأً، وشاركه غيره؛ كما إذا جرح خطأً، ثم عاد مع آخر وجرح عمداً، فالتوزيع لمعرفة ما يؤخذ منه، وما يضرب على عاقلته، كما ذكرنا في المسألة الأُولَى، إذا وقع بعضُها في حالِ الإِهدار، وبعضها في العِصْمة 592. قال الغَزَالِيُّ: وَالقَاتِلُ بِالسِّحْرِ إِذَا أَقَرَّ بِالتْعَمُّدِ يَلْزَمُهُ القِصَاصُ، وَإِنْ أَقَرَّ بِالخَطَأِ أَوْ شِبْهِ العَمْدِ فَالدِّيَةُ عَلَى العَاقِلَةِ لَوْ أَقَرُّوا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القولُ في القتلِ بالسِّحْر مُبَدَّدْ في الكتاب، فمنه ما قدَّمه في أول الجِرَاح، ومنه ما أخَّره إلى كتاب دعوى الدَّمِ، ومنه ما أورده ههنا، ولو كان مجموعاً في موضع واحدٍ، لكان أقرب إلى الضَّبْط، وقد بيَّنَّا من قبل؛ أنَّه إذا أقر بأنه ماتَ من سِحْره590591

الجزء: 10 - الصفحة: 462

الَّذي تعمَّد به، وأن سِحْره يَقْتُل غالباً يلزمه القصاص، ولو قال: قد يقتل، وقد لا يقتل، كان إقراراً بشبه العمْدِ، وإن قال: أخطأْتُ، إنما قَصَدْتُ غيره، فهو إقرارٌ بالخطأ.
ويجوز أنْ يُعْلَمَ قوله: "يَلْزَمُهُ القصاصُ" بالواو؛ لوجهٍ أجملنا ذكره هناك، وبالحاءِ؛ لما بيَّنا أن عند أبي حنيفة؛ لا يلزمه القصاصُ ولكن لو تكرَّر ذلك منه [قال]: يقتل حدّاً؛ لأنه من الساعِينَ في الأرض بالفَسَاد، ثم الذي نقله الأئمةُ؛ أن دية شِبْه العَمْد المغلَّظة، ودية الخطأ المخفَّفة، تجب في ماله، ولا تُطَالَبُ العاقِلَةُ بشيء؛ لأن إِقراره لا يلزمهم، نَعَم، لو صدَّقوه، وأخذنا بإقرارهم.
وقوله في الكتاب: "فالديةُ على العَاقِلة" يخالِفُ نقلَهُمْ المشهورَ؛ فيشبه أن يكون ذلك مِنْ سَبْق القلم، ولم يذكر في "الوسيط" الضَّرْبَ على العاقلة، لكن قال: "لو قَالَ: قَصَدْتُ غيره، فأصبْتُ اسْمَهُ، فهو خطَأٌ مَحْضٌ، وفي سائر جهاتِ القتلِ، إذا أقر الإِنسانُ بالقتل خطأً، ولا بينة، لا تطالَبُ العاقلةُ بشَيء، إن شاء الله تعالَى، فلا يمكنُ أنْ يكونَ الحُكْمُ في السِّحْرِ بخلاف ذاك، والله أعلم.

القِسْمُ الثَّالِثُ مِنَ الكِتَاب فِيمَنْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ

قال الغَزَالِيُّ: وَهُوَ الجَانِي إِنْ كَانَ عَمْداً وَالعَاقِلَةُ إِنْ لَمْ يَكنْ عَمْداً، وَالنَّظَرُ في أَرْكَانٍ الرُّكنُ الأَوَّلُ فِي جِهَةِ العَقْلِ وَصِفَةِ العَاقِلَةِ أَمَّا الجِهَةُ فَثَلاَثةْ العُصُوبَةُ وَالْوَلاَءُ وَبَيْتُ المَالِ، أَمَّا المُخَالَفَةُ وَالمُوَالاةُ فَلاَ تُوجَبُ العَقْلَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عرفت أن القسم الثالث من كتاب الدِّيَاتِ فيمن تَجِبُ عليه الدِّيَةُ، وقد مَرَّ في بيان جهات التَّغْلِيظِ والتخفيف أن الدِّيَةَ في العَمْدِ على الجَانِي، وهو قِيَاسُ غَرَامَةِ المتلفات، وفي شبه العَمْدِ والخَطَأ على العَاقِلَةِ، ولا فَرْقَ في العَمْدِ بين أن يكون مُوجِباً للدِّيَةِ ابْتِدَاءً كقتل الأَب الابْنَ، أو يكون مُوجباً لِلْقَصَاصِ، فيعفى على الدية، وكما لا تَحْمِلُ العَاقِلَةُ دِيَةَ النَّفْسِ لا تحمل أيضاً دِيَةُ الأطرَافِ والجِرَاحَاتِ إذا وَقَعَتْ عَمداً.
وعن مَالكٍ: أن ما لا يُوجِبُ القِصَاصَ كَالهَاشِمَةِ والمُنَقِّلَةِ، فَأرْشُهُ على العاقلة، وبَدَلُ العَمْدِ يجب حَالاً على قياسِ إبْدَالِ الغَرَامَاتِ.
وعن أبي حنيفة أنَّه يجب مُؤَجَّلاً في ثلاث سِنِينَ.
والأصل في وجوب دِيَةِ شِبْهِ العَمْدِ والخَطَأ على العاقلة -ما رُوِيَ أن امْرَأَتَيْنِ مِن "هُذَيْلِ" اقتتلتا، فَرَمَتْ إحَداهما الأُخْرَى بحَجَرٍ، ويروى: "بعمود فسْطَاطٍ" فقتلتها، فَأسْقَطَتْ جَنِيناً، فقضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالدِّيَةِ على عَاقِلَةِ القاتلة، وفي الجنين بِغُرَّةِ عَبْدٍ أو أَمَةٍ.
وهذه صورة شِبْهِ العَمْدِ، وإذا جرى التَّحَمُّلُ في بَدَلِ شِبْهِ العمد.
ففي بدل الخَطَأ

الجزء: 10 - الصفحة: 463

أولى، قال العلماء 593: وتَغْرِيمُ غير الجَانِي خارج عن الأَقْيسَةِ الظاهرة، إلا أن القَبَائِلَ في الجَاهليَّة كانوا يَقُومُون بنُصْرَةِ من جَنَى منهم، ويمنعون أَوْلِيَاءَ القتيل من أن يُدْرِكُوا بثَأْرِهِمْ، ويأخذوا من الجَاني حَقَّهُمْ، فجعل الشرِع بَدَل تلك النُّصْرَة بَذْلَ المال، وربما شَبَّهَ إعَانَةَ الأَقَارَب بتحمل الدِّيَة عنهم، بإعانة الأجَانِبِ الذين غرموا لإصْلاَح ذَاتِ البَيْنِ بصرف سَهْمٍ من الزَّكَاةِ إليهم، وخصص الضَّرْب على العَاقِلَة بالخطَإِ، وشِبْهِ العَمْدِ، لأن ذلك مما يكثر سيما في حَقِّ الذين يَتَعَاطَوْنَ الأَسْلِحَةَ، ولا يتأتى الاحْتِرَازُ عنه، فحسن 594 إعَانَةُ القاتل؛ لئلا يَفْتَقِرَ بالسبب الذي هو معذور فيه، وإنما أُجِّلَتِ الدِّيَةُ على العاقلة نظَراً لهم؛ ليتحملوا ما تَحَمَّلُوا في مُدَّة الأَجَلِ، ولا يشق عليهم أدَاؤُهُ 595. ويحتاج في الضَّرْبِ على العاقلة إلى مَعْرِفَةِ المَضْرُوبِ عليهم، وإلى مَعْرِفَةِ كيفية الضَّرْبِ، فَلاَ بُدَّ من النَّظَرِ من هذين الرُّكْنَينِ، ولفظ الكتاب في النسخ [القديمة] 596: "والنظر في أَرْكَان"، وكذلك هو في "الوسيط"، وليس فيهما إلا بِنَاءُ الكلام على الرُّكْنَيْنِ المذكورين، فليتبدَّلْ 597 لفظ "الأركان" بـ"الركنين".
أما الركن الأَوَّلُ: ففيه فَصْلاَنِ: فصل في جهات التَّحَمُّلِ.
وفصل في صفات المتَحَمَّلِينَ.
أما الجهات فهي ثلاث القَرَابَةُ، والوَلاَءُ، وبَيْتُ المال، على ما نفصلها، وليست المُخَالَفَةُ والمُوَالاَةُ من جهة التَّحَمُّلِ، فلا يتحمل الحَلِيفُ الدِّيَةِ، ولا العديد 598 الذي لا عَشِيرَةَ له، فيدخل نَفْسَهُ في القبيلة ليُعَدَّ منهم؛ لأن الأَصْلَ عَدْمُ التحمل، فَيُقْتَصَرُ على ما وَرَدَ فيه النَّصُّ.
وعند أبي حنيفة يَتَحَمَّلُ الحَلِيفُ، وساعدنا في العديد 599. ولا يتحمل أهْلُ الديوان بَعْضُهُمْ من بعض، والمُرَادُ الذين رَبَّتْهُمُ الإِمام لِلْجِهَادِ، وأَدَرَّ لهم أَرْزَاقاً وجعلهم تحت رَايَةِ أمير يَصْدِرُونَ عن رَأْيِهِ.
وعند أبي حنيفة: يَتَحَمَّلُ بعضهم عن بعض، وإن لم يكن بينهم قَرَابَةٌ، ويتقدمون على الأقَارِبِ اتِّبَاعاً لما وَرَدَ من قَضَاءِ عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
واحتج الأَصْحَابُ بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى بالدِّيَةِ على العَاقِلَةِ 600، ولم يكن في عهدهِ

الجزء: 10 - الصفحة: 464

دِيوَانٌ، ولا في عَهْدِ أي بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- وإنما وَضَعَهُ عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- حين كثر النَّاسُ، واحتاج إلى ضَبْطِ الأَسْمَاءِ والأرزاق، فلا يترك ما اسْتَقَرَّ في عَهْدِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما حَدَثَ بعده.
وقَضَاءُ عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- كان في الأَقَارَب من أهل الدِّيوَانِ.
وقوله في الكتاب: "والعَاقِلَةُ إن لم يكن عمداً" يجوز أن يُعْلَمَ بالواو؛ لِوَجْهِ قَدَّمْنَاهُ أن دِيَةَ شِبْهِ العَمْدِ لا تضرب على العاقلة.
وقوله: "في جهة العَقْلِ" يعني: جهة تَحَمُّل الدية.
والعَقْل: مصدر عَقَلَ يَعْقِلُ، يقال: عَقَلْتُ فلاناً إذا أَدَّيْتُ دِيتَهُ، وعَقَلْتُ عن فُلاَنٍ إذا لزمته دِيَةٌ، فَأدَّيْتُهَا، والعَقْلُ أيضاً: الدِّيَةُ نفسها، سميت بذلك؛ لأن إِبلَ الدِّيَةِ تعقل بفَنَاءِ القتيل، أي: تُوضَعُ عليها عِقَالُهَا، وسميت العَاقِلَةُ عَاقِلَةً؛ لأنهم يَعْقِلُونَ الإبَل يفنَائِهِ، ويقال: بل لأنهم يمنعون عن القَاتلِ، والعَقْلُ: المَنْعُ، وبه سمي العَقْلُ؛ لأنه يمنع من الفواحِشِ والمنكرات.
وقوله: "العُصُوبة" محمول على عُصُوبَة القَرَابَةِ، وإلا فهي تشمل الوَلاَءَ وبيت المال، ولو أطلق لفظ القَرَابَةِ كان أَحْسَنَ، كما قال: الجهة الأولى القَرَابَةُ.
وقوله: "فلا يوجب العَقْل" مُعْلَمٌ بالحاء.
قال الغَزَالِيُّ: (ح) الجِهَةُ الأوْلَى القَرَابَةُ وَهُوَ كُلُّ عَصَبَةٍ سِوَى أَبْعَاضِ الجانِي مِنْ آبَائِهِ وَبَنِيهِ فَإنْ كَانَ ابْنُهَا ابْنَ ابْنَ عَمِّهَا ففي الضَّرْبِ وَجْهَانِ، وفِي تقدَّمِ الأخِ لِلْأَبِ وَالأُمِّ عَلَى الأخِ لِلأبِ قَوْلاَنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إحدى جهات التَّحَمُّل القَرَابَةُ، فإنها أقْوَى جهات العُصُوبَةِ، وإنما يَتَحَمَّلُ الذين هم على حَاشيَةِ النَّسَبِ، وهم الإِخْوَةُ وبنوهم، والأَعْمَامُ وبنوهم.
فأما أب الجاني وأَجْدَادُهُ وبنوه، وبنو بَنِيهِ، فإنهم لا يَتَحَمَّلُونَ؛ لأنهم أَبْعَاضُهُ، فكما لا يتحمل الجَاني، لا يتحمل أَبْعَاضه.
= أخذت من آل عمر هذا الكتاب، كان مقروناً بكتاب الصدقة الذي كتب للعمال: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب محمد رسول الله، بين المسلمين والمؤمنين من قريش والأنصار ومن تبعهم، ولحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة، المهاجرين من قريش على ربعتهم، يتعاقلون بينهم، والأنصار على ربعتهم، يتعاقلون، الحديث.
وفي صحيح مسلم من حديث أبي الزبير أنَّه سمع جابراً يقول: كتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على كل بطن عقوله.
حديث عمر: أنَّه قضى على عليّ أن يعقل عن ولي صفية بنت عبد المطلب، وقضى بالميراث لابنها الزبير، ولم يضرب الدية على الزبير، وضربها على عليّ، كان ابن أخيها، البيهقي من حديث سفيان عن حماد عن إبراهيم أن علياً والزبير اختصما في موالي لصفية إلى عمر، فقضى بالميراث للزبير، والعقل على عليّ، وهو منقطع.
قاله الحافظ في التلخيص.

الجزء: 10 - الصفحة: 465

وقد روي عن أبي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ الله عَنْه- امْرَأَتَيْنِ من "هُذَيْلِ" اقْتَتَلَتَا، فقتلت إحداهما الأُخْرَى، ولكل واحدة منهما زَوْجٌ وَوَلَدٌ، فقضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بِدِيَةِ المَقْتُولِ على عاقلة القاتلة، وبَرَّأَ الزوج والولد، ثم ماتت القَاتِلَةُ، فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- مِيرَاثَهَا لبنيها، والعَقْلَ على العَصَبَةِ 601. وقال أبو حَنِيْفَةَ ومالك: يَتَحَمَّلُ الآباء والبنون كَسَائِرِ العَصَبَاتِ.
ثم في الفصل صورتان: إحداهما: إذا قَتَلَت امْرَأَةٌ، لها ابْنٌ هو ابن عمها، هل يَتَحَمَّلُ العَقْلَ؟ فيه وجهان: أحدهما -ويحكى عن الشيخ أبي عَلِيٍّ-: نعم، ولا تجعل البُنُوَّةَ مَانِعَةً، كما لا تجعلُ مُوجِبَةً لِلتَّحَمّلِ، وهذا كما أنَّه يلي أَمْرَ نكاحها.
وأظهرهما: لا، والبَعْضِيَّةُ مَانِعَةٌ من التحمل؛ لأن مَالَ أَبْعَاضِهِ كَمَالِهِ، ألا ترى أن نَفَقَتَهُ تَجِبُ في مَالِ أَبْعَاضِهِ، كما تجب في مَالِهِ، وكما لا يُؤْخَذُ من ماله لا يُؤْخَذُ من أموالهم.
وأيضاً فقد روي أن رَجُلاً أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعه ابنه، فقال: "مَنْ هَذَا"؟ قال: ابني، قال: "أَمَا إِنَّهُ لا يَجْنِي عَلَيْكَ، وَلاَ تَجْنِي عَلَيْهِ" 602. وليس المراد نَفْيَ الجِنَايَةَ، وإنما المعنى أنَّه لا يَلْزَمُكَ مُوجِبُ جِنَايَتِهِ، ولا يلزمه مُوجِبُ جِنَايَتِكَ، فَدَلَّ أن البُنُوَّةَ مَانِعَةٌ.
الثانية: يراعى الترتيب في العَصَبَاتِ، فيقدم الأَقْرَبُ فالأَقْرَبُ، خلافاً لأبي حَنِيْفَةَ، حيث قال يفض الواجب على القريب والبعيد بالسَّوِيَّةِ.
لنا أن تَحَمُّلَ العَقْل حكم من أحكام العُصُوبَةِ، فَتُقَدَّمُ دِيَةُ الأقرب على الأبْعَدِ، كما في الميراث وولاية 603 التَّزْوِيجِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 466

ومعنى التقديم أن يَنْظُرَ في الواجب لِرَأْس الحَوْلِ، وفي الأقربين، فإن كان فيهم وَفَاءٌ إذا وَزْعَ الواجب عليهم إما لِقِلَّةِ الواجب، أو لكثرتهم، فَيُوَزَّعُ عليهم، ولا يُعْدَلُ إلى من بعدهم، وإلا شاركهم في التَّحَمّل من بعدهم، ثم الذين يَلُونَهُمْ.
ويفارق الميراث؛ حيث لا يُشَارِكُ الأَبْعَدُ الأقْرَبَ، لأَن ما يجب على كل واحد من العَاقِلَةِ مُقَدَّرٌ بمقداره مَضبُوطٍ على ما سيأتي إن شاء الله تعالى لا يُزَادُ عليه.
وما يرثه كُلُّ واحد من العَصَبَةِ غير مُقَدَّرٍ، فيجوز الأقرب الكل.
والمُقَدَّمُ من الذين يَتَحَمَّلُونَ العَقْلَ الإِخْوَةُ ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الأعمام، ثم بنوهم، ثم أَعْمَامُ الأب، ثم بنوهم، ثم أعمام الجَدِّ على ما سَبَقَ في الميراث.
وهل يَتَقَدَّمُ المُدْلِي بالأبوين من هؤلاء على المُدْلِي بالأب كالأخَ من الأبوين مع الأخ من الأب أم يَسْتَوِيَانِ؟ فيه قولان: القديم: أنهما يَسْتَوِيَانِ؛ لأن النساء لا يتحملن العَقْلَ بحال، فلا تؤثر قَرَابَتُهُنَّ فيه.
والجديد: أنَّه يَتَقَدَّمُ المُدْلِي بالأبَوَيْنِ؛ لأنهما يَتَحَمَّلاَنِ من العَصَبَةِ (1)، فيتقدم من يتقدم في المِيرَاثِ، كالأخِ مع ابن الأخ، والقولان كالقولين في وِلاَيَةِ النكاح.

" فَرْعٌ"

ذَوُو الأَرْحَامِ لا يتحملون العَقْلَ.
قال في "التتمة": إلا على طريقة من يَرَى تَوْرِيثَهُمْ، فيتحملون عند عَدَمِ العَصَبَاتِ، كما يرثون عند عَدَمِهِمْ، ولا تحمل بالزَّوْجِيَّةِ بِحَالٍ.
وقوله في الكتاب: "وهو كل عَصَبَةٍ" لا تَعُودُ إلى القَرَابَةِ، فإنها جهة التَّحَمُّلِ، والمقصود ههنا بَيَانُ المحْتمل، فالمعنى: والمتحمل بهذه الجِهَةِ كل عَصَبَةٍ إلى آخره، فهو من قبيل الكِنَانَةِ عن غير المَذْكُورِ.
وقوله: "فإن كان ابْنُهَا ابْنَ ابْنِ عَمِّهَا"، قد يوجد في بعض النُّسَخِ: "فإن كان ابْنُهَا ابْنَ عَمِّهَا" بحذف أحد لفظي "الابن"، والمقصود الأول، وإن حذف، فلا يُتَصَوَّرُ أن يكون ابنها ابن عمها لحَّاً، وقد يسمى ابْنُ الابْنِ ابْناً.
قال الغَزَالِيُّ: الجِهَةُ الثَّانِيَةُ: الوَلاَءُ فَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ عَصَبَتَهُ فَعَلَى مُعْتِقَ الجَانِي، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَصَبَاتُ المُعْتِقِ، ثُمَّ مُعْتِقُ المُعْتِقَ، ثُمَّ عَصَبَاتُهُ، ثُمَّ مُعْتِقُ أَبِ المُعْتَقِ، ثُمَّ عَصَبَاتُهُ هَكَذَا عَلَى التَّرْتِيبِ كَالمِيرَاثِ، وَفِي دُخُولِ ابْنِ المُعْتِقَ وَأَبِيهِ وَجْهَانِ.604

الجزء: 10 - الصفحة: 467

قَالَ الرَّافِعِيُّ: الجهة الثانية الوَلاَءُ، وهي متأخرة عن عُصُوبَة النَّسَبِ، كما في الميراث، فإذا لم يكن للجاني عَصَبَةٌ من النسب أو كانوا، ولم يَفِ التَّوْزيعُ عليهم بالواجب، فيتحمل مُعْتقُهُ إن كان الجاني عَتِيقاً، فإن لم يكن، أو فَضَلَ عنه شيء تَحَمَّلَ عَصَبَاتُهُ من النَّسَبِ، فإن لم يكونوا، أو فَضَل تحمل مُعْتقُ المُعْتَقِ، ثم عَصَبَاتُهُ.
وهل يدخل في عَصَبَاتِ المُعْتِقِ ابْنُهُ وأبوه؟ فيه وجهان عن رواية القَفَّالِ وغيره: أحدهما: نعم؛ لأنهما من العَصَبَةِ، وإنما لم يدْخُل ابن الجَانِي وأبوه للْبَعْضيَّةِ، ولا بَعْضِيَّةَ بين الجاني وبين ابن المُعْتِقِ وأبيه.
وأظهرهما: المنع، واعتمدوا فيه ما روي أن عمر- رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قضى على عَلِيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بأن يعْقلَ عن موالي صَفِيَّةَ بنت عبد المُطَّلِب، وقضى بالميراث لابنها الزُّبَير بن العَوَّام -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ولم يضرب الدِّيَةَ على الزبير -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، وضَرَبَهَا على عَلِيٍّ -كَرَّمَ الله وَجْهَهُ-؛ لأنه كان ابْنَ أخيها 605، واشتهر ذلك فيما بينهم.
ومنعها 606 الإِمام، وصاحب الكتاب في "الوسيط"، فجَعَلاَهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- ابن عَمِّهَا، ويجري الوجهان في ابن مُعْتقِ المُعْتَقِ وأبيه، إذا لم يُوجَدْ من له نِعْمَةُ الوَلاَءِ على الجاني، ولا أحد من عصباته، فيتحمل معتق الأب، ثم عصباته، ثم مُعْتقُ معتقِ الأب، ثم عَصَبَاتُهُ، كما ذكرنا في الجَانِي.
فإن لم يوجد من له نِعْمَةُ الوَلاَءِ على الأب، فيتحمل مُعْتقُ الجَدِّ، ثم عَصَبَانُهُ كذلك إلى حيث ينتهي.
وقوله في الكتاب: "فإن لم يُصَادِفْ عصبته" أي.: من النَّسَبِ.
يقال: صَادَفَ الشَّيْءَ، أي: وَجَدَهُ، ويمكن أن يُشَارَ بهذه اللفظةَ إلى شيء، وهو أن النَّاسَ كلهم أوْلاَدٌ لآدم -عليه السلام- ولكل واحد منهم عَصَبَاتٌ من بني الأعمام أقْرَبُ من غيرهم لا مَحَالَةَ، إلا أنهم لا يعرفون إذا لم يُضْبَطِ النَّسَبُ، فلم يقل: فإذا لم يكن له عَصَبَةٌ، ولكن قال: فإذا لم يوجدوا؛ لِيُبَيِّنَ أن الرجل إذا لم يُعْرَفْ نَسَبُهُ وَقبيلَتُهُ يعرض عن عَصَبَاتِهِ من جهة النسب، وينظر هل عليه وَلاءٌ أم لا؟ واللَّقيطُ الذي لا يُعْرَفُ نَسَبُهُ لو ادَّعَاهُ رجل، أو انْتَسَبَ إلى مَيِّتٍ، واعترف به

الجزء: 10 - الصفحة: 468

وَرَثتُهُ ثَبَتَ نَسَبُهُ، وأخذت 607 الدية إذا جنى خَطَأً على عصباته، فإن قامت البَيِّنَةُ على أنَّه من قبيلة أخرى، فالحكم لِلْبَيِّنَةِ.
وقوله: "ثم مُعْتِق أَبِ المعتق" ليس على معنى أن الذي يلِي مُعْتِق المعتق وعَصَبَاته هو مُعْتقُ أب المُعْتَقِ، بلَ يتَقَدَّمُ معتق معتق المعتق على مُعْتقِ أَبِ المعتق، على ما هو مُبَيَّنٌ في بَابِ الوَلاَءِ.
قال الغَزَالِيُّ: وإذَا أُعْتِقَت المَرْأةُ لَمْ يُضْرَبْ عَلَيْهَا بَلْ عَلَى عَصَبَاتِهَا كَمَا يُزَوَّجُونَ عَتِيقَتَها، وَالشُّرَكَاءُ فِي عَتْقِ عَبْدٍ وَاحِدٍ كَشَخْصِ وَاحِدٍ لاَ يَلْزَمَهُمْ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفِ دِينَارٍ، فَإنْ مَاتَ وَاحِدٌ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ عَصَبَاِتِهِ لاَ يَحْمِلُ أَكْثَرَ مِنْ حِصَّةِ المُعْتِقِ لَوْ كَانَ حَيّاً، وَمَا دَامَ المُعْتِقُ حَيّاً فَلاَ يَرْقَى إلَى عَصَبَاتِهِ وَإِنْ فَضُلَ عَنْهُ شَيْءٌ إِذْ لاَ وَلاَءَ لَهُمْ، فَإِنْ مَاتَ فَعَصَبَاتُهُ كَعَصَبَاتِ الجَانِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثَلاَثُ صُوَرٍ: إحداها: سنذكر أن شَرْطَ تَحَمُّلِ العَقْل الذُّكُورَةُ، وأن المَرْأَةَ لا تتحمل الدية بِحَالٍ.
فإذا أَعْتَقت المَرْأَةُ مَمْلُوكاً لم تتحمل دِيَةَ جِنَايَتِهِ، وإنما يتحملها من يَتَحَمَّلُ الدِّيةَ إذا جنت المُعْتِقَةُ، كما أنها لما لم تكن أهْلاً للتزويج يزوج عتيقها من يزوجها.
الثانية: إذا أعتق الشُّرَكَاءُ عَبْداً، فجنى خَطَأً تَحَمَّلُوا عنه تَحَمُّلَ الشخص الواحد؛ لأن الوَلاَءَ يثبت لجميعهم لا لِكُلِّ واحد فهم.
فإن كانوا أَغْنِيَاءَ، فالمَضْرُوبُ على جميعهم نِصْفُ دينَارٍ، وإن كانوا متوسطين، فَرُبُعُ دِينَارٍ، وإن كان بعضهم أَغْنِيَاءَ، وبعضهم مُتَوَسِّطِينَ، فعلى الغني حِصَّتُهُ في النصف لو كان الكل أَغْنِيَاءَ، وعلى المتوسط حِصَّتُهُ من الرُّبُع لو كان الكل متوسطين.
وإذا كان المُعْتقُ وَاحِداً، وقد مات، وله عَصَبَاتٌ كالإِخْوَةِ مثلاً، فيضرب على كل واحد منهم حِصّته تامة على ما تَقْتَضِيه حَالُهُ من الغِنَى والتَّوَسُّطِ، ولا يقال: يوزع عليهم ما كان يتَحَمَّلهُ المعتق في حَيَاتِهِ، كتوزيعنا القدر 608 المتحمل فيما لو أعتق الشُّرَكَاءُ عَبْداً؛ لأن الوَلاَءَ لا يَتَوَزَّعُ عليهم تَوَزُّعَهُ على الشركاء، ولا يرثون الوَلاَءَ في المعتق، إنما يَرِثُون بالوَلاَءِ، والسبب المحدث لهم انْتِسَابُهُم إلى من له الوَلاَءُ، فالوَلاَءُ في حقهم مُشَابِهٌ للنَّسَب، ومن يتحمل بالنسب نِصْفَ دِينارٍ، يَتَحَمَّلُ كُلُّ واحد من المنتسبين إليه مِثْلَ ذلك كالأخ مع بنيه، وإذا مات وَاحِدٌ من الشركاء المعتقين أو جميعهم تحَمُّلَ كُلُّ

الجزء: 10 - الصفحة: 469

واحد من عَصَبَاتِهِ مِثْلَ ما كان يتحمله هو في حَيَاتِهِ، وهو حِصَّتُهُ من النصف والربع على ما يقتضيه حَالُ المحتمل من الغِنَى التَّوَسُّطِ؛ لأن غايته نُزُولُهُ مَنزِلَةَ ذلك الشريك المعتق.
الثالثة: ذكر في الكتاب أن المعتق ما دام حَيّاً لا يرقى إلى عَصَبَاتِهِ، ولا يضرب الباقي من الوَاجِب عليهم، وهذا ما رواه الإِمام ورآه، ووجهه بأن العَصَبَاتِ لا حَقَّ لهم في الوَلاَءِ ما دام المُعْتِقُ حَيّاً، فإذا مات وَرِثُوا، وانتشر الحَقُّ إليهم، وصار الوَلاَءُ لُحْمَةً كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، وأبدى تَرَدُّداً فيما إذا لم يَبْقَ المعتق، وضربنا على عَصَبَاتِهِ، هل يُخَصَّصُ بالأقربين؛ لأنهم المخصوصون بالوَلاَءِ والإرث به، أو يَتَعَدَّى إلى الأَبَاعِدِ صنيعنا من عَصَبَاتِ الجاني؟ وجعل الاحتمال الثَّاني أظهر، وهو الذي جَرَى عليه صَاحِبُ الكتاب حيث قال: فإن مات، فَعَصَبَاتهُ كعَصَبَاتِ الجاني، ويجوز أن يُعْلَمَ بالواو، للاحتمال الآخر، هذا ما ذكراه، وفي كَلاَمِ غيرهما ما يفهم جَوَازَ الارْتقَاءِ من المُعْتِقِ، وهو حَيٌّ إلى عَصَبَاتِهِ 609، وصرح به صاحب "الشامل" و"التتمة" وغيرهما، فقالوا: إن فضلت من المتناسبين فَضْلَةٌ قُسِّمَتْ على الموالي المعتقين، فإن بقي شيء قُسِّمَ على عَصَبَةِ المولى، فيجوز أن يُعْلَمَ لذلك قوله: "فلا يَرْقَى إلى عَصَبَاتِهِ" بالواو.
قال الغَزَالِيُّ: وَفِي تَحَمُّلِ العَتِيقِ عَنِ المُعْتِقَ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَتَحَمَّلُ فَاجْتَمَعَ المَوْلَى الأَعْلَى وَالأسْفَل فَالأَعْلَى أَوْلَى، وَالمُتَوَلِّدُ بَيْنَ العَتِيقِ وَالعَتِيقَةِ يَجِبُ عَقْلُهُ عَلَى مَوَالِي الأَبِ تَرْجِيحاً لِجِهَةِ الأبُوَّةِ، فَإنْ تَوَلَّدَ مِنْ عَتِيقَةٍ وَرَقِيقِ فَالوَلاَءُ لمَوَالِي الأُمِّ إِذْ لا وَلاَءَ عَلَى الأَبِ بَعْدُ، وَإِنْ أُعْتِقَ الأبُ أَنْجَرَّ الوَلاَءُ إلَى مَوَالِي الأَبِ، فَإِنْ جَنَى الوَلَدُ قَبْلَ جَرِّ الوَلاَءِ فأَرْشُ الجِنَايَةُ عَلَى مَوَالِي الأُمِّ، وَمَا زَادَ بِسِرَايَةِ بَعْدَ الجَرِّ عَلَى الجَانِي؛ لِأَنَّهُ نَتِيجَةُ جِنَايَتِهِ قَبْلَ الجَرِّ فَلاَ يَحْمِلُهُ مَوَالِي الأَبِ وَلِأَنَّهُ حَصَلَ بَعْدَ الجَرِّ فَلاَ يَحْمِلُهُ مُوَالِي الأُمِّ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ عَنِ المَوَالِي فَلاَ يَحْمِلُهُ بَيْتَ المَالِ، وَلَو قَطَعَ يَدَيْنِ قَبْلَ الجَرِّ فَسَرَى بَعْدَهُ فَعَلَى مَوَالى الأُمِّ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَكَذَا إذَا قَطَعَ اليَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:

الجزء: 10 - الصفحة: 470

إحداهما: في تَحَمّلِ العَتِيقِ عن المعتق إذا جَنَى خَطَأً قولان: أصحهما، وبه قال أبو حَنِيْفَةَ، ويُحْكَى عن أصحاب مَالِكٍ أنَّه لا يتحمل 610 عنه؛ لأنه ليس بمناسب [له] 611، ولا له عليه وَلاَءٌ، فأشبه الأَجَانِبَ؛ ولأنه حُكْمٌ من أحكام الوَلاَءِ، فَيَخْتَصُّ بالمعتق كالميراث.
والثاني: يحتمل؛ لأن التحمل للنُّصْرَةِ 612، والعتيق أَوْلَى بنُصْرَةِ المعتق؛ لإنْعَامِهِ عليه، ويخالف الميراث؛ لأن ذلك في مُقَابَلَةِ النِّعْمَةِ التي لِلْمُعْتِقِ بسبب الإِعْتَاقِ، ولا نِعْمَةَ لِلْعَتِيقِ على المُعْتِقِ.
فإن قلنا بالقول الثاني، فهذه جِهَةُ أخرى من جِهَاتِ التَّحَمُّلِ، وراء الثلاث، وَيتَأَخَّرُ العَتِيقُ في التحمل عن المُعْتِقِ، ولم يُوجَدْ شيء من عَصَبَاتِهِ بِحَالٍ؛ لأنه لا يَتَحَمَّلُ الجاني عنهم، فكذلك لا يَتَحَمَّلُونَ عنه.
قال في "البَيَانِ": والذي يقتضيه المَذْهَبُ أن يكون في عَتِيقِ العَتِيقِ القولان؛ لأن الجَانِي يَتَحَمَّلُ عنه.
الثانية: سيأتي في باب العِتقِ في فَصْلِ الوَلاَءِ أن من لم يَمَسُّهُ الرِّقُّ أَصْلاً، لكنه مَسَّ أباه، أو جَدَّهُ، أو أمَّهُ، فقد يثبت الوَلاَءُ عليه لمعتقهم، وأنه إذا كانت الأُمُّ عَتِيقَةَ، والأب رَقِيقٌ يثبت الوَلاَءُ على الولد المُعْتِقِ الأُمِّ، فإن أعتق الأبَ الحُرّ، ولاء الولد إلى مُعْتِقِ الأَب، ويحمل العقل إذا جَنَى يتفرع على ثبوت الوَلاَءِ، فمن له الوَلاَءُ، فهو الذي يتحمله فلَو جنى المتولِّدُ من عتيقةٍ وعتيق، فالوَلاَءُ لمولى الأب، وهم الذين يتحملون عنه ترجيحاً لجهة الإُبُوَّةِ، والمتولد من عَتِيقَةٍ ورَقِيقٍ إن قتل إِنْسَاناً، فالدِّيَةُ على موالي الأُمِّ، ولو جرح إنْسَاناً، فأعتق أَبُوهُ، ثم مات المجني عليه، فقدر أرْش الجراحة على مَوَالِي الأم، والبَاقِي يَجِبُ على الجَانِي؛ لأنه لا يمكن إيجابه على مُعْتِقِ الأُمِّ؛ لأنه خرج بِإِعْتَاقِ الأب عن اسْتِحْقَاقِ الوَلاَءِ، فلا يلزمه ما يَجِبُ بعد ذلك، ولا يمكن إيجَابُهُ على معتق الأب؛ لأنه وجب بِسَرَّيَةِ جِنَايَةٍ وُجِدَتْ قبل انجرار الوَلاَءِ إليه، فلا يلزمه = المعتقون، فإن عجزوا هم وعواقلهم عقل فأبقى جماعة المسلمين وهذا صرح في ثبوته لهم في حياته ونص في الأم أيضاً على عصبة المعتق الدين عس دين العتيق يرثون العتيق وإن كان المعتق حياً فأثبت الشَّافعي لهم الولاء والميراث معه في حياة المعتق وهذا قد خالفه فيه القاضي الحسين وجعل المال لبيت المال انتهى.
واستبعد الشيخ البلقيني ما قاله القاضي الحسين وتقدم في كتاب التنبيه على ذلك.

الجزء: 10 - الصفحة: 471

تحمله، ولا يمكن إيجابه من بيت المال؛ لأنه لم يَخْلُ عن المعتق، ووجد في الحالتين من هو أَوْلَى من بيت المال.
وأيضاً فالضَّرْبُ على العَاقِلَةِ على خلاف القياس، فسقط بالشُّبْهَةِ كالقِصَاصِ.
هذا ما أجاب به ابْنُ الحَدَّادِ، وساعده الأَصْحَابُ والإمام، ولصاحب 613 الكتاب احْتِمَالٌ في الضَّرْبِ على بَيْتِ المال؛ لأنه إذا تَعَذَّرَ الضرب على المعتق كان كمن لا مُعْتِقَ له، إذا عرف ذَلك، فلو أوضح خَطَأً، ثم أعتق أبوه، ثم سَرَتِ المُوضِحَةُ إلى نفس المَجْنِي عليه، فَأَرْشُ المُوضِحَةِ، وهو نصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ على مُعْتِقِ الأم، وباقي الدِّيَةِ على معتق الأب.
ولو كانت الجِرَاحَةُ قَطعُ أُصْبُعٍ، والتصوير كما ذكرنا، فالوَاجِبُ على معتق الأم عُشْرُ الدِّيَةِ، ولو تأملت الجِرَاحَةُ فسقط الكَفُّ، ثم أعتق الأَب، ثم مات المَجْنِي عليه، فَنِصْفُ الدِّيَةِ على مُعْتِقِ الأُمِّ؛ لأن السِّرَايَةَ إلى اليَدِ حَصَلَتْ حين 614 كان الوَلاَءُ له، فكانت كأصل الجِرَاحَةِ، والباقي على مُعْتِقِ الأب.
ولو قَطَعَ يَدَيْهِ، أو يديه ورِجْلَيهِ، ثم أَعْتَقَ الأب، ثم مات المَجنِي عليه، فَعَلَى معتق الأُمِّ دِيَةٌ كَامِلَةٌ؛ لأن الجرَاحَةَ حين كان الوَلاَءُ يُوجِبُ هذا القدر، والمعتبر ألا يزيد قَدْرُ الوَاجِبِ على مُعْتِقِ الأم بَالسِّرَايَةِ الحاصلة بعد الانْجِرَارِ.
وقوله في الكتاب: "وما زاد بسِرَايَةِ القَطْعِ بعد الجر على الجاني" [فيه بَيَانُ] 615 أن السَّرَايَةَ قبل الجر على موالي الأُمِّ.
وقوله: "لأنه نتيجة جِنَايَةٍ قبل الجَرِّ ... " إلى آخره تَوْجيهٌ للوجوب على الجَانِي، والمعنى: أن الدِّيةَ لو لم تكن عليه، فإما أن تكون على موَالِي الأُمِّ، أو موالي الأب، أو في بيت المال، والأَقْسَامُ بَاطِلَةٌ، وقد مَرَّ ما تَوَجَّهَ به بُطْلاَنُ كل قسم عند 616 ذِكْرِ ذلك القِسْمِ، ويمكن أن يُعْلَمَ قوله: "وما زاد بِسِرَايةٍ بعد الجَرِّ على الجاني" بالواو، لما سَنُبَيِّنُهُ، ثم للمسألة نَظَائِرُ منها: المُتَوَلِّدُ بين عتيق ورقيق إذا حَفَرَ بِئْراً في محل عُدْوان، أو أشْرَعَ جَنَاحاً أو مِيزَاباً، ومات إنسان بهذه الأسْبَابِ تكون الدِّيَةُ على مَوَالِي الأُمِّ، وإن أعتق أَبُوهُ، ثم حصل الهَلاَكُ ببعض 617 الأسْبَابِ تكَون الدِّيَةُ في ماله، ولو حفر العبد ثم عتق 618، ثم تَرَدَّى فيها إنسان أو رمى إلى صيد، فعتق، ثم أَصَابَ السَّهْمُ إنساناً تجب الدِّيةُ في مَالِهِ، ولو قطع يَدَ إنسان خطَأً، فأعتقه سَيِّدُهُ، ثم سَرَى إلى النفس، فالسيد بإعْتَاقِهِ يصير مُختَاراً للفداء،

الجزء: 10 - الصفحة: 472

فعليه الأَقَلُّ من نِصْفِ الدِّيَةِ، وكمال قيمة العَبْدِ، ويجب في مَالِ الجَانِي نِصْفُ الدية، وذلك لأن السِّرَايَةَ حصلت بعد العِتْقِ بِجِنَايَةٍ كانت في الرق.
قال صاحب "التهذيب": ويجيء وَجْهٌ آخر أن السَّيِّدَ يَفْدِي بالأَقَلِّ من كَمَالِ الدية، وكمال القيمة؛ لأن الجِنَايَةَ وُجِدَتْ في الرِّقِّ.
ومنها: لو رمى ذمِّيٌّ إلى صَيدٍ، فأسلم، ثم أصاب إنْسَاناً، فالدِّيَةُ في ماله لا تُضْرَبُ على عَاقِلَتِهِ الذميين، ولا على عَاقِلَتِهِ المسلمين.
أما الذِّمِّيُّونَ؛ فلأنهم لم يكونوا عَاقِلَتَهُ عند الإصابة، وأما المسلمون فلأنهم لم يكونوا عاقلَتَهُ عند الرَّمْيِ، وإنما يَتَحَمَّلُ من يكون عاقِلَتَهُ في الحالين.
ولو رمى يَهُودِيٌّ إلى صَيْدٍ، ثم تَنَصَّرَ أو تَمَجَّسَ، ثم أصاب السَّهْمُ إنساناً، قال الأئمة: إن قلنا: لا يقر عليه، فهو مُرْتَدٌّ لا عَاقِلَةَ له، فتكون الدِّيَةُ في ماله.
وإن قلنا: يقر تكون الدِّيَةُ على عاقلتَهُ على أي دِينٍ كانوا؛ لأن الكُفْرَ كله مِلَّةٌ واحدة، ولكن يَحْمِلُ بَعْضُهُمْ عن بعض على خِلاَفٍ سنذكره.
ولو جرح ذِمِّيٌّ إنساناً خَطَأً، وأسلم الجَارحُ، ثم مات المَجْرُوحُ، فَأَرْشُ الجِرَاحَةِ على عاقلته الذِّمِّيِّينَ، والباقي في مَالِهِ، فإن زَادَ أرْشُ الجِرَاحَةِ على دية النَّفْسِ بأن قطع يَدَيْه ورجليه، فالواجب هو دِيَةُ النفس على عَاقلَتِهِ الذميين، هكذا ذكره ابن الحَدَّادِ، وساعده أكثرهم.
وفيه وجه آخر أن ما زادَ بالسِّرَايَة وأرْشِ الجراحة كله على عاقلته الذميين 619؛ اعْتِباراً بحالة الجناية وهذا ما أوْرَدَهُ صاحب "المهذب"، وربما بني الخلاف على الخِلاَفِ فيما إذا جرح ذِمِّيٌّ ذِمِّياً، ثم أسلم الجَارحُ، ومات المَجْرُوحُ، هل بقتصُّ 620 منه؟ إن قلنا: نعم؛ اعتباراً بحالة الجَرْحِ، فجميع الدِّيَة عليهم.
وإن قلنا: لا نقتصُّ 621 لم يلزمهم كَمَالُ الدية، والوَجْهُ مَجِيءُ الوجه المذكور ههنا في مسألة الكتاب.
ولو عاد بعد الإسْلاَم، وجنى على المَجْنِي عليه جِنَايَةً أخرى خَطَأً، ومات منهما، فَنِصْفُ الدِّيَةِ على عَاقِلَتهِ المسلمين، وأما عاقلته الذِّمِّيُّون فإن كان أَرْشُ الجراحة نِصْفَ الدِّيَة أو أكثر، فعليهم النِّصْفُ أيضاً، وإن كان أقل بأن كان قد أَوْضَحَ رَأْسَهُ، أو قطع أُصْبُعاً من أَصَابِعِهِ، فَأرْشُ الجِرَاحَةِ على عاقلته الذميين، وما زاد إلى تمام النِّصْفِ على

الجزء: 10 - الصفحة: 473

الجاني، فيجب في قَطْعِ الأُصْبُعِ عُشْرُ الدِّيَةِ على عاقلته الذميين، وأَرْبَعَةُ أَعْشَارِهَا، وهي تمام النصف في مال الجَانِي.
وإن كانت الجِرَاحَةُ بعد الإسْلاَمِ مُذَفَّفَة، فقد ذكر الشيخ أبو علي وغيره أن أَرْشَ الجراحة الوَاقِعَةِ في الكُفْرِ يكونَ على عَاقِلَتِهِ الذميين، والباقي إلى تمام الدِّيَةِ على عاقلته المسلمين.
وفي "النهاية" و"البيان" أن هذا جواب على قول ابن سُرَيْجٍ والإِصْطَخْرِيِّ فيما إذا جَرَحَ، ثم قَتَلَ أنَّه لا يدخل أَرْشُ الجِرَاحَةِ في الدِّيَةِ 622. أما إذا قلنا: يدخل، وهو الظَّاهِرُ، فجميع الدِّيَةِ على عَاقِلَتِهِ المسلمين، ولو أنَّه عاد بعد الإسْلاَمِ وجرحه مع آخر خطأ، فيبنى على الخِلاَفِ الذي سَبَقَ في أن الدية توَزَّعُ على الجارحين، أو على الجِرَاحَاتِ.
فإن قلنا: على الجَارِحِينَ، وهو الأظْهَرُ، فعليه نِصْفُ الدِّيَةِ، والنصف يلزمه 623 بالجرَاحَتَيْنِ، مَحِصَّةُ جِرَاحَةِ الإِسلام، وهي الرُّبُعُ على عَاقِلَتِهِ المسلمين، وينظر في جِرَاحَةِ الكُفْرِ، فإن كان أَرْشُهَا مِثْلَ ربع الدِّيَةِ أو أَكْثَرَ، فعلى عاقلته الذِّمِّيِّينَ الرُّبُعُ أيضاً، وإن كان دون الرُّبُعِ، فعليهم قَدْرُ الأَرْشِ، وهو الزِّيَادَةُ إلى تمام الرُّبُعِ في مال الجاني.
وإن وَزَّعْنَا على الجِرَاحَاتِ، فَثُلُثُ الدِّيَةِ، وهو حِصَّة جِرَاحَةِ الإِسلام على عاقلته المسلمين، فينظر في جِرَاحَةِ الكُفْرِ، فإن كان أَرْشهَا مِثْلَ ثلث الدية أو أكثر، فعلى عَاقِلَتِهِ الذميين الثُّلُثُ أيضاً، وإن كان أَقَلَّ فعليهم الأرْشُ، والباقي إلى تَمَامِ الثلث في مَالِ الجاني.
ومنها: لو جَرَحَ إِنْسَاناً خَطَأٌ، ثم ارْتَدَّ، ثم مات المجروح بالسِّرَايَةِ، فأرش الجِرَاحَةِ على عَاقِلَتِهِ المسلمين، والباقي إلى تَمَام الدِّيَةِ في مال الجَانِي، فإن كان أَرْشُ الجِرَاحَةِ مِثْلَ الدِّيَةِ أو أكثر، كما إذا كان قد قَطَعَ يَدَيْهِ ورجليه، فَقَدْرُ الدِّيَةِ، وهو الواجب يَلْزَمُ العَاقِلَةَ، ولو جرح وهو مُرْتَدُّ، فَأسْلَمَ، ثم مات المَجْرُوحُ، فالدِّيةُ في مَالِهِ؛ إذ لا عاقلة للْمُرْتَدِّ، ولو جرحه وهو مُسْلِمٌ، فَارْتَدَّ الجَارحُ، ثم عاد اِلى الإِسْلاَمِ، ثم مات المَجْرُوحُ.
قال الشيخ أبو علي: في المسألة 624 قولان:

الجزء: 10 - الصفحة: 474

أحدهما: أن جَمِيعَ الدِّيَةِ على عَاقِلَتِهِ؛ اعتباراً بالطَّرَفَيْنِ؛ ولا ينظر إلى الحالة المتخللة.
والثاني: أن على عاقلته 625 أَرْشَ الجِرَاحَةِ، وما زاد على الأَرْشِ إلى تمام الدِّيَةِ في مالِ الجاني؛ لأنه حَصَلَ بعض السِّرَايَةِ في حالة الرِّدَّةِ، فيصير شُبْهَةً دَارِئَةً لِلتَّحَمُّلِ، وجَزَمَ جَازِمُون بوجوب الجميع على العاقلة، إذا قصر زمان الرِّدَّةِ المُتَخَلِّلَةِ، وخصصوا القولين إذا طَالَ زمانها.
قال في "التهذيب": ويجيء وَجْهٌ آخر أن على العَاقِلَةِ ثُلُثُيِ الدية لوجود الإِسْلاَمِ في الأول والآخر.
ولو رَمَى سَهْماً إلى صَيْدٍ وارْتَدَّ، فأصاب السَّهْمُ إنْساناً، أو رمى المُرْتَدُّ إلى صَيْدِ، فَأَسْلَمَ، فَأَصَابَ السهم، فالدِّيَةُ في ماله؛ لأنه تَبَدَّلَ حَالُهُ رَمْياً وإصَابَةً، وإنما يَتَحَمَّلُ عنه إذا كان بِصِفَةٍ يتحمل عنه في الحالتين، ولو تَخَلَّلَتِ الرِّدَّةُ بين الرَّمْي والإِصَابَةِ، فكذلك الجواب في "التهذيب" وفي شرح الشيخ أبي عَلِيٍّ أنهم خَرَّجُوا المسأَلة على قولين: أحدهما: أنَّه تجب الدِّيَةُ على عَاقِلَتِهِ المسلمين، اعتباراً بِحَالَتَيِ الرَّمْيِ والإصابة.
والثاني: أنها تَجِبُ في ماله لا يتحملون منها شَيْئاً؛ لأنها حدثت حالة خرجوا منها عن أن يكونوا من أَهْلِ التَّحَمُّلِ، فصار شُبْهَةً دَارِئَةً، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: الْجِهَةُ الثَّالِثَةُ: بَيْتُ المَالِ فَإذَا لَمْ نَجِدِ العُصُوبَةَ وَالوَلاَءَ أَخَذْنَا من بَيْتِ المَالِ إنْ كَانَ الجَانِي مُسْلِماً، فَإنْ كَانَ ذِمِّيّاً رَجَعْنَا إلَى الجَانِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: كما أن بَيتَ المال [مَصَبٌّ] 626 للتركة إذا لم يكن للميت عَصَبَةٌ بالنسب، ولا بالوَلاَءِ، فكذلك يحتمل بَيْتُ المال جِنَايَةَ من ليس له عَصَبَةٌ بالنسب ولا بالوَلاَء، وكذلك لو كانت العَصَبَةُ معسرين، أو كان لا يفي التَّوْزِيعُ عليهم بالواجب، فيكون الباقي على بيت المال، وهذا كُلُّهُ فيما إذا كان الجَانِي مُسْلِماً، أما إذا كان ذِمِّيّاً، فلا يتحمل عنه بَيْتُ المال، بل تكون الدِّيَةُ على الجاني؛ لأنه إذا مات، وَلاَ وَارِثَ له لا يُوضَعُ مَالُهُ في بيت المال إِرْثاً، وإنما هو فَيْءٌ كالجِزْيَةِ، وسائر أنواع الفَيْءِ لا توضَعْ هي في بيت المال، ألا ترى أنَّه لا يُعْتَبَرُ فيه مَوْتُ من كان مَالِكاً لها، والمستأمن في ذلك كالذِّمِّيِّ، وإذا أوجبنا الدِّيَةَ على الذمي لِعَدَمِ العَاقِلَةِ، فهل يتحمل أبوه وابنه؟ فيه وجهان كالوَجْهَيْنِ فيما إذا لم يكن للجاني المسلم عَاقِلَةٌ، ولا في بَيْتِ المال مَالٌ، وقلنا بوجوب الدِّيَةِ على الجاني، فهل يوجبُ على أبيه وابنه أيضاً، وسنذكرهما، والمُرْتَدُّ لا

الجزء: 10 - الصفحة: 475

عَاقِلَةَ له؛ لأنه لا يورث منه، فإذا قتل إنْسَاناً خَطَأً، تجب الدِّيَةُ في ماله مُؤَجَّلَةً، فإن مات سَقَطَ الأَجَلُ، [والله أعلم].
ويجوز أن يُعْلَمَ.
قوله في الكتاب: "وإن كان ذِمِّيّاً رجعنا إلى الجَاني" بالواو؛ لأنه ذكر في "البيان" أنَّه إذا لم يكن له عَاقِلَةٌ، أو بقي شيء بعد التَّوْزِيعِ عليهم، ففي الوجوب في مَالِهِ الخِلاَفُ الذي سيأتي إن شاء الله -تَعَالَى- في المسلم إذا لم يكن له عَاقِلَةٌ خَاصَّةٌ، ولا في بيت المال مَالٌ.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا الصِّفَاتُ، فَلا يُضْرَبُ عَلَى مَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ وإنْ كَانَتْ مُعْتقَةً، وَلاَ عَلَى مُخَالِفٍ فِي الدِّينِ فَلاَ يَحْمِلُ مُسْلِمٌ مِنَ الذِّمِّيِّ وَلاَ الذِّمِّيِّ مِنَ المُسْلِمِ، وَفِي تَحَمُّلِ اليَهُودِيِّ مِنَ النَّصْرَانِيِّ قَوْلاَنِ، وَالحَرْبِيُّ لاَ يَتَحَمَّلُ، وَالمُعَاهَدُ كَالذِّمِّيِّ إِذَا لَمْ يَنْصَرِمْ عَهْدُهُ قَبْلَ مُضِيِّ أجَلِ الضَّرْبِ، وَلاَ يُضْرَبُ عَلَى فَقِير وَإِنْ كَانَ مُعْتمِلاً، وَيُضْرَبُ علَى الغَنِيِّ نِصْفُ (ح م) دِينَار وَهُوَ الَّذي مَلَكَ عِشْرِينَ دِينَاراً بَعْدَ المَسْكَنِ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَعَلَى المُتَوَسِّطِ الرُّبُعُ وَهُوَ الَّذِي يَمْلكُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ مَلَكَ مَا فَضُلَ عَنْ حَاجَتِهِ، وَيُنْظَرُ إِلَى اليَسَارِ فِي آخِرِ السَّنَةِ فلَوْ طَرَأَ اليَسَارُ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدِهَا فَلَا التِفَاتَ إِلَيْهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فرغنا من أحد الفصلين، وهو الكلام في جِهَاتِ التَّحَمُّلِ، والفصل الآخر من صفات المُتَحَمِّلِينَ، وهي خمس: إحداها: التكليف، فلا تُضْرَبُ الدِّيَةُ على صَبِيٍّ، ولا مجنون، ولا مَعْتُوهٍ، وإن كانوا مُوسِرِينَ.
والثانية: الذُّكُورَةُ، فلا تُضرَبُ على امْرَأَةٍ؛ لأنه ليست 627 لها أهْلِيَّةُ النُّصْرَةِ والمُعَاوَنَةِ، ولا تضرب على خُنْثَى؛ لاحتمال الأُنُوثَةِ، فَإِنْ بَانَ ذَكَراً، فهل يُغَرَّمُ حِصَّتَهُ التي أَدَّاهَا غيره؟ فيه وجهان مَرْوِيَّانِ في "التهذيب" 628. والثالثة: المُوَافَقَةُ في الدِّينِ، فلا يَتَحَمَّلُ المسلم عن قريبه الذمي 629، ولا بالعَكْسِ لانقطاع المُوَالاَة والمُنَاصَرَةِ بينهما، ولذلك لم يَتَوَارَثَا.
وهل يتحمل اليَهُودِيُّ عن قَريبِهِ النصراني أَوِ بالعكس؟ ذُكِرَ فيه قولان: أحدهما: نعم، كلما أنَّه يَرِثُ بعضهم من بعض، وهذا لأن الكُفْرَ كله مِلَّةٌ واحدة.
والثاني: لا لانقطاع المُوَالاَةِ بينهما، ويُحْكَى 630 هذا عن أبي حَنِيفَةَ، هذا من

الجزء: 10 - الصفحة: 476

الذميين، ولو كان للذمي أَقَارِبُ في دَار الحرب، فلا يَتَأَتَّى الضَّرْبُ عليهم، وهم كالمَعْدُومِينَ.
قال في "التتمة": فإن قَدَرَ الإِمَامُ على الضَّرْبِ عليهم، فَيَنْبَنِي 631 على أن اخْتِلاَفَ الدَّارِ، هل يمنع التَّوَارُثَ؟ إن قلنا: نعم، فَيَمْتَنِعُ الضرب أيضاً.
وإن قلنا: لا، ففيه وجهان، لانْقِطَاع المُنَاصَرَةِ باختلاف الدَّارِ، والمُعَاهَدُ كالذِّمِّيِّ، فيتحمل عنه الذِّمِّيُّ، ويحتمل هو عن الذِّمِّيِّ إذا زادت مُدَّةُ العَهْدِ على أَجَلِ الدِّيَةِ، ولم يَنْصَرِمْ قبل مُضِيِّ الأجَلِ.
والرابعة: الحُرِّيَّة، فلا تُضْرَبُ الدِّيَةُ على الرَّقِيقِ، أما غير المُكَاتَبِ فلأَنه لا مَالَ له، وأما المُكَاتَبُ، فلأنه ليس من أَهْلِ المُوَاسَاةِ، ومطلق المَرَضِ والكِبَرُ لا يَمْنَعَانِ ضَرْبَ الدِّيَةِ، لكن من الضَّرْبِ على الزَّمِنِ والهَرِمِ وَجْهَانِ: أحدهما: المَنْعُ؛ لضَعْفِ حالهما وَعَجْزِهِمَا عن النُّصْرَةِ 632. وأظهرهما: الضَّرْبُ لِعُصُوبَتِهِمَا وَأَهْلِيَّةِ نُصْرَتِهِمَا بالرأي والمال، ويحكي الأول عن ابن أبي هُرَيْرَة، والقَطْعُ بالثاني عن الشيخ أبي حَامِدٍ، وربما بُنِيَ الخِلاَفُ على الخِلاَفِ في أن الزَّمِنَ والشيخ من الكُفَّارِ إذا أسِرَا هل يُقْتَلاَنِ؟ ويجري الخلاف في الأَعْمَى.
وقوله في الكتاب: "وإن كانت مُعْتقةً" مُكَرَّرٌ، فقد مَرَّ أن المَرْأَةَ، إذا أعتقت لا 633 يضرب عليها.
وقوله: "والحَرْبِيُّ لا يَتَحَمَّلُ" يجوز أن يُعْلَمَ 634 بالوَاوِ، لما ذَكرْنَا.
الخامسة: أَلاَّ يَكُونَ فَقِيراً، بل مُتَوَسِّطاً أو مُوسِراً؛ لأن تَحَمُّلَ العَقْلِ مُوَاسَاةُ، والفقير ليس أَهْلاً لِلْمُوَاسَاةِ، وكذلك لم يُكَلَّفْ بالزكاة، وتُخَالِفُ الجزْيَةُ؛ لأنها كالأُجْرَةِ لِسُكنَى الدار؛ ولأنها لِحَقْنِ الدَّمِ.
وعن أبي حنيفة: أن الدِّيةَ تُضْرَبُ على الفقير أيضاً، ويروى عنه أنها تُضْرَبُ عليه بِشَرْطِ أن يكون مُعْتَمِلاً قادراً على الكَسْبِ، وهذا ما قصد الإشَارَةَ إليه بقوله في الكتاب: "إن كان مُعْتَمِلاً".
ثم في الفصل مسألتان: إحداهما: فيما يُضْرَبُ على كُلِّ واحد من 635 العَاقِلَةِ، قال الأئمة: لا يُجْحَفُ بهم، ولا يُشَقُّ عليهم، بل يُحَمَّلُونَ ما يَسْهُلُ عليهم، فَيُضْرَبُ على الغَنِيِّ نِصْفُ دينار، وعلى المُتَوَسِّطِ رُبُعُ دِينَارٍ، ووجه التقدير بالنصف بأنه أول دَرَجَةِ المُوَاسَاةِ [في الزكاة، والتقدير بالربع أن المواساة] 636 لا تحصل بما دُونَهُ؛ لأنه تَافِهٌ؛ بدليل أنَّه لا يُقْطَعُ فيه السَّارِقُ، ويروى عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "ما كانَتِ اليَدُ تُقْطَعُ على عَهْدِ

الجزء: 10 - الصفحة: 477

رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الشيء التَّافِهِ" 637. وعند أبي حنيفة يُؤْخَذُ من كل وَاحِدٍ ثَلاَثَةُ دَرَاهِمَ إلى أربعة، ويسوى 638 بين المُوسِرِ وغيره، واحتج الأَصْحَابُ بأنه حَقٌّ وَجَبَ على سبيل المُوَاسَاةِ، فيختلف 639 باليَسَارِ، والتَّوسُّطِ كالزكاة.
ويجوز أن يُعْلَمَ في الكتاب لفظ "النصف والربع" بالحاء لما حَكَيْنَاهُ، وبالميم؛ لأن عند مَالِكِ لا يَتَقَدَّرُ الوَاجِبُ، بل هو إلى اجْتِهَادِ الحاكمِ يحمل كل واحد ما يرى أنَّه يَتَحَمَّلُهُ، وبم يَضْبَطُ اليَسَارُ والتَّوَسُّطُ؟ ذكر في "التهذيب" أن الاعْتِبَارَ بالعَادَةِ، وأن ذلك يَخْتَلِفُ بالبُلْدَانِ والأزمان ورأَى الإِمام [أن] 640 الأَقْرَبَ اعْتِبَارُ ذلك بالزكاة، كما اعْتُبِرَ قدْرُ الوَاجِبِ بالزكاة، فقال: إذا كان يَمْلِكُ عشرين ديناراً في آخر الحَوْلِ، فهو غني، لكن يفارق مَا نحن فيه الزَّكَاة من وَجْهَيْنِ: أحدهما: أنَّه لا يشترط أن يَمْلِكُ النَّقْدَ، أو شيئاً من الأَمْوَالِ الزَّكَاتِيَّةِ، بل إذا ملك ما يساوي هذا القَدْرَ من سَائِرِ الأَمْوَالِ، كان كما لو ملك هذه الأَمْوَالَ؛ لأن الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، فينظر فيها إلى جِنْسِ المَالِ، وتَحَمُّلُ العَقلِ مَحْضُ مُوَاسَاةٍ.
والثاني 641: يشترط أن يكون ما يَمْلِكُهُ فَاضِلاً عن مَسْكَنِهِ وثيابه، وسائر ما لا يُكَلَّفُ في الكَفَّارَةِ بَيْعُهُ وصَرْفُهُ إلى ثَمَنِ الرَّقَبَةِ، وهذا لا يشترط في الزَّكَاةِ والمتوسط هو الذي يَمْلِكُ أَقَلَّ من ذلك، لكنه يَفْضُلُ عن حَاجَاتِهِ، ويشترط أن يكون فَوْقَ القَدْرِ المَأْخُوذِ، وهو رُبُعُ دِينَارٍ؛ لئلا يُؤْدِّهِ أخذه منه إلى حَدِّ الفَقْرِ، وهذا ما نَحَا صَاحِبُ الكتاب نَحْوَهُ.
الثانية: الاعتبار فيما يُؤخَذُ كُل حَولٍ بآخر ذلك الحَوْلِ في أمور: أحدهما: إذا ثَمَّ الحَوْلُ، وهناك إِبْلُ جمعت العاقلة ما عليهم من نِصْفٍ أو ربع، واشتروا به الإبِلَ، وإن لم تُوجَدِ الإبِلُ، فعلى القولين في أن الواجب القِيمَةُ أو بَدْلٌ مُقَدَّرٌ.
وإذا تأخرت التَّوْفِيَةُ 642 بعد الَحَوْلِ، ثم وُجِدَتْ لزمهم الإِبِلُ، وإن وجد بعد أخذ البَدَلِ لم يؤثر.
الثاني: إذا لم يَفِ التَّوْزِيعُ على العَاقِلَةِ بواجب الحَوْلِ أُخِذَ الباقي من بيت المال، ولم يُنْتَظَرْ مُضِيّ الأحوال الثلاثة.

الجزء: 10 - الصفحة: 478

الثالث: يعتبر اليَسَارُ والتَّوَسُّطُ في آخر الحَوْلِ، فلو كان مُعْسِراً (1) في آخر الحَوْلِ لم يلزمه (2) شَيْءٌ من واجب ذلك الحَوْلِ، وإن كان مُوسِراً من قَبْلُ أو أَيْسَرَ من بَعْدُ، وإن كان مُوسِراً حينئذ لَزِمَة النِّصْفُ، فإن أُعْسِرَ بعد ذلك، فهو دَيْنٌ عليه.
ولو كان بعضهم من أَوَّلِ الحَوْلِ كَافِراً أو رَقِيقاً أو صَبِيّاً أو مَجْنُوناً، وصار في آخِرِهِ نصفة الكَمَالِ، فهل يُؤْخَذُ منه حِصَّتهُ من واجب تلك السَّنَةِ؟ حكى صاحب "التهذيب" فيه وجهين: أحدهما: نعم، كما لو كان مُعْسِراً في أول الحَوْلِ، مُوسِراً في آخره.
وأصحُّهما: لا؛ لأن هؤلاء لَيْسُوا أَهْلاَ لِلنُّصْرَةِ بالبَدَنِ في الابتداء، فلا يُكَلَّفُونَ النُّصْرَةِ بالمال في الانْتِهَاءِ، والمعسر كان من (3) أهْلِ النُّصْرَةِ، وإنما يعتبر المَالُ ليتمكن (4) من الأَدَاء، فيعتبر وَقْتُ الأداء.
وقطع صاحب "التتمة" بأنه لا يلزمه من واجب ذلك الحَوْلِ شَيْءٌ (5)، ورد الخلاف في أنَّه هل يُطَالبُ، والحالة هذه بواجب الحَوْلِ الثاني والثالث؟ ووَجَّهَ المُطَالَبَةَ بأن وظيفة كل حَوْلٍ مستقلة بنفسها، ولذلك لو كان عَاقِلاً في الحَوْلِ الأول، ثم جُنَّ في الثاني يُؤْخَذُ منه وَاجِبُ الأَوَّلِ، ووجه المنع، وعَدَّةُ الأَصَحَّ بأن الواجب في الأَحْوَالِ وَاحِدٌ؛ لأن سَبَبَهُ وَاحِدٌ إلا أنَّه مُنَجَّمٌ.
فإذا لم يكن الشَّخْصُ بصفة الكَمَالِ في الابْتِدَاءِ لم يدخل في التَّوْزِيعِ.

" فَرْعٌ"

يشبه أن يكون المَرْعِيُّ في إِيجَاب الرُّبُع والنصف مِقْدَارَهُمَا، لا أنَّه يجب على العَاقِلَةِ بَدَلُ الدنانير بأَعْيَانِهَا؛ لأن الإِبِلَ هَي التيَ تجب في الدِّيَةِ، وما يُؤْخَذُ يصرف إلى الإِبِلِ، وللمستحق ألا يقبل غيرها، ويُوَضِّحُهُ أن أبا سعد المُتَوَلِّي قال على الغَنِيِّ نِصْفُ دينار أو ستة دَرَاهِمَ؛ لأن الدنانير 648 في الدِّيَةِ عندنا تقابل 649 باثني عشر دِرْهَماً، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الثَّانِي فِي كَيفِيَّةِ التَّوْزِيع وَالبِدَايَةُ بِأَقْرَبِ (ح) العَصَبَاتِ، وَلاَ643644645646647

الجزء: 10 - الصفحة: 479

يُضْرَبُ عَلَى وَاحِدٍ أَكْثَرُ مِنْ نِصْفٍ أَوْ رُبْعٍ، وَهُوَ حِصَّةُ كُلِّ سَنَةٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَقِيلَ: إنَّهُ حِصَّةُ جَمِيعِ السِّنِينَ، ثُمَّ إن فَضُلَ مِنَ الأَقْرَبِينَ شَيْءٌ تَرَقَّيْنَا إِلَى مَنْ بَعْدَهُم ثُمَّ إِلَى المُعْتِقِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَصَبةً أَخَذْنَا بَقِيَّةَ الوَاجِبِ آخِرَ السَّنَةِ مِنْ بَيْتِ المَالِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ المَالِ أَخَذْتَا مِنَ الجَانِي عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ حذَاراً منَ التَّعْطيلِ، وَقِيلَ: يُنْتظرُ يَسَارُ بَيْتِ المَالِ، وَأَمَّا الذِّمِّيُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَاِقلَةَ فَيُطالِبُ بَعْدَ مُضِيِّ الأَجَل إِذْ لاَ يُنْتظَرُ لَهُ بَيْتَ المَالِ، وَكَذَا إِذَا اعْتَرَفَ بالخَطَأِ وَأنْكَرَ العَاقِلَةُ وَلاَ بَيِّنَةَ إذْ لاَ يُنْتظَرُ إقْرَارُ العَاقِلَةِ، فَإنْ أقَرُّوا علَى قُدُورِ وَقَعِ الرُّجُوعِ عَلَيْهِمْ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قوله: "والبِدَايَةُ بأقرب العَصَباتِ"، وقوله بعد ذلك: "فإن فَضَلَ من الأَقْرَبِينَ شيء ... " إلى آخره؛ المَقْصُودُ منه 650 بَيَانُ تَرْتِيب العَصَبَات، وقد ذكرنا من قبل عند قوله: "وفي تَقْدِيم الأَخ للأب والأم على الأخ للأب قولان"، وإنما ذكرنا هناك؛ لأن تلك المَسألَةَ تَتَعَلَّقُ بالتَّرْتِيب، وكان الأَوْلَى أن يَجْمَعَ بينهما، وبين سَائِر مسائل التَّرْتِيب.
ولْيُعْلَمْ قوله: "والبدايةَ بأقْرَبِ العَصَبَاتِ" بالحاء؛ لما تَقَدَّمَ أن عنده 651 يسوى بين القريب والبَعِيدِ.
وقوله: "ولا يضربُ على وَاحِدٍ أكثر من نِصْفٍ أو ربع قد صار مَفْهُوماً من قوله في الفَصْلِ السابق: "ويضربُ على الغَنيِّ نِصْف دينار ... " إلى آخره ثم النصف أو الربع حِصَّةُ كُلِّ سَنَةٍ أو الواجب في السِّنِينَ الثلاث النصف أو الربع؟ فيه وجهان: أصحهما: الأول، فيكون جُمْلَةُ الواجب على الواحد [من] العَاقلَةِ دِينَاراً ونِصْفاً إذا كان غَنِيّاً، ونصفه إذا كان مُتَوَسِّطاً، وَوُجِّهَ ذلك بأنه حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بالحَوْلِ، ويجب على سبيل المُوَاسَاةِ، فَيَتَكَّرَرُ بِتَكرُّرِ الحَوْلِ كالزكاة.
والثاني: ويحكى عن ابن سُرَيجٍ وابن القَاصِّ أن النصف أو الربع وَاجبُ السنين؛ لأن الأَصْلَ عَدَمُ الضرب، فلا يُخَالِفُ إلا في هذا القَدْر، ولو ذكر هذه المَسْأَلَةَ مع بَيَانِ القَدْرِ في الفصل السَّابقِ لكان أَحْسَنَ، ثم في الفصل مَسْأَلَتَانِ: إحداهما: إذا انتهى التحمل 652 إلى بَيْتِ المَالِ، فلم يُوجَدْ فيه مَالٌ، هل يُؤْخَذُ الواجب من الجاني؟ فيه وجهان بَنَوْهُمَا على أن الديَةَ تجب على العَاقِلَةِ ابْتِدَاءً، أو تجب على الجاني،

الجزء: 10 - الصفحة: 480

ويتحمل عنه العَاقِلَةُ، [و] فيه وجهان، ويقال: قولان: أحدهما: أنها تجب على العَاقِلَةِ ابْتِدَاءً؛ لأن المُطَالَبَةَ عليهم دون الجَانِي، وقد يُوَجَّهُ بظاهر الأَخْبَارِ، مثل ما رُوِيَ أنَّه -صلى الله عليه وسلم-: "قَضَى على العَاقِلَةِ" 653. والثاني: تجب على الجَانِي، والعَاقِلَة يَتَحَمَّلُونَ 654؛ لأن القِيَاسَ وُجُوبُ الضَّمَانِ على المُتْلِفِ، فيجري على القِيَاسِ، ونجعلهم مُتَحَمِّلِينَ كما يُؤَدَّى الدَّيْنُ عمن تَحَمَّلَ لإصْلاَحِ ذَاتِ البَيْنِ.
وَيدُلُّ عليه أنَّه لو لم يكن الجَانِي ممن يَتَحَمَّلُ عنه بأن كان مُرْتَدّاً أو ذِمِّيّاً، وعاقلته حَرْبِيُّونَ تُؤْخَذُ الدِّيَة من مَالِهِ.
قال الإِمام: وليس تَرَدُّدُ القَوْلِ مَأخُوذاً من نَصِّ صاحب المَذْهَبِ، ولكنه مُتَلَقّى من تَصَارِيفِ كَلاَمِهِ في التفريعات.
فإن قلنا: تجب على العَاقِلَةِ ابتِدَاءً، لم يُؤْخَذُ من الجاني.
وإن قلنا: بالتَّحَمُّلِ، فهذا تَعَذَّرَ التحمل أخذ الواجب من 655 الأَصلِ.
وعن القاضي الحسين: القَطْعُ بأنه لا يَجِبُ على العاقلة شَيْءٌ، والظَّاهِرُ إِثْبَاتُ الخِلاَفِ، وأخذ الواجب من القَاتِلِ.
وإذا قلنا: لا يُؤخَذُ منه، ففي شَرْح "مختصر الجويني" وَجْهٌ أنَّه تجب الدِّيَةُ على جماعة المسلمين كنَفَقَةِ الفُقَرَاءِ، وهذا لمَ يذكره الأَكْثَرُونَ، لكن لو حدث في بيت المال مَالٌ، هل يُؤَدّى الواجب منه؟ فيه وجهان عن رواية القاضي الحسين وغيره: أحدهما: لا، كما أن الفَقِيرَ من العَاقِلَةِ عند تمام الحَوْلِ لا يطالب بالغِنَى الحَادِثِ بعده.
والثاني: نعم، وليس سَبِيلُ بَيْتِ المَالِ سَبِيلَ العاقلة الخَاصَّةِ؛ لأن مَالَ المَصَالِحِ لا يَخْتَصُّ بمَصْلَحَةٍ، فلا يختص الأَدَاءُ منه بِوَقْتٍ، وهذا [معنى] 656 قوله في الكتاب: "وقيل: يُنْتَظَرُ يَسَارُ بَيْتِ المَالِ" وربما بني على هذا الخِلاَفِ في أنَّه هل يُؤخَذُ الوَاجِبُ من الجاني، إذا لم يكن في بَيْتِ المال مَالٌ؟ إن قلنا: يؤدى من المال الحَارِثِ، فينتظر، ولا يُطَالَبُ الجاني.
وإن قلنا: لا، فَيُطَالَبُ الجَانِي تَحَرُّزًا عن الإهْدَارِ.
وإن قلنا: إذا لم يكن في بَيْتِ المال مَالٌ، يُعَزَّمُ القاتل، فالدِّيَةُ تَتَأجَّلُ عليه تَأجُّلُهَا على

الجزء: 10 - الصفحة: 481

العاقلة الخَاصَّةِ، وعلى بيت المَالِ.
وهل يجب على أَبِيهِ وابنه كما تَجِبُ عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال أبو علي الطَّبَريُّ: نعم، وُيبْدَأُ بهما قبل القَاتِلِ؛ لأنا إنما لا نُحَمِّلُ الأب والابن؛ لأنهما بعضه، فإذا تَحَمَّلَ تَحَمُّلاً.
وأقواهما: عند صاحبي "المهذب" و"التهذيب" المَنْعُ؛ لأن الإيجَابَ على القاتل من جِهَةِ أنه الأصْلُ وغيره يتحمل 657 عنه، فهذا تَعَذَّرَ التحمل طُولِبَ بِحُكْمِ الأَصْلِ، وهذا المعنى لا يَتَحَقَّقُ في الأب والابن.
المسألة الثانية: إذا اعْتَرَفَ بالخَطَأِ، أو شِبْهِ العَمْدِ وصَدَّقْتُه العاقلةُ، فعليهم الدِّيَة، وإن كَذَّبَتة لم يقبل إقْرَازرُهُ عليهم، ولا على بَيْتِ المال ولكن يَحْلِفُونَ على نَفْي العلم، فإذا حَلَفُوا كانت الدِّيَةُ على المُقِرِّ؛ لأنه لا سَبِيلَ إلى التَّعْطِيلِ، وقد تَعَذَّرَ التحمل، ويروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا تحمل العاقلة عَمْداً، ولا اعْتِرَافاً" 658. قال الإِمام: ولم يُخَرِّجِ الأَصْحَابُ [الوجوب] 659 على 660 المقر [على] الخِلاَفِ في أن الجَانِيَ يُلَاقِيَهُ الوجوب، ويتحمل العَاقِلَةُ، أو تجب الدِّيَةُ على العاقلة ابْتِدَاءً.
ولا يبعد عن القياس أن يُقَالَ: إذا لم يُلَاقِ الوجوب الجاني لا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ؛ لأنه إنما أَقَرَّ عليهم لا عَلَى نَفْسِهِ؛ لأن الخَطَأَ يلزم الدِّيةَ عليهم، فإذا لم يقبل عليهم وَجَبَ ألا يقبل عليه، ويحكى 661 هذا عن المُزَنِيَّ، والمَذْهَبُ المنقول الأوَّلُ 662.

الجزء: 10 - الصفحة: 482

وَتَتَأجَّلُ الدية عليه تأَجُّلَهَا على العاقلة، إلا أنه يُؤْخَذُ منه ثُلُثُ الدِّيَةِ عند انْقِرَاضِ السَّنَةِ الأولى، وكل واحد من العَاقِلَةِ لا يطالب إلا بنصف أو ربع، وهل يَحِلُّ الأَجَلُ عليه إذا مات؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لأن الأَجَلَ يُلَازِمُ دِيَةَ الخَطَأِ شَرْعاً.
وأظهرهما: نعم، كسائر الدُّيُونِ المُؤَجَّلَةِ، وليس كما لو مات وَاحِدٌ من العَاقِلَةِ من خلال الحَوْلِ لا يؤخذ من تَرِكَتِهِ شَيْءٌ؛ لأن الوُجُوبَ على العَاقِلَةِ سَبِيلُهُ سَبِيلُ المُوَاسَاةِ، والوجوب على الجَانِي هاهنا لِصِيَانَةِ الحَقِّ عن التعطيل، فلا يمكن المَصِيرُ إلى السُّقُوطِ.
وإذا مات مُعْسِراً قال صاحب "التهذيب": يحتمل أن تُؤْخَذَ الدِّيَةُ من بيت المَالِ، كمن لا عَاقِلَةَ له، ويحتمل ألاَّ تُؤْخَذُ كما لو كان مُعْسِراً، وهو حَيٌّ.
ولو غُرَّمَ الجاني، ثم اعترفت العَاقِلَةُ، فإن قلنا: الوُجُوبُ يُلَاقِي الجَانِي، والعَاقِلَةُ محتملة، فلا يَرُدُّ الوَليُّ ما أخَذَ، ويرجع الجاني على العاقلة.
وإن قلنا: هي على العَاقِلَةِ ابتداء، يَرُدُّ الوَلِيُّ ما أَخَذَ، وَيبْتَدِئُ بِمُطَالَبَةِ العاقلة 663. وفي "التهذيب" أنه إذا ادُّعِيَ على رجل قَتْلُ خَطَأٍ أو شِبْهِ عَمْدٍ، ولا بَيَّنَةَ، ونَكَلَ المُدَّعَى عَلَيْهِ عن اليمين، فحلف المُدَّعي فإن جعلنا اليَمِينَ المَرْدُودَةَ كإقرار المُدَّعَى عَلَيْهِ، وَجَبَتِ الدِّيَةُ على المدعى عليه، إن كذبت العَاقِلَةُ المُدَّعي.
وإن قلنا: إنه كالبَيِّنَةِ، فالدِّيَةُ على العَاقِلَةِ، أو على المُدَّعَى عَلَيْهِ؛ ذَهَاباً إلى أنها وإن جُعِلَتْ كالبَيِّنَةِ، فإنما تجعل كالبَيِّنَةِ في حَقِّ المُتَدَاعِيَيْنِ دون غيرهما فيه وجهان 664. وقوله في الكتاب: "فإن لم يكن عَصَبَةٌ أخذنا بَقِيَّةَ الوَاجِبِ" أي: لم يكن عَصَبَةٌ سوى المَذْكُورِين، وإن قدر أن المُرَادَ ما إذا لم يكن للجاني عَصَبَةٌ أصلاً، لم يكن للفظ البَقِيَّةِ مَعْنى، فَإِنَّا حينئذ نَأْخُذُ جَمِيعَ الوَاجِبِ من بيت المَالِ.
= المتولي فيما إذا ادعى عليه قتل عمد فاعترف بخطأ أو حلف عليه أنه لا يطالب بشيء إذا قلنا الدية تلاقي العاقلة ابتداء وسكتا عليه.

الجزء: 10 - الصفحة: 483

وقوله: "وأما الذِّمِّيُّ إذا لم يكن له عَاقِلَةٌ ... " إلى آخره، كالمُكَرَّرِ؛ لأنه قال في الجِهَةِ الثَّانِيَةِ: وإن كان ذِمِّيّاً رَجَعْنَا إلى الجَانِي، وكأنه أعَادَهُ لِيُبيِّنَ أن ما قيل في حَقِّ المسلم أنه يُنْتَظَرُ يَسَارُ بَيْتِ المال، لا مَجَالَ له في حَقِّ الذِّمِّيِّ؛ لأن بيت المَالِ لا تحمل عنه.
ويجوز أن يُعْلَمَ قوله: "فيطالب" بالواو؛ لما قَدَّمْنَاهُ عن "البَيَان".
وقوله: "بعد مُضِيَّ الأَجَلِ" لا ضَرُورَةَ إلى ذِكْرهِ في هذا المَوْضِعِ، لِلْعِلْم بأن الدِّيَةَ المُتَحَمَّلَةَ مؤجَّلَةٌ، والمُطَالَبَة تكون بعد مُضِيِّ الأَجَلِ أَبَداً.
وقوله: "وكذا إذا اعترف [الجاني] 665 بالخَطَأِ"، ليُعْلَم بالزاي.
وقوله: "إذ لا ينتظر إِقْرَار العَاقِلَةِ" أراد به أن الوَجْهَ المذكور في أنه يُنْتَظَرُ يَسَارُ بَيْتِ المال لا يَجِيءُ في انتظار [إقرار] 666 العاقلة؛ لأن تَوَقُّعَ اليَسَارِ قَرِيبٌ، وتوقع إقرارهم بعد الإِنكار بَعِيدٌ.
وقوله: "وَقَعَ الرُّجُوعُ عليهم" يعني رُجُوعَ الجاني على ما هو مُبيَّنٌ في "الوسيط"، وذلك إذا قلنا: إن الوُجُوبَ يُلاَقِيهِ، وليعلم بالواو للوجه الآخر، [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: وَمَا دُونَ أَرْشِ المُوَضِّحَةِ مَضْرُوبٌ (ح م و) عَلَى العَاقِلَةِ بَلْ لَوْ كَانَ الأَرْشُ نِصْفَ دِينَارٍ وَزَعْنَاهُ عَلَى العَاقِلَةِ، وَإِنْ كَانُوا مَائَةً طُولِبَ جَمِيعُهُمْ بِنِصْفِ دِينَارٍ مُشْتَرِكٍ عَلَى وَجْهٍ، وَعَلَى وَجْهٍ يُعَيِّنُ القَاضِي وَاحِداً كَيْ لاَ يَعْسُرَ الطَّلَبُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صورتان: إحداهما: كما أن دِيَةَ النَّفْسِ تُضْرَبُ على العَاقِلَةِ، فكذلك بَدَلُ الأَطْرَافِ، وأُرُوشُ الجِرَاحَاتِ والحُكُومَاتِ، قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا، تُضْرَبُ عليهم.
هذا هو المذهب الجَدِيدُ.
ويحكى عن القديم قولان آخران: أحدهما: أنها لا تُضْرَبُ عليهم؛ لأن تَحَمُّلَ العَاقِلَةِ خِلاَفُ القياس، لكن الشرع وَرَدَ به في دِيَةِ النَّفْسِ، فَيُقْتَصَرُ عليه.
وأيضاً فإن ما دُونَ النَّفْسِ سَبيلُهُ سَبيلُ ضَمَانِ الأموال، ألا ترى أنه لا يَتَعلَّقُ به الكَفَّارَةُ، ولا تدخله القَسَامَةُ؟! والثاني: أن ما دون ثُلُثِ الدِّيَةِ لا يُضْرَبُ على العَاقِلَةِ، بل يكون في مَالِ الجاني؛ لأنه لا يعظم إِجْحَافه به، فلا يحتاج فيه إلى التحمل والمُوَاسَاةِ، وبهذا قال مَالِكٌ وأَحْمَدُ.

الجزء: 10 - الصفحة: 484

وعند أبي حَنِيْفَةَ: ما دون أَرْشِ المُوضِحَةِ، وهو يصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ لا يُضْرَبُ عليهم، واحْتَجَّ لِظَاهِرِ المذهب بأن النبي -صلى الله عليه وسلم-:"قضى بالغُرَّةِ على العَاقِلَةِ، وهي دون الثُّلُثِ" 667، فإن الغُرَّةَ تقَابَل بخمس من الإِبِلِ.
وأيضاً، فإن العَاقِلَةَ إنما تَحَمَّلَتْ دِيَةَ النَّفْسِ كي لا يَجْحِفَ ذلك بِمَالِهِ، وهذا المعنى مَوْجُودٌ في الأَطْرَافِ والجِرَاحَاتِ.
قال الإِمام: وما عندي أن من لا يَضْرِبُ أُرُوشَ الأَطْرَافِ على العَاقِلَةِ [ينبغي أن يُثْبَتَهَا] 668 معجَلة كَقِيَمِ المُتْلَفَاتِ.
ولا يبعد عن قياس.
الثاني من قَوْلَي القديم: إذا زَادَ الوَاجِبُ على ما دُونَ الثلث أن لا يحمل الكُلّ على العاقلة، بل يُقَالُ: ما دون الثُّلُثِ على الجاني أَبَداً، والزائد عليه مَحْمُولٌ.
والثانية: وهي مُفَرَّعَةٌ على الأولى: إذا كان الأَرْشُ نِصْفَ دِينَارٍ مَثَلاً، والعَاقِلَةُ جَمَاعَةٌ فيهم 669 كَثْرَةٌ، ففي كيفية تَحْصِيلِهِ وجهان: أظهرهما: أنهم يُطَالبُونَ بنصف دينار مُشْترك؛ لِشُمُولِ جِهَةِ التَّحَمُّلِ لهم.
والثاني: أن القاضي يُعَيِّنُ 670، واحداً أو جَمَاعَةً باجْتِهَادِهِ لكيلا 671 يَعْسَرَ الطَّلَبُ والتَّوْزِيعُ، وقد ينتهي الأمْرُ إلى أن يُخَصَّص كُلُّ واحد منهم مالاً يتموَّلُ، وهذا كالخلاف فيما إذا كَثُرَتِ العَاقِلَةُ في دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، بحيث لو وُزَّعَ الوَاجِبُ عليهم لَأَصَابَ كُلَّ غَنِيٍّ دون النصف، وكُلَّ مُتَوَسَّطِ دون الربع 672، وفيه قولان: أحدهما: أن للإمام أن يُخَصِّصَ جَمَاعَةً يَضْرِبُ على أغنيائهم النِّصْفَ، وعلى المتوسطين الربع كيلا يَعْسَرَ التَّوْزِيعِ، ولا يكثر التَّعَبُ والمُؤْنَة.
وأصحهما: المنع؛ لأن الحَقَّ وَجَبَ على جَمِيعِهِمْ، فلا يُخَصَّصُ بَعْضُهُمْ بالمُطَالَبَةِ وإذا قلنا بالأول، فَبِأَيِّ طريق نُخَصَّصُهُمْ؟ حكى أبو الفَرَجِ السَّرَخْسِيُّ فيه وجهين، الذي أَوْرَدَهُ عَامَةُ الناقلين أن الإِمام يُخَصِّصُ من يراه باجْتِهَادِهِ.
والثاني: أنه يجعلهم فِرْقَتَيْنِ 673، أو ثلاثاً، كما يقتضيه الحَالُ، ويُقْرعُ بينهم 674 [والله أعلم].

الجزء: 10 - الصفحة: 485

قال الغَزَالِيُّ: وَأَمَّا الأَجَلُ فَهُوَ فِي دِيَةٍ كَامِلَةٍ ثَلاَثُ سنِينَ وَهِيَ مَائَةٌ مِنَ الإبِلِ يُؤْخَذُ ثُلُثُهَا فِي آخِرِ كُلِّ سَنَةٍ، فَلَوْ وَجَبَ مَائِتَانِ مِنَ الإِبِلِ فِي عَبْدٍ وَقُلْنَا: يَحْمِلُ فَهُوَ مَضْرُوبٌ فِي ثَلاَثِ سِنِينَ نَظَراً إلَى أنَّهُ بَدَلُ نَفْسٍ، وَقِيلَ: إنَّهُ فِي سِتِّ سِنِينَ نَظَراً إلَى القَدْرِ، وَعَلَى هَذَا يُضْرَبُ دِيَة اليَهُوديِّ وَالنَّصْرَانِيِّ فِي سَنَةِ، وَدِيَةُ المَجُوسيِّ فِي سَنَةٍ، وَغُرَّةُ الجَنِينِ أَيْضاً فِي سَنَةٍ؛ لِأنَّ السَّنَةُ لاَ تَتَجَزَّأُ، وَدِيَةَ المَرْأَةِ في سَنَتَيْنِ، وَلَوْ قَتَلَ وَاحِدٌ ثِلَاَثةً فَيُضْرَبُ ثَلاَثُمَائَةٍ مِنَ الإِبِلِ فِي تِسْعِ سِنِينَ عَلَى وَجْهِ نَظَراً إلَى القَتْلِ أَوْ إلَى أَنَّ الثَّلَالَةَ الأَنْفُسِ لاَ يَكُونُونَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَيُضْرَبُ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ عَلَى الأَصَحِّ لِأَنَّ الآجَالِ لِلدُّيُونِ المُتَفَرِّقَةِ تَتَسَاوَقُ وَلاَ تَتَعَاقَبُ، وَإِنْ قَتَلَ ثَلَاثَةٌ وَاحِداً فَالدِّيَةِ الوَاحِدَةُ مَضْرُوبَةٌ عَلَى العَوَاقِلِ فِي ثَلاَثِ سنِينَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ ثلُثٌ نَظَراً إِلَى اتِّحَادِ المُسْتَحِقِّ، وَقِيلَ: فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَدِيَةُ يَدَي الشَّخْصِ كَنَفْسِهِ، ودِيَةُ إِحْدَى اليَدَيْنِ مِنَ الرَّجُلِ يُضْرِبُ فِي سَنَتَيْنِ لِعَدَمِ النَّفْسِ وَنُقْصَانِ القَدْرِ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَيْ إِنْسَانٍ وَرِجْلَيهِ فَهُوَ كَقَتْلِ نَفْسَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لما تَكَلَّمَ في ترتيب العَاقِلَةِ، وفي القَدْرِ المَضرُوبِ على كُلِّ واحد منهم اشْتَغَلَ بِبَيَانِ الأَجَلِ المضروب فيه، فقال: أما الأَجَلُ، فهو في دِيَة كَامِلةٍ ثلاث سنين، وقد رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ وعلي، وابْنِ عُمَرَ، وابن عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- وقال الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "المختصر": ولم أَعْلَمْ مُخَالِفاً أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قضى بالدِّيَةِ على العَاقِلَةِ في ثلاث سنين 675، وتكلموا في وُرُودِ الخَبَرِ به، فمنهم من قال

الجزء: 10 - الصفحة: 486

وَرَدَ، ونَسَبَهُ إلى رِوَايَةِ علي -كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ-، ومنهم من قال: أراد به أنه -صلى الله عليه وسلم- قَضَى بالدِّيَةِ على العَاقِلَةِ 676. وأما التَّنْجِيمُ فلم يَردْ وُرُودَ الخبر به، وأخذ ذلك من إِجْمَاعِ الصحابة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- أو غيره.
إذا عرف ذلك، فلا خِلاَفَ عن عَامَّةِ العلماء -أن ما يُضْرَبُ على العَاقِلَةِ يُضْرَبُ مُؤَجَّلاً، وأن الأَجَلَ لا يَنْقُص عن سَنَةٍ، وأن دِيَةَ النَّفْسِ الكاملة تُؤجَّلُ إلى ثلاث سنين، يُؤْخَذُ في كُلِّ سَنَةٍ ثلثها، واختلف الأصحاب في أن المَرْعِيَّ ماذا؟ وأن الحكم بم يُنَاطُ؟ فراعى طَائِفَةٌ كونها [بدل] 677 نفس محرمة 678، وأداروا الحُكْمَ عليها.
ونظر آخرون إلى قَدْرِ الواجب، واعتبروا التَّأْجِيلَ به، وهذا أَشْبَهُ بالترجيح على ما سَنُبَيِّنُ، وتظهر فائدة الخلاف في صُوَرٍ: منها: بَدَلُ العَبْدِ، وأطرافه إذا قتل، أو قطع 679 خطأ أو شبه عَمْدٍ، هل تَتحَملُهَا العَاقِلَةُ؟ فيه قولان: أحدهما: وبه قال مالك، وأحمد-: لا، بل هو على الجَانِي حَالاً؛ لأنه مَضْمُونٌ بالقِيمَةِ، فكان بَدَلُهُ كَبَدَلِ البَهِيمَةِ.
وأيضاً، فقد روِيَ في الخَبَرِ لا تحمل العاقلة عَمْداً، ولا عبداً، ولا اعترافاً 680. وأظهرهما -وهو الجديد-: نعم؛ لأنه بَدَلُ آدَمِيِّ، فَأَشْبَهَ بَدَلَ الحُرِّ، ويوضحه أن = سنين، وجعل نصف الدية في ستين، وما دون النصف في سنة، وأما الرواية بذلك عن علي فرواها البيهقي أيضاً من رواية يزيد بن أبي حبيب عن علي، وهو منقطع، وفيه ابن لهيعة، وأما الرواية بذلك عن ابن عباس فلم أقف عليها.

الجزء: 10 - الصفحة: 487

العَبْدَ كالحُرِّ في تَعَلُّقِ القِصَاصِ والكَفَّارَةِ بِقَتْلِهِ، فكذلك في تَحَمّلِ العاقلة بَدَلَ نفسه دون أَطْرَافِهِ.
وإذا قلنا: إن العَاقِلَةَ تَحْمِلُهُ، فلو اختلف السَّيِّدُ والعَاقِلَةُ فِي قِيمَتِهِ، فهم المُصَدَّقُونَ بِأَيْمَانِهِمْ، ولو صدقه الجاني لم يقبل إِقْرَارُهُ عليهم، بل الزِّيَادَةُ على ما يُعْتَرِف به العَاقِلَةُ في مَالِهِ، وعلى هذا القول إن كانت قِيمَةُ العَبْدِ قَدْرَ دِيَةِ الحُرِّ، فَتُضْرَبُ 681 في ثلاث سنين باتِّفَاقِ من رَاعَى بَدَلَ النفس، ومن نَظَرَ إلى القَدْرِ.
وإن 682 كانت أكثر من قَدْرِ الدِّيَةِ؛ كما إذا كانت قَدْرَ دِيَتَيْنِ، فوجهان: أحدهما: الضَّرْبُ في ثلاث سنين؛ نَظَراً إلى أنها بَدَلُ نَفْسٍ.
وأشبههما: بالرُّجْحَانِ: الضَّرْبُ في ست سنين، يُؤْخَذُ في كل سنة قَدْرُ ثلث الدية؛ نَظَراً إلى القَدْرِ.
ومنها في دِيَةِ النَّفْسِ الناقصة كَدِيَةِ المَرْأَةِ، والذمي، وغُرَّةِ الجَنينِ، وجهان: أحدهما: أنها تُضرَبُ في ثَلاَثِ سنين؛ لأنها بَدَلُ النَّفْسِ، ويقال: إنه اختيار المَاسَرْجسيَّ.
وأشبههما: أنه يُنْظَر إلى القَدْرِ، فتضرب دِيَةُ اليَهُوديِّ والنصراني في سَنةٍ؛ فإنها قدْرُ الثلث، وَدِيَة المَجُوسِيِّ، وغُرَّة الجنين كذلك، وإن كَانَتَا دون الثُّلُثِ؛ لأن السَّنَةَ لا تَتَبَعَّضُ، وكان المَعْنَى فيه أن الزُّرُوعَ والثمار وسائر الفَوَائِدِ تتَكَرَّرُ كُلَّ سَنَةٍ، فاعتبر مُضِيُّهَا ليجتمع عندهم ما يَنْتَظِرُونَهُ، ويُوَاسُون عن بَسْطٍ وتمكُّنٍ.
ودية المرأة تُضْرَبُ في سنتين، يُؤْخَذُ من آخر السَّنَةِ الأولى ثلث دِيَةِ الرَّجُلِ، والباقي في آخر السَّنَةِ الثانية.
ورُوِيَ ذلك عن عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-.
وعن أبي حنيفة فيما روى القاضي الروياني أن غُرَّةَ الجَنِينِ تُضْرَبُ في سَنَةٍ، ودية المَرْأَةِ في ثلاث سنين.
وعن أَحْمَدَ: أن دِيَةَ الذِّمِّيِّ تُضْرَبُ في ثلاث سنين، وكذا دِيَةُ المَرْأَةِ.
ومنها: لو قَتَلَ اثنين أو ثلاثة خَطَأً، فيلزم عَاقِلَتَهُ دِيَاتُهُمْ، وكيف تُضْرَبُ عليهم؟ فيه طريقان: أحدهما: أنه إذا قَتَلَ ثَلَاثَةً، ونَظَرْنَا إلى القَدْر ضَرَبْنَاهَا في تِسْعِ سنين، وإن نظرنا إلى بَدَلِ النَّفْسِ، فوجهان: أحدهما: تُضْرَبُ في ثلاث سنين والباقي في تسع؛ لأن بَدَلَ النفس الواحدة

الجزء: 10 - الصفحة: 488

تُضرِبُ في ثلاث سنين فيزاد 683 كُلَّ نَفْسٍ ثلاث سنين.
وأظهرهما: أنا إن نَظَرْنَا إلى بَدَلِ النَّفْسِ ضَرَبْنَاهَا في ثلاث سنين، وإن نَظَرْنَا إلى القَدْرِ فوجهان: أحدهما: في تسع.
وأصحهما: في ثلاث؛ لأن الوَاجِبَ دِيَاتٌ مختلفة، ومستحقوها مُخْتَلِفُونَ، فلا يُؤَخَّرُ حَقِّ بعضهم باستحقاق غيره.
وهذا كما أن الدُّيُونَ المختلفة إذا اتَّفَقَ انْقِضَاءُ آجَالِهَا يتساوون 684، [ولا] 685 يلزم تَعَاقُبُهَا لاجتماعها، وحَاصِلُ الطريقين عند الاخْتِصَارِ وَجْهَانِ، كما ذكر في الكتاب.
فإن ضَرَبْنَاهَا عليهم في ثَلاَثِ سنين، فعليهم لِوَلِيِّ كل قَتِيلٍ في آخر السنة ثُلُثُ دِيتَهِ، فيجتمع 686 عليهم دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
وإن ضَربْنَاهَا في تسع [سنين] 687، فعليهم في آخر كل سَنَةٍ ثلث دية يُوزَّعُ على الأولياء، فيكون الحَاصِلُ لِوليِّ كل قَتِيلٍ في آخر كُلِّ سَنَةٍ تُسْعَ دِيَته.
هذا إذا قتلهم مَعاً، فإن قتل الثَّلاَثَةَ في ثَلاَثَةِ أيام، وقلنا: بِضَرْب الدِّيَاتِ في ثلاث سنين، فَتُؤجَّلُ دِيَةُ كل واحد إلى ثلاث سنين، من يَوْم قتله، وإن قلنا بالضرب في تسع، فَدِيَةٌ كل واحد تكون مُنَجَّمَةً في تسع سنين من يوم قَتْلِهِ يأخذ الوَلِيُّ فِي آخِرِ كُلِّ سنة تُسْعَهَا.
ومنها: لو قَتَلَ ثَلاَثَةٌ وَاحِداً خَطَأً، فالدِّيَةُ مُوَزَّعَة عليهم، وحِصَّةُ كل واحد، وهي ثُلُثُ الدِّيَةِ تُضْربُ على عَاقِلَتِهِ في ثلاث سنين، كجميع الدِّيَةِ عند الانْفِرَادِ، وذلك لأن الدِّيَةَ وَاحِدَةٌ، ومستحقها وَاحِدٌ.
وفيه وجه أن الثُّلُثَ الذي يَخُصُّ كُلَّ واحد منهم يُضْرَبُ في سَنَةٍ؛ لأنهم أَشْخَاصٌ متعددون، وقدر الثلث يُؤْخَذُ من العاقلة في السَّنَةِ.
ومنها: دِيَةُ الأَطرَافِ، وأُرُوشُ الجِرَاح، فيها وجه أنها تُضرَبُ في سَنَةٍ واحدة، قلَّت أو كَثُرَتْ؛ تَفْرِيعًا على أن المَرْعِيَّ في التأجيل ثَلَاثَ سنين كَوْنُ الوَاجِبِ بَدَلَ نَفْسٍ، وهذا ما حكاه الإِمَامُ عن رواية شيخه أبي مُحَمَّدٍ، قال: ولست أَعْتَدُّ به، وإن تكرر سَمَاعي [له] 688 منه، والصحيح: أنه يُنْظَرُ إن كان الوَاجِبُ قَدْرَ ثلث الدية، أو أقل،

الجزء: 10 - الصفحة: 489

فتضرب في سنة، سواء فيه الحُكُومَاتُ والمُقدَّرَاتُ.
وإن كان الوَاجِبُ أَكْثَرَ من الثلث، ولم يزد على الثلثين، كَقَطْعِ إحدى اليدين، فَتُضْرَبُ في سنتين، يُؤْخَذُ في آخر السنة الأُولَى ثُلُثُ الدية، وفي آخر السَّنَةِ الثانية الباقي.
وإن كان أَكْبَرَ من الثلثين، ولم يزد على دِيَةِ النفس كما في قَطْعِ اليَدَيْنِ، فَيُضْرَبُ الوَاجِبُ في ثلاث سنين.
أما إذا اعْتَبَرْنَا المِقْدَارَ، فلأن الواجب في قَطْعِ اليدين قَدْرُ الوَاجِب في النفس، أما إذا اعْتَبَرْنَا كَوْنَ الواجب بَدَلَ النَّفْسِ، فلأن الوَاجِبَ في اليَدَيْن، وإن لم يكن بَدَلَ النفس، لكنه كَبَدَلِ النَّفْسِ في القَدْرِ والجِنْسِ، فكذلك في المُدَّةِ.
وإن زاد على دِيَةِ النَّفْسِ، كما إذا قطع يَدَيهِ ورِجْلَيهِ، فإن اعْتَبَزنَا المِقْدَارَ، ضَربْنَا الوَاجِبَ في ست سنين.
وإن اعتبرنا حُرْمَةَ النَّفْسِ فوجهان: أظهرهما: أن الواجب كذلك؛ لأنه بَلَغَ الوَاجِبُ دِيَتَيْنِ، فإذا ضَرَبْنَا مِقْدَارَ دية 689 في ثلاث سنين، وجب أن تَضعُفَ المُدَّةُ في مقدارِ دِيَتَيْنِ.
والثاني: لا تزاد المُدَّةُ على الثَّلاَثِ؛ لأن الأَطْرَافَ تَابِعَةٌ للنَّفْسِ، فلا تزاد مُدَّةُ بَدَلِهَا، وَبَدَلُ يَدَي المرأة كَبَدَلِ نَفْسِهَا، وبدل إحدى يديها يضرب في سنة واحدة بلا خلاف.
وقوله في الكتاب: "وهي مَائَةٌ من الإِبِلِ" مسْتَغْنى عنه في هذا المَوْضِعِ؛ لوضوحه، وتَبَيُّنِهِ 690 بما مَرَّ.
وقوله: "فلو وجب مَائتَانِ من الإِبِلِ" أي: قَدْرُ مائتين بالقيمة.
وقوله: "وقلنا يحمل" إشَارَةٌ إلى الخِلاَفِ في أن بَدَلَ العَبْدِ، هل تحمله العَاقِلَةُ؟ وليعلم قوله: "تحمل" بالميم والألف لما بَيَّنَّاهُ.
ونَظْمُ الكتاب يَقتَضِي تَرْجِيحَ الضَّرْبِ في ثلاث سنين، ويُحْكَى اختياره عن القاضي أبي حَامِدٍ.
والأَشْبَهُ بما قتل في سائر اَلصور تَرْجِيحُ الوَجْهِ الآخر.
وقوله: "وتضرب دِيَةُ اليَهُودِيِّ في سَنَةٍ" مُعْلَمٌ بالألف، ويجوز أن يُعْلَمَ بالحاء؛ بناء على أن عنده ديته كدية المسلم.
وقوله: "وَدِيَةُ المرأة في سَنَتَيْنِ" بالحاء والألف.
وقوله: "نظراً إلى القتل أو إلى أن الثلاثة الأنْفُسِ"؛ أشَارَ به إلى ما ذَكَرْنَا أنها مَضْرُوبَةٌ في تسع سنين، إن اعتبرنا القدر، وكذا إن لم نَعْتَبِرْهُ على وجه؛ لأن النُّفُوسَ لا

الجزء: 10 - الصفحة: 490

تكون كَنَفْسٍ واحدة في المُدَّةِ، كما أنها ليست كَنَفْسٍ واحدة في البَدَلِ.
وقوله: "كَنَفْسِهِ" مُعْلَمٌ بالواو، وكذا قوله: "في سَنَتَيْنِ".
وقوله: "لعدم النَّفْسِ ونُقْصَانِ القَدْرِ" معناه ما مَرَّ أن التَّأْجِيلَ في ثلاث سنين يراعى 691 فيه العَدَدُ، أو كَوْنُ الواجب بَدَلَ النفس، ويستمر على المعْنَيَيْنِ بألاَّ يُؤَجَّلَ بَدَلُ اليد الواحدة ثلاث سنين.
وقوله: "فهو كَقَتْلِ نَفْس" أي: في مَجِيءِ الوجهين في أنه يضرب في ثلاث سنين، أو في سِتٍّ.
قال الإِمام: وهذه الصُّورَةُ تُشْبَهُ من وَجْهٍ قَتْلَ نَفْسَيْنِ لوجوب دِيَتَيْنِ، ومن وجه تُفَارقُهُ؛ لأن كل نفس مُمَيَّزةٌ عن غيرها، وبَدَلُ اليَدَيْنِ والرجلين، وإن بلغ قَدْرَ ديتين، فهو مُتَعَلَّقٌ بشخص واحد.
قال الغَزَالِيُّ: وَمَنْ مَاتَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالنَّظَرُ إِلَى آخِرِ السَّنَةِ، وَالغَائِبُ هَلْ يَلْتَحِقُ بِالْمَعْدُومِ فِيهِ قَوْلاَنِ وَنعْنِي بِهِ غَيْبَةَ تَمْنَعُ التَّحْصِيلَ في سَنَةٍ، وَأَوَّلُ الحَوْلِ يُحْسَبُ مِنْ وَقْتِ الرَّفْعِ إلَى القَاضِي سَوَاءَ شَعَرَ بِهِ العَاقِلَةُ أَوْ لَمْ تَشْعُرْ، لاَ مِنْ وَقْتِ الجِنَايَةِ، وَلَوْ سَرَتْ الجِنَايَةُ بَعْدَ الدَّفْعِ فَحَوْلَ أَرِشْ السِّرَايَةَ مِنْ وَقْتِ السِّرَايَةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثَلَاثُ مسائل: إحداها: إذا مات في أَثْنَاءِ السَّنَةِ بَعْضُ العَاقِلَةِ، لم يؤخذ من تَرِكَتِهِ شيء؛ اعتباراً بآخِرِ الحَوْلِ كالزَّكَاةِ، بخلف ما إذا مات الذِّمِّيُّ في خلال الحَوْلِ، هل يجب قِسْطُ ما مَضَى من الجِزْيَةِ؟ فيه خلاف.
والفرق أن الجِزيَةَ كالأُجْرَةِ بدار الإِسْلاَمِ على ما سَنُبَيِّن في مَوْضِعِهِ إن شاء الله تعالى.
وههنا مُبَاحَثَةٌ للإمام قال: لا يمكن أن يقال: حِصَّةُ الحَوْلِ من الدِّيَةِ لا تجب إلا من آخر الحَوْلِ؛ لأن مُوجِبَ الدِّيَةِ القَتْلُ، وأنه مُتَقَدِّمٌ، ولو كانت وَاجِبَةً على العاقلة، وكان ضَرْبُ الأَجَل للتخفيف، وجب ألا يسقط بالموت، وأن يَحِلَّ الأَجَلُ، كما في سائر الدُّيُونِ، فيشبه أن يقال: الدِّيَةُ وَاجِبَةٌ في الحال، ولكن لا يُضَافُ وُجُوبُهَا إلى العَاقِلَةِ على التَّعْيِينِ، بل ينظر [إلى] آخر الحَوْلِ، فإن كانوا بِصِفَةِ التَّحَمُّلِ تَبَّينَ أن الوجوب عليهم، وإلا تَبَيَّنَ تَعَلُّقُ الوجوب بِبَيْتِ المال، أو الجاني، إذا لم يكن في بيت المال قال، ولو مات بعض العَاقِلَةِ بعد تَمَامِ الحَوْلِ، مع كونه بصفة التَّحَمُّلِ لم يسقط ما وَجَبَ عليه، واستوفى من تَرِكَتِهِ، كما في سائر الدُّيُونِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 491

وقال أبو حَنِيْفَةَ: يسقط.
المسألة الثانية: إن كانت العَاقِلَةُ حَاضِرِينَ في بَلَدِ الجِنَايَةِ، ضربت الدِّيَةُ عليهم على تَرْتِيبِهِمُ الذي سَبَقَ، وإن كانوا غَائِبِينَ لم يستحضروا، ولا انتظر حضورهم.
لكن إن كان لهم هناك مَالٌ أُخِذَ منه، وإلا فالقَاضِي يَحْكُمُ عليهم بالدِّيَةِ على تَرْتِيبِهِمْ، ويكتب بذلك إلى قاضي بَلَدِهِمْ؛ لِيَأْخُذَهَا لأن شاء حَكَمَ بالقَتْلِ، وكتب إلى قاضي بَلَدِهِمْ ليحكم عليهم بالدِّيَةِ، ويأخذها منهم.
وإن كان بعضهم حَاضِراً، وبعضهم غَائِباً، نُظِر إن كانوا مُسْتويين في الدَّرَجَةِ؛ فَهَلْ يُقَدَّمُ من حَضَر؟ فيه قولان: أحدهما -وبه قال مالك-: نعم؛ لاخْتِصَاصِهِمْ بقرب الدَّارِ، كما يقدم المُخْتَصُّونَ بقرب القَرَابَةِ.
وأيضاً فالنُّصْرَةُ إنما تَتَأتَّى للحاضرين، والتحمل نوع نُصْرَةِ؛ وأيضاً ففي الضَّرْبِ على الغائبين مَشَقَّةٌ، وقد يَنْقَطِعُ الطريق، فَيَتأَخَّرُ التَّحْصِيلُ أو يَتَعَذَّرُ.
وأصحهما، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد: لا، بل تُضْرَبُ على الكل لاسْتِوَائِهِمْ في العُصُوبَةِ والميراث، وعلى هذا فالحكم كما لو كانوا جَمِيعاً حاضرين أو غَائِبِينَ.
وإذا قلنا بِتَقْدِيمِ الحاضرين، فإذا لم يكن منهم وَفَاءٌ:، فَلاَ بُدَّ من ضَرْبِ الباقي على الغائبين، والطريق كتاب القاضي كما سَبَقَ.
وإذا اختلف بِلاَدُهُم قُدَّمَ الأَقْرَبُ داراَ فالأَقْرَبُ، هكذا أَوْرَدَ القولين أكثرهم.
وفي "التتمة" نَصْبُ الخِلاَفِ في أنه هل يَجُوزُ تَخْصِيصُ الحاضرين؟ قال: والخلاف يَتَفَرَّعُ على أنه لو كَانَتِ العَاقِلَةُ كلهم حاضرين لا يَجْوزُ تَخصِيصُ بعضهم بالضَّرْبِ عليه، فإن جَوَّزْنَا، فيجوز تَخْصِيصُ الحَاضِرِينَ بلا خِلاَفٍ.
وإن كانوا مختلفين في الدَّرَجَةِ، فإن كان الحاضرون الأَقْرَبِينَ وزّعَ عليهم، فإن لم يَفِ بالواجب كتب الباقي، وإن كان الحاضرون الأَقْرَبِينَ وزع عليهم، فإن لم يَفِ بالوَاجِبِ، كتب القاضي لما بقي، وإن كان الحاضرون الأَبْعَدِينَ، وفي تَخْصِيصِ الحَاضِرِينَ طريقان: أشبههما: طَرْدُ الخلاف؛ لأن الضَّرْبَ عليهم أَيْسَرُ، ووصول المستحق إلى حَقِّهِ أقْرَبُ، ويروى هذا عن أبي علي الطَّبَرِيَّ والصَّيْدَلاَنِيِّ، وهو الذي أوْرَدَهُ صاحب "المهذب".

الجزء: 10 - الصفحة: 492

والثاني -وبه قال الشيخ أبو حَامِدٍ والعراقيون-: القَطْعُ بالضَّرْب على الأقربين، وإن بعدت دَارُهُم؛ لأنهم أَقْوَى عُصُوبَةً، وَأَوْلَى بِالتَّحَمُّلِ والنُّصْرَةِ.
وقوله في الكتاب: "والغائب هل يَلتَحِقُ بِالمعْدُومِ؟ فيه قولان": يقتضي طَرْدَ الخلاف فيما إذا اسْتَوَى الحَاضِرْونَ والغائبون في الدَّرَجَةِ، وفيما إذا كان الغائبون الأَقْرَبِينَ، وهو أَحَدُ الطريقين عند اختلاف الدَّرَجَةِ على ما حَكَيْنَاهُ، ثم ليس الخِلافُ في الالْتِحَاقِ بالعَدَمِ على الإِطْلاَقِ، بل في أن الحاضر 692 هل يَتَعيَّنُ الضَّرْبُ عليه أو لا؟ كما لو كان الغائب مَعدُوماً؛ لأنا وإن قَدَّمْنَا الحاضر، فإذا بَقِيَ شَيْءٌ من الواجب، نَأْخُذُهُ من الغائب، فلا يكون كالمَعْدُومِ من كُلِّ وَجْهٍ.
وقوله: "ونعني به غيبة تمنع التَّحْصِيلَ في سَنَةٍ"، يعني بالمُكَاتَبَةِ إلى القاضي والنظم.
هاهنا، وفي "الوسيط" يُشْعِرُ بتخصيص الخلاف بما إذا كانت المَسَافَةُ بحيث لا يمكن التَّحْصِيلُ منها في سَنَةٍ، حتى إذا كانت دون ذلك لا يقدم الحاضر بلا خلاف.
وكَلاَمُ الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- والأصْحَاب لا يُسَاعد عليه؛ فإنهم فرضوا 693 فيما إذا كان القَاتِلُ بـ"مكة"، والعاقلة بـ"الشام"، وحكوا فيه الخلاف.
الثالثة: ابتداء المُدَّةِ في دِيَةِ النفس من وقت الزُّهُوقِ، سواء قتل بِجَرَاحَةٍ مُذَفّفَةٍ، أو بِسَرَايَةٍ من قَطْعِ عُضْوٍ، أو جِرَاحَةٍ أخرى.
وقال أبو حَنِيْفَةَ: يعتبر ابتِدَاءُ المُدَّةِ من وقت حُكْم الحاكم بالدية على العَاقِلَةِ، حتى لو مَضَتْ ثلاث سنين، ثم تَرَافَعُوا [يَفْتَتِحُ] 694 الحَاكِمُ ضَرْبَ المدة.
واحتج الأَصْحَابُ بأن الدِّيَةَ مَالٌ يَحِلُّ بانقضاء الأَجَلِ، فيكون ابتداء الأَجَلِ وَقْتَ وجوبه كَسَائِرِ الديون المُؤَجَّلَةِ.
هذا ما يُوجَدُ لأئمة الأصحاب على اختلاف طَبَقَاتِهمْ.
وفي الكتاب أن ابْتِدَاءَ الحَوْلِ من وقت الرَّفْع إلى القاضي، وكذا ذكر في "الوسيط"، وعلّلَ بأن هذه مُدَّةٌ تُنَاط بالاجتهاد، وصاحب الكتَاب كالمُنْفَرِدِ بِنَقْلِ ما ذكره عن المذهب، حتى إن الإِمام سَاعَدَ الجُمْهُورَ على رِوَايَاتِهِمْ، أن المدة تُحْسَبُ من وقت المَوْتِ.
نعم قال في "البيان" بعد ما حَكَى المَذْهَبَ الظَّاهِرَ، ونسبه للعراقيين 695، وقال أصحابنا الخُرَاسَانيُّونَ: الابتداء من حين الرَّفْع إلى القاضي، ويمكن أن يعني به صاحب الكتاب 696.

الجزء: 10 - الصفحة: 493

وقوله: "شعر به العَاقِلَةُ أو لم يشعر" قد يفهم أن المُرَادَ من الرفع مُجَرَّدُ انتهاء الحَالِ إلى القاضي، كما يفعله طَالِبُ الشُّفْعَةِ، والرَّادُ بالعَيْبِ.
فأما الحكم عليهم بالدِّيَةِ، فلا يكون دون إحْضَارِهِمْ، وشعورهم، إلا أن يَفْرِضَ غَيْبَتَهُمْ.
فأما الواجب في الجِنَايَةِ على ما دون النَّفْسِ، فإن لم تَسْرِ من عُضْوٍ إلى عُضْوٍ، وانْدَمَلَتْ، فابتداء المُدَّةِ من وقت الجِنَايَةِ؛ لأن الوُجُوبَ يَتَعلَّقُ بها، وبالانْدِمَالِ يَتَبيَّنُ اسْتِقْرَارُهَا.
قال الإمامُ: ولا يعتبر انْدِمَالُ الجِرَاحَةِ، وإن كُنَّا قد نقول: لا مُطَالَبَةَ 697 بالدِّيَةِ قبل الانْدِمَالِ؛ لأن التَّوَقُّفَ في المُطَالَبَةِ؛ ليتبين مُنْتَهَى الجِرَاحَةِ 698، وابْتِدَاءُ المدة ليس وَقْتَ طَلَبٍ، فلا 699 يقاس صَرْفُ المدة بالمُطَالَبَةِ، فإن انقضت سَنَةٌ، والجِرَاحَةُ لم تَنْدَمِلْ بَعْدُ، ففي مُطَالَبَةِ العَاقِلَةِ الخِلاَفُ في مُطَالَبَةِ الجاني، إذا كان عَامِداً.
وفي "جَمْعِ الجوامع" للروياني أن أبا الفيَّاضِ ذَهَبَ إلى احْتِسَاب المدة من وَقْتِ الانْدِمَالِ.
وإن سَرَتْ من عُضْوٍ إلى عُضْوٍ، كما إذا قَطَعَ أُصْبُعَهُ، فَسَرَتْ 700 إلى الكَفِّ، ففيه أوجه: أحدها: أن ابْتِدَاءَ المُدَّةِ من وقت سُقُوطِ الكفِّ، فإنه نِهَايَةُ الجِنَايَةِ، وقطع الأصبع مع السِّرَايَةِ كقَطْعِ الكفِّ.
والثاني: أن الابتداء من وَقْتِ الانْدِمَالِ لا من وَقْتِ قَطْع الأصبع، ولا من وقت سُقُوطِ الكَفِّ؛ لأن الجِرَاحَةَ لم تَقِفْ على مَحَلِّهَا، بل سَرتْ، فتعتبرَ المدَّةُ من نِهَايَةِ أَثَرِهَا.
والثالث: أن مُدَّةَ أُرْشِ الأصبع من يوم القَطْعِ، كما لو لم يَسْرِ، ومدة أَرْش الكفِّ من يوم سُقُوطِ الكَفِّ.
والمذكور في "التهذيب" الأول، وفي تَعْلِيق الشيخ أبي حَامِدٍ، وكُتُب أصحابه الثاني، ويحكي الثَّالِثُ عن اختيار القَفَّالِ.
= أبي حنيفة قال صاحب الخادم: رأيت في نسخة قديمة من الإبانة الجزم به من غير ذلك خلاف ثم ساق لفظ النسخة التي وقف عليها ثم قال.
وهذه هي نظير النسخة التي وقف عليها صاحب البيان وابن الرفعة، ثم اعترض صاحب الخادم على الرافعي فيما ادعاه الموجود للأصحاب القطع بالزهوق ويقتضي الاتفاق عليه وليس كذلك ففي تعليق القاضي الحسين أن إذا حصل الموت بالسراية بأن اصبعه فسرى إلى نفسه ومات ففي ابتداء الأجل ثلاثة أوجه: أحدها: من وقت الجراحة لأن سبب الوجوب هو الجرح.
والثاني: من وقت الزهوق.
والثالث: إن ابتداء دية الأصبع من وقت قطعه والباقي من وقت الزهوق.

الجزء: 10 - الصفحة: 494

وحُجَّة الإِمام والقاضي الرُّوَيانِيَّ 701، وهو ما أَوْرَدَهُ في الكتاب بعد ما جَرَى على تَفَرُّدِهِ، فقال: "فلو سَرَتِ الجِرَاحَةُ بعد الرَّفْعِ تحول أَرْشُ السراية من وقت السِّرَايَةِ" والله أعلم.
وفي الدِّيَاتِ وراء ما ذكرناه صُوَرٌ ومَسَائِلُ هذا مَوْضِعُ ذكرها: القَاتِلُ خَطَأً لا يحمل من الدِّيَةِ 702 شيئاً.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يكون كأحد العَاقِلَةِ.
لنا: ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قضى بالدِّيَةِ على عَاقِلَةِ الجَانِي، وذلك يقتضي كَونَ الجميع عليهم.
من قتل نفْسَهُ عَمْداً أو خَطَأً، فهو مُهْدرٌ، وكذا لو قَطَعَ طَرَفَ نَفْسِهِ، وقال أحمد: تجب الدِّيَةُ في الخَطأِ على عَاقِلَتِهِ في النَّفْسِ لِورَثَتِهِ، وفي الطَّرَفِ له.
لنا: أن الدِّيَةَ تجب لِلْمَقْتُولِ أو المقْطُوعِ، بدليل قَضَاءِ دُيُونِهِ، وتنفيذ وَصَايَاهُ منها.
فلا تجب للإنسان بِجِنَايَتِهِ في حَقِّ نفسه شَيْءٌ، كما لو أَتْلَفَ مَالَهُ جناية الصَّبِيَّ والمَجْنُونِ محْمُولَة إذا كانت 703 خَطَأَ أو شِبْهَ عَمْدٍ، وكذا إذا كانت عَمْداً، إذا قلنا: إن عَمْدَهُمَا خَطَأٌ.
وبه قال أبو حَنِيْفَةَ، والأَصَحُّ أنه عَمْدٌ.
إذا حَلَّ نَجْمٌ من الدِّيَةِ، ولا إِبِلَ في البَلَدِ، قُوِّمَتْ يومئذ، وأُخِذَتْ قِيمَتُهَا، ولا يُعْتَبَرُ بَعْضُ النجوم ببعض.
في فَتَاوَى صاحب "التهذيب" أنه لو حَفَرَ بِئْراً في مَحَلِّ عدوان، ثم أحكم رَأْسَهَا، ثم جاء آخر، وفَتَحَهُ، فوقع فيها إِنْسَانٌ وتَلفَ، فالضَّمَانُ على فاتح الرَّأْسِ.
ولو أحكم رَأْسَهُ مُحْتَسِبٌ، ثم جاء ثالث، وفَتَحَهُ، فالضَّمَانُ يَتَعَلَّقُ بالثالث كما لو طَمَّهُ 704، فجاء آخر وحَفَرَهَا ثَانِياً.
وأنه لو تَرَدَّتْ بَهِيمَة في بِئْر عدوان، ولم تَتأَثَّرْ بالصَّدْمَةِ، وبقيت فيها أيَّاماً، فماتت جُوعاً وعَطَشاً، فلا ضَمَانَ على الحَافِرِ لحدوث سَبَبٍ آخر، كما لو جاء سَبُعٌ، فَافْتَرَسَهَا في البِئْرِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 495

وأنه إذا كان يَتَقَاتَلُ رجلان، فرمى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فسقط بِصَوْلَتِهِ، وهَلَكَ لم يَجِب له ضَمَانٌ.
وإن سقط بِصَوْلَتِهِ وضَرَبَهُ صَاحِبُهُ، وَجَبَ نِصْفُ الضمان.
وأنه لو شَدَّ عُنُقَ أحد بَعِيرَيْهِ بالآخر، وتَرَكَهُمَا في المَسْرَح، فدخل بَعِيرٌ لآخر بينهما، فَهَلَكَ من جَذْبَةِ الحَبْلِ أَحَدُ البعيرين، فلا ضَمَانَ، إلا أن يكون ذلك البَعِيرُ معروفاً بالعَضِّ والإِفْسَادِ.
وإن من نصفه حُرٌّ، ونصفه رَقِيقٌ إذا قَتَلَ خَطأً يجب نِصْفُ الدية على عَاقِلَتِهِ.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ جَنَى العَبْدُ فَأَرْشُهُ يَتَعَلَّقُ بِرقْبَتِهِ، وَهَلْ يتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ حَتَّى يُطَالَبَ بِهِ بَعْدَ العِتْقِ فِيهِ قَوْلاَنِ، فَإنْ تَعلَّقَ فَهَلْ يَصِحُّ ضَمَانُهُ فِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ اخْتَارَ السَّيِّدُ الفِدَاءَ فَلَهُ ذَلِكَ وَلاَ يَلْزَمُهُ إلاَّ أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ العَبْدِ أَوْ أَرْشُ الجِنَايَةِ في أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، وَلَوْ قَالَ: اختَرْتُ الفِدَاءَ لَمْ يَلزَمْهُ مَا لَمْ يُسْلِمْ في أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لما كان هذا القسم مَسُوقاً لِبَيَانِ من عَلَيهِ الدِّيَةُ، وقد بَانَ فيه أن المَالَ الوَاجِبَ بِجِنَايَةِ الحُرِّ يجب عليه إن كانت الجِنَايَةُ عَمْداً، وعلى عاقلته إن كانت خَطَأً أو شِبْهَ عَمْدٍ حَسُنَ تعْقِيبُهُ بِبَيَانِ أن المَالَ الواجب بِجِنَايَةِ الرقيق بمن يَتَعلَّقُ فَنَخْتِمُ القِسْمَ بفصلين: أحدهما: في جِنَايَةِ القِنِّ.
والثاني: في جناية المُسْتوْلَدَةِ.
أما الفصل الأول، فهذا جَنَى العَبْدُ جِنَايَةً تُوجِبُ المَالَ، أو توجب القِصَاصَ، ورجع الأمر بالعِتْقِ إلى المال تَعلَّقَ المَالُ الواجب بِرَقَبَتِهِ، حتى تؤدي منها 705؛ وذلك لأنه لا يُمْكِنُ إِلْزَامُ جِنَايَتِهِ السَّيِّدِ؛ لأنه إِضْرَارٌ به، والجاني العَبْدُ لا السَّيِّدُ، ولا يمكن أن يقال: إنه يكون في ذِمَّتِهِ إلى أن يعتق ويُوسِرَ؛ فإنه تَفْوِيتٌ للضمان، أو تَأْخِيرٌ لا إلى غَايَةٍ مَعْلُومَةِ، وفيه ضَرَرٌ ظاهر، ويخالف ما إذا عَامَلَهُ إنسان بِإِقْرَاضٍ وغيره، فإنه رِضَى يكون الحَقَّ في ذِمَّتِهِ، فجعل التَّعَلُّق بالرَّقَبَةِ طَرِيقاً وَسَطاً في رعاية 706 الجانبين ويروى عن ابن عَبَّاس -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أنه قال: "إن العَبْدَ لا يغرم سيده فوق نَفْسِهِ شيئاً" 707.

الجزء: 10 - الصفحة: 496

وهل يَتَعلَّقُ مع ذلك بِذمَّتِهِ؟ فيه قولان: أحدهما: نعم، كالمال الوَاجِبِ في جِنَايَةِ الحر، وللعبد ذِمَّةٌ، بدليل أنه لو اسْتَقْرَضَ مَالاً، وأَتْلَفَهُ يثبت البَدَلُ في ذِمَّتِهِ.
وعلى هذا فالرَّقَبَةُ مَرْهُونَةٌ بالحَقِّ الثابت في الذِّمَّةِ.
وأصحهما: ويُنْسَبُ إلى الجديد المَنْعُ؛ لأنه لو تَعَلَّقَ بالذِّمَّةِ كما تَعَلَّقَ بالرقبة كديون المُعَامَلاَتِ التي تَثْبُتُ في ذِمَّتِهِ.
وقد يقال في المسألة وجهان بَدَلاً عن القولين.
وسَبَبُ التَّرَدُّدِ على ما أَشَارَ إليه الإمَامُ أنهما ليسا مَنْصُوصَيْنِ، لكنهما مُسْتَنْبَطَانِ من أصول وقَوَاعِدَ للشافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فعبر مُعبِّرُونَ عنهما بقولين، وآخرون بوجهين.
وإذا حكمنا بالتَّعَلُّق بالذِّمَّةِ، فهذا بقي شَيْءٌ بعد صَرْفِ ثَمَنِهِ إلى الأَرْشِ اتبع به بعد العِتْقِ، وكذا لو ضاع 708 الثَّمَنُ قبل أن يصرف إلى المجني عليه يطالب بالكُلِّ، وهل يَجُوزُ أن يَضْمَنَهُ أَجْنَبِيٌّ؟ قال الإِمام: فيه تَرَدُّدٌ عندي، مَأْخُوذٌ من كلام الأئمة.
أحد الوجهين 709 أنه لا يَصِحُّ ضَمَانُهُ؛ لأنا وإن أَطلَقْنَا ثُبُوتَهُ، فهو على تقدير التَّوَقُّعِ، ولا اسْتِقْرَارَ له في الحال.
وأظهرهما: الصِّحَّةُ، كما يصح الضَّمَانُ عن الميت المُعْسِرِ وبل أولى 710؛ لأن للعبد رَجَاءَ العِتْقِ واليَسَارِ، وآمَالُ الميت مُنْقَطِعَةٌ، فضمان ما يلزم ذِمَّتَهُ من ديون المُعَامَلاَتِ أَوْلَى بالصِّحَّةِ، ولا خِلاَفَ في أنه يَصِحُّ ضمان ما يتعلَّق بِكَسْبِهِ كالمَهْرِ في النِّكَاحِ الصحيح.
ولو قال السيد: ضَمنْتُهُ، فقد رَتبهُ الإِمام على الخِلاَفِ فيما إذا ضَمِنَ الأَجْنَبِيُّ، وجعله أَوْلَى بالصحة؛ لتعلقه بِملْكِهِ.
إذا تَقَرَّرَ ذلك، فالعَبْدُ الذي تَعَلَّقَ المال بِرَقَبَتِهِ لا يَصِيرُ مِلْكاً للمجني عليه، ولكن السَّيِّدَ بالخِيَارِ بين أن يَبِيعَهُ بنفسه، أو يسلمه للبيع، وبين أن يَسْتَبْقِيَهُ، ويَفْدِيَهُ، ويكون المَالُ المَنْدُولُ منه فِدَاءً، كالثمن الذي يَبذُلُهُ غيره.
وإذا سَلَّمَهُ للبيع، فإن كان الأَرْشُ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ بِيعَ جَمِيعُهُ، وإلا فَيُبَاعُ بِقَدْرِ الحاجة إلا أن يَأْذَن السيد في بَيْعِ الجميع، فيؤدي الأَرْشَ، ويكون الباقي له، وكذا

الجزء: 10 - الصفحة: 497

يكون الحُكْمُ لو لم يوجد من يَرْغَبُ في شراء 711 البَعْضِ، وأراد السيد أن يَفْدِيَهُ بأقل الأَمْرَيْنِ من قيمته، وأَرْشِ الجِنَايَةِ؛ لأنه إن كانت قِيمَتُهُ أَقَلَّ، فليس على السَّيِّدِ إلا تسليم رَقَبَتِهِ، فإذا لم يسلم لم تَتَوجَّهِ المُطَالَبَةُ إلا بالقِيمَةِ، وإن كان الأرْشُ أَقَلَّ، فليس للمجني عليه إلا ذلك.
والقديم ويُرْوَى عن أبي حَنِيْفَةَ أنه يَفْدِيهِ بالأرْشِ بَالغاً ما بَلَغَ؛ لأنه لو سلم العَبْد، وعرض على البيع ربما اشترى بأكثر من قيمته، وربما بُنِيَ القَوْلاَنِ على الخِلاَفِ في أن الأَرْش هل يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ.
إن قلنا: لا، فالتعلق مُنْحَصِرٌ في الرَّقَبَةِ، فلا يلزم بمنعها إلا بَدَلَهَا.
وإن قلنا: نَعَم، فجميع الأَرْشِ وَاجِبٌ، والرقبة مَرْهُونَةْ به، وإنما يَنْفَكُّ الرَّهْنُ إذا قضى جميع الدين.
ولم يَرْتَضِ الإِمَامُ هذا البِنَاءَ؛ لأنه رَأَى الأَظْهَرَ تَعَلُّقَهُ بالذِّمَّةِ.
والأَصَحُّ باتفاق الأصْحَابِ أنه إنما يلْزَمُ الفِدَاءُ بالأقل، فلا ينتظم البِنَاءُ.
لكن الأصح عند أكثرهم أنه لا يَتَعَلَّقُ بالذِّمَّةِ، وينتظم البِنَاءُ، ثم في "التهذيب" أن النص أنه تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يوم الجِنَايَةِ، وأن القَفَّالَ قال: وجب أن يعتبر قيمته يوم الفِدَاءِ 712؛ لأن ما نَقَصَ قبل ذلك لا يُؤْخَذُ به السَّيِّدُ، ألا تَرَى أنه لو مات قبل احْتِمَالِ الفِدَاءِ لم يَلْزَم السَّيِّدَ شَيْءٌ، وحمل النَّصّ على ما إذا سَبَقَ من السيد المَنْعُ من بيعه 713 حَالَةَ الجِنَايَةِ، ثم انتقصت القيمة.
ولو جنى العَبْدُ، فَفَدَاهُ السيد، ثم جَنَى مَرَّةً أخرى، فأما أن يسلمه ليباع أو يَفْدِيَهُ مَرَّةً أخرى، وإن كانت الجِنَايَةُ الثانية قبل الفِدَاءِ، فإن سَلَّمَهُ للبيع بيعَ، وَوُزَّع الثَّمَنُ على أرْشِ الجِنَايَتَيْنِ 714، وإن اختار الفِدَاءَ فداه على الجديد 715 بالَأقَلِّ من القيمة ومن الأَرْشَيْنِ، وفي القديم 716 با لأرْشَيْنِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 498

وكذلك الحكم لو كان قد سَلَّمَهُ لِلْبَيْع، فجنى جِنَايَةً أخرى قبل أن يُبَاعَ، ولو قَتَلَ العَبْدَ الجَانِي أو أَعْتَقَهُ أو باعه، وقلنا بِنُفُوذِهِمَا، أو اسْتَوْلَدَ الجَارِيَةَ الجَانِيَةَ، فعليه الفِدَاءُ، وما الذي يلزمه؟ فيه 717 طريقان: أحدهما: طرد القولين.
وأصحهما: أنه لا يَلْزَمُهُ إلا الأَقَلُّ؛ لِتَعَذُّرِ البَيْعِ وبُطْلاَنِ تَوَقُّعِ الزِّيَادَةِ.
ولو مات العَبْدُ الجَانِي، أو هَرَبَ قبل من يطالب السيد بتسليمه، فلا شَيْءَ على السَّيِّدِ، وكذا لو طُولِبَ، ولم يمنعه وإن طُولِبَ فَمَنَعَهُ، صار مُخْتَاراً لِلْفِدَاءِ.
قال في "التهذيب": ولو قتل العَبْد، فللسيد أن يَقْتَصَّ، وعليه الفِدَاءُ للمجني عليه، ويجوز أن ينظر في وُجُوب الفِدَاءِ عليه إلى أن مُوجِبَ العَمْدِ القِصَاصُ، وأَحَدُ الأَمْرَيْنِ، وإن كان القَتْلُ موجباً للمال تَعَلَّقَ حَقُّ المجني عليه بِقِيمَتِهِ، وإذا أخذت تَخَيَّرَ السَّيِّدُ في تَسْلِيمِ فيها، وتسليم بَدَلِهَا من سائر أمواله تَخَيُّرَهُ في رَقَبَةِ العَبْدِ، وإذا لزم الفِدَاءُ بعد موت العبد أو قبله، ففيما يَفْدِيهِ؟ الطريقان المذكوران فيما إذا قتل العبد، أو أعتقه لحصول اليَأْسِ عن بيعه بما يزيد 718 على قِيمَتِهِ.
ولو قال السَّيَّدُ: اخترت الفِدَاءَ، فهل يَلْزَمُهُ الفِدَاءُ، أم يجوز له الرُّجُوعُ، ويسلم العبد، لِيُبَاعَ؟ فيه وجهان: ظاهر المذهب، وهو المذكور في "التهذيب" أنه لا يلزمه الفِدَاءُ 719، ويبقى الخِيَارُ، وأَجْرَى الإمَامُ الخِلاَفَ 720 فيما إذا قال: أنا أَفْدِيهِ، وهو أَبْعَدُ لاحتماله الوَعْدَ، ومَوْضِعَ الخلاف ماَ إذا كان العَبْدُ بَاقِياً، أما إذا مات فلا رُجُوعَ له بِحَالٍ.
قال الغَزَالِيُّ: وإنْ جَنَتِ المُسْتَوْلَدَةُ فَعَلَىَ السَّيِّدِ أَقَلُّ الأمْرَيْنِ لِأَنَّهُ مَانِعُ بِالاسْتِيلاَدِ، فَلَوْ جَنَتْ مِرَاراً وَلَمْ يَتَخَلَّلْ فِدَاءٌ فَهِيَ كَجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ فَتُجْمَعُ وَيَلْزَمُهُ أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ، وَلَوْ تَخَلَّلَ فِدَاءٌ لَزِمَهُ فِدَاءٌ جَدِيدٌ فِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ، وَفِي القَوْلِ الثَّانِي يُسْتَردُّ الأَوَّلُ وَيُوزَّعُ عَلَيْهِمَا، وَوَطْءُ الجَارِيةِ الجَانِيَةِ لَيْسَ اخْتِيَاراً لِلْفِدَاءِ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 499

قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصل الثاني: إذا جَنَتِ المُسْتَوْلَدَة على نَفْس، أو مال، وَجَبَ على السيد فِدَاؤُهَا؛ لأنه بالاسْتِيلاَدِ مَانِعٌ من بَيْعِهَا مع بَقَاءِ الرِّقِّ فيها، فأَشْبَهَ ما إذا جَنَى القِنُّ، فلم يسلمه لِلْبَيْعِ.
وقال الإِمام: السَّيِّدُ بالاستيلاد مُسْتَمْتعٌ بحَقِّهِ مُتَصَرِّفٌ في مِلْكِهِ، فجعله ملتزماً لِلْفِدَاءِ بِجِنَايَةٍ تحدث من بعد فيه غُمُوضٌ، ولكنهَ مُتَّفقٌ عليه من الأَصْحَابِ، وبم يَفْدِيهَا؟ فيه طريقان: أحدهما: طَرْدُ القولين المذكورين في القِنِّ.
وأصحهما: القَطْعُ بأنه يَفْدِيهَا بالأقل من قِيمَتِهَا، وأَرْشِ 721 الجِنَايَةِ، والفَرْقُ أن القِنَّ قَابِلٌ للبيع، وقد يُوجَدُ رَاغِبٌ بالزِّيَادَةِ، والمُسْتَوْلَدَةُ غير قَابِلَةٍ للبيع.
وفي القيمة المُعْتَبرةِ وَجْهَانِ عن الشيخ أبي عَلِيٍّ أن الاعْتِبَارَ بقيمة يَوْمِ الاسْتِيلاَدِ؛ لأن السيد بالاسْتِيلاَدِ صار مَانِعاً، وأظهرهما، وهو الذي أورده 722 الشيخ أبو مُحَمَّدٍ: أن الاعْتِبَارَ بقيمة يوم الإِتْلَافِ، ولا نَظَرَ إلى ما قَبْلَهُ، ولا نقول: إنه مَانِعٌ يوم الاسْتِيلاَدِ، ولكنه بالاستيلاد يصير مَانِعاً من البَيْعِ وقت الحَاجَةِ إليه، وهو يوم الإِتْلاَفِ.
وإذا جنت 723 المُسْتَوْلَدَة جِنَايَتَيْنِ فَصَاعداً، فإن أَثْبَتْنَا القَوْلَ القديم، وقلنا: إن المُسْتَوْلَدَةَ تُفْدَى بأرْشِ الجِنَايَةِ، فعلى السيد أن يَفْدِيَهَا بأُرُوشِ الجِنَايَاتِ بَالِغَةً ما بَلَغَتْ.
وإن فرَّعْنَا على الصحيح، وقلنا: إن الوَاجِبَ أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ، فإن كان أَرْشُ الجناية

الجزء: 10 - الصفحة: 500

الأولى دون القيمة، وفَدَاهَا به، وكان الباقي من القيمة يَفِي بأرْشِ الجِنَايَةِ.
الثانية، فَيَفْدِيَها للجناية الثانية بِأرْشِهَا أيضاً، وإن كان أَرْشُ الجِنَايَةِ الأُولَى مِثْل القيمة، أو أكثرَ منها، أو دونها، إلا أن البَاقِي من القِيمَةِ لا يَفِي بأَرْشِ الجِنَايَةِ الثانية، فينظر أَوَقَعَتِ الجناية الثَّانِيَةُ قبل أن يَفْدِيَهَا السيد عن الأولى 724 أو بَعْدَ أن يَفْدِيَهَا، فهما حالتان: إحداهما: إذا وقعت قبل الفِدَاءِ، ففيما يَلْزَمُ السَّيد؟ قولان: أحدهما: أن عليه أن يَفْدِيَهَا لكل جِنَايَةٍ بالأَقَلِّ من قيمتها، وأَرْشِ تلك الجِنَايَةِ؛ لأن الاسْتِيلَادَ السابق كالمَنْعِ من البَيْعِ بعد الجِنَايَةِ، فإذا وجد الاسْتِيلَادُ، وحَصَلَتِ الجِنَايَاتُ كان الاستِيلاَدُ كَمَنْعٍ مُجَدّدٍ عَقِيبَ كُلِّ جناية.
ولو جَنَى القِنُّ، فصنع السيد من بَيْعِهِ، واختار الفِدَاءَ، ثم جَنَى، ففعل السيد مثل ذلك، يَلْزَمُهُ لكل جِنَايَةٍ الأقَلُّ من أَرْشِهَا، ومن قيمته، فكذلك هاهنا.
وأصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أن جميعها كَجِنَايةٍ وَاحِدَةٍ، وليس عليه إلا أَقَلُّ الأَمْرَيْنِ من أرشها، ومن قيمة المُسْتَوْلَدَةِ، والأقل القيمة في التصوير الذي نحن فيه، وذلك لأن الاسْتِيلاَدَ فعل واحد، فيجعل 725 مَنْعاً واحداً، إلاَّ أن الاسْتِيلاَدَ وإن تَقَدَّمَ على الجِنَايَةِ كالمنع، والتفويت المتأخرين عن الجِنَايَةِ، فليكن بِمَثَابَةِ ما لو جَنَى القِنُّ جِنَايَاتٍ، ثم قتله السيد، أو أعتقه لا يلزمه إلا فِدَاءٌ واحدٌ.
والحالة الثانية: [إذا وقعت الجناية الثانية] 726 بعد ما فَدَاهَا السيد عن الجنَايَةِ الأولى، فهذه الحالة تَتَرَتَّبُ على الأولى، إن قلنا: يَجِبُ هناك لكل جِنَايَةِ الأَقَلُّ من ارْشِهَا، ومن قيمة المُسْتَوْلَدَةِ، فهاهنا أَوْلَى؛ لأن المَجْنِي عليه الأول قد قبض، ومَلَكَ المَقْبُوضَ، ونَقْضُ مِلْكِهِ بجناية تَصْدُرُ من ممْلُوك غيره بَعِيدٌ، وبتقدير 727 إلاَّ يوجب لكل جِنَايَةٍ فِدَاءٌ يحتاج إلى النَّقْضِ، والاسترداد على ما سَنُبَيِّنُهُ، وإن جعلنا الجِنَايَاتِ كَجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ هناك، ولم نوجب الفِدَاءَ إلا مَرَّةً واحدة، فهاهنا قولان: أحدهما -وهو اختيار المُزَنِيِّ والربيع-: أن كُلَّ جِنَايَةٍ تفرد بِفَدَاءٍ، وعليه أن يَفْدِيَ للجناية الثانية بالأَقَلِّ من أرشها، ومن قيمة المُسْتَوْلَدَةِ على نحو فِدَائِهِ للأولى، كما لو جنى 728 القِنُّ، وفَدَاهُ، ثم جنى ثانياً يَفْدِيهِ بِفِدَاءٍ ثَانٍ إذا لم يسلمه لِلْبَيْعِ 729، وفي "أمالي"

الجزء: 10 - الصفحة: 501

أبي الفرج السَّرَخْسِيِّ أن هذا مَذْهَبُ مالك 730. والقول الثاني: أنه لا يَجِبُ هاهنا أيضاً إلا الأقل من القيمة، وموجب الجنايتين ولا يَتَكَرَّرُ الفِدَاءُ؛ لأنه إنما أَوْجَبنَا الفِدَاءَ؛ تَنْزِيلاً للاسْتِيلاَدِ مَنزِلَةَ الإِتلاَفِ، والمنع من البيع وإتلاف الشيء لا يُوجِبُ إلا قِيمَةً وَاحِدَةً.
وبهذا قال أبو حَنيفَةَ، ورجح صاحب "التهذيب" القول الأَوَّلَ، وهو وجوب الفِدَاءِ للجناية الثانية، لكنَّ مَيْلَ الأكثرين إلى تَرْجِيحِ الثاني، وقد أَفْصَحَ به الشيخ أبو إِسْحَاقَ الشيرازي والقاضي الروياني وغيرهم.
وإذا قلنا به، فَيُشَارِكُ المجْنِي عليه ثَانياً المَجْنِي عليه الأَوَّل فيما أَخَذَهُ، ويقسم حمله الوَاجِبِ بينهما 731 على ما يَقْتَضِيهِ الحَالُ.
مثاله: قيمة المُسْتَوْلَدَةِ أَلْفٌ، وأَرْشُ كل جِنَايَةٍ أَلْفٌ، وأخذ المجني عليه الأول القِيمَةَ، يرجع الثاني عليه بخمسمائة، ولو كانت القيمة كذلك، وأَرْشُ الجناية الأُولى أَلْفٌ، وأرْشُ الثانية خمسمائة، فيرجع المَجْنِي عليه ثانياً على الأولى بِثُلُثِ الألف، ولو كانت القيمة كذلك، وأَرْش الثانية أَلْفٌ، وأرش الأولى خمسمائة، وهو الذي أخَذَهُ الأول، فَيَأْخُذُ الثاني من السَّيَّدِ بَقِيَّةَ القيمة خمسمائة، ويرجع على الأول بثلث ما أخذ؛ لتصير القِيمَةُ بينهما أَثْلاَثاً، وقد يعكس تَرْتِيب الحالتين، فيقال: إن تَخَلَّلَ الفِدَاءُ، فهل يَتَجَدَّدُ؟ فيه قولان، وإن لم يَتَخَلَّلْ، فقولان مُرَتَّبَانِ، وأوْلَى بألاَّ يَتَعَدَّدَ، والمقصود لا يَخْتَلِفُ.
ويجوز ألا نفصل ونطلق في المسألة ثَلاَثَةَ أقوال: ثالثها: يفرق بين أن يَتَخَلَّلَ الفِدَاءُ، فيلزمه فِدَاءٌ آخر، أو لا يَتَخَلَّلُ، فيكفي فِدَاءٌ وَاحِدٌ.
وفي شرح الجُوَيْنِيَّ للموفق بن طَاهِرِ حِكَايَةُ طريقين في موضع الخلاف عند تَخَلُّلِ الفِدَاءِ.
فعن بعضهم أن الخِلاَفَ فيما إذا دفع الفداء بنفسه إلى المجني عليه الأول.
أما إذا دفع بِقَضَاءِ القاضي، فيقطع بأنه لا يَلزَمُهُ شَيْءٌ آخر.
وعن ابن أبي هُرَيْرَةَ أنه لا فَرْقَ، ويجري الخِلاَفُ المذكور في الجِنَايَةِ الثالثة والرابعة، لا إلى نهاية.
ومهما زَادَتِ الجِنَايَةُ زاد الاستِرْدَادُ، وشُبِّهَ ذلك بما إذا قُسَّمَتْ تَرِكَةُ إنسان على غُرَمَائِهِ وَوَرَثَتِهِ، وكان قد حَفَرَ بئر عدوان، فهلك بَهِيمَةٌ أو إِنْسَانٌ بها، يزاحم المَجْنِي عليه الغُرَمَاءَ والوَرَثَةَ، ويستردُّ منهم حِصَّتَهُ، فلو هلك آخر زاد الاسْتِرْدَادُ.

الجزء: 10 - الصفحة: 502

" فرُوع"

أحدها: قد ذكر في الكتاب وَطْءَ الجارية الجانية، هل هو اخْتِيَارٌ للفداء؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كما أن وَطْءَ البائع في زَمَانِ الخِيَارِ (1) فَسُخٌ للبيع، ووطء المشتري إجازه.
وأصحهما: المَنعُ؛ لأن الوَطْءَ لا دِلاَلَةَ له على الاخْتِيَارِ بخلاف اللَّفْظِ، وبتقدير (2) أن يَدُلُّ عليه، فقد ذَكَرْنَا أن الاخْتِيَارَ لا يَلْزَمُ، ويخالف الوَطْءُ في زَمَانِ الخِيَارِ؛ لأن الخيار في البَيْع إنما يَثْبُتُ بالشرط، أو بالعَقْدِ المتعلق بالاختيار، فإذا ثَبَتَ بفعله، جاز أن يسقط بفعلَه، [والخيار للسيد يَثْبتُ ابتداءً من جِهَةِ الشرع لا بفعله، فلا يَسْقُطُ بفعله] (3). والثاني: قال في "التهذيب": إذا جَنَتْ جَارِيةُ لها وَلَدٌ، لم يتعلق الأرْشُ برَقَبَةِ الوَلَدِ، وإن وَلَدَتْ بعد الجناية، فكذلك سواء كان الحَمْلُ حَاصِلاً يوم الجِنَايَةِ، أَو لم يكن، ثم إذا لم نُجَوِّزِ التفريق فَيُبَاعُ الوَلَدُ معها، ويصرف ما يُقَابلُ الأُمَّ إلى أَرْشِ الجناية، وما يُقَابِلُ الوَلَدَ للسيد.
وإن جَنَت وهي حَامِلٌ، أو حبلت بعد الجِنَايَةِ، هل تُبَاعُ حاملاً؟ إن قلنا: إن الحَمْلَ لا يعرف، فَتُباَعُ، كما لو زادت زِيَادَةً مُتَّصِلَةً.
وإن قلنا: يعرف، فلا تُبَاعُ حتى تَضَعَ؛ لأنه لا يمكن إِجْبَارُ السيد على بَيْعِهَا مع العمل، ولا يجوز (4) اسْنِثْنَاءُ (5) الحمْلِ، فإذا وضعت ببيعها.
الثالث: إذا لم يَفِدْ السَّيِّدُ الجَانِيَ، ولا سَلَّمَهُ للبيع، باعه الحَاكِمُ، وصرف الثَّمَنَ إلى المجني عليه، وإن أَرَادَ بَيْعَهُ منه، جاز إن كان الأرْشُ نَقْداً، وإن كان الوَاجِبُ الإِبِلِ، قال في "التتمة": ينبني (6) على أن الصُّلْحَ عن إبل الدية هل يجوز؟

القِسْمُ الرَّابعُ مِنَ الكِتَابِ فِي غُرَّةِ الجَنِينِ

قال الغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ فِي أَطْرَافٍ الطَّرَفُ الأَوَّلُ فِي المُوجِبِ وَهِيَ جِنَايَةُ تُوجِبُ انْفِصَالَ الجَنِينِ مَيِّتاً، فَإِنْ لَمْ يَنْفَصِل وَمَاتَتِ الأمُّ فَلاَ شَيْءٍ، وَإِنْ انْفَصَلَ بَعْدَ مَوْتِ الأُمِّ732733734735736737

الجزء: 10 - الصفحة: 503

وَجَبَ (ح م)، وَإِنْ انْفَصَلَ حَيّاً وَلَوْ عَلَى حَرَكَةِ المَذْبُوحِينَ ثُمَّ مَاتَ فَدِيَةٌ كَامِلَة وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِمَا دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَتِلْكَ الحَيَاةُ لاَ تَدُومُ، بَلْ لَوْ لَمْ تَكُنْ جِنَايَةٌ فَقُتِلَ مِثْلُ هَذَا الجَنِينَ وَجَبَ القِصَاصُ كَقَتْلِ مَرِيضٍ مُشْرِفٍ عَلَى المَوْتِ، وَلَوْ خَرَجَ رَأْسُ الجَنِينِ وَمَاتَتِ الأُمُّ وَجَبَتِ الغُرَّةُ لِتَيَقُّنِ الجَنِينَ، وَقِيلَ: لاَ يَجِبُ لِعَدَمِ الانْفِصَالِ، وَكَذَا الوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ قُدَّتْ بِنِصْفَينَ فَانْكَشَفَ الجَنِينُ فِي بَطْنِهَا، وَكَذَا الوَجْهَانِ فِيمَا لَوْ خَرَجَ رَأسُ الجَنِينِ فَصَاحَ فحُرَّتْ رَقَبَتُهُ، فَمَنْ لاَ لاَ يَعْتَدُّ بِهَذَا الانْفِصَالِ لاَ يُوجِبُ القِصَاصَ وَلاَ كَمَالَ الدِّيَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصود 738 القسم الكَلاَمُ في دِيَةِ الجَنِينَ، والأصل فيها مَا رُوِيَ عن أبي هريرة -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أن امْرَأَتَيْنِ مِنْ "هُذَيْلٍ" رَمَتْ إحداهما الأخرى، فَطَرَحَتْ جنينها، فقضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بِغُرَّةِ عَبْدٍ أو وَلِيدَةٍ، ويروى: "فَضَرَبَتْ إحداهما الأخرى بِحَجَرٍ فقتلتها وما في جوفها، فقضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الجنين بِغُرَّةِ عَبْدٍ أو أَمَةٍ، ويروى: "فقضى بِدِيَةِ جَنِينِهَا غُرَّةَ عَبْدٍ أو أَمَةٍ" 739، فقال بعضهم: كيف يَدِي من لا شرب ولا أكل ولا صاح، ولا استهل، ومثل ذلك يُطَلُّ -ويروى: بَطُلَ بدل يُطَلّ-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ"، ويروى: "أَسَجْعَاً كَسَجْعِ الْجَاهِلِيَّةِ؟ " يقال: غُرَّةُ عَبْدٍ أو أَمَةٍ على الإِضَافَةِ، ويروى: 740 "غرةٌ عَبْدٌ أو أَمةٌ" على البَدَلِ، والغرَّةُ: الخيار.
ويقال: طُلَّ دمه أي: أهدر 741. ورتب مسائل القِسْمَ على أَطرَافِ: المُوجِب، وما تَجِبُ فيه، والوَاجِب بصفاته، وأما من يَجِبُ عليه، فلم يُفْرِدْهُ بِتَرْجَمَةٍ، وذكره في آخر القِسْمِ.
أما الأول، فقد قال: المُوجِبُ، وهو جِنَايَةٌ توجب انْفِصَالَ الجَنِينِ ميَّتاً، وقد تَعَرَّضَ في الضابط لقيود: أحدها: الجِنَايَةُ، والمقصود ما يُؤَثَّرُ في الجنين من ضَرْبٍ، وإيجَارِ دَوَاءٍ 742 ونحوهما، ولا أَثَر لِلطَّمَّةِ الخَفِيفَةِ، وما في معناها كما لا يُؤَثِّرُ في الدِّيَةِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 504

والثاني: الانْفِصَالُ، فلو ماتت الأُمُّ، فلم ينفصل جَنِينٌ، لم يجب على الضَّارِب شيء؛ لأنا لا نَتَيقَّنُ وُجُوبَ الجَنِينِ، فلا نُوجِبُ شيئاً بالشَّكِّ.
وكذا لو كانت المرأة مُنْتَفِخَةَ البَطْنِ، فضربها ضَارِبٌ، فزال الانْتِفَاخ أو كانت تَجدُ حَرَكَةً في بَطْنِهَا، فانقطعت الحَرَكَةُ؛ لجواز أنه كان رِيحاً، فانْفَشَّتْ 743، ثم المعتبر 744 انْكِشَافُ الجنين أو الانْفِصَالُ التَّامِّ ذكروا فيه وجهين: أصحهما: أن المُعْتَبَرَ 745 الانْكِشَافُ وظُهُورُ شَيْءٍ منه؛ لأن المَقْصُودَ أن يتحقق وجوده.
والثاني -وبه قالي مَالِكٌ، ويحكى عن القَفَّالِ-: أن المُعْتَبَرَ الانْفِصَالُ التام؛ ليستقل، وما لم يَنْفَصِل كان كالعُضُوِ من الأُمِّ، ويستشهد له بأن انْقِضَاءَ العِدَّةِ، ووقوع الطَّلاَقِ بالوِلاَدَةِ وسائر الأحكام لا يتَعَلَّقُ بخروج بعض الوَلَدِ، بل بالانْفِصَالِ التام، فكذلك هاهنا.
وَيتَفَرَّعُ على الوجهين ما إذا ضَرَبَ بَطْنَهَا، فخرج رَأْسُ الجنين مَثَلاً، وماتت الأُمُّ كذلك، ولم ينفصل أو خَرَج رَأْسُهُ، ثم جَنَى عليها، فماتت، فعلى الأَصَحِّ تجب الغُرَّةُ لِتَيَقُّنِ وُجُودِهِ، وعلى الثاني لا تجب لِعَدَمِ الانْفِصَالِ.
ولو قُدَّتْ نِصْفَيْنِ 746، وشوهد الجَنِينُ في بَطْنِهَا، ولم ينفصل، ففيه هذا الخلاف.
ولو خرج رَأْسُ الجنين، وصاح فَخَرَّ حَازُّ رَقَبَتَهُ، فإن اعتبرنا العِلْمَ بحصول الجَنِينِ، وجب القِصَاصُ، أو كَمَالُ الدية؛ لأنا تَيَقَّنَّا بخروج الرأس وُجُودَهُ، وبالصياح حَيَاتَهُ.
وإن اعتبرنا الانْفِصَالَ، لم نوجب القِصَاصَ ولا الدِّيَةَ.
ولو صَاحَ ومات، فَوُجُوبُ الدِّيَةِ على الخلاف 747. والثالث: كون المُنْفَصِلِ مَيِّتاً، فلو انْفَصَلَ حَيّاً، نُظِرَ إن بقي زَمَاناً سَالِماً غير مُتَأَلِّمٍ، ثم مات، فلا ضَمَانَ على الضَّارِبِ؛ لأن الظَّاهِرَ أنه مَاتَ بسبب آخر.
وإن مات كما خَرَجَ، أو كان مُتَألِّماً إلى أن مات، وَجَبَ فيه الدِّيَةُ الكاملة؛ لأنا تَيَقَّنَّا حَيَاتَهُ، وقد هَلَكَ بالجناية، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الأحْيَاءِ، ولا فرْقَ بين أن يستهلَّ أو لا يستهلَّ، ولكن وجده ما يَدُلُّ على حياته كالتَّنَفسِ وامْتِصَاصِ اللَّبَنِ، والحَرَكَةِ القوية

الجزء: 10 - الصفحة: 505

كَقَبْضِ اليد وبَسْطِهَا، ولا عِبْرَةَ بمجرد الاختلاج فقد يكون ذلك انْتِشَاراً بسبب الخُرُوجِ من المَضِيقِ.
وعن "المنهاج" للجويني حِكَايَةُ قَوْلٍ أنه يكتفي بالاخْتِلاَجِ، والمشهور الأول.
وعن مَالِكٍ أن الاعْتِبَارَ بالاستهلال لا غَيْرَ، وإذا علمت الحياة فلا فَرْقَ بين أن يكون قد انْتَهَى إلى حَرَكَةِ المَذْبُوحِينَ، أو لم يَنْتَهِ إليها، بل بَقِيَ يوماً ويومين، ثم مَاتَ؛ لأنا تَيَقَّنَّا الحَيَاةَ في الحالتين 748 وقد وردن الجِنَايَةُ عليه، والظاهر أنه هَلَكَ بالجِنَايَةِ، [وكذا] 749 ولا فَرْقَ بين أن يَنْفَصِلَ لوقت يتوقّع أن يعيش، أو لوفقت لا يتوقَّعُ أن يعيش، بأن انْفَصَلَ لدون سِتَّةِ أشهر 750. وقال المزني: إن لم يتوقَّعْ أن يعيش أو كان انتهى إلى حركة المذبوح، ففيه الغُرَّةُ دون الدِّيَةِ، ولم تكمل فيه الدية؛ لأن الجِنَايَةَ -والصورة هذه- منع من الحياة لا قَطْعَ لها.
وفي "التتمة" حكايته وَجْهٍ مثله عنه فيما إذا كان قد انْتَهَى إلى حَرَكَةِ المَذْبُوحِينَ، ولو قتل قَاتِلٌ مثل هذا الجَنِينِ بعد ما انْفَصَلَ، فإن انْفَصَلَ لا بجناية جَانٍ، فعلى القاتل القِصَاصُ، كما لو قتل مَرِيضاً مُشْرِفاً على الوَفَاةِ.
وإن انْفَصَلَ بجناية جَانٍ، فإن كانت فيه حَيَاةٌ مسْتَقِرَّةٌ، فكذلك، وإلا فلا شَيْءَ على الثاني، والقَاتِلُ الأول، وقد قَدَّمْنَا الفَرْقُ بين أن ينتهي إلى حَرَكَةِ المذبوحين 751 بِجِنَايَةٍ، وبين أن ينتهي لا بِجِنَايَةٍ.
ولو انفصل منها بعد ما مَاتَتِ الأُمُّ من الضرب وَجَبَتِ الغُرَّةُ، كما لو انْفَصَلَ في حياتها؛ لأنه شَخْصٌ مستقل، فلا يدخل ضَمَانُهُ في ضمانها.
وعن أبي حَنِيْفَةَ ومالك: أنه لا تجب الغُرَّةُ إذا انفصل بعد مَوْتِ الأُمِّ.
ولا فَرْقَ في وجوب الغُرَّةِ بين أن يكون الجَنِينُ ذَكَراً أو أُنْثَى، أو لا يعرف حاله؛ لأن الأَخْبَارَ الوَارِدَةَ في الغُرَّةِ مُطْلَقَةَ، وأيضاً فإنا لا نَعْتَبِرُ الحياة في وجوب الغُرَّةِ، وإذا لم نعتبر الحَيَاةَ، فَأَوْلَى ألا نعتبر الذُّكُورَةَ والأنوثة؛ لأن الذي يختلف بالحَيَاةِ والموت أَصْلُ الوُجُوبِ، والذي يختلف بالذُّكُورَةِ والأُنُوثَةِ مِقْدَارُ الوَاجِبِ، وكذا لا فَرْقَ بين ثابت النَّسَبِ وغيره، وبين تَامِّ الأَعْضَاءِ ونَاقِصِهَا.
ولو اشْتَرَكَ اثنان في الضَّرْبِ، فالغُرَّةُ بينهما.

الجزء: 10 - الصفحة: 506

ولو أَجْهَضَتْ جَنِينَيْنِ وَجَبَتْ غُرَّتَانِ، ولو أجهضتْ حَيّاً وَمَيّتاً، ومات الحَيُّ، وجبت دِيَةٌ كَامِلَةٌ وغُرَّةٌ.
ولو ضرب بَطْنَ امرأة مَيِّتَةٍ، فانفصل منها جَنِينٌ ميت لم تَجِبِ الغُرَّةُ؛ لأن الظَّاهِرَ أن هَلَاكَهُ بِهِلاَكِ الأم.
كذا قاله في "التهذيب".
وفي "جمع الجوامع" للروياني أن القاضي الطَّبَريُّ قال: يجب ضَمَانُ الجَنِينِ؛ لأن الجَنِينَ قد يبقى في جَوْفِ الأُمِّ حَيّاً، فالأَصْل بقاء 752 حَيَاتِهِ، ولا بَأسَ بما يَتَّفِق أَحْيَاناً من تَغْيِيِر تَرْتِيب المسائل لِحَاجَةِ الشرح، وسينتهي النَّاظِرُ إلى مقدم بتأخر، ويَظْفَرُ بمقصوده منه إذا لم يقَعْ إِهمَالٌ.
وقوله: "بَعْدَ مَوْتِ الأُمِّ وَجَبَ" مُعْلَمٌ بالحاء والميم.
وقوله: "ولو على حَرَكَةِ المذبوحين" يجوز أن يُعْلَمَ بالزاي مع قوله: "وإن كان ذلك لما دُونَ ستة أَشْهُرٍ".
وكذا قوله: "وَجَبَ القِصَاصُ"؛ لأن الحكاية عنه أنه لا يَجِبُ القِصَاصُ أَيْضاً، وليعلم قوله: "وجبت الغُرَّةُ لِتَيَقُّنِ الجنين" بالميم؛ لما مَرَّ.
واعلم أن الضَّبْطَ الذي ذَكَرَهُ صاحب الكتاب لِلْمُوجِب يَشْتَمِل على لَفْظِ "الجنين"، فلو أَدْرَجَ فيه مَسَائِلَ الطرف الثاني، ولم يُفْردْهَا بترجمة لكان قَوِيماً.
قال الغَزَالِيُّ: وَلَوْ أَجْهَضَتْ يَداً وَمَاتَتْ وَجَبَتْ غُرَّةٌ إِذَا تَيَقَّنَا وُجُودَ جَنِينِهَا، وَلَوْ أَلْقَتْ أَرْبَعَةَ أَيْدٍ وَرَأْسَيْنِ لَمْ يَزِدْ عَلَى غُرَّةٍ فَرُبَّ شَخْصٍ لَهُ رَأْسَانِ، وَلَوْ أَلْقَتْ بَدَنَيْنِ فَدِيَتَانِ إِذْ لاَ يُمْكِنُ البَدَنَانِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ ألْقَتْ يَدَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ جَنِينٌ حَيٌّ بِلاَ يَدَيْنِ فَدِيَةُ كامِلَةٌ لِلْيَدَيْنِ، وَإنْ كَانَ سَلِيمَ اليَدَيْنِ فَحُكُومَةٌ لَهُمَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذَا أَلْقَتِ المَرْأةُ بالجِنَايَةِ عليها يَدَاً أو رِجْلاً، ومَاتَتْ، ولم يَنْفَصِلِ الجَنِينُ بِتِمَامِهِ، فقد نَصَّ في "المختصر" على وُجُوبِ الغُرَّةِ؛ لأن العِلْمَ قد حَصَلَ بوجود الجَنِينِ، والغالب على الظَّنِّ أن يَدَهُ بَانَتْ بالجِنَايَةِ.
قال في "التتمة": وعلى الوجه الذي مَرَّ أنه يعتبر الانْفِصَالُ التَّامُّ لا تجب الغُرَّةُ، ولكن يجب نِصْفُهَا؛ لأن ضَمَانَ الجناية على 753 الجملة.
وفي إِيرَادِ غيره ما يُشْعِرُ بأن الخِلاَفَ لا يَجِيءُ في هذه الصُّورَةِ، وإنما الخِلاَفُ

الجزء: 10 - الصفحة: 507

فيما 754 إذا ظَهَرَ شَيْءٌ من الجَنِينِ من غير أن يُفَارِقَ الأُمَّ، وههنا وإن لم يَنْفَصِلِ الجَنِينُ بِتَمَامِهِ، ولكن وجد الانْفِصَالُ التَّامُّ في ذلك العُضْوِ، ولو أَلْقَتْ يَدَيْنِ أو رِجْلَيْنِ، أو رِجْلاً وَيَداً، فلا خِلاَفَ في وجوب تَمَامِ الغُرَّةِ، ولو أَلْقَتْ من الأيدي والأرجل ثَلاَثاً أو أرْبَعاً لم يجب إلا غُرَّةٌ وَاحِدَةٌ؛ لأنه لا يتيقّن 755 وجود جنينين 756، ويُتَصَوَّرُ كَوْنُهَا لجنين وَاحِدٍ بعضها أصلية 757، وبعضها زَائِدَةٌ ولو أَلْقَتْ رَأْسَيْنِ فكذلك.
ويروى أن الشَّافِعِيَّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أخبر بامرأة وَلَدَتْ وَلَدًا له رَأْسَانِ، وكان إذا بَكَى بَكَى بهما، وإذا سَكَنَ سَكَنَ بهما.
وفي [شرح] 758 مختصر الجويني وجه عن صاحب "التقريب" أنه يَجِبُ في إِلْقَاءِ الرَّأْسَيْنِ والأيدي غُرَّتَانِ اعْتِبَاراً بالظَّاهِرِ، وإن أَلْقَتْ بَدَنَيْنِ وجبت غُرَّتَانِ؛ لأن الشَّخْصَ الواحد لا يكون له بَدَنَانِ بِحَالٍ.
هكذا أَوْرَدَ صاحب الكتاب وشَيْخُهُ، وصاحب "التهذيب" وغيرهم.
وحكى الروياني عن نَصِّ الشَّافعي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- خِلاَفَهُ، وجوز أن يكون لرأس بَدَنَانِ، كما جوز أن يكون لِبَدَنٍ رَأْسَانِ.
ولو ألقت بالجناية عُضْواً من يَدٍ أو رِجْلٍ، ثم أَلْقَتْ جَنِيناً، فله حَالَتَانِ: إحداهما: أن يكون الجَنِينُ فقد 759 ذلك العضو، فينظر إن أَلْقَتْهُ قبل الانْدِمَالِ وزوال أَلَمِ الضرب، فإن كان مَيِّتاً لم يَجِبْ إِلاَّ غُرَّةٌ وَاحِدَةٌ، ويقدر العُضْوُ مُبَاناً منه بِالجِنَايَةِ.
وإن انْفَصَلَ حَيّاً، ثم مات من الجِنَايَةِ؛ وَجَبَتْ دِيَةٌ كاملة، ويدخل فيها أَرْشُ اليَدِ، وإن عاش فقد أطلق في "التهذيب" أنه يَجِبُ نِصْفُ الدية على عَاقِلَةِ الضَّارِبِ.
ونقل ابن الصَّبَّاغِ وغيره أنه يراجع القَوابل، فإن قلن: إنها يدٌ من لم تخلق فيه الحَيَاةُ، فالوَاجِبُ نِصْفُ الغُرَّةِ.
وإن قلن: إنها يَدُمْنَ خُلِقَتْ فيه الحَيَاةُ، فيجب نِصْفُ الدِّيَةِ.
وكذا إن عرفنا انْفِصَالَ اليَدِ منه بعد خَلْقِ الحَيَاةِ فيه بأن أَلْقَتِ اليَدَ، ثم انْفَصَلَ الجنين عَقِيبَ الضَّرْبِ، وإن شككنا في الحال اقْتَصَرْنَا على نصف الغُرَّةِ أَخْذاً باليقين، وليكن المُطْلَقُ مَحْمُولاً على هذا المفصل 760. وفرق بين هذه الصُّورَةِ، وبين ما إذا انْفَصَل الجَنِينُ مَيَّتاً، لا يراجع القَوَابل، هل كان حَيّاً؛ لأن هناك لم تثبت له الحَيَاةُ، بعد الانْفِصَالِ، فلم يعتبر ما كان في البَطْنِ،

الجزء: 10 - الصفحة: 508

وههنا انْفَصَلَ حَيّاً، فينظر 761 في أن اليَدَ انْفَصَلَتْ وهو حَيٌّ أم لا، وإن أَلْقَتْهُ بعد الانْدِمَالِ لم يضمن الجَنِينَ حَيّاً كان أو مَيِّتاً؛ لِزَوَالِ الألَمِ الحاصل بفعله.
وأما اليَدُ، فإن خرج مَيِّتاً، فعليه نِصْفُ الغُرَّةِ لليد، وإن خَرَجَ حَيّاً، ومات أو عاش، فمنهم من يُطْلِقُ القَوْلَ بِوُجُوبِ نِصْفِ الدية، كما لو قطع يد إنسان، فَانْدَمَلَ، ثم مات.
ومنهم من قال: يراجع القَوَابل [على ما سبق] 762 763، ولو ضرب بَطْنَهَا، فألقت يَدَاً، ثم ضَرَبَهَا آخر، فالقت جَنِيناً لا يَدَ له، فإن ضرب الثاني قبل الانْدِمَالِ، وانفصل الجَنِينُ مَيِّتاً، فالغُرَّةُ عليهما معاً، وإن انْفَصَلَ حياً، فإن عاش، فعلى الأول نِصفُ الدِّيَةِ، وليس على الثاني إلا التعزير.
وإن مات، فعليهما الدِّيَةُ، وإن ضرب الثَّاني بعد الانْدِمَالِ، وإن 764 انفصل ميتاً، فعلى الأول نصف الغُرَّةِ، وعلى الثاني غرة 765 كاملة، كما لو قَطَعَ يد إنسان فاندمل، ثم قَتَلَهُ آخر يجب على الأول نِصْف الدِّيَةِ، وعلى الثاني دِيَةٌ كَامِلَةٌ.
وإن خرج حَيّاً، فعلى الأول نِصْفُ الدية، ثم إن عاش، فليس على الثاني إلا التَّعْزِيرُ، وإن مات، فعليه دِيَةٌ كاملة.
الحالة الثانية: إذا انْفَصَلَ الجنين كَامِلَ الأَطْرَافِ، نُظِرَ إن انفصل قبل الانْدِمَالِ، فقضية ما ذكر فيما إذا أَلْقَتْ من الأيدي ثَلاَثاً، أو أربعاً بأن يقال: إن انْفَصَلَ مَيِّتاً لم يَجِبْ إلا غُرَّةٌ واحدة؛ لاحتمال أن التي أَلْقَتْهُ كانت يَداً زَائِدَةً لهذا الجنين، وانْمَحَقَ أَثَرُهَا، وإن انْفَصَلَ حَيّاً ومات، فالواجب دية، وإن عاش لم يَجِبْ إلا حُكُومَةٌ، وعلى هذه القضية جَرَى صاحب الكتاب هاهنا، وفي "الوسيط" والمذكور في "التهذيب" و"التتمة" أنه إذا انفصل مَيِّتاً وَجَبَتْ غُرَّتَانِ: إحداهما: لليد، والأُخْرَى للجنين.
وإن خرج حياً، ومات، وَجَبَتْ دية وغرة.
ولو ألْقَتْ أولاً جَنِيناً كاملاً ثم يَداً، فالحُكْمُ كذلك، وإن انْفَصَلَ الجنين بعد الانْدِمَالِ، لم يلزم بسبب الجَنِينِ شَيْءٌ.
ولو ضربها ضَارِبٌ، فالقت اليَدَ، ثم ضربها آخر، فَألْقَتْ الجَنِينَ، ففي "التهذيب" أن ضَمَانَ الجَنِينِ على الثاني، سَوَاء كان ضرب الثاني بعد انْدِمَالِ الأول، أو قبله، فإن خرج مَيِّتاً وَجَبَتْ غُرَّةٌ، وإن خرج حَيّاً، فمات، فدية.

الجزء: 10 - الصفحة: 509

وقياس ما مَرَّ أن يقال: إن ضرب الثاني قبل الانْدِمَالِ، وانفصل مَيّتاً، وجبت الغُرَّةُ عليهما، وإن انْفَصَلَ حياً، وعاش، فعلى الأول حُكُومَةٌ، وليس على الثاني إلا التَّعْزِيرُ، وإن مات، فعليهما الدِّيَةُ.
وقوله في الكتاب:، "ولو ألقت يَدَيْنِ، ثم خرج جَنِينٌ حَيٌّ بلا يَدَيْنِ، فدية كاملة لليدين" يعني إذا عَاشَ، فأما إذا خرج حَيًّا، ومات من الجِنَايَةِ، فالواجب دِيَةُ النفس، ويدخل فيها أَرْشُ اليَدَيْن، ثم القَوْلُ بوجوب الدِّيَةِ إذا عاش يُوَافِقُ ما أَطْلَقَهُ في "التهذيب" فيما إذا ألقت يَدَاً وَاحِدَةً.
وقياس ما ذَكَرَ ابْنُ الصَّبَّاغ وغيره أن يُرَاجَعَ القَوَابِلُ، فإن قُلْنَ: إنهما يَدَا مَنْ لم تُخْلَقْ فيه الحَيَاةُ، فالواجب الغُرَّةُ دون الدِّيَةِ.
وقوله: "وإن كان سَلِيمَ اليَدَيْنِ فحُكُومَةٌ لهما" جَوَابٌ على الأَخْذِ بكون اليدين السَّاقِطَتَيْنِ يَديْنِ زَائِدَتَيْنِ لهذا الجَنِيْنِ.
وعلى قياس ما حَكَيْنَا في "التهذيب" و"التتمة" ينبغي أن تجب غُرَّةُ اليَدَيْنِ.
قال الغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّانِي في المُوجِبِ فِيهِ وَهُوَ الجَنِينُ الَّذِي بَدَا فِيهِ التَّخْطِيطُ ولَوْ فِي طَرَفٍ من أَطْرَافِهِ وَإذَا أَدْرَكَتِ القَوَابِلُ كَفَى ذَلِكَ، لاَ شَيْءَ فِي إجْهَاضِ المُضْغَةِ وَالعَلَقَةِ قَبلَ التَّخْطِيطِ عَلَى الأَصَحِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَقْصُودُ الفَصْلِ الكَلاَمُ في الجنين الذي تجب فيه الغُرَّةُ، وقد مَرَّ في باب العدَّةِ أن الغُرَّةَ تجب إذا أسْقَطَتْ بالجِنَايَةِ ما ظَهَرَ فيه صُورَةُ الآدَمِيِّ من عين، أو يَدٍ، أو أصبعَ أو غيرهما، ويكفي الظُّهُورُ في طَرَفٍ من الأطراف، ولا يشترط أن يَظْهَرَ جميعِ الأَعْضَاءِ، ولو لم يظهر شَيْءٌ من ذلك، ولكن شهدت القَوَابِلُ بأن الصُّورَةَ فيه خَفيَّةٌ [يَخْتَصُّ أهل الخبرة بمعرفتها، فكذلك في الغُرَّةِ.
وإن قلنا: ليس فيه صُورَةٌ خَفيَّةٌ] 766 ولكنه أَصْلُ الآدَمِيَّ، ولو بقي لتصور، ففيه طُرُقٌ: أظهرها: أنه لا يجب فيه الغُرَّةُ، وإن شَكَكْنَ في أنه أَصْلُ الآدَمِيِّ أم لا، لم تجب بلا خِلاَفٍ.
هذه أَحْكَامُ الأَحْوَالِ، والشَّرْحُ قد تَقَدَّمَ.
وقوله: "الذي بَدَأَ فيه التَّخْطِيطُ"، قد يُفَسَّرُ 767 التَّخْطِيطُ بصورة الأَعْضَاءِ من اليد والأصبع وغيرهما.
وقد يُفَسَّرُ بالشكل والتَّقْطِيع الكُلِّيِّ قبل أن تُمَيَّزَ آحَادُ الأَعْضَاءِ وهَيْئَاتُهَا، وهو الأكثر.

الجزء: 10 - الصفحة: 510

وأراد بقوله: "بَدَأَ فيه التَّخْطِيطُ" ما إذا ظَهَرَ ذلك لِكُلِّ أَحَدٍ، وبقوله: "وإذا أَدْرَكَتِ القَوَابِلُ" ما إذا ظَهَرَ لأهل الخِبْرَةِ دون جَمِيعِ الناظرين وقوله: "ولا شَيْءَ في إجْهَاضِ المُضْغَةِ والعَلَقَةِ قبل التَّخْطِيطِ على الأَصَحِّ" أي: قبل ظهور الصُّورَةِ لِأَهْلِ الخِبْرَةِ وغيرهم، ولفظ الكتاب يَقْتَضِي إِثْبَاتَ الخِلاَفِ في العَلَقَةِ، والجمهور سَكَتُوا عنه، وقالوا: لا يجب في إِلْقَاءِ المُضْغَةِ الغُرَّةُ، ولا تَنْقَضِي به العِدَّةُ، وإنما اختلاف الطرق 768 في اللَّحْمِ، والله أعلم.
قال الغَزَالِيُّ: ثُمَّ فِي الجَنِينِ الحُرِّ المُسْلِمِ غُرَّةٌ، وَفِي الجَنِينِ الكَافِرِ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ: (أَحَدُهَا): غُرَّةٌ وَلاَ يُبَالِي بِالتَّسْوِيَةِ (وَالثَّانِي): ثُلُثُ الغُرَّةِ (وَالثَّالِثُ): لاَ يَجِبُ شَيْءٌ، فَإِنْ قُلْنَا بِالثُّلُثِ فَالمُتَولِّدُ مِنْ نَصْرَانِيِّ وَمَجُوسِيِّ قِيلَ: إنَّهُ يُؤْخَذُ بِالأخَفِّ، وَقِيلَ بِالأَغْلَظَ، وَقِيلَ: العِبْرَةُ بِجَانِبِ الأَبِ، وَلَوْ جَنَى عَلَى ذِمَّتِّةٍ فَأسْلَمَتْ ثُمَّ أَجْهَضَتْ فَغُرَّةٌ كَامِلَةً نَظَراً إلَى حَالِ الانْفِصَالِ، وَلَوْ جَنَى عَلَى حَرْبِيَّةٍ فَأَسْلَمَتْ ثُمَّ أَجْهَضَتْ فَفِي ضَمَانِ الجَنِينِ وَجْهَانِ كَمَا لَوْ رَمَى إلَى حَرْبِيِّ فَأَسْلَمَ قَبلَ الإِصَابَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الغُرَّةُ الكَامِلَةُ إنما تَجِبُ في الجنين المَحْكُوم له بالإِسلام، إِمَّا تَبَعاً لأَبوَيْهِ أو لأحدهما، وبالحُرَّيَّةِ إذا كانت الأم حُرَّةً، وقد يكون الولَد حُرّاً مع رِقِّ الأُمِّ في نِكَاح الغُرورِ وغيره، أما الجَنِينُ المَحْكُومُ له باليهودية أو النَّصْرَانِيَّةِ تبعاً لأبويه 769، فقد أطلق فيه ثلاثة أَوْجُهٍ: أحدها: أنه تجب غُرَّةٌ، ولا نُبَالِي بالتَّسْوِيَةِ بينه وبين الجَنِينِ المسلم؛ لأنه لا سَبِيلَ إلى الإِهْدَارِ، ولا إلى تَجْزِئَةِ الغُرَّةِ، وقد يحتج له بِظَاهِرِ ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قضى في الجَنِينِ بالغُرَّةِ 770. وثانيها: أنه لا يَجِبُ شَيْءٌ؛ لأنه لا يمكن التَّسْوِيَةُ بينه وبين الجَنِينِ المسلم، كما لا يُسَوَّى بين المُسْلِمِ والكَافِرِ في الدِّيَةِ، والتَّجْزِئَةُ مُمْتَنِعَةٌ، وامتناع التَّجْزِئَةِ في الوجهين مَبْنِيٌّ على أن الغُرَّةَ غير مُقدَّرَةٍ بالقيمة.
وأصحها: وهو مَبْنِيٌّ على أن الغُرَّةَ مُقدَّرَةٌ أنه يَجِبُ في الجَنِينِ اليَهُودِيِّ والنصراني ثُلُثُ ما يجب فيِ الجنين المُسْلِمِ، كما أن دِيَةَ اليَهُودِيِّ والنِّصْرَانِيِّ ثُلُثُ دية المُسْلِم، وهذا هو الذي أَوْرَدَهُ المُعْظَمُ، وسنذكر أنَّ الغُرَّةَ الواجبة في الجَنِينِ المُسْلِم مُقَدَّرَةٌ بنصف عُشْرِ دِيَةِ الأَبِ، أو عشر دية الأم، وهو خَمْسٌ من الإِبِلِ أو خمسون دَينَاراً أو

الجزء: 10 - الصفحة: 511

ستمائة دِرْهَمٍ، فيكون في جَنِين اليَهُوديِّ والنَّصْرَانِيِّ بَعِيرٌ وثلثا بعير، أو ستة عشر دِيناراً وثلثان، أو مائتا درهم.
وعلى هذا ففي الجنين المَجُوسِيِّ ثُلُثُ عشر الواجب في الجنين المُسْلِمِ، وهو ثلث بَعِيرٍ أو ثلاثة دَنَانِيرَ وثلث، أو أَربَعونَ دِرْهَماً، ثم عن بعضهم أنه يؤخذ هذا القَدُرُ من الدِّيَةِ، ويدفع إلى المُسْتحقِّ من غير أن يصرف إلى الغُرَّةِ، وحَكَاهُ في "البيان" عن المَسْعُودِيِّ.
وإيراد آخرين يُشْعِرُ بأنه يدْفَعُ إليه هذا القَدْرُ، أو غُرَّة بقيمة هذا القَدْرِ.
والأصح: أنه يشتري به الغُرَّة، وتُدْفَعُ إليه إلاَّ ألاَّ توجد غُزَّةٌ بهذه القيمة، فَيُعْدَلُ حينئذ إلى الإِبِلِ، أو الدراهم، وهذا ما يُحْكَى عن النص، ولو كان أَحَدُ أبَوَيِ الجَنِينِ يَهُودِيّاً أو نَصْرَانِياً، والآَخَرُ مَجُوسِيّاً، فالظاهر المَنْسُوبُ إلى النَّصِّ أنه يَجِبُ فيه ما يَجِبُ في الِجَنِين اليَهُودِيِّ والنصراني؛ لأنَّ الضَّمَانَ يغلب فيه طَرَفُ التَّغْلِيظِ، ألاَ تَرَى أنه إذا كان أْحَدُ أَبوي الجنين 771 مُسْلِماً تَجِبُ فيه ما يَجِبُ إذا كان الأَبوَانِ مُسْلِمَينِ، والمُتَوَلِّدُ الصَّيْدِ وغير الصيد يَضْمَنُهُ المُحْرِمُ بالجَزَاءِ.
وفيه قول مُخَرَّجْ أن الاعْتِبَارَ بالأب.
ووجه عن أبي الطَّيِّب بن سلمة أن الاعتبار بِشَرِّ 772 الأبوين؛ لأن الأَصْلَ بَرَاءَة الذِّمَّةِ عن الزِّيَادَةِ.
والقول والوجه مَأْخُوذَانِ من الخِلاَفِ في أن المسلم هل يَنْكِحُ المُتَوَلِّدَةَ من أبوين كِتَابِيٌّ ومَجُوسِيٍّ؟ ولو كان أَحَدُ الأبوين ذِمِّيّاً، والآخر وَثَنِيّاً لا أَمَانَ له، فعلى الأَظْهَرِ يجب ما يَجِبُ في الذي أَبَوَاهُ ذِمِّيَّانِ، وعلى الثاني ينظر إلى جانب الأَبِ، وعلى الثالث لا يَجِبُ شَيْءٌ، والجنين المُتَوَلِّدُ من مستأمنين كجنين الذميين.
ولو اشترك مسلم وذمي في وَطْءِ ذِمِّيَّةٍ بشبهة، فأُحْبِلَتْ وأَجْهَضَتِ الجَنِينَ بجِنَايَةِ جَانٍ، يُرَى الجَنِينُ القَائِفَ، فإن أَلْحَقَهُ بالذمي، وَجَبَ ما يجب في جنين الذِّمِّيِّ، وإن أَلْحَقَهُ بالمسلم، وجبت الغُرَّةُ الكاملة، وإن أشكل الأمْرُ أخذ الأَقَلْ، ووقف إلى أن يَنْكَشِفَ الأَمْرُ أو يَصْطَلِحُوا.
قال في "البيان": ولا يجوز أن يَصْطَلِحَ الذِّمِّيُّ والذمية في قَدْرِ الثلث منه؛ لجواز أن يكون الجميع للمسلم لا حَقَّ لهما فيه، ولا يخرج اسْتِحْقَاقه من بينهما 773. والمسألة مُفَرَّعَةٌ على أن المَوْلُودَ يُعْرَضُ بعد الموت على القَائِفِ، وهو الصحيح، ولو جَنَى على مُرْتدَّةٍ حُبْلَى، فَأجْهَضَتْ، نظر إن ارْتَدَّتْ بعد الحَبَلِ، وجبت الغُرَّةُ الكاملة؛ لأن الجنين مَحْكُومٌ له بالإِسلام، لا يتبعها في الرِّدَّةِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 512

وإن حَبِلَتْ بعد الارْتدَادِ مُرْتَدٍّ، فيبنى على أن المُتَوَلِّدَ من المرتدين 774 مسلم أو كافر؟ إن قلنا: مُسْلِمٌ، وَجَبَتْ فيه الغُرَّةُ.
وإن قلنا: كافر، فهو كجنين الحَرْبِيِّينَ، لا يجب فيه شيء على الجَانِي.
هكذا ذكره الشَّيْخُ أبو عَلِيٍّ وغيره.
وفي "التهذيب" أن من لم يجعل المَوْلُودَ بين المرتدين مسلماً أوجب 775 فيه ما يَجِبُ في جنين المَجُوسِيَّةِ كان من يذهب إليه يثبت له حرمة؛ لبقاء عُلْقَةِ الإِسْلاَمِ، فيوجب فيه أَخَسَّ 776 ما يجب في الأَجِنَّةِ.
ثم في الفصل صورتان: إحداهما: جَنَى على ذمية حُبْلَى تحت ذِمِّيِّ، فأسلمت، أو أَسْلَمَ الذمي، ثم أجْهَضَتْ وجبت غُرَّةٌ كاملة؛ لأن الاعْتِبَارَ في قَدْرِ الضَّمَانِ بالمال، ولذلك قلنا بوجوب الدِّيَةِ الكاملة إذا جَرَحَ ذمياً، فَأسْلَمَ ثم مات، وكذا الحُكْمُ إذا جَنَى على أَمَةٍ حُبْلَى، فَعُتِقَتْ، ثم ماتت.
وما الذي يَسْتَحِقَّهُ من ذلك؟ فيه وجهان أو قولان: المشهور منهما: أن المستحق له الأَقَلُّ من عُشْرِ قيمة الأمَةِ، ومن الغُرَّةِ؛ لأنه إن كانت الغرة أقَلَّ، فلا وَاجِبَ غيرها، وإن كان العشر أقل 777، فهو المستحق للسيد، وما زاد زاد بالحُرِّيَّةِ.
والثاني -وبه قال أبو الطيب 778، ويُحْكَى عن القَفَّالِ أيضاً- أنه لا يستحق السيد بحكم المِلْكِ شيئاً؛ لأن الإجْهَاضَ حَصَلَ في حال الحرية، وما يجب إنما يجب بالإجْهَاضِ فَأَشْبَهَ ما إذا حَضَرَ بِئْراً فَتَرَدَّى فيها حُرٌّ كان رقيقاً عند الحَفْرِ، لا يستحق السَيد من الضمان شيئاً.
الثانية 779: إذا جَنَى على حَرْبِيَّةٍ، فأسلمت ثم أَجْهَضَتْ، هل يجب الضَّمَانُ فيه وجهان: أحدهما -وبه قال ابن الحَدَّادِ-: لا يجب شيء؛ لأنه لم يكن مَعْصُوماً في الابتداء.
والثاني: يجب غُرَّةٌ كاملة؛ اعْتِبَاراً بحالة الإِجْهَاضِ، فإن الجِنَايَةَ حينئذ تَتَحَقَّقُ 780.

الجزء: 10 - الصفحة: 513

وشَبَّهَ في الكتاب الوَجْهَيْنِ بالوجهين فيما إذا رَمَى إلى حَرْبِيِّ، فَأَسْلَمَ قبل الإِصَابَةِ، لكن الأَصَحَّ هناك وُجُوبُ الضَّمَانِ، ويشبه أن يكون الوَجْهَانِ هاهنا كالوجهين فيما لو جَرَحَ حَرْبِيّاً، فَأَسْلَمَ قبل الإِصَابَةِ حتى يكون الأظْهَرُ نَفْىَ الضَّمَانِ؛ لأن الجِنَايَةَ قد تَحَقَّقَتْ هاهنا، وأَثَّرَتْ فيها، وفي الجنين، كما أن الجِرَاحَةَ أَثَّرَتْ هناك، والرَّمْيُ لا يؤثر في البَدَنِ، حتى يصيب السهم، فالتشبيه 781 بصورة الجراحة أَفْصَحُ وأَوْلَى من التشبيه بصورة الرَّمْيِ.
وقوله في الكتاب-: "ثم في الجنين الحُرِّ المسلم غرة".
لو قال: "ثم الغرة في الجنين الحر المسلم" كان أَلْيَقَ بمقصود الفَصْلِ؛ لأنه قد سبق ذِكْرُ الغُرَّةِ، وما يوجبها.
والغَرَضُ الآن بَيَانُ أنها تجب في الحُرِّ المسلم، والتَّدرُّجُ منه إلى بيان ما يجب في الكافر والرَّقِيقِ.
وقوله: "والثاني: ثُلُثُ الغرة".
الذي يَتَبَادَرُ إلى الفِهْمِ منه وجوب جُزْءٍ من الغُرَّةِ، وهذا لم يذكره أَحَدٌ، وإنما هو مَحْمُولٌ على إِيجَابِ غُرَّةٍ، قيمتها ثُلُثُ الغُرَّةِ الكاملة على ما بَيَّنَّاهُ.
وقوله: "ففي ضَمَانِ الجنين وجهان" يعني: أَصْلَ الضمان.
قال الغَزَالِيُّ: أَمَّا الْجَنِينُ الرَّقِيقُ فَفِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ الأُمِّ، وَيعْتَبَرَ القِيمَةُ عَلَى الصَّحِيحِ يَوْمَ الجِنَايَةِ، لاَ يَوْمَ الإِجْهَاضِ أَخْذاً بِالأَغْلَظِ، فَلَوْ كَانَ الجَنِينُ سَلِيماً، وَالأمُّ مَقْطُوعَةَ الأَطْرَافِ قُدِّرَتْ سَلِيمَةَ الأَطْرَافِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، كَمَا يُقَدَّرُ إِسْلاَمُهَا وَحُرِّيَّتُهَا إِذَا كَانَ الجَنِينُ كَذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الجَنِينُ مَقْطُوعِ الأَطْرَافِ، فلاَ تُقَدَّرُ الأُمُّ مَقْطُوعَةً عَلَى الصَّحِيحِ، إِذْ ذَاكَ في الجَنِينِ مِنْ أَثَرِ الجِنَايَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجب في الجَنِينِ الرَّقِيقِ عُشْرُ قيمة الأُمِّ، ذَكَراً كان، أو أُنْثَى، أو أَشْكَلَ 782 حَالُهُ في الذكورة والأُنوثَةِ، يستوي في ذلك ما إذا كانت [الأم] 783 قِنَّةً، أَو مُدَبَّرَةً، أو مُكَاتَبَةً، أو مُسْتَوْلَدَةً.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: يعتبر ضَمَانُ الجَنِينِ بنفسه، فإن كان ذَكَراً، ففيه نصف عشر قيمته لو كان حَيّاً، وإن كان أُنْثَى، فعشر قِيمَتِهَا لو كانت حَيَّةً.

الجزء: 10 - الصفحة: 514

ومَأْخَذُ الخِلاَفِ الخِلاَفُ في أن الغُرَّةَ الواجبة في الجنين الحُرِّ؛ ثم تعتبر؟ وهي مُقَدَّرَةٌ بخمس من الإِبل عنده؟ وعلى الأصح من أصلنا على ما سيأتي، فعندنا هي مُعْتَبَرَةٌ بِبَدَلِ الأبوين، وهي نِصْفُ عشر دية الأب، وعِشْر دية الأم، فيجب في الرَّقِيقِ عُشْرُ قيمة الأُمِّ.
وعنده هي معتبرة بِبَدَلِ الجنين في نَفْسِهِ بعد انْفِصَالِهِ، وهي نِصْفُ عشر ديته، إن كان ذَكَراً، وعشرها إن كان أُنْثَى، فيجب في الرقيق نِصْفُ العشر، أو العشر من القيمة.
قال الأصحاب -رحمهم الله-: والاعْتِبَارُ بالأبوَيْنِ أَوْلَى الوجهين: أحدهما: أن الجنين قد يَخْرُجُ مُتَقَطِّعاً، ولا يُعرَفُ حاله في الذكورة والأنوثة، وأيضاً فالتَّقْوِيمُ مَبْنِيٌّ على الهَيْئَاتِ، والصفات الحاصلة في الحَيَاةِ، والكلام في الجنين الذي انْفَصَلَ مَيَّتاً، فكيف يُقَوَّمُ والأم 784 ينظر؟ والثاني: أن ما يعتبر ضَمَانُهُ بنفسه، يعتبر كُلُّهُ لا بَعْضُهُ.
واحتَجُّوا أيضاً بأن الجنين الحُرِّ يَسْتَوِي في ضمانه الذَّكَرُ والأنثى، فكذلك الرقيق.
واعْتَذَرُوا عما يقال: إن ما ذَكَرْتُمُوهُ قد يُؤَدِّي إلى تَفْضِيلِ المَيِّتِ على الحَيِّ، فإنه لو انفصل حَيّاً، وماتت، تجب قِيمَتُهُ في نفسه، بلا خلاف، وقيمته حينئذ قد لا يَزِيدُ على دِينَار، وعشر قيمة الأُمِّ يبلغ مائة، فكيف نوجب ديناراً، لو انفصل حَيّاً ومات، ومائة [دينار] 785 لو انْفَصَلَ ميتًا؟ فإنه إذا انفَصَلَ حياً ثَبَتَ اسْتِقْلاَلُهُ، فَيُعْتَبَرُ بنفسه، وإذا انْفَصَلَ ميتاً، لم يثبت له اسْتِقْلاَلٌ، فيسلك 786 به مَسلَكَ الأعْضَاءِ.
ولو أَلْقَتْ جنيناً ميتاً، فَعُتِقَتْ، ثم ألقت آخر [حَيّاً]، فالوَاجِبُ في الأول عشر قيمة الأم، وفي الثاني الغُرَّةُ، والاعْتِبَارُ بقيمة يوم الجِنَايَةِ، أو الإجهاض؟ فيه وجهان: أصحهما -وهو المنصوص 787 - أنه يعتبر قيمته يوم الجِنَايَةِ، وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ، وأبُو إِسْحَاقَ؛ لأنه وَقْتُ الوجوب، ولأنه الأَغْلَظُ، فأشبه ما إذا قَطَع يَدَ عَبْدٍ، وتوالت 788 الآلاَمُ إلى أن سَرَى القَطْعُ إلى النَّفْسِ، تعتبر قيمته 789 يوم القَطْع، وإنما يُعْتَبَرُ يوم الجناية؛ لأن القيمة يَوْمَئذٍ أَكْمَلُ غالباً، فإن فرضت زيادة القيمةَ مع تَوَاصُلِ الآلاَمِ،

الجزء: 10 - الصفحة: 515

اعتبرنا تلك الزيادة.
وحَقِيقَةُ هذا الوَجهِ النَّظَرُ إلى أَقْصَى القِيَمِ.
والثاني -وبه قال المُزَنِيُّ والإصْطَخْرِيُّ-: أنه تُعْتَبَرُ قِيمَةُ يوم الإجْهَاض؛ لأنه وقت اسْتِقرَارِ الجِنَايَةِ، وكذلك نقول: لو جَنَى على أمة فأعتقت (1) ثم أجْهَضَتْ تجب الغُرَّةُ، وتصرف إلى الوَرَثَةِ.
وإذا كان الجنين سَلِيماً، والأُمُّ مَقْطُوعَةُ الأطْرَافِ، ففيه وجهان: أصحهما: أنه يُقَدَّرُ فيها السَّلاَمَةُ، وتُقَوَّمُ كَامِلَةَ الأَطْرَافِ، كما أنه إذا كانت الأم كَافِرَةً، والجنين مُسْلِماً يُقَدَّرُ فيها الإِسْلاَمُ، وتقوم مُسْلِمَةُ، وإذا كان الجَنِينُ رَقِيقاً، وهي حُرَّةٌ مثل إن كانت الأُمُّ لواحد، والَجنين لآخر، فَأَعْتَقَ صَاحِبُ الأم الأُمِّ، وبَقِيَ الجَنِينُ رَقِيقاً لصاحبه تُقَدَّرُ الأم رقيقة، ويجب في الجنين عُشْرُ قيمتها.
والثاني: أنه لا يقدر فيها السَّلاَمَةُ؛ لأن نُقْصَانَ الأَعْضَاءِ أَمْرٌ خِلْقِيٌ، وفي تقدير خِلاَفِهِ بعد، بخلاف صِفَةِ الإِسْلاَمِ وغيره.
ولو كان الجَنِينُ مَقْطُوعَ الأَطْرَافِ، والأم سَلِيمَةٌ، فهل تُقَدَّرُ هي مَقْطُوعَةَ أيضاً؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، كالتقدير في سَائِرِ المسائل المذكورة.
وأصَحُّهُمَا: المَنْعُ؛ لأن نُقْصَانَ الجنين قد يكون من أَثَرِ الجِنَايَةِ، واللائق الاحْتِيَاطُ، والتَّغْلِيظُ على الجاني دون التخفيف.
وقوله في الكتاب: "كما يقدر إِسْلاَمُهَا وحريتها، إذا كان الجنين كذلك تقدير الإِسْلاَمِ إذا كان الجنين مُسْلِماً، وهي كافرة (2) قد ذكرناه فأما إذا كان الجَنِينُ حُرّاً، وهي رَقِيقَةٌ، كما إذا وَطِئَ أَمَةَ الغير بالشُّبْهَةِ، فَأوْلَدَهَا، فالواجب الغُرَّةُ، والغُرَّةُ مُسْتَغْنِيَةْ عن تقدير الحرية فيها، وكان المقصود أن الغُرَّة التي تَجِبُ تَتَقَدَّرُ بخمس من الإبِلِ التي هي عُشْرِ ديتها، لو كانت حُرَّةً، [والله أعلم].

" فُرُوع"

من مولدات ابن الحَدَّادِ وغيرها.
منها: الجارِيةُ المشتركة بين اثنين بالسَّوِيَّةِ، إذا حَبلَتْ من زَوْج، أو زِناً، وجَنَى عليها جَانٍ، فالقت الجَنِينَ مَيّتاً، فعليه عُشْرُ قيمة الأُمِّ للسيدين لأن الولد مشترك بينهما كالأم.790791

الجزء: 10 - الصفحة: 516

ولو جَنَى عليها أَحَدُ الشريكين، فألْقَتْ جَنِيناً مَيتاً، فعليه نِصْفُ عشر قيمة الأم للآخر، ويُهْدَرُ نَصِيبُهُ، ولو أنه أَعْتَقَهَا بعد ما جَنَى، ثم ألقت جنيناً، نظر: إن كان مُعْسِراً، ووقف العتق على نصيبه من الأُمِّ والجنين، فعليه نِصْفُ عُشْرِ قيمة الأم لشريكه، وهل يَلْزَمُهُ نِصْفُ الغُرَّةِ للنصف الحر؟ فيه وجهان: قال ابْنُ الحدَّادِ: لا؛ لأن وَقْتَ الجِنَايَةِ كان مِلْكاً له، وجِنَايَةُ الإنسان على مِلْكِهِ لا تُوجب ضَمَاناً.
وقال آخرون: نعم، وحكوه عن نَصِّهِ في "الأم"؛ لأن الجِنَايَةَ على الجنين إنما تَتَحَقَّقُ عند الإِلْقَاءِ، وهو حُرٌّ حينئذ.
والخِلاَفُ مَبْنِيٌّ على طريقين ذِكْراً في أن المُوجِبَ لِلضَّمَانِ هو الضرب، أو الإِجْهَاضُ: أحدهما: أن المُوجِبَ الضَّرْبُ؛ لأنه يُؤَثِّرُ في الجَنِينِ، أَلاَ تَرَى أنه يُرَى أَثَرُهُ عليه عند الإِجْهَاضِ، والانْفِصَالُ هو نهاية الجِنَايَةِ؟ فكان الضَّرْبُ كَقَطْعِ اليَدِ نحوه، والإِجْهَاضُ كالسِّرَايَةِ.
والثاني: أن المُوجِبَ الإجْهَاضُ؛ لأن الرَّحَمِ مَحِلُّ نَشْئِ الطِّفْلِ وتَرْبيته، وسبب الهَلاَكِ مُفَارَقَتُهُ دون الضَّرْب، لكن الضرب لما فيه من الإيلاَمِ يفضي إلى المُفَارَقَةِ، فيكون الاعْتِبَارُ بوقت المُفَاَرَقَةِ، وهذا كَحَفْرِ البئر في الطريق مَع التَّرَدِّي، فإن الحَفْرَ سَبَبُ مُفَارَقَةِ موضع السَّلَامَةِ، والتَّرَدِّي هو المُوجِبُ لِلهِلاَكِ، فكان الاعْتِبَارُ بوقت التَّرَدِّي.
فإن قلنا: الموجب الضَّرْبُ، فهو مَمْلِوكٌ له حينئذ.
وإن قلنا: المُوجِبُ الإجْهَاضُ، فيجب.
واعلم أن كَلَامُ أكثر الناقلين للمسألة يَمِيلُ إلى وجوب نِصفِ الغُرَّةِ، كَما حكى عن النص، وهو النص الذي نَقَلْنَاهُ عن "عُيُونِ المسائل" في فصل تَغَيُّرِ الحال بين الجُرْحِ والمَوْتِ.
والأوْلَى بالترجِيح ما رَجَّحَهُ الشيخ أبو عَلِيٍّ وجماعة 792، وهو أنه لا يَجِبُ نِصْفُ الغُرَّةِ، وأن المُوجِبَ الضَّرْبُ، لِتَاْثِيرِهِ في الجَنِينِ، كتأثير القَطْعِ في البَدَنِ، بخلاف الحَفْرِ الذي لا يُؤَثِّرُ في البَدَنِ.
وإذا قيل بِوُجُوبِ نِصفِ الغُرَّةِ، فلمن يكون ذلك؟ يبني على الخِلاَفِ في أن من بعضه حُرٌّ، وبعضه رَقِيقٌ، هل يورث؟ 793 إن قلنا: نعم، فهو لِوَرَثَتِهِ، ولا تَرِث الأمُّ منه شيئاً؛ لأن بَعْضَهَا رَقِيقٌ، ولا السيد؛ لأنه قَاتِلٌ.

الجزء: 10 - الصفحة: 517

وإن قلنا: لا، فهو لمالك النِّصْفِ، أو لبيت المَالِ؟ فيه خلاف.
وإلى الثاني ذهب الإِصْطَخْرِيُّ.
هذا إذا كان المُعْتِقُ مُعْسِراً، فإن كان مُوسِراً، فإن قلنا: السِّرَايَةُ 794 تَحْصُلُ بنفس الإِعْتِاقِ، أو قلنا: تَحْصُلُ بأداء القيمة، وأداؤها 795 قبل الإِجْهَاضِ، فعلى الجاني الغُرَّةُ، وتصرف إلى وَرَثَتِهِ.
وإن قلنا: تَحْصُلُ بأداء القِيمَةِ، ولم يُؤَدِّهَا حتى أَجْهَضَتْ، فالحكم كما ذَكَرْنَا فيما إذا كان مُعْسِراً.
فإن قلنا: إن العِتْقَ موْقُوفٌ، فإن أَدَّى القِيمَةَ تبين حُصُولُ العتق من وقت اللفظ، فيكون الحُكْمُ على ما إذا فَرَّعْنَا على أن السِّرَايَةَ تحصل بنفس اللَّفْظِ، وإن لم يُؤَدِّ، فكما ذَكَرْنَا فيما إذا كان المُعْتِقُ مُعْسِراً ولو كانت الصُّورَةُ بحالها لكن أعتق أحدهما نَصِيبَهُ، ثم جَنَى عليها، فألقت جَنِيناً ميتاً.
فأما إن جَنَى عليها المُعْتِقُ، أو الشَّريكُ الآخَرُ، أو غيرهما، وإن جَنَى عليها المُعْتِقُ، نظر إن كان مُعْسِراً بَقِيَ نَصِيبُ الشَّرِيكِ مِلْكاً له، فعليه للشَّرِيكِ نِصْفُ عشر قيمة الأُمِّ، وعليه النصف الذي عتق نِصْفُ الغُرَّةِ بلا خلاف، ولمن يكون ذلك؟ ينبني على الخِلاَفِ في أن من بَعْضُهُ حُرٌّ، وبعضه رقيق، هل يورث كما مَرَّ؟ وإن كان مُوسِراً، فإن قلنا: إن السِّرَايَةَ تَحْصُلُ بأدَاءِ القِيمَةِ أو قلنا بالتوقف وأَدَّى القيمة، فَيُغَرَّمُ المُعْتِقُ لشريكه نِصْفَ قيمة الأَمَةِ حَامِلاً، ولا يفرد الجنين بالقيمة، بل يَتبَعُ الأُمَّ في التَّقْوِيم، كما يَتْبَعُهَا في البَيْعِ، ويلزمه بالجناية الغُرَّةُ؛ لأن الجَنِينَ حُرٌّ، وتورَّث الأمُّ منها؛ لَأنها حُرَّةٌ، والباقي بعد نصيبها لِلْعَصَبَةِ، ولا شَيْءَ للمعتق؛ لأنه قَاتِلٌ.
وإن جَنَى الشَّرِيكُ الآخَرُ، فإن كان المُعْتِقُ مُعْسِراً، فَنِصْفُ الجنين مَمْلُوكٌ للجاني، ونصْفُهُ حُرٌّ، وإتْلاَفُهُ مِلْكَهُ مُهْدَرٌ، ويجب نِصْفُ غُرَّةٍ للنصف الحر.
ويعود الخِلاَفُ في أنه لمن يَكُونُ؟ فإن قلنا: مِنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ يُورَثُ، فالغُرَّةُ لِعَصَبَتِهِ، ولا شَيْءَ للأم؛ لأن بعضها رَقِيقٌ، فإن لم يكن له عَصَبَةٌ من الأَقَارَبِ، فهي لِلْمُعْتِقِ.
وإذا قلنا: لا يُورَثُ، فيكون لمالك البَعْضِ الآخَرِ، فلا يَجِبُ هاهنا شَيْءٌ؛ لأنه لو ثَبَتَ لثَبَتَ له، فإنه إنما يَأْخُذُ بحق المِلْكِ بالميراث، فلا يصير القَتْلُ مَانِعاً.
وإن كان المُعْتِقُ مُوسِراً، فإن قلنا: لا تَحْصُلُ السِّرَايَةُ إلا بأَدَاءِ القيمة، أو قلنا: بالتَّوَقَّفِ، ولم تزد القِيمَةُ، فالحكم كما إذا كان مُعْسِراً وإن قلنا: يُعْتَقُ باللفظ، أو قلنا:

الجزء: 10 - الصفحة: 518

بالتَّوَقُّفُ وأداء 796 القيمة، فللجاني على المُعْتِقِ نِصْف قيمتها حَامِلاً، وعلى الجِاني الغُرَّةُ، وتَرِثُهَا الأم والعَصَبَةُ.
وإن كان الجاني أَجْنَبِيّاً، فإن كان المُعْتِقُ مُعْسِراً، فقد أَتْلَفَ الأَجْنَبِيُّ جَنِيناً نِصْفُهُ حُرٌّ، ونصفه رقيق، فعليه نِصْفُ غرة، ونصف عشر قيمة الأم.
وإن كان المعتق مُوسِراً، وعتقَ كُلّه، فقد أَتْلَفَ الأجنبي جنيناً حُرّاً، وحُكْمُهُ بَيِّنٌ.
ولو كانت الجَارِيةُ كما وَصَفْنَا، وجَنَى عليها الشَّرِيكَانِ معاً، فأجْهَضَتْ، فعلى كل وَاحدٍ منهما للآخر رُبُعُ عُشْرِ قيمة الأم.
لأن كل واحد منهما جَنَى على مِلْكِهِ ومِلْكِ صَاحِبهِ، ونَصِيبُ كُلِّ واحد منهما تَلِفَ بفعليهما جميعاً، فَتُهْدَرُ جِنَايَتُهُ على مِلْكِهِ.
والحقَّانِ من جِنْسٍ وَاحِدٍ، فيكون على خِلَافِ التَّقَاصِّ.
وإن أَعْتَقَاهَا معاً بعد مَا جَنَيَا، أو وَكَّلاَ وَكِيلاً، فَأعْتَقَهَا بكلمة واحدة، ثم أَجْهَضَتْ، فقد عتق الجَنِينَ مع الأم قبل الإجْهَاضِ، فيضمن بالغرة، ولا تعتبر قِيمَةُ الأُمِّ، وفيما يجب على كُلِّ واحد منهما؟ وَجْهَانِ: قال ابْنُ الحَدَّادِ: يجب على كُلِّ وَاحِدٍ منهما ربع الغُرَّةِ، اعْتِبَاراً بحال الجِنَايَةِ، فكل واحد منهما مَالِكٌ للنصف حينئذ.
وقال غيره: يجب على كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهَا؛ اعْتِبَاراً بحال الإِجْهَاضِ، وهو حُرٌّ حينئذ، وللأم ثُلُثُ الوَاجبِ، والباقي لِلْعَصَبَهَ، ولا يَرِثُ السَّيِّدَانِ منها شيئاً؛ لأنهما قَاتِلاَن.
ولو جَنَى عليهاَ أحدهما، ثم أَعْتَقَاهَا، ثم أَجْهَضَتْ، فعلى قول ابن الحَدَّادِ، على الجاني نِصْفُ الغُرَّةِ؛ لأنه جَنَى، ونصفه له، وللشريك الأَقَلُّ من نِصْفِ الغُرَّةِ، ونصف عشر قيمة الأُمِّ.
وعلى قول غيره: عليه غُرَّةٌ كاملة؛ اعْتِبَاراً بيوم الإجْهَاضِ.
ومنها: إذا وَطِئَ الشريكان الجَارِيَةَ المشتركة، فَحَبِلَتْ، ثم جَنَى عليها جَانٍ، فَألْقَتِ الجَنِينَ مَيِّتاً، فإن كانا مُوسِرَيْنِ، فالجنين حُرٌّ، وعلى الجاني الغُرَّةُ، وهي لمن يُلْحِقُ القَائِفُ الجَنِينَ به.
فإن كانا مُعْسِرَيْنِ، فكل الولد حُرٌّ أو نِصْفُهُ؟ فيه قولان: أصحهما: الثاني.
وإذا قيل به، فعلى الجَانِي نِصْفُ الغُرَّةِ، ونِصْفُ عُشْرِ قيمة الأُمِّ، ونِصْفُ الغُرَّةِ لمن يُلْحِقُهُ القَائِفُ به، ونِصْفُ عُشْرِ القيمة للآخر.

الجزء: 10 - الصفحة: 519

ومنها: قال ابْنُ الحَدَّادِ: المُسْتَوْلَدَةُ الحَامِلُ من السَّيِّدِ، إذا جَنَتْ على نفسها، فأَلْقَتِ الجَنِينَ ميتًا، فلا ضَمَانَ، إن لم يكن لِلْجَنِيْنِ وارِثٌ سوى السيد؛ لأن جِنايَةَ المستولدة على سَيِّدِها، كَما سَبَقَ، وبدل الجنين [له] 797، فلو وَجَبَ الضَّمَانُ لوجب عليه لنفسه، فصار كما لو جَنَتْ 798 على مال السَّيِّدِ.
وإن كان له وارِثٌ آخر بأن كان لِلْمُسْتَوْلَدَةِ أم حُرَّةٌ، فعلى السيد أن يُغَرَّمَ لها الأَقَلَّ من قيمة المُسْتَوْلَدَةِ، أو سُدُسَ الغُرَّةِ.
قال الشيخ أبو عَلِيٍّ: ويحكي قول أنَّ عليه سُدُسَ الغُرَّةِ، إن زاد على قيمتها؛ بناء على أن أَرْشَ جِنايَةِ المُسْتَوْلَدَةِ على السيد بَالِغًا ما بَلَغَ.
ومنها: مات رَجُلٌ عن زَوْجَةٍ حَامِلٍ، وأخ من الأبوين، أو من الأب، وفي التركة عَبْدٌ، فَجَنَى العَبْدُ على الزَّوْجَةِ، فألقت الجَنِينَ مَيّتًا، ففيه الغُرَّةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِرَقَبَةِ العَبْدِ، ويكون للأم ثُلُثُهَا، وللعم ثُلُثَاهَا، لكن العَبْدَ مَلَكَهُمَا بالأرباع، والجَنِينُ بانْفِصَالِهِ مَيِّتًا خَرَجَ عن أن يكون له إِرْثٌ، والمالك لا 799 يَسْتَحِقُّ على مِلْكِهِ شَيْئًا، فيقابل ما يتعلّق بِمِلْكِ كل وَاحدٍ منهما بما يَسْتَحِقُّهُ بالإِرْثِ، والأخ يَمْلِكُ ثَلاَثَةَ أَرْباَعِ العَبْدِ، فيتعلق به ثلاثة أرباع الغُرَّةِ، وَيستَحِقُّ ثلثي الغُرَّةِ، فيذهب الثُّلُثَانِ بالثلثين، فيبقى نِصْفُ سُدُسِ الغرة متعلِّقًا بما يَمْلِكُهُ من العَبْدِ، والزوجة تَمْتَلِكُ رُبُعَ العبد، وَيتَعَلَّقُ به رُبُعُ الغُرَّةِ، وَيَسْتَحِقُّ ثلث الغُرَّة، فيذهب الرُّبُعُ بالربع، يبقى لها نِصْفُ سُدُسٍ مما يَتعلَّقُ بنصيب الأخ، فيفدي الأخُ ثَلاَثَةَ أَرْبَاعٍ العَبْدِ بنصف سُدُسِ الغُرَّةِ، ويصرف ذلك إلى الزوجة والفرع لابن الحَدَّادِ 800 أيضًا قد يُورَدُ جَوابُهُ بغير هذا الإِيرَادِ، ولا يَكادُ يختلف المقصود.

الجزء: 10 - الصفحة: 520

وقال الشيخ أبو علي -رحمه الله-: وعلى قِيَاسِهِ لو كانت المَسْأَلَةُ بالأثْلاَثِ أيضًا، والعبد بينهما بالأثْمَانِ، فيملك الابن سَبْعَةَ أَثْمَانِ العَبْدِ، وَيتَعَلَّقُ به سبعة أثمان الغُرَّةِ، فيذهب الثُّلُثَانِ بالثلثين، ويبقى ما بين ثُلُثَيِ الغُرَّةِ، وسبعة أثمانها، والتَّفَاوُتُ بخمسة أَسْهُم من أربعة وعشرين سهمًا، وذلك بأن يُضْرَبَ مَخْرَجُ الثلثين في مَخْرَج الثُّمُنِ، فيحصل أربعة وعشرة وثلثا أربعة وعشرين ستة عشر وسبعة أثمانه أحد وعشرون، فالتَّفَاوُتُ بينهما بخمسة.
والزَّوْجَةُ تَمْلِكُ 801 ثَمَنَ العَبْدِ، وَيتَعَلَّقُ به ثَمَنُ الغُرَّةِ، وهو ثلاثة أَسْهُمٍ، ويستحقُّ ثلثها، وهو ثَمَانِيَةُ أسهم، فيذهب ثَلاَثَةُ أَسْهُمٍ بثلاثة أسهم، يبقى خمسة أسهم، فَيَفْدِي الابن سَبْعَةَ أَثْمَانِ العَبْدِ بخمسة أسهم من أربعة وعشرين سَهْماً من الغُرَّةِ، ويُصْرَفُ ذلك إلى الزوجة.
ومنها: قال ابن الصباغِ: إذا جَنَى حُرٌّ أُمُّهُ عَتِيقَةٌ، وأَبُوهُ رقيق على امْرَأَةٍ حامل، ثم أُعْتِقَ أبوه، فانْجَرَّ وَلاَؤُهُ من مُعْتِقِ الأُمِّ إلى مُعْتِقِ الأب، ثم أَجْهَضَتِ الحَامِلُ، فعلى قياس قول ابن الصَّبَّاغ 802 يتحمل بَدَلَ الجنين مَوْلَى الأم؛ اعتبارًا بحال الجِنَايَةِ، وعلى قياس قَوْلِ غَيْرِهِ: يَتَحَمَّلُ مَوْلَى الأب؛ اعتبارًا بحالة الإجهاض.
ومنها: إذا أَحْبَلَ المُكَاتَبُ أَمَتَهُ، فَجَنَى عليها، فأَجْهَضَتْ، وجب في الجنين عُشْرُ قيمة الأُمِّ؛ لأنها مَمْلُوكَةٌ بَعْدُ.
قال الغَزَالِيُّ: الطَّرَفُ الثَّالِثُ في صِفَةِ الغُرَّةِ وَهُوَ رَقِيقٌ سَلِيمٌ مِنْ عَيْبٍ يَثْبُتُ الرَّدُّ فِي البَيْعِ سِنُّهُ فَوْقَ سَبْعٍ وَدُونَ خَمْسَ عَشْرَةَ إنْ كَانَ غُلامًا، وَدُونَ العِشْرِينَ إِنْ كانَتْ أُنْثَى، وَقِيلَ: تُؤْخَذُ الكَبِيرَةَ مَا لَمْ تَضْعُفْ بِالهَرَمِ، وَفِي نِفَاسَةِ قِيمَتِهَا وَجْهَانِ: (أحَدُهُمَا): أنَّهُ لاَ تَقْدِيرَ فِيهِ بَعْدَ وُجُودِ السِّنِّ والسَّلاَمَةِ (والثَّانِي): أنَّهُ لا يَنْبَغِي أَنْ يُنْقَصَ عَنْ قِيمَةِ خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ لِأَنَّا عِنْدَ العَقْدِ نَرْجِعُ إلَى خَمْسٍ مِنَ الإِبِلِ فِي القَوْلِ الجَدِيدِ، وَفِي القَدِيمِ نَرْجِعُ إلَى قِيمَةِ الغُرَّةِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: لا يَتَعَيَّنُ لِلْغُرَّةِ نَوْعٌ من الرقيق، بل يُجْبَرُ المُسْتَحِقُّ على قَبُولِهِ من أَيِّ = الغرة متعلقًا بحصته من العبد هذا ليس بمستقيم وإنما يبقى سدس الغرة ويتعلق ذلك بحصة الزوج من العبد، وقد قال في الزوجة: يبقى لها نصف سدس الغرة، وقد وقع الخلل في هذا الفرع في مواضع نبهت عليه في مواضعها والصواب أن يقال نصف سدس الغرة أو يبقي حصته من الغرة متعلقا بنصيب الزوجة وكذا قال أبو الطيب: وقد بسطته في الفوائد.
انتهى وأخذ في الخادم كلام شيخه وزاد عليه، واعتذر عن الشيخين بشيء فيه نظر.

الجزء: 10 - الصفحة: 521

نَوْعٍ كان، ويُجْبَرُ على قُبُولِ الذَّكَرِ والأُنْثَى؛ لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم-: "قَضَى في الجَنِينِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ" 803. والنظر في ثلاث صِفَاتٍ: إحداها: تُعْتَبَرُ السَّلاَمَةُ عن العُيُوب التي تُثْبِتُ الرَّدَّ في البَيْع، بخلاف الإعْتَاقِ 804 في الكَفَّارَةِ، حيث يُجْزِئُ إِعْتَاقُ المعيب 805 بِعَيْبٍ لا يَضُرُّ بالعمل؛ لأن الكَفَّارَةَ حَقُّ الله تعالى، والغُرَّةُ حَقُّ الآدَمِيِّ، وحقوق الله تعالى [مبيِنَّةٌ] 806 على المُسَاهَلَةِ: وأيضًا، فإنه وَرَدَ لفظ "الغرة"، والغُرَّةُ الخِيارُ، والمَعِيبُ ليس من الخِيَارِ.
ولا يُجبَرُ المُسْتَحِقُّ على قَبُولِ الخَصِيِّ والخُنْثَى والكَافِرِ.
ولو أوصى 807 بِقَبُولِ المَعِيبِ، وسامح، جَازَ.
ويجوز أن يُعْلَمَ لفظ "السَّلِيم" فيِ الكتاب بالحَاءِ؛ لأن عند أبي حَنِيْفَةَ يُجْبَرُ على قُبُولِ المَعِيبِ، إذا لم تَنْقُصْ قِيمَتُهُ عن خَمْسٍ من الإِبِلِ، أو خمسين دينارًا.
الثانية: لا يُجْبَرُ على قَبُولِ من لم تَبلُغ سِنُّهُ سَبْعًا؛ لأن الغُرَّةَ الخِيَارُ، وأنه ليس من الخِيارِ لِحاجَتِهِ إلى من يَتَعَهَّدُهُ، وعدم استقلاله.
ويخالف الكَفَّارة، حيث يُجْزِئُ فيها إِعْتِاقُ الصَّغِيرِ؛ لأن الوارد هناك لفظ "الرقبة"، والرَّقَبَةُ تشمل الصَّغِيرَ والكَبِيرَ.
واعلم أن لفظ الشَّافِعِيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- في "المختصر" ولمن وَجَبَتْ له الغُرَّةُ ألا يَقْبَلَها دون سَبْعِ سنين أو ثمان، فمن الأصحاب من يُتابِعُهُ في اللفظ، ومنهم من اقْتَصَرَ على أنه لا يُجْبَرُ على قَبُول من سَنُّهُ دون سبع سنين، ولا يتعرض للثمان؛ لأن من هو دون سبع، فهو دون ثَمَانٍ وليست كلمة أو للترديد 808 في أن الذي لا يقبل من نقص عن سبع، أو ثمان بالاتِّفَاق ويمكن أن يُقَالَ: المَقْصُودُ أنه لا يقبل من هو دون سن التَّمْيِيزِ، وسن التمييز سبع أو ثمان، ويختلف باخْتِلاَفِ حَالِ الصِّبْيَانِ، ولا يُجْبَرُ على قبول من بَلَغَ سِنَّ التمييز، ولا تَمْيِيزَ له؛ لأنه مَعِيبٌ، وأَمَّا في طَرَفِ الكِبَرِ، ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يُؤْخَذُ الغُلاَمُ بعد خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً؛ لأنه لا يدخل على النِّسَاءِ بعد ذلك، ولا الجَارِيَةُ بعد عشرين سَنَةً؛ لأنها تَتَغَيَّرُ 809 وتنقصُ قيمتها بذلك.

الجزء: 10 - الصفحة: 522

ويروى هذا عن ابن أبي هُرَيْرَةَ.
وفي "البيان": أن بعض الأَصْحَابِ جعل الحَدَّ، العِشْرِينَ في الغُلاَمِ، والجَارَيَةِ جميعًا.
والثاني: أنهما يُؤْخَذَانِ، وأن جاوز السِّتِّينَ ما لم يَضْعُفَا، ولم يَخْرُجَا عن الاستقلال بالهَرَمِ؛ لأن كَمالَ المَنْفَعَةِ والقوة إنما يكون بعد الستين.
ونَظْمُ الكتاب يُشْعِرُ بترجيح 810 الأَوَّلِ من الوجهين.
وإليه ذهب أبو الفرج الزَّاز، والقاضي الروياني، وجَمَاعَةٌ، والأصح عند صاحب "التهذيب" الثاني، وبه قال الشيخ أبو حَامِدٍ، والقاضي أبو الطيب وغيرهم، وحَكَوْا ذلك عن النَّصِّ.
الثالثة 811: هل يَتَقَدَّرُ لِلْغُرَّةِ قِيمَةٌ؟ فيه وجهان أَوْرَدَهُمَا في الكتاب: أحدهما: لا، بل إذا وجدت السَّلاَمَةُ والسن، وَجَبَ القَبُولُ، قَلَّتْ قيمتها أو كَثُرَتْ؛ لإطلاق من لفظ العَبْدِ والأمَةِ في الخَبَرِ.
وأصحهما: الذي أَورَدَهُ المُعْظَمُ أنه ينبغي أن تَبْلُغَ قيمتها نِصْفَ عُشْرِ الدية، وهي خَمْسٌ من الإبِلِ.
روي ذلك عن عُمَرَ، وزَيْدِ بن ثابتٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- وذكروا أنه لا مُخَالِفَ لهما.
ووَجَّهَ أيضًا بأنه لا سَبِيلَ إلى تكميل الدِّيَةِ؛ لأنه لم تَكّمُلْ له الحَيَاةُ، ولا وَجْهَ للإهدار، فَقُدِّرَ واجِبُهُ بِأَقَلِّ ما ورد الشَّرْعُ بإيجابه في الديات والأروش، وهو خمس من الإبل، أوجبها الشرع في المُوضِحَةِ، وفي السن، واعتذروا عن الأنملة حيث يجب فيها ثَلاَثَةُ وثلث بأن الشرع لم يَرِدْ بذلك في الأَنْمَلَةِ برأسها، ولكن بين ما يجب في الأصبع، فوزع الواجب على أجزائها.
ومهما وجدت الغُرَّةُ بالصفات المعتبرة لم يُجْبِرَ المُستَحِقُّ على قَبُولِ غيرها، كما إذا وجدت الإبِلُ في الدية [الاعْتِياضُ عنها بالتَّرَاضِي كالاعتياض عن إبل الدِّيَةِ] 812، وإذا لم توجد الغرة 813، فطريقان: أظهرهما: أن فيه قولين: أصحهما: أنه يجب خَمْسٌ من الإِبِلِ؛ لأنها مُقَدَّرَةٌ بخمس من الإِبِلِ، فإذا فقدت أَخَذَتْ ما هي مُقَدَّرَةٌ به.
ويُروَى ذلك عن زَيْدِ بن ثَابِتٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ 814 -.

الجزء: 10 - الصفحة: 523

ولَأَنَّا لو أَوْجَبْنَا قِيمَةَ الغُرَّةِ، لم نَأْمَنْ أَنْ تَبْلُغَ دية كاملة، وتزيد عليها.
والثاني: أن المَعْدُولَ إليه عند الفَقْدِ القِيمَةُ، كما لو غَصَبَ عَبْدًا، فأَبقَ أو تَلِفَ، ويقال: إن هذا مُخَرَّجٌ من تَقْوِيمِ الإِبِلِ في الدية إذا فقدت، وكذلك حُكِيَ عن الشيخ أبي حَامِدٍ وغيره أنه القول الجَدِيدُ، وأن مُقَابِلَهُ، وهو التقدير بخمس من الإِبِلِ القَدِيمُ، وعن الفَوْرَانِيِّ عَكْسُهُ.
والطريق الثاني: القَطْعُ بوجوب خَمْسٍ من الإِبِلِ، وإذا قلنا به، وفقدت الإبل، فكان 815 كما لو فُقِدَتِ الإبِلُ في الدية، فعلى الجَدِيدِ يجب قِيمَتُها، وعلى القديم يجب خَمْسُونَ دينارًا، أو ستمائة درهم 816. وقوله في الكتاب: "ودون خمس عشرة" يجوز أن يُعلَمَ لفظ "خمس عشرة" بالواو لِلْوَجْهِ الذي ذكرناه 817 في التَّحْدِيدِ بالعِشْرِينَ في حَقِّ الغُلاَمِ أيضًا.
وقوله: "لأنا عند الفَقْدِ نرجع إلى خمس من الإبِلِ في القول الجديد" يشير إلى بِنَاءِ الوَجْهَيْنِ في أنه هل تُعْتَبَرُ نَفاسَتُهُ بالقيمة؟ على القولين في أنه هل يُرْجَعُ عند العَقْدِ 818 إلى بَدَلٍ 819 مُقَدَّرٍ، وهو متوجّه، وجعل الرجوع إلى خَمْسٍ من الإِبِلِ القول الجديد يوافق ما ذكرناه 820 عن الفَوْرَانِيِّ.
[وذكرنا] 821 أن منهم من يَقُولُ: إنه القول القَدِيمُ، كما أن الرُّجُوع إلى المقدر عند فِقْدانِ الإبِلِ هو القول القديم، وفي الجديد يرجع إلى القِيمَةِ من غير تَقْدِيرٍ، وعلى هذا، فالمسألة مما يرجح فيه القديم؛ لأنهم جعلوا الأظْهَرَ الرُّجُوعَ إلى خمس من الإِبِلِ [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: ثُمَّ تُصْرَفُ الغُرَّةُ اِلَى الجَنِينِ وَهُوَ الأُمُّ والعَصَبَةُ، وَتَلْزَمُ عاقِلَةُ الجَانِي إِذْ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ قَتْلُ الجَنِينِ عَمْدًا إِذْ لا تُتَيَقَّنُ حَيَاتُهُ بِحَالٍ، وَأَرْشُ أَلَمِ الأُمِّ يَنْدَرجُ تَحْتَ الغُرَّةِ إِنْ لَمْ يَبْقَ شَيْنٌ، فَإنْ بَقِيَ وَجَبَ حُكُومَةُ الشَّينِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في هذه البقية مسألتان:

الجزء: 10 - الصفحة: 524

إحداهما: فيمن يصرف إليه الغُرَّة، وفيمن تُؤْخَذُ منه.
أما من تُصْرَفُ إليه فَوَرَثَةُ الجَنِينِ، فتأخذ الأُمُّ نَصِيبَها إن كانت حَيَّةً عند انْفِصَالِ الجَنِينِ وحرة، والباقي للأب، فإن لم يكن، فلسائر العَصَباتِ.
ولو كان قد مات مورثٌ للجنين، وَوَقَفْنَا له شَيْئًا، فلا يجعل المَالُ المَوْقُوفُ لِوَرَثَةِ الجنين، بل يكون لِوَرَثَةِ ذلك المُوَرّثِ بخلاف الغُرَّةِ، تقدر فيها حياته تَغْلِيظًا على الجاني.
ولو جَنَتِ الحَامِلُ على نفسها بشُرْبِ دَواءٍ وغيره، فلا شَيْءَ لها من الغُرَّةِ المَأْخُوذَةِ من عاقلتها؛ لأنها قَاتِلَةٌ، وإنما هي لسائر وَرَثَةِ الجنين.
وأما من تُؤْخَذُ منه، فالجِنايَةُ على الجنين قد تكون خَطَأً مَحْضًا بأن يقصد غير الحامل فيصيبها، وقد يكون عَمْدَ خَطَأٍ، بأن يَقْصِدُ ضَرْبَها، ويضربها بما لا يُؤَدِّي إلى الإِجْهَاضِ غالبًا، فأَدَّى إليه، ولا يكون عَمْدًا مَحْضًا؛ لأنه لا يُتَيَقَّنُ وُجُودُهُ وحَيَاتُهُ، حتى يقصد، هذا هو الظَّاهِرُ المَشْهُورُ.
وفي "المهذب" أنه قد يكون عَمْدًا مَحْضًا إذا قصد الإِجْهَاضَ، ونحا 822 صاحب "التهذيب" نحوه.
وذكر ابن الصَّبَّاغِ أن أبا إِسْحَاقَ قال: إنه وإن قَصَدَهَا بالضَّرْبِ يكون خَطَأً في حَقِّ الجنين؛ لأنه لا يباشر بالجناية.
وإذا قلنا بالظاهر، فسواء كانت الجِنايَةُ خَطَأً أو عَمْدَ خَطَأٍ، فالغرة على العاقلة، كما وَرَدَ في الخَبَرِ.
قال في "الشامل": والغرة بَدَلُ نَفْسٍ، فلا يَجِيءُ فيها القَوْلُ القديم فيما دون النفس، لكن في "جمع الجَوَامِعِ" للقاضي الروياني أن بَعْضَهُمْ أَثْبَتَ فيها القَوْلَ 823 القديم في أن ما دُونَ ثلث الدِّيَةِ لا يُضْرَبُ على العَاقِلَةِ.
والمذهب الأول.
وإذا فُقِدَتْ الغُرَّةُ، وقلنا بالانْتِقَالِ إلى خَمْسٍ من الإبِلِ، فيغلظ إذا كانتِ الجِنايَةُ عَمْدَ خَطَأً بأن تُؤْخَذُ حِقَّةٌ ونصف وجَذَعَةٌ ونصف، وخَلَفَتَانِ، حُكِيَ ذلك عن الأُسْتَاذِ أبي طَاهِرٍ الرّيَادِيِّ، وتابعه الأَئِمَةُ، ولم يَتَكَلَّمُوا في التَّغْلِيظِ عند وجود الغُرَّةِ، إلا أن الرُّويانِيَّ قال: ينبغي أن يُقَالَ: تجب غُرَّةٌ قيمتها نِصْفُ عُشْر الدِّيَةِ المُغَلَّظَةِ، وهذا حَسَنٌ.

الجزء: 10 - الصفحة: 525

ويجوز أن يُعْلَمَ؛ لما بينا قوله في الكتاب: "ويلزم عاقِلَة الجَاني" بالواو.
وكذا قوله "إذ لا يُمْكِنُ أن يكون قَتْلُ الجنين عَمْدًا".
وذكر صاحب الكتاب في "الوسيط" أنه لو كان عدد العاقلة لا يَفِي إلا بالنِّصْفِ، فعليهم نِصْفُ قِيمَةِ الغُرَّةِ، لا قيمة نصف الغرة، وبينهما فَرْقٌ، إذ الغُزَّةُ ربما تُسَاوِي أَلْفاً، والنصف يُوجَدُ بأربعمائة، فالوَاجِبُ عليهم نِصْفُ قيمة الكل، وهو خمسمائة.
ولك أَن تقول: نعم بينهما فَرْقٌ، لكن هذا كلام قَلِيلُ النَّوْلِ 824؛ لأن الذي يحمله كُلُّ واحد منهم مَعْلُومٌ مَضْبُوطٌ، وجملة ما يحملونه تَخْتَلِفُ باختلاف عَدَدِهِمْ، فإن لم يَفِ عَدَدُهُمْ إلا بقيمة النِّصْفِ، لم يحملوا أكْثَرَ من قيمة النِّصْفِ، وإن وَفَّى بنصف القيمة أو أكثر، حملوا ذلك.
هذا كُلُّه في الغُرَّةِ.
أَما بَدَلُ الجنين الرَّقِيقِ، فَيُصْرَفُ إلى السَّيِّدِ، وهل يتَحملهُ العَاقِلَةُ؟ فيه القولان المذكوران في بَدَلِ العَبْدِ.
المسألة الثانية: إذا جَنَى على الحامل بقطع طَرَفٍ أو جِرَاحَةٍ أخرى، فأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا، يجب مع ضَمانِ الجنين ضَمانُ الجِنايَةِ حُكُومَةً كان أَو أَرْشًا مقدرًا، ويكون ضَمانُ الجِنايَةِ لها.
ولو تأَلَّمَتْ [بالضرب] 825 وألقت الجَنينَ، فإن لم يَبْقَ شَيْنٌ لم يجب لِلألَمِ شَيْءٌ، وإن [بقي] 826 شَيْنٌ، فوجهان: أحدهما: أنه لا يَجِبُ مع الغُرَّةِ شَيْءٌ، كما لا يجب لِلألَمِ.
وأصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه يجب حُكُومَةُ الشَّيْنِ مع الغرة، كما يجب ضَمَانُ الجِرَاحَةِ.
وقوله: "وأَرْشُ أَلَم الأم يَنْدَرجُ تحت الغُرَّةِ"، وهذه اللفظة إنما تَنْطَبِقُ على قولنا بوجوب الحكومة في الجِرَاحَةِ التي تعقب شَيْنًا، أو نُقْصَانًا.
والمَقْصُودُ أنه لا يَجِبُ مع الغُرَّةِ شَيْءٌ على ما بَيَّنَّا.
"خاتِمَةٌ": إذا سقط "الجَنِينُ مَيّتًا" وادْعَى وَارِثُهُ على إِنْسَانٍ أنه سَقَطَ بِجِنايَتهِ، فأنكر أَهْلَ الجناية، فهو المُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ، وعلى المُدَّعِي البَيَّنَةُ، ولا تُقْبَلُ فيه إلا شَهَادَةُ الرِّجَالِ.

الجزء: 10 - الصفحة: 526

وإن أَقَرَّ بِالجَنَايَةِ، وأنكر إِسْقَاطَهَا الجَنِينِ وَحَمْلَها، وقال: إِنَّ السَّقْطَ مُلْتَقَطٌ، فكذلك وهو المُصَدَّقُ، وعلى المدعي البَيِّنَةُ، وتقبل فيه شَهادَةُ النساء، فإن الإسْقَاطَ كالوِلاَدَةِ لا يَطَّلِعُ عليه غالبًا إلا النِّسَاءُ.
وإن أَقَرَّ بِالجِنَايَةِ والإسقاط، وأنكر كَوْنَ السُّقُوطِ بسبب الجناية، فينظر: إن أسقطت عَقِيبَ الجِنَايَةِ، فهي المُصَدَّقَةُ باليمين، سواء قال: إنها شَرِبَتْ دَوَاءً، أو ضرب بَطْنَها إِنْسَانٌ آخر، أو قال: حَانَ وَقْتُ وِلاَدَتِهَا، ولذلك انْفَصَلَ الوَلَدُ؛ لأن الجِنايَةَ سبب ظَاهِرٌ في الإسْقَاطِ، والأصل أنه لم يوجد سَبَبٌ آخر، والوِلاَدَةُ قد تَتَقَدَّمُ، وقد تَتأَخَّرُ، فلا يصرف السُّقُوط عن الجِنايَةِ الظاهرة بِأَمْرٍ محتمل.
وإن أَسْقَطَتْ بعد مُضِيِّ مدة في وَقْتِ الجِنَايَةِ، فهو المُصَدَّقُ باليمين؛ لأن الظاهر معه، إلا أن تُقِيمَ بَيِّنَةً على أنها لم تَزَلْ ضَمِنَةً مُتَأَلِّمَةٌ حتى أَسْقَطَتْ.
ولا تُقْبَلُ هذه الشَّهَادَةُ إلا من رَجُلَيْنِ.
وضبط صاحب "التتمة" المدة المُتَخَلِّلَة بما يَزُولُ فيه ألَمُ الجِنَايَةِ.
وأَثَرُها غالبًا.
وإن اتَّفَقَا على أن الجَنِينَ سَقَطَ بجنايته، وقال الجاني: إنه سَقَطَ مَيِّتًا، وقال الوارِثُ: بل حَيًّا، ثم مات، فالواجِب الدِّيَةُ، فعلى الوارِثِ البَيِّنَةُ على ما يَدَّعِيهِ من الحَيَاةِ والاسْتِهْلاَلِ وغيره، ويقبل فيه شَهَادَةُ النساء؛ لأن الاسْتِهْلاَلَ حينئذ لا يَطَّلِعُ عليه إلا النِّسَاءُ غالبًا كالوِلاَدَةِ.
وعن حكايته الرّبيع أنه لا يُقْبَلُ إلا من رَجُلَيْنِ، وإن أقام كُلُّ واحد منهما بَيِّنَةً على ما يقوله، فَبَيِّنَةُ الوارِثِ أوْلَى؛ لأنها تَخْتَصُ بزيادة عِلْمٍ، وهي الحياة.
ولو اتَّفَقا على أنه انْفَصَلَ حيًا بِجنايَتِهِ، وقال الوارِثُ: مات بالجناية، وقال الجاني: بل بِسَبَبٍ آخر، فإن لم يَمْتَدَّ الزَّمَانُ، فالمُصَدَّقُ الوارث بيمينه؛ لأن الجِنايَةَ سَبَبٌ صَالِحٌ، ولم يظهر سَبَبٌ آخر، فكان المَوْتُ مُحَالًا عليه.
وإن امْتَدَّ الزَّمَانُ، فالمُصَدَّقُ الجاني بيمينه، إلا أن يقيم الوارِثُ بَيِّنَةً على أنه لم يَزَلْ مُتأَلِّماً إلى أَن مات.
ولو أَلْقَتْ جَنِينَيْن، وادَّعَى الوَارِثُ حَيَاتَهُمَا، وأنكر الجاني حَياتَهُمَا فأقام 827 الوارث بَيِّنَةً 828 على اسْتِهْلالِ أحدهما.
قال في "التتمة": الشهادة مَسْمُوعَةٌ، ثم إن كانا ذَكَرَيْنِ، فتجب ديَةُ رَجُلٍ وغُرَّةٌ، وإن كانا أنثيين فَدِيَةُ امْرَأَةٍ؛ وغرة، وإن كان أحدهما ذَكَرًا والآخر أُنْثَى، فيوجب

الجزء: 10 - الصفحة: 527

المتيقن (1)، وهو دِيَةُ امرأة وغُرَّةٌ.
ولو سلم الوارث اسْتِهْلاَلَ أَحدهما، وكان أَحدهما ذَكَرًا، والآخر أُنْثَى، فقال الوارث: إنما اسْتَهَلَّ الذَّكَرُ، وقال الجاني: بل الأُنْثَى، فالمُصَدَّقُ بيمينه الجانِي (2)، وَيحْلِفُ على نَفْي العلم باسْتِهْلاَلِ الذَّكَرِ، ويحكم بِدِيَةِ امرأة وغرة فإن صدق الجَانِي الوارِثَ على اسْتِهْلاَلِ الذَّكَرِ، وكذبت العَاقِلَة، فعلى العَاقِلَةِ دِيَةُ أُنثى، وحكومة (3)، والباقي في مَالِ الجَانِي.
ولو أَلْقَتْ جنينين حَيَّيْنِ وَمَاتَا، وماتت الأُمُّ بينهما، ورثت الأمُّ من الأول، ووَرِثَ الثاني من الأُمِّ، فقال وارث الجنينين، ماتت الأُمُّ أوَّلاً، فَوَرِثَها الجَنِينُ، ثم مات الجَنِينُ فورثته، وقال وَارِثُ الأُمِّ: مات الجَنِينُ أوّلاً، وورثت الأُمُّ الوَاجِبَ بالجناية، ثم ماتت، فَوَرِثَتْ مِنها، فإن كان لأحدهما بَيِّنَةٌ حُكِمَ بها، وإلا فإن حلف (4) أحدهما ونَكَلَ الآخر حُكِمَ بيمين الحالِفِ، وإن حَلَفَ أو نَكَلاَ لم نورث أَحَدَهُمَا من الآخر؛ لأنه عَمِيَ مَوْتُهُمَا، وما تَرَكَهُ كُلُّ واحدٍ منهما لِوَرَثَتِهِ الأَحْيَاء، والله أعلم.

بَابُ كَفَّارَةِ القَتْلِ

قال الغَزَالِيُّ: كُلُّ حَيٍّ مُلْتَزَمٌ إِذَا قَتَلَ قَتْلاً غَيْرَ مُبَاحٍ آدَمِيًّا مَعْصُومًا فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلا إِطْعَامَ عَلَى المَذْهَب، نَعَمْ لَوْ مَاتَ فَفِي كُلِّ يَوْمٍ مُدُّ كَما فِي رَمَضَانَ، فَيَجِبُ الكَفَّارَةُ بِالخَطَأِ وَحَفْرِ البِئْرِ، وَعَلَى الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، وَلا يَجِبُ فِي قَتْلِ الصَّائِلِ وَمَنْ عَلَيْهِ القِصَاصُ والرَّجْمُ وَلاَ عَلَى حَرْبِيٍّ، وَفِي وُجُوبِهِ عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ أَوْ حَفَر بئْرًا فَتَرَّدَّى فِيهِ غَيْرُهُ بَعْد مَوْتهِ وَجْهَانِ، إِذْ يَبْعُدُ إِنْشَاءُ عِبَادَةٍ عَلَى مَيِّتٍ بَعْدَ المَوْتِ، وَلا كَفَّارَةَ فِي قَتْلِ نِسَاءِ أَهْلِ الحَرْبِ وَذَرَارِيهِمْ، وَيجِبُ فِي المُعَاهَدِ والمَمْلُوكِ إِذَا قَتلَهُ السَّيِّدُ لِوُجُودِ العِصْمَةِ، وَكَذَا فِي المُسْلِم وإِنْ كانَ فِي دَارِ الحَرْبِ، فَإِذَا رَمَى إِلَى صَفِّ الكُفَّارَ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّ فِيهِم مُسْلِمًا فأَصَابَ فَعَلَيْهِ الكَفَّارَةُ وَلا دِيَةَ، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ فِيهِمْ مُسْلِمًا وَلَمْ يَقْصِدْهُ لَزِمَهُ الدِّيَةُ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ كَمَا لَوْ قَصَدَ شَخْصًا بِعَيْنِهِ وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ الرَّمْيِ فَفِي دِيَتِهِ قَوْلاَنِ إِذَا كَانَ فِي صَفِّ الكُفَّارِ، وَالشَّرِيكُ فِي القَتْلِ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ كَامِلَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ إِذِ العِبَادَةُ لا تَتَجَزَأُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: سبق في أوَّلِ الجِرَاحِ أن كَبيرَةَ القَتْلِ يَتَعَلَّقُ بها مع القِصَاصِ، أو الدية الكَفَّارَةُ، وقد يَسَّرَ الله -تَعالى- الفَرَاغَ من الكلام في القِصَاصِ والدِّيَةِ.829830831832

الجزء: 10 - الصفحة: 528

وأما الكَفَّارَةُ 833 فالأَصْلُ فيها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] وعن واثِلَةَ بن الأَسْقَعِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: أتينا النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- في صَاحِبٍ لنا قد اسْتَوْجَبَ النَّارَ بالقَتْلِ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أعْتِقُوا رَقَبَةً يَعْتِقِ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ" 834. واعلم أن مَسَائِلَ الباب في الكتاب يَرْتَبِطُ بعضها ببعض ارْتباطًا شَدِيدًا، لا يَحْسُنُ حَلُّ رَوابِطِها إلا بعد الوُقُوفِ على فِقْهِهَا.
والباب خَفِيفُ المُؤْنَةِ في نفسه، فَرَأَيْتُ أن آتى بمسائله جَمَّةً 835 في فصل، وأَعُود إلى ما يَتَعَلَّقِ بِنَظْمِ الكتاب، وحلّه في فصل آخر.
أما الفصل الأول، فالكَلاَمُ على ما رتَّبَ في "الوسيط" في الواجب والمُوجِبِ.
أما الواجب فَكَفَّارَةُ القَتْل مرتبة، فعليه إِعْتاقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فإن لم يجد فصيام شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ بالنص، فإن 836 لم يَسْتطِعْ، فهل عليه إِطْعَامُ ستين مسكينًا؟ فيه قولان: وقال القَفَّالُ في "شرح التلخيص": وجهان، وأنكر على صاحب "التلخيص" رِوايَةَ القولين: أحدهما: أنه يَجِبُ؛ لأنها كَفَّارَةٌ تَشْتَمِلُ على الإعْتاقِ، وعلى صيام شهرين مُتَتابِعَيْنِ، فأشبهت كَفَّارَةَ الظِّهَارِ والوِقاعِ في [نهار] 837 رمضان.

الجزء: 10 - الصفحة: 529

وأيضًا فإن الإطْعَامَ مَذْكُورٌ في آية الظِّهَارِ، فتحمل كَفَّارَةُ القَتْلِ عليها، كما أن الرَّقبةَ في آية القَتْلِ لما كانت مُقَيَّدَةً بالإيمان حَمَلْنا الرَّقَبَةَ المطلقة في كَفَّارَةِ الظِّهَارِ عليها.
وأصحهما: المَنْعُ؛ لأن الآية لم تَتَعَرَّضْ إلا للإعتاق والصِّيَام، فلا يُلْحَقُ بهما خَصْلَةٌ ثالِثَةٌ، كما أن آيَةَ الظِّهَارِ لما كان فيها ذِكْرُ الخِصَالِ الثلاث لمَ تَرِدْ عليها خَصْلَةُ رابِعَةٌ.
وإنما اعتبرنا الاِيمانَ في كَفَّارَةِ الظِّهَارِ؛ لأن الرَّقَبَةَ المذكورة في الآيَتَيْنِ مُطْلِقَةٌ في إحداهما، ومُقَيَّدَةٌ في الأخرى، فحملنا الإِطْلاَقَ على التَّقْيِيدِ، والإطعام مَسْكُونٌ 838 عن أَصْلِهِ في إحداهما، والمسكوت 839 لا يحمل على المذْكُورِ، كما أن الله -تعالى- نَصَّ في آية التيمُّم على عُضْوَيْنِ، وسكت عن عُضْوَيْنِ، ونصَّ في آية الوُضُوءِ على أربعة أَعْضَاء، فلم تُحْمَلْ آية التيمم على آية الوُضُوءِ وعلى هذا فقد ذكرها هنا، وفي "الوسيط" أنه لو مات قبل أن يَصُومَ يخرج من تَرِكَتِهِ لكل يَوْمٍ مُدلا بطريق البَدَلِيَّةِ، بل كما تخرج الفِدْيَةُ إذا فات صَوْمُ رمضان.
والقول في صِفَةِ الرَّقَبةِ، والصيام، وكيفية الإِطْعَامِ إن أَوْجَبْنَاهُ 840، وما يجوز

الجزء: 10 - الصفحة: 530

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = عليه أن يستأنف الشهرين، ويلغي ما صَامَهُ.
ولا خلاف بينهم أيضًا في أنَّ التتابع لا ينقطع بالحيض متى باشرت المرأة الصوم عقب الطهر، ولم يفصل ذلك بفاصل؛ لأن الْحَيْض لا يمكن التحرز منه في أثناء الشهرين.
إلا إذا أخرت الصوم إلى سن اليأس، وفي تأخيره إلى هذا الوقت خطر، وعزر؛ لأنها ربما تموت قبل ذلك.
واختلفوا في أمور منها: أولًا: إذا تخلل صوم الكفَّارة شهر رمضان، فهل صوم رمضان يقطع التتابع، أو لا يقطعه، فيبنى على ما صامه من الكفَّارة؟ فمذهب الشافعية، والحنفية، والظاهرية أن التتابع ينقطع بذلك، وعليه أن يستأنف؛ لأنه قد ترك التتابع لغير عذر إذ كان في استطاعته أن يصوم شهرين ليس بينهما رمضان خصوصًا وأن الكفَّارة لم تجب على الفور، ولا يصح أن يَنْوِي برمضان الكفَّارة؛ لأن الزمن متعين لغيرها، والمتعين لا يقبل غيره.
ومذهب الحنابلة: أن التتابع لا ينقطع بذلك علم بأن رمضان يتخلل صوم الكفَّارة، أم لم يعلم بذلك لأنه زمن منع الشرع من صومه عن الكفَّارة، فلا يقطع التتابع كزمن الحيض، وبالنفاس.
وهذا ما لم يَنْوِ بِرَمَضَانِ صَوْمَ الكفَّارة، وإلا انقطع التتابع، ولا يجزيه عن رمضان، ولا عن الكفَّارة أمّا أنه لا يجزه عن الكفَّارة؛ فلأن الزمن متعين لغيرها، ولا يقبل غير ما عين له.
وأما أنه لم يجزه عن رمضان؛ فلأنه لم يَنْوِ، وإنما نوى غيره، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنياتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى".
ومذهب المالكية إن جهل تخلل رمضان لصوم الكفَّارة لم ينقطع التتابع بذلك؛ لعذره بالجهل، وإن علم بذلك انقطع تتابعه؛ لأنه كان في وسعه أن يؤخر الصوم إلى زمن لا يعترضه رمضان، والكفارة ليست واجبة على الفور، حتى يعذر بذلك، ولا يجزيه صوم رمضان عن الكفَّارة سواء نوى الكفَّارة وحدها، أو أشركها مع رمضان؛ لأن الزمن متعين لغيرها.
هذه أدلة العلماء ومذاهبهم.
ونحن إذا نظرنا إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ نجد أن الحق مع من قال: "إن رمضان يقطع التتابع ما لم يكن هناك جهل يعذر به" لأن التتابع معناه سرد الأيام بعضها تلو بعض، فلو فصل بينها فاصل انقطع التتابع.
هذا هو الأصل، ولكن خولف هذا الأصل في الأشياء التي يعذر بها شرعًا ولا يمكن التحرز عنها.
ثانيًا: تخلل المرض إذا عرض للمكفر بالصوم مرض لا يستطيع معه الصوم فأفطر لذلك فهل ينقطع تتابعه ويلغي ما صامه ويستأنف صوم الشهرين من جديد أو لا ينقطع تتابعه ويبني على ما فات بعد مرضه؟ ذهبت الحنفية والظاهرية والشافعية في الجديد من مذهبهم إلى أن التتابع ينقطع بالمرض لأنه غير مناف للصوم.
وقد أفطر باختياره فانقطع تتابعه كما لو أجهده الصوم فأفطر لذلك.
وذهبت الحنابلة إلى أن الفطر للمرض المبيح له سواء كان مخوفًا أم غير مخوف لا يقطع التتابع قولًا واحدًا في المخوف وعلى الراجح في غيره.
لأنه فطر بسبب لا صنع له فيه فلا يقطع التتابع كفطر المرأة بالحيض.
وفصل المالكية فقالوا إن أدخل المرض على نفسه بسبب من الأسباب الاختيارية فأفطر لذلك =

الجزء: 10 - الصفحة: 531

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = انقطع تتابعه لأنه يشبه الفطر اختيارًا من غير عذر وإن لم يدخله على نفسه، بل عرض له ذلك بقوة قاهرة لم ينقطع تتابعه بذلك.
لأن فطره بسبب لا صنع له فيه فأشبه الفطر لأجل الحيض.
وبالنظر في وجهة كل نجد أن القول بالتفصيل هو الراجح لقوة مدركة.
ولأن المرض قهري ولا يمكن التحرز عنه ولا دخل له فيه حتى يؤاخذ به.
بخلاف ما إذا كان بسبب منه فإنه يجب أن يعامل بنقيض قصده.
ثالثًا: تخلل السفر: إذا تخلل صوم الكفَّارة فطر لأجل السفر المبيح للفطر، فهل ينقطع التتابع بذلك أو لا ينقطع؟ للشافعية طريقتان في ذلك: طريقة تحكي قولين عن الشَّافعي، وطريقة تحكي قولاً واحدًا.
فالطريقة التي تحكي قولين: قول بأن السفر يقطع التتابع والقول الثاني أن السفر لا يقطعه.
والطريقة التي تحكي قولاً واحدًا: فهو القطع، وهو معتمد المذهب لأن الفطر لأجل السفر فطر بسبب اختياري فكان فطرًا لغير عذر.
وأظهر القولين من مذهب الحنابلة أنه لا يقطع التتابع لأنه فطر بسبب مبيح للفطر، فكان كالفطر لأجل الحيض.
ومذهب الحنفية والمالكية أن التتابع ينقطع بذلك لأن فطر بسبب جاء من جهته واختياره، فأشبه الفطر لغير عذر.
هذه هي مذاهب القوم وأدلتهم، وبالنظر في وجهة كل نجد أن الحق مع من يقول بأن السفر يقطع التتابع ولكن ليس على إطلاقه، بل ينبغي أن يفصل في سبب السفر هل هو اضطراري أو اختياري فإن كان اضطراريًا وجب ألا ينقطع التتابع، وأما إذا كان اختياريًا وجب أن التتابع ينقطع؛ لأن ذلك يحقق ما شرعت له الكفَّارة من الزجر والتشديد حتى يحتاط الناس في أمورهم، ولا يندفعوا في أعمالهم من غير تفكير وروية.
هل المعتبر في صيام الشهرين الهلال أو تكملة العدد ستين يومًا؟ لا نعلم خلافًا بين الفقهاء في أن من صيام شهرين متتابعين معتمدًا في ذلك على رؤية الهلال فيهما كفاه ذلك عما وجب عليه من الصوم سواء كان الشهران ستين يومًا أم تسعة وخمسين أم ثمانية وخمسين.
لأن بفعله هذا قد صام شهرين متتابعين والله يقول: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ والشهر كما يكون ثلاثين يومًا يكون تسعة وعشرين لقوله -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه مسلم: "أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذكر رمضان فضرب بيديه فقال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا ثم عقد إبهامه في الثالثة.
صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُم عليهم فاقدروا ثلاثين".
ولكن الذي نعلمه أنهم مختلفون فيما إذا ابتدأ الصيام الواجب عليه بعد أن مضى من الشهر بعضه.
فهل يصوم الشهر الثاني معتمدًا في ذلك على رؤية الهلال ويكمل الشهر الأول ثلاثين يومًا من الشهر الثالث ويجزيه ذلك سواء كان الشهر الذي صامه بالهلال ثلاثين يومًا أم أقل من ذلك أو يكمل الأول من الثاني، والثاني من الثالث حتى يتم العدد ستين يومًا؟ فقالت الشافعية والمالكية والحنابلة يكمل الأول من الثالث، ويصوم الشهر الثاني بالهلال كيفما اتفق لأن الأصل في اعتبار الشهور الشرعية الاهلَّة قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ فإذا تعذر ذلك الأصل في الشهر الذي ابتدأ فيه الصوم لصومه في أثنائه ألغي اعتبار الهلال فيه، ورجعنا إلى ما يقوم مقامه وهو تكملة العدد ثلاثين بخلاف الشهر الثاني =

الجزء: 10 - الصفحة: 532

النُّزُولُ به من 841 دَرَجَةٍ إلى دَرَجَةٍ على ما مَرَّ في الكتاب.
وأما المُوجِبُ فَيَتَعَلَّقُ النَّظَرُ فيه بثلاثة أمور: أحدها: القَتْلُ، وفيه مسائل: إحداها: القَتْلُ العَمْدُ، وشِبْهُ العَمْدِ يُوجِبَانِ الكَفَّارَةَ كَالخَطَأِ.
وقال أبو حَنِيْفَةَ ومالك: لا كَفَّارَةَ في العَمْدِ، واختاره ابن المُنْذِرِ.
وعن أحمد روايتان كالمَذْهَبَيْنِ 842. = فإن الأصل متحقق فيه، فلا يعدل عنه إلى غيره.
وقالت الحنفية يكمل الأول من الثاني، والثاني من الثالث حتى يتم العدد سين يومًا ولهم قول كالأول ووجهتهم أنه لما فات اعتبار الشهر الأول بالهلال لوجود الصم في أثنائه فات اعتبار الشهر الثاني كذلك، فيكمل الأول من الثاني فلم يبق إلا أن يرجح إلى التقدير بالعدد وذلك مقولة يومًا.
وبالنظر في وجهة كل نجد أن الراجح مذهب غير الحنفية؛ لأن الشارع أمرنا بصيام شهرين.
والشهور إذا أطلقت في لسان الشرع تنصرف إلى الهلالية فقط، فالواجب حينئذ في الكفَّارة صيام شهرين هلاليين فإذا تعذر اعتبار الهلال في أحد الشهرين احتجنا لتكميله ثلاثين من الثالث.
ولا يقتضي هذا إلغاء الهلال في الشهر الثاني لأنه خروج عما اعتبره الشارع بدون مقتض.

الجزء: 10 - الصفحة: 533

واحْتَجَّ الأَصْحَابُ بخبر وَاثِلَةَ، فإن اسْتِيجَابَ النَّارَ إنما يكون عند التَّعَمُّدِ، وبأنه قَتْلُ آدَمِيٍّ يوجب الضَّمَانَ، فيوجب الكَفَّارَةَ كالخَطَأِ، وبأن الكَفَّارَةَ لِلْجَبْرِ وإصْلاَحِ الحال، والعامد أَحْوَجُ إليه، وصار كما في جَزاءِ الصَّيْدِ، يستوي فيه العَامِدُ والمُخْطِئُ.
وخِلاَفُ أبي حنيفة في العَمْدِ الذي يوجب القِصَاصَ، واختلف أصحابه فيما لا يُوجِبُ كَقَتْلِ الوَالِدِ وَلَدَهُ، والسيد عَبْدَهُ، وحَكَى القاضي الروياني فيما إذا اقتصَّ من المُتَعَمَّدِ، هل تَجِبُ الكَفَّارَةُ في مَالِهِ؟ وَجْهَيْنِ عن رِوايَةِ أبي عَلِيٍّ بن أبي هُرَيْرَةَ، والطَّبَرِيِّ.
أصحهما: الوجوب؛ لأن حُقُوقَ الله -تعالى- الواجِبَةَ في المال لا تَسْقُطُ بالموت.
= تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ...﴾ الآية.
ووجه الاستدلال: أن شبه العمد فيه خطأ من وجه، فكان داخلًا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ...﴾ الآية.
فيجب فيه ما يجب في الخطأ.
ويرد هذا الاستدلال بأن شبه العمد مغاير للعمد كما هو مغاير للخطأ، والآية لم يذكر فيها إلا الخطأ، كما أن الآية الثانية لم يذكر فيها إلا العمد، فكان مقتضى الاستدلال على عدم وجوب الكفَّارة في القتل عمدًا بالآية السابقة عدم وجوبها أيضًا في شبه العمد، وإلا كان ذلك زيادة على النص، كما يقولون.
وإثباتهم الكفَّارة في شبه العمد ظهر أنه بالقياس على الخطأ لوجود ما يجمعها، فيجب القول بثبوتها كذلك في القتل عمدًا بالقياس على القتل خطأ، لاشتراكهما معًا في جنس القتل، ولا يفيدهم القول بأن الكفارات لا تثبت بالقياس بعد ما ثَبَتَ من قولهم به ثبوت الكفَّارة في شبه العمد، وبعد ما ظهر أن ذلك بالقياس على الخطأ.
واستدل الشَّافِعِيَّةُ على وجوبها في غير الخطأ بما رواه أحمد، وأبو داود، والنِّسَائِي عن وَائِلَةَ بن الأَسْقَع قال: أتينا رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي صَاحِبٍ لَنَا أَوْجَبَ "يَعْنِي النَّارَ بِالْقَتْلِ" فَقَالَ: "أَعْتِقُوا عَنْهُ يَعْتِقُ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنهُ مِنَ النَّارِ".
ووجه الدلالة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ السائلين بأن يعتقوا رَقَبَةً عمن مات، وقد استحق النار بالقتل، ومعلوم أن الذي يستحق النار بالقتل هو من قتل قتلاً عمدًا، أو شبه عمد؛ لأن القاتل خطأ لا يستحق النار بالقتل اتفاقًا لعذره بالخطأ مصداقًا لقوله عليه الصلاة والسلام: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ، والنِّسْيَانُ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" والأمر للوجوب، فكانت الكفَّارة في غير الخطأ واجبة، وبذلك يكون هذا الحديث مبينًا أن المذكور في الآية المتعلقة بالقتل العمد ليس هو كل جزاء القاتل، بل يكون هذا جزاءه إن لم يخرج الكفَّارة، وإذا كانت الكفَّارة ثابتة في الخطأ مع أنه لا إثم فيه، فلا شك أن ثبوتها في القتل العمد من باب أولى، لأن الكفَّارة شأنها أن تكفر، وتستر ما وقع من ذنب أو خطيئة، وذلك في العمد متحقق بأجلى معانيه؛ لأن الإثم فيه عظيم، والجرم فيه كبير.
ومما تقدم يظهر لنا رجحان مذهب الشافعية؛ لان دليلهم لم يرد عليه ما ورد على غيره من مناقشات تجعله غير صالح للاستدلال به، ولكن ينبغي أن يفصل بين من اقتص منه، فلا تجب عليه كفارة؛ لأن القصاص نفسه كفارة، كما تقدم في مبحث "الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ" وبين من لم يقتص منه فتجب عليه، ويؤيد هذا الحديث المذكور عن واثلة بن الأسقع.

الجزء: 10 - الصفحة: 534

والثاني: تَسْقُطُ؛ لأنه سلم نَفْسَهُ قِصاصًا مما اسْتَوْفَاهُ، فيكتفي 843 بها، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "القَتْلُ كَفَّارَةٌ" 844. فعلى هذا إنما يَجِبُ إِخْراجُ الكَفَّارَةِ إذا لم يُقْتَصَّ منه، بأن مات، أو عُفِيَ عنه.
الثانية 845: القَتْلُ بالمُباشَرَةِ، كالقَتْلِ بالتَّسَبُّب يستويان في تَعلِيقِ الكَفَّارَةِ بهما، كما يستويان في وُجُوب الضَّمَانِ، حتى تجب الكَفَّارَةُ على حَافِرِ البِئْرِ في مكان التَّعَدِّي وعلى من نَصَبَ شَبَكَةً، فَهَلَكَ بها إِنْسَانٌ، وعلى المُكْره وشَاهِدِ الزُّورِ.
وقال أبو حَنيفَةَ: لا تجب الكَفَّارَةُ بالقتل بالتَّسَبُّبِ.
وقَرُبَ من هذا الخِلاَفِ الخِلاَفُ فيما إذا ضرب بطن 846 حَامِلٍ، فأَلْقَتْ جنينًا مَيّتًا، هل تلزمه الكَفَّارَةُ؟ فعنده لا تَلْزَمُ.
واحتج الأصحاب عليه بما رُوِيَ أن عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- صَاحَ بامْرَأَةٍ، فأَسْقَطَتِ الجَنِينِ، فأعْتَقَ عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- غُرَّةً، وبأنه شخص يضمن بالجنايَةِ للآدمي، فيضمن بالكَفَّارَةِ كالمَوْلُودِ.
الثالثة: القَتْلُ المُبَاحُ لا يوجب الكَفَّارَةَ، وذلك كَقَتْلِ مُسْتَحِقِّ القِصَاصِ الجَانِيَ، وكقتل الصَّائِلِ والبَاغِي.
ويعني بالمُبَاح ما رُخِّصَ فيه، ومُكِّنَ منه.
والخَطَأُ لا يُوصَفُ بكونه مُبَاحًا، كما لا يُوصَفُ بكونه حَرَامًا، بل المُخْطِئُ غير مُكَلَّفٍ فيما هو مخطئ فيه.
والثاني: القَاتِلُ، وفيه مسائل: إحداها: تجب الكَفَّارَةُ على الذِّمِّيِّ والعَبْدِ، كما يَتَعَلَّقُ بقتلهما القِصَاصُ والضَّمانُ، وفي مال الصبي والمَجْنُونِ إذا قَتَلاَ 847 أيضًا ولا تجب عليهما الكَفَّارَةُ بالوِقاَعِ

الجزء: 10 - الصفحة: 535

في نَهارِ رَمَضانَ؛ لأنه لا تَعَدَّي منهما، والتَّعَدِّي شَرْطٌ في وجوب تلك الكَفَّارَةِ.
وإذا وجبت الكَفَّارَة على الصبي والمَجْنُونِ، أَعْتَقَ الوَلِيُّ من مالهما، كما يُخْرِجُ الزَّكَاةَ والفِطْرَةَ، ولا يصوم منهما بِحَالٍ.
ولو صام الصَّبَيُّ في صِغَرِهِ فهل يُعْتَدُّ به؟ فيه وجهان؛ بناء على ما لو قَضَى في الصِّغَرِ حَجَّتَةهُ التي أفسدها 848، هل يُعتَدُّ به؟ فيه وجهان، أو قولان.
وإذا جعلنا الإِطْعَامَ في هذه الكَفَّارَةِ مَدْخَلًا، فيطعم الوَلِيُّ إن كانا من أهْلِ الإطْعَامِ، وينبغي أن يقال: إذا اعْتَدَدْنَا بِصَوْمِ الصبي في الصِّغَرِ، فلا يجوز العُدُولُ إلى الإِطْعَامِ، وإلا فيجوز كما في المَجْنُونِ.
ولو أَعْتَقَ الوَلِيُّ من مال نَفْسِهِ عنهما، أو أطعم، قال في، "التهذيب": يجوز ذلك إن كان الوَلِيُّ أَبًا أو جَدًّا فكأنه 849 ملكهما، ثم نَابَ عنهما في الإِعْتاقِ والإطعام.
وإن كان وَصِيًّا أو قَيِّمًا لم يَجُزْ حتى يَقْبَلَ القاضي التَّمْلِيكَ، ثم يعتق عنهما القَيِّمُ أو يُطْعِمُ.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: لا تجب الكَفَّارَةُ على الصَّبِيِّ والمجنون، ولا على الذِّمِّيِّ، ولا [على] 850 العَبْدِ، ولا تجب الكَفَّارَةُ على الحَرْبِيِّ؛ لأنه غير مُلْتَزِمٍ.
الثانية: هل تجب الكَفَّارَةُ على من قَتَلَ نَفْسَهُ؟ فيه وجهان: أحدهما: لا [تجب] 851، كما لا يجب الضَّمَانُ.
وأصحهما: أنها تَجِبُ، وتخرج من تَرِكَتِهِ؛ لأنه مَعْصُومٌ كغيره، ويحرم عليه قَتْلُ نفسه، كما يَحْرُمُ على 852 غيره قَتْلُهُ.
وقَرُبَ من هذا الخِلاَفِ الخِلاَفُ فيما إذا حَفَرَ بِئْرًا في مَحَلِّ عدوان، فَتَرَدَّى فيها بعد مَوْتِهِ إنْسَانٌ، هلِ تجب الكَفَّارَةُ؟ ووجه المنع في الصورتين بأن في الكَفَّارَةِ معنى العِبَادَةِ، ويبعد أن يَنْشَأَ إِيجَابُ العِبَادَةِ على المَيِّتِ.
الثالثة: في الشُّرَكاءِ في القَتْلِ وجهان: أحدهما: أنه يجب على جميعهم كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، كما أن الشُّرَكَاءَ في قَتْلِ الصيد يَلْزَمُهُمْ جَزَاءٌ واحِدٌ، وقد يُعَدُّ هذا قَوْلاً، ويُنسَبُ إلى رواية أبي عَلِيٍّ الطبري.
والأصح: أنه يجب على كُلِّ واحد كَفَّارَةٌ واحِدَةٌ، ووُجِّهَ بأن الكَفَّارَةَ لا تَتَبَعَّضُ،

الجزء: 10 - الصفحة: 536

ألا ترى أنها لا تَنْقَسِمُ على الأَطْرَافِ، وما لا يَتَبَعَّضُ إذا اشترك الجَماعَةُ في سببه، وَجَبَ على كُلِّ واحد بكَمَالِهِ كالقِصَاصِ، وبأن فيها معنى العِبادَةِ، والعِبادَةُ الواحِدَةُ لا تَتَوَزَّعُ على الجَماعَةِ.
وأما المَقْتُولُ، فالشرط فيه أن يكون آدَمِيًّا مَعْصُومًا بأَمَانٍ، أو إِيمَانٍ، وفيه مسألتان: إحداهما: تجب الكَفَّارَةُ بِقَتلِ العاقل، والمجنون، والصَّبِيِّ، والبالغ، والمسلم، والذِّمِّيِّ، والحُرِّ، والعَبْدِ، حتى يجب على السَّيِّدِ في قَتلِ عَبْدِهِ لِحَقِّ الله -تعالى- بخلاف القِصَاصِ 853، فإنه إذا وَجَبَ وَجَبَ للسَّيِّدِ.
وعن مالك أنها لا تجب بقتل الذمي، ولا بقتل العَبْدِ، ويُرْوَى عنه أنها لا تجب على السيد في قَتْلِ عَبْدِهِ خاصَّةً.
قال الرُّويانِيُّ: ولا يَصِحُّ ذلك عنه، واحْتَجَّ الأَصْحَابُ بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: 92] وَبِإطْلاَقِ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً ...﴾ [النساء: 92] الآية.
فإنه يشمل الحِرَّ والعَبْدَ، ولا تجب الكَفَّارَةُ بِقَتْلِ الحَرْبيِّ، فإنا مَأْمُورُونَ بِقَتْلِهِ، ولا يقتل المُرْتَدِّ، فإنه مُهدَرٌ مُرَاقُ الدَّمِ، إلا أنه فُوِّضَ قَتْلُهُ إلى رَأيٍ مُعَيَّنٍ لِمَصْلَحَةٍ اقْتَضَتْهُ.
وبمثله أَجَابُوا في قَاطِع الطريق.
والزاني 854 المُحْصَنُ، ولم يُورِدُوا فيه خِلاَفًا، لكن قد سَبَقَ ذِكْرُ خلاف في القِصَاصِ، ولا يَبْعُدُ مَجِيئُهُ في الكَفَّارَةِ، ولا تجب بِقَتْلِ نساء أهل الحَرْب 855 وذَرارِيهِمْ.
إن كان قَتْلُهُم مُحَرَّمًا؛ لأن المَنْعَ من قتلهم ليس لحُرْمَتِهِم ورِعايَةِ مَصْلَحَتَهِمْ، ولذلك لا يَتَعَلَّقُ به ضَمَانٌ، وإنما هو لِمَصْلَحَةِ المسلمين حتى لا يَفُوتَهُمُ الارْتِفَاقُ بهم.
والثانية: إذا قتل مُسْلِمًا في دار الحرْبِ، وجبت الكَفَّارَةُ بكل حَالٍ، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] المعنى على ما نَقَلَ الشَّافِعِيُّ -رَضِيَّ اللهُ عَنْهُ- وغيره: وإن كان في قَوْم عَدُوٍّ لكم، فأما القصاص والدية، فإن ظَنُّهُ القَاتِلُ كافرًا؛ لكونه على زِيِّ أهل الشِّرْكِ، فلا قِصَاصَ، وفي الدِّيَةِ قولان، قد سبق ذلك في الجِرَاحِ وإلا فأحسن ترتيب فيه ما أَورَدَهُ في "التهذيب"، وهو أنه إن عَرَفَ مَكانَهُ، فهو كما لو قَتَلَهُ في دارِ الإِسلام، حتى إذا قَصَدَ قَتْلَهَ يجب القِصَاصُ أو الدية المُغَلَّظَةُ في مَالِهِ مع الكفَّارة.

الجزء: 10 - الصفحة: 537

وإذا قَصَدَ غَيْرَهُ فأَصَابَة، يجب الدِّيَةُ المُخَفَّفَةُ 856 على العَاقِلَةِ مع الكَفَّارَةِ، وإن لم يَعْرِفْ مكانه، ورَمَى سَهْمًا إلى صَفِّ الكُفَّارِ في دَارِ الحَرْبِ، سواء عرف أن في الدَّارِ مسلمًا، أو لم يعرف، فَيُنْظَرُ إن رَمَى ولم يُعَيِّنْ شخصًا، أو عَيَّنَ كافرًا فَأَخْطأَ، وأصاب المُسْلِمَ، فلا قِصاصَ ولا دِيَةَ.
وكذا لو قَتَلَهُ في بَيانٍ أو غارَةٍ، ولم يعرف وإن عَيَّنَ شخصًا، فأَصَابَهُ، فإذا هو مسلم فلا قِصَاصَ، وفي الدِّيَةِ قولان: أحدهما: تجب؛ لأنه قَصَدَ قَتْلَهُ.
والثاني: المَنعُ؛ لأنه جاهِلٌ بحاله 857، فأَشْبَهَ ما لو لم يُعَيِّنْ شخصًا، ويشبه أن يكون هَذَانِ القولانِ هما القَوْلاَنِ المذكوران فيما إذا قَتَلَ مَن ظَنَّهُ كَافِرًا؛ لكونه على زِيِّ أَهْلِ الشرك؛ لأن كونه مع الكُفَّارِ في صَفِّ القتال يُغَلِّبُ على الظن كَونُهُ كَافِرًا.
وقد سَبَقَ أن الأَظْهَرَ منهما أنه لا تَجِبُ الدِّيَةُ، قال: ولو دَخَلَ الكُفَّارُ دار الإِسلام، فَرَمَى إلى صَفَّهِمْ، فأَصَابَ مسلمًا، فهو كما لو رَمَى إلى صَفِّهِمْ في دار الحَرْبِ، فهذا ما سَاقَهُ.
وأما صاحب الكتاب، فإنه نَقَل الحُكْمَ في الدِّيَةِ على وَجْهٍ آخر، فقال: إن لم يعلم أن فيهم مسلمًا لم تَجِبِ الدِّيَةُ قَطْعًا.
وإن عَلِمَ أن فيهم مسلمًا ولم يَقْصِدْهُ، ولكن قصد كَافِرًا، فَأَصَابَهُ، ففيه طريقان: أحدهما: القَطْعُ بوجوب الدِّيَةِ، ونَظْمُ الكتاب يَقْتَضِي تَرْجِيحَهُ.
والثاني: عن الشيخ أبي مُحَمَّدٍ أنه على قولين، كما إذا قَصَدَ شَخْصًا بِعَيْنِهِ، ظَنَّهُ كافرًا؛ لكونه على زِيِّ الكُفَّارِ، وكان قد أَسْلَمَ من قَبْلُ، وبقي على زِيِّهِمْ.
والطريقة الأُولَى أَقْرَبُ.
وقد يقال: القَطْعُ بوجوب الدِّيَةِ فيما إذا قَصَدَ الشَّخْصَ بِعَيْنِهِ، فَبَانَ مُسْلِمًا، أَوْلَى من القَطْعِ فيما إذا قَصَدَ غيره، فأَصَابَهُ [والله أعلم].
الفصل الثاني: فيما يَتَعَلَّقُ بِنَظمٍ الكتاب وحَلِّهِ.
قوله: "كل حَيّ" قصد به الاحْتِرازِ عما إذا قَتَلَ نَفْسَهُ، وعما 858 إذا حَفَرَ بِئْرًا، فَتَرَدَّى فيها غَيْرُهُ بعد موته [إنسان] 859، وقد ذكرنا الخِلاَفَ فيهما.

الجزء: 10 - الصفحة: 538

واخْتِيارُ الإِمامِ أنه لا تجب الكَفَّارَةُ.
وقوله: "ملتزم" احْتَرَزَ به عن الحَرْبِيِّ.
وقوله: "غير مُبَاح"، يخرج عنه قَتْلُ الصَّائِلِ والبَاغِي، وقَتْلُ مُسْتَحِقِّ القِصاص الجانِيَ.
وقوله: "آدَمِيًّا" يخرج عنه البَهَائِمُ، ويدخل فيه الجَنِينُ.
وقوله: "مَعْصُومًا" يعني بالأَمَانِ، أو الإيمان على ما تبَيَّنَ.
وقوله: "حفر البِئْر" مُعْلَمٌ بالحاء.
وكذا قوله: "على الصَّبِيِّ والمجنون".
وقوله: "ومن عليه القِصَاصُ"، يعني إذا قتله المستحق [فأما إذا قتله غَيره] 860، فتجب الكَفَّارَةُ عليه، ومن عليه الرَّجْمُ، وهو الزَّانِي المُحْصَنُ لا كَفَّارَةَ على من قَتَلَهُ من الناس على ما سَبَقَ، فكان الأَوْلَى أن يُؤَخِّرَ الكَلاَمَ في قَتْلِ الصائل، ومن عليه القِصَاصُ والرَّجْمُ عن قَتْلِ الحربي وقَتْلِ النَّفْسِ.
ومسألة 861 التَّرَدِّي بعد مَوْتِ الحَافِرِ؛ لتكون المسائل المتعلقة بطرف القاتل مَجْمُوعَةً، والمُتَعَلِّقَةُ بطرف المَقْتُولِ مَجْمُوعة.
وقوله: "ويجب في المُعَاهَدِ والمَمْلُوكِ"، يجوز أن يُعْلَمَ بالميم.
وقوله: "إذا قَتَلَهُ السَّيد"، كأنه يقول: وإن قَتَلَهُ السَّيد.
وإذا تَبَيَّنَ وُجُوبُ الكَفَّارَةِ على السيد بِقَتْلِ عَبْدِهِ، فغير السيد أَوْلَى بالوجوب.
وقوله: "وكذا في المُسْلِمِ، وإن كان في دَارِ الحَرْبِ"، يشير به إلى [أن] كونه في دَارِ الحرب، وتركه الهِجْرَةَ لا يمنع وُجُوبَ الكَفَّارَةِ، وإنَ كان مُقَصِّرًا به، ولا فَرْقَ عندنا بين من خَرَجَ من دارِ الإِسلام إلى دَارِ الحرب، وبين من أَسْلَمَ ولم يَخْرُجْ إلى دار الإِسلام.
وعند أبي حَنِيْفَةَ: إن أَسْلَمَ ولم يخرج إِلَيْنَا، فلا دِيَةَ، وتجب الكَفَّارَةُ، وإن خَرَجَ مُسْلِمٌ إليهم، فإن كان في صَفِّ المشركين، فَقُتِلَ، فلا دِيَةَ ولا كَفَّارَةَ، وإِلاَّ فيجبان.
وإن قُتِلَ أَسِيرٌ، فلا دِيَةَ، وتجب الكَفَّارَةُ.
وعند مالك: تجب الدية والكَفَّارَةُ بكل حَالٍ، ويجوز أن يُعْلَمَ لما ذكرنا.
قوله: "وإن كان في دَارِ الحَرْب" بالحاء؛ لأنه قد لا يوجب [الكفَّارة] 862 إذا كان في دَارِ الحرب.
وقوله: "ولا دِيَة" بالميم.

الجزء: 10 - الصفحة: 539

وقوله: "إذا كان في صَفِّ الكُفَّارِ" صُورَةُ القولين، ما إذا ظَنَّ كَوْنَهُ كَافِرًا على ما مَرَّ، وكَوْنُهُ في صَفِّ الكفار طَرِيقٌ في إِثَارَةِ الظَّنِّ بكونه كَافِرًا، فكأنه 863 وضع ذلك مَوْضِعَ قوله: "إذا ظنَّ كونه كَافِرًا".
ومسألة الشَّرِيكِ في القَتْلِ لو ذكرها مع الصُّورَةِ المتعلقة بطرف 864 القاتل كان أَحْسَنَ [وَأَوْلَى]، والله أعلم [بالصواب] 865. تم الجزء العاشر، ويليه الجزء الحادي عشر وأوله: "كتاب دعوى الدم"

الجزء: 10 - الصفحة: 540

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل