العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ الخُلْعِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(1)، وَفِيهِ أبْوَابٌ

البَابُ الأَوَّلُ فِي حَقِيقَةِ الخُلْعِ وَفِيهِ فَصْلاَنِ

(الفَصْلُ الأَوَّلُ فِي أَثَرِهِ): وَفِيهِ قَوْلاَنِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ طَلاَقٌ وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَليٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ وَمِنَ الفُقَهَاءِ أَبُو حَنِيْفَةَ وَالمُزَنِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، وَالثَّانِي: أَنَّهُ فَسْخٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: يقال: خَلَع الرَّجُلُ امرأتَهُ خُلْعاً، وذكر أنه مأخوذ من الخَلْع، وهو نَزْع الثوب وكل واحد من الزَّوْجَيْن لباس للآخر، على ما قال، تعالى جده ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة: 187] وكأن كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بمُفَارَقَةِ الآخر نزع عنه لباسه، ويقرب في ذلك قولهم: خُلِعَ الوالي أي عُزِلَ، وفسر الخُلْع في الشريعة: بالفُرْقَة على عوض يأخذه الزوج 2.1

الجزء: 8 - الصفحة: 394

وأصل الخُلْع مُجْمَعٌ عليه، وقد اشتمل القرآن على ذكره، قال الله -تعالى-: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] والسنة رُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: "جَاءَتِ امْرَأَةُ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: ما أَنْقِمُ عَلَى ثَابِتِ ابْنِ قَيْسٍ فِي دَينٍ وَلاَ خُلُقٍ إلاَّ أَنِّي أَخَافُ الكُفْر في الإِسلام فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَرُدِّينَ حَدِيقَتَهُ؟ فَقَالَتْ: نَعَم، فَرَدَّتْ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُفَارِقَهَا" 3. = بقابل العوض بدلاً لا يقبل كخمر ومجهول ومغصوب ونحوها فإنه يفسد الخلع ويجب للزوج مهر المثل إلاَّ إذا كان في خلع الكفار من الخمر ونحوه فإنه قابل للعوض عندهم فيكون الخلع به صحيح كما في أنكحتهم حتى لو حصل إسلام بعد قبض الخمر كله فإنه لا شيء له عليها فإن كان الإِسلام قبل قبضه وجب مهر المثل للتعذر، وفي قبض بعضه قسط مهر المثل وليس لنا خلع بخمر ومغصوب ونحوها يقع الطلاق بسبب ذلك رجعياً ولا مهر إلا في صورة الخلع مع غير الزوجة من أب أو أجنبي على هذا الخمر أو على هذا المغصوب أو على عبده هذا أو على صداقها ولم يصرح بنيابة ولا استقلال أو على عبده زيد هذا وإنما يجب مهر المثل في البدل الفاسد في غير هذا إذا كان البدل مقصوداً، فإن كان غير مقصود كالدم فإنه يقع رجعياً وقلنا يحصل لجهة الزوج ليدخل مالك الزوج غير المكاتب فإن البدل لا يحصل للزوج بل للسيد وقد يسكت عن العبد أو الحر إذا حصل الخلع على ما في ذمته من صداق وغيره وقد يكون البدل رضاعة ولد الزوج ونحو ذلك وجهة الزوج تشمل ذلك كله وقلنا على وجه مخصوص ليشمل ما يعتبر في العاقدين وغير ذلك.

الجزء: 8 - الصفحة: 395

ويروى أنه كان قد أصْدَقَها تلك الحديقة.
نُقِلَ أنه أول خُلْع جرى في الإِسلام، ولا فرق في جواز الخُلْع بين أن يَجْري على الصَّداق، أو بعضه، أو على مال آخر، ولا بين أن يكون العِوَضُ الذي بذَلَتْه أكْثَرَ مما أعطاها الزْوجُ صَدَاقاً، وبين ألا يكونَ.
وعن أحمد: لا يجوز ولا كراهة فيه إن جرى في حال الشقاق أن يأخذ منها أكثر مما أَعْطَى، ويصحُّ الخُلْع في حَالَتَي الشِّقاق، والوفاق أو كانت تَكْرَهُ صُحْبَتَه لسوء في خُلُقِه أو دِينِه أو تَحَرَّجَتْ من الإِخْلاَل ببعض حُقُوقِه، لما بها من الكراهة فافْتَدَتْ ليطلقها أو ضربها الزوج تأْديباً فافتدَتْ، ويحكى أن ثابتاً كان قد ضرب زوجته فلذلك افتدت وألحق الشيخ أبو حامدٌ بهذه الصورة ما إذا منعها حقَّها من النَّفَقَة وغَيْرها فافتدت، لتتخلَّص منه، وإن كان الزوْجُ يكره صحبتها، فأساء العِشْرة، ومنعها بعْضَ حَقِّها حتى ضَجِرَت وافتدت، فالخُلْع مَكْرُوه وان كان نافذاً، والزوج مأثوم بما فعل، وفيه وجه أن منعه حقَّها، كالإِكراه على الاختلاع بالضرب وما في معناه وإذا أكرهها بالضَّرْب ونحوه، حتى اختلعت فقالت مبتدئةً: خالِعْنِي على كذا [ففعل] 4، لم يصحَّ الخُلْع، ويكون الطَّلاق رجعيَّاً إن لم يُسَمِّ مَالاً، وإن سمَّاه لم 5 يقَعِ الطَّلاَق؛ لأنَّها لم تقبل مختارة 6. وفي "التتمَّةِ" وجْه: أنَّه وإن لم يسم المال لا يقع الطلاق؛ لأنَّه قصد ترتيب كَلاَمِه على كلامها، فصار كما لو سمى المال.
ولو ابتدأ، وقال: طلقتك على كذا، وأكرهها بالضَّرْب على القبول، لمْ يقعْ شَيْء، وإذا ادَّعَت المرأة أنَّ الزَّوْج أكْرَهَهَا على بَذْل مال عِوَضاً عن الطَّلاق، وأقامَتْ عليْه بينَةً، فالمال مردُودٌ، والطلاق واقعٌ، وله الرجْعَة، نصَّ عليه.
= عمر فقال: عدتها عدة المطلقة، وكذا رواه مالك في الموطإ عن نافع نحوه، وأما ابن عباس: فرواه أحمد عن يحيى بن سعيد عن سفيان عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: الخلع تفريق، وليس بطلاق، وإسناده صحيح، قال أحمد: ليس في الباب أصح منه.

الجزء: 8 - الصفحة: 396

قال الأصحاب: وموضع الرَّجْعَة ما لم يعترف بالخُلْع بل أنكر أخذ المال أو سكت وأقامت البينة، فأما إذا اعترف بالخُلْع وأنكر الإِكراه، فالطلاق بائن بقَوْله، ولا رجعة، ولو زنت المرأة فمنَعَها الزوج بعْضَ حقِّها، فافتدت بمال صَحَّ الخُلْع، وحلَّ الأخْذ له وعلى ذلك حمل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19] ومن جعل منْعَ الحَقِّ كالإِكْرَاه بالضَّرْب قال: لا يَحِلُّ لَهُ الأخْذ، ولو أمْسَكَها عنْده وحبسَهَا ليرثها فماتت، وَرِثَها، وحكى القاضي ابن كج والحَنَاطي قَوْلاً أنَّه لا يرثها، هذه مقدمة الكتاب.
واعلم: أن الفُرْقة الحاصلة على العوض تارَةً تَكُون بلفظة الخُلْع، ويحتاج فيه إلى معرفة حقيقته وكيفية تأثر النكاح به، وتارَةً يكونُ بلفظ الطَّلاق، ويحتاج فيه إلى النَّظَر في لفظ الزوج تعليقاً بالبدل والإِعطاء وإلزاماً، وفي لفظ المرأة التماساً للطَّلاَق والتزاماً للمال، وسواء وقعت الفرقة بلفظ الخُلْع أو الطلاق، فلصحتها أركانٌ، وقد يعوض بين المتعاقدَيْن في كيفية العقْد الجاري بينهما نزاعٌ فضمن المصنِّف فِقْه هذا الكتاب في خمسة أبواب: بابٌ في حقيقة الخُلْع، وبابٌ في أرْكَان الصِّحَّة، وبابٌ في ألفاظ الزوج المتعلقة بالإِعطاء، وبابٌ في التماس الطلاق على العوض، وبابٌ في النزاع، ورَتَّبَ ما يتعلق بالبابَ الأول في فصْلَيْن: أحدهما: في كيفية تاثيره في النِّكَاح.
والثاني: في بيان ما يشبه الخُلْع من المعاملات وينزع إليه، ومقصودُ الفصلين معاً يتفرع على أن الخُلْع طلاقٌ، أم لا, ولا شك في أن المفارقة بلفظ الطلاق على عِوَضٍ طلاقٌ، ويستوي في ذلك صريحُ الطَّلاق وكنايته مع النية، وإذا لم يجر إلاَّ لفظُ الخُلْع، فقولان: الجديدُ أنَّه طلاق يُنْتَقَص به العَدَد، وإذا خالعها ثلاثَ مراتٍ، لم ينكحْها إلا بمحلِّل، ويروى هذا عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود -رضي الله عنهم- وبه قال أبو حنيفة ومالك واختاره المُزَنِيّ، ووجْهُه أنها فُرْقَة لا يملكها غير الزَّوْج، فيكون طلاقاً كما لو قال: أنتِ طالقٌ على ألْف، أو خالَعْتُكِ طلْقةً بألْف، والقديمُ: أنه فَسْخ لا ينقص به العَدَد، ويجوز تجديد النِّكَاح بعد الخُلْع من غير حَصْر، ويروى هذا عن عبد الله بن عمر وابن عباس -رضي الله عنهم- وبه قال أحمد ووجْهُه بأن فُرْقة النِّكاح تحصل بالفَسْخ كما تحصل بالطلاق، ثم الطلاق ينقسم إلى: ما هو بعوض، وإلى ما هو بغَيْر عِوَض، فليكنِ الفَسْخ كذلك، ولا فسخ بعوض سوى الخُلْع، وبأن فُرقة الخُلْع لا رَجْعة فيها بحال، فلا يكون طلاقاً، كالرَّضَاع، ولأنها فرقة حصَلَت بمعاوضة، فيكون فَسْخاً، كما لو اشترى الزوج زوجته وبنى بانون القولين على أن النِّكاح هل يَقبْل الفسخ بالتراضي، فعلى قول يقبل، كالبيع، وعلى

الجزء: 8 - الصفحة: 397

قول لا بل وضع النكاح على الدوام والتأبيد، وإنما يُفْسَخ لضرورة تَدْعو إليه.
وقوله في الكتاب "على الصَّحِيحُ أَنَّهُ طَلاَقٌ"، يوافق الأصل الممهد في ترجيح الجديد، وعلى ذلك جرى أكثر الأصحاب -رحمهم الله- وينصر قول الفَسْخ في الخِلاَق، وإلى نصرته ذهب الشيخ أبو حامد، وذهب أبو مخلد البصري، أن الفتوى عليه، ويؤيده بعض التأييد ما حُكِيَ عن ابن خُزَيْمة -رحمه الله- أنَّه لا يَثْبُت عن أحمد أنَّه طلاق، وعن ابن المُنْذر أن الرواية عن عثمان ضعيفةٌ، وأنَّه ليس في الباب أصح من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-، وحَكَى غيره اختلاف الرواية في المسألة عن عثمان -رضي الله عنه-، ويجوز إعْلاَم قوله: "طلاق" بالألف، وإعلام قوله: "فَسْخ" بالميم، وأما بمذهب أبي حَنِيفةَ فمذكورٌ ولا يحتاج إلى الإِعلامِ له.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإِنْ جَعَلْنَاهُ فَسْخاً نَلَفْظُ الخُلْعِ صَرِيحٌ فِيهِ لِتَكْرِيرِهِ عَلَى لِسَانِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ، وَلَفْظُ الفَسْخِ صَرِيحٌ عَلَى الأَصَحِّ، وَقِيلَ: كِنَايَةً لأَنَّهُ لاَ يُسْتَعْمَلُ فِي النِّكَاحِ إِلاَّ مَقْرُوناً بِعَيْبٍ أَوْ سَبَبٍ، وَفِي لَفْظِ المُفَادَاةِ وَجْهَانِ لأَنَّه ذُكِرَ مَرَّةً فِي القُرْآنِ، وَهُوَ كَالخِلاَفِ فِي لَفْظِ الإِمْسَاكِ لِلمُرَاجَعَةِ، وَلَفْظِ الفَكِّ للِمْعْتَقِ، وَلَوْ نَوَى بِالخُلْعِ طَلاَقاً عَلَى هَذَا القَوْلِ لَمْ يَنْفُذْ لأَنَّهُ وَجَدَ نَفَاذاً فِي مَوْضُوعِهِ صَرِيحاً، بِخِلافِ مَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي إِلْزَامِ الكَفَّارَةِ، وَلَوْ نَوَى بِهِ الطَّلاَقَ نَفَذَ لأَنَّهُ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِالنِّكَاحِ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى الفَسْخِ بِعَيْبِهَا فَقَالَ: فَسَخْتُ وَنَوَى الطَّلاَقَ نَفَذَ عَلَى وَجْهٍ لأَنَّ لَفْظَ الفَسْخِ لاَ يَخْتَصُّ بِالنِّكَاحِ.
قال الرَّافِعِيُّ: المقصود الآن التفريع على القَوْلين، فإن جعلنا الخُلْع فسْخاً، فلفظ الخُلْع صريحٌ فيه؛ لكثرة استعماله وتكرُّره على لسان حَمَلَة الشريعة، ولو قال: فَسَخْت نكاحَكِ، فقَبِلَتْ فوجهان: أصحُّهما: وهو المذكور في "التهذيب": أنَّه صريحٌ؛ لأنه أشد دَلالةً على حقيقته من لفظ الخلع، وأيضاً فإن الفَسْخ مقصودُ الخُلْع ومقتضاه، وما هو مقصود العقد ومقتضاه إذا استعمل في العقد كان صريحاً؛ ألا ترى أنَّه إذا استعمل لفظ التمليك في البيع، كان صريحاً؛ لأنَّ التمليك هو مقصود العَقْد ومقتضاه، ويُنْسَب هذا إلى اختيار القاضي حسين.
والثاني: أنَّه كناية ويقال: إنه اختيار القَفَّال؛ لأن لفظ الفسخ لا يستعمل في النكاح إلاَّ مقروناً بعيب أو بسبب إعسار وغيره، بخلاف الخُلْع؛ فإنَّه مشهور فيه، ويجوز أن يكون اللفظ المصرِّح بمقصود التصرُّف كنايةً في ذلك التصرف؛ ألا ترى أن مقْصُود الطلاقِ التحريم والإِبانة، ثم هما كنايتان في الطَّلاَق، ولمن قال بالأول: أن يقول المستعمل عنْد العَيْب والإِعسار ونحوهما: هو الفسخ عرياً عن العِوَضِ، والكلامُ

الجزء: 8 - الصفحة: 398

هاهُنَا فيما إذا قال: فَسَخْتُ نكاحَكِ بِكَذَا، وهذا لا يستعمل في النكاح إلاَّ في الخلع، وليس ما نحن فيه كالطَّلاق والتَّحريم؛ لأن الطَّلاقَ يشتمل على أحكام غريبة؛ كنقصان العَدَد وغيره فتعين له اللفظ المستعمل فيه شرعاً، وأمَّا الفَسْخ فهو النَّقْص والرَّفع لا غير، وإذا قال: فَادَيْتُكِ بكذا فقالَتْ: قَبِلْتُ أو افتديت، فوجهان في أنَّه صريحٌ أو كنايةٌ.
أظهرها: أنَّه صريحٌ كلفظ الخُلْع لورود القرآن به؛ قال الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]. والثاني: أنه كنايةٌ؛ لأنه لم يتكرر في القرآن، ولا شاع في لسان حَمَلَة الشريعة، وأجْرِيَ هذا الخلاَفُ في الألفاظ التي وردت في سائر العقود، ولم تتكرَّرْ، كلفظ الفك في العتق والإِمساك في الرجعة، ولو قلنا بأن لفظي الفسخ والمفاداة كنايةٌ، فيجيء في انعقاد الخُلْع بهما خلاف نذكره في أن الخُلْع هل ينعقد بالكنايات، إذا قلنا: إنَّه فَسْخ، ولو نوى بالخُلْع الطلاقَ والتفريع على قول الفسخ، فوجهان، اختيار القاضي حسين والمَذْكور في الكتاب "والتَّتِمَّة" أنَّه لا يكون طلاقاً، وينفذ في الفَسْخ الذي هو صريح فيه؛ لأنه أمكن تنفيذه في موضعه صريحاً، فلا ينصرف إلى غيْره بالنيَّة، كما أن الطَّلاَق لا يصير ظِهَاراً بالنية وبالعكس.
والثاني: أنَّه يكون طلاقاً؛ لأن اللفظ محتمل له، وقد اقترنت النية به فصار كسائر الكنايات، وليس الفَسْخ والطَّلاَق كالظهار والطلاق 7؛ لأنَّ الفَسْخ والطلاق نوعان يدخلان تحت جنْس البينونة، والطلاق والظهار لا يتقاربان مثل هذا التقارب، وإيراد صاحب "التَّهْذيب" يُشْعر بترجيح هذا الوجْه، وقَطَع به بعض أصحابنا العراقيين، ومن نصر الوجه الأول: اعتذر عما لو قال: أنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ؛ فإن مطلقه صريح في التزام الكفارة على الأَظْهر كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى -ومع ذلك لو أراد به الطَّلاَقَ نَفَذ، وكان كنايةً فيه، وبأن التزام الكفارة لا يختص بالنِّكَاح بل يجري في مِلْك اليمين، إذا قال لأمته: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، وإذا لم يختصَّ بالنكاح لم يبعد أن ينصرف من حكم من أحكام النكاح إلى حُكْم آخَرَ بالنِّيَّة.
ولو قال لزوجته فَسَخْتُ نكَاحَكِ, ونوى الطلاق، وهو مُتَمَكِّن من الفَسْخ بعيب فيها، ففيه وجهان للقائلين بأنه لو نوى بالخُلْع الطلاقَ لم يكن طلاقاً، ومنهم من وفي بقضية كلامه وقال: لا يكون طلاقاً؛ لأنَّه أمكن تنفيذه في حقيقته، بخلاف ما إذا لم يوجد سبب الفَسْخ، والأَظْهر فيه -وبه قال القاضي الحسين- أنَّه يكون طلاقاً؛ لأن الفَسْخ لا يختص بالنكاح، بل يدخل في سائر العقود، فجاز التصرُّف

الجزء: 8 - الصفحة: 399

فيه بالنيَّة كما ذكرنا في قوله: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ.
وقوله في الكتاب: "فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي إِلزام الكَفَّارَة" يمكن إعلامه بالواو؛ لوجه يأتي في مسألة الحرام أن هذه اللفظة إذا أطلقت لا يَقْتضي [الكفارة].
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ قُلْنَا: الخُلْعُ طَلاَقٌ فَلَفْظُ الفَسْخِ كِنَايَةٌ فِيهِ، وَفِي المُفَادَةِ وَجْهَانِ، وَفِي لَفْظِ الخُلْعِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ صَرِيحاً فَجَرَىَ دُونَ ذِكْرِ المَالِ كَانَ كِنَايَةٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، ثَمَّ هَلْ يَقْتَضِي مُطْلَقُهُ ثُبُوتَ المَالِ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أنَّهُ يَقْتَضِي مَهْرَ المِثْل، فَإنْ قُلْنَا: لاَ يَقْتَضِيهِ وَجَعَلْنَاهُ فَسْخاً لَغَا، وإِنْ جَعَلْنَاهُ طَلاَقاً صَارَ طَلاَقاً رَجْعِيَّا وَلَكِنْ يَفْتَقِرُ إِلَى قَبُولِهَا لاقْتِضَاءِ لَفْظِ المُخَالَعَةِ القَبُولَ إِلاَّ إِذَا لَمْ يَتَضَمَّنِ التِمْاسَ جَوَابِهَا أَوْ قَالَ: خَلَعْتُك، وَلَوْ نَوَى الرَّجُلُ المَالَ قِيلَ: إِنَّهُ لاَ يَنْفَذُ مَا لَمْ يَثْبُتْ بِنِيَّتِهَا أَيْضاً، وَقِيلَ: لاَ أَثَرَ لِنِيَّتِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: أيضاً إذا فرَّعنا على أن الخُلْعَ طلاقٌ قلنا إن لفظ الفَسْخ كنايةٌ فيه، كما لو استعمل من غير ذكر المال، وفي لفظ "المفاداة" وجهان كما على القول الأول، والأصحُّ أنه كلفظ الخُلْع، ولفظ "الخلع" صريحٌ أو كنايةٌ فيه قولان: [الحكاية]-عن "الأُمِّ" أنه كنايةٌ، وذكر الإِمام وصاحب الكتاب والرُّويَاني أنه أظهر في المَذْهب، وعن نصه في "الإِملاء": أنَّه صريحٌ، وبه قال أبو حنيفة، واختاره الإِمام والمصنف وصاحب "التهذيب"، واختلفوا في مأخذ القولين، فعن الأكثرين بناء الخِلاَف على أن اللَّفْظ إذا شاع في العُرْف والاستعمال للطلاق، فهل يلتحق بما تكرَّر في القرآن، ولِسَانِ حَمَلَة الشريعة أم لا؟ ومنهم من بني الخلاَفَ على أن ذكر المال هل يلحقه بالصرائح فعلى رأيٍ: نلحقه؛ لأن ذكر المال بدلاً وتحصيلاً يشعر بطلب البينونة، وعلى رأيٍ: لا، كما أن قرينة اللَّجَاج والغَضَب لا تلحق الكناية بالصرائح فمن أخذ الخلاف من المأخذ الأول أثبت الخِلاَفَ في لفظ الخُلْع، وإن لم يجر ذكر المال، ومن أخذه من المَأْخَذ الثاني قال: إذا لم يجر ذكْرُ المال، فهو كناية لا محالةَ، وهذا ما أورده في "التتمة" ويخرج مما ذكرنا وجهان: في أن لفظ الخُلْع من غيْر ذكر المال صريحٌ أو كنايةٌ، مع الحُكْم بأنَّه صريح أو كناية إذا جرى ذكر المال، وهذا قولُه في الكتاب: "فَإِنْ جَعَلْنَاهُ صَرِيحاً فَجَرَى دُونَ ذِكْرِ المَالِ كَانَ كِنَايَةً عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ" وهل يقتضي الخَلْعُ المطلَقُ الجاري من غير ذكْر المال ثبوتَ المال؟ فيه وجهان: أظهرهما: عند الإِمام وصاحب الكتاب وهو اختيار القاضي: نَعَمْ؛ للعرف المطَّرِد لجريان الخُلْع على المال، وأيضاً فإن الخُلْع يوجب المال إذا جرى على خمر أو خنزير، فإذا جرى مطلقاً أوجبه كالنكاح.

الجزء: 8 - الصفحة: 400

والثاني: لا؛ لأنَّه لم يجر له ذكر والتزام، وليس كالنكاح فإن المقصود هناك ألا يعري استباحة البُضْع عن المال، ولذلك ثبت على قول وإن نفي، وهذا أوْفَقُ لما ذكره في "التهذيب"، فإن قلْنَا: إن مطلقه يقتضي المال، فإن جعلناه فَسْخاً أو صريحاً في الطلاق، أو كنايةً ونوى، وَجَب مهر المثل، وحصلت البينونة، وان جعلْنَاه كناية ولم ينو لغا وإن قلْنا: إنَّه لا يقتضي المال، فإن جعلناه فسخاً لغا؛ لأن الفسخ بالتراضي لا يكون إلاَّ على عوض، هكذا حكاه الإِمام وغيره عن الأصحاب، وذكَرُوا أن مَسَاق كلامهم أنَّه لو لغا العِوَض في الخلْع لم يَصِحَّ الخُلْع على قول الفسخ، قال: والقياس الحقُّ صحته بلا عوض؛ فإن النكاح إذا نفي فيه الصَّداق انتفى على الأصح، ومن قال بوجوبه قال؛ إذا جرى المسيس وَجَبَ لا مَحَالَة ما يجب بالعقد؛ رعايةً لحُرْمة استحقاق البُضْع، ومثل هذا المعنى لا يتحقق في الفَسْخ، وهو في وضعه مستغنٍ عن العِوَض، ولو جعلناه طلاقاً إما صريحاً أو كنايةً، ونوى، فهو طلاق رجعيٌّ، لكن في افتقاره إلى القبول وجهان: أحدهما: وهو المذكور في الكتاب أن يفتقر إليه؛ لأن لفظ المخالعة يستدعي القبول، وقد يحتاج إلى القَبُول، وإن لم يَثْبُت المال، كما في مخالعة السفيه، وأشبههما -وهو المذكور في "التهذيب"- والراجِحُ عند الإِمام أنَّه لا حاجة إليه؛ لاستقلال الزوج بالطلاق الرجعيِّ، ثم الخلاَف فيما إذا قال: خَالَعْتُكِ، وأضمر التماس جوابها، وانتظر قبولها، أما إذا قال: خَلَعْتُ أو قال خَالَعْتُ، ولم يضمر التماسَ الجواب، فلا حاجة إلى القَبُول، كما لو قال: قاطعتك أو فارقتك، ولو قال: فَارَقْتُكِ، وأضمر التماس القَبُول، فقضية الوجه المذكور اعتبار القبول هذا هو الترتيب المذكور في الكتاب فيما إذا أطلق المخالعة، ولم يَذْكُر مالاً، وعَبَّرَ بعضهم عن الغرض بطريق أقصر من هذا فيقال: إن جعلنا الخُلع فسخاً، ولم تقبل فهو لَغْوٌ، وإن قَبِلَتْ فتحصل البينونة بمهر المثل أو لا تحصل الفرقة فيه وجهان، وإن جعلناه طلاقاً فهو طلاقٌ رجعيٌّ، أما من غير نية إن جعلناه صريحاً، أو تشترط النية إن جعلناه كنايةً.
ولو نوى المال ولم يذكره، فإن قلنا: إن مطلقه لا يقتضي المال، فهل تؤثر النية في ثُبُوت المال، فيه وجهان يقْرُبَان من الخلاف في انعقاد البيع ونحوه، بالكنايات، فإن قلنا: تؤثر، ثَبَت المال، ولا بدّ فيه من نيتها أيضاً، وإن قلنا: لا تؤثِّرُ فيقع الطلاقُ، ويلغى فيه المال، أو لا يَقَع, لأنَّه نوى الطلاق على المال لا مطلقاً، ذكروا فيه وجهَيْن، وفي "فتاوى" صاحب "التهذيب" ذكر وجهَيْن فيما إذا اختلعت نَفْسَها على ما بقي لها من الصَّدَاق وخالعها الزوج عليه، ولم يبق لها عليه شَيْء أنَّه هل تحصل البينونة بمَهْر المثل تخريجاً على الخلاف فيما إذا تخالَعَا من غَيْر تسمية مال، ورجَّح القول بالحصول، هذا ما يتعلق بما في الكتاب من تفريع القولَيْن.

الجزء: 8 - الصفحة: 401

ويصح الخُلْع بجميع كنايات الطَّلاَقِ مع النيَّة، إذا جعلناه طلاقاً، وإن جعلناه فسخاً هل للكنايات مَدْخَل فيه؟ فيه وجْهَان، فإنْ قلنا: نعم، وهو الأصحُّ -على ما ذكر "صاحب الشامل" وغيره- فإن نوى الطلاق أو الفَسْخ، كان كما نوى وإن نوى الخُلْع عاد الخِلاَف في أنَّه فَسْخ أو طلاق، ولو قال: خالَعْتُ نِصْفَك، أو يدك على كذا، أو خالعتك شَهْراً على كذا، نفذ إن جعلناه طلاقاً، والقول في المال الواجب سيأتي، ولا ينفذ إن جعلناه فسخاً.
وترجمةُ الخُلْع بسائر اللغات كلفظ الخُلْع، ولا يجيء فيه الخلاف المذكور في النكاح.
ولفظ البيع والشراء كنايةٌ في الخُلْع سواء جعل فسخاً أو طلاقاً وذلك بأن يقول: بعْتُ نَفْسَكِ منْكِ بكذا، فتقول: اشْتَرَيْتُ أو قَبِلْتُ ولفظ "الإِقَالَة" كنايةٌ فيه أيضاً وفي "فتاوى" صاحب "التهذيب" أنه لو قال لامرأته (ماراً فروختي بدان خفي إلى كذا أين مست) 8 فقالت (فروختم) 9 ونوى تطليقَها على الحق وقعت البينونة، وسقط الحقُّ عنه إن كان معلوماً، ومعنى قوله: (مرا جاد فروختي جو خستي باد جهدي) 10 كما يقول الرجل: أنّا مِنْك طَالِقٌ، ويؤدي تطليقها ويقَعُ الطَّلاَق وبيع الطلاق بالمهر من جهة الزوج، وبيع المهر بالطلاق من جهة الزَّوْجَة، يعبر بهما عن الخُلْع وليكونا كنايتين أيضاً كما لو قال: بِعْتُ منْك نفْسَك، وفي "الزيادات" لأبي عاصم العَبَّادي؛ أَنَّ بَيْعِ الطَّلاَق مع ذكْر العِوَض صريحٌ، ورأى إسماعيل البوشنجي أن ينزل قوْلَه: بِعْتُكِ طَلاَقَكِ بكذا منزلة قوله: مَلَّكْتُكِ طَلاَقَكِ بكذا، حتى لو طلقت في المجلس لزم المالُ، ووَقَع الطَّلاَق، قال: وإنَّ نويا مجرد بَيْعِ الطلاق وشرائه من غير إيقاع الطلاق منها، ومن غير نية الطلاق منه، فهذا التصرف فاسدٌ، والنكاح باقٍ بحاله، وإسماعيل هذا إمامٌ غَوَّاصٌ وهو من المتأخرين لقيه من لقيناه.
ولو قال لامرأته (برأس طلاق فروختم) 11 قال صاحب "التَّهْذيبِ" في "الفتاوى": هذا طلاقٌ، وليس بخُلْع، هذه الكلمةُ تُسْتَعْمَل في العجمية بمعنى التَّرْك والتَّخْلية، يقول الرجل لغيره: مرا بار رفروس يريد خلتي.
ولو قالت المرأة: طَلِّقْني على كذا، فقال: خالَعْتُكِ، فإن جعلنا الخُلْع فسخاً، لم ينفَذْ؛ لأنَّه لم يجبْها إلى ما سألت، وإن جعلْنَا الخُلْع صريحَ الطَّلاَق أو جعلْناه كنايةً،

الجزء: 8 - الصفحة: 402

ونوى حَصَلَتِ البينونة، ولزم المالُ، وإن لم ينو لم يقعْ شَيْء 12 ولو قالت: خالعْنِي على كذا، فقال: طلقتك عليه لم يقع شيء إن قلنا أن الخلع فسخ؛ لأن المبذولَ غير المسؤول، وفيه وجْه: أنَّه يقع الطلاق؛ لأنَّها سألتْ أهْوَنَ الفرقتين، وهي الَّتي لا ينتقص بها العَدَد، فإذا طلقها فكأنَّه أجاب، وزاد، فصار كما لو قالت: طَلِّقْني طلقة بألْفٍ، فطلقها طلقتين بألف، وإذا قلنا بالأول وهُو الظاهر فقولُه: طَلَّقْتُك ابتداءً كلامٌ منه، فإن لم بسم المال، وقَع الطلاق رجعيَّاً، وإن سمَّاه، لم يقَعْ ما لم تقْبَلْ، وإن قلنا: إن الخُلْع طلاقٌ، فإن جعلْناه صريحاً أو كنايةً، ونوت حصلت البينونةُ ولزم المال، ولا يضر اختلاف اللفظين، كما لو قالت: طلِّقْني على كذا، فقال: سرحتُكِ عليه، وإن جعلناه كنايةً ولم ينو، فقولها لاغٍ، والزوج مبتدئٌ بالطَّلاق، ولو وكَّل وكيلاً بالطَّلاق فخالع، فإن قلنا: إن الخُلْع فسخٌ، لم ينْفَذْ، وإن قلنا طلاقٌ قال البوشنجي الذي يجيء على أصْلنا أنَّه لا ينفذ أيضاً؛ لأن للخلع صيغة وللطلاق صيغة فإن كان ذلك بعد الدخول، فيقطع بعدم النُّفُوذ, لأنه وكَّل بطلاق رجعيِّ؛ فليس للوكيل قطْع الرجعة، وبمثله أجاب فيما إذا وكَّله بالطلاق، وطَلَّق على مال إن كان بحيث يتوقع الرَّجْعة، لم ينفذ وإن لم يكن، بأن كان قبل الدخول أو كان المملوك له الطلقةُ الثالثةُ، فقد ذكر فيه احتمالين: وجه النفوذ: أنَّه حصل غرضه مع فائدٌ، ووجه المَنْع؛ أنه ليس مفهوماً من التوكيل المُطْلَق الطلاقُ، وقد يتوقف في بعض ما ذكره حكماً وتوجيهاً.
ولو تخالعَا هازلَيْنِ نفَذَ إن قلْنا: إنه طلاقٌ، وإن قلنا: إنه فسخٌ فهو كبيع الهازل، وفيه خلافٌ.
والتعليقُ يمْنَعُ صحَّةَ الخُلْع إن قلْنا: إنَّه فسْخٌ، وإن قلنا: إنه طلاقٌ، لم يمنع الطلاق، والقول في المال سيأتي.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي في نِسْبَةِ الخُلْعِ إِلَى المُعَامَلاَتِ): وَالتَّفْرِيعُ عَلَى أَنَّهُ طَلاَقٌ فَنَقُولُ: لَوْ قَالَ: خَالَعْتُكِ أَوْ طَلَّقْتُكِ عَلَى أَلْفٍ فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ مَحْضَةٌ حَتَّى يَجُوزَ رُجُوعُهُ قَبْلَ قَبُولِهَا، وَلاَّ بُدَ مِنْ قَبُولِهَا بِاللَّفْظِ فِي المَجْلِسِ، وَلوْ قَالَ: طَلَّقْتُكِ ثَلاَثاً عَلَى أَلْفٍ فَقَالتْ: قَبِلْتُ وَاحِدَةً عَلَى ثُلُثِ الأَلْفِ لَمْ يَقَعْ، كَمَا لَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذَا العَبْدَ بأَلْفٍ فَقَالَ: قَبِلْتُ ثُلُثَهُ بِثُلُثِ الأَلْفِ، وَلَوْ قَبِلَتِ الوَاحِدَةَ بِكَمَالِ الأَلْفِ وَقَعَ الثَّلاَثُ عَلَى الأَظْهَرِ وَاسْتَحَقَّ الأَلْفَ، وَقِيلَ: يَسْتَحِقُّ مَهْرَ المِثْلِ، وَقِيلَ: لاَ يَقَعُ أَصْلاً، وَقِيلَ: لاَ يَقَعُ إِلاَّ وَاحِدَةٌ، أَمَّا إِذَا أَتَى بِصِيغَةِ التَّعْلِيقِ فَقَالَ: مَتَى مَا أَعْطَيْتنِي أَلْفاً فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَهَذَا تَعْلِيقٌ

الجزء: 8 - الصفحة: 403

مَحْضٌ فَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى قَبْولِهَا وَلاَ إِلَى إِعْطَائِهَا فِي المَجْلِسِ وَلاَ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الإِعْطَاءِ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ أعْطَيْتِنِي فَهْوَ كَذَلِكَ إِلاَّ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالإِعْطَاءِ بِالمَجْلِسِ، لأَنَّ قَرينَةَ ذِكْرِ العِوَضِ يَقْتَضِي التَّعْجِيلَ، وَلاَ يَنْدَفِعُ إِلاَّ بِصَرِيحِ قَوْلِهِ مَتَى مَا.
قال الرَّافِعِيُّ: مقصود الفَصْل بيانُ ما ينجذب (1) إليه الخُلْع من الأصول، ويشتمل عليه من الشوائب.
قال علماء الأصحاب: إن جعلنا الخُلْع فسخاً، فهو معاوضةٌ محضةٌ من الجانبَيْن، لا مدخل للتعليق فيه، بل هو كابتداء النِّكَاح والبيع؛ ألا ترى أنَّه لا يشترط وروده على عِوَض النكاح، بل يجوز إيراده على عوض جديد، فلو قال: خَالعْتُكِ على مِائَةٍ فَقَبِلَتْ على خمسين، أو قالت: خَالِعْنِي بمِائة، فخالَعَها بخمسين، أو بخمسين فخالَعَها بمائة، لم يصِحَّ؛ كما لو قال: بعْ عبْدك مني بمائة، فباعه بخمسين، أو بخمسين فباعه بمائة، وإن جعلْنَاه طلاقاً، أو جَرَى لفظ الطلاق صريحاً، فيُنْظَر في كيفية ما جَرَى أبَدَأَ الزوج بالإِيقاع، أم بدأت الزوجة بسؤال الطلاق والتماسه.
القسم الأول: إذا بدأ الزَّوْجُ بالطَّلاق، وذكر العِوَضَ، فهو معاوضة فيها شائبَةُ التعليق، أما جهَةُ المعاوضة، فهي أنَّه يأخذ مالاً في مقابلة ما يخرجه من ملكه، وأما شائبة التعليق، فلأن وقوع الطلاق يترتب على قَبُول المال أو بَدَله، كما يترتب الطلاق المعلَّق بالشروط عليها، ثم تارةً يغْلِبُ معنى المعاوضة، وأخرى معنى التعليق، وأخْرَى يُرَاعَى المعنيان، ويختلف ذلك بالصيغ المأتي بها؛ فإن أتى بصيغة المعاوضَةِ، وصورتها، فقال: خالَعْتُكِ بكذا أو على كذا، أو طَلَّقْتُكِ أو أنت طالقٌ على كذا، فيغلب معنى المعاوضة وثبتت أحكامها، حتى يجُوزَ له الرجوعُ قبل قبولها، ويلغو قبولها بعد رجوعه، ويشترط قبولها باللفظ من غير فصل، كما في البيع وسائر العقود (2)، فلو تخلَّلَ زمانٌ طويلٌ، أو اشتغلت بكلامٍ آخَرَ، ثمَّ قبِلَتُ لم ينفذ.
ولو اختلف الإِيجابُ والقَبُولُ؛ بأن قال: طلقتك بألف فقبلت بألفين، أو قال: طلقتك بألف فقبلت بخمس مائة [لم] يصح؛ كما في مثله في البيع وغيره، هكذا ذكر صاحب "التهذيب" وغيره

-[رحمهم الله]-

وفي "الشامل": أنَّه لو قال أنْتِ طالقٌ بألْف1314

الجزء: 8 - الصفحة: 404

فقبلتْ بألفين صحَّ، ولا يلزمها إلاَّ الألْفُ؛ لأنه لم يوجب إلاَّ ألفاً، والظاهر الأول، وكذا لو قال طلَّقْتك ثلاثاً بألف، فقالت: قبلْتُ واحدةً على ثُلُث الألف لم يصح، كما إذا قال بعْتُكَ هذا العَبْد بألف، فقال: قبلتُ ثلثه بثُلُث الألف، ولو قالت: قَبِلْتُ واحدةً على الألف فوجْهَان.
أحدهما: وهو المذكور في "التتمة" أنه لا يقع شيءْ؛ لأنها لم تقْبَل إلاَّ ثلث ما أوجب، وإذا لم يتفق الإِيجاب والقبولُ، لمْ يَصِحَّ المعاوضةُ كما لو قال: بعْتُكَ هذين العبدين بألف، فقال: قَبِلْتُ أحدهما بألف لا يصحُّ البيع، وأظهرهما الوقوع؛ لأن القبول من جهة المرأة إنَّمَا يعتبر سبب المال، وإلاَّ فالزوج مستقل بالطلاق، فإذا قبلت المالَ والتزمته، اعتبرنا في الطلاق 15 جانبَ الزَّوجْ، وأما البيع فقد قال الشيخ أبو علي رحمه الله: يُحْتَمَل أن يَصِحَّ تخريجاً، على القول بالصِّحَّة فيما إذا وكَّله ببيع عبده بمائة، فباعه بمائة وثوب وبتقدير ألا يَصِحَّ، فالفرق أن البَيْع محضُ معاوضةٍ، والخُلْع فيه تعليق الطلاق بالمال وتحصيله، فإذا حَصَل، وقَع ما أوقَعَه، وله ولاية إيقاعه، وإذا قلْنا بوقوع الطَّلاق فبما يقع فيه وجهان: أحدهما: أن تقع واحدة, لأنَّها لم تقبل إلاَّ واحدةً، ويلغو ما لم يتَّصل به القول؛ ألا ترى أنَّها لو لم تقبل شيئاً، لا يقع شيء، وإذا قَبِلَتِ الثلاث يقع الثلاث.
وأظهرها: على ما ذكره الشيخ أبو عليٍّ وصاحب الكتاب: أنَّه يقع الثلاث وبه قال القَفَّال -رحمه الله-؛ لأن قَبُولَها إنما يحتاج إليه للمال، وأما أصْل الطلاق وعدده، فالزوج مستقل بهما، وفيما يستحق الزوج عليها، وإذا قلنا بوقوع الطلاق وجْهَان: أظهرهما: وبه أجاب الشيخ أبو محمد وابن الحداد -رحمهم الله- أن المستحَقَّ الألْفُ؛ لأن الإِيجاب والقَبُول متعلقان به وواردان عليه.
والثاني: ويحكى عن ابن سُرَيْج: أنَّه يفسد العوض المذكور؛ لاخْتِلاَفهما في عدد الطلاق إيجاباً وقبولاً، وهذا الاختلاف ينبغي أن يؤثر في العوض، وإن لم يؤثر في الطلاق، وإذا فَسَد العوض، كان الرُّجُوع إلى مهْر المثل، قال الشيخ أبو علي: وهذا الوجْه على قَوْلنا أنَّه لا يقع الثلاث أظْهَرُ منه على قولنا: يقع الثلاث وإن أتى الزوج بصيغة التعليق، نُظِرَ؛ إن قال: متى أعطيتني كذا، أو متى ما أعطيتني أو أي وقت أو حين أو زمان، فيغلب معنى التعليق ويثبت أحكامه، ويجعل كالتعليق بسائر الأوصاف حتَّى لا يحتاج إلى القَبُول باللفظ، ولا يشترط الإِعْطَاء في المجلس، بل تطلق متى وجد الإِعْطَاء، وليس للزوج الرجوع قبل الإِعطاء، وإن قال: إن أعطيتني أو إذا أعطيتني كذا،

الجزء: 8 - الصفحة: 405

فأنْتِ طالق، فله بعض أحْكَام التعليقات؛ حتى لا يحتاج إلى القبول اللفظي ولا رجوع للزوج قبل الإِعطاء وبعض أحكام المعاوضات، وهو اشتراط الإِعطاء في المجلس أما ثُبُوت أحكام التعليق، فلأن اللفظ والتعليق بـ"مَتَى"، وأما اشتراط الإِعطاء في المجلس فلأن ذكر العِوَض قرينةٌ تقتضي التَّعْجيل؛ لأن [يرد] الإِعراض بتعجيل في المعاوضات، وإنما تركْنَا هذه القضية في "متى" وأخواتها, لأنها صريحةٌ في جواز التأخير شاملةٌ لجميع الأوقات و"إن" لا تشملها، وإنما تقتضي التعليق والاشتراط فقط؛ ألاَ ترى أنَّه ينتظم أن يقال: إن أعطيتني، وإذا أعطيتني الآن، أو ساعة كذا، فلم تصلُحْ "إن"، و"إذا" دافعةً للتسوية -المقتضية-[لثبوت] التعجيل هكذا سوى الأكثرون بَيْن "إن" و "إذا"، واختار الشيخ أبو إسحاق الشيرازي -رحمه الله- إلحاق "إذا" بـ"متى" وقال إنَّها تفيد ما تفيد "متى" محتجَّا بأنه إذا قيل: إلى متى أَلْقَاكَ، جاز أن يقول: إذا شئت كما يقول: "متى" و"أي وقت" شئت، ولا يجوز أن يقول: إن شئت، ثم ذكر صاحب "التتمة" أن اشتراط التعجيل مخصوصاً بما إذا كانت الزوجة حرَّةً أمَّا إذا كانت الزوجة أمةً، وقال: إن أعْطَيْتِنِي ألفاً فأنت طالقٌ فلا يعتبر الفَوْرُ في الإِعطاء، بل يقع الطلاقُ، مهما أعْطَتْه وإن امتد الزمان؛ لأنها لا تقدر على الإِعطاء في المجلس؛ لأنَّه لا يَدَ لَهَا الغالب، ولا مِلْكَ، بخلاف ما إذا قال: إن أعْطَيْتِنِي زِقَّ خَمْر، فأنت طالقٌ، حيث يشترط الفور، وإن لم تملك الخمر؛ لأن يدها قد تشتمل على الخمر، قال: ولو أعطته الأمَةُ ألفاً من كسبها، حصَلَتِ البينونة، لوجود الصفة، وعليه رد المال إلى السيد، ومطالبتها بمهر المثل، إذا عَتَقَتْ.
والمراد من المَجْلِس الذي يشترط فيه التعجيل مَجْلِسُ التواجب، وهو ما يحصل به الارتباط بين الإِيجاب والقبول، ولا نَظَر إلى مكان العقْد، فكأن الإِعطاء نازلٌ منزلة القَبُولِ، فاعتبر فيه الاتصال المعتبر في الإِيجاب والقبول، وفيه وجْه حكاه القاضي ابن كج وغيره: أنَّه يقَع الطلاق إذا أعطته قبل أن يتفرقا، وإن طالت المدة، ويجعل مجْلِس التخاطب جامعاً كما في القبض في الصَّرف والسّلْم، والمذهب الأول.
وقوله في الكتاب: "فَهُوَ كَذَلِكَ" معلَّم بالواو، ولأن صاحب "التهذيب" حكى وجْهاً: أنّه يجوز للزوج الرجوعُ قبْلِ الإِعطاء، وهو الذي أورده صاحب "المهذب"، فلا تكون "إِنْ" على ذلك الوجْه كـ"مَتَى"، ويقرب منه ما حكاه القاضي ابن كج عن أبي الطيِّب بن سلمة: أن الزوج بالخيار بين أن يقبل الألف الذي أحضرته وبين ألاَّ يَقْبَلَ.
وقوله: "إِلاَّ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بالإِعطاء بالمَجْلِسِ" معلَّمٌ بالألِفِ؛ لأن عند أحمد -رحمه الله- كلمةُ إنْ بمثابة "مَتَى"؛ في أنَّه لا يشترط تعجيل الإِعطاء، وبالواو؛ لأن عن "شرح التلخيص" حكاية وَجْهِ مثْلِه.

الجزء: 8 - الصفحة: 406

قَالَ الغَزَالِيُّ: فَأمَّا جَانِبُ المَرْأَةِ فَمُعَاوَضَةٌ مَحْضَةٌ حَتَى يَجُوزَ لَهَا الرُّجُوعُ قَبْلَ الجَوَابِ وَإِنْ أَتَتْ بِصَرِيحِ صِيغَةِ التَّعْلِيقِ وَقَالَتْ: مَتَى مَا طَلّقْتَنِي فَلَكَ أَلْفٌ وَيَخْتَصُّ الجَوَابُ بِالْمَجلِسِ أَيْضاً نَعَمِ احْتُمِلَ مِنْهَا صِيغَةُ التَّعْلِيقِ لِشَبَههِ بِالجَعَالَةِ فَإنَّهَا بَذَلَتِ المَالَ فِي مُقَابَلَةِ مَا يَسْتَقِلُّ بِهِ الزَّوْجُ، وَلِذَلِكَ لوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي ثَلاَثاً عَلَى أَلْفٍ فَقَالَ طَلَّقْتُكِ وَاحِدَةً عَلَى ثُلُثِ الأَلْفِ اسْتَحَقَّ الثُّلُثَ كَمَا فِي نَظِيرِهِ مِنَ الجَعَالَةِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ قَالَ الرَّجُل ابْتِدَاء: طَلَّقْتُكِ ثَلاَثاً عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلَتْ وَاحِدَةً لَمْ يَقَعْ لأَنَّ مَا أَتَى بِهِ صِيغَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ قَالَ: خَالعْتُكُمَا عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلَتْ وَاحِدَة عَلَى خَمْسِمِائَةٍ لَمْ يَنْفَذْ لأَنَّ الجَوَابَ لَمْ يُوَافِقْ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ قَالَتَا: طَلِّقْنَا فَأَجَابَ إِحْدَاهُمَا نَفَذَ، وَإِنْ قَالَ: خَالَعْتُكِ وَضَرَّتُكِ فَقَبِلَتْ صَحَّ لأَنَّ المُتَعَدِّدَ هُوَ المَعْقُودُ عَلَيْهِ فَقَطْ.
قال الرَّافِعِيُّ: القسْم الثَّاني: إذا بدأت الزوجةُ بسؤال الطلاق والتماسه، فأجابها الزوج، فهو معاوضةٌ فيها مشابةٌ الجَعَالةِ، أما أنها معاوضةٌ، فلأنَّها تحصل الملك في البُضْع بما تبذله من العوض 16، وأما شائبة الجَعَالَةَ؛ فلأنها تبذل المال في مقابلة ما يستقل به الزوج، وهو الطلاق، وإذا أتَى بِهِ وَقَعَ المَوْقع وحَصَل عِوَضُهِما، كما أن الجَعَالة ببذل الجاعل المال في مقابلة ما يستقل العامل به، في وقوعه الموقع، وتحصيل الغرض؛ ولأن الجاعل يلتمس ما فيه خَطَرٌ قد يتأتى وقد لا يتأتى والمرأة تلتمس من الزَّوْج الطلاقَ القابلَ للتعليق بالأخطار والأغرار، ويجوز لَهَا الرُّجوع قبل جواب الزوج؛ لأن هذا هو حُكْم المعاوضات والجَعَالات جميعاً، ولا فرق بين أن تأتي بصيغةِ التعليق، فَتَقُول: إن طلقتَنِي ذلك كذا، أو متى طلقتَنِي، وبين أن تقول: طَلقني على كذا؛ فإنه معاوضة في الحالتين من جِهَةِ أن المال هو الذي يتعلق بها، والمال لا يقبل التعليق، بخلاف الطَّلاَق من جانب الرَّجُل، وكأن قياس كوْنِه معاوضة ألاَّ يجوز التعليقُ فيه، كما لو قال: إن بعْتِنِي فلكِ كَذَا, ولكن لِمَا فيه من شائبة الجَعَالة احتملت فيه صيغةُ التعليق، كما لو قال: إن رددت عنْدِي فلك كذا، فكان الطلاق لسرعة نفوذه لمَّا احتمل فيه التعليق، وجعل معلقه كمنجز البيع، احْتُمِلَ في التماسه التعليقُ أيضاً، بخلاف البيع، ويشترط أن يُطَلِّقهَا في مجلس التواجُبِ على قاعدة المعاوَضَات، سواءٌ فيه صيغةُ المعاوضة، وصيغةُ التعليقِ، ولا فَرْق بيْنَ أن يعلق بـ"إِنْ" أو بـ"مَتى"، فلو طلقها بعد تخلُّل مدة طويلة، حمل على الابتداء؛ لأنَّه قادرٌ عليه، ولم يلحقوه في هذا الحكم بالجعالة؛ فإن رد العبد في الجَعَالة في المجلس لا يشترط، هذا هو الظَّاهِرُ، ويجوز أن

الجزء: 8 - الصفحة: 407

يعلم قوله في الكتاب: "وَيَخْتَصُّ الجَوَابُ بِالمَجْلِسِ" بالواو؛ لِمَا هو مذكور في الكتاب في الفصل الثالث من الباب الرابع.
ولو قالت: طلِّقْني ثَلاَثاً على ألف، فقال: طلَّقْتُك واحدةً على ثُلُث الألف، أو اقتصر على قوله طلقتك واحدةً، وقعت الواحدة، واستحق ثلث الألف، كما لو قال في الجَعَالة، رُدَّ عبيدي الثلاثة، ولك كذا، فرد واحداً استحق ثُلُثَه، وليس كما إذا قال الزوج ابتداءً طلَّقْتُكِ ثلاثاً على ألف، فقالت: قبلْتُ واحدةً بثلثه؛ حيث قلنا: إنَّه لا يقع شيء؛ لأن ما أتى به الزوج صيغةُ معاوضة، فرتب عليه أحكام المعاوضات، وحكى الشيخ أبو علي وجْهاً: أنَّها إذا سألتِ الثَّلاَث، فطَلَّق واحدةً لم يقَعْ شيء وغلط قائله.
ولو قال لامرأتيه خالَعْتُكُمَا بألف، أو طلقتكما، أو أنتما طالقَتَانِ، بكذا فقبلت إحداهما وحْدَها, لم يقَعْ شيء؛ لأن القَبُول لم يوافق الجواب، كما لو قال: بعتكما هذا العَبْد بألْف، فقال أحدهما؛ قبلْتُ، وقد مر في "تفريق الصَّفْقة" من "كتاب البيع" وجْهُ: أنَّه يصح البَيَع في حَقِّ القائل، ولا بُدَّ من مجيئه هاهنا، وقد صَرَّح به صاحب "التتمة" والظاهر الأول، وبمثله أجَابَ صاحبُ "التَّهْذِيبِ" فيما إذا قال: طلقْتُ إحداكما بألْفٍ، ولم يعينْ، فقالتا: قبلْنَا.
ولو قال: خالعْتُكِ وضرَّتَك بكذا، فقبلتْ، صحَّ الخُلْع، ولزم المال المسمى؛ لأن هناك جرى الخِطَاب معهما وهاهنا الخطاب مع واحدة، وهي مختلعة لنفسها وقابلةٌ لضرتها، كما يقبل الأجنبي الخُلْعَ، ولو قالت له امرأتاه: طَلِّقنا على ألْف، وطلق إحداهما، يَقَع عليها دون الأخرى، كما لو قال رجلان: رُدَّ عبدَيْنَا بكذا، فرد أحدهما دون الآخر، والمال مثلهما أو نصف مثلها الواجب على التي طلَّقها منهما مهر المثل، أو حصتها من المسمى، إذا وزع على مهر المسمى توزيعاً الرؤوس فيه اختلاف قول، والأصحُّ الأول، ويجري الخلاف في الواجب على كلِّ واحدة منهما، إذا طلَّقَهُما جميعاً، وهذا الخلاف هو الخلاف المذكور في باب "الصَّدَاق" وفيما إذا خَالَع امرأتيه على ألف، وقِيلَتَا، أنَّه يصح المسمَّى أو يفسد إن صح، فالتوزيع على مهر المثل أو الرؤوس، وإن فَسَد، فالواجبُ مَهْر المثل، أو ما يقتضيه التوزيع، والخلاف على ما ذكر الشيخ أبو حامد مخصوصٌ بصورة الإِطلاق، أما إذا قال طلقْتُكُمَا على ألْف مُنَاصَفَةً أو قالتا: طلِّقْنا على ألْف مناصَفَةً، فلا خلاَفَ أنَّه يكون كذلك، ولو قالَتْ: طلِّقَني [بأَلْف] 17 فقَال: طَلَّقْتُكَ بخمسمائةٍ يقع الطلاق، وتجب الخمسمائة، كما لو قال: رُدَّ عَبْدِي بألف، فقال: رددته بخمسمائة، ورده لا يستحق إلاَّ خمسمائة، وفيه وجْه، أشار

الجزء: 8 - الصفحة: 408

إليه في "التَّتِمَّة" أنَّه لا يقع ويغلب معنى المعاوضة، وقد سبق في "البيع" أنَّه لو قال: بِعْنِي هذا بألف، فقال: بعْتُه بخمسمائة، لا يصحُّ ويمكن أن يقدَّر فيه خلاف؛ لأنا حكينا في البيع عن "فتاوى القَفَّال" أنَّه لو قال: بِعْتُكَ بألف دِرْهَمٍ، فقال: اشترَيْتُ بألف وخمسمائة درهم، أنَّه يصح البيع والصورتان متشابهتان، هذا بيان ما قال الأصحاب بأن الخُلْع معاوضةٌ، وفيه شائبةُ التعليقِ من جانب الزوج، وشائبةُ الجَعَالةِ من جانب الزَّوْجَة، وقد ظَهَر أن الغالب عليه أحكام المعاوضات وربما تولجها شيء من أحكام التعليق والجَعَالة, لأن العرق نَزَّاعٌ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَتَا: طَلِّقْنَا وَارْتَدَّتَا فَأَجَابَهُمَا ثُمَّ عَادَتَا إِلَى الإِسْلاَمِ صَحَّ الخُلْعُ وَإِنْ تَخَلَّلَ كَلِمَةَ الرِّدَّةِ وَهَذَا الكَلاَمُ اليَسِيرُ لاَ يَضُرُّ.
قال الرَّافِعِيُّ: قصد بهذه القضيَّة الكلامَ فيما إذا تخلَّل بين الإِيجاب والقَبُول في الخُلْع كلام آخرُ، وهذا شيء ولو أخره إلى ذكْر الصيغة لَكَان أحْسَنَ، وقد مر في "البَيْع" وغيره، أنَّه لا ينبغي أن يتخلل بَيْن الإِيجاب والقبول كلامٌ لا يتعلق بهما، فإن تخَلَّل، بَطَل الارتباطُ بينهما، وذلك في الكَلاَم الكثير، فأما الكَلاَم اليسير، فقد أطلق الإِمام فيه حكايةَ وجهَيْنِ 18، فقال: الصحيح أنَّه لا بأس به، واحتج محتجون لهذا الوجه منهم القاضي الحسين -رحمه الله- بأن الشافعيَّ -رحمه الله- نَصَّ على أنَّه لو قالت له امرأتاه: طَلِّقْتَا بألف، ثم ارتَدَّتَا، ثم طلقهما، كان الطلاق موقوفاً فإن رجعتْ إلى الإِسلام في العِدَّة لزمَهُما، ونَحْن نشرح هذه المسألة [أوَّلاً] , ثم نرجع إلى ما يتعلق بالاحتجاج بها على المَقْصد المذكور، ونقدم على شرحها أنَّه إذا سألت المرأة الواحدة الطَّلاَق بعوض ثم ارتدتْ عَقيبَ السؤال، ثم أجابَها الزوج، فينظر؛ إن كان قبل الدُّخُول فتتنجز الفُرْقَة بالردة، ولا يقع الطلاقُ ولا يلزم المَال، وإن كان بعد الدخول، فالطَّلاق موقوفٌ، فإن أصرَّتْ إلى أن انقضت العدة، فلا طلاق ولا مال، وإن عادت إلى الإِسلام، بَانَ وقوع الطلاق، ولزم المال، وتُحْتَسَب العدة من وقت الطلاق، ولو قالَتْ له امرأتاه: طَلِّقْنا بألْف، وارتدَّتَا، ثم أجابهما، فإن لم يكن دخل بهما لغا الطلاق، وكذا لو كان قد دخل بهما وأصرتا إلى انقضاء العدة، دمان عادتا إلى الإِسلام قبل انقضاء العدَّة، تبين وقوع الطلاق عليهما.
وقال الحناطي: ويحتمل أن يقال: لا يقع ويجعل اشتغالهما بكلمة الرِّدَّة إعْراضاً ورجوعاً عن ذلك الالتماس، وفي العوض الواجب على كل واحدة، الخلاف المذكور في الفصْل السابق، وإن أصرت إحداهما، وعادت الأخرى، لم يَقَعِ الطلاقُ على

الجزء: 8 - الصفحة: 409

المُصَرَّة، ويقع على العائدة، وفيما يلزمها الخلافُ السابقُ، وفي "المجرد" حكايةُ وَجْهٍ آخَرَ أنَّه يلزمها جميعُ المسمَّى، ولو ارتدَّتْ إحداهما، ثم أجابهما، وكان ذلك قبل الدخول أو بعده، وأصرت إلى انقضاء العدة، وقَع الطَّلاَقُ على المُسْلِمة دون المرتَدَّة، وكان كذلك كما لو أجاب إحداهما دون الأخرى، إذا عرف ذلك، فمن احتمل تخلُّل الكلام اليسير، احتَجَّ بهذه المسألة؛ فإن تخلل الردة لم يقْطَعْ الارتباطَ بين الكلاميين حتى حكَمْنا بصحة الخُلْع عند العود إلى الإِسلام، ومن لم يحتمله قال: الكلام في صورة النَّصِّ وُجِدَ من المرأتين المخاطبتين، ولا يلزم من احتمال ذلك احتمالُه من المخاطَب المَطْلُوب منْه الجوابُ، فإن المخاطب قد يشتغل إذا تم الخِطَاب بشَيْء آخَر، وهو مع ذلك متوقِّع للجواب طالب لهُ، وأما المخاطب فاشتغاله يُشْعر بالإِعراض عن الجواب لكن قضية هذا الفرق أن يُقَال: لو ابتدأ الزوج، فقال: طلَّقْتُكِ بألف، فارتدَّتْ ثُمَّ قَبِلَتْ، لا يصحُّ الخُلْع، وإن عادت إلى الإِسلام، ولم يجر الأئمة على ذلك بل أجاب صاحب "التهذيب" فيما إذا ابتدأ الزوج بمثل الجواب الَّذي بيَّنَّاه فيما إذا ابتدأت المرأة بالالْتِمَاس، ولو قال لامرأتيه: طَلَّقْتُكُمَا على ألْفٍ، فارْتَدَّتَا، ثم قبلتا، فإن لم يدْخُلْ بهما أو دخَل وأَصَرَّتَا إلى انقضاء العدة لُغِيَ الخُلْع، وإن كان قد دَخَل بهما، وعادتا إلى الإِسلام في العدة، صَحَّ الخُلْع في حقهما، وإن عادت إحداهما، وأصَرَّتِ الأخرى، بطَل الخُلْع في حقِّهما جميعاً، وكان ذلك كما لو قِبلَتْ إحداهما دون الأخرى، وقدَ مَّر أنَّه إذا ابتدأ والزوج بالإِيجاب فلا بدّ من توافقهما على القَبُول؛ بخلاف ما إذا ابتدأت المرأتان بالالتماس، ولو خاطبهما كما ذكَرْنا وارتدَّتْ إحداهما، ثم قبلَتَا، فإن كانت المَرأة غَيْرَ مدخول بها أو مدخولاً بها، وأصَرَّت إلى انقضاء عدَّتِها، فالخُلْع باطلٌ في حقِّها، وإن عادت إلى الإِسلام في العدة، صحَّ في حقهما، وإن كانت الردَّةُ بعد إيجاب الزوج، كالردة بعد التماس الزوجة، عُرِفَ أن تَخَلُّل الكلام اليسير، لا يضُرُّ، ويؤيده ما مر في باب الأذان؛ أن الكلام اليسير لا يبْطِلُه، ولو ارتدَّتَا بعد الدخول، ثم قالتا: طَلِّقْنَا بألْف، فأجابهما، وعادَتَا إلى الإِسلام، وقع الطلاق، وحكى الحناطي خلافاً في أنَّه يكون رجعيّاً أو يجب البدل، وهذا الخلاف عجيبٌ والقَوْل في خُلْع المرتدة سيَعُودُ إن شاء الله تعالى وبه أستعين.
قال -رضي الله عنه-:

البَابُ الثَّانِي فِي أَرْكَانِ الخُلْعِ

وَهِيَ خَمْسَةٌ: العَاقِدَانِ وَالعِوَضَانِ وَالصِّيغَةُ (الأَوَّلُ: المُوجِبُ): وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِلاً بالطَّلاَقِ، وَيَصِحُّ خُلْعُ السَّفِيهِ وَلَكِنْ لاَ يَبْرَأُ المُخْتَلِعُ بِتَسْلِيمِ المَالِ إِلَيْهِ بَلْ إِلَى الوَلِيِّ.

الجزء: 8 - الصفحة: 410

قال الرَّافِعِيُّ: لا شك أنَّ الخُلْع يجْري بين اثنين، وفيه عَوضٌ ومُعَوَّض، وله صيغةٌ يعقد بها [فهذه خمسة أركان، والباب معقود] لبيانها الأوَّل: الزَّوْج وهو المُوجب ابتداء، والمجيب لسؤال الطَّلاَق بناءً، ويشترط أن يكون ممن ينفذ طلاقُه، فلا يصحُّ خُلْع الصبي، والمجنون، ويصح من المَحْجُور عليه، بالفَلَس والسَّفَه، سواءٌ أذِنَ الولي أو لم يأذن، وسواء كان العِوَض قَدْرَ مهر المثل، أو دُونَه، فإنَّ ذلك لا يزيد على الطلاق مَجَّاناً، وطلاقها مَجَّاناً نافذ، لكن لا يجوز للمختلع تسليمُ المال إلى السفيه، بل يسلمه إلى الوليِّ، فإن سلم إلى السفيه وكان الخُلْع على عين مال، يأخذها الوليُّ من يده، فإن تَرَكَها في يده حتى تَلفَ بعد العلْم بالحال، ففي وجوب الضَّمَان على الوليِّ وجهان: حكاهما 19 الحناطي، وإنْ تلف في يد السفيه، والوليُّ لا يعلم التسليم، فيُرْجَعُ على المختلع بمهر المثل في أظهر القولين وبقيمة العين في الثاني؛ لأنَّه حصل التلف قبل الوصول إلى مستحق القبض، وإن كان الخُلْع على دَيْن، فيرجع الوليُّ على المختلع، بالمسمى؛ لأنَّه لم يجر قبْضٌ صحيح، تحصلى به البَرَاءة، ويسترد المختلع من السفيه، ما سلمه إليه، فإن تلف، فلا ضَمَان عليه؛ لأنه الَّذي ضيَّع مالَه بالتسليم إليه، فصار كمَنْ باع من السفيه شيئاً وسلَّمَه إليه، فَتَلِفَ عَنْده، وهذا كلُّه فيما إذا كان التسليمُ إلى السفيه بغير إذْن الوليِّ، فإن كان بإذنه ففي الاعتدادِ بِهِ وجهان عن الداركي، وفي "المُجَرَّد" للحناطي، تعرض للوجهين وترجيح لوجه الاعتداد 20. ويصحُّ خُلْع العبد، وإن لم يأذَنِ السيد، وكان العِوَضُ دون مَهْر المثل، ويدخل العِوَض في ملك السيد 21 قهراً كأكسابه، على ما مَرَّ في باب مداينة العَبِيد، والمختلعُ لا يسلَّم المال إليه، بل إلى السَّيِّد فإن سلمه إليه، فعلى ما ذكرنا في السفيه، إلاَّ أن ما يَتْلَفَ في يد العبد، يطالبه المختلع بضمانه، إذا أعتق, لأن الحَجْر على العَبْد؛ لحَقِّ السيد، فيقتضي نفي الضمان ما بقي حق حجر السيد، والحَجْر على السفيه لِحَقِّ نَفْسه،

الجزء: 8 - الصفحة: 411

بسبب نقصانه، وذلك يقتضي نفي الضمان حالاً ومآلاً، وخلع المدبر والمُعْتَق بعضه كخُلْع القنِّ فإنْ جرت مهايأة بين من بعضه حر، وبين سيده، فليكن عوض الخُلْع من الأَكْسَاب النادرة، وليجيء فيه الخلافُ، وأما المكاتَبُ، فيسلمُ عِوَضُ الخُلْع إليه؛ لصحة يده واستقلاله، وقوله في الكتاب: "وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقِلاً بِالطَّلاَق" لفظ الاستقلال إنما يحسن إطلاقه فيما له مقابِلٌ ويحوج إلى مشاورة ومراجعةٍ أو يدخل تحت ولاية، والطَّلاَق ليس بهذه المشابه، فالمعتبر أن يكون الزَّوْج بحيث ينْفَذُ طلاقُهُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّانِي: القَابِلُ): وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ أَهْلاً لالْتِزَامِ المَالِ، وَالْتِزَامُ المُكَاتَبَةِ المَالَ فِي الخُلْعِ تَبَرُّعٌ، وَالْتِزَامُ الأَمَةِ فَاسِدٌ يُوجِبُ الرُّجُوعَ إِلَى مَهْرِ المِثْلِ إِذَا عُتِقَتْ، وَقِيلَ: يُثْبَتُ المُسَمَّى وَيُطَالَبُ بَعْدَ العِتْقِ، وَاخْتِلاَعُهُمَا بِإِذْنِ السَّيِّدِ صَحِيحٌ، وَلاَ يَكُونُ السَّيِّدُ ضَامِناً لِلمَالِ فِي الجَدِيدِ.
قال الرَّافِعِيُّ: يشترط في قَابِل الخُلْع من الزوجة أو الأجنبيِّ أن يكون مُطْلَق التصرف في المال، صحيحَ الالتزام، والمحجورون أنواعٌ: فَمنهم: المَحْجُور؛ بسَبَب الرِّقِّ، فإذا كانت الزوْجَة [المختلعة] أَمَةً -لم يَخْلُ: إِمَّا أن بختلع بغَيْر إذن السيد، أو بإذنه، فإن اختلعت بغير إذْنِه نُظِرَ إن اختلعت بغير مال السيد، ففي أمالي أبي الفَرَج السرخسي حكايةُ قولٍ عن الإِملاء: أنَّه يَقَع الطلاق رجعيّاً؛ لأنَّه إذا علم أن المال للسيد، و [أنه] لا إذْنَ منه، لم يكن طامعاً في شَيْء وكان كما لو خَالَع السَّفِيه، والمشهور أنَّه تحصل البينونة، كالخُلْع على الخَمْر والمغصوب والمستحق عليها مهر المثل أو بدل تلك العين فيه قولان: أصحُّهُما: أوَّلُهمُا وإن اختلعتْ على دَيْن، حصلت البينونة، والمستحق عليها مهر المثل، كما لو تزوَّج العبد بغَيْر إذن السيد، ووَطِئَ, يكون الواجب مهْرَ المثل، أو المسمَّى، ويصح التزامها، ويرفع الحَجْر عما تعلق بالذمة فيه وجهان أو قولان مُشَبَّهان بالخلاف في صحة شرائه وضَمَانِهِ بغَيْر إذن السيد، والذي أجاب به العِرَاقيُّون في هذا الخِلاَف ثُبُوت المسمَّى، ويحكى كذلك عن اخْتيار القَفَّال والشيخ أبي عليٍّ [أيضاً] , ولكن نظم الكتاب يقتضي ترجيح القول بأن المستحِقَّ مهْرَ المثل، وهو المذكور في "التهذيب" والموافق لِمَا مَرَّ في الشراء والضمان، فإنَّا بيَّنَّا أنَّ الأصَحَّ فيهما البُطْلاَن.
وما حكمنا بثبوته في اختلاعها، بغير إذن السَّيِّد يتعلق بِذِمَّتِهَا تطالب به بعد العتق، ولا مطالبة في الحال محافظةً على حق السيد، وإن اختلعتْ بإذْن السَّيِّد، فإمَّا أن يبين العِوَض أو يطلق الإِذن، فإن بينه، نُظِرَ، إنْ كان عيْناً مِنْ أعيان ماله، نَفَذ الخلع، واستحق الزوج تلْك العين، وإن قُدِّرَ دَيْناً بأن قال: اختلعي نفسك بألف، ففعلتْ، تعلَّقَ الألف بكَسْبِها، كمَهْرِ العبد في النكاح المأذون فيه وإن زادت على ما قدر، فالزيادة في

الجزء: 8 - الصفحة: 412

ذمَّتِها، وإن قال: اختلعي بما شِئْتِ اختلعت بمَهْرِ المثل، وبالزيادة علَيْه إنْ شاءت، وتعلَّق الكُلُّ، بكَسْبها.
قاله في "التهذيب" وكأنه أراد بمهر المثل وإلاَّ فقد ذكرنا في "الوَكَالَة"، لو قال لوكيله: بعْه بما شئْتَ، لا يجوز لَهُ البَيْع بالغَبْن، وإنَّمَا يجوز بغير نقْد البلد، وقضية ذلك إلاَّ يَكُون الزائد على مَهْر المِثْل هاهنا مأذوناً فيه، وإن أطلق الإِذن في الاختلاع، فقضيته مهْر المثل، فإن اختلعت بقَدْر مهر المثل أو دونه، تعلَّق بكسبها وإن زادَتْ فالزيادة في ذمتها، وما تعلق بكسبها عنْد الإِذن، يتعلَّق بما في يدها من مال التجارة، إن كانَتْ مأذونةً في التجارة أيْضاً، وإذا جَرَى الخُلْع، بإذن السيِّد والعِوَض دَيْن، ففي كون السيد ضامناً له الخلافُ المذكور في أنَّه هلْ يكون ضامناً للمَهْر إذا أذن للعبد في النكاح.
واختلاع المكاتَبَة بغَيْر إذْن السيد كاختلاع الأَمَة بغير إذنه؛ لتعلق حَقِّ السيِّد بكسبها وما في يدها، وإن اختلَعَتْ بإذنه فطريقان 22: أظهرهما: أنَّه على القولَيْن في هبة المكاتَبِ وتبرعاته بإذْن السيد، ووجه كونه تَبَرُّعاَ أنَّه تفويت مالٍ لا بعوضٍ مَالِيٍّ.
وإن قلْنَا: لا يصحُّ وهو المنصوص هاهنا، فخالعها بالإِذن كهو بغير الإِذْن، اختلعت بالدَّيْن أو بالعَيْن، وقد بيَّنَّا الحُكْم فيهما، وحكى الحناطي وجهاً، فيما إذا اختَلعَتْ بعين من مال السيد، بغير إذْنِه، أنَّه يرجع بالأقَلِّ من مهر المثل أو بَدل العين، ولا بدّ من مجيئه في الأَمَة، إن صحَّحْنا تبرُّعَه بالإِذْن فَكَمَا ذَكَرْنا فيما إذا اختلعتِ الأَمَة بالإِذْنِ.
والطريقُ الثَّاني: القَطْع بالبُطْلاَن بخِلاَف سائر التبرُّعات فإنه يتعلَّق بها معه ثَوَاب دنيويّ وأخروي وليس في الخُلْع مثْل هذه الفائِدَةِ، وأنَّه يفوت مرافق النِّكَاح على المُخْتَلِعَة فلَيس لَهَا تفْويتُ المَال عليه، والقول الذَّاهب إلى أن السَّيد يكون ضامِناً لعوض الخُلْع في حق الأمة، لا يجيء في اخْتلاَع المُكَاتبة ذَكره الشيخ أبو الفرج الزاز -رحمه الله- وعلَّل بأن للمكَاتَبَة يَدَاً ومالاً يُطْمِع فيه الزَّوْجَ بخِلاَف الأمة.
وقوله في الكتاب: "وَالْتِزَامُ المُكَاتَبَةِ المَالَ فِي الخُلْعِ تَبَرُّعٌ" وإشارة إلى أنَّه على خلافٍ في تبرُّعَات المكاتَب بإذن السيد.
وقوله: "والْتِزَامُ الأَمَةِ فَاسِدٌ" إنما يطلق لفْظ "الفَسَاد"؛ للرجوع إلى مَهْر المثل، ونزوله منزلة الخُلْع، على الأعواض الفاسدة وعلى الوجْه الذي نَقُول بثبوت المسمَّى يطلق القول بصحته؛ كخلعها بالإِذن.

الجزء: 8 - الصفحة: 413

فَرْعٌ: اختلع السيد أمَتَه الَّتي هي تحت حُرٍّ أو مكاتَبٍ على رقَبَتها.
قال إسماعيل البوشنجي: تحصلت فيه بعد إمعان النظر على وَجْهَيْنِ: أحدهما: أنَّه تحصل الفُرْقَة، ويكون الرجوع إلى مَهْر المِثْل؛ لأنَّه خُلْع على بدل لم يسلَّم له، فإن البَدَل هو تَمَلُّك الرَّقَبة، وفُرقة الطلاق وتملك الرقبة لا يجتمعان، وإذا لم يسلَّم البدل أشْبَهَ ما إذا خالَعَها على خَمْر أو مغصوبٍ وأصحهما أنَّه لا يصحُّ الخُلْع أصْلاً؛ لأنَّه لو حَصَلَتَ الفُرْقَة، لقارنها مِلْك الرقبة؛ فإن العوضين يتساوقان 23 والملْك في المنكوحة يمنع وقوع الطلاق، وهذا كما قال الأصحاب فيمن علَّق طلاق زوجته المملوكة لأبيه على مَوْت أبيه، أنَّه لا يقع الطلاق، إذا مات الأَبُ؛ لأنَّ حصول الملك فيه حالَةَ مَوْتِ الأب يمنع وقُوعَ الطلاق، حتى لو كان الأَبُ قَدْ قال: إذا مِتُّ فهي حُرَّةٌ يقع الطلاق عند مَوْت الأب، والله أعْلَمُ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَاخْتِلاَعُ السَّفِيهَةِ فَاسِدٌ لاَ يُوجِبُ المَالَ وإِنْ كَانَ بِإِذْنِ الوَلِيِّ وَلَكِنْ إِذَا قَبِلَتْ وَقَعَ الطَّلاَقُ رَجْعِيّاً، وَإِذَا اخْتَلَعَت الصَّبِيَّةُ لَمْ يَقَعِ الطَّلاَقُ رَجْعِيّاً لأَنَّ لَفْظَهَا فِي القَبُول فَاسِدٌ، وَالمَرِيضَةُ إِنِ اخْتَلَعَتَ بِمَهْرِ المِثْلِ صَحَّ، وَالزِّيَادَةُ تُحْتَسَبُ مِنَ الثُّلُثِ دُونَ الأَصْلِ (ح).
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومن أسباب الحَجْر السَّفَهِ، فإذا قال لزوجته المحجورِ عليها بالسفه: خالَعْتُكِ على ألْف، أو طلَّقْتُكِ على ألف فقبلَتْ، وقع الطلاق رجْعيّاً، سواءٌ قبلَتْ ذلك بإذن الولي، أو دون إذنه، ولا يلزمها المَالُ؛ لأنَّهَا ليست من أهل التزام المال، وليس للولي صَرْفُ مالها إلى هذه الجهة، وإن لم تقْبَلْ لا يقع الطلاق؛ لأنَّ الصيغة تقتضيه، فهو كما لو علَّق الطلاق على صفةٍ لا بدّ من حصُولها, ولو قال لها: طَلَّقْتُك على ألفٍ إن شئْتِ، فقالت على الاتصال: شِئْتُ، يقع الطلاق رجعياً أيضاً، ولو ابتدأت فقالت: طلَّقْنِي على كذا، فأجابها، فكذلك الجواب.
ولو كانَتْ له امرأتان رشيدة مطلقةٌ ومحجورٌ عليها، فقال: طلَّقْتُكُمَا على كذا، فقَبِلَتَا، وقع الطلاق على المطلقة بائِناً، وعليها مهْرُ المِثْل على الأصحِّ، وعلى السفيهة رجعيّاً، وإن قبِلَتْ إحداهما وحْدها لم يقع عليها شيْءٌ، ولو كانتا سفيهتين، فقال: طلقتكما على ألف، فقبلتا، وقَعَ الطلاق عليهما رجْعِيّاً.
وإن قبِلَتْ إحداهما وحدها لم يقع شَيْء، ولو ابتدأتا فقالتا: طلِّقْنَا على كذا، فطلقهما، وقَعَ الطلاقُ على السفيهة رجعيّاً وعلى الأخرى بائِناً، وإن أجاب السفيهةَ وقَع

الجزء: 8 - الصفحة: 414

الطلاقُ عليهما رجعيّاً وإن أجاب الأخرى وقع بائناً، وأصول هذه الصورة قد تقدَّمَتْ.
وقوله وأنْتُمَا طَالِقَتَانِ عَلَى ألْفٍ إنْ شِئْتُمَا كقوله: "طَلَّقْتُكُمَا علَى ألْف" في جميع ذلك.
ومنها الجُنُون والصِّغَر، فقبول المجنونة والصغيرة اللَّتانِ لا تمييز لهما لَغْوٌ، ويلغو قول الزوج لها: أنْتِ طالِقٌ على كذا, ولو قال ذلك لصغيرة مميِّزَةٍ فقَبِلَتْ ذلك ففيه وجْهَان: أحدهما: أنَّه لا يقع الطلاق أصْلاً؛ لأنها ليست أهلاً للقبول ولا عبرة بعبارتها بخلاف السفيهة.
والثاني: أنَّه يقع رجعيّاً كما في السفيهة ويكتفى بقبولها للوقوع كما اكْتِفُيَ بقبول السفيهة، وإن لم تكن أهلاً للالتزام، والوجهان قريبان من الوجهين فيما إذا قال للصبيَّة أنْتِ طالقٌ إن شئت، فقالت: شئْتُ أو هما هما والوجْه الأول أظهَرُ عنْد الإِمام والمصنِّف

-[رحمهما الله]-

وهو الذي أورده في الكتاب، ورجَّح صاحب "التهذيب" الثانِيَ، ويؤيده أن أبا سعْدٍ المتولِّيَ ذكر أن هذا الخلاف مبنيٌّ على القولين في أن الصبيَّ هل له عمر؟ والأصحُّ في تلْك المسألة أن له عمراً.
ومنْها: مرَضُ الموت، فإذا اختلعت في مرض الموْتِ نُظِرَ إن اختلعتْ بمهر المثل، أو أقَلَّ، نفَذَ ولم يعتبر من الثلث، وقد مَرَّ في خُلْع المكاتَبَة أنَّ الخُلْع تبرُّعٌ وقضيته أن يعتبر من الثُّلُث، وإن كان بمهر المثل، أو أقلَّ، قال الأئمة، التصرُّفِ على المريض أوسَعُ وملْكُه أتَمُّ؛ ألا ترى أن له أنّ يَصْرِفَ المال إلى ملاذه وشهواته، وأنَّه يجوز له نكاحُ الأبْكَار بمهور أمثالهن، وإنْ لم يقدِرْ على الاستمتاع بهِنَّ، وأنَّه يجب عليْه نفقةُ الموسرين، والمكاتَبُ لا يتصرف إلاَّ بقَدْر الحاجة، ولا يجب عليه إلاَّ نفقةُ المُعْسِرِين ونُزِّلَ الخلعُ في حق المكاتَبَةِ منزلةَ التبرُّعات, لأنه من قبيل قضاء الأوطار الَّذي يُمْنَع منه المُكَاتَب دون المريض، وإن اختلعت بأكثر من مهر المثل، فالزيادة، كالوصية للزوج، فتعتبر 24 من الثلث، ولا تكون كالوصية للوارث؛ لخروجه بالخُلْع عن أن يكون وارثاً، فإذا اختلعتْ بعبد قيمتُه مائةٌ ومهر مثلها خمسمون، فقد حابت بنصف العبْد، فيُنْظَر، إن خرجت المحاباة من الثُّلُث، فالعبد كلُّه للزوج عوضاً ووصيةً، وحكى الشيخ أبو حامد وجْهاً آخر أن له الخيارَ بَيْنَ أن يأخُذَ العَبْد وبين أن يفْسخ العقْد فيه، ويرجع إلى مَهْر المثل؛ لأنه دخل في العقد على أن يكون كلُّ العبد عوضاً، وقد صار بعضُه عوضاً، وبعضُه وصيةً، والظاهر الأول؛ لأن الخيار إنَّما يثبت للتشقيص، والعَبْدُ له بتمامه، وإن لم يخرج من الثلث، بأن كان عليها دَيْن مستغرقٌ، لم تصح المحاباة،

الجزء: 8 - الصفحة: 415

والزوج بالخيار بَيْن أن يمسك نصْفَ العبد، وهو قَدْر مهر المِثْلِ، ويرضى بالتشقيص، وبين أن يَفْسَخ المُسَمَّى، ويضارب الغرماء بمهر المثْل، وإن كان لها وصايا أُخَرُ، فإن شاء الزوج أخَذَ نصْفَ العبد، وضارب أصحابَ الوصايا في النصف الآخر؛ لأنه في النصْف الآخر كأحدهم وإن شاء فَسَخ المسمى، وتقدم بمهْر المثل على أصحاب الوصايا, ولا حقَّ له في الوصيَّة, لأن الوصيَّة له كانَتْ في ضمن المعاوضة وقد ارتفعت بالفَسْخ، وإن لم يكن دين ولا وصية ولا شيء لها سوى ذلك العبد، فالزوج بالخيار، إن شاء أخَذَ ثُلُثَيِ العبد، نِصْفَه بمهر المثل، والسدُسَ الباقِيَ بالوصية، وإن شاء فَسَخ، وليس [له] إلا مهْرُ المثل.
وأمَّا مرض الزوج، فلا يؤثِّرُ في الخُلْع بل يصحُ خلْعُه في مرض الموت، وإن كان بدون مهر المثل؛ لأن البُضْع لا يبقى للوارث، وإن لم يجر خُلْع، فلا معنى للاعتبار من الثلث؛ كما لو أعتق مستولدته في مرَض المَوْت لا يعتبر من الثُّلُث، ولأنه لو طلق امرأته بلا عوَضٍ في مرض المَوْت، لا يعتبر قيمة البُضْع من الثلث، فكذلك إذا نقص عن مهر المثل.
وقوله في الكتاب: "دُون الأَصلْ" معلَّم بالحاء؛ [لأن] (1) عند أبي حنيفة

-[رحمه الله]-

إذا اختلعت المرأة في مَرَض الموت، يعتبر جميعُ العوضِ من الثلث، وإن كان دون مهر المثل، وهو إحْدَى الروايتين عن مالك -رحمه الله-، والرواية الأخرى أنَّه إن كان العوض بقدر ما يرث من مالها, لولا الخلع، لم يعتبر من الثلث، وإن كان أكثر، فالزيادة من الثلث؛ لأنَّ الزيادَةَ كانت تَفُوتُ على الورثة، لولا الخُلْع، بخلاف قَدْر الميراث، ويروى عن أحمد -رحمه الله- مثْلُ ذلك.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الثَّالِثُ المُعَوَّضُ): وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَمْلوكاً لِلزَّوْجِ فَلاَ يَصِحُّ خُلْعُ البَائِنَةِ وَالْمُخْتَلِعَةِ، وَيَصِحُّ خُلْعُ الرَّجْعِيَّةِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ لِقَيَامِ الْمِلْكِ، وَيَصِحُّ خُلْعُ المُرْتَدَة إِنْ عَادَتْ إِلَى الإِسْلاَمِ قبْلَ العِدَّةِ، وَإِنْ أَصَرَّتْ تَبَيَّنَ الطَّلاَقُ.
قال الرَّافِعِيُّ: إنما يبذل المال في الخُلْع؛ لإِزالة الملْك عن البُضْع وهو المعوض، ويشترط أن يكون مملوكاً للزوج؛ ليقابل العوض إزالته.
فأمَّا البائنةُ من المختلعة وغَيْرها، فلا يَصِحُّ خُلْعُها؛ لأنَّه لا ملك فيها، وفي خُلْع الرجعية قولان: أصحُّهما: أنَّه يصحُّ، ويثبت الملْك؛ لأنها كالمنكوحة؛ ألا ترى إلى استمرار أكثر أحكام النكاح.25

الجزء: 8 - الصفحة: 416

والثاني: لا يصح؛ لزوال الملك، وفقْدَان الحاجة إلى الافتداء، ورأى أبو سعيد المتولي بناءَ القولين على الخِلاَف في أن الطلاق الرجعيّ، هل يُزِيل ملك النكاح، أم لا؟ وهذا أصل يذكر في "كتاب الرجعة" وعن رواية الشيخ أبي علي وجه فارقٌ إنَّه يصحُّ اختلاعها بالطلقة الثالثة، دون الثانية؛ لأن الثالثة تفيد الحُرْمَة الكبرى, والثانية لا تفيد شَيْئاً وإذا قُلْنا: أنه لا يصحُّ خُلْع الرجعية، فحكاية الإِمام وغيره عن الأصحاب -يرحمهم الله- أنَّه يقع الطلاق رجْعياً، إذا قبلت، كما في السفيهة.
ولو خالع المرتدة المدخولَ بها، فهو موقوف إن عادت إلى الإِسلام قبل انقضاء العدَّة، تبين صحة الخُلْع، ولزوم المالُ المُسَمَّى وإلاَّ تبين أن الخُلْع باطلٌ وأن النكاح قد انقطع من وقت الردة، وكذا الحكم لو ارتد الزوج بعد الدخول، أو ارتدا معاً ثم جرى الخُلْع، وكنا لو أسلم أحد الزوجين الكافرين بعد الدخول، ثم تخالَعَا وأطلق في "التَّتِمَّة" القوْلَ بأنَّه لا يصح الخُلْع بعْد تبديل الدَّيْن, لأن الخُلْع فيه معنى المعاوضةِ، والمعاوضةُ تستدعي الملْك في المعقود عليه، وهي كالزائلة عن ملْكه؛ ولذلك يحكم بالفُرْقَة من وقت التبديل إذا لم يجمْعهما الإِسْلام في العدة، وهذا يقتضي إعلام قوله في الكتاب: "وَيَصِحُّ خُلْعُ المُرْتَدَّة إِنْ عَادَتْ إِلَى الإِسْلاَم قَبْلَ العِدَّةِ" وإلى الخلاف أشار في "الوسيط" بقوله: "وَلَهُ 26 التَّفَاوُتُ إلَى وَقْفِ العُقُودِ" والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكنُ الرَّابعُ: العِوَضُ): وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونُ مَعْلُوماً مُتَمَوَّلاً، فَإِنْ كَانَ مَجْهُولاً فَسَدَ الخُلْعُ وَنَفَذَت البَيْنُونَةُ بِمَهْرِ المِثْلِ، وَإِنِ اخْتَلَعَتْ بِخَمْرٍ أَوْ مَغْصُوبٍ لَزِمَ مَهْرُ المِثْلِ فِي قَوْل، وَقِيمَتُهُ فِي قَوْل، وَلَوْ اخْتَلَعَتْ بِالدَّمِ وَقَعَ الطَّلاَقُ رَجْعِيّاً لأنَّهُ لا يُقْصَدُ، وَالْمَيْتَةُ قَدْ تقْصَدُ فَهِيَ كَالْخَمْرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: عِوَضُ الخُلْع سبيلُه سبيل الصَّدَاق، فلا يتقدر، ويجوز أن يكون قليلاً وكثيراً، عَيْناً ودَيْناً، ويشترط فيه أن يكون معلوماً متموَّلاً مع سائر شرائط الأعواض، كالقُدْرة على التسليم، واستقرار الملْك وغيرهما وتفصيله بصُوَرٍ إحداها: لو خَلَع على مجهول، حَصَلت الفُرْقَة، وكان الرجوعُ إلى مَهْر المثل 27، أما حصول

الجزء: 8 - الصفحة: 417

الفرقة؛ فلأن الخُلْع إما فَسْخ النكاح، أو طلاقٌ إن كان فسخاً، فالنكاح لا يفْسُدُ بفساد العوض، فكذلك فَسْخه، إذ الفسوخ تحكي العقود، وإن كان طلاقاً، فالطلاق يحصل بلا عوض، وماله حصول بلا عوض يحصل مع فساد العوض، كالنكاح، بل أَوْلَى؛ لقوة الطلاق وسرايته، وأما الرجوع إلى مَهْر المثل؛ فلأن قضية فساد العوض ارتدادُ العِوَضِ الآخر، والبُضْعُ لا يرتد بعد حصول الفُرْقَة، فوجب رَدُّ بدله على ما سبق في فَسَاد الصَّداق ومن صور الجهل ما إذا خالع على عبد أو ثَوْب من غير تعيين، ولا وصف، ومنها الخُلْع على حمل البهيمة، أو الجارية، ولا فَرْق بيْن أن يقول: خَالَعْتُكِ على حمل هذه الجارية، وبين أن يقول: خالَعْتُك بما في بطنها، وعن أبي حنيفة أنَّه إذا خالَعَهَا على حَمْل الجارية، فإن كان معها حمل، صحَّ الخُلْع بذلك الحمل، وإن لم يكن حَمْلٌ، رجع عليها بما أخذَتْ من مهر المثل.
وإن قال: خالَعْتُكِ بما في بطْن هذه الجارية، فإن كان مَعَها حمل، ثبت المُسَمَّى، وإلاَّ لم تستحقَّ شيئاً، وعن مالك -رحمه الله- يجوز الخُلْع بالحمل، وزاد فقال: لو قال: خالعْتُكِ على ما ستحمل هذه الجارية أو الشجرة، يصح بالتسمية تشبيهاً بالوصية، وأطلق صاحب "التهذيب" وغيره أن عند أبي حنيفة: أنَّه يسقط الأجل، ويصح العوض والخُلْع ولو خالع بألف إلى أجل مجهول أو خالع بشَرْط فاسد، كما إذا شَرَط ألا ينفق عليها، وهي حامل، أو على أن لا سُكْنَى لها، أو لا عدَّة عليها، أو أن يطلق ضرتها يوجب الرجوع إلى مَهْر المثل، كما ذكرنا في الشروط الفاسدة في النِّكَاج.
[ولو] خالَعَهَا على ما في كَفِّهَا، فإن لم يعلم ما في كفِّها، أو علم ولم نُصَحِّحْ بيع الغائب، فالرُّجُوع إلى مهْر المثل، كما في سائر المَجَاهِيل، وإن علم وصحَّحْنا بيع الغائب، صحَّتِ التسمية، وإن لم يكنْ في كفِّها شيْءٍ، ففي "الوسيط" أنَّه يقَعُ الطلاق رجعيّاً، والذي حكَاه غيْره، أنَّه يكون بائناً والرُّجوع إلى مهر المثل ويُشْبه أن يكون الجواب الأوَّل فيما إذا كان عالماً بصورة الحال.
والثاني: فيما إذا ظَنَّ في كفها 28 شيئاً، وعن أبي حنيفة: أنَّه ينزل على ثلاثة دراهم، ووجه بأن المقبوض في الكَفِّ ليس إلاَّ ثَلاَثة؛ لأنَّه لا معنى لقَبْض الإِبْهَام والمسبحة 29، ثم المعاملة تقع بالنَّقْد فكان التنزيل عليه أوْلَى، وينزل من النقد على الدراهم, لأنها أدْنَى.

الجزء: 8 - الصفحة: 418

والثانية: إذا خالعها على ما ليس بمال؛ كخمْرٍ، وخنزيرٍ، وحُرٍّ بانت، فالرجوع إلى مهْر المثل، أو إلى بدل المذْكُور فيه قولان: أصحهما: أولهما 30 وهما كالقولين فيما إذا أصْدَقَها خمراً أو خنزيراً، ولو خالع على مغصوب فكذلك، ويُفرق بيْن أن يقول: خالَعْتُك على هذا العبد، فبان حُرّاً وبيْن أن يقول: خالَعْتُكِ على هذا الحُرِّ في أظْهَر الطريقين، حتَّى يقطع بوجوب مهر المثل في الصورة الثانية؛ لفساد الصيغة، وكذا يُفرق بين أن يقول: خالَعْتُك على هذا العبد، فَبَانَ مستحقَّا، وبيْن أن يقول: خَالَعْتُكِ أو طلَّقْتُكِ على هذا العبد المغصوب، حتى يقطع بوجوب مهر المثل في الصورة الثانية.
وعن أبي حنيفة، ومالك وأحمد -رحمهم الله-: أنَّه إذا خالَعَهَا على خَمْر أو خنزير، بَانَتْ منه ولا شيءَ عليها، وعن القاضي حسين وجْه: فيما إذا خالَعَ على خَمْر أو مغصوب أنَّه يقع الطلاق رجعيّاً, لأن المذكور ليس بمال، فلا يظهر طَمَعُه في شيْء، والمشهور ما سبق، ولو خالعها على دَم، وقَعَ الطَّلاق رجعيّاً، وعلَّل بأنَّه لا يقصد بحال، فكانه لم يطمع في شيء، وقَدْ يتوقف في هذا؛ فإن الدم قد يُقْصَدُ لأغراض، ثم قضيته أن يقال: إذا أصْدَقَها دماً يجب مهر المثل لا محالة، فيكون ذكر الدم كالسكوت عن المهر، والمَيْتَةُ قَدْ تُقْصَدُ لإِطعام الجوارح، ولأوقات الضرورة؛ فالخُلْع عليها كالخُلْع على الخمر والخنزير، لا كالخلع على الدم.
وقولُه في الكتاب: "فَإِن كَانَ مَجْهُولاً فَسَدَ الخُلْعُ ونَفَذَتِ البَيْنُونَةُ" ليعلَّم بالواو؛ لأن في "التَّتِمَّةَ" ذكر وجه أنَّه لا تحصل الفرق في صورة الجَهْل وسائر صور فساد العوض، بناءً على أن الخُلْع فَسْخ، وأنه لو خالعها, ولم يذكر عوضاً، لا تحصل الفرقة، ووجْهه إلحاقُ الفَاسِد بالمَعْدُوم.
وقوله: "بمَهْر المِثْلِ" معلَّم بالحاء؛ لمَا سبق، وكذا قوله فِي الاخْتِلاَعِ بِالخَمْرِ والمَغْصُوبَ "لَزِمَ مَهْرُ المِثْلِ في قَوْل، وقيمته في قولٍ" معلمان بالحاء والميم والألف و [لا] يجوز إعلامهما بالواو؛ للوجه المَذْكُور في سائر صور فساد العوض، أنَّه لا تحصل الفرقة؛ فإنه إذا لم تَحْصُل الفرقة، لا يلزم هذا ولا ذاك وأيْضاً فللوجه المذكور عن

الجزء: 8 - الصفحة: 419

القاضي الحُسَيْن فيما إذا خَالَع على خمر أو خنزيرٍ أو مغصوب؛ أنَّه يقع الطلاقُ رجْعيّاً؛ لأن المذكور ليس بمال، فلا يظهر طمعه في شيء.
الثالثة: الخُلْعُ على ما لا يقدر المختلع على تسليمه، وما لم يتمَّ ملكه عليه، كالخلع على الخَمْر والخنزير في جريان القَوْلَيْن، ولو خالعها على عَيْن، فتلفت قبل القَبْض، أو خرجَتْ مستحقة، أو خرجت مَعِيبةً، فردَّها أو وَجَد فيها صفةً تخالف الصفة المشروطَة اطَّرَد القولان في أن الرجوع إلى مَهْر المثل، أو بدل المذكور، ولو خالع على ثَوْب في الذِّمَّة، ووصَفَه كما ينبغي، فأعطته ثوباً بتلْك الصفة، فَبَانَ معيباً فَلَهُ رده، ويطالب بمثله سليماً، كما في السلم، وإن قال: إن أَعْطَيْتِنِي ثوْباً صفَتُه كذا وكذا، فأنْتِ طالقٌ، فأعْطَتْه ثوباً بتلك الصفات، طُلِّقَتْ، فإنْ خرج مَعِيباً، فرَدَّه عاد القولان في أن الرجوع إلى مهر المثْل، أو بدل ذلك الثَّوْب؛ سليماً لأن بالتسليم تَعَيَّن وتعلَّق بعينه الطلاقُ؛ فأشبه ما إذا طلَّقَها أو خَالَعها عليه، بخلاف الصورة السابقة، فإن الطلاق هناك تعلق بعوض في الذمَّة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: خَالِعْهَا بِمِائَةٍ فَخَالَفَ الوَكِيلَ وَنَقَصَ بَطُلَ الخُلْعُ وَلَمْ يَقَعِ الطَّلاَقُ، وَلَوْ قَالَ: خَالِعْهَا مُطْلَقاً فَنَقَصَ عَنْ مَهْرِ المِثْلِ فَفِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا): يَبْطُلُ كَمَا لَوْ قُدِّرَ بِالمِائَةِ (وَالثَّانِي): أَنَّهُ يَنْفَذُ وَيَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ (وَالثَّالِثُ): أَنَّهُ يُخَيَّرُ الزَّوْجُ بَيْنَ المُسَمَّى وَمَهْرِ الْمِثْلِ (وَالرَّابعُ): يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَرْضَى بِالْمُسَمَّى وَبَيْنَ أن يَجْعَلَ الطَّلاَقَ رَجْعِيّاً (وَالخَامِسُ): أَنَّهُ إِنْ رَضِيَ بِالمُسَمَّى فَذَاكَ وَإِلاَّ امْتَنَعَ الطَّلاَقُ.
قال الرَّافِعِيُّ: يجوز التوكيلُ بالخُلْع، من جانب الزوجة والزوج جميعاً، كما يجوز التوكيل بالبيع والنكاح وغيرهما، وسنتكلم فيمن يجُوز أن يكونَ وكيلاً في الخُلْع ومن لا يجوز في الركن الخامس من الباب؛ لأن طَرَفاً منْه مذكورٌ هناك، والمقصود هاهنا ذكْرُ ما يتعلق بالعوض فِي مخالعة الوكيل والموكل، أما وكيل الزوج، فإن قَدَّرَ له [الزوجُ] مالاً، بأن قال: خالِعْها بمائة، فينبغي أن يخالعها بالمائة، أو أكثر ولا ينقص، وإن خلع بمائة التوكيل بالخلع وثوب، فهُو كما لو قال: بعْ عَبْدِي بعشرة، فباع بعَشَرة وثوْبٍ وقدْ مَرَّ، وإن أطلق التوكيل بالخُلْع، فينبغي أن يُخَالع بمَهْر المِثْلِ أو أكثر، ولا ينقص، وصورة إطلاق التوكيل أن يقول: وَكَّلْتُكَ بخلع زوجتي، أو خالعْهَا ولا يُقَدِّر مالاً، ويكفي هذا في التصوير إن قلنا: إنَّ مُطْلَقَ الخلع يقتضي المال، وإن قلنا: لا يقتضيه، فيشترط أن يقول: خالعها 31 بمال، أو بالمال، فإن نقص الوكيل عن المائة في صورة

الجزء: 8 - الصفحة: 420

التقدير، فالنص أنه لا يقع الطلاقُ، وإن نقص عن مهر المثل في صورة الإِطلاق، فالنَّصُّ وقوعُ الطَّلاَق وفيها طريقان للأصحاب: أحدهما: الأخْذ بظاهر النَّصيْن وهُو الَّذي أورده الشيخ أبو حامد، والفَرْق أنَّ النقصان عن القَدْر مخالفةٌ لصريح قوْله، فلا يكون المأتيُّ به مأْذُوناً فيه، والنقصان عن مَهْر المثل لا يخالف صريح قوله، بل اللفظ مُطْلَقٌ يشمل مهر المثل وغيره، وللطلاق قوةٌ وغلبةٌ، فعموم اللفظ يقتضي وقُوعَه، وأثر المخالفة يظهر في العِوَض على ما سيأتي وأصَحُّهما التَّسْوية بين الصورتين، وجعلهما على قولين: أحدهما: وهو اختيار المُزَنِيِّ أنَّه لا يقع الطلاقُ، كما لو وكَّله بالبيع [بمائة] 32، فنقص أو بالبيع مطلقاً، فينقص عن ثمن المثل.
والثاني: يقع؛ لأن أصل الطلاق مأذونٌ فيه والمخالفةُ في العِوَض، كفَسَاد يتطرق إلَيْه، وأشبهَ ما إذا خالَعَهَا الزَّوْجُ علَى عِوَض فَاسِدٍ أيْضاً وسنَذْكُر أن وَكِيلَ الزَّوْجَة إذا خالَفَ يقَع الطَّلاق، فكذلك هاهنا، واتفق الناقلون على أن الأصحّ من القولَيْن فيما إذا نَقَص عن المقدر، عَدَمْ الوُقُوع، وأما إذا نقص عن مهر المثل في صورة الإِطلاق، فكذلك ورَجَّح صاحب "التهذيب" عَدَمَ الوقوع، وكأنَّه أقوى توجُّهاً لكن العراقيون والقاضِي الرُّويَانِيُّ وغيرهم رجَّحوا الوقوع وإذا قلْنا بالوقوع ففي كيفيته قولان: أصحهما: وهو نصُّه في الإِملاء: أنَّه لا خيار فيه للزَّوْج، بل يقع بائناً، ويجب مهر المثْل، كما لو فَسَد العوض، بأن ذَكَر خَمْراً أو خِنْزيراً.
والثاني: أن للزوج خِيَاراً، وفيما فيه الخيارُ قولان: أظهرهما: أن نفس الطَّلاق لا خيار فيه، بل الطلاق واقعٌ، وإنَّما الخيار في المال وفي كيفيته قولان: أحدهما: أنَّه بالخيار بَيْن أن يرضى بما سَمَّاه الوكيل، وبين أن يطالب بمَهْر المثل؛ لأن لفظه عامٌّ، فله أن يريد به المُسَمَّى، وإن أراد مهْرَ المثل، فهو قضية الإِطلاق، وقد يكون له غرض غير المُسَمَّى، وإن كان دون مهر المثْل وهذا التوجيه يختص بصورة الإِطلاق.
وأصحُّهما: وهو نصُّه في الأم: أنَّه بالخيار بين أن يَرْضَى بالمُسَمَّى، وبين أن لا يَرْضَى فيندفع المَالُ ويكون الطلاق رجْعِيَّا؛ لأنَّه لا يمكن إجْبَاره على المُسَمَّى؛ لأنَّه دون ما يقتضيه الإِذْن، ولا يمكن إجبارها على المُقَدَّر ولا على مهر المثْل عند الإِطلاق؛ لأنَّه فوق ما رضيتْ به فلزم اندفاع المال.

الجزء: 8 - الصفحة: 421

والثاني: ويحكى عن رواية الشيخ أبي علي في شرح "التَّلْخِيص" أنه يتعلق بالخيار بنفس الطلاق، قال: فإن رضي بالمُسَمَّى، فذاك، وإلاَّ رُدَّ المال والطلاق، قال في "الوسيط": وهذا يكاد يكُون وَقْفاً للطَّلاَق، ويجوز أن يحتمل وقْف الطَّلاَق إن لم يحتمل وقفُ البيع والنكاح؛ لأن الطلاق يقْبَلُ التعليق بالإِغراء، لكن قضيته أن يوقف طلاق الفضولي، ويمكن أن يقال: لَيْسَ هذا يوقف الطلاق، لكن الطلاق مَنُوطٌ بِعِوَضٍ قابل للرَّدِّ، فإذا رد العوض انعطف الرد على الطلاق، وإذا نزِّلَتِ التنزيل المذكور، حصَلَتْ خمسةُ أقوال، كما في الكتاب إلا أنَّه أوْرَدَهَا في صورة الإِطْلاق، وإن لم يورد في صورة التقدير إلاَّ عدم الوقوع، وليعلم قوْلُه، "ولم يقع الطلاق" بالواو للطريقة الثانية، ويجوز أن يعلَّم قولُه: "أقوال" في الصورة الثانية بالواو؛ لأن مساق الطريقتين يقتضي جزم إحْدَى الطريقتين بالوقوع في صورة الإِطلاق، وخلع الوكيل بغَيْر نَقْد البَلَد، أو غير جِنْس المسمى، أو بقدر مَهْر المثل مؤجَّلاً، كخُلْعه بما دون المُقَدَّر، أو مَهْر المِثْل، ففيه الخِلاَفُ المذْكُور.
قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا وَكِيلُهَا بِالاخْتِلاعَ بِمِائَةٍ إِذَا زَادَ فَالنَّصُّ وُقُوعُ البَيْنُونَةِ، وَفِيمَا يَلْزَمُهَا قَوْلاَنِ: (أَحَدُهُما): مَهْرُ المِثْلِ (وَالثَّانِي): يَلْزَمُهَا مَا سَمَّتْ وَزَيَادَةُ الوَكِيلِ أَيْضاً يَلْزَمُهَا إِلاَّ مَا جَاوَزَ مِنْ زِيَادَتِهِ عَلَى مَهْرِ المِثْلِ، وَإِنْ أَضَافَ الوَكِيلُ الاخْتِلاَعَ إِلَى نَفْسِهِ صَحَّ وَلَزِمَهُ المُسَمَّى، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالإِضَافَةِ إِلَيْهَا وَلاَ إِلَى نَفْسِهِ حَصَلَتِ البَيْنُونَةُ وَعَلَيْهَا مَا سَمَّتْ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الوَكِيلِ، وَفِي قَوْلٍ آخَرَ الزِّيَادَةُ عَلَيْهَا أَيْضاً مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَهْرَ المِثْلِ فَإِنْ جَاوَزَ مَهْرَ المِثْلِ فَهِيَ عَلَى الوَكِيل، وَإِنْ أَذِنَتْ مُطْلَقاً فَهُوَ كَالمُقَدَّرِ بِمَهْرِ المِثْلِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: بَانَ الحُكْم فيما إذا خالف وكيل الزوج في عوض الخُلْع، وأمَّا وكيلُها في الاختلاع، فإمَّا أن تقدر له العِوَض أو أطلقت التوكيل.
الحالة الأولى: إذا كانت قَدْ قدرت، فقالت: اخْتَلِعْني بمائة، فإن اختلع بها، أو بما دُونَها بالوكالة عنها، نَفَذ، والقول في أنه هل يطالبه الزَّوْج به وأنَّ له مع الوكالة أن يخلع مستقلاً مذكورٌ في فَصْل خُلْع الأجنبي، وإن اختلع بأكْثَرَ من المائة، وأضاف فقال: اخْتَلَعْتُهَا بكذا من مالها بوكالتها، [فالذي] 33 نص عليه الشافعيُّ -رضي الله عنه- أنَّه تحْصلُ البينونة.
وقال المُزَنِيُّ: لا تحصل، كما لو خالف الزوجُ فنقص عن المقدَّر، وفَرَّق الأصحاب من وجهين:

الجزء: 8 - الصفحة: 422

أحدهما: أن مالك الطلاق هو الزوجُ فإذا خالفه نائبه، لم ينْفَذْ [منه]، والمرأة لا تملك الطَّلاق، وإنما إلَيْها قَبُول المال، فمخالفة وكيلها تؤثر في المال، والبينونة لا يندفع بفساد المال المجعول عِوَضاً.
والثَّاني: أن الخُلْع من جانب الزَّوْج نازعٌ إلى التعليق، فكأنَّه علَّق الطلاق بذلك المقدَّر، فإذا نقص الوكيل لم تحصل الصفة، وجانب الزوجة بخلافه، وفيما علّق عن الإِمام أن ما ذكره المزنيُّ قولٌ مُخْرَجٌ عن أصل الشَّافعي -رضي الله عنه-، قال: وأرى كل اختيار له تخريجاً، فإنَّه لا يخالف أصول الشافعيِّ -رضي الله عنه- لا كأبي يوسف ومحمد؛ فإنهما يخالفان أصول صاحبهما، وُيشْعر به قولُه في الكتاب "فَالنَّصُّ وُقُوعُ البَيْنُونَةِ"؛ لأن مثل ذلك إنما يطلق حيث يكون ثَمَّ تخريجٌ، الذي ذهب إليه المزنيُّ أنَّه لا يقع الطلاق أصلاً، وفي "المجرد" للحناطي حكايةُ قولٍ آخرَ، أنَّه يقع الطلاق ولا يلزمُها شيْء ولا الوكيل، والظَّاهر من المَذْهب حصول البينونة، وفيما على الزوجة قولان: أصحُّهما: وهو نصَّه في الإِملاء أنَّ الواجب عليها مهْر المثل، زاد على ما قدرته أو نقص؛ لأن عوض الخُلْع إذا فسد كان الرجوع إلى مهر المثل.
والثاني: عن نصِّه في "الأم" أن الواجب أكْثَرُ الأمرين من مهْر المثل، وما سمته هي؛ فإنْ كان مهر المثل أكْثَرَ فهُو المرجوع إلَيْه عنْد فساد المسمى وإن كان الذي سمَّتْه أكثر لزمها؛ لأنها قد رضَيتْ به والتزمته، وإذا كان مهْر المثل زائداً على ما سَمَّاه [الوكيل، لم تجب الزيادة على ما سماه] 34 على هذا القول، وكذا لو كان [ما] 35 سمَّاه الوكيلُ أكْثَرَ من مهْر المثْل لا تجب الزيادةُ؛ لأنَّ الزوج رَضِيَ به، وعبر في الكتاب عنْ هذا القَوْل بأنَّه "يلزمها ما سمَّتْ وزيادة الوكيل أيْضاً" يلزمها إلاَّ ما جاوز من زيادته على مَهْر المثل"، فلا تَجِبُ تلْك الزيادة، وأهْمل الطَّرَف الآخر، وهو أن يَكُون مَهْر المِثْل أكْثَرَ، فإذا قُدِّرَتْ مائة، وسَمَّى الوكيل مائتين، ومهر مثلها تسعون، فالواجب تسعون على القول الأول، ومائةٌ على الثاني، ولو كان مهر المثل مائةً وخمسين، فالواجب مائةٌ وخمسون على القولين، ولو كان مهْرُ المثل ثلاثمائة، لم يجبْ على القول الثاني إلاَّ مائتان، والعبارة الوافية بمقصود القول أن يقال؛ يَجِبْ عَلَيْها أكْثَرُ الأمرين ممَّا سمَّتْه هي ومن أقل الأمرين من مهْر المثل، وما سماه الوكيل وحُكِيَ قول ثالث: أنَّه إذا زاد الوكيل، فالمرأة بالخيار إن شاءت أجازت بما سَمَّى الوكيل، وإن شاءت ردَّتْ، وعليها مهر المثل، وهل يطالَبُ الوكيل بالواجب عليها؟ قال الأئمة -رحمهم الله-: لا يطالَبُ إلا أن يقول على أني ضامن، فيطالَبُ بما سمى، وإذا أخذه الزَّوْج منْه، ففي "التهذيب"

الجزء: 8 - الصفحة: 423

أنه لا يرجع عليها إلاَّ بمَا سَمَّت ويجيء فيه قَوْل آخر أنَّه يرجع بالواجب عليها، وهو مَهْر المثل، أو أكثر الأمرين منه ومما سمته على اختلاف القَوْلَيْن السابقين [كما] سنذكره فيما إذا أطْلق الاختلاع، ولم يضف إليها وهاهنا كلامان: أحدهما: نقل الإِمام عن الصّيْدلاني تأثيرَ الضَّمَان في مطالبته بما سمى، واستبعده واعترض عليه؛ بأن اختلاعه بالزِّيَادة مخالفةٌ، فإضافته إليها فاسدةٌ، فيلغو الضمان المرتَّب عليها، نَعَمْ أثر الضمان مطالبته بما تطالب به المرأة، ولك أن تقول: تأثير الضمان في المطالبة بالمُسَمَّى لم ينفردْ بذكره الصيدلاني حتَّى ينسب إليه، أو إلى روايته كما تُنْسَب الرواياتُ الشاذَّة إلى أربَابِها، بل أوْرَدَه الأصْحَاب على طبقاتهم، وفي "المُخْتَصَر" تعرض لمثله، وأمَّا الإِشكال، فيجوز أن يقال الخُلْع عقد يستقل فيه الأجنبي بالتزام المال، فيجوز أن يُؤَثّر فيه الضَّمَان المشتمل على التزام المال، وإن لم يترتَّبْ على إضافةٍ صحيحةٍ بخلاف ضمان الثَّمَن في البيع الفاسد ونظائره، وفي "المجرد" للحناطي: قولٌ وراء المشهور أنَّه لا أثر لهذا الضمان، وهو يوافق ما قرَّرَه الإِمَام مَذْهباً.
والثاني: إذا قُلْنَا: لا يرجع عليها إلاَّ بما سَمَّت، فقد توجه بأنا إن أوجبنا زيادةً عليه؛ بأن كان مهر المثل أكثَرَ، وأوجبنا مهر المثل، أو أكثر الأمرين، فسَبَبُه مخالفة الوكيل؛ فلا يرجع عليها بما تولَّد من فعله، إنما يرجع بما التزمته وَرَضِيَتْ به، وقضية هذا أن يقال: إذا [عرفت] زيادة على ما سمته، يرجع على الوكيل، ويكون استقرار تلك الزيادة عليه، هذا كلُّه فيما إذا أضاف الوكيلُ الاختلاع 36 إليها, ولو أنَّه أضاف إلى نَفْسِه، فهو خُلْع الأجنبي، والمالُ عليه، وإن أطلق، ولم يضف إليها ولا إلى نفسه، فإن فَرَّعْنا على النَّص، فيثبت على الوكيل ما سَمَّاه، وفيما عليها منه قولان: أصحُّهما: أن عليها ما سمت؛ لأنها لم ترض بأكثر منه، والزيادة على مَا سمَّى على الوكيل؛ لأن اللفظ مطلقٌ، والصَّرف إليه ممكنٌ، وكأنه افتداها بما سمت، وبزيادة من عند نفسه، وعلى هذا، فلو طالب الزوج الوكيلَ به رجَع على الزوجة بما سمَّت.
والثاني: أن عليها أكثْرَ الأمرين، من مهر المثل، وما سمت؛ لأنَّه عقْد لها، فأشبه ما إذا أضاف إليها، فإن بقي من أكثرها شيء إلى ما سمَّى الوكيل، فهو عليه، وإن زاد مهر المثل على ما سمى الوَكِيل، لم تَجِبْ تلك الزيادة؛ لأن الزوج رَضِيَ بما سمى الوكيل، وذكر الإِمام وغيره أن القياسَ على مَذْهب المُزَنِيِّ في صورة الإِطلاق انصرافُ الخُلْع إليه؛ كالوكيل بالشراء إذا زاد ولم يضف الشراء إلى الموكّل، ولو أضاف ما سمته إليها، والزيادةَ إلى نفسه، ثَبَت المال كذلك، ولو خالف الوكيل في جنس العوض؛ مثْلَ

الجزء: 8 - الصفحة: 424

أن تقول: اخْلَعْنِي بالدَّرَاهم، فيخلعها بالدنانير، أو توكله بالاختلاع على ثوب دفعته إليه، فيختلع على دراهم، فعن القاضي الحسين: أنَّه ينصرف الاختلاع عنها حتى يلغو إن أضاف إليها، ويقع عن الوَكِيل إن أطلق بخلاف ما إذا خالف في القَدر؛ فإنه إذا زاد على ما قَدَّرَتْه، فقد أتى بما أقرت به وزيادة.
والأظْهَرُ: وهو المذكور في "التهذيب": أنَّه تحصل البينونة؛ لما مر في مخالفة القَدْر، ثُمَّ يُنْظَرُ إن أضاف الخُلْع إلى مالها, ولم يقل: وأنا ضامن، فالرجوعُ عليها بمَهْر المثل في أصح القولين، وبالأكثر من مهر المثل، ويدل ما سمت في القول الثاني، وإن قال: وأنا ضامنٌ [أو] لم يضف الَعقْدَ إليها، فلا يَرْجح إلاَّ ببدل ما سمَّت.
الحالة الثانية: إذا أطلَقَتِ التوكيل فقضيته الاختلاع بمهر المثل، فإن نَقَص عنه أو ذَكَر فيه أجلاً، فقد زادها خيراً، وإن زاد على مَهْر المثل، فكما لو قَدَّرَتْ وزاد على المُقَدَّر، والحُكم على ما ذكرنا هناك، لكن لا يجيء هاهنا قول وجوب أكثر الأمْرَيْنِ.
فَرْعٌ: لو اخْتَلَعَ وكيلُ المرأة بخَمْر أو خنزيرٍ حَصَلَتِ البينونة، ولزمها مهر المثل، سواءٌ أطلقت التوكيل أو سمَّت الخمر والخنزير، وقال المزني: لا يصح التوكيل إذا سمَّت الخمر، ولا ينفَذُ الخُلْع من الوكيل، كما لو وكَّل وكيلاً، بأن يبيع أو يشتري بالخمر، وأجاب الأصْحَاب بأن في الخلع معنى التعليق، ومالك الطلاق هو الزوج، فكأنه علَّق الطلاق بقَبُول الخمر؛ فأشْبَه ما إذا خاطبها، فقبِلَتْ، ولو خالع وكيل الزوج على خمر أو خنزير، وكان قَدْ وكَّله بذلك، فقد طرد أبو الفرج الزاز

-[رحمه الله]-

فيه حكايةَ مَذْهب المزنِّي، وظاهر المَذْهَب فيه كما في الصُّورة السابقة فروع في فتاوى الشيخ الفَرَّاء [منها] 37 أنَّه لمَّا قالت المرأة لوكيلها: احْتَلِعْنِي من زوجي بطلقة واحدة على ألف، فاختلعها بثلاث بأَلْف تحصل البينونة، ويُنْظَر إن أضاف إليها, لا تقع إلاَّ واحدة، وإن لم يُضِفْ لم يقع إلاَّ الثلاث، ولا يجب على المرأة إلاَّ ثلث الألف؛ لأنه لم تحصل مسألتها إلا بثُلُث الألف، وعلى الوكيل بقيَّة الألف، وهذا ليس بواضح، وسيأتي أنَّها لو قالت: طَلِّقْني واحدة بألف، فقال: طلقتُكِ ثلاثاً، تقع الثلاث واحدةً منها بالألف، وفيها أنَّها لو قالت: اختَلِعْني من زوجي بثلاث تطليقات، على ألف فاختلعَها واحدةً على ألف، فإن أضاف إليها لم يقع، وإن لم يضف يقع، وعلى الوكيل ما سمَّاه، وأن الرَّجُل لو قال لوكيله خَالِعْها على ألْف بثلاث تطليقات، فخَالَع بواحدةٍ على ألْف يقع؛ لأنَّه زاد خيراً، وأنَّه لو وكَّل وكيلاً تطليقَ امرأته بألْف وآخر بتطليقها بألفين فأيهما سَبَق، وقع الطلاقُ بما سَمَّى، وإن أوجبا معاً، فقالت: قبِلْتُ منكما، أو

الجزء: 8 - الصفحة: 425

كانَتْ قد وكَّلَت وكيلين أيضاً، فقَبِلَ وكيلاها من وكيليه معاً، لم يقَعْ شَيْءٌ، كما لو وَكَّل وكيلاً ببيع عبْده بألف، وآخَر ببَيْعه بألفين، فعَقَدا معاً لا يصحّ البيع وفي "فتاوى القَفَّال"؛ أنه لو وكَّل رجلاً بأن يطلق زوجته ثلاثاً، فطلَّقَها واحدةً بألف، تقع رجيعةً، ولا يثبت المال، وقضيته هنا أن يقال: لو طلَّقها ثلاثاً بألف، لا يثبت المال أيضاً، ولا يبعد أن يصار إلى ثُبُوت المال، وإن لم يتعرض الزوج له، كما لو قال: خالِعْها بمائَةٍ، فخالع فأكثر، يجوز، وإن لم يتعرضِ المُوَكِّل للزيادة؛ وهذا لأن الموكَّل به الطَّلاقُ، والطلاقُ قد يكون بمال، وقد يكون بغَيْر مال، فإذا أتى بما وكَّله به على الوَجْه الَّذي هو خَيْر، وَجَبَ أن يَجُوز.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرُّكْنُ الخَامِسُ الصِّيغَةُ): وَلَوْ قَالَ: طَلَّقْتُكِ بِدِينَارٍ عَلَى أَنَّ لِي الرَّجْعَةَ فَهُوَ طَلاَقٌ رَجْعِيٌّ وَسَقَطَ الدِّينَارُ عَلَى قَوْلٍ، وَفِي القَوْلِ الثَّانِي فَسَدَ شَرْطُ الرَّجْعَةِ وَوَقَعَتِ البَيْنُونَةُ عَلَى مَهْرِ المِثْلِ.
قال الرَّافِعِيُّ: قد مرَّ مما يتعلق بالصِّيغة [مسائلُ] في التفريع، على أن الخُلْع فَسْخ أو طلاقٌ وإذا قال الزوج: خالَعْتُكِ بألف درهم، فقالت: قبلْتُ الألف، ففي "فتاوى القَفَّال"؛ أنَّه يصح ويلزم المال، وإن لم يقُلِ اختلعتِ، وكذا لو قال الأجنبي، خالعت زوجتي على كذا، فقال؛ قبلته، وأن أبا يعقوب غَلطَ، فقال في حق المرأة: لاَ بُدَّ، وأن تَقُولَ: اختلَعْتُ، والأجنبي لا يحتاج إلَيْه، [ولو قال لامرأته بل طلاق أزمن مخريدي فحدس فقالت خريدم لم يَكْفِ إلا أن يقُولَ الزوج بعده: فروختم، ولو قال لحر فقال: نديدم أو قالت: بل طلاق نيوفروختم فحدس خريدي، فقالت: خريدم، صَحَّ] 38 وقول قال المتوسط للزوجة: اختلعْت نَفْسَكِ من زوجك بكذا، فقالت: اختلعت، ثم قال للزوج وهو في المجلس خالَعْتَها، فقد خالعت، فجواب الشيخ الفرَّاء صحَّةُ الخُلْع، وقد ذَكْرنا في نظيره في البيع خلافاً، وذلك الخِلاَف جاء في الخُلْع، والنكاح والأظْهَرُ ما أجاب به، قال: ولو لم تسمَعِ المرأة قول الزوج، وكان السَّفِير يسَمْع كلامهما، كفى، الإسماع ليس بشرط؛ ألا ترى أنَّه إذا خاطب أصَمَّ، فأسمعه غير المخاطب، فقبل صحَّ العقد، وضمَّن صاحب الكتاب رحمه الله الركنَ صُوَراً: إحداها: إذا طلَّق امرأته على عِوَضٍ أو خالَعَها, لم يكنْ له الرجْعَة، سواءٌ كان العوض صحيحاً أو فاسداً وسواء جعلنا الخُلْع فسخاً أو طلاقاً؛ لأنها بذلت المال؛

الجزء: 8 - الصفحة: 426

لتملك البُضْع فلا يملك الزوج ولايةَ الرجوع إلَيْه، كما أن الزوج إذا بذل المال صداقاً؛ لِتمْلِكَ البُضْع، لا يكون للمرأة ولايةُ الرجوع إلى البُضْع، ولو قال لامرأته، خالعتك، أو طلقتك بدينار، على أن لي عليك الرَّجْعَةَ، فقد نقل المزني والرَّبِيعُ أنَّه يقع الطلاق رجعيَّا، ويسقط المال، وخرَّج المزني، ونقل الربيع قولاً؛ أنَّه يلغو شرط الرجعة، وتحصل البينونة بمهر المثل، وللأصْحَاب في المسألة طريقان: أحدهما: -وبه قال ابن سلمة وابن الوكيل-: تسليمُ القولين، ووجْه الأول: أن شرط المال، وشرط الرجعة متنافيان، فيتساقطان، ويبقى مجرَّد الطلاق، وقضية ثبوت الرجعة أيضاً، والطلاق واقع لا محالَةَ، وإثبات أحد المشروطين لا بُدَّ منه، والرجعة أوْلَى بالثبوت؛ فإنها أقوى من حيث إنَّهَا تثْبُتُ بالشرع، والمال إنما يثبت بالشرط والإِلزام.
ووجه الثاني: القياس على ما إذا خالَعَها بشرط أن لا عدَّة عليها, ولا نفقة لها، وهي حامل؛ فإنه يفسد الشرط، وتحصل البينونةُ بمهر المثل.
والطريق الثاني: -ويحكى عن ابن سريج وأبي إسحاق -رحمهما الله- القطْعُ بما اتفق عليه روايتا المذهب، والامتناع 39 من إثبات الثاني قوْلاً، وطريقة القولين هي التي أوردها الإِمام وصاحب "التهذيب" -رحمهما الله-، ورجَّحا حصول البينونة بمهر المثل، وهو اختيار المُزَنِيِّ، ومعظم النَّقَلة -رحمهم الله- يشيرون 40 إلى ترجيح الطريقة الثانية، وتابعهم القاضي الرُّوياني، عنْد أبي حنيفة وأحمد -رحمهم الله- يصحُّ الخُلْع، ويثبت المسمى، وهذا خلاف القولين جميعاً ويروى عن مالك مثْلُ ذلك وعنْه رواية أخرى، أنَّه: تثبت الرجعة والمال معاً، فيكون المال عِوَضاً عمَّا نقص من عدد الطلاق، فاحتج المزنيُّ للقول الذي اختاره بأن الشَّافعي -رضي الله عنه- نصَّ فيما إذا خالعها بمائة دينارٍ على أنَّه متى شاء ردَّ المائة، وكان له الرجعةُ أنَّه يفْسُدُ الشرط، وتحصل البينونة بمهر المثل، وذكر الأصحاب في هذه الصورة طريقين: أحدهما: أن القولين في الصورة السابقة يجريان فيها، وهذا كلام من أثْبَت قولين هناك، ومن مثبتي القولين هناك من وَلَدهما من نَصّه هاهنا، ونصّه المتفق عليه هناك، بالنقل والتخريج، ومنهم من جَزَم بالمنصوص، وفرق بأنه رَضِيَ بسقوط الرجعة في هذه الصورة، والرجعةُ إذا سقَطَتْ لا تعُود، وهناك لم يرض بالسقوط، وليعلَّم لما ذكرناه قوله في الكتاب "فهو طَلاَقٌ رجعيٌّ" بالحاء والألف وقَوْلَه: "وَسَقَطَ الدِّينَارُ بِهِمَا" وبالميم.
وقولَهُ: "على قول وفي القول الثاني"، بالواو؛ ولطريقة القطع، وقولَهُ "فسد شرط الرجعة"، بالميم، وقوله:"عَلَى مَهْرِ المِثْلِ" بالحاء والألف، والله أعلم.

الجزء: 8 - الصفحة: 427

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ المَرْأَةِ في الخُلْعِ وَالتَّطْلِيقِ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ لاَ تَسْتَقِلُّ بِهِمَا، وَلاَ يَتَوَلَّى وَكِيلُ الخُلْعِ الطَّرَفَيْنِ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان: إحداهما 41: لو وَكَّل الرجل امرأة بخلع زوجته، أو بطلاقها، ففيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنَّها لا تستقل بالطلاق.
وأصحهما: الجواز؛ لأنه لو قال لها: طلِّقي نَفْسَك، فقالت: طلقْتُ، يجوز ويقع الطلاق، وذلك على ما سيأتي إما تَمْليكٌ أو توكيلٌ، إن كان توكيلاً، فذاك، وإن كان تمليكاً فمن جاز تمليكُهُ الشَّيْء جازَ تَوْكيله به، وفي "التَّتِمَّة" أن توكيل المرأة بالخُلْع مبني على أن قَوْل الرجل لامرأته: طلِّقي نَفْسَكِ تفويضٌ، أو تمليكٌ إن قلْنا: تفويض، فيجوز، وإلاَّ فلا، والأول أصح، ولا خلاف أن الزَّوْجَة لو وكَّلت امرأة بالاختلاع يجوز، ويجوز أن يكون وكيلُ الزوجة والزوج ذِمِّيّاً لأن الذميَّ قد يخالع المسلمة ويطلقها، ألا تَرَى أنَّه لو أسلمت المرأة، وتخلّف الزوج فخالعها في العدَّة، ثم أسْلَم يحكم بصحة الخلع، ويجوز أن يوكِّل الزوج في الخلع العبد، والمكاتَبَ، والسفيه المحجور عليه، ولا يشترط إذْنُ السيد والوليِّ؛ لأنه لا يتعلق في الخُلْع عُهْدة توكيل الزوج، ولا يجوز أن يوكَّل المحجور عليه بالقَبْض، فإن فعل، وقبض ففي "التَّتِمَّة": أن المختلع يبرأ ويكون الموكِّل مُضَيِّعاً لماله، ولو وكَّلت الزوجة بالاختلاع عبْداً، فيجوز، أَذنَ السَيِّدُ أو لم يأْذَنْ فإن كان الاختلاع على عين مال لها فذاك وإن كان على مال في الذِّمَّة، نُظِرَ إن أضافه إليها، فهي المطالبة، وإن لم يضف بل أطلق فإن لم يأْذَن السيد في الوكالة فيجوز للزوج مطالبته بالمال بعد العتق، وإذا غرم، رجع على الزوجة إذا قصد الرجوع وإن أذن في الوكالة تعلق المال بكسبه كما هو اختلعت [الأمة] بإذن السيد، وإذا أدَّى من كَسْبِه ثَبَت الرُّجوع على المُوَكَّلة، ولو وكَّلت بالخُلْع سفيهاً محجوراً عليه، قال في "التَّهذيب": لا يجوزُ، وإن أذن الوليُّ، ولو فعل وقَع الطلاق رجعيَّا، كما لو اختلعت المرأة المحجورةُ لنَفْسها، وهذا على ما ذكر صاحب "التتمة" فيما إذا أطلق، أمَّا إذا أضاف المال إلَيْها، فتحصل البينونة، ويلزمها المال؛ لأَنَّ الحَجْر على السفيه لدفع الضَّرَر عنْه، وليس في قَبُول الخُلْع عليها إضْرار بالسفيه.
الثانية: الوَاحِدُ لا يتولَّى طرفَي الخُلْع بالوكالة، كما في البَيْع وسائر العقود، وإذا وكل الزوجان واحداً، تولى ما شاء من الطرفين مع الآخر أو وكيله وهذا أظهر الوجهين.

الجزء: 8 - الصفحة: 428

والثَّاني: أنَّه يجوز أن يوكِّل الواحدُ طرفَي الخُلْع, لأنَّ الخُلْع يكْفي فِيهِ اللَّفْظ من أحد الجانبين والإِعطاء من الآخر؛ ألا ترى أنَّه لَوْ قال: إن أعْطَيْتِنِي ألْفاً فأنْتِ طالق، فاعطتْه، وقع الطلاق، وثبت الخُلْع ومقصوده؛ وعلى هذا ففي الاكتفاء بأحد شِقَّي العقد خلافٌ، كما في بيع الأب مالَ نَفْسه من ولده، والوجهان في تولِّي طرفَيِ الخلع مبنيان على منعه في طرفي البَيْع، والنكاح، وسائر العقود، وقد ذكرنا فيها وجْهاً آخر في "الوكالة"؛ أنَّه يجوز تولي الطرفين، فعلى ذلك الوجه الخُلْعُ أوْلَى بالجواز.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ خَالَعَهَا عَلَى أَنْ تُرْضِعَ وَلَدَهُ حَوْلَيْنِ وَتَحْضنَهُ صَحَّ، فَإِنْ أَضَافَ إِلَيْهِ نَفَقَةَ عَشْرِ سِنِينَ وَكَانَ مِمَّا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ وَوَصَفَهُ خُرِّجَ عَلَى الجَمْعِ بَيْنَ صَفْقَتَيْنِ مُخْتَلَفَتَيْنِ، فَإِنْ أَفْسَدْنَا وَقَعَتِ البَيْنُونَةُ بِمَهْرِ المِثْلِ عَلَى قَوْلٍ، وَبِقِيَمِ المَوصُفَاتِ عَلَى قَوْلٍ، فَإنْ صَحَّحْنَا فَعَاشَ الوَلَدُ اسْتَوْفَاهُ، فَإِنْ كَانَ زَهِيداً فَالزِّيَادَةُ لِلزَّوْجِ، وَإِنْ كَانَ رَغِيباً فَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، فَلَوْ مَاتَ انفَسَخَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَخُرِّجَ فِي المَاضِي عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: عوَض الخُلْع، كما يجوز أن يكُونَ عَيناً، يجوز أن يكون مَنْفَعَة، ويشترط في المنفعة أن تكُونَ معلومةً مستجمِعةً للشرائط المذكورة في الإِجارة، فإذا خالع زوجَتَه، على حَضانَة ولده مدَّةً معلومةً، جاز، ولو خالَعَها على إرضاعه، فكذلك، سواءٌ كان الولدُ منها، أو من غيرها، ويشبه أن يكون الكَلاَمُ في الجمع بينهما، واستتباع أحدهما للآخر إذا أفْرَد، كالكلام في الإِجارة، وفي جواز إبْدَال الصبيِّ المعين بمثْلِه، وانفساخ العَقْد بموته اختلاف مذْكور "في الإِجارة"، وأكثرهم يميل إيراده إلى ترجيح الانْفِسَاخ، وهو المنصوص في المختصر وأكْثر الكُتُب، وامتناع الصبيِّ من الارتضاع والْتِقَام الثَّدْي كالموت، وإذا قلْنا بانفساخ العَقْد عند موْتِه فذلك فيما بَقِيَ من مدة الإِرضاع، وهل ينفسخ فيما مَضَى؟ فيه قولان من جِهَة تفريق الصفقة، كما لو انهدمت الدَّارُ في المدة المستأجرة، الأصَحُّ المنع، ومنهم من يقْطَع به، فإنِ انفسخ فيما مضى أيْضاً، فيرجع عليها بمهر المثل في أصح القولين، وبأجرة مثْل الإِرضاع في تلْك المدَّة في الثاني، كما لو خالَعَها على مال، فخرج مستحقاً، وعلى الزوج أجْرة الإِرضاع للمدة الماضية، وإن لم تنفسِخْ فيما مضى فعلى أصحِّ القولين يرجع بقسط المدة الباقية من مهر المثل، إذا وزَّع مهر المثل على المدتين، وعلى الثاني يرجع بأجْرة مثْل ما بقي من المدَّة، وإن قلْنا: لا ينْفَسِخ العقد؛ فإن أتى بصَبِيِّ مثله لترضعه فذاك، وإن لم يأتِ به مع الإِمْكان حتى مضَتِ المدة فوجهان: أحدهما: يبطل حقَّه، ولا شيء عليها، كما لو لم ينتفع بالمستأجر بعد قبْضه تستقر عليه الأُجْرة.

الجزء: 8 - الصفحة: 429

والثاني: يلزمها قِسْطُ المُدَّة الباقية من مهر المثل، إذا وزع على المُدَّتَيْن كما إذا تلف المبيع في يد البائع، يكون من ضمانه، وإن تمكن 42 المشتري من القَبْض، وهذا أرجح عنْد الشيخ أبي حامد، وإيرادْ صاحب "التهذيب" يقتضي ترجيح الأول، وهما كوجهين ذكرناهما فيما إذا تلف الثوب المعين للخياطة، وقلنا: إنَّه لا تنفسخ الإِجارة، ولم 43 يأتِ المستأجر بثوْب مثله حتى مضَتْ مدة الإِجارَةَ هَلْ تستقر الأجرة؟ لكنْ سَوَّينْا هناك بين ألاَّ يأتي بالبَدَل لعَجْزه وبين أن يمتنع مع القدرة، وهاهنا خصص صاحب "التهذيب" وغيره الوجهين بما إذا امتنع الإِبْدَال مع الإِمكان، وقطَعُوا فيما إذا عَجَز عن الإِبدال، أن الحُكْم كالحُكْم فيما إذا مَنْعنا الإِبْدال، وحَكَمْنا بالانفساخ، والوجْهُ التَّسْويةُ بين البابين.
ولو أضاف إلى الإِرْضَاع والحَضَانة نفقته مدة، بأن خالَعَها على كفالة الولد عَشْرَ سنين، [ترضعه سنتين] 44 وتنفق عليه إلى تمام العَشْر، وتحْضُنه فيُنْظَر إنْ بَيَّن مقدار ما يُنْفِق عليه كل يوم من الطعام والإِدام، كالزيت واللحم، وما يكسوه كلَّ فَضْلٍ أو سنة، وكان ذلك ممَّا يجوز السلم فيه، ووصفه بالأوصاف المشروطة في السلم، ففي صحَّة الخُلْع بما سمّى طريقان: أحدهما: وهو المذكور في الكتاب: أنَّ المسألَةَ على قولَيْن؛ من حيث إنَّه جمع بين عقدين مختلفين، فإن السبيل في الإِرضاع والحضَانَة سبيلُ الإِجارة، وفي الطعام والإِدام سبيل السلم، وأيضاً فإنَّه يتضمن السلم في أجناس مختلفة إلى أَجَل، والسلم في جنْس واحدٍ إلى آجال متعاقبةٍ وفي كل ذلك قوْلان مذكوران في موضعهما؛ والأصح الصِّحَّة.
والثاني: وهو الأصحّ عند الشيخ أبي حامد وكثيرٍ من الأصحاب: القَطْع بالصِّحَّة، لأن المقصود كفالة الطِّفْل، والكفالة تفتقر إلى هذه الأمور فهي تابعةٌ للمقصود، وفي الأصولِ المذكورةِ، كلّ عقد مقصود في نفسه وللبعض غنية عن البعض.
التفريع: إذا قلنا بالفساد فالرُّجُوع إلى مَهْر المِثْل، وبدل الأشياء المختلفة فيه؟ قولان: أصحُّهما: أوَّلُهما، ومنْهم من قَطَع به، فقال: لو كنَّا نرجع إلى أبدال مختلفة، لأثبتنا في الأصْل أبدالاً مختلفة، وقلنا بالصِّحَّة، وإن صحَّحْنا فهو في الطعام والشراب مخيَّر بين أن يستوفي بنفسه، ويصرفَه إلى الولد وبَيْن أن يأمُرَها بالصَّرْف إليه، وفي "الشامل" أنَّه ينبغي أن يَجِيءْ فيه الخلاَف المذكور، فيما إذا أَذِنَ الحاكم للملتقط أن ينفق

الجزء: 8 - الصفحة: 430

على اللقيط من ماله بشرط الرُّجُوع، ثم الولَدُ إن عاش إلى استيفاء العين والمنفعة، فذاك فإن خرج زهيداً، أو فضل من المُقَدَّر شَيْء فهو للزَّوْج وإن كان رغيباً، واحتاج إلى زيادة؛ فهي على الزَّوْج، وإن مات فلَه حالَتَان: إحداهما: إذا مَاتَ قَبْل تمام مدة الإِرْضاع، فعلى الخلاف الَّذي سبق في انفساخ العَقْد، وجواز الإِبدال، فإن حكَمْنا بالانفساخ، ومنَعْنا الإِبدال أثر الموت فيما بَقِيَ من المدة بالانفساخ، وفي تأثيره فيما مضى، وفي الطعام، والكسوة خِلاَفُ تفريق الصفقة، والأصحُّ أنه لا يؤثر فيها، وإذا لم يؤثرْ فيستوفي الزوج الطعام، والكسوة، ويرجع لما انفسخ العقْدُ فيه من المدة إلى أجرة المثل في أحد القولين وإلى حصته من مهر المثل في أصحهما، بيان الحصة بأن يقوَّم الطعامُ والإِدام والكسوة، وما مضى من المدة، وما بقي، ويعرف نسبة قيمة الباقي من المدة من الجميع فَيَجب من مَهْر المثل بِتْلِك النسبة، وإن قلنا يتعدى الانفساخ إلى المُدَّة الماضية وإلى النفقة، فالرجوع إلى مهْر المثل في أصحِّ القولين، وإلى بدل الكلِّ في الثاني، وترجع المرأة بأُجْرة ما مضى من مدة الإِرضاع، وقد يقع في التقاصِّ، هذا هو القياس الظاهر، وعن "تعليقة" القاضي أبي الطيِّب أنَّ الواجِبَ قسط ما سِوَى المدة الماضية من مَهْر المِثْل وتسقط حصتها، وتجعل منفعتها مستوفاةٌ.
والثانية: إذا مات بعد تمام مدة الإِرْضَاع وصيرورة المنفعة مستوفاةٌ، فيبقى استحقاق النفقة والكسْوةَ ويتعجل الاستحقاق أو يكون منجماً كما كان فيه وجهان: أصحهما: الثاني، ووجه الأول؛ بأن التدرج كان يحَسُب حاجة الصبيِّ، وقد زالت، ولو أن بعض الأشياء المذكورة انقطع جنْسه، فقد مَرَّ في انقطاع المسلم فيه قولان: أحدهما: أنه ينفسخ العَقْد فَعَلَى هذا ينفسخ العَقْد فيما انقطع، وفي تعديته إلى ما قبض من الأعيان قولان، كما لو اشترى عَبْدَيْن، وقبض أحدهما، وتلف الآخَرُ قبل القبض، والأصحُّ المنع، والتعدِّي إلى الحضانة والإِرضاعِ أبْعَدُ لِبُعْد ما بينهما، وفيه وجه أيضاً؛ فإن حكم بالانفساخ في الكل غرم لها بدل ما استوفى من العين والمنفعة، وله عليها مهر المثل في أصح القولين، وبدل المسمَّى في الثاني، وإن قلنا لا ينفسخ إلا في المنقطع، فالرجوع إلى حصته من مهر المثل في أصح القولين وإلى بدل المنقطع في الثاني.
والقول الثاني: في الأصل، وهو الأصح: أنَّ انقطاع المسلم فيه لا يقتضي الانفساخَ، ولكن يثبُتُ خيار الفسخ، فلَه حقُّ الفسخ في الجميع وهل له الفسخ في المنقطع وحده دون سائر الأعيان؟ فيه الخلافُ المذْكُور فيما إذا اشْتَرى عبْدَيْن، ووجد بأحدهما عيباً، وأراد إفراده بالرَّدِّ.
قال في "التَّتِمَّة": وله الفسخ في الأعيان دون المنافع على الصحيح؛ لبعد ما

الجزء: 8 - الصفحة: 431

بينهما جِنْساً وعَقْداً، وإذا أفرد المنقطع بالرَّدِّ وجوَّزْناه فيما يرجع به القولان، هذا كلُّه فيما إذا كان المذكورُ فيما يجُوز السّلم فيه، ووصف بالصِّفَات المَشْرُوطة في المسلم فيه، فإن لم يوصف، أو كان هماً لا يجوز السلم فيه؛ كالثياب المخيطة، والمَحْشُوَّة، وكالمطبوخ، والمَشْوِيِّ من الطعام (1)، فالمسمَّى فاسِدٌ، والرجوع إلَى مهر المثل بلا خلاف، وقوله في الكتاب "خُرِّجَ عَلَى الجَمْعِ بَيْن صَفْقَتَيْنِ مُختَلِفَتَيْنِ" يجوز إعلامه بالواو؛ لما حكيناه من الطريقة القاطعة، وكذا قوله: "عَلَى قَوْلٍ" في التفريع على الفساد، وقوله "وبِقَيمِ المَوْصُوفَاتِ" يعني إذا كانَتْ متقوَّمة، فأما المثليَّات فالرجوع إلى مثلها على هذا القول.
وقوله: فـ"لَوْ مَاتَ" أي في أثناء مدة الرضاع والانفساخ مبنيٌّ على أنَّه لا يجوز الإِبدال فيجوز أن يعلَّم قوله "انْفَسَخَ في المُسْتَقْبَلِ" بالواو.

البَابُ الثَّالِثُ في مُوجِبِ الأَلْفَاظِ المُعَلَّقَةِ بِالإِعْطَاءِ

وَفِيهِ مَسَائِلُ: (الأُوْلَى): إِذَا قَالَ: طَلَّقْتُكِ عَلَى أَلْفٍ فَقَبِلَتْ لَزِمَ الأَلْفُ، فَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ فَكَذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَلِي عَلَيْكِ أَلْفٌ طُلِّقَتْ طَلاَقاً رَجْعِيّاً وَلاَ يَلْزَمُ الأَلْفُ لأَنَّهُ صِيغَةُ إِخْبَارٍ لاَ صِيغَةُ إِلْزَامٍ، فَإِنْ تَوَافَقَا عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الإِلْزَامَ لَمْ يُؤَثِّرْ تَوَافُقُهُمَا عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لأَنَّ اللَّفْظَ لاَ يَحْتَمِلُهُ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَنَّ لِي عَلَيْكِ أَلْفاً فَالطَّلاَقُ رَجْعِيُّ لأَنَّهُ صِيغَةُ شَرْطٍ وَالطَّلاَقُ لاَ يَقْبَلُهُ، نَعَمْ لَوْ فُسِّرَ بَالإِلزَامِ فَفِي قَبُولِهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ترجم الباب بموجب الألفاظ المعلقة بالإِعطاء، وهَذِهِ الترجمة لا تفي بمقصود الباب كلِّه، بل هو معقود لثَلاَثَةِ مقَاصِدَ: أحدها: بيان الألفاظ الملزمة.
والثاني: القول في التعليق بالإِعطاء وما في معناه وموجبه.
والثالث: القول في طَرَف من الشَّيْء، والمعلَّق بإعطائه أنَّه علام يحمل.
أمَّا المقصد الأول ففيه صُوَرٌ منْها: أن صيغة المعاوضة مُلْزِمَة، فإذا قال: طلقتُكِ،45

الجزء: 8 - الصفحة: 432

[أو] 46 أنتِ طالِقٌ على ألفٍ، فقَبلَتْ صحَّ الخلع، ولزم الألف، على ما تقدم، ولو قال أنتِ طالقٌ، وعليك ألف، أو وَلِي عليكِ ألفٌ، ويُنْظَر، إن لم يسبِقْه استيجاب، بل ابتدأ الزوج به، فيقع الطَّلاَق رجْعيّاً، قَبِلَتْ أو لم تقبَلْ، ولا يلزم المال؛ لأنه غير مذكور عوضاً وشرطاً، بل هو جملةٌ معطوفةٌ على الطَّلاق، فلا يتأثر بها الطلاق ويلغو في نفسها، ويشبه الشَّافعي -رضي الله عنه- بما إذا قال: أنْتِ طَالِقٌ، ولِي عليْكِ حج، وهذا معنى قولهِ في الكتاب: "لأَنَّهُ صِيغَةُ إِخْبَارِ لاَ صِيغَة إِلْزَامٍ" وفرقوا بَيْنَه وبَيْن ما إذا قالت المرأة: طَلِّقْنِي، ولَكَ عليَّ أَلْفٌ، أو وعلَيَّ ألْفٌ؛ حيث يقع الطلاقُ بائناً بالألف بأن الَّذي يتعلَّق بالبراءة من هذا العقد إلزامُ المال، فيُحْمَل اللفظ منها على الالتزام، والزوج ينفرد بالطلاق، فإذا لم يأت بصيغة المعاوَضَة، حُمِل كلامه على ما ينفرد به، وصيغته خبر فلو قال الرجل: أردتُ بقول ولِي عليكِ ألفٌ الإِلزام وعنَيت ما يعنيه القائلُ بقوله: طَلَّقْتُكِ على ألْفٍ لم يصدق، فإن وافقته المرأة فوجهان: أحدهما: أن توافُقَهُمَا لا يُؤَثِّر، وزَعَم من قال بِه أن اللَّفْظ لا يصلح للإِلزام.
وأصحُّهما: أنَّه يؤثر وتبين منه بالألف، ويكون المعنى: ولي عليْكِ ألفٌ عوضاً عنه، أو نحو ذلك، وإذا قُلْنَا بالوَجْه الأول فلا يحلف على نفْيِ العِلْم عند الإِنكار؛ لأنها إن صدقت ووافقت لم يُؤَثِّر.
وإن قلنا بالثاني فيحلف، وقضية الوَجْه الثَّاني انعقادُ البَيْع، فإذا قال: بِعْتُكَ ولي عليْكَ كذا؛ تفريعاً على انعقاد البيع بالكناية، فهذا إذا لم يسبق منها استيجاب، وطلبٌ، ولفظ الكتاب محمولٌ على هذه الحالة، وإن كان مطلقاً، أما إذا سبق الطلب الاستيجاب، فيُنْظَر إن لم تذكر بدلاً، بأن قالت: طلِّقْني، مقتصرةً عليه، فالحُكْم كما لو لم يسبق الطلب، وإن ذَكَرَتْ بدلاً مبهماً؛ بأن قالَتْ: طَلِّقْني بالبدل، فإن عَيَّنَ الزوجُ في الجواب البَدَلَ، فقال: طلقْتُكِ وعَلْيكِ ألفٌ، فيقدم الطلب الاستيجاب منْها وينزل منزلة ما لو أتى بصيغةِ المعاوضة، وقال: طَلَّقْتُكِ على ألف، فإن قَبلَتْ حَصَلَتِ البينونةُ بالألْف، وإلا لم يقَعِ الطلاق، وإن أبهم الجواب أيضاً، فقال طَلَّقْتُكِ بالبَدَلِ [أو] 47 قال: طلَّقْتُكِ، فتحصل البينونة بمَهْر المثل، وإن عيَّنَتِ البدل في الاستيجاب، فقالت: طلِّقْني على ألْفٍ، فقال: طلقْتُكِ وعليْكِ ألف، تقع البينونة بالألف؛ لأنَّه لو اقْتَصَرَ -والحالة هذه- عَلَى قَوْله: طَلَّقْتُ، [بانت] 48 بمهر المثل فقوله: وعليْكِ ألْفٌ، لم يكن مؤكّداً، فلا يكون مانعاً وذَكَر في "التَّتِمَّة": أنَّه لو لم يسبِقْ منها طلَبٌ، وشاع في العُرْف

الجزء: 8 - الصفحة: 433

استعمال لفظ المسألة في طلب العوض وإلزامه، كان كما لَوْ قال: طلقْتُكِ على ألْفٍ, ولو اختلفا، فقال الزوج: طلبْتِ منِّي الطلاق بالبدل، فقلت في الجواب، أنْتِ طَالِقٌ، ولي عليْكِ ألفٌ، وقالَتْ: بل كُنْتَ مبتدئاً، فلا شَيْء عَلَيَّ فتصدق بيمينها في نَفْي العوض، ولا رجْعَةَ له بقوله، ومنْها لو قال: أنْتِ طالقٌ، أو طلقتُكِ على أنَّ لي عليْكِ ألفاً، ففي الكتاب أنَّه يقع الطلاق رجعيَّا، ولا يثبت المال؛ لأن الصيغة صيغةُ شَرْطٍ، والشرط في الطلاق يلغو إذا لم يكن مِنْ قضاياه، كما لو قال: أنْتِ طَالِقٌ على أن لا أتزوَّجَ بعَدَك أو على أنَّ لكِ عَلَيَّ كذا.
وفي "المهذَّبِ" وغيره أنه كما لو قال: طلقتُكِ أو أنتِ طالقٌ على ألْفٍ حتى تحْصُلَ البينونة، ويلزم المال إذا قَبِلَتْ وهذا ما حكَاه أصحابنا العراقيون عن النَّصِّ في "الأُم" وأودعه أبو بكرِ الفارِسِيُّ عيون المسائل، والاعتمادُ عليه، وقضيته انعقاد البيع إذا قال: بعتُكَ هذا على أن يكونَ عليْكَ كذا، وأدنى الدرجات أن يجعل كنايةً في البيع ثم حكى صاحب الكتاب تفريعاً على الجَوَابِ الَّذي ذكره وجهَيْنِ فيما إذا فسر بالالتزام هل يقبل.
فعن صاحب "التقريب" أنَّه لا يَقْبَلُ، وعن غيره القَبُول، وهذا الخِلاَفُ ليس كالخلاف المذكور في قوله: ولِي عليْكِ ألفٌ؛ فإنَّ ذلك الخلافَ في أنهما لو توافقا عليه، هل يؤَثِّرُ توافقهما أما تفسيره مع إنكار المرأة فإنَّه لا يقبل بلا خلاف، وسبب الفَرْق أنَّ هذه الصيغةَ أدَلُّ على الالتزام إِنْ لَمْ تَكُن ظاهرةً فيه، وليعلَّم قولُه في الكتاب: "فالطَّلاَقُ رَجْعِيُّ"، لما بيناه بالحاء, لأنَّه يروى عن أبي حنيفة -رحمه الله- مثْلُ ما حكيناه عن النَّصِّ.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ ضَمِنْتِ لِي أَلْفاً فَإِنْ ضَمِنَتْ فِي المَجْلِسِ طُلِّقَتْ وَلَزِمَهَا، وَلَوْ قَالَ: أَمْرُكِ بِيَدِكِ فَطَلِّقِي نَفْسَكِ إِنْ ضَمِنْتِ لِي أَلْفاً فَقَالَتْ: ضَمِنْتُ وَطُلِّقْتُ أَوْ قَالَتْ: طُلِّقْتُ وَضَمِنْتُ، نَفَذَ وَلَزِمَ المَالُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صورتان: الأولى: إذا قال: أنتِ طالقٌ إن ضمِنْتِ لي ألفاً، أو إن ضمنت لي ألْفاً فأنتِ طالقٌ، فقالت في مجلس التواجب: ضمنتُ، طُلِّقَتْ ولزمها الألْف.
ولو قال متى ضمِنْتِ لي ألْفاً، فأنْتِ طالقٌ، فلا يشترط الضمانُ في المجلس بل متى ضمنَتْ، طُلِّقَتْ، وليس للزوج الرجوعُ قبْل الضمان، وهذا كما ذكرنا في قوله: إن أعطيتنِي، أو متى أعطيتني ولَوْ أعطتْه، ولم [تقل] 49 ضمِنْت، أو قالت: شئْتُ، بدل

الجزء: 8 - الصفحة: 434

ضمنت، لم يقعَ الطلاق؛ لأن التَّعْلِيق بالضمان، ولو ضمنت ما دون الألْف، لم يقَعْ، ولو ضمنت ألفين، وقَع؛ لوجود الصفة المعلَّق عليها مع مزيد بخلاف ما لو [قالَ]، 50: طلَّقْتُكِ على ألْف فقالت: قبِلْتُ على ألْفين؛ لأن تلك الصيغة صيغةُ معاوضة، يشترط فيها توافق الإِيجاب والقبول.
والثانية: سيأتي القَوْلُ في تفويض الطلاق إلى المرأة بعوض وغير عوض وأحكامه في فصل معقود له في "كتاب الطلاق" وذكرها هُنا صورةٌ يَتَعَلَّق بالتفويض؛ وهي أن يقول أمْرُك بيدك، أو جعلْتُ أمر الطلاق إليْكِ، فَطَلِّقِي نفْسَكِ إن ضمنت لي ألفاً، فقالَتْ: ضمنْتُ وطُلِّقْتُ نفسي أو قالت: طلِّقْتُ وضَمِنْتُ فتحصل البينونة، ويلزم الألْف، ويكونان متساوقين، سواءٌ قدَّمَتُ لفظ الطلاق على الضمان، [أو أخرت] 51، كما لو قال الزوج: طلقتُكِ، إن ضمِنْتِ لي ألفاً، فقالت: ضَمِنْتُ، يقع الطلاق، ويثبت المال متساوقين، وإن كان اللفظان متعاقبين، فلو ضمِنَتْ ولم تطلَّقْ أو طُلِّقَتْ، ولم تَضْمَنْ لم يقع الطلاق؛ لأنه فوض إليها التطليق وجعل له شرطاً، فلا بدّ من مباشر التطليق، ومن الشَّرْط، ولا تشترط -والصورة هذه- إعطاءُ المَال في المجلس، والظاهر أنَّه يشترط وقوع التطليق في المَجْلس, وفي "أمالي السرخسي" حكايةُ خلافٍ في أنَّه هل يشترط وقوع التطليق في المَجْلس؟ وذلك يقتضي اشتراط التطليق أيْضاً وإلاَّ فالضمانُ مجرَّد وعْدٍ، وليس فيه التزامٌ محقَّقٌ، والمراد من المجْلِسِ مجلسُ التواجب، أو المجلس الَّذي جَرَى فيه الخِطَابُ فيه وجهان: أصحُّهما: الأول وقد بيناهما في الفصل الثالث من الباب الأول من الخُلْع، ورجح القاضي أبو الطيِّب الوجْه الثاني، وذكر أن البويطي صرَّح به في تفسير لفظ الشافعيِّ -رحمه الله- ولا يخْفَى أن المراد من الضمان في هذه المسائلِ القَبُولُ والالتزامُ، دون الضمان المفتقر إلى الأصيل.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّانِيَةُ): إِذَا عَلَّقَ بِالإِقْبَاضِ أَوِ الاِعْطَاءِ أَوِ الأَدَاءِ اخْتَصَّ بِالمَجلِسِ إِلاَّ إِذَا قَالَ: مَتَى مَا، وَكَذَا إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ شِئْتِ لَمْ تُطَلَّقْ اِلاَّ بِمَشِيئَةٍ فِي المَجْلِسِ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَلْفٍ إِنْ شِئْتِ فَقَالَتْ شِئْتُ وَقَبِلْتُ في المَجْلِسِ طُلِّقَتْ، وَلَوِ اقْتَصَرَتْ عَلَى أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ كَفَى عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَيْنِ.
قال الرَّافِعِيُّ.
قد سبَق أنَّه إذا علَّق الطلاق بالإِعطاء، لا يقع إلا بالإِعطاء في المجلس؛ إلا إذا كان التعليق بصيغةِ "مَتَى" وَمَا في معناها، ورُوِّينَا عن أحمد -رحمه الله

الجزء: 8 - الصفحة: 435

  • أنه لا يختص بالمجلس وهو وجْه لبعض الأصحاب، وكل ذلك جارٍ فيما إذا قال: إنْ أقبضْتِنِي كَذَا، أو أدَّيْتِهِ لِي، ولو قال: أنْتِ طالقٌ، إنْ شئْتِ، أو أنتِ طالقٌ على ألف، إن شئْتِ، فيشترط المشيئةُ في مجلس التواجب بخِلاَفِ التعليق بسائر الصفات؛ لأن التعليق بالمشيئة كاستدعاء جواب منها واستبانة لرغبتها؛ فنُزِّلَتْ مشيئتها منزلة القبول في سائر المعاوضات، وأيضاً فإنَّه يتضمن تخيير الزوجة وتفويض الأمر إليها، فأشبه ما إذا قال: طلِّقِني نفْسَكِ، وحكى الحناطي قولاً آخر: أنَّه لا يختص بالمجلس، ويقع الطلاق متى شاء، كما في سائر التعليقات، والمجلس كما في مجلس التواجب، ولو شاءت بعد ما طال الفَصْل، وهما في مكانهما، لم يقع الطلاق، ولو فارقت المكان وشاءت قَبْل أن يمضي فاصل، وقع، هذا هُوَ الظاهر، وفي كل واحد من الطرفين وجْه آخر.
    وإذا قالت في المجلس شئْتُ وقبِلْتُ، فقد تم العقد، فتطلق، ويلزم 52 المال ولا يشترط تسليم المال في المجلس.
    ولو اقتصرت على قولها: شئْتُ أو قبلْتُ، فحاصل ما ذكر فيه ثلاثة أوجه: أحدها: وهو الأصحُّ عند صاحب الكتاب أنَّه يكفي؛ لأن كل واحد منهما يُشْعر بالرضا والالتزام، وهذا قضية المنقول عن الشيخ أبي حامد.
    والثاني: لا بدَّ من الجَمْع بينهما؛ لأنه لو اقتصر على قوْلِه: أنْتِ طَالِقٌ، كان الجواب: قبِلْتُ، ولو اقتصر على قوله: أنْتِ طالقٌ إن شِئْتِ كان الجوابُ: شِئْتُ، فإذا جمع بينهما، اشترط في الجواب الجمع.
    والثالث: أنَّه يكفي قولها: شئت ولا يكفي قولها قَبِلْتُ؛ لأن التعليق وقع على المشيئة، والقبول ليس بمشيئته، ولذلك لك لو قال: أنتِ طالقٌ، إن شئْتِ، فقالت: قبِلْتُ لم يقع الطلاق، وهذا ما أورده في "التتمة"، وهو اختيار الإِمام فيما حكى المعلق 53 عنه، وإذا اكتفينا بلفظ المشيئة، فقد قال المصنّف في الوسيط 54: إنَّه لا سبيل للزوج إلى الرجوع على قاعدة التعليقات، وإن شرَطْنا الجمْع بين لفظتي المشيئة والقبول، فهو متردّد بين التعليق والمعاوضة، ففي جواز الرجوع تردُّد ولو علَّق طلاقها بالمشيئة، بصيغة "مَتَى" طُلِّقَتْ، متى شاءت، ولم يختص بالمجلس، كما في [التعليقات] 55 بسائر الصفات.

الجزء: 8 - الصفحة: 436

ولو قالت المرأة: طَلِّقْنِي على ألف درهم فقال: أنت طالقٌ على ألفٍ، إن شئت، فلا يجعل كلامه جواباً لكلامها؛ لما فيه من التعليق، فيتوقف على مشيئةٍ مستأنفةٍ, ولو نَكَّر وقال: على ألْفٍ، ونوى ما ذكرت، فكذلك الجواب، وإن نوى على غير الدَّراهم، فقد نقل الحناطيُّ أنه يقع الطلاق رجعيَّا، ولا بدل، وخرج من عنده أنه لا يقع الطَّلاَق حتى يتصل به القبول والمشيئة، كما لو ابتدأ به وهذا هو القيَاسُ الحقَّ 56، وإن لم ينوِ شيئاً فقد حكى وجْهَيْن؛ في أن الطلاق يقع رجعيًّا أو بائناً، ووجهيْن إن وقع بائناً، في أن الواجب مهر المثل أو المُسَمَّى، وقضية جعله مبتدئاً ألاَّ يقع الطلاق أصلاً إلاَّ أن يتصل به قَبُولٌ ومشيئة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَةُ): لَوْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِذَا وُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ طُلِّقَتْ وَدَخَلَ المُعْطَى فِي مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ مِنْهَا لِضَرُورَةِ وقُوع الطَّلاَقِ بِالعَوضِ، وَفِيهِ وَجْهٌ أنَّهُ لاَ يُمْلَكُ المُعْطَى لَكِنْ يُرْجَعُ إِلَى مَهْرِ المِثْلِ، وَإِنْ عَلَّقَ عَلَى الإِقْبَاضِ لَمْ يَكْفِ الوَضْعُ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ بِاليَدِ وَيَقَعُ الطَّلاَقُ رَجْعِيّاً لأَنَّ لَفْظَ الإِقْبَاضِ لاَ يُنْبِئُ عَنِ المِلْكِ بِخَلافِ الإِعْطَاءِ، وَقِيلَ: إِنَّ الإِقْبَاضَ كَالإِعْطَاءِ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِني أَلْفاً فَأَنْتِ طَالِقٌ فَأَعْطَتْ أَلْفَيْنِ طُلِّقَتْ، وَلَوْ قَالَ: خَالَعْتُكِ عَلَى أَلْفٍ فَقَالَت: قَبِلْتُ بِأَلْفَيْنِ لَمْ يَصِحَّ.
قال الرَّافِعِيُّ: قد تكرر في الخُلْع الكلام في تعليق الطلاق بإعطاء المال، ولا بدَّ فيه من معرفة أن الإِعطاء [وبم] 57 يحصل؟ فغرض المسألة بيانُ ذلك، وانضافت إليه صور أُخَرُ تتعلق بمقتضى الألفاظ.
أما الأولُ: فإذا سلمت المال إليه وقبضه لم يخْفَ الحكم، وإن وضعته بين يديه كفي، ووقع الطلاق، وإن امتنع الزوج من القبض، قال في "التتمة": لأن تمكينها إياه من القبض إعطاء منها، فإن امتنع من القبض فهُوَ مفوِّتٌ لحقِّه، وفي شرح "الجويني" وجْهٌ أنه لا يكفي الوضع بين يدَيْهِ، ولا يقع الطلاَقُ؛ لأن الإِعطاء إنما يتم بالتسليم والتسلُّم والمشهورُ الأول، وفي المُعْطَى وجهان: المذهب المشهورُ منهما: أنَّه يدخل في ملكه؛ لأن التعليق يقتضي الرجوع عنْد الإِعطاء، ولا يمكن إيقاعه مجاناً لقَصْده حصولَ المال المُعْطَى، فإذا ملكت المعوَّض بوقوع الطلاق اقتضت الضرورة دخول العوض في ملك الزوج، فإنَّ ملْكَ العوضَيْن متقاربان.
والثاني: المَنْع، وَنُقِلَ عن رواية الشيخ أبي علي؛ لأن حصول الملْك من غَيْر لفظ مملك 58 من جهتهما بعيدٌ، فيرد المُعْطَى، ويرجع إلى مهْر المثل، وهذا الوجه يجري

الجزء: 8 - الصفحة: 437

فيما إذا قال: إن ضمِنْتِ لِي ألفاً، فأنتِ طالقٌ، فقالت: ضمنت؛ لأن لزوم المال بمجرَّد قولها بعيدٌ، كدخول المعطَى في ملكه بمجرد الإِعطاء، وأيد من صحَّح البيع بالمعاطاة بالمذهب الظاهر في المسألة وهو حُصُول الملك في المعطَى، لكن في التوجيه المذكور ما ينبه على الفَرْق؛ وذلك لأنَّها مَلَكَتِ البُضْع حيثُ وقع الطلاق، وأحوَجَنَا ذلك إلى إثبات الملْك في العِوَض، ومثْلُ هذا المعنى لا يتحقَّق في المعاطاة، ولو كان قد قال: مَتَى أعطيتِنِي ألْفاً، فأنْتِ طالقٌ، فبعثَتْ به على يد وكيل لها، وقبضه الزوج، لم يقع الطلاق؛ لأن الصِّفَة المعلَّق عليها إعطاؤها لم توجد، وكذلك لو أعطته عن الألف عوضاً، أو كان له عليها ألفُ درْهَمٍ، فتقاصا, ولو حضرت بنفسها، وقالت لوكيلها الحافظِ لِمَالِهَا: سَلِّمْهُ إلَيْهِ، يقع الطلاق، وكان تمكينها الزوج من المال المقصودِ إعطاءٌ، ذكَره في "التتمة"، ولو علَّق الطلاق بالإِقْبَاض، فقال: إن أقبضْتِنِي كذا، فأنْتِ طالقٌ، فوجهان: أظهرهما: وهو المذكور في "التَّتمة" أنَّه تعليقٌ محققٌ؛ لأن الإِقباض لا يقتضي التمليك بخلاف الإعطاء، ألا ترى أنَّه إذا قيل: أعْطَاه عطيَّةً: فُهِمَ منه التمليكُ، وإذا قيل: أقْبَضَه، لم يُفْهَمْ منه ذلك؛ فعلى هذا لا يملك المقبوض، ولا يكون له الرجوع إلى مهر المثل، بل يقع الطلاق رجعيَّاً، ولا يختص [الإِقباض] بالمجلس كسائر التعليقات 59. والثاني: أن الإِقباض كالإِعطاء؛ لأن ذكْرهُ يُشعُرُ بقصد تحصيله، فعلى هذا الحكمُ كما ذكرنا في الإِعطاء، وإن قال: إن قبضت منك كذا، فهو كما لو قال: إن 60 أقبضتني، ويعتبر في القبض الأخْذُ باليد، ولا يكفي الوَضْع بين يديه؛ فإنه لا يسمى قبْضاً 61، ولو بعثَتْ على يد وكيلها, لم يَكْف؛ لأنَّه ما قبض منها, ولو قبض منها، وهي مكرهة يقع الطلاقُ؛ لوجود الصفة، وفي التعليق بالإِعطاء لو أخذ منها كرهاً، لا تُطلَّق؛ لأنَّها لم تُعْط، وفي "التتمة" أن ما بيَّناه في التعليق بالإِقباض مفروضٌ فيما إذا لم يسبق منه كلام يدل على الاعتياض؛ بأن يقول: إن أقبضْتِني كذا، أو جعلته لي أو

الجزء: 8 - الصفحة: 438

لأصرفه في حاجتي، وما أشْبَه ذلك 62، والأداء والدفع والتسليم كالإِقباض ولو قال إن أعطيتني ألفاً فأنت طالق فاعطت ألفين طلقت لأن وقوع الطلاق هنا بحكم التعليق وإعطاءُ الألفين يشتمل على إعطاء -الألْف، وكذا لو قال: إن ضمِنْتِ لي ألفاً، فضمنت ألفين، وَيَلغُو ضمان الزيادة على الألف، وإذا قَبَض زيادة على القَدْر المعلَّق به، كانت أمانةً عنده ويخالف ما إذا قال: خالَعْتُكِ بِألف، فقبِلَت، بألفين؛ حيث لا يصحُّ، ولا يحصل الفراق؛ لأن القبول لم يوافق الإِيجاب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَةُ): إِذَا قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ وَفِي البَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَةٌ وَالغَالِبُ وَاحِدٌ فَأَتَتْ بِغَيْرِ الغَالِبِ طُلِّقَتْ لِعُمُومِ الاسْمِ لَكِنْ عَلَيْهَا الإِبْدَالُ بِالغَالِبِ لاخْتِصَاصِ المْعَاوَضَةِ بِهِ وَلَفْظُ الإِقْرَارِ أَيْضاً لاَ يَخْتَصُّ بِالغَالِبِ بَلْ أَثَرُ العُرْفِ في المُعَامَلَةِ فَقَطْ دُونَ التَّعْلِيقِ وَالإِقْرَارِ، وَلَوْ أَتَتْ بِأَلْفٍ مَعِيبٍ طُلِّقَتْ لِعُمُومِ الاسْمِ وعَلَيْهَا الإِبْدَالُ بِالسَّلِيمِ لِلمُعَاوَضَةِ (الخَامِسَةُ): إِنْ كَانَ الغَالِبُ دَرَاهِمَ عَدَدِيَّةَ نَاقِصَةً لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهَا الإِقْرَارُ وَالتَّعْلِيقُ، وَهَلْ يَنْزِلُ عَلَيْهَا البَيْعُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَيُقْبَلُ تَفْسِيرُ التَّعْلِيقِ وَالإِقْرَارِ بِالمُعْتَادِ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَكَذَلِكَ لاَ يَنْزِلُ عَلَى الدَرَاهِمِ المَغشُوشَةِ؛ لأَنَّهَا نَاقِصَةٌ وَلَكِنْ يَصِحُّ التَّعَامُلُ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ قَدْرُ النُّقْرَةِ مَعْلُوماً وَإِلاَّ فَوَجْهَانِ.
قال الرَّافِعِيُّ: مقصود المسألتين بيَانُ ما ينزل عليه لفظ الدراهم، إذا عُلِّقَ الطلاقُ بإعطائها، وما يقبل التفسير به، وقد بَيَّنَّا في "الزكاة" ثم في "الإِقرار" قدر الدرهم الإِسلامي، واسم الدرهم يقع على ذلك القَدْر من النقوة الخالِصَةِ المَضْرُوبَة، سواءٌ كان نوْعُه جيداً أو رديئاً؛ لسواد أو خشونةٍ أو غيرهما، فهذا قال: إن أعطيتنِي ألْفَ درْهَم، فأنت طالقٌ، يقع الطلاق بأي نوع أعطته، لشمول الاسم، لكن إذا كان في البلد نقْدٌ غالب، فأتَتْ بغير الغالب، فتطالَبُ بالغَالب؛ لأن المعاملاتِ تنزل على النقْد الغالب، والخُلْعُ فيما يرجع إلى المال كسائر المعاملات، ونقل القاضي ابن كج عن رواية أبي علي الطبري قولاً آخر أن 63 الرجوع إلى مهْر المِثْل، والظاهر الأول، ولْيَكُنْ هذا الخلافُ مرتَّباً على الخلاف المذكور في الفصْلِ السابق أن المُعْطَى على الوجْه الذي ينبغي أن يكون هل يملك؟ إن قلنا: لا يملك ثَمَّ، والرجوع إلى مهر المثل، فهاهنا أوْلَى، وإن قلنا: يملك، فهاهنا خلافٌ؛ لأن المأتيَّ به غير المستحق، فإن حكمنا بأن الرجوع إلى مَهْر المثْل، فالمُعْطَى غير مملوك، وإن قلنا بالرجوع إلى الغالب، فالمعطى

الجزء: 8 - الصفحة: 439

مملوك للزوج، لكن للزوج أن يردَّه ويطالب بالغالب، ويوضحه أن صاحب "التهذيب" قال: للزوج الخيارُ؛ إن شاء رَضِيَ به وإن شاء رَدَّه وطَالَب بالغالب، وذكر في "الوسيط" أن الزوج لا يملك المُعْطَى، ويجب الإِبدال، وبه يُشْعر قوله في الكتاب "وَلَكِنْ عَلَيْهَا الإِبْدَالُ بِالغَالِبِ" والأقوى الأول، ثم العادة الغالبة إنما تؤَثِّر في المعاملات، لكثرة وقوعها، ورغبة الناس فيما يروج في البقعة غالباً، لا تؤثر في التعليق والإِقرار، بل يبقى اللفظ على عمومه فيهما، أما في 64 التعليق؛ فلقلة وقُوعِه، وأمَّا في الإِقرار، فلأنَّه إخبار عن وجوب سابق، وربما تقدم الوجوب على الضَّرْب الغالب أو وجب في بقعة أخرى، وصورة الإِقرار مذكورةٌ في بابه، ويجوز إعلامها بالواو؛ لَوجْه ذكرنا هناك أن التفسير بغير سكَّة البلد لا يُقْبَل، ولو قال: طلَّقْتُك على ألْف، فهذا ليس بتعليق، فيُنَزَّل على الغالب على قاعدة المعاملات ثم في الفَصْل صورتان: إحداهما: لو كان في البلد دراهمُ عادية ناقصةُ الوزن أو زائدةُ الوزن، لم يُنَزَّلِ الإِقرار ولا التعليق علَيْها؛ لأن الغلبة لا تؤثر فيهما، واللفظ صريح في الوازنة، وفي تنزيل البيع، والمعاملة عليها وجْهَان: أحدهما: المَنْع؛ لأن الدراهم صريحٌ في المقدار والمذكور، والعرفُ لا يغيِّر المُسَمَّى، وإن كان مخصصاً ببعض الأنواع.
وأظهرهما: التنزيل عَلَيْها؛ لأنها التي تقصد في مثْل هذه البلدة، وليس في استعمال الدرهم في الناقص إلاَّ استعمال اللفظ في بعض معناه، وأنه من طُرُق المَجَاز، وهل يقبل تفسير المقر بالناقصة أطلق في الكتاب فيه وجْهَيْنِ، وفيه تفصيل، قد مرَّ في "الإِقرار"، وحاصِلُه أن الإِقرار إن كان في ثلاثة دراهم تامة، فلا يقبل التفسير بالناقص، وإن كان التفسير مفصَّلاً على الأصح وإن كان التفسير في ثلاثة دراهم ناقصةٍ فيُقْبَل التفسير المتَّصل، وكذا المنفصلُ على الأصح، ولو فسر المعلَّق بالدراهم المعتادة، فإن كانت زائدةً، فهو كالتفسير في الإِقرار بالناقصة، والظاهرُ القَبُول، وإن كانت ناقصةً، قال الإِمام: يُقْبَل لا محالة [لأنه توسيع لباب الطلاق].
الثانية: لو أتت بدراهم مغْشُوشَةٍ، فيُنْظَرُ إن كان الغالبُ في البلد الدراهمَ المغشوشةَ، فقد أطلق صاحب الكتاب أنَّه لا يُنَزَّل اللفظ عليها؛ لأنها ناقصةٌ، من حيث إن الغِشَّ غير متناول باسم الدرهم؛ لِمَا مَرَّ أنه يقع على الفضة، وعلى هذا فلا يقع الطلاق إلا إذا أعطت ألفاً خالصةً ولكن في "الوسيط" أنها تسترد ما أعطت، وتعطيه ألفاً مغشوشةً، ومن قال بهذا، قال: التفسير بالمغشوشة كالتفسير بالناقصة، وإذا قبلنا التفسير

الجزء: 8 - الصفحة: 440

بهما فنراجِعُه؛ ليعبر عن مقصوده، أو تأخذ بالظاهر إلا أن يفسر فيه احتمالان في "البسيط" 65 والذي أورده صاحب "التهذيب" و"التتمة" أن اللفظ ينصرف إلى المغشوشة، ويقع الطلاق، إذا أعطت ألْفَ درهمٍ مغشوشةٍ، وهل يُسَلَّم له بذلك؟ قال المُتَوَلِّي: يبنى على أن المعاملة بالدراهم المغشوشة، هل تجوز إن لم نجوِّزْها رَدَّ الدراهم، ولزمها مهْر المثل، وإن جوَّزنا سلَّمَتْ له الدراهم، وليعلَّم لذلك قولُه في الكتاب "وَكَذَلِكَ لاَ يُنَزَّلُ عَلَى الدَّرَاهِم المَغْشُوشَةِ" بالواو ويشبه أن يكون ما في الكتاب أظْهَرَ أن يُنَزَّلَ اللفظ على المغشوشة، إذا غَلَبتْ، فليُنَزَّل اللفظ على الناقصة إذا غلبت، والذاهب إليه يمْكِنُه الفَرْق، بين التعليق والإِقرار؛ لأن الإِقرار إخبار عن سابق، والتعليق بالمال قضية معنى المعاوضة، فالحَق في التنزيل على المعتادة بالمعاملات، وإن كان الغالِبُ الدَّرَاهم الخالصةَ، فلا تطلق إلاَّ إذا أعطَتْ قَدْر ما يبلغ نُقْرَتُه ألْفَ درهم؛ لِمَا مرَّ أن لفظ الدراهم للفضة، ولم يوجد عادة صارفة، وعن القاضِي الحُسَيْنَ -رحمه الله- حكايتةُ وَجْه أنَّه لا يقع الطلاق، وإن بلغ القَدْر المذكور كما لو أعطته سبيكةً، وإذا قلنا بالوقوع، فهل يملك الزوج المغشوشَ المدفوعَ إليه؟ حكى أبو الفرج السرخسي فيه وَجْهَيْنِ: أحدهما: لا؛ لأن المعاملة تُنَزَّلُ على نقد البلد.
والثاني: نَعَمْ؛ لأن قبْضَها اعتبر في إيقاع الطلاق، فكذلك في إفادة الملك، ولكن له الردُّ بسبب العَيْب فإذا رَدَّ، فالرجوع إلى مهْر المثل أو إلى ألف خالصة، فيه قولان، ولك أن تقول: ما ينبغي أن يملك الغشَّ، والصورة هذه بحَالٍ؛ لأن التعليق بإعطاء الدراهم، وهي العوض والدرهم كما مرَّ اسمٌ للقدر المعلوم من الفضة، فإذا بلغ فِضَّة المدفوع الألْفَ، بقي الغشّ شيئاً [مضموماً] 66 إلى النقرة الَّتي هي العوض؛ فلا وجه لصيرورته ملكاً له، كما إذا ضمت إلى الألف ثوباً 67. وأمَّا قوله في الكتاب "وَلَكِنْ يَصِحُّ التَّعَامُلُ عَلَيْهَا ... " إلى آخره قد مرَّ في الزكاة طَرَفٌ مما يتعلق بالدراهم المغشوشة، وذكر صاحب الكتاب الوجهين هناك، وأعدنا المسألة مع زياداتٍ في أول "البَيْع"، والظاهر صحَّة المعاملة بها.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (السَّادِسَةُ): إِذَا قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتنِي عَبْداً فَأَنْتِ طَالِقٌ وَوَصَفَ العَبْدَ بِمَا يَجُوزُ فِيهِ السَّلَمُ فَأَتَتْ بِهِ طُلِّقَتْ وَمَلَكَ الزَّوْجُ العَبْدَ، وَإِن اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ العَبْدِ طُلِّقَتْ بِكُلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْه اسْمُ العَبْدِ مِنْ مَعِيبٍ وَسَلِيمٍ لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهَا وَيُرْجَعُ إِلَى مَهْر المِثْلِ

الجزء: 8 - الصفحة: 441

لأَنَّهُ مَجْهُولٌ، وَلَوْ أَتَتْ بِعَبْدٍ مَغْصُوبٍ فَفِي وُقُوعِ الطَّلاَقِ وَجْهَانَ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِني خَمْراً فَأَتَتْ بِخَمْرٍ مَغْصُوبٍ فَوَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِالوُقُوعِ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي هَذَا العَبْدَ فَأَعْطَتْ فَخَرَجَ مُسْتَحقّاً فَهَلْ يُبَيِّنُ أَنَّ الطَّلاَقَ لَمْ يَقَعْ؟ وَجْهَانِ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتني هَذَا الحُرَّ وَقَعَ الطَّلاَقُ بِإعْطَائِه رَجْعِيّاً، وَقِيلَ: يُرْجَعُ إِلَى مَهْرِ المِثْلِ وَيَكُونُ بَائِناً.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا قال: إن أعطيتني عبداً أو ثوباً، فأنْتِ طالقٌ، ووصَفَه بما يُعْتَبر الوصف به في السلم، فأتَتْ به على الصفة المذكورة، طُلِّقَتْ، ويملكه الزوج كما ذكرنا في الدراهم، وإن أعطته على غير تلك الصفة فلا طلاق، ولا ملك، وإذا كان على تلك الصفة ووجَد به عيباً، فله الخيار، فإن ردَّه، فالرجوع إلى مهْر المِثْل، في أصح القولين، وإلى قيمته صحيحاً في الثاني؛ وليس له أن يطالِبَ بعَبْدٍ بتلك الأوصاف سليمٍ، بخلاف ما إذا قال لامرأته: طلقتُك أو خالَعْتُكِ على عبْدٍ صفتُه كذا، فأعطَتْه عبداً بتلك الصفات، وكان معيباً له الرَّدُّ، والمطالبة بعَبْدٍ سليمٍ، لما سبق من الفرق.
وفي كتاب الحناطي وجْه: أنَّه لا يرد العبد بل يأخذ أرشْ العَيْب، وإن اقتصر على قوله: إن أعطَيْتِنِي عبْداً فأعطتْه عبْداً مملوكاً لها يقع الطلاق لوُجود الصفة المعلَّق عليها, ولا يملكه الزوج؛ لأن الملك فيه يثبت المعاوضَة، والمجهولُ لا يصلح عوضاً، فيجب الرجوع إلى عوض البضع وهو مهر المثل، ويتعين هاهنا مهر المثل رجوعاً؛ لأن المجهول لا تُعْرَفُ قيمته حتى يفرض الرجوع إليها، وحكى القاضي ابن كج والحناطي وجهاً أنه يقع الطلاق رجعيّاً، ولا يلزمها مهر المثل وإنما يلزم ذلك إذا ابتدأت، وسألت الطلاق على عوض، فقالت في الجواب: إن أعطيتني عبْداً فأنْتِ طالقٌ، فأعْطَتْ، والمذهبُ الأول، ولا فرق بين أن يكون العبْد المُعْطَى سليماً أو معيباً ولا بين القن، والمُدْبر، والمعلَّق عتْقُهُ بصفة، لوقوع اسم العبد على الكل، وإمكان النقل والتمليك، ولو أعطته مكاتباً، لم يقَعِ الطلاق، وكذا لو قال لأجنبي: إن أعطيتَنِي أمَةً، فزَوْجَتِي طالقٌ فأعطاه أمَّ وَلَده، وأشير في المكاتب إلى وجه آخر، وربما جاء مثله في أم الوَلَد ولو كان قد وَصَف العبد ببعض الأوصاف، ولم يستوعب، فهو كما لو أطلق ذكْر العبد في أن الرُّجُوع إلى مَهْر المئل، لكن لو أعطَتْه عبْداً على غير تلك الصفة، لم يقَعِ الطلاق، وذلك مثل أن يقول: إن أعطيتِني عبْداً تركيّاً فأعْطَتْه هندياً، ولو أتت بعبْد مغصوبٍ أو مشتركٍ بينها وبين غيرها، أو قال: إن أعطيتِنِي ألْف درهمٍ، فأتت بدراهم مغصوبةٍ فوجهان: أحدهما: أن الحُكْم كما لو أتت بما تملكه، فيقع الطَّلاَق، ويكون الرجوع إلى مهر المثل؛ لأن الزوج لا يملك المدْفُوع، وإن كان مملوكاً، فلا معنى لاعتبار الملك.
وأصحهما: لا يقع الطلاق؛ لأن الإِعطاء يعتمد التمليك على ما مر، وإذا كان

الجزء: 8 - الصفحة: 442

المسمَّى مما لا يمكن تمليكه، فلا يجري أو لا يستحسن فيه لفْظُ الإِعطاء؛ ألا ترى أنَّه لا يقال: أعطاه حرَّا, ولا يمكن تمليك المغصوب، ولا جمع المشترك، وطرد هذا الخلاف في العبد المرهون والعبد المستأجر 68 من غيره.
ولو قال: إن أعطيتِنِي هذا العبْدَ المغصوبَ، فأعطَتْه، ففيه خلافٌ مرتَّبٌ وأوْلَى بأن يقع وهو الظاهر؛ لأنَّ التصريحَ بالغَصْب يدل على أنَّه لم يقْصِدْ مهْر المثل، [ولو قال إن أعطيتني زق خمر أو خنزير فأنت طالق فقد سبق أنها إذا أتت به بانت ووجب مهر المثل] فإن أتَتْ بخمرٍ مغصوبةٍ، وذلك بأن كانت محترمةً فإن قلنا في العَبْد المغصوب أنه يقع الطلاق، فهاهنا أَوْلَى وإن قلنا: لا يقع هناك، فهاهنا وجْهَان: أظهرهما: الوقوع؛ لأن الإِعطاء هاهنا مضافٌ إلى ما لا يتأتى تمليكه.
والثاني: المَنْعُ، ويحمل على ما تختص به يداً كما حمل لفظ العَبْد على ما تختص به ملكًا, ولو قال: إن أعطيتني هذا الحُرَّ فأنْتِ طالقٌ، ففي "البسيط" وغيره ما يقتضي جَعْلَه على الخلاف: وجْه عدم الوقوع أن الإِعطاء تمليك، وإضافة التمليك إلى الحُرِّ فاسدةٌ، فصار كما لو قال: إن صلَّيْت وأنْت محدِثَةٌ أو بِعْتِ الخَمْر فأنْتَ طالقٌ، لا يقع الطلاق بصورة الصلاة والبيع، وإذا قلنا بالوقوع فيقع رجعيّاً أو بائناً، فيه وجهان: أحدهما: يقع رجعيّاً؛ لأن الحر لا يملك فالزوج لم يطمع في شَيْء.
والثاني: أنه كالتعليق بالخمر والمَغْصُوب، وهذا أشبه بما مر في المسائل المناظرة لهذه في الخلع والصداق، ورجح صاحب الكتاب الأَوَّلَ، ولو قال: إن أعطيتني هذا العبد [أو] 69 والثوب، فأنتِ طالقٌ، فأعطته طُلِّقَت، وملكه الزوج، فإن خرج مستحقاً أو مكاتباً، فهل يتبين أن الطلاق لم يقع، فيه وجْهان كما ذكرنا في صورة الإِطلاق، ولكنَّ الأصحَّ هاهنا الوقوع؛ لمكان التعيين، والإِشارة وقَرُبَ الوجهان من الوجهين، فيما إذا وكَّل رجلاً بشراء عبد معين، فاشتراه وخرج معيباً، هل يستقل بالرد؛ لأنَّه بالتعيين قطع نظره واجتهاده وإذا قلنا: إن الطلاق واقع فالرجوع إلى مهر المثل في أصح القولين، وإلى قيمة العبد في الثاني وإذا وجده معيباً فله الردُّ، وعن ابن أبي هريرة أنا إذا قلنا: إن الرجوع إلى القيمة، فيجيء هاهنا وجْهُ أنه لا يرد بل يرجع بالأَرْش، فإذا ردّ عاد القولان في أن الرجوع إلى مهر المثل، أو إلى قيمته سليماً وذكر في "التهذيب" أنه لو قال لامرأته الأمَةِ إن أعْطَيْتِني ثوباً، فأنتِ طالقٌ، فأعطته ثوباً لم تطلَّقْ؛ لأنها أعطتْ ما لا تملك 70 فإن قال إن أعطيتني الثوب، فأعطته طُلِّقت، وفيما عليها القولان، وهذا

الجزء: 8 - الصفحة: 443

اقتصار منه على الجواب الأصح في الثوب المُطْلَق، وفي المُعيَّن والله أعلم ولا يَخْفَى مما تقدَّم أن الإِعطاء في جميع صور الفصل ينبغي أن يقع في المجلس، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتِنِي هَذَا الثَّوْبَ المَرْوِيَّ فَإِذَا هُوَ هَرَوِيٌّ طُلِّقَتْ عَلَى وَجْهٍ وَإِنَّمَا هُوَ غَلَطٌ فِي الوَصْفِ، وَلَوْ قَالَ: خَالَعْتُ عَلَى هَذَا الثَّوْبِ عَلَى أنَّهُ هَرَوِيٌّ فَإِذَا هُوَ مَرْوِيٌّ نَفَذَتِ البَيْنُونَةُ وَللِزَّوْجِ خِيَارُ الخُلْفِ فِي العِوَضِ دُونَ الطَّلاَقِ.
قال الرَّافِعِيُّ: فيه صورتان: إحداهما: لو قال: إن أعطيْتنِي هذا الثوبَ، وهو هَرَوِيُّ، فأنت طالقٌ، فأعطته، وبان مروياً، لم يقع الطلاق؛ لأنه علق الطلاق بإعطائه، بشَرْط كَوْنِهِ هَرَوِيًّا, ولم يوجد هذا الشرط، فأشبه كما إذا قال: إن أعطيتني هذا الثوب، فأنْتِ طالِقٌ إن كان هرويًّا، ولو قال: إن أعطيتِنِي هذا الثوبَ الهروِيَّ؛ فإذا هو مَرْوِيٌّ أو بالعكسِ، فوجهان عن القاضي الحُسَيْن.
أحدهما: أنها لا تُطلَّق كما في الصورة السابقة؛ تنزيلاً له على الاشتراط.
والثاني: تُطلَّق؛ لأنه أشار إلى عين الثوب، وكونه هرويّاً لم يذكره على صيغة الاشتراط بل الصيغة صيغة واثق بحصول هذه الصفة لكنَّه أخطأ فيه، وهذا أشبه.
الثانية: لو خالَعَها على ثوْبِ هَرَوِيٍّ، ووصف كما ينبغي فأعطَتْه ثوباً بتلك الصِّفَات على اعتقاد أنه هروي، فَبَانَ أنه مروي فيردّه، ويطالب بثوب هروي بالصفات المذكورة، ولو خالَعَها على ثوب بعينه على أنه هَرَوِيٌّ، فبان مرويًّا، نفذت البينونة، وملكه الزوج، واختلاف الصفة كَعَيْبٍ يوجد فيه، فله خيار الخُلْف، وفي "شرح مختصر الجُوَيْني" وجه: أنه إن كانت قيمة المرويِّ أكثر أو لم يكن تفاوتٌ فلا رد لأن الجنس واحد، ولا نقصان، والظاهرُ الأول، وإذا رد رجع إلى مهر المثل، على أصح القولين وإلى قيمة ثوب هروي في الثاني، فإن وجد به عَيْباً بعْد تلفه أو تعيبه في يده، ولم يمكنه الردُّ، فيرجع بقدر النقصان من مهر المثل في أصح القولين، ويقدر ما انتقص من القيمة في الثاني، وليس له المطالبة هاهنا بثوب هروي, لأنه معين العقد.
قال أبو الفرج السرخسي: وهَذَا على قولنا: إن اختلاف الصّفَة لا تُنَزَّل منزلة اختلاف العَيْن، وفيه قولان ذكرناهما في النكاح، فإن نَزَّلْناه منزلة اختلاف العين، فالعِوَضُ فاسدٌ، فليس له إمساكُهُ ويرجع إلى مَهْر المثل، أو بدل الثوب لو كان مرويَّا على اختلاف القولين، ولو خالَعَها على ثوب بعينه على أنَّه كتَّان، فبان قُطْناً أو بالعكس، فالذي ذكره الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيِّب وأصحابُنا العراقيون أن العوض فاسدٌ وإن نفذت البينونة؛ لأن الاختلاف هاهنا راجعٌ إلى الجنس، وفي الصورة

الجزء: 8 - الصفحة: 444

السابقة الاختلافُ راجع إلى الصفة، والهَرَوِيُّ والمَرْوِيُّ كلاهما من جنس واحد، وإذا فَسَد العوض، كان كما لو خالَعَ على خَمْر، فيكون الرجوع إلى مهر المثل، أو بدل ثوب كتان على اختلاف القولين، وليس له إمساكُ ذلك الثَّوْب، وهؤلاء قالوا: لو بَاعَ ثَوْباً على أنَّه كَتَّان، فَبَانَ قُطناً، فسد البيع، وسوى في "التهذيب" بين هذه الصورة السابقة، وأجاب فيها بمثل الجواب المذكور هناك، وجَمَع صاحب "التتمة" بين الجوابين فقال: هو مبنيٌّ على ما إذا قال: بعْتُ منْكَ هذه البَغْلَة، فإذا هي فرَسٌ، هل يصح البيع، إن صحَّحنا؟ فهو كاختلاف الصفة، وإلا فسدت التسمية، ولم (1) يكن له إمساكُ ذلك الثَّوبْ ولو قالَتْ: خالِعْنِي على هذا الثَّوْب؛ فإنه هرويٌّ، فخالعها عليه، فخرج مرويَّا، فالحكم كما لو قال: خالعْتُكِ عليه على أنه هروي؛ لأنَّها غَرَّتْه (2) وفي "التتمة" أنها لو قالت لزوْجها: هذا الثَّوْب هروي، فقال: إن أعطيتني هذا الثوبَ، فأنت طالِقٌ، فأعطته، فبان مرويَّا فيبنى على المتوطأ عليه قبل العقد هو كالمشروط في العقد، إن قلنا: نعم، لم يقع الطلاق، وإلا وقَعَ، وليس له إلا الثوب ولو قال: خالَعْتُكِ على هذا الثوب، وهو هَرَوِيٌّ، فبان خلافه، فلا رد له؛ لأنه لا تغرير من جهتها, ولا اشتراط منْه، وكذا لو قال: خالعْتُكِ على هذا الثوب الهرويّ، كذا ذكره في "التهذيب"، وقد يقال: قوله (3) و"هو هَرَوِيٌّ" أفاد الاشتراط من قوله: إن اعطتِنِي هذا الثوب، وهو هرَوِيٌّ، حتى لم يقع الطلاق إذا لم يكن هرويَّا، فلم هذا الاشتراط في قوله: خالعْتُكِ على هذا الثوب وهو هروي حتى يتمكن من الرد، إذا لم يكن هرويَّا، كما في قوله: خالَعْتُكِ على هذا الثَّوْب على أنَّه هروي، والجوابُ أنَّ قوله هناك: "وهُوَ هَرَوِيٌّ" دخل على كلام غير مستقل؛ فإن قوله: إنْ أعْطَيْتِنِي هذا الثوب، لا استقلال له، فيتقيد بما دخَلَ عليه، وتمامه عند قوله: فأنْتِ طالقٌ، وقوله: خالَعْتُكِ على هذا الثوب كلامٌ مستقلٌّ، فجعل قوله بعده: وهُوَ هَرَوِي جملةً يرأسها, ولم يتقيد به الأول، وقوله في الكتاب: "ولِلزَّوْجِ خيارُ الخُلُف في العوض دون الطلاق" معناه أن البينونة حاصلةٌ لا مَدْفَع لها، وفوات الشرط إنَّما يُؤَثِّر في العوض كما أن أثر الفَسَاد لكونه خَمْراً أو خنزيراً يختص بالعِوَض، ولا يُؤَثِّر في البينونة، وقد مَرَّ في الصداق والخلع ما يعرف ذلك، ويغني عن التعرض له في هذا المقام والله أعلم.

البَابُ الرَّابعُ في سُؤَالِ الطَّلاَقِ،

وَفِيهِ فُصُولٌ (الأَوَّلُ فِي أَلْفَاظِهِ): وَفِيهِ صُوَرٌ: (الأُولَى): إِذَا قَالَتْ: مَتَى مَا طَلَّقْتَنِي فَلَكَ ألْفٌ717273

الجزء: 8 - الصفحة: 445

اخْتَصَّ الجَوَابُ بَالمَجْلِسِ، بِخِلاَفِ قَوْلِهِ لَهَا: مَتَى مَا أَعْطَيْتِنِي، وَلَوْ قَالَتْ: إِنْ طَلَّقْتَنِي فَأَنْتَ بَرِيْءٌ مِنَ الصَّدَاقِ فَطَلَّقَ فَهُوَ رَجْعِيٌّ وَلاَ يَحْصُلُ البَرَاءَةُ لأَنَّ تَعْلِيقَ البَرَاءَةِ لاَ يَصِحُّ، وَلَوْ قَالتْ: طَلِّقْنِي وَلَكَ عَلَيَّ أَلْفُ فَطَلَّقَ لَزِمَهَا الألْفُ وَصَلُحَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ مِنْهَا للالْتِزَامِ وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ مِنْهُ للالْتِزَامِ، وَلوْ قَالَ: بِعْنِي وَلَكَ عَلَيَّ أَلْفٌ فَذَلِكَ لاَ يُحْتَمَلُ في البَيْعِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي عَلَى أَلْفٍ فَقَالَ: طَلَّقْتُ وَلَمْ يَذْكُرِ المَالَ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: لَمْ أقْصِدِ الجَوَابَ حَتَّى يَكُونَ رَجْعِيّاً، وَلوْ قِيلَ لَهُ: أَطَلَقْتَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَهُوَ مُتَعَيِّنٌ لِلْجَوَابِ لأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ.
قال الرَّافِعِيُّ: ضمن الباب فصولاً: أحدها: في ألفاظ المرأة في سؤال الطلاق.
والثاني: في سؤال عَدَدٍ معيَّن من الطلاق.
والثالث: فيما إذا سألت طلاقاً معلقاً بزمان، ثم عقد فصلاً في خلع الأجنبي، وليست له قرابة تختص بهذا الباب، ولو أورده في باب مُفْرَد، أو في الركن الثاني من أركان الخُلْع، وهو القابل لَكَانَ أحْسن، أما الفصل الأول؛ ففيه صور: منها: أن قول المرأة: طلِّقْني بكذا، أو على كذا صيغةٌ صحيحةٌ في الالتزام، وكذا في قولها: طلِّقْني على أن عليَّ كذا، أو على أن أعْطِيَكَ كذا أو أضمن لك وفي معناها قولها: إنْ طلَّقْتَنِي أو إذا طلقتَنِي فلك عليّ كذا، ويختص الجواب بالمَجْلس، وكذا لو قالت: متى ما طلَّقْتَني، ويختص الجواب بالمجلس، بخلاف قول الرجل: مَتَى ما أعطْيتِنِي كذا، فأنت طالِقٌ، وهذا قد سبق بتوجيهه.
ومنها: لو قالت: إنْ طلَّقْتَني، فأنت بريْءٌ من الصداق، أو فقد أبرأْتُكَ، فقال: قد طلقْتُكِ، وقع الطلاق رجعيّاً ولم يبرأ عن الصداق؛ لأن تعليق الإِبراء لا يصح، وطلاق الزوج طمعاً في البراءة من غير لفظ صحيح في الالتزام، ولا يوجب عوضاً وهاهنا كلامان: أحدهما: أنه قد مر في باب الضَّمَان أن تعليق الإِبراء صحيحٌ على القديم، وأن معنى الإِسقاط يقتضي المسامحة في الجديد أيضاً، فالذي أطلق هاهنا الجواب على الجديد على الأظهر في أن تعليق الإِبراء لا يصح.
والثاني: أنه وإن لم يصحَّ الإِبراء، فالزوج طَلَّقَ طمعاً في حصول البراءة، وهي رَغِبَتْ في الطلاق بالبراءة فكان لا يبعد 74 أن يقال: هذا عوضٌ فاسدٌ، فأشبه ما إذا ذكر

الجزء: 8 - الصفحة: 446

خمراً 75 أو خنزيراً.
ومنها: لو قالت: طَلِّقْني ولك عليَّ ألفٌ، فقال: طلَّقْتُ حصَلَتِ البينونة، ولزم الألْف؛ لأن هذه الصيغة تصلح للالتزام، قال الله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: 72] والإِتيان بها عقيب سؤال الطلاق قرينةٌ دالَّةٌ عليه، ويخالف ما إذا قال الزوج: طلقْتُكِ ولي عليك كذا؛ فإنه لا يصلح للالتزام للمال على ما مر، وعند أبي حنيفة، وهو وجه عند بعض الأصحاب أنَّه لا يثْبُت العِوَض كما لا يثبت، إذا قال الزوج: طلقْتَكِ ولي عليك كذا؛ وهذا لأن قولها: وَلَكَ عليَّ كذا بالوعد أشْبَهَ منه بالالتزام؛ فعلى هذا إن اقتصر على قوله: طلَّقْتُكِ، يقع الطلاق رجعيّاً وإن قال: طلَّقْتُكِ على ألف، احتاج إلى قَبُولها، قال أبو سعيد المتولي: ويقْرُبُ من هذه الصورة ما إذا قالت: طلِّقْني وأضْمَنُ لك ألفاً، ولو قالت: وأعطيك ألفاً، فالأظهر أنه إذا قال طلقها مطلقاً، يقع رجعيًّا؛ لأن لفظ الضمان يُشْعِر بالالتزام، والإِعطاءُ بخلافه، ولم يطَّرِد الوجه المذكور هاهنا في الجعالة، بل لو قال: رُدَّ عبدي وَلك عليَّ كذا، فرَدَّ لزم المالُ بلا خلاف، ولو قال المشتري: بِعْنِي هذا ولك عليَّ كذا، فقال بِعْتُ، ففي انعقاد البيع وجهان:

الجزء: 8 - الصفحة: 447

أحدهما: ينعقد كالخلع والجعالة، وهذا هو الجواب في: "فتاوى القَفَّال".
والثاني: المنع لأنه يحتمل فيهما ما لا يحتمل في البيع؛ ألا ترى أن التَّعْليقَ لا يقدح فيهما، ويقدح في البَيْع، وفيما علق عن الإِمام أن هذا أصح، ويشبه أن يكون الوجهان في أنه هل هو صريح، فأما كونه كناية فلا ينبغي أن يكون فيه خلاف.
ومنها: إذا قالت طلِّقْني على ألْفِ، أو أتت بصيغة أخرى صريحة في الالتزام، فإن أجابها، وأعاد ذِكْرَ المال، فذاك وإن اقتصر على قوله: طلَّقْتُكِ كفى ذلك، وانصرف الجواب إلى السؤال كما إذا قال البائع: بعْتُ بكذا، فقال: اشتريت، واقتصر عليه يكفي، وفي "أمالي" الشيخ أبي الفَرَج وجْه: أنه إذا لم يعد المال لم يلزم المال، ووقع الطلاق رجعيَّا، والظاهر الأول.
ولو قال: قصَدتُّ الابتداءَ دون الجواب قُبِلَ، ويكون الطلاق رجعيًّا، فإن اتهمته في ذلك حَلَف.
وأما قوله: "ولو قيل له: أطَلَّقْتَ زوجتك فقال: نعم، فهو متعين للجواب"، فهذه الصور مذكورةٌ في أواخر "كتاب الطلاق" وقد تبيَّن هناك أنَّه يكون ذلك إقراراً بالطَّلاق، ويكون إنشاء، والغرضُ هاهنا شيْءٌ واحدٌ؛ وهو أنه لو قال: لم أقْصِدِ الجواب بقولي "نعم"، لم يقبل، بخلاف ما نحن فيه، وفرق بينهما بأن قوله "نعم" لا يستقل ولا يفيد بنفسه، وقوله "طَلَّقْتُكِ" كلامٌ مفيد في نفسه يصلح للابتداء كما يصلح للجواب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَتْ: أَبِنِّي فَقَالَ: أَبَنْتُكِ فَإِنْ نَوَيَا نَفَذَ، وَإِنْ لَمْ ينْوِيَا أَوْ لَمْ يَنْوِ الزَّوْجُ لَغَا، وَإِنْ نَوَى دُونَهَا نُظِرَ، فَإِنْ ذَكَرَا المَالَ لَمْ يَنْفَذْ لأَنَّهَا لَمْ تَلْتَزِمْ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرَا نَفَذَ رَجْعِيّاً، وَإِنْ ذَكَرَ المَالَ دُونَهَا لَمْ يَقَعِ الطَّلاَقُ، وإِنْ ذَكَرَتْ في الِتِمَاسِهَا فَقَالَتْ: أَبِنِّي بِأَلْفٍ فَقَالَ: أَبَنْتُكِ فَهُوَ كَمَا إِذَا ذُكِرَا جَمِيعاً إِلاَّ أَنْ يَقُولَ: قَصَدتُّ الابْتِدَاءَ دُونَ الجَوَابِ، وَلَوْ قَالَتْ: أَبِنِّي فَقَالَ: أَبَنْتُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مَالٍ مَعَ نِيَّتِهِ وَقَعَ الطَّلاَقُ رَجْعِياً وَلَمْ يَثْبُتِ المَالُ بِخِلاَفِ لَفْظِ الخُلْعِ فَإِنَّه بُنْبِئُ عَنِ المَالِ فَيَقْتَضِيهِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: اللفظ الدائرُ بَيْن الزوجين سؤالاً من جانب الزوجة، وإجابة من جانب الزوج، إما أن يكون صريحاً من الجانبين، أو كناية من الجانبين، أو صريحاً من أحدهما كناية من الآخر فإن كان كناية من الجانبين، كما إذا قالَتْ: أبِنِّي، أو بِنِّي أو أبرّئْنِي أو بَارئْنِي، فقال: أبنتك أو بنتك، فإن نَوَيَا الطلاق، نَفَذَ، ولزم المال إن ذَكَر مالاً، وإن لم ينويَا أو لم ينوِ الزوج، فلا فرقة، وإن نوى الزوج دونها، فيُنْظَرُ، إن جَرَى ذكر المال في السؤال والجواب، لم يقع الطلاق؛ لأنَّه ربط الطلاق بالمال، وهي لم تسال الفراق، ولم تلتزم المال في مقابلته، وإن لم يجر ذكْرُ المال في الطرفين، وَقَعَ

الجزء: 8 - الصفحة: 448

الطلاق رجعيًّا، وإن ذكر الزوجُ المالَ، ولم تذكر المرأة، لم يقَعِ الطلاق؛ لأنَّها لم تسألْ [فيها] فراقاً، والزوج أنشأ فراقاً على مال لم يتصل به القَبُوَل، وإن ذكَرَتْ هي المالَ، فقالت: أبِنِّي على ألْفٍ، فقال: أبنتُكِ، فوجهان: أحدهما: أنَّه لا يقع الطلاق؛ لأن كلامه جوابٌ عن سؤالها، فيعود المال في الجواب، ولم يوجد منها القبُول، فصار كما إذا ذكِرَا جميعاً.
والثاني: أنَّه يقع الطلاق رجعيَّا، ويحمل على ابتداء الخِطَابِ منه، ونظم "التهذيب" يقتضي ترجيح الوجه الثاني، لكنَّ الإِمام ذَكَر، أن الأصحَّ هو الأول، ويحكى عن القاضي الحُسَيْن مثْلُه، وهو المذكور في الكتاب الموافق للوَجْه المشهور فيما إذا قالت: طلقْني بألف، فقال: طلَّقْتُ، واقتصر عليه، ولا شكَّ أنه لو قال الزوج: قصدت الابتداء دون الجواب، يقبل، وَيقَع الطلاق رجعيَّاً، واعلم أن قوله في الكتاب في ابتداء المسألة "فَإِنْ نَوَيَا نَفَذ" يعني أصل الطلاق، ثم إن ذكر مالٌ، وجب المال والطلاقُ بائنٌ على ما سبق، وإن لم يُذكَرْ مال فالطلاق رجعيٌّ، وهو المراد من قوله آخِراً "ولو قالت: أبِنِّي فقال: أبنتك" إلى آخره، والمراد ما إذا نوى الزوج الطلاقَ مع نيتها أو دون نيتها، وقوله: "مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ مالٍ مع نيته" لفظ النية لا حاجة إليه؛ فإن النية المجردة لا أثر لها في المال، ومطلق لفظ الإِبانة لا يقتضي بخلاف لفظ الخُلْع، حيث قلنا: إنَّه يقتضي المال [وإن] 76 جرى من غير ذكر مال على أجَد الوَجْهَيْن؛ لأن ذاك مأخوذ من العرف والاستعمال الشائع من لفظِ الخُلْع، ولَفْظُ "الإِبانةِ" لا يختص في العُرْف بما إذا كان هناك مالٌ، هذا إذا كان اللفظُ المستعملُ في الجانبين كناية، وإن كان صريحاً في أحد الجانبين، كنايةً في الآخر، فالكنايةُ مع النية كالصريح، ودون النية لغْوٌ لا عبرة بها، فإذا قالت: أبِنِّي على كذا ونوت فقال: طلقتُكِ أو قالت: طلِّقْنِي بكذا، فقال: أبنتك، ونوى، فالحُكْمُ كما لو كان المستعمل من الجانبين صريحَ الطلاق، هذا هو الظاهر.
وعن ابن خيران: أنَّهَا إذا قالت: طَلِّقْني، فقال: أبنْتُكِ، ونوى، لم يقع؛ لأن الصريح آكَدُ، وأقوى فالمأتي به غير المسؤول 77. قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّانِي فِي الْتِمَاسِهَا طَلاَقاً مُقَيَّداً بِعَدَدٍ): وَفِيهِ صُوَرٌ، فَلَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي ثَلاَثاً بِأَلْفٍ فَطَلَّقَ وَاحِدَةً اسْتَحَقَّ ثُلُثَ الأَلْفِ بِخِلاَفِ جَانِبهِ، فَإِنْ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إِلاَّ طَلْقَةٌ وَطَلَّقَ الآخِرَةَ اسْتَحَقَّ (ز) تَمَامَ الأَلْفَ، وَإِنْ بَقِيَتْ طَلْقَتَانِ اسْتَحَقَّ بِالوَاحِدِ ثُلُثَ الأَلْفِ، فَإِنْ أَوْقَعَهُمَا اسْتَحَقَّ الجَمِيعَ لأَنَّهُ أَفَادَ البَيْنُونَةَ الكُبْرَى، وَلَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي

الجزء: 8 - الصفحة: 449

عَشْراً بِأَلْفِ اسْتَحَقَّ بِالوَاحِدَةِ عُشْرَ الأَلْفِ وَبِالثِّنْتَيْنِ خُمْسَهُ وَبِالثَّلاَثِ الجَمِيعَ.
قال الرَّافِعِيُّ: إحدى صُوَر الفَصْل، لو قالت لزوجها: طَلِّقْنِي ثلاثاً بألف، أو على ألف، فطلَّقَها واحدةً، فقد سبق في الفصل المبين لِمَا في الخُلْع من الشوائب؛ أنَّه يقع ويستحق ثُلُث الألف، وأن الشيخ أبا عَلِيٍّ حكى وجْهاً ضعيفاً أنه لا يقع بتلك الواحدة، ويُحْكَى أن أحمد -رحمه الله- ذهب إليه، وكذلك أبو حنيفة في قولها: عَلَى ألْفٍ، وساعَدَنا في قولها بالألْفِ، ويجوز أن يُعَلَّمَ قوله هاهنا: اسْتَحَقَّ "ثُلُثَ الأَلْفِ" بالواو وبالألِفِ؛ لأنه إذا لم يقع شيء من الطلاق لا يستحق شيئاً من المال، وأيضاً فقد حكى الحناطي، وجْهاً ثالثاً: أنه يرْجِع عليها بمهر المثْل، ورابعاً: أنه يرجع بثُلُث مهر المثل، وظاهر المذهب الأولُ، ويخالف جانب الزوج فإنه إذا قال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً على ألْف، فقالت: قبِلْتُ واحدةً، لا تقع الواحدة بثُلُث الألف، ولو قال: إن أعطيتِنِي ألْفاً فأنتِ طالقٌ ثلاثاً، فأعطَتْ ثلث الألف، لا تطلق واحدةً، وذلك لأن الخُلْعَ من جانبه فيه معنى المعاوضة، والتعليق وفي شرط المعاوضة أن يوافق الإِيجاب القبول، ومن شرط الوقوع بالتعليق حُصُولُ الصفة المعلَّق عليها, ولم يتحققْ واحد من الشرطين، وأما من جانب المرأة الخُلْع مشبه بالجَعَالة على ما قدمناه، ولو قالت: طلِّقْنِي ثلاثاً، ولك ألفٌ، أو إن طلقْتَنِي ثلاثاً، فلك ألْفٌ، فهو كقولها: طَلِّقني ثلاثاً على ألف، حتى إذا طَلَّقَ واحدةً يستحق ثلُث الألف خلافاً لأحْمَدَ -رحمه الله-، ويجيء فيه الأوجه المذكورة من قَبْلُ.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أنه لا يقع شَيْءٌ من الطلاق ولا يستحق شيئاً من المال في قوْلها: إن طلَّقْتَني ثلاثاً فلك ألف، حتى تُطَلَّقَ الثلاثة، وقولها: طَلِّقْني ولك كذا، صيغةُ التزام عنده، حتى لا يستحق شَيْئاً وإن طلقها ثلاثاً على ما سَبَقَ.
ولو طلَّقَها في هذه الصورة طلقتين، استحق ثلثي الألف على الظاهر، وإن طلَّقَها طلقةً ونصفاً، فيستحق ثلثي الألف؛ لأنَّه أوقع طلقتين أو نصْف الألف؛ لأن ما أوقعه نصفُ الثلاث الألف والتكميل حكم الشرع.
حكى صاحب "المهذب" فيه 78 وجهَيْنِ، ولو قالت: طلِّقْني ثلاثاً بألف، وهو لا يملك إلاَّ طلقةً، فطلقها تلك الواحدةَ، فقد نص في المختصر على أنَّه يستحقُّ تمام الألف؛ لأنه حصل بتلك الطلْقة مقصودَ الثلاث، وهو الحُرْمة الكبرى, وقال المزني معتَرِضاً: ينبغي أن لا يستحقَّ إلاَّ ثلث الألف توزيعاً للمسمى على العدد المسؤول، كما لو كان يملك الثلاث، فطلَّق واحدةً، والحرمة لا تثبت بتلك الطلقة وإنما ثبتت بها، وبما قبلها، فيكون حكمها حُكْمَ الأولى والثانية، وهذا كما أن الشافعيَّ قال: السكر لا

الجزء: 8 - الصفحة: 450

يحصُلُ بالقَدْح الأخيرِ، بل به، وبما قبله، فيكون حُكْم ما قبله في التحريم حكْمَه، كما قال فَقْء عين الأعور لا يوجب إلاَّ نصف الدية؛ لأن العمى لا يحصل بهذا الفَقْء وحده، بل به وبما قبله، واختلف الأصحاب في ذلك؛ فعن أبي إسحاق وابن سُرَيْج أنَّهما توسَّطَا، فقالا: إن كانت المرأة عالمةً بأنَّه لم ينوِ إلاَّ واحدةً استحق تمام الألف، وهو المراد من النص؛ لأنَّها إذا علمت الحال، لا تبذل الألف إلا في مقابلة تلك الواحدة، ويكون غرضها تحقيقَ الحُرْمة الكبرى, وتعني بقولها: طلِّقْني ثلاثاً كمل لي الثلاَث، فأما إذا لم تعلَّمْ فإنما تبذل الألف في مقابلة الثلاث، فوجب أن يتوزع كما قاله المزنيُّ، وأخذ بظاهر النص آخذون منهم أبو الطيِّب بنُ سلمة، وقالوا: لا فرق بين أن تكون عالمةً أو جاهلةً، والزَّوْج يستحق تمام الألف في الحالين؛ لأن الواحدة والصورة هذه كالثلاث إذا كانت مملوكةً له، وأبطلوا التنزيل المذكورَ بأنه نصَّ في "الأم" فيما إذا قالت: طلِّقْني ثلاثاً بألف، وهو لا يملك إلاَّ طلقَتيْن، على أنه إن طلَّقَها واحدةً يستحق ثُلُثَ الألف، وإن طلقها ثنتين 79 يستحق الكلَّ، وهي إما عالمةٌ أو جاهلةٌ، إن كانت عالمةً وجب أن يستحق بالواحدة نصف الألف؛ لأنها بَذَلَتِ المال في مقابلة الطلقتين، وإن كانت جاهلةً لا يستحق بطلقتين إلاَّ ثلثي الألف، فظهر أنه لا فرق عنده بين العلْم والجَهْل، واعتذر هؤلاء عما احتج به المزنيُّ بأن العقل يستتر على التدريج، فكل قَدْح يزيل شيئاً من التمييز، وزوال البصر، كما أثر فيه الفقْء أثَّرَ فيه ما قبله فالحرمة الموصوفة بأنها كُبْرَى لا يثبت شيء منْها بالطلقتين الأوليين، وقد يقال: المراد من الحُرْمَة الكبرى, تَوَقّف الحل على أن تنكح زوجاً آخر، وهذه خطَّة واحدة؛ حتى يتأثر بعضها بالطلقة الثالثة، وبعضها بما قبلها، وجرى بعضهم على ما أطلقه المزني وقالوا: الواجبُ الثلثُ، علمت المرأة بما بقي من الطلاق، أو لم تعلَمْ، ويُرْوَى ذلك عن ابن خَيْران، وأوَّلَ هؤلاء النصَّ من وجهين: أحدهما: عن ابن خيران صورة النص ما إذا قالت: تملك عليَّ ثلاث طلقات فطلقني الثلاث بألف وقال الزوج: كنْتُ قد طلقْتُكِ، ولا أملك الآن إلاَّ واحدةً، فقالتْ: طَلِّقْني ثلاثا؛ ليزول الإِشكال، ففعل، فله الألْف؛ لأن عندها أنَّه أوقع الثلاث، وقوله: يطلقها واحدة يريد عقد الزوج؛ لأن الثنتين 80 لا يقعان بزَعْمه.
والثاني: حكى الحناطي عن ابن خَيْران والإِصطخرِّي أن نصَّه على تَمَام وجُوب الألْف مبنيٌّ على أن الخُلْع فسْخٌ، وهذا الكلام غير مخمَّر 81؛ فإن الخلاف في أن الفراق على مال فسْخٌ أو طلاقٌ، موضِعُه ما إذا لم يجر بينهما لفْظُ الطلاق، وإنما جَرَى

الجزء: 8 - الصفحة: 451

لفْظ الخُلْع ونحوه، وهاهنا المسؤولُ الطلاقُ، والجوابُ الطلاقُ، وبتقدير أن يكون ها هُنَا خلافٌ؛ فلعلَّ التقريب أن الفسخ رفع العقد بالطلقة الواحدة، يرتفع كما لو تلفظ بالثَّلاث، وبتقدير أن يكون التقريبُ هذا، فقضيته أن يقال: لو سأَلَتْه الثلاثَ بألْف، وهو يمْلِكُها فطُلِّقَتْ واحدةً أو اثنتين، وتستحق الألف أيضاً، فقد حصَلَ ممَّا ذكرنا في المسألة ثلاثةُ أوجه أو ثلاثة أقوال منْصُوصٌ ومخرجات.
أظهرها: على ما ذكر القفَّال والشيخ أبو علي وأكابر الأئمة -رحمهم الله- وجُوبُ جميع الألْف على ما نص عليه سواء علمت أنه لم يبق من الطلاق إلا طلقة أو جهلت وظنت بقاء الثلاث.
والثاني: وجوب ما يقتضيه التوزيع في الحالتين.
والثالث: الفَرْق بيْن أن تعلم أو تجهل، وهو اختيار القاضي الرُّوياني، ونقل الحناطي وجهاً رابعاً وهو أن المسمَّى يبطل ويرجع الزوج إلى مهْر المثل، وحكي هذا عن صاحب التلخيص وخامساً وهو أنَّه لا شيء له؛ لأنَّه لم يطلق كما سألت، ولو سألت الثلاث [على ما] صوَّرنا، وهو لا يملك إلاَّ طلقتين، فطلقها واحدة، فلَه ثلُث الألف على النص والتخريج الذي ذكَره المُزنيُّ، وعلى الوجْه الفارق إن جهلت، فكذلك، وإن علمت فله النصْفُ توزيعاً على الطلقتين، وإن طلَّقَها الطلقتين فعلى النصِّ يستحق جميع الألْف، وعلى ما قال المزنيُّ، يستحق ثلُثَي الألْف، وعلى الوجْه الفارق يستحق الجميع، إن علمت والثلثين إن جهلت، وزاد الحناطي وجهاً رابعاً: وهو الرجوع إلى مَهْر المثل.
وسادساً: وهو أن له ثُلُثَيْ مَهْر المِثْل، ولو قالَتْ: طلِّقْني عَشْراً بألْف، والصورة من مولدات ابن الحداد، فيُنْظَر؛ إن كان يملك عليها ثلاثَ طلقات، فعلى قياس النَّصِّ يستحق بالواحدة عُشْر الألف، وبالثنتين عشرَيْه، وهما الخمس، وبالثلاث الجميعَ، وهذا هو الأشهر، وبه أجاب ابن الحَدَّاد، وفي "المهذب" وجه آخر؛ أن التوزيع على الثلاث، والزيادة لغو فالمستحق بالواحدة الثلث، وبالثنتين الثلثان، وهذا كالخلاف، فيما إذا قال: أنتِ طالقٌ خمساً إلاَّ اثنتين ينصرف الاستثناء إلى العدد المذكور أم العدد الشرعيّ، وهو الثلاث، وطرد الوجهين على قياس تخريج المزنيِّ، فعلى الأشهر تستحق بالثلاث ثلاثة أعشار الألْف.
وعلى الثاني تستحق الجميع توزيعاً على العَدَد الشرعي، وهو الثلاث، ومن فرَّق بين العلْم والجهْل قال: يستحق بالثلاث الجميع والواحدة الثلث، وبالاثنين الثلثين لحصول العلم؛ بأن الطلاق لا يزيد على الثلاث، وأن [التلفظ] بالزيادة لغْوٌ، فإن ظنَّت أنَّه يملك عَشْراً، بأن كانت حديثة العَهْد بالإِسلام، فالقياس عود الوجهَيْن، في أنه

الجزء: 8 - الصفحة: 452

يجب ثلاثة أعشار الألف، أو 82 الجميع؟ ولو لم يَمْلِك الزوج في صورة سؤال العَشَرَةِ إلاَّ طلقتين، فعلى قياس النص إن طلَّقَها واحدةً، فله عُشْر الألف، والثلث وإن طلَّقها طلقتين، فله تمام الألف، وعلى قياس المزنيِّ المستحقُّ العشر أو العشران على الأظهر، والثلث أو الثلثان على الوجه الآخر، وعلى الوجه الفارق إنْ علمَتْ فالمستحَقُّ بالواحدة [النصف]، وبالثنتين الكل، وإن ظنت أنه يملك الثلاث، فالمستحَقُّ بالواحدة الثلُثُ، والاثنين الثلثان] قال الأئمة -رحمهم الله-: والضابط على النصِّ العددُ، المسؤول إن ملك الزَّوْج كلَّه، وأجابها، فله [المال] المسمَّى، وإن أجابها إلى بعْضه، فله قسْطه بالتوزيع، وإن كان يمْلك بعض المسؤول، فإن تلفظ بالمسؤول أو حصل مقصودُها بما أوقع, استحق المسمى، وإلاَّ وزع على العَدَد المسؤول على الأَشْهر، وعلى قول المزني استحق ما يقتضيه التوزيع على المسؤول أبداً، وكذا الحُكْم على الوَجْه الفارق في حالة الجَهْل، وفي حالة العلْم التوزيع على المملوك من الطلاق دون المسؤول، فلو كان يملك ثلاث طَلَقَات، فقالَتْ له: طلَّقْني ستّاً بألف، فعلى النصِّ والتخريج استحق بالواحدة السدس، وبالثنتين الثُّلُث، فإن طلقها ثلاثاً استحق الجميع على النَّصِّ، والنصْف على تخريج المزنيِّ، فأما على الوجه الفارق فله بالواحدة الثُّلُث وبالثنتين الثلثان، وبالثلاث الجميع وقس على هذا.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي ثَلاَثاً بِأَلْفٍ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بِأَلْفٍ وَثِنْتَيْنِ مَجَّاناً فَالمَشْهُورُ أَنَّهُ يَقَعُ الأُولَى بِثُلُثِ الأَلْفِ وَالثِّنْتَانِ لاَ يَقَعَانِ لأَنَّهَا بَائِنَةٌ، وَالقِيَاسُ أَنَّ الأُولَى لاَ تَقَعُ لأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِهَا إِلاَّ بِالأَلْفِ وَهِيَ مَا قَبِلَتْ إِلاَّ بِثُلُثِ الأَلْفِ وَالثِّنْتَانِ بَعْدَهَا تَقَعَانِ رَجْعِيَّتَيْنِ، وَلَوْ قَالَ فِي الجَوَابِ: أنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةٌ مَجَّاناً وَاثْنَتَيْن بِثُلُثَي الأَلْفِ وَقَعَتْ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً وَابْتُنِيَ الثِّنْتَانِ عَلَى مُخَالَعَةِ الرَّجْعِيَّةِ، فَإِنْ جَوَّزْنَا نَفَّذْنَا بِثُلُثَي الأَلْفِ وَإِلاَّ وَقَعَتَا بِغَيْرِ مَالٍ كَمُخَالَعَةِ السَّفِيهَةِ.
قال الرَّافِعِيُّ: الصورة الأولى: إذا قالت: طلِّقني ثلاثاً بألْف، فقال، وهو يملك عليها ثلاث طلقات: أنتِ طالقٌ واحدةً بألف، وثنتين مجاناً؛ فالذي نقله الفوراني وحُكِيَ عن رواية القاضي الحُسَيْن والصيدلاني وغيرهما أن الأُولَى تقع بثلث الألْف؛ لأنها لم ترض بواحدة إلا بثلث الألف؛ حيث سألت الثلاث بالألْف، فلا مزيد عليه، كما في نظيره في الجَعَالة، ولا تقع الأخريات؛ لأنها بانت بالواحدة.

الجزء: 8 - الصفحة: 453

والثانية: لا يلحَقُها الطلاقُ، وقال الإِمام: القياس الحقُّ أن لا يجعل كلامه جواباً عن سؤالها؛ لأنها سألت كل واحدةٍ بثلُث الألف، وهو لم يرض إلاَّ بألف وإذا لم يوافقْ كلامُه سؤالها؛ كان مبتدئاً بما قال، فإذا تقبل، لم وجب ألاَّ يقع كما إذا قالت: طلِّقْني واحدة بثلث الألْفِ، فقال: طلَّقْتُكِ واحدة بالألف، لا ينفَذُ، وإذا لم تقعْ تلك الواحدة، وقعت الأخريان رجعتين، وتابَعَهُ صاحب الكتاب وغيره، وهو حسن متوجِّه، والأول بعيدٌ، وأبعد منه ما في "التهذيب" أنه تقع الواحدة بالألْف، ولا تقع الأخريان، ويشبه أن يكون ما في "التهذيب" غلطاً من ناسخٍ أو غيره، ولو قال، وقد سألَتْه الثلاثَ: طلقْتُكِ واحدةً بثلُث الألف، وثنتين مجاناً.
فقد وافق كلامُه ما اقتضاه السؤالُ من التوزيع، وزال الإِشكال فَتَبِينُ بالأولى ولا تقع الأخريان، ورواية الأئمة إن أمكن تاويلُها على هذه الصُّورة فليفعل، ولو قال: طلقتُك اثنتين، بألْف وواحدةً مجاناً، فعلى الأول تقع الثنتان بثُلثَي الألف، وعلى الثاني، لا تقعان، ولو قال في الجواب: أنت طالق واحدةً مجاناً واثنتين بثلثَي الألف، أو اثنتين مجاناً وواحدةً بثلثه الألف، وقع ما أوقَعَه مجَّاناً، ويبنى ما بعده على مخالعة الرجْعيّة إن كان مدخولاً بها، وفيه قولان: إن صححناها: وهو الجديد؛ وقعت الثنتان بثلثَي الألْف، وإن لم نصححْها وقَعَتا بلا عوض، لما مَرَّ أن مخالعة الرجعية على هذا القول، كمخالعة السفيه؛ وقد يترتب، فيقال: هذه الصورة أولى بالصحة من مخالعة الرجعية؛ لأن سؤالها واقعٌ في صُلْب النكاح، وهناك الشقان واقعان جميعاً بَعْد الفُرْقة ولك أن تحتج بالمسألة على أن تخَلُّل الكلام اليسير بين الخِطَابِ والجواب لا يضر؛ لأن الطلاق الذي أوقعه مجَّاناً كلامٌ تخَلَّل بين سؤالها وجوابه، وأن لم تكن المرأةُ مدخولاً بها، فتَبِينُ بما أوقع مجَّاناً، ويلغو ما بعده، ولو قال في الجواب: أنتِ طالقٌ واحدةً مجَّاناً، واثنتين بالألْفِ ولم يقُلْ: بثلثي الألف ففي "التهذيب" إنْ كان ذلك بعد الدخول تقع الأولى مجاناً، والثنتان بثلثي الألف، ولا نقول: يستحق الكُلَّ، وإن حصل مقصودُها؛ لأن ذلك إنما يكون إذا وقَع المملوك من الطلاق في مقابَلَة المال، وهاهنا أوقَعَ بَعْضَ المملوك مجَّاناً واعلم أن الإِشكال الذي ذكَره الإِمَامُ في الصورة المتقدِّمة عائدٌ هاهنا؛ لأنها لم ترضَ بالطلقتين، إلاَّ بثلثي الألف وهو أوقعهما بألْف، فوجَبَ أن يجعل كلامه مبتدأً، وإذا كان مبتدأً ولم يتصل به القَبُول، وجب أن يلغو، وفي "التهذيب" أيضاً، أنه لو قال في الجواب: أنْتِ طالقٌ ثلاثاً، واحدةً بألف، تقع الثلاث، ويستحق ثلث الألف؛ لأنه تطوَّع، بطلقتين، ويعود فيه الإِشكال [والله تعالى أعلم].
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي وَاحِدَةً بِأَلْفٍ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً اسْتَحَقَّ تَمَامَ

الجزء: 8 - الصفحة: 454

الألْفِ؛ لأَنَّهُ أَجَابَ وَزَادَ، فَلَوْ ذَكَرَ المَالَ فَقَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثاً بِأَلْفٍ فَهُوَ كَمَا إِذَا لَمْ يَذْكُرْ، وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي التَّوْزِيعِ وَمُقَابَلَةِ كُلِّ طَلْقَةٍ بِثُلُثِ الأَلْفِ فَلاَ يَقَعُ شَيْءٌ، لِأنَّهُ خَالَفَ الالْتِمَاسَ، وَقِيلَ: إِنَّ الأَوْلَى يَقَعُ فَقَطْ لأَنَّهَا الْتَمَسَتْ بِأَلْفٍ وَأَجَابَهَا بِثُلُثِ الأَلْفِ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَبَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَقُولَ: بِعْنِي بِأَلْفٍ فَيَقُولُ: بِعْتُكَ بِخَمسِمِائَةٍ أَنَّهُ يَصِحُّ وَذَلِكَ بَعِيدٌ.
قال الرَّافِعِيُّ: الصورة الثالثة: قالت: طلِّقْنِي واحدةً بألف، فقال: أنتِ طالقٌ ثلاثاً، استحق تمام الألْف، وعن أبي حنيفة -رحمه الله-[أنه] لا يستحقُّ شيئاً، واحتج الأصحاب بوجهين: أحدهما: أنه أجاب إلى الطلقة المسؤولة، وزاد من عنده طلقتين، فيستحق الملْتَزَم، كما إذا قال: رُدَّ عبدي بكذا، فردَّه مع عبدين آخرين، يستحق المالَ، ويخالفه لو قال: بِعْنِي هذا العبد بألْف، فقال، بعتكه مع هذين العبدين الآخرين بألف، فالظاهر بطلان البَيْع، والفرق أن البيع معاوضة محضةٌ والخُلْع شبيه بالجعالة، فيحتمل فيه ما لا يحتمل في البَيْع على ما تقدَّم، وأيضاً، فتمليكه العبدين الآخرين من غير رضاه، وتملكه لا سبيل إليه، وإيقاع الطلقتَيْن الآخرين يستقل به الزَّوْج، وحكى الحناطي وغيره وجهَيْن آخرين: أحدهما: صحة البيع في الجميع.
والثاني: صحته في العَبْد المسؤول بيعُهُ خاصَّةً.
والوجه الثاني: أنها سألته البينونة بألْف، وإذا طلَّقَها ثلاثاً، فقد أبانَها أغلظ البينونَتَيْنِ، ثم الألْفُ المستحَقُّ يكون في مقابلة الثلث، أو في مقابلة واحدة منها، حُكِيَ فيه اختلاف للأصحاب ولا تتعلق به فائدة حكمية 83، وظاهر النص الثاني، ولو أعاد في

الجزء: 8 - الصفحة: 455

الجواب ذكْرَ الألف، فقال: طلقتك ثلاثاً بألف، ففيه أوجه: أظهرها: أنَّ الحكم كما لو لم [يعد] حتى تقع الثلاث ويستحق الألْف؛ لما سبق.
والثاني: عن القَفَّال أنه تقع الثلاث، ولكن لا يستحق إلا ثُلُث الألف، جعل الألف في مقابلة الثلث، وهي لم تَسْأَل بالعوض إلاَّ واحدةً، وحصَّةُ الواحدة ثلُثُ الألف، وهذا الوجه غير مذكور في الكتاب.
والثالث: لم أرَ ذكره إلاَّ في الكتاب أن إعادة الأَلْف تصريحٌ بالتوزيع، ومقابَلَة كل طلقة بثلث الألف، فلا يقع شيْء؛ لأن المَسْؤول طلقة بألف، والجواب لا يوافقه.
والرابع: أنه تقع واحدةً بثلث الألف، والأخريان لا تقعان، أما أنه تقع واحدةً؛ فلأنها سألت بألف، وأجاب بثلث الألف، فقد خفَّف وأحسن، وأمَّا أن الأخرتين لا تقعان؛ فلأنه أوقعهما بثلث الألف، ولم يتصل به القبول، وحق هذه الوجوه أن تطرد فيما إذا لم يُعِدْ ذِكْرَ الألف، وإن لم يذكروهاهناكِ؛ لأن قوله أنتِ طالقٌ ثلاثاً، إما أن يكون جواباً عن سؤالها ويقدر الألف عائداً فيه أولاً يكون كذلك، وإن كان الثاني، وَجَب أن يُطَلِّقَ ثلاثاً، ولا يلزم شيء من المال، وإن كان الأول، فأي فرق بين أن يذكره لفظاً أو لا يذكره، والمعنى واحد، ولو قالت: طلِّقْني واحدةً بألف، فقال: أنت طالق طلقتين، فقياس قولهم إنه أجاب إلى ما سألتْ، وزاد أن تقع الطلقتان، ويلزم الألْفُ.
وقال الإِمام -رحمه الله-: إنه لم تحصلِ البينونة الكُبْرى؛ حتى نقول: إن المسؤول البينونةُ، وقد أجاب إليها بصفة أغلط، والجواب مخالف للسؤال؛ لأنها سألت بألْف طلقة، وأنه أوقع طلقةً بنصف الألف؛ فيتجه في هذه الصورة مذهب أبي حنيفة -رحمه الله-، وهذا اعتماد على التوجيه الثاني في الصورة السابقة.
ولو قالت: طلقني بألف، فقال: طلقتُك، أو أنت طالق بخمسمائة، ففي وقوع الطَّلاَق وجهان: = فقد ظهرت المخالفة لكلام الزوجة والمقتضي الإِطلاق فتجيء الأوجه المذكورة، وإن قلنا: في مقابلة الثلاث بالتقدير فقد صرح بمقتضى الإِطلاق في الصورة المجزوم بوقوع الطلاق فيها فيقع الثلاث بألف جزماً في صورة إعادة الألف في الجواب بالثلاث.
ويمكن أن نذكر فائدة أخرى وهو أن الاستحقاق للجميع هل هو مقابل للبينونة الكبرى أو لما ذكر ويظهر من ذلك العكس وهو ما لو طلبت ثلاثاً بألف فإن استحق الجميع وهو المنصوص وإن قلنا إن الجميع إنما هو مقابل لما ذكرت فلا يستحق إلا الثلث وهو رأي المزني.
فإن قلت: فظاهر النص هنا يخالف المنصوص هناك.
قلت: لا يلزم من البناء وظهور الفائدة الاتفاق في الترجيح.

الجزء: 8 - الصفحة: 456

أحدهما: لا يقع؛ لأن الجواب لم يوافق الخطاب، فأشبه ما إذا قال: أنت طالق بألف، فقبلت بخمسمائة لا يقع، وأصحهما: وبه أجاب ابن الحداد: أنَّه يقع, لأن الطَّلاَق إلى الرِّجَال، وهو قادر على الإِيقاع بغير عوض، فأَوْلَى أن يقدَّر على الإِيقاع ببعض العوض المبذول، وعلى هذا ففيما يستحقه الزوج وجْهان: الأصَحُّ -وبه قال ابن الحداد-: أنه خمسمائة؛ لأنه رضي بهذا القدر، فيطلق عليه.
والثاني: جميع الألف, لأن الزوج لا يحتاج إلى قَبُول الألف بل يكفي أن يطلقها؛ ألا ترى أنه لو اقتصر على قَولِه: أنت طالقٌ، كفى واستحق الألف، فيعمل ذلك ويلْغُو قوله: خمسمائة، وفي البيع لو قال الراغب بعني بألْفٍ، فقال: بعْتُكَ بخمسمائة، ذكر الشيخ أبو علي وغيره فيه احتمالين: أحدهما: يَصِحُّ؛ لأنَّه زاد خَيْراً فصَارَ كما لو وكَّله بِشِراء عبْدِ فلانٍ بألف، فاشتراه الوكيل بخمسمائة.
وأظهرهما: المنع, لأنه معاوضة مضنة ويعتبر فيه من التوافق ما لا يعتبر في الطلاق، وكذلك لو قال: بعْنِي هؤلاء العبيدَ الثلاثة بألف، فقال: بعْتُكَ هذا الواحدَ بثُلُث الألْف، لم يصحَّ، ولو قالت: طَلِّقْني على كذا درهماً، فطلقها على دنانيرَ كان مبتدئاً بكلامه، فيُنْظَر؛ أيتصل به قبول أم لا؟ وبمثله الجواب فيما إذا قالت: طلِّقْني بألْفِ درهمٍ، فقال: طلقتُكِ بألف دينار، ولو قالت: طلِّقْني واحدةً بألف، فقال: أنتِ طالقٌ وطالقٌ وطالقٌ، روجِعَ، فإن قال: أردتُّ مقابلة الأولى بالألف وقعَتْ، ولم تقع الآخريان، وإن قال بأردتُّ الثانية، وقعت الأولى رجعيَّة، ويجيء في الثانية الخلافُ المذكور في مخالعة الرجعيَّة، فإن صحَّحناه، لغت الثالثةُ، وإن لم نصححها لم تلْغُ، وإن قال: أردت الثالثة وقعت والأوليان بلا عِوَضٍ، والثالثُ على الخِلاَف، وإن قال: أردتُّ مقابلة الكل بالألف، وقعت الأولى بثلث الألْف، ولغت الأخريان، ولو لم يكُنْ له نية، قال صاحب "التهذيب" -رحمه الله- تبين بالأُولَى بالألف؛ لأنه جواب لقولها، وتلغو الأخريان، وأورد الشيخ أبو إسحاق الشيرازي مثْلَ هذا التفصيل فيما إذا ابتدأ، فقال أنت طالق وطالق بألف وليشترط فيه مطابقة القبول للإِيجاب ولو قال في جوابها أنت طالِقٌ وطالقٌ، وطالقٌ واحدةً بالألف، انقطع الاحتمال لمقابلة الكُلِّ بالألف والباقي كما ذَكْرنا، وهذا فيما إذا كانتِ المرأة مدخولاً بها، فإن لم تكنْ مدخولاً بها، وأراد أن تكون الألْف في مقابلة غير الأولى، بَانَت الأولى، ولغا ما بَعْدها, ولو قالت لزوجها، وهو لا يملك إلاَّ طلقةً واحدةً: طلِّقْنِي طلقتَيْن بألْف، فقال: طلقْتُك اثنتين، الأُولى منْهُما بألْف والثانية: مجَّاناً استحق الألف، وإن قال: الثانية منهما بألف وقعت الأولى بلا عوض، وتَلْغُو الثانية على التقديرين، وإن قال: إحداهما بألف أو اقتصر على قوله:

الجزء: 8 - الصفحة: 457

طلقْتُكِ اثنتين، روجع فيه، فإن قال: أردتُّ الأولى والثانية، فعلى ما ذكرنا، وإن قال: لم أنوِ عند قولي: طلَّقْتُكِ اثنتين لا هذا ولا ذاك، ففي استحقاق المال وجهان: أصحهما: ويُحْكَى عن اختيار أبي إسحاق أنَّه يستحق، لأن الجواب طَابَقَ السؤال، فلا تقدَّر تجزئةً وتبعيضاً، ويكون ما وقع وقع مقابلاً بالعوض.
ولو أعاد ذكْرَ المال فقال: طلَّقْتُكِ اثنتين بألف، فيستحق خمسمائة أخذاً بالتوزبع، كما لو سألت طلقتين بألْف، وهو يملكها، فطلَّقَهَا واحدةً، أو يستحق ألفاً بأن الحرمة الكبرى إذا حصَلَتْ لا يُنْظَر إلى التوزيع بَعْدها فيه وجهان: أصحهما: على ما حُكِيَ عن الشيخ أبي علىٍّ.
والثاني: وبه قال أبو زيد وُينْسَبُ الأول إلى صاحب "التلخيص".
ولو قالَتْ، ولم يبق للزوج عليها إلاَّ طلقةً: طلِّقني ثلاثاً بألْف طلْقةً أحرم [عليك بها] في الحال وطلقتان يقعان إذا نكحتني بعد زوج آخر، أو يكونان في ذمتك تنجزهما حينئذٍ فطلَّقَها ثلاثاً وقعت الواحدةُ، ويلغو كلامِها في الأخريين؛ لأن تعليق الطلاق بالنكاح وإثْبَات الطلاق في الذِّمَّة باطلان، ثم النص في المختصر أن الزوج يرجع إلى مهر المثل، وللأصحاب طريقان فيه أظهرهما: إن المسألة على الخِلاَف في تفريق الصَّفْقة للجمع فيما بين المملوك وغير المملوك، فإن قلْنَا بالبطلان فالعِوَض فاسدٌ، والرجوع إلى مهر المثل، وإن قلْنَا بالصحة فلها الخِيَار في العِوَض؛ لأن مقصودها قد تَبَعَّض عليها، فإن فسخت، فالرجوع إلى مَهْر المثل، وإن أجازت فتجيز بجَمِيع الألْف، أو بالثُّلُث منه؛ لأنه في مقابلة الطَّلَقَات الثلاثة، فيه قولان: في أن المشتري يجيز بجميع الثمن، أو بالقِسْط، ومنهم من قَطَع هاهنا بأنها تجيز بالثلث؛ لأن المشتريَ بالفَسْخ يدفع العقد من كل وجه، والطلاق هاهنا لا مدفع، له فيبعد أن يلزمها للواحدة ما التزمته للثلاث.
والطريقُ الثاني: القطع على الرجوع إلى مهْر المثل؛ لأن المال واقع في مقابلة المَمْلُوك وغير المملوك من الطلاقِ، والتقسيطُ إنما يكون على عدد الطلاق، وغير المملوك لا يساوي المملوكَ، حتى يُوَزَّع على العَدَد، فيتعين الرجوع إلى مهْر المثل.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي نِصْفَ طَلْقَةٍ بِألْفٍ أَوْ طَلِّقْ نِصْفِي بِأَلْفٍ فَطَلَّقَ بَانَتْ وَعَلَيْهَا مَهْرُ المِثْلِ لِفَسَادِ صِيغَةِ المُعَاوَضَةِ، وَقِيلَ: عَلَيْهَا المُسَمَّى.
قال الرَّافِعِيُّ: الرابعة: إذا قالت: طلقني نصفَ طلقة بألف، أو قالت: طلِّقْ نصفي

الجزء: 8 - الصفحة: 458

أو يَدِي أو رِجْلِي بألف، فأجابها إلى ما سألَتْ، فلا يخفى أن الطلاق يُكَمَّل ببعضه، وأن تطليق البعض تطليقُ الكل، وكذلك لو قال: ابتداء طلقتك نصْفُ طلقة، أو طلقت نصْفَك بألْف، فقبِلَتْ، ولو تعاقدا بلفظ الخُلْع وبعَّضَا، وقلنا: إن الخُلْع طَلاَقٌ فكذلك وقد مر أنا إن جعلناه فسخاً، لغى وإذا وقع الطلاق، فالظاهر الرجوع إلى مهْر المثل؛ لفساد صيغة المعاوضة؛ ألا ترى أنَّه لو قال: بعْتُكَ هذا نصْفَ بيعة، أو بعْتُ من نصْفك، أو من يدك، لم يَصِحَّ البَيْعُ، فإذا فسَدَتِ الصيغة تعين الرجوع إلى مَهْر المثل، وإنما يجيء اختلاف القَوْل في أن الواجِبَ مهر المثل أو بدل المسمى، إذا كان الفَسَاد في المُسَمَّى وعَنْ حكايه الإِمام، واختاره، وجه أنه يجب المسمى؛ لأنهما وإن خَصَّصا العوض بما لا يختص به فإن الشرع قد كمَّله، فلا يَبْعُد أن يَنزَّلَ ما كمَّله الشرع منزلة الكامل.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الثَّالِثُ فِي المُعَلَّقِ بِزَمَانٍ): وَفِيهِ صُوَرٌ، فَلَوْ قَالَتْ: طَلِّقْنِي غداً وَلَكَ أَلْفٌ اسْتَحَقَّ الأَلْفَ مَهْمَا طَلَّقَ إِمَّا فِي الغَدِ وَإِمَّا قَبْلَهُ، وَإِنْ طَلَّقَ بَعْدَهُ نَفَذَ رَجْعيّاً لأَنَّهُ خَالَفَ، وَلَوْ قَالَتْ: لَكَ أَلْفٌ إِنْ طَلَّقْتَنِي في جَمِيعِ هَذَا الشَّهْرَ وَلَمْ تُؤَخِّرِ اسْتَحَقَّ الأَلْفَ إِنْ وَافَقَ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ قَالَتْ: مَتَى مَا طَلُّقْتَنِي فَلَكَ أَلْفٌ فَإِنَّهُ لاَ يُسْتَحَقُّ اِلاَّ بِطَلاَقٍ في المَجْلِسِ، لأَنَّ قِرِينَةَ العِوَضِ عَارِضُ عُمُومٍ مَتَى مَا وَلاَ يُعَارِضُ صَرِيحَ التَّخْيِير، وَقَدْ قِيلَ بِنَقْلِ الجَوَابِ مِنْ كُلِّ مَسْئَلَةٍ إِلَى أُخْتِهَا.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا قالت طلِّقْني غَداً ولك عليَّ ألف، أو قالت: إن طلقتني غداً، فلَك عليَّ ألف، أو قالت: خُذْ هذا الألْفَ على أن تطلقني غداً، فأخَذَه عليه، لم يصِحَّ، ولم يلزم الطلاق، لأنه سَلَمٌ في الطَّلاق، والطَّلاَقُ لا يثبت في الذِّمَّة، ثم إن طلقها في الغَدِ، أو قبل مجيئه وقع الطلاق بائناً، ولزم المال، أما في الغد، فلأنه حَصِلَ غرضُها، وأجابها إلى ما سألت، نعم لو قال: أردتُّ الابتداءَ صُدِّقَ بيمينه، ومكن من الرجعة، وأما قَبْل مجيءْ الغَدِ، فلأنه إذا عجَّل فقد حصَل مقصودها، وزاد فأشبه ما إذا قالَتْ طلقني واحدةً بألف، فطلَّق ثلاثاً، وفي المال الذي يلزمه طريقان حكاهما القاضي أبو الطيِّب وغيره أحدهما عن أبي إسحاق وابن أبي هريرة -رحمهما الله- أن فيه قولين: أحدهما: مَهْر المثل.
والثاني: المُسَمَّى كالقولين فيما إذا خَالَع على مغصوب ونحْوه، في قول يلزم مهر المثل، وفي الثاني بدل المذكور.
والثاني: وبه قال الشيخ أبو حامد: أن اللازم مهْر المثل قولاً واحداً؛ لوجهين: أحدهما: قال الإِمام: هذا خُلْع على شرط المال في الحال، مع استنجاز الطلاق، ذلك على اختلاف مقتضى الخُلْع، فإنَّ مقتضاه إرتباطُ المال بالطلاق، فَجَاء

الجزء: 8 - الصفحة: 459

الفَسَاد من جهة الصيغة، وحينئذٍ فيتعين الرجُوع إلى مَهْر المثل، وإنما يجيءْ القولان، إذا كان الفَسَاد لمعنى في المسمى.
والثاني: أن هذا الخُلْعَ دخله شرط تأخير الطلاقِ المُثْبَت في الذمة، والشرط الداخلُ على العقْد يزَاد له العوض، أو ينقص، فإذا فَسَد، سقَط من العِوَض ما يقابله، وهو مجْهول، ويكون الباقي مجْهولاً، وفي المجهول يتعين الرُّجُوع إلى مهر المثل، والظاهر وجوب مهر المثل، وإن أثبتنا الخِلاَفَ، وهو المنصوص والمذكور في الكتاب، وقد يُوجَدُ في بعض نُسَخ الكتاب، "استحق الألف" بدل مهْر المثل، وكذلك في الصورة التي تجيءْ على الأثر، والصَّوابُ الأول، وكذلك ذَكَرَ في كتابيه "الوَسِيط" "والبسيط"، وهل يفرق بين أن يُسْعفها، وهو عالم ببطلان ما جَرَى بينهما وبين أن يسعفها وهو جاهل عن القاضي الحسين وجْه: أنه يفرق ولا يَجب شيءْ، إذا كان عالماً بل يقع الطلاق رجعيّاً، وهذا هو الذي أورده في "التهذيب" [وأشار إليه الإِمام القاضي الحُسَيْن] وضعَّفه الإِمام -رحمه الله- واستشهد بالخُلْع على الخمر، والأعواض الفاسدة، فإنه لا فَرْق في ثبوت المال بين العلْم والجَهْل، وإن طلَّقَها بعد مُضِىِّ الغدِ، نَفَذَ رجعيّاً؛ لأنه خالَف قوْلَهَا، فكان مبتدئاً بالطلاق، فإن ذكر مالاً، فلا بُدَّ من القَبُول.
ولو قالت: لك ألْفٌ إن طلقتني في هذا الشهر ولم تؤخر تطليقي عنه، أو قالَتْ خُذْ هذا الألْف على أن تطلقني في هذا الشهر متَى شئت، فهذا إثبات طلاق في الذِّمَّة، وتأجيلٌ بأجل مجهول، فهو أَوْلَى، بأن لا يصحَّ، ثم إن طلَّقها بعد مُضِيِّ الشهر، كان مبتدئاً بالطَّلاَق، وإن طلَّقها في الشهر، فقد أسعفها بسؤالها، فيقع الطلاق بائناً، وفي المالِ الواجب الطريقان، ولا يشترط وقوع التطليق في المَجْلس، وفيما إذا قالت: متى طلقتَنِي، فتلكَ ألْف، ذكَرْنا في الباب الأول: أن الشرط أن يقع التطليق في المَجْلِس، والفرق أن كلمة "متى" ظاهرةٌ في جواز التأخير؛ لعمومها في الأوقات، إلا أنَّ ذكْر العوض قرينةٌ عارضَتْ عموم الكلمة؛ فخصَّصناها بهذه القرينة، واشترطنا كوْن التطليق في المجْلس، جرياً على قاعدة المعاوضات، وهاهنا صَرَّحَت بالتخيير، وجوازِ التأخير، فضعفت القرينة عن مقاومة الصريح؛ فهذه هي الطريقة الظاهرة، وحكى الإِمام أنَّ من الأصحاب مَنْ نقل جوابَ كلِّ مسألة إلى أخْتها على قولَيْن، أو وجهين بالنَّقْل والتخريج، وسوَّى بينهما، وهذه التسوية في اشتراط التعجيل وعدمه لا خلاف في أن المسمَّى صحيحٌ في تلك الصورة.
ولو قالت: طلِّقْني بألْف طلاقاً يمتد تحريمه إلى شهر، ثم أكون في نكاحِكَ حلالاً لك، فطلَّقَها، كذلك بطل الشرط ووقع الطَّلاق مؤبداً وفي المال الواجب الطريقان، وطريقة القطع هاهنا أظهر؛ لأن الشرط المذكور هاهنا فاسدٌ فحكم الشرط

الجزء: 8 - الصفحة: 460

لا يمكن الوفاء به، وشرط تأخير الطلاق إلى الغَدِ أو إلى شَهْر، وإن لم يكن لازماً، ولكن يمكن الوفاء به، وقد وَفَّى به حيث طلَّقها على الوجه المشروط هناك، وفساد الشرط يوجب الجَهْل بالعوض فيتعين الرجوعُ إلى مهر المثل كما بيناه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ غَداً عَلَى أَلْفٍ فَقَالَتْ في الحَالِ: قَبِلْتُ وَقَعَ الطَّلاَقُ غَداً وَاسْتَحَقَّ مَهْرَ المِثْلِ عَلَى وَجهٍ لِفَسَادِ المُعَاوَضَةِ بِالتَّعْلِيقِ، وَالمُسَمَّى عَلَى وَجْهٍ لاحْتِمَالِ التَّعْلِيقِ فِيهِ، وفِيهِ وَجْهٌ أنَّهُ لاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ أَصْلاً.
قال الرَّافِعِيُّ: وإذا علَّق طلاق امرأته بصفة، وذكر عوضاً، بأن قال: طلقتُك إذا جاء الشهْر، أو رأس الشهر، أو إذا دخلت الدَّارَ على ألْفٍ، فقبلَتْ أو سألت المرأة أولاً فقالت: علّق طلاقي برأس الشهر، أو بدخول الدار على ألف، فعلق، فظاهر المذهب وقوعُ الطلاق عنْد وجود المعلّق عليه على قياس التعليقات، وفيه وجْه أنَّه لا يقع؛ لأن المعاوضة لا تقبل التعليق، فيمتنع ثبوت المال، وإذا لم يثبِت المال، لم يقع الطلاق، فإنه مربوطٌ به، وإذا قلنا بالمذهب فالظَّاهر اشتراطُ القَبُول على الاتصال، وعن القَفَّال احتمالُ وجهٍ آخر، وهو أنها بالخيار بين أن تقبل في الحال، وبين أن تقبل عند وجود الصفة، ثم الواجبُ مهْر المثل أو المسمَّى فيه وجهان: ويقال قولان: أحدهما: ويُنْسَب إلى الربيع أن الواجب مهْر المثل؛ لأن المعاوضات لا يجوز تعليقها في فساد العِوَض، دمان لم يؤثر في الطلاق؛ لقوته وقبوله التعليق، وإذا فَسَد العوض، وجب مهر المثل.
والثاني: يجب المسمَّى، ويجوز الاعتياض عن الطلاق المعلَّق، كما يجوز عن الطلاق المنجز، ورجح بعضُهم الأول، والأكثرون إلى ترجيح الثاني أميل ويجري الخلاف فيما إذا قالت إذا جاء رأس الشهر، وطلَّقتَنِي فلك ألف، فطلَّقَها عند رأس الشهر، إجابةً لها، وعن القَفَّال وجه فارق بين أن يبتدئ الزَّوْج فيعلق الطلاق على صفة بِعِوَضٍ، وبين أن تسال المرأة التعليقَ بِعِوَض، فيجيب، فإن ابتدأ الزوج ثبت المسمَّى، وإن ابتدأت بالسُّؤَال، فالرجوع إلى مَهْر المثل، وإذا قلنا بثبوت المسمَّى ففي "التتمة" وجهان في أنه متى يلزم تسليه؟.
أحدهما: يلزم عند وجُود المعلَّق عليه؛ لأن المعوض متأخِّرٌ، فكذا العوض.
والثاني: في الحال، وهو اختيار ابن الصَّبَّاغ؛ لأن الأعواض المطلقة يلزم تسليمها في الحال والمُعَوَّض تأخر بالتراضي، وعلى هذا فلو تعذَّر تسليم المعوَّض بأن حصلت فرقة قبل وجود المعلق عليه، لزم ردُّ العوض، كما إذا تعذَّر تسليم المسلَّم فيه، والوجهان متفقان، على أن المال ثابتٌ في الحال، وكذلك ذكَره في "التهذيب"، وهو

الجزء: 8 - الصفحة: 461

الوجْه لتمام شِقَّيْ العقد، وفي مجامع الإِمام وصاحب الكتاب -رحمهما الله- أن المال إنما يجب عند حُصُول البينونة، ولا شك أنه لا رجُوعَ لها بعد القَبُول، وأما إذا قالت طلقني غَداً ولك ألف أو إن طلَّقْتَنِي في هذا الشهر، فلك ألْفٌ وهما الصورتان المتقدمتان في الفَصْل السابق، فلها الرجُوع قَبْل التطليق؛ لأن الجواب به يحصل، وما يستحقه الزوج هناك، يستحقه عند التطليق.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الفَصْلُ الرَّابعُ فِي اخْتِلاعَ الأجْنَبِيِّ): وَهُوَ صَحْيحٌ كَاخْتِلاَعِهَا وَلاَ يُشْتَرَطُ رِضَاهَا لَكِنَّ المَالَ يَجِبُ عَلَى الأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ كَانَ وَكِيلاً عَنْ جِهَتِهَا تَخَيَّر بَيْنَ أَنْ يَخْتَلِعَ مُسْتَقِلاَّ أَوْ بِالوكَالَةَ يُعْرَفُ ذَلِكَ مِنْ لَفْظِهِ وَنِيَّتِه، فَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِالسِّفَارَةِ وَنَوَى النِّيَابَةَ تَعَلَّقَتْ بِهِ العُهْدَةُ كَمَا فِي الشِّرَاءِ، وَإِن اخْتَلَعَ بِوَكَالَتِهَا ثُمَّ بَانَ أنَّهُ كَاذِبٌ تَبَيَّنَ أَن الطَّلاَقَ غَيْرُ وَاقِعٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الخُلْعُ مع الأجنبي من غير رضا الزوجة جائزٌ، والتزامه المَالَ من عنْد نفسه فداءٌ للمرأة، كالتزام المال لعتق السيد عَبْدَه، وقد يكون له فيه غرض، بأن كان الزوج ظالماً بالإِمساك، وتعذر إزالة يده بالحجة أو كان يُسِيءْ العشرة، ويمنع الحقوق، فأراد المختلع تَخليصَها، وذكَر الأئمة أن صحَّة الخُلْع مع الأجنبي مفرَّع على أن الخُلْع طلاقٌ، فإن الطلاق أمر يستقل به الزوج، فجاز أن يسأله الأجنبي على مَالٍ، كما إذا قال: أَلْقِ متاعك في البَحْر وعلي كذا، فاما إذا قُلْنا: إنه فَسْخ، فالفسخ من غير علة لا ينفرد به الرَّجُل، فلا يصلح طلبه منه، ولْيُعَلَّم لذلك قوله في الكتاب "وَهُوَ صحيح كَاخْتِلاَعِهَا" بالواو، ولا يجيْء هذا الخلاف فيما إذا سأله الطَّلاَق [فأجاب] 84، لأن الفُرْقة الحاصلة عنْد استعمال لفظ الطلاقِ طلاقٌ لا محالةَ، وإنما الخلاف في لفظ الخُلْع.
ثم خُلْع الزوج مع الأجنبي كخُلْعِه مع الزوجة في الألفاظ والأحكام، وهو من جانب الزوج معاوضةٌ فيها معْنَى التعليق، ومن جانب الأجنبي معاوضةٌ فيها شائبة الجَعَالة، فإذا قال للأجنبي طلقْتُ امرأتي وعليك كذا، وقع الطلاق رجعيّاً، ولم يلزم المال، ولو قال له الأجنبي طلِّقْها ولك ألف، أو على ألف، فطَلَّقَ، وقع بائناً، ولزمه المال ولو اختلعها عبْدٌ، كان المال في ذمته، كما لو اختلعت الأمة نفْسَها، ولو اختلعها سفيةٌ، وقع الطلاقُ رجعيّاً، كما لو اختلعت السفيهة نفسَها.
ويجوز أن يكون الأجنبيُّ وكيلاً من جهة الزوجة في الاحنتلاع، وحينئذٍ فيتخير بيْن أن يختلع استقلالاً وبين أن يختلعَ وَكالةً عنْها، فإن صرَّح بالاستقلال، فذاك، إن صرَّح

الجزء: 8 - الصفحة: 462

بالوكالة، فالزوج يطالِبُ الزوجة بالمال، وإن لم يصرِّح، ونَوَى الوكالة، كان الخُلْع لها، لكن تتعلق العهدة به فيطالبُ بالعوض، ثم هو يرجع على الزوجة، ويجُوز أن يوكِّل الأجنبيُّ الزوجةَ حتَّى تختلع عنه، وحينئدٍ فتتخير الزوجة بين أن تختلع استقلالاً أو بالوكالة وقول الزوجة للأجنبي: سلْ زوجتي تطلقني على كذا درهماً توكيلٌ، سواءٌ قالت عليَّ أو لم تَقُلْ، وقول الأجنبي لها سلي زوجَك يطلقك على كذا يُنْظَرُ فيه، إن لم يقل "عليَّ" لم يكن توكيلاً، حتى إذا اختلعت، كان المال عليها، وإن قال على ألفٍ علَيَّ، كان توكيلاً، حتَّى لو أضافت إلى الأجنبيِّ أو نوته، وجَبَ المالُ على الأجنبي، وقول الأجنبي للأجنبيِّ؛ سَلْ فلاناً يُطَلِّق زوجته على كذا، كقوله للزوجة سلي زوجَك، فيفرق بيْن أن يقُول عليَّ أَوْلاً يقول كذلك، ذكر هذه الصورة صاحب "التهذيب" ونحوه -رحمه الله- ولو اختلع الأجنبيُّ، وأضاف العقْدَ إليها مصرِّحاً بالوكالة، ثم بان أنه كاذِبٌ لم يقَع الطلاق، لأنَّه مربوطٌ بالمال، وهو لم يلتزم، في نفْسِه، وكذا في إضافة الالتزام إليها، فأشبه ما إذا كان الخِطَابُ معها، فلم تقبل، وقوله في الكتاب، "ويعرف ذلك من لفظة ونيته"، يعني أن وفرعه 85 عن الوكالة تارة يكون بلفظة، وتارة يكون بالنية، وإذا لم يتلفظ بالوكالة، ولا نوى ففي "البسيط" و"الوسيط" أن مُطْلَقَه يقع عن الوكالة، والقياس الظاهر أن من اشترى شيئاً، ولم يتلفظ بالوكالة ولا نواها، يقع الشراء له لا للمُوَكل، وقد يُفَرَّق بين البابين 86، بأن الأصل وقوع العقد لمن يحصل له فائدته ومنفعته والشراء تحصل فائدته لكل من يَقَع الشراء له، ومباشر العَقْد أَوْلَى بحصول منفعة العقد له من غيره، وفي الاختلاع تعود للفائدة والمنفعة إلى الزوجة وغيرها يبذل المال على سبيل الفداء، فكان صَرْف العقد إلَيْها إذا أمكن أَوْلَى من صرفه إلى غيرها، وقوله: "فَإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بالسِّفَارَةِ وَنَوَى النِّيَابَةَ" المراد من السِّفَارة في مثل هذا الموضع النيابةُ ولو لم يعبر اللفظ، واقتصر على الكتابة، فقال: "وإن لم يُصَرِّح بالسِّفَارَةِ وَنَوَاهَا" كان جائزاً أو أحْسَنَ، وأصل السفارة الإِصلاحُ، يقال: سَفَرْتُ بين القوم، أي أصلَحْتُ ثم، سُمِّيَ الرسول سفيراً؛ لأنه يسعى في الإِصلاح، ويبعث لذلك غالباً، وقوله "كَمَا فِي الشِّرَاءِ" يريد به أن الوكيل بالشراء إذا اشترى في الذِّمَّة، ونوى موكّله، ولم يصرِّح بالوكالة يطالبه البائع بالثمن مع الاعتراف بوكالته، وهذا هو الأظهر، وفيه وجْه أنَّه لا يطالب إلا الموكل، فيجوز أن يُعَلَّم قولُه كما في "الشراء" بالواو كذلك، وهذا الخلاف قد مر في موضعه ويمكن أن يجيْء مثله فيما نحن فيه.
فَرْعٌ: قال القاضي أبو الطيِّب في "المجرد": لو قال: بعْ عَبْدَكَ من فلان بكذا وعلى ألف فباعه منْه لم يستحقَّ الألْف على قول أكْثَرِ أصحابنا، وقال الداركي: يحتمل

الجزء: 8 - الصفحة: 463

[أن يستحق] كما في التماس العِتْق والطَّلاَق، والصحيح الأول، وكذا لو قال: بعْته عبدك بألف في مالي؛ لأنَّه لا يجوز أن يستحق الثَّمَن على غير من يملك المبيع.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ كَانَ المُخْتَلِعُ أَبَاهَا وَهِيَ طِفْلٌ فَهُوَ كَالأَجْنَبِيِّ، وَإِن اخْتَلَعَ بِنِيَابَتِهَا لَمْ يَصَحْ كَالوَكِيلِ الكَاذِبِ، وَإِنِ اخْتَلَعَ اسْتِقْلاَلاً وَلَكِنْ بِعَيْنِ مَالِهَا فَهُوَ كَخُلعِ الأَجْنَبِيِّ بِالمَغْصُوبِ، فَإِنْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنِيَابَةٍ وَلاَ اسْتِقْلاَلٍ وَلَكِنِ اخْتَلَعَ بِعَبْدٍ ذَكَرَ أنَّهُ مِنْ مَالِهَا وَقَعَ الطَّلاَقُ رَجْعِيَّا وَكَانَ كالسَّفِيهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَالأَجْنَبِيِّ يَخْتَلِعُ بِالمَغْصُوبِ، وَقِيلَ أَيْضاً فِي المَغْصُوبِ: يَقَعُ الطَّلاَقُ رَجْعِيًّا، وَإِنْ اخْتَلَعَهَا بِالبَرَاءَةِ عَنِ الصَّدَاقِ صَحَّ إِنْ جَوَّزنَا لِلوَلِيِّ العَفْوَ وَإِلاَّ فَالطَّلاَقُ يَقَعُ رَجْعِيًّا عَلَى وَجْهٍ، وَهُوَ كَالوَكِيلِ الكَاذِبِ عَلَى وَجْهٍ، وَلَوْ قَالَ: اخْتَلِعْهَا وَأَنَا ضَامِنٌ بَرَاءَتَكَ عَنِ الصَّدَاقِ فَالقِيَاسُ أَنَّ الطَّلاَقَ رَجْعِيٌّ، وَإِنْ قَالَ: اخْتَلَعْتُ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ إِنْ طُولِبْتَ بِالطَّلاَقِ فَالطَّلاَق بَائِنٌ وَعَلَيْهِ مَهْرُ المِثْلِ.
قال الرَّافِعِيُّ: أبو الزوجة في اختلاعها كالأجنبيِّ، فإن اختلع بمال نفسه، فذاك، ولا فرق بين أن تكون صغيرة أو بالغة، وإن اختلع بمَالِها، وصرَّح بالنيابة، أو الولاية لم يقَعِ الطَّلاق وكان كمن اختلع بالوكالة، ثم بَانَ أنَّه كاذب؛ لأن الطَّلاَق مربوطٌ بلزوم المال عليها، وهي لم تَقْبَل، وليس هو بنائب، ولا ولي فيما فَعَل، وإن اختلع بمالها، وصرح بالاستقلال، فهو كالاختلاع بالمال المغصوب، وقد مَرَّ فيه قولان: أصحهما: أن الواجب مهر المثل.
والثاني: أنَّه يرجع إلى بدل ذلك المال، ولو اختلع بعَبْد أو غيره، وذكر أنه من مالها، ولم يتعرض لنيابة ولا استقلال، فيقع الطلاق رجعيّاً، كما في المخالعة السفيهة ولا فرق بين أن تكون الزوجة صغيرةً أو كبيرةً بكْراً أو ثيباً، وكذا لو قال للأجنبي: خالِعْها على عبْدها هذا، أو على صَدَاقها، وذكر في وجهه التشبيه بالسفيهة أنَّه أهْلٌ للقبول، لكنه محْجُورٌ عليه في مالها كما أن السفيهة أهليَّةٌ للقبول، وهو محجور عليها في مالها لكن هذا القدر في التشبيه والتوجيه متحقِّقٌ في الاختلاع بالمغصوب مطلقاً، ولتشابه الصورتَيْن، حكى القاضي الحُسَيْن: أنَّه خَرَّج من الاختلاع بالمغصوب وجْهاً هاهنا أنَّه يقع الطلاق بائناً، وهذا الوجه، قد ذكرناه في الباب الثاني عنْد ذكر الاختلاع بالخمر والمغصوب ونسبناه إلى القاضي، وفرق في "التهذيب" بين الخُلْع بالمغصوب، وبين ما يجيْء فيه بأن المرأة تبذل المال في الخُلْع؛ لتصير منفعةُ البُضْع لَهَا، والزوج لم يترك المِلْك إليها مَجَّاناً، بل بعوض، فلزمها المال، والأجنبي يبذل المال؛ لتخليص الزوجة ولا تصير منفعةُ البُضْع له، فهو متبرِّع لا معتاضٌ، فإذا أضاف المال إليها، فقد أبطْلَ تبرعه، وبنى على هذا أنَّه لو قال للأجنبي: طلِّقْها على هذا العبْد المغصوب، أو

الجزء: 8 - الصفحة: 464

على عبد زَيْدٍ هذا، أو على هذا الخَمْر، فطلق، يقع رجعياً ولا يلزم المال، بخلاف ما إذا التمست المرأة لذلك، ولو اختلع الأب أو الأجنبي بعبدها ولم يذْكُر أنه من مالها وكان من مالها، فإن لم يعلم الزوج أنَّه من مالها، فهو كالخُلْع بالمغصوب، حتى يكون الرجوع إلى مهْر المثل على الظَّاهر، وإن كان عالماً فوجهان: أحدهما: أن المعلوم كالمذكور حتى يكون الطلاق رجعيّاً على الأظهر.
وأصحهما وهو المذكور في "التَّهْذيب" أن الحُكْم كما لو لم يعلم؛ لأنَّه لم يبطل التبرّع بإضافة المال إلى الزوجة، وقد يظن الزوج أنَّه انتقل [بياض] المِلْك إلى المُخْتلع، هذا كلُّه فيما إذا اختلع الأب بغير الصداق، أما إذا اختلَعَها بالصَّدَاق، أو على أن الزَّوْج بريْء عن صداقها أو قال للزوج طلِّقْها، وأنت بريْء عن صداقها أو على أنَّك بريء عن صداقها، فقد نصَّ في المختصر أنَّه يقع الطلاق رجعيّاً، ولا يبرأ الزوج عن الصَّدَاقِ، ولا يلزم الأبَ شَيْءٌ، وحكى الإِمام وصاحبُ الكتاب وأبو الفَرَجِ الزاز تخريجَ المسألة على أنَّه هل يجوز للأب العَفْوُ عن صداق الصغير، إن جوزناه، صح الخلع، وبَرِئَ الزوج، وإلاَّ فوجهان: أصحهما: أن الجواب ما نص عليه؛ لأنه ليس له الإِبراء ولم يلزم في نَفْسه شيئاً، وإن كان الطلاقُ على العِوَض، ولم يثبت العِوَضُ المسمَّى، ولا ما يقُومَ مَقَامَه، وقَع رجعياً كما في اختلاع السفيهة.
والثاني: عن رواية صاحب "التقريب" أنه لا يقع الطلاق أصْلاً؛ لأن الاختلاع على الصَّدَاق يشعر بأنه يتصرف بولايته عنْها، وليست له هذه الولايةُ فأشْبَهَ الوكيل الكاذب، ورأى صاحب الكتاب إجْرَاءَ هذا الوجه فيما إذا اختلع بعبدها، وذكر أنه لها، ونقل أصحاب العراقيون -رحمهم الله- تخريجَ المسألة على أن الوليَّ هل له العفْوُ عن الصَّداق؟ وعن ابن أبي هريرة -وزيفوه- وقالوا: أحد شروط القول الذاهب إلى أن للوليِّ أن يعفُوَ عن الصداق، وقوع العفو بعد الطلاق، وهذا الشرط غير حاصل في الخُلْع على الصداق، فلا يصحُّ من الولِّي، فحصل كما ترى خلاف في أن الوليَّ هل له أن يختلع بالصَّداق مع الحُكْم بأنَّ له أن يعفُوَ وقد ذكرنا هذا الخلاف في "باب الصَّدَاق" عنْد التفريع على أنَّه هل يعفو والأقوى أن لا يشترط لذلك القول تقدُّمُ العَفُو على الطَّلاق بل يكفي باشتراط عدم تأخير العفْو عن الطلاق؛ ولأن الغرض تخليصُها من ذلك الزوج وتأهيلها لرغبة الخاطبين فيها، وهذا الغَرَض يَحْصُل بالعَفْو المقارَنِ حصولُه بالعفو المتقدِّم، وليعلَّم؛ لما بينا قولُه في الكتاب: "صَحَّ إن جوَّزْنَا للوَلِيِّ العَفْوَ" واعْلَمْ أن القول بصحة الخلع تفريعاً على أن للولي أن يعفو عن الصَّدَاق إنما يستمر فيما إذا جَرَى ذلك قبل الدُّخول؛ لأن شَرْط ذلك القَوْل أن يكون العَفْو قَبْل الدخول، فمن

الجزء: 8 - الصفحة: 465

المعلوم أن الخلع قبل الدخول منتظرٌ، وإذا كان كذلك فإذا صحَّحنا الخُلْع كان العوض أحد النصفين، والنصّفُ الآخر يسْقُطُ لا على سبيل العوضية، ولو أنه اختلعها بالبراءة عن الصَّداق، وضَمِنَ له الدرك، فالَّذي أطلقه أكثر الأئمة من العراقيين وغيرهم أنَّه لا يبرأ عن الصَّدَاق، ولكن يقع الطلاق بائناً لأنَّه التزم المال في نَفْسه فَضَاهَى الخلع بالمغصوب، وعلى هذا فالواجب عليْه مهْرُ المِثْل أو بدل الصَّدَاق فيه القولان المعروفان، وهكذا الحُكْم فيما إذا قال الأبُ أو الأجنبيُّ: طلِّقْها على عبْدها هذا وعَلَيَّ ضمانه ففي قول: يلْزَمُه مهْر المثل، وفي قول: قيمة العَبْد، والذي قدَّمْناه أنه لا يلزمه شيءْ هو فيما إذا لم يتلفظ بالضمان والالتزام، وحكى الإِمام وَجهاً آخَرَ أن هذا الضمان لا أثر له، ويقع الطلاقُ رجعيّاً، كما لو قال: طلِّقْها وأنت بريْءٌ عن الصداق، ووجهاً فارقاً بيْن أن يقول: طلِّقْها وأنا ضامنٌ براءَتَك عن الصداق، وبيْن أن يصرح بالمقصُود، فيقول: وأنا ضامنٌ للصداق، إن طُولِبْتَ به أديت عنْكَ، والفَرق [أن ضمان] عين المرأة لا معنى له، فيلغو، ويقع الطلاق رجعيّاً؛ وفي الصورة الأخيرة هو ضامن للمال إلاَّ أنَّه التزام فاسدٌ، فوقع (1) والطلاق بائناً، وهذا ما اخْتَاره الإِمام، وعلَيْه جَرَى صاحب الكتاب، فقال؛ ولو قال: "اخْتَلِعْها، وأنا ضامِنٌ براءتك عن الصداق" إلى آخر الباب، ويجوز أن يُعَلَّمَ قَوْلُه: "أَنَّ الطَّلاَقَ رَجْعِيٌّ" بالواو [قوله: أن الطَّلاَق رَجْعِيّ] وكذا قوله: "وعَلَيْهِ مَهْرُ المِثْلِ" إشارة إلى القول الآخر أن الرجوع إلى المثْلِ، والقيمة، ولَفْظُ الضمان في هذه المسائل كلفظ الضمان في قول القائل: ألْقِ متاعَكَ في البَحْر، وعليَّ ضمانَه، والمراد منه الالتزام دون الضمان المشْهُور في الفقْه، ولو التمس الطَّلاَق على أنَّه بريء، وضمن الدرك، فقال الزوج في الجواب إن برئْتُ من صداقها، فهي طَالِقٌ لم تُطَلَّق؛ لأن الصفة، المعلَّق عليهما لم تتحقق والله أعلم.

البَابُ الخَامِسُ فِي النِّزَاعِ

قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَهُ صُوَرٌ: (إِحْدَاهَا): أَنْ يَقَعَ فِي أَصْلِ ذِكْرِ العِوَضِ فَالقَوْلُ قَوْلُهَا إِذْ أَنْكَرَتِ العِوَضَ وَالبَيْنُونَةُ تَحْصُلُ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِقَوْلِهِ (الثَّانِيَةُ): النِّزَاعُ في جِنْسِ العِوَضِ وَقَدْرِهِ يُوجِبُ التَّحَالُفَ وَالرُّجُوعَ إِلَى مَهْرِ المِثْلَ كَمَا فِي الصَّدَاقِ.
قال الرَّافِعِي: إذا اختلف الزوجان في أصْل الخُلْع، فقالت الزوجة: خالَعْتَنِي على كَذَا، وأنكر الزوج، فهو المُصَدَّق بيمينه؛ لأن الأصل بقاء النِّكَاح، ولو كانَتْ له زوجتان تُسَمَّيَان باسمٍ واحدٍ، فقال: خالَعْتُ فلانةً بكذا، فَقَبِلَتْ إحداهما، ثم اختلفا فقال87

الجزء: 8 - الصفحة: 466

الزَّوْج: أردت الأخرى، فقالت القابلة: بل أردتَّنِي، فهو المُصَدَّقُ، ولا فرقة ولو اختلفا في العوض، فقال الزوج: طلقْتُكِ على كَذَا، وقالت بل طلَّقْتَنِي بلا عوض فهي المصدقة بيمينها في نفي العِوَض، ولا يَقبل قوله في سقوط سُكْنَاها، ونفقتها، وتحصل البينونة بقوله 88. ولو قال: طلقْتْكِ بالعِوَضِ الَّذي سألْتِ، فأنْكَرَت أصلَ السؤال، فكذلك الجواب وإن قالت: طَلَّقْتَنِي بعد طُول الفَصْل، وقال: بل في الحال، فهي المصدَّقَةُ في نفي المال أيضاً؛ لأن الأصل براءة ذمتها، والأصل عدَمُ الطَّلاَق في الوقت الذي تدعيه، ولو تنازَعَا على العَكْس، فقال: طلقتُكِ بعْد طول الفَصْل، ولم تقبل فلي الرجعة، وقالت: بَلْ على الاتصال، ولا رجعة فالمصَدَّقُ الزوج، ولو اتفقا على الخُلْع، واختلفا في جنْس العِوَض؛ بأن قالت: خالَعْتَنِي على الدنانير، وقال: على الدراهم، أو في قدره أو في بعض صفاته صحةَ وتكسيراً أو طولاً وتاجيلاً ولا بَيِّنَةً لواحدٍ منهما، فيتحالفان.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله- وأحمد أن القَوْل قولُ المرأة لنا: أنهما اختلفا في كيفيَّة عوض العَقْد، ولا بينة، فيتحالفان كما في البَيْع، وإذا تحالفا، لم تندفع البينونة، ولكنَّ التحالف يؤثر في العِوَض، والقول في أنه تنفسخ التَّسْمية أو تفسخ إن أصَرَّا على النزاع، وفي كيفية اليَمِينِ، وفي بدايته على ما تقدَّم في البيع، والرجوع بعد الفسخ أو الانفساخ إلى مهر المثل، كما إذا اختلفا في الصَّدَاق وتحالفا، وقد مرَّ في الصَّدَاق وجْه أنهما إذا تحالفا، وكان ما تدعيه المرأة أقَلَّ من مهْر المثل، لم يكُنْ لها أكْثَرُ ممَّا تدعيه، قال ابن الصَّبَّاغ: وعلى ذلك الوجْه؛ لو كان ما يدعيه الزوج هاهنا أقلَّ من مهر المثل، لم يكن له أكثر مِمَّا يدعيه، وحكى الحناطي وجْهاً أنه يرجِعُ عليها بكثر الأمرين من مهْر

الجزء: 8 - الصفحة: 467

المثل، والمسمَّى في العَقْد، وإذا أقام كل واحدٍ منهما بيِّنَة على ما يقُوله فتتهاتران أو يقرع بيْنَهُما.
قال الحناطي: فيه قَوْلاَنِ وعلى التقديرين، فهل يحلف فيه وجهان: وحكي وجهاً عن ابن سُرَيْجٍ أنه يصار إلى أزْيَد البينتين 89 وإذا جَرَى الخُلْع مع أجنبي، واختلفا في جِنْس العِوَض وقدره، فيتحالفان أيضاً، ويجب على الأجنبي مهْر المثل.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الثَّالِثَة): إِذَا تَوَافَقَا عَلَى جَرَيَانِ الخُلْعِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ مُطْلَقٍ وَفِي البَلَدِ نُقُودٌ مُخْتَلِفَة لاَ غَالِبَ فِيهَا وَلَكِنْ نَوَيَا نَوْعاً وَاحِداً فَهَذَا لاَ يَحْتَملُ البَيْع لِجَهَالَته مِنْ حَيْثُ اللَّفْظ وَيُحْتَمَلُ فِي الخُلْعِ وَلاَ يُحْتَمَلُ فِي الخُلْعِ أَنْ يُذْكَرَ مُجَرَّدُ الأَلْفِ وَلاَ يَتَعَرَّضُ لِلنَّوْعِ، وَأَشَدُّ أحْتِمَالاً مِنْهُ أَنْ يَقُولَ: أَلْفٌ وَشَيْءٌ فَيَفْسُدُ الخُلْعُ للإِجْمَالِ ولاَ يُؤَثِّرُ النِّيَّةُ مَعَ التَّوَافُقِ، وَلَوْ تَنَازَعَا فَقَالَ: أَرَدْنَا بالدَّرَاهِمِ النُّقْرَةَ فَقَالَتْ: بَلْ أَرَدْنَا الفُلُوسَ فَيَتَحَالَفَانِ لأَنَّهُ نِزَاعٌ فِي الجِنْسِ، فَإِنْ تَوَافَقَا عَلَى إِرَادَةِ الدَّرَاهِمِ وَلَكِنْ قَالَتْ: أَرَدتُّ الفُلُوسَ فالقَوْلُ قَوْلُهَا، فَإِنْ حَلَفَتْ بَانَتْ وَلاَ عِوَضَ عَلَيْهَا، وَإنْ تَوَافَقَا عَلَى إِرَادَتِهَا الفُلُوسُ وَلَكِنْ قَالَ: أَرَدتُّ الدَّرَاهِمَ وَلاَ فُرْقَةَ فَالبَيْنُونَةُ حَاصِلَةٌ بِكُلِّ حَالٍ لِظَاهِرِ التَّوَافُقِ عَلَى الدَّرَاهِمِ لَفْظاً، وَجَرَيَانُ الخُلْعِ وَالنِّيَّاتُ لاَ يُطَّلعُ عَلَيْهَا، وَلاَ شَيْءَ لِلَزَّوْجِ لإِنْكَارِهِ الفُرْقَةَ، وَقِيلَ: لَهُ مَهْرُ المِثْلِ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا خالعها على ألْف درهمٍ 90 وفي البلد نقدٌ غالبٌ نُزِّلَ الخُلْع عليه، وقد تعرَّضْنا له من قبْلُ، وان كانت هناك نقودٌ مختلفةٌ، ولا غالب فقَدْ سبق في "كتاب البَيْع" أنه لا يصحُّ البيع هناك بالدراهِم المطلقة، حتَّى يبينا نوعاً منها، ولا يكفي أن ينويا نوعاً واحداً، لما في اللفظ من الجَهَالَة والإِبهام، وليس في اللفظ ما يدُلُّ على ذلك النَّوْع، ولك أن تقول: وجَب أن نجْعَلَ ذلك على الخلاف في انعقاد البيع بالكنايات؛ لأن التعبير عن المقيَّد بالمُطْلَق، وأراد به طريقةً سائغةً في اللسان.
ولو جرى الخُلْع بدراهمَ مطلقةٍ؛ حيْث لا غالب بطَلَت التسمية، ووجب مهر المثل، فإن نويا نوعاً واحداً، فالظاهر الاكتفاءُ بالنية في لزوم ذلك النوع، وقد يُحْتَمَلُ في الخلع ما لا يُحْتَمَلُ في البيع ولذلك يحصل المِلْك فيه بالإِعطاء من غير لفْظٍ، بخلاف البيع، وأشير إلى وَجْه آخَرَ أنَّه تفْسُدُ التسمية كما يفسد البيع، وهذا ما أورده أبو مخلد البَصْري.

الجزء: 8 - الصفحة: 468

ولو قال: خالعْتُكِ على ألفٍ، ولم يذكر جنساً من الدراهم والدنانير وغيرهما، فالذي نقله في الكتاب أنَّه لا يحتمل هذا الإِبهام في الخُلْع أيضاً وإن اتفقا على جنْسٍ واحدٍ ونوعٍ واحدٍ؛ لأن المذكور هاهنا مجرَّد العَدَد والمعدود غير المذكور، وعند ذكر الدراهم لا يبقى الإِبهام إلاَّ في الصفات، وإذا اشتد الإِبهام وجَب إلاَّ يُحْتَمَلَ كما في سائر المجاهيل، وَهذا حَكَاه في "الوسيط" عن العراقيين، وقال: كلامُ 91 القاضي يدل على التسوية بين إبْهَام الألْف، والأجناس، وإبهام الدراهم في الأنواع، وأنَّه يُحْتَمَل هذا الإِبهام في الخُلْع، كما يحتمل ذلك الإِبهام، وأنتَ إذا تأمَّلْتَ كتب شيخي العراقيين أبِي حامِدٍ، وأبي الطيِّب وغيرها وجدتَّهَا متَّفِقَة على ما استخرجه من كلام القاضي -رحمه الله- وهو احتمال الإِبهام الألْف، وعلَّلوا بأنه المقصود أن يكون العِوَضُ معلوماً عنْد المتعاقدين، فإذا توافَقَ على شيء بالنية كان 92 كما لو وافقا عليه بالنُّطْق.
وأُعْلِمَ قوله: لما ذكرنا "وَلاَ يُحْتَمَلُ فِي الخُلْعِ أَنْ يُذْكَرَ مُجَرَّدُ الأَلْفِ" بالواو ويغرس منه أن الأظهر احتماله، والتعليل المذكور يقتضي احتمال ذلك في البَيْع أيضاً، ويؤكد ما قدَّمْنا من احتمال إبهام الدراهم بناءً على انعقاد البَيْع بالكناية ثم حكي عن القاضي الحُسَيْن أنه لو قال: خالعتُك على ألْف شيءٍ فقبِلَتْ فالتسمية فاسدةٌ، ولا يُؤَثِّرُ تَوَافُقُ النيتين على شيءٍ؛ لأن الاحمتال في أشدُّ، فلا يحتمل، ويرجع إلى مهر المثل، وقد يوجَّه شدة الاحتمال، بأن الألْف مقتصراً عليه يفهم منه القدر المتعامَلُ به غالباً لنا، وتعقيبه بالشَّيْء يُهَوّش هذا الفَهْم؛ ألا تَرى أنَّه إذا قيل: باع فلان داره بألْف، فُهِمَ منْه النَّقْد، فإن قيل: باعَهَا بألْفِ شيْءٍ، اضطرب الفَهْم، ويمكن أن ينازع غيْر القاضي فيما ذكره، ويذهب إلى احتمال هذا الاحتمال؛ اعتماداً على ما علمه المتعاقدان وتوافقا عليه بالنية، ثم عن الشيخ أبي محمَّد أن التعيين بالنية إنما يؤثر إذا تَوَاطَأَ قبْل العقْد على ما يقصدانه باللفظ المبهم، وأنه لا أثر؛ لاتفاق التوافُقِ من غير تواطُءٍ، وأعرض مُعْرِضُون عن اعتبار ذلك وراعَوْا مجرَّد التوافق 93، وهذه المسائل كالتمهيد لصور الاختلاف في الخُلْع الجاري على إبهام في اللفظ، والمَقْصِد في الباب هو صورة الاخْتِلاَف في صُوَر منْها إذا قال الزَّوْج: أردنا بالدراهم النُّقْوة، وقالَتْ هي بل أرَدْنَا الفُلُوس، فوجهان أصحُّهما: وهو المذكور في الكِتَاب أنهما يتحالفان؛ لأنه نزاع في جنْس العوض فأشْبَه ما لو اختلف فيما سمياه.
والثاني: أنَّه يثبت بمهْر المِثْل من غير تحَالُف؛ لأن هذا نزاع في النَّيَّة والإِرادة،

الجزء: 8 - الصفحة: 469

ولا مُطَّلِع عليها وإذا امتنع التحالُف ووقع الاختلاف، صار العوض مجهولاً، فيجب الرجوعُ إلى مَهْر المِثْل، ومَنْ قال بالأول، قال: قد يحصل الإِطِّلاَعَ عَلَى قصْد الغير وإرادته بالأمارات والقرائن، ولك أن تقول: قَدْ سبَق أن الدراهِمَ اسْم للقدر المعلوم من النقرة، وأن التفسير بالدراهم المغشوشة لا يُقْبَل سِيَمَا إذا كان الغالبُ في البلد الدَّراهِمَ الخالصَةَ، وإذا كان كذلك، فكَيْف يُقْبَل منها نعم، إذا احتملنا أن يقول: خالَعْتُك على ألْف، فتقبل، ويقتصران عليه فيظهر التفسير بالفلوس وكيف تحلف عليه، تصوير هذا الاختلاف وكذلك صورة من علق عن الإِمام -رحمه الله- وتلقى عنه وفي معناه ما إذا قال الزوج: أرَدْنَا الدنانير، وقالَتْ: بل أردْنا الدَّرَاهِمَ.
ومنها: لو توافقا على أن الزَّوْج أراد النُّقْرة وقالَتِ المرأة: أردتُّ الفلوس، وقال الزوج: بل أردتِ النقرة أيْضاً، فالبَيْنُونَة حاصلةٌ؛ لانتظام صيغة الخْلْع إيجاباً وقبولاً، وهي قضيَّة ما يقوله الزوج، وتصدق هي في نيتها وإرادتها، فإذا حلفت فلا شَيْءَ عليها.
أمَّا الفُلُوس 94 فالزَّوْج لا يدَّعِيهَا، وأما النُّقْرَةُ؛ فلأنها نفَتْ إلزامها باليمين، ومنْها

الجزء: 8 - الصفحة: 470

لو توافقا على أن الزوجَةَ أرادَتِ الفلوس، وقال الزوج: أردتُّ النُّقْرَةَ، فلا فُرْقَة بيْنِي وبيْنَك، لاختلاف الخِطَاب وقالَتْ: بل أردتُّ الدراهِمَ، وبنت منك فتحصل البَيْنُونَة في الظاهر؛ لتوافق اللفظين، والنيَّاتُ لا يُطَّلَع عليها، وهل يثبت للزوج شَيْءٌ؟ فيه وجْهَان عن القاضي الحُسَيْن، أنه يثبُتُ له مهْر المِثْل؛ لحصول البَيْنُوَنةِ الظاهر، والَّذي ارتضاه صاحبُ الكتَاب أنَّه لا شيْء له؛ لأنَّه منكر للفُرْقَة، فكيف يثبت له عِوَضاً عن الفُرْقةٌ 95 وفي مَعْنَى هذه الصورة ما إذا اتفقا على أن الزوج أراد الدراهم وقال لها: أردتُّ الفلوس، فلا فُرْقة وقالت: بل أردتَّ الدراهِمَ أيضاً، فالفُرْقة حاصلاً لاتفاقِهِما على صورة الخُلْع، ويعود الوجهان في ثُبُوت شيْءٍ للزوج، وأجاب صاحب "التهذيب" منهما بوجوب مهْر المثل، وقال: لا تحْصُل الفُرْقة في الباطن، إن كان صادقاً، ولو قال الزَّوْج: أردتُّ النُّقْرَة، ولم يتعرَّض لجانبها، وقالَتِ الزوجة: أردتُّ الفلوس، ولم تتعرَّضْ لجانبه فالفُرْقَة حاصلةٌ ثم عن القاضي حُسَيْن أنَّهما يتحالفان وفي "البسيط" أن الوجْه وجُوب مهْر المثل؛ لأنَّه لا يدعي علَيْها شيْئاً معيناً حتَّى تحلف 96. ولو قال أحدُ المتخالِعَيْنِ: أطلقنا الدراهم، وقال الآخر: عَيَّنَّا نوعاً من الدراهم، فيتحالفان؛ لأن قضيَّة الإِطلاق وجُوبُ النَّوعْ الغالِبِ، فقد اختلفا في نَوْع العِوَض، وذلك يقتضي التحالُفَ.
وقوله في الكتاب "لا يحْتَمَل في الخُلْع أن يذكر مجرد الألْف، ولا يَتَعَرَّض للنَّوْع " كان الألْيَق أن يقول للجِنْس وقوله: "فيتحالفان" معلَّم بالواو وقوله: "فإن تَوَافَقَا على إرادة الدَّرَاهِمَ " يعني إرادة النُّقْرة التي هي حقيقة الدراهم.
وقوله "فالقول قولها" أي في نفي العِوَض، وقوله: "ولا فرقة" في تتمة قول الزوج.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الرَّابِعَةُ): إِذَا تَنَازَعَا فِي المُعَوَّضِ فَقَالَتْ: سَأَلْتُكَ ثَلاَثَ تَطْلِيقَاتٍ بِأَلْفٍ فَأَجَبْتَنِي فَقَالَ: بَلْ سَأَلْتِ وَاحِدَةً فَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى الأَلْفِ وَتَنَازَعَا فِي مِقْدَارِ المُعَوَّضِ فَيَتَحَالَفَانِ وَلَهُ مَهْرُ المِثْلِ فَأمَّا عِدَدُ الطَّلاَقِ فَلاَ يُعْتَبَرُ فِيهِ إلاَّ قَوْلُهُ.
قال الرَّافِعِيُّ: الكلاَمُ منْ أَوَّل البَاب إِلَى هذا المَوْضِع كان في الاختلافات الواقعة في العِوَض، وهذه الصورة مقصودٌ بها بيانُ الاختلاف في المعوَّض، وهو الطَّلاق، فلو قالَتْ: سألتك ثلاث تطليقاتٍ بألْف، فأجَبْتَنِي وقال: بل سألْتِ واحدةً بألْف، فأجبتُكِ

الجزء: 8 - الصفحة: 471

فالألف، متفق عليه، ولكن يتحالفان؛ لأن قَدْر المعوضَ مختَلَفٌ فيه، فأشْبَه الاختلاف في قَدْر المَبِيع، وأيضاً فإنَّه يدَّعي استحقاق الألْف بطلقة، وموجب قولها لا يستحق بالطلقة الواحدة إلاَّ ثلث الألْف، وإذا تحالفا فعليها مهْر المثل وأما عدد الطلاق، فالمعتبر فيه قولُه فيصدَّق بيمينه، ولا يقع إلاَّ واحدةً.
قال الحناطي -رحمه الله-: ولو أقام كلّ واحدٍ منهما بينة على ما قاله وأرخت البنتان، فإن اتَّفقَ الوقْتُ تَحَالَفَا، وإن اختلف فالَّتي هي أسبَقُ تاريخاً أَوْلَى.
ولو قال: طلقْتُكِ وحْدَك بألْف، وقالتْ بل طلقْتَنِي وضَرَّتِي، تحَالَفَا أيْضاً وعليها مهْر المثل، ولو قالت: سألتُكَ أن تطلقَنِي واحدةً بألْف فأجبتني، وقال: بل طلقتك ثلاثاً بألف، تثبت الألْف، ولا معنى لهذا الاختلاف؛ لما تقدَّم أنها إذا قالت: طلقتَنِي واحدةً بألْف فقال: [طلقتُك] ثلاثاً بألْف، تقع الثلاث وتجب الألف، ولو قالت: سألتُكَ أن تطلقَنِي ثلاثاً بألف، فطلقْتَنِي واحدةً فلك الثلث، وقال الزوج: بل طلقْتُكِ ثلاثاً ولي جميع الألْف فإن لم يَطُل الفَصْل، طُلِّقتَ ثلاثاً، ولزمها الأَلْف وإن طال الفصل، ولم يمكن جعْلُه جواباً، فهي طالقٌ ثلاثاً بإقراره، ويتحالفان لِلْعِوَض، وعليها مهْر المِثْل، هكذا نَصَّ عليه في رواية الربيع، وقد ضمنه الفارسي -رحمه الله- في "عيون المسائل" وأخذ بالنص آخذون وجَرَوْا عليه، وأطلق صاحب "التهذيب" أنهما يتحالفان وأن الرجوع إلى مهْر المثل، ولم يفصل بين طول الفَصْل وعدمه.
وقال آخرون: النصُّ مُشْكل في حالتي [الاتصال والانفصال]، أما في حالة الاتصال، فلأنه، إن كان الأمْر كما يقوله: لم يمكن أن يُجْعَل قوله: بل طلقتك ثلاثاً ابتداءً وجوابٍ منه؛ لأنه قد سَبَق الجواب، وحصل الإِسعاف، وإن كان الأمر كما تقوله هي، فقد بانَتْ بالواحدة بثلث الألف، فلا يقع بعد ذَلك شَيْء، أما في حالة الانفصال فالحكم بالتحالف مستبعدٌ؛ لأن التحالف إنما يجري عند الاختلاف في كيفية العقد، أو في حالة العوضين، وهاهنا متفقان على أن السؤال ثلاثُ طلقاتٍ، وعلى أن المسؤول ألْفٌ، وإنما الخلاف فيما وقَع ووُجِدَ من الرَّجُل، فلا وجه للتحالف وطوَّلوا في حل الإِشكال، وفي الإِشْكَال على الحل، قال الإِمام -قدس الله روحَهُ-: ينبغي أن يُقَال حالة الاتصال إن قال الزوج: ما طلقْتُكِ من قَبْل، والآن أطلقُكِ ثلاثاً على ألف، يقع الثلاث ويجب الألْف؛ لأن الوقت وقتُ الجَوَاب، وإنْ قال: طلقْتُك من قبْلُ ثلاثاً تعذَّر جعْل [هذا] إنشاءً لأنها بانت قبله، فيحكم بوقوع الطلاق الثلاث بإقراره، ولا يلزمها إلا ثلث 97 الألْف، كما لو قال: إن ردَدت عبيدي الثَّلاثَ، فلَكَ كذا فقال: رددتُّهُمْ، وقال

الجزء: 8 - الصفحة: 472

الجاعل: ما رددتُّ إلاَّ واحداً، وأما في حالة الانفصال، فيُحْكَم بوقوع الثلاثِ بإقراره أيضاً وعلَيْها ثلث الألف، ولا معنى للتحالف، وللزوج [أيضاً] 98 أن يُحَلِّفَهَا على نفْي العِلْم بأنه ما طلَّقَها ثلاثاً، وهو الصحيحُ، وليأول النصُّ عليه بحسب الإِمكان.
فَرْعٌ: في "المجرد" للحناطي أنها لو قالت طلقتني ثلاثاً على ألْف، فقال: بل طلقْتُكِ واحدةً بألفين، وأقام كلُّ واحدٍ منْهما بيِّنَة على ما يقولُه، وهما متصادقان على أنَّه لم يُطَلِّقْها إلاَّ مرَّة واحدةً فيتحالفان، ويرجع إلى مهر المثْل.
قَالَ الغَزَالِيُّ: (الخَامِسَةُ): إِذَا ادَّعَى عَلَيْهَا الاخْتِلاَعَ فأَنْكَرَتْ وَقَالَتْ: اخْتَلَعَنِي أَجْنَبِيُّ فَالقَوْلُ قَوْلُهَا فِي نَفْيِ العِوَضِ وَبَانَتْ لِقَوْلِهِ، وَلاَ شَيْءَ لَهُ عَلَى الأَجْنَبِيِّ لاعْتِرَافِهِ، وَلَوْ قَالَتِ: اخْتَلَعْتُ وَلَكِنْ بِوِكَالَةِ أَجْنَبِيّ، فَيَتَحَالَفَانِ لأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَصْلِ العَقْدِ وَاخْتَلَفَا في صِفَةِ الإِضَافَةِ، وَقِيلَ: القَوْلُ قَوْلُهَا لإِنْكَارِهَا أَصْلَ الالْتِزَامِ.
قال الرَّافِعِيُّ: هذه الصورة لبيان اختلافهما فيمن علَيْه العِوَض، فإذا قال: اختلعْتُ بألْف، وطالَبَها بالمال، فقالت قد ضَمِنَهُ لك غيري، فهذا الكلام لا يَنْفَعُها؛ لأنَّ ضمان الغير لا يقطع المطالَبَةَ عنْها، وكذا لوْ قالت: قَبِلْتُ الخُلْع عَلَى أَنْ يَزِنَ الألْف عنِّي فلان، وهي في الصورتَيْن مقرة بالألْف، ولو قالت قبلْتُ الخلْع بألْف لي في ذمة فلان، فيُبْنَى على أن العَقْد على دين في ذمة الغير، هل يَجُوز؟ إن قلنا: لا يجُوز، فالذي نقله الشيخ أبو حامد وغيره أنَّه يجبُ مهْر المثل، ولا تحالِف؛ لأنَّها تقول: خالَعْتَنِي على عِوَض فاسدٍ، وفي "التتمة" أنا إذا قُلْنَا إنه لا يجوز، فهي تدَّعي فساد التسمية، وهو يدَّعي صحَّتَها فيَجِيْء فيه الخلاف المذكور، في نظائره، وإن قلنا: بالجَوَاز فيتحالفان، وهذا أصحُّ عنْد الشيخ أبي حامدُ وابن الصَّبَّاغ وغيرهما، وهو الذي أورده صاحب "المهذب" -رحمه الله- وعلَّلوا بان هذا اختلافٌ في محَلِّ العَقْد، فيقتضي التحالُف كالخلاف في عيْن العقْد الذي هو عوض الخُلْع.
ولو قال: اختلعْتِ نَفْسكِ بكذا، وأنكرَتْ، فقالت: اختلَعَنِي أجنبيٌّ لنفسه والمالُ عليه، فالقول قولُها في نفي العوض، ولا شيْء للزوج على الأجنبي لاعترافه بأن الخُلْع لم يجْرِ معه، وتحصل البينونة بقَوْل الزوج، ولم يقُل بأنَّه أقر بعَقْد أنكرته المرأة، وصدَّقْناها بيمينها، فيَلْغُو ويستمر النكاح، كما لو قال: بِعْتُكَ هذه العين بكذا، فأنكر صاحبه، وصدَّقناه بيمينه، تبقى العين للمُقِرِّ؛ وذلك لأن الخُلْع يتضمَّن إتلاف المعقُود علَيْه، وهو البُضْع، والبُضْع لا يتضمن إتلاف المعقود عليه؛ ألا ترى أن البيع يُفْسَخُ

الجزء: 8 - الصفحة: 473

بَتَعَذُّر العوض والبَيْنُونَة لا ترتد، فإن 99 كان كذلك، فإقراره بالخُلْع المتضمن للإتلاف إقرارٌ بالإِتلاف، فنظيره من البيع أن يقول: بعْتُك عبْدي هذا بكذا، فأعتقه وأنْكَر فإنَّا نُصَدِّقُه بيَمِينِه، ونحكم بعتق العَبْد بإقْرَاره، ولَو سلَّمت أنها اختلَعَتْ، وقالَتْ: اختلعتُ بوكالة فلانٍ، وصرحَتْ بالإِضافة إلَيْه، فوجهان: أصحهما: أنهما يتحالفان؛ لأنهما اتفقا على جريان العَقْد بينهما، واختلفا في أنَّها هل أضافت العَقْد إلى الغَيْر، فأشبه الاختلاف في سائر كيفيات العَقْد؟.
والثاني: لا يتحالفان وهُو الذي أورده المُتَوَلِّي، وحكى على هذا وجهين: أحدهما: أن القَوْل قولُها مع يمينها؛ لأنها تنكر أصل الالتزام، فهو كإنكار أصل العقد فيما يتعلَّق بها.
الثاني: أن القول قولُ الزوج مع يمينه؛ لأنَّها اعترفت بالعَقْد، وفائدتُه تعود إليها، وذلك ظاهر في التزام المال، وهِي تدَّعي ما يمْنَع المطالبة، وهي الإِضافة إلَيْه، والأصل عدَمُه، ولو سلّمت ولم تصرِّح بالإضافة إلى الأجنبيِّ، ولكن قالت: نَوَيْتُهُ، فإن قلنا موجبه المطالَبَةُ على الوكيل، لم ينَقطع طلَبُه الزوج بقولها وكذا لو أنكر أصل الوكالة، وإن قُلْنا: إن الوَكِيلَ لا يُطَالب فيتحالفان، أو تُصَدَّق الزوجة أو الزوج؟ تعود فيه الوجوه الثلاثة إذا عَرَفْتَ لك فاعلم أن المُزَنِيَّ نَقل في "المُختصر" عن الشَّافعي -رحمه الله- أنَّه إن قالَتْ: خالَعْتَنِي على ألْف، ضمنها لَكَ غيري، أو على ألْفِ فَلْس، وأنكر، تحالَفَا،.
وكان له عليها مَهْر مثلها، فظاهره يقتضي التحالُفَ فيما إذا أقرَّتْ بالاختلاع، وقالت: ضَمِنَ المالَ فلانٌ، وهي الصورة التي افتتحنا الفَصْل بها، ولا وجْه فيها؛ للتحالُفِ، بل هي مطالَبَةٌ وإنْ كان هُنَاك ضامنٌ، فاخْتَلَفَ الأصحاب، حكى الحناطي عن بَعْضِهِم أن المسألة غَلَط من الكاتب، ومنهم من قال: الجوابُ راجِعٌ إلى صورة الاختلاف في الفَلْس على ما قدمنا، فرُبَّما جمع الشافعيُّ بيْن مسألتين، فأجاب في إحداهما وترك جواب الأخرى، والأكثرون ردُّوا الجوابَ إليهما، واختلفوا في محل النص؛ فالذين قالُوا: يُجْرِيَان التحالُفَ فيما إذا قالَتْ: قبلْتُ الخُلْعِ بألْف في ذمَّة فلان، حَمَلُوا النص [على هذه الصورة] وحمله بعضهم على ما إذا كانت قد وكلت بالاختلاع بِقَدْرٍ دون الألْف، فخالف الوكيل بالألّف، ثم اختلف الزوْج والزوْجة في الزيادة، فقال الزوج: هي علَيْه، وقالَتْ هي: بل على الوكيل، وحكى القاضي ابن كج عن أبي إسحاق حمل النص على ما إذا قَالَتْ: اختلع فلان بإذني ووكالتي، فلا مطالَبَةَ لَكَ عليَّ، إنما تُقْتَصُّ منه، ثم هو يرجع عليَّ، وهذا ينطبق على الوَجْه المذْكُور في عُهْدة الوكيل أن المطالب

الجزء: 8 - الصفحة: 474

الوكيلُ دون الموكّل، وعن أبي الحُسَيْن حمْلُه على ما إذا قالَتْ: خالَعْتُكَ بشرط أن أحيلك على فُلاَن، وقال: بل خالَعْتِ مطلقاً وهذا شرْط يُفْسِدْ الخُلْع، فيرجع إلى أن المرأة: تدعي فساد التسمية، وهي تدعي صحتها، فهذه سبعة طرق، مما قاله الأصحاب في هذا النَّصِّ، ومن صور اختلاف الزوجين: طلَّقَ زوجته بألف، وأرضعت ابْنَتُهَا زوجةً أخرى له صغيرةً، واختلف المتخالعان، فقال الزوج سبق الخلع الرضاعَ، وعليك المال، وقالَتْ هي: سبَقَ الرَّضَاعُ الخُلْعَ، وانفسخ نكاحي؛ لاجتماع حافدتي في نكاحك، والخُلْع بعده لَغوَ فيُنْظَر إن اتفقا على وقْت الرضاع كيوم الجمعة، واختلفا في وقت الخُلْع فادعى الزوج جريانه يوم الخمِيس، وادعته هي يوم السبت، فالقول قولُها مع يمينها؛ لأن الزوج يدعي الخلع في زمان سابق، والأصل عدَمُه، وإن اتفقا على وقْت الخلع كيوم الجمعة، واختلفا في وقت الإِرضاع، فادعى الزوج أنَّه كان يوم السبت، وادعته هي يوم الخميس، فالقول قول الزوج بيمينه لأن الأصْل عدم الرضاع يؤمَئِذٍ.
ولو ادَّعَى الزوج سبْق الخُلْع، وادعت هي سبْقَ الرَّضاع، ولم يتفقا على وقْت أحدهما، فالقول قول الزوج أيضاً؛ لأن الأصل استمرار النكاح إلى أن صدر هذا الخُلْع واشتغالهما بالخُلْع يدل على بقاء النكاح ظاهراً وهذا كما لو تخالعا، ثم ادعت هي أنَّه طلَّقَها قبْل الخُلع ثلاثاً، أو على إقراره بفَسَاد النكاح، فأنكر، فإنَّهُ يُصَدَّق بيمينه، ويمضي الخُلْع على الصحة وفي "التهذيب" أنَّه لو خالعها على مال، ثم اختلفا فقال الزوج: كنت مكرهةً، فلي الرجعة، وأنكرتِ الإكراه، فلا يُقْبَل قوله في الظاهر، وعليه رَدُّ المال بإقراره.
ولو ادعت المرأة الإِكراه فأنكر صُدِّقَ يمينه، وعليها المالُ، فلو أقامت بيِّنَة على الإِكراه، لزمه ردُّ المالِ ولا يُمْهَلَن بالمراجعة؛ لاعترافه بالبينونة، نعم لو لَمْ يصرِّح بالإِنكار أو سكَتَ، أو كانت الخصومة مع وكيله، فله الرجعة، إذا قامت البيِّنَة، وقد تيسر بمعونة الله -تعالى- شَرْح ما في الكتاب، ويقْرُب منْه من فقْه الخُلْع على اعتياضه وترتيبه بفروعٍ ومسائلَ منشورةٍ، ليس للأب خُلْع زوجة الطِّفْل، ولا طلاقها بغير عوض، خلافاً لأحمد -رحمه الله- فيهما، ولمالك في الخُلْع، والخُلْعُ على غير الصداق قبْل قبض الصداق لا يُسْقط حقَّ الزوجة من الصداق بعد قبضه، وقبل الدخول لا يسقط حق الزوج من نصْف الصداق، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- في المسألتين، وإذا خالع امرأته الحامِلَ على نفقةِ عِدَّتِها، فالتسمية فاسدةٌ، وله مهْر المثل، وقال أبو حنيفة: -رحمه الله- تصحُّ التسمية، وَيبْرأ عن النفقة، وفيما جمع في فتاوى القَفَّال: أنَّهَا لو اختلعت على مهرها، وكانت قد أبرأته قُبِلَ ذلك من مهرها، فإن جهلت الحال، فالواجب عليها مَهْر المثل أو مثل ذلك المَهْر فيه القولان المعروفان، وإن كانت عالمةً بالبراءة فإن كان الجاري بينهما لَفْظ الطَّلاَق، بأن قال طلقتك على صَدَاقك، فقبِلَتْ

الجزء: 8 - الصفحة: 475

فتبين، ويعود الخلافُ في الواجب عليها يقع الطلاقُ رجعيًّا فيه وجهان، وإن كان الجاري لفْظَ الخلع، فإن أوجبْنَا المال، إذا جَرَى لفظ الطَّلاَق، ففي لفْظ الخُلْع أَولى، وإلاَّ جرى في لفظ الخلع وجهان: بناءً على أن لفْظ الخُلْع هل يقْتَضِي ثبوت المال في "فتاوى القاضي الحُسَيْن"، أنه لو خَالَعَها على مَا لَها في ذمته، أو على ألْف آخر، هو في ذمتها، أو على أن تنفق كل يوم على ولده كذا إلى مدة كذا، فهو فاسدٌ بشَرْط الاتفاق على الولد، وتَحْصُلُ البينونة بمهر المثْل، وأنَّه لو خالعها على ألْف، وعلى حضانها ولده الصغير سنَةً فتزوَّجت في خلال السَّنَة لم يكُنْ للزوج انتزاعُ الولد منْها بتزوجها، لأن الإِجارَة عقْدٌ لازمٌ، وأنها لو قالت إن طَلَّقْتَني أبرأتُكَ عن الصَّدَاقِ، أو فأنْتَ بريْءً منْه فطَلَّق، لا يحصل الإِبْرَاء؛ لأن تعليق الإبْراء لا يصحُّ، ولكن عليها مهْر المثل؛ لأنَّه لم يطلق مجاناً، بل لإِبراء ظن صحته، وأنه لو قالَتِ الزوجة: أبرأتُكَ عن صَدَاقِي، فَطَلِّقْني، بَرَأ الزوج، وهو بالخِيَار إن شاء طلق وإن شاء لم يُطَلِّق، ويمكنه أن يقال: إنها قصدت جعل الإِبْراء عوضاً عن الصَّداق، ولذلك رتبت سؤال الطلاق عليه، فليكن كما لو قالت: طَلقْنِي، وأنتَ بريء عن صداقي، وفي "فتاوى" صاحب "التهذيب" أنه سئل عن امرأة: قالت: لزوْجها (بهر حقي كي در كردن تودارم خويتن ازبربارحزيدم) 100 فقال الرجل (قن مرا اينكر طلاق، أي كنار كردم) 101 فقال: أن تقبل كلامه بكلامها بحيْثُ يعدُّ جواباً له، والصَّداق معلومٌ، صحَّ الخُلْع، وسقط الصَّداق.
وأنه إن خالعها على ثَوْب هَرَويٍّ، وقبِلَتْ ثم دفعت إليه ثوباً مروياً فرضيه وأراد إمساكه نظرَ على أن الزبيب الأبيض هل يؤخذ في السلم عن الأسود إن قلنا إن كان قد وصفه بالصفات المعتبرة في السلم، فَيُبْنَى.
يجُوز ولا يكون استبدال، فكذلك هاهنا، وإن منَعْنا، فلا يجوز الإِمْسَاك هاهنا من غير معاقدة، فإن تعاقدا، وقالت: جعلتُه بدلاً عما عليَّ، وَقَبِلَ الزَّوْج فيُنْنَى على أن الصَّداق مضْمُون ضمان العقد، أو ضمان اليد إن قلْنا: بضمان اليد فيجوز، وإن قلنا: بضَمَان العَقْد؛ فعلى القولَيْن في جواز الاستبدال عن الثمن في الذمة وإن لم يَصِفْه، فالواجب مهْر المثل، فلا يجوز إمساكه من غيْر معاقدة، وأنها لو قالَت: اختلعت نفْسي منْكَ بالصداق الذي في ذمَّتك، وأنكر الزوج وحلف عليه، فلا رجوع لها عليه بالصَّداق، ولو كان له على رجُل دَيْن، فقال: اشتريتُ منْك دارك بذلك، وقبضته وأنْكر الرَّجُل، يجوز له المطالبة بالدين، والفرْقُ أن الخُلْع الذي أقَرَّتْ به يوجب اليأس عن الصداق، ويُسْقطه بالكلية؛ فإن ذمة الزوج إذا بَرِئَتْ من الصداق، لم يتصور عوده، وفي الصورة الأخرى لا يحصل الياس عن الدَّيْن؛ لأن الدار

الجزء: 8 - الصفحة: 476

المجعولة عوضاً قد تخرج مستحقَّة، وقد ترد بالعيب 102 وقد تتلف قَبْل القبض، فيرجع صاحب الدَّيْن إلى دَيْنه، وإن الزوج إذا قال: خالَعْتُك بكذا فأنكَرَتْ وصدَّقْنَاها باليمين، فوطئها الزوج بعد ذلك، فعليه الحدُّ في الظاهر، ولا يجب عليْها؛ لأنَّها تزعم أنها في نكاحه، وأما في الباطن فان كان صادقاً، فعليهما الحدُّ، وإن كان كاذباً فلا حدَّ على واحد منهما، وحكي وجهاً في مثل هذا أن دعوى الزوج طلاق ظاهراً وباطناً، فعليهما الحدُّ، وأنها لو قالت: طلِّقْنِي على ألْف، فقال طلقت نِصْفك فيُبْنَى، استحقاق الألْف على أن الطلاق يقع على البَعْض، المذكور، ثم يسري إلى الباقي، أو يُجْعَل البعض كناية عن الكُلِّ، إن قلنا بالمعنى الثاني، فيستحق كما لو طلَّقَها بلفظ آخر، وان قلنا بالأول، وجَب إلاَّ يستحق إلاَّ نصْف الألف، كما لو قالَتْ: طلقني ثلاثاً، فطلَّق واحدة، يستحق القسط، ولو قال في الجواب طلقت يدك، إن جعلنا المضاف إليه عبارة كلِّ البدن، استحق الألْف، وإن قلنا بالوجْه الآخَر، فلا يمكن التوزيع هاهنا، فيجب مهْر المثل، وإنها إذا قالت: اختلعت نفسي بثلاث طلقات على ما لي عليك من الحق، فقال: خالَعْتُك بطلقة، تقع طلقة؛ لأن الخلعة من جانبها جَعَالة، ويجب مهْر المثل، ويحتمل أن يجب ثلُث مَهْر المثل، كما لو قالت: طلقني ثلاثاً بألف، فطلَّق واحدةً، يستحق ثلث الألف.
فَرْع: لابن الحداد إذا قال لامرأته أنت طالقٌ اثنتين، أحدهما بالألْف، فالمُقَابلة بالألْف لا تقع دون القَبُول، وفي الأخرى وجهان: أحدهما: وبه قال ابن الحدَّاد: أنها لا تقع أيضاً؛ لأنه علَّق الطلقتين بقبول الألف، ولم يوجد؛ ولأنه قَابَلَ إحدى الطلقتين بالعِوَض، وجعل الأخرى تابعةً لها، فإذا لم تقع هي أصل، لا تقع الأخرى.
والثاني: وهو الأصحُّ عند الشيخ أبي علي -رحمه الله- أنها تَقَع؛ لأنها عريَّةٌ عن العوض، فاشبهت سائِرَ الطلقات الخالية عن العوض، وأيضاً فإنه لو قال: أنْتِ طالقٌ اثنتين أحدهما بألف، والأخرى بغير شيْء، تقع الواحدة من غَيْر قبول، فكذلك هاهنا، قال الإِمام -رحمه الله-: ولا يبعد طرْد الوجهَيْن في هذه الصورة، فإن قلْنَا بالوجه الأول، فإذا قبِلَتْ وقَعَت الطلقتان، ولزم الألْف، وتكون الألف في مقابلة واحدة منها خاصَّةً، أو في مقابلتهما معاً وإحداهما تبعٌ للأخرى، ذكر فيه احتمالان: أحدهما: أنه يختص بواحدة منهما كما هو ظاهر اللفظ.

الجزء: 8 - الصفحة: 477

والثاني: أنَّه يتعلق بهما على تبعيَّة إحداهما للأخرى؛ لأنه لو اختص المال بواحدة منهما، لما توقفت الأخْرَى على القَبُول، ونحن نُفَرِّع على التوقُّف ولا اقترنت طلقتان؛ بائنة ورجعية، وهذا بعيدٌ؛ ألا ترى أنَّه لو قال: إذا خَالَعْتُكِ، فأنت طالقٌ، فخالعها لم تقع الطلقة المعلقة؛ لمصادقتها حالَةَ البينونة، وإن قلنا بالوجه الثاني، فإن كانت غيْر مدخُول بها، وقعتِ الواحدةُ كما تمَّ لفظه، وحصلت البَيْنُونَة، فلا تقَعُ الأخرى، وإن قَبِلَتْ، وإن كانتْ مدخولاً بها، فالواحدة الواقعة باللفظ رجعيَّةٌ فإذا قبلَتِ الألف، فهو مخالعة الرجعية، وفيها الخلافُ الذي تقدَّم، فإن جوزنا مخالعة الرجعية، وقعَتِ الثانية ولزم الألْفُ، وإن لم نجوِّزها ففيه احتمالان للشَّيْخ أبي علي: أحدهما: أنَّه لا يقع الطلاق؛ لأنه إنما أوقع بشرط قبولها، هاذا لم يلزم المال فلا معنى للقبول، وأظهرهما: أنه يقَعُ، وإن لم يلزم المال، كما لو خالع المحجُورَ عليها فقبِلَتْ.

الجزء: 8 - الصفحة: 478

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل