كِتَابُ الْحَجِّ
(1) قال الغزالي: وَلاَ يَجِبُ فِي العُمْرِ إلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَالنَّظَرُ فِي المُقَدِّمَاتِ وَالمَقَاصِدِ وَاللَّوَاحِق
ِ القِسْمُ الأَوَّلُ فِي المُقَدِّمَاتِ وَهِيَ الشَّرَائِطُ وَالمَوَاقِيتُ.
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ 2 وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بَنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ" 3 الحديث.
ولا يجب الحَجُّ بأصل الشّرْع في العمر إلا مرة واحدة؛ لما روي عن ابن عباس - رضي الله عنه- قال: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ الحَجّ"، فَقَامَ الأَقْرعُ بْنُ حَابِس فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: "لَوْ قُلْتَهَا لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْلَمُوا بِهَا، الْحَجُّ مَرَّةٌ فَمَنْ زَادَ فَتَطَوّعٌ" 4.
وقد يجب أكثر من مرة واحدة بعارض كالنَّذْر والقضاء؛ وكما أنا نوجب على قول: الإحرام بحج أو عمرة لدخول مكَة على ما سيأتي.
وليس من العوارض الموجبة الرّدة، والإسلام بعدها، فمن حَجَّ ثم ارْتَدَّ ثم عاد إلى الإسلام لم يلزمه الحج، خلافاً1
الجزء: 3 - الصفحة: 280
لأبي حنيفة.
ومأخذ الخلاف أن الرِّدَّة عنده مُحْبِطَةٌ لِلْعمل، وعندنا إنما تحبطه بِشَرط أن يموت عَلَيْها، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ 5 الآية.
وساعد أحمد أبا حنيفة -رحمه الله- في المسألة، ولكن لا من جهة هذا المأخذ، ثم إن المصنف حصر مقصود الكتاب في ثلاثة أقسام:
أولها: المقدمات.
وثانيها: المقاصد.
وثالثها: اللّواحق والخواتم.
وفي القسم الأول مقدمتان:
إحداهما: في الشَّرَائط والأخرى في المَوَاقيت.
واعلم أنه جعل الميقات على قسمين زَمَاني، ومكاني، ولا شَكَّ أن الميقات الزماني من شرائط صحَّة الحج، فالوجه حمل الشرائط وإن أطلقها على ما سوى الوَقْت، لِئَلاَّ يدخل شيء من أحدى المقدمتين في الأخرى -والله أعلم-.
قال الغزالي: القول الأول: الشَّرَائِط وَلاَ يُشْتَرطُ لِصِحَّةِ الحَجِّ إِلاَّ الْإِسْلاَمُ، إِذْ يَجُوزِ لِلْوَليِّ أَنْ يَحْرِمَ (ح) عَنِ الصَّبِيِّ وَيحِجَّ بِهِ وَلاَ يُشْتَرطُ لِصِحَّةِ المُبَاشَرَةِ إِلاَّ الإسْلاَمُ والتَّمْيِيزُ، فَإِنَّ المُمَيِّز لَوْ حَج بِإذْنِ الوَليِّ جَازَ، وَكَذَا العَبْدُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ لِوُقُوعِهِ عَنْ حَجَّةِ الإسْلاَمِ إِلاَّ الْإِسْلاَمُ وَالحُرِّيَّةُ وَالتَّكْلِيفُ، وَيَشْتَرِطُ لِوُجُوبِ حَجِّ الإسْلاَمِ هَذِهِ الشَّرَائِطُ مَعَ الْإِسْتِطَاعَةِ.
قال الرافعي: الشَّخْص إما أن يجب عليه الحَجُّ، أو لا يجب.
ومن يجب عليه إما يجزئه المَأتِيُّ به عن حَجَّة الإسلام، حتى لا يجب عليه بعد ذَلِك بحَالٍ أو لا يجزئه.
ومن لا يجزئه إما أن تَصِح مباشرته للحَجِّ أو لا تَصِح.
ومن لا تَصِح مباشرته إما أن يَصِح له الحج أو لا يصح.
فهاهنا أربعة أحكام:
أحدها: مطلق صِحَّة الحَجِّ له.
وثانيها: صِحَّتُهُ له مباشرة.
وثالثها: وقوعه عن حَجَة الإسلام.
ورابعها: وجوب حَجَّة الإسلام.
الجزء: 3 - الصفحة: 281
وشروط هذه الأحكام مختلفة أما: الصحّة المطلقة فلها شَوْطٌ واحد وهو الإسلام.
فلا يصح الحج للكافر، كالصوم والصَّلاة وغيرهما.
ولا يشترط فيها التكليف؛ بل يجوز للولي أن يُحْرِمَ عن الصَّبِيّ الذي لا يُميِّز 6، وعن المجنون وأعلم قوله: (إذ يجوز للولي) بالحاء؛ لأن أبا حنيفة -رحمه الله- لا يُجَوِّزُه.
وكذا قوله: (إلا الإسلام) لأنه لا يَصِح الحَجَّ لصبي، وسيأتي جميع ذلك في الفَصْل الحادي عشر من باب أعمال الحج وأما: صِحَّة المباشرة فلها شَرْطٌ زائد على الإسلام وهو التَّمْييز، فلا يَصِحّ مباشرةُ المجنون والصَّبِيّ الذي لا يُمَيِّز، كَسَائِر العبادات.
ويصح من الصبي المميز أن يحرم ويحج، ثم القول في أنه يستقل به أو يفتقر إلى إِذْن الولي موضعه الفصل المحال عليه.
وقوله: (بإذن الولي) هذا التقييد دخيل في هذا الموضع فإن المقصود هاهنا صحة مباشرته في الجملة.
ولا يشترط فيها الحرية، بل يَصِح من العبد مباشرة الحج كسائر العبادات.
وأما وقوعه عن حجة الإسلام فله شَرْطان زائدان:
أحدهما: البلوغ.
والثاني: الجريمة، والدليل على اعتبارهما، ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَيُّمَا صَبِيٍّ حَجَّ، ثُمَّ بَلَغَ، فَعَلَيْهِ حَجَّة الْإِسْلاَمِ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ عَتَقَ فَعَلَيْهِ حَجَّةُ الإسْلاَمِ" 7.
والمعنى فيه أن الحَجَّ عبادة عُمْرٍ لا تتكرر، فاعتبر وقوعها في حال الكمال.
وإذا جمعت شرائط هذا الحكم قلت: هي أربع: الإسلام.
والتمييز.
والبلوغ.
والحرية.
فإن اختصرت قلت هي ثلاث: الإسلام والتكليف والحرية.
على ما ذكر في الكتاب.
ولو تكلف الفقير الحَجَّ وقع حَجُّه عن الفرض كما لو تحمل الغني خطر
الجزء: 3 - الصفحة: 282
الطريق وحج.
وكما لو تحمل المريض المشقة وحضر الجمعة.
وأما وجوب حجة الإسلام فيعتبر فيه هذه الشرائط، فلا يخاطب بالحَجِّ كافرٌ في كُفْرِهِ وَلاَ عَبْدٌ، ولا صَبِيُّ، ولا مجنون.
وله شرط زائد وهو الاستطاعة، قال الله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وكلام الكتاب من هذا الموضع إلى رأس المقدمة الثانية في المواقيت يتعلق بهذا الشَّرْط.
قال الغزالي: وَالاستطاعة نَوْعَانِ: الأَوَّلُ المُبَاشَرَةُ وَالقُدْرَةُ عَلَيْهَا تَتَعَلَّقُ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَالطَّرِيقِ وَالْبَدَنِ (أَمَا الرَّاحِلَةُ) فَلاَ بُدَّ مِنْهَا وَلاَ يَجِبُ (ح م) الحَجُّ عَلَى القَوِيِّ عَلَى المَشَي إِلاَّ فِيمَا دُونَ مَسَافَةِ القَصْرِ، وَلاَ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَمْسِكْ عَلَى الرَّاحِلَةِ مَا لَمْ يَجِدْ مَحْمَلاً أَوْ شِقَّ مَحْمَلٍ مَعَ شَرِيكٍ، فَإنْ لَمْ يَجِدِ الشَّرِيكَ لَمْ يَلْزَمْهُ.
قال الرافعي: استطاعة الحج نوعان: استطاعة مباشرته بنفسه، واستطاعة تحصيله بغيره.
النوع الأول: استطاعة المباشرة، وتتعلق بأمور أربعة:
أحدها: الراحلة 8، والنَّاس قسمان:
أحدهما: من بينه وبين مكَّة مسافة القصر فلا يلزمه الحَجّ، إلا إذا وجد رَاحِلَةً، سواء كان قادراً على المَشْي أو لم يكن، لكن القادر على المَشْي يُسْتَحِبُّ له أن لا يترك الحَجَّ، وفي كون الحج راكَباً أو ماشياً أفضل اختلاف قول قد تعرض له صاحب الكتاب في النذور 9. وقال مالك: القادر على المَشْي يَحُجُّ مَاشِياً لنا ما روي: "أَنَّهُ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ تَفْسيِرِ السَّبيلِ فَقَالَ: زَادٌ وَرَاحِلَةٌ" 10، إذا عُرِف ذلك فينظر إن كان يَسْتَمْسك عَلى الرَّاحِلة من غير مَحْمَلِ ولا يلحقه ضَرَرٌ ولا مشَقَّة شديدة، فلا يعتبر في حقه إلا وُجْدَان الراحلة، وإلا فيعتبر مع وجدان الرَّاحِلة وُجدان المَحْمَل أيضاً.
قال في "الشامل" وعلى هذا لو كان يلحقه مشقة غَلِيظَة في ركوب المحمل اعتبر في حقه الكنيسة 11، وذكر المُحَامِلِيُّ وغيره من العراقيين: أن في حق المرأة يعتبر
الجزء: 3 - الصفحة: 283
المحمل، وأطلقوا القول فيه؛ لأنه أسْتَر لها، وأليق بحالها، ثم العادة جارية بركوب اثنين في المحمل، فإن وجد مؤنة مَحْمل أو شِقّ محمل وَوَجَدَ شَرِيكاً يجلس في الجانب الآخر لَزِمه الحَجّ، وإن لم يجد الشَّرِيك فلا.
أما إذا لم يجد إلا مؤنة فظاهر، وأما إذا وجد مؤنة المحمل بتمامه فقد علله في "الوسيط" بأن بذل الزيادة خسران لا مقابل له، أي هو مؤنة مُجْحِفة يَعْسُر احتمالها وكان لا يبعد تخريجه على الخلاف في لزوم أجرة البَذْرَقة 12، وفي كلام الإمام إشارة إليه.
والقسم الثاني: من ليس بينه وبين مُكَّة مسافة القَصْر، بأن كان من أهل مكة، أو كان بينه وبينها دون مَسَافَةِ القَصْر، فإن كان قَوِيّاً على المشي لَزِمه الحَجُّ، ولم يعتبر في حقه وجدان الرَّاحِلَة.
وإن كان ضعيفاً لا يقوى على المشي أو يناله منه ضَرَرٌ ظاهر فَلاَ بُدَّ من الرَّاحِلَة، ومن المحمل أيضاً إن لم يمكنه الركوب دونه، كما في حَقِّ البعيد.
ووجدتُ لبعض المتأخرين من أئمة طبرستان تَخْرِيجَ وَجْهٍ في أن القريب كالبعيد مُطْلقاً، والمشهور الفرق، ولا يؤمر بالزَّحْفِ بحَالٍ وإن أمكن، وحيث اعتبرنا وجدان الراحلة والمحمل فالمراد منه أن يملكهما، أوَ يَتَمَكَّن من تحصيلهما مِلْكاً أو استئجاراً بثمن المثل، أو أُجْرَة المِثْلِ.
واعلم: أنه يشترط أن يكون ما يصرفه إلى الراحلة مع المَحْمَل أو دونه فَاضِلاً عما يشترط كون الزَّادِ فاضلاً عنه، وسيأتي ذلك.
وقوله: (أما الراحلة فلا بد منها) قد عرفت أنه غير مُجْرى على إطلاقه لوجوب الحج على القريب المتمكن من المشي.
وقوله: (ولا على من لا يستمسك على الراحلة) أي من غير محمل ونحوه لا مطلقاً، بخلاف قوله بعد هذا: (أما البدن فلا يعتبر فيه إلا قوة يستمسك بها على الراحلة) فإن المراد هناك الاسْتِمْسَاك عليها مُطْلقاً.
وقوله: (ما لم يجد محملاً، أو شِقّ محمل مع شريك) الوجه صرف قوله: (مع شريك) إلى حالتي وجدان المَحْمَل ووجدان الشّق؛ لأنه لو خصص بما إذا وجد الشق لكان ذلك حكماً باللزوم فيما إذا وجد مَؤْنَة المحمل مطلقاً، وهو خلاف ما نقلناه في "الوسيط".
قال الغزالي: (وَأَمَّا الزَّادُ) فَهُوَ أَنْ يَمْلِكَ مَا يَبْلِغُهُ إلَى الحَجِّ فَاضِلاً عَنْ حَاجَتِهِ اعني بِهِ المَسْكَنَ وَالَعَبْدَ الَّذِي يَخْدُمُهُ وَدَسْتَ ثَوْبِهِ وَنَفَقَةَ أَهْلِهِ إِلَى الإِيَابِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَهْلٌ وَلاَ مَسْكَنٌ فَفِي اشْتِرَاطِ نَفَقَةِ الإِيَابِ إِلَى الوَطَنِ وَجْهَانِ، وَلَوِ احْتَاجَ إِلَى نِكَاح لِخَوْفِ العَنَتِ فَصَرْفُ المَالِ إِلَيْهِ أَهَمُّ، وَفِي صَرْفِ رَأْسٍ مَالِهِ الَّذِي لاَ يَقْدِرُ عَلَى التِّجَارَةِ إِلاَّ بِهِ
الجزء: 3 - الصفحة: 284
إِلَى الحَجِّ وَجْهَانِ، وَمَنْ لاَ نَفَقَةَ مَعَهُ فِي الطَّرِيقِ وَقَدَرَ عَلَى الكَسْبِ لَمْ يَلْزِمْهُ الخُرُوجُ لِلْمَشَقَّةِ فِي الجَمْعِ بَيْنَ الكَسْبِ وَالسَّفَرِ.
قال الرافعي: المتعلق الثاني: الزاد.
ويشترط لوجوب الحج أن يجد الزَّادَ وأوعيَته، وما يحتاج إليه في السَّفَرِ إن كان له أهلٌ وعشيرة في مدة ذهابه وإيابه إلى بلدة لأن لم يكونوا ففي اشتراطه لمدة الإيَاب وجهان:
أحدهما: لا يشترط؛ لأن البلاد في حق مثل هذا الشَّخْصِ متقاربة.
وأصحهما: أنه يشترط؛ لما في الغربة من الوَحْشة ونزاع النفوس إلى الأوطان، ويجري الوجهان في اعتبار الرَّاحِلة للإياب، وهل يخصص الوجهان بما إذا لم يملك ببلدته مَسْكَناً أم لا؟ أبدى الإمام -رحمه الله- فيه احتمالين ورأى الأظهر التَّخْصِيص.
وأغرب أبو عبد الله الحَنَّاطِيَّ فنقل وجهاً في أن مدة الإياب لا تعتبر في حَقِّ ذِي الأَهْلِ والعَشِيرَة أيضاً.
ثُمَّ في الفَصْلِ مَسَائِل:
إحداها: يشترط أن يكون الزَّاد والراحلةُ فاضلاً عن نفقة من تلزمه نفقتهم وكسوتُهم مدةَ ذَهَابِهِ ورجوعه.
الثانية: في اشتراط كونهما فاضلين عن المَسْكَن والعبد لمن يحتاج إلى خدمته لَزَمَانَتِهِ، أو لمنصبه، وجهان:
أظهرهما -عند الأكثرين وهو المذكور في الكتاب-: الاشتراط، فيبقى عليه مسكنه وعبده كما يبقيان عليه في الكفارة 13، ولأنه متعلّق حاجته المهمة، فأشبه دست 14 ثوب يليق بمنصبه، وعلى هذا لو كان معه نقد جاز صرفه إليهما.
الجزء: 3 - الصفحة: 285
والثاني -وبه قال مالك-: لا يشترط، بل عليه بيع المسكن والخادم، والاكتفاء بالاكتراء؛ لأن الاستطاعة مفسرة في الخبر بالزَّادِ والرَّاحِلَة، وهو واجدٌ لهما، وهذا الوجه أصَحُّ عند صاحب "التتمة"، وبه أجاب أبو القاسم الكَرَخِي، وحكاه عن نصّه في "الأم" ومن قال به فرق بين الحَجّ والكفارة بأن العتق في الكفارة له بَدَلٌ معدولٌ إليه، والحَجُّ بخلافه، وهذا الخلاف كالخلاف في اعتبارهما في صدقة الفطر وقد مرّ.
فإن قلنا بالوجه الأول فذلك فيما إذا كانت الدَّارُ مستغرقةً بحاجته وكانت سكنى مثله والعبدُ عبدٌ مثله، فأما إذا أمكن بيع بعض الدار وَوفَّى ثمنه بمؤنة الحَجّ، أو كانا نفيسين لا يليقان بمثله ولو أبدلهما لَوَفَّى التفاوت بمؤنة الحج لزمه ذلك، هكذا أطلقوه هاهنا، لكن في لزوم بيع الدار والعبد النفيسين المألوفين في الكفارة وجهان، وقد أوردهما في الكتاب، ولا بد من عودهما -والله أعلم 15 -.
الثالثة: لو كان له رأس مال يَتِّجِر فيه وينفق من ربحه، ولو نَقَص لبطلت تجارتُه أو كان له مُسْتغلاتٌ ترتفعُ منها نفقتُه، فهل يكلفُ بيعُها؟ فيه وجهان:
أحدهما -وبه قال أحمد وابن سُرَيْج-: لا، واختاره القاضي أَبُو الطَّيِّبِ لئلا ينسلخ من ذات يده ولا يلتحق بالمساكين.
وأصحهما: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: نعم، كما يكلف بيعُها في الدَّيْنِ، لأنه فَسَّر الاستطاعة في الخَبِر بالزَادِ، والرَاحِلة، وهو واجدٌ لهما.
ويفارق العبد والمَسْكَن لأنه محتاجٌ إليهما في الحال، وليس كذلك ما نحن فيه وإنما يتخذه ذَخِيرةً لِلْمُسْتَقْبَلِ.
الرابعة: إذا ملك مالاً فاضلاً عن الوجوه المذكورة لكنه كَانَ محتاجاً إلى أن ينكح خائفاً عن العَنَتِ، فَصَرْفُ المَالِ إلى مُؤَنِ النِّكاح أَهَمُّ مِنْ صَرفِه إلى الحَجِّ، هذه عبارة الجمهور وعلّلُوه بأن حاجة النِّكَاح ناجزة، والحج على التَّراخي، والأسبق إلى الفهم من التقديم الذي أطلقوه أنه لا يجب الحَجَّ والحالة هذه، فيصرف ما يملكه إلى مؤونات النِّكَاح، وقد صَرَّح الإمام بهذا المفهوم، لكن كثيراً من العراقيين وغيرهم قالوا: يجب الحَجُّ على من أراد التَّزَوُّجَ، لكن له أن يؤخره لوجوبه على التَّرَاخِي ثُمَّ إن لم يَخَفِ العَنَتَ، فتقديم الحَجِّ أَفْضَلُ، وإن خافه فَتَقْدِيمُ النكاح أولى 16.
الخامسة: لو لم يجد مالاً يصرفه إلى الزَّاد لكنه كان كَسُوباً يكتسب مَا يكفيه، وقد
الجزء: 3 - الصفحة: 286
ادخرِ لِأَهْلِهِ النفقةَ فَهَلْ يلزمه الحج تعويلاً على الكسب حكى الإمام عن أصحابنا العراقيين أنه إن كان السَّفَرُ طَوِيلاً لم يلزمه ذلك؛ لأنه قد ينقطع عن الكَسْبِ لِعَارِضٍ، وبتقدير أن لا ينقطع فالجمع بين تَعَبِ الكَسْبِ والسفر تعظم فيه المَشَقَّة.
وإن كان قصيراً، نظر إن كان يكتسب في كُلِّ يوم ما يَكْفِيه ولا يفضل عنه لم يلزمه؛ لأنه ينقطع عن كسبه في أيام الحَجِّ فيتضرر وإن كان كسبه في يوم يكفيه لأيام لَزِمه الخروج، قال الإمام: وفيه احتمال كما أن القدرة على الكسب فِي يَوْمِ الفطر لا تجعل كحصول الصاع في مِلْكِه.
وقوله في الكتاب: (لم يلزمه الخروج) مُعَلَّمٌ؛ لأن عند مالك يلزمه ذلك، وهكذا قال فيمن أمكنه الحَجّ بالسُّؤَالِ في الطريق، ثم لفظ الكتاب مطلق، وقضية ما نقلناه التقييد.
وقوله في أول الفصل: (وأما الزاد فهو أن يملك ما يبلغه إلى الحج) فيه إضمار؛ لأن كونه مالكاً لما يبلغه لا يَصْلُحَ تفسيراً لِلزَّادِ، والمعنى أن القدرة على الزَّادِ هي أن يملك ما يبلغه.
وقوله: (نفقة أهله إلى الإياب) أي إن كان له أَهْلٌ، والمراد من الأهْلِ هاهنا من يلزمه نفقته لا غير، وفي قوله: (فإن لم يكن له أهل) لا يمكن الحمل على هؤلاء فَحَسْبِ، إذ ليس ذلك موضع الوجهين، وإنما الوجهان فيما إذا لم يكن لَهُ عشيرة أصلاً كذا ذَكره الصَّيْدَلاَنِيُّ وغيره؛ لأنه يعظم على الإنسان مفارقة العَشَائر، فلا بد من اعتبار الإياب إذا كان الرَّجُلُ ذَا عِشِيرة.
قال الإمام: ولم يتعرض أحد من الأصحاب للمعارف والأصدقاء؛ لأن الاستبدال بهم متيسر.
وقوله: (ومسكن) يشعر باعتبار فقدان المَسْكَن في حُصولِ الوَجْهَيْنِ، وهو جواب على أظهر الاحتماليِن عند الإمام، كما مَرّ.
واعرف في نظام الكتاب شيئين:
أحدهما: أنه لم يصرح باعتبار كونه فاضلاً عن نفقته في نفسه، لكنه مفهوم من كلامه في مَوَاضِعَ.
منها: اعتبار كونه فاضلاً عن نفقة الأهل فإنه يفهم اعتبار كونه فاضلاً عن نفقته بطريق الأولى.
ومنها: قوله: (ففي اشتراط نفقة الإياب وجهان) ومعلوم أنه في نفقة نفسه لا في نفقة الأَهْلِ، فإنها مجزوم باشتراطها إلى الإِيَاب.
والثاني: أنه لم يعتبر كونه فاضلاً عن الدَّيْنِ، ولا بُدَّ منه، أما إذا كان حالاًّ فلأنه نَاجِز والحج عَلَى التَّرَاخِي، وأما إذا كان مؤجلاً فلأنه إذا صرف ما معه إلى الحَجّ، فقد يحل الأجل ولا يجد ما يقضي به الدَّين، وقد تَحْتَرمه المَنِيَّة فتبقى ذمته مرتهنة.
وفيه وجه أن المدة إن كانت بحيث تنقضي بعد رجوعه من الحج لزمه الحج، ولو كان مَالُه ديناً في ذمة إنسان نظر إن تيسر تحصيله في الحال بأن كان حالاً ومن عليه
الجزء: 3 - الصفحة: 287
مَلِيءُ مقِر، أو عليه بَيِّنَة فهو كالحَاصِل في يده، وإن لم يتيسر بأن كان من عليه منكراً ولا بينة أو كان مؤجلاً فهو كالمعدوم، وقد يتوصل المحتال بهذا إلى دفع الحَجِّ فيبيع ماله نسيئة إذا قرب وقت الخروج، فإن المال إنما يعتبر وَقْتَ خروج النَّاس.
قال الغزالي: (وأمّا الطَّرِيقُ) فَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ آمِنًا عَمَّا يَخَافُ فِي النَّفْسِ وَالبُضْعِ وَالمَالِ، فَلَوْ كَانَ فِي الطَّرِيقِ بَحْرٌ لَزَمَ الرُّكُوبُ عَلَى قَوْلٍ لِغَلَبَةِ السَّلاَمَةَ؛ وَلَمْ يَلْزَمْ فِي قَوْلٍ لِلْخَطَرِ، وَلَزَمَ عَلَى غَيْرِ المُسْتَشْعِرِ فِي قَوْلٍ دُونَ الجَبَانِ، وإذَا لَمْ نُوجِبْ فَلَوْ تَوَسَّطَ البَحْرَ وَاسْتَوَتِ الجِهَاتُ فِي التَّوَجُّهِ إِلَى مَكَّةَ وَالانْصِرَافِ عَنْهَا فَفِي الوُجُوبِ الآنَ وَجْهَانِ، وَاسْتِطَاعَةُ المَرْأَةِ كَاَسْتِطَاعَةِ الرَّجُلِ لَكِنْ إِذَا وَجَدَتْ مَحْرَماً أَوْ نِسْوَةً (ح و) ثَقَاتٍ مَعَ أَمْنِ الطَّرِيقِ، وَلَوْ كَانَ عَلَى المَرَاصِدِ مَنْ يَطْلُبُ المَالَ لَمْ يَلْزمه الحَجُّ، وَفِي لُزُومِ أَجْرَةِ البذرقةِ وَجْهَانِ، وإذَا لَمْ يَخْرُجُ مَحْرَمُ الْمَرْأَةِ إلاَّ بِأُجْرَةٍ لَزِمَ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْن.
قال الرافعي: المتعلق الثالث: الطريق، ويشترط فيه الأمْنُ في ثَلاثَةِ أشياء، قال الإمام: وليس الأمن الذي نذكره قطعيّاً، ولا يشترط أيضاً الأمن الذي يغلب في الحَضَر، بل الأمن في كل مَكَانٍ بحسب مَا يَلِيقُ به.
فأحد الأشياء الثَّلاثة: النفس، فلو خاف على نَفْسِهِ مِنْ سَبْعٍ، أو عَدُوٍّ في الطريق لم يلزمه الحج؛ ولهذا جاز التَّحَلُّل عن الإحْرام بمثل ذلك، على ما سيأتي في باب الإحْصَار، وهذا إذا لم يجد طريقاً سواه، فإن وجد طريقاً آخر آمناً لزمه سلوكه، أما إذا كاَن مثل مسألة الأول فظاهر، وأما إذا كان أبعد فكذلك إذا وجد ما يَقْطَعه به كما لو لم يجد طريقاً سواه، وذكر في "التتمة" وجهاً أنه لا يلزمه كما لو احتاج إلى بذل مؤنَةٍ زائدة في ذلك الطَّريق.
ولو كان في الطريق بَحْر لَمْ يَخْل إما أن يكون له في البَرِّ طريق أيضاً أو لا يكون، إن كان لزوم الحج، إلا فَقَدْ قَالَ في "المُخْتصر": ولم يبين لي أن أوجب ركوب البحر لِلْحَجِّ ونص في "الأم" على أنه لا يجب، وفي "الإملاء" على أنه إن كان أكثر عيشه في البحر وَجَب، والأصحاب منقسمون إلى مثبتين لِلْخِلاف في المَسْأَلة، وإلى نافين له، وللمثبتين طريقان:
أحدهما: أن المسألة على قَوْلَيْنِ مُطلِقاً، حكاه الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُه.
أحدهما: أنه يلزم ركوبه للظَّواهِرِ المُطْلَقَةِ في الحَجِّ.
والثاني: لا؛ لما فيه من الخَوْفِ والخَطَرِ.
وأظهرهما: أنه إن كان الغَالِب منه الهَلاَك إما باعتبار خصوص ذلك البحر، أو
الجزء: 3 - الصفحة: 288
لَهَيَجَانِ الأمواج في بَعضِ الأحوال لم يلزم الرُّكوب، وإن كان الغالب السلامة ففيه قولان:
أظهرهما: اللزوم كسلوك طريق البَرِّ عند غلبة السَّلامة.
والثاني: المَنْعُ؛ لأن عوارض البَحْرِ عَسِرَةُ الدَّفْعِ، وعلى هذا لو اعتدل الاحتمال فيلحق بِغَلَبَةِ السَّلامة، أو بغلبة الهَلاَكِ تردد كلام الأئمة فيه وأما النافون لِلْخِلاَف فلهم طرق:
أحدها: القطع بعَدَم اللزوم، وحمل نصه في "الإملاء" على ما إذا ركبه لِبَعْضِ الأغراض فصار أقرب إلى الشَّطِّ الذي يَلِي مَكَّةَ.
والثاني: القطع باللزوم، وهذا قد أشار إليه الحَنَّاطِيُّ وغيره.
والثالث: وبه قال أبو إسحاق الإصْطَخْرِي أنه إن كان الغَالِب الهَلاَك لم يلزمه، وإن كان الغَالِب السَّلامة لَزِم، واختلاف النَّص محمول على الحالين، وبهذا قال أَبُو حَنِيفة وأحمد -رحمهما الله-.
والرَّابع: تنزيل النَّصَّينِ على حالتين مِنْ وَجْهٍ آخر إن كان الرَّجُل مِمَّنْ اعتاد ركوب البَحْرِ كالمَلاحِين وأهل الجَزَائِرِ لزمه وإلا فلاَ لصعوبته عليه، حكى الطريقة هكذا على هذا العراقيون وطائفة، ونقل الإمَامُ عن بعض الأَصْحَابِ اللزوم عند جُزْأة الراكب وعدَمَه عِنْدَ اسْتِشْعَارِ، وهذا قريب من الطَّريقة الأخيرة، ويشبه أن يكون هُوَ هِيَ، وإنما الاختلاف في العبارة، ثم ذكر أن من الأصحاب من نزل النَّصَّيْنِ على الحَالَتَيْنِ من غير تَرْدِيدِ قَوْلٍ.
ومنهم: من قال: "لا يجب على المستشعر"، وفي غيره قولان:
ومنهم: من قال: يجب على غير المستشعر وفيه قولان، والصائرون إلى هذين الطريقين من المثبتين للخلاف.
واتبع حجة الإسلام -رحمه الله- منقول الإمام -قدَّس الله رُوحَه- واستخرج من الطُّرق التي نقلها ثلاثة أقوال:
اللزوم مطلقاً، والمَنْع مطلقاً.
والفرق بين الجَبَانِ وغيره، والمستشعر والجبان هاهنا مطلقان بمعنى وَاحِد، ولو قال: على غير المستشعر دون المستشعر أو على غير الجبان دون الجبان لكان أحْسَن وأقربَ إلى الأَفْهَام، وفي لفظ الكتاب ما ينبئك أن الخلاف مخصوص بما إذا كان الغَالِب السَّلامة حيث قال: (لغلبة السلامة) فإن كان الغالبُ الهَلاكَ فالظاهر الجزم بالمنع على ما مر.
التفريع إذا قلنا: لا يجب ركوبه فهل يستحب؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لما فيه من التغرير بِالنَّفْسِ.
وأظهرهما: نعم كما يستحب ركوبه للغَزْوِ، وقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَرْكَبَنَّ
الجزء: 3 - الصفحة: 289
أَحَدٌ البحر إِلاَّ غَازِياً أَوْ مُعْتَمِراً أَوْ حَاجاً" 17 والوجهان فيما إذا كان الغالب السَّلامة.
أما إذا كان الغالب الهلاكَ فَيَحْرُمُ الركوب، هكذا نَقَله الإمام، وحكى تردداً للأصحاب فيما إذا اعتدل الاحتمال وإذا لم نوجب الركوب، فلو توسط البحر هل له الانصراف أم عليه التمادي؟ فيه وجهان، وقيل: قولان، وهما مبنيان عند الأئمة على القولين في المُحْصَر إذا أحاط العَدُوُّ بهِ من الجَوَانِب هل له التحلل؟ إن قلنا: له التحلل فله الانصراف، وإن قلنا: لا، فلا؛ لَأنه لم يستفد بَه الخَلاَص فليس له الانصراف.
قال في "التتمة" وهو المذهب.
وموضع الوجهين ما إذا استوى ما بين يديه وما خلفه في غالب الظَّن، فإن كان ما بين يديه أكثر لم يلزمه التَّمَادِي بلا خلاف على القول الذي عليه تفرع، وإن كان أقل لَزِم، وموضعهما عند التَّساوي ما إذا كان له في المنصرف طريق غير البحر، فإن لم يكن فَلَهُ الانصراف بلا خلاف كَيْلاَ يحتاج إلى تحمل زيادة الأخطار، وجميع ما ذكرناه في حَقَّ الرجل.
أما المرأة ففيها خلاف مرتب على الرَّجل، وأولى بعدم الوجوب، لأنها أشد تأثراً بالأَهْوَال، ولأنها عورة وربما تَنْكَشِف لِلرِّجَالِ لضيق المكان.
وإذا قلنا: بعدم الوجوب فنقول بعدم الاستحباب أيضاً، ومنهم من طرد الخِلاَف، وليست الأنهار العظيمة كجيحون في معنى البحر؛ لأن المقام فيها لا يطول، والخطر فيها لا يعظم، وفيه وجه غريب.
والثاني: البضع.
والغرض من ذكره بيان حكم المرأة في الطَّريق، قال في الكتاب: (واستطاعة المرأة كاستطاعة الرجل، ولكن إذا وجدت مُحْرَماً إلى آخره) يسوي بين استطاعة الرجل واستطاعة المرأة إلا فيما يَتَعَلَّق بالمَحْرَم، وليس الأمر على هذا الإطلاق لِمَا مَرَّ من قول من اعتبر المَحْمَل فِي حَقِّها مطلقاً، وأيضاً فلما ذكرناه الآن في رُكوب البَحْرِ.
وأما ما يتعلق بالمَحْرَم فاعلم أنه: لا يجب عليها الحَجُّ حتى تأمن على نَفْسِها، فإن خرج معها زَوجٌ أو مَحْرَمٌ إما بنسب أو بغيره فذاك، وإلا فننظر إن وجدت نِسْوَةً ثِقَاتٍ يَخْرُجْنَ فعليها أن تَحُجَّ مَعَهُنَّ 18، وهل يشترط أن يكون مع واحدة منهن محرم؟ فيه وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 290
أحدهما -وبه قال القفال-: نعم، ليكلم الرجال عنهن، ولتستعن التي معها محرم إذا ابتلين بنائبة.
وأصحهما: لا؛ لأن النساء إذا كثرن انقطعت الأطماع عنهن وكفين أمرهن، وإن لم تجد نسوة ثِقَاتٍ لم يلزمها الحَجّ، هذا ظاهر المَذْهَبِ، ووراءه قولان:
أحدهما: أن عليها أن تخرج مع المرأة الواحدة، يحكى هذا عن "الإملاء".
والثاني -واختاره جماعة من الأئمة-: أن عَلَيْهَا أن تخرج وحدها إذا كان الطَّرِيق مَسْلُوكاً ويحكى هذا عن رواية الكَرَابِيسِي.
واحتج له بما روى عن عَدِيّ بْنِ حَاتِم أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَا عَدِيُّ إِنْ طَالَتْ بِكَ الْحَيَاةُ لَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بالْكَعْبَةِ لاَ تَخَافُ إِلاَّ اللهَ، قَالَ عَدِيُّ: فَرَأَيْتُ ذَلِكَ" 19.
وأيضاً بأن المرأة لو أسلمت في دَارِ الكُفْرِ لَزِمَهَا الخُروجُ إِلَى دَارِ الإسْلاَمِ، وَإِنْ كَانَتْ وَحْدَهَا، ولمن ذهب إلى الأول أن يقول:
أما الحديث: فليس فيه ما يقتضي الوجوب.
وأما التي أسلمت: فخوفها لو أقامت هُنَاك أكثر من خَوْفِ الطَّريق، هذا حكم الحَجِّ الفَرْض، وهل لها الخروج إلى سائر الأسْفَار مع النساء الخُلَّص؟ فيه وجهان؛ لأنه لا ضرورة إليها.
والأصح عند القاضي الرّويَانِي المَنْع، وليعلّم قوله في الكتاب: (ولكن إذا وجدت مَحْرَماً) بالواو؛ للقول الصَّائِرِ إلى أنها تخرج وَحْدَها، وقوله: (أو نسوة ثقات) أيضاً بالواو؛ لأمرين.
أحدهما: القول المكتفي بالواحدة.
وثانيهما: الوجه الشارط لأن يكون مع بَعْضِهِنَّ مَحْرَمٌ وبالحاء؛ لأن عنده إذا لم يكن محرم وزوج فلا يجوز لها الخروج إلا أن تكون المَسَافة بينها وبين مكَّة دون ثلاثة أيام، ويروى عن أحمد مثله.
وفي كون المحرم أو الزوج شرط الوجوب أو التمكن اختلاف رواية عنهما، قال الموفق بْنُ طاهر: ولأصحابنا مثل هذا التَّردد في النِّسْوةَ الثِّقَاتِ، ولم يتعرض في الكِتَاب للزَّوْج، واقتصر على اشتراط المحرم أو النسوة الثقات لكنه كالمحرم بالاتفاق.
الجزء: 3 - الصفحة: 291
وقوله: (مع أمن الطريق) مما يذكر لاستظهار والإيضاح، إلا فقد سبق ما تعرف به اشتراطه.
والثالث: المال، فلو كان يخاف على ماله في الطريق من عدو أو رصدي 20 لم يلزم الحج وإن كان الرصدي يرضى بشيء يسير إذا تعين ذلك الطَّريق، ولا فرق بين أن يكون الَّذين يخاف منهم مسلمين أو كفاراً، لكن إذا كانوا كفاراً أو أطاقوا مقاومتهم فيستحب لهم أن يخرجُوا ويقاتلوا لينَالُوا ثواب الحج والجِهَادِ جميعاً، وإن كانوا مسلمين لم يستحب الخروج والقتال، ويكره بَذْلُ المال للرصديين، لأنهم يحرضون بذلك على التعرض للناس، ولو بعثوا بأمان الحجيج وكان أمانهم موثوقاً به أو ضمن لهم أمير ما يطلبونه وأمن الحجيج لزمهم الخروج، ولو وجدوا من يبذرقهم بأجرة ولو استاجروه لأمنوا في غَالِب الظَّنِّ فهل يلزمهم استأجاره؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه خسران لدفع الظُّلم فأشبه التَّسْلِيم إلى الظالم.
والثاني: نعم؛ لأنه بذل الأجرة بذل مال بحق والمبذرق أهبة من أُهِبَ الطَّرِيق كالرَّالَةِ وغيرها، وهذا أظهر عند الإمام، ورتب عليه لزوم استئجار المَحْرَمِ على المرأة إذا لم يُسَاعدها إِلاَّ بأجرة، وجعل اللّزوم هاهنا أظهر؛ لأن الداعي إلى التزام هذه المؤنة معنى فيها فأشبه زيادة مؤنة المَحْمَل في حق ما يحتاج إليه.
ويشترط لوجوب الحج وجود الزاد والماء في المواضع التي جَرَت العادة بحمل الزَّاد والماء منها، فإن كان العام عام جدب وخلا بعض تلك المنازل عَنْ أَهْلِها أو انقطعت المياه لم يلزمه الحج؛ لأنه إن لم يحمل مَعَه خاف على نفسه، وإن حمله لحقته مؤنة عَظِيمة، وكذلك الحكم لو كان يوجد فيها الزاد والماء ولكن بأكثر من ثَمَنِ المِثْلِ وهو القدر اللائق به في ذلك المَكَان والزَّمان، وإن وجدهما بثمن المثل لزم التَّحْصِيل سواء كانت الأسعار غاليه أو راخصة إذا وَفَّى ماله ويحتمل حملهما قدر ما جرت العادة به في طريق مكَّة حرصها الله لحمل الزَّادِ من الكوفة إلى مكَّة، وحمل الماء مرحلتين أو ثلاثاً إذا قدر عليه ووجد آلات الحمل، وأما عَلَف الدابة فيشترط وجوده في كل مرحلة؛ لأن المؤنة تعظم في حَمْلِهِ لكثرته، ذكره صاحب "التهذيب" "والتتمة" وغيرهما 21.
الجزء: 3 - الصفحة: 292
قال الغزالي: (وَأَمَّا البَدَنُ) فلاَ يُعْتبَرُ فِيهِ إلاَّ قُوَّةٌ يَسْتَمْسِكُ بِهَا علَى الرَّاحِلَةِ، وَيجِبُ عَلَى الأَعْمَى إِذَا قَدَرَ عَلَى قَائِدٍ، وَيَجِبُ عَلَى المَحْجُورِ وَالمُبَذِّر، وَعَلَى الوَليِّ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ وَيُنْصِّبَ عَلَيْهِ قَوَّاماً.
قال الرافعي: المتعلق الرابع: البدن، ويشترط فيه لاستطاعة المباشرة قوة يستمسك بها على الرَّاحلة، والمراد أن يثبت على الرَّاحِلَةِ من غير أن يلحقه مشقة شديدة، فأما إذا لم يثبت أصلاً، أو كان يثبت ولكن بمشقةٍ شديدةٍ فليس له استطاعة المباشرة، سواء فرض ذلك لمرض أو غيره، روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ لَمْ يَحْبِسْهُ مَرَضٌ أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أَو سُلْطَانٌ جَائِزٌ فَلَم يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيّاً وإنْ شَاءَ نَصْرَانيّاً 22.
والقول في أنه متى يستتيب؟ ومتى لا يستتيب؟ سيأتي من بعد، ثم في الفصل مسألتان:
إحداهما: الأعمى إذا وجد مع الزَّادِ والرَّاحِلَةِ قَائِداً يلزمه الحج بنفسه؛ لأنه مستطيع لَهُ والقائد في حقه كالمَحْرَمِ في حَقِّ المرأة، وبه قال أحمد، وعن أبي حنيفة -رحمهما الله- اختلاف رواية فروى عنه: أنه لا حَجَّ عليه، وهذه عبارة الكَرَخِي في "مختصره"، وروى أنه لا يلزمه الخروج بنفسه ولكن يستتيب.
الثانية: المحجور عليه بالسَّفه كغيره في وجوب الحَجِّ عليه إلا أنه لا يدفع المال إليه لتبذيره بل يخرج الوَلِي معه لينفق عليه في الطَّرِيق بالْمَعْرُوفِ ويكون قَوَّاماً عليه، وبفارق الصَّبي والمجنون إذا أحرم الوَلِي عَنْهُما، فإن في إنفاقه ما زاد بسبب الحجر من مالهما خِلافاً سنذكره؛ لأنه لا وجوب عليهما، وإذا زال ما بهما لزمهما حَجَّة الإسلام، وذكر في "التهذيب": أنه إذا شرع السفيه في حج الفرض أو في حجٍّ نَذَرَهُ قَبْلَ الحَجْرِ بغير إذن الولي لم يكن له أن يحلله فيلزمه أن ينفق عليه إلى أن يفرغ، وإن شَرَعَ في حَجِّ تطوع ثم حُجِرَ عليه فكذلك، ولو شرع فيه بعد الحَجْر كان للولي أن يحلله إن كان مَا يحتاج إليه لِلْحِجِّ يزيد على نفقته المعهودة ولم يكن له كسب وإن لم يزد، أو كان له كسب يَفِي مع قدر النفقة لِلْحَجِّ وجب إتمامه، ولم يكن للولي أن يحلله.
وقوله في الكتاب: (وعلى الولي أن ينفق عليه) أي من مال المحجور.
وقوله: (وينصب عليه قوّاماً) أي إن لم يتول ذلك بنفسه.
الجزء: 3 - الصفحة: 293
وأعلم أن الأئمة شرطوا في وُجُوبِ الحج أمرين آخرين لم يصرح بهما في الكتاب.
أحدهما: إمكان المَسِير وهو أن يبقى من الزَّمان عند وجدان الزَّاد والرَّاحِلة ما يمكنه المسير فيه إلى الحَجِّ السير المعهود 23.
أما إذا احتاج إلى أن يقطع في كل يوم أو في بعض الأيام أكثر من مَرْحَلَةٍ لم يلزمه الحَجّ.
والثاني: قال صاحب "التهذيب" وغيره: يشترط أن يجد رفقة يخرج معهم في الوَقْتِ الذي جرت عَادَةُ أهْلُ بَلدِه بالخُروج فيه، فإن خرجُوا قَبْلَه لم يلزمه الخُروجُ مَعَهم، وإن أخَّرُوا الخروج بحيث لا يبلغون إلا بأن يقطعوا أكثر من مرحلة لم يلزمه أيضاً، وفي قوله بعد هذا الفصل (وله أن يتخلف عن أول قافلة) ما يشعر باعتبار وجدان القافلة، ومن أطلق القول باعتباره من الأصحاب فكلامه على غالب الحال، فإن كانت الطرق بحيث لا يخاف الواحد فيها فلا حاجة إلى الرّفقة والقَافِلة، ذكره في "التتمة"، وبهذا الفقه يتبين دخول هذا الشَّرْط تحت اعتبارِ أمْنِ الطَّرِيق، وعن أحمد أن أمن الطَّريق وإمكان السير من شَرَائِطِ الأَدَاءِ دُونَ الوُجوب حتى لو استطاع والطَّريق مخوف أو الوَقْتُ ضَيقٌ استقر الوُجُوب عَلَيْهِ، وروي عن أصحَاب أبي حنيفة -رحمه الله- اختلاف في أن أمْنَ الطَّرِيقِ مِنْ شَرَائِطِ الوجُوب أو الأَداءِ.
قال الغزالي: وَمَهْمَا تَمّت الاسْتِطَاعَةُ وَجَبَ الحَجُّ عَلَى التَّراخِي (م ح ز) وَلَهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ أَوَّل قَافِلَةٍ، فَإنْ مَاتَ قَبْلَ حَجِّ النَّاسِ تَبَيَّن عَدَمَ الاسْتِطَاعَةِ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الحَجِّ فَلاَ، وَإِنْ هَلَكَ مَالُهُ بَعْدَ الحَجِّ وَقَبْلَ إيَابِ النَّاسِ تَبَيَّنَ أَنْ لا اسْتِطَاعَةَ؛ لِأَنَّ نَفَقَةَ الإيابِ شَرْطٌ في الحَجِّ، فَإنْ دَامَتْ الاسْتِطَاعَةُ إلَى إيَابِ النَّاسِ ثُمَّ مَاتَ أَوْ طَرَأَ العَضبُ
الجزء: 3 - الصفحة: 294
لَقِيَ الله عَزَّ وَجَلَّ عصِياً عَلَى الأَظْهَرِ، وَتَضِيقُ عَلَيْهِ الاسْتنَابَةُ إِذَا طَرَأَ العَضْبُ بَعْدَ الوُجُوبِ، فَإِنْ امْتَنَعَ فَفي إِجْبَارِ القَاضِي إِيَّاهُ عَلَى الاسْتِنَابَةِ وَجْهَان.
قال الرافعي: ذكر في "الوسيط": أن المسائل المذكورة إلى هذا الموضع كَلاَمٌ في أرْكَانِ الاستطاعة، ومن هاهنا إلى رأس النوع الثاني كلام في أحْكَامها، ولك أن تقول: الاستطاعة إحدى شرائط وجوب الحَجِّ كَمَا مَرَّ، وقد توجد الاستطاعة مسبوقة بسائر الشُّروطِ، وقد يوجد غيرها مسبوقاً بها فلم كانت هذه المسائل أحكام الاستطاعة دون غيرها؟ وبتقدير أن تكون أحكام الاستطاعة فهي أحكام مطلق الاستطاعة كما ستعرفه لا أحكام النَّوْع الأولِ مِنْهَا، وكان ذكرها بعد النَّوعَينِ أحسنَ والحَقُّ أنها ليست بأحكام الاستطاعة ولا سائر الشّروط، لكن مسائل هذا الفَصْلِ تتعلق بكيفية ثبوت الوُجوب بعد استجماع الشَّرَائِطِ وأنه مَتَى تَسْتَقِر؟
ومسائل الفَصْلِ الثَّانِي لا تَعَلَّق لها بالوجوب أيضاً، ومقصود الفَصْلِ أن الحَجَّ يجب على التَّرَاخِي وهو في العُمر كالصَّلاةِ بالإضافة إلى وَقْتِها.
وقال مالك وأحمد والمزنى -رحمهم الله-: إنه على الفَوْرِ، ويروى مثله عن أبي حنيفة -رحمه الله-.
لنا أن فريضة الحَجِّ نزلت سنة خَمْس من الهِجْرَةِ، وأخَّرَه النبي -صلى الله عليه وسلم- مِنْ غير مَانِعٍ، فإنه خرج إلى مَكَّة سَنةَ سَبْع لقضاء العُمْرَةِ وَلَمْ يَحُج، وفتح مكَّة سنة ثَمَانٍ، وبعث أبا بكر -رضي الله عنه- أميراً على الحج سنة تِسْعٍ، وحَجَّ هُوَ سنَةَ عَشْرٍ وَعَاشَ بعدها ثَمَانين يوماً ثم قُبِضَ إلى -رحمة الله تعالى-.
إذا تقرر ذلك فلمن وجب عليه الحجّ بنفسه أو غيره أن يُؤَخِّرَهُ عَنْ أَوَّلِ سنة الإِمْكَانِ.
نعم، لو خشي العضب 24 وقد وجب عَلَيْهِ الحَجّ بنفسه ففي جواز التأخير وجهان:
أظهرهما: المنع، وإذا تَخَلَّف فمات قبل حَجِّ النَّاسِ تبين عَدَم الوُجُوب لتبين عدم الاستطاعة والامكان، وعن أَبِي يَحْيَى البلخِي أنه يَسْتَقِر عَلَيْهِ، وذكر في "المذهب": أن أبا إسحاق أخرج عليه نَصَّ الشافعي -رضي الله عنه- فرجع عنه، فلا يُعَلَّم قوله: (تبين عدم الاستطاعة) بالواو، وكذلك وإن مات بعد ما حَجَّ النَّاسُ استقرَّ الوجوبُ عليه ولَزِم الإحْجَاج مِنْ تَرِكَتِهِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 295
قال في "التهذيب": ورجوع القافلة لَيْسَ بِشَرْطٍ حَتَّى لو مات بعد انتصاف ليلة النَّحْرِ، ومضى إمكان المَسِير إلى منَى والرّمي بها، وإلى مكَّةَ والطّواف بها استقر الفَرْضُ عليه، وإن مَاتَ أو جنَّ قبل انتصاف ليلة النحر لم يستقر، وإن هَلَك مالُه بعد إِيَابِ النَّاسَ أو مضى إمكان الإياب استقر الحَجّ، وإن هلك بعد حَجِّهم وقبل الإياب وإمكانه فوجهان:
أحدهما: الاستقرار كما في صُورة المَوْتِ.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتابَ: أنه لاَ يَسْتَقِر بِخِلاَفِ صُورِ المَوْتِ، لأنه إذا مات استغنى عن المال للرّجُوعِ، وهاهنا نفقة الرّجوع لاَ بُدَّ مِنْها، وهذا حيث نشترط نفقة الإيَاب فإن لم نشترطها تعين الوَجْهُ الأول، وإن أحصر الدين تَمَكَّن من الخروج معهم فتحللوا لم يستقر الفَرْضُ عَلَيْهِ، وإن سلكوا طريقاً آخَرَ فَحَجُّوا استقر، وكذا إذا حَجَّوا في السَّنة التي بَعْدَها إذا عاش وبقي ماله.
وإذا دامت الاستطاعة وتحقق الإمكان ولم يحج حتى مات فهل يَعْصى؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال أبو إسحاق لا؛ لأنا جَوَّزْنَا له التأخير.
وأظهرهما: نعم وإلا ارتفع الحكم بالوجوب، والمجوز هو التأخير دون التَّفْوِيت، والوجهان كالوجهين فيما إذا مَاتَ في وسط الوقت قبل أداء الصَّلاة، لكن الأظهر هُنَاك أنه لا يَمُوت عَاصِياً، وسبب الفرق قد مَرَّ هُنَاك، وبه قال ابْنُ سُرَيج، وفَصَّلَ بَعْضَ الأَصْحَاب فقال: إن كان شيخاً مات عاصياً، وإن كان شاباً فلا، والخلاف جارٍ فيما إذا كان صَحِيحَ البَدَنِ مستطيعاً فلم يحج حتى صَار زَمِناً، والأظهر التَّعْصِيَةُ أيضاً، ولا نظر إلى إمكان الاستنابة فإنها في حكم بدل، والأصل المُبَاشَرة، ولا يجوز تَرْكُ الأصل مع القُدْرَة عليه، ويتفرع على الحكم بالتعصية فرعان.
أحدهما: في تضيق الاستنابة عليه في صورة عُروض الزّمانة وجهان حكاهما الإمام -رحمه الله-.
أظهرهما: عنده وبه أجاب صاحب الكتاب -رحمه الله-: أنَّهَا تتضيق لِخُروجِهِ بتقصيره عند استحقاق التَّرْفِيه.
والثاني: له التأخير، كما لو بلغ معضوباً عليه الاستنابة على التراخي، ولك أن تشبه هذيْنِ الوجهين بوجهين قد مَرَّ ذكرهما في قضاء الصَّوْم إذا تعدى بتفويته، وهل يَكُونُ علي الفَوْرِ؟ وإذا قلنا بالوَجْهِ الأول فلو امتنع وأَخَّر هَل يجبره القَاضِي على الاستنابة ويستأجر عليه؟ فيه وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 296
أظهرهما: عند الإمام -رحمه الله تعالى-: لا؛ لأن الحُدودَ هي التي تتعلق بِتَصَرُّفِ الإِمَامِ.
والثاني: نَعَمْ؛ تشبيهاً له بزكاة الممتنع، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ منهما تَدْخُلُه النيابة.
الثانية: إذا قلنا: يموت عاصياً فمن أي وقت نحكم بعصيانه؟ فيه وجهان:
أحدهما: من أول سَنَةِ الإِمْكَانِ لاستقرار الفَرْضِ عليه يومئذ.
وأظهرهما: وبه قال أبو إسحاق: من آخر سَنَةِ الإمْكَان بجواز التأخير إليها، وفيه وجه ثالث أنا نحكم بموته عاصياً من غير أن نسنده إلى وَقْت معين.
ومن فوائد الحكم بموته عاصياً أنه لو كان قد شهد عند القاضي ولم يقض بشهادته حتى مات فلا يَقْضِ كما لو بأن له فِسْقُه، ولو قضى بشهادته بين الأولى من سني الإمكان وأخراها فإن عصيناه من أخراها لم ينقض ذلك الحكم بحال، وإن عصيناه من أولاها ففي نقضه القولان، فيما إذا بأن الشُّهُودُ فَسَقَه، وقوله في الكتاب (ومهما تمت الاستطاعة) أي مَعَ سَائِرِ الشَّرائط.
وقوله: (أو طُرأ العضب) أصْلُ العضب القطع يقال: عضبت الشيء أعضبته إذا قطعته، سمي معضوباً لأن الزمانة التي عرضت له قطعت حركة أعضائه، وقيل: هو معصوب -بالصاد المهملة- كأنه ضُرِب على عصبه فانعزلت أعضاؤه عن عملها -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلاَ بُدَّ مِنَ التَّرْتِيبِ (م ح) في الحَجِّ فَيَبْدَأُ بِحَجَّةِ الإِسْلاَمِ ثُمَّ بالقَضَاءِ (و) ثُمَّ بالنَّذْرِ ثُمَّ بالتَّطَوُّعِ فَلَوْ غَيَّرَ هَذَا التَّرْتِيبَ وَقَعَ عَلَى هَذَا التَّرْتِيب وَلَغَتْ نيَّتُهُ، وَإِذَا حَجَّ عَنِ المُسْتَأْجِرِ وَهُوَ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ وَقَعَ عَنْهُ دُونَ المُسْتَأْجِرِ (م ح).
قال الرافعي: حُجَّةُ الإسْلاَم في حق من يَتَأَهَّل لَهَا تقدم على حَجَّةِ القَضَاءِ، وصورة اجتماعهما أن يفسد الرقيق حَجَّة ثم يعتق فعليه القضاء، ولا يجزئه عن حَجَّة الإسلام فإن القضاء يتلو تلو الأَدَاء؛ وكذا حجة الإسلام على حَجَّة النذر، ولو اجتمعنا معِ حجَّة الإسلام قدمت هي، ثم القضاء الواجب يأصْلِ الشّرع، ثم المنذورة تقديماً للأهَمِّ فالأهَمِّ.
ومن عليه حجة الإسلام ليس له أن يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ، وكذا من عليه حجة نذر أو قضاء.
قال أبو حنيفة ومالك -رحمهما الله- يجوز التطوع بالحج قبل أداء الفَرْضِ، ويجوز لِمَن عَلَيْهِ الحَجُّ أن يَحُجَّ عن غيره، وأظهر ما روي عن أحمد -رحمه الله- مثل مذهبنا.
لنا: ما روى عن ابن عباس -رضي الله عنهما- "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- مَن شُبْرُمَةَ؟ قَالَ: أَخِي أَوْ قَرِيبٌ لِي فَقَالَ
الجزء: 3 - الصفحة: 297
أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ قَالَ: لاَ، قَالَ حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ عَنْ شُبْرُمَةَ -وَفِي رِوَايَةٍ- هَذِهِ عَنْكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ" 25.
دل الحديث على أنه لا بد من تقديم فرضِهِ نفسه على ما لو استؤجر له، وفهم منه أنه لا بُدَّ من تقديم فَرْض على ما يُتَطَوَّع به، والعمرة إذا أوجبناها كَالْحَجِّ في جميع ذلك.
وقوله في الكتاب: (ثم بالقضاء ثم بالنذر) اعْلِمَ بالواو؛ لأن الإمام -رحمه الله- أشار إلى تردد في تقديم القَضَاء على النَّذْرِ، وتابعه المصنف في "الوسيط".
والصَّحيح: ما ذكره في، الكتاب.
إذا تقرر ذلك فلو أنه غَيَّرَ الترتيبَ المَذْكُورَ فقدم ما يجِبُ تأخيرُه لَغَتْ نَيَّتُه، ووقع على الترتيب المَذْكُور.
ولو استأجر المعضوب من يحج عن نذره وعليه حَجَّة الإسلام فنوى الأجير النذر وقع عن حجَّة الإِسْلام.
ولو استأجر من لم يحج عن نفسه وهو الذي يسمى ضرورة ليحج عن المستأجر فنوى الحَجَّ عنه لغت إضافته ووقع عن الأجير.
وينبغي أن يُعَلَّم قوله في الكتاب: (وقع عنه دون المستأجر) بالألف، لأن عن أحمد -رحمه الله- رواية أنه لا يقع عنه ولا عن المستأجر، بل يلغى، ولو نذر ضرورة أن يَحُجّ في هذه السَّنة ففعل وقع عن حَجَّةِ الإِسْلاَم وخرج عن نذره، وليس في نذره إلا تعجيل ما كان له أن يؤخره.
ولو استأجره لِلضَّرورةِ لِلْحَجِّ في الذِّمة جَاز، والطريق أن يَحُجَّ عن نفسه ثُمَّ عن المستأجر في سُنَةٍ بَعْدَهَا، وإجارة العين تفسد لأَنَّه يتعين لها السَّنة الأولى، فإن إجازة السنة القابلة لاَ تَجُوز.
وإذا فسدت الإجازة نظر إن ظنه قد حَجَّ فبان ضرورة لم يستحق أجرة لتغريره، وإن علم أنه ضرورة وقال: يجوز في اعتقادي أن يحج الضرورة عن غيره فَحَجَّ الأجير يقع عن نفسه كما تقدَّم، ولكن في استحقاقه أجرة المثل قولان أو وجهان سيأتي
الجزء: 3 - الصفحة: 298
نظائرهما.
ولو استأجر للحج من يحج ولم يعتمر أو للعمرة من اعتمر ولم يحج فقرن الأجير وأحرم بالنسكين جميعاً عن المستأجر أو أحرم بما استؤجر له عن المستأجر وبالآخر عن نفسه فقد حكى صاحب "التهذيب" وغيره فيه قولين:
الجديد: هما يقعان عن الأجير؛ لأن نسكي القَرَآن لا يتفرقان لاتحاد الإِحْرَام، ولا يمكن صَرْفُ ما لم يَأْمُر به المُسْتأجِر إليه.
والثاني: أن ما استؤجر له يقع عن المستأجر والآخر عن الأَجِير، وعلى القولين لو استأجر رجلان من حج واعتمر أحدهما ليحج عنه، والآخر ليعتمر عنه فقرن عنهما، فعلى الأول يقعان عن الأجير، وعلى الثاني يقع عن كُلِّ واحدٍ منهما ما استأجره له.
ولو استأجر المعضوب رجلين ليُحجَّا عنه في سنة واحدة أحدهما حُجَّة الإسلام والآخر حجَّة قضاء أو نذر، ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن حجة الإسلام لا تتقدم على غَيْرِها.
وأظهرهما: ويحكى عن نصه في "الأم" الجواز؛ لأن غيرها لا يتقدم عليها، وهذا القدر هو المرعي، فعلى الأول إن أحرم الأجيران معا يُصْرَف إحرامهما إلى نَفْسيهِمَا، وإن سبق إحرام أحدهما وقع ذلك عن حُجَّةِ الإِسْلاَم عن المستأجر، وانصرف إحرام الآخر إلى نَفْسِه.
ولو أحرم الأجير عن المستأجر ثم نذر حَجّاً نُظِر إن نذر بعد الوقوف لم ينصرف حَجُّه إليه، ووقع عن المُسْتَأجر، وإن نذر قبله فوجهان:
أظهرهما: انصرافه إلى الأجير.
ولو أحرم الرجل بحج تطوعاً ثم نذر حجاً بعد الوقوف لم ينصرف إلى النَّذر وإن كان قبله فعلى الوجهين، -والله أعلم-.
وقد ذكرنا في خلال الكلام ما يتعلق بلفظ الكتاب وبالقيد الذي أوردناه في أول الفَصْلِ يعرف أن قوله: (ولا بد من الترتيب في الحج إلخ) محمول على عن يصح منه حَجَّة الإسلام وإلاَّ فالصبي والعَبْد إذا حَجَّا فقد تقدم في حَقِّهِمَا غير حجة الإسلام على حَجَّة الإسلام.
ولو استأجر المعضوب من يحج عن تلك السنة فأحرم الأجير عن نفسه تطوعاً فقد روى الإمام عن شيخه أن إحرامه ينصرف إلى المستأجر؛ لأن حَجَّة الإجارة في هذه السَّنة مستحقة عليه، والمستحق في الحَجِّ مقدم على غيره، وعن سائر الأصحاب أنه لا ينصرف؛ لأن استحقاقها ليس عن حكم وجوب يؤول، إلى الحَجِّ وإنما يتقدم وَاجِبُ الحَجِّ على تطوعه إذا رجَعَ الوجوب إلى نَفْسِ الحَجّ.
قال الغزالي: النَّوْعُ الثَّانِي: اسْتِطَاعَةُ الاسْتِنَابَة، وَالنَّظَرُ في ثَلاَثة أطْرَافٍ: الطَّرْفُ
الجزء: 3 - الصفحة: 299
الأَوَّلُ جَوَازُ الاسْتتَابَةِ، وَإِنَّمَا تَجُوزُ لِلْعَاجِزِ عَنِ المُبَاشَرَة بالمَوْتِ أَوْ بِزَمَانَةٍ (م) لاَ يُرْجَى زَوَالُهَا، وَإنَّمَا يَجُوزُ في حَجَّة الإسْلاَمِ إذَا وَجَبَ بالاسْتِطَاعَةَ أَوْ مَاتَ قَبْلَ الوُجُوبِ أَو امْتَنَعَ الوُجُوبُ لِعَدَمِ الاسْتِطَاعَةِ، وَفِي الاسْتِئْجَار لِلتَّطَوُعِ قَوْلاَن.
قال الرافعي: قد مر أن الاستطاعة نوعان: استطاعةُ مُبَاشَرة، واستطاعة استنابة، وحصل الفراغ عن أولهما وأما الثاني: فتمس الحاجة فيه إلى بيان أنه متى تجوز الاستنابة؟ ومتى تجب؟ ثم هي قد تكون بطريق الاستئجار، وقد تكون بغيره، فهذه أربعة أطراف، وقد تكلم فيها جميعاً لكن اختصر على ترجمة ثلاثة منها الجواز والوجوب والاستئجار.
وأما الاستنابة بغير طريق الاستئجار فقد أدرج مَسَائِلَها في الطرف الثاني.
الأول: في حال جواز الاستنابة.
لا يخفى أن العبادات بعيدة عن قبول النيابة، لكن احتمل في الحج أن يحج الشَّخْصُ عن غيره إذا كان المحجوج عنه عاجزاً عن الحَجِّ بنفسه إما بسبب الموتَ وإمَّا بكبر أو زَمَانَة أو مَرَض لا يُرْجَى زوالةُ.
أما بسب الموت فلما روى عن بريدة قال "أَتَتْ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجَّ، فَقَالَ حجِّي عَنْ أُمِّك" 26.
وأما بالكِبَر ونحوه فلما روى عن ابن عباس -رضي الله عنهما- "أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخاً كَبِيراً لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَمْسِكَ عَلَى الرَّاحِلَةِ أَفأَحجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ" 27.
ويروي "كَمَا لَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ" 28.
والمعتبر أن لا يثبت على الرَّاحِلَةِ أصْلاً أو لا يثبت إلا بمَشَقَّةِ شَدِيدَةٍ، فالمقطوع اليدين أو الرجلين إذا أمكنه الثبوت على الرَّاحِلَة من غير مَشَقَّةِ شديدةٍ لا تجوز النيابة عنه، وكذا لا تجوز النيابة عمن لا يثبت على الرَّاحِلَة لمرض يَرْجُو زوالَه فإنه يتوقع مباشرتُه له، وكذا من وَجَبَ عليه الحَجُّ ثم جُنَّ لم يكن للولي أن ينيب عنه؛ لأنه رُبَّما يفيق فَيَحُجُّ بنفسه، فإن أنساب عنه ومات ولم يفق ففي إجزائه قولان كما لو استناب من يرجو زوال مرضه فَلَمْ يَزُل، وهذا كلّه في حَجَّة الإسْلام، وفي معناها حجة النَّذْرِ، حكى ذلك عن نصه، ويلحق بهما القضاء.
الجزء: 3 - الصفحة: 300
وأما حجَّة التطوع فهل يجوز استنابة المَعْضُوب فيها واستنابة الوارث للميت؟ فيها قولان:
أحدهما: لا، لبعد العبادات البدنية عن قَبولِ النِّيابة، وإنما جوزنا في الفَرْضِ للضرورة.
وأصحهما: وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله- نعم؛ لأنها عبادة تدخل النيابة في فرضها فتدخل في نفلها كأَداءِ الزَّكاة، ولو لم يكن الميت قد حَجَّ ولا وجب عليه لعدم الاستطاعة ففي جواز الإِحْجَاج عنه طريقان نقلهما الإمام.
أحدهما: طرد القولين؛ لأنه لا ضرورة إليه.
والثاني: القطع بالجَوازِ لوقوعه عن حَجَّةِ الإسلام.
فإن جوزنا الاستئجار للتطوع فللأجير الأجرة المسماة، ويجوز أن يكون الأجير عبداً أو صبياً بخلاف حُجَّة الإسْلاَمِ لا يجوز استئجارهما فيها؛ لأنهما لَيْسَا مِنْ أَهْلِهَا، وفي المنذورة الخِلاَفُ المشهور في أنه يسلك بالنذر مسلك الوَاجِبَات أم لا، وإن لم نجوز الاستئجار للتطوع وقع الحجُّ عَن الأَجِير ولم يستحق المسمى، وفي أجرة المثل قولان مَرْوِيان عن "الأم":
أحدهما: أنه لا يستحق أيضاً لوقوع الحَجّ عنه.
وأظهرهما: عند المُحَامِلِي وغيره أنه يستحقها؛ لأنه دخل في العَقْدِ طَامِعاً في الأجرة وتلفت منفعته عليه، وإن لم ينتفع بها المستأجر فَصَار كما لو اسْتُؤجِرَ لِحَمْلِ طَعَامٍ مَغْصُوبٍ فحمل يستحق الأُجْرَة 29.
وأما لفظ الكتاب فقوله: (وإنما يجوز للعاجز عن المباشرة) ليست اللام في قوله (للعاجز) لإضافة فعل الاستنابة إليه؛ لأن العاجز بالموت لا يتصور منه الاستنابة وإنما المراد كون الاستنابة للعاجز، ثم هي قد تصدر منه وقد تصدر من غيره، ويجوز أن يرقم بالحاء والألف؛ لأن عند أبي حنيفة وأحمد تجوز الاستنابة للصَّحِيح أيضاً في حَجَّةِ التَّطَوع.
وقوله: (أو بزمانة) معلم بالميم؛ لأن عند مالك لا تجوز النِّيَابة عَنِ الحَيِّ وإنما تجوز عن الميت.
الجزء: 3 - الصفحة: 301
وقوله: (وإنما تجوز في حَجَّة الإسلام) يفهم الحَصْرُ فيها، لكن النَّذر والقَضَاء في معناه كما سبق، ولإفهامه العصر أعلم بالميم والحاء والألف إشارة إلى أنهم يجوزونها في حجة التطوع أيضاً.
وقوله: (أو مات قبل الوجوب إذا امتنع الوُجوب لعدم الاستطاعة) جواب على طريقة نَفْي الخِلاَف في المَسْألة أو على أظهر القولين على الطَّريقة الأخرى فَلْيُعَلَّم بالواو.
واحتج في الجواز بما روى: "أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِنَّ فَرِيضَةَ الحَجَّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخاً كبِيراً لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحِجَّ أَفَأحجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ" 30.
وليس هذا الاحتجاج بقوي؛ لأن هذا الحديث هو حديث الخَثْعَمِيَّة واللفظ المشهور في حديثها: "لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ" 31. وذلك يَدُلُّ على أن اللَّفظة التي نقلها -أن يثبت- محمولة على نفي استطاعة المباشرة وذلك لا ينفي وجوب الحَجِّ، والمسألة فيمن لا وجوبَ عليه، ويجوز أن يحتج له بحديث بُرَيْدَة فإن المرأة قالت: إن أمي مَاتَتْ وَلَمْ تَحُجّ، ولم يفصل الجواب -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَإذَا اسْتَأجَرَ المَعْضُوبَ حَيْثُ لاَ يُرجَى زَوَالِهِ فَمَاتَ أَوْ حَيْثُ لاَ يُرْجَى بُرْؤُهُ فَشُفِيَ فَفِي وُقُوعِ الحَجِّ مَوْقِعَة قَوْلاَنِ يُنْظَرُ فِي أَحدِهِمَا إلَى الحَالِ وَفِي الآخِرَ اِلى المَآل، إنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لاَ يَقَعُ عَنْهُ فَالصَّحِيحُ أنَّهُ يَقَعُ عَنْ تَطَوُّعِهِ وَيَكُونُ هَذَا عُذْراً فِي تَقْدِيمِ التَّطَوُّعِ كَالصِّبَا والرِّقِّ، ثُمَّ يَسْتَحِقُّ الأَجِيرُ الأُجْرَةَ وَلاَ يَجُوز الحَجُّ عنِ المَعْضُوبِ لِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَيَجُوزُ عنِ المَيْتِ مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ (م ح) وَيَسْتَوِي فِيهِ الوَارِثُ والأجْنَبيُّ.
قال الرافعي: المعلول الذي يرجى زوال علته ليس له أن يَحُجَّ عن نفسه كما مَرَّ فإن أحج نظر إن شفي لم يجزئهُ ذلك قولاً واحداً، وإن مات ففيه قولان:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة -يجزئه؛ لأنه تبين أنها كانت غير مرجوة الزَّوال.
الثاني: لا يجزئه؛ استنابة لم تكن جائزة له حينئذ قال الأئمة وهذا أظهر، وعلى عكسه لو كانت غير مرجوة الزَّوال فأحج عن نفسه ثم شفي فطريقان:
أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب طرد القولين، وبالثاني قَلَ أَبُو حَنِيفة، ويروي الأول عن مَالِك وأحمد -رحمهما الله-.
والثَّاني: القطع بأنه لا يُجْزئه.
الجزء: 3 - الصفحة: 302
والفرق أن الخطأ في الصُّورة الأولى غير مستيقن؛ لجواز أن لا يكون المَرَضُ بحَيْثُ يوجب اليَأْسَ ثم يزداد فيوجبه فيجعل الحكم للمال، وهاهنا الخطأ مستيقن إذ لا يَجوز أن يكون اليَأْسُ حَاصِلاً ثم يزول، والطاردون للقولين في الصُّورتين قالوا: مأخذهما فيهما أن النظر إلى الحال أو إلى المآل إن نظرنا إلى الحال لم يجزه في الصورة الأولى، وأجزأ في الثَّانيَةِ، وإن نظرنا إلى المآل عكسنا الحكم فيهما، وربما شبه القولان بالقولين فيما إذا رأوا سواداً فظنوه عَدُوّاً فَصَلُّوا صلاة الخَوْفِ ثم تبين خِلافَهُ هل تجزئهم الصَّلاة؟ والأظهر عَدَمُ الإِجْزَاء؛ وقد عرفت مما ذكرنا أنه يجوز أن يكون قوله في الكتاب: (قولان) معلَّمان بالواو للطريق الثاني في الصورة الثانية.
التفريع: إن قلنا إن الحجة المأتيَّ بها تُجْزِئه استحق الأُجرة المسماة لا مَحَالة.
وإن قلنا: إنها لا تجزئه فهل تقع عن تطوعه أم لا تقع عنه أصلاً؟ فيه وجهان:
أحدهما: حكى الإمام عن شيخه عن القفَّال أن من أئمتنا من قال: إنه يقع عن تَطَوُّعِهِ ويكون العضب النَاجِز بمثابة الرِّق والصِّبَا في كونه عذراً لتقديم التطوع على حَجَّة الإِسْلاَم.
والثاني: أنها لا تقع عنه أصلاً كما لو استأجر ضرورة ليحج عنه وذكر صاحب الكتاب أن الأول هو الصحيح، لكن الإمام والجمهور استبعدوه، فإن قلنا: لا يقع عنه أصلاً فهل يستحق الأجير الأجرة؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم؛ لأنه عمل له في اعتقاده.
وأصحهما: لا، لأن المستأجر لم ينتفع به، فإن قلنا: بالأول: فماذا يستحق الأجير الأجرة المسماة أم أجرة المثل؟ فيه وجهان مأخذهما أنا هل نتبين فساد الاستئجار أم لا؟ وإن قلنا: إنه يقع عن تطوعه فالأجير يستحق الأجرة، وماذا يستحقه المسمى أو أجرة المثل؟ عن الشيخ أبي محمد أنه لا يمتنع تخريجه على الوجهين؛ لأن الحَاصِلَ غير ما ابتغاه.
الثانية: لا يجزئ الحَجّ عن المَعْضُوب بغير إذنه بخِلاَف قضاء الدَّيْنِ عن الغير؛ لأن الحَجَّ يفتقر إلى النية وهو أهل للإذن وللنية وإن لم يَكن أهلاً للمباشرة، وروي في "التتمة" عن أبي حامد المرورزي -رحمه الله- جواز الحج بغير إذنه، ويجوز الحَجُّ عَنِ المَيِّتِ، بل يجب عند استقراره عليه، سواء أوصى به أو لم يُوصِ خلافاً لأبي حنيفة ومالك حيث قالا: إن لم يوص لم يحج عنه ويسقط فرضه بالموت.
لنا: ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحجَّ وَمَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَحَجَّ أَفَأحَجُّ عَنْهَا فَقَالَ: لَوْ
الجزء: 3 - الصفحة: 303
كَانَ عَلَى أُخْتِكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قاضيه؟ قال: نعم، قَالَ: فَاقْضُوا حَقَّ اللهِ -تَعَالَى- فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ" 32.
ويستوي في الحَجِّ عن الميت الوارث والأَجْنَبِي تشبيهاً بقضاء الدَّيْنِ.
قال الغزالي: الطَّرَفُ الثَّانِي فِي وُجُوب الاسْتِنَابةِ وَذَلِكَ عِنْدَ القُدْرَةِ عَلَيْهَا مِنَ المُكَلَّفِ الحُرِّ بِمَالِ يَمْلكُهُ فَاضِلاً عَنْ حَاجَتِهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَافِيًا بِأُجْرَةِ الأجِيرِ رَاكباً، فَإنْ لَمْ يَجِدْ إلاَّ مَاشِياً لَمْ يَلْزَمْهُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنَ الخَطَرِ عَلَى المَال.
قال الرافعي: قصد بهذا الطرف بيان أن الاستنابة متى تجب على المَعْضُوب.
فأما وجُوبُ الإِحْجَاج عن الميت الذي وجب عليه الحَجُّ فقد تَعَرَّضَ له في كتاب الوصية، والمعضوب تلزمه الاستنابة في الجُمْلَةِ، ولا فرق بين أن يطرأ العَضَبُ بعد الوُجوبِ وبين أن يبلغ معضوباً واجداً لِلْمَال، وبه قال أحمد.
وعند مالك لا استنابة على المعْضُوب بِحَالٍ، لأنه لا نيابة عن الحَيِّ عنده، ولا حج على من لا يستطيعه بنفسه.
وعن أبي حنيفة: أنه لا حَجّ على المعضوب ابتداء لكن لو طَرَأَ العَضَبُ بعد الوُجوبِ لم يَسْقُط، وعليه أن ينفق عَلَى مَن يَحُجَّ عنه.
إذا تقرر ذلك فلوجوب الاستنابة عن المعضوب طريقان يشتمل هذا الفَصْلُ على أَحَدِهِمَا وهو أن يجد مالاً يستأجر به من يَحُجَّ، والشرط أن يكون فاضلاً عن الحَاجَاتِ المذكورة فِيمَا لَوْ كَانَ يحج بِنَفْسِهِ إلا أنا اعتبرنا ثَمَّ أن يكون المَصْرُوف إلى الزَّادِ والرَّاحِلَةِ فاضلاً عن نفقة عِيَالِهِ إلى الإِيَابِ، وهاهنا يعتبر أن يكون فاضلاً عن نفقتهم وكسوتهم يوم الاستئجار، ولا يعتبر بعد فَرَاغِ الأَجِير من الحَجِّ إلى إيابه، وهل تعتبر مُدَّةُ الذِّهَابِ حكى صاحب "التهذيب" -رحمه الله- فيه وجهين:
أصحهما: إنها لا تُعْتَبر.
بِخِلافَ ما لو كان يَحُجُّ بنفسه فإنه إذا لم يفارق أهله يمكنه تحصيل نفقتهم.
قال الإمام: وهو كما في الفطرة لا يعتبر فيها إلا نفقة اليَوْم، وكذلك في الكَفَّارَات المُرَتَّبَةِ إذا لم نشترط تَخْلِيف رأس المَالِ، ثم إن وَفَّى ما يجده بأجْرَة أَجِيرٍ رَاكبٍ فذاك، وإن لم يَجِدْ إلا أجرة مَاشٍ ففي لزوم الاستئجار وجهان:
أصحهما: يلزم بخلاف ما لو كان يَحُجُّ بنَفْسِهِ، لا يكلف المشي؛ لما فيه من المَشَقَّة ولا مشقة عليه في المشي الذي تَحَمَّلَهُ الأَجِيرُ.
الجزء: 3 - الصفحة: 304
والثَّاني -ويحكى عن اختيار القَفَّالِ-: أنه لاَ يلزم؛ لأن المَاشِي عَلَى خَطَرٍ، وفي بذل المَالِ في أجرته تَغْرِيرٌ به، ولو طلب الأَجِيرُ أكثرَ مِنْ أُجْرَةِ المثل لم يلزم الاستئجار، وإن رَضِيَ بأقل منها لَزِمَه، وإذا امتنع من الاستئجار فهل يستأجر عليه الحاكم؟ فيه وجهان:
أشبههما: أنه لا يستأجر، وقوله في الكتاب: (من المكلف الحُر) كالمستغنى عنه في هذا المَوْضِع؛ لأنه قد سَبَقَ بَيَانُ اشْتِرَاط التَّكليف والحُرِّيَةِ فِي وجُوب الحَجِّ، وكلامنا الآن في شَرْطِ الاسْتِطَاعَة، وإذا كُنَّا فِي ذكر أَحَدِ شروط الشَّيْءِ لم نَحتج إلى التَّعرض فيه لِسَائِرِ الشّروط وإلا لا نجر بنا الأمر إلى ذِكرِ كُلِّ شَرْطٍ في كُلِّ شرط -والله أعلم-.
قال الغزالي: وإنْ قَدَرَ بِبَذْلِ الأجْنَبِيِّ مَالاً لَمْ يَلْزَمْهُ القَبُولُ لِلْمِنَّةِ، وإنْ بَذَلَ ابْنُهُ الطَّاعَةَ فِي الحَجِّ عَنْهُ وَجَبَ القَبُولُ (ح)، وَإِنْ بَذَلَ الأَجْنَبِيُّ الطَّاعَةَ أَوْ الابْن المَالَ فَوَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ الابْنُ مَاشِياً فَفِي لُزُوم القَبُولِ وَجْهَانِ، وَإن كَانَ مُعَوَّلاً فِي زَادِهِ عَلَى الكَسْبِ أَوْ عَلَى السُّؤَالِ فَخِلاَف مُرَتَّبٌ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَجِبَ.
قال الرافعي: الطريق الثاني: ألا يجد المالَ ولكن يَجِد مَنْ يحصل له الحَجَّ، وفيه صور:
إحداها: أن يبذل الأَجْنَبِي مَالاً لِيَسْتأجر به، وفي لزوم قَبُولِهِ وَجْهَانِ حكاهما الحَنَّاطِيُّ وغيره.
أحدهما: يلزم؛ لحصول الاستطاعة بما يبذله.
وأصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنه لاَ يُلْزَم؛ لما فيه من المِنَّةِ الثَّقِيلَةِ.
والثانية: أن يبذل واحداً مِنْ بَنِيهِ وَبَنَاتِهِ وأولادِهم الطَّاعة في الحَجِّ، فيلزمه القبول والحَجّ 33 خلافاً لأبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله-.
لنا أن وجوب الحَجِّ مُعَلَّقٌ في نَصِّ القرآن بوجود الاستطاعة، وإنَّهَا تارة تكون بالنَّفْس، وتارة بالأعوان والأنْصَار، ألا ترى أنه يصدق ممن لا يحسن البناء أن يقول: أنا مُسْتَطِيعٌ لبناء دَارٍ إذا تمكن منه بالأسباب والأعوان.
إذا تقرر ذلك فيشترط فيه أن لا يكون المُطِيعُ ضرورة ولا معضوباً وأن يكون
الجزء: 3 - الصفحة: 305
موثوقاً بِصِدْقِهِ، وإذا توسم أثر الطَّاعة فَهَلْ يلزمه الأمر؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأن الظَّنَّ قَدْ يُخْطِئ.
وأظهرهما: نعم إذا وثق بالإجابة؛ الحصول لاستطاعة، وهذا ما اعتمده أصْحَاب الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وحكوه عن نَصِّ الشافعي -رضي الله عنه-.
ولو بذل المطيع الطاعة فلم يأذن المُطاع فهل ينوب الحاكم عنه؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا؛ لأن مبنى الحَجِّ على التَّراخِي، وإذا اجتمعت الشَّرَائِطُ ومات المطيع قبل أن يأذن فإن مضى وقت إمكان الحَجِّ استقر في ذِمَّتِهِ وإلاَّ فَلاَ، ولو كان له من يطيع ولم يعلم بطاعته فهو كما لَوْ كان له مَالٌ موروثٌ ولم يَعْلَمْ بِهِ، وشبه ابْنُ الصَّبَّاغ ذَلِكَ بما إذا نَسِيَ المَاء فِي رَحْلِهِ ففي سقوط الفرض قولان، وشبهه صاحب "المعتمد" بالضَّال والمَغْصُوبِ وفي وجوب الزَّكاة فيهما خلاف قد مَرَّ.
ولك أن تفرق بين الحَجِّ وغيره فتقول: وجب أن لا يلزم الحج بحالٍ؛ لأنه مُعَلَّق بالاسْتِطَاعة ولا استطاعة عِنْدَ عدم الشُّعور بِالمَالِ والطَّاعَة.
وإذا بذل الوِلد الطَّاعة ثم أراد الرجوع فإن كان بَعْدَ الإحْرَامِ لَمْ يَجِدْ إِلَيهِ سَبِيلاً، وإن كان قَبْلَه رجع على أَظْهَر الوَجْهَيْنِ 34.
والثالثة: أن يبذل الأجنبيُّ الطَّاعةَ ففي لزوم القبول وَجْهَان.
أصحهما: وهو ظَاهِر نصه في "المختصر"، أنه يلزم لِحُصُولِ الاسْتِطَاعَة كما لو كان البَاذِلُ الوَلَدَ.
والثاني: لا يلزم؛ لأن الوَلَد بِضْعَةٌ مِنْهُ فنفسه كنفسه بخلاف غيره، والأخ والأب في بَذْل الطَّاعَةِ كالأجْنَبِيّ؛ لأن اسْتِخْدَامَهُمَا ثَقِيلٌ، وفي بعض تعاليق الطبرية حكاية وجه أن الأب كالابن، كما أنهما يستويان في وجوب النفقة وغيره.
الرابعة: أن يبذل الولدُ المالَ ففي لزوم قبوله وَجْهَان:
أحدهما: يلزم كما لو بَذَلَ الطَّاعة.
وأصحهما -وبه قال ابنُ سُرَيْج-: لا يلزم؛ لأن المِنَّة في قبول المال أَعْظَم، ألا ترى أن الإنسان يستنكف عن الاستعانة بمالِ الغَيْرِ، ولا يستنكف عن الاستعانة ببدنه في
الجزء: 3 - الصفحة: 306
الأشْغَال، والوجهان صَادِران من القائلين بعدم وُجوب القَبُول من الأجْنَبي، فإن أوجبناه فهاهنا أولى.
وبذل الأب المال للابن كبذل الابْنِ المال للأب أو كبذل الأجنبي؟ ذكر الإمام -قدس الله روحه- فيه احتمالين:
أظهرهما: الأول.
فرع: جميع ما ذكرنا في بذل الطاعة مفروض فيما إذا كان رَاكباَ، أما إذا بذل الابن الطاعة على أن يحج عنه ماشياً ففي لزوم القبول وجهان:
أحدهما: لا يلزم كما لا يلزم الحج ماشياً.
والثاني: يلزم إذا كان قوياً فإن المشقة لا تناله، وهذان الوجهان مرتبان عند الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ على الوجهين في لزوم استئجار الْمَاشِي قال: وهذه الصُّورة أولى بالمنع؛ لأنه يعز عليه مشي ولده، وفي معناه ما إذا كان المطيعُ الوَالِدَ وأوجبنا القبول، ولا يجيء التَّرتيبُ فِيمَا إِذَا كان المطيعُ الأجنبيَّ، وإذا أوجبنا القبولَ والمطيع ماشٍ فهو فيما إذا كان مَالِكاً للزَّادِ، فإن عوّل على الكَسْبِ في الطريق ففي وجوب القبول وجهان، وأولى بالمنع؛ لأن المكاسب قد تنقطع في الأسفار، فإن لم يكن كسوباً أيضاً وعول على السُّؤَال فأولى بالمنع؛ لأن السَّائِل قد بُرَدّ، فإن كان يركب مفازة لا يجدي فيها كسب ولا سؤال لم يجب القَبُول بلا خلاف إذ يحرم عليه التغرير بالنَّفْس 35.
قال الغزالي: وَمَهْمَا تَحَقَّقَ وُجُوبُ الحَجِّ فَالْعُمْرَةُ تَجِبُ (م ح) عَلَى الجَدِيدِ.
قال الرافعي: في كون العمرة من فَرائض الإسْلام قولان:
أصحهما -وبه قال أحمد-: أنها من فرائضه كالحَجِّ، روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أَنَّهُ كَقَرِينَتِهَا فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةِ لِلَّهِ" 36.
وروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَرِيضَتَانِ" 37.
الجزء: 3 - الصفحة: 307
والثاني: وبه قال مالك وأبو حنيفة -رحمهما الله- أنها سُنَّة؛ لما روي عن جابر -رضي الله عنه-: "أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- سُئِلَ عَنِ الْعُمْرَةِ أَوَاجِبَةٌ هِيَ؟ فَقَالَ: لاَ وَإِنْ تَعْتَمِرُوا فَهُوَ أَفْضَلُ" 38.
والأول هو قوله في الجديد، والثاني القديم.
وأشار بعضهم إلى ترديد القول فيه جديداً وقديماً.
وإذا قُلْنَا بالوجوب فهي من شَرَائط مطلق الصِّحة، وصحة المباشرة والوجوب والإجزاء عن عمرة الإسلام على ما ذكرنا في الحَجْ، وفي قوله: (ومهما تحقق وجوب الحج) إشارة إلى أن شرائط وجوب العمرة كشرائط وجوب الحَجِّ، وإن الاسْتِطَاعَة الوَاحِدَة كَافِيَةٌ لهما جميعاً.
قال الغزالي: الطَّرَف الثَّالِثُ فِي الاسْتِئْجَارِ وَالنَّظَرِ فِي شَرَاِئطِهِ وَأَحْكَامِهِ، فَأَمَّا شُرُوطُهُ فَمَذْكُورَةٌ فِي الْإِجَارَةِ، وَلتُرَاعَ هَهُنَا أَرْبَعَةُ أُمُورٍ: الأَوَّل أَنْ يَكُونَ الأَجِيرُ قَادِراً فَإِنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ كَانَ الطَّرِيقُ مَخُوفاً أَوْ طَالَتِ المَسَافَةُ مَعَ ضِيقِ الوَقْتِ لَمْ يصحَّ، وَلاَ بَأْسَ بِهِ فِي وَقْتِ الأنْدَاءِ وَالثُّلُوجِ فَإِنْ ذَلِكَ يَزُولُ، ثمَّ لُيُبَادِرِ الأجِيرُ مَعَ أَوَّلِ رُفْقَةٍ وَلاَ يُلْزَمُهُ المُبَادَرَةَ وَحْدَهُ الثَّاني أَنْ لاَ يُضِيفَ لحَجَّ إِلَى السَّنَةِ القَابِلَةِ (ح) إلاَّ إِذَا كانَتِ المَسَافَةُ بِحَيْثُ لاَ تُقْطَعُ فِي سَنَةٍ أَوْ كَانَتِ الإِجَارَة عَلَى الذِّمَّةِ.
قال الرافعي: لك أن تعلم لفظ: (الاستئجار) بالحاء والألف، لأن عندهما لا يجوز الاستئجار على الحَجِّ كما في سائر العبادات ولكن يُرْزَق عليه، ولو استاجر كان ثواب النفقة للآمر، وسقط عنه الخطاب بالحج، ويقع الحَجّ عن الحَاجِّ.
لنا: أنه عمل تَدْخُله النيابة فيجزئ فيه الاستئجار كتفريق الزَّكَاة، وعندنا يجوز الحَجُّ بالرزق 39 كما يجوز بالإجارة، وذلك بأن يقول: حج عني وأعطيك نفقتك، ذكره في "العدة"، وإذا استأجره بالنفقة لم يصح؛ لأنها مجهولة والأجرة لاَ بُدَّ أن تكون معلومةٌ.
واعلم أن الاستئجار في جميع الأعمال على ضربين.
استئجار عين الشَّخْصِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 308
وإلزام ذمته العمل.
فنظير الأول: من الحَجِّ أن يقول المعضوب: استأجرتك لِتَحُجَّ عَني، أو يقول الوارث: لِتَحُجَّ عَنْ مَيِّتِي.
ونظير الثاني: أن يقول: ألزمت ذِمَّتُكَ تَحْصِيلَ الحَجِّ.
والضربان يفترقان في أمور ستعرفها.
ثم للاستئجار شروط لا بد منها لِيَصِح، وإذا صَحَّ فله آثار وأحكامٌ وموضع ذكر ما يتعلق منها بمطلق الاستئجار "كتاب الإجارة" وفَصَّل هاهنا ما يتعلق بخصوص الحَجِّ فذكر أنه يراعي في الشّروط أربعة أمور، وهذا الفصل يشتمل على اثنين منها.
وشرحها أن كل واحد من ضربي الإجارة إما أن يعين زمان العَمَلِ فيه، أو لا يعين، وإن عين فأما أن يعين السَّنَة الأولى أو غيرها.
فأما في إجارة العين إن عينا السَّنة الأولى جاز بشرط أن يكون الخُروجُ والحجُ فيما بقي منها مقدوراً للأجير، فلو كان مريضاً لا يمكنه الخروج أو كان الطريق مخوفاً أو كانت المسافة بحيث لا تقطع في بقية السّنة لم يصح العقد؛ لأن المنفعة غير مقدور عليها، وإن عينا غير السنة الأولى بطل العَقْدُ كاستئجار الدَّارِ الشهر القابل.
نعم، لو كانت المسافة شَاسِعة لا يمكن قطعها في سَنَةٍ لم يضر التأخير، والمعتبر السَّنة الأولى من سِنِيِّ إمكان الحَجِّ من ذلك البلد.
وإن أطلقا ولم يعينا الزَّمان فهو محمول على السَّنَةِ الأُولَى فيعتبر فيها ما ذكرنا.
وأما في الإجارة الواردة على الذِّمَّةِ فيجوز تعين السَّنَةِ الأُولَى وغيرها، وهو بمثابة الدَّيْنِ في الذِّمَّة قد يكون حالاًّ وقد يكون مُؤَجَّلاً، وإن أطلقا فهو كما لو عينا السنة الأولى 40. إذا عرفت ذلك عرفت أن الأمرين المذكورين في الفَصْلِ لَيْسَا وَلاَ وَاحِدٍ منهما شَرْطاً في مُطْلَق الإِجَارَة.
أما الثاني: فلا مجال له في الضَّرْبِ الثَّانِي مِنْهَا، ولا هو بمضطرد في الأول كَمَا صَرَّحَ بِهِ في الكِتَاب.
الجزء: 3 - الصفحة: 309
وأما الأول: وهو قدرة الأجير فلأنه لو كانت الإجارة على الذِّمَّة لم يقدح كَونُه مريضاً بحال؛ لإمكان الاستنابة، ولا يقدح خَوْفُ الطَّريق ولا ضيق الوقت أيضاً إنْ عَيَّنَ غَيْرَ السَّنَةِ الأُولَى.
وأما قوله: (ثم ليبادر الأجير مع أول رفقة) فاعلم أن قضية كلام المُصَنف والإمام تجويز تقديم الإجارة على خروج النَّاس وأن له انتظار خروجهم، ولا يلزمه المبادرة وحده، والذي ذكره جمهور الأصحاب على طبقاتهم ينازع فيه ويقتضي اشتراط وقوع العُقْدِ في زمان خُروجِ النَّاسِ من ذلك البَلد، حتى قال: صاحب "التهذيب": لا يصح استئجار العين إلاَّ في وَقْتِ خروج القَافِلَةِ من ذلك البَلَدِ بحيث يشتغل عُقَيْبَ العَقْدِ بالخُروج أو بأسبابه من شراء الزاد ونحوه، فإن كان قبله لم تصح؛ لأن إجارةَ الزَّمَانِ المُسْتَقبَلِ لا تجوز، وبنوا على ذلك أنه لو كان الاستئجار بمكَّة لم يجز إلا في أشْهُرِ الحَجِّ ليمكنه الاشتغال بالعمل عُقَيْبَ العَقْدِ، وعلى ما أورده المصنف فلو جرى العقد في وقت تراكم الثُّلوج والأنداء فقد حكى الإمام فيه وجهين روى عن شيخه أنه يجوز؛ لأن توقع زَوَالِهَا مَضْبُوط، وعن غيره أنه لا يجوز لتعذر الاشتغال بالعمل في الحال بخلاف انتظار الرفقة فإن خروجها في الحال غير متعذر، والأول هو الذي أورده في الكتاب، وهذا كله في إجارة العين.
فأما الاجارة الواردة على الذِّمَّة فيجوز تقديمها على الخُروج لا محالة 41.
واعلم: أن الكلام في أن الأجير يبادر مع أول رفقة ولا يبادر وحده عند من لا يشترط وقوع العَقْدِ في زمان خُروج النَّاس بتعلق بأحكام العقد وآثاره لاَ بشَرَائِطِهِ، وكان من حق الترتيب أن يؤخره ولا يخلطه بالشَّرَائِطِ.
فرع: ليس للأجير في إجارة العين أن يُنِيب غيْرَه؛ لأن الفعل مُضَافٌ إِلَيْهِ، فإن قال: لتحج عَنِّي بنفسك فهو أوضح، وأما في الإجارة على الذِّمةِ ففي "التهذيب" وغيره أنه إن قال: ألزمت ذمتك لتحصل لي حَجَّةً جاز أن يُنيب غَيْرَه.
وإن قال: لتحج بِنَفْسِك لم يجز؛ لأن الأَعْرَاض تَخْتلف باخْتِلاف أَعْيَان الأُجَرَاءِ
الجزء: 3 - الصفحة: 310
وهذا قد حكاه الإمام عن الصَّيْدَلاَنِيِّ وَخَطَّاَهُ فِيهِ، وقال: ببُطْلاَنِ الإجَارَةِ في الصُّورة الثانية؛ لأن الدَّيْنِيَّة مع الرَّبْطِ بمعين يتناقضان فصار كما لو أسلم في ثمرة بستان بعينه، وهذا إشكال قَوِيّ.
قال الغزالي: الثَّالِثُ أَنْ تَكُونَ أَعْمَالُ الحَجِّ مَعْلُومَةً لِلأَجِيرِ، وَفِي اشْتِرَاطِ تَعْيِينِ المِيقَاتِ قَوْلاَنِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ إِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقِهِ مِيقَاتٌ وَاحِدٌ تَعَيَّنَ، وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُفْضِي إِلَى مِيقَاتَيْنِ وَجَبَ التَّعيِينُ.
قال الرافعي: أعمال الحج معروفة مضبوطة فإن علماها عند العَقْدِ فذاك، وإن جَهِلاَها أو أحدهما فلا بد من الإعلام.
وهل يشترط تعيين الميقات الذي يحرم منه الأجير؟ قال في "المختصر": نعم وعن "الإملاء" وغيره أنه لا يشترط، وللأصحاب فيه طريقان:
أظهرهما: أن المسألة على قولين، ويحكى ذلك عن ابْنِ سُرَيْج وأبي إسحاق.
أحدهما: يشترط لاختلاف المواقيت قرباً وبعداً، واخْتِلاَف الأغراض باختلافها.
والثاني: لا يشترط ويتعين ميقات تلك البلدة على العادة الغَارِمة، وبهذا أجاب المُحَامِلِيّ في "المقنع" وذكر ابن عَيْدَان أنه الصَّحِيح، وشبهوا هذا الخِلاَفَ بِالْخلاَفِ في التعرض لمكان التّسليم في المسلم والمَعَالِيقِ في إجارةِ الدَّابة.
والثاني: تنزيل النَّصَّيْنِ على حالين، ولمن قال به طريقان:
أظهرهما: حمل النَّصِّ الأول على ما إذا كان للبلد طريقان مختلفَا الميقات، أو كان يفضي طريقها إلى ميقاتين كالعقيق وذات عرق، وحمل الثاني على ما إذا كان لها طريق واحدٌ له ميقات واحد.
والثاني: ويحكى عن ابن خَيْرَان أمن حمل الأول على ما إذا استأجر حيّاً والثاني على إذا ما كان الاستئجار لميت، والفرق أن الحي له غرض واختيار، والميت لا اختيار له، والمقصود تبرئة ذمته، وهي تحصل بالإحرام من أي ميقات كان، فإن شرطنا تعيين الميقات فَسَدَت الإجارة بإهْمَاله، لكن يقع الحَجُّ عن المستأجر؛ لوجود الإذن، ويلزمه أَجْرَةُ المِثْلِ، وإذا كانت الاجَارة لِلْحَجِّ والعمرة فلا بد من بيان أنه يفرد، أو يقرن، أو يتمتع؛ لاختلاف الأغراض بها.
قال الغزالي: الرَّابعُ أَنْ لاَ يَعْقِدَ بِصِيغَةِ الجَعَالَةِ، فَلَوْ قَالَ: مَن حَجَّ عَنِّي فَلَهُ مَائَةٌ فَحَجَّ عَنْهُ إِنْسَانٌ نَقَلَ المُزَنِيُّ صِحَّتَهُ، وَطَرَدَهُ الأَصْحَابُ فِي كُلِّ إِجَارَةٍ بِلَفْظِ الجَعَالَةِ، وَالأَقْيَسُ فَسَادُ المُسَمَّى وَالرُّجُوعُ إِلى أُجْرَةِ المِثْلِ لِصِحَّةِ الإِذْنِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 311
قال الرافعي: حكى الأئمة أن المزني -رحمه الله- نقل في المَنْثُور عن نَصِّه أنه لو قال المعضوب: من حَجَّ عني فله مائة درهم فَحَجَّ عنه إنسان استحق المَائِة، واختلاف الأصحاب فيه على وجهين:
أحدهما: وبه قال أبو إسحاق: أن هذا النَّص مقرر وتجوز الجُعَالة على كُلِّ عَمَلٍ يصح إيراد الإِجَارَةِ عَلَيْهِ؛ لأن الجعالَة جَائِزَةٌ مع كون العَمَلِ مَجْهُولاً فأولى أن تجوز مع العِلْمِ به.
والثاني -وبه قال المزني-: أن النَّص مخالفٌ مُؤَوَّل ولا تجوز الجعالة على ما تجوز الإجارة عليه؛ لأن العمل غير معين فيها، فإنما يعدل إليها عند تَعَذُّرِ الإجارة للضَّرُورة، وعلى هذا فلو حَجَّ عنه إنْسَان فالمُسَمَّى سَاقِطٌ لِفِسَادِ العَقْدِ ولكن الحج يقع عن المَعْضُوب، وللعامل أُجْرَةُ المِثْلِ لوجود الإِذْنِ وإن فسد العقد، وكذا الحكم فيما لو قال: من خَاطَ ثَوْبِي فله كَذَا فخاطه إنسان وفيه وجه أنه يفسد الإذن؛ لأنه ليس موجهاً نحو معين.
كما لو قال: وَكَّلْتُ من أراد بِبَيْع دَارِي لا يصح التَّوكيل، فإذا تقرر ذلك فلفظ الكتاب هاهنا يرجح الوجه الصَّائر إلى عدم صِحَّة الجعالة فإنه سماه الأقيس، وجعل عدم العقد بصيغة الجَعَالة من الأمور المَرْعِية، لكنه قد أعاد هذه المَسْألة في باب الجعالة، وإيراده هناك يقتضي ترجيح وجه الصِّحة وكلام الأكثرين إليه أميل.
وقوله: (ألاَّ يعقد بصيغة الجعالة) إن كان المراد منه أن لا يعقد الإجَارة بصيغة الجَعَالة فهذا يوهمِ رجوع المنع إلى الصيغة، وكون الجعالة إِجارةً وليس كذلك بل هما عقدان مُخْتَلِفا الأرْكَانِ وإن كان المراد أنه لا يَعْقِدُ عَلَى الحَجِّ الجعالة ذِهَاباً إلى الوجه الثَّاني فَعَدُّه من شروط الإجارة بَعِيدٌ عن الاصْطِلاحَ؛ لأن الامتناع عن العقد الذي لا يجوز إيراده على الشَّيْءِ لا يعد شرطاً في ما يجوز إيراده عليه، وإلا فليكن الامتناع عن البيع وسائر ما لا يقبله الحَجْ شرطاً في الإجارة.
قال الغزالي: أمَّا أحكامُهُ فَتَظْهِرُ بِأحْوَالِ الأَجِيرِ وَهِيَ سَبْعَةٌ الأُولَى إِذَا لَمْ يَحُجَّ فِي السَّنَةِ الأوُلَى أَنْافَسَخَتِ الإِجَارَةُ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ عَلَى الذِّمَّةِ فَلِلْمُستَأْجِرِ الخِيَارُ كَإِفْلاَسِ المُشْتَرِي وَقِيلَ: تَنْفَسِخُ فِي قَوْلٍ كَاَنْقِطَاعِ المُسْلِمِ فِيهِ، فَإِنْ حَكَمْنَا بِالخِيَارِ فَكَانَ المُسْتَأجِرُ مَيِّتاً فَلَيْسَ لِلْوَارِثِ فَسْخُ الإِجَارَة فَإنَّهُ يَجِبُ صَرْفُهُ إِلَى أَجِيرٍ آخَرَ فَأَجيرُ المَيِّت أَوْلَى.
قال الرافعي: أحكام مطلق الإجارة تذكر في بابها والتي يختص بالاستئجار على الحَجِّ مثبتة على اختلاف حال الأَجِير في عدم الوَفَاء بالملتزم، وهي فيما ذكر سَبْع أحوالٍ.
ووجه حصرها أن عدم الوفاء إما أن يكون بعدم اشتغاله به في السَّنة الأولى، وهو الحالة الأولى، أو بغير هذا الطريق، وهو إما بالشروع فيه على خلاف قضية
الجزء: 3 - الصفحة: 312
الإجارة أو بعدم الاستمرار عليها بعد الشروع على وفاقها، والأول إما بالمخالفة في المِيقَات وهو الحالة الثانية، أو في الأفعال وهو الثالثة.
والثاني: وهو إما أن يكون بتقصير منه أولاً، والأول إما بالإفساد وهو الرّابعة، أو بتغيير النية وهو الخامسة.
والثَّالث: إما بالموت وهو السادسة، أو بالإحصار وهو السابعة.
وفقه الحالة الأولى أنه إذا لم يخرج إلى الحَجِّ في السنة الأولى إِمَّا بِعُذْرٍ أو بغير عذر فينظر إن كانت الإجارة على العَيْنِ انْفَسَخَتْ، وإن كانت في الذِّمة فينظر إن لم يعينَا سَنَةَ فقد قدَّمْنَا أن الحكم كما لو عَيَّنَا السَّنَةَ الأولى، وذكر في "التهذيب" أنه يجوز التأخير عن السَّنَةِ الأولى والحالة هذه لكن يثبت به الخيار للمستأجر.
وإن عينا سنة إما الأولى أو غيرها فأخر عنها هل تنفسخ الإجارة؟ حكى الإمام -رحمه الله- فيه طريقين.
أظهرهما: أنه على قولين كالقولين فيما لو حل السَّلَم والمُسْلَم فِيهِ منقطع.
أحدهما: ينفسخ لفوات مقصود العقد.
وأصحهما: لا ينفسخ كما لو أَخَّرَ أداء الدَّيْنِ عن محله لا ينقطع.
والثاني: القطع بالقَوْلِ الثَّاني.
وإذا قلنا بعدم الانفساخ فينظر إن صدر الاستئجار من المعضوب لنفسِهِ فله الخِيَار لتعوق المقصود -كما لو أفلس المشتري بالثمن- فإن شاء أجاز ليحج في السَّنة الأخرى، وإن شاء فسخ واسترد الأجرة وارتفق بها إلى أن يستأجر غيره؛ وإن كان الاستئجار لميت في ماله وقد ذكر أصحابنا العراقيون أنه لا خيار لمن استأجر في فسخ العقد؛ لأن الأجرة متعينة لتحصيل الحَجِّ فلا انتفاع باستردادها، وتوقف الإمام فيما ذكروه؛ لأن الورثة يستفيدون باسترداد الأجرة صَرْفَهَا إلى من هو أحرى بتحصيل المقصود، وأيضاً فلأنهم إذا استردوها تمكنوا من إِبْدَالِهَا بِغَيْرِهَا، وأورد صاحب "التهذيب" وغيره أن على الولي مراعاة النظر للميت، فإن كانت المصلحة في فسخ العقد لخوف إفلاس الأجير أو هَرَبهِ فلم يفعل ضمن، وهذا هو الأظهر، ويجوز أن يحمل المنسوب إلى العراقيين على أحد أمرين رأيتهما للأئمة.
الأول: صور بعضهم المَنْع فيما إذا كان الميت قد أوصى بأن يحج عنه إنسان بمائة مَثَلاً ووجهه بأن الوصية مستحقة الصَّرف إلى المعين.
الثاني: حكى الحَنَّاطِيُّ: أن أبا إسحاق ذكر في الشَّرْحِ أن المستأجر للميت أن يرفع الأمر إلى القاضي ليفسخ العقد إن كانت المَصْلَحَةُ تقِّضيه وإن لم يستقل به فإذا نزل
الجزء: 3 - الصفحة: 313
مَا ذَكَرُوه على التأويل الأول ارتفع الخلاف، وإن نزل على الثَّاني هَانَ أمرُه.
ولو استأجر إنسان للميت من مال نفسه تطوعاً عليه فهذا كاستئجار المعْضُوب لنفسه فله الخيار، ولو قدَّم الأَجِيرُ الحَجَّ على السنة المعينة جاز وقد زَادَ خَيْراً.
ولنعد إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب.
قوله: (إن لم يحج في السنة الأولى) أي بأن لم يشرع في أعماله وإلا فيدخل فيه ما إذا مات في أثناء الحج، وما إذا أحصر، وما إذا فاته بعد الشُّرُوع فيه، وهذه الصّورة بأحكامها مذكورة من بعد.
وقوله: (إلا إذا كانت على الذِّمَّة فللمستأجر الخِيار) غير مجرى على إطْلاقةِ؛ لأنه لو عَيَّنَ غير السنة الأولى لم يؤثر تأخيره على السَّنَةِ الأولى.
وقوله: (فللمستأجر الخيار كإفلاس المشتري) جواب على الطريقة الجَازِمةَ بعَدَمِ الانفساخ؛ لقوله بعده: (وقيل: ينفسخ في قول).
وأما قوله: (فإن حكمنا بالخيار وكان المستأجر ميتاً فليس للوارث فسخ الإجارة) فاعلم أنا حكينا فيما إذا كان الاستئجار لميت الوجه المنقول عن العِرَاقيين، والذي يقابله، ووراءه صورة أخرى وهي أن يستأجر المَعْضُوبُ لِنَفْسِهِ ثم يموت وُيؤخِّرُ الأجير الحَجَّ عن السنة الأولى هل يثبت الخيار للوارث؟ ولفظ الكتاب مشعر بهذه الصُّورة بعيد عن الأولى تصويراً وتوجيهاً فإنها فيما إذا كان الاستئجار لميت لا فيما إذا كان المستأجر ميتاً والأولى هي التي تكلم الأئمة فِيهَا وأما الثانية فلم نَلْقَها مَسْطُورة، فإن حمل كلام الكتاب على الأولى وجعل ما ذكره جواباً على ما نقل عن العراقيين فهو بعيد، من جهة اللَّفْظِ، ثم ليكن مُعَلَّمَا بالواو الموجه المقابل له وقد ذكرنا أنه الأظهر، وإن حمل على الثَّانية فالحكم بأن الوارث لا خيار له بعيد من جِهَةِ المَعْنَى والقياس ثبوت الخيار للوارث كما في خِيَارِ العَيْبِ ونحوه.
قال الغزالي: الثانية إِذَا خَالَفَ فِي المِيقَاتِ فأحْرَمَ بِعُمْرَةٍ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ أَحْرَمَ بحَجِّ المُسْتأجِرِ في مَكَّة، فَفِي قَوْلِ لاَ تُحْسَبُ المَسَافَةُ لَهُ لأَنَّهُ صَرَفَهُ إِلَيَ نَفْسِهِ فَيَحُطُّ مِنْ أُجْرَتِهِ بِمِقْدَارِ التَّفَاوُتِ بَيْنَ حَجِّه مِنْ بَلَدِهِ وَبَيْنَ حَجِّه مِنْ مَكَّةَ فَيَكْثُرَ المَحْطُوطُ، وَعَلَى قَوْلٍ: تُحْسَبُ المَسَافَةُ فَلاَ يُحَطُّ إلاَّ مِقْدَارُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ حَجِّ مِنَ المِيقَاتِ وَحَجّ مِنْ مَكَّةَ فَيَقِلُّ المَحْطُوطُ، وَإِنْ لَمْ يَعْتَمِر عَنْ نَفْسِهِ وَأَحْرَم مِنْ مَكَّةَ فَعَلَيْهِ دَمُ الإِسَاءَة، وَهَلْ يَنْجَبِرُ بِهِ حَتَّى لاَ يُحَطَّ شَيْءٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ ينْجَبِرُ فَفِي احْتِسَابِ المَسَافةِ فِي بَيَانِ القَدْر المَحْطُوطِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِأَنْ يُحْتَسَبَ لِأنَّهُ لَمْ يُصْرَفْ إِلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ عَيَّنَ لَهُ
الجزء: 3 - الصفحة: 314
الكُوفَةَ فَهَلْ يَلزَمُهُ الدَّمُ فِي مُجَاوَزتِهَا إلْحَاقاً لَهَا بالمِيقَاتِ الشَّرْعِيِّ؟ فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَلَو ارْتَكَبَ مَحْظُوراً لَزِمَهُ الدَّمُ وَلاَ حَطَّ لِأَنَّهُ أتَى بتَمَامِ العَمَلِ.
قال الرافعي: في الفصل صورتان:
إحداهما: الأجير للحج إذا انتهى إلى الميقات المعين من المواقيت إما بتعينهما إن اعتبرناه أو بتعيين الشَّرْع فلم يحرم بالحَجِّ عن المُسْتَأجر ولكن أحرم بِعُمْرَة عن نفسه ثم لَمَّا فرغ منها أحرم بالحَجِّ عن المستأجر لم يخل إما أن يحرم به من غَيْرِ أن يعود إلى الميقات أو يعود إلى الميقات فيحرم منه.
الحالة الأولى: أن لا يعود إليه؛ كما إذا أحرم من جوفَ مَكَّةَ فَيَصِحُّ الحَجُّ عن المُسْتَأْجِرِ بحكم الإِذْنِ ويحط شيء من الأجرة المُسَمَّاة؛ لأنه لم يحج من الميقات وكان هو الواجب عليه، وفي قدر المحطوط اختلاف يتعلق بأصْلٍ وهو أنه إذا سار الأجير من بلدة الأجيرة وحَجَّ فالأجرة تقع في مقابلة أعمال الحَجِّ وحدَها أو تتوزع على السَّيْر والأعمال؟ وسيأتي شرحه من بعد فإن أوقَعْنَاها في مقابلة أَعْمَالِ الحَجِّ وحدها وُزِّعَتْ الأجرة المُسَمَّاة على حُجَّةٍ من المِيقَاتِ وحُجَّةٍ من جَوْفَ مَكَّة؛ لأن المقابل بالأجرة المُسَمَّاة على هذا هو الحَجُّ من الميقات فإذا كانت أجْرَة حَجَّة منشأة من الميقات خَمْسة، وأجْرَة حَجَّة منشأَة من جوف مكَّة ديناران فالتفاوت بثلاثة أخماس فيحط من الأجرة المُسَمَّاة ثلاثة أخماسها، وإن وَزَّعنَا الأجرةَ على السَّيْرِ والأَعْمَالِ جميعاً وهو الأظهر فقولان: أحدهما: أن المسافة لا تحتسب له هاهنا؛ لأنه صرفه إلى غرض نفسه حيث أحرم بالعمرة من الميقات، ومن عمل لنفسه لم يستحق أجرة على غيره؛ فعلى هذا توزع الأجرة المسماة على حجة تنشأ من بَلْدَةِ الإجَارَةِ ويقع الإحرام بِهَا مِنَ المِيقَات، وعلى حَجَّةٍ تنشأ من جَوْفِ مَكَّة فيحط بنسبة التفاوت من الأجرة المُسَمَّاة فإذا كانت أجرة الحَجَّة المنشأة من بلدة الإجارة مائة وأجرة الحجة المنشأة من مكَّة عشرة حُط من الأجرة المَسَمَّاة تِسْعَةُ أَعْشَارِهَا.
وأصحهما: أنه يحتسب قطع المسافة إلى الميقات لجواز أن يكون قَصْدُه منه تحصيل الحَجِّ إلا أنه أراد رِبْحَ عُمْرَةٍ في أثناء سَفَرِهِ، فعلى هذا توزع الأجرة المسماة على حجة منشأة من بلدة الإجارة إحرامها من الميقات، وعلى حجة منشأة منها إحرامها من مكَّة، فإذا كانت أجرة الأولى مائة وأجرة الثانية تِسْعِين حَطَطْنَا من المسمى عشرة، وإذا وقفت على ما ذكرنا تَحَصَّلْتَ على ثَلاثَةِ أقوالٍ، والثاني والثَّالث هما اللَّذَان أوردهما الأكثرون منهم صاحب "التهذيب" و"التتمة" وحكاهما ابْنُ الصَّبَّاغِ وجهين مفرعين على توزيع الأجرة على السَّيْرِ والعَمَلِ.
وإما القولان المَذْكُوران في الكتاب فالأول منهما هو الثَّاني في الترتيب الذي ذكرناه.
الجزء: 3 - الصفحة: 315
والثاني: منهما يمكن تنزيله على الثَّالث ليوافق إيراد الأكثرين، وعلى هذا فقوله: (وعلى قول: تحتسب المسافة) أي في الصّورة التي نحن فيها، وقوله: (فلا يحط إلا مقدار التفاوت بين حج من الميقات وحَجّ من مكَّة) أي إحرامه من الميقات أو مكَّة وإنشاؤهما من بَلْدَةِ الإِجَارَة، ذلك إنما أراد القول الذي ذكرناه أولاً وهو واضح من كلامه في "الوسيط"، وكذلك أورده الإمام -رحمه الله- في "النهاية" وعلى هذا فظاهر المذهب غَيْرُ القولين المذكورين في الكتاب.
وقوله: (وعلى قول تحتسب المسافة) أي في الجملة لا في هذه الصّورة، واعرف بعد هَذَا شيئين:
أحدهما: أن الحكم بوقوع الحَجِّ الذي أحرم به من مكَّة عن المستأجر ليس صَافِياً عن الإشكال؛ لأن المأمور به حجة يحرم بها من المِيقَات، وهذا الخصوص متعلق الغرض فلا يتناول الإذن غيره، ولهذا لو أمره بالبيع على وجه خاص مقصود لا يملك البيع على غير ذلك الوجه.
الثاني: أن الأجير في المسألة التي نحن فيها يلزمه دم لإحرامه بالحَجِّ بعد مجاوزة الميقات، وسنذكر خلافاً في غير صورة الاعتمار أن إساءة المجاوزة هل تنجبر بإخراج الدَّم حتى لا يحط شيئاً من الأُجْرَة أم لا؟ وذلك الخلاف عائد هَاهنا، نَصَّ عليه ابْنُ عَبْدَانَ وغيره، فإذًا الخلاف في قدر المحطوط مفرع على القول بأصل الحَطِّ، ويجوز أن نفرق بين الصورتين ونقطع بعدم الانجبار هَاهُنَا؛ لأنه ارتفق بالمجاوزة حيث أحرم بالعُمْرَة لنفسه.
الحالة الثانية: ولم يذكرها في الكِتَاب أن يعود إلى الميقات بعد الفراغ من العُمْرَة ويحرم بالحج منه فَهَلْ يحط شَيْءٌ من الأجرة؟ يبنى على الخلاف في الحالة الأولى.
إن قلنا: الأجرة مُوَزَّعَةٌ على السَّيْرِ والعَمَل ولم يحسب السير هاهنا لانصرافه على العمرة فتوزع الأجْرَةُ المسماة على حَجَّةٍ منشأة من بلدة الإجارة إحرامها من الميقات، وعلى حجة من منشأة الميقات، من غير قطع مسافة، فإذا كانت أجرة الأولى عشرين مثلاً، وأجرة الثانية خَمْسَة حططنا من المسمى ثلاثة أرْبَاعه.
وإن قلنا: الأجرة في مقابلة العمل وحده أو وَزَّعْنَا عليه وعلى السَّير واحتسبنا قطع المسافة هاهنا فلا حَطَّ وتجب الأجرة بتمامها، وهذا هو الأَظْهَرُ ولم يذكر كثيرون غيره.
الصُّورة الثانية: إذا شرطا في الإجارة ميقاتاً من المواقيت الشَّرعية أو قلنا: إنه يتعين ميقات بلده فجاوزه غير معتمر ثم أحرم بالحج عن المُسْتأجر نظر إن عاد إليه وأحرم منه فَلاَ دَمَ عَلَيْهِ، ولا يُحَطّ من الأجرة شَيْءٌ، وإن أحرم من جوف مكة أو بين
الجزء: 3 - الصفحة: 316
الميقات ومكَّة ولم يعد لزمه دم الإسَاءة بالمجاوزة، وهل ينجبر به الخلل حتى لا يُحَط شيء من الأُجْرَة؟ نص في "المختصر" على أنه لا ينجبر بل يرد من الأجرة بقدر ما ترك، ونقل عن القديم أنه يلزمه دم وحجته تَامَّة ولم يتعرض للأجرة، واختلفوا على طريقين.
أظهرهما: أن المسألة على قولين:
أحدهما: أن الدَّم يجبر الإساءة الحَاصِلَةَ ويصير كأن لا مخالفة ويستحق تمامَ الأُجْرَةِ.
وأظهرهما: أنه يحط؛ لأنه استأجره لِعَمَل وقد نقص منه فصار كما لو استأجره لبناء أذرع فَنَقَصَ منها، والدم إنما وَجَبَ لِحَقِّ الله تَعَالى فلا ينجبر بها حق الآدمي، كما لو حنى المُحْرِمُ على صَيْدٍ مَمْلُوكٍ يلزمه الضَّمان مع الجزاء.
والثاني: وبه قال أبو إسحاق القطع بالقول الثَّاني إلا أنه سكت عن حكم الأُجْرةَ في القَدِيم.
فإن قلنا: بحصول الانجبار فهل ننظر إلى قيمة الدَّمِ ونقابلها بقدر تفاوت الأجرة؟ حكى الإمام فيه وجهين:
أحداهما: وبه قال ابْنُ سُرَيج نعم حتى لا ينجبر ما زَادَ على قِيمَةِ الدَّمِ.
وأظهرهما: لا؛ لأن المعوّل في هذا القَوْل على انجبار الخَلَل، والشَّرع قد حكم به من غير نظر إلى القِيمَة وإن قلنا بعدم الانجبار وحَطَطْنَا شَيْئاً ففي القدر المَحْطُوطِ وَجْهَانِ مَبْنيَّانِ على الأصْلِ الذي سبقت الإشارة إليه وهو أن الأجْرَة في مقابلة ماذا؟
إِنْ أوقعناها في مقابلة الأعمال وحدها وَزَّعْنا المسمى على حَجَّةٍ من الميقات وحَجَّةٍ من حيث أحرم.
وإن وَزَّعناها على السير والعمل جميعاً -وهو الأظهر- وزعنا المُسَمَّى على حَجَّة مِنْ بلدةِ الإجازة يكون إحرامها من الميقات، وعلى حجة منها يكون إحرامها من حيث أحرم، وعلى هذا يقل المحطوط بخلاف ما لو وَزَّعْنَا على السير والعَمَلِ جَمِيعاَ ثم لم نحتسب بقطع المَسَافة في الصُّورة الأولى فَإنه يُكْثرُ المحطوط، وإذا نسبت هذه الصّورة إلى الأولى ترتب الخلاف في إِدْخَال المَسَافَةِ في الاعْتبار على الخلاف في الأولى، كما ذكره في الكتاب، وهذه أولى بالاعتبار؛ لأنه لم يصرف إلى نفسه، ثم حكى الشيخ أبو محمد -رحمه الله- وجهين في أن النَّظر إلى الفَرَاسِخِ وحدها أم يعتبر مع ذلك السهولة والحزونة؟ والأصح الثاني.
واعلم أن الجمهور أوردوا في مسألة الانجبار على طريقة إثبات الخلاف قولين،
الجزء: 3 - الصفحة: 317
وصاحب الكتاب أطلق وجهين لكن الأمر فيه هَيِّن فإنهما لَيْسَا بمنصوصين، ويجوز أن يعلم قوله: (وجهان) بالواو بطريقةُ نفِي الخِلاَف.
ولو عدل الأجير عن طريق الميقات المتعين إلى طريق آخر ميقاته مثل ذلك الميقات أو أبعد فالمذهب أنه لا شيء عَلَيْهِ، هذا كله في الميقات الشرعي.
أما إذا عينا موضعاً آخر نظر إن كان أقرب إلى مكة من الميقات الشرعي فهذا الشَّرْطُ فاسد مُفْسِدٌ للإجارة إذ ليس لِمَنْ يريد النسك أن يمر على الميقات غير محرم.
وأن كان أبعد كما لو عينا الكوفة فهل يجب على الأجير الدّم في مجاوزتها غير محرم؟ فيه وجهان قد حكاهما المَسْعُودِي وغيره -رحمهم الله-.
أحدهما: لا يجب؛ لأن الدم منوط بالميقات المحترم شرعاً فلا يلحق به غيره، ولأن الدَّم يجب حقّاً لله تعالى، والميقات المشروط إنما يتعين حقاً للمستأجر، والذم لا يجبر حق الآدمي.
وأظهرهما: وهو نصه في "المختصر": أنه يلزمه؛ لأن تعينه وإن كان لحق الآدمي فالشَّارع هو الذي حَكَمَ بِهِ وتَعَلَّق بِهِ حَقَّه.
فإن قلنا: بالأول حط قسط من الأجْرَة لاَ مَحَالَة.
وإن قلنا: بالثاني ففي حصول الانجبار الوجهان، وكذلك لو لزمه الدّم بسبب ترك مَأمُور كَالرَّمْي والمبيت، وإن لزمه بسبب ارتكاب محظور كاللبس والقَلْمِ لم يحط شيء من الأُجْرَة؛ لأنه لم ينقص من العَمَلِ.
ولو شرط على الأجير أن يحرم في أول شوال فأخَّرَه لَزِمَهُ الدّم، وفي الانجبار الخلاف المذكور، وكذا لو شرط أن يحج ماشياً فحج راكباً؛ لأنه ترك شيئاً مقصوداً، حكى الفرعان عن القاضي الحسين، ويشبه أن يكونَا مفرعين على أن الميقات الشرطي كالميقات الشَّرْعِي وإلا فلا يلزم الدّم كما في مسألة تعيين الكُوفة -والله أعلم-.
قال الغزالي: الثَّالثَةُ إِذَا أمِرَ بِالقِرَانِ فَأَفْرَدَ فَقَدْ زَادَ خَيْراً، وَإِن قرَنَ فَدَمُ القِرَانِ عَلَى المُسْتَأجِرِ عَلَى أَصَحِّ الوَجْهَين وَلَو أُمِرَ بالإِفْرَادِ فَقَرَنَ فَالدَّمُ عَلَى الأَجِيرِ، وَبَرِئَتْ ذِمَّةُ المُسْتَأجِرِ عَنِ الحَجّ بِالعُمْرَةِ، لِأَنَّ القِرَانَ كالإِفْرَادِ شَرْعاً وَفي حَطِّ شَيْءٍ مِنَ الأُجْرَةِ مَعَ جَبْرِهِ بالدَّمِ الخِلاَفُ السَّابقُ، وَإِنْ أُمِرَ بِالْقِرَانِ فَتَمَتَّعَ كانَ كَالقِرَانِ عَلَى وَجْهٍ، وَفِي وَجْهٍ جُعِلَ مُخَالِفاً لَه وَعَلَيهِ الدَّمُ، وَيَعُودُ الخِلاَفُ في حَطِّ شَيْءٍ مِنَ الأُجْرَةِ.
قال الرافعي: قد أمر الاستئجار إذا كان لِكِلاَ النسكين فلا بُدَّ من التعرض لجهة أدائهما، ويترتب عليه مسائل ذكر بَعْضَهَا في الكِتَاب وأعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ، ونحن نذكرها
الجزء: 3 - الصفحة: 318
على الاختصار، وإن تغير ترتيب ما في الكتاب منها فليحتمل فإن الشَّرح، قد يدعو إليه.
المسألة الأولى: إذا أمره بالقران لم يخل إما أن يمتثل أو يعدل إلى جهة أخرى، فأن امتثل وجب دم القران، وعلى من يجب فيه وجهان، وقال في "التهذيب" قولان:
أصحهما: على المستأجر؛ لأنه مقتضى الإحرام الذي أمر به وكأنه القارنُ بنفسه.
والثاني: على الأجير؛ لأنه قد التزم القران والدم من تتمته فكلف به، فعلى الأول لو شرطا أن يكون على الأجير فَسَدت الإجَارة؛ لأنه جمع بين الإجارة وبيع المجهول كأنه يشتري الشَّاة منه وهي غَيْرُ معينة ولا مَوْصُوفَة، والجمع بين الإِجَارة وبيع المجهول فاسد، ولو كان المستأجر معسراً فالصَّوْم يكون على الأَجِير؛ لأن بعَضَ الصَّوْم ينبغي أن يكون في الحَجِّ، والذي في الحَجِّ منهما هو الأَجِير، هكذا ذكره في "التهذيب".
وقال في "التتمة": هو كما لو عجز عن الهَدْي والصَّوْمِ معًا، وعلى الوجهين يستحق الأجرة بتمامها.
وإن عدل إلى جهة أخرى نظر إن عدل إلى الإفراد فحج ثم اعتمر فقد نقل عن نَصّه في "الكبير" أنه يلزمه أن يرد من الأجرة ما يخص العمرة، وهذا محمول على ما إذا كانت الإِجَارةُ عَلى العين، فإنه لا يجوز تأخير العمل فيها عن الوقت المعين، وإن كانت في الذِّمة نظر إن عاد إلى الميقات لِلْعُمْرَةَ فلا شيء عليه، وقد زادَ خيراً، ولا شيء على المستأجر أَيضاً؛ لأنه لم يقرن، وإن لم يعد فَعَلى الأَجِيرِ دَمٌ لمجاوزته الميقات لِلْعُمْرَةِ، وهل يَحُطّ شيئاً من الأجرة أم تنجبر الإساءَةُ بِالدَّم؟ فيه الخلاف السَّابق، وإن عدل إلى التمتع فقد أشار أَبُو سَعِيدٍ المتولى إلى أنه إِنْ كانت الإجارةُ إجارةَ عَيْنِ لم يقع الحج عن المُسْتَأجر لوقوعه في غير الوَقْتِ المعين، وهذا هو قياس ما تقدَّم، وإن كانت الإِجَارة على الذِّمة فينظر إن عاد إلى الميقات للحَجِّ فلا دم عَلَيْهِ ولا على المسْتَأجر، وإن لم يعد ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجعل مخالفاً لتقارب الجهتين، فإن في القرآن نُقْصَاناً في الأَفْعَال وإحراماً من الميقات، وفي التمتع كمَالاً في الأفعال، ونقصاناً في الإِحْرَام لوقوعه بعد مجاوزة الميقات، فعلى هذا الحكم كما لو امتثل، وفي كون الدَم على الأجير أو المستأجر الوجهان:
وأظهرهما: أنه يجعل مخالفاً؛ لأنه مأمور بالإحْرَام بالنُّسُكَيْنِ مِنَ المِيقَاتِ، وقد تَرَكَ الإحْرَام بالحَجِّ مِنْهُ، فعلى هذا يَجِب عَلَى الأَجير الدّم لإساءته، وفي حَطِّ شَيْءٍ، من الأجْرَة الخِلافُ السَّابِق، وذكر أصحاب الشيخ أَبِي حَامِدٍ أنه يجب على الأَجِير دَمٌ
الجزء: 3 - الصفحة: 319
لِتَرْكِهِ الإِحرَامَ من الميقَاتِ، وعلى المستأجر دَمٌ آخر؛ لأن القرآن الذي أمر به يتضمنه، واستبعده ابْنُ الصَّبَّاح وغيره.
المسألة الثانية: إذا أمره بالتمتع فامتثل فالحكم كما لو أمره بالقران فامتثل، وإن أفرد نظر أن قدم العُمْرَة وعاد للحج إلى الميقات فقد زاد خيراً، وإن أخرَّ العُمْرة فإن كانت الاجارة إجارة عَيْنٍ انفسخت فيها لفوات الوقت المُعَيَّنِ للعمرة فيود حصتَهَا مِنَ المسمى، وإن كانت الإجارةُ عَلَى الذِّمَّةِ وعاد للعمرة إلى الميقات لم يلزمه شَيْءٌ، وإن لم يعد فعليه دَمٌ لترك الإحرام بالعمرة من الميقات، وفي حَطِّ شَيْءٍ من الأجرة الخلاف السَّابق، وإن قرن فالمنقول عن النصِّ أنه قد زاد خيراً لأنه أحرم بالنُّسُكَينِ من الميقات وكان مأموراً بأن يحرم بالعُمْرَةِ مِنْهُ وَبَالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ، ثم إن عَدَّد الأفعال فَلاَ شَيْء عَلَيْهِ، وإلا فَقَدْ نَقَلُوا وَجْهَيْنِ في أنه هَلْ يَحُطُّ شيئاً من الأُجْرَة للاختصار في الأفعال، وفي أن الدم على المستأجر لأمره بما يتضمن الدّم أم على الأَجير لنُقْصَانِ الأفعال؟ وكل ذلك مُخَرَّجٌ على الخلاف المُقَدَّمِ في عكسه وهو ما إذا تَمتَّع الَمأَمور بالقَرَانِ.
المسألة الثالثة: لو أمره بالإِفْرَاد وامتثل فذاك وإن قَرَن نظر إن كانت الإجارةُ عَلَى العَيْنِ فالعمرة واقعة لاَ فِي وَقْتِهَا فهو كما لو استأجره للحج وحده فَقَرن، وإن كانت في الذِّمة وقعَا عن المستأجر؛ لأن القران كالإفراد شرعاً في أخراج النَّفْسِ عَنِ العَهْدَ، ويجب على الأَجِير الدم، وهل يحط شيئاً من الأُجرة أم ينجبر الخَلَلُ بالدَّمِ؟ فيه الخلاف السَّابق.
وإن تمتع فإن كانت الإجارة على العَيْنِ وقد أمره بتأخير العُمْرةَ فقد وقعت في غَيْر وَقْتِهَا فيرد ما يخصها من الأجرة، وإن أمره بتقديمها أو كانت الإجارةُ على الذِّمة وقعَا عن المُسْتَأْجِرِ، وعلى الأَجِير دَمٌ إن لم يعد للحج إلى الميقات، وفي حَطِّ شَيْءٍ من الأجرة الخِلاَف السَّابق.
وقوله في الكتاب (وفي حظ شيء من الأجرة مع جبره بالدم) ظاهره يقتضي كَوْنَ الجبر مجزوماً به، وليس كذلك بل التردد في الحَطِّ تردد في أن خلل المُخَالَفَةِ هل ينجبر بالدَّمِ أم لا على ما تَقَرَّرَ وَتَكَرَّرَ.
واعلم: أن المسائل مشتركة في أن العُدُولَ عن الجِهَةِ المأمور بها إلى غيرها غَيْر قَادِحٍ في وُقُوع النُّسُكَيْنِ عن المستأجر، وفيه إشكال؛ لأن ما يراعى الإذن في أصْلِهِ يُراعَى فِي تَفَاصِيلِهِ المقصود، فإذا خالف كان المَأْتِيُّ بِهِ غَيْرَ المأذونِ فِيهِ.
وأجاب الإمام -رحمه الله- عنه بأن مُخَالَفَةَ المُسْتَأْجِرِ مشبهة بمخالفة الشَّرْع في ترك المأمورات وارتكاب المَحْظُورَاتِ التي لا تفسد وهي لا تمنع الاعتداد بأصْلِ النُّسُكَيْنِ، وهذا لأن المستأجر لا يحصل الحَجَّ لنفسه، وإنما يحصله ليقع للهِ تَعَالى، فجعلت مخالفته كمخالفة الشَّرع.
الجزء: 3 - الصفحة: 320
ولك أن تقول: لم تشبه مخالفة المستأجر بمخالفة الشّرع، ولا نسلم أن المستأجر لا يحصله لنفسه، بل يحصله ليخرج النفس عن عهدة الواجب، وللفعل المخرج كيفيات مخصوصة بعضها أفضل من بعض، فاليراع غرضه فيه، ثم الفارق أن مخالفةَ الشَّرْع فيما لا يفسد يستحيل أن يؤثر في الإفساد، وإذا صَحَّ فمحال أن يصح لغيره، وقد أتَى به لنفسه.
وأما النسك الذي خالف فيه المستأجر فلا ضرورة في وقوعه عنه، بل أمكن صرفه إلى الْمُبَاشَرَةِ على المعهود في نظائرة، -والله أعلم-.
قال الغزالي: الرَّابِعَةُ إِذَا جَامَعَ الأَجِيرُ فَسَدَ حَجُّهُ وانفَسَخَتِ الإِجَارَةُ إِنْ وَرَدَتْ عَلَى عَينِهِ وَلَزَمَهُ القَضَاءُ لنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى ذِمَّتِهِ لم تَنفَسِخْ، وَهِلْ يَقَعُ قَضَاؤُهُ عَنِ المُسْتَأجِرِ أَوْ تَجِبُ حَجَّةٌ أُخرى سَوى القَضَاءِ لَهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: إذا جامع الأجير فَسَد حَجُّه.
وانقلب إلى الأجير فيلزمه الكَفَّارة، والمضي في الفَاسِدِ وَالْقَضَاءِ، ووجهه أنه أتى بغير ما أُمِر بِهِ، فإن المأمورَ بِهِ الحَجُّ الصَّحِيح، والمأتى بهِ الحَجُّ الفَاسِدُ، فينصرف إِلَيْهِ كما لو أمره بشراء شَيْء بصفة فاشترى على غير تلك الصِّفة يقع عن المأمور، وقد ينقلب الحجُّ عن الحالة التي انعقد عليها إلى غيرها ألا ترى أن حج الصَّبِيّ ينعقد نَفْلاً، ثم إذا بلغ قبل الوقوف ينقلب فرضاً.
فإن قيل: إنه موقوفٌ في الابتداء.
قلنا: بمثله هاهنا: وروى صاحب "التهذيب" -رضي الله عنه- عن المزني -رحمه الله- إنه لا يَنْقَلِبُ إلى الأَجِيرِ، بَلْ يَقَعُ الفَاسِدُ والقَضَاءُ جَمِيعاً عن المُسْتأْجِرِ، وفي هذا تسليم لوجوب القَضَاء، لكن لرواية المَشْهُورة عنه أنه لا انقلاب ولا قَضَاء أما أنه لا انقلاب، فلأن الإحرام قد انعقد عن المستأجر فلا ينقلب إلى غيره، وأما أنه لا قضاء فلأن من له الحَجُّ لم يفسده فلا يؤثر فِعْل غيره فيه، ولم يعز الحَنّاطِي هذا المذهب إلى المزني لكن قال: إنه حَكَاه قولاً، وإذا قلنا بظاهر المذهب فإن كانت الإجارةُ على العَيْنِ انفسخت، والقضاء الذي يأتي به الأجير يقع عنه، وإن كانت في الذمة لم تنفسخ وعمن يقع القَضَاء؟ فيه وجهان، وقيل: قولان:
أحدهما: عن المستأجرِ، لأنه قضاء الأول، وَلوْلا فسادة ولوقع عنه.
وأصحهما: عن الأجير، القضاء يحكى الأداء، والأداء وَاقِعٌ عن الأجير، فعلى هذا يلزمه سوى القضاء حجَةٌ أخرى للمُسْتَأجِرِ، فيقضى عَنْ نَفْسِهِ ثم عن المُسْتَأجر في سَنَةٍ أَخْرَى، أو ينيسب من يحج عنه في تِلْكَ السَّنَة، وحيث لا تنفسخ الإجارة، فللمستأجر خِيَار الفَسْخ، لتأخر المقصود وفرق أصحابنا العراقيون بين أن يَسْتَاجِر
الجزء: 3 - الصفحة: 321
المَعْضُوب وبين أن تكون الإجارة لمَيُتٍ في ثبوت الخِيَار وقد سبق نظيرة والكلام عليه والمواضع المحتاجة إلى العلامة بالزَّاي تثبته.
قال الغزالي: الخَامِسَةُ لَوْ أَحْرَمَ عَنْهُ ثُمَّ نَوىَ الصَّرْفَ نَفَسِهَ لَمْ يَنْصَرفْ إلَيْهِ وَسَقَطَ أُجْرَتُهُ عَلىَ أَحَد القَوْلَيْنِ؛ لأَنَّهُ أَعْرِضَ عَنْهَا.
قال الرافعي: إذا أحرم الأجير عن المستأجرِ، ثُمَّ صَرَفَ إلى نفسه ظَنَّا منه بأنه يَنْصرف وأَتَمَّ الحج على هذا الظَّنَ فالحج للمُسْتَأْجِرِ، وفي اسْتِحقَاقِ الأَجِير الأُجْرَة قولان.
أحدهما: أنه لا يستحق، لأنه أعرض عنها، حيث قصد بالحجِّ نَفْسَه.
وأصحهما: أنه يستحق لِصِحة العَقْدِ في الإبتداء، وحصول غرض المستأجر، وهذا الخِلافَ مجرى، فيما إِذَا دَفَعَ ثَوْبًا إلى صَبَّاغٍ ليصبغه فأمسكه وجحدةُ وصبغه لنفسه، ثم رَدَّه هل يستحق الأجرة؟ وقس على هذا نظائرة، وإذا قلنا بإستحقاق الأجرة؟ فالمستحق المسمى أو أجرةُ المثل، حكى صاحب "التتمة" فيه وجهين.
أصحهما: الأول.
قال الغزالي: السَّادِسةُ مَنْ مَاتَ في أَثْنَاءِ الحَجِّ فَهَلْ لِلْوَارِثِ أَنْ يَسْتأْجِرَ أجِيراً لِيَبْنَى عَلَى حَجِّه؟ فِيهِ قَوْلاَن، فَإِنْ جَوَّزْنَا ذَلِكَ فَإنْ مَاتَ بَيْنَ التَّحلُّلَيْنِ أَحْرَمَ الأَجِيرُ إحْرَاماً حُكمُهُ أَنْ لاَ يُحْرِّمَ اللُّبْسَ وَالقَلْمَ لأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى مَا سَبَقَ فَهُوَ كَالدَّوَامه، فَعَلى هَذَا إذَا مَاتَ الأَجِيرُ في أَثْنَاءِ الحَجِّ آسْتَحَق قِسْطاً مِنَ الأُجْرَةِ، لأَنَّ مَا سَبَقَ لَمْ يُحْبَط، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَمْكُنُ البِنَاءُ فَقَدْ حِبَطَ حَقُّ المُسْتَأْجِرِ فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ شَيْئاً وَجهَانِ، وَلَوْ مَاتَ قَبْلِ الإِحْرَامِ فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ قِسْطاً لِسَفَرِهِ وَجْهَانِ مُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَسْتَحِقَّ لأَنَّ السَّفَرَ لَمْ يَتَّصِلْ بالمَقْصُودِ.
قال الرافعي: غرض الفصل بالكلام فيما إذا مات في أَثْنَاءِ الحَجِّ، وقد قدم عليه مقدمة وهي أن الحَاجّ لِنَفْسِهِ إذا مات في أثناء الحَجِّ هل يجوز البنَاء على حَجِّه؟ وفيه قولان: شبهوهما، بالقولين في جواز البناء على الأذان والَخُطْبَة، وفي جواز الاستخلاف، وإن اختلفت الصور في الأظهر منها.
الجديد: الصحيح أنه لا يجوز البناء، على الحَجِّ؛ لأنه عبادة يفسد أوَّلُهَا بِفَسَادِ آخِرِهَا فأشبهت الصَّوْمَ، والصَّلاة، ولأنه لو أُحْصِر، فتحلل ثم زَالَ الحَصْرُ، فأراد البِنَاءَ عليه لاَ يَجُوز، فإذا لم يجز له البنَاء على فِعلِ نَفْسِهِ فأولى أن لا يجوز لِغَيْرِه البِنَاءُ عَلَى فِعْلِهِ.
والقديم: الجواز؛ لأن النيَابة جاريةٌ، في جميع أفعال الحَجِّ فتجري في بعضها كتفرقة الزَّكَاة.
الجزء: 3 - الصفحة: 322
التفريع: إن لم نجوز البِنَاء حبط المأتى بهِ إلاَّ في حَقِّ الثواب ووجب الإِحْجَاجُ مِنْ تَرِكتِهِ إِذَا كَانَ مستقراً في ذمته، وإن جوزنا الَبناء فإما أن يتفق المَوْت وقد بقى وَقْتُ الإحرام بِالحَجِّ، أو حين لم يبق وقته.
فأما في الحالة الأولى: فيحرم النَّائِبُ بِالحَجِّ، ويقف بعرفة، إن لم يقف الأَصْل ولا يقف إن وقف، ويأتي ببقية الأَعمال ولا بأس بوقوع إحرام النائب وراء الميقات، فإنه مبني على إحرام أُنْشِئَ مِنْه.
وأما في الحالة الثَّانية: فيم يحرم؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال أبو إسحاق أنه يحرم، بعمرةٍ لفوات وقت الإحرام بالحَجِّ، ثم يطوف وَيَسْعَى، فيجزانه عن طَوَافِ الحَجِّ، وِسَعْيهِ ولا يبيت ولا يرمى فإنهما ليسا من أعمال العُمْرَةِ، ولكنهما يُجْبَرَانِ بالدَّمِ.
وأصحهما: أنه يحرم بالحج أيضاً، ويأتى ببقية الأعمال لأنه لو أحرم بالعُمْرَة، للزمه أفعال العُمْرة، ولما انصرف إلى الحج والإحرام، ابتداء هو الذي يمتنع تأخيره عن أَشهُرِ الحَجِّ، وهذا ليس إحرامًا مبتدأَ، وإنما هو مَبنيٌّ على ما سبق، وعلى هذا فلو مات، بين التَّحَلُّلَينِ، أحرم النَّائِب إحْرامًا لاَ يُحَرِّم اللبس والقلم وإنما يُحَرِّم النِّساء؛ لأن إحرام الأصل لو بقي لكان بهذه الصِّفَة.
واعلم: إن الإمام -رحمه الله- حكى الوجه الأول عن العِرَاقيين، ونسب الثَّانِي إلى المَرَاوزة، ولعل أن نسبته الثاني إلى المراوزة، بمعنى أنه الذي أورده ولا يستمر نسبته إليهم بمعنى أنهم أبدعوه، ولا نسبه الأول إلى العراقيين، يعني أنهم اختاروه، ولا أنهم اقتصروا على ذِكْرِهِ، لأن كتبهم مَشْحُونَةٌ بحكاية الوجهين، ونَاصّة على تَرْجِيحِ الثَّانِي مِنْهُمَا.
وجميع ما ذَكرْنَا فيما إذا مَاتَ قَبْلَ حُصُولِ التَّحَلُّلَيْنِ، فأما إذا مات بعد حصولهما فقد قطع صاحب "التهذيب"، وغيره بأنه لا يجوز البِنَاء والحالة هذه إذ لا ضرورة إليه، لإمكان جبر مَا بَقِيَ مِنَ الأَعْمَالِ بالدَّمِ، وأوهم بَعْضُهُم إِجْرَاء الخلاف -والله أعلم-.
إذا عرفت هذه المُقَدَّمة، فنقول: لموت الأَجير أحوال.
إحداها: أن يكون بعد الشُّروعِ في الأَرْكَانِ وقبل الفَرَاغِ مِنْها فهل يستحق شيئاً من الأجرة فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأنه لم يسقط الفرض عن المُسْتَأجِرِ، وهو المقصود فَأَشْبَهَ مَا لَوِ الْتَزَمَ له مالاً ليرد عبده الآَبق إليه فَرَدَّهُ إلى بَعْضِ الطَّرِيق ثُمَّ هرَبَ.
والثاني: نعم؛ لأنه عمل بعض ما استؤجر له، فاستحق بقسطه من الأجرة، كما
الجزء: 3 - الصفحة: 323
لو استأجره لِخِيَاطَةِ ثَوْب فخاط بعضه، ثم اختلفوا فصار صَائرُون إلى أن القَوْلَيْنِ مَبْنِيَّاً على أن البِنَاء على الحَجِّ هل يجوز أم لا إن مَنَعْنَاه لم يلزم شيء من الأجرةَ، لأن المستأجر لم ينتفع بما فعله، وإن جَوَّزُنَاه لَزِم، وفي كلام أصْحَابنا العراقيين ما ينفي هذا البناء لأمرين:
أحدهما: أن ابْن عَبْدَان ذَكر أن الجديد استحقاق الأجرة، والقديم خلافه، وذلك على عكس المنقول في جَوازِ البِنَاء.
والثاني: أن كلمة الأصحاب متفقة على تَرْجِيحِ قَوْلِ المَنْع مِنْ قَوْلي البِنَاءِ؛ وقد حكم كَثِيرٌ منهم بترجيح قول الاستحقاق إما صريحاً فقد ذكره الكرَخِي وغيره.
وأما دلالة فلأنهم أشاروا إلى أن مأخذ القولين أن هذا العقد يلحق بالإجارات أو بالجَعَالات من حيث إن المقصود عاقبة الأمر وقطع المسافة ليس بمقصود، ولا بد منه ثم إنهم استبعدوا الحاقه بالجَعَالاَت، وعدوه إجارة، ومعلوم أن في الإِجَارة يستحق بعض الأجرة بِبَعْضِ العَمَلِ، وأوْرَدَ الإِمَامُ -رضي الله عنه- طريقة متوسطة بينهما، وتابعه صاحب الكتاب فقالا: إن جوزنا البناء؛ استحق قِسْطاً من الأُجْرَةِ، لا محالة؛ لأن المستأجر بسبيل من إتمامه، وإن لم تجوزه ففي الاستحقاق الخِلاَف، ووجه عدم الاستحقاق أن ما عمله قد حَبِطَ، ولم ينتفع المستأجر به، ووجه الاستحقاق: أنه ينفعه في الثَّوَاب وإن لم ينفعه في الإجزاء؛ وقد أتى الأَجِيرُ بِمَا عَلَيْهِ، والموت ليس إليه والمَشْهُورُ مِنَ الخِلاَف القولان، وصاحب الكِتَاب نقلهما وَجْهَيْنُ.
فإن قلنا: إنه لا يستحق شيئاً فذلك فيما إذا مَاتَ قَبْلَ الوُقُوفِ بعرفة، فإن مات بعده فقد حكى الحَنَّاطِي فيه وجهين، والأظهر أنَّهُ لا فَرق.
وإن قلنا: إنه يستحق شيئاً فالأجرةُ تُقَسَّطُ عَلَى الأَعْمَال وَحْدَها، أم عليها مع السَّيْرِ فيه طريقان، قال الأكثرون هُوَ على قولين:
أحدهما: أنها تقسط على الأعْمَالِ وَحْدَها؛ لأن الأُجْرَة تقابل المَقْصُود، والسَّيْرِ تسبب إليه وليس من المقصود في شيء.
وأظهرهما: أنها تُقَسَّطُ عَلَى العَمَلِ وَالسَّيْرِ جميعاً، لأن للوسائل حكم المقاصد، وتعب الأجير في السَّير أكثر، فيبعد أن لا يقابل بشيءٍ؛ وقال ابنُ سُرَيْج -رحمه الله- إن قال: استئجرتك لتحج عني، فالتوزيع على الأَعْمَالِ وَحْدَها.
وإن قال: لتحج من بلد كَذَا، فالتوزيع على السَّيْرِ والأعمال جميعاً، ونزل النَّصَّيْنِ على الحَالَيْنِ، ثم هل يبنى على ما فَعَلَه الأَجِير؟ ينظر كانت الإجَارة على العَيْنِ انفسخت، ولا بناء لورثة الأَجِير، أما لم يكن لَهُ أن ينيب بِنَفْسِهِ، وَهل لِلْمُسْتَأْجِرِ أن
الجزء: 3 - الصفحة: 324
يستأجر من يتمه؟ فيبنى على القولين في جواز البناء، إن جَوَّزْنَاه فله ذلك، وإلا فَلاَ، وإن كانت الاجَارة على الذِّمِّة.
فإن قلنا: لاَ يَجُوز البِنَاء، فَلِوَرثَةِ الأَجِير أن يستأجروا من يَحُجُّ عَمَّنِ استؤجر له، فإن أمكنهم الإحجاج عنه في تلك السنة لبقاء الوقت فذاك، وإن تأخر إلى السَّنَةِ الأُخْرَى ثبت الخيار، كما سبق، وإن جوزنا البناء فلورثة الأجير أن يتموا الحَجِّ، ثم القول في أن النَّائِبَ بِمَ يَحُرم وفي حكم إحرامه بين التحللين على ما سبق.
الحالة الثانية: أن يكون بَعْدَ الأخذ في السَّيْرِ، وقبل الإحْرَام، فالمنقول عن نَصِّه في عامة كتبه أنه لا يستحق شيئاً من الأُجْرَةِ، لأنه بسبب لا يَتَّصِل بِالْمَقْصُودِ، فصار كما لو قرب الأجير على البِنَاء الآلات من موضع البنَاء ولم يبن لم يستحق شيئاً، وعن أبي بكر الصَّيْرَفِيّ والإصْطَخْرِي: أنه يستحق قِسْطَاً من الأجرة؛ لأنهما أفتيا سنة حصر القرامطة 42، الحجيج بالكوفة، بأن الأجَرَاء يستحقون من الأُجْرَةِ بِقَدْرِ ما عملوا.
ووجهه أن الأجرة تَقَعُ في مقابلة السَّيْرِ وَالْعَمَلِ جميعاً ألا ترى أنها تَخْتَلِف باختلاف المسافة طولاً، وقِصَراً، وفصَّل ابن عبدان المسَألة فقال: إن قال: استأجرتك لتحج من بَلَدِ كَذَا، فالجواب على ما قَالاَه، وإن قال على أن تَحُج، فالجواب على مَا هُوَ المَشْهُور، وهذا كالتَّفْصِيل الذِي مَرَّ عَنِ ابْن سُرَيْج.
والحالة الثالثة: ولم يذكرها في الكتاب: أن يكون موتهُ بعد إتمام الأرْكَان، وقبل الفَرَاغِ مِنْ سَائِرِ الأَعْمَالِ، فينظر إن فات وقتها أو لم يفت، ولكن لم نجوز البناء فيجبر بالدَّمِ مِنْ مَالِ الأَجِيرِ، وفي رَدِّ شيء من الأجرة الخلاف السابق، وإن جوزنا البناء فإن كانت الإجارة على العين انفسخت، ووجب رَدّ قسطها من الأجرة، واستأجر المستأجر من يَرْمي ويبيت، ولا دَمَ عَلَى الأَجِير، وإن كانت على الذمة استأجروا وارث الأجير مَنْ يَرْمِي ويبيت، ولا حاجة إلى الإحْرَامِ، لأنهما عملان يؤتى بهما بعد التحللين، ولا يلزم الدّم ولا رد شيء من الأجرة ذكره في "التتمة".
قال الغزالي: السَّابِعَةُ لَوْ أحصرَ فَهُوَ كَمَا لَوْ مَاتَ، وَلَوْ فَاتَ الحَجُّ فَهُوَ كَالإِفْسَادِ لأنَّهُ يُوجِبُ القَضَاءَ وَلاَ يَسْتَحقُّ شيئاً.
قال الرافعي: لو أحْصِر الأَجِيرُ فله التَّحلُل، كما لو أحْصِر الحاجُّ لنفسه فإن تحلل فعن من يقع ما أتى به؟ فيه وجهان:
أصحهما: عن المستأجر كما لو مات، إذ لم يوجد من الأجير تقصير.
والثاني: عن الأجير كما لو أفسده؛ لأنه لم يحصل غرضه، فعلى هذا دم
الجزء: 3 - الصفحة: 325
الإحصار عَلَى الأَجِير، وعلى الأول هو على المستأجر، وفي استحقاقه شيئاً من الأُجْرة الخلاف المَذْكُور في الموت، وإن لم يتحلل وأقام على الإحْرَام حتى فاته الحَجّ انقلب الحَجُّ إليه، كما في صورة الإفْسَاد، ثم يتحلل بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وعليه دم الفَوَات، ولو فرض الفوات بنوم أو تأخر عَن القَاِفلة وغيرهما من غير إحصار انقلب المأتى به إلى الأجير أيضاً كما في الإفساد؛ لاشْتِراكهما في إيجاب القَضَاء؛ ولا شَيْءَ لِلأَجِير ومن الأصحاب من أجرى فيه الخِلاَف المذكور في الموت، ولا يخفى بعد الوُقوف على ما ذَكَرْنَا، أن قوله: (لو أحصر فهو كما لو مات) أراد به مَا إِذَا أحصر وتَحَلَّل، وأنه يجوز أن يعلم قوله: (كما لو مات) بالواو لأنا حكينا وجهاً أنه إذا تَحَلَّل وقع المأتى به عن الأجِير، وذلك الوَجْه غير جارٍ في الموت، فلا يكون الإحْصَار كالموت على ذلك الوَجْه، وأنه لو أعلم قوله: (فهو كالإفساد) بالواو، وكذا قوله: (يستحق شيئاً) جَارٍ مجرى التوكيد والإيضَاح، وإلا ففي التَّشْبِيه بالإفْسَاد ما يغني عنه، والله أعلم هذا تمام الكَلاَم في المقدّمة الأولى.
قال الغزالي: المُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ: المَوَاقِيتُ، وَالمِيقَاتُ الزَّمَانِيُّ لِلْحَجِّ شَهْرُ شَوَّالٍ (ح) وَذُو القِعْدَةِ وتِسعٌ مِنْ ذي الحِجَّة، وَفي لَيْلَةِ العِيدِ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: ميقات الحج والعُمْرة ينقسم إلى زماني ومكاني.
أما الزماني 43 فالكلام فيه في الحَجِّ، ثم في العمرة.
أما الحج فوقت الإحْرَام به شَوَّال، وذو القعدة، وتسع لَيالٍ بأيامها من ذِي الحَجَّة، وفي ليلة النَّحْرِ وجهان حكاهما: الإمام وصاحب الكتاب.
أصحهما: ولم يورد الجمهور سواه: أنها وقت له أيضاً؛ لأنها وقت للوُقُوفِ بعرفة، ويجوز أن يكون الوجه الآخر صادراً ممن يقول، أنها ليست وقتاً له، وسيأتي بيان ذلك الخِلاَف في موضعه.
الجزء: 3 - الصفحة: 326
واعلم أن لفظ الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر" وأشهر الحَجِّ شوال وذو القعدة، وتسع من ذي الحَجَّة، وهو يوم عرفة فمن لم يدركه إلى الفَجْرِ من يوم النحر فقد فاته الحَجِّ، وفيه مباحثتان.
إحداهما: قوله "وهو يوم عرفة" قال المسعودي مَعْنَاه والتاسع يوم عرفة، وفيه معظم الحَجِّ.
وقوله: "فمن لم يدركه" اختلفوا في تفسير، فقال الأكثرون: أراد من لم يدرك الإحرام بالحَجَّ، إلى الفجر من يوم النحر.
وقال المسعودي: أراد من لم يدرك الوُقُوفَ بِعَرَفة.
الثانية: اعترض ابن داود، فقال قوله: (وتسع من ذي الحَجَّة) إما أن يريد به الأيام أو الليالي، إن أراد الأيام فاللفظ مُخْتَل؛ لأن جمع المذكر في العَدَدِ بالهاء؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾.
وإن أراد الليالي فالمعنى مختل؛ لأن الليالي عنده عشر لا تسع، قال: الأصحاب هاهنا قسم آخر وهو أنه يريد الأيام والليالي جميعاً، والعرب تقلب التأنيث في العدد، ولذلك قال: الله تعالى: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ 44.
وقال -صلى الله عليه وسلم- "وَاشتَرِطِ الْخِيَارَ ثَلاَثاً" 45.
والمراد الأيام والليالي، ثم هب أن المُرَاد الليالي، ولكن أفردها بالذكر؛ لأن أيامها ملحقة بها فأما الليلة العاشرة، فنهارها لا يتبعها فأفردها بالذِّكْرِ، حيث قال: (فمن لم يدركه إلى الفجر من يوم النحر) وهذا على تفسير الأكثرين.
وأما على تفسير المسعودي، فلم يمنع إنشاء الإحْرام ليلة النحر، أن يتمسك بِظَاهر قوله: وتسع من ذي الحَجَّة، ولا يلزمه إشكال ابن داود.
وأعلم قوله في الكتاب: (وتسع من ذي الحجة) بالحاء والألف؛ لأنهما يقولان وعشر من ذي الحَجَّة بأيامها، وبالميم؛ لأنه يقول وذي الحَجَّة كله، قال جماعة من الأصْحَاب: وهذا اختلاف لا يتعلق به حكم، وعن القَفَّال أن فائدة الخلاف مع مالك كراهة العمرة في ذي الحَجَّة فإن عنده تكره العمرة في أشهر الحج، ثم اتفق مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله- على أن الإحْرَام بالحَجِّ ينعقد، في غير أشهره إلا أنه مكروه، ويجوز أن يعلم قوله: (وتسع ذي الحَجّة) بالواو أيضاً؛ لأن المُحَامِلِي حكى في "الأوسط" قولاً، عن "الإملاء" كمذهب مالك.
الجزء: 3 - الصفحة: 327
وقوله: (والميقات الزماني للحج) أي للإحرام به، فأما الأفعال فسيأتي بيان أوقاتها.
قال الغزالي: وَأَمَّا العُمْرَةُ فَجَمِيعُ السَّنَةِ وَقْتُهَا، وَلاَ تُكْرَهُ فِي وَقْتٍ أصْلاً إِلاَّ لِلحَاجِّ العَاكفِ بمنىً في شُغُل الرَّمْي وَالمَبِيتِ لاَ تَنْعَقِدُ عُمْرَتُهُ لِعَجْزِهِ عَنِ التَّشَاغُلِ بِهِ في الحَالة، وَلَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَشْهُرِ الحَجِّ بِحَجِّ انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ وَيَتَحَلَّلُ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وَهَلْ يَقَعُ عَنْ عُمْرَةِ الإِسْلامِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: السَّنَةُ كلها وقتٌ للاحرام بالعُمْرَة، ولا يختص بأشهر الحج، وروى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حُجَّةً" 46.
"وَاعْتَمَرَت عَائِشَةُ -رضي الله عنها- مِنَ التَّنْعِيم لَيْلَةَ المُحَصَّبِ" 47 وهي الليلة التي يرجعون فيها من مَنَىً إلى مكَّة، ولا يكره في وقت منها، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة يكره في خمسة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، وقد قدمنا عن مالك كراهيته في أشهر الحَجِّ، وتَوَقَّفَ الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ في ثبوته عنه.
لنا، أن كل وقت لا يُكْرَه فيه القران بين النسكين لا يكره الإفراد بأحدهما.
أما على أبي حنيفة فكما قيل: يوم عرفة.
وأما على مالك فكالإفراد بالنّسك الآخر، ولا يكره أن يعتمر في السّنة مراراً بل يستحب الإكثار منها، وعن مالك أنه لا يعتمر في السَّنة إلا مرّة.
لنا ما روي "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- أَعْمَدَ عَائِشَةَ فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ مَرَّتَيْنِ" 48.
وقد يمتنع الإحْرام بالعُمْرة لا باعتبار الوقت بل باعتبار عارض كمن كان محرماً بالحج لا يجوز له إدخال العمرة على أظهر القولين كما سنشرحه.
وإذا تَحَلَّل عنه التحللين، وعكف بمنىً لشغل المبيت والرمي، لم ينعقد إحرامه بالعمرة، لعجزه عن التشاغل بأعمالها في الحَالِ، نص عليه، قال: الإمام: وكان منَ حقِّ تِلْكَ المنَاسِك، أن لا تقع إلا في زَمَانِ التَّحَلّلِ، فإن نفر النفر الأول فله الإحْرَام
الجزء: 3 - الصفحة: 328
بها، لسقوط بقية الرَّمْي عنه، ثم في الفَصْل مسألة تتعلق بِوَقْتِ الإحْرَامِ بالحَجِّ، وهي أنه لو أحرم بالحج في غير أشهره ما حكمه؟ لاَ شَكَّ في أنه لا ينعقد إحْرَامه بالحَجِّ، ثم أنه نَصَّ في "المختصر" على أنه يكونُ عُمْرَة، وفي موضع آخر على أنه يتحلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَة، وللأصْحَاب فيه طريقان:
أظهرهما: أن المسألة على قولين:
أصحهما: أن إحرامه ينعقد بعمرة؛ لأن الإحْرَام شديد التَشبُّث واللُّزُوم، فإذا لم يقبل الوقت، ما أحرم به انْصَرف إلى ما يقبله.
والثاني: أنه لا ينعقد بعُمْرَة، ولكن يتحلل بِعَمَلِ عمرة كما لو فات حجة، لأن كل واحد من الزمانين ليس وَقتًا للحج، فعلى الأول إذا أتى بأَعْمَال العُمْرَة سقطت عنه عُمْرَة الإسْلاَم، إذا قلنا بافتراضها وعلى الثاني لا تسقط، وشبهوا القولين بالقولين في التَّحَرُّم بالصَّلاَةَ قبل وَقْتِها هل تنعقد نَافِلَة؟ لكن الأظهر هناك أنه إن كان عالماً بالحال لم تنعقد نافلة، وهاهنا الأظهر انعقاد عمرة بكل حال لقوة الإحرام، ولهذا ينعقد مع السَّبب المفسد له بأن أحرم مجامعاً.
والطريق الثاني ففي القولين وله طريقان:
أشهرهما: القطع بأنه يتحلل بِعَمَلِ عُمْرَةِ، ولا ينعقد إحرامه عمرة؛ لأنه لم يَنْوِها.
والثاني: حكى الإمام قدس الله روحه عن بعض التَّصَانِيف أن إحرامه ينعقد بهما إن صرفه إلى العمرة كان عمرة صحيحة وإلا تحلل بعمل عمرة، والنصان ينزلان على هذين الحالين.
وقد عرفت من هذا أن المذكور في الكتاب طريق القولين، ولما كانَا متفقين على انعقاد الإحرَام، وعلى أنه لا بد من عَمَلِ عُمْرةَ، وإذا أتى به تحلل لا جرم جزم بانعقاد الإحرام وحصول التحلل، ورد القولين إلى الاحتساب به عن عُمْرَة الإسْلاَم.
ولك إعلام قوله: (قولان) بالواو للطريق الثاني، ولو أحرم قبل أشْهُرِ الحَجِّ إحراماً مطلقاً، فإن الشَّيْخَ أبا على خرجه على وجهين يأتي ذكرهما فيما إذا أحرم بالعُمْرةَ قبل أشْهُرِ الحَجِّ ثم أَدْخَل عليه الحَجَّ في أشهره هل يجوز.
إن قلنا: يجوز انعقد إحرامه بِهِمَا، فإذا دَخَل أشهر الحَجِّ فهو بالخيار في جعله حَجّاً أو عمرة أو قراناً، ويحكى هذا عن الخضري.
وإن قلنا: لا يجوز انعقد إحْرَامُه بعمرة، وهذا هو جواب الجمهور في هذه المسألة، والقاطعون بأنه يتحلل بِعَمَلِ عُمْرَةَ في الصورة الأولى، نزلوا نصه في "المختصر" على هذه الصورة -والله أعلم-.
الجزء: 3 - الصفحة: 329
قال الغزالي: أَمَّا المِيقَاتُ المَكَانِيُّ فَهُوَ فِي حَقِّ المُقِيمِ بِمَكَّةَ خُطَّةُ مَكَّةَ عَلَى رَأْيٍ وَخُطَّةُ الحَرَمِ عَلَى رَأي، وَالأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ بَابِ دَارِهِ، فَإِنْ أَحْرَمَ خَارجَ الحَرَمِ فَهُوَ مُسِيئٌ.
قال الرافعي: تكلم في الميقات المكاني في الحَجِّ، ثم في العمرة، وفي الحج في حق المقيم بمكَّة وغيره 49.
أما المقيم بمكَّة إذا أراد الحَجَّ مكياً كان أو غيره فإنه يحرم منها، وميقاته نفس مَكَّة أو خطة الحرم كُلّها فيه وجهان، وقال الإمام: قولان:
أصحهما: نَفْسُ مَكَّة كما سيأتي من خبر ابن عباس -رضي الله عنهما- في المواقيت.
الجزء: 3 - الصفحة: 330
فعلى هذا لو فارق البنيان وأحْرَمَ فِي حَدِّ الحَرَمِ فهو مُسيئ يَلْزُمه أن يريق دماً إن لم يعد كما لو جاوز خطة قرية هي ميقات ثم أحرم.
والثاني: أن ميقاته خطة الحرم؛ لاستؤاء مكَّة وما وراءها من الحَرَم في الحرمة، ولهذا لا يكتفي للمكّي إذا أراد أن يُحْرِم بالعُمْرَة أن يخرج عن خطة مكَّة، بل يحتاج إلى الخُروجِ عَنِ الحَرَمِ، فعلى هذا إحْرَامُهُ فِي الحَرَمِ بَعْدَ مجاوزة العُمْرَان ليس بإساءة.
أما إذا أحرم بعد مجاوزة الحَرَم فقد أساء وعليه الدم إلا أن يعود قبل الوقوف بعرفة أما إلى مكَّة على الوجه الأول، أو إلى الحَرَم على الثَّاني، فيكون حينئذ كمن قدم الإحرام على الميقات.
وقوله في الكتاب: (على رأي) مفسر بالقولين على ما رواه الإمام -رحمه الله- وبالوجهين على ما رواه المصنف في "الوسيط"، وصاحبا "التتمة" و"المعتمد" ثم من أي موضع أحرم من عمران مَكَّة جاز، وما الأفضل؟ فيه قولان.
أحدهما: أن الأفضل أن يتهيأ للإحرام ويحرم في المسجد قريباً من البيت.
وأظهرهما: أن الأفضل أن يحرم من بَابِ دَارِه، ويأتي المسجد مُحرِماً، وهذا هو الذي أجاب به في الكتاب، ويدُلُّ عليه ما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ أَفْضَلَ حَجٍّ أَنْ تُحْرِمَ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِكَ" 50 51.
قال الغزالي: أَمَّا الآفّاقِيُّ فَمِيقَات مَنْ يَتَوَجَّهُ مِنْ جَانِبِ المَدِينَةِ ذُو الحُلِيفَةِ، وَمِنَ الشَّامِ الجُحْفَةُ، وَمِنَ اليَمَنِ يَلَمْلَمُ، وَمِنْ نَجْدٍ اليَمَنُ، وَنَجْدِ الحِجَاز قَرْنٌ، وَمِنْ جِهَةِ المَشْرِق ذَاتُ عِرْقٍ، وَهِذهِ المَوَاقِيتُ لِأهْلِهَا وَلَكُلِّ مَنْ مَرَّ بِهَا، وَالَّذِي مَسْكَنُهُ بَيْنَ المِيقَاتِ وَبَيْنَ مَكَّةَ فَمِيقَاتُهُ مِنْ مَسْكَنِهِ، وَالَّذِي جَاوَزَ المِيقَاتَ لاَ عَلَى قَصْد النُّسُكِ فَإذَا عَنَّ لَهُ النُّسُكُ فَمِيقَاتُةُ مِنْ حَيْثُ عَنَّ لَهُ.
قال الرافعي: غير المقيم إما أن يكون مسكنه وراء المواقيت الشَّرْعِية وهو الأفاقي، أو بينها وبين مَكَّة والأول إذا انتهى إِلَى الميقات فأما أن يكون مريداً للنُّسك أو لا يكون، فهؤلاء ثلاثة أصناف.
ولا بد أولاً من بيان المواقيتِ الشَّرْعِية.
الجزء: 3 - الصفحة: 331
وهي في حق المتوجهين من المدينة ذُو الحُليْفَةَ 52، وهو على عشر مراحل، من مكة وعلى ميل من المدينة، وفي حق المتوجهين من الشَّام 53 ومصر 54 والمغرب الجُحْفَة 55 وهي على خمسين فرسخاً من مكَّة، وفي حق المتوجهين من تُهامة اليمن 56 يَلَمْلم، وقد يسمى أَلَمْلَم، وفي حق المتوجهين من نجد اليمن، ونجد 57 الحجاز
الجزء: 3 - الصفحة: 332
قرْن 58 وفي حق المتوجهين من جهة المَشْرق والعِرَاق وخراسان ذَاتُ عِرْقٍ، وكل واحد من هذه الثلاثة من مكَّة على مرحلتين، وقد ذكر الأئمة أن اليمن يشتمل على نَجْد وتهامة وكذلك الحِجَاز، وإذا أطلق ذكر نجد كان المراد منه نجد الحجاز، وميقات النجدين جميعاً قَرْن.
وإذا قلنا: إن ميقات اليمن يَلَمْلم أراد به تهامتها لا كل اليمن.
وأعلم: أن ما عدا ذاتِ عِرْقٍ من هذه المواقيت منصوص عليه، روي في الصَّحيح عن ابن عباس -رضي الله عنهما- "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لِأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلِأَهْلِ الشَّام الجُحْفَةَ، ولِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْن، المَنَازِلِ، ولِأَهْلِ اليَمَنِ يلملم وقال هُنَّ لَهُنَّ وَلمَنْ أْتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ 59، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكَّة من مكَّة واختلفوا في ذَاتِ عِرْق على وجهين:
أحدهما: أن توقيته مأخوذ من الاجتهاد؛ لما روى عن طاووس أنه قال: "لَمْ يُوَقِّتْ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتِ عِرْقٍ، وَلَمْ يَكُنْ حِيْنِئذٍ أَهْلُ المَشْرِقِ أَي: مُسْلَمِينَ" 60.
وفي الصَّحيح عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "لَمَّا فُتِحَ هَذانِ المِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ -رَضِيَ الله عَنْهُ- فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرَناً، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَريقِنَا، وإِنَّا إِنْ أَرَدْنَاهُ شَقَّ عَلَيْنَا، قَالَ: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ" 61.
والثَّاني: وإليه صَغْوُ الأكثرين: أنه منصوص عليه، روي عن عائشة -رضي الله عنها-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَقَّتَ لِأَهْلِ المَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ" 62 ولا يبعد أن ينص عليه والقوم = وقال الجوهري: ونجد من بلاد العرب، وهو خلاف الغور: وهو تهامة كلها، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق، فهو نجد، وهو مذكر.
ينظر: المطلع ص (166).
الجزء: 3 - الصفحة: 333
مشركون يَومئذٍ إذا علم إسلامهم، ويحتمل أن النصوص لم تبلغ عُمَرَ -رضي الله عنه- والذين أتوه فاجتهدوا فوافق اجتهادهم النص، ولو أحرم أهل المَشْرِق من العقيق كان أفضل، وهو واد وراء ذات عِرْق مِمَّا يلي المشرق بقرب منها، لما روى عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ" 63.
ولأن ذات عِرْق مؤقتة بالاجتهاد على أحد الرأيين، فالإحرام مما فوقها أحوط، وقد يخطر ببالك إذا انتهيت إلى هذا المقام البحث عن قَرْن من وجهين:
أحدهما: أنه بتحريك الراء أو تسكينها، وإن كان الأول فهل هو الذي ينسب إليه أويس -رضي الله عنه- أم لا؟
والثاني: أنه قال في الخبر: قَرْن المَنَازِل فما هذه الإضَافة؟ وهل هو للتمييز عن قرن آخر أم لا؟
والجواب: أما الأول فالسماع المعتمد فيه عن المتقنين التسكين، ورأيته منقولاً عن أبي عبيد وغيره، ورواه صاحب الصِّحاح بالتحريك، وادعى أن أويساً منسوب إليه.
وأما الثاني: فقد ذكر بعض الشَّارِحين للمختصر أن القرن اثنان:
أحدهما: في هبوط يقال له: قرن المَنَازِل، والآخر: على ارتفاع يقرب منه، وهي القرية، وكلاهما ميقات -والله أعلم-.
إذا عرفت ذلك فالصنف الأول الأفاقي الذي انتهى إلى الميقات وهو يريد النُّسُك فليس له مجاوزته غير مُحْرِم، سواء أراد الحَجَّ أو العمرة أو القران، فإن جاوزه فقد أساء، وسيأتي حكمه، ولا فرق بين أن يكون من أهل تلك الناحية أو من غيرها، كالمشرقي إذا جاء من المدينة، والشَّامي إذا جاء من نَجْد؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ".
الثاني: الأفاقي الذي انتهى إلى الميقات وهو غير مريد للنُّسك، فننظر إن لم يكن على قَصْدِ التَّوَجُّه إلى مكَّة، ثم عَنَّ له قصد النُّسُك بعد مجاوزته، فميقاته من حَيْثُ عَنَّ له هذا القَصْد، ولا يلزمه الرُّجُوع إلى الميقات، وقد أشار إليه في الخبر الذي سبق، حيث قال: فإن كان يريد الحج والعمرة، وإن كان على قَصْدِ التوجه إلى مكة لحاجة غير النُّسُك، ثم عَنَّ له قصد النسك عند المجاوزة، فينبئ هذا على أن من أراد دخول
الجزء: 3 - الصفحة: 334
مكة هل يلزمُهُ الإحْرَامُ بِنُسُكٍ؟ وفيه خلاف مَذْكُورٌ فِي الكِتَاب في فَصْلِ سُنَنِ دُخُولِ مَكَّة، فإن ألزمناه فعليه إنشاؤه من المِيقَات، فيأثم بمجاوزته غير محرم كما إذا جاوزه على قَصْدِ النُّسُك غير محرم، وإن لم يلزمه الإحرام فهو كمن جاوزه غير قاصد للتوجه إلى مكَّة.
الثالث: الذي مسكنه بين أَحَدِ المواقيت وبين مكَّة فميقاته مَسْكَنُه، يعني: القرية التي يسكنها والحلة التي ينزلها البَدَوِيّ؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- بعد الذكر المواقيت: "فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمَهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ" وقوله في الكتاب: (والذي جاوز الميقات لا على قصد النسك إلخ) قد أطلق الكلام فيه إطلاقاً، ولا بد من التفصيل الذي ذكرناه، ويجوز أن يعلم قوله: (فميقاته حيث عنّ له) بالألف؛ لأن عند أحمد أنه إذا جاوز غير قاصد لدخول مَكَّة، ثم عَنَّ له قصد النسك يلزمه العود إلى الميقات، فإن لم يعد فعليه دم.
قال الغزالي: والأَحَبُّ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنَ المِيقَاتِ، وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ آخِرِهِ فَلاَ بَأْسِ، وَلَوْ حَاذَى مِيقاتاً فَمِيقَاتُهُ عِنْدَ المُحَاذَاةِ إِذ المَقْصُودُ مِقْدَارُ البُعْدِ عَنْ مَكَّةِ، وَإِنْ جَاءَ مِنْ نَاحِيَةً لَمْ تُحَاذ مِيقَاتاً وَلاَ مَرَّ بِهِ أَحْرَمَ مِنْ مَرْحَلَتَينِ، فَإِنَّهُ أَقَلُّ المَوَاقِيتِ وَهُوَ ذَاتُ عِرْقٍ.
قال الرافعي: في الفصل صور:
إحداهَا: يستحب لمن يحرم من بعض المَوَاقِيت الشَّرْعِية، أن يحرم من أول جزء ينتهي إليه، وهو الطرف الأبعد من مكَّة، ليقطع الباقي مُحْرِماً، ولو أحرم من آخره جاز؛ لوقوع الاسم عليه، ويستحب لمن ميقاته حلته أو قريته أيضاً أن يحرم من الطَّرف الأبعد، والاعتبار في المواقيت الشرعية بتلك المواضع لا بالقرى والأبنية، حتى لا يتغير الحكم لو خرب بعضها فنقلت العمارة إلى موضع آخر قريبٍ منه، وسُمِّي بذلك الاسم.
الثانية: إذا سلك البحر أو طريقاً في البر لا ينتهي إلى واحد من المواقيت المُعَيَّنة فميقاته الموضع الذي يُحَاذِي الميقات المعين، فإن اشتبه عليه فليتأخ، وطريق الاحتياط لا يَخْفَى.
ولو حاذى ميقاتين يتوسطهما طريقه نظر إن تساويا في المسافة إلى مَكَّة وإلى طريقه جميعاً، أو في المسافة إلى مكَّة وحدها فميقاته الموضع الذي يُحَاذِيها، وإن تساويا في المسافة إلى طريقه، وتفاوتا في المسافة إلى مَكَّة ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يتخير إن شاء أحرم من الموضع المحَاذِي لَأَبْعَدِ الميقاتين، وإن شاء أحرم من الموضع المحاذي لأقربهما.
وأظهرهما -وبه قال القفال-: أنه يحرم من الموضع المحاذي لأبعدهما، وليس
الجزء: 3 - الصفحة: 335
له انتظار الوصول إلى محاذاة الأقرب، كما ليس للآتي من المدينة أن يجاوز ذَا الحُلَيْفَة، ليحرم من الجُحْفَة، وقد تَصَوَّر في هذا القِسْمِ محاذاة الميقاتين دفعة واحدة، وذلك بانحراف أحد الطريقين والْتِوَائِهِ لَوعُورَةٍ وغيرها فلا كلام في أنه يحرم من موضع المحاذاة، وحكى الإمام: وجهين في أنه منسوب إلى أَبْعَدِ الميقاتين أو أقربهما.
قال: وفائدتهما تظهر فيما إذا جاوز مَوْضِع المحاذاة وانتهى إلى حَيْثُ يفضي إليه طريقاً الميقاتين، وأراد العَوْد لدفع الإساءة، ولم يعرف مَوْضِع المحاذاة أيرجع إلى هذا الميقات أم إلى ذلك؟ وتابعه المصنف على رواية الوجهين في "الوسيط" وكلاهما لا يصرح بالتَّصْوِيرِ في الصُّورة التي ذكرتها كل التصريح، لكنه المفهوم مما ساقاه ولا أعرف غيره -والله أعلم-.
وإن تفاوت الميقاتان في المسافة إلى مكَّة وإلى طريقه فاعتِبَار بالقُرْب إليه أو إلى مكَّة، فيه وجهان:
أولهما: أظهرهما، واعلم أن الأئمة فرضوا جميع هذه الأقسام فيما إذا توسط بين طريقين يفضي كل واحد منهما إلى ميقات، ويمكن تصوير القِسْم الثَّالِث والرَّابع في ميقاتين على يمينه أو شماله كَذِي الحُلَيْفَة والجُحْفَة، فإن أحدهما بين يدي الآخر، فيجوز فَرْضُهُمَا على اليمين أو الشّمال، وتساوي قربهما إلى طريقه وتفاوته.
الثالثة: لو جاء من ناحيةٍ لا يحاذي في طريقهما ميقاتاً ولا يَمُرُّ به، فعليه أن يحرم إذا لم يبق بينه وبين مكَّة إلا مرحلتان، إذ ليس شيء من المواقيت أقل مَسَافة من هذا القدر.
وقوله في الكتاب: (فإنه أقل المواقيت وهو ذات عرق) إنما كان يحسن أن لو كانت ذات عرق أقل مسافة مِنْ كُلِّ ما سواها من المواقيت لكن قد مَرَّ أن ذَات عِرْقٍ مع يَلَمْلَمَ وَقَرْن متساوية في المَسَافة.
قال الغزالي: وَمَهْمَا جَاوَزَ مِيقَاتاً غيرَ مُحْرِمِ فَهُوَ مُسِيءٌ وَعَلَيْهِ الدَّمُ، وَيسْقُطُ عَنْهُ بِأَنْ يَعُودَ إلَى المِيقَاتِ قَبلَ أَنْ يَبْعُدْ عَنْهُ بِمَسَافَةِ القَصْرِ، وإنْ عَادَ بُعْدَ دُخولِ مَكَّةَ لَمْ يَسْقُطْ، وإنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فَوَجْهَانِ، ثمَّ يَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ أَوَّلاً ثُمَّ يُحْرِمَ مِنَ المِيقَاتِ، فَإِنْ أَحْرَمَ ثُمَّ عَادَ مُحْرِماً فَفِي سُقُوطِ الدَّمِ وَجْهَانِ، وَلَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ المِيقَاتِ كَانَ أَحَبَّ.
قال الرافعي: الفَصْل يشتمل على مسألتين:
إحْدَاهُما: إذا جاوز المَوْضِع الذي لزمه الأَحْرَام مثه غير محرم أثِم، وعيه العَوْدُ إليه والإحْرَامُ مِنْهُ إن لم يكن له عذر، وإن كان كما لو خاف الانقطاع من الرِّفْقَة، أو كان الطَّريقِ مخوفاً، أو الوقت ضيقاً أحرم وَمَضَى على وجهه، ثم إذا لم يَعدْ فعليه دَمٌ،
الجزء: 3 - الصفحة: 336
لما روي عن ابن عَبَّاس -رضي الله عنهما- موقوفاً ومرفوعاً: "أَنَّ مَنْ تَرَكَ نُسُكاً فَعَلَيْهِ دَمٌ" 64.
وإن عاد فلا يخلو إما أن يعود وينشئ الإحْرَام منه، أو يعود إليه بعد ما أحْرَم.
فأما في الحَالَةِ الأولَى: فالذي نقله الإمام وصاحب الكتاب -رحمهما الله- أنه إن عاد قبل أن يبعد عن المِيقَاتِ بِمَسَافَةِ القَصْر فلا دم عليه؛ لأنه حَافظ على الوَاجِب في تَعَبٍ تَحَمَّلَهُ، وإن عاد بعد ما دَخَلَ مكة لم يَسْقُط عنه الدم؛ لوقوع المحذور، وهو دُخُولُ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمِ مع كونه عَلَى قَصْدِ النُّسُكِ، وإن عاد بعد ما بَعُدَ عن الميقات بمسافة القصر فَوَجْهَان:
أظهرهما: أنه يسقط كما لو عاد بعد البعد عنه بهذه المسافة.
والثاني: لا يسقط لتأكد الإسَاءة بانقطاعه عن الميقات حَدّ السَّفَرِ الطَّوِيل، هذا ما ذكراه.
والجمهور قضوا بأنه لو عَادَ وأنشأ الإحْرَام منه فلا دم عليه، ولم يفصلوا بَيْنَ أن يبعد أو لا يبعد، ولا بين أن يدخل مَكَّة أو لا يدخلها، فعليك إعلام قوله: (وإن عاد بعد دخول مكة لم يسقط) بالواو، ومعرفة ما فيه.
وأما الحالة الثَّانية: وهي أن يحرم ثم يعود إلى الميقات محرماً فقد أطلق صاحب الكتاب وطائفة في سقوط الدم فيها وجهين، ورواهما القَاضِي أبُو الطَّيِّبِ قولين: وجه عدم السقوط، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله- تأكد الإسَاءَة بإنشاء الإحرام من غير موضعه، وراعى الإمام -رحمه الله- من ذلك ترتيب هذه الحالة على التَّفْصِيل المذكور في الأولى فقال: إن قصرت المسافة ففي السّقوط الخِلاَف، وإن طَالَتْ فَالخِلاَفُ مرتب وأولى بألا يَسْقُط، فإن دخل مَكَّة فأولى بعدم السِّقوط من الحَالَةِ الأولى.
وظاهر المَذهب عند الأكثرين أن يفصل فيقال: إن عاد قبل أن يلتبس بنسك سَقَط عنه الدَّم؛ لقطعه المسافة من الميقات محرماً وأداء المَناسِكِ بعده، وإن عاد بعد ما تلبس بِنُسُكٍ لم يسقط لِتَأْدِّيهِ بإحرامٍ نَاقص، ولا فرق بين أن يكون ذلك النُّسك ركناً كالوقوف بعرفة، أو سنة كطواف القُدُوم، ومنهم من لم يجعل للتلبس بالسنة تَأثِيراً، وقال أبو حنيفة -رحمه الله- إذا أحرم بعد مجاوزة الميقات، وعاد قبل أن يتلبس بنُسُكٍ، وَلَبَّى سقط عنه الدّم، وإن عاد ولم يُلَبِّ لم يسقط.
وقوله في أول الفَصْل: (ومهما جاوز ميقاتاً غير محرم فهو مسيئ وعليه الدَّم)
الجزء: 3 - الصفحة: 337
يدخل فيه ما إذا جاوز عَالِماً، وما إذا جاوز جاهلاً أو ناسياً والأمر على هذا الإطلاق فيما يرجع إلى لزوم الدم؛ لأنه مأمور بالإحْرَام من الميقات، والنسيان ليس عذراً في ترك المأمورات، كالنية في الصَّوْمِ والصلاة، بخلاف ما إذا تَطَيَّب أو لبس ناسياً فإنهما من المَحْظُورَات، والنسيان عذر فيهما كما في الأكل في الصَّوْم والكلام في الصَّلاة.
وأما الإساءة فهي ثابتة على الإطلاق أيضاً إن أراد بكونه مسيئاً كونه مقصراً، وإن أراد الإثم فَلاَ إِثْمَ عِنْدَ الجَهْلِ والنسيان.
ويجوز أن يعلم قوله: (وعليه الدم) بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- الجائي من طريق المدينة إذا لم يكن مدنياً لو جاوز ذا الحُلَيْفَة وأحرم من الجُحْفَة لم يلزمه دَم، ويروى ذلك في حق المدني وغيره.
المسألة الثانية: الإحرام من الميقات أَفْضَل أو مما فوقه؟ روى البويطي والمزني في الجامع الكبير أنه من الميقات أَفْضَل، وبه قال مَالِكٌ وأحمد.
وقال في "الإملاء": الأحب أن يحرم من دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ، وبه قال أَبُو حَنِيفة، وللأصحاب طريقان:
أظهرهما: أن المسألة على قولين:
أحدهما: أنه لا يستحب الإحْرَام مما فوقه: "لَأنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ يُحْرِمْ إِلاَّ مِنَ الْمِيقَاتِ" 65 ومعلوم أنه يحافظ على ما هو الأفضل، ولأنَّ في الإحْرَام فوق الميقات تغريراً بالعباد؛ لما في مصابرته والمحافظة على واجباته من العسر ولهذا المعنى أطلق مطلقون لفظ الكراهة عالى تقديم الإحرام عليه.
أظهرهما: أن الأحب أن يحرم من دؤيرة أهله لأن عمر وعليا رضي الله عنهما فسرا الإتمام في قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة لله بذلك) 66.
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ أَحْرَمَ مِنَ الْمَسْجِدِ الأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامَ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ" 67.
الجزء: 3 - الصفحة: 338
والطريق الثاني: القطع بالقول، وحمل الأول على التزيي بِزِيّ المحرمين من غير إحْرَام على ما يعتاده الشِّيعة.
ويخرج من فحوى كلام الأئمة طريقة ثالثة، وهي حمل الأوَّل على إذا لم يَأْمن على نَفْسِهِ من ارتكاب مَحْظُوراتِ الإِحْرَام، وتنزيل الثاني على ما إذا أمن عليها.
وقوله في الكتاب: (ولو أحرم قبل الميقات كان أحب) يجوز أن يكون جواباً على أظهر القولين، على الطريقة الأولى، ويجوز أن يكون ذهاباً إلى الثانية، وهو الذي قصده المصنف على ما أورده في "الوسيط" فإنه نسب استحباب التقديم إلى القديم، وكراهيته إلى الجديد، وذكر أن الجديد مؤول، وكيفما كان فليكن قوله: (أحب) معلماً بالواو مع الميم والألف.
واعلم أن تسمية أحد القولين قديماً والآخر جديداً لم أره إلا له، والكتب التي عزى النصان إليها بأسرها معدودة من الجديد.
قال الغزالي: أَمَّا العُمْرَةُ فَمِيقَاتُهَا مِيقَاتُ الحَجِّ إلاَّ فِي حَقِّ المَكِّيِّ وَالمُقِيِم بِهَا، فَإِنَّ عَلَيْهِمُ الخُرُوجِ إلَى طَرَفِ الحِلِّ وَلَوْ بِخُطْوَةِ فِي ابْتِدَاءِ الإِحْرَامِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يُعْتَدَّ بِعُمْرَتهِ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الحِلِّ وَالحَرَمِ، وَالحَاجُّ بِوقُوفِ عَرَفَةَ جَامِعٌ بَيْنَهُمَا، وَأَفْضَلُ البِقَاعِ لإحْرَامِ العُمْرَةِ الجُعْرَانَةُ ثُمَّ التَّنْعِيمُ ثُمَّ الحُدَيْبِيَةُ.
قال الرافعي: لما فرغ من الكلام في الميقات المكاني في الحجّ اشتغل بالكلام فيه في العمرة.
والمعتمر إما أن يكون خارج الحرم أو فيه، فإن كان خَارِجَ الحَرَمِ فموضع إحْرَامِهِ بالعمرة هُوَ موضع إحرامه بالحَجّ بلا فرق.
وإن كان في الحرم سواء كان مكياً أو مقيماً بمكة فالكلام في ميقاته الواجب، ثم في الأَفْضَل.
أما الواجب: فهو أن يخرج إلى أدنى الحِلّ ولو بخطوة من أي جانب شاء: "لَأَنَّ عَائِشَةَ -رَضِيَ الله عَنْهَا- لَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَعْتَمِرَ بَعْدَ التَحَلُّلِ، أَمَرَهَا رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بِأَنْ تَخْرُجَ إِلَى الْحَلِّ فَتُحْرِمَ" 68.
فإن خالف وأحرم بها في الحَرَم، انعقد إحرامه، ثم له حالتان:
إحداهما: أن لا يخرج إلى الحِلِّ، بل يطوف وَيَسْعَى وَيَحْلِق، فهل يجزئه ذلك
الجزء: 3 - الصفحة: 339
عن عمرته؟ فيه قولان محكيان عن نصه في "الأم".
أصحهما: نعم، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن إحْرَامه قد انعقد، وأتى بعده بالأعمال الواجبة، لكن يلزمه دَمُ؛ لتركه الإحْرَام من المِيقَات.
والثاني: أنه لا يجزئه ما أتى به؛ لأن العُمْرَة أحدُ النُّسُكَين، فيشترط فيه الجَمْعُ بين الحِلِّ والحَرَمِ، كما في الحج، فإن الحَاجَّ لاَ بُدَّ له من الوُقُوفِ بعرَفَة، وأنها من الحِلِّ.
التفريع: إن قلنا بالأول فلو وطئ بعد الحَلْقِ لم يلزمه شَيْءٌ، لوقوعه بعد التَّحَلُّل، وإن قلنا بالثاني فالوطء وَاقِعٌ قَبْلَ التحللُ، لكنه يعتقد كونه بعد التحلل، فهو بمثابة وَطْءِ النَّاسي، وفي كونه مفسداً قولان سيأتي ذكرهما، فإن جعلناه مفسداً فعليه المُضِي في الفَاسِد، بأن يخرج إلى الحِلّ ويعود فيطوف ويسعى ويحلق، ويلزمه القضاء وكفارة الإِفْسَاد، ويلزمه دَمٌ لِلْحَلْقِ أيضاً؛ لوقوعه قبل التحلل.
والحالة الثانية: أن يخرج إلى الحِلِّ ثم يعود فيطوف ويسعى، فيعتد بما أتى به لا مَحَالة، وهل يسقط عنه دم الإِسَاءة؟ حكى الإمام -رحمه الله- فيه طريقين:
أحدهما: تخريجه على الخِلاَف المذكور في عَوْدِ من جاوز المِيقَات إليه غير محرم.
والثاني: القطع بالسقوط، فإن المُسِيئَ هو الذي ينتهي إلى الميقات على قَصْدِ النُّسُكِ، ثم يجاوزه، وهذا المعنى لم يوجد هَاهُنا، بل هو شبيه بمن أحرم قبل الميقات، وهذا هو الذي أورده الأكْثَرون، فعلى هذا الواجب هو خروجه إلى الحِلِّ قبل الأعمال، إما في ابتداء الإحرام أو بعده.
وإن قلنا: لا يسقط الدم، فالواجب هو الخروج في ابتداء الإحْرَام، وقد أشار إليه في "الوسيط" فقال: ولو بخطوة في ابتداءِ الإحرام أو دوامه على رأى، وإذا كان كذلك فَلْيُعَلَّم قوله: (في ابتداء الإحرام) بالواو، ثم قوله: (فإن لم يفعل لم يعتد بعمرته على أحد القولين)، ظاهر اللفظ يقتضي كون الاعتداد بأفعال العمرة على القولين إذا لم يخرج إلى الحِلِّ في ابتداء الإحْرَام، وليس كذلك، بل موضع القولين ما إذا لم يخرج لا في الابتداء ولا بعده، حتى أتى بالأعْمَال فَلْيُؤَوَّل.
وقوله: (لم يعتد)، معلم بالحاء لما قدمنا.
وقوله أولاً: (إلا في حق المكي والمقيم بها) لا شك أن المراد من المكي الحاضر بمكة، فلو اقتصر على قوله: (في حق المقيم بمكة) لأغناه، ودخل فيه ذلك المكِّي.
الجزء: 3 - الصفحة: 340
وأما الأفضل: فأحب البقاع في أطراف الحِلِّ لإحرام العمرة الْجُعْرَانَة فإن لم يتفق فمن التَّنْعِيم، فإن لم يتفق فمن الحُدَيْبِيَة، وليس النظر فيها إلى المَسَافة، ولكن المتبع سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 69 وقد نقلوا: "أَنَّهُ اعْتَمَرَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، سَنَةَ سَبْعٍ، وَمَرَّةَ عُمْرَةِ هَوَازِنَ 70 وَلَمَّا أَرَادَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- أَنْ تُعْتَمِرَ أَمَرَ أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمنِ أَنْ يُعَمِّرَهَا مِنَ التَّنْعِيم، فَأَعْمَرَهَا مِنْهُ" 71 وصلى بالحديبية عام الحديبية، وأراد الدخول منها للعُمْرة، فَصَدَّهُ اَلمُشْرِكون عنها 72 فقدم الشافعي -رضي الله عنه- ما فعله، ثم ما أمر به، ثم ما هم به.
والجُعْرَانة على ستة فَرَاسِخ من مكة.
والحديبية كذلك، وهي بين طريق جِدَّة وطريق المدينة في منعطفٍ بين جبلين، وبها مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم-.
والتنعيم على فرسخ من مكَّة، وهو على طريق المَدِينة، وفيه مَسْجِدُ عائشة -رضي الله عنها-، هذا تمام الكلام في القسم الأول من كتاب الحَجِّ.
الجزء: 3 - الصفحة: 341
القِسْمُ الثَّانِي مِنَ الكِتَابِ في المَقَاصِدِ
وَفِيهِ ثَلاَثةُ أَبْوَابٍ
الْبَابُ الأَوَّلُ
قال الغزالي: فِي وُجُوهِ أَدَاءِ النُّسُكَيْنِ، وَهُوَ ثَلاثَةٌ: (الأَوَّلُ) الإفْرَادُ وَهُوَ أَنْ يَأْتِي بِالْحَجِّ مُفْرِداً مِنْ مِيقَاتِهِ وَبِالْعُمْرَةِ مُفْرِدَةَ مِنْ مِيقَاتِهَا.
قال الرافعي: من أحرم بنسكٍ لزمه فِعْلُ أمورٍ وتركُ أمورٍ، والنظر في الأمور المفعولة من وجهين:
أحدهما: في كيفية أفعالهما.
والثاني: في كيفية أدائهما، باعتبار القرآن بينهما وعدمه، فلا جرم حصر كلام هذا القسم في ثلاثة أبواب:
أولها: في وجوه أداء النُّسْكَيْنِ.
وثانيها: في صِفَةِ الحَجِّ ويتبين فيه صفة العُمْرة أيضاً.
وثالثها: في مَحْظُورات الحَجِّ والعمرة، وإنما انقسم أدعاء النسكين إلى الوجوه الثلاثة، لأنه إما أن يقرن بينهما وهو المسمى قراناً أو لا يقرن، فإما أن يقدم الحج على العُمْرَةَ وهو الإفراد، أو يقدم العمرة على الحج وهو التمتع، وفيه شروط ستظهر من بعد، فإذا تخلف بعضُها، فربما عدت الصّورة من الإفراد، والوجوه جميعاً جائزة بالاتفاق.
وقد روي عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَمِنَّا مَنْ أَهْلَّ بِالْعُمْرَةِ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحجِّ وَالْعَمْرَةِ" 73.
وأما الأفضل منها، فإن قول الشافعي -رضي الله عنه- لا يختلف في تأخير القرآن
الجزء: 3 - الصفحة: 342
عن الإفراد والتمتع؛ لأن أفعال النُّسُكَيْنِ فيهما أكمل منها في القرآن.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: القرآن أَفْضَلُ مِنْهُمَا، ويحكى ذلك عن اختيار المُزَنِيّ، وابْنِ المُنْذِرِ، وأَبِي إِسْحَاقَ المَرْوَزِي؛ لما روى عن عائشة قالت: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- يَصْرُخُ بِهِمَا صُرَاخاً، يَقُولُ: لَبَّيْكَ بِحَجِّ وَعُمْرَةٍ" 74.
لكن هذه الرواية معارضة بروايات أخر راجحة على ما سيأتي.
واختلف قوله في الإفراد والتمتع أيهما أفضل؟ قال في اختلاف الحديث: التمتع أفضل، وبه قال أحمد، وأبو حنيفة -رحمهما الله-؛ لما روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَوِ اسْتَقبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدى وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً" 75.
والاستدلال أنه -صلى الله عليه وسلم- تمنى تقديم العمرة، ولولا أنه أفضل لما تَمَنَّاه.
وقال في عامة كتبه: الإفراد أفضل، وهو الأصح، وبه قال مالك؛ لما روى عن جابر -رضي الله عنه-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَفْرَدَ" 76 وروى مثله ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ -رضي الله عنهم 77 - ورجح الشافعي -رضي الله عنه- رواية جابر على رواية رواة القرآن والتمتع بأن جابراً أقدم صحبة وأشد عناية بضبط المَنَاسِك وأفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- من لَدُن خروجه من المدينة إلى أن تَحَلَّل.
وأما قوله: (لو اسْتَقبَلتُ مِنْ أَمْرِي" الخبر فإنما ذكر تطييباً لقلوب أصْحَابه واعتذاراً إليهم، وتمام الخبر ما روى عن جابر: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَحْرَمَ إِحْرَاماً مُبْهماً وَكَانَ يَنْتَظِرُ الْوَحْيَ فِي اخْتِيَارِ أَحَدِ الْوُجُوهِ الثَّلاثَةِ، فَنَزَلَ الْوَحْيُ بِأَنَّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَلْيَجْعَلهُ حَجّاً، وَمَن لَمْ يَسُقْ فَلْيَجْعَلْهُ عُمْرَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَطَلْحَةُ قَد سَاقَا الْهَدْيَ دُونَ غَيْرِهِمَا، فَأمَرَهُمْ بِأَنْ يَجْعَلُوا إحْرَامَهُمْ عُمْرَةً، وَيتَمَتِّعُوا، وَجَعَلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِحْرَامَهُ حَجّاً فَشَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لِأنَّهُمْ كَانُوا يعتَقدون من قبل أن العمرة في أشهر الحج من أكبر الكبائر، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك، وأظهر الرَّغْبَة في موافقتهم، لَوْ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيِ" 78 فإن الموافقة الجَالِبة للقلوب أهم بالتَّحْصِيل من فَصِيلة وقربة، واتفق الأصْحَاب عَلى القولين، على أَنَّ النَّبِيَّ
الجزء: 3 - الصفحة: 343
-صلى الله عليه وسلم- كَانَ مُفْرِداً عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ"، وحكى الإمام -رحمه الله- عن ابْنِ سُرَيْج أنه كان متمتعاً ونقل عن بعض التصانيف شيئاً آخر في الفصْلِ واستبعده وهو أن الإفراد مُقَدَّمٌ على القرَان والتمتع جَزْماً، والقولان في التمتع والقران أيّهما أفضل؟ واعلم أن تقديم الإفراد على التمتع والقران مَشْرُوط بأن يعتمر في تلك السنة.
أما لو أخر فكل واحد من التمتع والقران أَفْضَل منه؛ لأن تأخير العمرة عن سنة الحج مكروه.
وقوله في الكتاب: (وهو أن يأتي بالحجِّ مفرداً من ميقاته وبالعمرة مفردة من ميقاتها)، أراد من ميقاتها في حَقِّ الحَاضِرِ بمكة، ولا يلزمه العَوْدُ إلى ميقاتِ بلدِهِ، وفيما علق عن الشَّيْخ أَبِي مُحَمَّدٍ أن أبا حَنِيفَةَ -رحمه الله- يأمره بالعود ويوجب دَمَ الإِسَاءَةِ إن لم يَعُدْ، -والله أعلم-.
ثم الإفراد لا ينحصر في الصورة بل يلتحق بها من صور تختلف شروط التمتع صوراً سينتهي إليها.
قال الغزالي: (الثَّانِي) القِرَان وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا جَمِيعاً فَيَتّضحِدَ المِيقَاتُ وَالفِعْلُ (ح) وَتَنْدَرجَ العُمْرَةُ تَحْتَ الحَجِّ، وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ الحَجَّ عَلَيْهِ قَبْلَ الطَّوَافِ كَانَ قَارِناً، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ لَغَا إدْخَالهُ، وَلَوْ أَدْخَلَ العُمْرَةَ عَلَى الحَجِّ لَمْ يَصِحَّ فِي أَحَدِ القَوْلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَتَغَيَّرُ الإحْرَامُ بَعْدَ انْعِقَادِهِ.
قال الرافعي: الصورة الأصْلِيَّة للقران أن يحرم بالحَجِّ والعمرة معاً، فتندرج العمرةُ تحت الحَجِّ، ويتحد الميقاتُ والفِعْل، ويجوز أن يعلم قوله: (والفعل) بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- يأتي بطوافيين وسعيين أحدهما لِلْحَجِّ والآخر للعُمْرَة.
لنا: ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لعائشة -رضي الله عنها-: "وَطَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَسَعْيُكِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، يَكْفِيكِ لِحَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ" 79 وأيضاً فقد سلم الاكتفاء بإحرام وَاحِدٍ، وحلقِ وَاحِدٍ، فنقيس السَّعي والطَّواف عليهما، ثم في الفَصْلِ مسألتان:
إحداهما: لو أحرم بالعُمْرَة أولاً ثم أدخل عليها الحَجِّ نظر إن أدخله عليها في غير أشهر الحج، لفي ولم يتغير إحرامه بالعمرة، وإن أَدْخَلَه عليها في أَشْهُر الحَجِّ نظر إن أحرم بالعمرة في غير أشْهُر الحَجِّ، فهذه الصورة قد ذكرها في الكتاب في أول البَابِ الثَّاني، وستجدها عند الوُصُولِ إليها مشروحة -إن شاء الله تَعَالى-.
الجزء: 3 - الصفحة: 344
"وإن أحرم بالعُمْرَة في أُشْهُر الحَجِّ، وأدخل عليها الحَجَّ في أشهره، وهو المقصود في هذا المَوْضِع، فينظر إن لم يشرع في الطَّوَاف جَازَ وصار قَارناً؛ لأَنَّ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- أَحْرَمَتْ بالْعُمْرَةِ لِمَّا خَرَجَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَحَاضَتْ وَلَمْ يُمْكِنْهَا أَنْ تَطُوفَ لِلْعُمْرَةِ، وَخَافَتْ فَوَاتَ الْحجِّ لَوْ أَخّضرَتهُ إِلَى أَنْ تَطْهُرَ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ: مَا لَكِ أَنُفِسَتِ؟ قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: ذَلِكَ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، أُهِلِّي بِالْحجِّ وَاصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَلاَّ تَطُوفِي بالُبَيْتِ وَطَوَافُكِ يَكْفَيكِ لِحَجَّكِ وَعُمْرَتِكِ" 80 فأمرها -صلى الله عليه وسلم- بإدخال الحَجِّ على العمرة؛ لتصير قارنةٌ حتى لا يفوتها الحَجُّ، فإذا طهرت طَافَتْ للنسكَيْنِ معاً وإن شرع في الطَّواف أو أتمه لم يجز إدْخَالُ الحَجِّ عليها ولم لا يجوز؟ ذكروا في تعليله أربعة معان:
أحدها: أنه اشتغل بعمَلٍ من أعْمَالِ العُمْرَة، واتصل الإحرام بمقصوده، فيقع ذلك العملُ عن العمرةِ، ولا ينصرف بعده إلى القُرَان.
والثاني: أنه أتى بفَرْضٍ من فُروضِ العُمْرَة، فإن الفرائض هِيَ المعينة، وما عداها لاَ يَضُرُّ انْصرافِها إلَى القران.
والثالث: أنه أتى بمعظم أفعال العُمْرة، فإن الطَّواف هو المعظم في العُمْرةَ، فإذا وقع عن العمرة لم ينصرف إلى غَيْرِهَا.
والرابع: أنه آخذ في التحلل في العُمْرَةِ، وحينئذ لاَ يَلِيقُ به إدخالُ إحرامٍ عليه؛ لأنه يقتضي قوة الإحرام وكماله، والمتحلل جَارٍ في نقصان الإحْرَام، وشبه الشيخ أبُو عَلِيٍّ ذلك بما لو ارتدت الرَّجْعِيَّةُ فراجَعَهَا الزَّوج في الرِّدَّة، فإن الشَّافعي -رضي الله عنه - نُصَّ على أنه لا يجوز؛ لأن الرجعة استباحة فلا تصح، والمرأة جارية إلى تَحْرِيمٍ، وهذا المعنى الرابع هو الذي أورده أَبُو بَكْرٍ الفَارِسِيّ في "العيون" وحيث جوّزنا إدخالَ الحَجِّ على العُمْرَة، فذلك إذا كانت الْعُمَرةُ صحيحةً، فإن أفسدها ثم أدخل عليها الحَجِّ ففيه خلافٌ سَنُورِدُهُ من بعد إن شاء الله تعالى.
المسألة الثانية: لو أحرم بالحَجِّ في وقته أولاً ثم أدخل عليه العمرة ففي جوازه قولان:
القديم: وبه قال أبوحنيفة: أنه يجوز، كما يجوز إدخال الحَجِّ على العمرة، والجامع أنهما نسكان يجوز الجَمْعُ بينهما.
والجديد: وبه قال أحمد -رحمه الله-: أنه لا يجوز؛ لأن الحَجِّ أقوى وآكِدٌ من
الجزء: 3 - الصفحة: 345
العُمْرَة، لاختصاصه بالوقُوف والرَّمْي والمَبِيت، والضعيف لا يَدْخُلُ عَلَى القَويِّ وإن كان القويُّ يدخل على الضَّعِيف، ألا ترى أن فرَاش ملك النكاح لما كان أقوى من فراش مَلْك اليمين لاختصاصه بإفادة قوة حقوق نحو الطَّلاق، والظِّهار، والإِيلاَءِ، والمِيرَاث، لم يجز إدخال فراش ملك اليمين على فراش مِلْك النِّكَاحِ، حتى لو اشترى أختَ منكوحته لم يجز له وَطْؤُها، ويجوز إدخال فراش النكاحُ على فراش مِلْكِ اليمين، حتى لو نكح أختُ أمَتِهِ، أو أخت أُمِّ وَلَدِهِ حَلَّ له وطؤها، وأيضاً فإنه إذا أدخل الحَجِّ على العمرة زاد بإدخاله أشياءَ لم تكن عَلَيْهِ، وإذا أدخل العُمْرَة على الحَجِّ، لم يزد شيئاً على ما عليه، فلو جوزناه لأسقطنا العُمْرَة عنه بالدَّمِ وحده، وذلك مما لا وجه له، وإلى هذا المعنى أشار في الكتاب بقوله: (لأنه لم يتغير الإحرامُ به بعد انعقاده) فإن لم نجوز إدخال العمرة على الحَجِّ فذاك، وإن جوزناه فإلى متى تجوز؟ فيه وجوه مفرعة على المعاني الأربعة في المسألة السابقة:
أحدها: أنه يجوز قَبْلَ طوافِ القُدُومِ، ولا يجوز بعد اشتغاله به؛ لإتيانه بَعَمَلٍ من أعمالِ الحَجِّ، وذكر في "التهذيب" أن هذا أصَح.
والثاني: ويحكى عن الخضري: أنه يجوز بعد طَوَافِ القُدومِ مَا لَمْ يَسْع، وما لم يَأْتِ بفرضٍ من فُروضِ الحَجِّ، فإن اشتغل بشيء منها فَلاَ.
والثالث: يجوز، وإن اشتغل بِفَرْضٍ ما لم يقف بعرفة، فإذا وَقَفَ فَلاَ، لأنه مُعْظَمُ أعمالِ الحَجِّ، وعلى هذا لو كان قد سَعَى فعليه إعادة السَّعي ليقع عن التسكين جميعاً، كذا قاله الشَّيْخُ في معظم الفروع.
والرابع: يجوز وإن وقف ما لم يشتغل بِشَيْءٍ من أسباب التحلل من الرَّمْي وَغَيْرِه، فإن اشتغل فَلاَ، وعلى هذا لو كان قد سعى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ وجوبُ إِعَادَتِهِ، وحكى الإمام فيه وجهين، وقال: المذهب أنه لا يجب، ويجب على القارن دَمٌ؛ لما روي عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "أَهْدَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ أَزْوَاجِهِ بَقَرَةً وَنَحْنُ قَارِنَاتٌ" 81 ولأن: الدم واجب على المتمتع بِنَصِّ القُران، وأفعال المتمتع أكثر من أفعال القَارِن، فإذا وجب عليه الدم فلأن يجب على القارن كَانَ أولى، وصفةٌ دَم القَرَانِ كَصِفَةِ دَمِ التَّمَتُّعِ، وكذا بدله، وعن مالكٍ أن على القارن بدنة، وحكى الحنَّاطِيُّ عن القديم مثله.
لنا أن المتمتع أكثر ترفيهاً، لاستمتاعه بمحظورات الإحْرَام بين النسكين، فإذا اكتفى منه بشاة فلأن يكتفي بها من القارن كان أولى، -والله أعلم-.
الجزء: 3 - الصفحة: 346
قال الغزالي: الثَّالِثُ: التَّمَتّعُ وَهُوَ أَنْ يُفْرِدَ العُمْرَةَ ثمَّ الْحَجَّ وَلَكِن يَتَّحِدُ المِيقَاتُ إِذَا تَحَرَّمَ بالحَجِّ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ، وَلَهُ سِتَّةُ شُرُوطٍ: الأَوَّلُ أَنْ لاَ يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ فإِنْ الحَاضِرَ مِيقَاتُهُ نَفْسُ مَكَّة فلاَ يَكُونُ قَدْ رَبِحَ مِيقَاتًا، وَكُلُّ مَنْ مَسْكنُهُ دُونَ مَسَافَةِ القَصْرِ حَوَالَيْ مَكَّةَ فَهُوَ مِنَ الحَاضِرِينَ، وَالآفَّاقِيُّ إِذَا جَاوَزَ المِيقَاتِ غَيْرَ مُرِيدٍ نُسكْاً فكمَا دَخَلَ مَكَّة اعْتَمَر ثُمَّ حَجَّ لَمْ يَكُنْ مُتَمَتعاً إِذْ صَارَ مِنَ الحَاضِرِينَ، إذْ لَيْسَ يُشْتَرَطُ فِيهِ قَصْدُ الإِقَامَة، الثَّاني أَنْ يُحْرِمَ بالعُمْرَةِ في أَشْهُرِ الحَجِّ فَلَوْ تَقَدَّمَ تَحَلَّلَهَا لَمْ يَكُنْ مُتَمَتِّعاً إِذْ لَمْ يَزْحَم الحَجِّ بالعُمْرَةِ في مظَنَتِهِ، وَلَو تَقَدَّمَ إِحْرَامُهَا دُونَ التَّحَلُّلِ فَفِيهِ خِلاَفٌ، فإذَا لَمْ يَكُن مُتَمَتِّعاً فَفِي لُزُومِ دَمِ الإسَاءَة لِأَجْلِ أَنَّهُ أَحْرَمَ بالحَجِّ مِنْ مَكَّة لاَ مِن المِيقَاتِ وَجْهَانِ، الثَّالِثُ: أَنْ يَقَعَ الحَجُّ وَالعُمْرَةُ في سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، الرَّابعُ: أَنْ لاَ يَعُودَ إلَى مِيقَاتِ الحَجِّ فَلَوْ عَادَ إِلَيْهِ أَوْ إلَى مِثْلِ مَسَافَتِهِ كَانَ مُفْرِدًا، وَلَوْ عَادَ إلَى مِيقَاتٍ كَانَ أَقْرَبَ مِنْ ذَلِكَ المِيقَاتِ فَوَجْهَانِ، الخامِسُ: أَنْ يَقَعَ النُّسُكَانِ عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ، فَلَوِ اعْتَمَرَ عَنْ نَفسِهِ ثُمَّ حَجَّ عَنِ المُسْتَأْجِرِ فَلاَ يُمْنَعُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهِيْنِ، السَّادِسُ: نِيَّةُ التَّمَتُّع عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ تَشْبِيهًا لَهُ بالجَمْعِ بَيْنَ الصَّلاَتيْنِ، والأَصَحُّ: أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ كمَّا في القِرَانِ.
قال الرافعي: التمتع هو أن يحرم بالعمرة من ميقاتِ بَلَدِهِ، وَيدْخُلُ مكة ويأتي بأعمالِ العُمْرَة، ثم ينشئ الحَجَّ من مكة، وسمي تمتعاً لاستمتاعه بمحضورات الإحرام بينهما، أو تمكنه من الاستمتاع لحصول التحلل.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- إن كان قد سَاقَ الهَدْيَ لم يتحلل بفراغه من العُمْرةَ، بل يحرم بالحج فإذا فرغ منه حَلَّ منهما جميعاً، وإن لم يَسُق الهَدْى تحلل عند فراغِهِ من العُمْرةَ.
لنا أنه متمتع ما أكمل أفعال عمرته فأشبه، ما إذا لَمْ يُسُقِ الهَدْيَ.
وقوله: (أن يفرد العمرة ثم الحج) فيه إشارة إلى أن أفعالهما لا تتداخل، بل يأتي بهما على الكَمَالِ، بخلاف ما في القَرَان.
وقوله: (لكن يتحد الميقات إذ يحرم بالحج من جوف مَكَّة)، معناه: إنه يالتمتع من العُمْرَة إلى الحج يربح ميقاتاً، لأنه لَوْ أحرم من ميقات بَلَدِهِ لكان يحتاج بعد فراغه من الحَجِّ إلى أن يخرج من أدنى الحلِّ، فيحرم بالعُمْرَة منه، وإذا تمتع استغنى عن الخُروج؛ لأنه يُحْرِمُ بالحجِّ من جَوْفِ مَكَّةَ، فكان رابحاً أحد الميقاتين.
ويجب على المتمتع دَمٌ، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
الجزء: 3 - الصفحة: 347
وإنما تجب بشروط:
أحدها: ألا يكون من حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَام قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ 82 والمعنى فيه: أن الحاضر بمكة ميقاته لِلْحَجِّ نفس مكة، فلا يكون بصورة التمتع رابحاً ميقاتاً، وكل من مسكنه دون مسافة القصر فهو من حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَام، فإن زادت المسافة فَلاَ، وبه قال أحمد، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- حاضرو المَسْجِدَ أَهْلُ المَوَاقِيتِ والحَرَمِ وما بينهما.
وقال مالك: هم أهْلُ مَكَّة وذي طُوَى، وربما روي عنه أنهم أهل الحَرَمِ.
لنا أن من قرب من الشَّيْءِ ودنا منه كان حاضراً إيَّاه، يقال: حضر فلانٌ فلاناً إذا دنا منه، ومن كان مسكنه دون مسافة القصر فهو قريب نازل منزلة المقيم في نفس مَكَّة، ولهذا لا يجوز للخارج إليه الترخص بالفِطْرِ والقَصْرِ ونحوهما، على أن في مذهب أبي حنيفة بُعْداً فإنه يؤدي إلى إخْرَاج القَرِيب من الحَاضِرِين، وإدخال البعيد فيهم؛ لتفاوت مسَافَاتِ المَوَاقِيت، ثم المسافة التي ذكَرْناها مَرْعِيَّةٌ مِنْ نَفْسِ مَكَّة أو من الحرم؟ حكى إبْرَاهِيمُ المرووزي فيه وجهين: والثاني هو الدائر في عبارات أصحابنا العراقيين، ويَدُلُّ عليه أن المَسْجِدَ الحرام عبارة عن جَمِيع الحَرَمِ؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ 83 ولو كان له مسَكنان:
أحدهما: في حد القُرْب من الحرم والآخر في حَدِّ البُعْدِ، فإن كان مقامه بالبعيد أكثر فهو آفاقي، وإن كان بالقرَيب أكثر فهو من الحَاضِرِين، وإن استوى مقامه بهما نظر إلى ماله وأهله فإن اختص بأحدهما أو كان في أحدهما أكثر فالحكم له، وإن استويا في ذلك أيضاً اعتبر حاله بِعَزْمِهِ، فأيهما عزم على الرُّجُوعِ إليه فَهُوَ من أهْلِهِ، فإن لم يكن لَهُ عَزْمٌ فالاعتبار بالذي خرج منه.
ولو استوطن غريب بمكة فهو من الحاضرين، ولو استوطن مَكِيُّ بالعِرَاقِ فليس له حُكْمُ الحَاضِرِين، والاعتبار بما آل إليه الأمْرُ.
ولو قصد الغريب مكة ودخلها متمتعاً ناوياً الإقامة بها بعد الفراغ من النسكين، أو مِنَ العُمْرَةِ أو نوى الإقامة بها بعد ما اعتمر لم يكن من الحَاضِرِين، وَلم يسقط عنه دَمُ التمتعَ فَإِنَّ الإقامة لا تحصل بمجرد النِّية، وذكر حجة الإسلام -رحمه الله- في هذا الشَّرْطِ صورة هي من مواضع التوقف، ولم أجدها لِغَيْرِهِ بَعْدَ البَحْثِ، وهي أنه قال: (والآفاقي إذا جاوز الميقات غير مريد نسكاً فلما دخل مكة اعتمر ثم حج لم يكن متمتعاً إذ صار من الحَاضِرين، إذ ليس يشترط فيه قَصْدُ الإقامة) وهذه الصورة متعلقة أولاً
الجزء: 3 - الصفحة: 348
بالخلاف في أن من قَصَدَ مكةَ هل يلزمه الإِحْرَام بِحَجٍّ أو عمرة أم لا؟ ثم ما ذكره من عدم اشتراط الإقامة مما تنازع فيه كلام عامة الأصحاب ونقلهم عن نَصِّه في "الإملاء" والقديم، فإنه ظَاهِرٌ في اعتبار الإقامة بل في اعتبار الاستيطان، -والله أعلم-.
وفي "النهاية" و"الوسيط" حكاية وجهين: في سورة تُدَانِي هذه وهي أنه: لو جاوز الغَرِيبُ الميقاتَ وهو لا يريدُ نسكًا ولا دخولَ الحَرَمِ، ثم بَدَا له قريباَ من مَكَّة أن يَعْتَمِرَ فاعتمر منه وحَجَّ بعدها على سورة التمتع هل يلزمه الدَّم.
أحد الوجهين: أنه لا يلزمه؛ لأنه لم يلتزم الإحْرَامَ وهو على مسافة بعيدة، وحين خطر له ذلك كان على مَسَافة الحَاضِرِين.
وأصحهما: يلزم؛ لأنه وجد صورة التمتع وهو غير معدود من الحَاضِرِين، فذكر في "الوسيط" في توجيه هذا الوجه أن اسم الحاضرين لا يتناوله إلا إذا كان في نفس مكة أو كان متوطناً حَوْلَهَا، فلم يعتبر التوطن فيمن هو بمكة واعتبره فيمن هو حَوَاليها، والنفس لا تنقاد لِهَذا الفَرْق، ثم كما لا يَجِب الدَّمُ على المَكِّي إذا أتى بصورة التمتع لا يجب عليه إذا قَرَن وبأن الأصل دَم التمتع المنصوص عليه في الكتاب، فإذا لم يجب ذلك على المَكِّي لم يجب دم القَرَان، وروى الحَنَّاطِيُّ وجهاً أن عليه دَمُ القَرَانِ، ويشبه أن يكون هذا الاختلاف مبنياً على وجهين نقلهما صاحب "العدة" في أن دَمُ القَرَانِ دَمُ جَبْرٍ أَوْ دَمُ نُسُكٍ، والمشهور أنه دَمُ جَبْرٍ، وهل يجب على المَكِّي إذا قَرَن إِنْشَاءُ الإحْرَامِ من أدنى الحِل كما لو أفرد العمرة أم يجوز أن يحرم من جوف مَكَّة إدراجاً للعمرةَ تحت الحج؟ فيه وجهان:
أصحهما الثاني: ويجريان في الافاقي إذا كان بمكة وأراد القرآن.
الشرط الثاني: أن يحرم بالعمرة في أَشْهُرِ الحَجِّ فلو أحرم وَفَرَعَ مِنْ أَعْمَالِهَا قَبْلَ أَشْهُرِ الحَجِّ ثم حج لم يلزمه الدم؛ لأنه يجمع بين الحَجِّ والعمرة في وَقْتِ الحَجِّ، فأشبه المفرد لمَّا لَمْ يجمع بينهما لم يلزمه دم، وقد ذَكَرَ الأئمة أن دَمَ التَّمَتُّعِ مَنُوطٌ مِنْ جهة المعنى بأمرين:
أحدهما: ربح ميقات كَمَا سَبَقَ.
والثاني: وقوع العُمْرةَ في أَشْهُرِ الحَجِّ، وكانوا لا يزحمون الحَجِّ بالعُمْرَةِ في مظنته ووقت إمكانه، ويستنكرون ذلك، فورد التمتع رخصةٍ وتخفيفاً، إذ الغريب قد يرد قبل عَرَفَةَ بأيام ويشق عليه استدامة الإحرام لو أحرم من الميقات، ولا سبيل إلى مجاوزته، فجوز له أن يعتمر ويتحلل.
ولو أحرم بها قبل أشْهُرِ الحَجِّ، وأتى بجميع أفْعَالِهَا في أشْهُرِهِ، ففيه قولان:
الجزء: 3 - الصفحة: 349
أحدهما: يلزمُه الدَّمُ، قال في القديم "والإملاء": لأنه حصلت المُزَاحمة في الأفعال وهي المقصودة والإحرام كالتمهيد لها.
وأصحهما: لا يلزمه قاله في "الأم" وبه قاله أحمد -رحمه الله- بأنه لم يجمع بين النسكين في أَشْهُرِ الحَجِّ؛ لتقدم أحَدِ أركانِ العُمْرَةِ عَلَيْهَا، وعن.
ابنِ سُرَيْجٍ -رحمه الله- أن النصين محمولان على حالين، وليست المسألة على قولين، إن أقام بالميقات بعد إحرامه بالعمرة حتى دخل أشهر الحج أو عاد إليه مُحْرِماً بها في الأشهر لَزِمَهُ الدَّمُ، وإن جاوزه قَبْلَ الأشهر ولم يعد إليه لم يلزمه، والفرق حصوله بالميقاتِ محرماً في الأَشْهُرِ مع التمكن من الإحْرَام بالحَجِّ، وإن سبق الأحرامُ مَع بعضِ الأعمال أشهر الحج فالخلاف فيه مُرَتَّبٌ، إن لم نوجب الدم إذا سَبَقَ الإحرامُ وحده فهاهنا أولى.
أوجبناه فوجهان، والظاهر: أنه لا يَجِب أيضاً.
وعن مالك -رحمه الله- أنه مهما حَصَل التحلل في أشهر الحَجِّ وجب الدم، وعند أبي حنيفة إذا أتى بأكثر أَفْعَالِ العُمْرَة في الأَشْهُرِ كان متمتعاً، وإذا لم نوجب دم التمتع في هذه الصورة، ففي وجوب دم الإسَاءة وجهان:
أحدهما: يجب، وبه قال الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ -رحمه الله- لأنه أحرم بالحج من مَكَّة دون الميقات.
وأصحهما: لا يجب؛ لأن المسيء من ينتهي إلى الميقات على قَصْد النُّسك، ويجاوزه غير محرم، وهاهنا قد أحرم بنسك وحافظ على حرمة البقعة.
وقوله في الكتاب: (ولو تقدم إِحْرَامُهَا دون التحلل) يمكن تنزيله على تقدم مجرد الإحرام.
وقوله: (دون التحلل) أي: دون الأعمال إذ التحلل بها يحصل، ويمكن تنزيله على ما تشترك فيه هذه الصّورة وصورة تقدُّمِ بَعْضِ الأعمال، وعلى التقديرين فتفسير الخلاف الذي أبهمه بين ما ذكرنا والإمام -رحمه الله- أورد بدل القولين وجهين، وهو خلاف رواية الجمهور.
ويجوز إعلام لفظ (الخلاف) بالواو لما مَرَّ عن ابْنِ سُرَيْجٍ.
الثالث: أن يقع الحَجُّ والعمرةُ في سَنَةٍ واحدة، فلو اعتمر ثم حج في السنة القابلة فلا دم عليه، سواء أقام بمكة إلى أن حَجَّ؛ أو رجع وعاد؛ لأن الدم إِنَّمَا يَجِب إِذَا زاحم بالعُمْرَةِ حُجَّتَهُ في وَقْتِها، وترك الإحرام بحجته من الميقات مع حصوله بها في وقت الإمكان ولم يوجد وقد روي عن سَعِيدِ بنِ المُسَيّبِ قال: "كَانَ أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَعْتَمِرُونَ فِي أَشْهُرِ الْحَجّ فَإذَا لَمْ يَحُجُّوا فِي عَامِهِمْ ذَلكَ لَمْ يُهْدُوا" 84.
الجزء: 3 - الصفحة: 350
ويمكن رد هذا الشرط والشرط الثاني إلى شَيْءٍ وَاحِدٍ وهو وقوع العمرة في أشهر الحَجِّ التي حَجَّ فيها.
والرابع: ألا يعود إلى الميقات كما إذا أحرم بالحَجِّ من جَوْفِ مَكَّة واستمر عليه، فإن عاد إلى ميقاته الذي أنشأ العمرة منه وأحرم بالحَجِّ فلا دم عليه؛ لأنه لم يَرْبَح مِيقاتاً، ولو رجع إلى مثل مَسَافَةِ ذَلِكَ المِيقَاتِ وأحرم منه فكذلك لا دم عليه؛ لأن المقصودَ قَطْعُ تِلْكَ المَسَافَة مُحْرماً.
ذكره الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُه، ولو أحرم من جَوْفِ مَكَّة ثم عَادَ إِلَى الميقات مُحْرِماً ففي سقوط الدَّمِ مِثلِ الخِلاَفِ المَذْكُورِ فيما إذا جاوز الميقات غير محرم وعاد إليه مُحْرِما، ولو عاد إلى مِيقَاتٍ أقرب إلى مكَّة من ذلك الميقات وأحرم منه كما إذا كان ميقاته الجُحْفَةَ فعاد إلى ذَاتِ عِرْقٍ، فهل هو كالعَوْدِ إلى ذلك الميقات؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، وعليه الدَّم، إذ لم يَعُدْ إلى ميقاته، ولا إلى مثل مسافته.
والثاني: نعم؛ لأنه أَحْرَم مِنْ مَوْضِع ليس ساكنوه من حَاضِري المَسْجِدِ الحَرَامِ، وهذا هو المَحْكِيّ عن اخْتِيَارِ القَفَّالِ والمعتبرين، أبدوه بأن دم التمتع خارج عن القِيَاس لإحيائه كل ميقات بُنُسُكٍ فإذا أحرم بالحَجِّ من مسافة القَصْرِ بطل تمتعه وترفهه، فلا يقدح إيجابُ الدَّمِ عليه بِحَالٍ، ولو دخل القارنُ مَكَّةَ قبل يَوْمِ عرفة ثم عاد إلى المِيقَات للحَجِّ هَل يَلْزَمُهُ الدَّمُ؟ ذكر الإمام -رحمه الله- أنه مرتب على المتمتع إذا أحرم ثم عاد إليه إن لم يَسْقُط الدم ثُمَّ فهاهنا أولى، وإن أسقطنا فوجهان، والفرق أن اسم القَرَانِ لا يزول بالعود إلى الميقات بخلاف التمتع.
قال الحَنَّاطِيُّ: والأصح أنه لا يَجِب أيضاً، وقد نَصَّ على في "الإملاء".
وقوله في الكتاب: (أن لا يعود إلى ميقات الحج) أراد إلى الميقات لِلْحَجِّ، وإلا فلا يحسن حَمْلُه على مُطْلَقِ الحَجِّ فإن المواقيتَ لا اخْتِصَاصَ لها، بالحَجِّ، بل هي للنسكين سَوَاء، ولا على حجة خاصة فإنه ميقات عمرة المتمتع لا ميقات حجة.
وقوله: (كان مُفْرِداً) معلم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- لا يكون مفرداً، ولا يسقط عنه دم التمتع حتى يعود إلى بلده ويلم بأهله.
الخامس: اختلفوا في أنه هَلْ يشترط وقوع النسكين عن شَخْصٍ واحدٍ أم لا؟ فعن الخُضَرِي: أنه يشترط كما يشترط وقوعهما في سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وقال الجُمْهُورُ: لا يشترط لأن زحمة الحَجِّ وترك الميقات لا يختلف.
إذا عرفت ذلك فهذا الأمر المختلف في اشتراطه يفرض فواته في ثلاثِ صُوَر:
أحدها: أن يكون أجيراً مِنْ قِبَلِ شَخْصَيْنِ استأجره أحدهما للحَجِّ والآخر للعمرة.
الجزء: 3 - الصفحة: 351
والثانية: أن يكون أجيراً للعمرة فيعتمر للمستأجر ثم يَحُجُّ عَنْ نَفْسِهِ.
والثالثة: أن يكون أجيراً للحجِّ فيعتمر لنفسه، ثم يحج عن المستأجر، وهذه الثلاثة هي التي أوردها في الكتاب، وقد ذكرها في صَدْرِ الحَالَةِ الثانية من أحوالِ الأَجِيرِ قبل هذا البيان حكمها فيما يتعلق باحتساب المسافة وحَطِّ الأجرة.
فإن قلنا بمذهب الجمهور فقد ذكروا أن نِصْفَ دَمِ التمتع على من يقع له الحَجِّ، ونصفه على من تقع له العُمْرَة، وليس هذا الكلام على هذا الإِطْلاَق، بل هو محمول على تَفْصِيل ذكره صاحب "التهذيب" -رحمه الله-.
أما في الصورة الأولى فقد قال: إن أذنا في التمتع فالدم عليهما نِصْفَان، وإن لم يأذنا فَهُوَ على الأَجِير، وعلى قياسه إن أذن أحدهما دُونَ الآخر، فالنِّصْفُ على الآذن والنصف على الأَجِيرِ، وأما في الصورتين الآخرتين فقد قال: إن أذن له المستأجر في التمتع بالدَّمِ عليهما نصفان، إلا فَالْكُلُّ على الأَجِيرِ ولننتبه هَاهُنَا لِأُمُورٍ:
أحدها: إيجاب الدَّمِ على المُسْتَأْجِرَيْنِ أو أحدهما، مفرع على الأَصَحِّ في أن دَمَ القَرَانِ والتمتع على المُسْتَأجر، وإلا فهو على الأجير بكل حالٍ.
الثاني: إذا لم يأذن المستأجِرَيْنِ أو أحدهما في الصورة الأولى، أو المستأجر في الصورة الثالثة وكان ميقات البلدِ معيناً في الإجازة أو نزلنا المطلق عليه، فلزمه مع دم التمتع دَمُ الإِسَاءَةِ لمن جاوز ميقات نسكه.
والثالث: إذا أوجبنا الدَّمَ على المُسْتَأجِرَيْنِ، فلو كانا مُعْسِرَيْنِ فعلى كُلُّ وَاحِدٍ منهما خَمْسَةُ أَيَّامٍ، لكن صوم التمتع بعضه في الحَجِّ وبعضه بعد الرُّجوع، وهما لم يباشرَا حَجاً، فعلى قياس ما ذكره صاحب "التهذيب" تفريعاً على قولنا: إن دم القَرَان والتمتع على المُسْتَأجِرِ يكون الصَّوْمُ على الأَجِيرِ، على قياس ما ذكره صَاحِب "التتمة" ثم هو كما لو عجز المتمتع عن الصَّوْمِ والهَدْي جميعاً، ويجوز أن يكون الحكم على ما سيأتي في التمتع إذا لم يصم في الحج كيف يقضي؟ فإذا أوجبنا التفريق أَفْضَى تفريق الخمسة بنسبة الثلاثة والسَّبْعَة إلى تبعيض القسمين فيكملان ويصوم كل واحد منهما ستة أيام، وقِسْ على هذا ما أوجبنا الدم في الصورتين الآخيرتين على الأجير والمُسْتَأْجِرِ، وإن فرعنا على الوجه المعزى إلى الخُضَرِي فإذا اعتمر عن المستأجر ثم حج عن نفسه ففي كونه مسيئاً الخلافُ الَّذِي مَرَّ فيهما إذا اعتمر قبل أشْهُرِ الحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ مكة، لكن الأصح هَاهُنَا أنه مُسِيئٌ لإمكان الإحْرَامِ بالحَجِّ حِينَ حَضَرَ المِيقَات.
قال الإمام: فإن لم يلزمه الدَّم، ففوات هذا الشرط لا يؤثر إلا في فوات فَضِيلَةِ التمتع على قولنا: أنه أفضل من الإفراد، وإن ألزمناه الدَّم فله أثران، هذا أحدهما:
الجزء: 3 - الصفحة: 352
والثاني: أن المتمتع لا يجب عليه العود إلى الميقات، وإذا عاد وأحرم منه سقط عنه الدَّمُ بِلاَ خِلاَف، والمسيء يلزمه العَوْدُ ففي سقوط الدم عنه خلاف، وأيضاً فإن الدَّمين يتفاوتان في البدل.
السادس: في اشتراط نية التمتع وجهان:
أصحهما: لا يشترط كما لا تشترط نية القران، وهذا لأن الدَّمَ مَنُوطٌ بِزَحْمَةِ الحَجِّ، وَرِبْحِ أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، وذلك لا يختلف بالنية وعَدَمِهَا.
والثاني: يشترط لأنه جمع بين عبادتين في وقت إِحْدَاهُما، فأشبه الجمع بين الصَّلاتَيْنِ، لكن الفرق ظَاهِر، فإن أشْهُرَ الحَجِّ كما هي وقت الحَجِّ فهي وقت العمرة بخلاف وقت الصَّلاة، فإن قلنا باشتراطها ففي وقتها ثلاثة أوجه مأخوذة من الخِلاَف في وقت نية الجَمْعّة بَيْنَ الصلاتين:
أحدها: أن وقتها حالة الإحرام بالعُمْرَة.
والثاني: ما لم يفرغ من العُمْرَة.
والثالث: ما لم يشرع في الحَجِّ.
قال الإمام -رحمه الله- واعتبار ما نحن فيه بنية الجمع بين الصَّلاتين في نِهَايَةِ الضَّعْفِ، لكن لو قيل: إنما يلزم الدَّم إذا كان على قَصْدِ الحَجِّ عند الانتهاء إلى الميقات وأتى بالعمرة فإنه قَدِم أدنى النسكين من أطول المِيقَاتَيْن، أما إذا لم يكن على قصد الحَجِّ أو كان على قَصْدِ الاقتصار على العُمْرة ثم اتفق الحَجِّ فلا دم عليه قياساً على من جاوز الميقات، لا على قصد النّسك، لكان هذا قريباً من مأخذ المناسك، -والله أعلم-.
فهذا شَرْح الشُّروط المذكورة في الكتاب وورائها شرطان:
أحدهما: أن يحرَم بالعمرة مِنَ المِيقَاتِ، فلو جاوزه مريداً للنسك ثم أحرم بها فالمنقول عن نصه أنه ليسَ عليه دَمُ التَّمتُّعِ، ولكن يلزمه دَمُ الإِسَاءَةِ، وقد أخذ بإطلاقه آخذون، وقال الأكثرون: هذا إذا كان الباقي بينه وبين مكَّة دون مسافة القصر فإن بقيت مسافه القصر، فعليه الدَّمانِ مَعًا.
والثاني: حكى ابْنُ خَيْرَانَ اشتراط وقوع النسكين في شهرٍ واحد، وأباه عامة الأصحاب.
واعلم أن الشروط المذكورة معتبرة في لزوم الدَّمِ لا محالة على ما فيها من الوِفَاقِ والخلاف، وهل هي معتبرة في نفس التمتع؟
منهم: من يطلق اعتبارها بعينها، حتى إذا انخرم شَرْطٌ مِنَ كانت الصورةُ صورةَ الإفْرَادِ، وعلى هذا قال في مَوَاضِعَ من الفَصْل: لم يكن متمتعاً، وهو ظاهر قوله في
الجزء: 3 - الصفحة: 353
أوله: (وله ستة شروط) ومنهم من لا يعتبرها في نفس التمتع وهذا أشهر، ولذلك رسموا صِحَّةَ التمتع من المَكِّي مسألة خلافية، فقالوا: يَصِحَّ عِنْدَنَا التمتع والقران من المَكِّي، وبه قال مالك -رحمه الله-.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- لا يَصِح منه قران ولا تمتع، وإذا أحرم بهما ارتفضت عمرته، وإن أحرم بالحَجِّ بعدما أتى بِشَوْطٍ من الطواف للعمرة ارتفض حَجّه في قول أبي حنيفة، وعمرته في قول أبي يوسف ومحمد -رحمهما الله-، وإن أحرم به بعدما أتى بأكثر الطواف مضى فيهما وأراق دماً.
قال الغزالي: وَإِذَا وُجِدَتِ الشَّرَاِئطُ فَمَكَّةُ مِيقَاتُ المُتَمَتِّعِ كَمَا أَنَّها مِيقَاتُ المَكْيِّ، فَلَوْ جَاوَزَهَا فِي الإِحْرَامِ لَزِمَهُ دَمُ الإسَاءَةِ مَعَ عَدَمِ التَّمَتُّعِ.
قال الرافعي: إذا اعتمر ولم يرد العود إلى الميقات فعليه أن يحرم من مَكَّة "أمَرَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَصْحَابَهُ رَضِي اللهُ عَنْهُمْ أن يُحْرَمُوا مِنْ مَكَّةَ، وَكَانُوا مُتَمَتِعينِ" 85 وهي في حَقه كهي في حق المَكي، والكلام في الموضع الذي هو أولى لإحرامه، وفيما إذا خالف وأحرم خَارجَ مكة، إما في حد الحرم أو بعد مجاوزته إذ لم يعد إلى الميقات ولا إلى مساقته على ما ذكرنا في المكي، وإذا اقتضى الحال وجوب دم الإساءة لزم مضموماً إلى دَمَ التَّمتع.
واعترض صَاحِبُ الشَّامِلِ عليه فقال: دم التَّمَتُّعِ لا يجب إلا لِتَرْكِ المِيقَاتِ، فكيف يجب لذلك دم آخر.
أجابوا عنه: بأنا لا نسلم أنه يَجِبْ لهَذَا القدر بل يجب لربح أَحَدِ المِيقَاتَيْنِ، وزحمة الحَجِّ بالعمرة على مَا مَرَّ، ويدل على تغاير سببهما تغايرهما في كيفية البَدَلِ، وبتقدير أن لا يجب دم التمتع إلا لتَرْكِ الميقات فإنما يَجِب ذلك لتركه الإحرام من ميقات بلده، وهذا الدم إنما يجب لتركه الإحرام مما صار مِيقاتاً له ثانياً وهو مكة.
وقوله في الكتاب: (فلو جاوزها في الإحرام لزمه دم الإساءة) مطلق لكن المراد منه ما إذا لم يعد إلى المِيقَات، ولا إلى مسافته على ما تبين من قبل، ووجوب دم التمتع والحالة هذه يبين أن الشرط في التمتع أن لا يعود إلى الميقات لإِحْرَام الحَجِّ، لا أن يحرم من مكة ومن قال الشرط أن يحرم من مَكَّة فهو غالط في العبارة.
قال الغزالي: وَإِنَّمَا يَجِب دَمُ التَمَتُّعِ بِإحْرَامِ الحَجِّ، وَهَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ بَعْدَ العُمْرَةِ
الجزء: 3 - الصفحة: 354
عَلَى الحَجِّ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ لِلتَّرَدُّد فِي تَشْبِيهِ العُمْرَةِ بِاليَمِينِ مَعَ الحِنْثِ فَإنَّهُ أَحَدُ السَّبَبَيْنِ.
قال الرافعي: لما فرغ من القول في تصوير التمتع والشَّرائط المرعية فيه، أراد أن يتكلم في وَقْتِ وجوب الدَّم، وفي بدله وما يتعلق بهما، والمتمتع يَلْزُمُهُ دَمْ شَاةٍ إذا وجب، وبه فسر قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 86.
وصفته صِفَة شَاةِ الأضْحِيَةِ، ويقوم مقامه السُّبُعُ مِنَ البَدَنَةِ والبَقَرَةِ، ووقت وجوبه الإحرام بالحَجِّ، وبه قال أبُو حَنِيفة -رحمه الله-؛ لأنه حينئذٍ يصير متمتعاً بالعُمْرة إلى الحَجِّ.
وعن مالك -رضي الله عنه-: أنه لا يجب حتى يرمي جَمرَةَ العَقَبَةِ فيتم الحَجَّ، وإذا وَجَبَ جاز إراقته، ولم يتأقت بوقتٍ كسائر دِمَاءِ الجبرانات إلا أن الأفضل إراقته يوم النحر.
وقال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله-: لا يجوز إراقته إلاَّ يَومَ النَّحْرِ، وهل يجوز إراقته قَبْلَ الإحْرَامِ وبعد التَّحَلُّلِ مِنَ العُمْرةِ؟ فيه قولان، وقيل: وجهان:
أحدهما: لا يجوز، كما لا يجوز الصَّوْمُ في هذه الحالة، وهذا لأن الهدي يتعلق به عمل البدن، وهي تفرقة اللَّحْمِ، والعبادات البدنية لا تقدم على وقت وجوبها.
وأصحها: الجواز؛ لأنه حَقٌّ مَالي تعلق بسببين وهما: الفراغ من العمرة والشروع في الحج، فماذا وجد أحدهما جاز إِخْرَاجُهُ كَالزَّكَاةِ والكَفَّارَةِ.
وقوله: (للتردد في تشبيه العمرة باليمين مع الحنث بها أحد السببين.
معناه: أن أحد القولين مُوَجَّهٌ بتشبيه الفَرَاغِ من العُمْرَةِ، والشّروع في الحَجِّ باليمين مع الحنث، ومن نصر القول الثاني ينازع في هذا التشبيه، ويقول: الكفارة متعلقة باليمين منسوبة إليها، والدم ليس متعلقاً بالعُمْرَة وإنما هو متعلق بالتَّمَتُّعِ مِنَ العُسْرَة إلى الحَجِّ، وهو خَصْلَة واحدة، فإن فرعنا على جَوَازِ التقدم على الإحْرَامِ بالْحَج، فهل يجوز التقديم على التَّحَلُّلِ من العمرة؟ فيه وجهان:
أصحهما: المنع؛ لأن العُمْرة أحد السببين فلا بد من تمامه كما لا بد من تمام النِّصَاب في تعجيل الزَّكَاةِ، ومنهم من قطع بهذا ونَفَى الخلاف، ولا خلاف في أنه لا يجوز اَلتقديم على الشُّروعِ فِي العُمْرَة.
قال الغزالي: وَأَمَّا المُعْسِرُ فَعَلَيهِ صِيَامُ عَشَرَةٍ أَيَّامٍ، ثَلاَثةٌ فِي الْحَجِّ بَعْدَ الإحْرَامِ وَقَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَلاَ تُقَدَّمُ (ح) عَلَى الحَجِّ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، وَلاَ يَجُوزُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ
الجزء: 3 - الصفحة: 355
عَلَى الجَدِبدِ، وَإذَا تَأَخَّرَ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ صَارَ فَائِتًا وَلَزِمَ القَضَاء (ح)، وَأَمَّا السَّبْعَةُ فَأوَّلُ وَقْتِهَا بِالرُّجُوعِ إلَى الوَطَنِ، وَهَلْ يَجُوزُ فِي الطَّرِيقِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَقِيلَ: المُرَادُ بِهِ الرُّجُوعُ إلَى مَكَّةَ، وَقِيلَ: الْفَرَاغُ عن الحج.
قال الرافعي: قوله: (وأما المعسر): ربما يوهم أن الصَّوْمَ إنما يعدل إليه المتمتع إذا لم يملك الهدي ولا ما يشتريه به، وليس كذلك، بل له العدول إلى الصَّوْم وإن قدر على الهَدْي في بلده إذا عجز عنه في موضعه، لأن في بدله وهو الصوم تأقيتاً بكونه في الحَجِّ، فلا نظر إلى غير موضعه بخلاف الكفارات فإنه يعتبر فيها العَدَم المطلق إذ لا تأقيت فيها.
إذا عرفت ذلك فإن المتمتع العَادِمَ للهدي يلزمه صَوْمُ عَشْرَةِ أيامٍ بِنَصِّ القُرْآنِ، ويجعلها قسمين: ثلاثةً وسبعاً.
أما الثَّلاثة فيصومها في الحَجِّ، ولا يجوز تقديمها على الإحْرَام بالحَجِّ؛ خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: يجوز بعد الإحْرَامِ بالعُمْرَةِ، ولأحمد حيث قال: في رواية بقول أبِي حَنيفَة، وقال في رواية: يجوز بَعْدَ التَّحَلُّلِ من العمرة.
لنا أن الصَّوْمَ عِبَادَةٌ بدنية فلا تقدم عَلَى وَقْتِهَا كالصَّلاَةِ وَسَائِرِ العِبَادَاتِ الوَاجِبَةِ، ولا يجوز أن يَصُومَ شَيْئاً مِنْهَا في يَوْمِ النَّحْرِ، وفي جواز إيقاعها في أيَّامِ التشريق قولان قدمنا ذكرهما في كِتَابِ الصَّوْمِ، والمَستحب أن يَصُومَ الأيام الثَلاثة قَبْلَ يَوْم عَرَفَة، فإن الأحَبَّ لِلْحَاجِّ يوم عرفة أن يكون مفطراً على ما مَرَّ، وإنما يمكنه ذلك إذا تَقَدَّمَ إِحْرَامُه بِالْحَجِّ، بحيث يقع بين إحرامه ويوم عرفة ثلاثة أيام، قال الأصحاب -رحمهم الله- وهذا هو المستحب للمتمتع الذي هو من أهْلِ الصَّوْمِ يحرم قبل اليوم السادس من ذِي الحَجَّةِ، ليصوم الثَّلاثة ويفطر يَوْمَ عَرَفَةَ، ونقل الحَنَّاطِيُّ عن شَرْحِ أَبِي إسْحَاق وَجْهاً أنه إذَا لَمْ يؤمل هَدْياً يجب عليه تقديم الإحْرَامِ، بحيث يمكنه صَوْمُ الَأيام الثَّلاثَةَ قَبْلِ النَّحْرِ، وأما الوَاجِدُ للهَدْيِ فالمستحب له أن يَصُومَ يوم التَّرْوِيَةِ بعد الزوال متوجهاً إلى مِنًى؛ لما روي عن جابر -رضي الله عنه-: "أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: إِذَا تَوَجَّهْتُمْ إِلَى مِنًى فَأَهِلُّوا بِالْحَجِّ" 87.
فإذا فاته صَوْمُ الأيام الثَّلاثة فِي الحَجِّ لزمه القضاءُ خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: "يسقط الصوم ويستقر الهدي عليه" وعن ابن سُرَيْج وأبي إسحاق -رحمهما الله- تخريج قول مثله، والمذهب الأول؛ لأنه صَوْمٌ واجبٌ فلَا يسقط لفوات وَقْتِهِ كَصَوْمِ رَمَضان، وإذا قضاها لم يلزمه دَمٌ خِلافًا لأحمد -رحمه الله-.
الجزء: 3 - الصفحة: 356
وأما السبعة فهي مقيدة بالرجوع، قال الله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ 88 وما المراد من الرُّجُوعِ؟ فيه قولان:
أصحهما: وهو نصه في "المختصر" وحرملة؛ أن المراد منه الرجوع إلى الأَهْلِ والوَطَنِ؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال للمتمتعين: "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَليُهْدِ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُصُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ" 89.
وعن ابْنِ عباس -رضي الله عنه- أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "ثَلاثَةٌ فِي أيَّامِ الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَمْصَارِكُمْ" 90.
والثاني: أن المراد منه الفَرَاغ، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله-؛ لأن قوله: "وَسَبْعَةٍ إذَا رَجَعْتُمْ" مسبوق بقوله: "ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ" فينصرف إليه، وكأنه بالفراغ رَجَعَ عمَّا كَانَ مُقْبلاً عَلَيْهِ مِنَ الأَعْمَالِ.
فإن قلنا بالأول فلو تَوَطَّنَ مَكَّة بعد فَرَاغِهِ مِنَ الحَجِّ صَامَ بِهَا، وإنَ لم يتوطنها لَمْ يَجُزْ صَومُه بِهَا، وهل يجوز في الطَّرِيق إذا توجه وطنه روى الصَّيْدَلانِيُّ وغَيْرُهُ فيه وجهين:
أحدهما: نعم؛ لأن ابْتِدَاء السَّيْرِ أول الرّجوع.
وأصحهما: لا؛ لأنه تَقْدِيم العِبَادة البَدَنِيَّةِ عَلَى وَقْتِهَا، وبهذا قَطَعَ أَصْحَابُنَا العِرَاقِيُّونَ تفريعاً على القول الأصح، وجعلوا الوَجْهَ الأول قولاً برأسه حملاً للرجوع في الآية على الانصراف من مكَّة، والوجه ما فعلوه، فإنا إذا جَوَّزنَا الصومَ في الطريق فقد تركنا التوقيت بالعَوْدِ إِلَى الوَطَنِ، وإذا فرعنا على أن المراد الفراغ من الحَجِّ والانصراف من مكّة فلو آخره حتى يرجع إلى وَطَنِهِ جَازَ، وهل هو أَفْضَلُ أم التقديم أفضل مبادرة إلى العبادة؟ حكى العِرَاقِيونَ فيه قولين:
أصحهما: وبه قال مالك: أن التأخير أفضل تحرزاً عَنِ الخِلاَف، وسواء قلنا: إن الرجوعَ هو الرجوعُ إلى الوطن، أو الفراغ من الحَجِّ، فلو أراد أن يوقع بعض الأيام السَّبْعَة في أيام التشريق لمْ يَجُز، وإن حكمنا بأنها قَابلَةٌ لِلصَّوْمِ، أما على القول الأول فَظَاهِرٌ، وأما عَلَى الثاني فلأنه يُعَدُّ فِي أَشْغَالِ الحَجِّ وَأن حَصَل التحلل، ونقل بعضُهم عن الشَّافعي -رضي الله عنه-: أن المرادَ من الرّجوع هو الرَّجوع من مِنَى إلى مكَّة، والإمام وصاحب الكتاب عدا هذا قولاً وراء قَولِ الرجوع إلى الوَطَنِ، وقول الفراغ من الحَجِّ، لكن قضية كلام كثير من الأئمة أنه وقول الفَرَاغِ مِنَ الحَجِّ شَيْءٌ وَاحِدٌ، وأن
الجزء: 3 - الصفحة: 357
الغرض منه بيان ما ينزل عليه لفظ الرجوع في الآية وهو الأشبه، وبتقدير أن يكون قولاً برأسه فعلى ذلك القول لو رجع من مِنَى إلى مكَّة صَحَّ صومه وإن تأخر طَوافُه للوداع، - والله أعلم-.
ولنتكلم فيما يتعلق بلفظ الكتاب على الخصوص سوى ما اندرج في أثناء الكلام.
أما قوله: (ثلاثة في الحج بعد الإحرام) أي بالحج وهُو معَلَّمٌ بالحاء والألف لما قدمنا.
وقوله: (وقبل يوم النحر) جواب علي الجديد في أنه لا يجوز للمتمتع صَوْمُ أيام التَّشْرِيق، فيجوز أن يُعَلَّم بالواو.
وقوله: (ولا يقدم على الحج) كالمكرر؛ لأن في قوله: (بعد الإحرام) ما يفيده، ولعله إنما إعاده ليعلق به العِلَّة وهي قوله: (لأنها عبادة بدنية).
وقوله: (ولا يجوز في أيام التشريق على الجديد) مكرر، قد ذكره مرة في الصَّوْمِ ثم هو مَرْقُومٌ بالميم والألف لما كتبناه ثُمَّ.
وقوله: (فإذا تأخر عن أيام التشريق صار فائتاً) معناه: أن الفوات حَاصِلٌ عند مُضِيِّ أيام التشريق لاَ مَحَالة، فأما أنه بم يحصل إن لم نجعل أيام التشريق قَابِلَة للصَّوْمِ فإنه يحصل بمضي يَوْم عَرَفَةِ، وأما إذا جَعَلْنَاهَا غير قابلة فإنه يحصل بمضيها، ويمكن أن يتأخر طواف الزِّيَارَةِ عن أيَّامِ التَّشْرِيقِ إِذْ لاَ أَمَدَ لَهُ مِنْ جِهَةِ التأخر، فيكون بعد في الحج لبقاء بَعْض الأَرْكانِ عليه، لكن صَوْمُ الثلاثة بعد أيام التشريق لا يكون أداءً وإن بقي الطواف؛ لأن تأخره عن أَيَّام التشريق مما يبعد ويَنْدُر، فلا يقع مراداً من قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ 91، بل هو مَحْمُول على الغَالِب المُعْتَاد.
هكذا حكاه الإمام وغيره، وفي "التهذيب" وجه ضعيف ينازع في ذلك.
وقوله: (بالرجوع إلى الوطن) مُعَلَّمٌ -بالميم والحاء والألف- لما تَقَدَّم، وقوله بعد ذلئه: (وقيل: قولان) لا وجهان وقد مَرَّ مَا فِيهِمَا.
قال الغزالي: ثُمَّ إِذَا فَاتَ الثَّلاثَةُ قَضَى عَشَرَةَ أَيَّامٍ، وَيفَرَّقُ بَيْنَ الثَّلاثَةِ وَالسَّبْعَةِ بِمِقْدَارِ مَا يَقَع الفُرْقَةُ فِي الأَدَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَفِي صِحَّةِ اليَوْمِ الرَّابعِ عَنْ هَذِهِ الجِهَة قَوْلاَنِ، فَإنْ قُلْنَا: لاَ يَصِحُّ (و) صَحَّ مَا بَعْدَهُ، وَجُعِلَ اليَوْمُ الرَّابعُ كَالإِفْطَارِ المُتَخَلِّلِ.
قال الرافعي: إذا لم يَصُم الثلاثة في الحَجِّ حتى فرغ وَرَجَعَ لزمه صَوْمُ العَشَرَةِ، وقد حكينا خِلاَف أبي حنيفة وقولاً يوافقه فيه، فإذا قلنا: بالمَذْهَب فهل يَجِب التَّفْرِيق فِي القَضَاءِ بين الثَّلاثَةِ والسَّبْعَةِ؟ فيه قولان في رواية الحَنَّاطِيّ والشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ -رحمهما الله-، ووجهان في رواية غيرهما.
الجزء: 3 - الصفحة: 358
أحدهما -وبه قال أحمد-: أنه لا يجب؛ لأن التفريقَ في الأَدَاءِ يتعلق بالوَقْتِ، فلا يبقى حكمهُ في القضاء كالتفريق في الصلوات المؤدَّاة، وهذا أصح عند الإمام وطائفة.
والثاني -وهو الأصح عند الأكثرين-: أنه يجب التفريق كما في الأداء، ويفارق تفريق الصَّلَوَاتِ، فإن ذلك التفريق يتعلق بالوقت، وهذا يتعلق بالفعل وهو الحَجِّ والرُّجُوعُ، فعلى هذا هَلْ يجب التفريق بمثل ما يقع التفريق في الأداء؟ فيه قولان:
أحدهما: لا، بل يكفي التفريق بيوم، لأن المقصود انفصال أحد قسمي الصوم عن الآخر، وهذا حَاصِلٌ باليوم الوَاحِدِ، ويحكي هذا عن نصه في "الإملاء".
وأصحهما: أنه يجب التفريق في القَضَاءِ بمقدار ما يقع به التَّفْرِيق في الأداء، لتتم محاكاة القَضَاءِ للأدَاءِ، وفيما يقع به التفريق في الأداء أقوال أربعة تتولد من أصْلَيْنِ سَبَقاً.
أحدهما: أن المتمتع هل له صَوْمُ أيام التَّشْرِيق؟
والثاني: أن الرجوعُ إلَى مَاذَا؟
فإن قلنا: ليس للمتمتع صَوْمُ أيامِ التَّشْرِيق وفَسَّرْنَا الرجوعُ بالرجوعِ إلى الوَطَنِ، فالتفريق بأربعة أيام، ومدة إمكان مسيره إلى أهله على العادة الغالبة.
وإن قلنا: ليس له صَوْمُها، وفَسَّرْنَا الرجوعَ بالفَرَاغ من الحَجِّ، فالتفريق بأربعة أيام لا غَيْرَ لتمكنه من الابتداء بِصَوْمِ السَّبْعَةِ كَمَا مَضَتْ أيَّامُ التَّشْرِيقِ.
وإن قلنا: للمتمتع صَوْمُهَا، وَفَسَّرْنَا الرُّجوعَ بالرجوع إلى الوَطَن فالتفريق لمدة إمكان مسيره إلى أهله.
وإن قلنا: له صومها وَفَسَّرنَا الرُّجُوعَ بالفراغِ من الحَجِّ فوجهان:
أصحهما: بأنه لا يجب التفريق، لأنَّهُ يمكنه في الأَدَاء على هذا أن يصوم أيام التَّشْرِيق عن الثَّلاثة ويصل بها صَوْمَ السَّبْعةِ.
والثاني: لا بد من التَّفْرِيقِ بِيَوْمٍ، لأن الغَالِب أن يفطر يَومَ الرُّجوع إلى مَكَّة، وأيضاً فإن الثلاثة تنفصل في الأداء عن السَّبْعَةِ بحالتين متغايرتين لوقوع أحَدِهِمَا في الحَجِّ والآخر بعده، فينبغي أن يقيم في القضاء مقام ذلك التفريق بإفْطَار يَوْمٍ، -والله أعلم-.
فإن أردت حَصْرَ الأقوالِ التي تَجِيءُ فيمن لم يَصُمْ الثلاثة في الحَجِّ مختصراً.
قلت: فيه ستة أقوال: لا صوم عليه، بل ينتقل إلى الهَدْيِ.
عليه صوم عشرة مُتَفَرِّقًا أو متتابعًا.
الجزء: 3 - الصفحة: 359
صَوْمُ عَشْرَةِ بِشَرْطِ التفريق بِيَوْمٍ فَصَاعِدًا.
بشرط التفريق بأربعة أيام ومدة إمكان المَسِير إلى الأهلِ 92.
بِشَرْطِ التَّفْرِيقِ بأربعةِ أَيَّام فَحَسَبْ.
بشرط التفريق بمدة إِمْكَانٍ المسير فَحَسب.
ولو صَامَ عَشْرة أيام وَلاَءً، والتفريع على ظَاِهرِ المذهب، وهو لزوم القَضَاء، أجزأه إِنْ لَمْ نَشْتَرِط التَّفْرِيقَ، فإن شَرَطْنَا التفريقَ واكتفينَا بِيَومٍ لم يعتد باليوم الرَّابع، ويعتد بما بعده، ويجعل ذَلِكَ اليَوم كالإفْطَار إِذَا لَمْ يَقَعْ عَنْ هَذِهِ الجهة، ولهذا لو نوى فيه تطوعاً أو قضاءً يُجْزِئه، فعلى هذاَ يَصُومُ يوماً آخر، وقد خرج عن العهدة وعن صاحب "التقريب" حكاية وجه ضعيف أنه لا يعتد بِشَيْءٍ مما بعد اليومِ الرَّابعِ.
وحكى الحَنَّاطِيُّ عن الإصطخري: وجهاً أضعف من هذا وهو: أنه لا يعتد بالثَّلاثَةِ أيضاً إذا نَوَى التَّتَابُعَ، وإن شرطنا التفريق بأكثر من يَوْمٍ لم يعتد بذلك القدر، ويقاس ما قبله وما بعده بما ذَكَرْنَا.
وأما لفظ الكتاب فقوله: (قضى عشرة أيام) لا يمكن حمله على القَضَاءِ المُقَابِلِ للأَدَاء، فإن العشرة لا تكون قضاءً بهذا المعنى، لكون السَّبْعَةِ مؤداةً فِيهَا، ولكن المراد قَضَاؤهَا في عَشْرَةِ أيام، أو المراد صَامَ عشرة أيام معبراً بلفظ القضاء على ما يشترك فيه القَضَاء والأداء، ويجَوز أن يُعَلَّم بالحاء والواو لما أعلم بهما قوله من قبل: (ولزم القضاء).
وقوله: (ويفرق بين الثلاثة والسبعة بمقدار ما يقع التفرقة في الأداء) لا يمكن من جهة النظم حمله على شَرَائِط التفريق هكذا، وإن كان هو ظاهر المَذْهَبِ عند عامة الأصْحَاب؛ لأنه لو كان هذا حكماً باشتراطه لم يَصِح أن يقول بعده: فإن لم يفعل ففي صِحَّة اليوَم الرَّابع قولان، وأيضاً فإنه حكم بِصِحَّة مَا بُعْدَ اليَوْم الرَّابع إن لم يصح اليومُ الرَّابعُ، ومن شَرْطَ التفريق بِذَلِكَ المقدار لا يكتفي بِيَوْمٍ، فكأنه أرادَ به هكذا ينبغي أن يفعل تحرزا عن الخِلاَف فإن لم يفعل فَفِيه الخِلاَفُ.
وقوله: (فإن لم يفعل فَفِي صِحَّة اليوم الرابع عن هذه الجهة قولان).
فيه إضْمَار معناه: فإن لم يفعل وَوَالَى بَيْنَ العَشْرَةِ وإلاَّ فَلاَ يُلْزَم مِنْ أَنْ لاَ يُفَرِّق بين الثَّلاثَةِ والسَّبْعَةِ بمقدار ما يَقَعْ عَلَيْهِ التفرقة في الأدَء الموالاة لجواز التفريق بمقدار بخالف ذَلكِ المِقْدَار وحينئذ لا يلزم أن يكون صائماً اليومَ الرَّابعَ حتى يقال: هَلْ يعتد به
الجزء: 3 - الصفحة: 360
أم لا؟ ثم لا يخفى أن هذا الخِلاَف هُوَ الخُلاَفُ في أن التفريق هَلْ هُوَ شَرْطٌ أم لا؟ كَمَا مَرَّ ثم يتعين اليَوْم الرَّابع، والحكم بأنه إِنْ لَمْ يَصِحّ صَحَّ ما بعده ذهاب إلى الاكتفاء في التَّفْرِيقِ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، والظَّاهر خلافه على ما أوضحناه فيجب إعلام قوله: (صح ما بعده) بالواو لذلك، ثم للوجه المنقول عن صَاحِب التقريب.
فرع: كل واحد من صَوْمِ الثلاثة في الحَجِّ والسَّبْعَةِ بعده يستحب فيه التَّتَابع وَلاَ يَجِب 93، وروى صاحب "المعتمد" تخريج قَوْلٍ في كفارة اليمين أنه يجب فيهما التتابع.
قال الغزالي: وَإِنْ وُجِدَ الهَدْيُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَلَوْ وُجِدَ قَبْلَ الشُّروعِ وَبَعْدَ الإِحْرَامِ بِالحَجِّ يَبْنِي عَلَى أَنَّ العِبْرَةَ فِي الكَفَّارَاتِ بِحَالَةِ الأَدَاءِ أَوْ بِحَالَةِ الوُجُوبِ.
قال الرافعي: إذا شرع في الصَّوْمِ ثم وجد الهَدْيَ استحب له أن يهدي، ولا يلزمه سواء شرع في صَوْمِ الثَّلاتة أوْ فِي صَوْمِ السبعة، وبه قَال مَالِكٌ، وكذا أَحْمَدٌ -رحمهما الله- في رواية خلافاً للمزني في الحالتين، ولأبي حنيفة -رحمه الله- فيما إذا شَرَع في صَوْمِ الثَّلاثة، ولو فرغ من صَوْم الثَّلاثةَ وَوَجَدَ الهَدْيَ قبل يوم النَّحْرِ يلزمه الهدي أيضاً عنده، وإن وجد بعده فَلاَ، والخَلاف في المَسْألة شبيه بالخِلاَف في القدرة على العِتْقِ بعد الشّروع في صوم الشَّهْرين وفي وجدان المَاءِ بعد الشُّروعِ فِي الصَّلاة بالتيمم.
ولو أحرم بالحجِّ ولا هَدْيَ ثم وجده قبل الشُّروع في الصَّوْم فيبني ذلك على أن الاعتبار في الكَفَّارَاتِ بحالة الوجوب أو بحالة الأداء أو يعتبر أغْلَظَ الحَالتين، والخلاف فيه يذكر في موضعه -إنْ شَاءَ الله تعالى- فإن اعتبرنا حالة الوجوب أجزأه الصَّوْم، وإن اعتبرنا حالة الأداء أو أغلظ الحالتين لزمه الهَدْي، وهو المنقول عن نَصِّه في هذه المسألة 94.
قال الغزالي: وَلَوْ مَاتَ المتَمَتِّعُ قَبْلَ الفَرَاغِ مِنَ اَلْحَجِّ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ نَظَراً إلى الآخَرِ، وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ الفَرَاغِ أَخْرَجَ مِنْ تَرِكَتِهِ فَإِنْ مَاتَ مُعْسِراً صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ أَوْ فَدَى كُلَّ يَوْمٍ بِمُدٍّ كَمَا فِي رَمَضَانَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يُرْجِعُ هَاهُنَا إِلَى الأَصْلِ وَهُوَ الدَّمُ.
قال الرافعي: المتمتع الواجد لِلْهَدْيِ إذا مات قبل الفراغ من الحَجِّ هل يسقط عنه الدَّم؟ حكى صاحب "النهاية" وغيره فيه قولين:
الجزء: 3 - الصفحة: 361
أحدهما: نعم؛ لأن الكَفَّارَةَ إنما تَجِب عند تَمَامِ النُّسُكَيْنِ على سبيل الرَّفَاهِيَة، وربح أَحَدِ السَّفَرَيْنِ، وإذا مات قبل الفَرَاغ لم يحصل هذا الغَرَض.
وأصحها: أنه لا يسقط بل يخرج من تركته؛ لأنه وَجَبَ بِالإحْرَام بالحَجِّ والتمتع بالعمرة إلى الحج، وأنه موجود، ولو مات بعد الفراغ من الحج فلَا خلاف في أنه يخرج من تركته.
وأما الصَّومَ فإن مات قبل التمكن منه: ففيه قولان:
أحدهما: أنه يهدي عنه؛ لأن الصَّوْمَ قد وجب بالشُّروع في الحَجِّ فلا يسقط من غير بدل، وهذا مصور فيما إذا لم يَجِد الهَديَ في موضعه وله ببلده مَالٌ، وفيما إذا كَانَ يُبَاعُ بِثَمَنٍ غَالٍ.
والثاني: أنه يسقط؛ لأنه صَوْمٌ لم يتمكن من الإتْيَانِ بِهِ، فأشبه صَوْمَ رَمَضَانَ، وهذا أصح قاله ابْنُ الصَّبَّاغِ، وصاحب "التهذيب" وإن تمكن من الصَّوْمِ فلم يصم حتى مَاتَ فَهَلْ هو كصوم رمضان؟ فيه طريقان:
أصحهما: نعم؛ لأنه صَوْمٌ مفروضٌ فاته بعد القدرة عليه فعلى هذا يصوم عنه وَلِيُّه في القول القديم، وفي الجديد يطعم عنه من تركته لِكُلِّ يَوْمٍ مُدَّ، فإن تمكن من جَمْعِ العشرة فعشرة أَمْدَادٍ، إلا فَبِالقِسْطِ، وهل يجب صَرْفُهُ إلى فقراء الحَرَمِ أم يجوز صرفه إلى غيرهم؟ فيه قولان:
أشبههما: الثاني.
والثاني: أنه لا ينزلَ منزلة صوم رَمَضَانَ، وتجعل الفدية من خواص رمضان كالكفارة العُظْمَى، وعلى هذا: فقولان:
أصحهما: أن الرُّجُوعَ إِلَى الدَّمِ، لأنه أقرب إلى هذا الصَّوْمِ من الأمداد، فيجب في فَوَاتِ ثلاثة أيام إلى العَشْرَةَ شَاةٌ، وفي يَوْمٍ وَاحِدٍ ثُلُثُ شَاةٍ، ويومين ثُلُثَا شَاةٍ، وعن أبي إسحاق إشارة إلى أن اليوم واليومين كإتلاف الشعرة والشعرتين من المحرم، وفيما يقابل به الشعرة الواحدة أقوال:
أحدها: مُدٌّ من طعام.
والثاني: دِرْهم.
والثالث: ثلث شاة.
والثَّاني: نقله الإمام والمصنف في "الوسيط" عن رواية صَاحِبِ التقريب أنه لا يَجِبْ شَيْءٌ أصلاً.
فإن قلت: قد عرفت حكم ما إذا تمكن من الصوم وما إذا لم يتمكن فما التمكن؟
الجزء: 3 - الصفحة: 362
قلنا: أما الثَّلاثة فالتمكن من صَوْمِهَا بأن يحرم بالحج لزمان يَسَع صَوْمَهَا قبل الفراغ ولا يكون به مَرَضٌ مَانِع، وذكر الإمام -رحمه الله- أنه لا يجب شيء في تركته ما لم ينته إلى الوطن؛ لأن دوام السَّفَرِ كدوام المَرَضِ، وَصَوْم الأيام الثلاثة وإن كان ثابتاً على الغرباء فلا يزيد تأكده على تكد صَوْمِ رمضان أداء واستدراكاً، وهذا غير مُتَّضِح لأن صَوْمَ الثلاثة بتعين إيقاعه في الحَجِّ وإن كانوا غرباء مُسَافِرين بالنَّصِ، فكيف ينهض السَّفر عذراً فيه؟ وكيف يُقَاسُ بِصَوْمِ رَمَضَانَ؟ وأما السبعة فإن فَسَّرْنَا الرجوع بالرجوع إلى الوَطَنِ فله التَّأْخِير إلى الوُصول إليه، وكأنه لا يمكن قبله وإن فَسَّرْنَاه بالفراغ من الحَجِّ فكذلك، ثم دوام السَّيْرِ عذر على ما ذكره الإمام -رحمه الله-.
وعن القاضي الحُسَيْنِ -رحمه الله- أنا إذا استحببنا التأخير إلى أن يصل إلى الوطن تفريعاً على أن الرجوع هو الفراغ من الحَجِّ فهل يفدي عنه إذا مات في الطريق؟ فيه وجهان تخريجاً من الوجهين فيما إذا ظَفَرَ بالمَسَاكين، ولم يدفع الزَّكاة إليهم ليدفعها إلى الإمام فَتَلَفَ المَالُ، هل يضمن؟ ولا يخفى بعد ما ذَكَرْنَاه أن قوله: (صام عنه وليه أو فدى كل يوم بمد) ليس المراد منه التخيير، وإنما هو إشارة إلى القولين القديم والجديد المذكورين في صيام رمضان، وأن قوله: (وقيل: إنه يرجع هاهنا إلى الأصل) قول لا وجه، وأن المراد من قوله: (فإن مات معسراً إلى آخره) ما إذا مات بعد التَّمَكُّنِ، وإن كان اللفظ مطلقاً، ويجوز أن يعلم قوله: (صام عنه وليه أو فدى كل يوم بمد) كلاهما بالحاء.
أما الأول: فلأن أبا حنيفة -رحمه الله- لا يقول بصوم الولي.
وأما الثاني: فلما قدمنا أنه إذا لم يَصُم الثَّلاثة في الحَجِّ سقط الصوم واستقر الهَدْيُ، ولفظ الكتاب مطلق، ويجوز أن يُعَلَّم الأول وبالميم والألف أيضاً.
الْبَابُ الثَّانِي فِي أَعْمَالِ الحَجِّ
وَفِيهِ أَحَدَ عَشَرَ فَصْلاً
الفَصْلُ الأوَّلُ فِي الإحْرَامِ
قال الغزالي: وَيَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ (ح) مِنْ غَيْرِ تَلْبِيَةٍ، وَإِنْ ارَمَ مُطْلَقاً ثُمَّ عَيَّنَ بِحَجٍّ أَوْ عُمرَةٍ أَوْ قِرَانٍ فَلَهُ ذَلِكَ، إلاَّ أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَ أَشْهُرِ الحَجِّ يُعَيِّنَ لِلْحَجِّ أَوْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ الحَجُّ بَعْدَ الأَشْهُرِ فَإنَّهُ لاَ يَجُوزُ (و).
الجزء: 3 - الصفحة: 363
قال الرافعي: فوصل الباب تفصيل ترجمته الجملية غير الفصل الأخير، فإنه لا اختصاص له بهذا البَابِ، ولعَلَّ غيره أليقُ به، ومقصودُ الفَصْلِ الأول الكلام فيما ينعقد به الإحْرَام، وفي كيفية انعقاده 95، وينبغي للمحرم أن ينوي وَيُلَبِّي، فإن لم يَنوِ وَلَبَّى فقد حكى عن رواية الربيع أنه يلزمه مَا لَبَّى به، وقال في "المختصر": وإن لم يرد حجاً ولا عمرةً فليس بِشَيْءٍ، واختلف الأصْحَاب على طريقين:
أضعفهما: أن المسألة على قولين:
أصحهما: أن إحْرَامُهُ لا ينعقد على ما ذَكَرَهُ في "المختصر" لأن الأعمال بالنيات.
والثاني: أنه يلزمه ما سَمَّى؛ لأنه التزمه بقوله، وعلى هذا لو أطلق التَّلْبِيَة انعقد له إحرام مطلق يَصْرِفه إلى ما شَاءَ من كلا النُّسُكَيْنِ أو أَحدهما.
وأصحهما: القطع بِعَدَم الانعقاد وحمل منقول الربيع على ما إذا تلفظ بأحد النُّسُكَيْنِ على التعيين ولم يَنْوِه ولكن نوى الإحرام المطلق فيجعل لفظه تفسيراً وتعييناً للإحرام المطلق 96.
واعرف هنا شيئين:
أحدهما: أن تنزيل لفظ "المختصر" على صورة المسألة يفتقر إلى إضْمَار؛ لأنه قد لا يريد حجاً ولا عمرة، ولكن يريد نَفْس الإحرام، فالمعنى حجاً ولا عمرةَ ولا أصْلَ الإِحْرَام.
والثاني: أن جعل اللفظ المجرد تفسيراً في صورة التأويل، مشكل كجعله إحراماً في الابتداء، والظاهر أنه على تجرده لا يجعل تفسيراً على ما سيأتي، ولو نوى انعقد إحْرَامه، وإن لم يُلَبِّ، وبه قَالَ مالك وأحمد -رحمهما الله- لأنه عبادة ليس في آخرها ولا في أثنائها نُطْقٌ وَاجِبٌ، فكذلك في ابتدائها كالطهارة والصوم، وعن أبي عَلِيٍّ بْنِ خَيْرَانَ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وأَبِي عَبْدِ اللهِ الزُّبَيْرَي -رحمهم الله- أن التلبية شرط لانعقاد الأحرام لإطباق النَّاسِ على الاعتناء به عِنْدَ الإحْرَامِ، وبه قال أبو حنيفة إلا أن عنده
الجزء: 3 - الصفحة: 364
سَوْقَ الهَدْي وَتقْليدَه والتوجه معه يقوم مقامَ التلبية، وحكى الشَّيْخُ ابُو مُحَمَّدٍ وغيره قولاً للشافعي -رضي الله عنه- مثل مذهبه وحكى الحَنَّاطِيُّ هذا القول في الوجوب دون الاشتراط، وذكر تفريعاً عليه أنه لو ترك التلبية لزمه دَمٌ، وإذا عرفت أن النِّية هِيَ المُعْتَبَرةَ دون التلبية، فيترتب عليه أنه لو لَبَّى بالعمرة ونَوَى الحَجَّ فهو حَاجٌّ، ولو كان بالعَكْسِ فهو مُعتَمِرٌ ولو تلفظ بأحدهما ونوى القَرَان فَقَارِن، ولو تَلَّفظ بالقران ونوى أحدهما فهو مُحْرِمٌ بِمَا نَوَى واعلم أن الإحرام تَارةٌ ينعقد معيناً بأن ينوي أحدَ النُّسُكَيْنِ عَلَى التعيين أو كليهما، ولو أحرم بحجتين أو بعمرتين لم يلزمه إلا وَاحِدَة، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: يلزمانه فيشتغل بِوَاحِدَةٍ، وتكون الأخرى في ذِمَّتِهِ، وتارة ينعقد مطلقاً بأن ينوي نفسَ الإِحْرَام ولا يقصد القران، ولا أحد النسكين فهو جائز، لما روي "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- أَحْرَمُ مُطْلَقًا وَانْتَظَرَ الْوَحْيَ" 97 ويفارق الصَّلاة فإنه لا يجوز الإحْرَام بها والتعيين بعد؛ لأن التعيين لَيْسَ بِشَرْطٍ في انعقاد الحَجِّ، ولهذا لو أُحرم الضرورة عن غيره انصرف إليه ولو أحرم بالنفل قبل الفرض انصرف إلى الفَرْض، وإذا أحرم مطلقاً فينظر إن أحْرَمَ في أَشْهُرِ فله أن يصرفه إلى ما شَاء من الحج والعمرة والقَرَان، والتعيين بالنِّية لا باللفظ، ولا يجزئ العَمَلُ قبل التعيين، ذَكَرَهُ الشيخ أَبُو عَلِيِّ وغيره، وإن أحرم قبل الأشْهُرِ، فإن صَرَفَهُ إلى العُمْرَةِ صَحَّ، وإن صرفه إلى الحَجِّ بعد دخول الأشهر هل يجوز؟ بَنَاهُ الشيخ أبو علي على مسألةٍ أخرى وهي ما لو أحرم بالعُمْرَة قبل أشهر الحج ثم أراد إدْخَال الحج عليها في الأَشْهُرِ ليكونَ قَارِناً، وفي جوازه وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنه إنما يصير داخلاً في الحَجِّ من وقت إحْرَامه به، ووقت إحرامه به صَالِحٌ للحج.
والثاني: لا يجوز لأن ابتداء إحْرَامِهِ وقع قبل الأَشْهُرِ، والقارن في حُكْمِ مُلاَبِس بإحرام واحدٍ، ألا ترى أنه لو ارتكب محظوراً لم يلزمه إلا فِدْيَة واحدةٌ، فلو انعقد الحج وابتداء الإحرام سابق على الأشهر لانعقد الإحرام بالحَجِّ قبل الأَشْهُر.
فإن قلنا بالوجه الأول فإذا أحرم مطلقاً ثم دخلت الأشهر فله أن يجعله حجاً وأن يجعله قراناً ويحكى هذا عن الحصري.
وإن قلنا: بالثاني حكمنا بانعقاد الإحرام المطلق عُمْرَةَ، لأنه لا يحتمل أن ينصرف إلى غيرها، وعلى الأول ينعقد على الإبهام، ثم لو صَرَفَهُ إلى الحَجِّ قبل دخول الأَشْهُرِ كان كما لو أحرم بالحَجِّ قبل الأشهر، وقد مضى الكلام فيه.
واعلم أن الصورتين معاً المبنية والمبني عليها مذكورتان في الكتاب.
الجزء: 3 - الصفحة: 365
وقوله (إلا أن يحرم قبل أشهر الحج ثم يعين للحج) أراد به ما إذا أحرم مطلقاً قبل الأشهر ثم صرفه إلى الحَجِّ في الأشهر.
وقوله: (أو يدخل عليه الحج بعد الأشهر) أراد به ما إذا أحرم بالعمرة في غير الأَشْهُرِ، ثم أدخل الحَجَّ عليها في الأشْهُرِ، وإن لم يكن في اللفظ إنباء عنه، وقد أجاب فيهما جميعاً بالمنع وهو ظاهر المذهب في الصورة الأولى.
وأما في الثانية وهي صورة الإدخال فكأنه تابع فيه الشَّيْخَ أَبَا عَلِيّ: فإنه اختاره وحكاه عن عامة الأصحاب، لكن القَفَّالَ اختار الجواز وبه أجاب صَاحِبُ "الشَّامِلِ" وغيره ثم فيما ذكره من جهة اللفظ استدراك، فإنه استثنى الصورتين مما إذا أحرم مُطْلَقًا والصورة الثانية غير داخلة فيه حتى تستثنى، وما الأفضل من إطلاق الإحْرَام وتعيينه؟ فيه قولان: قال في "الإملاء": الإطلاق أفضل، لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "أَحْرَمَ مُطْلَقَاً" 98 وأيضاً فقد يعرض ما يمنعه من أحد النسكين، فإذا أطلق أمكن صَرْفُه إلى الآخر.
وقال في "الأم" وهو الأصح: التعيين أفضل، وبه قال أبو حنيفة: -رضي الله عنه- لأنه أقرب إلى الإِخْلاَص، وقد روى عن جابر -رحمه الله- قال: "قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَنَحْنُ نَقُولُ لَبَّيْكَ بِالْحَجِّ" 99 وعلى هذا فهل يستحب التلفظ بما عَيَّنَهُ؟ فيه وجهان:
أصحهما: وهو المنصوص: لا بل يقتصر على النية؛ لأن إخفاء العبادة أفضل.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة: نعم لخبر جابر -رضي الله عنه-، ولأنه يكون أبعد عن النسيان -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلَوْ أَهَلَّ عَمْرو بإهْلاَلٍ كَإهْلاَلِ زَيْدٍ صَحَّ، فَإِنْ كَانَ إِحْرَامُ زَيْدٍ مُفَصَّلاً أَوْ مُطْلقًا كَانَ إِحْرَامُ عَمْروٍ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ زَيْدٌ أَطْلَقَ أَوَّلاً ثم فَصّله قَبْلَ إِحْرَامِ عَمْروٍ نُزَّلَ إِحْرَام عَمْروٍ عَلَى المُطْلَق نَظَرًا إلَى الأَوَّلِ أَوْ عَلَى المُفَصَّل نَظَرًا اِلي الآخَرِ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَو لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ مُحْرمًا بَقِيَ إحْرَامُهُ مُطْلَقاً إلاَّ إِذَا عُرِفَ أنَّهُ غَيْرُ مُحْرِمِ، فَإِنْ عُرَفَ مَوْتُهُ انْعَقَدَ لِعَمْروٍ إِحْرَامٌ مُطْلَقاً عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ وَلُغَتِ الإِضَافَةُ فَإنَّهُ نَصَّ في "الأُمِّ" أَنَّهُ لَوْ أَحْرَمَ عَنْ مُسْتَأْجِرَيْنِ تَعَارضَنَا وَانْعَقَدَ عَنِ الأَجِيرِ، وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنِ المُسْتَأجِرِ تَسَاقَطَتِ الإِضَافَتَانِ وَبَقِيَ الإحْرَامُ عَنِ الأَجِيرِ.
قال الرافعي: إذا أَهَلَّ عمرو بما أَهلَّ به زَيْدٌ جَاز لما روي "أَنَّ عَلِيًّا وَأَبَا مُوسَى -
الجزء: 3 - الصفحة: 366
رضي الله عنهما- قَدِمَا مِنَ اليَمَنِ مُهِلِّينَ بمَا أَهَلَّ بهِ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمَا" 100 ثم فيه ثلاث مسائل لأن زيداً إما أن يكون محرمًا، أو لا يكون، وإن كان محرماً فإما أن يمكن الوقوف على ما أحرم به أو لا يمكن، والفَصْلُ مشتمل على مسألتين من الثَّلاَثِ.
أحدهما: أن يكون زيدٌ محرماً ويمكن الوقوف على ما أحرم به، فينعقد لعمرو مثل إحْرَامه، وإن كان محرماً بِحَجٍّ فعمِرو أيضاً حَاج، وإن كان معتمراً فمعتمر، وإن كان قارناً فقارِن، وإن كان إحرامه مطلقاً انعقد لعمرو إحرامٌ مطلقٌ أيضاً، ويتخير كما يتخير زَيْد، ولا يلزمه صَرْفُ إحْرَامِهِ إلى ما يصرف إليه زَيْد، وفي "المعتمد" نقل وجه أنه يلزمه، والمشهور الأول، قال في "التهذيب": إلا إذا أراد إحراماً كإحرام زيد بعد تعيينه.
وإن كان إحرام زيد فاسداً فإحرام عمرو ينعقد مطلقاً.
أو لا ينعقد أصلاً؟ عن القاضي أبي الطيب، حكاية وجهين فيه 101.
ولو أن زيداً كان قد أبهم إحْرَامه أولاً ثم فَصَّلَهُ قبل إحرام عمرو ففيه وجهان:
أْشبههما: أن إحرامه ينعقد مبهماَ نظراً إلى أوَّلِ إحرامِ زَيْدٍ.
والثاني: ينعقد مُفَصَّلاً نظرًا إلى آخره، والوجهان جاريان فيما لو كان زيدٌ قد أحرم بِعُمْرَةٍ ثم أدخل عليها الحَجّ فعلى الأول لا يلزمه إلا العُمْرَة، وعلى الثَّانِي يكونُ قَارِنًا.
وموضع الوجهين ما إذا لم يخطر له التشبيه بآخر إحْرَامِ زَيْدٍ في الحَالِ، وإلا فالاعتبار بالآخر بِلاَ خِلاَف، وما إذا لم يخطر له التشبيه بابتداء إحرامه، وإلا فالاعتبار بالأول بلا خِلاَف، ولو أخبره زَيْدٌ عما أحرم به ووقع في نفسه خِلاَفه فيعمل بما أخبره عنه، أو بما وقع في نَفْسِهِ.
فيه وجهان:
وإذا أخبره عن إحرامه بالعمرة وجرى على قوله ثم بأن أنه كان محرماً بالحج، فقد بأن أن إحْرَام عمرو كان منعقداً بالحج، فإن فات الوقت تحلل من إحْرَامه للفوات وأراقَ دماً، وهو في ماله أو مال زيد للتغرير؟ فيه وجهان أورد المسألتين صاحب "المعتمد" وغيره.
الثانية: أن لا يكون محرماً أصلاً فينظر إن كان عمرو جاهلاً به انعقد إحْرَامُه
الجزء: 3 - الصفحة: 367
مطلقاً؛ لأنه جزم بالإحْرَامِ، وجعل له كيفية خَاصَّة فيبقى أصل الإحرام وإن بطلت تلك الكيفية، وإن كان عالمًا بأنه غير محرم فوجهان:
أحدهما: أنه لا ينعقد إحرامه أصلاً كما إذا قال: إن كان فلانٌ محرماً فقد أحْرمَت فلم يكن محرماً.
وأصحهما: ولم يذكر الجمهور غيره: أنه ينعقد إحرامه مطلقاً؛ لما ذكرنا في صُورَةِ الجَهْلِ، ويخالف ما إذا قال إن كان محرماً قد أحرمت، فإن هناك علق أصْل إحرامه لإحرامه فلا جرم إن كان محرماً فهو محرم، وإلا فلا وهاهنا الأصْلُ مجزوم به.
واستشهد في الكتاب لهذا الوجه بصورتين نَصَّ عليها في "الأم":
أحدهما: لو استأجره رجلانِ ليحج عنهما فأحرم عَنْهُمَا لم ينعقد الإحْرَام عن واحد مِنْهُمَا، لأن الجمع غير ممكن، وليس أحدهما أولى بَصَرْفِ الإحْرَامِ إليه، فلغت الإضافتان ووقع الحَجُّ عن الأَجِيرِ، والتصوير في الإجارة على الذِّمة بَيِّنٌ، وقد تصور في إجارة العين أيضاً وإن كانت إحدى الإجارتين فَاسِدَةٌ؛ لأن الإحْرَام عن الغير لا يتوقف على صِحَّة الإجَارَة.
والثانية: لو استأجره رجلٌ ليحج عنه، فأحرم عن نفسه وعن المستأجر، لغت الإضافتان وتساقطتا وبقي الأحرام عن الإجِير، فلما لغت الإضافة في الصورتين وبقي أصل الإحْرَام جاز أن يَلْغُو هنا التشبيه في الكيفية، ويبقى أصْلُ الإحْرَامِ.
ويحوز أن يعلم قول في الكتاب: (وانعقد عن الأجير) بالحاء، لأن عند أبي حنيفة، إن كان المستأجران أبوي الأجير وأحرم عنهما، أو أحرم عنهما من غير إجارة انعقد الإحرام عن أحدهما، وله صرفه إلى أيهما شاء، وعنه في المستأجرين لأجنبيين روايتان:
أظهرهما: مثل مذهبنا.
وقوله: (بأن عرف موته) إشارة به إلى ما ذكره الإمَامُ من أن العلم بأنه غير محرم لا يكاد يتحقق، فإن الاعتبار بالنية ولا يطلع عليها غير الله تَعَالى، وإنما يظهر التصوير إذا شَبَّه إحرامه بإحرام زَيْدٍ وهو يعرف أنه ميت.
والعم أن المسألتين والثالثة التي سنذكرها مفروضات فيما إذا أحرم في الحال بإحرام كإحرام الغير، أما لو عَلَّق بإحرامه في المستقبل فقال: إذا أحرم فأنا مُحْرِمٌ لَمْ يَصِح كما إذا قال: إذا جاء رأس الشَّهْرِ فإنا مُحْرِمٌ لا يصير محرماً بمجيئه؛ لأن العبادات لا تعلق بالأخطار، كذا أورده صاحب "التهذيب" وغيره، ونقل في المعتمد وجهين في صحة الإحرام المعلق بِطُلُوع الشَّمْسِ ونحوه، وقياس تجويز تعليق أصْلِ الإحرام بإحرام الغير تجويز، هذا لأن التعليق موجود في الحالين، إلا أن هذا تعليق بمستقبل، وذاك
الجزء: 3 - الصفحة: 368
تعليق بِحَاضِرِ، وما يقبل التعليق من العقود يقبلها جميعاً -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلَوْ مَاتَ لو مات زَيْدٌ بَعْدَ الإحرام أو عَسُرَ مُرَاجَعَته فهوَ كمُا لَوْ أَحْرَمَ مُفَصَّلاً ثُمَّ نَسِيَ مَا أَحْرَمَ بِهِ، وَالقَوْلُ الجَدِيد أنَّهُ لاَ يُؤْخَذُ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ اجْتِهَادًا لَكِنْ يَبْنِي عَلَى اليَقِينَ فَيَجْعَلُ نَفْسُهُ قَارِنًا فَتَبْرَأُ ذِمَّتُهُ عَنِ الحَجِّ بِيَقِينٍ، وَكَذَا عَنِ العُمْرَةِ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: لاَ يَجُوزُ إِدْخَالُ العُمْرَةِ عَلَى الحَجِّ، فإنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ وَقَعَ الآنَ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: النِّسْيَانُ عُذْرٌ في جَوَاز إِدْخَالِ العُمْرَةِ عَلَى الحَجِّ، فَإِنْ قُلْنَا: يَبْرَأُ عَنِ العُمْرةِ فَعَلَيْهِ دَمُ القِرَانِ وإلاَّ فَلاَ، وَإِنْ طَافَ أَوَّلاً ثُمَّ شَكَّ فَيَمْتَنِعُ إِدْخَالُ الحَجِّ لَوْ كانَ مُعْتَمِراً فَطَريقُهُ أَنْ يَسْعَى وَيَحْلَق وَيَبْتَدِئَ إِحْرَامُهُ بِالحَجِّ وَيتِمَّهُ فَيَبْرأَ عَنِ الحَجِّ بِيَقِين؛ لِأَنَّهُ إِنْ كانَ حَاجاً فَغَايَتُهُ حَلْقٌ في غيْرِ أَوَانِهِ وَفِيهِ دَمٌ، وَإِنْ كانَ مُعْتَمراً فَقَدْ تَحَلَّلَ ثُمَّ حَجَّ وَعَلَيْهِ دَمُ التَّمَتُّعِ، فَالدَّمُ لاَزِمٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَلاَ يَضُرُّهُ الشَّكُّ في الجِهَةِ فإِنَّ التَّعْيِينَ لَيْسَ بِشَرْط في نِيَّةِ الكَفَّاراتِ.
قال الرافعي: المسألة الثالثة: أن يكون زيدٌ محرماً لكن يتعذر مراجعته بجنون أو غيبة أو موت بعد الإحْرَام وقد شبهها في الكتاب بمسألة طويلة الفقه فنشرحها ثم نعود إلى هذه فنقول:
إذا أحرم بنسك معين من النسكين ثم نسيه قال في القديم: أحب أن يقرن وإن تَحَرَّى رجوت أن يجزئه ونص في الجديد على أنه قارن، ونقل الشَّيْخُ أَبُو عَلِي فيها طريقين: أحدهما: نفي الخلاف في جواز التحري، ونص في الجديد على ما إذا شك، فلم يدر أنه أحرم بأحد النُّسُكَيْنِ أو قرن وأصحهما وهو رواية المعظم: أن المسألة على قولين.
القديم: أنه يتحرى ويعمل بظنه؛ لإمكان إدراك المقصود بالتَّحَرِّي كما في القِبْلَة والأواني.
والجديد: أنه لا يتحرى؛ لأنه تلبس بالإحْرَام يقيناً ولا يتحلل إلا إذا أتى بأعمال المشروع فيه، فالطريق أن يقرن ويأتي بأعْمَال النسكين، وهذا كما لو شَكَّ في صلاته في عدد الركعات يبني على اليَقِينِ، ليتحقق الخروج عما شرع فيه، ويفارق التحري في القِبْلة والأواني، لأن لها علاماتٍ تدل عَلَيْهَا، ولا دلالة هَاهُنَا واعلم أن هذا الفرق مبني على أن الاجتهاد يعتمد النظر في العلامات، وقد ذكرنا في كتاب الطَّهَارَةِ خلافاً فيه، وبتقدير أن يعتمده فناصر القول الأول قد لا يسلم انتفاء الأمارات هاهنا، وبنى الشيخ أبو محمد -رحمه الله- على هذين القولين اختلاف أصحابنا فيما إذا اجتهد جَمْعٌ في أوانٍ منها اثنان فصاعداً بِصِفَةِ الطَّهَارَة، وغلب على ظَنِّ كُلِّ واحد طهارة واحد هل يجوز اقتداء بعضهم ببعض؟ وقال هذا خلاف في أن الاقتداء هل يجوز بالتَّحَري والاجتهاد؟ التفريع إن قلنا: بالقديم فما غلب على ظنه أنه المشروع فيه من النّسكين
الجزء: 3 - الصفحة: 369
مضى فيه وأجزأه، كما لو اجتهد في الثوب والقِبْلة وصَلَّى على مقتضى اجتهاده، وفي "شرح الفروع" ذكر وجه ضعيف أنه لا يجزئه الشَّك.
وفائدة التحري الخلاص من الإحرام.
وإن قلنا: بالجديد فللشَّكِ حالتان.
إحداهما: أن يعرض قبل الإتيان بشيء من الأعمال، فلفظ النَّص أنه قَارِنِ، قال الأصْحَابُ معناه أنه ينوي القَرَان ويجعل نفسه قارنًا لا أنه يحكم بكونه قارنًا لحصول الشَّك، وأغرب أبو عبد الله الحَنَّاطِيُّ رحمه الله - فحكى قولاً أنه يصير قارنًا من غير نية ثم إذا نوى القرآن وأتى بالأعْمَالِ تحلل، وبرئت ذمته عن الحَجِّ بيقين، وأجزأته عن حَجَّةِ الإسْلاَمِ لأنه إن كان محرماً بالحَجِّ لم يضر تجديد الإحرام به وإدخال العمرة عليه لا يقدح فيه جَوَّزْنَاهُ أم لاَ، وإن كان محرماً بالعمرة فإدخال الحَجِّ عليه جائز قبل الاشتغال بالأعمال.
وأما العمرة فهل تجزئه عن عمرة الإسلام إن فرضناها؟ يبني على أن العمرة هل يجوز إدخالها على الحَجِّ أم لا؟ إن جوزناه أجزأته أيضاً؛ لأنه إن كان محرماً بها فَذَاك، وإلا فقد أدخلها على الحَجِّ، وإن لم نجوز إدْخَالَ العمرة على الحج ففيه وجهان:
أصحهما: لا تجزئه، لاحتمال أنه كان محرماً بالحَجِّ، وامتناع إدخال العمرة عليه، والعمرة وَاجِبةٌ عليه فلا تسقط بالشَّكِ.
والثاني: ويحكى عن أبي إسْحَاقَ: أنها تجزئه ويجعل الاشتباه عذراً في جواز الإدْخَال، فإن حكمنا بإجزائهما جميعاً لزم دَمُ القَرَانِ، فإن لم يجد صَامَ عشرة أيام، ثَلاَثةٌ في الحَجِّ، وسبعةٌ إذَا رَجَعَ.
وإن قلنا: يجزئه الحُج دون العمرة، ففي لزوم الدَّمِ وجهان:
أصحهما: أنه لا يجب؛ لأنا لم نحكم بإجزاء العُمْرَة فلا يلزمه الدَّمُ بالشَّكِ، وهذا هو الذي أورده في الكتاب.
والثاني: يجب؛ لأنه قد نوى القَرَان، وصحة نسمكيه محتملة، فكما لا تحسب العمرة احتياطاً لا يسقط الدّم احتياطاً.
الحالة الثانية: أن يعرض الشَّك بعد الإتيان بِشَيْءٍ من الأعمال وله حالات:
إحداها: أن يعرض بعد الوقوف بعرفة وقبل الطواف، فيجزئه الحَجَّ؛ لأنه إن كان محرماً به فذاك، وإن كان محرماً بالعمرة فقد أدخل الحج عليها قبل الطَّواف حيث نوى القَرَان، وذلك جائز، ولا تجزئه العُمْرة؛ لاحتمال أنه كان محرماً بالحَجّ فليس له إدخالُ العمرة عليه بعد الوُقوفِ، هكذا أورده أبو القَاسِم الكَرَخِي، وصَاحِبُ "التهذيب" وهو
الجزء: 3 - الصفحة: 370
جواب أولاً على أن العمرة لا تدخل على الحَجِّ بعد الوقوف، وقد قدمنا وجهاً آخر: أنها تدخل عليه ما لم يأخذ في أسْبَابِ التحلل.
ثم هو مفروض فيما إذا كان وقت الوقوف باقياً، فوقف ثانياً، وإلا فمن الجائز أنه كان محرماً بالعمرة، فلا يجزئه ذلك الوقوفُ عن الحَجِّ.
الثانية: أن يعرض بعد الطَّواف وقبل الوقوف، فإذا نوى القَرَان وأتى بأعمال القرآن لم يجزئه حَجُّه؛ لاحتمال أنه كان محرمًا بالعمرة، فيمتنع إدْخَالُ الحَجِّ عليها بعد الطواف.
وأما العمرة فهل تجزئه؟ يبني على أن إدخال العمرة على أن إدخال العمرة على الحَجِّ هل يجوز؟ وبتقدير أن يجوز، هل يجوز بعد الطواف.
وأما العمرة فهل تجزئه؟ يبني على أن إدخال العُمْرةَ على الحَّجِّ هل يجوز؟ وبتقدير أن يجوز فهل يجوز بعد الطَّواف أم لا؟ إن قلنا: نَعَم أجزأته، وإلا فلا؛ لجواز أنه كان محرماً بالحج وقد طاف، وهذا هو الأصَحّ؛ لأنه شاك في عين ما أحرم به، وفيما أدخله عليه، فأشبه ما لو فاته ظُهْرٌ وعصر، وصلى إحداهما وَشَكَّ فيما صَلَّى يلزمه إعادتهما جميعاً، وذكر ابْنُ الحَدَّادِ في هذه الصورة: أنه يتم أعمال العمرة بأن يركع ركعتي الطواف، ويسعى، ويحلق أو يقصر، ثم يحرم بالحج، ويأتي بأعماله، وإذا فعل ذلك صَحَّ حَجُّه؛ لأنه إن كان محرماً بالحَجِّ لم يضر تجديد الأحرام، وإن كان محرماً بالعمرة، فقد تَمَتَّعُ ولا تصح عمرتُه؛ لاحتمال أنه كان محرماً بالحجّ ولم تدخل العمرة عليه إن لم ينو القَرَان.
قال الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ وَصَاحِبُ التَّقْرِيبِ والأكثرون: إن فعل ذلك فالجواب ما ذَكَره لكن لو استفتانا لم نفت به؛ لجواز أنه كان محرمًا بالحَجِّ، وأن هذا الحلق وقع في غير أوانه، وحينئذ يكون الحلقُ محظوراً، وهذا كما لو ابتلعت دجاجةُ إنسانٍ لؤلؤةَ غَيْره لا نفتي لصاحب اللؤلؤة بِذَبْحِها وإخراج اللؤلؤة، لكن لو فعل ذلك لم يلزمه إلا قدر التفاوت بين قيمتها حيةَ ومَذْبُوحة، وكذا لو استقبلت دابتان لشخصين على شَاهِقٍ، وتعذر مرورهما لا نفتي لأحدهما بِإهْلاَكِ دابة الآخر، لكن لو فعل خلص دابته، ولم يغرم إلا قيمة دابة الآخر، وسواء أفتينا له بذلك على ما ذكره ابْنُ الحَدَّادِ، أو لم نفت، فلو فعل لزمه دم؛ لأنه إن كان محرماً بالحج فقد حلق في غير أوانه، وإن كان محرماً بالعمرة فقد تمتع، فيريق دماً عن الواجب عليه، ولا يعين الجِهَة، كما إذا كانت عليه كفارة قتل أو ظهار فأعتق ونوى عما عليه تُجْزِئه؛ لأن التعيين في الكَفَّارات لَيْسَ بِشَرْطٍ، فإن كان معسراً لا يجد دماً ولا طعاماً صام عشرَة أيامٍ كما يصوم المتمتع فإن كان اللاَّزِم دم التمتع فَذَاك، وإن كان دم الحلق أجزأه ثلاثة أيام والباقي تطوع، ولا يعين الجهَة في صَومِ الثَّلاثَةِ، ويجوز تعيين التمتع في صَوْمِ السَّبْعَةِ، ولو اقتصر على صوم ثلاثةِ أَيامٍ هل
الجزء: 3 - الصفحة: 371
تبرأ ذمته؟ قضية ما ذكره الشَّيْخُ أَبو عَلِي أنها لا تبرأ؛ لأن شغل الذمة بالدم معلوم، فلا بد من تعيين البَرَاءة.
قال الإمام -رحمه الله- ويحتمل أن تبرأ؛ لأن الأصْلَ براءة الذمة، والشغل غير معلوم، وأطلق المصنف -رحمه الله- في "الوسيط" وجهين، تعبيراً عن هذين الكلامين، ويجزِئه الصَّوْمُ مع وجدان الطَّعَامِ؛ لأن الطَّعَام لا مدخل له في دَم التَّمتع، وفدية الحلق على التخيير قال الله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ 102، ولو أطعم هل تبرأ ذمته أم لا؟ لاحتمال أن اللازم دم التمتع؟ فيه كلام للشيخ والإمام -رحمهما الله- وهذا كله فيما إذا استجمع الرجل شرائط لزوم الدمِ للتمتع، فإن لم يكن مستجمعاً كما لو كان مَكيًّا لم يلزم الدّم؛ لأن شرط التمتع مفقود، ولزوم دَم الحَالِق مشكوكٌ فيه، وإذا جوز أن يكون إحرامه أولاً بالقَرَان فهل يلزمه دم آخر مع الدَّم الذي وصفناه؟ فيه الوجهان السَّابقان.
الثالثة: أن يعرض الشَّكُّ بعد الطواف والوقوف فإن أتى ببقية أعمال الحَجِّ لم يجزئه حَجُّهُ ولا عمرته.
أما الحَجِّ فالجواز أنه كان محرماً بالعمرة فلا ينفع فيه الوقوف.
وأما العمرة: فلجواز أنه كان محرماً بالحَجِّ، ولم يدخل عليه العمرة، فإن نَوَى القَرَان وأتى بأعمال القَارِن، فإجزاء العُمْرَة يبنى على أن العمرةَ هل تدخل على الحِجِّ بعد الوقوف؟ وقياس المَذْكُورِ في الحالة السَّابقَةِ وإن لم يتعرضوا له هَاهُنَا أنه لو أتم أعْمَالَ العمرةِ وأحرم بالحَجِّ وأتى بأعماله مع الَوقوف أجزأه الحَجُّ وعليه دم كما سَبَقَ، ولو أتم أعمال الحج، ثم أحرم بعمرة وأتى بأعمالها أجزأته العمرة، -والله أعلم-.
وفي المولدات وشروحها فرعان شبيهان بالمسألة نُرْدِفُها بِهما:
أحدهما: لو تمتع بالعُمْرَة إلى الحَجِّ، وطَافَ للحج طواف الإفاضة ثم بان له أنه كان محدثاً في طواف العُمْرَة لم يصح طوافة ذلك ولا سعيه بعده؛ لأن شرط صِحَّة السعي تقدُّمُ طوافٍ عليه، وبان أن حلقه كان في غير الوقت، ويصير بإحرامه بالحج مدخلاً للحج على العمرة قبل الطَّواف فيصير قارناً، ويجزئه طوافه وسعيه في الحَجِّ عن الحج والعمرة جميعاً، وعليه دمان، دم للقران، ودم لِلْحَلْقِ في غير وقته، وإن بان أنه كان محدثاً في طواف الحج تطهر وأعاد الطواف والسعي، وليس عليه إلا دَمُ التمتع إذا اجتمعت شروطه، وإن شك فلم يدر أنه في أي طوافيه كان محدثاً فعليه أن يعيد الطواف
الجزء: 3 - الصفحة: 372
والسعي، وإذا أعادهما صح حجه وعمرته؛ لأنه إن كان حدثُه في طواف العُمْرَةِ، فقد صار قارناً بإحرام الحَجِّ، فيجزئه طوافه وسعيه المعادان عن النسكين جميعاً، وإن كان في طَوَافِ الحَجِّ فعمرته صَحِيحة، وكذا أعْمَالُ الحَجِّ سوى الطَّوافِ وَالسَّعْي، وقد أعادهما، وعليه دم؛ لأنه إما قارنٌ أو متمتع، وينوي بإراقته الواجب عليه، ولا يعين الجِهَة، وكذا لو لم يجد الدَّم فصام، والاحتياط أن يريق دماً آخر؛ لاحتمال أنه حالق قبل الوقت.
نعم، لو لم يحلق في العُمْرةَ على قولنا إن الحلق استباحةُ مَحْظُورٍ فَلاَ حاجة إليه، وكذا لا يلزمه عند تبين الحَدَثِ في طواف العمرة إلا دمٌ واحد.
والثاني: لو كانت المسألة بحالها إلا أنه جامع بعد أعمال العمرة ثم أحْرَم بالحج، وهذا الفرع ينظر إلى الأصلين:
أحدهما: أن جماع النَّاسِ هل يُفْسِد النُّسُك فيوجب البَدَنة كجماع العَامِدِ أم لا؟ وفيه قولان سيأتي ذكرهما.
والثاني: أنه إذا فسد العمرة بالجماع ثم أدخل عليها، هل يدخل ويصير محرماً بالحج؟ فيه وجهان:
أظهرهما: عند الشيخ أبي محمد -رحمه الله- وبه أجاب ابْنُ الحَدَّادِ: لا؛ لأن الإحرام بالفَسَادِ في حكم المَنْحَل، وإذا انْحَلَّ إحرام العمرة لم يدخل الحَجَّ عليها، كما لو أدخل الحَجَّ عليها بعد الطواف.
والثاني: نعم، وإليه ميل الأكثرين، وبه قال الشَّيْخُ أَبُو زيْدٍ، وحكاه عن ابْنِ سُرَيْجٍ؛ لأنه محرم بالعمرة، ولم يأت بشيء من أعمالها، فأشبهت الصَّحِيحة، ولا أثر لكونهَا فَاسِدة، كما لا أثر لاقتران المفسد بالإحرام، فعلى هذا هل يكون الحج صحيحاً مجزئاً؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأن المفسد متقدِّم عليه، فلا يؤثر فيه.
وأصحهما: لا؛ لأن الإحْرَام واحد وَهُوَ فَاسِد، ومحال أن يؤدى بالإحرام الفَاسِد نُسكٌ صَحِيحٌ، فعلى هذا ينعقد فاسداً أو صحيحاً ثم يفسد؟ فيه وجهان ذكروا نظيرهما فيما إذا أصبح في رمضان مجامعاً فطلع الفجر واستدام:
أحدهما: أنه ينعقد صحيحاً ثم يفسد، كما لو أحرم مجامعاً انعقد صحيحاً ثم فسد.
وأصحهما: أنه ينعقد فاسداً إذا لو انعقد صحيحاً لما فسد؛ لأنه لم يوجد بعد انعقاد مفسد.
فإن قلنا: ينعقد فاسداً أو صحيحاً ويفسد مضى في النسكين وقضاهما وإن قلنا:
الجزء: 3 - الصفحة: 373
ينعقد صحيحاً ولا يفسد، قضى العمرة دون الحَجِّ، وعلي الوجوه الثلاثة يلزمه دَمُ القَرَانِ، ولا يجب عليه إلا بَدَنةٌ واحدة؛ لأن الإحْرَام وَاحِد، هكذا قاله الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ، وحكى الإمام وجهين آخرين إذا حكمنا بانعقاد حَجِّه على الفَسَاد.
أحدهما: أنه يلزمه بَدَنَة أخرى لإفساده الحَجِّ بإدخاله على العُمْرَةِ الفَاسِدة.
والثاني: أنه يلزمه بدنة لإفْسَادِ العُمْرةَ وشاة لإدْخَال الحَجِّ عليها.
كما لو فسد نُسُكُه بِالْجِمَاع، ثم جامع ثَانِياً، يجب عليه للجِمَاع الثَّانِي شَاةٌ في وجه.
إذا وقفت على الأصلين فانظر أن قال: كان الحدث في طَوافِ العُمْرَة، فالطَّواف والسَّعْيُ بعده فَاسِدَان، والجماعُ وَاقِعٌ قبل التَّحَلُّلِ، وفيه طريقان:
أحدهما: وبه أجاب الشَّيْخُ: أنه كجماع النَّاسِي، ففي إفسادهِ القولاَن، إذ لا فرق بين أن ينسى فيجامع، وبين أن يجامع وعنده أنه قد تحلل، كما لا فرق بين أن يتكلم في الصَّلاة نَاسياً، وبين أن يتكلم وعنده أنه قد تحلل.
والثاني: أنه لا ينزل منزلة النَّاسِي، قال الإمَامُ -رحمه الله-: وهذا كالخلاف فيما جَامَعَ على ظُنِّ أن الصُّبْحَ غَيْرَ طَالعٍ فبان خِلاَفه، هل يفسد الصَّوم أم يجعل الغَالِط كالنَّاسِي، فإن لم تفسد العُمْرَة به صارَ قَارِناً بإحْرَامِهِ بِالحَجِّ، وعليه دَمَانِ:
أحدهما: لِلْقَرَانِ.
والآخر: لِلْحَلْقِ قبل وقته إلا إذا لم يحلق كما سبق، وإن أفسدنَا العمرة به وبه أجاب ابْنُ الحَدَّادِ، فعليه بدنة للإفساد ودَمٌ للحلق قبل وقته، وإذا أحرم بالحَجِّ فقد أدخله على عُمْرَةٍ فَاسِدَةٍ، فإن لم يدخل فَهُو فِي عُمْرَتِهِ كما كان، فيتحلل منها ويقضيها، وإن دخل وقلنا: بفساد الحَجِّ فعليه بدنةٌ لِلإفْسَاد، وَدَمٌ للقران، ودمٌ للحلق قبل وقته، ويمضي في الفاسدين ثم يقضيهما وإن قالَ: كان الحدث في طواف الحج فعليه إعادة الطواف والسَّعْي، وقد صح نُسُكَاهُ وليس عليه إلا دَمُ التمتع، وإن قال: لا أدري أنه في أي الطوافين كاَن، أخذ في كلّ حكم بيقين، فلا يتحلل ما لم يعد الطَّواف والسعي؛ لاحتمال أن حدثه كان في طواف الحج، وهذا حكمه، ولا يخرج عن عهدة الحج والعمرة إن كانا لاَزِمَيْنِ عليه لاحتمال كونه محدثاً في طواف العمرة، وتأثير الجِمَاع في إفساد النُّسُكَينِ على ظاهر المَذْهَب، فلا تبرأ ذمته بالشَّك، فإن كان متطوعاً فلا قضاء لاحتمال الإفساد وعليه دَمٌ.
أما للتمتع إن كان الحدث في طَوَافِ الحَجِّ أو للحلاق قبل الوَقْتِ إن كان في طواف العُمْرَة، ولا تلزمه البدنة؛ لاحتمال أنه لم تفسد العُمْرة، ولكن الاحتياط ذَبْحٌ بدنةٍ، وذَبْحُ شاةٍ أخرى، إذا جوزنا إدخال الحج على العمرة الفَاسِدة، لاحتمال أنه صَارَ قَارِناً بذلك، -والله أعلم-.
الجزء: 3 - الصفحة: 374
إذا عرفت هذا كله، وعدت إلى المسألة الثالثة من مسائل الإحرام المشبه بإحرام الغير، وهي أن يتعذر الوقوف على إحرام ذلك الغير، فاعلم أنها ما حكاه صاحب الكتاب وطائفة بمثابة نسيان ما أحرم به، ففيها القولان القديم والجديد، وقال الأكثرون: لا يَتَحَرَّى بحالِ بل ينوي القَرَان، وحكوه عن نَصِّه في القديم، والفرق في مسألة النسيان حَصَلَ الشَّكُ فِي فِعْلِهِ فله سَبيلٌ إلى التحري والتذكير، وفي المسألة الأخرى الشَّك فِي فِعْلِ الغَيْرِ، ولا سبيل إلى الاطلاع على نيته والتحري في فعله، فأعلم لهذا قوله: في الكتاب: (فو كما لو أحرم مفصلاً) بالواو، ويجوز أن يعلم قوله: (فالقول الجديد) بالواو؛ لما حكينا من الطريقة النَّافِيَة للخلاف عن الشَّيْخِ أَبِي عَلِي.
وقوله: (ولكن يبني على اليقين، فيجعل نفسه قارناً) مشعر بما هو المشهور، وهو أنه يصير قارناً بأن ينويه خلافاً لما حكاه الحَنَّاطِي: أنه يصير قارناً من غير نية، ويجوز أن يعلم بالواو لِذَلك، وأعلم بالألف أيضاً؛ لأن عند أحمد يتخير بين أن يجعله حجّاً أو عمرة، لأن عنده فسخ الحَجِّ إلى العمرة جَائِز، لكن هذا الإعلام إنما كان يحسن أن لو ألزمناه جَعْلَ نَفْسِه قارناً وهو غير لازم، وقد أوضح إمام الحرمين -رحمه الله- ذلك، فقال: لم يذكر الشافعي -رضي الله عنه- القرآن على معنى أنه لا بد منه، لكن ذكره ليستفيد الشَّاك به التحلل مع براءة الذِّمَّة عن النُّسُكَيْنِ، فلو اقتصر بعد النِّسيان على الإحرام بالحَجِّ، وأتى بأعْمَالِهِ حصل التَّحَلّل لا محالة، وتبرأ ذمته عن الحَجِّ؛ لأنه إن كان محرماً بالحَجِّ فذاك، وإن كان محرماً بالعُمْرَة فقد أدخل الحَجِّ عليها ولا تبرأ ذمته عن العُمْرَة؛ لجواز أنه كان من الابتداء محرماً بالحَجِّ، وعلى هذا القياس لو اقتصر على الإحْرَام بالعمرة، وأتى بأعمال القرانِ حَصَلَ التحلل، وبرئت ذِمَّتُهُ عن العُمْرَةِ، إن جَوَّزْنَا إدْخَالَ العمرة على الحَجِّ؛ لأنه إما محرمٌ بِهَا في الابتداء، أو مُدْخِلٌ لَهَا عَلَى الحَجِّ، ولا تبرأ عن الحَجِّ، لجواز أنه كان من الابتداء محرماً بالعمرة ولم يحرم بغيرها، ولو لم يجدد إحراماً بعد النسيان واقتصر على الإتيان بأعمال الحَجِّ يحصل التحلل أيضاً، ولكن لا تبرأ ذمته عن أحد النُّسُكَينِ؛ لشكه فيما أتى به، وإن اقتصر على أعمال العُمْرَةِ، فلا يحصل التَّحَلُّل، لجواز أنه مُحْرِمٌ يحرم بالحج، ولم يتم أعماله.
واختلفت رواية أصحابنا عن أبي حنيفة في المسألة، فنقل ناقلون عنه موافقة الجديد، منهم صاحب "الشامل"، وناقلون موافقة القديم، ومنهم صاحب "التهذيب".
والرواية الثانية تقتضي إعلام قوله: (لا يأخذ بغلبة الظن) بالحاء، وقوله فيما إذا شك بعد الطواف: (فطريقة أن يسعى ويحلق إلى آخره) مشعر بالترخص فيه، والأمر به كما قدمناه عن ابْنِ الحَدَّادِ، وقد صرح باختيار ذلك في "الوسيط".
ووجهه الشيخ أَبُو عَلِيٍّ بأن الحلق في غير وقته قد يباح بالعذر، كما إذا كان به أذىً من رأسه، وضرر الاشتباه لو لم يحلق أكثر لفوات الحَجِّ، لكن الأظهر عند الأكثرين: أنه لا يؤمر به على
الجزء: 3 - الصفحة: 375
ما مر فليعلم قوله: (فطريقه) بالواو لذلك، وقوله: (ويبتدئ إحرامه بالحج ويتمه) أي: عند الإمكان، وهو ما إذا بقي وقت الوقوف، وبالله التوفيق.
الفَصْلُ الثَّانِي فِي سُنَنِ الإِحْرَامِ
قال الغزالي: وَهِيَ خَمْسَةٌ الأُولَى الغُسْلُ تَنَظُّفاً حَتَّى يُسَنَّ لِلحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، ويغْتَسِلُ الحَاجُّ لِسَبْعَةِ مَوَاطِنَ، لِلإحْرَامِ، وَدُخُولِ مَكَّةَ، وَالوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَبِمُزْدَلِفَةَ، وَلرَمْيِ الجَمَرَاتِ الثَّلاَثِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يَجْتَمِعُونَ فِي هَذِهِ الأَوْقَاتِ.
قال الرافعي: من سنن الإحرام أن يغتسل إذا أراده روى: "أَنَّهُ صَلَّى -صلى الله عليه وسلم- تَجَرَّدَ لإهْلاَلِهِ وَاغْتَسَلَ" 103.
ويستوي في استحبابه الرجل والصبيّ والمرأة وإن كانت حائضاً أو نفساءَ، لأن مقصود هذا الغسل التنظيف، وقطع الرائحة الكريهة، ودفع أذاها عن الناسِ عند اجتماعهم وقد روى: "أَنَّ أَسْمَاءِ بِنْتَ عُمَيْسٍ امْرَأَةَ أَبِي بَكْرٍ نَفَسَتْ بذِي الْحُلَيفَةِ، فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ تَغْتَسِلَ لِلإحْرَامِ".
ولو كانت يمكنها القيام بالميقات حتى تطهر، فالأولى أن أن تؤخر الإحْرَام حَتى تطهر وتغتسل 104، ليقع إحرامُها في أكْمَلِ حَاليْهَا.
وإذا لم يجد المحرم ماءً أو لم يقدر على استعماله تَيَمَّم، لأن التيمم يَنُوب عن الغُسلِ الواجب، فعن المندوب أولى، نص عليه في "الأم"، وبقد ذكرنا في غسل الجمعة أن الإمام أبدى احتمالاً في أنه هل يتيمم إذا لم يَجِد المَاء؟ وجعله صاحب الكتاب وجهاً، واختار أنه لا يتيمم، وذلك الاحتمال عَائِدٌ هاهنا بلا شك، وإن لم يجد من الماء ما يكفيه للغُسْلِ توضأ، قاله في "التهذيب" 105.
وقوله في الكتاب: (حتى يسن للحائض والنفساء) يجوز إعلامه بالواو؛ لأن إبراهيم المروروذي -رحمه الله- حكى قولاً في أنه لا يسن لهما ذلك، وإذا اغتسلتا فهل تنويان؟ فيه نظر لإمام الحرمين- قَدَّس الله روحه-، والظاهر: أنهما تنويان، لأنهما تقيمان مسنوناً.
الجزء: 3 - الصفحة: 376
واعلم: أن الحَاجَّ يسن له الغُسْلُ في مواطن قد عدَّها في هذا الموضع، ومرة أخرى في كتاب صلاة الجُمُعَةِ مع زيادة طواف الوَدَاعِ، وكنا أخرنا شرح تلك الأغسال إلى هذا الموضع، فنقول:
أحدها: الغسل عن الإحرام، وقد عرفته.
والثاني: "الغُسْلُ لِدُخُولِ مَكَّةَ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ فِعْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- " 106.
والثالث: الغسل للوقوف بِعَرَفةَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ.
والرابع: الغسل للوقوف بِمُزْدَلَفَةَ غداة يوم النحر.
والخامس، والسادس، والسابع: ثلاثة أغْسَال لرمي الجَمَرَاتِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ وسببها: أن هذه مواطن يجتمع لها النَّاس فاستحب فيها الاغتسال قطَعاً للروائح الكَرِيهة.
واغتسال يوم التشريق في حق من لم ينفر في النَّفْرِ الأول، فإن نفر سقط عنه غُسْلُ اليَومِ الثَّالِثِ، وهذه الأغسال قد نص عليها الشافعي -رضي الله عنه- قديماً وجديداً، ويستوي في استحبابها الرَّجل والمرأة، وحكم الحائض ومن لم يجد الماء فيها على ما ذَكَرْنَا في الغُسْلِ للإحرام، وزَادَ في القديم غسلين آخرين:
أحدهما: لطو اف الإفاضة.
والثاني: لطواف الوداع؛ لأن النَّاسَ يجتمعون لهما، ولم يستحبهما في الجديد؛ لأن وقتها مُتَسَعٌ فلا تغلب الزَّحْمَة فيهما كغلبتها في سَائِرِ المَوَاطِنِ، وعن القاضي أبي الطَّيِّبِ -رحمه الله- حكاية غسل آخر عن القديم، وهو عند الحَلْقِ، فتصير أغسال الحج على هذا عَشْرة.
قال الأئمة -رحمهم الله- ولم يستحب الشافعي -رضي الله عنه- الغسل لرمي جمرة العقبة يَوْم النَّحْرِ لأمرين:
أحدهما: اتساع وقته، فإن وقته من انتصاف ليلة النَّحْرِ إلى الزَّوَالِ، ووقت رمي الجمرات من الزَّوَالِ إلى الغُرُوبِ، والتقريب بعد هذا من وجهين:
أحدهما: أن اتساع الوقت مما يقلل الزحمة.
والثاني: أن ما بعد الزوال وقت شدة الحر وانصباب العرق، فتكون الحاجة إلى دفع ما يؤذي الغير أكثر.
والثاني: أن في غسل العيد يوم النحر والوقوف بعرفَة غنية عن الغُسْلِ رمي جمرة العقبة، لقرب وقتها منه 107 -والله أعلم-.
الجزء: 3 - الصفحة: 377
قال الغزالي: الثَّانِيَةُ التَّطَيّبُ لِلإحْرَامِ وَلاَ بَأْسَ بِطِيبِ لَهُ جَرْمٌ (ح).
وَفِي تَطْيِيبِ ثَوْبِ الإحْرَامِ قَصْداً لَهُ خِلاَفٌ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَنْزِعُ فَيَكُون عِنْدَ اللّبْسِ كَالْمُسْتَأْنِفِ، فَإِنْ اتَّفَقَ ذَلِكَ فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَجْهَانِ، وَيُسْتَحَبُّ خِضَابُ المَرْأَةِ تَعْمِيماً لِليَدِ لاَ تَظْرِيفاً.
قال الرافعي: يستحب أن يتطيب لإحرامه، لما روي عن عَائِشَة -رضي الله عنها- قالت: "كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لإحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلحَلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ" 108.
ولا فرق بين ما يبقى له أثر وَجُرْمٌ بعد الإحْرَام وبين مَا لاَ يبقى.
قالت عائشة -رضي الله عنها-: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ مِنْ مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ مُحْرِمٌ" 109.
ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب: (الثانية التطيب للإحرام) بالواو؛ لأن من الأصْحَاب من روى وجهاً: أنه ليس من السُّنَنِ والمحبوبات، وإنما هو مُبَاح، وأيضاً فإن اللفظ مُطْلَقٌ لا يفرق بين الرِّجَال والنساء، والاستحباب شامل للمصنفين في ظَاهِر المذهب، وحكى في "المعتمد" قولاً عن نقل الدَّاركي: أنه لا يستحب لهن التطيب بِحَالٍ، ووجهًا: أنه لا يجوز لهن التطيبِ بطيبٍ تَبْقَى عَيْنُه، أعلم قوله: (ولا بأس بطيب له جرم) -بالحاء وبالميم-.
وأما بالحاء فلأن شِرْذِمَةٌ روت عن أبي حنيفة -رحمه الله- المنع من ذلك، ومنهم المصنف، ذكره في "الوسيط"، لكن الثابت عنه مثل مذهبنا.
وأما بالميم فلأن عند مالك يكره له التطيب بما تبقى رَائِحَتُه بَعْدَ الإِحْرَامِ، ويروى عنه مَنْعُ التطيب مطلقاً ثم إذَا تطيب لإحرامه فلَه أن يستديم بعد الإحْرَام ما تطيب له، بخلاف ما إذا تَطَيَّبَتِ المَرْأَةُ ثم لزمتها العِدَّة يلزمها إزالته فِي وَجْهٍ؛ لأن في العِدَّة حق الآدمي فتكون المضايقة فيها أكثر، ولو أخذه من مَوْضِعِهِ بعد الإحرام ورده إليه أو إلى موضع آخَر لزمته الفدية، وروى الحَنَّاطِيُّ -رحمه الله- فيه قولين، ولو انتقل من موضعٍ إلى موضع بإسالة العَرَق إياه فوجهان: = في الغسل الرابع أنه للوقوت بمزدلفة، هو الذي ذكره الجمهور، وكذا نص عليه في "الأم".
وجعل المُحَاملي في كتبه، وسليم الرازي، والشيخ نصر المقدسي الغسل الرابع للمبيت بمزدلفة، ولم يذكروا غسل الوقوف بها.
ينظر الروضة (2/ 347).
الجزء: 3 - الصفحة: 378
أصحهما: أنه لا يلزمه شيء، لتولده عن مَنْدُوبٍ إليه مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ منه.
والثَّانِي: أن عليه الفدية إذا تركه، كما لو أصابه من مَوْضِعٍ آخر، لأن في الحالتين أصاب الطِّيب بعدم الإحرام موضعًا لم يكن عليه طِيب، هذا كله في البَدَنِ، وفي تطييب إزار الإحْرَام وردائه وجْهَانِ:
أحدهما: لا يجوز؛ لأن الثَّوْبَ يُنْزَعُ وَيُلْبَسُ، وإذا نزعه ثم أعاده كان كما لو استأنف لِبْسَ ثَوْبٍ مُطَيَّبٍ.
وأصحهما: أنه يجوز، كما يجوز تطييب البَدَن، وبعضهم يَنْقُل هذا الخِلاَف قولين، والمشهور الأول، وفي "النهاية" وجه ثالث، وهو الفرق بين أن يبقى عليه عين بعد الإحْرَام فلا يجوز، وبين أن لا يبقى فيجوز، كما لو شد مسكًا في ثوبه واستدامه.
قال الإمام: والخلاف فيما إذا قَصَد تطييب الثوب.
أما إذا طيب بدنه فتعطر ثوبه تبعاً فلا حرج بِلاَ خِلاَف، وإلى هذا أشار في الكتاب حيث قال: (قصداً إليه) فإن جوزنا تطييب الثَّوْب للإحْرَامِ فلا بأس باستدامة ما عليه بعد الإحْرَام كما في البدن، لكن لو نزعه ثم لبسه ففي الفدية وجهان:
أحدهما: لا يلزمه؛ لأن العادة في الثَّوْبِ أن ينزع ويعاد فجعل عفواً.
وأصحهما: أنها تلزم كما لو أخذ الطَّيب من بَدَنِهِ ثم رَدَّهُ إليه، وكما لو ابتدأ لبس ثوب مطيب بعد الإحْرَام، وفي الفصل مسألة أخرى وهي: أن المرأة يستحب لها أن تخضب بالحِنَّاء يديها إلى الكُوعَيْنِ قَبلَ الإِحْرَامِ.
وروى: "أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تَمْسَحَ الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا لِلإحْرَام بالْحِنَّاءِ، وَتَمْسَحَ وَجْهَهَا أَيضاً بِشَيْءٍ مِنَ الْحِنَاءِ" 110.
لأنا نأمرها في الإحْرَامِ بنوع تكشف، فلتستر لَونَ البشرَةِ بلون الحِنَّاء، ولا يختص أصْلُ الاستحباب بحَالَةِ الإحرام، بل هو محبوب في غيرها من الأحوال: "رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةَ بَايَعَت رسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَخْرَجَت يَدَهَا فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَين الْحِنَّاءُ" 111 نعم في حالة الإحْرَامِ، ولا فرق بين ذات الزوج والخَلِيَّة، وفي سائر الأحوال يكره الخِضَاب للخلية، قاله في "الشامل" وحيث يستحب فإنما يستحب تعميم اليَد بالخِضَابِ دون التنقيش،
الجزء: 3 - الصفحة: 379
والتَّسْوِيد، والتطريف، فقد روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى عَنِ التَّطْرِيفِ" 112 وهو أن تخضب أطراف الأصابع، ويكره لها أن تختضب بعدم الإحرام لما فيه من الزّينة وإزالة الشِّعث، ولو فعلت ففيه كلام نذكره في الباب الثَّالِثِ عند ذكر خضاب الرجل شعر لِحْيَتِهِ ورأسه -إن شاء الله تعالى 113 -.
قال الغزالي: الثَّالِثَةُ أَنْ يَتَجَرَّدَ عَنِ المَحِيْطِ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ أَبْيَضَيْنِ وَنَعْلَيْنِ.
قال الرافعي: إذا أراد الإحرام تَجَرَّدَ عن محيط ثيابه، إذ ليس للمحرم لِبْس المخيط على ما سيأتي، ويلبس إزارَاً ورداءً ونعلين.
روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "ليُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَار وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ" 114 ويستحب أن يكون الإزار والرداء أبيضين: "فَإِنَّ أَحَبَّ الثِّيَابِ إِلَى اللهِ -تَعَالى- الْبِيضُ" وليكونا جديدين، فإن لم يَجِدْ فليكونَا غَسِيلين، ويكره المَصْبوغ؛ لما روي عن عمر: "أَنَّهُ رَأَىَ عَلَى طَلْحَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- ثَوْبَيْنِ مَصْبُوغَيْنِ وَهُوَ حَرَامٌ، فَقَالَ: أَيُّهَا الرَّهْطُ إِنَّكُمْ أَئِمَّة يُهْتَدَى بِكُمْ فَلاَ يَلْبِسْ أَحَدُكُمْ مِنْ هذِهِ الثِّيَابِ الْمُصْبَغَةِ فِي الإحْرَامِ شَيْئاً" 115.
وقوله في الكتاب: (أن يتجرد عن المخيط في إزار إلى آخره) ينبغي أن يعلم فيه أن المعدود من السّنن التجرد بالصفة المذكورة.
فأما مجرد التجرد فلا يمكن عَدُّه من السُّنَنِ؛ لأن ترك لبس المَخِيط في الإحْرَامِ لاَزِمٌ، ومن ضرورة لزومه لزوم التجرد قبل الإحْرَام، وبالله التوفيق.
قال الغزالي: الرَّابِعَةُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتيِ الإحْرَامِ ثُمَّ يُلَبِّيَ حَيْثُ تَنْبَعِثُ بِهِ دَابَّتُهُ، وَفي القَدِيمِ بِحَيْثُ يَتَحَلَّلُ عَنِ الصَّلاةِ.
قال الرافعي: يستحب أن يُصَلِّي قبل الإحرام ركعتين؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "صَلَّى بِذِيِ الْحَلْيِفَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَحْرَمَ" 116.
الجزء: 3 - الصفحة: 380
وإنما يستحب ذلك في غَيْرِ وقتِ الكراهية.
أما في أوقات الكراهية فأصَحُّ الوجهين الكَرَاهَة على ما مر في فَصْلِ الأوقات المكروهة 117.
ولو كان إحرامه في وقت فريضة وَصَلاَّهَا أغنته ذلك عن ركعتي الإحْرَام، ثم إذا صَلَّى نوى وَلَبَّى، وفي الأفضل قولان:
أصحهما: أن الأفضل أن ينوي ويلبي حين تنبعث به دابته إن كان راكبًا، وحين يتوجه إلى الطَّريق إن كان ماشياً، لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لَمْ يُهِلَّ حَتَّى انْبَعَثَتْ بهِ دَابَتَهُ" 118. قال الإمام -رحمه الله- وليس المراد من انبعاث الدابة فورانها، بل المراد استواؤها في صَوْبِ مَكَّة.
والثاني: أن الأفْضَل أن ينوي وَيُلَبِّي كما تحلل من الصَّلاَةِ وهو قَاعِد، ثم يأخذ في السَّيْرِ، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد؛ لما روي عن ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: "أَهَلَّ حِينئَذٍ" 119.
ويشتهر القول الأول: بالجديد.
والثاني: بالقديم.
ويروى أيضاً عن المَنَاسِك الصغير من "الأم" واختاره طَائِفَةٌ من الأَصْحَابِ، وحملوا اختلاف الرواية على: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَعَادَ التَّلْبيَةَ عِنْدَ انْبعَاثِ الدَّابَّةِ، فَظَنَّ مَنْ سَمِعَ أَنَّهُ حِينئذٍ لَبَّى، والأكْثَرُونَ على ترجيح الأول.
قال الغزالي: الخَامِسَةُ أَنْ يُلَبِّيَ عِنْدَ النِّيَّةِ وَيُجَدِّدَهَا عِنْدَ كُلِّ صُعُودٍ وَهُبُوطٍ وَحُدُوثِ حَادِثٍ وَفِي مَسْجِدِ مَكَّة وَمِنًى وَعَرَفَاتٍ، وَفِيمَا عَدَاهَا مِنَ المَسَاجِدِ قَوْلاَنِ، وَفِي حَالِ الطَّوافِ وَيُسْتَحَبُّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِهَا إلاَّ لِلنِّسَاءِ.
قال الرافعي: لك أن تعلم قوله: (وأن يلبي عند النية) بالواو؛ لوجهٍ قدمناه في أن
الجزء: 3 - الصفحة: 381
التَّلْبيَة من وَاجِبَاتِ الإحْرَام لاَ مِنْ سننه، ثم تكثير التلبية في دوام الإحْرَام مستحبٌ قائماً كانَ أو قاعداً، راكبًا كان أو ماشياً، حتى في حالة الجنابة والحَيْضِ، وأنه ذِكْرٌ لا إِعْجَازَ فِيهِ فأشبه التسبيح، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- لعائشة -رضي الله عنها- حين حاضت: "افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أنْ لاَ تَطُوفِي بِالْبَيْتِ" 120.
وتجديدُها أفضلُ في كل صُعودٍ وهُبُوطٍ، وحدُوثِ حادثٍ من ركوب أو نزول، أو انضمام رفاق، أو فراغ من صلاة، وعند إقْبَالِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ، ووقت السَّحَرِ.
روى عن جابر -رضي الله عنه-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُلَبِّي فِي حِجَّتِهِ إِذَا لَقِيَ رَكْباً أَوْ عَلَى أكَمَةٌ، أَوْ هَبَطَ وَادِياً، وَفِي أَدْبَارِ الْمَكْتُوبَةِ، وَمِنْ آخِرِ اللَّيْلِ" 121.
ويستحب الإتيان بها في مَسجَد مكة، وهو المَسْجُد الحَرَامُ، ومَسْجِدُ الخِيِفِ بِمِنًى، ومسجد إبراهيم عليه السلام بعَرَفَةَ، فإنها مَوَاضِعُ النسك، وفي سائر المَسَاجِدِ قولان: القديم: أنه لا يلبي فيها حذراً من التشويش على المتعبدين والمُصَلِّين، بخلاف المساجد الثَّلاثة، فإن التلبية معهودة فيها، ويروى هذا عن مالك -رحمه الله-.
والجديد: أنه يلبي فيها كَسَائِرِ المَسَاجِدِ، ويدل عليه إطلاق الأخبار الواردة في التَّلْبِيَة، فإنها لا تفرق بين مَوْضِعٍ ومَوْضِعٍ، وهذا الخلاف على ما أورده الأكثرون في أصْلَ التلبية، فإن استحببناه استحببنا رَفْعَ الصوت، وإلا فلا، وهو قضية نَظْمِ الكِتَاب.
وجعل إمام الحَرَمَيْن الخلافَ في أنه هل يستحبُ فيها أن يرفع الصوت بالتلبية؟ ثم قال: إن لم نؤثر رفع الصوت بالتلبية في سَائِرِ المَسَاجِدِ، ففي الرفع في المَسَاجِدِ الثلاثة وجهان، وهل تستحب التَّلبِيَة في طَوَافِ القُدومِ والسَّعْيِ بعده؟ فيه قولان:
الجديد: أنه لا يستحب؛ لأن فيها أدْعِيَةً وأذكاراً خاصة فصار كطواف الإفَاضَةِ والوداع، وقد روى عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه قال: "لاَ يُلَبِّي الطَّائِفُ".
والقديم: أنه يستحب ولكن لا يَجْهَر بها، بخلاف طَوَافِ الإفاضة فإن هناك شرع في أسباب التَّحَلُّلِ، فانقطعت التلبيه، وهذا التوجيه يعرفك أن قوله في الكتاب: (وفي حالة الطواف قولان) محمول على طواف القُدُومِ، وإن كان اللفظ مُطْلقاً، وفي غيره من أنراع الطَّوَاف لا يُلَبِّي بِلاَ خِلافِ.
ويستحب رَفْعُ الصوت بالتَّلبِيَةِ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَني أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ
الجزء: 3 - الصفحة: 382
يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ" 122. وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَفْضَلُ الْحَجِّ الْعَجُّ وَالثَّجُّ" 123.
والعج: هو رَفْعُ الصَّوْتِ، وإنما يستحب الرفع في حَقِّ الرجل، ولا يرفع بحيث يجهده ويقطع صَوْتَه، والنساء يَقْتَصِرْنَ على إِسْمَاع أنفسهِنَّ، ولا يَجْهَرْن كما لا يجهرن بالقراءة في الصَّلاَةِ.
قال القَاضِي الرّوَيانِي: ولو رَفعت صوتها بالتلبية لم يحرم؛ لأن صَوْتَها ليس بعَوْرَةِ خلافاً لبعض أصحابنا.
والأحب أن لا يزيد في التلبية على تلبية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بل يُكَرِّرُهَا، وبه قال أحمد، وعن أصحاب أبي حنيفة -رحمهم الله- أن الأحب الزيادة فيها، وتلبيته: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعمَةَ لَكَ وَالْمَلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ" 124.
وقوله: (إن قد تكسر) على تقدير الابتداء، وقد تفتح على معنى لأن الحمد 125. فإن رأى شيئاً يعجبه قال: لَبَّيْكَ إِنَّ العَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ، ثبت ذلك عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 126 وروى في بعض الرِّوايات أنه قال في تلبيته: "لَبَّيْكَ حَقًّا حقًّا تَعَبُّداً وَرِقّاً" 127.
ولو زاد على تلبية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما نقل بأنه مكروه روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنه كان يزيد فيها: "لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بيَدَيْكَ، وَالرَّهْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ".
ويستحب إذا فرغ من التلبية أن يُصَلِّي على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأن يسأل الله رِضْوَانُهُ والجَنَّة، ويستعيذ به من النَّارِ، يقول: أَسْألُكِ رِضَاكَ وَأَسْأَلُكَ الجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ فِي حَجٍّ أو عُمرَةٍ سَألَ اللهَ رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ، وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ" 128.
الجزء: 3 - الصفحة: 383
ثم يدعو بما أحب، ولا يتكلم في أثناء التلبية بأَمر ونَهْيٍ وغيرهما، لكن لو سُلِّمَ عليه رد (1)، نص عليه (2)، ومن لم يحسن التلبية بالعربية لَبَّى بلسانه، واعلم أنه يستحب الإتيان بالسُّنَنِ الخمس على التَّرْتِيبِ المَذْكُورِ في الكِتَابِ.
نعم، لم أرَ ما يقتضي ترتيباً بين التطييب والتجرد.
ويستحب أيضاً للمحرم أن يتأهب للإحرام بحلق الشَّعْرِ، وتقليم الظفر، وقصّ الشَّارب، وقد روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ غَسَلَ رَأْسَهُ بِأَشْنَانِ وَخَطْمِيِّ (3) " وبالله التوفيق.
الفَصْلُ الثَّالِثُ فَي سُنَنِ دُخُولِ مَكَّةِ
قال الغزالي: وَهِيَ أَنْ يغْتَسِلَ بِذِي طُوًى، وَيَدْخُلَ مَكَّة مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءِ، وَيَخْرُجَ مِنْ ثنِيَّةِ كُدَىٍّ وَإذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى الكَعْبَةَ قَالَ: اللهمَّ زِدْ هَذَا البَيّتَ تَشْرِيفاً وَتَعْظِيماً وَتَكْرِيماً وَمَهَابَةً وَبِرّاً وَزِدْ مِنْ شَرَفِهِ وَعَظَمِهِ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرهُ تَشْرِيفاً وَتَعْظِيماً وَتَكْرِيماً وَمَهَابَةَ وَبِرْاً، ثُمَّ يَدْخُلَ البَيْتَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيبَةَ فيَؤُمَّ الرُّكْنَ الأَسْوَدَ، وَيبْتَدِئَ طَوَافَ القُدُومِ.
قال الرافعي: المحرم بالحج قد يقرب من مكّة 132 ووقت الوقوف ضَيِّق، فيعدل عن الجَادة إلَى عَرَفَةَ، فَإِذَا وقف دَخَلَهَا، وهكذا يفعل الحَجِيج الآن غالباً، وقد يتسع129130131
الجزء: 3 - الصفحة: 384
الوقت فيدخلونها، "ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْهَا إِلَى عَرَفَةَ، وَهكَذَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-" 133.
وفي الفَصْلِ وما بعده ما هو مبني على التَّصْوِير الثاني، وهكذا هو في مصنفات عامة الأصحاب -رحمهم الله-، ونحن ننبه على ما يفترق فيه التَّصْوِيران في مواضع الحاجة -إن شاء الله تعالى-.
إذا عرفت ذلك فلدخول مكة سُنَن.
منها أن يغتسل بِذِي طُوَى وهو من سواد مكَّة قريب منها.
روى عن ابن عمر -رضي الله عنهما- "أَنَّهُ كَانَ لاَ يَقْدُمُ مَكَّةَ إلاَّ بَاتَ بذِي طُوىً، حَتَّى يُصْبحَ وَيغْتَسِلَ، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ، وَيذْكُرُ عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ فَعَلَهُ" 134.
واعلم أن القصد بقوله: (أن يغتسل بذي طوى) بيان استحباب موضع الغسل؛ فأما كون الغسل للدخول مستحبّاً، فقد ذكره مرة في الفَصْل الثاني من هذا الباب ومرة قبل ذلك في كتاب الجُمَعَةِ.
ومنها: أن يدخل من ثنية كَدَاء -بفتح الكاف والمد- وهو من أعلى مكَّة وإذا خرج خرج من ثنية كُدَى -بضم الكاف- وهو على ما يشعر به كلام الأكثرين بالمد أيضاً، ويدل عليه أنهم كتبوه بالألف ومنهم من قال: إنه بالياء 135 وروى فيه شعراً وهو من أسفل مكة.
وروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَدْخُلُ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا، وَيَخْرُجُ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى" 136.
قال الأصحاب وهذه السُّنَّة في حق مَنْ جَاءَ من طريق المدينة والشَّام، وأما الجاءون من سائر الأقطار فلا يؤمرون بأن يدوروا حول مَكَّة، ليدخلوا من ثنية كَدَاء، وكذلك القول في إيقاع الغسل بِذِي طُوَى، وقالوا: إنما دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- من تلك الثنية اتفاقاً لا قصداً؛ لأنها على طريق المدينة، وهاهنا شيئان:
أحدهما: أن قضية هذا الكلام أن لا يتعلق بنسك واستحباب بالدخول من تلك الثنية في حق الجائين من طريق المدينة أيضاً، وهكذا أطلق الإمام نقله عن الصَّيْدَلاَنِيّ.
الجزء: 3 - الصفحة: 385
والثاني: أن الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ نازع فيما ذكره من موضع الثنية، وقال: ليست هي على طريق المدينة بل هي في جِهَة المعَلاَّ، وهو في أعلى مكة، والمرور فيه يفضي إلى باب بَني شَيْبَةَ، ورأس الردم، وطريق المدينة يفضي إلى باب إبْرَاهِيمَ عليه السلام.
ثم ذهب الشَّيْخُ إلى استحباب الدُّخولِ منها، لكُل جَاءٍ تأسياً برسول الله -صلى الله عليه وسلم- والإمام سَاعَد الجمهور في الحكم الذي ذكروه، وشهد للشيخ بأن الحق في موضع الثنية ما ذكره.
ومنها: إذا وقع بَصَرُهُ على البَيْتِ قال ما روى في الخبر: وهو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "كَانَ إِذَا رَأَى الْبَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ اللَّهُمَّ زِدْ هذَا البَيْتَ تَشْرِيفاً، وَتَعْظِيماً وَتكْرِيماً وَمَهَابَةً وَزِدْ مَنْ شَرفَه، وعظمه ممَّنْ حَجَّهُ أو اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفاً وَتَكْرِيماً وَتَعْظِيماً وَبِرّاً" 137.
ويستحب أن يضاف إليه "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلاَمُ وَمِنْكَ السَّلاَم فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلاَمِ" يروى ذلك عن عمر -رضي الله عنه 138 -، ويؤثر أيضاً أن يقول: "اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَحِلُّ عُقْدَةً، وَنَشُدُ أُخْرَى وَنَهْبِطُ وَادِياً وَنَعْلُو آخَرَ حَتَّى أتَيْنَاكَ غَيْرَ مَحْجُوبِ أنْتَ عَنَّا، إِلَيْكَ خَرَجْنا وَبَيْتَكَ حَجَجْنَا، فَارْحَمْ مَلْقَى رِجَالِنا بِفَنَاءِ بَيْتِكَ" 139.
ويدعو بما أحب من مهمات الدنيا والآخرة وأهمها سؤال المَغْفِرة، واعلم أن بناء البيت رفيع يرى قبل دخول المَسْجِدِ في موضع يقال له رأس الردم، إذا دخل الداخل من أعلى مكة، وحينئذٍ يقف ويدعو بما ذكرنا.
ومنها أن يقصد المَسْجِدَ إذا فرغ من الدعاء ويدخله من باب بَنِي شَيْبَةُ، وقد أطبقوا على استحبابه لكل قادم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- 140 دَخَلَ الْمَسْجِدَ مِنْهُ قَصْداً لا اتِّفَاقاً، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقهِ، وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى طَرِيقِهِ بَابُ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام" والدوران حول المسجد لا يشق بخلاف الدوران حول البلد، وكان المعنى فيه: أن ذلك البَاب في جهة بَابِ الكَعْبَةِ، والرُّكْن الأسْوَدِ وإن كان في زاوية المسجد، ويبتدئ عند دخوله بطواف القدوم.
روي أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- "حَجَّ فَأوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ أَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ" 141 أو يؤخر تغيير ثيابه واكتراء منزله إلى أن يفرغ منه، نعم لو كان الناس في
الجزء: 3 - الصفحة: 386
المكتوبة حين دَخَل صَلاَّهَا معهم أولاً، وكذا لو أقيمت الجَمَاعَةُ وهو في أثناء الطواف قَدَّمَ الصَّلاة، وكذا لو خاف فوت فريضة أو سنة مؤكدة.
ولو قدمت المرأة نهاراً وهي ذات جَمَالٍ أو شريفة لا تبرز للرِّجَالِ أخرت الطَّوافُ إِلَى اللَّيْلِ، وليس في حق من قدم الوقوف على دخول مكة طواف قدوم، وإنما هو في حَقِّ من دخلها أولاً لِسَعَةِ الوَقْتِ، ويسمى أيضاً طواف الوُرودِ وطواف التَّحِيَّة، لأنه تحية البُقْعَة يأتى به من دَخَلَهَا، سواء كان تاجراً أو حاجاً، أو دخلها لأمرٍ آخرَ.
ولو كان معتمرًا فطاف للعمرةِ أجزأه ذلك عن طوافِ القُدُومِ، كما أن الفريضة عند دخول المسجد تُجْزِئُ عَن التَّحِيَّة، -والله أعلم-.
ولعلك تنظر في لفظ الكتاب في الدعاء عند رؤية البيت فتقول: إنه جمع أولاً بين المَهَابَةِ والبر، ولم يرووا في الخبر إلا المَهَابة، وذكر أخيراً البر دون المَهَابة، كذا رويتموه في الخبر ونقل المُزَنِي في "المختصر: المَهَابة دون البر، فما الحال فيهما؟ فاعلم أن الجمع بين المَهَابة والبر لم نره إلا لِصَاحِب الكتاب، ولا ذكر له في الخبر، ولا في كُتُبِ الأصحاب، بل البيت لا يتصور منه بِر، فلا يصح إطلاق هذا اللفظ إلا أن يعني البر إليه.
وأما الثاني فالثابت في الخَبَرِ الاقتصار على البر كما أورده، ولم يثبت الأئمة ما نقله المزني.
وقوله: (فيؤم الركن الأسود) كالمستغنى عنه في هذا الوضع، إذ لا بد لكل طَائِفٍ أن يؤم الركن الأسود، ويبتدئ به على ما سيأتي في واجبات الطَّوَافِ، فلو لم يتعرض له هَاهُنَا كما لم يتعرض لسائر وَاجِبَاتِ الطَّوَافِ لما ضَرَّه.
وقوله: ويبتدئ بِطَوَافِ القُدومِ مُطْلَقٌ، لكنه محمول على ما سِوَى المَوَاضِعِ الَّتي بَيَّنَّاهَا.
واختلفوا في أن دخول مكَّة رَاكِبا أولى أم دخولها ماشياً على وجهين، وإن دخلها ماشياً فقد قيل: الأولى أن يكون حَافِياً 142. لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "قَدْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ سَبْعُون نَبِيّاً كُلُّهُمْ خَلَعُوا نِعَالَهُمْ مِنْ ذِي طُوى تَعْظيماً لِلْحَرَمِ" 143.
الجزء: 3 - الصفحة: 387
قال الغزالي: وكُلُّ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكاً لَمْ يَلْزَمْهُ (ح) الإحْرَامُ عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ وَلَكِنَّهُ يُسْتَحَبُّ كَتَحِيَّةِ المَسْجِدِ.
قال الرافعي: من قصد دخول مكة لا لنسك له حالتان:
إحداهما: أن لا يكون ممن يتكرر دخوله كالذي يدخلها لِزِيَارَةٍ أو تجارة أو رسَالَةٍ، وكالمكي إذا دَخَلاِ عَائِداً مِنْ سَفَرِه، فهل يلزمه أن يحرم بالحج أو العمرة؟ فيه طريقان:
أصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه على قولين:
أحدهما: ويحكى عن مالك وأحمد: أنه يلزمه الإحْرَام بحجٍ أو عمرة؛ لإطباق النَّاسِ عَلَيْهِ، والسُّنن يندر يها الاتفاق العملي.
وعن ابْنِ عَبَّاسِ -رضي الله عنهما- أَنَّهُ قال: لاَ يَدْخُلُ أَحَدٌ مَكَّةَ إِلاَّ مُحْرِماً" 144.
والثَّاني: أنه لا يلزمه ذلك، ولكن يستحب كَتَحِيَّةِ المَسْجِدِ، وما الأظهر منهما؟ ذكر صاحب الكتاب: أن هذا القول الثَّاني أظهر، وبه قال الشَّيْخُ أبو مُحَمَّدٍ، إليه مَيْلُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ ومن تابعه، ورجح المسعودي وصاحب "التهذيب" في آخرين قولُ الوُجُوبِ، وبه أجاب صَاحِب "التلخيص" ولا فرق على القولين بين أن تكون دَارُه فوق المِيقَات أو دونه، وعند أبي حنيفة إن كان داره فوق الميقات لَزِمَه، وإلاَّ فَلاَ.
والطَّرِيق الثَّاني: القطع بالاستحباب، ويحكى هذا عن صاحب التقريب.
والحالة الثانية: أن يكون ممن يتكرر دخوله كالحُطَّابينَ والصَّيَّادِينَ ونحوهم، فإن قطعنا بِنَفْي الوُجوبِ في الحالة الأولى فهاهنا أولى، وإنَ سَلَكْنَا طريقة القولين فهاهنا طريقان:
أحدهما: طرد القولين.
وأصَحُّهُمَا: القطع بِنَفْي الوُجُوبِ، وبه أجاب في "التلخيص".
والفرق أن هؤلاء إن امتنعوا من الدخول انقطعوا عن مَعَايِشِهِمْ، ويتضرر به الناس، وأن دخلوا وأحرموا كل مرة شَقَّ عليهم، وفيه وجه ضعيف: أنه يلزمهم الإحْرَام في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّة.
التفريع إن قلنا بالوجوب فلذلك شروط:
أحدها: أن يجيء الدَّاخِلُ من خَارجِ الحَرَمِ، فأما أهل الحرم فَلاَ إحرَام عليهم بِلاَ خِلاف.
الجزء: 3 - الصفحة: 388
والثاني: أن لا يدخلها لِقِتَالٍ ولا خائفاً، فإن دخلها لقتالِ بَاغٍ، أو قاطع طريقٍ، أو غيرهما، أو خائفاً منه، أو خائفاً مِنْ ظَالمٍ، أو غريمٍ يحبسه وهو مُعْسِرٌ لا يمكنه أن يطهر لأداء النسك لم يلزمه الإحْرَام بحال: "دَخَلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ غَيْرَ مُحْرِم 145، لأنَّهُ كَانَ مُتَرَصِّداً لِلْقِتَالِ، خَائِفاً غَدْر الْكُفَّارِ".
والثالث: أن يكون حُرّاً، أما العبيد فلا إحرامُ عليهم بِحَالٍ؛ لأن منافعهم مستحقة للسَّادة، ولا فرق بين أن يأذنوا بالدخول أو لا يأذنوا؛ لأن الإذن في الدخول لا يتضمن الإذن في الإحْرَام، رواه الإمام عن اتفاق الأصْحَابِ، ومن يلزم الإحرام بالدّخول لا يبعد منه المنازعة في هذا التوجيه.
وإن أذن السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ في الدخول محرماً فهل يكون حينئذٍ كالأحرار؟ فيه وجهان:
أقيسهما: لا؛ لأنه ليس من أهْلِ فَرْضِ النُّسُكِ، فصار كلما لو أذن لَهُ في حُضُورِ الجُمُعَةِ.
وإذا اجتمعت شرائط الوجوب ودخلها غير محرم فهل عليه القضاء؟ قال الإمام: فيه قولان، وقال غيرهما: وجهان:
أحدهما: نعم، تداركاً لِلْوَاجِبِ، وسبيله على هذا أن يخرج ويعود محرماً، ولا نقول إن عوده يقتضي إحراماً آخر، كما لو دخلها على قصد النُّسُك يكفيه إحرامهُ بِذَلِكَ النُّسُك، ولا يلزمه بالدُّخُولِ إِحْرَام آخر، وكان الغرض أن لا يعرى دخوله عن الإحْرَامِ لِحُرْمَةِ البُقْعَةِ.
وأصحهما: وهو الذي أورده الأكثرون: أنه لا يجب وله علتان.
إحداهما: أنه لا يمكن القَضَاء؛ لأن دخوله الثَّاني يقتضى إحراماً آخر، وإذا لم يمكن القضاء لم كُمَنْ نذر صَوْمَ الدَّهْرِ وأفطر.
وفرع صاحب "التلخيص" على هذه العلة فقال: "لو لم يكن ممن يتكرر دخوله كالحطابين ثم صار منهم قضى بحصول الإمكان" وربما نقل عنه أنه يجب عليه أن يجعل نفسه منهم.
وأصحهما: وبه قال العِرَاقيونَ والقَفَّال: أنه تَحِية البقعة، فلا يقضي كتحية المَسْجدِ، وزَيَّفُوا العِلَّة الأولى بمَا سَبَقَ في تَوْجِيهِ القَوْلِ الأوَّلِ.
وذكر القَاضِي ابْنُ كِجٍّ تفريعاً على القول بالوجوب: أنَّه إذا انتهى إلى الميقات عَلَى قَصْدِ دخولِ مكة يلزمه أن يُحْرِمَ مِنَ المِيقَاتِ، ولو أحْرَمَ بعد مجاوزته فعليه دَمٌ، بخلاف ما إذا ترك الإحرامُ أصلاً ورأساً؛ لأن نفس العِبَادَةِ لا تجبر بالدَّمِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 389
وهل ينزل دخول الحرم منزله دخول مكة فيما ذكرناه؟ قال بعض الشَّارِحين: نعم، والمراد بدخول مكة فيما نحن فيه: دخول الحرم، ولا يبعد تخريجه على خلاف سبق في نظائره (1). وقوله في الكتاب: (وكل من دخل مكة غير مريدٍ نسكاً) فيه إشارة إلى أنه لو كان مريداً نسكاً يلزمه أن يدخلها محرماً على الوجه الذي مُرَّ في موضعه، وليس ذلك موضع الخلاف، ثم لفظ الكتاب وإن كان مطلقاً في حكاية الخلاف، فالمراد ما إذا اجتمعت الشُّرُوط المَذْكُورة.
ثم قوله: (لم يلزمه) معلم بالحاء والميم والألف، ويجوز أن يعلم قوله: (على أظهر القولين) بالواو للطريقة النافية للخلاف.
واعلم أن هذا الفَصْلَ لما كان مترجماً بسنن دخول مكة، وكان الإحرام عند الدُّخولِ في حق من لا يقصد النُّسُكِ معدوداً من المستحبات على ما اختاره صَاحِب الكِتَاب إستحسن إيراد المَسْألَة في هذا الفَصْلِ.
قال الغزالي
: الفَصْلُ الرَّابعُ في الطَّوَافِ
وَوَاجِبَاُتهُ سِتَّة: الأَوَّلُ شَرَائِطُ الصَّلاَةِ مِنْ طَهَارَةِ الحَدَثِ وَالخَبَثِ وَسَتْرِ العَوْرَة إلاَّ أنَّهُ يُبَاحُ فِيهِ الكَلاَمُ.
قال الرافعي: للطوافْ بأنواعه وظائف واجبه وأخرى مسنونة:
القسم الأول: الواجبات وقد عدَّها في الكتاب سبعة:
أحدها: الطهارة عن الحدث والخبث.
وستر العورة؛ كما في الصَّلاة، وبه قال مالك، لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: قال "الطَّوَافُ بالبَيْتِ مِثْلُ الصَّلاَةِ إِلاَّ أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فَلاَ يَتَكَلَّمُ إِلاَّ بِخَيْرٍ" 147.
فلو طاف جُنباً أو محدثاً أو عارياً أو طافت المرأة حائضاً أو طاف وعلى ثوبه أو بدنه نجاسة لم يعتد بِطَوَافِهِ وكذا لو كان يطأ في مطافه النَّجَاسَاتِ، ولم أَرَ للأئمة رحمهم الله تشبيه مكان الطَّوَاف بِالطَّرِيقِ في حق المتنقل ماشياً أو راكباً، وهو تشبيه لا بأسَ بِهِ، ولو أحدث الطَّائِف في خلال طوافه نظر إن تعمد الحَدَث فقولان في أنه يبني أو يستأنف إذا توضأ، ويقال: وجهان:146
الجزء: 3 - الصفحة: 390
أحدهما: يستأنف كما في الصَّلاة.
وأصحهما: أنه يَبْنِي ويحتمل في الطواف ما لا يحتمل في الصَّلاَة، كالفعل الكثير والكَلاَم، وإن سبقه الحَدَث رتب على حالة التعمد إن قلنا: يبني عند التعمد، فهاهنا أولى، وإن قلنا: يستأنف فهاهنا قولان أو وجهان: والأصح البناء، وهذا كله فيما إذا لم يَطُل الفَصْل، فإن طَالَ فسيأتي حكمه، وحيث لا يجب الاستئناف فلا شك في استحبابه.
وقوله: (شرائط الصلاة) غير مجرى على ظَاهِره، فإن المعتبر في الطواف بَعْضها وهو الطَّهارة، وسترُ العورة، ولا يعتبر فيه استقبال القبلة، وتَرْكُ الكلام، وترك الأفعال الكثيرة، وترك الأكل.
وأعلم قوله: (من طهارة الحدث والخبث وستر العورة) بالحاء؛ لأن عنده لو طاف جنباً أو محدثاً أو عارياً أو طافت المرأة حائضاً لزمت الإعادة ما لم يفارق مكَّة، فإن فارقها أجزأه دَمُ شَاةٍ إن طَافَ مع الحَدَثِ، وبدنه إِنْ طَافَ مع الجَنَابَةِ، وبالألف، لأن عند أحمد رواية مثله، إلا أن الإعلام بهما إنما يَصِح إذا كان المراد من وجوب شرائط الصَّلاَةِ في الطواف: اشتراطها فيه دون الوجوب المشترك بين الشرائط وغيره، فإنا قد نوجب الشَّيْءَ ولا نشترطه، كركعتي الطَّوافِ في الطَّوَافِ على أحد القولين، والذي حكيناه عن أبي حنيفة -رحمه الله- ينافي الاشتراط دون الوجوب المشترك، -والله أعلم-.
قال الغزالي: الثَّانِي التَّرْتِيبُ (ح) وَهوَ أَنْ يَجْعَلَ البَيْتَ عَلَى يَسَارِهِ وَيَبْتَدِئَ بالحَجَر الأَسْوَدِ، وَلَو جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَو اسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهِهِ فِيهِ تَرَدُّدٌ، وَلَو ابْتَدَأَ بِغَيْرِ الحَجَرِ لَمْ يُعْتَدَّ بِذَلِكَ الشَّوْطِ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ اِلى أَوَّلِ الحَجَرِ فَمِنْهُ يَبْدَأ الاحْتِسَابَ، وَلَوْ حَاذَى آخِرَ الحَجَرِ بِبَعْضِ بَدَنِهِ في ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: هذا الواجب وما بعده قد يحوج إلى معرفة هيئة البيت، فنقدم في وَضْعِ البيت وما لحقه من التغايير مقدمة مختصرة.
ونقول: لبيت الله تعالى أربعة أرْكَان: ركنان يمانيان، وركنان شَامِيانِ، وكان لاصقاً بالأرض، وله بابان: شرقي وغربي، وذكر أن السَّيْلَ هَدَمَهُ قبل مبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بِعَشْرِ سنين، وأعادت قريش عمارته على الهَيْئَةِ التي هُوَ عليها اليوم، ولم يجدوا من النذور والهدايا والأموال الطيبة ما يفي بالنفقة، فتركوا من جَانِب الحِجْرِ بَعْضَ البَيْتِ، وخلفوا الركنين الشاميين عن قواعد إبراهيم عليه السلام، وضيقوا عرض الجدار من الركن الأسود إلى الشَّامي الذي يليه، فبقي من الأساس شبه الدكان مرتفعاً، وهو الذي يسمى
الجزء: 3 - الصفحة: 391
الشَّاذْرَوَانُ، وقد روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لعائشة -رضي الله عنها-: "لَوْلاَ حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالشَّرْكِ لَهَدَمْتُ الْبَيْتَ، وَلَبَنَيْتُهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، فَألْصَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجعْلْتُ لَهُ بَابَيْنِ شَرْقِياً 148 وَغَرْبياً" ثم إن ابْنَ الزبير -رضي الله عنهما- هدمه أيام وِلاَيَتهِ، وبناه على قَوَاعِدِ إبراهيم عليه السلام، كما تمناه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم لما اسْتَولى عليه الحَجَّاجُ هدمه وأعاده على الصُّورة التي هو عليها اليوم، وهي بناء قريش، والركن الأسود والباب في صَوْبِ الشَّرْقِ، والأسود هو أحد الرُّكْنَيْنِ اليمانيين، والباب بينه وبين أحد الشَّاميين، وهو الذي يسمى عِرَاقيّاً أيضاً، والباب إلى الأسود أقرب منه إليه، ويليه الركن الآخر الشَّامي، والحَجْر بينهما، وسنصفه من بعد، والمِيزَابُ بينهما، ويلي هذا الركن اليماني الآخر الذي هو عن يمين الأسود.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن مما يعتبر في الطواف شيئان قد يعبر عنهما معاً بالترتيب، وقد يعبر به عن أحَدِهما.
والأول قضية لفظ الكتاب.
أحدهما: أن يجعل البيت عَلَى يَسَارِه.
والثاني: أن يبتدئ بالحَجَرِ الأسود، فيحاذيه بجميع بدنه في مروره، وإنما اعتبرا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كذلك طَافَ وقال: "خُذُوا عَني مَنَاسِكَكُمْ" 149.
فلو جعل البَيْتَ على يمينه كما إذا ابتدأ من الحجر الأسود ومَرّ على وجهه نحو الركن اليمانى، لم يعتد بِطَوَافِهِ، وقال أبو حنيفة -رحمه الله- يُعيدُ الطَّوَافَ ما دام بمَكَّةَ فإن فَارَقَهَا أجْزَأَهُ دَمُ شَاةٍ، ولو لم يجعله على يمينه ولكن استقبله بوجهه وطاف معترضاً، فعن القَفَّال فيه وجهان:
أحدهما: الجواز، لحصول الطَّوَافِ في يَسَارِ البَيْت.
والثاني: المنع؛ لأنه لم يُولِّ الكعبة شِقَّة الأَيْسَر، والخلاف جَارِ فيما لَوْ ولاَّهَا شِقَّة الأيمن، ومَرَّ القَهْقَريّ نحو الباب، والقياس: جريانه فيما لو استدبرها ومر مُعْتَرضاً، وما الأظهر من هذا الخلاف الذي أورده صاحب التهذيب وغيره؟ في الصورة الثانية أنه يجوز ويكره، وقال الإمام: والأصح: المنع كما أن المصلي لما أمر بأن يولي الكعبة صَدْرَه ووجهه لم يجزه أن يوليها شقه وهذا أوفق لعبارة الأكثرين، فإنهم قالوا: يجب أن يجعل البيت عَلَى يَسَارِه، ولم يوجد ذلك في هذه الصورة، وقالوا: لو جعله
الجزء: 3 - الصفحة: 392
على يمينه لَمْ يَصِحِ، وقد وجد ذلك في صورة الرجوع القهقري، ومن صَحَّح الطواف في هذه الصُورة، فالمعتبر عنده أن يكون تحرك الطائف ودورانه في يَسَارِ البَيْتِ لاَ غَيْرَ، -والله أعلم-.
ولو ابتدأ الطَّائِفُ من غير الحَجَرِ الأَسْوَدِ لم يعتد بما يفعله حتى ينتهي إلى الحَجَرِ الأسْوَدِ فيكون منه ابتداء طوافه، كما لو قدم المتوضئ على غسل الوجه غسل عضوٍ آخر، فإنا نجعل غسل الوَجْهِ ابتداء وضوءه، وينبغي أن يمر عند الابتداء بجميع بَدَنِهِ على الجَحَرِ الأَسْوَدِ، وذلك بأن لا يقدم جُزْءاً من بدنه على جُزْءٍ من الحَجَرِ، فلو حاذاه ببعض بدنه وكان بعضه مجاوزاً إلى جانب البَابِ ففيه قولان:
الجديد: أنه لا يعتد بتلك الطوفة.
والقديم: أنه يعتد بها، وتكفي المُحَاذَاة بِبَعْضِ البدن، وهذا الخلاف كالخلاف فيما إذا استقبل الكعبة ببَعْضِ بَدَنِهِ وَصَلَّى: هل تَصِحّ صَلاتُه؟ وفيما علق عن الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وغيره أن الخلاف ثُمَّ مُخَّرَجٌ مِنَ الخِلاَفِ في الطَّوَافِ، وعكس الإمام ذلك، فأشار إلى تَخْرِيج هَذَا من ذاك، ولو حَاذَى بجميع البَدَنِ بعضُ الحَجَرِ دون البعض أجزأه، كما يجزئه أن يستقبل بجميع بدنه بَعْضَ الكَعْبَةِ، ذكره أصحابنا العِرَاقيون.
وقوله في الكتاب: (لم يعتد بذلك الشوط)، الشوط هو الطوفة الواحدة، وكَرِهَ الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- هذا اللفظ فاستحب أن يقال: طواف وطوافان.
وقوله: (ولو حاذى آخر الحجر) أراد بآخر الحجر البعض الذي يَلِي البَابَ، ولا حاجة إلى هذا التقييد، بل الخِلاَفَ جَارٍ فيما إذا حَاذَى جميع الحَجَرِ ببعض بدنه.
وقوله: (وجهان) اقتدى فيه بإمام الحرمين -رحمهما الله-، ومعظم الأصْحَابِ حكوا قولين منصوصين كما قَدَّمْنَا.
قال الغزالي: الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ خَارِجاً عَنِ البَيْتِ فَلاَ يَمْشِي عَلَى شَاذَرْوَانِ البَيْتِ وَلاَ في دَاخِلِ مَحُوطِ الحَجَرِ، فَإِنَّ سِتَّةَ أَذْرُعِ مِنْهُ مِنَ البَيْتِ، وَلَوْ كَانَ يَمَسُّ الجِدَارَ بيَدِهِ في مُوَازَاةِ الشَّاذَرْوَانِ صَحَّ (ح)؛ لأَنَّ مُعْظَمَ بَدَنِهِ خَارجٌ.
قال الرافعي: الطَّوَاف المأمور به هو الطَّواف بالبيت قال الله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ 150 وإنما يكون طائفاً به إذا كان خارجاً عنه، وإلا فهو طَائِفٌ في البَيْتِ، إذا تقرر ذلك فَفِي الفَصْلِ صُوَرٌ:
الجزء: 3 - الصفحة: 393
إحداها: لو مشى على شَاذْرَوَانِ البَيْتِ لم يصح طَوَافُه؛ لما ذكرنا أنه من البيت، وعن المُزَنَي: أنه سماه تأزير البيت، أي: هو كالإِزَارِ له، وقد يقال: له التأزيز -بزائين وهو التأسيس.
الثانية: ينبغي أن يدور في طَوَافِهِ حول الحجَرِ الذي ذكرنا أنه بين الرُّكْنَيْنِ الشَّاميين، وهو موضع حُوّطَ عليه بجدار قَصِيرٍ، بينه وبين كل واحد من الرّكنين فتحة، وكلام جماعة من الأصحاب يقتضي كون جميعُه من البيت، وهو ظاهر لفظه في "المختصر"، لكن الصحيح أنه ليس كذلك، بل الذي هو من البيت منه قدر ستة أذرع تتصل بالبيت، روي أن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "نَذَرْتُ أَنْ أُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ فِي الْبَيْتِ فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- صلي فِي الْحَجرِ فَإِنَّ سِتَّةَ أَذْرُع مِنْهُ مِنَ الْبَيْتِ" 151. ومنهم من يقول: ستة أذرع أو سبعة كان الأمر فيه على التَّقْرِيب، ولفظ "المختصر" محمول على هذا القدر، فلو دخل إحدى الفتحتين وخرج من الأخرى فَهُوَ مَاشٍ في البيت، لا يحسب له ذلك، ولا طوفه بعده، حتى ينتهي إلى الفَتْحة التي دخل منها، ولو خلف القدر الذي هو من البيت، ثم اقتحم الجدار، وتخطى الحجر على السّمت، صَحَّ طوافه 152.
الثالثة: لو كان يطوف، ويمس الجِدَارَ بيده في موازاة الشاذروان، أو أدخل يده في موازاة ما هو من البيت من الحِجْرِ، ففي صحة طوافه وجهان:
أحدهما: وبه أجاب في الكتاب: أنه يَصِح؛ لأن معظم بَدَنِهِ خَارجٌ، وحينئذ يصدق أن يقال: إنه طَائِفٌ بالبيت.
وأصحهما: باتفاق فرق الأصحاب وفيهم الإمام: أنه لا يَصِح؛ لأن بعض بَدَنِهِ في البيت، كما لو كان يضع إِحْدَى رِجْلَيْهِ أحياناً على الشاذروانِ ويقفز بالأخرى.
وقوله في الكتاب: (أن يكون بجميع بدنه خارج البيت) لفظ الجميع كالمستغنى عنه، فإنه لو اقتصر على قوله: (أن يكون ببدنه) كان المفهوم منه الجميع، وإذا تعرض له فَلاَ شَكَّ أن مثل هذا إنما يذكر تأكيداً ومبالغة في أنه لا يتحمل خروج البَعْضِ، وهذا
الجزء: 3 - الصفحة: 394
لا يليق به الجواب بِالصِّحة، فيما إذا كان يمس الجِدارَ بيديه في مُوَازَاةِ الشاذروان.
وقوله (ولا في داخل محوط الحِجْر) مطلق، ولكن تعقيبه بقوله: (فإن ستة أذرع منه من البيت) يبين الحد الممنوع عن المَشْي فيه.
قال الغزالي: الرَّابعُ: أَنْ يَطُوفَ دَاخِلَ المَسْجِدِ وَلَوْ في أَخْريَاتِهَا وَعَلَى سُطُوحِهَا وأَرْوقِتهَا فَلَوْ طَافَ بِالمَسْجِدِ لَمْ يَجُزِ.
قال الرافعي: يَجِب ألا يوقع الطَّوافَ خَارجُ المسْجِدِ، كما يجب أن لا يوقعه خَارجَ مَكَّةَ وَالحَرَم، ولا بأس بالحائل بين الطائف والبيت، كالسِّقَايَةِ والسَّوَارِي، ولا بكونه في أخريات المَسْجِدِ وَتَحْتَ السَّقْفِ، وعلى الأرْوِقَةِ والسُّطُوحِ، إذا كان البيت أرفع بِنَاءً على مَا هُوَ اليومَ، فإن جعل سَقْفَ المَسْجِدِ أَعْلَى فقد ذكر في "العدة" أنه لا يجوز الطواف على سَطْحهِ، ولو صَح هذا لزم أن يقال: إذا انهدمت الكعبة والعياذ باللهِ لم يصح الطواف حول عرصتها، وهو بعيد، ولو اتسعت خطة المسجد اتسع المَطَاف، وقد جعلته العباسية أوسع مما كان في عَصْرِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 153.
قال الغزالي: الخَامِسُ رِعَايَةُ العَدَدِ فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى سِتَّةِ أَشْوَاطٍ لَمْ يَصِحَّ (ح).
قال الرافعي: تجب رعاية العَدَدِ في الطواف، وهو أن يطوف سبعاً، قلو اقتصر على ستة أشواط لم يجزئه 154، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله-، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- طاف سبعاً، وقد قال: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" 155.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- لو اقتصر على أكثر الطواف وأراق عن الباقي دماً أجزأه، وبنى على ذلك أنه لو كان يدخل في الأشْوَاطِ كُلِّهَا من إحدى فَتْحَتَي الحِجْرِ ويخرج من الأخرى كفاه أن يمشي وراء الحِجْرِ سَبْعَ مَرَّاتٍ أو يريق دماً، وتدَواره بما وراء الحجرِ يكون معتداً بِهِ في الأَشْوَاطِ كُلَّهَا.
الجزء: 3 - الصفحة: 395
قال الغزالي: السَّادِسُ رَكْعَتَانِ عَقِيبَ الطَّوَافِ مَشْرُوعَتَانِ وَلَيْسَتَا مِنَ الأَرْكَانِ وَفِي وُجُويهما قَوْلاَنِ، وَلَيْسَ لِتَرْكِهِمَا جُبْرَانٌ؛ لِأَنَّهُ لاَ يَفُوتُ إِذْ المُوَالاةُ لَيْسَ بِشَرْطِ فِي إجْزَاءِ الطَّوَافِ علَى الصَّحِيحِ.
قال الرافعي: إِذَا فَرَغَ مِنَ الطَّوَافَاتِ السَّبْعِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ: "رُوِيَ عَنِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ" 156 وهما واجبتان أو مسنونتان؟ فيه قولان:
أحدهما: واجبتان، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما صَلاَّهُمَا تلا قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ 157. فأفهم أن الآية أمْرٌ بهذه الصَّلاَة والأمر للوجوب.
وأصحهما: مسنونتان، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله-؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث الأعرابي: "لاَ إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ" 158.
واحتج الشَّيْخُ أَبُو عَلِيّ لهذا القول بشيئين:
أحدهما: أنها لو وجبت لَلَزِم شَيْءٌ لِتَرْكِهَا كَالرَّمْيِ، وَلاَ يَلْزَمُ.
والثاني: أنها لو وجبت لاختص فعلها بمكَّة، ولا يختص، بل يجوز في بلده، وأي موضع شَاءَ، ولك أن تقول:
أما الأول: فيشكل بالأركان، فإنها وَاجِبَةٌ وَلاَ تُجْبَرُ بِشَيْءٍ، وقد تعد هذه الصَّلاة منها على ما سيأتي، ثم الجبر بالدَّمِ إنما يكون عند فوات المجبور، وهذه الصَّلاةَ لا تفوت إلا بأن يموت، وحينئذ لا يمتنع جَبْرُهَا بالدَّمِ، قاله الإمام وغيره.
وأما الثاني: فلم لا يجوز أن تكون واجبات الحَجِّ وأعماله منقسمة إلى ما يختص بِمَكَّة وإلى مَا لاَ يَخْتَص؟ ألا ترى أن الإحْرَام أحد الواجبات، ولا اختصاص له بمكّة.
والمستحب أن يقرأ في الأولى بعد الفاتحة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ كَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- 159.
وأن يُصَلِّيهمَا خلف المقام 160، فإن لم يفعل فَفِي الحِجْرِ، فإن لم يفعل ففي
الجزء: 3 - الصفحة: 396
المَسْجِدِ، فإن لم يفعل ففي أي موضع شاء من الحَرَمِ وغيره، ويجهر بالقِرَاءَةِ فيهما لَيْلاً، ويسر نهاراً.
وإذا لم نحكم بوجوبهما فَلَوْ صَلَّى فريضة بعد الطّواف حسبت عن ركعتي الطَّوافِ اعتباراً بتحية المسجد.
حكى ذلك عن نَصِّه في القديم، والإمام حكاه عن الصَّيْدَلاَنِيِّ نفسِه، واستبعده، وتختص هذه الصَّلاة من بين سائر الصلوات بشيء وهو جريان النيابة فيها، إذ يؤديها عَنْهُ المستأجر.
وقوله في الكتاب: (ركعتان عقيب الطواف مشروعتان) أراد به التَّعَرَضِ لِمَا يشترك فيه القولان، وهو أصْلُ الشَّرْعِيَّة، ثم بين الاختلاف في الوجوب.
وقوله: (وليستا من الأركان) أراد به أن الاعتداد بالطَّوَافِ لا يتوقف عليهما أو شيئاً هذا شأنه، وقد ذكره الإمام أيضاً لكن في طرق الأئمة ما ينازع فيه؛ لأنهم ذكروا القولين في طواف الفَرْضِ، ثم قالوا: إن كان الطواف تطوعاً ففيه طريقان:
أحدهما: القطع بعدم الوجوب، وبه قال أبُو زَيْدٍ؛ لأن الأصل الطَّواف لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فكيف يكون تابعه وَاجِباً.
والثاني: وبه قال ابْنُ الحَدَّادِ: طرد القولين، ولا يبعد اشتراك الفرض والنفل في الشَّرَائط، كاشتراط صلاة الفَرْضِ والتطوع في الطَّهارة، وستر العورة، وغيرهما، وكذا اشتراكهما في الأركان كالركوع، والسجود، وغيرهما، ومعلوم أن هذا التوجيه ذهاب السهونهما رُكناً أو شرطاً في الصَّلاَةِ، وعلى التقديرين فالاعتداد يتوقف عليهما.
وقوله: (في وجوبهما قولان) يجوز إعلامه بالواو؛ لأنه إن أراد مطلق الطَّوَافِ ففي النفل منه طريقة قاطعة بنفي الوجوب كما عرفتها، وإن أراد الفرض منه ففيه طريقة قاطعة بالوجوب حكاها الشيخ أَبُو عَلِيّ.
وقوله: (وليس لتركهما جبران لأنه لا يفوت) معناه ما مر من أنه يحتمل تأخيرهما، ويجوز فعلهما في أي مَوْضِعٍ شاء، ولكن حكى صاحب "التتمة" عن نص الشافعي -رضي الله عنه- أنه إذا أخر يستحب له إراقة دم.
وقوله: (إذ المولاة ليست بِشَرْطِ في أجزاء الطواف) فيه أولاً تعرض لمسألة مقصودة وهي: أن الطائف ينبغي أَن يوالي بين أشواط الطواف وأبْعَاضِه، فلو خالف وفَرِّق هل يجوز البِنَاءُ على ما أتى به؟ فيه قولان:
أصحهما: الجواز، وهما كالقولين في جواز تفريق الوُضُوءِ، لأن كل واحد منها عبادة يجوز أن يتخللها ما لَيْسَ مِنْهَا، بخِلاَف الصَّلاَةِ، والقولان في التفريق الكثير بلا عُذْرٍ، فأما إذا فرق يسير أو كثراً بالعُذْرِ، فالحكم على ما بَيَّنَّ في الوُضُوءِ.
قال الإمام: والتفريق الكثير هو الذي يغلب على الظَّنِّ تركه الطَّواف.
الجزء: 3 - الصفحة: 397
أما بالإضراب عنه أو لظنه أنه أنْهَاه نِهَايَتَهُ.
ولو أقيمت المكتوبة في أثناء الطواف فتخليلها بينها تَفْرِيقُ بِالْعُذْرِ.
وقطع الطَّواف المفروضِ بِصَلاةِ الجَنَازَةِ والرَّواتِبِ مَكْرُوهٌ، إذ لا يحسن تَرْكُ فَرْضِ لعَيْنِ بِالتَّطَوُّعِ أو فرضِ الكفَايَةِ.
إذا وقفت على المسألة فقوله: (لا يفوت، إذ الموالاة ليست بِشَرْطٍ في أجزاء الطَّواف) ليس تسليماً لكون الركعتين من أجزاء الطواف فإن ذلك يناقض قوله من قبل: (إنهما ليستا من الأركان) ولكن المعنى: أن الموالاة إذا لم تشترط في أجزائه فأولى أن لا تشترط بينه ويين ما هو من توابعه، وهذا شَرْحُ واجبات الطواف، وفي وجوب النية 161 فيه خِلاَفٌ نذكره من بعد.
قال الغزالي: أَمَّا سُنَنُ الطَّوَافِ فَهِيَ خَمْسٌ: الأُولَى أَنْ يَطُوفَ مَاشِياً لاَ رَاكِباً، وَإِنَّمَا رَكَبَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لِيَظْهَرَ لِيُسْتَفْتَى.
قال الرافعي: القسم الثاني: من وظائف الطَّوَافِ السُّنَن.
فمنها: أن يطوف ماشياً ولا يركب إلا بعذر مرض ونحوه كيلا يؤذي النَّاس، ولا يلوث المسجد: "وَقَدْ طَافَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي الأَكْثَرِ مَاشِياً، وَإِنَّمَا رَكِبَ فِي حَجَّةِ 162 الوَدَاعِ لِيَرَاهُ النَّاسُ فَيَسْتَفْتِيَ المُفْتُونَ".
فإن كان الطائف مترشحاً للفتوى فله أن يتأسى بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فَيَرْكَب، ولو رَكِبَ مِنْ غير عُذْرٍ أجزأه ولا كراهة، هكذا قاله الأصْحَاب.
وقال الإمام: وفي القلب من إدْخَالِ البَهِيمَةِ المَسْجِد، ولا يؤمن تَلْوِيثها بشيء فإن أمكن الاستيثاق فذاك، وإلا فإدْخَال البهائم في المسْجِدِ مَكْرُوهٌ.
ويجوز أن يعلم قوله: (أن يطوف ماشياً) بالميم والحاء؛ لأن عندهما ليس ذلك مِنَ السُّنَنِ، بل يجب أن يطوف ماشياً إن لم يكن له عذر، فإن ركب فعليه دم، وبالألف لأنه يروي عن أحمد مثله.
قال الغزالي: الثَّانِيَةُ تَقْبِيلُ الحَجَرِ الأَسْوَدِ، وَمَسُّ الرُّكْنِ اليَمَاني بِاليَدِ، فَإِنْ مَنَعَتِ
الجزء: 3 - الصفحة: 398
الزَّحْمَةُ عَنِ التَّقْبِيلِ اقْتَصَرَ علَى المَسِّ أَو الإشارةِ، وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ في آخِرِ كُلِّ شَوْطٍ، وَفي الأَوْتَارِ آكَدُ.
قال الرافعي: ومن السنن أن يستلم الحجر بيده في ابتداء الطَّوَافِ، لما روى عن جابر -رضي الله عنه- أن النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "بَدَأَ بِالْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ وَفَاضَتْ عَينَاهُ مِنَ الْبُكَاءِ" 163.
وَيُقَبِّلُهُ؛ لما روي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال وهو يَطُوف بالركن: "إِنَّمَا أَنْتَ حَجَرٌ وَلَولاَ أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يُقَبِّلُكَ لَمَا قَبَّلْتُكَ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَقَبَّلَهُ" 164.
ويضع جبهته عَلَيْهِ؛ لما روى عن ابْنِ عَبَّاس -رضي الله عنهما-: "أَنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ الْحَجَرُ الأَسْوَدَ وَيَسْجُدُ عَلَيْهِ بِجَبْهَتِهِ" فإن منعته الزَّحْمَةُ من التقبيل اقتصر على الإسْتلاَم فإن لم يمكن اقتصر على الإشارة باليد، ولا يشير بالفَم إلى التقبيل، ولا يقبل الركنين الشَّاميين ولا يستلمهما، ولا يقبل الركن اليَمَانِي، ولكن يستلمه باليد، وروي عن أحمد أنه يُقَبِّلُهُ، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- لا يستلمه ولا يُقَبِّلُه.
لنا ما روى عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "كَانَ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ الْيَمَانِي وَالأَسْوَدَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ، وَلاَ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيَانِ الْحَجَرَ" 165.
قال الأئمة: ولعل الفَرْقَ ما تقدم أن اليمانيين على قواعد إبراهيم عليه السلام دون الشَّامِيين.
ثم حكى الإمام أنه يتخير حين يستلم الركن اليماني بين أن يُقَبِّل يده ثم يَمَس الرُّكْنَ كالذي ينقل خِدْمَة إليه، وبين أن يمسّه ثم يقبل اليد كالذي ينقل يُمْناً إلى نَفْسِهِ، وهكذا يتخير بين الوجهين إذا مَنَعَتْهُ الزحمة من تقبيل الحَجَرِ، ولم يورد المعظم في الصُّورتين سِوَى الوَجْهِ الثَّاني.
وقال مالك -رضي الله عنه- لا يُقَبِّلُ يَدَهُ فيهما، ولكنه بعد الاستلام يضع يدَهُ عَلَى فيهِ.
ولو لم يستلم الركن باليد، ولكنه وضع خشبة عليه ثم قَبَّلَ طَرَفَهَا جَازَ أيضاً 166، روى عن أبي الطُّفَيلِ قال: "رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَطُوفُ بالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنِ بِمحْجَنٍ وُيقَبِّلُ الْمحْجَنَ" 167.
الجزء: 3 - الصفحة: 399
ويستحب تقبيل الحجر واستلامه واستلام الركن اليماني عند محاذاتهما في كُلِّ طوفة، وهو في الأوتار آكد؛ لأنها أفضل 168.
وقوله في الكتاب: (اقْتَصر على المَسِّ أو الإِشَارَةَ) ليس تخييراً، ولكنه يمسه وإن لم يمكنه اقتصر على الإشَارَةَ كَمَا مَرَّ.
قال الغزالي: الثَّالِثَةُ: الدُّعَاءُ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الطَّوَافِ: بِسْمِ اللهِ وَبِاللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ إِيماناً بِكَ وَتَصْدِيقاً بِكِتَابَكَ وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ وَاتِّبَاعاً لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ وَعَلَى آلهِ السَّلاَمُ.
قال الرافعي: يستحب للطائف أن يقول في ابتداء طوافه: "بِسْمِ اللهِ وَبِاللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ اللَّهُمَّ إِيْماناً بِكَ، وَتَصْدِيقاً بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعاً لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-" روى ذلك عن عَبْد الله بن السَّائِبِ -رحمه الله- عن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- 169 ويقول بين الرُّكنين اليَمَانِيين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ 170. وقد أورد الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ أنه يستحب له إذا انتهى إلى محاذاة البَاب وعلى يمينه مَقامُ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام أن يقول: "اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا الْبَيْتَ بَيْتُكَ وَالْحَرَمَ حَرَمُكَ وَالأَمْنَ أَمْنُكَ وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ النَّارِ" ويشير إلى مقام إبراهيم عليه السلام وإذا انتهى إلى الرُّكْنِ العِرَاقي أن يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّكِ وَالشِّرْكِ، وَالنِّفَاقِ وَالشِّقَاقِ وَسُوءِ الأَخْلاَقِ، وَسُوءِ المَنْظَرِ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ"، وإذا انتهى إلى ما تحت المِيزَاب من الحِجْرِ أن يقول: "اللَّهُمَّ أَظَلَّنِّي بِظِلَّكَ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلا ظِلُّكَ، وَاسقني بِكَأْسِ مُحَمَّدٍ شَرَاباً هَنِيّاً لا أَظْمَأُ بَعْدَهُ أَبَداً يَا ذَا الجَلاَلِ وَالإكْرَامِ".
وإذا صار بين الرُّكْنِ الشَّامي واليماني أن يقول: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجّاً مَبْرُوراً، وَسَعْياً مَشْكُوراً، وَعَمَلاً مَقْبُولاً، وَتِجَارَة لَنْ تَبُورَ، يَا عَزِيزُ يا غَفُورُ" 171.
الجزء: 3 - الصفحة: 400
وإذا صار بين الركنين اليمانيين أن يقول: ما سبق، وذكر غيره أنه يقول عند الفراغ من ركعتي الطواف خلف المقام: "اللَّهُمَّ هذَا بَلَدُكَ، وَمَسْجِدُكَ الْحَرَامُ، وَبَيْتُكَ الْحَرَامُ، أَنَا عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ أَتَيْتُكَ بِذُنُوب كَثِيرَةٍ وَخَطَايَا جَمَّةٍ وَأَعْمَالٍ سَيِّئةٍ، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذُ بِكَ مِنَ النَّارِ فَاغْفِرْ لِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، اللَّهُمَّ إنَّكَ دَعَوْتَ عِبَادَكَ إِلى بَيْتِكَ الْحَرَامِ، وَقَدْ جِئْتُ إِلَيْكَ طَالِبًا رَحْمَتَكَ، مُبْتَغِيًا مَرْضَاتِكَ، وَأَنْتَ مَنَنْتَ عَلَيَّ بِذَلِكَ فَاغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ.
وعند محاذاة المِيزَاب: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الرَّاحَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَفْوَ عِنْدَ الْحِسَاب".
ويدعو في طوافه بما شاء، ولا بأس بقراءة القُرْآن في الطَّوَافِ، بل هي أفضل من الدّعاء الذي لم يؤثر 172، والدعاء المَسْنُون أَفْضَلُ مِنْهَا، تَأسِّياً برسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونقل في "العدة" وجهاً آخر: أنها أفْضَلُ مِنْهُ أيضاً.
قال الغزالي: الرَّابِعَةُ الرَّمَلُ فِي الأَشْوَاطِ الثَّلاَثةِ الأُوَلِ وَالهِيْنَةُ فِي الأَخِيرَةِ، وَذَلِكَ فِي طَوَافِ القُدُومِ فَقَطْ عَلَى قَوْلٍ، وَفِي طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ فَقَطْ عَلَى قَوْلٍ، وإنْ تَرَكَ الرَّمَلَ أَوَّلاَ لَمْ يَقْضِهِ آخِراً إِذْ تَفُوتُ بِهِ السَّكِينَةُ، وَلَوْ تَعَذَّرَ الرَّمَلُ مَعَ القُرْبِ لِلزَّحْمَةِ فَالبُعْدِ أَوْلَى، وَلَوْ تَعَذَّرَ لِزَحْمَةِ النِّسَاءِ فَالسِّكِينَةُ أَوْلَى، وَلْيَقُلْ فِي الرَّمَلِ: اللَّهُمَّ اجْعَلهُ حَجّاً مَبْرُوراً وَذَنْباً مَغْفُوراً وَسَعْياً مَشْكُوراً.
قال الرافعي: والأصْلُ في الرَّمْلِ والاضطباع،، ما روي عن ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- قال: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَكَّةَ لِعُمْرَةِ الزِّيَارَةِ قَالَتْ قُرَيْشُ: إِنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ قَدْ أَوْهَنَتْهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- بالرَّمَلِ وَالاضْطِبَاع لِيُرَى الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُم فَفَعَلُوا" 173.
ثم إن ذلك بقي سنة متبعة وإن زال السَّبَب، روى عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: "فِيمَا الرَّمَلُ وَقَدْ نَفَى الله الشِّرْكُ وَأَهْلَهُ وَأَعَزَّ الإسْلاَمَ إِلاَّ إني لاَ أُحِبُّ أَنْ أَدَعَ شَيْئاً كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-".
والرَّمْلُ هو: الإسراع في المشي مع تقارب الخُطَى، دون الوُثوب والعَدْوِ، ويقال: إنه الخَبَبَ، وغلط الأئمة من ظن كونه دون الخبب.
الجزء: 3 - الصفحة: 401
إذا تمهد ذلك فنورد مَسَائِلُ الفَصْلِ وما ينضم إليها من صور:
إحداها: حيثُ يُسَنُّ الرَّمَل، فإنما يسن في الأشْوَاطِ الثلاثة الأولى فأما الأربعة الأخيرة فالسنة فيها الهينة.
روي عن جابر: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَر فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشى عَلَى يَمِينِهِ فَرَمَلَ ثَلاَثاً وَمَشى أَرْبَعاً" 174 أو هل يستوعب الثلاثة الأولى بالرَّمَلِ؟ فيه قولان حكاهما الإمام:
أصحهما: وهو المشهور: نعم؛ لما روى: "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلاَثاً وَمَشى أَرْبَعًا" 175.
والثاني: لا، بل يترك الرَّملَ في كل طَوْفَةٍ بين الركنين اليمانيين، لما روي: "أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانُوا يَتَّئِدُونَ بَيْنَهُمَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ قَدْ شَرَطَ عَلَيْهِمُ عَامَ الصَّدِّ أَنْ يَنْخلَّوا عَنْ بَطْحَاءِ مَكَّةَ إِذَا عَادَ لِقَضَاءِ الْعُمْرةِ" فلما عاد وفارقوا قعيقعان وهو: جبل في مقابلة الحجْر والمِيزَاب، وكانوا يظهرون القُوة والجلادَة حيث تقع أبصارُهم عَلَيْهِم، فإذا صَارُوا بين الركنين اليمَانيين كَانَ البَيْتُ حَائِلاً بينهم وبين أبْصَارِ الكُفَّارِ 176.
الثَّانية: لا خلاف في أن الرَّمَلَ لا يُسَنُّ في كل طَوَافٍ، وفيم يسن؟ فيه قولان:
أحدهما: قال في "التهذيب"، هو الأصح:
الجديد: يسن في طواف القدوم والابتداء؛ لأنه أولُ العَهْدِ بالبيت، فيليق به النِّشاط والاهتزاز.
والثاني: إنما يُسَنُّ في طوافٍ يَسْتَعْقِبُ السَّعْي؛ لانتهائه إلى تَوَاصُلِ الحركات بين الجبلين، وهذا أظهر عند الأكْثرين ولم يتعرضوا لتاريخ القولين، ويشهد للأول ما روي: "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- لَمْ يَرْمَلْ فِي طَوَافِهِ بَعْدَ مَا أَفَاضَ" 177.
الجزء: 3 - الصفحة: 402
وللثاني: "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- رَمَلَ فِي طَوَافِ عمرِهِ كُلَّهَا 178 وَفِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الطَّوَافِ فِي الْحَجِّ".
والذي يشتركان فيه استعقاب السَّعْيِ فعلى القولين لا رَمَلَ في طَوَافِ الوَدَاعِ؛ لأنه ليس للقُدُوم، ولا يستعقب السعي، ويرمل من قدم مكَّة معتمراً؛ لوقوع طوافه عن القُدُومِ واستعقابه السعي، ويرمل أيضاً الأفاقي الحَاجّ إذا دَخَلَ مكة بعد الوقوف، وإن دخلها قبل الوُقوف فهل يَرْمُل في طَواف القُدومِ؟ ينظر إن كان لا يسعى عقيبه ويؤخره إلى إثر طواف الافاضة فعلى القول الأول يَرْمُل، وعلى الثاني لا، وإنما يرمل في طواف الإفاضة وإن كَانَ يَسْعَى عقيبه، فيرمل فيه على القوالين، وإذا رمل فيه وَسَعَى بعده بلا يرمل في طواف الإفاضة إن لم يُرِد السَّعْيَ عُقَيْبَه، وإن أراده فكذلك في أصحِّ القولين، وإذاطَافَ للقدوم وسعى بعده ولم يرمل فَهَلْ يَقْضِيهِ فِي طَوَافِ الإفَاضَةِ؟ فيه وجهان، ويقال: قولان:
أظهرهما: لا، كما لو ترك الرَّمَلَ في الثَّلاثةِ الأُولَى لا يقضيه في الأَرْبَعَةِ الأَخِيرَةِ، وإن طاف ورملَ ولم يسع فجواب الأكثرين: أنه يرمل في طَوَافِ الإفَاضَةِ هَاهُنَا؛ لبقاء السَّعْي عَلَيْهِ، وكون هيئة الرَّمل مع الاضطباع مرعية فيه، والسَّعْي تَبَعٌ للطواف، فلا يزيد في الهَيْئَةِ عَلَى الأَصْلِ.
وهذا الجواب في غالب الظَّنِّ منهم مَبْنِيٌّ على القَوْلِ الثَّانِي، وإلا فلا اعتبار باستعقاب السَّعْي، وهل يرمل المكي المنشئ حَجَّه مِنْ مَكَّةَ فِي طوافه؟ إن قلنا: بالقول الأول فلاَ، إذْ لَيْسَ له طواف قدوم ودخول.
وإن قلنا: بالثاني فنعم؛ لاستعقابه السَّعْي.
الثالثة: لو ترك الرَّمَلَ فِي الأشواط الأولى لم يَقْضِهِ في الأخيرة؛ لأن الهينة والسكينة مسنونةٌ فيها استنان الرَّمَلِ في الأولى، فلو قضاه لَفَوَّتَ سنةً حَاضِرَةً، وهذا كما لو تَرَكَ الجَهْرَ في الركعتين الأولتين لا يقضيه في الآخرتين، ويخالف ما لو ترك سُورَة "الجُمُعَةِ" في الرَّكْعَةِ الأولى يَقْرَأُهَا مَعَ "المُنَافِقينَ" في الثانية؛ لأن الجمع ممكن هناك.
الرابعة: القرب من البيت مستحب للطائف تَبَرُّكاً بِهِ، ولا نظر إلى كَثْرَةِ الخُطَى لَوْ تَبَاعَدَ، فلو تَعَذَّرَ الرَّمَلُ مع القُرْب لِزَحْمَةِ النَّاسِ فينظر إن كان يَجِدُ فُرْجَة لو توقف توقف ليجدها فيرمل فيها، وإن كان لاَ يَرْجُو ذَلِكَ وهو المراد مما أطلقه في الكتاب فالبعد عن الميت والمحافظة على الرَّمَلِ أَوْلَى، لأن القُرْبَ فضيلةٌ تتعلق بموضع العِبَادة، والرمل فَضِيلَةٌ تتعلق بِنَفْسِ العِبَادَةِ، والفضيلة المتعلقة بِنَفْسِ العِبَادَةِ أولى بالرِّعَايَةِ، ألا ترى أن الصَّلاةَ بالجَمَاعَةِ في البَيْتِ أَفْضَلُ من الانفراد بِهَا فِي المَسْجِدِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 403
وإن كان في حَاشِيَةِ المطاف نِسَاء ولم يأمن مُصَادَمَتَهُنَّ لو تباعد، فالقرب من البَيْتِ والسَّكِينَةِ أولى من البُعْدِ والرَّمْلِ، تحرزاً عن مُصَادَمَتِهِنَّ وَمُلاَمَسَتِهِنَّ.
وقوله في الكتاب: (ولو تعذر لزحمة النساء ... إلى آخره) المراد منه هذه الصورة على ما دل عليه عبارة "الوسيط"، والمعنى: فإن تعذر البُعْدُ لِزَحْمَةِ النساء، ويجوز أن يحمل على ما إذا كان بالقرب أيضاً نساء وتعذر الرَّمَلُ في جميع المَطَافِ لخوفُ مَصَادَمَتِهِنَ، فإن الأَوْلَى والحالة هَذِه تَرْكُ الرمل.
الخامسة: ليكن من دعائه في الرمل 179: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجّاً مَبْرُوراً وَذَنْباً مَغْفُوراً وَسَعْياً مَشْكُوراً".
روي ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- 180.
ومتى تَعَذَّرَ الرَّمَلُ على الطَّائِفِ فينبغي أن يَتَحَرَّك فِي مِشْيِه، ويرى من نفسه أنه لو أمكنه الرَّمَلُ لَرَمَلَ.
وإن طافَ رَاكِباً أو محمولاً ففيه قولان:
أصحهما: أنه يَرْمُلُ به الحَامِل ويُحَرّك هو الدّابة.
ومنهم: من خص القولين بالبَالِغ المحمول، وقطع في الصبي المحمول بأنه يرمل به حَامِلُه، -والله أعلم-.
قال الغزالي: الخَامِسَةُ الاضْطِبَاعُ فِي كُلِّ طَوَافٍ فِيهِ رَمَل وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ إِزَارِهِ فِي إِبِطِهِ اليُمْنى، وَيَجْمَعَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ ثُمَّ يُدِيمَهُ إِلَى آخِرِ الطَّوَافِ فِي قَوْلٍ وإلَى آخر السَّعْي فِي قَوْلٍ.
قال الرافعي: الاضطباع في كل طوافٍ فيه رَمَلٌ، وهو افتعال من الضَّبْع وهو العضد.
ومعناه: أن يجعل وَسَطَ رِدَائِهِ تَحْتَ منكبه الأيمن، وطرفيه على عَاتِقِهِ الأيْسَر، ويبقى منكبه الأيْمنُ مكشوفاً كَدَأْب أَهْلِ الشَّطَارَةِ، وكل طَوَافٍ لا يُسَنُّ فِيهِ الرَّمَلُ لاَ يُسَنَّ فِيهِ الاضطباع، وما يسن فيه الرَّمل يسن فيه الاضطباع، لكن الرملَ مخصوصٌ بالأشواط الثلاثة الأول والاضطباع يعم جميعها، ويسن في السَّعْي بين الجبلين بعدها أيضاً، على المشهور، ويخرج من منقول المَسْعُودي وغيره وجه أنه لا يسن، ويروى ذلك عن أحمد -رحمه الله-.
الجزء: 3 - الصفحة: 404
وهل يُسَنُّ في ركعتي الطَّوَافِ؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما في سائر أعمال الطواف.
وأصحهما: لا؛ لكراهية الاضطباع في الصَّلاَةِ، والخلاف فيهما متولد من اختلاف الأصْحَاب في لفظ الشافعي -رحمه الله- في "المختصر" وهو أنه قال: ويضطبع حتى يَكْمُلَ سَعْيُه.
فمنهم من نقله هكذا.
ومنهم: من نقل حتى يكمل سَبْعَة، وهذا الاختلاف عند بعض الشارحين متولد من اختلاف النسخ، وعند بعضهم من اختلاف القِرَاءة، لتقاربهما في الخَطِّ، فمن نقل سَعْيَه حكم بإدامة الاضطباع في الصَّلاَةِ والسَّعْيِ، ومن قال سبعة قال: لا يضطبع بعد الأشْوَاطِ السَّبْعَةِ، وظاهر المذهب ويحكي عن نصه: أنه إذا فرغ من الأشْوَاط ترك الاضطباع حتى يُصَلِّيَ الركعتين، فإذا فرغ منها أعاد الاضطباع وخرج لِلسَّعْيِ، وهذا يحوج إلى تأويل لفظ "المختصر" على التقديرين، فتأويله على التقدير الأول أنه يضطبع مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وعلى التقدير الثاني أنه يديم اضطباعه الأول إلى تَمَام الأَشْوَاطِ، ثم اللفظ ساكت عن أنه يعيده أو لا يعيده؟.
وليس في حَقِّ النساء رَمَلٌ ولا اضطباع حتى لا ينكشفن، ولا تبدوا أعضاؤهن، وحكى القاضي ابْنُ كَجٍّ -رحمة الله عليه- وَجْهَيْنِ في أن الصَّبِيَّ هَلْ يضطبع؟ لأنه ليس فيه نصرة ولا جلادة كالنِّسوة، والظاهر أنه يضطبع.
وقوله في الكتاب: (أن يجعل وسط إزاره) ذكر الرداء في هذا الموضع أليق، وكذلك قاله الشَّافِعِيُّ -رضي الله عنه- وعامة الأصْحَابِ -رحمهم الله-.
وقوله: (إلى آخر الطواف في قول إلى آخر السَّعْي في قول) إطلاق القولين فيه غَرِيب، والذين رووا الخِلاَف فيه رووهما وجهين، إلا أن حُجَّةَ الإِسْلاَم -رحمه الله- نظر إلى استناد الخلاف إلى ما قَدَّمْنَا من قَوْلِ الشافعي -رضي الله عنه-، ثم عبارة الكتاب في القول الثاني تقتضي استحباب الاضطباع في ركعتي الطَّوَافِ أيضاً، وفيه ما ذكرناه.
قال الغزالي: فَرْعٌ لَوْ طَافَ المُحْرِمُ بِالصَّبِيِّ الَّذي أَحْرَمَ عَنْهُ أَجْزَأَ عَنِ الصَّبِيَّ إِلاَّ إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ طَاف عَنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ الحَامِلَ أَوْلَى بِهِ، فَيَنْصَرِفَ إِلَيْهِ وَلاَ يَكْفِيهِمَا طَوَافٌ وَاحِدٌ بِخِلاَف مَا إِذَا حَمَلَ صَبِيَّيْنِ وَطَافَ بِهِمَا فإنَّهُ يُكْفِي الصَّبِيَّيْنِ طَوَافٌ وَاحِدٌ كَرَاكِبَيْنِ عَلَى دَابَّةٍ.
قال الرافعي: هذا الفرع لا اختصاص له بالصبي وإن صوَّره فيه، ولو اختص به لكان موضعه الفَصْلُ الأَخِيرُ مِنْ الباب المعقود في حُكْمِ الصَّبِيِّ، ثم هو ناظر إلى مسألةٍ نذكرها أولاً، وهي أن الطَّوافَ هَلْ يَجِبُ فِيهِ النية؟ وفيه وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 405
أحدهما: تجب؛ لأنه عبادة برأسه.
وأصحهما: لا تجب؛ لأنه في الحَجِّ والعمرة أحد الأَعْمَال، فيكفي فيه نية النُّسُكِ في الابتداء، على هذا فهل يُشْتَرَطُ أن لاَ يصرفه إلى عَرَضٍ آخر من طَلَب غَرِيمٍ ونحوه؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، وهما كالوجهين فيما إذا قصد في أثناء وضوءه لغسل باقي الأعضاء تبرداً ونحوه.
إذا عرفت ذلك فلو أن الرجل حَمَل محرماً من صبي أو مريض أو غيرهما وطاف به، نظر إن كان الحاملُ حلالاً أو كان قد طافَ عن نفسه حُسِبَ الطواف للمحمول بَشَرْطِهِ، وإن كان محرماً ولم يَطُفْ عَنْ نَفْسِهِ نظر إن قصد الطَّوَاف عَنِ المَحْمُولِ ففيه ثلاثة أوجه:
أظهرها: أنه يقع للمحمول دون الحَامل، وينزل الحَامِلُ منزلَة الدَّابَّةِ، وهذا يخرج على قولنا: أنه يشترط أن لا يصرف طوافه إلى غرضٍ آخر.
والثَّاني: أنه يقع عن الحَامِل دون المحمول، وهذا يخرج على قولنا: أنه لا يشترط ذلك، فإن الطواف حينئذٍ يكون محسوباً له، وإذا حسب له لم ينصرف إلَى غَيْرِهِ، بخلاف ما إذا حمل مُحْرِمَيْنِ وطاف بهما وهو حَلاَلٌ أَوْ مُحْرِمٌ، وقد طاف حيث يجزئهما جميعاً، فإن الطَّواف ثم غير محسوب لِلْحَامِلِ، والمحمولان كراكبي دَابَّةٍ وَاحِدَةٍ، وربما يوجه هذا الوجه بالتشبيه بما إذا أحرم عن غيره، وعليه فَرْضُه.
والثالث: أنه يحسب لهما جميعاً؛ لأن أحدهما قد دَارَ والآخر دِيرَ بهِ.
وإن قصد الطَّواف عَنْ نَفْسِهِ وقع عنه، وهل يحسب عن المحمول؟ قال الإمام: لا، وحكى وفاق الأصْحَاب فيه، وبمثله أجاب فيما إذا قصد الطَّوَافِ لِنَفْسِهِ وَللْمَحْمُولَ، وصاحب "التهذيب" حكى في حصوله للمحمول مع الحُصُولِ لِلْحَامِلِ وجهين؛ لأنه دَار به، ولو طاف به ولم يقصد واحداً من الأقسام الثلاثة فهو كما لو قَصَدَ نَفْسَهُ أو كِلَيْهِمَا.
وقوله في الكتاب: (لو طاف المحرم بالصبي الذي أحرم عنه) قد ذكرنا أن المسألة غير مخصوصة بما إذا كان المحمول صبيّاً، والأولى أن يقرأ قوله (أُحْرِمَ بهِ) على المجهول، إذ لا فرق بين أن يكون الحَامِلُ إليه الذي أحرم به أو غيره، ثم لفظ الكتاب يقتضى عدم إجزائه لِلصَّبِيِّ فيما إذا لم يَطُف الحَامل مطلقاً، لأنه أطلق الاستثناء، لكن فيه التّفصيل، والخلاف الذي كتبته، والظاهر فيما إذا قَصَد الطَّوافِ للمحمول إجزاؤه للمحمول على ما تقرر، فإذًا لفظ الكتاب محمول على ما إذا لم يقصد ذلك، وفي "الوسيط" ما يشير إليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 406
وقوله: (ولا يكفيهما طواف واحد) معلم بالواو؛ لما مَرَّ من الوجه الثالث، وبالحاء؛ لأن صاحب "التتمة" حكى عن أبي حنيفة -رحمه الله- مثله.
قال الغزالي
: الفَصْلُ الخَامِس في السَّعْي:
وَمَنْ فرَغَ مِنَ الطَّوَافِ اسْتَلَمَ الحَجَرَ وَخَرَجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا وَرَقَى عَلَى الصَّفَا مِقْدَارَ قَامَةٍ حَتَّى يَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى الكَعْبَةِ وَيدْعُوَ ثُمَّ يَمْشِي إِلَى المَرْوَةَ وَيَرْقَأَ فِيهِ وَيَدْعُوَ، وَيُسْرِعُ في المَشْيِءِ إِذَا بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَيْلِ الأَخْضَرِ المُعَلَّق بِفِنَاءِ المَسْجِدِ نَحْوَ سِتَّةِ أَذْرُعِ إِلَى أَنْ يُحَاذِيَ المِيلَيْنِ الأَخْضَرَيْن ثُمَّ يَعُودُ إلَى الهَيْنَّةِ.
قال الرافعي: إذا فرغ من الطواف وركعتيه فينبغي أن يعود إلى الحَجَرِ الأسْوَدِ ويستلمه، ليكون آخر عَهْدِهِ بالاستلام، كما افتتح طوافه به، ثم يخرج من باب الصَّفَا وهو في محاذاة الصلع بين الركنين اليمانيين؛ ليسعى بين الصَّفَا والمَرْوَة، "وَيبْدَأُ بِالصَّفَا؛ لأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- "بَدَأَ بِهِ، وَقَالَ: ابْدَأُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ" 181.
ويرقى على الصفَا بقدر قَامَةِ رَجُلٍ، حتى يتراءى له البَيْتُ، ويقع بَصَرُهُ عليه، فإذا رقى عليه استقبل البيتَ وهلَّلَ وكَبَّر وقال: "اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبُرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، اللهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا، وَالْحَمدُ لِلَّهِ عَلَى مَا أَوْلانَا، لاَ إله إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لاَ إِلهَ إِلاَّ الله، وَحْدَه لاَ شَريكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ، وَلاَ نَعْبُدُ إلاَّ إِيَّاهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ".
ثم يدعو بما أحَبَّ من أَمْرِ الدِّينِ والدُّنْيا، ثم يعود إلى الذِّكْرِ المذكُورِ ثَانَيًا، ثم يدعو ثم يعود إليه ثالثاً، ولا يدعو 182، وينزل من الصَّفَا ويمشي إلى المَرْوَةِ ويرقى عليها أيضاً بقدر قامة رجل، ويأتي بِالذِّكْرِ والدُّعَاءِ كما فعل على الصَّفَا.
ثم أن المسافة بين الجبلين يقطع بعضها مشيًا وبعضَها عَدْواً.
وبَيَّنَ الشافعي -رضي الله عنه- عنه ذلك فقال: "ينزل من الصَّفا ويمشي على سَجِيَّةِ مَشْيهِ حتى يبقى بينه وبين المَيْلَ الأَخْضَرِ المعلق بفناء المسجد وركنه قَدْرُ ستة
الجزء: 3 - الصفحة: 407
أَذْرُع، فحينئذ يسرع في المَشْي، ويسعى سَعْياً شديداً، وكان ذلك الميل موضوعاً على متن الطريق في الموضع الذي منه يبتدأ السَّعي إعلاماً، وكان السَّيْلُ يهدمه، فرفعوه إلى أعلى ركن المسجد، ولذلك سمي مُعَلَّقاً، فوقع متاخراَ عن مبتدأ السعي بستة أذرع، لأنه لم يكن موضع أليق منه على الأعلى، ويديم السَّعْيَ حتى يتوسط بين المِيَليْنِ الأخضرين اللذين أحدهما يتصل بفناء المسجد عن يسار السَّاعى، والثاني متصل بدار العَبَّاسِ فإذا حاذاهما عاد إلى سَجِيَّةِ المَشْيِ، حتى ينتهي إلى المَرْوَة.
قال القاضي الرّوَيانِي وغيره: هذه الأساس كانت في زمان الشافعي -رضي الله عنه- وليس هناك اليوم دار تعرف بِدَار العبَّاس، ولا ميل أضخر وتغيرت الأسامي.
وإذا عاد من المروة إلى الصَّفَا سعى في موضع سَعْيِهِ أولاً، ومشى في مَوْضِع مَشْيهِ، وليقل في سعيه "رَبِّ اغْفرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمْ إنَّكَ أَنْتَ الأَعَزُّ الأكْرَمُ" 183 وليكَن من دعائه على الجبلين ما يؤثر عن ابن عمر -رضي الله عنهما- "اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِكَ وَطَاعَتِكَ وَطَوَعِيَةِ رَسُولِكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يُحِبُّكَ وَيُحِبُّ مَلاَئِكَتِكَ وُرُسُلكَ وعبَادِكَ الصّالِحِين، اللَّهُمَّ آتِنِي مِنْ خَيْرِ مَا تؤتي عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الأَئِمَّةِ الْمُتَّقِينَ، واجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وَاغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ" 184 وجميع ما ذكرناه من وَظَائِفِ السعي قولاً وفِعلاً مشهور في الأَخْبَارِ.
قال الغزالي: وَالتَّرَقِّي وَالدُّعَاءُ وَسُرْعَةُ المَشْي سُنَنٌ، وَلَكِنَّ وُقُوعَ السَّعْي بَعْدَ طواف ما شَرْطٌ، فَلاَ يَصِحُّ الابْتِدَاءُ بِهِ، فَإِنْ نَسِيَ بَعْدَ طَوَاف القُدُومِ لاَ يُسْتَحَبُّ الإعَادَةُ بَعْدَهُ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الطَّهَارَةُ وَشُرُوطُ الصَّلاَةِ بِخِلاَف الطَّوَاف.
قال الرافعي: "لِما تكلم في وظائف السَّعْي مخلوطةً واجباتها بسننها، أراد الآن أن يميز بينهما، فمن السنن: الرُّقِي 185 على الصَّفَا والمَرْوة، والواجب هو السَّعْيُ بينهما، وقد يتأتى ذلك من غير رُقِي بأن يلصق العقب بأصل ما يسير منه، ويلصق رؤوس أصابع رِجْلَيْهِ بما يسير إليه من الجَبَلَيْنِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 408
وعن أبي حَفْصِ بْنِ الوَكِيلِ: أنه يجب الرُّقِيُّ عليهما بقدر قامَةِ رَجُلٍ.
لنا: اشتهار السعي من غير رُقِيٍّ عن عثمان وغيره من الصَّحابة -رضي الله عنهم- من غير إنكار.
ومنها: الذِّكْر والدّعَاء، فليس في تركهما إلا تَرْك فَضِيلَةٍ وَثَوَابٍ.
ومنها: سرعة المشي في المَوْضِعِ المَذْكُورِ، والهينة في البَاقِي كَالرَّمُلِ، والهينة في الطَّوَافِ بالبيت ومنها: المُوَالاةُ فِي مَرَّات السعي، وبين الطواف والسعي، ولا يشترط الموالاة بين الطواف والسعي، بل لو تَخَلَّل بينهما فصلٌ طويلُ لم يقدح، قاله القَفَّالُ وغيره.
نعم، لا يجوز أن يتخلل بينهما ركن بأن يطوف لِلْقُدُومِ، ثم يقف بعرفة ثم يَسْعَى، بل عليه إعادة السَّعْي بعد طَوَافِ الإفَاضَةِ، وذكر في "التتمة" أنه إذا طال الفَصْلُ بين مَرَّاتِ السَّعْي، أو بين الطَّوَافِ والسَّعْي ففي إِجْزَاءِ السَّعْي قولان، وإن لم يتخلل بينهما ركن والظاهر: ما سبق.
وأما الواجبات فمنها وقوعُ السَّعْي بَعْدَ الطواف، فلو سعى قبل أن يطوف لم يُحْسَب، إذ لم ينقل عن فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فَمَنْ بَعْدَه السعي إلا مرتباً على الطَّوَافِ ترتيب السُّجودِ على الرّكُوع، ولا يشترط وقوعه بعد طَوَافِ الرُّكْن، بل لو سعى عقيب طواف القدوم أجزأه، ولا يستحب أن يعيده بَعْدَ طواف الإفَاضَةِ؛ لأن السَّعْي ليس قربة في نفسه كالوقوف، بخلاف الطَّوَافِ، فإنه عبادة يتقرب بِهَا وَحْدَها.
وعن الشَّيْخ أَبِي مُحَمَّدٍ: أنه يكره إعادته فضلاً عن عدم الاستحباب.
ومنها: الترتيب وهو الابتداء بالصَّفَا لقوله -صلى الله عليه وسلم- "ابْدَأوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ" 186 فإن بدأ بالمَرْوَةِ لم يحسب مروره مِنْهَا إِلَى الصَّفَا 187. وعن أبي حنيفة أنَّه لا يجب الترتيب فيجوز الابتداء بالمروة.
ومنها: العدد، فلا بد من أن يَسْعَى بين الجَبَلَيْنِ سَبْعاً، ويحسب الذِّهَابُ مِنَ الصَّفَا إِلَى المَرْوَةِ مَرَّة، والعَوْدُ مِنْهَا إلى الصَّفَا أخرى، فيكون الابتداء بالصَّفا والخَتْم بالمروة، وذهب أَبُو بَكْر الصَّيْرَفِيُّ إلى أن الذهاب والعود يحسب مرة واحدة؛ لينتهي إلى ما منه بدأ، كالطواف بالبيت، وكما أن في مَسْحِ الرأس يذهب باليدين إلى القَفَا ويردهما ويكون ذلك مرة واحدة، ويروى هذا عن أَبي عبد الرحمن بن بنت الشافعي -رضي الله عنه- وابن الوكيل.
لنا: إطباق الحَجِيج على ما ذكرنا من عصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى يومنا هذا.
الجزء: 3 - الصفحة: 409
ولو شك في العدد أخذ بالأقل، وكذلك يفعل بالطّواف، ولو طاف أو سَعَى وعنده أنه أتم العدد وأخبره غيره عَنْ بَقَاءِ شَيْءٍ فالأحب أن يرجع إلى قوله؛ لأن الزيادة لاَ تُبْطِلُهَا، ولو جرى على ما هو جَازِمٌ بِه جَازَ.
ولا يشترط فيه الطَّهارة، وستر العورة، وسائر شروط الصلاة كما في الوقوف وغيره من أعْمَالِ الحَجِّ، بخلاف الطواف فإنه صَلاةٌ بالخَبَرِ.
ويجوز أن يسعى راكباً كما يجوز أن يطوف راكباً، والأحب الترجل، والنساء لا يسعين السَّعْيَ الشديد، كما لا يَرْمُلْنَ (1).
وقوله في الكتاب: (ولكن وقوع السعي بعد طواف ما شرط)، لفظ شامل لأنواع الطواف، غير أنه لا يتصور وقوع السَّعْي بعد طَوَافِ الوَدَاعِ، فإن طواف الوداع هو الوَاقِعُ بعد أعمال المَنَاسِك، فإذا بقي السَّعْيُ عليه لم يكن المأتى به طواف الوَدَاع.
واعلم أن السَّعْي ركن في الحَجِّ والعمرة، لا يحصل التحلل دُونَه (2)، ولا يُجْبَرُ بِالدَّمِ، وبه قال مَالِك.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- يُنْجَبِرُ.
وعن أحمد روايتان؛ أصحهما: مثل مذهبنا.
قال الغزالي
: الفَصْلُ السَّادِسُ في الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ:
وَالمُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْطُبَ الإمَامُ اليَوْمَ السَّابعَ مِنْ ذي الحِجَّةِ بِمَكَّةَ بَعْدَ الظُّهْرِ خُطْبَةُ وَاحِدَةً ويَأْمْرَهُم بالغُدُوِّ إِلَى مِنىً وَيُخْبِرَهُم بَمَناسِكِهِم وَيَخْرُجَ اليَوْمَ الثَّامِنَ وَيَبيتَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ بِمنىً ثُمَّ يَخْطُبَ بَعْدَ الزَّوَال بِعَرَفَةَ خُطْبَةً خَفِيفَةً وَيَجْلِسَ ثُمَّ يَقُومَ إِلَى الثَّانِيَة، وَيَبْدَأَ المُؤَذِّنُ بِالأَذَانِ حَتَّى يَكُونَ فَرَاغُ الإمَامِ مَعَ فَرَاغِ المُؤَذِّنِ، ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهرَ وَالعَصْرَ جَمِيعاً.
قال الرافعي: نفتتح الفصل بذكر شيئين:
أحدهما: أن الإمام إن لم يحضر بنفسه، فالمستحب أن لا يخلي الحجيج عن منصب يكون أميراً عليهم؟ ليقفوا دُونَ رَأيهِ، ويطيعوه فيما يَنُوبُهُمْ، وَقَدْ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أَبَا بَكْرٍ -رضي الله عنه- أَمِيراً عَلَى الحَجِيجِ، فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ مِنَ الهِجْرةِ" 190.188189
الجزء: 3 - الصفحة: 410
والثاني: أن الحجيج إن سَارُوا من المِيقَات إلى المَوْقِفِ قبل أن يدخلوا مَكَّة كما يفعلونه اليوم فاتتهم خُطْبةُ اليومِ السَّابعِ، والترتيب الذي ذكره في الفَصْل مصوّر في حَقِّ من يدخل مَكَّة قبل الوقوف.
إذا عرفت ذلك فنقول: مَن كَانَ مِنَ الدَّاخِلِينَ قبل الوقوف مُفْرِداً بالحج، أو قارناً بين النسكين، أقام بعد طَوَافِ القدوم إلى أن يخرج إلى عَرَفَةَ، ومن كان متمتعاً طَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ وَتَحَلَّلَ مِنْ عُمْرَتِهِ، ثم يحرم بالحَجِّ من مكَّة، ويخرج على مَا مَرَّ في صورة التمتع، وكذلك يفعل المقيمون بمكة، ويستحبُّ للإمام أو لمنصوبه أن يَخْطُبَ بِمَكَّةَ في اليوم السابع من ذِي الحَجَّة بعد صَلاَةِ الظُّهْر خطبةً وَاحِدَةً، يأمر الإمام النَّاس فيها بالغُدُوِّ إلى مِنىً، ويخبرهم بما بين أيديهم من المَنَاسِكِ 191.
وعن أحمد أنه لا يخطب اليوم السَّابع.
لنا ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "خَطَبَ النَّاسَ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْويَّةِ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ، وَأَخْبَرَهُمْ بِمَنَاسِكَهُمْ" 192.
وينبغي أن يأمر في خطبته المتمتعين بأن يطوفوا قبل الخُروج لِلْوَدَاعِ، فلو وافق اليَوْمُ السَّابعُ يومَ الجُمُعَةِ خطب للجمعة وَصَلاَّهَا، ثم خَطَبَ هذه الخُطْبَة، فإن السُّنة فيها التأخير عن الصَّلاة، ثم يخرج بهم اليوم الثامن وهو يوم التَّرْوَية إلى مِنىً، ومتى يخرج؟ المشهور أنه يخرج بهم بَعْدَ صلاةِ الصُّبْحِ بحيث يوافون الظهر بمِنَى.
وحكى القَاضِي ابْنُ كِجٍّ أن أَبَا إِسْحَاقَ ذكر قولاً أنهم يصلون الظُّهرَ بِمَكَّةَ، ثم
الجزء: 3 - الصفحة: 411
يخرجون وإذا خرجوا إلى مِنَى باتوا بها لَيْلَةَ عرفَةَ، وصلُّوا مع الإمام بِهَا الظُّهْرَ، والعَصْرَ والمغرَب، والعِشَاء، والصُّبْحَ يَوْمَ عَرَفَةَ على المَشْهُورِ، وعلى ما ذكره أبو إسْحَاقَ يصلون بها ما سوى الظهر، والمبيت ليلة عرفة بِمِنىً هيئة وليس بِنُسُكٍ يُجْبَرُ بالدَّمِ، والغرض منه الاستراحة للسَّيْرِ من الغد إلى عرفَةَ من غَيْرِ تَعَبٍ، وما ذكرناه من الخُروجِ بعد صَلاَة الصُّبح أو التَّرْوِيَةِ فذلك في غَيْرِ يوم الجُمُعَةِ، فأَما إذا كان يوم التَّرْوِيةِ يوَم الجُمْعَةِ فالمستحب الخروجُ قَبْلَ طلوع الفَجْرِ؛ لأن الخروجَ إلى السفر يَومَ الجمعة إلى حيث لا تُصَلِّى الجمعة حَرَام أو مكروهٌ على مَا مَرَّ في موضعه، وهم لا يُصَلّونَ الجُمُعَةَ بِمِنىً، وكذا لا يصلونها بِعَرَفةَ لو كان يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ؛ لأن الجُمُعَةَ إنما تقام في دَارِ الإِقَامَةِ.
قال الشافعي: -رضي الله عنه- "فإن بني بها قَرْيَةٌ واستوطنها أَرْبَعُونَ من أَهْلِ الكَمَال أقاموا الجُمُعَةَ والنَّاس معهم".
ثم إذا طَلَعت الشَّمْس يوم عرفة عَلَى شِبْر سَاروا إلى عرفات، فإذا انتهوا إلى نَمِرَة ضُرِبَت قُبَّةٌ للإمام بِهَا، روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "مَكَثَ بمنىً حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ رَكَبَ وَأَمَرَ بَقِبَّةٍ مِنْ شَعْرٍ أَنْ تُضْرَبَ لَهُ بِنَمِرَةٍ فَنَزَلَ بِهَا" 193 فإذا زالت الشَّمْسُ خطب الإمام خُطْبَتَيْنِ، يُبَيِّنُ لَهُمْ في الأولى مَا بَيْنَ أيديهم من المَنَاسِك، وُيحَرِّضُهُمْ على إكثار الدّعَاء والتَّهْلِيلِ بالمَوْقِفِ، فإذا فرغ منها جَلَسَ بقدر سُورة الإِخْلاَص، ثم يقوم إلى الخطبة الثانية، والمؤذن يأخذ في الأذان، ويخفف الخُطْبَة بحيث يفرغ منها، مع فراغ المؤذن من الإقامة، على ما رواه الإمام وغيره، ومن الأَذان على ما رواه صاحب "التهذيب" وغيره، قال هؤلاء: ثم ينزل فيقيم المؤذن وَيُصَلِّي بالنَّاسِ الظُّهْرَ، ثم يقيمون فَيُصَلِّي بهم العَصْر، على سبيل الجَمْعِ، هكذا فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حَجَّة الوَدَاعِ 194.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- لا إقامة لِلْعَصْرِ ويجعل الأذان قبل الخُطْبَةِ الأُولَى كما في الجُمُعَةِ وإذا كان الإمام مسافراً فالسنة له القَصْر، والمَكّيُون والمقيمون حَوَاليها لا يَقْصِرُونَ خلافاً لِمَالِكِ.
وليقل الإمام إذا سلم "أَتِمُّوا يَا أَهْلَ مَكَّةَ، فَإنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ"، كما قاله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 195 والقول في أن الجمع يختص بالمُسَافِرين من الحَجِيج أو لاَ يختص قدَّمْنَاهُ فِي كِتَابِ الصَّلاَةِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 412
فإن قلت: نمرة التي ذكرتم النزول بها هل هي من حَدِّ عَرَفَة أَمْ لا؟ وهل الخطبتان والصَّلاتَانِ بها أم بموضع آخر؟ قلنا: أما الأول: فإن صَاحِب "الشامل" وطائفة قالوا بأن نَمِرَةَ 196 موضعٌ من عَرَفَاتٍ، لكن الأكثرين نَفوا كونها من عَرَفَاتٍ.
ومنهم أبُو القَاسِم الكَرَخِي، والقَاضِي الرّوَياني، وصاحب "التهذيب" وقالوا: إنها موضعٌ قريبٌ مِنْ عَرَفَةَ.
وأما الثَّانِي فإيراد موردين يشعر بأن الخطبتين والصلاتين بها، لكن رواية الجمهور أنهم ينزلون بها حَتَّى تَزُولُ الشَّمْسُ، فإذا زالت ذَهَبَ الإِمَامُ بهم إلى مَسْجِدِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام وخَطَبَ وَصلَّى فيه، ثم بعد الفراغ من الصّلاة يتوجهون إلى الموقف، وهل المَسْجِدُ مِنْ عَرَفَةَ؟ سنذكره من بعد.
وإذا لم تُعَدّ البقعة من عرفة فحيث أطلقنا أنهم يجمعون بين الصَّلاتَين بعرفة عَنَيْنَا به المَوْضِعَ القَرِيبَ مِنْهَا.
واعلم أنه يسن في الحَجِّ أربع خطب:
إحداها: بمكة في المَسْجِدِ الحرام اليوم السَّابع من ذِي الحَجّة.
والثانية: بعرفة، وقد ذكرناهما.
والثالثة: يوم النحر.
والرابعة: يوم النَّفْرِ الأَوَّل، ويخبرهم في كل خطبة عما بين أيديهم من المَنَاسِكِ وأحكامها إلى الخُطْبَة الأُخْرَى، وَكُلُّهَا أَفْرَاد، وبعد الصلاة إلا يَوْمَ عَرَفَةَ، فإنه يخطب خُطْبَتَيْنِ قَبْلَ الصَّلاَةِ.
وقوله في الكتاب: (ويبيت ليلة عرفة بمنىً، ثم يخطب بعد الزوال لعرفة) معناه: أنه يغدو منها إلى عَرَفاتٍ ويخطب، ولفظ الكتاب يقتضي كون الموضع الذي يخطب فيه من عَرَفَة، وفيه ما قد عرفته.
وقوله: (خطبة خفيفة) إنما ذكر ذلك لأن المستحب فيها الخِفَّة أيضاً، وإن لم تبلِغ خفتها خِفَّة الثَّانِية؛ لما روي أن سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ للحجاج: "وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تُصِيبَ السُّنَّةَ فَاقْتَصِرْ الخُطْبَةَ وَعَجِّلْ الْوُقُوفَ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنهُمَا صَدَقَ" 197.
الجزء: 3 - الصفحة: 413
وقوله: (ويجلس) أي: بعدها.
وقوله: (ثم يقوم إلى الثانية ويبدأ المؤذن بالأذان).
وأعلم: قوله (ويبدأ) بالحاء؛ لما ذكرنا أن عنده يُقَدَّمُ الأَذَان.
قال الغزالي: ثُمَّ يُقْبِلُونَ عَلَى الدُّعَاءِ إلَى وَقْتِ الغرُوبِ وَيُفِيضُونَ بَعْدَ الغُرُوب إلَى مُزْدَلِفَة يُصَلُّونَ بِهَا المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ.
قال الرافعي: السنة لِلْحَجِيج بَعْدَ الصَّلاَتيْنِ أن يَقِفُوا عند الصَّخَرَاتِ ويستقبلوا القِبْلَة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "وَقَفَ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ إِلَى الصَّخْرَاتِ" 198.
وهل الوقوفُ رَاكِباَ أَفْضَلُ؟ فيه قولان:
أحدهما: لا، بل سواء، قاله في "الأم".
وأظهرهما: وبه قال أحمد: "أَنَّ الْوُقُوفَ رَاكِبًا أَفْضَلُ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-" 199. وليكون أقوى الدُّعاء، قاله في "الإملاء" والذين.
ويذكرون الله تعالى ويدعونه إِلَى غروب الشمس، ويكثرون من التهْلِيلِ، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُهُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَحْدُهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ" 200.
وأضيف إليه 201 "لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُوراً، وَفِي سَمْعِي نُوراً، وَفِي بَصَرِي نُوراً، اللَّهُمَّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي"، فإذا غربت الشَّمْس دفعوا من عَرَفَات منصرفين إلى مُزْدَلِفَةَ، وَيُؤَخِّرُونَ المَغْرِبَ إلى أن يصلوها مع العِشَاء بمزدلفة، وليكن عليهم في الدَّفْع السكينة والوَقَار؛ لكيلاَ يتأذى البعض بمصادمة البعض، فإن وجد بعضهم فرجة أسْرع، وروى أنه -صلى الله عليه وسلم- "كانَ يَسِيرُ حِينَ دَفع فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ الْعَنَقَ فَإذَا وَجَدَ فَجْوَةً 202 " نَصَّ 203. فإذا حصلوا بمزدلفة، جمع الإمام بهم بين المَغْربِ والعِشَاءِ، وحكم الأذان والإقامة لَهُمَا قَدْ مَرَّ في موضعه.
الجزء: 3 - الصفحة: 414
ولو انفرد بعضهم بالجَمْعِ بعرفة أو بمزدلفة أو صَلى إحدى الصَّلاتين مع الإمام والأخرى وَحْدَهُ جَازَ، ويجوز أن يُصَلِّيَ المغربَ بعرفة أو في الطريق.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز، ويجب الجَمْعُ بمزدلفة، وذكر الشَّافِعِي -رضي الله عنه- أنهم لا يتنفلون بين الصَّلاتين إذا جَمَعُوا ولا على إثْرِهما، أما بينهما فَلِرِعَايَةِ الموالاة، وأما على إثْرِهِمَا فقد قال القاضي ابْنُ كِجٍّ في الشرح: لا يتنفل الإمام؛ لأنه متبوع فلو اشتغل بالنوافل لاقتدى به الناس وانقطعوا عن المَنَاسك، فليشتغل بِجَمْعِ الحَصَا وغيره من المَنَاسِك.
وأما المأموم ففيه وجهان:
أحدهما: لا يتنفل أيضاً كالإمام.
والثاني: أن الأمر وَاسِعٌ له؛ لأنه ليس بمتبوع، وهذا في النوافل المطلقة دون الرَّوَاتِبِ، والله أعلم.
ثم أكثر الأصحاب أطلقوا القول بأنه يؤخرهما إلى أن يأتي المُزْدَلِفَة، ومنهم من قال ذلك ما لم يَخْشَ فَوَاتَ وَقْتِ اخْتِيَار العِشَاء فإن خَافَ لمكثهم في الطريق بِصَدّ أو غيره لَمْ يُؤَخِّرْ، وجمع بالنَّاسِ في الطَّرِيقِ، والمستحب أَنْ يَنْصَرِفُوا مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمزْدَلِفَةِ فِي طَرِيقِ الْمَأزَمَيْنِ، وهو الطريق بين الجبلين، اقتداءَ برسول الله -صلى الله عليه وسلم- 204 والصَّحابة -رضي الله عنهم-.
واعلم أن من مكَّة إلى مِنىً فَرْسَخَانِ، ومن مِنىً إلى عَرَفَاتٍ فَرسَخَانِ، ومزدلفة مُتَوَسِّطَةُ بين مِنىً وَعَرَفَاتٍ، منها إلى كل واحدة منهما فرسخاً، ولا يقفون بها في مسيرهم مِنْ منىً إلى عَرَفَات.
وقوله في الكتاب: (ثم يقبلون على الدعاء إلى وقت الغروب)، ليس لإخراج وَقْتِ الغروب عن الحَدِّ، بل يَدْعُونَ عِنْدَه أيضاً.
قال الغزالي: وَالوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيهِ اسْمُ الحُضُورِ في جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ عَرَفَةَ وَلَوْ في النَّوْمِ (و) وإنْ سَارَتْ بِهِ دَابَّتُهُ، وَلاَ يَكْفِي حُضُورُ المُغْمَى عَلَيْهِ.
وَوَقْتُ الوُقُوفِ مِنْ زَوَالِ يَوم عَرَفَةَ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ مِنْ يَوْم العِيدِ، وَلَوْ أَنْشَأَ الإِحْرَامَ لَيْلَةَ العِيدِ جَازَ (و)؛ لأَنَّ الحَجَّ عَرَفَةُ وَوَقْتُهُ بَاقٍ، وَقِيلَ: لاَ يَجُوز إِلاَّ بِالنَّهَارِ، وَلَو فَارَقَ عَرَفَةَ نَهَاراً وَلَمْ يَكُنْ حَاضِراً عِنْدَ الغُرُوبِ وَلاَ عَادَ بِاللَّيْلِ تَدَاركُاً فَفِي وُجُوبِ الدَّمِ قَوْلاَن: حَاصِلهُمَا
الجزء: 3 - الصفحة: 415
أَنَّ الجَمْعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ، وَلَوْ وَقَفُوا اليَوْمَ العَاشِرَ غَلَطًا في الهِلاَلِ فَلاَ قَضَاءَ، وَلَو وَقَفُوا اليَوْمَ الثَّامِنَ فَوَجْهَانِ؛ لِأنَّ هَذَا الغَلَطَ نَادِرٌ.
قال الرافعي: الغرض الآن الكلام في كيفية الوُقوف ومكانِه وَزَمَانِه.
أما الكيفية بالمعتبر الحُضُور بشرط أن يكون أهلاً للعبادة، وفيه صور:
الأولى: لا فرق بين أن يحضرها ويقف وبين أن يَمُرّ بِهَا؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- "الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجِّ" 205.
وذكر القَاضِي ابْنُ كِجٍّ -رحمه الله- أن ابْنَ القَطَّانِ -رحمه الله- جعل الاكتفاء بالمرور المجرد على وجهين.
الثانية: لا فرق بين أن يحضر وهو يعلم أنها عَرَفَة، وبين أن لا يعلم، وعن ابْنِ الوَكِيلِ أنه إذا لم يعلم لم يجزه.
الثالثة: لو أحضرها نَائِماً، أو دخلها قَبْلَ وقت الوُقوف وَنَامَ حتى خرج الوقت أجزأه، كما لو بقي نَائِماً طول نَهَارِهِ أجزأه الصَّوْمُ عَلَى المَذْهَبِ، وفيه وجه: أنه لا يجزئه، كما لو وقف مغمىً عليه، قال في "التتمة": والخلاف في هذه الصورة والتي قبلها مبني على أن كُلَّ رُكْنٍ من أركان الحج هل يجب إفراده بنيته لانفصال بَعْضِهَا عَنْ بَعْضٍ أم يكفيها النية السَّابقَة؟ ولو فرض في أشواط الطواف أو بعضها النَّوْم لي هيئة لا تنقض الوضوءَ فقد قال الإمام: هذا يقرب من الخلاف في صَرْفِ الطَّوَافِ إلى غير جِهَةِ النُّسُكِ، ويجوز أن يقطع بوقوعه موقعه.
الرابعة: لو حضر وهو مغمىً عليه لم يجزه؛ لفوات أهلية العبادة؛ ولهذا لا يجزئه الصَّوْم إذا كان مغمى عليه طول نهاره، وفيه وجه: أنه يجزئه اكتفاءً بالحُضُورِ، والسكران كالمغمى عليه، ولو حضر وهو مجنون لم يجزه، قاله في "التتمة"، لكن يقع نَفْلاً كحج الصّبي الذي لا تمييز له، ومنهم من طرد في الجُنونِ الوجهَ المنقول في الإِغْمَاء.
الخامسة: لو حضر بعرفَةَ في طَلَبِ غَرِيمٍ أو دابة نَادَّةٍ 206 كَفَاه، قال الإمام: ولم
الجزء: 3 - الصفحة: 416
يذكروا هاهنا الخلاف الذي سبق في صَرْفِ الطواف عن النُّسكِ إلى جِهَة أخْرَى، ولعل الفرق أن الطَّواف قربةٌ برأسها بخلاف الوُقُوفِ، قال: ولا يمتنع طرد الخلاف فيه.
وأما المكان ففي أي مَوْضِعٍ وقف من عَرَفَة أجزأه، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "كُلُّ عَرَفَةٍ مَوْقِفٌ" 207. وبين الشافعي -رضي الله عنه- حَدَّ عرفة فقال: "هي ما جاوز وَادِي عَرَنَةَ إلى الجِبَالِ القَابِلَةِ مما يلي بساتين بَنِي عامر" وليس وادي عرنة من عرفة وهو على منقطع عرفة مما يلي منى وصوب مكة، روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ "وَارْتَفِعُوا عَنْ وَادِي عُرَنَة" 208.
ومسجد إبراهيبم عليه السلام صَدْرَه من عرنة، وآخره من عَرَفَاتٍ، وبميز بينهما بِصَخَرَاتٍ كبار فُرِشَتْ هُنَاكَ، فمن وقف في صَدْرِه فَلَيْسَ واقفاً بعرفة، قال في "التهذيب": وثم يقف الإمام للخطبة والصَّلاة وجبل الرحمة في وسط عرصة عَرَفَاتٍ، وموقف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عنده معْرُوف.
وأما الزمان ففيه مسألتان:
إحداهما: وقت الوقوف يدخل بزوال الشَّمْسِ يَوْمَ عَرَفَةَ، ويمتد إلى طُلُوعِ الفَجْرِ يوم النَّحْرِ، وقال أحمد: يدخل وقته بطلوع الفجر يَوْم عَرَفَة؛ لما روى عن عروة بن مضرس الطَّائي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ صَلَّى مَعَنَا هذِهِ الصلاة يَعْنِي الصُّبْحَ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَتَى عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ" 209.
لنا: اتفاق المسلمين من عصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عَلَى الْوُقُوفِ بَعْدَ الزَّوَالِ" 210، ولو جاز قبله لما اتفقوا على تَرْكِهِ، وبهذا يستدل على أن المراد من الخَبَرِ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ.
إذا تقرر ذلك فلو اقتصر على الوقوف ليلًا كان مدركاً للحج على المَذْهَب المَشْهُورِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 417
ونقل الإمام -رحمه الله- عن بعض التَّصَانِيفِ فيه قولين واستبعده.
وعن شيخه أن الخِلاَفَ فيه مخصوصٌ بما إذا أنشأَ الإحرام ليلة النحر، فإذا لخص ذلك خرج منه ثلاثة أوجه كما ذكر في "الوسيط".
أصحها: أن المقتصر على الوقوف ليلاً مدركٌ، سواء أنشأَ الإحرام قبل لَيْلَةِ العيدِ أَوْ فِيهَا، وكلاهما جائز.
والثاني: أنه ليس بُمْدرِكٍ على التقديرين.
والثالث: أنه مُدْرِكٌ بشرط تقديم الإحْرَامِ عَلَيْهَا، ولو اقتصر على الوقوف نهاراً وأفاض قبل الغُروب كان مدركاً وإن لم يجمع بين الليل والنَّهار في الوقوف، وقال مالك: لا يكون مدركاً.
لنا: خبر عُرْوَة الطَّائِي، وأيضاً فإنه لو اقتصر على الوقوف ليلاً كان مدركاً، فكذلك هَاهُنا، وهل يُؤْمَرُ بإراقة دَمٍ؟ نظر إن عاد قبل الغُرُوب، وكان حاضراً بها حين غربت الشَّمْسُ فَلاَ، وإن لم يَعُدْ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ فَنَعَمْ، وهل هو واجب أو مستحب؟ أشار في "المختصر" و"الأم" إلى وجوبه، ونص في "الإملاء" على الاستحباب.
وللأصحاب ثلاثة طرق رَوَاها القَاضِي ابْنُ كَجٍّ.
أصحها: أن المسألة على قولين:
أحدهما -وبه قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله-: وجوبُ الدَّمِ؛ لأنه ترك نسكاً 211، وقد روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ تَرَكَ نُسْكاً فَعَلَيْهِ دَمٌ" 212.
والثاني: أنه مستحب، قوله -صلى الله عليه وسلم- في خبر عروة: "فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ" ولأنه أدرك من الوُقُوفِ ما أجزأه، فلم يجب الدَّم، كما لو وقف لَيْلاً، وهذا أصَحُّ القولين، قاله المَحَامِلِيُّ والرّويَانِي -رحمهما الله- وغيرهما، وفي "التهذيب" أنه القولُ القَدِيمُ، فإن ثبتت المقدِّمَتَانِ فالمسألة مما يُفْتَى فيها على القولِ القديم، لكن أبو القَاسِم الكَرَخِيّ -رحمه الله- ذكر أن الوجوب هو القديم، -والله أعلم-.
والطريق الثاني: عن أبي إسحاق أنه إن أفاض مع الإمام فهو مَعْذُور، لأنه تابع، وإن انفرد بالإفاضة ففيه قولان:
الجزء: 3 - الصفحة: 418
والثالث: نفي الوجوب والجزم بالاستحباب مطلقاً.
وإذا قلنا: بالوجوب فلو عاد ليلًا فوجهان:
أظهرهما: أنه لا شَيْءَ عليه، كما لو عاد قَبْلَ الغُرُوبِ وصَبَرَ حتى غَرَبَتِ الشَّمْسُ.
والثاني: يجب، ويحكى هذا عن أَبِي حَنِيفَةَ وأحمد -رحمهما الله- لأن النُّسُكَ هو الجمع بين آخر النَّهَارِ وأول اللَّيْلِ بِعَرَفَةَ.
المسألة الثانية: إذا غلط الحَجِيج فوقفوا غير يوم عرفة: فإما أن يغلطوا بالتأخير أو بالتقديم.
الحالة الأولى: أن يغلطوا بالتأخير بأن وقفوا اليوم التَّاسِع بعد كمال ذِي القِعْدَة ثلاثين، ثم بان لهم أن الهِلاَل كان قد أهل ليلة الثلاثين، وأن وقوفهم وقع في اليوم العَاشِرِ، فيصح الحَجِّ، ولا يلزمهم القضاء، لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "حَجُّكُمْ يَوْمَ تَحِجُّونَ" 213.
وروى أيضاً أنه قال: "يَوْمُ عَرَفَةَ الْيَوْمُ الَّذِي تُعْرِّفُ فِيهِ النَّاسُ" 214، ولأنهم لو تكلفوا القضاء لم يأمنوا مثله في القَضَاءِ، ولأن في إلزام القضاء مَشَقَّةَ عَظِيمَة؛ لما فيه من إحباط قَطْع المسَافَاتِ الطَّويلة، وإنفاق الأموال الكَثِيرة، وهذا إذ كان في الحَجِيج كثرة على المعتاد، فإن قَلُّوا على خلاف العادة أو لحقت شِرْذِمَةٌ يوم النحر فظنت أنه يوم عرفة، وأن النَّاس قد أفاضوا فوجهان:
أحدهما: أنه لا قضاء عليهم أيضاً؛ هم لا يأمنون مثله في القضاء.
وأصحهما: يجب؛ إذ ليس فيه مَشَقَّةٌ عَامة، وإذا لم يجب القَضَاء فلا فرق بين أن يتبين الحال بعد يوم الوقوف، أو في ذلك اليوم، وهم وقوفٌ بعد الزَّوَالِ، وإن تبين قبل الزَّوَالِ فوقفوا بعده، فقد قال في "التهذيب" المذهب أنه لا يُجْزِئُهُمُ، لأنهم وقفوا على يقين الفوات وهذا غير مُسَلَّم؛ لأن عامة الأصحاب ذكروا أنه لو قامت البينة على رؤية الهِلاَل ليلةَ العَاشِرِ وهم بمكة لا يتمكنون من حُضُورِ الموقف باللَّيْلِ يقفون من الغَدِ ويحتسب لهم، كما لو قامت البينة بعد غروب اليوم الثلاثين من رَمَضَانَ على رؤية الهلال يوم الثلاثين نَصّ أنهم يصلون من الغد للعيد، فإذا لم نحكم بالفوات لقيام الشَّهَادَةِ ليلة العَاشِر لزم مثله في اليوم العاشر، ولو شهد واحدٌ أو عدد برؤية هِلاَل ذِي
الجزء: 3 - الصفحة: 419
الحَجَّة وردت شهادتهم، لزمهم الوقوف اليوم التاسع عندهم، وإن كان النَّاس يقفون في اليوم بعده كمن شهد برؤية هلال رمضان فردت شهادته يلزمه الصَّوْمُ.
ولو وقفوا اليوم الحادي عشر لم يصح حَجُّهُمْ بِحَالٍ.
الحالة الثانية: أن يغلطوا بالتقديم ويقفوا اليوم الثَّامن، فينظر أن تبين لهم الحال قبل فوات وَقْتِ الوقوف لزمهم الوقوف في وقته، وإن تبين بعده فوجهان:
أحدهما: أنه لا قضاء كما في الغَلَطِ في التأخير.
وأصحهما: عند الأكثرين: وجوب القضاء، وفرقوا من وجهين:
أحدهما: أن تأخير العِبَادَةِ عن الوقت أقرب إلى الاحتساب من تقديمها عَلَى الوقت.
والثَّانِي: أن الغلط بالتقديم يمكن الاحتراز عنه، فإنه إنما يقع الغلط في الحساب أو الخَلَل في الشّهود الذين شهدوا بتقديم الهِلاَل والغلط بالتأخير قد يكون للتغيم المانع من رؤية الهِلاَل، ومثل ذلك لا يمكن الاحتراز عنه، ولو غلطوا في المَكَانِ فوقفوا بِغَيْرِ عرفَةَ لم يصح حُجُّهُمْ بِحَالٍ.
ونتكلم بعد هذا في لفظ الكتاب خاصة.
قوله: (والواجب من ذلك ما ينطلق عليه اسم الحضور في جزء من أجزاء عرفة) فيمن تعرض للفعلين الأولين كبقية الوقوف ومكانه.
وقوله: (ولو في النوم) معلم بالواو، وكذا قوله: (وإن سارت به دابته).
وقوله: (ولا يكفي حضور المغمى عليه) لما مر.
وقوله: (من الزَّوَال) مُعَلَّمٌ بالألف؛ لما حكيناه عن أحمد، وبالواو؛ لأن القاضي ابْنُ كَجٍّ روى عن أبِي الحُسَيْنِ وجهاً أنه لو وقف في أول الزوال وانصرف.
لم يجزئه بل يجب أن يكون الوقوف بعد مُضِيِّ زَمَانِ إمكان صَلاَةِ الظُّهْرِ من أول الزَّوَالِ.
وقوله: (ولو أنشأ إحْرَامَهُ لَيْلَةَ العِيدِ جاز) والمسألة مكررة قد ذكرها مرة في فَصْلِ الميقات الزَّمَانِي، واقتصر هَاهُنَا على ذكر الوَجْهِ الأَصَحّ، وهو الجواز.
وقوله: (وقيل: لا يجوز إلا بالنهار) يعني: الوقوف، وكأنه فرع جواز إنشاء الإحْرَام ليلة العِيد على امتداد وَقْتِ الوقوف إلى طُلُوعِ الفَجْرِ، ثم ذكر الوَجْه البعِيدَ وهو أنه لا يمتد، وليست الليلة وقتاً له، ولو حمل قوله: (وقيل: لا يجوز) على أنه لا يجوز إنشاء الإحرام فيها لكان تَعَسُّفاً؛ لأنه قال: (إلا بالنهار) والإحرام لا تعلق له بالنَّهار، وأيضاً فإن ذلك الوجه قد صار مذكوراً في فَصْلِ المواقيت، فالحمل على فائدة جديدة أولى.
وقوله: (ولا عاد بالليل تداركاً) فيه تقييد للقولين بما إذا لم يعد بالليل إشارة إلى أنه لو عاد لم يجب الدمُ جزماً، وهو الوجه الأصَحِّ، ويجوز أن يُعَلَّم بالواو؛ للوجه
الجزء: 3 - الصفحة: 420
الثاني، وبالحاء والألف أيضاً، لما سبق، ويجوز إعلام قوله: (قولان) بالواو، للطريقين المانعين من إطلاق الخلاف.
وقوله: (حاصلهما أن الجمع بين الليل والنهار هل هو واجب؟) أراد به ما ذكره الإمام أن القولين في وجوب الدَّمِ يلزم منهما حصول قولين في وجوب الجمع بين الليل والنهار في الوقوف؛ لأن ما يَجِب جَهْرُهُ من أعمال الحَجِّ لا بد وأن يكون وَاجباً، لكن في كلام الأصحاب ما ينازع فيه؛ لأنَّ منهم من وجه قول عدم وجوب الدَّم بأن الجمع ليس بِوَاجِبٍ، فلا يجب بِتَرْكِهِ الدَّمُ، فقدر عدم وجوب الجمع متفق عليه.
الفَصْلُ السَّابعُ فِي أَسْبَابِ التَّحَلّلِ
قال الغزالي: فَإذَا جَمَعَ الحَجِيجُ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ بَاتُوا بِهَا، ثُمَّ ارْتَحَلُوا عِنْدَ الفَجْرِ، فَإذَا انْتَهُوا إلَى المَشْعَرِ الحَرَامِ وَقَفُوا وَدَعَوْا، وَهِذِهِ سُنَّةٌ، ثُمَّ يَتَجَاوَزُونَهُ إلَى وَادِي مُحَسِّرِ فَيُسْرِعُونَ بِالمَشْيِ فَإذَا وَافَوْا مِنىً بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ رَمَوْا سَبْعَ حَصَيَاتٍ إلَى الجَمرَةِ الثَّالِثَةِ كَبَّرُوا مَعَ كُلِّ حَصَاةِ بَدَلاً عَنِ التَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يَحْلِقُونَ وَينْحَرُونَ وَيَعُودُونَ إلَى مَكَّةَ لِطَوَافِ الرُّكْنِ، ثُمَّ يَعُودُونَ إلَى مِنىً لِلرَّمْيِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.
قال الرافعي: الحجيج يفيضون بعد غروب الشَّمْسِ يوم عَرَفَةَ إلى مُزْدَلِفَةَ، فإذا انتهوا إليها جمعوا بين الصَّلاتين، وباتوا بها، وليس هذا المبيت بِرُكْنٍ، خلافاً لأبي عَبْدِ الرحمنِ ابْنِ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه- وأَبِي بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ من أصحابنا -رحمهم الله-؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ تَرَكَ المبيت بِمُزْدَلِفَةَ فَلاَ حَجَّ لَهُ" 215.
لنا ما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الْحَجُّ عَرَفَةَ، فَمَنْ أَدْرَكَهَا فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ" 216. ثم هو نسكٌ مجبورٌ بِالدَّمِ في الجُمْلَةِ، وتفصيله أنه إن دفع منها ليلًا، نظر إن كان بعد انتصاف اللَّيْلِ فلا شيء عليه معذوراً كان أو غير معذور: "لأَنَّ سَوَدَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ أَفَاضَتَا فِي النِّصْفِ الأَخيرِ بِإِذْنِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يَأْمُرْهُمَا بِدَمٍ وَلاَ النَّفَرَ الَّذِينَ نَفَرُوا مَعَهُمَا" 217.
الجزء: 3 - الصفحة: 421
وعن أبي حنيفة: أن غير المعذور يلزمه الدَّم إن لم يعد ولم يقف بعد طُلُوعِ الفَجْرِ، وإن دفع قبل انتصاف الليل وعاد قبل طلوع الفجر فلا شيء عليه أيضاً، كما لوَ دفع من عرفة قبل الغروب وعاد، وإن لم يعد أو ترك المبيت أصلاً أراق دماً، 218 وهل هو واجب أو مستحب؟ فيه طرق:
أظهرها: أنه على قولين كما ذكرنا في الإفاضة من عَرَفَة قبل غروب الشمس.
وعن أحمد: روايتان كالقولين، وعن مالك هو وَاجِبٌ.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله- لا اعتبار بالمبيت، وإنما الاعتبار بالوقوف بالمزدلفَةَ بَعْدَ طلوعِ الفَجْرِ، فإذا تركه لَزِمَهُ دَمٌ.
والطريق الثاني: القَطْعَ بالاسْتِحْبَابِ.
والثالث: القَطْعُ بالإِيجَاب، وحمل نصه على الاستحباب على ما إذا وقع بعد انتصاف الليل.
يحكى هذا عن القاضي أبي حامد 219. والأولى تقديم النِّساء والضَّعَفَةِ بعد انتصاف الليل إلى منى، روى عن ابْنِ عباس -رضي الله عنهما- قال: "كُنْتُ فِيمَنْ قَدَّمَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ ضَعَفَةِ أَهْلِهِ إِلَى مِنى مِنَ المُزْدَلِفَةِ" 220.
وغير الضعفة يلبثون حتى يُصَلُّوا الصُّبْحَ بِهَا، ويغلسون بالصَّلاة، والتغليس هاهنا أشد استحباياً، وينبغي أن يأخذوا مِن المُزْدَلِفَة الحَصَى لِلرَّمْي؛ لأن بها جبلاً في أحجاره رخاوة، وليكونوا متأهبين للرمي، فإن السُّنَّة أن لا يَشْتَغِلُوا عَنه بشيء إذا انتهوا إلى مِنًى، ولو أخذوا من مَوْضِعٍ آخر جَازَ، لكن يكره أخذُهُ مِنَ المَسْجِدِ، لأنه فرشه، ومن الحش لنجاسته، وعن المرمى لما قيل:"إِنَّ مَن يُقْبَلُ حَجُّهُ يُرْفَعُ حَجَرُهُ وَمَا يَبْقَى فَهُوَ مَردُودٌ".
وكم يأخذون منها؟ قال في "المفتاح": سبعين حَصَاة، ليرمي يوم النَّحْرِ وأيامَ التَّشْرِيقِ على ما سَنُفَصِّلْهُ، وهذا ظَاهِرُ لَفْظِ "المختصر"، وقال الأكثرون: سَبْع حَصَيَاتٍ، ليرمى يوم النَّحْرِ، وحكوه عن نصه في موضع آخر، وجعلوه بيانًا لما أطلقه في "المختصر"، وعلى هذا فيأخذ لرمي أيام التَّشْرِيقِ مِنْ وَادِي مُحَسِّر أو غيره، وجمع بعضهم بينهما فقالوا: يستحب الأخذ من المُزْدَلَفَةِ لجميع الرَّمْيِ، لكنه لرمي أيام النحر أَحَب، ثم الجمهور قالوا: يتزود بالحَصَا ليلاً قبل أن يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، وفي "التهذيب" أخر أخذها عن الصَّلاَةِ، ثم يدفعون إلى مِنًى، فإذا انتهوا إلى المَشْعَرِ الحَرَامِ وقفوا على قزح، وهو
الجزء: 3 - الصفحة: 422
جَبَلٌ من المَشْعَرِ الحَرَامِ ويقال: هو المشعر، والمشعر من المزدلفة فإن المزدلفة ما بين مأزمي عرفة ووادي مُحَسَّر، ويذكرون الله -تعالى- ويدعون إلى الإسْفَارِ قال الله -تعالى -: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ 221، والأحب أن يكونُوا مُسْتَقْبلِي القبلةُ، ولو وقفوا في مَوْضِعٍ آخر من المُزْدَلفَةِ تأدَي أصْلُ السنة، لكنه عند المَشْعَرَ أفضل 222، ولا يجبر فوات هذه السُّنة بالدَّمِ كسائر الهَيْآتِ، فإذا أسفروا سَارُوا وعليهم السَّكِينة، ومن وجد فرجةً أسرع كما في الدَّفْع من عرفة، فإذا انتهوا إلى وَادِي مُحَسَّر فالمستحب للرَّاكِبينَ أَنْ يُحَرِّكُوا دَوَابَّهُم، وَللْمَاشِينَ أَنْ يُسْرِعُوا قَدْرَ رَمْيَةٍ بحَجَرٍ" يروى ذلك عن جابر -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- 223.
وقد قيل: إن النَّصَارَى كانت تقف ثَمَّ، فأمرنا بِمُخَالَفَتِهِم، ثم يسيرون على السكينة، فيوافون مِنَى بعد طُلُوعِ الشَّمْسِ، فيرمون سَبْعَ حصياتٍ إلى جَمْرَةِ العَقَبَةِ، وهي في حضيض الجَبَلِ مترقبة عن الجَادَّةِ على يمين السَّائِرِ إلى مكة، "وَلاَ يَنْزِلُ الرَّاكِبُونَ حَتَّى يَرْمُوا كمَا فَعَلَ رَسُول اللهِ -صلى الله عليه وسلم-" 224 والسنة أن يكبروا مع كل حَصَاةٍ، ويقطعوا التلبية إذا ابتدأوا بالرَّمْيِ.
روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "قَطَعَ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ أَوَّلِ حَصَاةٍ رَمَاهَا" 225.
والمعنى فيه: أن التلبية شِعَارُ الإحْرَام، والرمي أخذٌ في التحلل، وعن القَفذَالِ: أنهم إذا رَحَلُوا من مزدلفة مزجوا التلبية بالتكبير في مَمَرِّهِم، فإذا انتهوا إلى الجمرة وافتتحوا الرمي مَحَّضُوا التكبير.
قال الإمام: ولم أر هذا لِغَيْرِهِ، ثم إذا رموا جَمْرَةَ العَقَبَةِ نَحَرُوا إنْ كَانَ مَعَهُمْ هَدْيٌ، فذلك سُنّة، ثم بعد ذَبْحِ الهَدْي يَحْلِقُونَ أو يُقَصِّرُونَ، وإذا فرغوا منه عادوا إلى مَكَّة، وطافوا طَوافَ الرُّكْنِ، ويسعون بَعده إن لم يَطُوفُوا لِلْقُدُوم، أو لم يسعوا بعده، ثم يعودون إلى مِنَى للمبيتِ بِهَا، والرَّمْيِ أيام التَّشْرِيقِ، وليعودوا إلَيها قَبْلَ أن يصلوا الظُّهرَ،
الجزء: 3 - الصفحة: 423
وهذه ترجمة جملية لهذه الوَظَائِفِ ومسائلها على التَّفْصِيلِ بين يَدَيْكَ.
وقوله في الكتاب: (وهذه سنة) مُعَلَّم بالميم، إن ثبت ما رواه بعض أصحابنا عن مالك أن الوقوف بالمَشْعَرِ الحَرَامِ وَاجِبٌ.
وقوله: (فيسرعون بالمشي) يجوز أن يعلم بالواو؛ لأني رأيت في بَعْضِ الشروح أن الراكب يُحَرِّك دابته، أما الماشي فَلاَ يعدو وَلاَ يرمل.
وقوله: (إلى الجمرة الثَّالِثَةِ) المراد منها: جمرة العقبة وإنما تسمى الثَّالثة؛ لأن السائرين من مني إلى مَكَّة يتعدون جمرتين قَبْلَهَا، ثم ينتهون إلَيْهَا، فهي الثالثة بالإِضَافَةِ إلى مِنَى، وقد ذكرنا أنها منحرفة عن مَتْنِ الطَّرِيقِ، والجمرتان قبلها على متنه.
وقوله: (ثم يحلقون وينحرون) قدم ذكر الحلق؛ لكن المستحب أن يكون النَّحْرُ مقدماً على الحَلْقِ كما سَيَأْتِي -إن شاء الله تعالى-.
قال الغزالي: وَللْحَجِّ تَحَلُّلاَنِ يَحْصُلُ أَحَدُهُمَا بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالآخَرُ بِالرَّمْيِ، وَأَيُّهُمَا قَدَّمَ أَوْ أَخَّرَ فَلاَ بَأْسَ، وَيحِلُّ بَيْنَ التَّحَلُّلَينِ اللُّبْسُ وَالْقَلَمُ، وَلاَ يَحِلُّ الجِمَاعُ، وَفِي التَّطَيُّبِ وَالنِّكَاح وَاللَّمْسِ وَقَتْلِ الصَّيْدِ قَوْلاَنِ، وإن جَعَلْنَا الحَلْقِ نُسُكاً صَارَتِ الأَسْبَابُ ثَلاثةً فَلاَ يَحْصُلْ أَحَدُ التَّحَلُّلَيْنِ إِلاَّ بِاثْنَيْنِ أَيِّ اثْنَيْنِ كَانَا، وَيَدْخُلُ وَقْتُ التَّحَلُّلِ بِانْتِصَافِ (ح م) لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَوَقْتُ فَضِيلَتِهِ بِطُلُوعِ الفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَفِي كَوْنِ الحَلْقِ نُسُكًا قَوْلاَنِ، وَلاَ خِلاَفَ أنَّهُ مُسْتَحَبٌّ يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ، فَإِنْ جُعِلَ نُسُكاً جَازَ (م ح) البَدَاءَةُ بِهِ فِي أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ، وَفَسَدَتِ العُمْرَةُ بِالجِمَاعِ قَبْلَ الحَلْقِ؛ لِأَنَّ التَّحَلُّلَ لَمْ يَتِمَّ دُونَهُ، وَإذَا تَرَكهُ لَمْ يَنْجَبِرْ بِالدَّمِ لِأَنَّ تَدَارُكَهُ مُمْكِنٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى رَأْسِهِ شَعَرٌ فَيُسْتَحَبُّ (ح) إِمْرَارُ المُوسَى عَلَى الرَّأس، وَلاَ يَتِمُّ هَذَا النُّسُكُ بِأَقَلَّ مِنْ حَلْقِ ثَلاَثِ (م ح) شَعَرَاتٍ مِنَ الرَّأْس، وَيقُومُ التَّقْصِيرُ وَالنَّتْفُ وَالإحْرَاقُ مَقَامَ الحَلْقِ إِلاَّ إِذَا نَذَرَ الحَلْقَ، وَلاَ حَلْقَ عَلَى المَرْأَةِ، وُيسْتَحَبُّ لَهَا التَّقْصِيرُ.
قال الرافعي: لو ذهبت أراعي في الفَصْل ترتيب الكتاب، لم نظفر بالكَشْفِ الذي نَنْعَتُه، فاحتمل التقديم والتأخير، واعرف ثلاثة أَصول:
أحدها: أن قول الشَّافِعي -رضي الله عنه- اختلف في أن الحَلْقَ في وقته هل هو نُسُكٌ أمْ لاَ؟ فأحد القَوْلَيْنِ أنه لَيْسَ بِنُسُكٍ، وإنما هو استباحة مَحْظُورِ؟ لأن كل ما لو فعله قبل وقته لزمته الفدية، فإذا فعله في وقته كان استباحة كالطِّيب واللبس، وهذا لأنه يريد أن يتحلل فيتناول بعض ما حُظر عليه كما يتطيب.
الجزء: 3 - الصفحة: 424
وأصحهما: وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله- أنه نُسُكٌ مُثَابٌ عَلَيْهِ؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا رَمَيْتُمُ وَحَلَقْتُمْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءِ" 226.
علق الحِلّ بالحَلْقِ كما عَلَّقَهُ بِالرَّمْيِ، وأيضاً فإن الحَلْقِ أفضل من التقصير، لما سيأتي، والتفضيل إنما يقع في العِبَادَاتِ دون المُبَاحَاتِ، والقولان جاريان في العمرة، ووقته في العُمْرَة يدخل بِالْفَرَاغِ مِنَ السَّعْيِ، فعلى القَوْلِ الأصح هوَ مِنْ أَعمَالِ النُّسكَيْنِ، وليس هو بمثابة الرَّمْيِ والمبيت، بل هو مَعدُودٌ من الأركان، ولهذا لا يُجْبَرُ بِالدَّمِ، ولا تقام الفِدْيَةُ مَقَامُهُ حتى لو كانت برأسه علية لا يتأتى مَعَها التعرض للشَّعْرِ، فإنه يصبر إلى الإمكان ولا يفتدى، ويخالف ما إذا لم يكن على رأسه شَعْر، لا يُؤْمر بالْحَلْقِ بعد النّيَاتِ، لأن النسك حَلْقُ شَعرٍ يشتمل الإحرام عليه، فإذا لم يكن شَعْرٌ لَم يؤمر بهذا النُّسُكِ.
ولو جامع المعتمر بعد السَّعْيِ وقبل الحلق فَسَدَتْ عُمْرَتُه؛ لوقوع جِمَاعِهِ قَبْلَ التَّحَلل، والنّساء لا يُؤْمَرْنَ بِالْحَلْقِ؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَيْسَ عَلَي النِّسَاءِ حَلْقٌ وَإنَّمَا يُقَصِّرْنَ" 227.
والمستحب لهن في التقصير أن يأخذن من طَرَفِ شُعُورِهِنَّ بقدر أنملة من جميع الجَوَانِب، وللرجال أيضاً إقامة التقصير مقام الحلق؛ لما روى عن جابر -رضي الله عنه-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا" 228.
والأفضل لَهُم الحَلْقُ؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقِينَ، قِيلَ: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ، قِيلَ: وَالْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ: رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ؛ قِيلَ: وَالْمُقَصِّرِينَ؟ قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ" 229.
وكل وَاحِدٍ من الحَلْقِ والتَّقْصِيرِ يختص بِشِعْرِ الرَّأْسِ، ولا يحصل النُّسُكُ بحَلْقِ شَعْرٍ آخر، أو تقصيره، وإن اسْتَوى الكُلُّ في وجوب الفدية إذا أخذ قَبْلَ الوَقْتِ؛ لأن الأَمْرَ وردَ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ، وإذا حلق فالمستحب أن يبدأ بالشِّقِّ الأَيْمَنِ 230 ثم بالأَيْسَرِ،
الجزء: 3 - الصفحة: 425
وأن يكون مستقبلَ القِبْلَةِ، وأن يُكَبِّرَ بَعْدَ الفَرَاغ، وأن يَدْفِنَ شَعْرَهُ، والأفضل إن حَلَقَ جَمِيعَ رَأْسِهِ، وإن قَصَّرَ فأن يُقَصِّرَ الجَمِيعَ، أقل ما يُجْزِئُ حَلْقُ ثَلاَثِ شَعَرَاتٍ أو تَقْصِيرُهَا، وفيها تكمل الفدية، في الحَلْقِ المَحْظُور.
ولنا في تكميل الفِدْيَة في الشعرة الواحدة رَأَيٌ بَعِيدٌ، وهو عَائِدٌ فِي حُصُولِ النُّسُكِ بِحَلْقِهَا، ولو حَلَقَ ثَلاَثَ شَعَرَاتٍ في دفعات، أو أخذ من شَعْرَةٍ شَيْئاً، وعاد ثَانِياً، فأخذ مِنْهَا شَيْئاً، وعاد ثالثاً، وأخذ، فإن كملنا الفدية لو كان محظوراً قلنا بحصول النُّسُكِ بِهِ.
ولا فرق إذا قَصَّر بين أن يكون المأخوذ مِمَّا يحاذي الرأس أو من المُسْتَرْسِلِ، وفي وجه: لا يغني الأخذ من المُسْتَرْسِل اعتباراً بِالْمَسْحِ.
وقاله أبو حنيفة -رحمه الله-: أَقَلَّ مِنْ حَلْقِ رُبُعِ الرَّأْس.
وقال مالك: لاَ بُدَّ مِنْ حَلْقِ الأكْثَرِ، ولا يتعين لِلْحَلق والتقصير آلة، بل حكم النَّتْفِ والإحراق والإزَالة بالموسى والنورة والقَصّ وَاحدِ.
ومن لا شعر على رأسه يستحب له إمرار المُوسى على الرأس تَشَبُّهاً بالحالقين.
قال الشَّافعي -رضي الله عنه-: ولو أخذ من شَارِبِه أو شعر لحْيَتِهِ شيئاً كان أحب إليّ لئلا يخلو من أخذ الشعر وعند أبي حنيفة -رحمه الله- يجب إمرار الموسى على الرَّأسِ.
لنا: أن العبادة إذا تَعَلَّقَتْ بِجُزْءٍ من البَدَنِ سقطت بفواته كغسل الأعضاء في الوُضُوءِ.
وجميع ما ذكرنا فيما إذا لم يلتزم الحلق أما إذا التزمه فنذر الحلق في وقته تَعَيَّن، ولم يقم التقصير مقامه، ولا النَّتْف، ولا الإحراق، وفي استئصال الشعر بالمقص وإمرار الموسى من غير استئصال تردد للإمام، والظاهر المنع لفوات اسم الحلق.
ولو نذر استيعاب الرأس بالحلق ففيه تردد عن القَفَّال، ولها أخوات تذكر في النذور، ولو لبد رأسه في الإحْرَام فهل هو كالنذر؟ لأن ذلك لا يفعله إلا العَازِم على الحَلْق؟ فيه قولان: الجديد: لا، وهما كالقولين في أن التَّقْلِيد والإشْعَار هل ينزل منزلة قوله جَعَلْتُهَا ضَحِيَّة؟ -والله أعلم-.
والأصل الثاني: أن أعمال الحَجِّ يوم النحر إلى أن يعود إلى مِنّى أربعة على ما أسلفنا ذِكْرَهَا: رمي جمرة العقبة، والذبح، والحَلْق والتَّقصير، والطَّوَاف، وهذا الطواف يسمى طَوَافُ الرُّكْنِ، لأنه لا بد منه في حُصُولِ الحَجِّ، ويسمى طَوَافُ الإِفَاضَةِ للإتْيَانِ بِهِ عُقَيْبَ الإفَاضَةِ مِنْ منًى، وطواف الزِّيارة؛ لأنهم يأتون من مِنًى زائرين لِلْبَيْتِ، ويعودون فيَ الحَالِ، وربما سُمِّي طواف الصَّدْرِ أيضاً.
والأشهر: أن طواف الصدر هو طواف الوَدَاع، والترتيب في الأعمال الأربعة على النَّسَقِ المذكور مَسْنُونٌ، وليس بواجب.
الجزء: 3 - الصفحة: 426
أما: أنه مسنون فُلأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَذلِكَ فَعَلَهَا" 231.
وأما أنه ليس بواجب فلما روى عن عبدالله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال: "وَقَفَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي حَجَّةِ الْوَدَاع بِمِنًى لِلنَّاس يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: ارْمِ ولاَ حَرَجَ، وَأَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ: إِنِّي أَفَضْتُ إِلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، فَقَالَ: ارْمِ وَلاَ حَرَجَ، وَأتَاهُ آخَرُ وَقَالَ: إِنِّي ذَبَحْتُ قَبْلَ أن أَرْمِيَ، فَقَالَ: ارْمِ وَلاَ حَرَجَ، فَمَا سُئِل عَنْ شَيْءٍ قَدَّمَ أَو أخَّرَ ألاَّ قَالَ افْعَلْ وَلاَ حَرَج" 232.
فلو ترك المبيت بمزدلفة، وأفاض إلى مَكَّةَ وطاف قبل أن يَرْمِيَ وَيَحْلِقَ، أو ذبح قَبْلَ أن يرمي ويحلق، أو ذبح قبل إن يرمي، فلا بأس ولاَ فِدْية، ولو حلق قبل أن يرمي وقبل أن يطوف فإن جعلنا الحلق نُسكاً فلا بأس، وإن جعلناه استباحة محظورٍ فعليه الفدية؛ لوقوع الحَلْقِ قبل التحلل.
وروى القاضي ابْنُ كَجٍّ أن أبا إسْحَاقَ وَابْنَ القَطَّانِ -رحمهم الله- ألزماه الفدية وإن جعلنا الحَلْقَ نُسكاً، والحديث حُجَّةٌ عَلَيْهِمَا، ومؤيد القول الأَصَح وهو أن الحَلْقَ نُسُكٌ.
وعن مالك وأبي حنيفة وأحمد -رحمهم الله- أن الترتيب بينهما وَاجِبٌ، ولو تركه فَعَلَيْهِ دَمٌ على تفصيل يذكرونه.
واعلم أن ما قدمناه من قَطْعِ الحَاجِّ التلبية إذا أخذ في الرَّمْي مصور فيما إذا جرى على الترتيب المسنون، فإن بدأ بالطواف أو بالحلق إن جوزناه فيقطع التلبية حِينئذٍ، نظراً إلى أنه أخذ في أسْبَابِ التَّحَلُّلِ، وكذلك نقول: المعتمر يقطع التلبية إذا افتتح الطَّوَاف.
والأصل الثالث: أن المستحب أن يرمي بعد طُلوع الشَّمْسِ ثم يأتي بِبَاقِي الأَعْمَالِ، فيقع الطَّوَاف فِي ضَحْوَةِ النَّهَارِ، ويدخل وَقْتُهَا جَمِيعاً بانتصاف لَيْلَةِ النَّحْرِ، وبه قال أحمد.
وعن أبي حنيفة ومالك: أن شيئاً منها لا يجوز قبل طُلوعِ الفَجْرِ.
لنا: ما روي أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمر أم سلمة ليلة النحر فَرَمَتْ جمرة العَقَبَةِ قَبْلَ الفَجْرِ، ثم مضت، ثم أَفَاضَتْ، وكان ذلك يومها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 233.
ومتى يخرج وَقْتُهَا؟ أما الرمي: فيمتد وقته إلى غروب الشمس يوم النحر، وهل يمتد تلك الليلة؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا.
الجزء: 3 - الصفحة: 427
وأما الذَّبْحُ: فَالْهَدْيُ لا يختص بزمان، ولكن يختص بالحرم، بخلاف الضَّحَايَا، تختص بالعيدِ وأيام التشريق، ولا تختص بالحَرَمِ.
وأما الحلق والطواف فلا يتأقت آخرهما، لكن لا ينبغي أن يخرج من مَكَّةَ حتى يطوف، فَإِنْ طاف لِلْوِدَاعِ وخرج وَقَعَ عَنِ الزِّيَارَةِ، وإن خرج وَلَمْ يَطُفْ أصْلاً لم تحل له النِّسَاء، وإن طال الزمان، وقضية قولهم لا يتأقت الطَّواف من الطَّرَفِ الآخر أن لا يصير قضاءً، لكن في "التتمة": أنه إذا تأخر عن أيام التَّشْرِيقِ صَارَ قَضَاءً.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أخر وقت الطَّواف آخر اليوم الثاني من أيام التشريق.
إذا عرفت هذه الأصول فنقول: للحج تَحَلُّلاَنِ، وللعُمْرَةِ تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ.
قال الأئمة -رضي الله عنهم-: وذلك لأن الحَجَّ يطول زَمَانُه، وتكثر أَعْمَالُه بِخِلاَفِ العُمْرَةِ، فأبيح بعض محظوراته دفعة واحدة، وبعضها أخرى وهذا كالحيض والجنابة لما طال زَمَانُ الحَيْضِ جعل لارتفاع محظوراته محلان: انقطاع الدم، والاغتسال، والجنابة لما قَصُرَ زَمَانُهَا جُعِلَ لارتفاع محظوراتها محل واحد.
ثم الكلام في فصلين:
أحدهما: فيما يحصل به التحلل.
أما الحَجَّ: فأسباب تحلله غير خارجة عن الأعْمَال الأَرْبَعَةِ، والذَّبْحُ غَيْرُ معْدُودٍ مِنْهَا؛ لأنه لا يتوقف التحلل عليه.
بقي الرمي والحلق والطواف، فإن لم نجعل الحَلْقَ نسكاً، فللتحلل سببان: الرمي والطواف، فإذا أتى بأحدهما يَحْصُل التحلل الأول، وإذا أتى بالثَّاني حصل الثَّانِي، ولا بد من السَّعْي بعد الطواف إن لم يَسْعَ مِنْ قَبْلِ، لكنهم لم يفردوه وَعَدُّوهُ مَعَ الطَّوَافِ سبباً وَاحِداً، وإن جَعَلْنَا الحَلقَ نسكاً فالثلاثة أسباب التحلل، فإذا أتى باثنين منها إما الرمي والحَلْق، أو الرمي والطواف أو الحلق والطَّواف حصل التحلل الأول، وإذا أتى بالثَّالِثِ حَصَلَ الثَّانِي، قال الإمام وشيخه: وكأنا نبغي التنصيف، لكن ليس للثلاثة نصف صحيح، فنزلنا الأمر على اثنين كما صنعنا في تمليك العبد طلقتين ونظائره.
هذا ما أورده عامة الأصْحَاب، واتفقوا عليه، ووراءه وجوه مَهْجُورة:
أحدها: عن أبي سَعِيد الإصْطَخْرِيِّ: أن دخول وقت الرمي بمثابة نفس الرمي في إفادة التحلل.
الثاني: عن أَبِي قَاسِم الدَّارِكِيِّ: أنا إن جعلنا الحلقَ نسكاً حصل التَّحَلُّلاَنِ معاً بالحَلْقِ والطَّوَافِ، وبالرَّمْي والطَّوَافِ، ولا يحصل بالحَلْقِ والرَّمْي إلا أحدُهُمَا.
الجزء: 3 - الصفحة: 428
والفرق: أن الطواف ركنٌ فما انضم إليه يقوى به، بخلاف الرَّمْي والحَلْقِ، وهذا نزاع فيما سبق أن الحَلْقَ ركن على هذا القول.
والثالث عن أبي إسحاق عن بعض الأصحاب: أنا وإن جعلنا الحَلْق نسكاً فإن أحد التحللين يحصل بالرمي وَحْدَه وبالطواف وحده.
ومن فاته الرَّمْيُ ولزمه بدله فهل يتوقف التحلل على الإتْيَانِ ببَدَلِهِ؟ فيه أوجه:
أشبهها: نعم، تنزيلاً للبَدَلِ منزلة المُبْدَل.
والثالث: إن افتدى بالدّم توقف، وإن افتدى بالصَّوْمِ فلا، لطول زَمَانِهِ.
وأما العمرة: فتحللها بالطَّوَافِ والسَّعْي لا غير إن لم نجعل الحَلقَ نسكاً، وبهما مع الحَلْقِ إن جَعَلنَاهُ نُسُكاً، ولست أدرى لِمَ عَدُّوا السعي من أسباب التحلل في العُمْرَة دون الحَجِّ؟ ولم لم يعدوا أفعال الحَجِّ كلها أسباب التحلل كما فعلوا في العمرة؟ ولو اصطلحوا عليه لقالوا: التحلل الأول يحصل بها سِوَى الوَاحِدِ الأخير، والثاني بذلك الأخير.
ويمكن تفسير أسباب التحلل في العمرة بأركانها الفعلية، وأيضاً بالأفعال التي يتوقف عليها تحللها، ولا يمكن التفسير في الحَجِّ بواحد منهما.
أما الأول: فلإخراجهم الوقوف عنها.
وأما الثاني: فلإدخالهم الرمي فيها، مع أن التحلل لا يتوقف عليه ولا على بدله على رَأْي، وعلى كل حالٍ فإطلاق اسم السَّبب على كل واحدٍ من أسباب التحلل ليس على معنى استقلاله، بل هو كقولنا: اليمين والحِنْث سَببَاً الكفارة، والنصاب والحول سببا الزكاة.
والفصل الثاني فيما يحلل بالتحلل الأول ولا خلاف في أن الوطء لا يَحِل ما لم يوجد التحللان، لكن المستحب أن لا يطأ حتى يَرْمِيَ في أيام التَّشْرِيق، ويحل اللّبس والقَلْم وستر الرأس والحلق إذا لم نجعله نسكاً بالتحلل الأول، روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ الطِّيبُ وَاللِّبَاسُ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءَ" 234.
وفي عقد النكاح والمباشرة فيما دون الفَرجِ كالقُبْلَة والملامسة وقَتْلِ الصَّيْدِ قولان:
أحدهما: أنها تحل أما في غير الصيد فلأنهما مَحْظُوران لِلإحْرَام لا يفسدانه، فأشبها الحلق والقَلْم.
وأما في الصيد فلأنه لم يستثن في الخبر المذكور إلا النساء.
والثاني: لا يحل أما في غير الصيد فلتعلقها بالنساء، وقد روينا أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِلاَّ
الجزء: 3 - الصفحة: 429
النِّسَاءَ" 235.
وأما في الصَّيْدِ فلقوله -تعالى-: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ 236.
والإحْرَامُ بَاقٍ، ثم اتفقوا في مسألة الصَّيْدِ على أن قول الحل أصح، واختلفوا في النكاح والمباشرة، فذكر صاحب "التهذيب" وطائفة: أن الأصح فيها: الحل، وقال آخرون بَل الأصح: المنح، ومنهم المَسْعُودي، وصاحب "التهذيب" وهؤلاء أكثر عدداً، وقولهم أوفق لظاهر النص في "المختصر".
وفي التطيب طريقان:
أشهرهما: أنه على القولين، وهذا ما أورده في الكتاب.
والثاني: القطع بالحلِّ، وسواء أثبتنا الخلاف أو لم نثبته فالمذهب أنه يحل، بل يستحب أنه يتطيب لحله بين التحللين قالت عائشة -رضي الله عنها- "طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لإحْرَامِهِ قَبلَ أَنْ يُحْرِمَ، ولحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ" 237.
هذا شَرْحُ مَسَائِلِ الفَصْلِ على الاختصار.
وأما لفظ الكتاب فقوله: (يحصل أحدهما بطواف الزيارة، والآخر بالرمي) جواب على قولنا: أن الحلق ليس بنسك.
ثم فرع من بعد على القول الآخر حيث قال: (وإن جعلنا الحلق نسكاً صارت الأسباب ثلاثة) غير أنه أدخل بينهما القول فيما يحل بين التحللين، ولو لم يخلل بينهما شيئاً لكان أحسن.
ثم لا يخفى أن المراد من قوله: (بالرمي) رمي جمرة العقبة يوم العيد، ويحوز إعلامه بالواو؛ للوجه المنسوب إلى الإصْطَخْرِي.
وقوله: (فلا بأس) مَرْقُومٌ بالميم والحاء والألف.
وقوله: (إلا باثنين) للوجه المروي عن أبي إسحاق.
وقوله: (ويدخل وقت التحلل بانتصاف ليلة النحر) شبيه ما مر أن أسباب التحلل إنما يدخل وَقْتُهَا عند إنتصاف لَيْلَةِ النَّحْرِ، لكن اللفظ يفتقر إلى تأويل؛ لأن وقت التّحلل لا يدخل بمجرد إنتصافها، بل لا بد مع ذلك من زَمَانٍ يسع الإتيان بأسباب التحلل ليترتب عليها.
الجزء: 3 - الصفحة: 430
ثم قوله: (بانتصاف ليلة النحر) مُعَلَّم بالحَاءِ والميم؛ لما تقدم.
وقوله: (ولا خلاف في أنه مستحب، ويلزم بالنذر)، ليس صافياً عن الإشكال؛ لأن التوجيه الذي مَرَّ يقتضي كونه من المباحات على قولنا: إنه ليس بنسك، وقد ذكر غيره أنه إنما يلزم بالنذر على قولنا: إنه نسك.
وقوله: (فيستحب إمرار الموسى) مُعَلَّم بالحاء.
وقوله: (ولا يتم هذا النسك إلى آخره) بالواو، ولا نُعَلِّمه بالحاء والميم؛ لأنهما لا يخالفان في عدم الاكتفاء بأقل من ثلاث، بل لا يكتفيان بالثَّلاث أيضاً، -والله أعلم-.
قال الغزالي
: الفَصْلُ الثَّامِنُ في المَبِيْتِ
وَالمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ العِيدَ وبمنىً ثَلاَثَ لَيَالٍ بَعْدَهُ نُسُكٌ، وَفِي وُجُوبِهِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ وَاجِبٌ فَيُجْبَرُ بِالدَّمِ (ح)، وَفِي قَدْرِ الدَّمِ قَوْلاَنِ: أَحدهُمَا: دَمٌ وَاحِدٌ لِلْجمِيعِ.
وَالثَّاني: دَمٌ لِمُزْدَلِفَةَ وَدَمٌ لِلَيَالي مِنىً.
قال الرافعي: مبيتُ أرْبَع ليالٍ نُسُكٌ في الحَجِّ: ليلة النحر بمزدلفة، وليالي أَيَّام التَّشْرِيِق بِمِنىً، لكن مبيت الليلة الثالثة منها ليس نسكاً على الإطْلاَق، بل في حق من لم ينفر اَليوم الثاني من أيام التشريق، على ما سيأتي في الفَصْلِ التاسع، ولفظ الكتاب محمول عليه وإن كان مطلقاً.
وفي الحد المعتبر للمبيت قولان حكاهما الإِمَامُ عن نَقْلِ شَيْخِهِ وصَاحِبَ "التقريب".
أظهرهما: أن المعتبر كونه بموضع المبيت في مُعْظَمِ اللَّيْلِ.
والثاني: أن الاعتبار بِحَالِ طُلُوعِ الفَجرِ، قال الإمام: وطردهما على هذا النَّسَق في مُزْدَلِفَةُ مُحَال 238؛ لأنا جوزنا الخُروجَ مِنْهَا بَعْدَ انْتِصَافِ اللَّيْلِ، ولا ينتهون إليها إلاَّ بَعْدَ غيبوبة الشَّفَقِ غَالِباً، ومن انتهى إليها والحالة هذه وخرج بعد انتصاف الليل لم يكن بها حال طُلُوع الفَجْرِ، ولا فِي مُعْظَم اللَّيْلِ، فلا يتجه فيها إذًا الاعتبار حالة الانتصاف، ولك أن تقول: هذه الاستحالة واضحة إن قيل بوجوب المبيت، لكنه مستحبٌ على قول، وليس بواجب، فعلى ذلك القول لا يستحيل الندب إلى الكون بها في معظم الليل، أو حالة الطّلوع، وتجويز خلافه.
ثم هذا النُّسُك مجبورٌ بِالدَّمِ، وهل هُوَ وَاجِبٌ أو مستحب؟ أما في ليلة مزدلفة فقد مَرَّ.
وأما غيرها ففيه قولان:
الجزء: 3 - الصفحة: 431
أحدهما: وَاجِبٌ؛ لِما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ تَرَكَ نُسْكاً فَعَلَيْهِ دَمٌ" 239.
والثاني: مستحب؛ لأنه غير لاَزِمٌ على المعذور كما سيأتي، ولو وجب الدَّمُ لما سَقَطَ بِالْعُذْرِ كالحَلْقِ وَاللَّبْسِ.
وروى القَاضِي ابْنُ كَجٍّ: طريقة أخرى قَاطِعةً بالاسْتِحْبَاب، والمشهور طريقة القولين 240. ثم منهم من بناهما على قولين في أن المبيتَ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ أم لا؟
في قول: نوجبه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "قَدْ أَتَى بِهِ وَقَدْ قَالَ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" 241.
وفي قول: لا، كالمبيت ليلة عَرَفَةَ، وأشار الإمام إلى أن القولين في وجوب المبيت مُتَولِّدَانِ من القولين في وجوب الدَّمِ.
وما الأظهر منهما؟ اتفقوا على تشبيههما بالقولين في أن الدَّم على المفيض من عَرَفَةَ قبل الغُروب وَاجِبٌ أو مستحب، وقد أريناك ترجيح قول الاستحباب ثم، فيشبه أن يكونَ هَاهُنَا مثلهَ.
وقد صَرَّحَ بِذَلِكَ القَاضِي ابْنُ كِجٍّ وغيره، وكلام كَثِيرين: يميل إلى تَرْجِيح الإِيْجَابِ، -والله أعلم-.
وقوله في الكتاب: (وفي وجوبه قولان) فإن قلنا: إنه واجب فيجبر بالدَّمِ، أراد فيجبر بالدَّمِ وجوباً، وإلا فأصْلُ الجَبْرِ لا يتفرع على قولنا بوجوب المَبِيت خَاصة.
ثم هو بناء لِلْخُلاَفِ في وُجوب الدَّم على الخِلاَفِ في وجوب المبيت على ما نقلناه عن جَمَاعَةٍ مِنَ الأَصْحَاب، بقَي الكَلام في أن الدَّمَ متى يكمل وهل يزيد على الواحد أم لا؟ إن ترك مبيت ليلة النحر وحدها أراق دماً، وإن ترك مبيت اللَّيَالِي الثلاث فكذلك على المَشْهُور؛ لأن مبيتهما جِنْسٌ واحد متوزع عليهما توزع الرمي على الجَمَرَاتِ الثلاث.
وعن صاحب "التقريب" رواية قول: إن في كل ليلة دماً كما أن في رمي كل يوم دماً، وإن ترك ليلة منها فبم يجبر؟ فيه ثلاثة أقوال:
أظهرها: بمد.
والثاني: بدرهم.
والثالث: بثلث دَمٍ، وهي كالأقوال في حَلْقِ شعرة واحدة، وسنذكرها بتوجيهها.
وإن ترك ليلتين فعلى هذا القياس وإن ترك مبيت الليالي الأربع فَقَوْلاَن:
الجزء: 3 - الصفحة: 432
أحدهما: أن الجبر بدَمٍ واحد؛ لأن المبيت جنس واحد.
وأظهر هما: بدَمَيْنِ.
أحدهما: لليلة مزدلفة.
والآخر: لليالي مِنَى؛ لاختلافهما في الموضع وتفاوتهما في الأحْكَام.
قال الإمام: وهذا في حَقِّ من يقيد الليلة الثالثة بإن كان بمنىً وَقْتَ الغُروب؛ فإن لم يكن بها حِينَئذٍ، ولم يبت، وأفردنا ليلة مزدلفة بدم فوجهان؛ لأنه لم يترك مبيت النسك إلا ليلتين:
أحدهما: عليه مُدَّانِ أو دِرْهَمَانِ أو ثلثَا دَمٍ.
والثاني: عليه دَمٌ كَامِلٌ؛ لتركه جنس المبيت بمنى، قال: وهذا أفقه، ولا بد من عوده فيما إذا ترك ليلتين من الثلاث دون ليلة مزدلفة إذا لم تقيد الثَّالِثَة.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- لا يَجِبْ الدّم بترك المبيت بمنى، وهو رواية عن أحمد -رحمه الله-.
واعلم أن جميع ما ذكرناه في حلق غير المعذور.
أما إذا ترك المبيت لعُذْرِ فهو مذكور في آخر الفَصْلِ.
قال الغزالي: وَالرّمْي وَمُجَاوَزَةُ المِيقَاتِ مَجْبُورَانِ بالدّمِ قَوْلاً وَاحِداً وَالطَّوافُ وَالسَّعْي وَالوُقُوفُ وَالحَلْقُ لاَ تُجْبَرُ بالدَّمِ قَوْلاً وَاحِداً فَإِنَّهَا أَرْكَانٌ، وَالمَبِيتُ وَطَوَافُ الوَدَاعِ وَالجَمْعُ بَينَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارِ بِعَرَفَةَ فِيهَا قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: لما ذكر الخلاف في أن المبيت إذا ترك هل يجب جَبْرُهِ بالدَّم؟ وقدم نظيره في الجَمْعِ بين اللَّيْلِ والنَّهَارِ بِعَرَفَةَ، أراد أن يجمع قولاً فيما يجبر من الَمَنَاسِكِ بالدَّمِ وما لا يجبر وِفَاقاً، وما هو على الِخلاَف، ويتضح ذلك بتقسيم أعْمَالِ الحَجِّ وهي ثلاثة أقسام: أركان، وأبعاض، وهيآت، وسبيل الحَصْرِ أن كُلَّ عَمَلِ يعرض فإما أن يتوقف التَّحَلّل عليه فَهُوَ رُكْنٌ، أو لا يتوقف، فإما أن يجبر بالدَّمِ فهو بَعْضٌ، أو لا يجبر فهو هَيْئَة.
والأركان خمسة: الإحرام، والوقوف، والطواف والسعي، والحلق أو التقصير تفريعاً على قَوْلِنَا: إنه نُسُكٌ فَإنْ لم نَقُلْ بِهِ عادت إلى أربعة، وَمَا سِوَى الوقوفِ أركان في العُمْرَة أيضاً، ولا مَدْخَلَ للجُبْرَانِ فِيهَا بِحَالٍ.
واعلم أن الترتيب معتبر في أركان الحج؛ لأن ما عَدا الإحْرَام لاَ بُدَّ وأن يكون مؤخراً عنه، وأن الحَلْقَ والطوافَ لا بُدَّ وأن يكونَا مؤخرين عن الَوُقُوفِ، والسَّعْيُ لا بد وأن يكون مؤخراً عن طَوَافٍ، وإذا كان كذلك جاز أن نَعُدَّه مِنْ الأرْكَان، كما عدوا
الجزء: 3 - الصفحة: 433
التَّرْتِيبَ مِنْ أَرْكَانِ الوضوء والصَّلاَةِ.
ولا يقدح في ذلك عدم الترتيب بين الحَلْقِ والطَّوَافِ، كما لا يقدح عدم اعتبار الترتيب بين القيام والقراءة في الصَّلاَةِ.
وأما الأبْعَاضُ فمجاوزة المِيقَاتِ والرَّمْيُ مَجْبورَانِ بالدَّم وِفَاقاً.
أما الأول فقد مَرَّ وأما الثاني فسيأتي، واختلف القول في خبر الجَمْعِ بين اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بعرفة، وفي المبيت، وقد ذَكَرْنَاهُمَا في طَوَافِ الوَدَاعِ، وسنذكره، فما جبر فهو من الأبعاض، وما لا فمن الهيآت، وفي طواف القدوم أيضاً وجه بعيد، سنذكره إن شاء الله تعالى.
قال الغزالي: وَلاَ دم عَلَى مَن تَرَكَ المَبِيتَ بِعُذْرٍ كَرُعَاةِ الإِبْلِ وَأَهْلِ سِقَايَةِ العَبَّاسِ وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَةَ إلاَّ لَيلَةَ النَّحْرِ، وَفِي إلْحَاقِ غيْرِ هَذِهِ الأَعْذَارِ بِهَا وجْهان.
قال الرافعي: التاركون للمبيت بِمِنى أو مزدلفة بالعُذْرِ لاَ دَمَ عَلَيْهِمْ، وهم أصناف: فمنهم رُعَاةُ الإِبلِ ومنهم أهل سِقَايَةِ العَبَّاسِ، فلهؤلاء إذا رَمُوا جَمْرة العَقَبَةَ يَوْمَ النَّحْرِ أن يَنْفرُوا وَيَدَعُوا المَبيتَ بِمِنىً لَيَالِي التَّشْرِيق؛ لما روى عن ابْنِ عُمَر أن العَبَّاسِ رَضِي الله عنه "اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أنْ يَبِيتَ بمَكَّةَ لَيَالِي مِنىً مِنْ أَجْلِ السِّقَايَةِ، فَأَذِنَ لَهُ" 242.
وعن عاصم بن عدي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ أن يَتْرُكُوا الْمَبِيتَ بِمِنىً، وَيَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، ثُمَّ يَرْمُوا يَوْمَ النَّفْرِ الْأوَّلِ" 243.
وللصنفين جميعاً أن يَدَعُوا رمي يوم ويقضوه في اليَوْمِ الَّذِي يليه قَبْلَ رمي ذلك اليوم، وليس لهم أن يَدَعُوا رَمْيَ يومين عَلَى التَّوَالِي، فَإِنْ تركوا رَمْيَ اليَوْمِ الثَّانِى، بأن نفروا اليَوْمَ الأول بَعْدَ الرَّمْي، عادوا في اليَوْم الثَّالِثِ، وإن تَرَكُوا رَمْيَ اليَوْمِ الأول، بأن نفرُوا يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الرَّمْي، عَادُوا في اليَوُمَ الثَّاني، ثم لهم أن يَنْفُروا مَعَ النَّاسِ، وعن أبي الحُسَيْنِ وجه آخر: أنه لَيْسَ لَهُم ذَلِكَ.
وَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ والرُّعَاةُ بِمِنىً فعليهم أن يبيتوا تلك الليلة ويرموا من الغَدِ، ولأهل السِّقَايَةِ أن ينفروا بَعْدَ غُروبِ الشَّمْسِ.
والفرق أن الإِبل لا ترعى باللَّيْلِ والماءُ يجمع وتتعهد السِّقَايَةُ باللَّيْلِ.
وَأَغْرَبَ أبو عبد الله الحَنَّاطِيُّ فحكى وَجْهاً: أن أهل السِّقَايَةِ أيضاً لا ينفرون بَعْدَ الغُرُوبِ، ثم رخصة أهل السِّقَايَة لا تختص بالعَبَّاسَّيِةِ؛ لأن المعنى يَعُمُّهُم وغيرَهم.
الجزء: 3 - الصفحة: 434
وعن مالك وأبي حنيفة: أنها تختص بأوْلاَدِ العَبَّاسِ -رضي الله عنهم-، وهو وجه لأصحابنا، ومنهم من ينقل الاختصاص ببني هَاشِمٍ.
ولو استحدثت صقاية للحاج فللمقيم بشأنها ترك المبيت أيضاً، قاله في "التهذيب"، وذكر القَاضِي ابْنُ كِجٍّ وغيره أنه ليس له ذَلِكَ، ومن المعذورين الذين ينتهون إلى عَرَفَةَ لَيْلَة النَّحْرِ ويشغلهم الوُقوفُ عَنِ المبيت بِمُزْدَلِفَةَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِمْ، وإنَّمَا يُؤْمَرُ بَالمَبِيتِ المُتَفَرِّغُونَ لَهُ.
ولو أفاض الحَاجُّ مِنْ عَرَفَةَ إلى مكَّة، وطاف للإفَاضَةِ بعد نصف اللَّيْلِ، ففاته المبيت لِذَلك فَعَنِ القَفَّالِ: أنه لا يلزمه شيء تنزيلا لاشْتِغَالِهِ بالطَّوَافِ منزله اشْتِغَالِهِ بالوُقُوفِ.
قال إمام الحَرَمَيْنِ: وفيه احتمال؛ لأن من ينتهي إلى عَرَفَة لَيلاً مضطر إلى ترك المبيت، بخلاف المُفِيض إلى مكَّة.
ومن المَعْذُورينَ من له مَالٌ يخاف ضَيَاعه لو اشتغل بالمَبِيت، أو مريضٌ يحتاج إلى تَعَهّدِهِ، أو كان يَطْلُبُ عبدًا آبقاً، أو يشتغل بأمر آخر يخاف فوته، ففي هؤلاء وجهان:
أصحهما: ويحكى عن نصه: أنه لا شَيْءَ عليهم بترك المبيت كالرّعَاةِ، وأهل السِّقَايَةِ، وعلى هذا فلهم أن يَنْفرُوا بعد الغُرُوبِ.
والثاني: أنهم لا يلحقون بالرُّعَاةِ وأهل السِّقَايَةِ؛ لأن شُغْلَهُم يَنْفَعُ الحَجِيجَ عَامَّة، وأعذار هؤلاء تَخْصُّهُمْ، والله أعلم.
قال الغزالي
: الفَصْلُ التَّاسِعُ في الرَّمْي
وَهُوَ مِنَ الأَبْعَاضِ المَجْبُورَةِ بالدَّمِ وَهُوَ رَمْيُ سَبْعِينَ حَصَاة، سَبْعَةَ يَوْمَ النَّحْرِ إلَى جَمْرَةِ العَقَبَةِ، وَإحْدَى وَعِشْرِينَ حَصَاةً في كُلِّ يَوْم مِنْ أَيَّام التَّشْرِيقِ إلَى ثَلاَثِ جَمَرَاتٍ، وَمَن نَفَرَ في النَّفْرِ الأَوَّلِ سَقَطَ عَنْهُ رَمْيُ اليَوْمِ الأَخِيرِ وَمَبِيتُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَإِنْ غَرُبَتِ الشمس عَلَيهِ بمنىً لَزَمَهُ المَبِيتُ وَالرَّمْيُ، وَوَقْتُ الرَّمْي في أَيَّامِ التَّشْريقِ بَيْنَ الزَّوَالِ وَالغُرُوبِ، وَهَلْ يَتَمَادَىَ إلَى الفَجْرِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: إذا فَرَغَ الحَجِيجُ من طواف الإِفَاضَةِ عادوا إلى مِنىً، وَصَلُّوا بها الظُّهْرَ، وَيَخْطُبُ الإمامُ بِهِم بَعْدَ الظهرِ، ويعلمهم فيها سُنَّة الرَّمْي، والنحر، والإفاضة، ليتدارك من أخلَّ بشيء منها، ويعلِّمهم رمي أيام التَّشْرِيق، وحكم المبيت، والرّخصة للمعذورين.
ونقل الحَنَّاطِي وَجْهاً: أن مَوْضِعَ هذه الخُطْبَة مكة، ويستحب أن يَخْطُبَ بهم اليَوْمِ الثَّانِي من أيام التَّشْرِيقِ، ويعلّمهم جواز النَّفْرِ فيه، ويودعهم ويأمرهم بختم الحَجِّ بطاعة الله تعالى.
وعند أبي حنيفة: لا تُسَنُّ هذه الخطبة، ولا خطبة يَوْمَ النَّحْرِ، ولكن يخطب بهم في اليَوْمِ الأول من أَيَّامِ التَّشْرِيق.
الجزء: 3 - الصفحة: 435
ثُمَّ في الفصل مسائل:
إحداها: أن الرَّمْيَ معدودٌ من الأَبْعَاضِ، مجبورٌ بالدَّمِ وِفَاقاً.
والثانية: جملة ما يرمى في الحَجِّ سبعون حَصَاةَ، ترمى إلى جَمْرَةِ العقبة يوم النَّحْرِ سبع حَصَيَات، وإحدى وعشرون في كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ إلى الجَمَرَاتِ الثلاث إلى كل وَاحِدَةٍ سبع تَوَاتر النَّقْلُ بِهِ قولاً وَفِعْلاً.
والثالثة: الحجيج يبيتون بمنى الليلتين الأولتين من لَيَالِي التَّشْرِيق، فإذا رموا اليَوْمَ الثَّانِي فمن أَرَادَ مِنْهُمْ أن يَنْفرَ قَبْلَ غُروب الشَّمْسِ فَلَه ذَلِكَ، ويسقط عَنْه مبيت اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، والرَّمْيُ مِنَ الغَدِ، ولاَ دَمَ عَلَيْهِ والَأصل فيه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ 244.
ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه أن يبيت الليلة الثَّالثة، ويرمى يومها، وبه قال مَالِكٌ وأحمد.
وعند أبي حنيفة: -رحمه الله- يسوغ النفر مَا لَمْ يطلع الفَجْرُ.
لنا: ما روى عَنْ عُمَرَ -رضي الله عنه- أنه قال: "مَن أَدْرَكَهُ الْمَسَاء فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَلْيَقُمْ إِلَى الْغَدِ حَتَّى يَنْفِرَ مَعَ النَّاسِ" 245.
وإذا ارتحل فغربت الشَّمس قبل أن ينفصل عن مِنىً كان له أن يَنْفر كَيْلاَ يحتاجَ إِلَى الحَطِّ بَعْدَ التِّرْحَالِ.
ولو غربت الشمس وهو في شغل الارتحال، فهل له أن ينفر؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا.
ولو نفر قبل الغروب، وعاد لشغل إما بعد الغُروب أو قبله، هل له أن ينفر؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم، ومن نفر وكان قد تزود الحصيات للأيام الثَّلاثة طرح ما بقي عنده، أو دفعهن إلى غَيْرِه، قال الأئمة: ولم يؤثر شيء فيما يعتاده النَّاس من دَفْنِهَا.
واعلم أن اليَوْمَ الثَّانِي من أَيَّامِ التَّشْريقِ يسمى يوم النَّفْرِ الأول، والثالث منها النَّفر الثاني للسبب الذي قد عرفته.
الجزء: 3 - الصفحة: 436
وأما الأول فيسمى يَوْمُ القَرِّ، لأن الناس فيه قارونِ بمنىً.
وقوله في الكتاب: (لزمه المبيت والرمي) معلم بالحاء، وقد أكثر إطلاق لفظ اللزوم ونحوه في المَبِيت على ما ذكرناه في وجوبه من الخِلاَف.
والرابعة: وقت رَمْي يَوْم النَّحْرِ قد أسلفنا ذكره، ورمي أيام التشريق يَدْخُل وقته بالزَّوَالِ، ويبقى إلى غُروبِ الشَّمْسِ.
وروى عن جابر -رضي الله عنه- أَنَّ النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- "رَمَي الجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحىً، ثُمَّ لَمْ، يَرْمِ فِي سَائِرِ الأيَّامِ حَتَّى زَالَتْ الشَّمْسُ" 246.
وبهذا قال مالك وأحمد -رحمهما الله-.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- يجوز الرَّمْيُ في اليَوْمِ الثَّالِثِ قبل الزَّوَالِ.
وهل يمتد وقتها إلى طُلوعِ الفَجْرِ؟ أما في اليَوْم الثَّالِثِ فلا لانقضاء أيَّامِ المَنَاسِكِ، وأما في اليومين الأولين فوجهان كما في رَمْي يَوْمِ النَّحْرِ.
أصحهما: أنه لا يمتد، ووجه الثَّانِي التشبيه بالوقوف بِعَرَفَةَ، وفي المسألة بقايا سَنُورِدُهَا إن شاء الله تعالى.
قال الغزالي: وَلاَ يُجْزِئُ إِلاَّ رَمْيُ الحَجَرِ، فَأَمَّا رَمي الزِّرْنيخ وَالإِثْمِدِ وَالجَوَاهِرِ المُنْطَبِعَة فَلاَ، وَفِي الفَيْرُوزَجِ وَاليَاقُوتِ خِلاَفٌ.
قال الرافعي: غرض الفَصْل بيان ما يرمي، ولا بد أن يكونَ حجراً، وبه قال مالك وأحمد؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "رَمَى بِالأَحْجَارِ، وَقَالَ بِمِثْلِ هذَا فَارْمُوا" 247.
وأيضاً روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "عَلَيْكُمْ بِحَصَا الْخَذَفِ" 248.
فيجزئ المرمر والبرام والكذّان وسائر أنواع الحجر، ومنها حجر النُّورة قبل أن يطبخ ويصير نورة، وعن الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ تردد في حَجَرِ الحَدِيدِ، والظاهر إجزاؤه فإنه حَجَرٌ في الحال إلا أن فيه حديداً كَامِناً يستخرج بالعِلاجَ، وفيما يتخذ من الفصوص كالفيروزج والياقوت والعقيق والزمرد والبلور والزبرجد وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 437
أصحهما: الإجزاء؛ لأنها أحْجَارٌ.
والثاني: المنع؛ لأن السَّابِق إلى الفَهْمِ من لفظ الحَصَا غيرها، ولا يجزئ اللؤلؤ وما ليس بِحَجَرٍ من طبقات الأرض كالزَّرنيخ والنورة والإثمد والمدر والجص والجواهر المنطبعة كالنَّيرين وغيرهما.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله- يجزئ الرمي بما لا ينطبع من طبقات الأرض كالزرنيخ والنورة ونحوهما.
والسّنة أن يرمي بمثل حَصَا الخَذْفِ، وهو دون الأنملة طولاً.
وعرضاً في قدر البَاقلاء، ويضعه على بَطْنِ الإبهام ويرميه برأس السبابة، ولو رمي بأصغر من ذلك أو أكبر كُرِهَ وأجزأه، ويستحب أن يكون طاهراً 249.
قال الغزالي: وَيُتْبَعُ اسْمُ الرَّمْي فلاَ يَكْفِي الوَضْعُ، وَلَو انْصَدَمَ بِمَحَلٍّ في الطَّرِيق فلاَ بَأْس، وَلَوْ وَقَعَ في المَحْمَلِ فَنَفَضَهُ صَاحِبُهُ فلاَ يُجْزِئُ، وَلَوْ رَميَ حَجَرَيْنِ مَعاً فَرَمْيَهُ وَاحِدَةٌ وَإِنْ تَلاَحَقَا في الوُقُوعِ، وَلَوْ أَتْبعَ الحَجَرَ الحَجَرَ فَرَمْيَتَانِ وإنْ تَسَاوَيَا (و) في الوُقُوعِ، وَالعَاجِزُ يَسْتَنِيبُ في الرَّمْي إِذَا كانَ لاَ يَزُولُ عَجْزْهُ وَقْتَ الرَّمْي، فَلَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ لَمْ يَنْعَزِل نَائِبُهُ؛ لأَنَّهُ زِيَادَةٌ في العَجْزِ.
قال الرافعي: في الفَصْلِ مَسَائِلُ:
إحداها: الذي ورد في الفَصْلِ من قول النبي -صلى الله عليه وسلم- وفعله إنما هو الرَّمْيُ فيتبع هذا الاسم حتى لو وضع الحَجَرُ في المَرْمَى لم يعتد به، وفي شَرْحِ القاضي ابْنِ كِجٍّ: ونهاية الإمام: حكاية وجه أنه يعتد به اكتفاءً بالحصول في المرمى، ولا بد مَعَ الرَّمْىِ مِنَ القَصْدِ إلى المَرْمَى حتى لو رمى في الهَوَاء ووقع في المرمى لَمْ يعتد بِهِ، ولا يشترط بقاء الحَجَرِ في المَرْمَى فلا يضر تدحرجه وخروجه بعد الوقوع، لكن ينبغي أن يحصل فيه، فإن تردد في حصوله فيه فقد نقلوا فيه قولين:
الجديد: عدم الإجزاء، ولا يشترط كون الرامي خارج الجَمْرَة بل لو وقف في طرف منها ورمي إلى طَرَفٍ جَازَ.
ولو انصدمت الحصاة المرمية بالأرض خارج الجمرة أو بمحملٍ في الطريق أو عنق بعير أو ثوب إنسان ثم ارتدت ووقعت في المَرْمَى اعتد بها لحصولها في المرمى
الجزء: 3 - الصفحة: 438
بفعله من غير معاونة أحد، ويفارق ما لو انصدم السَّهمُ بالأرض ثم أصاب الغَرَض لا يحسب به في المُسَابَقَةِ على أحد القولين؛ لأن المَقْصُودَ هاهنا إصابة المَرْمَى بفعله، وليس المقصود مجرد إصابة الغرض بل على وجه يعرف منه حذق الرامي وجودة رميه، ولو حرك صاحب المحمِل المحمَل فنفضها أو صاحب الثوَّبَ الثَّوْبَ أو تحرك البعير فدفعها ووقعت في المرمى لم يعتد بها؛ لإنها ما حصلت في المرمى بِفِعْلِهِ.
وعن أحمد: أنه يعتد بها، ولو وقعت الحَصَاة على المحمل أو عُنُقِ البَعِيرِ ثم تدحرجت إلى المَرْمَى ففي الاعتداد بها وجهان، ولعل الأشبه المنع؛ لجواز تأثرها بتحرك البعير أو صاحب المَحْمَل، ولو وقعت في غير المَرْمَى ثم تدحرجت إلى المَرْمَى وردتها الرِّيح إليه فوجهان.
قال في "التهذيب": الأصح: الإجزاء؛ لأنها حصلت فيه لا بفعل الغَيْرِ، ولا يجزئ الرمي عن القوس والدفع بالرِّجْلِ قاله في "العدة".
الثانية: يشترط أن يرمي الحصيات في صَبْعِ دفعات؛ لأن النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- "كَذَلِكَ رَمَاهَا، وَقَالَ: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" 250، ولو رمى حصاتين معاً نظر إن وقعتَا معاً فالمحسوب رميةٌ واحدةٌ، وكذا لو رمى سبعاً دفعة واحدةً ووقعت دفعة واحدة أو مرتباً في الوقوع فرمية لاتحاد الرمي، أو رميتين لتعدد الوقوع؟ فيه وجهان:
أصحهما: أولهما، وهو المذكور في الكتاب، ويروى الثاني عن أبي حنيفة -رحمه الله- ولو أتبع الحجَرَ الحَجَرَ ووقعت الأولى قبل الثانية فهما رميتان، وإن تساويتا في الوقوع ففيه الوجهان.
والأصح: وهو المذكور في الكتاب: أنهما رميتان، وأجروا الوجهين فيما لَوْ وقعت الثَّانِيةَ قَبْلَ الأولَى.
ولو رمى حَجَراً قَد رَمَى مَرَّة نظر إن رماه غيره أو رماه هو إلى جمرة أخرى أو إلى تلك الجمرة في يوم آخر جَاز، ويمكن أن يتأدى جميع الرَّميات بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وإن رماه هو إلى تلك الجمرة في ذلك اليوم فوجهان.
قال في "التهذيب":
أظهرهما: الجواز كما لو دفع إلى مِسْكِينٍ مُدّاً في كفارة ثم اشتراه ودفعه إلى آخر، وعلى هذا قد يتأدى جميع الرَّميات بِحَصَاةٍ وَاحِدَةٍ.
الثالثة: العَاجِز عن الرمي بنفسه لمرض أو حبس ينيب غيره ليرمي عنه؛ لأن الإِنَابة جائزة في أصْلِ الحَجِّ فكذلك في أبعاضه، ويستحب أن يناول النَّائِب الحَصَى إن
الجزء: 3 - الصفحة: 439
قدر عليه ويكبر هو، وكما أن الإنابة في أَصْلِ الحَجِّ إنما تجوز عند العلّة التي لا يرجى زَوَالُهَا فكذلك الإِنَابَة في الرَّمْي لكن النظر هَاهُنَا إلى دَوَامِهَا إلى آخر وَقْتِ الرمي، ولا ينفع الزوال بعده، وكما أن النَّائِبَ في أصْلِ الحَجِّ لا يَحُجُّ عَنِ المُنِيبِ إلا بعد حَجَّهِ عَنْه نَفْسِهِ، فالنَّائب في الرَّمي لا يرمي عن المُنِيب إلا بَعْدَ أن يرمي عَنْ نَفْسِهِ، ولو فعل وقع عن نفسه، ولو أغمي عليه ولم يأذن لغيره في الرَّمْي عنه لم يجز الرَّمي عنه، وإن أذن فللمأذون الرَّمي عنه في أَصَحِّ الوجهين، ولا يبطل هَذَا الإِذْن بالإغماء؛ لأنه وَاجِبٌ كما لا تبطل الاستنابة في الحَجِّ بالموت بِخِلاَفِ سَائِرِ الوَكَالاَتِ.
وإذا رَمَى النَّائِبُ ثُمَّ زَالَ عُذر المُنِيبُ والوقتُ بَاقٍ هَلْ عليه إعادة الرمي؟ قال الأكثرون لاَ، وقد سقط الرمي عنه برمي النائب، وفي "التهذيب" أنه على القولين فيما إذا أَحَجَّ المريض عنه نَفْسِهِ ثم برأ.
وقوله في الكتاب: (لم ينعزل نائبه) معلم بالواو، وقوله: (لأنه زيادة في العجز) معناه أن الدَّاعِيَ إلى هذه الإِنَابَةِ عَجْزُ الحَاجِّ عَنِ القِيَامِ بِهَذَا النُّسُك، فإذا طَرَأَ الإغْمَاءِ عَلَى المَرَضِ، ازداد العَجْز وتأكد الدَّاعي، فكيف نقول بانقطاع النيابة؟! -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلَوْ تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ فَفِي تَدَارُكِهَا بَقِيَّةِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَتَدَارَكُ فَفِي كَوْنِهِ أَدَاءً قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: أَدَاءً تَأَقَّتْ بِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ وَكَانَ التَّوْزِيعُ عَلَى الأَيَّامِ مُسْتَحَبّاً، وَلاَ بُدَّ فِي التَّدَارُكِ مِنْ رِعَايَةِ التَّرْتِيبِ فِي المَكَانِ، فَلَوْ ابْتَدَأَ بِالْجَمْرَةِ الأَخِيرَةِ لَمْ يُجْزِهِ بَلْ يَبْدَأُ بِالْجَمْرَةِ الأولَى وَيَخْتِمُ بِجَمْرَةِ العَقبةِ، وَفِي وُجُوب تَقْدِيم القَضَاءِ عَلَى الأَدَاءِ قَوْلاَنِ، وَمَهْمَا تَرَكَ الجَمِيعَ يَكْفِيهِ دَمٌ وَاحِدٌ فِي قَوْلٍ، وَيلْزَمُهُ أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ فِي قوْلٍ لِوَظِيفَةِ كُلِّ يَوْمٍ دَمٌ، وَفِي قَوْلِ دَمَانِ: دَمٌ لِجَمْرَةِ العَقَبَةِ وَدَمٌ لِأَيَّامِ مِنًى، وَفِي أَقَلِّ مَا يُكْمَلُ بِهِ الدَّمُ ثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: وَظِيفَةُ يَوْمٍ، وَالثَّانِي: وَظِيفَةُ جَمْرَةٍ، وَالْثَّالِثُ ثَلاَثُ حَصَيَاتٍ.
قال الرافعي: هذه البقية تنظم مسائل:
إحداها: إذا ترك رَمْيُ يَوْمِ القَرّ عمداً أو سهواً هل يتداركه في اليوم الثاني أو الثَّالث؟ أو ترك رمي اليومِ الثَّانِيَ أو رَمْي اليومين الأولين هل يتداركه في الثالث؟ فيه قولان: أصحهما: نعم قاله في "المختصر" وغيره وبه قال أَبُو حَنِيفة كالرعاة وأهل السقاية.
والثاني: لا كما لا يتدارك بَعْدَ أيام التَّشْرِيق.
التفريع إن قلنا: بأنه لا يتدارك في بقية الأيام فهل يتدارك رمي اليَوْم في اللَّيْلَةِ التي تَقَعْ بَعْدَه من لَيَالِي التَّشْرِيق؟ فيه وجهان، وهما مفرعان على الصَّحيحَ في أن وقته لا
الجزء: 3 - الصفحة: 440
يمتد الليلة على ما سبق.
إن قلنا: بالتدارك فتدارك هو قضاء أو أداء؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه قضاء؛ لمجاوزته الوَقْتَ المَضْرُوب له.
وأظهرهما: أنه أداء، ولولاه لما كان للتدارك فيه مدخل كما لا يتدارك الوقوف بعد فواته.
التفريع إن قلنا: أداء فجملة أيام مِنَى في حكم الوَقْتِ الوَاحِدِ، وكل يوم للقدر المأمور به فيه وقت اختيار كأوقات الاختيار للصَّلَوَاتِ، ويجوز تقديم رمي يوم التَّدارك على الزَّوَالِ.
ونقل الإمام -رحمه الله- أن على هذا القولِ لا يمتنع تقديم رَمْي يَوْمٍ إِلَى يَوْمٍ لكن يجوز أن يقال: أن وقته يتسع من جهة الآخر دون الأول، فلا يجوز التَّقْدِيم 251.
وإن قلنا: إنه قضاء فتوزيع الأقدار المعينة على الأيام مستحق، ولا سبيل إلى تقديم رَمْيِ يَوْمٍ إلى يَوْمٍ ولا إلى تَقْدِيمِهِ على الزَّوَالِ، وهل يجوز بالليل؟ فيه وجهان:
أصحهما: نعم؛ لأن القضاءَ لا يَتَأَقَّتُ.
والثاني: لا؛ لأن الرمي عبادة النَّهَارِ كالصوم، وهل يجب الترتيب بين الرَّمْيِ المتروك ورمىِ يوم التدارك؟ فيه قولان: ويقال وجهان:
أصحهما: نعم، كما يجب الترتيب في المكان على ما سيأتي.
والثاني: لا، لأن الترتيب لِحَقِّ الوقت فيسقط بخروج الوقت والوجهان عند الأئمة -رحمهم الله- مبنيان على أن المفعول تداركاً قضاء أم أَدَاءٌ، إن قلنا: أداء اعتبرنا الترتيب، وإن قلنا: قضاء فلا ترتيب كترتيب قضاء الصلوات الفائتة.
التفريع: إن لم نوجب الترتيب فَهل يَجِب على أصْحَاب الأعْذَارِ كالرعاة؟ فيه وجهان، قال في "التتمة" ونظيره أن من فاته الظُّهْرَ لا يجب عليه الترتيب بينه وبين العصر، ولو أخر الظُّهْرِ بِسَبَبٍ يجوز الجمع ففي الترتيب وجهان:
ولو رمى إلى الجمرات كلها عن اليوم قبل أن يرمي إليها عن أمْسِه أجزأه، إن لم نوجب الترتيب؛ وإن أوجبناه فوجهان: أصحهما: أنه يجزئه ويقع عَنِ القَضَاءِ؛ لأن مَبْنَى الحَجِّ على تقديم الأولى فالأولى.
والثاني: لا يجزئه أصلاً وزاد الإمام -رحمه الله- فقال: لو صرف الرمي في قصده إلى غير النُّسُكِ، كما لو رمى إلى شَخْصٍ أو دابة في الجمرة، وفي انصرافه عن النُّسك الخلاف المذكور في الطواف فإن لم ينصرف وقع عن أمسه ولغى قصده، وإن
الجزء: 3 - الصفحة: 441
انصرف فإن شرطنا الترتيب لم يجزه أصْلاً، وإن لم نشترطه أجزأه عن يومه.
ولو رمى إلى كل جمرة أربعة عشرة حَصَاة سبعاً عن أمسه وسبعاً عن يَوْمِهِ جَازَ، إن لم نعتبر الترتيب وإن اعتبرناه فَلاَ يَجُوز، وهو نصه في "المختصر" هذا كُلُّه في رمي اليوم الأول والثاني من أيام التشريق.
أما إذا ترك رَمْيِ يَوْم النَّحْرِ ففي تداركه في أيَّامِ التشريق طريقان:
أصحهما: أنه على القولين.
والثاني: القطع بأنه لا تدارك لمغايرة ذلك الرمي رمي أَيَّامِ التشريق في العدد، والوقت والحكم فإن ذلك الرمي يؤثر في التَّحلل دون هذا الرَّمْيِ.
الثانية: يشترط في رمي أيام التشريق الترتيب في المكان وهو أن يرمي أولاً إلى الجمرة التي تلي مسجد الخِيف، وهي أقرب الجمرات من مِنَى وأبعدها من مكة، ثم إلى الجَمْرَةِ الوُسْطَى، ثم إلى القصوى وهي جمرة العقبة، فلا يعتد برمي الثانية قبل تمام الأولى ولا بالثَّالِثَةِ قَبْلَ تَمَامِ الأوليين.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله- لو نكسها أعاد فإن لم يفعل أجزأه.
لنا أنه -صلى الله عليه وسلم-: "رَتَّبَهَا وَقَدْ قَالَ": خُذُوا عَنِّي مَنَاسكَكُمْ" 252 ولأنه نسكٌ مُتَكَرِّرٌ فيشترط فيه التَّرْتِيب كما في السَّعْي فلو ترك حصاةٌ ولم يدر من أين تركها أخذ بأنه تركَهَا مِنَ الجَمْرَةِ الأُولَى، ويرمي إليها وَاحِدَةٌ ويعيد رمي الأخرتين، وفي اشتراط الموالاة بين رَمْيِ الجمرات ورَمَيَاتِ الجمرة الواحدة الخلاف المذكور في الطَّوَافِ.
والسنة أن يرفع اليَدَ عند الرمي فهو أَهْوَنُ عليه، وأن يرمي أيام التشريق مستقبل القِبلَة، وفي يوم النَّحْرَ مستدبرها، هكذا ورد الخبر 253، وأن يكون نازلاً في رَمْي اليومين الأولين ورَاكِباً في اليوم الأخير يرمي ويسعى عقيبه، كما أنه يَوْم النحر يرمي ثم ينزل، هكذا أورده الجمهور، ونقلوه عن نصه في "الإملاء"، وفي "التتمة"؛ أن الصَّحيح ترك الركوب في الأَيَّام الثلاثة 254. والسنة إذا رمى الجَمْرَةَ الأُولَى أن يتقدم قليلاً قدر ما لا يبلغه حَصَيَاتُ الرامين، ويقف مستقبل القبلةَ ويدعو وَيذْكُرُ الله تَعَالى طَوِيلاً بقدر قِرَاءَةِ
الجزء: 3 - الصفحة: 442
سُورَةِ البَقَرَةِ.
وإذا رمى إلى الثَّانية فعل مثل ذلك، ولا يَقِفْ إذا رمى إِلَى الثَّالِثَةِ.
وقوله في الكتاب: (ولا بد في التدارك من رعاية الترتيب في المكان) قد يوهم اختصاص هذا الترتيب بالتَّدارك، لكنه لا يختص، والترتيب شرط في الابتداء والتدارك على نَسَقٍ وَاحِدٍ.
الثالثة: إذا ترك رمي بَعْضِ الأيام وقلنا بأنه يتدارك في بقية الأيام فَتَدَارك فلا دَمَ عَلَيْهِ، وقد حصل الانجبار، وفيه قول أنه يلزمه الدّم مع التدارك كما لو أَخَّر قضاء رَمَضَانَ حتى أدركه رَمَضَانُ آخر يقضي ويُفْدِي، وُيعْزَى هذا إلى تخريج ابْنِ سُرَيْجٍ -رحمه الله-.
ولو نَفَر يوم النحر أو يوم القَرِّ قبل أن يرمي ثُمَّ عَادَ ورمى قبل الغُروبِ وَقَع الموقع ولا دَمَ عَلَيْهِ، ولو فرض ذلك في النَّفر الأول فكمثله في أصَحِّ الوجهين:
والثاني: أنه يلزمه الدم؛ لأن النَّفْرَ في هذا اليوم سَائِغٌ في الجملة، فإذا نفر فيه خرج عن الحَجِّ فلا يسقط الدَّمُ بعوده ولو لم يتدارك ما تركه، أو قلنا: لا يمكن التَّدَارك لزم الدَّم لا محالة، وكم يجب يختلف ذلك بحسب قدر المتروك وفيه صُوَرٌ:
إحداها: إذا ترك رمي أَيَّامِ التشريق والتَّصْوِير فِيمَا إذا تَوَجَّهَ عليه رمي اليوم الثَّالِث أيضاً قولان:
أحدهما: يلزمه ثلاثة دِمَاء؛ لأن رَمْيِ كُلِّ يَوْمٍ عِبَادَةٌ برأسها.
والثاني: لا يجب أكثر من دَمٍ كما لا يجب لترك الجمرات الثلاث أكثر من دَمٍ، ولو ترك معها رمي يوم النحر أيضاً فإن قلنا: بالأول فعليه أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ، وإن قلنا: بالثَّانِي فوجهان:
أحدهما: أنه لا يلزمه أكثر من دم لاتحاد جنس الرمي.
وأصحهما: أنه يلزمه دَمَانِ، أحدهما أن ليوم النَّحْرِ، والثاني لأيَّامِ التَّشْرِيقِ؛ لاختلاف الرميين في الحُكْمِ، وإذا ضممت هَذَا الخلافَ بعضَه إلى بَعْضٍ، والسؤال عن تَرْكِ رمي الأيام الأربعة فَقُل: فيه ثلاثة أقوال كما في الكتاب: دم، دمان أربعة دماء.
والأصح منها على ما ذكره في "التهذيب" إيجاب أربعة دِمَاء، لكن الجمهور بنوا الأقوال الثلاثة على الأَصْلِ السَّابِقِ فيما يتدارك مِنْ رَمْي هَذِهِ الأَيَّامِ، فإن قلنا: يتدارك رمي بعضها في البَاقي اكتفيِنا بِدَمٍ؛ لأنا جعلنا الرَّمْيَ كَالشَّيْءِ الوَاحِدِ، وإن قلنا: رمي يوم النحر لا يتدارك ورمي غيره يتدارك فقد جعلناها نَوْعَيْنِ مختلفين، فيلزمه دَمَان، وإن قلنا: إن شيئاً مِنْهَا لا يتدارك فعليه أربعةُ دِمَاءٍ؛ لأن رمي كل يوم على هذا يفوت بغروب شَمْسِهِ، ويستقر في الذِّمَّةِ بدله، فإن لم نر ترجيح القول الموجب لأربعة دِمَاءٍ، لأمر من خارج فقضية هذا البناء ترجيح القول المكتفي بِدَمٍ وَاحِدٍ، لاتفاقهم على أن الأَصَحَّ
الجزء: 3 - الصفحة: 443
التَّدارك كَمَا مَرَّ.
الثانية: لو ترك رَمْيَ يَوْمِ النَّحْرِ أو رَمْيَ وَاحِدٍ من أيام التشريقِ بأسْرِهِ يَلْزَمُهُ دَمٌ، وإن ترك رمي بعض اليوم نُظِر إن كان مِنْ وَاحِدٍ مِنْ أيام التَّشْرِيق فقد جمع الإمام فيه طُرُقاً:
أحدها: أن الجمرات الثَّلاث كالشَّعَرَاتِ الثَّلاَثِ، فلا يكمل الدَّمُ فِي بَعْضِهَا، فإن تَرَكَ جمرةً ففيما يلزمه؟ الأقوال التي يأتي ذكرها في حَلْق شَعْره.
أصحها: مُدٌّ مِنْ طَعَامٍ.
والثاني: دِرْهَمٌ.
والثَّالِثُ: دَمٌ وإن ترك جمرتين فعلى هذا الْقِيَاس، وعلى هذا لو تَرَكَ حَصَاةً مِنْ جَمْرَةٍ فعن صاحب "التقريب": أن على قولنا: في الجمرة الواحدة ثُلُثُ دَمٍ يجب في حَصَاةٍ وَاحِدَةٍ جُزْءٌ مِنْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ جُزءاً مِنْ دَمٍ رعاية للتبعيض، وعلى قولنا: إن فيها مُدّاً، أو درهماً يحتمل أن نُوجِبَ سُبُعَ مُدًّ أو سُبع دِرْهَمٍ، ويحتمل أن لا نبعضهما.
والطريق الثاني: أن الدَّمَ يكمل في وَظِيفَةِ الجَمْرَةِ الوَاحِدَةِ، كما يكمل في وظيفة جَمْرَة يوم النَّحْرِ، وفي الحَصَاة والحصاتين الأقوال الثلاثة:
والثالث -وهو الأظهر-: أن الدَّمَ يكمل بتَرْكِ ثَلاَثِ حَصَيَاتٍ، كما يكمل بِحَلْقِ ثَلاَثِ شعَرَاتٍ، وفي الحَصَاةِ وَالْحَصَاتَيْنِ الأقوالُ الثَّلاَث.
واعلم أن الخلافَ المذكورَ ليس في تَرْكِ الحَصَاةِ والحصاتين مطلقاً ولكن إن ترك حصاة الجمرة الأخيرة من آخر أيام التَّشْرِيقِ ففيه الخِلاَف، وإن تركها من الجَمْرَةَ الأخيرة مِنْ يوم القَرِّ أو النَّفْرِ الأول، ولم ينفر، فإن قلنا: الترتيب غيرُ وَاجِبٍ بين التدارك ورمي الوقت صَحَّ رَمْيُه، لكنه تَرَكَ رَمْى حَصَاةٍ وَاحِدَةٍ ففيه الخلاف، وإنَ أوجبنا التَّرتِيب فهو على الخلاف السَّابق في أن الرمي بنية اليوم هَلْ يقع عن الماضي؟ إن قلنا: نعم، تم المتروكُ بما أتى به في اليَوْمِ الذي بعده، لكنه يكون تاركاً لرمي الجَمرَةِ الأولى، والثَّانِيَة في ذلك اليوم فعليه دَمٌ، وإن قلنا: لا كان تاركاً رمي حصاة ووظيفة يوم فعليه دَمٌ، إن لم نفرد كلَّ يَوْمٍ بِدَمٍ، وإن أَفردنا فعليه دَمٌ لوظيفة اليوم، وفيما يجب لترك الحَصَاةِ الخلاف المذكور.
وإن تركها من إِحْدَى الجمرتين الأوليين في أي يوم كان فعليه دم؛ لأن ما بعدها غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لوجوب الترتيب في المَكَانَ، فهذا إذا ترك بعض رمي من أيام التشريق، وإن ترك بَعْضَ رَمْي مِنْ يَوم النَّحْرِ فقد ألحقه في "التهذيب" بما إذا ترك من الجمرة الأخيرة في الْيَوْمِ الأَخِير.
وقال في "التتمة": يلزمه دم وإن ترك حصاة؛ لأنها من أَسْبَابِ التحلل فإذا ترك
الجزء: 3 - الصفحة: 444
شيئًا منها لم يتحلل إلا بِبَدَلٍ كَامِلٍ -والله أعلم-.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أنه إِنْ ترك من يَومِ النَّحْرِ أَرْبَعَ حَصَيَاتٍ فعليه دَمٌ، وإن ترك ثَلاثاَ فَلاَ وفي سَائِرِ الأيام إن ترك إحدى عشرة حصاة فَعَلَيْهِ دَمٌ، لأن ترك عَشْراً أو أقل فَلاَ اكتفاءَ بالأكثر، وهذا يخالف الوجوه الثَّلاثة المذكورة في الكتاب فيما يكمل به الدَّم كلها، فلذلك أعلمت بالحاء، وحكى في "النّهاية" وجهاً آخر غريباً وهو: أن الدَّمَ يكمل في حَصَاةٍ وَاحِدَةٍ.
فرع: قال أَبُو سَعِيدٍ المتولي: لو ترك ثَلاَثَ حَصَيَاتٍ من جملة الأيام ولم يَدْرِ موضعها أخذ بالأسوأ وهو أنه ترك واحدة من يَوْمِ النَّحْرِ وأخرى من الجَمْرَةِ الأولَى يوم القَرِّ وأخرى من الجَمْرَةِ الثانية يوم النَّفْرِ الأَوَّلِ.
ثم طَوَّلَ الكلام فيما يحصل له من ذَلِك، واختصاره: أنا إن لم نحسب ما يرميه بنية وظيفة اليَوْم عن الغائب فالحَاصِلُ سِتُّ حَصَيَاتٍ مِنْ رَمْي يَوْمِ النَّحْرِ لاَ غَيْرَ سواء شرطنا الترتيب بين التَّدَارُكِ ورمي الوقت أم لا، فإن حسبناه فَالحاصل رَمْيُ يَوْمِ النَّحْرِ وَأَحَدُ أَيَّامِ التَّشريق لا غَيْر، سواء شرطنا الترتيب أم لا، وسببه لا يخفى على من أمعن النَّظر في الأصول السابقة.
واعلم أن الحَاجَّ إذا فرغ مِنْ رَمْي اليَّوْم الثَّالِثِ من أيام التَّشْرِيقِ فيستحب له أن يأتي المحصب، وينزل به ليلة الرابع عشَر ويُصَلِّي به الظُّهْرَ والعصر والمغربَ والعِشَاءَ، روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمَغْرَبَ وَالْعِشَاءَ بِالْبَطْحَاءِ ثُمَّ هَجَعَ بِهِمَا هَجْعَةُ ثُمْ دَخَل مَكَّةَ" 255.
ولو ترك النزول به لم يلزمه شَيْءٌ، وروى عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "نَزَلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- المحصب وَلَيْسَ بِسُنَّةٍ فَمَنْ شَاءَ نَزَلَهُ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَنْزِلْهُ" 256.
وحد المحصب من الأبطح ما بين الجبلين إلى المقبرة سمى به لاجتماع الحصباء فيه يحمل السيل فإنه موضع منهبط.
الجزء: 3 - الصفحة: 445
الفَصْلُ العَاشِرُ فِي طَوَافِ الوَدَاعِ
قال الغزالي: وَهُوَ مَشْرُوعٌ إِذَا لَمْ يَبْقَ شُغْلٌ وَتَمَّ التَّحَلُّلُ، فَلَوْ عَرَّجَ بَعْدَهُ عَلَى شُغْل بَطُلَ إلاَّ فِي شَدِّ الرِّحَالِ، فَفِيهِ تَرَدُّدٌ، وَفِي كَونهِ مَجْبُوراً بِالدَّمِ قَوْلاَنِ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى غيْرِ الحَاجِّ، وَمَهْمَا انْصَرَفَ قَبْلَ مُجَاوَزَةِ مَسَافَةِ القَصْرِ وَتَدَارَكَ جَازَ، وَالحَائِضُ لاَ يَلْزَمُهَا الدَّمُ بِتَرْكِ طَوَاف الوَدَاعِ، فَإِنْ طَهُرَت قبْلَ مَسَافَةِ القَصْرِ لَمْ يَلْزَمْهَا العَوْدُ بِخِلاَفِ المُقَصِرِ بَالتَّرْكِ، وَقِيلَ فِي المَسْأَلَةِ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ حَاصِلُهُمَا: أَنَّ الوَدَاعَ يَفُوتُ بِمُجَاوَزَةِ الحَرَمِ أَوْ مُجَاَوَزَةِ مَسَافةِ القَصْرِ.
قال الرافعي: طَوَافُ الوَدَاعِ ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِعْلًا وَقَولاً 257.
أما الفعل فَظَاهِرٌ، وأما القول فنحو ما روي عن ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَتَفَرَّقْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ إِلاَّ أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْحَائِضِ" 258. ومضمون الفصل صور نشرحها ونضيف إليها مَا لا غنًى عنه.
إحْدَاها: ذكر الإمام في "النهاية" أن طواف الوداع من مَنَاسِكِ الحَجِّ وليس على الخارج من مَكَّة وداعٌ لخروجِهِ مِنْهَا، وتابعه صَاحِبُ الكِتَاب لأنه قال: وهو مشروع إذا لم يَبْقَ شُغْلٌ وتم التحلل، فخَصَّهُ بِحَالِ تمام التَّحَلُّلِ، وذلك إنما يكون في حَقِّ الخارج وأيضًا فقد صَرَّحَ مِنْ بعد وقال: ولا يجب على غَيْرِ الخَارج لكن صَاحِبَا "التهذيب" و"التتمة" وغيرهما أوردوا أن طَوَاف الوَدَاعِ ليس من جملة المَنَاسِكِ حتى يؤمر به من أراد مفارقة مَكَّة إِلَى مسافة القَصْرِ، سواء كان مَكِّياً يريد سفراً أو آفاقياً يريد الرجوع إلى أَهْلِهِ، وهذا أقرب تعظيماً للحرم وتشبيهاً لاقتضاء خروجه للوداع باقتضاء دخوله الإحرام، ولأنهم اتفقوا على أنه المَكِّيَ إذا حَجَّ وهو عازم على أن يقيم بوطنه لا يؤمر بطَوَافِ الوَدَاع، وكذا الآفاقي إذا حَجَّ وأراد المقام بها، ولو كان من جُمْلَةِ المَنَاسِكِ لَأشبه أن يعمَ الحَجيج.
وعن أبي حنيفة -رحمه أن- أن الأفاقي إن نوى الإِقَامة بعد أن حَلَّ له النَّفْرُ لم يسقط عنه الوداع.
الجزء: 3 - الصفحة: 446
الثانية: طواف الوَدَاع ينبغي أن يقع بعد جَمِيع الأَشْغَالِ ويعقبه الخروج من غَيْرِ مُكْثٍ، فَإِنْ مَكَثَ نظر إن كَان لِغَيْرِ عُذر أو اشتغل بِغَيْرِ أسباب الخُروج من شراء مَتَاعٍ أو قَضَاءِ دَيْنِ أو زيارة صَدِيقٍ أو عيادَةِ مَرِيضٍ فعليه إِعَادة الطَّوَافِ خلافاً لَأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: لا حاجة إلى الإِعَادة، وإن أقام بها شهراً أو أكثر، وإن اشتغل بأسباب الخروج من شراء الزَّادِ وَشَدِّ الرَّحْلِ ونحوهما فقد نقل الإمام فيه وجهين:
أحدهما: أنه يحتاج إلى الإِعَادة ليكون آخر عَهْدِهِ بالبيت.
وأصحهما: وبه أجاب المعظم أنه لا يحتاج؛ لأن المشغول بأسْبَابِ الخُرُوجِ مَشْغُولٌ بالخُروجِ غَيْر مُقِيم.
الثالثة: طواف الوَدَاع واجبٌ 259 مَجْبُورٌ بِالدَّمِ أو مستحب غَيْر مَجْبُورٍ؟ فيه قولان كالقولين في الجَمْع بين اللَّيْلِ والنَّهَارِ بعرفة وأخوات تلك المَسْألَة ووجه الوجوب، وبه قال أبو حنيفة وأحمد لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ يَنْصَرِفَنَّ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْت" 260 وهذا أصح على ما قاله صاحب "التهذيب" و"العدة".
ووجه المنع وبه قال مالك أنه لو كان واجباً لوجب على الحائض جبره بالدم؛ لأن المعذور يَفتدى عن الوَاجِبَاتِ، واحتج لهذا القول أيضاً بأن طواف القدوم لا يجب جَبْرُه بالدَّم، فكذلك طَواف الوَدَاعِ لكن عن صاحب "التقريب" إلحاق طواف القدوم بطواف الوَدَاع في وجوب الجَبْرِ، وعلى التسليم بالفَرْقِ أن طواف القُدومِ تحية البقعة وليس مقصوداً في نفسه.
ألا ترى أنه يدخل في طَوافِ العُمْرَةِ وطواف الوَدَاعِ مقصود في نفسه ولذلك لا يدخل تحت طواف آخر.
وقوله في الكتاب: (وفي كونه مجبوراً بالدم قولان، أي على سبيل الوجوب، إذ لا خلاف في أصْلِ الجبر، فإته مستحب إن لَمْ يَكُنْ وَاجِباً، ويجوز إعلامه بالواو، لأن القاضي ابْنَ كَجٍّ روى طريقة قاطعة بنفي الوجوب.
الرابعة: إذا خرج من غير وَدَاعٍ وقلنا: بوجوب الدم ثم عَادَ وَطَافَ فلا يخلو إما أن يعود قبل الانتهاء إلى مسافة القصر أو بعده، فأما في الحالة الأولى فيسقط عنه الدَّم، كما لو جاوز الميقات غير محرم ثم عاد إليه، وفي الحالة الثَّانِيَةِ وَجْهَانِ.
أصحهما: أنه لا يسقط استقراره بالسَّفَرِ الطَّوِيلِ ووقوع الطَّوَافِ بَعْدَ العَود حَقّاً للخُرُوج الثَّانِي.
الجزء: 3 - الصفحة: 447
والثاني: يسقط كما لو عاد قبل الانتهاء إليها ولا يجب العود في الحالة الثَّانِيَة، وأما في الأولى فسيأتي.
الخامسة: ليس على الحائض طواف الوداع: "لأَنَّ صَفِيَّةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- حَاضَتْ فَأَذِنَ لَهَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي أَنْ تَنْصَرِفَ بِلاَ وَدَاعٍ" 261.
ثم إذا طهرت قبل مفارقة خطة مكة لزمها العَوْدُ والطَّوَافُ، وإن جاوزته وانتهت إلى مسافة القَصْرِ لم يلزمها، وإن لم تنته إلَى مسافة القصر فالنص أنه لا يلزمها العود، ونص في المقصر بالترك أنه يلزمه العَوْدُ فمنهم من قرر النَّصَّيْنِ وَهُوَ الأَصَحُّ.
والفرق أن الحائض مأذونة في الانصراف من غير وَدَاعٍ والمقصر غير مأذون فيه.
ومنهم من قال: في الصورتين قولان: بالنقل والتخريج.
أحدهما: أنه يلزمه العود فيهما؛ لأنه بعد في حَدِّ حَاضِري المَسْجِدِ الحرام.
والثاني: لا يلزمه؛ لأن الوداع يتعلق بِمَكَّة، فإذا فارقها لم يفترق الحال بين أن يبعد عنها أو لا يبعد، فإن قلنا: بالثاني فالنظر إلى نَفْسِ مَكَّة أو إلى الحَرَمِ؟ فيه وَجْهَان:
أولهما: أظهرهما، وقد تَقَدَّمَ نَظِيرُهُمَا فِي المَوَاقِيتِ.
وقوله: (حاصلهما أن الوداع يفوت بمجاوزة الحرم أو مجاوزة مسافة القصر) معناه أنا إذا أوجبنا العَدَدَ قبل مسافة القصر فَإِنَّمَا يَحْصُلُ الفَوَاتُ بالانتهاء إلى مسافة القَصْرِ، وإذا لم نوجبه فإنه يحصل الفوات بمجاوزة الحَرَمِ، وفيه كلامان:
أحدهما: أن الفوات إنما يظهر على تقدير عدم تأدي الوَاجِب بالطَّوَافِ بعد العَوْدِ، لكنا قد بينا تأدي الواجب به وسُقُوط الدم.
أما إذا فرض قبل الانتهاء إلى مسألة القَصْرِ فلا خلاف.
وأما إذا فرض بعده فعلى أحد الوجهين:
والثاني: أن تعليق الفوات بمجاوزة الحرم على القول الثاني تفريعٌ على أن المعتبر مجاوزة الحرم لكنا ذكرنا وَجْهاً آخر أن الاعتبار بنفس مكة، فعلى ذلك الوجه الفوات لو كان، ربما كان بمجاوزة مَكَّة وإن لم يجاوز الحرم، ثم إذا أوجبنا العود فعاد وطاف سَقَطَ الدَّمُ، وإن لم يعد لم يسقط، وإن لم نوجبه ولم يعد فلا دَمَ عَلَى الحَائِضِ، ويجب على المُقَصِّرِ بالترك.
واعلم: أن طواف الوداع حكمه حكم سائر أنواع الطواف في الأركان
الجزء: 3 - الصفحة: 448
والشَّرائط 262، وعن أبي يعقوب الأبيوردي 263 أن طواف الوداع يصح من غير طهارة وتجبر الطَّهَارَةُ بِالدَّمِ، واستحب الشافعي -رضي الله عنه- للحاج إذا طَافَ لِلْوَدَاع أن يقف بحد الملتزم بين الركن والباب ويقول.
اللَّهُمَّ الْبَيْتُ بَيْتُكَ وَالْعَبْدُ عَبْدُكَ وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلَتْنِي عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِيَ مِنْ خَلْفِكَ حَتَّى سَيَّرْتَنِي فِي بِلاَدِكَ وَبَلَّغْتَنِي بنَعِيمِكَ حَتَّى أَعَنْتَنِي عَلَى قَضَاءِ مَنَاسِكِكَ فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضًا، وإِلاَّ فَلأنَ قَبْلَ أَنْ نَنأَى عَنْ بَيْتِكَ دَارِي، هَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إِنْ أَذِنْتَ لِي غَيْرَ مُسْتَبْدِلِ بِكَ، وَلاَ بِنَبِيِّكَ، وَلاَ رَاغِبٍ عَنْكَ، وَلاَ عَنْ بَيْتِكَ اللَّهُمَّ أَصْحِبْنِي الْعَافِيَةَ فِي دِينِي، وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي وَارْزُقْنِي طَاعَتِكَ مَا أَبْقَيْتَنِي".
قال وما زاد فحسن، وزيد فيهِ: "وَاجْمَعْ لِيَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِنَّكَ قَادِرٌ عَلَى ذلِكَ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَينْصَرِفُ" 264.
وينبغي أن يتبع نظره البيت ما أمكنه ويستحب أن يشرب مِنْ مَاءِ زمزم 265، وأن يزور بعد الفراغ من الحَجِّ قبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد روى عنه أنه قال: "مَنْ زَارَني بَعْدَ مَوْتَى فَكَأنَّمَا زَارَني فِي حَيَاتِي" 266 "وَمَنْ زَارَ قَبْرِي فَلَهُ الْجَنَّةُ" 267 268.
الجزء: 3 - الصفحة: 449
الفَصْلُ الحَادِي عَشَرَ فِي حُكْمِ الصَّبِيَّ
قال الغزالي: وَللْوَلِيِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يُمَيِّزْ (ح) وَيُحْضِرَهُ المَوَاقِفَ فَيَحْصُلُ الحَجُّ لِلصَّبِيِّ نَفْلاً، وَلِلأُمِّ ذَلِكَ أَيْضاً وَفِي اَلقَيِّمِ وَجْهَانِ، وَهَلْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُحْرِمَ عَنِ المُمَيِّزِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَالمُمَيِّزُ يُحْرِمُ بِإذْنِ الوَليِّ، وَلَوِ اسْتَقَل لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، أَمَّا المُمَيَّزُ فَيَتَعَاطَى الأَعْمَالَ بِنَفْسِهِ.
قال الرافعي: حج الصبي صحيح لما روي عن ابْنِ عَباسٍ -رضي الله عنهما-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- مَرَّ بِامْرَأَةٍ وَهِي فِي مَحَفَّتِهَا، فَأَخَذَتْ بِعَضُدِ صَبِيٍّ كَانَ مَعَهَا، فَقَالَتْ: أَلِهذَا حَجٌّ، فَقَالَ -صلى الله عليه وسلم-: نَعَمْ وَلَكِ أجْرٌ" 269.
وعن جابر -رضي الله عنه- قال: "حَجَجْنا مع رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَمَعَنَا النِّسَاءُ والصِّبْيَانُ فَلَبَّيْنَا عن الصِّبْيَانِ وَرَمَيْنَا عَنْهُمْ" 270. والمنقول عن أبي حنيفة -رحمه الله- أنه لا ينعقد إِحْرَام الصَّبِيِّ لنفسه، ولا إحرام الولي له، وربما يقولون: أنه ينعقد ليتدرب ولا يعتد به، ولا يؤاخذ بمقتضيات الإِحْرَامِ.
إذا عرفت ذلك فإن حَجَّه يختص بأحْكَامٍ يَرْجِعُ بَعْضُهَا إِلَى الإحْرَام وَبعْضُهَا إِلَى الإِحْرَام وَبَعْضُهَا إِلَى الأَفْعَالِ، وبعضها إلى المؤنات، ولوازم المحَظورات، فأراد أن يبين في هذا الفَصْلِ تِلْكَ الأَحْكَامِ.
أما الإحرام فينظر إن كان الصبي مميزاً أحرم بإذن الوَلي، وفي استقلاله وجهان:
أحدهما: وبه قال أبو إسحاق يستقل، لأنه عبادة كما يستقل بالصوم والصلاة.
وأظهرهما: لا يستقل؛ لأنه يفتقر إلى المالِ، وهو محجور عليه في المَالِ، فإن = يصلي فيه، ويدعو في جوانبه، وأن يكثر الاعتمار والطواف تطوعاً.
قال صاحب "الحاوي": الطواف أفضل من الصَّلاة.
وظاهر عبارة صاحب "المهذب" وآخرين في قولهم: أفضل عبادات البدن الصلاة، أنها أفضل منه، ولا ينكر هذا.
ويقال: الطواف صلاة، لأن الصلاة عند الإطلاق لا تنصرف إليه، لا سيما في كتب المصنفين الموضوعة للإيضاح، وهذا أقوى في الدليل.
الجزء: 3 - الصفحة: 450
قلنا بالأول، فللولي تَحْلِيلُه كما سيأتي، وليس له أن يُحْرِمَ عنه، وإن قلنا بالثاني فهل لِلْوَليِّ أن يحرم عنه؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، للاستغناء بعبارته.
والثاني: نعم؛ لأنه مُوَلَّى عليه بدليل عدم الاستقلال، قال الإمام -رحمه الله- وهذا ظَاهِرُ المَذْهَبِ.
وإن لم يكن مميزاً أحرم عنه وَلَيُّه، سواء كان مُحِلاًّ أَوْ مُحرِماً، وسواء حَجَّ عن نفسه أم لا، ولا يشترط حضور الصبي ومواجهته في أصح الوجهين، والمجنون كالصَّبِيِّ الذي لا يميز يحرم عنه وليه، وذكر القَاضِي ابْنُ كِجٍّ والحَنَّاطِي -رحمهم الله-، أنه لا يجوز الإحْرَامُ عَنْهُ، إذ ليس له أَهْلِيَّةُ العِبَادَاتِ، والمغمى عليه لا يحرم عنه غيره؛ لأنه لَيْسَ بِزَائِلِ العَقْلِ، وبروءه مرجو على القُرْبِ.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: إذا أغمي عَلَيْهِ في الطريق أَحْرَمَ عَنْهُ رُفَقَاؤُهُ.
فإن قلت: ومن الولي الذي يحرم عن الصَّبِيِّ أو يأذن له؟
قلنا: الأب يتولى ذلك، وكذا الجد وإن علا عِنْد عَدَمِ الأب، ولا يتولاه عند وجوده وفيه وجه تخريجاً مما إذا أسلم الجد والأَب كافر يتبعه الطِّفل عَلَى رأي وفي الوصي والقَيِّمِ وجهان:
أحدهما: إنهما لا يتوليانه؛ لأنه تصرف في نَفْسِهِ كما لا يليان النِّكَاحِ.
والثاني: أنهما يتوليانه كالأَب والجد؛ لأنهم جميعاً يتصرفون في المَالِ ويراعون مصالحه، والأول أَرْجَح عِنْدَ الإمَامَ، لكن العراقيين من أصْحَابِنَا أجابوا بالثَّانِي، وذكروا وجهين في الأخِ والعَمِّ إذا لم يكَن لَهُمَا وصايا وإذن من الحَاكِم.
أظهرهما: المنع، وفي "الأم" طريقان.
أحدهما: أن إحرامها عن الصَّبِيَّ مبنيٌّ على ولايتها التصرف في مَالِهِ، وفيه اختلاف قال الإصْطَخْرِيُّ: تليه، وقال عامة الأصحاب لاَ تَلِيه.
والطريق الثاني: القطع بأنها تحرم، واحتجوا له بخبر ابن عباس -رضي الله عنهما- الذي رويناه في أول الفصل، وقالوا: الظاهر أنها كَانَت تحرم عن الذي رفعته من المحفة وبهذا الطريق أجاب صَاحِب الكتاب، والأول أشْبَهُ بكلام الأكْثَرِين.
وأما الأفعال فَمَتَى صَارَ مُحْرِماً بإحرامه أو بإحرام الوَلِي أتى بِمَا يَقْدِرُ عَلَيهِ بنفسه، ويفعل به الولي ما يَعْجَزُ عنه، فإن قدر على الطَّواف عُلِّم حتى يطوف، وإلا طِيفَ بِهِ عَلَى مَا سَبَقَ، والسَّعْيُ كالطَّوَافِ، ويصلي عنه الولي ركعتي الطواف إذا لم يكن مميزاً،
الجزء: 3 - الصفحة: 451
وإن كان مميزاً صلاهما بنفسه، وحكى القاضي ابْنُ كِجٍّ وجهاً: أنه لاَ بُدَّ وأن يفعلها الوَليُّ بِكُلِّ حَالٍ، واشترط إحضاره بعرفة ولا يكفي حضور غيره عنه، وكذا يحضر بالمزدلفة والمواقف ويناول الأحْجار حتى يرميها إن قدر عليه، وإلا رمى عنه من لاَ رَمْيَ عَلَيْهِ، ويستحب أن يَضَعَها فِي يده أولاً ثم يأخذ ويرمي.
وقوله في الكتاب: (للولي أن يحرم عن الصبي)، وقوله: (والمميز يحرم) معلمان بالحاء لما سبق.
وقوله: (فيحصل الحج للصبي نفلاً) كالمكرر في هذا الموضع لِمَا سَبَق، أن التكليف شرط في الوقوع عن حجة الإسْلاَم.
وقوله: (وفي القيم وجهان) يجوز إعلامه بالواو؛ لأن عن الدَّارِكِيّ طريقةً قاطعةً بنفي الجواز للقيِّم ونحوه.
وقوله: (وأما المميز فيتعاطى الأفعال) إنما تحسم هذه اللفطة لو كان الكلام قبَلها في غير المميز لكن الكلام في المميز من قوله: (وهل للولي أن يحرم عن الصبي المميز).
قال الغزالي: وَمَا يَزِيدُ مِنْ نَفَقَةِ السَّفَرِ عَلَى الوَلِيِّ أَوِ الصَّبِيِّ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَوَازِمُ المَحْظورَاتِ لَمْ تَجِبْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ نَظَرًا لَهُ فَإِنْ أَوْجَبَ فَعَلَى الوَليِّ أَوِ الصَّبِيِّ فِيهِ وَجْهَانِ، ويفسُد حَجُّهُ بِالجِمَاعِ، وَفِي لُزُومِ القَضَاءِ خِلاَفٌ مُرَتَّبٌ عَلَى البَدَنِيَّةِ وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَجِبَ، لأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَإِنْ أَوْجَبَ لَمْ يَصِحَّ مِنَ الصَّبيِّ عَلَى أحدِ الوَجْهَيْنِ لِكَوْنِهِ فَرْضاً، فإذا بَلَغَ لَزِمَهُ القَضَاءُ بَعْدَ الفَرَاغِ عَنْ فَرْضِ الإسْلاَمِ.
قال الرافعي: الغرض الآن الكلام في المؤنات وَفِدْيَةِ المَحْظُورَاتِ، وفيه صور.
إحْدَاها: القدر الزائد في النفقة بسبب السَّفَرِ في مَالِ الصبي، أو على الوَلِيِّ؟ فيه وجهان، ويقال: قولان:
إحداهما: أنه في مَالِ الصَّبِيِّ؛ لأن الحَجِّ يحصل له كما لو قبل له نكاحاً يكون المهر عليه؛ لأن النِّكَاحَ يحصل له.
وأصحهما: أنه على الوَلِيِّ وبه قال مالك وأحمد؛ لأنه الذي أدخله وَوَرَّطَه فيه، ويخالف النِّكَاح فَإِنَّ المنكوحة قد تفوت والحج يمكن تأخيره إلى أن يبلغ؛ فعلى هذا لو أحرم الصَّبِيُّ بِغَيْرِ إِذِنِهِ وجَوّزناه حَلَّلَهُ فإن لم يفعل أَنْفَقَ عليه.
الثانية: يُمْنَع الصَّبِيُّ المُحْرِم من مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ فلو تطيب أو لَبِسَ نَاسِياً فلا فدية كالبالغ النَّاسِي، وإن تَعَمَّدَ فَقَدْ بَنُوهُ عَلَى أَصْلٍ يذكر في الجِنَايات وهو أن عَمْدَ الصَّبِيِّ عَمْدٌ أَوْ خَطَأ؟ إن قلنا: إنه خَطَأ فلا فدية.
الجزء: 3 - الصفحة: 452
وإن قلنا: عمد، وجبت وهو الأصَح.
قال الإمام: المحققون قطعوا به؛ لأن عمده في العبادات كعَمْدِ البَالِغِ؛ ألا ترى أنه إذا تَعَمَّدَ الكَلاَمَ بَطَلَتْ صَلاتُه، أو الأكلُ بَطَلَ صَوْمُه.
وعن الدَّارِكِي نقل قول فارق بين أن يكون الصبي ممن يلتذ بالطيب واللّباس، أو ممن لا يلتذ بذَلِكَ، ولو حلق أو قلم أو قتل صَيْدًا، وقلنا: عَمْدُ هذه الأفعالِ وَسَهْوِهَا سواء على ما سيأتي وَجَبَتِ الفِدْيَة.
وإن قلنا: يختلف حكم عَمْدِهَا وسهوها فهي كالطِّيبِ واللِّباس، ومتى وجبت الفدية فَهِيَ على الوَليِّ أو في مَالِ الصَّبِيِّ؟ فيه قولان:
أحدهما: في مال الصبي؛ لأن الوُجوبَ بسبب ما ارتكبه.
وأصحهما: في مال الولي، وبه قال مالك: لأنه الذي أوقعه فيه وغرر بماله، وهذا إذا أحرم بِإذْنِهِ فإن أحرم بغير إذن الوَلِيّ وجوزناه فالفدية في مال الصَّبِيَّ بلاَ خِلاَفٍ ذكره في "التتمة" ومتى وجبت الفدية في مال الصبي فإن كانت مرتبة فحكمَها حكم كَفَّارَةِ القَتْلِ، وإلا فَهَلْ يجزي أن يبتدئ بالصوم في الصِّغَرِ؟ فيه وجهان: مبنيان على خِلاَفٍ سنذكره إن شاء الله تعالى في أنه إذا أفسد الحَجِّ هل يجزئه قضاؤه في الصغر؟ وليس للولي والحالة هذه أن يفدي عنه بالمَالِ؛ لأنه غير متعين، وعن أبي الحُسَيْنِ حكاية وجه أنه إن أحرم به الأب أو الجد فالفِدْيَة في مَالِ الصَّبي، وإن أَحرَمَ بهِ غَيْرُه فَهِيَ عَلَيْهِ.
الثالثة: إذا جامع ناسياً أو عامداً، وقلنا: إن عمده خَطَأٌ ففي فَسَادِ حَجَّه قولان: كالبالغ إذا جَامَعَ نَاسِياً والأظهر أنه لا يفسد، وإن قلنا: إن عمده عَمْد فسد حَجُّه، وإذا فَسَدَ هَلْ عَلَيهِ القَضَاءُ، فيه قولان:
أحدهما: لا، لأنه ليس أهْلاً لوجوب العِبَادَاتِ البَدَنِيَّةِ.
وأصحهما: نعم، لأنه إحْرَامٌ صَحِيحٌ فيوجب إِفْسَادُه القَضَاءَ كَحَجِّ التَّطُوُّعِ، وعلى هذا فَهَلْ يجزئه القَضَاءُ في الصَّبِي؟ فيه قولان، ويقال: وجهان:
أصحهما: نعم، إعتباراً بالأَدَاءِ.
والثَّاني: لا، وبه قال مَالِكٌ وَأَحْمَد لأنه فَرْضٌ، وهو ليس أَهلاً لآداء فَرْضِ الحَجِّ بدليل حجَّةِ الإِسْلاَمِ.
وإذا قلنا: بهذا، ولم يَقْضِ حتى بلغ، نظر فيما أفسدها إن كانت بحيث لو سلمت عن الفَسَادِ لأجزائه عن حَجَّة الإِسْلاَم بأن بَلَغَ قَبل فوات الوُقوفِ تأدّت حَجَّة الإسْلاَم بالقضاء وإن كانت لا تجزئه وإن سلمت عن الفَسَاد لم تتأد، وعليه أن يبدأ بحَجَّةِ
الجزء: 3 - الصفحة: 453
الإسْلاَم، ثم يقضي، فإن نَوَى القَضَاء أَوَّلاً انصرف إلى حجَّةِ الإسْلاَمِ، وإن جوزنا القضاء في الصِّغَرِ فشرع في القَضَاء وبلغ قبل الوُقوفِ انصرف إلى حجَّةِ الإسْلاَم وعليه القضاء.
ومهما فسد حجة ووجبنا القضاء وَجَبَتِ الكَفَّارة أيضاً، وإن لم نوجب القَضَاءَ ففي الكفارة وجهان.
والأصح: الوجوب، وقد يعكس هذا الترتيب فيقال: إن لم تلزمه الْفِديَة ففي القَضَاءِ خِلاَفُ والفرق أن القَضَاءَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ وحال الصبي أبعد عنها، وهذا الترتيب هو الذي ذكره في الكتاب، فقال: وفي لزوم القَضَاء خِلاَفٌ مُرَتَّبٌ على الفِدْيَةِ، وإذا وَجَبَتِ الكَفَّارة فهي على الوَلِيّ أو في مال الصبي؟ فيه الخلاف السَّابق.
وقوله: (ولوازم المحظورات لا تجب على أحد الوجهين) هذا الوجه هو الذي يتخرج على قولنا: عمد الصَّبِيِّ خَطَأٌ، وإنما نجعل عمدَهُ خَطَأً؛ لأن حاله يناسب التخفيف، وإليه أشار بقوله: (نظراً له) وقوله: (يفسد حجه بالجماع) جوابٌ على الأَصَحِّ من الخِلاَف المذكور فيه.
وقوله: (فإذا بلغ لزمه القَضَاءُ بعد الفَراغَ عن فرض الإسلام) مُتَعَلِّقٌ بقوله: (لم يصح من الصبي على أحد الوجهين) ومفرع عليه.
واعلم أن حكم المَجْنُونِ حكم الصَّبِيِّ الذي لا يميز في جميع ذلك.
ولو خرج الوَلِيّ بالمجنون بعدمَا استقر فَرْضُ الحج عليه وأنفق عليه من ماله نظر أن لم يفق حَتَّى فات الوقوف غرم له الولي زِيادَةَ نَفَقَةِ السَّفَرِ، وإن أفاق وأحرم وَحَجَّ فلا غرم عليه، لأنه قضى ما وجب عليه، ويشترط إِفاقتُه عِنْدَ الإحْرَام والوقوف والطواف والسَّعْي، ولم يتعرضوا لحالة الطواف وقياس كونه نسكاً اشتراط الإفاقة فيه كسائر الأَرْكَانِ.
قال الغزالي: وَإِنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ في حَجِّهِ قَبْلَ الوُقُوفِ (ح) وَقَعَ عَنْ حجَّةِ الإسْلاَمِ فَإِنْ كَانَ قَد سَعَى قَبْلَهُ لَزِمَهُ الإعَادَةُ في أصَحِّ الوَجْهَيْنِ، وَهِلْ يَلْزَمُهُ دَمٌ بِنُقْصَانِ إِحْرَامِهِ إِذَا وَقَعَ في الصِّبَا؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَعتْقُ العَبْدِ في الحَجِّ كَبُلُوغِ الصَّبِيِّ، وَلَوْ أَطْيَّبَ الوَلِيُّ الصَّبِي فَالفِدْيَةُ عَلَى الوَلِيِّ، إِلاَّ إِذَا قَصَدَ المدَاوَاةَ فَيَكُونُ كَاسْتِعْمَالِ الصَّبِيِّ عَلَى أَحَدِ الوَجْهِيْنِ.
قال الرافعي: الفَصْلُ يشتمل على مسألتين:
الأولى: لو بَلَغَ الصبيُّ في أثناء الحَجِّ نظر أن بَلَغَ بعد الوُقُوفِ بعرَفَة لم يجزئه عن حَجَّةِ الإسْلاَم، ولا فرق بين أن يكون وَقْتُ الوُقوفِ بَاقِياً أو فائتاً لكنه لم يَعُدْ إلى الوقوفَ لِمَضيِّ مُعْظَم العِبَادَةِ في حَالِ النُّقْصَانِ، ويخالف الصَّلاة حيث تجزئه إذا بَلَغ في أثنائها أو بعدها؛ لأن الصَّلاةَ عَبادُةُ تكرر، والحج عِبَادَةُ العُمْرِ فيعتبر وقوعها أو وقوع مُعْظَمِهَا في حَالِ الكَمَالِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 454
وعن ابْنِ سُرَيْجٍ -رحمه الله- أنه إِذَا بَلَغَ ووقت الوُقُوفَ بَاقٍ يُجْزِئُهُ عن حَجَّةِ الإسْلاَم وإن لم يعد إلى الموقف، وإن بلغ قبل الوقوف أو بلغ وهو واقف وقعت حجته عن حَجَّةِ الإسْلاَم، خلافاً لمالك حيث شرط فيه وقوع جميع الحَجِّ في حالة التكليف ولأبي حنيفة فإنهَ لا يعتد بإحرام الصَّبِي على مَا سُبَقَ.
وهل يجب إعادة السَّعْي لو كان قَدْ سَعَى عُقَيْبَ طَوَافِ القُدُومِ قبل البلوغ؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، ولا بأس بتقدم السَّعْي كتقدم الإحْرَام.
وأصحهما: نعم، لوقوعه في حالة النقص، ويخالف الإحْرَام فإنه مُسْتَدَامٌ بعد البُلوغِ والسَّعْي، لاستدامته له، وقد بنوا الوجهين على أنه إذا وقع عن حجَّةِ الإسْلاَم كيف تقديراً إحرامه أنقول بأنه يتعين انعقاده في الأصل فرضاً، أو نقول بأنه انقعد نفلاً ثم انقلب فرضاً؟ فإن قلنا: بالأول فلا حَاجَةٍ إِلى الإعَادَةِ، وإن قلنا: بالثاني فَلاَ بُدَّ منها وإِذَا وَقَعَ حَجُّه عَنْ حَجَّةِ الإِسْلاَمِ فهل يلزمه دم؟ فيه طريقان:
أظهرهما: وهو المذكور في الكِتَابِ أنه على قولين:
أحدهما: نعم؛ لأن إحْرَام مِنَ المِيقَاتِ نَاقِصٌ لأنه ليس بفرضٍ.
وأصحهما: لا؛ لأنه أَتى بما فِي وُسْعِهِ، ولم تصدر منه إساءَةٌ.
وبنى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَبْرُهُ القولين على الأَصْلِ المذكور: إن قلنا، بالتعيين فلا دم عليه، وإن قلنا بانعقاده نفلاً لزم.
والطريق الثاني: القطع بأنه لاَ دَمَ عليه، وبه قال الإصْطَخْرِيُّ وَابْنُ سَلَمَة، وهذا الخلاف فيما إذا لم يَعُدْ بعَدَ البلوغِ إلى الميقَاتِ، فإن عاد إليه لم يلزمه الدَّمُ بِحَالٍ؛ لأنه أتى بالممكن أولاً وآخراً، وبذل ما في وسعه، وفيه وجه بعيد.
والطَّواف في العمرة كالوقوف في الحَجِّ، فلو بلغ قبله أجزأته عمرتُه عن عمرةِ الإسْلاَمِ.
وعتق العبد في أثناء الحَجِّ والعمرة كبلوغ الصَّبِيِّ في أثنائهما.
ولو أن ذِمِّياً أتى الميقات مريداً للنسك فأحرم منه لم ينعقد إحرامه؛ لأنه ليس أهلاً لَلعبادات البَدَنِية، فإن أسلم قبل فوات الوُقوفِ ولزمه الحَجُّ فله أن يَحُجَّ مِنْ سنته، وأن يؤخر فإن الحَجَّ على التَّرَاخِي، فإن حَجَّ من سنته فعاد إلى المِيقَاتِ فأحرم منه أو أحرم من موضعه وعاد إِلْيهِ محرماً فلا شَيْءَ عليه، وإن لم يعد لَزِمَهُ الدَّمُ، كالمسلم إذا جاوَزَهُ عَلَى قَصْدِ النُّسُكِ، ولا يجئ فيه الخلاف المذكور في الصَّبِي إذا وقعت حَجَّتُهُ عَنْ حَجَّةِ الإسلام؛ لأنه حين مر بالميقات كان بسبيل من أن يسلم ويحرم بخلاف الصبي.
وقال أبو حنيفة رحمه الله والمُزَنِي: لا دم عليه، وعن أحمد روايتان:
المسألة الأخرى: ذكرنا الخلاف في وجوب الفِدية إِذَا بَاشَرَ الصبي محظوراً وأنها إِذَا وجبت على من تجب.
الجزء: 3 - الصفحة: 455
فأما إذا باشره الولي بأن طَيَّبَهُ أو أَلْبَسَهُ أو حَلَقَ رَأْسَهُ فينظر إنْ فَعَل ذَلِكَ لِجَاجَةٍ الصَّبِيِّ كما لو طيبه تَدَاوِياً، فهل هو كمباشرة الصَّبِيِّ فيه وجهان:
أحدهما: لا، بل الفِدْيَةُ على الوَلِيّ بلا خِلاَفٍ تقديماً للمباشرة.
وأصحهما: أنه كمباشرة الصبي، لأنه وليه، وإنما فعل ما فعل لِمَصْلَحَتِهِ، وقد قيل: أَن مأخذ الوجهين أن الشَّافعي -رضي الله عنه- قال: "وتجب الفدية على المداوي" فقرأه بعضهم بكسر الواو حملاً على الولي وبعضهم بفتحها حملاً على الصبي، والوجهان شبيهان بالوجهين فيما إذا أُوجِزَ المُغْمَى عليه معالجة له في باب الصوم.
ولو طيب الصبي لا لحاجة فالفدية عليه، وكذا لو طيبه أجنبي، وهل يكون الصبي طريقاً؟ فيه وجهان.
الْبَابُ الثَّالِثُ في مَحْظُورَاتِ الحَجِّ والعُمْرَةِ
وَهِيَ سَبْعَةُ أَنْوَاعٍ
قال الغزالي
: النَّوْعُ الأوَّلُ: اللُّبْسُ
وَيَحْرُمُ عَلَى المُحْرِمِ أَنْ يَسْتُرَ رَأْسِهُ بِمَا يُعَدُّ سَاتِراً مِنْ خِرْقَةٍ أَوْ إزَارٍ أَوْ عِمَامَةٍ، وَلَو تَوَسَّدَ بِوِسَادةٍ أَو اسْتَظَلَّ بَالمَحْمَلِ أَوِ انْغَمَسَ في مَاءٍ فَلاَ بَأْس، وَلَو وَضعَ زنْبِيلاً عَلَى رَأْسهِ أَوْ حملاً فَفِيهِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ طَيّن رَأَسَهُ فَفِيهِ احْتِمَالٌ، وَلَوْ شَدَّ خَيْطاً عَلَى رَأْسِهِ لَمْ يَضُرَّ بِخِلاَفِ العِصَابَةِ، وَأَقَلُّ مَا يَلْزَم الفِدْيَةَ أَنْ يَسْتُرَ مِقْدَاراً سِتْره لِعَرْضِ شَحّةٍ أَوْ غَيْرِهَا.
قال الرافعي: مقصود الباب بيان ما يَحْرُمُ بسبب الإِحْرَامِ بالحج أو العمرة وهي في تعديد صَاحِب الكتاب سبعة أنواع.
أحدهما: اللِّبْسُ، والكلام في حق غير المعذور ثم في المعذور.
أما في حق غير المعذور، فالنظر في الرَّجل، ثم في المرأة، ومن الرجل في الرَّأْسِ، ثم في سَائِر البدن.
أما الرأس ففيه فَصْلان.
أحدهما: في السَّاتِرَ.
ولا يجوز للرجل أن يستر رأسه، قال -صلى الله عليه وسلم- في المحرم الذي خَرَّ مِنْ بَعِيرِهَ "لا
الجزء: 3 - الصفحة: 456
تُخَمَّرُوا رَأْسَهُ فَإنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِيّاً" 271.
ولا فرق بين أن يستر بمخيط كالقلنسوة، أو بغير مخيط كالعمامة والإزار والخرقة، وكل ما يعد سَاتِراً وإذا ستر لزمه الفدية، لأنه باشر محظوراً كما لو حَلَق.
ولو توسد بوسادة فلا بأس وكذا لو توسد بعمامة مكورة، لأن المتوسد يُعَدّ في العُرْفِ حَاسِر الرأس.
ولو استظلَ بِمَحْمَلِ أو هودج فلا فدية عليه أيضاً، لأنه لا يعد ذلك سترًا للرأس، كما لو استظل ببناء، وكذلك لو انغمس في مَاءٍ فاستوى الماء على رأسه، وخصص صاحب "التتمة" نفي الفدية في سورة الاستظلال بما إذا لم تمس المظلة رأسه، وحكم بوجوبها إذا كانت تَمَسُّه، وهذا التفصييل لم أره لغيره، وإن لم يكن بُدٌّ منه فالوجه إِلحاقه بوضع الزمبيل 272 على الرأس.
والأصح فيه أن فديه كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وعن مَالِكٍ وأحمد -رحمهما الله-: أنه إذا استظل بالمحمل رَاكِبًا افتدى، وإن استظل به نازلاً راجلاً فلا، وروى الإمام عن مالك الخلاف في سورة الانغماس أيضاً.
لنا: في الاستظلال ما روي عن أم الحصين قالت: "حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- حجَّةَ الْوَدَاعِ فَرَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلاَلاً أَحَدُهُمَا آخِذٌ بحِطَام نَاقَتِهِ، وِالآخَرُ رَافِعاً ثَوْبَهُ يَسْتُرَهُ مِنَ الْحَرِّ حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ" 273.
ولو وضع زنبيلاً على رأسه أو حملاً فقد ذكر أن الشافعي -رضي الله عنه- حكى عن عَطَاء: أنه لا بأس به 274، ولم يعترض عليه، وذلك يشعر بأنه ارتضاه فإنَّ من عادته الرَّد عَلَى المَذْهَبِ الذي لاَ يَرْتَضِيه، وعن ابنِ المُنْذِرِ والشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أنه نَصَّ في بعض كتبه على وجوب الفِدْية، فمن الأصحاب من قطع بالأولَ ولم يثبت الثَّاني، ومنهم من أطلق قولين، وهو ما أورده في الكتاب، ووجه الوجوب ما يروى عن أبي حنيفة إن غطىَ رأْسَه فأشبه ما لو غطاه بشَيْء آخر، ووجه عَدَمِ الوجُوب أن مقصوده نَقْل المتاع لا تغطية الرَّأسِ، على أن المحرمَ غَيْرُ مَمْنُوعٍ من التَّغْطِيَةِ بما لاَ يقصد السَّتْر بِهِ ألا ترى إلى
الجزء: 3 - الصفحة: 457
ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "احْتَجَمَ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ" 275. وأيضاً فلو وضع يده على رأسه لم يضر، وسواء ثبت الخِلاَف أَمْ لاَ، فظاهر المَذْهَبِ أنه لاَ فَدْيَة.
ولو طَيَّن رَأسه ففي وجوب الفدية وجهان، كالوجهين فيما إذا صَلَى بالطِّين عَوْرَتَهُ وَصَلَّى هَلْ يجزئه.
والمذهب هَاهنا وجوب الفدية، وفي تلك الصورة صِحَّة الصَّلاة لوجود السَّتْرِ والتغطية، وهذا إذا كان ثَخِيناً سَاتِراً أما المائع الذي لا يَسْتُر فلا عبرة به، وعلى هذا التفصيل حكم الحِنَّاء والمَرَاهِمِ ونحوها.
الفصل الثاني
في القدر الذي يقتضي سَتْرُهُ الفِديَة، ولا يشترط لوجوب الفدية استيعاب الرأس بالسَّتْرِ كما لا يشترط فِي فِدْيَةِ الحَلْقِ الاستيعاب، بل تجب الفدية بِسَتْرِ بَعْضِ الرَّأسِ، وضبطه أن يكون المستور قدراً يقصد ستره لَغَرَضٍ من الأغراض كَشَدِّ عِصَابَةٍ، وإلْصَاقِ لُصُوق لِشَجَّةٍ ونحوها، هكذا ضبطه المصنف والإمام، فقد نَفَلاَ وغيرهما أنه لو شَدَّ خيطاً على رأسه لم يَضُر، ولم تجب الفدية؛ لأن ذلك لا يمنع من تَسْمِيَتِهِ حَاسِرَ الرَّأسِ، وهذا ينقض الضابط المذكور؛ لأن ستر المقدار الذي يحويه شد هذا الخيط قد يقصد أيضاً لغرض منع الشّعر من الانتشار وغيره، فالوجه النظر إلى تسميته حاسر الرأس ومستور جميع الرأس أو بعضه 276 -والله أعلم-.
وقوله في الكتاب: (أن يستر مقدارًا يقصد ستره إلى آخره) مُعَلَّمْ بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- لا تكمل الفدية إلا إِذَا ستر رُبُعَ الرأس فصاعداً فإن ستر أقل من ذلك فعليه صدقة -والله أعلم-.
قال الغزالي: أَمَّا سَائرُ البَدَنِ فَلَهُ سَتْرُهُ لَكِنْ لاَ يَلْبَسُ المَخِيطَ الَّذِي أَحَاطَتْهُ الخِيَاطَةُ كَالقَمِيصِ، أَوِ النَّسْجَ كَالدِّرْعِ، أَوِ العِقْدَ كجُبَّة الِلِّبْدِ، وَلَو ارْتَدَى بِقَمِيصٍ أَوْ جُبَّةِ فَلاَ بَأْسَ وَكَذَا إِذَا الْتَحَفَ نَائِماً، وَلَوْ لَبِسَ القُبَّاء لَزِمَهُ الفِدْيَةُ وإنْ لَمْ يُدْخِلُ اليَدَ في الكُمِّ وَلاَ بأْس بِعَقْدِ الإِزَارِ بِتِكَّةٍ تَدْخُلُ في حُجْزةٍ، وَلاَ بالهِمْيَانِ وَالمِنْطَقَةِ، وَلاَ بِلَفِّ الإِزَارِ عَلَى السَّاقِ.
قال الرافعي: ما سوى الرأس من البَدَنِ يجوزِ للْمُحْرِمِ سَتْرُه، ولكن لا يجوز له
الجزء: 3 - الصفحة: 458
لبس الَقَمِيص والسَّرَاوِيلِ والتِبَّان والخف، روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- سُئِل عما يلبس المحرم من الثِّيَاب فقال: "لاَ يَلْبُسُ الْقَمِيصَ وَلاَ السَّرَاوِيلاَتِ وَلاَ الْعَمَائم وَلاَ الْبَرَانِسَ وَلاَ الْخِفَافَ إِلاَّ أَحَدٌ لاَ يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبس خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ" 277.
ولو لبس شيئاً من ذلك مختاراً لزمه الفدية، سواء طَالَ زَمَانُ اللبس أَوْ قَصُر.
وقال أبو حنيفة: إنما تلزم الفدية التامة إذا استدام اللبس يوماً كَامِلاً فإن كان أقل فَعَلَيْهِ صَدَقَة.
لنا: أنه بَاشَرَ مَحْظُورَ الإِحرَامِ فتلزمه الفِدْيَة كما لَوْ حَلَق.
ولو لبس القباء تلزمه الفِدية سواء أدخل يَدَيْهِ في الكمين واْخرجهما منهما أم لا، وبه قال مَالِكٌ وأحمد -رحمهما الله- خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- في الحالة الثانية.
لنا: أنه لبس مخيطاً على وجهٍ معتادٍ فتلزمه الفِدْيَة كما لو لَبِسَ القَمِيصَ، وهذا لأن لابس القباء قد يدخل كتفه فيه ويتركه كذلك.
ولو ألقى على نفسه قباء أو فرجياً وهو مضطجع، قال الإمام: إن أخذ من بدنه حتى ما إذا أقام عد لاَبِساً فعليه الفِدْيَة، وإن كان بحيث لو قام أو قعد لم يستمسك عليه إلا بمزيد أَمْرٍ فلا.
وقوله في الكتاب: (وإن لم يدخل اليد في الكم) يجوز أن يُعَلَّم مع الحاء بالواو؛ لأنه نقل عن "الحَاوِي" أنه إن كان من أقبية خراسان قصير الذَّيْلِ ضيق الاكمام لَزِمَت الفدية وإن لم يدخل اليَدِ في الكُمِّ، وإن كان من أقبية العِرَاق طويل الذيل واسع الأَكِمَّة فلا فدية حتى يدخل يديه في كُمَّيْهِ.
واعلم أن قولنا: لا يلبس المخيط، ترجمة لها جزآن لبسٌ ومخيط.
فأما اللبس فهو مرعي في وجوب الفِدْية على ما يعتاد في كل ملبوس، إذ به يحصل التَّرَفُّهُ والتَّنَعُّمُ فلو ارتدى بِقَمِيص أو قباء، أو التحف فيهما أو اتزر بِسَرَاوِيل فلا فدية عليه، كما لو اتزر بإزار خيط عليه رقاع.
وأما المَخِيط فخصوص الخياطة غير معتبر، بل لا فرق بين المخيط وبين المنسوج كالدَّرْعِ، والمعقود كجبة اللبد، والملفق بعضه ببعض قياساً لغير المخيط على المخيط 278
الجزء: 3 - الصفحة: 459
وقد جمعها في الكتاب بقوله: (لا يلبس المخيط الذي أحاطته بالخياطة إلى آخره).
والمتخذ من القطن والجلد وغيرهما سواء، ويجوز أن يعقد الإزار ويشد عليه خيطاً ليثبت، وأن يجعل له مثل الحجزة ويدخل فيها التِّكَّة إِحْكَاماً وأن يشد طرف إزاره في طرف ردائه، ولا يعقد رداءه، وله أن يغرزه في طَرَفِ إِزَارِهِ، ولو اتخذ لردائه شَرَحاً وعرى وربط الشرج بالعرى فأصح الوجهين أنه تجب الفِدْية؛ لأن هذه الإحاطة قريبة من الخِيَاطة 279. ولو شَقَّ الإزار نصفين وَلَفَّ كُلَّ نِصْفٍ على سَاقٍ وَعَقَدَهُ، فالذي نقله الأصحاب وجوب الفدية؛ لأنه حينئذ كالسراويل، ورأى الإمام أنها لا تجب بمجرد اللَّفِ والعَقْدِ، وإنما تجب إذا فرضت خياطة أو شرج وعرى.
وقوله في الكتاب: (ولا يلف الإزار على الساق) إن أراد به هذه الصورة فهو اتباع لرأي الإمام فليكن مُعَلَّماً بالواو، وليُعْلَم أن الظاهر خِلافُهُ، ويحوز أن يحمل على اللَّف من غير أن يشق، ويجعل له ذيْلاَنِ، وعلى هذا فلا إعلام؛ إذ لا خِلاَفَ في أن للمحرم أَنْ يشتمل بالرداء والإزار طاقتين وثلاثاً ولا بأس بتقلد المُصْحَفِ والسَّيْفِ.
"قَدِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مَكَّةَ مُتَقَلِّدِينَ سُيُوفَهُمْ عَامَ عُمْرَةِ الْقِضَاءِ" 280 ولا بأس أيضاً بشد الهِمْيَان والمنطقة على الوسط لحاجة النفقة ونحوها، وقد روى الترخيص فيه عن عائشة 281 واَبن عباس 282 -رضي الله عنهما،- وروي عن مالك المنع، من شَدِّ الهِمْيَان والمنطقة لكن لم يثبت المتقنون في النقل الرواية عنه.
وقوله في أول الفصل: (أما سائر البدن فله سَتْرُه) يجوز أن يُعَلَّم بالحَاءِ لأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- يجب عليه كشف الوَجْهِ مع الرأس، وأيهما ستره فعليه الفدية.
لنا: ما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال في المحرم الذي خَرَّ عن بعيره ومات "خَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلاَ = بعضه ببعض كالثوب من اللبد، ويؤخذ من التعبير بالمخيط وغيره أن مجرد الستر لا يحرم، وإنما يحرم ما ذكرناه، وكذا الورق كما قاله في "الكفاية".
وإن زر الإزار أو شوكه أو خاطه، لم يجز، نص عليه في "الإملاء".
الثالث: سائر البدن ويؤخذ منه أنه يحرم أن يتخذ لساعده أو لعضو آخر شيئاً يخيط به وهو كذلك على الأصح الذي أجاب به كثيرون كما قاله الرافعي.
الجزء: 3 - الصفحة: 460
تخَمِّرُوا رَأْسَهُ" 283 الخبر.
قال الغزالي: أَمَّا المَرْأَة فإِحْرَامُهَا عَلَى وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا فَقَطْ، وَلَهَا أَنْ تَسْتَتِرَ بِثَوْبٍ مُتَجَافٍ عَنِ الوَجْهِ وَاقِعٍ بِإزَائهِ، هَذَا في غيْرِ المَعْذُورِ.
قال الرافعي: ذكرنا حكم الستر واللبس في حَقِّ الرجل المُحْرِمِ.
أما المرأة فالوجه في حقها كالرأس في حق الرجل، ويعبر عن ذلك بأن إحرام الرَّجُلِ في رأسه، وإحرام المرأة في وَجْهِهَا، والأصل فيه ما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ تَنْتَقِبُ الْمرْأَة وَلاَ تَلْبَسُ القُفَّازَيْنِ" 284.
وروى أنه -صلى الله عليه وسلم- "نَهَى النِّسَاءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنِ النِّقَابِ" 285.
وتستر الرأس وسائر البدن والقدر اليسير من الوَجْهِ الذي يلي الرأس لها ستره، إذ لا يمكن استيعاب الرأس بالسَّتْرِ إلا بِسَتْرِهِ.
فإن قيل هلا قلتم: تكشف جميع الوجه، ويعفى عن كَشْفِ الجُزْءِ الذي يليه من الرأس.
قيل: الستر أحوط من الكشف، وأيضاً فالمقصود إظْهار شعار الإِحْرَام بالاحتراز عن التَّنْقِيبِ، وستر الجزء المذكور لا يقدح فيه، والرأس عَوْرَةٌ كلهُ فَيُسْتَرُ.
ويجوز لها أن تسدل ثوباً على وجهها متجافياً عنه بخشبة وغيرها، كما يجوز للرَّجُلِ الاستظلال بالمَحْمَلِ والمظلة، ولا فرق بين أن يفعل ذلك لحاجة من دفع حر أو برد أو فتنة أو لغير حاجة، فإن وقعت الخشبة فأصاب الثوب وَجْهَهَا من غير اختيارها ورفعته في الحال فلا فدية، وإن كان عمداً أو استدامته وجبت الفِدْية.
ويجوز للمرأة لبس المخيط من القميص والسَّرَاوِيل والخُفِّ وغيرها، رِوي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَ مِنْ أَلْوَانِ، الثِّيَاب مُعَصْفَراً، أَوْ خَزّاً، أو حُلِيّاً، أَوْ سَرَاوِيلَ، أَوْ قَمِيصًا، أَوْ خُفّاً" 286 وإذا ستر الخنثىَ المشكل رأسه أو وجهه فلا فدية لاحتمال أنه امرأة في الصورة الأولى، ورجل في الثانية، وإن سترهما جميعاً وجبت.
وقوله في الكتاب: (أما فإحرامها في وجهها فقط) أعلم بالواو، لأن منهم من ضَمَّ الكَفَّيْنِ كما ستعرفه في مسألة القفازين.
الجزء: 3 - الصفحة: 461
قال الغزالي: أَمَّا المَعْذُورُ بِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍّ فَلَهُ اللُّبْسُ وَلَكِنْ يَلْزَمُهُ الفِدْيَةُ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ سَرَاوِيلَ وَلَوْ فَتَقَهُ لَمْ يَتَأَتَّ مِنْهُ إِزَارٌ فَلْيَلْبَس وَلاَ فِدْيَةَ عَلَيْهِ لِلْخَبَرِ، وَكَذَا إِذَا قُطِعَ الخُفُّ أَسْفَلَ الكَعْبَيْنِ، وَاسْتِتَارُ ظَهرِ القَدَمِ بِهِ كَاسْتِتَارِهِ بِشِرَاكِ النَّعْلِ.
قال الرافعي: قد عرفت حكم غير المعذور.
وأما المعذور ففيه صور:
أحدها: لو احتاج الرجل إلى سَتْرِ الرأس أو لبس المخيط بِعُذْرٍ حَرٍّ أو بَرْدٍ أو مداواةٍ جاز له ذلك، وكذا المرأة لو احتاجت إلى ستر الوجه، ولكن تجب الفدية كما إذا احتاج إلى الحَلْقِ بسبب الأَذَى جاز الحلق ولزمت الفِدْيَة على ما نَصَّ عليه القرآن.
الثانية: لباس المحرم الرِّدَاء والإزار والنّعْلاَن على ما مُرّ، فلو لم يجد الرداء لم يجز له لِبْسُ القَمِيص، بل يرتدي ويتوشح به، ولو لم يجد الإزَار ووجد السَّرَاوِيل نُظِر، إن لم يتأت اتخاذ إزار منه إما لصغره أو لفقد آلات الخِيَاطَة أو لخوف التَّخَلُّفِ عن القافلة فله لبسه؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "من لَمْ يَجِدِ الإزَارَ فَلْيَلْبَسْ السَّرَاوِيلَ" 287 وإذا لبسه فَلاَ فِديَةَ عَلَيْهِ.
وقال أبو حنيفة ومالك: تجب الفدية.
وإن تَأَتَّى اتخاذ إزارٍ منه فلبسه على هيئته فهل تلزمه الفدية؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما لو لبس الخف قبل أن يقطعه.
والثاني: لا، لإطلاق الخبر، وفي الخُفِّ أمر بالقطع على ما روينا في خبر ابن عمر -رضي الله عنهما-، وبالوجه الأول أجاب الإمام، وتابعه المصنف حيث قيد فقال: (ولو فتقه لم يتأت منه إزار فلا فدية) ولكن الأصح عند الأكثرين: إنما هو الوجه الثاني، وإذا لبس السراويل لفقد الإزار ثم وجده فعليه النزع، ولو لم يفعل فعليه الفِدْيَة.
وقوله في الكتاب: (فلا فدية للخبر) المراد من الخبر ما رويناه، وما الاستدلال به على نَفْي الفِدْيَةِ من جهة أنه يقتضي تجويز اللّبس عند فقد الإزار، والأصل في مباشرة الجَائِزَاتَ نَفْي المؤاخذة.
الثالثة: إذا لم يجد النعلين لبس المكعب أو قطع الخُفَّ أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبِ ولبسه، وهل يجوز لبس الخف المقطوع والمكعب مع وجود النعلين؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لشبهه بالنَّعْلِ ألا ترى أنه لا يجوز المَسْحُ عَلَيْهِ.
وأصحهما: لا؛ لأن الإذن في الخَبَرِ بقيد شرط: أن لا يجد النَّعْلَيْنِ، وعلى هذا
الجزء: 3 - الصفحة: 462
لو لبس الخف المقطوع لفقد النعلين ثم وجد النعلين نزع الخف، فلو لم يفعل افتدى، وإذا جاز لبس الخف المقطوع لم يضر استتار ظهر القدم مما بقي منه لحاجة الاستمساك، كما لا يضر استتاره بشراك النعل.
فإن قلت: ما معنى عدم وجدان الإزار والنَّعْلِ.
قلنا: المراد منه أن لا يقدر على تحصيله، إما لفقده في ذلك المَوْضِع، أو لعدم بذل المَالِك إيَّاه، أو لعجزه عن الثَّمَنِ إن باعه أو للأجرة إن اجره ولو بيع بغبن أو نسيئةٍ لم يلزمه شِرَاؤُه، ولو أعير منه وجب قبوله، ولو وهب لم يجب، ذكر هذه الصورة القاضي ابْنُ كِجٍّ وقد كتبنا نظائرها في المَاءِ للطَّهَارَةِ والثوب لستر العورة وبالله التوفيق.
قال الغزالي: وَلَيْسَ لِلرَّجُلِ لُبْسُ القُفَّازَيْنِ فِي اليَدَيْنِ، وَللْمَرْأَةِ ذَلِكَ فِي أَصَحِّ القَوْلَيْنِ، وإن اتَّخَذَ لِلِحْيَتِهِ خَرِيطَة فَفِي إِلْحَاقِهِ بَالقُفَّازَينِ تَرَدُّدٌ.
قال الرافعي: ليس للرجل لبس القفازين كما ليس له لبس الخفين، وهل للمرأة ذلك؟ فيه قولان:
أحدهما: قال: في "الأم" و"الإملاء" لا، وبه قال مالك وأحمد -رضي الله عنهما-؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم-: "نَهَى النِّسَاءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنْ لِبْسِ القُفَّازَيْنِ" 288 وأيضاً فإن اليد عضو لا يجب على المرأة ستره في الصَّلاة، فلا يجوز لها سَتْرُه في الإِحْرَامِ كالوجه.
والثاني: وهو منقول المزني نَعَم، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-؛ لما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا" 289 فخص الوجه بالحكم، وذكر في الكتاب أن هذا أصح القولين، لكن أكثر النقلة على ترجيح الأول، منهم صاحب "التهذيب" والقاضي الرّوَيانِي، فإن جوزنا لَهَا لِبْسَهُمَا فلا فدية إذا لَبِسَتْ، وإلا وجبت الفدية ولو اختضبت بالحِنَّاء وألقت على يدها خِرْقَة فوقه أو ألقتها على اليَدِ مِنْ غَيْرِ حِنَّاءٍ، فعن الشيخ أَبِي مُحَمَّدٍ أنها إن لم تشد الخرقة فلا فدية، وإن شدته فعلى قولي القفازين، ورتب الأكثرون فقالوا: إن قلنا: لها لبس القفازين فَلاَ فِدْيَةَ عليها، وإن منعنا ففي وجوب الفدية هاهنا قولان:
أحدهما: تجب، ويروى عن "الأم".
والثاني: لا تَجِب، ويروى عن "الإملاء" والقولان على ما ذكر القاضي أَبُو الطَّيِّبِ
الجزء: 3 - الصفحة: 463
وغيره مبنيان على المعنى المحرم للبس القفازين، وفيه قولان مستخرجان:
أحدهما: أن المحرم تعلق الإحرام بيدها تعلقه بوجهها؛ لأن واحداً منهما ليس بعورة، وإنما جاز الستر بالكُمَّيْنِ للضرورة، فعلى هذا تَجِب الفدية في صُورَةِ الخِرْقَة.
والثاني: أن المُحَرَّم كون القفازين ملبوسين معمولين لِمَا لبس بعورة من الأعضاء فَأُلْحِقَا بالخفين في حَقِّ الرجل، فعلى هذا لا فدية في الخِرْقة، وهذا أصَحُّ القولين، وإذا أوجبنا الفِدْيَةَ تعليلاً بالمعنى الأول فهل تجب الفدية بمجرد الحِنَّاءِ؟ فيه ما سبق في الرجل إذا أخضب رأسه بالحِنَّاء، ولو اتخذ الرجل لساعده أو لعضو أخر شيئاً مخيطاً أو لِلِحْيَتِهِ خريطة يعلقها إذا اختضب فهل تلتحق بالقفازين؟ فيه تردد عن الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ.
الأصح: الالتحاق، وبه أجاب كثيرون، ووجه المنع أن المقصود الاجتناب عن الملابس المعتادة وهذا لَيْسَ بِمُعْتَادٍ.
قال الغزالي
: النَّوْعُ الثَّاني: التَّطيّبُ
وَتَجِبُ الفِدْيَةُ بِاسْتِعْمَالِ الطِّيْبِ قَصْدًا، وَالطِّيْبُ كُلُّ مَا يُقْصَدُ بِهِ رَائِحَةٌ كَالزَّعْفَرَانِ وَالوَرْسِ وَالوَرْدِ وَالنَّرْجِس وَالبَنَفْسَجِ وَالرَّيْحَانِ الفَارِسِيَ، دُونَ الفَوَاكهِ كَالأتْرُجّ وَالسَّفَرْجَلِ وَالأَدْوِيَةِ كَالقُرُنْفُلِ وَالدَّارِ صِينِيِّ وَأَزْهَارِ البَوَادِي كَالْقَيْصُومِ، وَفي دُهْنِ الوَرْدِ وَالبَنَفْسَجِ وَجْهَانِ، وَالبَانُ وَدَهْنُهُ لَيْسَ بِطِيبٍ، وَإذَا تَنَاوَلَ الخَبِيصَ المُزَعْفَرَ فَانْصَبَغَ لِسَانُهُ لَزِمَتْ الفِدْيَةُ بِدَلالَةِ اللَّوْنِ عَلَى نَقَاءِ الرَّائِحَةِ، وإذَا بَطُلَ رَائِحَةُ الطِّيبِ فَلاَ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ جِرْمُهُ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَاءِ وَرْدٍ إِذَا وَقَعَ فِي مَاءٍ وَاَنْمَحَقَ.
قال الرافعي: استعمال الطِّيب من جملة مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ؛ لما روي عن ابْنِ عمر -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: في المحرم: "لاَ يَلْبَسُ مِنَ الثِّيَابِ شَيْئاً فِيهِ زَعْفَرَانُ وَلاَ وَرَسٌ" 290.
ويتعلق به الفدية كسائر المحظورات، وقد ضبط في الكتاب مناط الفدية فقال: (وتجب الفدية باستعمال الطيب قَصْداً) وهذا الضابط يتركب عن ثلاثة أمور: الطيب، والاستعمال، والقَصْد.
أما الطيب، فالمعتبر فيه أن يكون معظم الغرض منه التطيب واتخاذ الطِّيب منه، أو يظهر فيه هذا الغرض فالمسك، والعود، والعنبر، والكافور، والصندل، طيب لا مَحَالة، ثم ما له رَائِحَة طيبة من نَبَاتِ الأَرْضِ أنواع:
منها: ما يطلب للتطيب واتخاذ الطيب منه، كالورد، والياسمين، والخيرى، وكذا
الجزء: 3 - الصفحة: 464
الزَّعْفَرَان وإن كان يطلب للصَّبْغِ والتداوي أيضاً، والورس وهو فيما يقال أشْهَرُ طِيبٍ فِي بِلاَدِ اليَمَنِ.
ومنها: ما يطلب للأكل والتداوي غالباً فلا تتعلق به الفدية كالقرنفل، والدَّار صيني، والسّنبل، وسائر الأبازير الطيبة، وكذا السفرجل، والتفاح، والبطيخ، والأترج والنَّارِنْج.
قال الإمام: وفي النفس من الأترج والنارنج شيء فإن قصد الأكل والتَّدَاوي فيهما ليس بأغلب من قَصْدِ التطيب لكن ما وجدته في الطرق إلحاقهما بالفواكه، وقد يتجه معنى تزيين المجالس فيهما، -والله أعلم-.
ومنها: ما يتطَّيب به ولا يتخذ منه الطّيبِ كالنرجس والريحان الفَارِسي، وهو الضُّيمُران والمرزنجوشي 291 ونحوهما، ففيه قولان:
القديم: أنه لا تتعلق بها الفِدْيَة؛ لأن هذه الأشياء لا تَبقَى لَهَا رَائِحَةٌ إذا جَفَّتْ، وقد روي أن عثمان -رضي الله عنه-: "سُئْلَ عَنِ الْمَحْرِم، هَلْ يدخلُ البُسْتَانَ؟ قَالَ: نَعَمْ ويشم الرْيحَانَ" 292.
والجديد: التعلق لظهور قَصْدِ التطيب منها، كالوَرْدِ والزعفران، وهذا ما أورده في الكتاب.
وأما البنفسج فالمنقول عن نَصّه أنه ليس بِطِيبٍ، واختلف الأصْحَاب فيه، فَمِنْ ذَاهِبٍ إلى ظَاهِرِ النص، يزعم أن الغرض منه التَّدَاوي دون التطيب، ومن طارد فيه قولي الريحان يدعي أن المنقول عنه جواب على أحد القولين، ومن قاطع بأنه طِيب كالورد والياسمين وهذا أصح الطرق.
واختلف الصَّائِرُونَ إليه في تأويل النَّص، فقيل: أراد به البنفسج الجَاف، فإنه بعد الجَفَافِ لا يصلح إلا لِلتَّدَاوِي، وقيل: أراد به بنفسج الشَّام والعراق، فإنه لا يتطيب به، وقيل: أراد به المربى والسكر المستهلك فيه، وفي اللينوفر قولاً النرجس والريحان، ومنهم من قطع بأنه طيب.
ومنها: ما ينبت بنفسه ولا يستنبت كالشَّيح، والقيصوم، والشقائق، فلا تتعلق بها الفدية، لأنها لا تُعَدُّ طيباً ولو عدت طيباً لاستنبتت وتعهدت كالوَرْدِ.
وأنوار الأشجار المثمرة، كالتفاح والكمثري، وغيرها لا تتعلق بها الفدية أيضاً، وكذا العُصْفُر، وبه قال أحمد وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: تتعلق بها الفدية.
الجزء: 3 - الصفحة: 465
لنا: أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ذَكَرَ فِيمَا رُوِي عَنْهُ الْمُعَصْفَرُ جملة الثِّيَابِ الّتِي يَلْبُسُهَا الْمُحْرِمُ" 293. والحِنَّاء ليس بطيب، فإن أزواج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "كُنَّ يَخْتَضِبْنَ بهِ وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ" 294. وقال أبو حنيفة: هو طيب.
واعرف: وراء ما ذكرناه شيئين غريبين.
أحدهما: نقل الحَنَّاطِي عن بعض الأصحاب وجهين: في الورد والياسمين والخيري 295، ولك أن تعلم قوله في الكتاب: (والورد) بالواو لذلك.
والثاني: ذكر الإمام عن بعض المصنفين أن من أصحابنا من يعتبر عادة كل ناحية فيما يتخذ طِيباً، قال: وهذا فاسد يشوش القَوَاعِد.
ثم في الفصل مسائل:
إحداها: الأدهان ضربان: دهن ليس بطيب كالزيت والشيرج، وسيأتي القول فيه في النوع الثَّالث، ودهن هو طيب، فمنه دهن الورد، وقد حكى الإمام وصاحب الكتاب فيه وجهين:
أحدهما: أنه لا تتعلق به الفدية؛ لأنه لا يقصد للتطيب.
وأصحهما: ولم يورد الأكثرون سِوَاه، أنه تَتَلق به الفدية، كما تتعلق بالورد نفسه، ومنه دِهْنُ البَنَفْسِج، والوجه ترتيبه على البَنَفْسِجِ، إن لم تتعلق الفدية بنفس البنفسج فبدهنه أَوْلَى، وإن علقَناها بنفس البنفسج، ففي دِهنه الخِلاَف المَذْكُور في دهن الوَرْدِ، ويجوز إعلام قوله في الكتاب: (وجهان) بالواو.
وأما: في دهن الوَرْدِ، فلأن الإمام -رحمه الله- نقل عن شيخه طريقة قاطعة بأنه طِيب.
ورد التردد إلى دهن البنفسج.
وأما في دهن البنفسج فلأنا قدمنا طريقة قاطعةً في البَنَفْسِجِ بأنه ليس بطيب، وهي عائدة في الدّهن بطريق الأولى، ثم لم يختلفوا في أن ما طرح فيه الورد والبنفسج دهن الورد والبنفسج، فأما إذا طرحا على السمسم حتى أخذ رائحة ثم استخرج من الدهن، فجواب المعظم أنه لا تتعلق به الفدية، لأنه رِيحُ مُجَاوَرَةٍ.
الجزء: 3 - الصفحة: 466
وعن الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ: أنه أشرف وألطف مما يغلي فيه الورد والبنفسج، لتشرب السمسم ما بينهما وهي الطيبة المقصودة منهما.
ومنه: دهن ألبان، نقل الإمام عن نص الشافعي -رضي الله عنه- أنه ليس بطيب، وكذا البان نفسه، وهذا ما أورده المصنف، وأطلق الأكثرون القَوْلَ، بأن كل واحد منهما طِيب، ويشبه أن لا يكون هذا خلافاً محققاً، بل الكلامان محمولان على توسط، حكاه صاحب "المهذب" و"التهذيب" وهو أن دهن البان المنشوش وهو المغلي في الطيب طِيبٌ، وغير المنشوش ليس بطيب 296.
الثانية: لو أكل طعاماً فيه زعفران أو طيبٌ آخر، واستعمل مخلوطاً بالطْيب لا بجهة الأكل، نظر إن استهلك الطيب فيه، فلم يبق له ريحٌ ولا طعم ولا لون لم تجب الفدية، وإن ظهرت هذه الأوصاف فيه وجبت الفِدْية، وإن بقيت الرَّائِحَةُ وحدها فكذلك، لأنها الغرض الأعظم من الطِّيبِ، وإن بقي اللون وحده فطريقان:
أظهرهما: وبه قال ابْنُ سُرَيْجٍ، وابْنُ سَلَمَةَ أن المسألة على قولين:
أحدهما -وهو ظاهر ما نَقَلَهُ المزني-: أن الفدية تجب؛ لبقاء بعض الأوصاف كما لو بقي الرِّيح.
وأصحهما: عند المعظم أنها لا تَجِب؛ لأن اللَّوْنَ ليس بالمقصود الأصلي منه، بل هو زينة، وأيضاً فإن مجرد اللون لو اقتضى الفِدْيَة لوجبت الفدية في المعصفر.
والطريق الثاني -وبه قال أبو إسْحَاق-: القطع بالقَوْلِ الثَّانِي، والصائرون إليه انقسموا إلى مغلط للمزني، وإلى حامل لما نقله على ما إذا بقي الريح مع اللون.
ولو بقي الطعم وحده فطريقان:
أظهرهما -وبه قال القَفَّالُ-: أنه كالريح.
والثاني -وبه قال الشيخ أَبُو مُحَمَّد-: أنه كاللون فيجيء فيه الطريقان.
ولو أكل الخلنجين، فينظر في استهلاك الورد فيه وعدمه، ويخرج على هذا التَّفْصِيل.
فإن قلت: قد عرفت ما حكيته، لكني إذا نظرت في حكم المصنف بلزوم الفدية في تناول الخبيص المزعفر سبق إلى فهمي أنه اكتفى ببقاء اللون المجرد للزوم الفدية على خلاف ما ذكرت أنه الأصَح، فهل هو كذلك أم لا؟
الجزء: 3 - الصفحة: 467
فأقول: ليس في لفظ الكتاب ما يقتضي التصوير في بقاء اللون وحده، بل يتناول الخبيص المزعفر وانْصِبَاغ اللِّسَان به يشتمل ما إذا بقيت الرَّائِحَةُ مع اللون، وما إذا لم يبق، فيحمل اللفظ على الحالة الأولى، لئلا يخالف جوابه الأصح عند الجمهور وفيهم الإمام، ويؤيده أنه قال عقيبه: لدلالة اللون على بقاء الرائحة، ولو كان التصوير في بقاء اللون وحده لما انتظم دعوى دلالته على بقاء الرائحة، وعلى كل حال فقوله: (لزمته الفدية) مُعَلَّمٌ بالحاء، لأن أبا حنيفة -رحمه الله- لا يوجب الفدية بأكل الطيب أصلاً.
الثالثة: لو خفيت رائحة الطِّيب، أو الثوب المطيب بمرور الزمان عليها أو بغبار وغيره، نظر إن كان بحيث لو أصابه الماء فاحت الرّائحة منه لم يجز اسْتِعْمَالُه، فإن بقي اللون فقد قال الإمام -رحمه الله-: فيه وَجْهَانِ مبنيان على الخِلاَف المذكور في أن مجرد اللون هل يعتبر، والصحيح أنه لا يعتبر، وحكى أيضاً تردداً للأصْحَاب فيما إذا انغمر قدر من الطيب، في الكثير مما ليس بِطِيبٍ كماء ورد انمحق في ماءٍ كثير.
منهم: من قال: تجب الفدية باستعماله لاستيقان اتصال الطيب به، وكون الرائحة مغمورة لا زائلة.
ومنهم من قال -وهو الأصح-.
لا تجب الفدية لِفَقْدِ الرائحة وَفَوَاتِ مَقْصُودِ التَّطَيُّبِ، فلو انغمرت الرائحة ولكن بقي الطَّعْمُ أو اللون ففيه الخِلاَف السَّابق.
قال الغزالي: وَمَعْنَى الاسْتِعْمَالِ إلْصَاقُ الطِّيبِ بالبَدَنِ أَوِ الثَّوْبِ، فَإِنْ عَبِقَ بِهِ الرِّيحُ دُونَ العَيْنِ بِجُلُوسِهِ فِي حَانُوتِ عَطَّار أَوْ فِي بَيْتٍ يُجْمِرُ سَاكِنُوهُ فَلاَ فِدْيَةَ، وَلَوِ احْتَوَى عَلَى مَجْمَرَةِ لَزِمَتِ الفِدْيَةُ، وَلَو مَسَّ جَرْمَ العُودِ فَإِنْ عَبِقَ بِهِ رَاِئحَتُهُ فَقَوْلاَنِ، وَلَوْ حَمَلَ مِسْكاً فِي قَارُورَة مُصَمَّمَةِ الرَّأْسِ فَلاَ فِدْيَةَ، وَإِنْ حَمَلَهُ فِي فَأْرَةٍ غيْرَ مَشْقُوقَةٍ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ طَيَّبَ فِرَاشَهُ وَنَامَ عَلَيْهِ حَرُمَ.
قال الرافعي: الأمر الثَّانِي: الاستعمال، وهو أن يلصق الطِّيب ببدنه، أو ملبوسه على الوَجْهِ المعتاد في ذلك الطِّيب، فلو طيب جزءاً من بدنه بغالية، أو مسك مسحوق أو ماء ورد لزمته الفدية.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله-: أن الفدية التَّامة إنما تلزم إذا طَيَّبَ عضواً، أو رُبُعَ عُضْوٍ فإن طيّب أقل منه لم يلزمه، ولا فرق بين أن يتفق الإلصاق بظَاهِرِ البَدَنِ، أو باطنه كما لو أكله أو احتقن به أو استعط، وقيل: لا تجب الفدية في الحُقْنَة والسَّعُوطِ، ثم في الفصل صور:
إحداها: لو عَبَقَ بِهِ الريح دون العَيْنِ بأن جلس في حَانُوتِ عَطَّارٍ، أو عند الكعبة
الجزء: 3 - الصفحة: 468
وهي تخمر 297 أو في بيت يخمر ساكنوه فلا فدية، لأن ذلك لا يسمى تطيباً، ثم إن قصد الموضع لا لاشتمام الرائحة لم يُكْرَه، وإن قصده لاشتمامها كره على أصح القولين.
وعن القاضي حسين -رحمه الله- أن الكراهة ثابتة لا محالة، والخلاف في وجوب الفدية.
ولو احتوى على مجمرة فَتَبَخَّرَ بالعُودِ بَدَنَهُ، أو ثيابُه لزمته الفِدْيَةُ، لأن هذا طريق التطيب منه، وعن أبي حنيفة أنه لا فدية فيه.
ولو مَسَّ طِيباً فلم يعلق بيده شَيْءٌ من عينه، ولكن عبقت به الرَّائحة، فهل تلزمه الفدية؟ فيه قولان:
أحدهما: لا، وهو منقول المُزَنِي؛ لأن الرائحة قد تحصل بالمُجَاورة من غير مُمَاسة، فلا اعتبارَ بِهَا.
والثاني: ويروى عن "الإملاء"، نعم؛ لأن المقصودَ الرائحةُ وقد عبقت به، وذكر صاحب العدة وغيره، أن هذا أصح القولين، وكلام الأكثرين يميل إلى الأَوَّلِ.
الثانية: لو شَدَّ المِسْك أو العنبر أو الكافور في طرف ثوبه أو وضعته المرأة في جيبها أو لبست الحُلِيّ المحشو بشيءٍ مِنْهَا وجبتِ الفِدْيَةَ، فإن ذلك طريق استعمالها، ولو شَمَّ الوردَ فقد تطيب به، ولو شم ماء الورد فَلاَ، بل الطريق فيه أن يَصُبَّهُ على بدنه، أو ثيابه، ولو حمل مِسْكاً أو طيباً آخر في كِيسٍ، أو خرقة مشدودةٍ، أو قارورةٍ مصممة الرأس، أو حمل الورد في ظرف فلا فدية، لأنه لم يستعمل الطَّيب، حكى ذلك عن نصه في "الأم" وحكى الرّوَيانِي وغيره فيه وجهاً، أنه إن كان يشم قصداً لزمه الفِدْيَة وإن حمل مِسْكاً في كيس أو خرقة غير مشقوقة فوجهان:
أحدهما -وبه قال القَفَّالُ-: تَجِب الفدية وحمل الفأرة تطيب.
وأصحهما: وبه قال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لا تجب: نفس الفأرة، لَيْسَ بِطِيبٍ، وإنما الطيب المسك، وبينه وبينه حَائِل، فأشبه سورة القارورة أي المصممة.
ولو كانت الفأرة مشقوقة، أو القارورة مفتوحة الرَّأْسِ، فقد قالوا بوجوب الفِدْية، وليس ذلك واضحاً مِن جِهَةِ المَعْنَى، فإنه لا يُعَد ذَلِك تَطَيُّباً.
الثالثة: لو جلس على فِرَاشٍ مطيب، أو أَرْضٍ مطيبة ونام عليهما مُفْضِياً ببدنه أو ملبوسه إليهما لزمته الفدية، وجعل ملاقاته بمثابة لبسَ الثَّوْبِ المُطَيِّبِ، كما تجعل ملاقاة الشَّيْءِ النَّجس بمثابة لبس الثوب النجس، فلو فرش فوقه ثوباً ثم جَلَس، أو نام لم تجب الفدية، لكن لو كان الثوب رقيقاً كره، ولو داس بنعله طيباً لزمته الفدية لأنها ملبوسة له.
الجزء: 3 - الصفحة: 469
قال الغزالي: وَأَمَّا القَصْدُ فَالاحْتِرَازُ بِهِ عَنِ النَّاسِي إِذْ لاَ فِديَةَ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِذَا جَهِلَ كَوْنَ الطِّيبِ مُحَرَّماً، وَلَو علِمَ أنَّهُ طِيبٌ وَلَمْ يَعْلَمْ أنَّهُ يَعْبَقُ بِهِ لَزِمَتِ الفِدْيَةُ، وَلَوْ أَلْقَى عَلَيْهِ الرِّيحُ طِيبًا فَلْيُبَادِر إِلَى غَسْلِهِ فَإِنْ تَوَانِىَ لَزِمَتْهُ الفِدْيَةُ.
قال الرافعي: الأمر الثالث كون الاستعمال عن قَصْدٍ، فلو تطيب ناسياً لإحرامه أو جاهلاً بتحريم الطّيب لم تلزمه الفدية، وعذر، كما لو تكلم ناسياً في الصَّلاة، أو أكل ناسياً في الصَّوْمِ، وقد روى: "أن رجلاً أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- وعليه جُبَّةٌ وهو متضمخ بالخلوق، فقال: إني أحرمت بالعمرة وهذه عليَّ فقال -صلى الله عليه وسلم- ما كنت تصنع في حَجَّتِك، قال: كنت أنزع هذه، وأَغْسِل هذا الخلوق، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "مَا كُنْتُ صَانِعاً فِي حَجّكَ فَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ" 298.
ولم يوجب عليه الفدية لِجَهْلِهِ، وعند مالك وأبي حنيفة والمزني -رحمهم الله- تَجِب الفديةُ عَلَى النَّاسِي والجَاهِلِ.
وعن أحمد -رحمه الله- روايتان.
وإن علم تحريم الاستعمال وجهل وجوب الفدية لزمته الفدية، فإنه إذا عَلِم بالتحريم فحقه الامتناع.
ولو علم تَحْرِيمَ الطِّيب، وجهل كَوْنَ المَمْسُوسِ طِيباً، فجواب الأكثرين أنه لا فدية؛ لأنه إذا جهل كون ذلكَ الشَّيْءِ طيباً فقد جَهِلَ تحريم استعماله، وحكى الإمام مع ذلك وجهاً آخر أنها تجب.
ولو مسَّ طيباً رطباً وهو يظن أنه يابس لا يعلق به شيء منه، ففي وجوب الفدية قولان:
أحدهما: تجب؛ لأنه قصد التطيب مع العلم بِكَوْنِهِ طيباً.
والثاني: لا تجب لِجَهْلِهِ بكونه طِيباً، كم لو جَهِلَ كونه طيباً، وبالقول الأول أجاب صَاحِبُ الكتاب، ورَجَّحَهُ الإمَامُ -رحمه الله- وغيره، ولكن طَائِفَة من الأَصْحَابِ رَجَّحُوا الثَّانِي.
وذكر صاحب "التهذَيب" أنه القول الجَدِيد، -والله أعلم-.
ومتى لصق الطِّيب ببدنه أو ثَوْبِهِ على وجه لا يوجب الفدية بأن كان نَاسِياً، أو ألقته الرِّيحُ عَلَيْهِ، فعليه أن يُبَادِرَ إلىَ غُسْلِهِ وتنحيته، أو معالجته بما يقطع رائحته، والأوْلَى أن يأمر غيره به، وإن باشره بنفسه لَمْ يَضُرْ 299؛ لأن قصده الإزالة، فإنْ توانى
الجزء: 3 - الصفحة: 470
فيه، ولم يزله مع الإمكان فعليه الفدية، فإن كَانَ زَمِناً لا يقدر على الإزالة فلا فدية عليه، كما لو أكره على التطيب، قاله في "التهذيب" (1) -والله أعلم-.
قال الغزالي
: النَّوْعُ الثَّالِثُ تَرْجِيلُ شَعَرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ بالدُّهْنِ
مُوجِبٌ لِلْفِدْيَةَ وَلَوْ دَهَنَ الأَصْلَعُ رَأْسَهُ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كانَ الشَّعْرُ مَحْلُوقاً فَوَجْهَانِ.
قال الرافعي: حكم الدهن المطيب قَدْ مَرّ.
وأما غير المطيب: كالشيرج، ودهن الجوز، واللوز وفي معناها السمن والزبد فلا يجوز استعماله في الرأس واللِّحْيَةِ، لما فيه من ترجيل الشَّعْرِ وتزيينه، والمحرم منعوت بالشَّعثِ الذي يُضَاد ذَلِك.
ولو كان أقرع أو أصلع فدهن رأسه أو أَمْرَد فدهن ذقنه فلا فدية عليه، إذ ليس فيه تزيين شَعْرٍ.
وإن كان محلوقَ الرَّأسِ فوجهان:
أحدهما: ويروى عن المزني: أنه لا فدية إِذْ لاَ شَعرِ.
وأصحهما: الوجوب، لتأثيره في تَحْسِين الشعر الذي ينبت بَعْده.
ويجوز تَدْهِينُ سَائِرِ البَدَنِ شَعْرُه، وَبَشَرَتُهُ فإنه لا يقصد تحسينه وتزيينه، ولا فرق بين أن يستعمل الدّهن في ظاهر البَدَنِ، أو باطنه.
ولو كان على رأسه شجة فجعل الدهن في داخلها، فلا شيء عليه.
وعن مالك أنه إذا استعمل الدهن في ظاهر بدنه فعليه الفدية.
وعند أبي حنيفة إذا استعمل الزّيت والشيرج وجبت الفدية، سواء استعمل في رأسه أو في لحيته، أو في سائر بدنه إلا أن يداوي به جُرْحَه، أو شقوقَ رِجْلَيْهِ، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد.
والثانية: وهي الأصَحّ: أن استعمالها لا يوجب الفِدْية، وإن كان في شعر الرأس واللِّحية فيجوز أن يعلم قوله في الكتاب: (يوجب الفدية) بالألف لهذه الرواية.
وقوله: (ترجيل شَعْرِ الرأس واللِّحْيَةِ) يشعر بتخصيص المنع بتدهين الشَّعْرِ حتى لا300 = لأن للوضوء بدلاً وغسل الطيب لا بدل له.
قال صاحب الوافي: وعندي الأولى أن يتوضأ به ثم علله لكن المنقول عن النص يوافق قول الجمهور.
قال الشيخ البلقيني حاكياً عن نص "الأم" ما نصه: ومن أمكنه الماء غسله فلو وجد ماء قليلاً إن غسله به لم يكفه لوضوئه غسله به وتيمم؛ لأنه مأمور بغسله ولا رخصة له في تركه إذا قدر على غسله، وهذا مرخص له في التّيمم إذا لم يجد ماء.
خ ك.
الجزء: 3 - الصفحة: 471
يمنع من تدهين المواضع التي لا شَعْرَ عليها من الرَّأْسِ، وقد صَرَّحَ المزني في "المختصر" بهذا المفهوم، لكن قال المَسْعُودِي في الشَّرْحِ: ليس الأمر على ما قاله المُزَنِي، بل هو منهي عن استعمال الدهن في الرأس والوجه كله، وإن لم يكن عليه شَعْر؛ لأنه موضع الشَّعْرِ، لكن بشكل هذا بما سبق في الأَقْرَع والأَمْرَد.
قال الغزالي: وَلاَ يُكْرَهُ فِي الجَدِيدِ الغَسْلُ وَلاَ غَسْلُ الشَّعَرِ بالسِّدْرِ وَالخَطْمِيِّ، وَلاَ بَأْسَ بِالاكْتِحَالِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ، وَفِي إلْحَاقِ الخِضَابِ لِلشَّعَرِ بِالتَّرْجِيلِ تَرَدُّدٌ.
قال الرافعي: في الفصل صور:
إحداها: يجوز للمُحْرِمِ أن يَغْتَسِلَ، ويدخل الحَمَّام ويزيل الدَّرن عن نَفْسِهِ، لما روى عن أبي أَيُّوب -رضي الله عنه-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَغْتَسِلُ، وَهُوَ مُحْرَمٌ" 301 "وَدَخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهما- حَمَّامَ الْجُحْفَةِ مُحْرِماً، وَقَالَ: إِنَّ اللهُ -تَعَالَى- لاَ يَعْبَأُ بِأوْسَاخِكُمْ شَيْئاً" 302. هل يكره ذلك؟ المشهور: أنه لا يُكْرَه.
وحكى الحَنَّاطِيُّ والإِمَام: قَوْلاً عن القديم: أَنَّهُ يُكْرَه.
الثانية: يستحب أن لا يُغْسِل رأسَه بالسَّدْرِ والخطمي؛ لما فيه من التزيين، لكنه جائز لا فدية فيه بخلاف التدهين، فإنه يؤثر في التنمية مع التزيين.
وإذا غسل رأسه فينبغي أن يرفق في الدَّلْكِ حتى لا ينتفق شَعْره، ولم يذكر الإمام ولا المصنف في "الوسيط" خلافاً في كراهة غسله بالسِّدْرِ والخطمي، لكن الحنَّاطِيَّ حكى القول القديم فيه أيضاً، فيجوز أن يعلق قوله: (ولا يكره في الجديد) بالمسألتين إتياناً للخِلاَفِ فيهما.
الثالثة: لا يجوز أن يَكْتَحِل بِكُحْلٍ فِيهِ طيب.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله- جوازه، وما لا طِيبَ فيه يجوز الاكْتِحَال به، ثم منقول المزني أنه لا بَأسَ بهِ، وعن "الإملاء" أنه يُكْرَه، وتوسط المتوسطون فقالوا: إن لم يكن فيه زينة كالتوتيا الأبيض لم يكره الاكْتِحَال به، وإن كان فيه زينه كالإثمد فيكره إلا لِحَاجة الرمد، ونحوه.
الرابعة: روى الإمام عن الشَّافِعِىّ -رضي الله عنه- اختلاف قولٍ في وجوب الفدية إذا خضب الرجل لِحْيَتَه.
وعن الأصحاب طُرُقاً في مأخذه.
أحدها: التردد في أن الحِنَّاء هل هو طيب، وهذا غريب، والأصحاب قاطعون بأنه ليس بِطِيبٍ على ما مَرّ.
الجزء: 3 - الصفحة: 472
والثاني: أن من يختضب قد يتخذ لموضع الخضاب غلافاً يحيط به، فهل يلحق ذلك بالمَلْبُوسِ المعتاد؟ وقد سبق الخلاف فيه.
والثالث: هو الأظهر: أن الخِضَاب تزيين للشَّعْرِ، فتردد القول في التحاقه بالترجيل بالدهن، والظاهر أنه لا يلتحق به، ولا تجب الفِدْيَة في خِضَاب اللِّحْيَةِ، ثم قال الإمام على المأخذ الأول: لا شيء على المرأة إذَا خضبت يَدَهَا بَعْدَ الإِحْرَامِ، وعلى الثَّاني والثالث يجري التردد أما على الثَّانِي فظاهر.
وأما على الثَّالِث فأشبه الغلاف بالقُفَّازَيْنُ، وقد عرفت من قبل خضابها يَدَيْهَا، وخضاب الرَّجُلِ شَعْرَ الرَّأْسِ.
ويجوز للمحرم أن يفتصد، ويُحْتَجِم ما لم يقطع شَعْراً ولا بأس بنظره في المرآة.
وعن الشافعي -رضي الله عنه- أنه كرهه في بعض كتبه (1).
قال الغزالي
: النَّوْعُ الرَّابعُ التَّنَظُّفُ بِالحَلقْ،
وَفِي مَعْنَاهُ القَلْمُ، وَتَجِبُ به الفِدْيَةُ سوَاءٌ أَبانَ الشَّعَر بإحْرَاقٍ أَوْ نَتْفٍ أَوْ غيْرِهِ مِنْ رَأْسِهِ أَوْ مِنَ البَدَنِ، وَلَوْ قَطَعَ يَدَ نَفْسِهِ وَعَلَيْهِ شَعَرَاتٌ فَلاَ فِدْيَةَ، ولو امْتَشَطَ لحْيَتَهُ فأنْتُتفَتْ شَعَرَاتٌ لَزِمَتِ الفِدْيَةُ، وَإِنْ شَكَّ في أَنَّهُ كَانَ مُنْسَلاً فَانْفَصَلَ أَو انْتُتِفَ بَالمُشْطِ فَفِي الفدْيَةِ قَوْلاَنِ لِمُعَارَضَةِ السَّبَبِ الظَّاهِرِ أَصْلَ الْبَرَاءَةِ.
قال الرافعي: حلق الشَّعْرِ قبل أَوانِ التحلل مَحْظُور، قال الله تَعَالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ 304 الآية، وتتعلق به الفدية، فإن الله تَعَالَى أوجب الفِدْيَة على المَعْذُورِ في الحَلْقِ حيث قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ 305 الآية، وإذا وجبت الفِدْيَةُ على المعْذُورِ فعلى غَيْرِ المَعْذُورِ أَوْلى 306، ولا فرق بين شَعْرِ الرَّأْسِ وَالبَدَنِ.
أما شَعْرُ الرَّأْسِ فَمَنْصُوصٌ عَلَيْهِ.
وأما غيره فالتنظيف والتّرَفه في إزالته أكْثَر.
وَذَكَر المُحَامِلِيّ أن في رواية عن مالك303
الجزء: 3 - الصفحة: 473
لا تتعلق الفِدْيَة بشعر البَدَنِ.
والتقصير كالحَلْقِ، كما أنه في معناه عند التَّحَلُّلِ وقَلْم الأظفار كَحَلْقِ الشَّعْرِ، فإنها تزال للتنظيف والترفه، وليس الحكم في الشَّعْرِ منوطاً بخصوص الحَلْقِ، بل بالإزَالَةِ والإبَانَةِ فيلحق به النَّتْفُ والإحْرَاقُ وغيرهما، وكذلك يلحق بالقَلْمِ الكَسْرُ والقَلْعُ.
ولو قطع يَدَهُ أو بعض أصابَعِهِ وعليها الشَّعْرُ والظّفْرُ فلا فِدْيَةُ عَلَيْهِ، لأن الشَّعْر وَالظُّفْرَ تَابِعَانِ هاهنا غير مقصودين بالإبَانَةِ، وعلى هذا القياس لو كشط جلدةُ الرَّأْسِ فَلاَ فِدْيَةَ عَلَيْهِ، والشَّعْرُ تَابعُ وشَبَّه ذلك بمَا لو كانت تحته امرأتان صغيرة وكبيرة فأرضعت الكبيرة الصَّغِيرة يبطل النِّكَاح، ويجب المَهْر 307 ولو قتلتها لا يجب المهر؛ لأن البضع تَابعٌ عند القتل غير مقصود، ولو امتشط لحيته فانتتفت شعيرات فعليه الفِدْيَة، وإن شَكَّ في أنه كان منسلاً فانفصل أو انتتفت بالمَشْط، فقد حكى الإمام وصاحب الكتاب في وجوب الفدية قولان، وقال الأكثرون: فيه وَجْهَان:
أحدهما: أنها تجب؛ لأن الأَصْلَ بقاؤه ثَابِتاً إلى وقت الامتشاط، ولأنه سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي حُصُولِ الإبانة، فيضاف إليه كما أن الإجهاض يضاف إلى الضرب.
وأصحهما: أنها لا تجب؛ لأن النتف لم يتحقق، والأصل بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ عَنِ الفِدْيَةِ.
قال الغزالي: وَيَكْمُلُ الدَّمُ في ثَلاَثِ شَعَرَاتٍ، وَفِي الوَاحِدَةِ مُدٌّ في قَوْلٍ، ودَرْهَمٌ فِي قَوْلٍ، وَثُلْثُ دَمٍ في قَوْلٍ، وَدَمٌ كَامِلٌ في قَوْلٍ.
قال الرافعي: ستعرف في باب الدِّمَاءِ فدية الحَلْقِ، وأن إراقة الدِّمَاءِ إحدى خصالها، ولا يعتبر في وُجُوبِهَا تامة حلق جَمِيعِ الرَّأْسِ، ولا قلم جَمِيع الأظفار بالإجْمَاع، ولكن يكمل الدم في حَلْق ثلاثة شَعَرَات، وقلم ثَلاثةِ أَظْفَار مِنْ أظفَارِ اليَّدِ والرِّجْلِ، سواء كانت من طَرَفٍ وَاحِدٍ، أو من طرفين خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: لا يكمل الدّمُ حتى يَحْلِقَ ربع الرأْس، أو يقلم خَمْسَةَ أَظْفَار من طَرَفٍ وَاحِدٍ، ولمالك -رضي الله عنه- حيث قال: لا يكمل بحلق ثَلاَثِ شَعَرَاتٍ، وإنما يكمل إذا حَلَقَ من رأسه القدر الذي يحصل به إماطة الأَذَى، ولأحمد -رحمه الله- حيث قدر في رواية بأربع شَعَرَات، والرواية الثانية عنه مثل مَذْهَبِنَا.
لنا أن المفسرين ذكروا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ 308 أن المعنى فَحَلَقَ فَفِدْيَةٌ.
الجزء: 3 - الصفحة: 474
ومن حلق ثَلاَثَ شَعَرَاتٍ فقد حَلَقَ، وهذا إذا حَلَقَهَا دفعةً وَاحِدَةً في مكانٍ وَاحِدٍ، فإن فَرَّقَ زَمَاناً، أو مكاناً فسيأتي في النَّوْعِ السَّادِسِ حُكْمُه.
وإن اقتصر على حلق شَعْرَةٍ وَاحِدةٍ أو شعرتين ففيه أقوال:
أظهرها: وهو الذي ذكره في أكثر كتبه أن في شعرة مداً من طَعَام، وفي شعرتين مُدَّيْن 309؛ لأن تبعيضَ الدَّمِ عسر، والشَّرْعُ قد عدل الحيوان بالطَّعَام في جَزَاءِ الصَّيْد وغيره، والشَّعْرَةُ الوَاحِدَةُ هِيَ النِّهَاية فِي القِلَّة، والمد أقل ما وجب في الكَفَّارَاتِ فقوبلت به.
والثاني: في شعرة دِرْهَم، وفي شعرتين دِرْهَمَيْنِ؛ لأن تبعيض الدَّمِ عَسِير، وكان الشَّاة تُقَوَّم في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بثلاثة دراهم تقريباً، فاعتبرت تلك القيمة عند الحَاجَةِ إلى التَّوْزِيعِ.
والثالث: رواه الحميدي عن الشَّافِعِي: في شَعْرَة ثُلُثُ دَمٍ، وفي شعرتين ثُلُثَا دَمٍ، تقسيطاً للواجب في الشَّعَرَاتِ الثَّلاَثِ على الآحاد، وقد ذكر أن هذا القول منقول في تَرْكِ الحَصَاةِ والحَصَاتين، فخرج هاهنا، وذكر في القَوْلِ الثَّانِي مِثْلُه.
الرابع: حكاه صاحب "التقريب" وغيره أن الشَّعْرةَ الوَاحِدَة تقابل بدَمٍ كَامِلٍ، وهو اختيار الأستاذ أبي طاهر، ووجهه بأن محظورات الإحرام لا تختلف بالقِلَّةِ والكثرة، كما
الجزء: 3 - الصفحة: 475
في الطّيبِ واللِّبَاسِ، فإذا عرفت ما ذكرناه أعملت قوله: (في ثلاث شعرات) بالحاء والميم والألف، ولك أن تُعَلِّم الحكم في الأحوال الأربعة بالحاء؛ لأنه لا يوجب فيما دون الرُّبع شَيئاً مقدراً، وإنما يوجب صدقة، وأن تُعَلِّم قوله: (ودرهم في قول) بالواو؛ لأن من الأصحاب من لم يثبته قولاً للشافعي، وادعى أنه ذكره حكاية عن مذهب عطاء، والخلاف في الشَّعْرَة والشعرتين جَارٍ في الظُّفْرِ والظُّفْرَينِ.
ولو قلم دون القدر المعتاد كان كما لو قصر الشعر.
ولو أخذ من بعض جوانبه ولم يأت على رأس الظهر فقد قال الإمام: إن قلنا: يَجِب في الظفر الواحد ثلث دم، أو درهم، فالواجب فيه ما يقتضيه الحِسَاب، وإن قلنا: يجب فيه مُدٌّ فلا سبيل إلى تبعيضه -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَإِنْ حَلَقَ بِسَبَبِ الأَذَى جَازَ وَلَزِمَ الفِدْيَة، وَإِنْ نبَتَتْ شَعْرَةٌ في دَاخِلِ الجَفْنِ فلاَ فِدْيَةَ في نَتْفِهَا؛ لِأَنَّهُ مُؤذٍ بِنَفْسِهِ كَالصَّيْدِ الصَّائِلِ، وَالنِّسْيَانُ لاَ يَكُونُ عُذْراً فِي الحَلْقِ وَالإتْلافاتِ عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْن.
قال الرافعي: مقصود الفصل حكم المَعْذُورِ في الحَلْق، والذي سبق كان مع غير المَعْذُورِ، ونعم صور العذر أنه لا يأتم بالحَلْقِ، وفي الفِدْيَة صور:
إحداها: لو كثرت الهَوَامْ في رَأسِهِ، أو كانت به جراحة وأحوجه إذا هام إلى الحلق فله ذلك، وعليه الفدية.
كان كَعبُ بْنُ عجرَة يوقد تحت قدره، والهوام تنتثر من رأسه فمر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ فَاحْلِقْ وَانْسُكْ بِدَمٍ أَوْ صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّق بفَرَقٍ مِنَ الطَّعَامِ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ" 310 والفَرَقُ: ثلاثة آَصع، وكذا الحكم لو كَانَ كثيرَ الشَّعْرِ، وكان يتأذى بالحَرِّ.
الثانية: لو نبتت شعرة، أو شعرات في دَاخِلِ الْجِفْنِ، وكان يتأذى بِهَا فله قَلْعُهَا، ولا فدية عليه؛ لأن التأذي هاهنا من نفس الشعر فهي كالصَّيْدِ الصَّائلِ على المُحْرِمِ بخلاف الصُّورة الأُولَى.
وعن الشَّيْخُ أَبِي عَلِيِّ طريقة أخرى في المسألة، وهي تخريج الضَّمَان على وجهين بناء على القولين فيما إذا عمت الجراد المَسَالك، واضطر إلى وطئها وإتْلاَفِهَا.
ولو طال شَعْرُ حَاجِبِهِ ورأْسه وَغَطَّى عَيْنَه قطع القدر المُغَطّي، ولا فدية عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 476
وكذا لو انكسر ظفره وتأذى به قطعة، ولا يقطع معه من الصحيح شيئاً.
الثالثة: ذكرنا أن النسيان يُسْقِطُ الفِدْيَة في الطِّيب وَاللِّبَاسِ، وكذلك الحكم فيما عَدَا الوَطْءِ من الاستمتاعات، كالقُبْلَةِ واللَّمْسِ بالشَّهْوَةِ، ولو وَطِئَ نَاسِياً ففيه خلافٌ سيأتي، وهل يسقط الفِدْيَةُ في الحَلْقِ، والقَلْم؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، كما في الاستمتاعات.
وأصحهما: لا، لأن الإتْلاَفات لا فَرْقَ فيها بين العَمْدِ والخَطَأ، كما في ضَمَانِ الأَمْوَالِ، وهذا منصوص، والأول مُخَرَّجٌ من أحد قوليه فيما إذا حَلَقَ المُغْمَى عَلَيْهِ، فإنه نَصَّ ثم على قوله، ومنهم من قطع بما نص عليه، وامتنع من التخريج، وفرق بأن النَّاسِي يعقل ما يتعطاه بِخِلاَفِ المُغْمَى عَلَيْهِ، والمجنونُ والصَّبِيُّ الذي لا يُمَيَّز كالمُغْمَى عَلَيْهِ.
ويجوز إعلام قوله: (على أظهر القولين) بالواو، لأنه أجاب بالطريقة المبينة للخلاف.
وقوله: (في الحلق والإتلافات) يدخل فيه قتل الصيد، ويقتضي كونه على الخلاف، وهكذا قال الأكثرون، وأشار مشيرون إلى تخصيص الخِلاَفِ بِالْحَلْقِ، والقَلْمِ والقَطْعِ بأنه لا أثر له في قتل الصَّيد.
قوله: (والنسيان لا يكون عذراً) أراد في إِسْقَاطِ الفدْيَةِ، فأما الإثم فالنسيان بسقطه كما في سَائِرِ المَحْظُورَاتِ.
قال الغزالي: وَلَوْ حَلَقَ الحَلاَلُ شَعَرَ الحَرَامِ بِإذْنِهِ فَالفِدْيَةُ عَلَى الحَرَامِ، وَإِنْ كَانَ مُكْرَهاً وإن (ج) فَعَلَى الحَلاَلِ، وَإِنْ كَانَ سَاكِتاً فَقَوْلاَنِ.
قال الرافعي: إذا حلق شعر غيره فإما أن يكون الحَالِقُ حَرَاماً والمَحْلُوق حَلاَلاً، أو بِالْعَكْسِ، أو يكونا حَرَامَيْنِ، أو حَلاَلَيْنِ.
أما الحَالَة الأخيرة فلا يخفى حكمها.
وأما الأولى فلا مَنْعَ مِنْهَا، ولا يجب على الحَالِق شَيْءُ، وبه قال مالك، وأحمد خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: ليس لِلْمُحْرِمِ أن يحلق شَعْرَ غَيْرِهِ، ولو فعل فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ.
لنا أن هذا الشَّعْرَ ليس له حُرْمَة الإِحْرَامِ، فجاز له حلقه كَشَعْرِ البَهِيمَةِ.
وأما: إذا حلق الحلاَلُ أو الحَرَامُ شَعْرَ الحَرَامِ فقد أساء، ثم ينظر إن حلق بأمره فالفدية على المَحْلُوقِ، لأن فِعْلَ الحَالِقِ بأمره مُضَافٌ إليه، ألا تَرَى أنه لو حلف أن لا يَحْلِقَ رَأسه فأمر غَيْرَه فَحلقَ حنث في يمينه، ولأن يَدَه ثابتةٌ عَلَى الشَّعْرِ، وهو مأمور بحفظه.
إما على سَبِيلِ الوَدِيعَةِ أو العَارَيةِ كما سيأتي، وكلاهما إذا تَلَف فِي يَدِهِ بأمره يَضْمَن.
إن حلق لا بَأمره، فينظر إن كَانَ نائماً أو مكرهاً أو مُغْمَى عَلَيْهِ، ففيه قولان:
الجزء: 3 - الصفحة: 477
أصحهما: أن الفدية على الحَالِقِ، وبه قال مَالِكٌ وأحْمَدُ -رحمهما الله- لأنه المُقَصِّر، ولا تقصير من المَحْلُوقِ، وهذا ما أورده في الكِتَابِ.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: أنها على المحلوق واختاره المُزَنِيُّ - رحمه الله-: لأنه المرتفق به، وقد ذكر المُزَنِيُّ أن الشَّافِعِيَّ -رضي الله عنه- قد خط على هذا القول، لكن الأصحاب نقلوه عن البويطي، ووجدوه غير مخطوط عليه، وبنوا القولين على أن استحفاظ الشَّعْرِ في يد المحرم جَارٍ مجرى الوَدِيعَةِ، لأ مَجْرَى العَارَيةِ وفيه جوابان.
إن قلنا بالأول فالفدية على الحَالِقِ، كما أن ضمان الوَدِيعَةِ عَلَى المُتْلِفِ دُونَ المودع.
وإن قلنا بالثاني، وجبت على المَحْلُوقِ وجوب الضَّمَانِ عَلَى المُسْتَعِير قالوا: والأول أظْهَر؛ لأن العَارِيةَ هي التي يمسكها لمنفعة نفسه، وقد يريد المحرم الإزالة دون الإِمْسَاكِ، وأيضاً فإنه لو احترق شَعْرُه بتطاير الشَّرَرِ، ولم يقدر على التطفية لا فدية عليه، ولو كان كالمستعير لوجبت عليه الفِدْيَة.
التفريع: إن قلنا: الفدية على الحَالِقِ، نظر إن فدى فَذَاك، وإن امتنع مع القدرة فهل للمحلوق مطالبته بِإِخْرَاجِهَا؟ فيه وجهان، وجواب الأكثرين أن له ذلك بناء على أن المُحْرِمَ كالمُودِعِ، والمودع خَصْم فِيمَا يُؤْخَذ منه، ويتلف في يديه.
ولو أخرج المحلوق الفدية بإذن الحالق جاز، أو بِغَيْرِ إِذْنِهِ لاَ يَجُوزُ في أَصَحِّ الوجهين، وبه قال ابْنُ القَطَّانِ وَأَبُو عَلِيّ الطَّبَرِي: كما لو أخرجها أَجْنَبِيّ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وإن قلنا: إن الفِدْيَةَ على المَحْلوقِ، فينظر إن فدى بالهَدْي أو الإطْعَام رَجَعَ بأقَلّ الأَمْرَيْنِ من الطَعَامِ، أو قيمة الشَّاة على الحَالِقِ، وَلاَ يرجع بِمَا زَاد؛ لأن الفِدْيَة علىَ التَّخْيِيرِ، وهو مُتَطَوُعٌ بالزِّيَادَةِ، وإن فدى بالصَّوْمِ فَهَلْ يَرْجِع؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا، وعلى الثَّاني بم يرجع؟ فيه وجهان.
أظهرهما: بثلاثة أَمْدَادٍ مِنْ طَعَامِ، لأن صَوْمَ كُلِّ يَوْمٍ مُقَابِلٍ بمد.
الثاني: بما يرجع به، لو فدى بالهُدْي أَو الإِطْعَامِ، ثم إِذَا رجع فَإِنَّمَا يرجع بعد الإِخْرَاجِ في أصَحِّ الوَجْهَيْنِ.
والثاني: له أن يأخذ منه، ثم يخرج، وهل لِلْحَالِقِ أن يفدي على هَذَا القَوْلِ.
أما بالصوم فَلاَ، لأنه متحمل، والصوم لا يتحمل.
وأما بِغَيْرِهِ فَنَعَمْ، ولكن بِإذْنِ المَحْلُوقِ؛ لأن في الفِدْيَةِ معنى القُرْبَى، فلا بد من نيَّةِ مَنْ لاَقاهُ الوُجُوبُ.
وإن لم يكن نائماً ولا مُغْمَى عَلَيْهِ، ولا مكرهاَ لكنه سكت عن الحَلْقِ، ولم يمنع منه فقد قال في الكتاب فيه قولان، وقال المعظم: وجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 478
أحدهما: أن الحُكْمَ كما لو كَانَ نَائِماً؛ لأن السُّكوتَ لَيْسَ بِأَمْرٍ، ألا ترى أن السُّكُوت عَلَى إِتْلاَفِ المَالِ لا يكون أمْراً بالإِتْلاَفِ.
وأصحهما: أنه كما لو حلق بأمره؛ لأن الشَّعَرَ عِندَه إِمَّا كَالوَدِيعَة، أو كالعارية، وعلى التقديرين يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْهُ.
ولو أمر حَلالٌ حَلاَلاً بحلق شعر حرام، وهو نائم فالفِدْيَة على الآمر إن لم يعرف الحَالِقُ الحَالَ، وإن عرف فعليه في أصح الوجهين.
قال الغزالي
: النَّوْعُ الخامِسُ: الجِمَاعُ
وَنَتِيْجَتُهُ الفَسَادُ وَالقَضَاءُ وَالكَفَّارَةُ، وَإِنَّمَا يَفْسَدُ بِالجِمَاعِ قَبْلَ التَّحَلُّليْنِ (ح) وَفيمَا بَيْنَهُمَا فلاَ، وَفِي العُمْرَةِ قبْلَ السَّعْي إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: الحَلْقُ نُسُكٌ فَيَفْسَدُ قَبْلَ الحَلْقِ، وَلَيْسَ لِلعُمْرَةِ إِلاَّ تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ.
قال الرافعي: قال الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ 311 أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا، والرَّفَثُ مفسر بالجماع، فالجماع في الحَجِّ والعمرةُ نَتَائِج، فَمِنْهَا فساد النُّسُكِ، يروى ذلك عن عمر 312 وعلي 313 وابْنِ عباس 314 وأبي هريرة 315 وغيرهم من الصَّحَابَةِ -رضي الله عنهم- أجْمَعِين.
واتفق الفقهاء عليه بعدهم، وإنما يفسد الحج بالجِمَاعِ إذا وَقَعَ قَبْلَ التحللين لِقُوَّةِ الإِحْرَامِ، ولا فرق بين أن يقع قبل الوُقُوفِ بعَرَفَةَ أو بَعْدَه خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: لا يفسد بِالْجِمَاعِ بَعْدَ الوقوف، وَلكن تلزمِ بِهِ الفدْيَة.
وأما الجماع بين التحللين فلا أَثَرَ لَهُ فِي الفَسَادِ.
وعن مالك وأحمد -رحمهما الله- أنه يفسد ما بقي من إحْرَامِهِ ويقرب منه ما ذَكَرَهُ القَاضِي ابْنُ كِجٍّ أن أبا القَاسِم الدركي، وأبا عَلِي الطَّبَرِيّ حَكَيَا قولاً عن القديم أنه يخرج إلى أدنى الحِلِّ، ويجدد منه إحْرَاماً ويأتي بِعَمَلِ عُمْرَةٍ.
وأطلق الإمام نقل وجه أنه مفسد كما قبل التَّحلل، وتَفْسُدُ العمرة أيضاً بالجِمَاع قبل حُصولِ التَّحَلُّلِ، ووقت التحلل مِنْهَا مَبْنِيٌّ عَلَى الخِلاَفِ السَّابقِ في الحَلْقِ، فإن لم نجعله نسكاً فإنما يفسد بالجِمَاعِ قَبْلَ السَّعْي، وإن جعلناه نُسُكاً فيفسد أيضاً بالجِمَاعِ قَبْلَ
الجزء: 3 - الصفحة: 479
الحَلْقِ.
وقال أَبُو حَنِيفةَ -رحمه الله-: إنما يفسد إذا جَامَعَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ أَرْبَعَةَ أشْوَاطٍ، وأما بعد ذلك فَلاَ.
ويجوز أن يُعَلَّم لذلك قوله في الكتاب: (قبل السعي) وقوله: (قبل الحلق) كلاهما بالحاء.
واعلم أن التفصيل الذي ذكره في أن الجِمَاعَ يفسدها قَبْلَ الحَلْقِ أو لا يُفْسِدُهَا إلا إذا وقع قَبْلَ السَّعْي مبنياً على الحَلْقِ، هل هو نُسُك ضرب من البَسْطِ والإيضَاحِ، إلا فَإذَا عرفنا في هذا الموضوع أن الجِمَاعَ قبل التَّحَلُّلِ مفسد، وعرفنا من قبلَ الخلاف فِي أن الحَلْقَ هل هو نُسُكٌ أَم لاَ، لا يشتبه علينا التفصيل المذكور.
واللواط، وإتيان البهيمة في الإفساد كالوَطْءِ في الفَرْجِ، وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- فيهما ولمالك -رحمه الله- في إِتْيَانِ البَهِيمَةِ، وروى ابْنُ كِجٍّ وَجْهاً كمذهب مالك.
قال الغزالي: ثُمَّ يَجِبُ المُضِيُّ في فاسِدِهَا بَإِتْمَامِ مَا كَانَ تَتِمَّةً لَوْلاَ الإفْسَادُ، ثُمَّ عَلَيْهِ بَدَنَةٌ إن أَفْسَدَ، وَإِنْ كانَ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ فَشَاةٌ وَقِيلَ: بَدَنَةٌ، وَقِيلَ: لاَ يَجِبُ شَيْءٌ، وَالجِمَاعُ الثَّاني بَعْدَ الإفْسَادِ فِيهِ شَاةٌ، وَقِيلَ: بَدَنَةٌ، وَقِيلَ: لاَ شَيْءَ بَلْ يَتَدَاخَلُ.
قال الرافعي: سائر العِبَادَاتِ لا حرمة لَهَا بَعْدَ الفَسَادِ، ويصير الشَّخْصُ خَارِجاً مِنْهَا لكن الحَجِّ والعُمْرَة وإن فسدا يجب المُضِيُّ فِيهِمَا، وذلك بإتمام ما كان يفعله، لولا عروض الفَسَادِ، وروى عن عمر 316 وعلي 317 وابْنُ عَبَّاسٍ 318 وأبي هريرة 319 -رضي الله عنهم- أنهم قالوا: "مَنْ فَسَدَ حَجُّهُ مَضَى فِي فَاسِدِهِ، وَقَضَى مِنْ قَابِلٍ".
ومن نتائج الفَسَادِ الكفارة، وهي بدنة، والقول في كيفية وجوبها، وما يقوم مقامها مذكور في بَابِ الدِّمَاءِ.
وعند أبي حنيفة -رحمه الله- إِنْ جامع قبل الوقوف لا تجب الفِدْيَة، وإنما يجب فيه دم شَاةٍ، وهذا مع تسليمه حصول الفَسَادِ، والحالة هَذِه، ولذلك أعلم قوله: (وعليه بدنه إن أفسد) بالحاء، والعمرة كالحَجِّ في وُجُوبِ البَدَنَةِ.
وعن أبي إسحاق: أن بعض أصْحَابِنَا ذهب إلى أن لا يَجِب فِي إِفْسَادِهَا إِلاَّ شاة، لانخفاض رتبتها عَنْ رُتْبَةِ الحَجِّ، ثم في الفَصْلِ مَسْأَلَتَانِ:
إحداهما: لو جامع بين التحللين وفرعنا على الصَّحِيحِ، وهو أن لا يُفْسِد ففيما يجب؟ فيه قولان:
أظهرهما: شاة، لأنه لا يتعلق فَسَاد الحَجِّ بِهِ، فأشبه المُباشَرة فيما دُونَ الفَرْجِ.
الجزء: 3 - الصفحة: 480
واختار المزني هذا القول، وأشار في "المختصر" إلى تخريجه للشافعي -رضي الله عنه-، وقيار: إنه حَكَاهُ فِي غير "المختصر" عن نصه.
والثاني: أن الواجب بدنهُ، لأنه وَطْءٌ محظورٌ في الحَجِّ، فأشبه الوَطْءَ قَبْلَ التحلل، وبهذا قال مَالِك وأحمد، ونقل الإمام بدل القولين وجهين، ووجهًا ثَالِثاً، وهو أنه لاَ يَجِب فيه شَيْءٌ أَصْلاً، وهو ضَعِيف؛ لأن الوطء لا ينقص عن سَائِرِ محظورات الإحْرَامِ، وهي بين التحللين موجبة للفدية على ظَاهِرِ المَذْهَب، وإذَا عرفت ذلك عَلَّمْتَ قوله: (فشاه) وقوله: (لا يجب شيء) بالميم والألف، وقولهَ: (بدنه) وقوله: (لا يجب شيء) بالزاي.
الثانية: إذا فسد حَجُّه بالجِمَاعِ ثم جامع ثانياً، فينظر إن لم يفد عن الأول ففي وجُوبِ شَيْءٍ للثَّانِي قولان:
أحدهما: لا يجب، بل يتدخلان كما لو جَامَع في الصَّوْمِ مرتين لا تَجِب إلاَ كَفَّارةٌ وَاحِدَةٌ.
وأصحهما: أنه لا تداخل لبقاء الإحْرَامِ، ووجوب الفدية بارتكاب سَائِرِ المَحْظُورَاتِ بِخِلاَفِ الصَّوْمِ، فإنه بالجماع الأول قد خرج عنه، وإن فدى عن الأول فلا تَدَاخل على المَشْهُورِ، ومنهم من طرد القولين، وبعضهم خصص القولين في الحالين بما إذا طَالَ الزَّمَانُ بَيْنَ الجِمَاعَيْنِ، واختلف المجلس، وقطع بالتداخل فيما إذا لم يكن كذلك، وحيث قلنا: بعدم التَّدَاخُلِ ففيما يَجِب بالجِمَاعِ الثَّانِي قولان:
أحدهما: بدنه كما في الجِمَاعِ الأول.
وأظهرهما: شاة؛ لأنه محظور لا يتعلق به فساد النُّسُكِ، فأشبه سائر المحظورات، وإذا اختصرت هذه الاختلافات قلت في المسألة ثلاثة أقوال على ما ذكره في الكتاب:
أظهرها: أن الجِمَاعَ الثاني يوجب شَاةً، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ -رحمه الله-.
والثاني: أنه يوجب بَدَنه.
والثالث: أنه لا يوجب شيئاً وبه قال مالك.
وعند أحمد -رحمه الله- إن كَفَّرَ عن الأوَّلِ وجب للثاني بَدَنَةٌ، ويجوز أن يُعَلَّم لهذه المذاهب قوله: (فيه شاة) بالميم، والألف، وقوله: (بدنة) بالميم والحاء، وقوله: (لا شيء) بالحاء والألف.
قال الغزالي: ثُمَّ إِذَا أَتَمَّ الفَاسِدَ يَلْزَمُهُ القَضَاءُ، وَيتَأَدَّى بِالقَضَاءِ مَا كَانَ يَتَأَدَّى
الجزء: 3 - الصفحة: 481
بِالأَدَاءِ مِنْ فَرْضِ إسْلاَمٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كانَ تَطَوُّعاً فَيَجِبُ القَضَاءُ وَلاَ يَتَأدَّى بِهِ غَيْرُ التَّطَوُّعِ، وَفِي وُجُوبِ القَضَاءِ عَلَى الفَوْرِ وَجْهَانِ، وَكَذَا في الكَفَّارة وَقَضَاءِ الصَّوْمِ إِذَا وَجَبَا بعُدْوَانٍ، وَإِنْ كَانَ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ فَلاَ يَضِيقُ، وَقَضَاءُ الصَّلاَةِ المَتْرُوكَةِ عَمْداً عَلَى الفَوْرِ لِتَعَلُّقِ القَتْلِ بِهِ، وَإذَا أَحْرَمَ مِنْ مَكَانٍ لَزِمَهُ في القَضَاءِ أَنْ يُحْرَمِ مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بَلْ لَهُ التَّأْخِيرُ.
قال الرافعي: إفساد الحَجِّ يقتضي القضاء بالاتفاق، وقد روينا عن كِبَارِ الصَّحَابَةِ -رضي الله عنه- أنهم قالوا: "وَقَضَى مِنْ قَابِل"، ولا فرق في وجوب القَضَاءِ بين حَجِّ الفَرْضِ، وحَجِّ التَّطَوُّع، فإن التطوع يصير بالشُّروعِ فَرْضاً أيضاً، وقضاء كُلِّ حَجَّةٍ يجزئ عَمَّا كان يُجْزِئ آداؤها لَوْلاَ الفَسَاد فَلاَ يتأدى بالفَرْضِ غيره، ولا بالتطوع غيره.
ولو أفسد القضاء بالجماع لزمته الكَفَّارة، ولم يلزمه إلا قَضَاء واحد؛ لأن المقضي وَاحِدٌ، ويتصور القَضَاء في عَامِ الإفْسَادِ بأن يحصر بعد الإفساد، ويتعذر عليه المضي في الفَاسِدِ فيتحلل، ثم يتفق زوال الحَصْر، والوقت باقٍ فيشتغل بالقضاء.
هذا أصْلُ الفَصْلِ، ويتعلق به صور:
إحداها: في كيفية وجوب القضاء وجهان:
أحدهما: أنه على التَّرَاخِي، كما كان الأداء عَلَى التَّرَاخِي.
وأصحهما: أنه على الفَوْرِ؛ لأنه لزم، وتضيق بالشّرُوع، ويدل عليه ظَاهِر قول الصَّحَابَةِ -رحمه الله عنهم- أنه يقضي من قَابِل، وعن القَفَّالَ: إجراء هذا الخلاف في كل كَفَّارَةٍ وجبت بعْدوَان؛ لأن الكَفَّارَةَ فِي وَضْعِ الشَّرْعِ على التَّرَاخِي كَالْحَجِّ.
وأما الكفارة الواجبة من غير عدوان فَهِى عَلَى التَّرَاخِي لاَ مَحَالَة، وأجرى الإمامُ - رحمه الله- الخلاف في المتعدي بترك الصَّوْمِ أيْضاً، والكلام في انقسام قضاء الصَّوْمِ إلى الفَوْرِ والتَّرَاخِي، والخلاف فيه قد مَرَّ في كِتَابِ الْصَّوْمِ.
قال الإمام: والمتعدي بترك الصَّلاة يلزمه قَضَاؤُهَا على الفَوْرِ بِلاَ خِلاَفٍ عَلَى المَذْهَبِ؛ لأن المصمم على ترك القَضَاءِ مَقْتُول عِنْدَنَا، ولا يتحقق هَذَا إلاَّ مَعَ توجه الخِطَاب بمبادرة القَضَاءِ وهذا ما أورده المُصَنِّف حُكْماً وتوجيهاً، وفي التوجيه وقفة؛ لأن أكثرَ الأَصْحَاب لم يعتبروا فيما يناط به القتل ترك القَضَاءِ على ما عرفت في باب تَارِكِ الصَّلاَةِ.
وأما الحكم فاعلم أن في وجوب الفور وجهين في حَقِّ المتعدي.
أحدهما -وبه أجاب في الكتاب-: أنه يجب، لأَنَّ جواز التأْخِيرِ نوع تَرْفِيهٍ
الجزء: 3 - الصفحة: 482
وتخفيف، والمُتَعَدِّي لا يستحق ذَلِك، ويحكى هذا عن أبي إسحاق وهو الأشبه على ما ذكرنا في ترك الصَّوْم.
والثاني: أنه لا يجب إذ الوقت قد فات واستوت بعده الأوقات، وربما رجح العراقيون هذا الوجه.
وأما غير المتعدي فالمَشْهُورُ أنه لا يلزمه الفَوْر في القَضَاءِ، روي أن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "فَاتَتْه صَلاة الصُّبْحِ فَلَم يُصَلِّهَا حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْوَادِي" 320.
ونقل في "التهذيب" وجهاً أنه يلزمه لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا" 321.
الثانية: إن كان قد أحرم في الأَدَاءِ قبل الميقات مثل إن أحرم من الكوفة أو من دوَيْرَةِ أَهْلِهِ لزمه أن يخرج في القَضَاءِ من ذلك المَوْضِعِ، لأن ما بين ذلك الموضع مسافة لزمه قطعها مُحْرِماً في الأَدَاءِ، فيلزمه في القَضَاءِ كما بين الميقات ومكَّة، ولو جاوزه أراقَ دَماً كما لو جاوز المِيقَات الشَّرْعِي.
وإن كان قد أحرم بَعْدَ مجاوزة المِيقَاتِ نظر إن جاوزه مسيئاً لزمه في القضاء أن يحرم من الميقات الشَّرْعِي، وليس له أن يُسِيءَ ثَانِياً، وهذا معنى قول الأصحاب يحرم في القضاء من أغلظ الموضعين عليه من الميقات، أو من حيث أحرم في الأَدَاءِ، وإن جاوزه غير مُسِيئٍ بأن لم يرد النُّسُك، ثم بَدَا لَهُ فأحرم، ثم أفسد فقد حكى الشيخ أَبُو عَلِيٍّ فيه وجهين:
أحدهما -وهو الذي أورده صاحب "التهذيب"-: أن عليه أن يحرم في القَضَاءِ من المِيقَاتِ الشَّرْعِي، لأنه الوَاجِب فِي الأَصْلِ.
وأصحهما: عند الشيخ أَبِي عَلِيٍّ: أنه لا يلزمه ذلك، بل له أن يحرم من ذلك الموضع سُلُوكاً بالقضاء مَسْلَك الأَدَاءِ، وهذا لو اعتمر المتمتع من الميقات ثم أحرم بالحَجِّ من مَكَّة وأفسده لا يلزمه في القَضَاءِ أن يحرم من المِيقَاتِ، بل يكفي أن يُحْرِمُ مِنْ جَوْفِ مَكَّة.
ولو أفرد الحَجَّ ثم أحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ من أدْنَى الحِلِّ ثم أفسدها يكفيه أن يحرم في قَضَائِهَا مِنْ أدْنَى الحِلِّ، والوجهان مفروضان فيما إذا لم يرجع إلى المِيقَات فما فوقه.
أما إذا رجع ثم عاد فَلاَ بُدَّ مِنَ الإحْرَامِ مِنَ المِيقَاتِ.
واعلم قوله في الكتاب: (لزمه في القضاء أن يحرم من ذلك المكان) بالميم والحاء؛ لأن مالكاً وأبا حنيفة -رحمهما الله- قالا: يحرم في قَضَاءِ الحَجِّ من الميقات، وفي قضاء العُمْرَةِ مِن التَّنْعِيمِ.
ولا يجب أن يحرم بالقَضَاءِ في الزمان الذي أحرم فيه
الجزء: 3 - الصفحة: 483
بالأَدَاءِ، بل له التَّأْخِير عنه مئل أن يُحْرِم بالأَدَاءِ فِي شَوَّال، له أن يُحْرِمَ بالقَضَاءِ فِي ذِي القِعْدَةِ، وفرقوا بَيْنَ الزَّمَانِ والمكان بأن اعتناء الشرع بالميقات المَكَاني أَكْمَل، ألا ترى أن مَكَانَ الإِحْرَام يتعين بالنَّذْرِ، وزمانه لا يتعين حتى لو نذر الإحْرَامَ بِالْحجِّ في شَوَّالٍ له أن يُؤَخِّره، وظني أن هذا الاستشهاد لا يسلم عن النِّزَاعِ.
الثالثة -ولم يذكرها في الكتاب-: لو كانت المَرْأَةُ مُحْرِمَةٌ أيضاً نظر إن جَامَعَهَا وهي نائمةٌ أو مُكْرَهَةٌ لم يفسد حَجُّهَا، وإلا فَسَدَ، وحينئذ يَجِبْ عَلَى كُلِّ وَاحدٍ منهما بَدَنة أو لا يجب إلا بدنة واحدة؟ فيه قولان: والأصح الثَّانِي.
ثم تلك البدنة تختص بالرّجُل، أن يُلاَقِيها وهو متحمل عنها؟ فيه قولان كما سبق في الصَّوْمِ، وقطع قاطعون بلزوم البَدَنَةِ عليها بِخِلاَف الصَّوْمِ؛ لأن هناك يَحْصُل الفِطْرُ قَبْلَ تمام حقيقة الجِمَاعِ، وغير الجماع لا يوجب الكَفَّارة.
وإذا خرجت الزوجة لِلْقَضَاءِ فهل يَجِب على الزَّوْجِ ما زاد من النفقة بِسَبَبِ السَّفَرِ؟ فيه وجهان: قال في "العدة": ظاهر المذهب منهما الوجُوبِ.
وإذا خَرَجَا معاً للقضاء فليفترقا في المَوْضِع الذي اتفقت الإِصَابة فيه كَيْلاَ تدعوه الشَّهْوَةُ إِلَى المُعَاوَدَةِ، فإن معهد الوصال مشوق، وهَلْ يَجِب؟ فيه قولان:
القديم: نعم، وبه قال أحمد؛ لما روى عن ابْنِ عَبَّاس -رضي الله عنهما- أنه قال: "فَإذَا أتَيَا الْمَكَانَ الذِي أَصَابَا فِيهِ مَا أَصَابَا تَفَرَّقَا" 322.
والجديد: لا، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ، كما لا يجب في سَائِرِ المَنَازِلِ، ويستحب أن يَتَفَرَّقَا مِنْ حِينَ الإحْرَامِ، وذهب مالك إلى وجوبه.
قال الغزالي: وَلَو أَفْسَدَ القَارِنُ فَفِي لُزُومِ دَمِ القِرَانِ وَجْهَانِ، وَتَفُوتُ العُمْرَةُ بفساد القِرَانِ، وَهَل تَفُوتُ بِفَوَاتِ الحَجِّ فِي القِرَانِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَوَجْهُ الفَرْقِ أن التَّحَلُّلَ عَنِ الفَائِتِ بِأعْمَالِ العُمْرَةِ.
قال الرافعي: يجوز للمفرد بأحد النسكين إذا فسده أن يقضيه مع الآخر قَارِناً، وأن يتمتع بالعُمْرَةَ إلَى الحَجِّ، ويجوز للمتمتع والقَارِنِ القَضاء عَلَى سَبِيلِ الإفْرَادِ، ولا يسقط دَمُ القَرَانِ بالقَضَاءِ عَلَى سَبِيلِ الإِفْرَادِ خلافاً لأحمد -رحمه الله-.
إذا عرفت ذلك فَفِي الفَصْل مسألتان:
الجزء: 3 - الصفحة: 484
إحداهما: إذا جامع القَارِن لم يخل إما أن يُجَامع قبل التَّحَلُّلِ الأَوَّل أو بعده.
الحالة الأولى: أن يجامع قبله فيفسد نسكاه، ويجب عليه بدنة واحدة لاتحاد الإحْرَام، وهل يلزم دَمُ القَرَانِ معَ البَدَنَة؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه لم يتمتع بِقَرَانِه، وقد ذَاقَ وَبَالَ الإِفْسَادِ فيكتفي به.
وأظهرهما: ولم يورد المعظم سواه؛ نعم؛ لأنه لزم بالشّروع فلا يسقط بالإِفْسَادِ.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله- لا بدنة إلا مَعَ الإِفْسَاد كما سبق، ويلزمه شَاتَانِ لأنهما نُسُكَانِ، ثم إذا اشتغل بقضائهما فإن قرن، أو تمتع فَعَلَيْهِ دَمٌ آخر، وإلا فقد أشار الشَّيْخُ أَبُو عَلِي -رحمه الله تَعَالى- إِلَى خلاَفٍ فيه 323، ومال مالك إلى أنه لا يَجِب شَيْءٍ آخر.
الثانية: أن يجامع بعد التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ فَلاَ يفسد واحد من نُسُكَيْهِ، واحتج له بأن عروض المفسد بعد التحلل من العبادة لا يُؤَثِّر، ألا ترى أنه إذَا سلم التسليمة الأولى من الصَّلاَةِ، ثم أتى بِمُفْسِدٍ لم تفسد صَلاتُه، ولا فرق بين أن يكَون قد أَتَى بأعْمَالِ العُمْرَةِ، أو لم يَأْتِ بهَا، وعن الأودني أنه إذا لم يأت بِشَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ العُمْرَةِ تَفسد العُمْرَة، والمذهب الأَوَّل؛ لأن العُمْرَة في القَرَانِ تتبع الحَجِّ فِي الحُكْم، ولهذا يَحِلُّ لِلْقَارِنِ معظم محظورات الإحرام بعد التحلل الأَوَّلِ وإن لم يأت بأعْمَالِ العُمْرَةِ.
ولو قدم القارن مَكَّة وَطَافَ وَسَعَى، ثم جامع بَطَل نُسُكَاهُ جَمِيعاً، وإن كان ذلك بَعْدَ أَعْمَالِ العُمْرَةِ.
ثم الواجب في هذه الحالة بدنة أو شاة؟ فيه قولان قد سَبَقَا.
المسألة الثانية: القارن إذا فاته الحَجُّ لفوات الوُقوفِ، هل يقضي بفوات عمرته؟ فيه قولان: وقال الإمام وصاحب الكتاب وَجْهَان:
أظهرهما: نعم، اتباعاً العمرة للحج كما تفسد بِفَسَادِهِ، وَتَصِحَّ بِصِحَّتِهِ.
والثاني: لا، لأن وَقْتَهَا مُوَسَّعٌ، ويخالف الفساد؛ لأن من فاته الحَجّ يتحلل بعمل عمرة فلا معنى لتفويت عمرته مع إتيانه بِهَا، واتساع وقتها، وإذا قُلْنَا: بفواتهما فعليه دَمٌ وَاحِدٌ للفوات، ولا يسقط عنه دَمُ القَرَانِ، وإذا قَضَاهُمَا فالحكم على ما ذكرناه في قضائهما عند الإِفْسَادِ، وإن قرن أو تمتع فعليه دَمٌ ثَالِثٌ، وإلا فَعَلَى الخلاف.
الجزء: 3 - الصفحة: 485
قال الغزالي: وَالجِمَاع دَاِئرٌ بَيْنَ الاسْتِمْتَاعَاتِ وَالاسْتِهْلاَكَاتِ، فَإِنْ أُلْحِقَ بِالاسْتِمْتَاعِ كَانَ النِّسْيَانُ عُذْراً فِيهِ.
قال الرافعي: جميع ما ذكرنا في جماع العامد العالم بالتحريم فأما إذا جامع ناسياً، أو جَاهِلاً بالتحريم ففي فساد حجه قولان:
القديم -وبه قال أبو حنيفة، ومالك المزني -رحمه الله-: أنه يفسد؛ لأن سبب مُعَلَّقٌ بِه وجوب القَضَاءِ، فأشبه الفوات في استواء عَمْدِهِ وَسَهْوِهِ.
والجديد: أنه لا يفسد إلا أن يُعَلَّم فيدوم عليه، ووجهه أن الحَجّ عبادة تتعلق الكَفَّارَةِ بإفْسَادِهَا، فيختلف حكمها بالعَمْدِ والسَّهْوِ، كالصوم وفارق الفوات؛ لأن الفوات يتعلق بارتكابِ مَحْظُورٍ، ولا يخفى افتراق الطرفين في الأُصُولِ.
وقوله: (والجماع دَائِرٌ بين الاستمتاعات والاستهلاكات إلى آخره)، أشار به إلى ما ذَكَرَهُ الأئمة أن معنى الاستمتاع بَيِّنٌ في الجِمَاع، وفيه مشابهة الاستهلاك، ولهذا يضمن به المهر بالقولان مبنيان على أن أي المعنيين يرجح إن رجحنا معنى الاستمتاع فرقنا بينهما كما في الطّيبِ وَاللِّبَاسِ، وهو الأصَح.
وقوله: (كان النسيان عذراً فيه) مُعَلَّمٌ بالحاء والميم والزاي، لما عرفته من مذهبهم، ولو أكره على الوَطْءِ، فمنهم من جعل الفساد على وجهين بناء على القولين في النَّاسِي، وعن أبي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رحمه الله- القطع بالفساد ذهاباً إلى أن إكراه الرجل على الوطء ممتنع ولو أحْرَمَ عَاقِلاً، ثم جن فجامع ففيه القولان في جِمَاعِ النَّاسِي 324 -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَيفْسَدُ الحَجُّ بِالرِّدَّةِ طَالَتْ أَوْ قَصُرَتْ، فَلَوْ عَادَ إلى الإسْلاَمِ لَمْ يَلْزَمِ المُضِيُّ فِي الفَاسِدِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الرِّدَّةِ مُحْبِطَةٌ.
قال الرافعي: لما تكلم فيما يفسد الحج، وهو الجماع أراد أن يبين أن المُفْسِدَ هل هوَ مُخْتَصِرٌ فيه أم لا؟ وفقه الفَصْل أن الأصحاب اختلفوا في أن عروض الرِّدَّةِ في الحَجِّ والعمرة يفسدهما على وجهين:
أحدهما: أنها لا تُفْسِدُهُمَا، لكي لا يعتد بالمأتي به في زمان الرِّدَّة على ما مَرَّ نظيره في الوُضُوءِ والأذان.
الجزء: 3 - الصفحة: 486
وأصحهما -وهو المذكور في الكتاب-: أنها تفسدهما كما تُفْسِدُ الصَّوْمَ والصَّلاةَ، ولا فرق على الوجهين بين أن يطول زَمَانُهَا أو يقصر، وإذا قلنا: بالفساد فوجهان:
أظهرهما: أنه يبطل النُّسُكُ بالكُلِّيَّةِ، حتى لا يمضي فيه لاَ فِي الردة ولا إذا عَادَ إلى الإِسْلاَمِ، لأن الرِّدَّةَ محبطَةٌ لِلْعِبَادَةِ.
والثاني: أن سَبِيلَ الفَسَادِ هَاهُنَا كَسَبِيلِهِ عند الجماع، فيمضي فيه لَوْ عَادَ إلى الإسْلاَم، لكن لا تجب الكَفَّارة كما أن إفساد الصَّوْمِ بالردة لا تتعلق به الكفارة، ومن قال بالأول فرق بينها وبين الجماع بمعنى الإحْبَاطِ، وأيضاً فإن ابتداء الإحْرَامِ لا ينعقد مع الرِّدَّةِ بِحَالٍ، وفي انعقاده مع الجِمَاعِ ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ينعقد على الصِّحَّة، فإن نزع في الحَالِ فذاك، إلا فَسَدَ نُسُكُه، وعليه البَدَنَةُ والقَضَاءُ، والمُضِيُّ فِي الفَاسِدِ.
والثاني: أنه ينعقد فاسداً، وعليه القضاء، والمُضِيَّ فيه مكث أو نزع، ولا تَجِب الفِدْيَةُ إِنْ نَزَعَ في الحَالِ، وإن مكث وجبت، وَهَلْ هِيَ بَدَنَةٌ أو شَاةٌ؟ يخرج على القولين في نَظَائِرِ هَذِهِ الصُّورَةِ.
الثالث: أنه لا ينعقد أصْلاً كما لا تنعقد الصَّلاة مع الحَدَثِ.
قال الغزالي
: النَّوْعُ السَّادِسُ مُقَدِّمَاتُ الجِمَاعِ كَالقُبْلَةَ وَالمُمَاسَّةِ،
وَكُلُّ مَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ مِنْهَا يُوجِبُ الفِدْيَةَ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِل (م)، وَلاَ تَجِبُ البَدَنَةُ إِلاَّ بِالجِمَاعِ، وَأَمَّا النِّكَاحُ وَالإنْكَاحُ لاَ يَنْعَقِدَانِ مِنَ المُحْرِمِ (ح) وَلاَ فِدْيَةَ فِيهِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل مَسْألَتَانِ:
إحداهما: ليس للمُحْرِم التقبيل بالشَّهْوَةِ وَلاَ المباشَرَةِ فيما دُون الفَرْجِ، كالمفاخَذَةِ واللمس بالشَّهْوَةِ قبل التَّحَلُّل الأَوَّلِ، فإن الاعتكاف يحرم جميع ذلك ومعلوم أن الإحرام أولى بِتَحْرِيمِهِ فِيهِ، وَفي حِلِّهَا بعد التحلل الأول مَا مَرَّ مِنَ الخِلاَفِ، وحيث ثبت التَّحْرِيمُ وَبَاشَرَ شيئاً مِنْها عَمْداً وجبت عَلَيْهِ الفِدْية، روي عن علي 325 وابْنِ عَبَّاسٍ 326 -رضي الله عنهما-: "أَنَّهُمَا أَوْجَبَا بِالْقُبْلَةِ شَاةً" وإن كان ناسياً لم يلزمه شَيْءٌ بِلاَ خِلاَف؛ لأنه استمتاعٌ مَحْضٌ، ولا يُفْسِد شَيْءٌ مِنْهَا الحَجِّ، ولا يوجب البَدَنة بِحَالٍ سواء، أنزل أو لَمْ يَنْزِل، وبه قَالَ أَبُو حَنيفَة.
الجزء: 3 - الصفحة: 487
وعند مالك: يفسد الحَجِّ إذا أنزل، وهو أظهر الرّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ.
لنا أنه اسْتِمْتَاعٌ لا يتعلق به الحد فلا يفسد الحج كما لو لم ينزل، وليكن قوله: (ولا تلزم البدنة إلا بالجماع) معلماً بالميم والألف لما روينا عنهما، وأيضاً فلأن عند أَحْمَدَ رِوَايَتَيْنِ في أنه تَجِبَ بَدَنَةٌ أو شاةٌ تفريعاً على عَدَم الفَسَادِ في صورة الإنزال، وأيضاً فلأنه روى عنه هذا الخِلاَف في صُورَةِ عَدَم الإِنْزَالِ، وقد نَجِد فِي النُّسُخِ إعلام قوله: (أو لم ينزل) بالميم، لأن صَاحِبَ الكِتَاب حَكى في "الوسيط" عن مذهب مالك أنه لا يَجِبُ الدَّمُ عند الإنزال، والأغلب على الظَّنِّ أنه وَهِمَ فيه:
فرعان:
الأول: الاستمناء باليَدِ يُوجِبُ الفدية في أَصَحِّ الوَجْهَيْن.
الثاني: لو بَاشَرَ دُونَ الفَرْج، ثم جامع هَلْ تدخلُ الشَّاةُ فِي البَدَنَةِ أو يجبان جميعاً؟ فيه وجهان:
المسألة الثانية: لا ينعقد نِكَاحُ المُحْرِمِ، ولا إنكاحه ولا نِكَاح المحرمة، ولا يستحب خِطْبَةُ المُحْرِمِ، وَخِطْبَةُ الْمُحْرِمَةِ، والقول في هذه المَسْألة، والخِلاَف فيها وتفاريعها يأتي في كِتَابِ النِّكَاحِ -إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى-.
قال الغزالي: فَإِنْ قِيلَ: فَلَوْ بَاشَرَ هَذِهِ المَحْظُورَاتِ كُلَّهَا فَهَلْ يَتَدَاخَلُ الوَاجِبُ؟ قُلْنَا: إِنِ اخْتَلَفَ الجِنْسُ كَالاسْتِهْلاَكِ وَالاسْتِمْتَاعِ لَمْ يَتَدَاخَلْ، وإِنِ اخْتَلَفَ النَّوْعُ فِي الاسْتِهْلاَكِ كَالقَلْمِ وَالْحَلْقِ لَمْ يَتَدَاخَل أَيْضاً، وَجَزَاءُ الصُّيُودِ لاَ يَتَدَاخَلُ، وَإِنْ اتَّحَدَ النَّوْعُ وَالزَّمَان فِي الاسْتِمْتَاعِ تَدَاخَلَ، كمَا إِذَا لَبِسَ العِمَامَةَ وَالسَّرَاوِيل وَالخُفَّ عَلَى التَّوَاتُرِ المُعْتَادِ فَيَكْفِيهِ دَمٌ وَاحِدٌ، وإن تَخَلَّلَهُ زَمَانٌ فاصِلٌ فَقَوْلاَنِ فِي الاتِّحَادِ، وَمَهْمَا تَخَلَّلَ التَّكْفِيرُ تَعَدَّدَ، وَانِ اخْتَلَفَ النَّوْعُ فِي الاسْتِمْتَاعِ كَالتَّطَيُّبِ وَاللُّبْسِ، فَالأَصَحُّ التَّعَدُّدُ، وَإِنْ كَانَ العُذْرُ شَامِلاً كَمَا إِذَا حَلَقَ وَتَطَيَّبَ بِسَبَبِ شَجَّةٍ أَوْ تَطَيَّبَ مِرَاراً بِسَبَبِ مَرَضٍ وَاحِدٍ فَفِي التَّداخلِ وَجْهَانِ، وَلَوْ حَلَقَ ثَلاَثَ شَعَرَاتٍ فِي ثَلاثةِ أَوْقَاتٍ وَقُلْنَا: لاَ أَثَرَ لِتَفْرِيقِ الزَّمَانِ فَالوَاجِبُ دَمٌ وَإِلاَّ فَثَلاثَةُ دَرَاهِمِ عَلَى قَوْلٍ، أَوْ ثَلاثَةُ أَمْدَادٍ عَلَى قَوْلٍ.
قال الرافعي: الغرض الآن الكلام فيما إذا وجد من المحرم من مَحْظُورَاتِ الإحْرَام شيئان فَصَاعِداً، وبيان أنه متى تتعدد الفِدْيَة، ومتى تَتَدَاخَل، ولو أَخَّرَ هَذَا الفَصْلَ أن يذكر النَّوع السَّابعَ أَيْضاً لكان أحْسَنَ فِي التَّرْتِيب.
وجملة القول فيه أن المَحْظُورَاتِ تنقسم إلى اسْتِهْلاَك كَالْحَلْقِ، واستمتاع كالتطيب وإذا بَاشَرَ محظورين، فأما أن يكون أحدُهُمَا مِنْ قِسْمِ الاسْتِهْلاَكِ، والآخر من
الجزء: 3 - الصفحة: 488
الاستمتاع، أو يكونا معاً من قِسْمِ الاسْتِهْلاَكِ، أو من قِسْمِ الاسْتِمْتَاعِ.
الحالة الأولى: أن يكون أحدهما من هذا، والآخر من ذاك، فينظر إن لم يستند إلى سَبَبٍ وَاحِدٍ، كَحَلْقِ الرَّأْسِ ولبس القميص تعددت الفِدْيَة ولا تداخل؛ لأن السَّبَبَ مُخْتَلِفٌ، ولا تداخل عند اخْتِلاَفِ السَّبَبِ، كما في الحدود، وإن استند إلَى سَبَبٍ وَاحِدٍ، كَمَا إِذَا أصاب رَأْسَهُ شَجَّةٌ، واحتاج إلَى حَلْق جَوَانِبِهَا وسترها بضماد فيه طيب فوجهان: أصحهما: أنه لا تداخل أيضاً؛ لاخْتِلاَفِ أَسْبَابِ الفدْيَةِ.
والثاني: أنها تتداخل؛ لأن الدَّاعِيَ إلى جَمِيعِهَا شَيْءٌ وَاحِد.
الحالة الثانية: أن يكون كِلاَهُمَا مِنْ قِسْمِ الاسْتِهْلاَكِ، فلا يخلو إما أن يكونوا مما لا يقابل بالمثل، أو بما يقابل به، أو أحدهماَ مِنْ هَذَا، والآخر مِنْ ذَاكَ، فأما الضَّرْبُ الأَوَّلُ، فينظر إن اختلف نَوْعُه كَالْحَلْقِ، والْقَلْم، فَلاَ تَدَاخل، ويجب لِكُلِّ واحدٍ فِدْيَة، سواء وجد علي سبيل التفرق أو التوالي في مَكَانٍ وَاحِدٍ، أو مكانين كالحدود لا تتداخل إذا اختلفت أسبابها، ولا فرق بين أن يوجد النوعان بفعلين أو في ضمن فعل واحد، كما لو لبس ثوباً مُطَيَّباً بلزمه فِدْيَتَانِ.
وفيه وجه أنه لاَ يَجِب إلاَّ فِدْيَة وَاحِدَة.
وإن اختلف النوع كما إذا كَانَ الموجودُ مِنْهُ الحَلْق لا غير فقد سَبَقَ أن حُكْمَ ثلاث شعرات يقابل بِدَمٍ وَاحِدٍ، ولو حلق جميع الرأس دفعة واحدة في مَكَانٍ وَاحِدٍ لم يلزمه إلاَّ فِدْيَة واحدة؛ لأنه يُعَدَّ فعلاً واحداً.
وكذا لو حلق شَعْرَ رَأْسِهِ وبدنه على التَّوَاصُلِ.
وعن الأنماطي: أنه يلزمه فِديَةٌ لِشَعْرِ الرَّأْسِ، وَفِدْيَةُ لِشَعْرِ البَدَنِ.
ولو حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ في مكانين أَوْ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، ولكن في زمانين متفرقين فَفِي التَّدَاخُلِ طريقان:
أحدهما -وبه قال القَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ: أنه كما لو اتحد نوع الاستمتاع، واختلف المكان والزمان وستعرفه.
وأصحهما -وبه قال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: القَطْعُ بِعَدَم التَّدَاخُلِ، لأنه إتْلاَف، فيضمن كل واحد ببدله كما في قَتْلِ الصّيودِ، ويخالف ما إِذَا حَلق شَعْره، أو قلم أظافره دفعةً وَاحِدَةً، فإن وجوب الفدية الواحدة لَيْسَ عَلَى سَبِيل التداخل، بل لأن الموجودَ فِعْلٌ واحِدٌ.
ولو حلق ثَلاَثَ شَعَرَاتٍ في ثلاثة أمكنة أَوْ ثَلاثَةِ أوقاتٍ مُتَفَرِّقَةِ.
فإنْ قلنا: إنَّ كُلَّ شَعْرَةٍ تقابل بثلث فلا فرق بين أَخْذِهَا دفعة واحدة، أو في دفعات.
وإن قلنا: إن الشَّعرَةَ الوَاحِدَةَ تقابل بِمُدٍّ أو دِرْهَمٍ، والشَّعرَتَيْنِ بِمُدَّينِ أو درهمين، فينبني على الخِلاَف الَّذِي ذَكَرْنَاهُ الآن، وإن لم نعدد الفِدْيَة فيما إذا حَلَقَ الرأس في دفعتين، أو دفعات، ولم نجعل لتفريق الزَّمَانِ أثراً فالواجب فِيهَا دَمٌ، كما لو
الجزء: 3 - الصفحة: 489
أخذَهَا دفعةً وَاحِدَةً، وإن عددناها وجعلنا التَّفْرِيقَ مؤثراً قَطَعْنَا حُكْمَ كُلِّ شَعْرَةٍ عَنِ الآخرين، وأوجبنا فيها ثلاثة دَرَاهِم على قَوْلٍ، وثلاثة أمْدَادٍ عَلَى قَوْلٍ.
والضَّرْبُ الثَّانِي: ما يقابل بمثله، وهو إتْلاَف الصّيُودِ، فتتعدد فديتها، سواء فدى عن الأول، أو لم يفد، اتحد المكان أو اختلف، وإلَى أو فَرَّق؛ لأن سَبِيلَهَا سَبِيلُ ضَمَانِ المُتْلَفَاتِ، وحكم الضَّرْبِ الثَّالِثِ حُكْمُ الضَّرْبِ الثَّانِي بِلاَ فَرْقٍ.
الحالة الثالِثة: أن يكون كِلاَهُمَا مِنْ قِسْمِ الاستمتاع فلا يخلو إما أن يَتَّحِدَ النَّوْع أو يختلف.
القسم الأول: أن يتحد كَمَا لَوْ تَطَيَّبَ بأنْوَاعٍ مِنَ الطِّيب، أو لبس أنواعاً مِنَ المَخِيطِ كَالعَمَامَةِ، والقميص، والسَّرَاوِيلِ، والخُفّ، أو نوعًا وَاحداً مَرَّةً بعد أخرى، فينظر إن فَعَل ذَلِك في مَكَانٍ وَاحِدٍ على التوالي فَلاَ تعدد؛ لأن جَمِيعَهُ يعد خُطَّة وَاحِدَة.
قال الإمام: ولا يقدح في التوالي طول الزَّمَان في مضاعفة القميص، وتكوير العمامة، ويشبه هذا بالرضعة الوَاحِدَة في الرَّضَاعَةِ، والأكلة الواحدة في اليَمِين، وهذا ما أشَارَ إليهِ صَاحِبُ الكِتَابِ بقوله: (على التتابع المعتاد).
وإن فعل ذلك في مكانين أو مَكَانٍ وَاحِدٍ، ولكن تخلل زَمَانٌ فَاصِل، فينظر إن لم يتخلل التَّكْفِير بينهما فقولان:
الجديد -وبه قال أبو حنيفة-: أنه يَجِب للثَّانِي فدية أخرى، كما في الإتْلاَفِ.
والقديم: أنه لا يجب، وتتداخل؛ لأن الفِدْيَةَ تَجِب لِحَقِّ اللهِ تَعَالَى، ويفرق فيها بين العَامِدِ، والنَّاسِي فأشبهت الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ لِلْحُدُودِ.
فَإِنْ قُلْنَا: بالأَّوَّلِ فذلك إِذَا لم يجمعها سبب واحد.
أما إذا تطيب أو لبس مراراً لِمَرَض وَاحِدٍ: فوجهان: كما ذكرنا في الحَالَةِ الأُولَى:
وأصحهما: التعدد أيضاً.
وإن تخلل بينهما تكفير فلا خِلاَفَ فِي وُجُوبِ فِدْيَة أُخْرَى، كَمَا فِي بَابِ الحدود.
وإن كان قد نوى بما أخرجه المَاضِي، والمستقبل جَمِيعاً فيبنى على أن تقديم الكفارة على الجنب المَحْظُورِ، هَلْ يَجُوزُ أم لا؟
من قلنا: لا: فلا أثر لِهَذِهِ النِّية.
وإن قلنا: نعم: فوجهان:
أحدهما: أن الفديةَ ملحقَةٌ بِالْكَفَّارَة في جواز التَّقْدِيمِ، فَلاَ يَلْزَمُهُ للثَّاني شَيْءٌ.
الجزء: 3 - الصفحة: 490
والثاني: المنع: كما لا يجوز للصَّائِم أن يُكَفِّرَ قَبْلَ الإِفْطَارِ.
والقِسْمُ الثَّانِي: أن يَخْتَلِفَ النوع، كما إذَا لَبِسَ وَتَطَيَّبَ، فوجهان فِي تعدد الفِدْيَة، وإن اتحد المَكَانُ، وتواصَلَ الزَّمَانُ.
أحدهما: أنها لا تتعدد؛ لأن المَقْصد وَاحد.
وهو الاستمتاع، ويحكى هذا عن ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةٍ.
وأصحهما: التَّعَدُّد؛ لتباين السَّبَبِ، ومنهم من نظر إلى اتحاد السَّبَبِ، وتعدده، كما قدمنا نظيره، وما ذكرنا كله في غَيْرِ الجِمَاع، أما إذا تكرر مِنْهُ الجِمَاعَ فقد ذكرنا حكمه من قبل.
هذا شَرْحُ الفَصْلِ، ولا تلمني على ما لحق مسائله من التقديم والتَّأخِير، فالَّذِي أوردته أحسن ما حَضَرَنِي مِنْ طُرُقِ الشَّرْحِ، وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ.
ويجوز أن يُعَلَّم قوله: (وجزاء الصيود لا يتداخل أيضاً)، بالحاء، لأن عند أبي حنيفة -رحمه الله- أنها لا تتداخل إذَا قتلها، إلا عَلَى قَصْدِ رَفْضِ الإِحْرَامِ.
فأما إذا قَتَلَهَا قَاصِداً رفض الإِحْرَام لَمْ يَجِبِ إِلاَّ جَزَاءٌ وَاحِدٌ.
قال الغزالي
: النَّوْعُ السَّابعُ إتْلاَفُ الصَّيْدِ،
وَيَحْرُمُ بِالْحَرَمِ وَالإِحْرَامِ كُلُّ صَيْدِ مَأْكُولٍ لَيْسَ مَائِيّاً مِنْ غَيْرِ فَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَأنَسَاً (م) أَوْ وَحْشِيًّا مَمْلُوكَاً أو مُبَاحاً (م)، وَيَحْرُمُ التَّعَرُّضُ لِأَجْزَائِهِ وَلبَيْضِهِ، وَمَا لَيْسَ مَأْكُولاً فلاَ جَزَاءَ فِيهِ (ح) إلاَّ إِذَا كَانَ تَوَلَّدَ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِ مَأْكُولٍ، وَصَيْدُ البَحْر حَلاَلٌ.
قال الرافعي: من محظورات الإحرام الاصطياد.
قال الله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ 327 وقال الله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ 328 329.
الجزء: 3 - الصفحة: 491
ولا يختص تحريمُه بِالإحْرَامِ، بل سَبَبٌ آخر، وهو كونه في الحَرَم، ولما اشترك السببان فيما يقتضيانه من التحَريم والجزاء، ومعظم المَسَائِلِ جَرَتْ العادةَ بخلط أحَدِهِمَا بِالآخر، وذكر ما يَشْتَرِكَانِ فيه، وما يختص به كُلُّ وَاحِدٍ منهما في هَذَا المَوْضِعِ، فقد جعل صاحب الكتاب الكلام في السَّبَبِ الأول في نظرين:
أحدهما: في الصيد المحرم، وفيما يجب به ضمانه.
والثاني: في أن الضَّمَانَ مَاذَا؟
أما الأول فالصَّيْدُ المُحَرَّمُ كل مأكول متوحش لَيْس مَائِياً، هذه عبارة صَاحِبِ الكِتَاب في "الوَسِيط"، واستغنى هاهنا بلفظ الصيد عن المتوحش، فإنه لا يقع عن الحَيَوَانَاتِ إلا نسية، وبين ما يدخل في الضَّابِطِ المَذْكُورِ، ويخرج عنه بصور:
إحداها: لا فرق بين المستأنس والوَحْشِي؛ لأنه وإن استأنس لا يبطل حكم توحشه الأصلي، كما أنه لو توحش إنسي لا يحرم التَّعرض لَهُ إِبقَاءٌ لِحُكْمِهِ الأَصْلِي.
وقال مالك: لا جزاء في المستأنس، ولا فرق في وجوب الجزائين بين أن يكون الصَّيْدُ مملوكاً لإنسان، أو مباحاً، نعم يجب في المملوك مع الجَزَاء، ما بين قِيمَتِهِ حَياً ومذبوحاَ لِحَقِّ المَالِكِ 330 وعن المزني: أنه لا جزاء في الصيد المملوك.
لنا ظَاهِرُ القُرْآنِ.
الثَّانِية: كما يحرم التعرض للصَّيْدِ، يحرم التعرض لأجزائه بالجرح والقَطْع؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في الحرم: "لاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا" 331.
ومعلوم أن القطع والجرح أعْظَم من التنفير، وإذا جرحه ونقصت الجِرَاحَةُ مِنْ قِيمَتِهِ، فسيأتي القول فيما يجب عليه في النَّظَرِ الثَّانِي، وإن بَرِئ ولم يبق نقصان ولا أثر، فهل يلزمه شَيْءٌ؟ فيه وجهان:
هذا كالخلاف فيما إذا جرحه فانْدَمَلَت الجِرَاحَةُ، ولم يبق نَقْصٌ وَلاَ شَيْنٌ، هل = القولين، وسع ذلك يجب جزاؤه، واحترز بالبري عن البحري، فإنه لا يحرم للآية السابقة، ولا فرق فيه بين أن يكون البحر في الحرم أم في الحل كلما هو مقتضى إطلاق الرافعي وغيره، لكن في البحر عن الصيمري تحريم الاصطياد منه يعني من بحر الحرم، والبحري هو الذي لا يعيش إلا في البحر، فإن عاش في البحر والبر فهو كالبري تغليباً للتحريم.
قاله في الخادم.
الجزء: 3 - الصفحة: 492
يجب شَيْءٌ؟ فيجري الخِلاَف فِيمَا نُتِفَ رِيشُهُ فَعَادَ كَمَا كَانَ.
الثالثة: بَيْضُ الطَّائِرِ المأكول مضمون بقيمته، خلافاً لمالك حيث قال: فيه عشر قيمة البائض، وللمزني حيث قال: لا يضمن أصْلاً، لنا: ما روي عن كعب بن عجرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم-"قَضَىَ فِي بَيْضِ نَعَامٍ أَصَابَة الْمُحْرِمُ بِقِيمَتِهِ" 332.
فإن كانت مَذِرَةً، فلا شَيْءَ عليه بِكَسْرِهَا 333؛ كما لو قدّ صيداً ميتاً إلا في بيض النعامة ففيها قيمتها؛ لأن قِشْرَهَا مُنْتَفَعٌ بِهِ.
قاله في الشَّامِلِ.
ولو نفر طَائِراً عن بيضته التي احتضنها ففسدت فعليهِ القيمة.
ولو أخذ بَيْضَ دَجَاجَةً فأحضنها صيداً فَفَسَدَ بَيْضُه، أو لم يحضنه ضمنه؛ لأن الظَّاهِرَ أن الفَسَادَ نَشَأَ مِنْ ضَمِّ بَيْضِ الدَّجَاجَةِ إلَى بَيْضِهِ.
ولو أخذ بَيْضَةَ صَيْدِ، وأحضنها دجاجة فهو في ضمانها إلى أن يخرج الفَرْخُ، ويصير ممتنعاً، حتى لو خَرَجَ، ومات قبل الامتناع، لزمه مثله من النَّعَم، ولو كَسَرَ بَيْضَةً، وفيها فَرْخٌ ذو رُوحٍ فَطَارَ وسلم، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ وإن مات، فعليه مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ.
ولو حَلَبَ لَبَنَ صَيْدٍ، فقد قَالَ كثير من أئمتنا مِنَ العِرَاقيين وغيرهم: إنه يضمن، وحكوا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ -رحمه الله- أنه إنْ نقص الصَّيْدُ بِهِ ضَمِنَهُ وإِلاَّ فَلاَ، واحتجوا عليه بأنه مأكول انفصل من الصَّيْدِ فأشبه البَيْضَ، وذكر القَاضِي الرّويَانِي في التَّجْرِبَةِ أنه لا ضَمَانَ في اللَّبَنِ، بِخِلاَفِ البَيْضِ، فإنه بعرض أن يخلق مِنْهُ مثله.
الرابعة: مَا لَيْسَ بِمَأْكُولٍ مِنَ الدَّوَابِّ والطيور صنفان: مَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ مَأْكُولٌ، وما أَحَدُ أَصْلِيْةِ مَأْكْولٌ.
أما الصِّنْفُ الأول فلا يحرم التعرض له للإحْرَام، ولو قتله المُحْرمُ، لم يلزمه الجَزَاء، وبه قال أحْمَدُ، وروى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَقْتُلُ الْمَحْرِمُ السَّبُعَ الْعَادِيَ" 334.
ومعلوم أن الأَسَدُ والنِّمْرَ والفَهْدَ سِبَاعٌ عَادِيَةٌ.
الجزء: 3 - الصفحة: 493
وقال أَبُو حنيفة -رحمه الله- يجب الجَزَاءُ بِقَتْلِ غَيْرِ المَمْلُوكِ مِنَ الصَّيْدِ، إِلاَّ الذِّئب، والفَوَاسِق الخَمْسِ، وقال مالك: -رحمه الله- ما لا يهتدي بالإيزاء، يجب الجزاء فيه كالصَّقْرِ والبَازِي.
ثم الحيوانات الدَّاخِلة فِي هذا الصنف عَلَى أَضْرُب:
منها: ما يستحب قَتْلُها لِلْمُحْرِمِ، وغيره، وهي المؤذيات بطبعها، نحو الفواسق الخمس، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "خَمْسُ فَوَاسِقَ يَقْتُلْنَ فِي الْحَرَم، الْغُرَابُ وَالْحِدْأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ" 335.
وروى أنه قال: "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ، فَذَكَرَهُنَّ" 336.
وفي معناها الحيَّة، والذئب، والنسر، والعقاب، والبق، والبرغوث، والزنبور 337.
ولو ظهر القمل على بَدَنِ المُحْرِمِ أو ثيابه لم يكره تنحيته، ولو قتله لم يلزمه شيء.
ويكره له أن يفلي رَأْسَه وَلحْيَته وإن فعل فأخرج مِنْهَا قَمْلَةً فقتلها تَصَدَّقَ، وَلَوْ بِلُقْمَةٍ، نَصَّ عليه، وهو عند الأكثرين محمول على الاستحباب، ومنهم من قال: إنه يجب ذَلِكَ لِمَا فيه من إِزَالَةِ الأَذَى عَنِ الرَّأْسِ.
ومنها: الحيوانات الَّتِي فيها منفعة وَمَضرَّة، كالفَهْدِ، والصفر، والبازي، فلا يستحب قتلها لما يتوقع من المنفعة، ولا يكره لما يخاف منْ المَضرَّةِ.
ومنها: التي لا تظهر فيها منفعة، ولا مَضَرة، كالخنافس، والجعلان، والسرطان، والرحمة، والكلب الذي ليس بعقور، فيكره قتلها 338.
ولا يَجْوزُ قَتْلُ النَّحْلِ، والنمل، والخطاف، والضفدع 339، لورود النَّهْي
الجزء: 3 - الصفحة: 494
عن 340 قتلها، وفي وجوب الجَزاء بَقَتْلِ الهُدْهُدِ، والصرد، خلاف، مبني على الخلاف في جَوَازِ أَكْلِهَا.
والصِّنف الثَّانِي: ما أحد أصلية مأكول، كالمتولد بين الذِّئْب، والضبع، وبين حمار الوحش، وحِمَار الأَهْلِ، فيحرم التعرض له، ويجب الجزاء فَيه احتياطاً 341، كما يحرم أكْلُهُ احْتِيَاطاً.
واعلم أن الصنف الأول يخرج عن الضَّابِطِ المذكور، بقيد المأكول، لكن الصِّنْف الثاني يدخل فيه، ويخرم الضبط، والوجه أن يزاد فيه فيقال: كل صيد هو مأكول، أو في أصله مأكول.
الخامسة: الحيوانات الإنسية كالنَّعَمِ، والخَيْلِ والدَّجَاجِ، يجوز للمُحْرِم ذَبْحُهَا، ولا جَزَاءَ عَلَيْهِ، وأما ما يتولد من الوَحْشِي، والإنْسِي، كالمتولد من اليَعْقُوبِ، والدجاجة، أو الظبي، والشَّاةِ فيجب في ذبحه الجَزَاء احتياطاً كما في المتولد من المأكول وغير المأكول وطريق إدْرَاجِهِ في الضَّابِطِ يُقَاسُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ فِيهِ.
السادسة: إنما يحرم صَيْدُ البَرِّ على المُحْرِمِ دُونَ صَيْدِ البَحْرِ، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ 342 الآية، قال الأصحاب: وصيد الحبر الذي لا يعيش إِلاَّ فِي البَحْرِ، أما ما يَعِيشُ فِي البَرِّ، وَالبَحْرِ، فهو كالبَرِّ، والطيور المَائِية التي تغوص في المَاء وتخرج من صُيودِ البَرِّ، لأنها لو تركت في المَاءِ لهلكت، والجراد من صَيْدِ البَرِّ، يجب الجزاء بِقَتْلِهِ، وبه قال عمر 343، وابْنُ عَبَّاسٍ 344 -رضي الله عنهما-؛ وحكى الموفق ابْنُ طَاهِرٍ، وغيرُه قولاً غريباً: أنه من صُيودِ البَحْرِ، لأنه يَتَوَلَّدُ من روث السَّمَكِ -والله أعلم-.
= وقال في المهمات: المراد بالنمل هنا إنما هو النمل الكبير المعروف بالسليماني كذا قاله الخطابي، وكذلك البغوي في شرح السنة المسمى: "بالاستقصاء" نقلاً عن الإيضاح للصيمري فقال: إن الذي يؤذي منه يجوز قتله.
قال: بل يستحب لأنهم سألوا ابن عباس عنها فقال: تلك ضالة لا شيء فيها.
انتهى ما أردته من المهمات.
الجزء: 3 - الصفحة: 495
قال الغزالي: وَيُضْمَنُ هَذَا الصَّيْدُ بالمُبَاشَرَةِ وَالسَّبَبِ وَاليَدِ، وَالسَّبَبُ كَنَصْب شَبَكَةٍ أَوْ إِرْسَالِ كَلْبٍ أَوْ انْحِلاَلِ رِبَاطِهِ بنوع تَقْصِيرِ في رَبْطِهِ أَوْ تَنْفِيرِ صَيْدِ حَتَّى يَتَعَثَّرَ قَبْلَ سُكُونِ نِفَارِه، وَكُلُّ ذَلِكَ يُوجِبُ الضَّمَانَ إِذَا أَفْضَى إِلَى التَّلَفِ، وَلَوْ حَفَرَ المُحْرِمُ بِئْراً فِي مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَن ما يَتَرَدَّى فِيهِ، وَلَوْ حَفَرَ في الحَرَمِ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ أَرْسَلَ كَلْبًا حَيْثُ لاَ صَيْدَ فَعَرَضَ صَيْدٌ فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: قد عرفت أن الصيد المحرم أي: صَيْدٍ هُوَ، والغرض الآن بيان الجِهَات التي يضمن بها ذَلِك الصَّيد، وهي ثلاثة:
الأولى: مباشرة الإتْلاف 345، وهي ثلاثة:
والثانية: التسبب إليه، وموضع تفسيره وضبطه كتاب الجنايات، وتكلم هَاهُنَا في صور:
إحداها: لو نصب شَبَكَةَ في الحَرَم أو نصب المُحْرِمُ شَبَكَةَ، فتعقل بِهَا صَيْدٌ وَهَلَكَ، فَعليْهِ الضَّمَانُ، سواء نَصَبَها فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، أو ملك غيره، لأن نصب الشبكة يقصد بها الاصْطِيَادُ، فهو بمثابة الأَخذِ باليَدِ 346.
الثانية: لو أرسل كلباً فأتلف صَيْداً، وجب عليه الضَّمَانْ 347 لأن إرسَالَ الكَلْبِ يسبب إِلَى الهَلاَكِ ولو كان الكلب مربوطاً فحل رباطه فَكَذَلِك، لأن السبع شَدِيدُ الضَّرَاوَةِ بالصَّيْدِ، فيكفي في قَصْدِ الصَّيْدِ حَلُّ الرِّبَاطِ، وإن كان الإصطياد لا يتم إلا بالإغْرَاء.
ولو انحل الرباط لتقصيره في الرَّبْطِ نزل ذلك منزلة الحَلّ، وحَكى الإمام -رحمه الله- في هذه الصورة تردد الأئمة، فليكن قوله: (أو انحلال رباطه) معلماً بالوَاوِ لذلك، وحيث أوجبنا الضَّمانَ في هذه المسائل، فذلك إذا كان ثمَّ صيدٌ، فإن لم يكن فأرسل الكلب أو حل رباطه فظهر صيْدُ فوجهان:
الجزء: 3 - الصفحة: 496
أحدهما: أنه لا يضمن، إذا لم يوجد منه قَصْدُ الصَّيْدِ.
وأرجحهما: على ما رَوَاة الإِمَام: أنه يضمن لِحُصول التَّلَفِ بسبب فعله، وجهله لا يقدح فيه، كما سنذكره في حَفْر البِئر 348.
الثالثة: لو نفر المُحْرِمُ صيداً فتعثَّر فَهَلَكَ، أو أخذهُ سَبْعٌ أو انصدم بِشَجَرٍ، أو جبل وجب عليه الضَّمان، سواء قصد تنفيره أو لم يقصد، ويكون في عهدة المنفر إلى أن يعود الصَّيْد إلى طبيعة السُّكُون والاستقرار، فلو هلك بعد ذلك فلا شيء عليه، ولو هلك قبل السكون النفار، ولكن بآفة سماوية، ففي الضَّمَانِ وجهان:
أحدهما: يجب، ويكون دوام أثر النفار كاليد المضمنة.
وأشبههما: أنه لا يجب، لأنه لم يهلك بسببٍ من جِهَةِ المُحْرِمِ، وَلاَ تَحْتَ يده.
الرّابعة: لو حفر المُحْرم، أو حفر في الحرم بئراَ في محل عدوان، فتردى فيها صَيْدٌ وهلك، فعليه الضَّمَان ولو حفره في ملكه أو في مَوَاتٍ، فأما في حق المحرم، فظاهر المَذْهَب أنه: لا ضمان: كما لو تردت فِيهَا بَهِيمة، أو آدمي، ونقل صاحب "التتمة" وجهاً غريباً: أنه يجب الضمان.
وأما في الحَرَمِ، فوجهان مشهوران:
أحدهما: أنه لا ضمان، كَمَا لو حَفَر المُحْرِمُ في مِلْكِهِ.
والثاني: يجب؛ لأن حُرْمَةَ الحَرَمِ لا تَخْتَلِف، وصار كما لو نصب شَبَكَةٌ في الحَرَمِ في ملكه، وأومأ صاحب "التهذيب" -رحمه الله- إلى تَرْجِيحِ الوَجْهِ الأول، لكن الثَّانِي أشْبَه، ويحكى ذلك عن الربيع وصاحب "التلخيص"، ولم يورد في "التتمة" غيره 349.
قال الغزالي: وَلَوْ دَلَّ حَلاَلاً عَلَى صَيْدٍ عَصَى وَلاَ جَزَاءَ عَلَيْه، وَفي تَحْرِيمِ الأَكْلِ عَلَيْهِ مِنْهُ قَوْلاَنِ، وَمَا ذَبَحَهُ بِنَفْسِهِ فَأكلَهُ حَرَامٌ عَلَيْهِ، وَهَلْ هُوَ مَيتَةٌ في حَقِّ غَيْرِهِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَكَذَا صَيْدُ الحَرَمِ.
قال الرافعي: في الفصل مسألتان:
إحداهما: لو دَلَّ الحلالُ محرماً على صَيْدٍ فقتله وجب الجَزَاءُ على المُحْرِمِ وَلاَ
الجزء: 3 - الصفحة: 497
شَيْءَ عَلَى الحَلاَلِ، سواء كان الصَّيْدُ فِي يَدِهِ، أو لم يكن.
نعم، هو مُسيءٌ بالإعَانة على المعصية، ولو دل المُحْرِم حلالاً على صَيْدٍ فقتله نظر إن كان الصَّيْدُ بيَدِ المُحْرِمِ وجب عليه الجزاء؛ لأن حِفْظَهُ واجب عليه، ومن يلزمه الحِفْظ يلزمه الضَّمَان إذا ترك الحفظ كما لو دَلَّ المودع السَّارق على الوَدِيعَة، وإن لم يكن في يده وهو مسألة الكتاب فلا جزاء عَلَى الدَّالِ، ولا على القاتل، أما القاتل فلأنه حَلاَل، وأما الدَّال فكما لو دَلَّ رجلاً على قَتْلِ إِنْسَانٍ لا كفارة على الدَّالِ، وساعدنا مالك -رحمه الله- على ذلك.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله- إن كانت الدَّلالَةُ ظَاهِرةٌ فلا جَزَاءَ عَلَيْهِ، وإن كانت خفية ولولاَها لما رأى الحَلاَلُ الصيدَ يَجِب الجزاء، وسلَّم في صَيْدِ الحرم أنه لا جَزَاءَ عَلَى الدَّالِ.
وعن أحمد: أن الجزاء يَلْزَم الدَّالَ، والقَاتِلَ بينهما.
وقوله في الكتاب: (وفي تحريم الأكل منه عليه قولان) صريح في إثبات الخلاف في أن المحرم هل يجوز له أن يأكل من الصَّيْدِ الذي دل عليه الحَلاَل حتى قتله؟ لكن الوجه أن تغير هذه اللفظة، ويجوز أن يجعل مكانها: وفي وجوب الجزاء عليه عند الأكل منه قولان، أما التغيير فلأنك إذا بحثت لم تر نقل الخلاف في جواز الأكْلِ للمحرم، والصورة هذه لا لغير صاحب الكتاب، ولا له في "الوسيط" وغيره، بل وجدتهم جازمين بِحُرْمَةِ الأَكْلِ على المُحْرِمِ مما صيد له أو بإعانته بسلاح وغيره، أو بإشارته ودلالته محتجين عليه بما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَحْمُ صَيْدِ الْبَرِّ حَلاَلٌ لَكُمْ فِي الإِحْرَامِ مَا لَمْ تَصْطَادُوهُ، أَوْ لَمْ يُصْطَدْ لكم" 350.
وبما روي أن أبا قتادة -رضي الله عنه- خرج مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فتخلف عن بعض أصحابه وهو حلال وهم محرمون فرأوا حُمُرَ وَحْشٍ فاسْتوَى على فرسه ثم سأل أصحابه أن يناولوه سوطاً فأبوا، فسألهم رُمْحَه فابوا فأخذه وحمل على الحمر فعقر منها أَتَانَاً، فأكل منها بعضُهمِ وأَبَى بَعْضُهُم فلما أتو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سألوه فقال "هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا، قَالُوا: لاَ، قَالَ فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا" 351.
الجزء: 3 - الصفحة: 498
أشعر ذلك بالتحريم إذا كان الاصْطِيَاد بإعانته، أو دلالته، أو له، وعجيب أن يكون نَقْلُ القَوْلَيْنِ صَوَاباً ثم يغفل عَنْهُ كل من عَداهُ مِنَ الأَصْحَابِ، وهو أيضاً في غير هذا الكتاب.
وأما جواز التبديل بما ذكرت فلأن القَوْلَيْنِ في أنَ ما صيد للمحرم أو بدلالته أو بإعانته لو كل منه هل يلزمه جزاؤه؟ مشهوران.
أحد القولين وهو القديم وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله-: أنه يَلْزَمُهُ القِيمَةِ بِقَدْرِ مَا أَكَلَ؛ لأن الأكْلَ فعل محرم في الصيد فيتعلق به الجزاء كَالقَتْلِ، ويخالف ما لو ذَبَحَه، وأكله حيث لا يلزم بالأكل جزاء؛ لأن وجوبه بالذَّبْحِ أغنى عن جَزَاءٍ آخر.
والجديد: أنه لا يلزم؛ لأنه ليس بِنَامٍ بعد الذبح، ولا يؤول إلى النماء، فلا يتعلق بإتلافه الجَزَاء، كما لو أتلف بيضة مذرة.
واعلم أن هذه المسألة مذكورة في الكتاب من بعد، وتبديل اللفظ بها يفضي إلى التكرار، لكني لا أدري على ماذا يحمل إن لم يحتمل التكرار؟
ولو أمسك محرمٌ صيداً حتى قَتَلَهُ غيره، نظر إن كان حلالاً فيجب الجَزَاء على المُحْرِمِ لِتَعَدِّيهِ بالإمساك والتعريض لِلْقَتْلِ، وهل يرجع بهِ على الخِلاَف؟
قال الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ: لا؛ لأنه غير ممنوع من التَّعَرُّضِ لِلصَّيْدَ.
وقال القاضي أَبُو الطَّيبِ: نعم.
هذا ما أورده في "التهذيب" وشبهه بما إذا غصب شيئاً فأتلفه متلف في يده يضمن الغاصب، ويرجع على المتلف، وإن كان محرماً أيضاً فوجهان:
أظهرهما: أن الجزاء كله على القاتل؛ لأنه مباشرٌ، ولا أثر للإِمْسَاكِ مع المبَاشَرَةِ.
والثاني: أن لكل واحد من الفعلين مدخلاً في الهَلاَك، فيكون الجزاء بينهما نصفين، وقال في "العدة": الصحيح أن الممسك يضمنه باليد، والقاتل يضمنه بالإتْلاَف، فإن أخرج الممسك الضَّمان رجع به على المتلف، وإن أخرج المتلف لم يرجع على المُمْسِك 352.
الجزء: 3 - الصفحة: 499
المسألة الثانية: إذا ذبح المُحْرِمُ صَيْداً لم يحل له الأكل منه، وهل يحل الأكل منه لغيره؟ فيه قولان:
الجديد: وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد -رحمهم الله-: أنه ميتة، لأنه ممنوع من الذبح لمعنى فيه فصار كذبيحة المجوسي، فعلى هذا لو كان مملوكاً وجب مع الجَزَاءِ القِيمَةُ لِلْمَالِكِ.
والقديم: أنه لا يكون ميتة، ويحل لغيره الأكل منه، لأن من يَحِل بذبحه الحيوان الإنسي يحل بذبحه الصَّيْد كَالْحَلاَلِ، فعلى هذا لو كان الصيد مملوكاً فعليه مع الجَزَاءِ ما بين قيمته حياً ومذبوحاً لِلْمَالِكِ، وهل يحل له بعد زوال الإحرام؟ فيه وجهان:
أظهرهما: لا، وفي صَيْدِ الحَرَمِ إذا ذبح طريقان:
أظهرهما: طرد القولين، والآخر: القَطْعُ بِالمَنْعِ.
والفرق أن صَيْدَ الحَرَم منع منه جميع النَّاسِ في جَمِيعِ الأحْوَالِ فكان آكد تحريماً، وليكن قوله: (وكذا صَيْدُ الحَرم) مُعَلَّماً بالواو لمكان الطَّرِيقة الأُخُرى.
قال الغزالي: وَإِثْبَاتُ اليَدِ عَلَيْهِ سَبَبُ الضَّمَانِ، إلاَّ إِذَا كَانَ في يَدِهِ فَأَحْرَمَ، فَفِي لُزُومِ رَفْع اليَدِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَلزَمُ فَفِي زَوَالِ مِلْكِهِ قَوْلاَنِ، وَإِنْ قُلْنَا: لاَ يَلْزَمُ فَلَوْ قَتَلَهُ ضَمِنَ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ إِتْلاَفٍ، وَلَو اشْتَرَي صَيْداً وَقُلْنَا: إِنَّ الإِحرَامَ لاَ يَقْطَعُ دَوَامَ المِلْكِ فَفِيهِ قَوْلاَنِ كَمَا في العَبْدِ المُسْلِمِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرِثُ ثُمَّ يَزُولُ مِلْكُهُ.
قال الرافعي: الثالثة من جهات الضمان إثبات اليَدِ.
ويد المُحْرم على الصيد إما أن يقع ابتداؤها في حَالِ الإحْرَام، أو يكون ابتداؤها سَابِقاً على الإحْرَامِ.
أما إثبات اليد عليه ابتداء في حال الإحرام فهو حرام غير مُفِيدٍ لِلْمِلْكِ، فإذا أخذ صيداً ضمنه كما يضمن الغاصب ما يتلف في يده، بل لو تولد تَلَف الصيد بما في يده لَزِمَهُ الضَّمان كما لو كان راكب دابة فأتلفت صيداً بِعَضِّهَا، أو رَفْسِهَا، وكذا لو بَالَتْ في الطَّريق فزلق به صَيْد، وهلك كما لو زلق به آدمي، أو بهيمة.
= فيه كالعاقل، أجيب بأنه وإن كان إتلافاً فهو حق لله -تعالى- ففرق فيه بين من هو من أهل التمييز وغيره.
ومنها: ما لو أخذ الصيد تخليصاً من سبع أو مداوياً له، أو ليتعهده فمات في يده.
ومنها: لو صال عليه فقتله دفعاً فلا ضمان في الجميع.
الجزء: 3 - الصفحة: 500
أما لو انفلت بعيره فأصاب الصَّيد، فلا شيء عليه، نص على ذلك كله.
وأما إذا تقدم ابتداء اليَد على الإِحْرَام، فإن كان في يَدِهِ صَيْدٌ مملوك له ثم أحرم فهل يلزمه رفع اليد عنه؟ فيه قولان:
أحدُهما: لا، كما لا يلزمه تَسْرِيحُ زَوْجَتِهِ وإن حرم ابتداء النكاح عليه.
والثاني: نعم؛ لأن الصَّيْدَ لا يراد للدَّوَام، فتحرم استدامته كالطَّيب واللَّبَاسِ، ويحرم عليه النِّكَاح فإنه يقصد للدوام، وهذا أَصحُّ القولين على ما ذكرهَ المُحَامِلِي، والكرخِي، وغيرهما من العِرَاقِيينَ.
واعلم: أنا نعني برفع اليَدِ الإِرْسَال، والإطْلاَق الكُلِّي.
وقال مالك وأبو حنيفة، وأحمد -رحمهم الله- يجب رفع اليد المتأبدة عنه، ولا يجب رفع اليد الحُكُمِيَّة، والإرسال المُطْلَق.
التفريع: إن لم نوجب الإرْسَال فهو على مِلْكه، له بيعه وهبته، لكن لا يجوز له قتله، ولو قتله يجب الجزاء كما لو قَتَلَ عبدَه يلزَمُه الكَفَّارة، ولو أرسله غيره لزمه القيمة للمالك، وإن قتله فكذلك فإن كان محرماً لزمه الجَزَاءُ أيضاً، ولا شَيْءَ على المَالِك كَمَا لو مات.
وإن أوجبنا الإرْسَال فهل يزول مِلْكُه عنه؟ فيه قولان:
أحدهما: وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله-: لا، كما لا يبين زوجته.
والثاني: نعم، كما يزول حِلّ الطِّيب، واللباس، وهذا أصحِ عند العراقيين، وعكس بعض الأصحاب الترتيب فوضع القولين في زَوَالِ الملك أولاً، ثم قال إن قلنا: لا يزول الملك ففي وجوب الإرْسَال قولان، والأمر فيه قريب التفريع إن قلنا يزول ملكه فأرسله غيره، أو قتله فلا شيءَ عليه، ولو أرسله المُحْرِم فأخذه غيره ملكه، ولو لم يرسله حتى تحلل فَهَلْ عليه إرْسَالُه؟ فيه وَجْهَان:
أحدهما: وهو المنصوص نعم، لأنه كان مستحق الإرْسَال فلا يرتفع هذا الاستحقاق بتعديه بالإمساك.
والثاني: ويحكى عن أبي إسحاق: أنه لا يجب، ويعود ملكاً له كالعصير إذا تَخَمَّر، ثم تَخَلَّل، وحكى الإمام -رحمه الله- على هذا القول وجهين في أنه يزول بِنَفْسِ الإحْرَام، أو الإحرام يوجب عليه الإرْسَال، فإذا أرسل حينئذ يَزُول، والأول أشْبَهُ بِكَلاَم الجُمْهُور.
وإن قلنا: لا يزول ملكه عنه فليس لغيره أخذه، ولو أخذه لَمْ يَمْلِكْهُ، ولو قَتله ضَمِنَه، وهو بمثابة المتفلت من يده، وعلى القولين جميعاً لو مات الصَّيْد في يده بعد إمكان الإرْسَال لزمه الجزاء؛ لأنهما مفرعان على وجوب الإرْسَال، وهو مقصر
الجزء: 3 - الصفحة: 501
بالإِمْسَاك.
ولو مات الصَّيْدُ قبل إِمْكَانِ الإِرْسَال فقد حكم الإمام -رحمه الله- وجهين في وجوب الضَّمَان، وقال: المذهب وجوبه، ولا خلاف في أنه لا يَجِب تقديم الإرْسَالِ على الإحْرَام.
قوله في الكتاب: (ففي لزوم رفع اليد قولان) يجوز أنَ يُعَلَّم لفظ القولين بالواو، لأن القاضي ابْنَ كِجٍّ روى عن أبي إسحاق طريقة قاطعة بأنه لا لزوم، وحيث قال بالإرسال أراد به الاستحباب.
وقوله: (لأنه ابتداء إتلاف) أراد به أنا على هذا القول، وإن جوزنا استدامة اليد، والملك، فلا يجوز الإتْلاف؛ لأن الإتْلاَفَ ليس باسْتِدَامَةٍ، وإنما هو ابتداء فِعْلٍ، وكان الأحسن في التعبير عن هذا الغَرَضِ أن يقول؛ لأن الإتْلاَفَ ابتداء، ثم في الفصل مسألتان:
إحداهما: لو اشترى المُحْرِمُ صَيْداً، أو اتهبه أو أُوصي له فَقَبِلَ يفرع ذلك على الخلاف الذي سبق.
إن قلنا: إن الملك يزول عن الصَّيْدِ بالإحْرَامِ لا يملكه بهذه الأَسْبَاب؛ لأن من مُنِع من إدامة الملك فهو أولى بالمَنْعِ من ابتدائه.
وإن قلنا: لا يزول ففي صِحَّة الشراء والهبة قولان بناء على القولين فيما إذا اشترى الكَافِرُ عبدًا مسلمًا، ويدل على المنع ما روى أَنَّ الصَّعْبَ بنَ جُثَامَةَ.
أَهْدَى لِرَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- حِمَاراً وَحْشِيّاً فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ" 353 فإن صححنا هذه العقود فذاك، وإلا فليس له القبض، فإن قبض فهلك في يده فعليه الجزاء لِلَّه تعالى، والقيمة للبائع، وإن رده عليه سَقَطَتِ القِيمَةُ، ولا يسقط ضَمَانُ الجَزَاء إلا بالإرْسَالِ؛ وإذا أرسل كان كما إذا اشترى عبداً مرتداً فقتل في يده، وفي أنه من ضمان من يتلف؟ خلاف سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى" 354.
الثانية: إذا مات له قريب، وفي مِلْكِهِ صَيْدٌ هَلْ يَرِثُهُ؟ إن جوْزنا الشِّراء وغيره من الأسباب الاختيارية نعم، وإلا فَوَجْهَان، والأظهر ثبوته؛ لأن لا اختيار فيه، وعلى هذا فقد ذكر الإمام وصاحب الكتاب أنه يزول مِلْكُه عقيب ثُبُوتِه بناء على أن المِلْكَ يزول عن الصَّيْدِ بالإحْرَام، وفي "التهذيب" وغيره ما ينازع في زواله عقيب ثبوته؛ لأنهم
الجزء: 3 - الصفحة: 502
قالوا: إذا ورثه فعليه إرْسَاله، فإن بَاعَهُ صَحَّ، ولا يسقط عنه ضمان الجَزَاءِ حتى لو مات في يَدِ المُشْتَرِي يجب الجَزَاءُ على البَائِعِ، وإنما يسقط عنه إذا أرسله المشتري.
وإن قلنا بأنه لا يرث فالملك في الصَّيْدِ لسائر الورقة، وإحرامه بالإضافة إلى الصَّيْدِ مانع من مَوَانِعِ الميراث.
كذا أورده أبو سَعِيد المتولي، وذكر أبو القَاسِم الكَرْخُي على هذا الوجه أنهُ أحق به، فيوقف حتى يتحلل فيتملكه 355.
ولو اشترى صيداً من إِنْسَانٍ ووجد به عيباً وقد أحرم البَائِع، فإن قلنا: يملك الصيد بالإرْثِ يُرَدُّ عليه، وإلا فوجهان؛ لأن منعَ الردِ إضرارٌ بالمشتري.
ولو باعَ صَيْداً وهو حَلالٌ، وأحرم ثم أفلس المشتري بالثمن لم يكن له الرُّجوعُ على الأَصَحِّ؛ كالشراء والاتّهاب بخلاف الإِرْث، فإنه قهري.
ولو ستعار المحرم صيداً أو أودع عنده كان مضموناً بالجزاء عليه، وليس له التعرض له، فإن أرسله سقط عنه الجَزَاءُ، وضمن القيمة للمالك، وإن رَدَّهُ إلى المالك لم يسقط عنه ضَمَانُ الجزاء ما لم يرسله المالك 356 وحيث صار الصيد مضموناً على المحرم بالجزاء، فإن قَتَلَهُ حَلاَلٌ في يده فالجزاء على المحرم، وإن قتله محرم آخر، فهل الجزاء عليهما أو على القاتل، ومن في يده طريق؟ فيه وجهان 357.
قال الغزالي: وإنْ أخَذَ صَيْداً لِيُدَاوِيَهُ كَانَ وَدِيعَةً (ح)، وَالنَّاسِي كَالعَامِدِ فِي الجَزَاءِ لاَ في الإِثْمِ، وَلَوْ صَالَ عَلَيْهِ صَيْدٌ فَلاَ ضَمَانَ في دَفْعه، وَلَوْ أَكَلَهُ في مَخْمَصَةٍ ضَمِنَ، وَلَوْ عَمَّتِ الجَرَادُ المَسَالِك فَتَخَطَّاهُ المُحْرِمُ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: في هذه البقية صور:
إحداها: لو خلَّص المحرم صيداً من فَمِ هِرَّةٍ أو سبع، أو مِن شِقِّ جِدَارٍ أو أخذه
الجزء: 3 - الصفحة: 503
ليداويه ويتعهده فمات في يده، هل يضمن؟ فيه قولان كما لو أخذ المَغْصُوبَ مِنَ الغَاصِبِ ليرده على المالك فهلك في يده.
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- يضمن؛ لأن المستحق لم يرض بيده، فتكون يَدُه يَدَ ضَمَانٍ.
والثاني: لا يضمن، لأنه قصد المَصْلَحة، فتجعل يَدُه ودَيِعَة، والقولان معاً منصوصان في عيون المسائل، وإيراده يقتضي تَرجِيح الثَّانِي مِنْهُمَا، وهو المذكور في الكِتَاب.
الثانية: الناسي كَالْعَامِد في وجوب الجَزَاءِ 358، في الإثم، أما افتراقهما في الإثم فلما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ" 359 الخبر.
وأما استواؤهما في وجوب الجزاء، فلأن الإتْلاَف يوجب الضَّمَان على العَامِدِ والخَاطِئِ على نسق واحد، بدليل الضَّمَانات الواجبة للآدميين، وخرج بعض الأصحاب في وجوب الضَّمان على النَّاسي قولين؛ لأنه حكى عن نَصِّه قولان فيما إذا أحرم ثُمَّ جُنَّ، وقتل صيداً.
أحدهما: وجوب الضمان لما ذكرنا.
والثاني: المنع؛ لأن الصَّيْدَ على الإباحة، وإنما يخاطب بترك التعرض له من هو أهل للتكليف والخِطَاب.
وقد ذكرنا هذا الخِلاَف مرة في النوع الرَّابع من المَحْظُورَاتِ.
وقوله في الكتاب (والناسي كالعامد) يجوز إعلامه بالواو لذلك، وبالألف أيضاً، لأن أبا نَصْر بنَ الصَّبَّاغِ ذكر أن في رواية عن أحمد لا جزاء على المُخْطِئِ بِحَالٍ.
الثالثة: لو صال الصيد على محرم، أو في الحرم فقتله دفعاً فلا ضمان عليه؛ لأنه بالصيال التحق بالمُؤْذِيَاتِ.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أنه يجب، ولو ركب إنسانُ صيداً وصالَ على مُحْرِم ولم يمكن دفعه إلا بقتل الصيد فقتله، فالذي أورده الأكثرون أنه يجب عليه الضَّمَان؛ لأن الأذى هَاهُنا ليس من الصَّيْدِ.
وحكى الإمام أن القَفَّالَ -رحمه الله- ذكر فيه قولين:
الجزء: 3 - الصفحة: 504
أحدهما: أن الضمان على الراكب، ولا يطالب به المحرم.
والثاني؟ أنه يطالب المحرم ويرجع بما غرم على الرَّاكِبِ.
وإن ذبح صَيْداً في مخمصة أوكله ضمن؛ لأنه أهلكه لمنفعةِ نَفْسِهِ مِن غير إِيذَاءٍ من الصَّيْدِ.
ولو أكره مُحْرِم أو محل في الحرم على قتل صَيْدٍ فقتله فوجهان:
أحدهما: أنا الجزاء على المُكْرِه.
والثاني: على المُكْرِهَ، ثم يرجع على المُكْره، وعن أبي حنيفة: أن الجزاء في صيد الحرم على المكره، وفي الإحرام على المكره 360.
الرابعة: ذكرنا أن الجراد مما يضمن بالقيمة وبيضه مضمون بالقيمة كأصله، فلو وطئها عَامِداً، أو جاهلاً ضمن، ولو عمت المسالك ولم يجد بداً من وَطْئِها فوطئها فَفِي الجَزَاء قولان، وقال الإمام وصاحب الكتاب وجهان:
أحدهما: يجب لأنه قَتَلَها لِمَنْفَعَةِ نَفسِهِ فصار كما لو قتل صيداً في المَخْمَصَةِ.
وأظهرهما: لا يجب؛ لأنها ألجأته إليه، فأشبه صُورةَ الصِّيَالِ.
وحكى الشَّيْخ أبو محمد -رحمه الله- طريقة أخرى قاطعة بأنه لا جَزَاء، فيجوز أن يُعَلَّم قوله: (وجهان) بالواو لذلك.
ولو باض صيد في فراشه، ولم يمكنه رفعه إلا بالتعرض للبَيْضِ ففسد بذلك ففيه هذا الخلاف.
قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّانِي في الجَزَاءِ فَالَوَاجِبُ في الصَّيْدِ مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ (ح) أَوْ طَعَامٌ بمِثْلِ قِيمَةِ النَّعَمِ، أَوْ صِيَامٌ يَعْدِلُ الطَّعَامَ كُلَّ يَوْمٍ مُدٌّ، فَإِنَّ انْكرَ مدًا كَمَّلَ وَهُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيّاً كَالْعَصَافِيرِ وَغَيْرِهَا فَقَدْرُ قِيمَتِهِ طَعَامًا أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً، وَالعِبْرَةُ في قِيمَةِ الصَّيْدِ بِمَحَلِّ الإِتلاَفِ، وَفِي قِيمةِ النَّعَمِ بَمَحَلِّ مَكَّةَ؛ لأَنَّهُ مَحَلُّ ذَبْحِهِ.
قال الرافعي: الصيد ينقسم إلى مِثْلِي ونعثي به ماله مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ، وإلى ما ليس بِمِثْلِي.
أما الأول فجزاؤه على التخيير والتعديل، فيتخير بين أن يذبح مِثْلَه فيتصدق به على مَسَاكِينِ الحَرَمِ، إما بأن يفرق اللَّحم أو يملك جملته إياهم مذبوحاً، ولا يجوز أن يخرجه حياً، وبين أن يقوم المثل دراهم، ثم لا يجوز أن يتصدق بالدراهم، ولكن إن شاء اشترى بها طَعَاماً وتصدق به على مَسَاكِينِ الحَرَم، وإن شاء صام عَنْ كُلِّ مُدٍّ من الطَعَامِ يوماً، حيث كان قال الله تعالى: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ
الجزء: 3 - الصفحة: 505
مِنْكُمْ} 361. إلى قوله (صياماً).
أما الثاني: وهو ما ليس بمثلي كَالْعَصَافِيرِ وغيرها من الطيور على ما ستعرف ضروبها ففيه قيمته، ولا يتصدق بِهَا، بل يجعلها طَعَاماً، ثم إن شاء تصدق بها، وإن شاء صَامَ عَنْ كُلِّ مُدّ يوماً، فإن انكسر مد في القسمين صَامَ يوماً، لأن الصَّوْمَ لا يتبعض، وإذا تأملت هذا التفصيل عرفت أن للجزاء ثلاثة أركان في القِسْمِ الأول، الحيوان والطعام، والصيام وركنين في الثَّاني، وهما الطعام والصيام وهي أو هما على التخيير في ظاهر المذهب، وعن رواية أبي ثَوْر قول أنها على الترتيب، وهو أضعف الروايتين عن أحْمَدَ، وقال مالك -رحمه الله- إن لم يخرج المثل عن المِثْلِي يقوم الصيد لا المثل.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله- لا يجب المِثْلُ، بل عليه قيمة الصَّيْدِ، فإن شاء تَصَدَّق بها، وإن شاء اشترى بها شيئاً من النَّعَمِ التي تجزئ في الأضحية فذبح، وإن شاء صَرَفَهَا إلى الطَّعَامِ، فأعطى كُلَّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، أو صاعاً من غيره، أو صام عَنْ كُلِّ نَصْفِ صَاعٍ من بر أو صاعٍ مِنْ غَيْرِهِ يوماً.
وعن أحمد أنه لا يخرج الطعام، وإنما التقويم بالطَّعام لمعرفة قَدْرِ الصِّيَام، وحكاية هذه المذاهب تنبئك أن قوله: في الكتاب (مثله من النعم) ينبغي أن يكون مُعَلَّماً بالحاء.
وقوله: (أو طعام) بالألف.
وقوله: (مثل قيمة النعم) بالميم.
وقوله: (لكل مد يوم) بالحاء.
وقوله: (على التخيير) بالألف والواو،
وإذا لم يكن الصيد مثلياً فالعبرة في قيمته بمَحَلِّ الإتلاف، وإن كان مثلياً وأراد تقويم مِثْله من النَّعَم ليرجع إلى الإطْعَام، أو الصيامَ فالعبرة في قيمته بمكة يومئذ.
هذا نَصُّه، ونقل بعض الشَّارِحِينَ فيه طريقين:
أصحهما: الجريان على ظَاهِر النصين.
أما اعتبار قيمة محل الإتْلاَفِ في الحالة الأولى فقياساً على كل مُتلف متقوم.
وأما اعتبار قيمة مكَّة في الأخرى، فلأن مَحَلَّ ذبح المثلَ مكَّةُ لو كان يذبح، فإذا عدل عنه عدل بقيمته في مَحَلِّ الذبح.
الجزء: 3 - الصفحة: 506
والطريق الثاني: أنهما على قولين، وحيث اعتبرنا قيمة محل الإتلاف فقد ذكر الإمام احتمالين في أن المعتبر في الصرف إلى الطَّعَامِ سعر الطَّعَامِ في ذلك المكان أيضاً، أو سعر الطَّعَامِ بمكة، والظاهر منهما الثاني.
قال الغزالي: وَالمِثْلِيُّ كَالنَّعَامَةِ فَفِيهِ بَدَنَةٌ، وَفِي حِمَارِ الوَحْشِ بَقَرَةٌ، وفي الضِّبُعِ كبْشٌ، وَفِي الأَرْنَبِ عنَاقٌ، وَفي الظَّبْي عَنْزٌ، وَفِي اليَرْبُوعِ جَفْرةٌ، وَفِي الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وَيَحْكُمُ بالمُمَاثَلَةِ عَدْلاَنِ، فَإنْ كَانَ القَاتِلُ أَحَدَهُمَا وَهُوَ مُخْطِئٌ غَيْرُ فَاسِقٍ فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ، وَفِي الحَمَامِ شَاةٌ، وَفِي مَعْنَاهُ القُمْرِيُّ وَالفَوَاخِتُ وَكُلُّ مَا عَبَّ وَهَدَرَ، وَمَا دُونَهُ فِيهِ القِيمَةُ، وَمَا فَوْقَهُ فِيهِ قَوْلاَنِ، أَحَدُهُمَا القِيمَةُ قِيَاساً، وَالثَّاني: إِلْحَاقُهُ بِالحَمَامِ.
قال الرافعي: من المهم في الباب معرفة أن المثل ليس معتبراً على التَّحْقِيق، وإنما هو معتبر على التَّقْرِيب، وليس معتبراً في القيمة، بل في الصورة والخلقة؛ لأن الصحابة -رضي الله عنهم- حكموا في النَّوْعِ الواحد من الصيد بالنواع الواحد من النَّعَمِ مع اختلاف البِلاَد، وتفاوت الأزمان واختلاف القِيَم بحسب اختلافها، فعلم أنهم اعتبروا الخِلْقَة والصُّورة.
إذا تقرر ذلك فالكلام في الدَّواب، ثم في الطيور أما الدواب فما ورد فيه نَصٌّ، فهو متبع، وكذلك كل ما حكم فيه عَدْلاَن من الصَّحَابَةِ أو التابعين، أو من أهْلِ عصر آخر من النَّعَمِ أنه مثل للصيد المقتول يتبع حكمهم، ولا حاجة إلى تحكيم غيرهم.
قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 362 وقد حَكَمَا.
وعن مَالِكٍ أنه لا بد من تحكيم عَدْلَيْنِ من أهْلِ العَصْرِ، وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أَنَّهُ قُضَىَ فِي الضَّبعِ 363 بِكَبْشٍ" 364 وعن الصحابة -رضي الله عنهم- أنهم قضوا في النَّعَامَةِ ببدنة، وفي حمار الوَحْشِ وبقر الوحش بِبَقَرَةٍ، وفي الغَزَالِ بعَنزٍ، وفي الأرْنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة، وعن عثمان 365 -رضي الله عنه- أنه حكم في أم حُبَيْنٍ
الجزء: 3 - الصفحة: 507
بُحلاَّنٍ، وعن عطاء 366 ومجاهد 367 أنهما حكمًا في الوبر بِشَاةٍ.
قال الشافعي -رضي الله عنه- إن كانت العرب تأكله ففيه جفرة، لأنه ليس بأكبر بدلاً منها، وعن عطاء 368 أن في الثَّعْلَبَ شَاة، وعن عمر -رضي الله عنه- 369 أن في الضب جدياً، وعن بعضهم أن في الإبل بقرة.
واعرف هاهنا شيئين:
أحدهما: تفسير ما يشكل من هذه الألفاظ.
أما العناق: فهو اسم الأنثى من ولد المعز.
قال أهل اللغة: وهي عناق من حين تولد إلى أن ترعى، والجفرة هي: الأنثى من ولد المعز، تفطم، وتفصل عن أمها، وتأخذ في الرعي، وذلك بعد أربعة أَشْهُر، والذَّكَرْ جفر، هذا معناهما في اللغة، ويجب أن يكون المراد من الجفرة هاهنا ما دُونَ العِنَاق، فإن الأرنب خير من اليربوع.
وأم جبين دابة على خلقة الحرباء عظيمة البَطْن، ومنه ما روي "أَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ مُمَازِحًا لِبِلاَلٍ -رضي الله عنه- وَقَدْ تَدَحْرَجَ بَطْنَهُ: أُمَّ حُبَيْنٍ" 370.
قال الشيخ أبو محمد: وأرى هذا الحيوان من صغار الضَبِّ حتى يفرض مأكولاً.
واعلم أن في حِلٍّ أم حبين تردداً نذكره في كتاب الأطعمة إن شاء الله تعالى، والقول يوجوب الجَزَاءِ مُفَرَّعٌ على الحِلِّ.
وأما الحُلاَّن فمنهم من فسره بالحمل، ومنهم من فسره بالجدي، والحُلاَّم كالحلان.
والوبر دابة كالجَرَادِ، إلا أنها أنبل وأكرم منها، وهي كحلاء من جنس بنات عرس تكون في الفلوات، وربما أكلها البدويون، والأنثى وبرة.
الثاني: قد نجد في كتب بعض الأصحاب أن في الظبي كَبْشاً، وفي الغزال عَنْزاً، وهكذا أورد أَبُو القَاسِمِ الكَرَخِي، وزعم أن الظبي ذَكَرُ الغزَالِ، وأن الغَزَال الأُنثى، قال الإمام: والذي ذكره هؤلاء وَهْمٌ بل الصَّحِيح أن في الظَّبْي عنزاً، وهو شديد الشَّبَه به، فإنه أجرد الشَّعْرِ، متقلص الذَّنَب وأما الغزالَ فهو وَلَدُ الظَّبْيِ، فيجب فيه ما يَجِبْ فِي الصِّغَار، فهذا هو القول فيما وردَ فِيه نَقْلٌ.
الجزء: 3 - الصفحة: 508
وأما ما لم ينقل فيه عن السلف شيء فيرجع فيه إلى قَوْلِ عَدْلَيْنِ 371، قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 372 وليكونا فقيهين كَيِّسَيْنِ، وهل يجوز أن يكونَ قَاتِلُ الصيد أحَدَ الَحَكَمَيْنِ؟ أو يكونا قَاتِلا الصَّيْدِ الحَكَمَيْنِ؟ إن كان القتل عمداً عدواناً فَلاَ؛ لأنه يورث الفِسْق، والحكم لا بد وأن يكون عدلاً وإن كان خطأ أو كان مضطراً إليه فوجهان:
أحدهما: وبه قال مالك: أنه لا يجوز، كما لا يجوز أن يكون المُتْلِف أحد المُقَوِّمَيْنِ.
وأصحهما: أنه يجوز: لما روي "أَنَّ رَجُلاً قَتَلَ ضُبّاً فَسَأَلَ عَنْهُ عُمَرَ -رضي الله عنه- فَقَالَ: احْكُمْ فِيهِ، فَقَالَ؛ أَنْتَ خَيْرٌ منِّي وَأَعْلَمُ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَقَالَ: أَنَا أَمُرْتُكَ أَنْ تَحْكُمَ فِيهِ، وَلَمْ آمُرْكَ أَنْ تُزَكِّيَنِي، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَرَى فِيهِ جَدْياً، قَالَ عُمَرُ -رضي الله عنه- فَذَلِكَ 373 فِيهِ".
وأيضاً فإنه حق الله تعالى، فيجوز أن يكون المؤمن عليه أميناً فيه، كما أن رب المال أمين في الزكاة.
ولو حكم عدلان بأن له مثلاً وآخران بأنه لا مثل له، فالأخذ بقول الأولين أَوْلى، قاله في "العدة" 374. وأما الطيور فتنقسم إلى حمام وغيره، أما الحمام ففيه شَاة، روي ذلك عن 375 عمر، وعثمان 376، وعلي 377، وابن عمر 378، وابن عباس 379 وعاصم بن عمر 380،
الجزء: 3 - الصفحة: 509
وعطاء 381، وابن المسيب 382، وغيرهم، -رضي الله عنهم- وعلام بُنِي ذلك؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن إيجابها لما بَيْنَهُمَا مِنَ الشَّبَهِ، فإن كل واحد منهما يألف البيوت، ويأنس بالناس.
وأصحهما: أن مستنده توقيفُ بَلَغَهُمْ فِيهِ.
وأما غيره، فإن كان أصغر من الحمام في الجنة كالزُّرزور، والصَّعْوَة، والبلبل، والصَنبرة 383، والوَطْوَاط، فالواجب فيه القيمة قياساً 384 وقد روى عن الصحابة -رضي الله عنهم- أنهم حكموا في الجراد بالقيمة ولم يقدروا.
وأن كَانَ أكبرُ مِنَ الحَمَامِ، أو مِثْلاً لَهُ ففيهما قولان:
أحدهما: أن الوَاجِبَ شَاةٌ، لأنها لما وجبت في الحَمَام، فلأن تجب فيما هو أكبر منه كان أولى.
والثاني: وهو الجديد وأحد قوليه في القديم: أن الواجب القيمة، قياساً، كما لو كان أصغر.
وعن الشيخ أبي محمد: أن بناء القولين على المأخذين السَّابقَيْنِ، إن قلنا: وجوب الشاة توقيف صرف، ففي الأكبر أيضاً شاة استدلالاً، وإن قلنا: إنه مأخوذ من المُشَابَهَةِ بِينهما فَلاَ، وقوله في الكتاب: (ففيها بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، إلى آخرها) يجوز إعلامها بالحَاءِ، لأن أبا حنيفة -رحمه الله- لا يوجب المثل في شَيْءٍ من الصيود.
وقوله: (وفي الصغير صغير) أراد به أن كل جنس من الصيود المثلية، يعتبر فيما يجب فيه من النَّعَمِ المماثلة في الصِّغَرِ والكِبَرِ، ففي الصَّغِيرِ صَغِيرٌ، وفي الكبير
الجزء: 3 - الصفحة: 510
كبير، لظاهر قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ 385، والكلمة مُعَلَّمة بالميم، لأن عند مالك الوَاجِبُ الكَبِير، وإن كان الصَّيْدُ صغيراً، وقوله: (وهو مخطئ غير فاسق) قد عرفت مما مرّ أنه لم يذكره.
وقوله: (وفي الحمام شاة) معلم بالميم؛ لأن مالكاً إنما يُوجِبُ الشَّاة في حمامة الحَرَمِ، وأما حمامة الحِلَّ، إذا قتلها المُحْرِم فالواجب عنده فيها القيمة.
وقوله: (وفي القمري والفواخت وكل ما عب وهدر) ظاهره يقتضي خروج هذه الطيور عن تَفْسِيرِ الحمام، وإلحاقها به في الحكم لكن المشهور، أن اسم الحمام يقع على كل ما عب وهدر فمنه صِغَارٌ وَكِبَارٌ، ويدخل فيه اليَمَام، وهي التي تألف البيوت، والقمري، والفاختة، والداس، والفاس، والقطا.
والعب هو: شرب الماء جرعاً، وغير الحمام من الطيور تشربه قطرة قطرة، والهدير هو ترجيعه صوته وتغريده، والأشبه: أن ما له عب فله هدير، ولو اقتصروا في تفسير الحمام على العب لكفاهم ذلك.
يدل عليه نَصُّ الشافعي -رضي الله عنه- في "عيون المسائل"، قال: و"ما عب في الماء عباً فهو حمام، وما شرب قطرة قطرة كالدجاج، فليس بحمام".
قال الغزالي: فُرُوعٌ يَجُوزُ مُقَابَلَةُ المَرِيضِ بالمَرِيضِ، وَفِي مُقَابَلَةِ الذَّكَرِ بالأنْثَىَ مَعَ التَّسَاوِي في اللَّحْمِ وَالقِيمَةِ ثَلاَثةُ أقْوَالٍ، في الثَّالِثِ تُؤْخَذُ الأُنْثَى عَنِ الذَّكَرِ كَمَا في الزَّكاةِ بِخِلاَفِ عَكْسِهِ.
قال الرافعي: رسم المسائل المذكورة في هذا الموضع إلى رأس السَّبَبِ الثَّانِي فروعاً، ونحن نشرحها واحداً واحداً.
أحدها: المريض من الصّيود يقابل بالعوراء، وإن اختلف الجنس فلا، كالعوراء بالجرباء، وإن كان عور أحدهما باليمين، وعور الأخرى باليسار ففي الإجزاء وَجْهَان:
أصحهما: ولم يورد العراقيون غيره: الإجْزَاء لتقارب الأمْرِ فيه، ولو قابل المَرِيض بالصَّحيح، أو المعيب بالسَّليم، فقد زادَ خَيْراً.
وقال مالك: إن ذلك وَاجِب، ويفدى الذَّكر بالذَّكَر، والأنثى بالأنثى، وهل يفدى الذَّكر بالأُنْثَى وبالعكس؟ أما فداء الذَّكَرِ بالأُنْثَى فقد ذَكَرُوا أن إشارة النَّصِّ مختلفة فيه، وللأصْحَابِ فيه طريقان:
أظهرهما: أن المسألة على قولين:
الجزء: 3 - الصفحة: 511
أحدهما: المنع، لأنهما مُخْتَلِفَان في الخِلْقَة، وذلك مما يقدح في المِثْلِيَّةِ.
وأصحهما: الجواز، كما في الزَّكاة، ولأن هذا اختلاف لا يقدح في المقصود الأصلي، فأشبه الاختلاف في اللَّون.
والطريق الثاني: تنزيل النصين على حالين إن أراد الذبح لم يجز؛ لأن لحم الذَّكر أطيب، وإن أراد التقويم جَازَ؛ لأن قيمة الأنثى أكثر.
وقيل: إن لم تلد الأنثى جاز، وإن ولدت فَلا، لأن الولادة تُفْسِدُ اللَّحْم، وإذا جوزنا ذَبْحَ الأنثى عن الذَّكَرِ، فهل هو أولى؟ قال بعضهم: نعم؟ لأن لحم الأُنْثَى أَرْطَب، وقال القَاضِي أَبُو حَامِدٍ: لا؛ لأن لَحْمَ الذكَرِ أَطْيَبُ.
وأما فداء الأنثى بالذَّكَرِ ففي جوازه وَجْهَان، ويقال: قولان كما سبق، وحكى الإمام طريقة أخرى أن فداء الذكر بالأنثى جَائِزٌ، لاَ محالة كما في الزَّكَاةِ، وإنما التردد في عَكْسِهِ، وإذا اختصرت هذه الاختلافات خرج منها ثلاثة أقوال كما ذكر في الكِتَاب، وإذا تأملت ما حكيناه من كلام الأصحاب وجدتهم طاردين للخِلاَف مَعَ نقصان اللَّحْمِ.
وقال الإمام -رحمه الله-: إن كان ما يخرجه ناقصًا في طِيب اللَّحْمِ، أو في القيمة لم يجزه بلا خِلاَف، والخلافُ مخصوصٌ بما إذا لم يكن فيه واحَد من النقصانين، وإلى هذا أشار صاحب الكتاب بقوله: (مع تساوي اللحم والقيمة).
قال الغزالي: وَلَوْ قَتَلَ ظَبْيَةَ حَامِلاً أَخْرَجَ طَعَاماً بِقِيمَةِ شَاةٍ حَامِلٍ حَتَّي لاَ تَفُوتَ فَضِيلَةُ الحَمْلِ بالذَّبْحِ، وَقِيلَ: يَذْبَحُ شَاةً حَائِلاً بِقِيمَةِ الحَامِلِ، وَإِنْ أَلْقَتِ الظَّبْيَةُ جَنِيناً مَيِّتاً فَلَيْسَ فِيهِ إلاَّ مَا يَنْقُصُ مِنَ الأُمِّ، وَإِنِ انْفَصَلَ حَياً ثُمَّ مَاتَ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ.
قال الرافعي: الفرع الثاني: إذا قتل صيداً حاملاً من ظبية وغيرها، قابلناه بمثله من النَّعَم حَامِلاً، لأن الحمل فضيلة مقصودة فلا سبيل إلى إهمالها، لكن لا تذبح الحَامِل؛ لأن فضيلة الحَامِل بالقيمة لتوقع الولد 386، وإلا فلحم الحَائِلِ خَيْرٌ من لَحمِهِ، فإذا ذبح فاتت فضيلته من غير فائدة تحصل للمساكين، فيقوم المثل حاملاً، ويتصدق بقيمته طعاماً، وفي وجه يجوز أن يذبح حائلاً نفيساً بقيمة حَامِلٍ وسط، ويجعل التفاوت بينهما كالتفاوت بين الذَّكَرِ والأُنْثَى.
ولو ضرب بَطْنَ صَيْدٍ حَامِل فألقى جنيناً ميتاً، نظر إن ماتت الأم أيضاً فهو كما لو
الجزء: 3 - الصفحة: 512
قتل حَامِلاً 387، وإن عاشت ضمن النقص الذي دَخَلَ على الأُم، ولا يضمن الجنين بخلاف جنين الأَمَة يضمن بقمية عُشْرِ الأم؛ لأن الحمل يزيد في البهائم فيمكن إيجاب ما بين قيمتها حائلاً وحاملاً، وينقص في قيمة الآدميات فلا يمكن اعتبار ذلك، وإن ألقت جنيناً حياً، ثم ماتا ضمن كل واحد منهما بانفراده، وإن مات الولد وعاشت الأم ضمن الولد بانفراده، وضمن النقص الذي دخل على الأم.
قال الغزالي: وَإِنْ جَرَحَ ظَبْياً فَنَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ العُشْرُ فَعَلَيْهِ الطَّعَامُ بِعُشْرِ ثَمَنِ شَاةٍ كَيْلاَ يَحْتَاجَ إلَى التَّجْزِئَةِ وَقِيلَ: عُشْرُ شَاةٍ.
قال الرافعي: الفرع الثالث: قال الشافعي -رضي الله عنه- في "المختصر".
إن جرح ظبياً فنقص من قميته العشر، فعليه عشر من ثمن شَاة، وقال المُزَنِي تخريجاً عليه عُشْرُ شَاةٍ.
واختلف الأصْحَاب في ذلك فقال الأكثرون: الأمر على ما قاله المُزَنِي، لأن كل الظبية مُقَابَل بالشَّاةِ، فيقابل بعضها ببعضها تحقيقاً للمماثلة، وهؤلاء رفعوا الخلاف وقالوا: إنما ذكر الشافعي -رضي الله عنه- القيمة، لأنه قد لاَ يَجِدْ شريكاً في ذَبْحِ شَاةٍ، ويتعذر عليه إخراج العشر بقسطه من الحَيَوَان، فأرشده إلى ما هو الأَسْهل، فإن جزاء الصيد على التخيير، فعلى هذا هو مخير بين إخْرَاجِ العُشْرِ، وبين أن يصرف قيمته إلى الطَّعَام ويتصدق به، وبين أن يصوم عن كل مُدٍّ يوماً، ومنهم من جَرَى على ظَاهِرِ النَّصِّ، وقال: الواجب عشر القيمة، وأثبت في المسألة قولين المنصوص وما أخرجه المزني -رحمه الله- وهذا ما أوْرَدَهُ في الكتاب.
أما وجه التخريج فقد، عرفته.
وأما وجه المنصوص فهو أنَّا لو أوجبنا العُشْرُ لاحتاج إلى التجزئة والتَّقْسِيط، وفيه حرج وعسر، فوجب أن نعدل إلى غَيْرِهِ كما عدلنا عن إيجاب جُزْءٍ من بعير في خَمْسٍ من الإبِلِ إلى شَاةٍ، ولا يلزم من مقابلة الجملة بالمثل مقابلة الجزء بجزء من المثل، ألا ترى أَنه لو أتلف حنطةً على إنسان لَزِمَة مِثْلُهَا، ولو بَلَّها ونقص قيمتها لا يجب عليه إلا مَا نقص، فعلى هذا لو لم يرد الإطْعَام ولا الصِّيَام، ما الذي يخرج؟ حكى القاضي ابْنُ كِجٍّ: عن بعضهم أنه إن وجد شريكاً أخرجه ولم يخرج الدراهم وإلا فعليه إخْرَاجُهَا.
وعن أبي هريرة أن له إِخْرَاجها وإن وَجَدَ شَرِيكاً.
الجزء: 3 - الصفحة: 513
وعن أبي إسْحَاقَ: أنه مخير بين إخْرَاجِ العُشْرِ، وبيى إخراج الدَّرَاهِمِ فهذه ثلاثة أوجه.
ونقل أبو القَاسِم الكَرَخِي وغيره: أنه لا يجزئه إخْرَاجُ عُشْرِ الْمِثل، وقال في "التهذيب": لا يتصدق بالدَّرَاهم، ولكن يصرفها إلى الطَّعَام ويتصدق به، أَو يصوم عن كل مُدٍّ يوماً.
وهذا ما أشار إليه في الكتاب، حيث قال: (فعليه الطعام بعشر ثمن المثل) والأشبه من هذا كله تفريعاً على المنصوص إن أثبتنا الخلاف تعين الدراهم، -والله أعلم-.
وقوله: (بعشر ثمن شاة) أراد بالثمن القيمة كما في لفظ الشافعي -رضي الله عنه-.
واعلم: أن جميع ما ذَكَرْنَاهُ فيما إذا كان الصَّيْدُ مثلياً، فأما إذا جَنَى عَلَى صَيْدٍ غير مثلي فلا كلام في أن الواجب ما نقص من القيمة -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَلَوْ أَزْمَنَ صَيْدا فَتَمَامُ جَزَائِهِ، فَإِنْ قَتَلَهُ غَيْرُهُ فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ مَعِيباً، وَلَوْ أبْطَلَ قُوَّةَ المَشْي وَالطيَّرَانِ مِنَ النَّعَامَةِ فَفي تَعَدُّدِ الجَزَاءِ وَجْهَانِ:
قال الرافعي: ما ذكرنا في الفرع الثالث مصور فيما إذا اندمل الجُرْح وبقي الصيد ممتنعاً إما بعدوه كالغَزَالِ، أو بطيرانه كالحَمَامِ، فأما إذا اندمل الجرح وصار الصيد زمناً فهذا هو الفرع الرابع، وفيما يلزم به وجهان:
أصحهما: وهو المذكور في الكتاب وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: أنه يلزم به جَزَاءٌ كَامِلٌ، لأنه بالأزمان صَارَ كالمُتْلف، ولهذا لو أزمن عبداً يلزمه تمام قيمته.
الثاني: ويحكى عن ابْنِ سُرَيجٍ: أنه يجب عليه قدر النّقْصَان؛ لأنه لم يهلك بالكلية، ألا ترى أن الباقي مَضْمُون لو قتله محرم آخر، فعلى هذا يجب قِسْطٌ مِنَ المِثْلِ، أو من قيمة المِثْل فيه الكلام السابق.
ولو جاء محرم آخر وقتله إما بعد الانْدِمَال أو قبله فعليه جزاؤه زمناً لما ذكرنا أن المعيب يقابل بمثله، ويبقى الجزاء على الأول بحاله، ومنهم من قال: إن أوجبنا جزاءاً كاملاً عاد هَاهُنَا إلى قدر النقصان؛ لأنه يبعد إيجاب جزاءين لمتلف واحد، ولو عاد المزمن وقتله نظر إن قتله قبل الاندمال فليس عليه إلا جَزَاءٌ واحد، كما لو قطع يَدَيْ رَجُلٍ ثم حزّ رقبته قبل الاندمال لا يلزمه إلا دِيَة واحدة، وخرج ابْنُ سُرَيْجٍ -رحمه الله- ثمّ أن أرش الطرف ينفرد عن دِيَةِ النفس، فيجيء مثله هاهنا.
وإن قتله بعد الاندمال، أفرد كل واحد منهما بحكمه، ففي القتل جزاؤه زمناً، وفيما يجب بالإزمان؟ الخلاف السابق، وإذا أوجبنا بالإزمان جزاءاً كاملاً، فلو كان للصيد امتناعان كالنعامة بها امتناع بشدة العدو، وامتناع في الجناح فأبطل أحد امتناعيه ففيما يلزمه؟ وجهان:
أحدهما: أنه يتعدد الجزاء لتعدد الامتناع.
وأصحهما: أنه لا يتعدد؛ لاتحاد المنع، وعلى هذا فَمَا الَّذِي يجب؟ قال الإمام:
الجزء: 3 - الصفحة: 514
الغالِبُ على الظَّنِ أنه يعتبر ما نَقَص، لأن امتناع النعامة في الحقيقهّ واحد إلا أنه يتعلق بالرِّجل، والجناح فالزائل بعض الامتناع.
ولو جرح صيداً فَغَابَ، ثم وجد ميتاً ولم يدرِ أنه مات بجراحته، أو بِسَبَب حَادِثٍ فالواجب جَزَاءٌ كَامِلٌ أو ضمان الجُرْحِ فقط، كما لو علم أنه مات بسبب آخر؟ فيه قولان 388 -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَإذَا أَكَلَ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ ذَبَحَهُ غَيْرُهُ حَلَّ لَهُ إلاَّ إِذَا صِيدَ لَهُ (ح) أَوْ صيدَ بِدَلاَلتِهِ فلاَ يَحِلُّ لَهُ الأَكْلُ مِنْهُ، فَإِنْ أَكَلَ فَفِي وُجُوبِ الجَزَاءِ قَوْلاَنِ، وَلَوْ أَكَلَ مِنْ صَيْدٍ ذَبَحَهُ لَمْ يَتَكَرَّرِ الجَزَاءِ (ح) بِالأَكْلِ.
قال الرافعي: الفرع الخامس: قد مر أن المُحْرِم يحرم عليه الاصطياد والأكل من صيد ذبحه، وأنه يحرم عليه الأكل أيضاً مما اصطاد له حَلاَلٌ، أو بإعانته، أو بدلالته، فأما ما ذبحه حلالٌ من غير إعانته ودلالته فلا يحرم الأكْلُ منه، لما روينا من حديث أبي قتادة 389 وغيره، وقوله في الكتاب: (إذا صيد له) مُعَلَّمٌ بالحَاءِ، لأن عند أبي حنيفة إذا لم يعِن، ولم يأمر به لم يحرم عليه؛ ولا عبرة بالاصطياد له من غير أمره، ولم يحك حجة الإسلام -رحمه الله- هاهنا خلافاً في حل ما صيد بدلالته، وحكي قَبْلُ في هذا قولين، والحق ما فعله هاهنا، وتكلمنا على المَذْكُور من قبل، وشرحنا في أثناء الكَلاَمِ المسألة التي أوردها هاهنا، وهي قوله: (فإن أكل) أي مما صِيدَ لَهُ، أو بدلالته ففي وجوب الجزاء قولان: ولو أكل المحرم من صيد ذبحه بنفسه لم يلزمه الأكل شيء آخر، وقال أبو حنيفة -رحمه الله- يلزمه القيمة بقدر ما أكل، وسلم في صيد الحرم أنه لا يلزم في أكْلِه بعد الذَّبْحِ شيء آخر.
لنا: قياس الأول على الثاني.
قال الغزالي: وَلَوِ اشْتَرَكَ المُحْرِمُونَ في قَتْلِ صَيْدٍ وَاحِدٍ أَوْ قَتَلَ القَارِنُ صيداً أوْ قَتَلَ المُحْرِمُ صَيْداً حَرَمِيّاً اتحد (ح) اتحد الجَزَاءُ لاِتِّحَادِ المُتْلَف.
قال الرافعي: الفرع السادس: إذا اشترك محرمان، أومحرمون في قَتْلِ صَيْدٍ لم يلزمهم إلاَّ جزاء وَاحد، وبه قال أَحْمد خلافاً لأبي حنيفة ومالك -رحمهما الله- حيث قَالاً: يجب على كل واحد جزاءٌ كَامِلٌ.
لنا أن المقتول واحد فيتحد جزاؤه كما لو اشتركوا في قَتْلِ صَيْدٍ حَرَمِيٍّ، ويفارق ما إذا اشترك جماعة في قتل آدمي حيث يجب على كل واحد منهم كفارة كاملة على
الجزء: 3 - الصفحة: 515
الصَّحيح؛ لأن كفارة الصَّيْدِ تتجزأ، ألا ترى أنها تختلف بصغر المَقْتُولِ وكبره، ويجب إِذَا جرح الصيد بقدر النقصان، وكفارة الآدمي لا تختلف بِصِغَرِ المقتول وكبره، ولا تَجِب في الأَطْرَافِ.
ولو اشترك محل ومحرم في قتل صيد، فعلى المحرم نصف الجزاء، ولا شيء على المُحِل.
ولو قتل المحرم القارنُ صيداً لم يلزمه إلا جزاء واحد، وكذا لو باشر غيره من مَحْظُورَاتِ الإحْرَام، وبه قال مالك وكذا أحمد في أظهر الروايتين خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يلزمه جزاآن.
لنا ما سبق في الصُّورة الأُولَى.
ولو قتل المحرم صيداً حرمياً لم يلزمه إلا جَزَاء واحد لاتحاد المتلف، وهذا كما أن الدية لا تتغلظ مراراً باجتماع أسباب التغليظ.
قال الغزالي: السَّبَبُ الثَّانِي للتَّحْرِيم: الحَرَمُ وَجَزَاؤُهُ كَجَزَاءِ الإحْرَامِ (ح)، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ رَمىَ مِنَ الحِلِّ إلَى الحَرَمِ أَوْ بِالعَكْسِ، وَلَوْ قَطَعَ السَّهْمُ في مُرُورِهِ هَوَاءَ طَرَفِ الحَرَمِ فَوَجْهَانِ، وَلَو تَخَطَّى الكَلْبُ طَرَفَ الحَرَم فَلاَ جزَاءَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ سِوَاهُ، وَلَوْ أَخَذَ حَمَامَةٌ فِي الحِلِّ فَهَلَكَ فَرْخُهَا فِي الحَرَم أَوْ بِالعَكسِ ضَمِنَ الفَرْخَ.
قال الرافعي: صيد حَرَم مَكَّةَ حرامٌ على المُحِل والمُحْرِم روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَّةَ، لاَ يُخْتَلَى خلاَهَا وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، قَالَ الْعَبَّاسُ: إِلاَّ الإِذْخَرُ يَا رَسُولَ اللهِ فَإِنَّهُ لبِيُوتِنَا وَقُبُورِنَا، فَقَالَ: إِلاَّ الإذْخَرُ" 390.
والقول في الصَّيْدِ المحرم، وفيما يجب به الجزاء، وفي أن الجزاء مَاذَا يُقَاسُ بِمَا سَبَقَ فِي الإحْرَام إلا أن المحرم لَيْسَ له ذبح الصيد الذي يملكه، وفي وجوب إرْسَاله إذا أحرم الخِلاَف الذي مَرّ، ولو أدخل المحرم صيداً مملوكاً له كان له أن يمسكه ويذبحه كيف شاء كالنعم؛ لأنه صيد الحَلِّ دون الحرم.
وقال أبو حنية وأحمد -رحمهما الله- ليس له ذَبْحُه، ولو ذبح.
فعليه الجَزَاءُ.
واعلم قوله في الكتاب: (وجزاؤه كجزاء الإحرام) بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة لا مدخل للصيام في جَزَاءِ صَيْدِ الحَرَم.
لنا أنه صيد مضمونٌ بالجَزَاءِ، فكان جزاؤه كجزاء الصَّيْدِ في حق المُحْرِم.
ثم في الفصل مسألتان:
إحداهما: لو رَمىَ مِنَ الحِلِّ إلى صَيْدِ في الحَرَمِ فقتله فعليه الضَّمَان؛ لأنه أصاب الصيد في موضع آمن، ولو رمى من الحَرَمِ إلى صَيْدٍ في الحل فقتله فعليه الضمان
الجزء: 3 - الصفحة: 516
أيضاً؛ لأن الصَّيْدَ مُحَرَّمٌ على من في الحَرَمِ، وكذا الحكم في إرْسَالِ الكَلْبِ.
وكذا لو رمى حَلاَلٌ إلى صَيْدٍ فأحرم قبل أن يُصِيبَه، أو رمي مُحْرِمٌ إلى صَيْدٍ فتحلل قبل أن يَصِيدَه، وجب الضَّمَانُ في الحالتين.
ولو رمى إلى صَيْدٍ بعضه في الحل، وبعضه في الحَرَم، وجب الضَّمَانُ أيضاً تغليباً للحُرْمَة، والاعتبار بالقوائم، ولا نظر إلى الرأس، ولو رمى من الحل إلى صيد في الحِلِّ ولكن قطع السهم في مروره هواء الحرم، ففي وجوب الضَّمَانِ وجهان:
أحدهما: لا يجب لوقوع الطرفين في الحِلِّ، فصار كما لو أرسل كلباً في الحِلِّ إلى صَيْدٍ في الحِلِّ فتخطى طرف الحرم.
والثاني: يجب، لأنه أوصل السَّهْم إليه في الحَرَم، ويخالف مسألة الكَلْبِ؛ لأن للكلب فِعْلاً واختياراً، والسَّهم لا اختيار له، ولهذا قالوا: لو رمى إلى صَيْدٍ في الحل فعدَا الصَّيْدُ ودخل الحرم فأصابه السَّهم وجب الضَّمان، وبمثله لو أرسل كلباً لا يَجِب، ولو رمى إلى صَيْدٍ في الحِلِّ فلم يصبه، وأصاب صيداً في الحَرَم وجب الضَّمَان، وبمثله لو أرسل كلباً لا يجب فدل على الفرق، ويشبه أن يكون هذا أَظْهر الوَجْهَيْنِ، ولم يورد صاحب "العدة" غيره.
ثم في مسألة إرْسَالِ الكَلْبِ وتخطيه طَرَفِ الحرم إنما لا يجب الضَّمَان إذا كان للصَّيْدِ مَفَرٌ آخر، فأما إذا تعين دُخُوله الحَرَم عندَ الهرب، فالضَّمَانُ واجب لا محالة، سواء كان المُرْسِل عالماً بالحال أو جاهلاً، غير أنه لا يأثم إذا كان جاهلاً.
الثانية: لو أخذ حمامة في الحِلِّ، أو قتلها فهلك فرخها في الحرم، ضمن الفَرْخَ؛ لأنه أهلكه بَقَطْع من يَتَعَهَّده عنه، فأشبه ما لو رَمَى من الحِلِّ إلى الحَرِم، ولا يضمن الحَمَامة؛ لأنها مَأخوذة الحِلِّ، وعلى عكسه لو أخذ الحمامة من الحرم أو قتلها فهلك فَرْخها في الحِلِّ ضمن الحمامة والفَرْخَ جَمِيعاً، أما الحمامة فلأنها مأخوذة من الحَرَمِ وأما الفرخ فكما لو رمى من الحرم إلى الحِلِّ، ولما جَمَعَ صَاحِبُ الكِتَاب بين الطرفين اقتصر في الحكم على ما يشتركان فيه وهو ضمان الفرخ، وسكت عن ضَمَانِ الحمامة.
ولو نفر صيداً حرمياً قاصداً أو غير قَاصِدٍ تعرض للضَّمَانِ، حتى لو مات بسبب التنفير بصَدْمة أو أخذ سبع لَزِمَهُ الضَّمان، ولو دخل الحل فقتله حلال فعلى المنفر الضَّمان أيضاً، قاله في "التهذيب" بخلاف ما لو قتله مُحْرِمٌ يكون الجزاء عليه تقديماً للمباشرة.
فرع: لو دخل الكافرُ الحَرم وقتل صيداً وجب عليه الضَّمَان؛ لأن هذا ضَمَان يتعلق بالإتلاف فأشبه ضَمَان الأَمْوال.
وقال الشَّيْخُ أَبُو إسْحَاقَ الشِّيرَازِي: يحتمل عندي أن لا يجب، لأنه غير ملتزم حرمة الحرم.
الجزء: 3 - الصفحة: 517
قال الغزالي: وَنَبَاتُ الحَرَمِ أَيْضًا يَحْرُمُ قَطْعُهُ أَعْني مَا يَنْبُتُ بنَفْسِهِ دُونَ مَا يُسْتَنْبَتُ، وَيُسْتَثنَى عَنْهُ الإِذْخِر لِحَاجَةِ السُّقُوفِ، وَلَو اخْتَلَى الحَشِيشُ لِلْبَهَائِمِ جَازَ (ح) عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، كمَا لَوْ سَرَّحَهَا فِيهِ، وَلَوِ اسْتَنْبَتَ مَا يَنْبُتُ أَوْ نَبَتَ مَا يُسْتَنبَتُ كَانَ النَّظَرُ إِلَى الجِنْسِ (و) لاَ إِلَى الحَالِ حَتَّى لَوْ نَقَلَ أَراكَاً حَرَمِيّاً وَغَرَسَهُ في الحِلِّ لَمْ يَنْقَطِع حُكْمُ الحَرَمِ، ثُمَّ في قَطْعِ الشَّجَرَةِ الكَبِيرَةِ بَقَرَةٌ (م ح) وفي الصغيرة شاة (م ح)، وَفِيمَا دُونَهُمَا القِيمَةُ كَمَا في الصَّيْدِ، وَفي القَديمِ لاَ يَجِبُ (ح) في النَّبَاتِ ضَمَانٌ.
قال الرافعي: قطع نبات الحرم حرام كاصطياد صيده للخبر الذي قدمناه، وهل يتعلق به الضمان؟ فيه قولان:
أصحهما: وبه قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله-: نعم؛ لأنه ممنوع من إتلافه لِحُرْمَةِ الحُرَمِ، فيجب به الضَّمَانُ كَالصَّيْدِ.
والثاني: ويحكي عن القديم: لا، وبه قال مَالِك، لأن الإحْرَام لا يوجب ضمان الشَّجرة فكذلك الحرم.
إذا عرفت ذلك فنفصِّل ونقول: النبات شجر وغيره؛ أما الشجر فيحرم التعرض بالقطع، والقلع لِكُلِّ شجر رطبٍ غير مُؤذٍ حَرَمِي، فيخرج بقيد الرطب الشّجر اليابس فلا شيء في قطعه، كما لو قدّ صيداً ميتاً نصفين، وبقيد غير المؤذي العَوْسَج، وكل شجرة ذَات شَوْكٍ فإنها بمثابة الفواسق وسائر المؤذيات فلا يتعلق بقطعها ضَمَان.
هذا هو المشهور، ونقل صاحب "التتمة" وجهاً آخر أنها مضمونة، وزعم أنه الصَّحِيح لإطْلاَقِ الخَبَرِ، ويفارق الحيوانات، فإنها تقصد بالأذية ويخرج بقيد الحرمي أشْجَار الحِل، ولا يجوز أن يقطع شجرة من أشْجَارِ الحَرَمِ، وينقلها إلى الحِلِّ محافظة على حرمتها، ولو نقل فعليه الرَّدُّ بخلاف ما لو نقل من بقعة من الحرم إلى أخرى لا يؤمر بالرد، وسواء نقل أشجار الحرم وأغصانها إلى الحِلِّ أو الحرم، فينظر إن لم ينبت فعليه الجَزَاء، وإن نبت في الموضع المنقول إليه فلا جَزَاءَ عَلَيْهِ، ولو قلعها قَالِعٌ لزمه الجَزَاءُ استبقاءً لِحُرْمَةِ الحرم، وعلى عكسه لو قَلَعَ شجرةً من الحِلِّ وغرسها في الحَرَمِ فنبتت فلا يثبت لها حُكْمُ الحَرَمِ، بخلاف الصَّيْدِ يدخل الحرم، فَيَجبُ الجَزَاءُ بالتَّعَرُّضِ لَهُ؛ لأن الصَّيْدَ ليس بأصل ثَابتٍ، فالوجه اعتبار مكانه، والشَّجَر أَصْل ثابت فله حكم منبته، حتى لو كان أصْلُ الشَّجَرَةِ في الحَرَمِ وأغصانها في الحل فقطع من أغصانها شيئاً فعليه ضَمَانُ الغُصْنِ، ولو كان عليه صيد فأخذه فلا جزاء عليه، وعلى عكسه لو كان أصلها في الحل، وأغصانها في الحَرَم، وقطع غصناً منها فَلاَ شَيْءَ، ولو كان عليه صيد فأخذه فعليه الجَزَاء.
الجزء: 3 - الصفحة: 518
وإذا قطع غصناً من شَجَرة حَرَمِيَّةٍ، ولم يخلف فعليه ضَمَانُ النُّقْصَان، وسبيله سبيل جرح الصّيد، وإن أخلف في تلك السنة لكون الغصن لطيفاً كالسِّواك وغيره فلا ضمان، وإذا وجب الضمان فلو نبت مكان المقطوع مثله ففي سقوط الضَّمان قولان كالقولين في السِّنِّ إذا نبت بعد القلع.
ويجوز أخذ أوراق الأشْجَار، لكنها لا تهش حذراً من أن يصيب لحاها.
وأما الشجرة التامة فتضمن ببقرة إن كَانَتْ كبيرة، وبِشَاةٍ إن كانت دونها، يروى ذلك عن ابْنِ الزُّبَيْرِ 391، وَابْنِ عَبَّاسٍ 392 -رضي الله عنهم- وغيرهما، ومثل هذا لا يطلق إلا عن توقيف.
قال الإمام: ولا شك فإن البدنة في معنى البَقَرة، وأقرب قولٍ في ضبط الشجرة المضمونة بالشَّاة أن تقع قريبة من سبع الكبيرة، إن الشَّاة من البقرة سبعاً، فإن صغرت جداً فالواجب القيمة.
والأمر في ذلك كله على التعديل، والتخيير كما في الصَّيْدِ، وهل يعم التحريم والضمان ما ينبت بنفسه من الأشْجَار، وما يستنبت أم يختص بالدرب الأول؟ ذكروا فيه قولين:
أحدهما: التعميم، لأن لفظ الخَبَر مطلق.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- التخصيص بالدّرب الأول تشبيهاً للمستنبتات بالحيوانات الإنسية وبالزرع والأول أصح عند أئمتنا العراقيين، وتابعهم الأكثرون، ومنهم من قطع به لكن الإمام، وصاحب الكتاب أجابا بالثَّانِي، وإذا قلنا: به زاد في الضَّابِطِ قيداً آخر، وهو كون الشجر مما ينبت بنفسه، وعلى هذا يحرم قطع الطرفاء والأراك والعضَاة وغيرها من أشجار البَوَادي، وأدرك في "النهاية" العوسج فيها، لكنه ذُو شَوْكٍ، وفيه ما كتبناه، ولا تحرم المستنبتات مثمرة كانت كالنخل والكرم، أو غير مثمرة كالصنوبر، والخلاف، ومما يتفرع على هذا القول، أنه لو استنبت بعض ما ينبت بنفسه على خلاف الغالب، أو نبت بعض ما يستنبت الأم ننظر، حكى الإمام عن الجمهور أن النظر إلى الجنس والأصل فيجب الضمان في الصُّورةَ الأولى، ولا يجب في الثَّانية، وعن صاحب "التلخيص" أن النظر إلى القصد والحال فيعكس الحكم فيهما، والأول هو الذي أورده في الكتاب.
وأما غير الأشجار فإن حشيش الحرم لا يجوز قطعه للخبر، ولو قطعه فعليه قيمتُه إن لم يَخْلُف، وإن أخلف فَلاَ، ولا يخرج على الخلاف المذكور في الشَّجَرَة، فإن الغالب هاهنا الإخلاف فأشبه سِنَّ الصبي.
ولو كان يابساً فلا شيء في قطعه كما ذكرنا في الشَّجَرِ، لكن لو قطعه فعليه
الجزء: 3 - الصفحة: 519
الضَّمَان؛ لأنه لو لم يقطع لنبت ثانياً، ذكره في "التهذيب"، ويجوز تسريح البهائم في حشيشه لترعى خلافاً لأبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله-.
لنا: أن الهَدَايا كانت تساق في عَصْرِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم- وما كانت تشد أفواهها في الحَرَمِ.
ولو اختلى الحشيش ليعلفه البهائم ففيه وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا" 393.
وأظهرهما: الجواز، كما لو سَرَّحَهَا فيه، ويستثنى عن المنع الإذخر لحاجة السقوف كما ورد في الخَبَر، ولو احتيج إلى شيء من نبات الحرم للدَّواء فهل يجوز قطعه؟ وجهان:
أحدهما: لا؛ لأنه ليس في الخبر إلا استثناء الإذخر.
وأصحهما: الجواز؛ لأن هذه الحَاجَة أهم من الحَاجَة إلى الإذخر-والله أعلم-.
وليهن عليك ما لحق مسائل الكتاب من تغيير الترتيب فقد أعلمتك مراراً أن الشرح قد يحوج إليه، وقوله: (دون ما يستنبت) مُعَلَّم بالواو للقول الأصَحِّ عند الأكثرين، وبالألف لأن مذهب أحمد على ما رواه أصحابنا مثل ذلك القول.
وقوله: (كما لو سرحها فيها) بالحاء والألف، وقوله: (كان النظر إلى الجنس) بالواو، وقوله: (حتى لو نقل أراكًا حرميًا، وغرسه في الحل لم ينقطع حكم الحرم) ليس مذكوراً على سبيل الاحتجاج للوجه النّاظر إلى اعتبار الجنس، والأصل، فإن هذه الصورة لا تسلم عن نزاع من ينازع في اعتباره.
وقال الإمام -رحمه الله-: إذا كان صاحب "التلخيص" يعتبر القصد فلا تثبت الحرمة لهذه الشجرة إذا غرست في الحرم، فما ظنك إذا غرست في الحِلِّ، فلعله ذكره تفريعاً على ذلك الوجه.
وقوله: (ثم في قطع الشجرة الكبيرة بقرة) لفظ البقرة والشَّاة معلمان بالحَاءِ، لأن عنده الواجب القيمة دون الحيوان كما ذكر في الصيد، وبالميم؛ لأن عنده لا جزاء في الشَّجَرِ، وكذلك لفظ القيمة، وقوله: (فيما دونها القيمة) يبين أنه أراد بالصغيرة المتوسطة، وإلا فاسم الصغيرة يتناول ما ليست بكبيرة كيف كانت.
فرع: يكره نقل تراب الحرم وأحجاره إلى سَائِر البقاع 394، والبرام يجلب من حد
الجزء: 3 - الصفحة: 520
الحل، ولا يكره نقل ماء زمزم، كانت عائشة -رضي الله عنها- تنقله، وقد روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اسْتَهْدَاهُ مِنْ سَهْلِ بْنِ عَمْروٍ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ" 395 قال الشَّيْخُ أَبُو الفَضْلِ بْنِ عُبْدَانَ: لا يجوز قطع شيء من ستر الكعبة ونقله وبيعه وشراؤه، خلاف ما يفعله العَامّة يشترونه من بَنِي شَيْبَةَ، وربما وضعوه في أوراق المصاحف، ومن حمل منه شيئاً فعليه رده.
قال الغزالي: وَيُلْحَقُ حَرَمُ المَدِينَةِ بِمَكَّة في التَّحْرِيمِ، وَفي الضَّمَانِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا لا، إِذْ وَرَدَ فِيهِ سَلْبُ ثِيابِ الصَّائِدِ فَهُوَ جَزَاوُهُ، ثُمَّ السَّلْبُ للسَّالِبِ، وَقِيلَ: أَنَّهُ لِبَيْتِ المَالِ، وَقِيلَ: أنَّهُ يُفَرَّقُ عَلَى مَحَاوِيجِ المَدِينَةِ، وَإنَّمَا يَسْتَحِقُّ السَّلْبَ إِذَا اصْطَادَ أَوْ أَتْلَفَ (و)، وَالشَّجَرُ وَالصَّيْدُ فِي السَّلْب سَوَاءٌ.
قال الرافعي: لا يباح التعرض لصيد حرم المدينة وأشْجَارِه، وهو مكروه أو محرم؟ نقل في "التتمة" تردد قول، وحكى بعضهم فيه وجهين، والصَّحيح وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله-: أنه مُحَرَّم لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مِثْلَ مَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ لاَ يُنْفَرُ صَيْدُهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا" 396.
وروي أنه قال: "إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْ الْمَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُها" 397.
ويجوز إعلام قوله في الكتاب: (التحريم) بالواو لمكان الوجه الآخر، وبالحاء أيضاً؛ لأن عند أبي حنيفة أنه لا يحرم.
وإذا قلنا: بالتحريم، ففي ضمان صيدها ونباتها قولان: = الكعبة، فقد قال الجليمي -رحمه الله- أيضاً: لا ينبغي أن يؤخذ منها شيء.
وقال صاحب "التلخيص": لا يجوز بيع أستار الكعبة.
وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح -رحمه الله- بعد أن ذكر قول ابن عبدان والحليمي: الأمر فيها إلى الإمام، يصرفها في بعض مصارف بيت المال بيعاً وعطاءً، واحتج بما رواه الأزرقي صاحب كتاب "مكة": أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، كان ينزع كسوة البيت كل سنة، فيقسمها على الحاج.
وهذا الذي اختاره الشيخ حسن متعين، لئلا يتلف بالبلى، وبه قال ابن عباس، وعائشة، وأم سلمة -رضي الله عنهم- قالوا: ويلبسها من صارت إليه من جنب وحائض وغيرهما.
ولا يجوز أخذ طيب الكعبة، فإن أراد التبرُّك، أتى بطيب من عنده فمسحها به، ثم أخذه.
(ينظر الروضة 2/ 440).
الجزء: 3 - الصفحة: 521
الجديد وبه قال مالك: لا يضمن؛ لأنه ليس بمحل النّسك فأشبه مواضع الحِمَى، وإنما أثبتنا التحريم للنصوص.
والقديم وبه قال أحمد: أنه يضمن، وعلى هذا فما جزاؤه؟ فيه وجهان:
أحدهما: أن جزاءه كجزاء حرم مكة لاستوائهما في التحريم.
وأظهرهما: وبه قال أحمد: أن جزاءه أخذ سلب الصائد، وقَاطِع الشَّجر، لما روى أن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه-: "أَخَذَ سَلْبَ رَجُلٍ قَتَلَ صَيْداً في الْمَدِينَةِ، وَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "مَنْ رَأَى رَجُلاً يَصْطَادُ بِالْمَدِينَةِ فَالْيَسْلِبْهُ" 398. وعلى هذا ففيما يسلب؟ وجهان الذي أورده الأكثرون أنه يسلب منه ما يسلبه القاتل من قتيل الكفار.
والثاني: أنه لا ينحى بهذا نحو سلب القتيل في الجِهَاد، وإنما المراد من السلب هاهنا الثِّياب فحسب، وهذا ما أورده الإمام وتابعه المصنف فقال: (إذ ورد فيه سلب ثياب الصائد) فقيد بالثياب، وعلى الوجهين ففي مصرفه وجْهَان مشهوران:
أظهرهما: أنه للسالب كسلب القتيل، وقد روي أنهم كلموا سَعْداً في هذا السَّلب فقال: "مَا كُنْتُ لِأَرُدَّ طُعْمَةً أَطْعَمَنِيهَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-" 399.
والثاني: أنه لمحاويج المدينة وفقرائها كما أن جزاء صيد مكة لِفُقَرَائِهَا، ووجه ثَالِثٌ حكاه الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ عن الأستاذ أَبِي إِسْحَاقَ، والقَفَّالِ: أنه يوضع في بَيْتِ المال، وسبيله سبيل السَّهْمِ المترصد للمصَالِح.
وقوله في الكتاب: (ففي الضمان وجهان) اقتدى فيه بالإمام، والمشهور في المسألة قولان: وقوله: (إذ ورد فيه سلب ثياب الصائد في الصيد) معناه أن واجب هذه الجناية هو السلب الذي ورد في الجزاء، إذ لو وجب الجزاء لوقع الاكتفاء به، كما في صيد مكَّة، وعنى بالضمان الجزاء دون المُشْتَرك بينه وبين السَّلْب، فاعرف ذلك.
وقوله: (وإنما يستحق السلب إذا اصطاد، أو أتلف) قصد به التعرض لما ذكره الإمام، حيث قال: غالب ظني أن الذي يهم بالصيد لا يسلب حتى يصطاد، ولست أدْرِي أيسلب إذا أرسل الصيد أم ذلك إذا أتلف الصَّيد 400؟ ولفظ "الوسيط" لا يسلب إلا
الجزء: 3 - الصفحة: 522
إذا اصطاد، أو أرسل الكَلْب، ويحتمل التأخير إلى الإتلاف.
واعلم أن السَّابِق إلى الفهم من الخبر، وكلام الأئمة أنه يسلب إذا اصطاد، ولا يشترط الإتلاف.
وأما قوله: (والشجرة والصيد في السلب سواء)، فهو بين -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَوَرَدَ النَّهْيُ عَنْ صَيْدِ وَجِّ الطَّائِفِ وَنَبَاتِهَا، وَهُوَ نَهْيُ كَرَاهِيَةِ يُوجِبُ تَأْدِيباً لاَ ضَمَاناً.
قال الرافعي: وج الطائف واد بصحراء الطائف، وليس المراد منه نفس البلدة قال الشافعي -رضي الله عنه- أكره صيده، وعن الشَّيْخِ أبي علي حكاية تردد في أنه تحريم، أو مجرد كَرَاهِية، ولفظ الكتاب كالصريح في الثاني، لكن الصَّحيح عند عامة الأصْحَابِ الأول؛ لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم-.
قال: "صَيْدُ وَجِّ الطَّائِفِ مُحَرَّمٌ للهِ" 401.
وعلى هذا فهل يتعلق به ضمانه؟ منهم من قال: نعم، وحكمه حكم حرم المدينة، وقال- صاحب "التلخيص" والأكثرون: لا، إذ لم يرد في الضَّمَانِ نقل، لكن يؤدب.
فرع: "النَّقِيعُ لَيْسَ يُحَرَّمُ، لَكِنْ حَمَاهُ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لإبِلِ الصَّدَقَةِ" وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ" 402، فلا تملك أشجاره وحشيشه، وفي وجوب كل الضّمان على من أتلفها وجهان:
أحدهما: لا يجب، كما لا يجب في صيده شئ، وأظهرهما: يجب؛ لأنه ممنوعٌ مِنْهَا، وكانت مضمونه عليه بخلاف الصَّيْدِ، فإن الاصطياد فيه جائز، وعلى هذا فضمانها القيمة، ومصرفها مَصْرف نعم الصَّدقة والجزية 403.
الجزء: 3 - الصفحة: 523
القِسْمُ الثَّالثُ مِنْ كِتَابِ الحَجِّ فِي اللَّوَاحِقِ
وَفِيهِ بَابَانِ
الأَوَّلُ فِي مَوَانِعِ الحَجِّ
قال الغزالي: وَهِيَ سِتَّةٌ: الأَوَّلُ: الإحْصَارُ وَهُوَ مُبِيحٌ للتَّحَلُّلِ مَهْمَا احْتَاجَ فِي الدَّفْعِ إِلَى قِتَالٍ أَوْ بَذلِ مَالٍ، وَإِنْ كَانُوا كُفَّاراً وَجَبَ القِتَالُ إِلاَّ إِذَا زَادُوا علَى الضِّعْفِ، وَلَوْ أَحَاطَ العَدُوُّ مِنَ الجَوَانِبِ لَمْ يَتَحَلَّلْ عَلَى قَوْلٍ لِأَنَّهُ لاَ يُرِيحُ مِنْهُ التَّحَلُّلُ كَمَا لاَ يَتَحَلَّلُ بالمَرَضِ (ح)، وَلَوْ شَرَطَ التَّحَلُّلَ عِنْدَ المَرَضِ فَفِي جَوَازِ التَّحَلُّل قَوْلان.
قال الرافعي: كان حجة الإسلام -رحمه الله- قد قسم كتاب الحَجِّ إِلَى ثَلاثَة أقسام: المقدمات، والمقاصد وقد حصل الفراغ منهما.
والثالث: اللواحق، وفيه بابان ترجم أولهما بموانع الحج، ولم يرد بها موانع وجوبه أو الشروع فيه، وإنما أراد العَوَارِض التي تعرض بعد الشروع فيه وتمنع من إتمامه، وهي فيما عدّها ستة أنواع:
أحدها: الإحْصَار 404، فإذا أَحْصَر العَدُو المُحْرِمين عن المُضِي في الحج من جميع الطرق كان لهم أن يتحلَّلُوا؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "أُحْصِرَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ، فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 405.
والمعنى: فإن أَحْصِرتم فتحللتم، أو أردتم التَّحَلُّل فما استيسر من الهدى، فإن
الجزء: 3 - الصفحة: 524
نفس الإحصار لا يوجب هَدْياً، والأولى أن لا يعجل التَّحلُّل إن وسع الوقت، فربما يزول المنع فَيُتمُّونَ النّسك، وإن كان ضيقاً فالأولى التعجيل كي لا يفوت الحج، ويجوز للمحرم بالعمرة التحلل أيضاً عند الإحصار 406، وعن مالك: أنه لا يجوز التَّحلُّل في العمرة؛ لأنه لا يخاف فواتها.
أما أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- "تَحَلَّلَ بِالإحْصَارِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ مُحْرِماً بَالْعُمْرَةِ" 407.
إذا عرفت ذلك ففي الفصل مسائل:
إحداهما: لو منعوا ولم يتمكَّنُوا من المسير إلاَّ بِبَذْل مال، فلهم أن يتحلَّلُوا ولا يبذلوا المال، وإن قل إذ لا يجب احتمال الظلم في أداء الحج بل يكره البذل، إن كان الطالبون كفاراً لما فيه من الصَّغَار، وإن احتاجوا إلى قتال ليسيروا، نظر إن كان المانعون مسلمين فلهم التَّحلل ولا يلزمهم القتال، وإن قدروا عليه لما فيه من التَّغْرير بالنَّفس، وإن كانوا كفاراً فقد حكم صاحب الكتاب بوجوب القتال، إذا لم يزد عدد الكفار على الضعف، وهكذا حكى الإمام -رحمه الله- عن بعض المصنفين، ولم يرتضه على هذا الإطلاق، بل شرط فيه وِجْدَانهم السّلاح وأُهْبة القتال، وقال: إذا وجدوا الأهبة وقد صدتهم الكفار، فلا فرار ولا سبيل إلى التحلل.
وأنت إذا فَحَصْت عن كتب الأكثرين وجدتهم يقولون: لا يجب القِتَال على الحجيج، وإن كان العدو كفاراً وكان في مقابلة كل مسلم أقل من مشركين غير أنهم إن كانوا كفاراً وكان بالمسلمين قوة فالأولى: أن يقاتلوا ويمضوا نُصْرَةً للإسلام وإتْماماً للحج، وإن كان بالمسلمين ضعف أو كان العدو مسلمين، فالأولى: أن يتحلَّلُوا، ويتحَرَّزُوا عن قتال تحرُّزاً عن سفك دماء المسلمين، ولهؤلاء أن يقولوا للإمام: لا نزاع في أنهم لو قاتلوا المُسْلمين والصورة ما ذكرت لم يكن لهم الفرار، لكن يجوز أن
الجزء: 3 - الصفحة: 525
يمنعوهم من الحج ولا يقاتلوهم لو تركوا الحج، كل يلزمهم ابتداء القتال ليمضوا؟
هذا موضع الكلام، وعلى كل حال فلو قاتلوهم كان لهم أن يلبسوا الدروع والمغافر، ثم يفدون كما إذا لبس المحرم المَخِيطَ لدفع حر أو برد.
الثانية: ما ذكرنا من جَواز التَّحلل مفروض فيما إذا مَنَعُوا من المضي دون الرجوع والسير في صوب آخر.
فأما إذا أحاط العدو بهم من الجوانب كلها ففيه وجهان كذا نقل المعظم، وقال الإمام والمصنف قولان:
أحدهما: ليس لَهُمَا التَّحلل، لأنه لا يربحهم، والحالة هذه ولا يستفيدون به أمناً، وصار كالمريض ليس له التحلل.
وأصحهما: أن لهم التحلل؛ لأنهم يستفيدون به الأمن من العدو الذي بين أيديهم.
الثالثة: ليس للمحرم التّحلّل بعذر المرض، وبه قال مالك وأحمد -رحمهما الله- يصبر حتى يَبْرَأ، فإن كان محرماً بِعُمرة أتمَّها، وإن كان محرماً بحج وفاته تَحَلَّل بعمل عُمْرة؛ لأنه لا يستفيد بالتَّحلُّل زوال المرض.
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما-: (أنه لا حَصْرَ إلاّ حصر العدو)، وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: يجوز التَّحلل بالمرض، وهذا إذا لم يشترط التَّحلل عند المرض.
أما إذا شرط أنه إذا مرض تحلل، نقد نص في القديم على صحة هذا الشرط، وعلق القول في الجديد بصحة حديث ضبَاعَة بنت الزبير -رضي الله عنهما- وهو ما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لها: "أَمَا تُريدِينَ الْحَجَّ، فَقَالَتْ: أَنَا شَاكِيَةٌ فَقَالَ: حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنْ تَحِلِّيَ حَيْثُ حُبِسْتِي" 408: وللأصحاب فيه طريقان: أثبت عامتهم فيه خلافاً، وقالوا: إنه صحيح في القديم، وفي الجديد قولان:
أظهرهما: الصحة للحديث، وبه قال أحمد.
والثاني: المنع، وبه قال مالك وأبو حنيفة -رحمهما الله- لأنه عبادة لا ليجوز الخروج منها بغير عذر، فلا يجوز بالشرط كالصَّلاَة المفروضة، وعن الشيخ أبي حامد وغيره: أنه صحيح جزماً بصحة الحديث ولو شرط التحلل لغرض آخر كضلال الطريق ونفاذ النفقة والخطأ في العدد، فهو كما لو شرط التَّحلل عند المرض، وعن الشيخ أبي محمد: أنه لغو لا محالة، والخلاف مخصوص بالمرض لورود الخبر فيه.
الجزء: 3 - الصفحة: 526
التفريع: إنْ صححنا الشرط، فهل يلزمه الهَدْي للتحلل إن كان قد شَرط التحلل بالهدي؟ فنعم، وإن كان قد شرط التَّحلل بلا هدي، فلا، وإن أطلق فوجهان:
أظهرهما: وبه قال أبو إسحاق والدَّارِكِيُّ: أنه لا يلزم أيضاً لمكان الشرط، ولو شرط أن يقلب حجهَ عمرة عند المرض، فهو أولى بالصِّحَّة من شرط التَّحلل رواه القاضي ابن كَجٍّ عن نصه.
ولو قال: إذا مرضت فأنا حلال فيصير حلالاً بنفس المرض، أم لا بد من التَّحلل؟ فيه وجهان، والمنصوص منهما الأول، -والله أعلم-.
قال الغزالي: وَتَحَلُّلُ المُحْصِر هَلْ يَقِفُ عَلَى إِرَاقَةِ دَمِ الإحْصَارِ؟ (ح) فِيهِ قَوْلاَنِ، فَإنْ كَانَ مُعْسِراً وَقُلْنَا: إِنَّ الصَّوْمَ بَدَلٌ ففي تَوَقُّفِهِ القَوْلاَنِ المُرَتَّبَانِ، وَأَوْلَى بِأَنْ لاَ يَتَوَقَّفَ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ طَوِيلٌ، وَلاَ يُشْتَرَطُ (ح) بَعْثُ الدَّمِ إلَى الحَرَمِ، وَإذَا قُلْنَا: لاَ يَتَوَقَّفُ فَيَتَحَلَّلُ بِالحَلْقِ أَوْ بنيَّةِ التَّحلُّلِ، وَلاَ قَضَاءَ (ح) عَلَى المُحْصِرِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل ثلاث مَسَائِلَ:
إحداها: في أن تحلُّل المُحْصر بِمَ يحصل؟ وهذه المسألة تحوج إلى معرفة أصلين:
الأول: أنه يجب على المُحْصر إذا تحلَّل دَمُ شاة، وبه قال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما الله-، وقال مالك: يتحلل، ولا دم عليه.
لنا قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وهذا إذا لم يَجْرِ من المحرم شرط سابق.
فأما إذا كان قد شرط عند إحرامه أنه يتحلل إذا أحصر ففي تأثير هذا الشرط في إسقاط الدم طريقان، منهم من خرجه على وجهين، كما إذا شرط التَّحلل عند المرض وتحلل بالشرط وقد ذكرناه.
والأصح: القطع بأنه لا يؤثر؛ لأن التَّحلل بالإِحْصار جائز، وإن لم يشترط فالشرط لاَغٍ بخلاف التَّحلل بالمرض.
والأصل الثاني: أنَّ القول قد اختلف في أن دم الإحصار هل له بدل أم لا؟ وبتقدير أن يكون له بدل، فكيف سبيله وهو على التَّرتيب أو التَّخيير، وهذا ستعرفه حق المعرفة في الياب الثاني إن شاء الله تعالى.
إذا تقرر ذلك، فنقول: إن قلنا: إن دَمَ الإِحْصَار لاَ بَدَل له، وكان واجداً للدم فيذبح وَينْوى التَّحلل عنده، وإنما اعتبرت نِيَّة التّحلل؛ لأن الذبح قد يكون للتَّحَلل،
الجزء: 3 - الصفحة: 527
وقد يكون لغيره فلا بد من قصد صارف، وإن لم يجد الهدي إما لإعساره أو غير ذلك، فهل يتوقف التَّحلل على وجدانه؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن الهدي أقيم مقام الأعمال، ولو قدر على الأعمال لم يتحلل إلا بها، فإذا عجز لا يتحلل إلا ببدلها.
وأصحهما: لا، بل له التَّحلل في الحال؛ لأن التحلل إنما أبيح تخفيفاً ورفقاً حتى لا يتضرر بالمقام على الإحرام، ولو أمرناه بالصبر إلى أن يجد الهدي لتضرر، وعلى التقديرين فلا بد من نية التحلل، وهل يجب الحَلْق؟ بناه الأئمة على الأصل الَّذي سبق، وهو أَنّ الحَلْق نُسُك أم لا؟ إن قلنا: نسك، فنعم.
وإن قلنا: استباحة محظور فلا، فيخرج من هذا.
أما إذا اعتبرنا الذَّبْح والحَلْق مع النِيَّة والتحلل، يحصل بثلاثتها، وإنْ أخرجنا الذَّبْح عن الاعتبار فالتَّحلُّل يحصل بالحَلْق مع النِيَّة أو بمجرد النية فيه وجهان، وهذا ما أراده المصنف بقوله:
وإذا قلنا: لا يتوقف فيتحلل بالحَلْق أو بنية فالتحلل أي؟ فيه وجهان:
وإن قلنا: إنَّ دَمَ الإِحْصَار له بدل، فإن كان يَطعم فتوقف التحلل عليه كتوقفه على الذبح، وإن كان يصوم فكذلك مع ترتب الخلاف، ومنع التوقف هاهنا أولى؛ لأن الصوم يفتقر إلى زمان طويل فتكون المَشَقَّة في الصَّبر على الإحرام أعظم.
المسألة الثانية: لا يشترط بعث دم الإحصار إلى الحرم بل يذبحه حيث أحصر ويتحلل، وبه قال أحمد:
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: يجب أن يبعث به إلى مكَّة ويوكل إنساناً ليذبحه يوم النَّحْر إن كان حاجّاً وأي يوم شاء إنْ كان مُعْتَمِراً ثم يتحلل.
لنا: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أُحْصِرَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَذَبَحَ بِهَا، وَهِيَ مِنَ الْحَلِّ" 409.
ولأنه موضع التَّحلل فكان موضعاً لذبح الهدي.
كالحرم، وكما يذبح دم الإحصار حيث أحصر فكذلك ما لزمه من دماء المَحْظُورات قبل الإِحْصَار، وما حمله معه من هدي، ويفرق لحومها على مساكين ذلك الموضع، وهذَا كله إذا كان مصدوداً عن الحرم، فأما إذا كان مصدوداً عن البيت دون أطراف الحرم، فهل له أن يذبح في الحلّ؟ ذكروا فيه وجهين:
الجزء: 3 - الصفحة: 528
والأصح: أنّ له ذلك.
الثالثة: في أنه هل يجب القَضَاءُ على المُحْصر وهذه المسألة بشرحها مع المسائل الَّلائقة بها مجموعة في آخر الباب -إن شاء الله تعالى-.
قال الغزالي: الثَّانِي لَوْ حَبَسَ السُّلْطَانُ شَخْصًا أَوْ شِرْذَمَةً مِنَ الحَجِيجِ فَهُوَ كَالإحْصَارِ العَامِّ، وَقِيلَ: فِيهِ قَوْلاَنِ، وَقِيلَ يَجُوزُ التَّحَلُّلُ وَالقَوْلاَنِ في وُجُوبِ القَضَاءِ.
قال الرافعي: قد تكلمنا في الحصر العام الذي يشمل الرفقة.
وأما الحصر الخَاصّ الذي يتفق لأحد أو شرذمة من الرّفْقَة فينظر فيه، إن لم يكن المحرم معذوراً فيه كما إذا حبس بسبب دين وهو متمكّن من أدائه فليس له التحلل بل عليه أن يؤديه ويمضي في حجه، فإن فاته الحَجُّ في الحبس فعليه أنْ يسير إلى مكة ويتحلل بعمل عمرة، وإن كان معذوراً فيه كما إذا حبسه السُّلْطَان ظُلْماً أو بِدَيْن وهو لا يتمكن من أدائه، وهذا هو المقصود في الكتاب، ففيه طريقان:
أحدهما: وهو ما أورده المَرَاوزة أن في جوازِ التَّحَلُّل به قولين:
أحدهما: لا يجوز كما في المرض وخطأ الطَّريق، وأصحهما: أنه يجوز؛ لأن الاحصار سبب يبيح التَّحَلل للكل فيبيح للبعض كإتمام الأعمال.
وأظهرهما وهو ما أورده العراقيون: القطع بالجواز كما في الحصر العام؛ لأن مشقة كل أحد لا تختلف بين يتحمل أن غيره مثلها أَوْ لا يتحمل، وهؤلاء ردوا الخلاف إلى أنه هل يجب القضاء إذا تحلَّلَ بالحَصْر الخَاصِّ؟ وسيأتي ذلك.
واعلم أَنَّ لَفْظَ الكتاب آخراً يتعرَّض لهاتين الطَّريقَتَيْن.
وقوله أولاً: "فهو كالإحصار العام"، يشعر بطريقة ثالثة تقطع بجواز التحلل وعدم القضاء كما في الإِحْصَار العَام ولم أَرَ نقلها لغيره -والله أعلم-.
قال الغزالي: الثَّالِثُ الرِّقُّ فللسيد مَنْعُ عَبْدِهِ إنْ أَحْرَمَ بِغَيْرِ إِذنِهِ، وَإذَا مَنَعَ تَحَلَّلَ كَالمُحْصِرِ.
قال الرافعي: إحْرام العبد ينعقد سواء كان بإذن السَّيِّد أو دون إذنه ثم إن أحرم بإذنه لم يكن له تَحْليله سواء بقي نُسُكه صحيحاً أو أفسده، ولو باعه -والحالة هذه- من غيره لم يكن للمشتري تحليله لَكِنْ له الخِيَار إن كان جاهلاً بإحرامه، وإن أحرم بغير إذنه فالأولى أن يأذن له في إتمام النسك، ولو حلَّلَه جاز؛ لأن تقريره على الحج يعطل منافعه عليه.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: له تحليله سواء أحرم بإذنه أو بغير إذنه، وإذا أذن
الجزء: 3 - الصفحة: 529
له في الإِحْرام فله الرجوع قبل أن يحرم، فإن رجع ولم يعلم العبد به فأحرم فله تَحْلِيله، في أصح الوجهين، وهما مبنيان على الخلاف في نفوذ تصرفات الوَكِيل بعد العَزْل وقبل العلم.
وَلَو أَذِن له في العُمرة فأحرم بالحج فله تَحْليله، ولو كان بالعكس لم يكن له تحليله؛ لأن العمرة دون الحج والحج فوقها.
قال في "التهذيب": وظني أنه لا يسلم عن النزاع والخلاف 410.
ولو أذن له في التمتع، فله منعه من الحج بعدما تحلل عن العمرة، وليس له تحليله عن العمرة ولا عن الحج بعد الشروع.
ولو أذن له في الحج أو في التمتع، فقرن لم يجز تحليله.
ولو أذن له أن يحرم في ذي القعدة فأحرم في شوال فله تحليله قبل ذي القعدة وبعد دخوله لا، وإذا أفسد العبد حجه بالجماع فعليه القضاء؛ لأنه مكلف بخلاف الصَّبِي على أحد القولين وهل يجب قضاؤه في الرِّقِّ عن الواجب؟ فيه قولان كما ذكرنا في الصَّبي إذا قضى في الصبي، فإن احتسبناه لم يجب على السَّيِّد أن يأذن له في القضاء، إن كان إحرامه الأول بغير إذنه، وكذلك إن كان بإذنه، في أصح الوجهين، وكل دم يلزمه بسبب ارتكاب المَحْظُورات كالطيب واللِّبَاس وقتل الصيد والفوات، فلا يجب على السيد سواء أحرم بإذنه أو بغير إذنه.
وأما العَبْد فلا ملك له حتى يذبح، لكن لو ملكه السيد فعلى القديم: يملك ويلزمه إخراجه، وعلى الجديد لا يملك، وإذا لم يملك، ففرضه الصوم، وللسيد منعه منه في حال الرق إن كان إحرامه بغير إذنه، وكذلك إن كان بإذنه على أصح الوجهين؛ لأنه لم يأذن في موجبه، ولو قرن أَو تَمَتَّع بغير إذن السّيد فدم القرَان، أو التمتع حكمه حكم دِمَاء المَحْظُورَات، أما إذا قَرَنَ أَو تمتَّع بالإذن، فهل يجب الدَّمُ على السيد.
الجديد: أنه لا يجب، وفي القديم قولان بخلاف ما لو إذن لعبده في النِّكَاح فنكح يكون السيد ضَامِناً للمهر، في القديم قولاَ واحداً؛ لأنه لا بدل للمهر، وللدم بدل وهو الصوم، والعبد من أهله، وعلى هذا لو أحرم يإذن السَّيد فأحصر فتحلل.
فإن قلنا: لا بدل لدم الإحصار فالسَّيد ضامناً له في القديم قولاً واحداً.
وإن قلنا: له بدل ففي صَيْرُورته ضامناً له قولان في القديم، وإذا لم توجب الدَّم
الجزء: 3 - الصفحة: 530
على السيد فالواجب على العَبْد الصوم، وليس للسَّيد المنع منه في أصح الوجهين لإذنه في سببه.
ولو ملكه السَّيد هَدْياً، وقلنا: إنه يملك إراقة، وإلا لم تجز إراقته، ولو أراقه السَّيِّد عنه بإذنه، فهو على هَذَيْنِ القولين، وَلَوْ أراق عنه بعد موته جاز قولاً واحداً؛ لأنه قد حصل اليَأْسُ عن تكفيره، والتَّمليك بعد الموت ليس بشرط، ولهذا لو تصدق عن ميت جاز.
وقد "أَمَرَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- سَعْداً -رضي الله عنه-، أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ أُمِّهِ بَعْدَ مَوْتِهَا" 411، ولو عتق العبد قبل الصوم وجد الهَدْي فعليه الهدي، إن اعتبرنا في الكفَّارات حالة الأداء أو الأغلظ، وإن اعتبرنا حالة الوجوب فله الصَّوم، وهل له الهَدْي؟ فيه قولان.
وينعقد نذر الحج من العبد، وإن لم يأذن له السيد في أصح الوجهين ويكون في ذمته، فلو أتى به حال الرِّقِّ هل يجزئه؟ فيه وجهان:
إذا عرفت هذ المسائل، فحيث جوزنا للسيد التَّحليل أردنا به أنه يأمره بالتَّحَلُّل؛ لأنه يستقل بما يحصل به التَّحلل، وغايته أن يستخدمه ويمنعه من المضي، ويأمره بارْتِكَاب محظورات الإحرام أو يفعلها به، ولا يرتفع الإحرام بشيء من ذلك، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله- حيث قال: إذا أمره باستعمال المحظورات أو ألبسه المخيط أو طيبه أو كانت أَمَةً فوطئها حصل التحلل، وإذا جَازَ لِلسَّيِّد التَّحليل جاز لِلْعَبْد التَّحلل؛ لأن المحصر بغير حق يجوز له التحلل، فللمحصر بالحق أولى؛ وبم يتحلل إن ملكه السيد هدياً؟
وقلنا: إنه يملك فيذبح وينوي التَّحلل، وإلاَّ فهل هو كالحُر؟ فيه طريقان:
أحدهما: نعم، حتى يتوقَّف تحلّله على وجدان الهدي.
إن قلنا: إن دم الإِحْصَار لا بَدَلَ له، وذلك يفتقر إلى العتق هاهنا، وعلى الصوم إن قلنا: إن دم الإحصار له بدل كل ذلك على أحد القولين:
وعلى أصحهما: لا توقف، ويكفيه نية التَّحلل.
وأصحهما: القَطْع بهذا القول الثاني، ويه قال أبو إسحاق: لعظم المشقَّةِ في
الجزء: 3 - الصفحة: 531
انْتِظَار العِتْقِ، ولأن منافعه مستحقة للسيد، وقد يريد استعماله فيما يمنع منه المحرم كالاصطياد وإصلاح الطّيب، فيتضرر ببقاء الإحرام، وحكم أم الولد والمُدَبّر والمعلق عتقه بصفة، وَمَنْ نصفه حُرّ حُكْم القِنِّ المَحْض، ولو أحرم المُكَاتب بغير إذن المولى، فمنهم من جعل جواز تحليله على قولين بناء على القولين في سَفَرِ التجارة، وهل يمنعه السَّيد منه؟ ومنهم من قطع بجواز التحليل؛ لأنه لا منفعة للسَّيِّد في سفر الحج، وله منفعة في سفر التجارة، وقوله في الكتاب: "فللسيد منع عبده"، أي من إتمام الحج ويجوز أن يُعَلَّم بالواو؛ لأن ابن كج حكى وجهاً غريباً: أنه ليس للسيد ذلك لتعينه بالشروع تخريجاً من أحد القولين في الزَّوجة إذا أحرمت بالتطوع، وأن يُعَلَّم قوله: "بغير إذنه" بالحاء.
لأن أبا حنيفة -رحمه الله- يُجَوز المنع على الإطلاق؛ فلا حاجة عنده إلى التقييد، وقوله: تحلل كالمحصر إن أراد التشبه في جواز التحلل فذاك، وإلاَّ ففي الكيفية تفاوت لا يخفي ما قدمناه.
قال الغزالي: الرَّابِعُ الزَّوْجِيَّةُ، وَفِي مَنْعِ الزَّوْجِ زَوْجَتَهُ مِنْ فَرْضِ الحَجِّ (م ح) قَوْلاَنِ، فَإذَا أَحْرَمَتْ فَفِي المَنْع قَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ، وَكَذَا إنْ أَحْرَمَت بِالتَّطَوُّعِ، فَإِنْ مُنِعَتْ تَحلَّلَتْ كَالمُحْصِرِ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَل فَلِلزَّوْجِ مُبَاشَرَتُهَا وَالإِثْمُ عَلَيْهَا.
قال الرافعي: المستحب للمرأة أن لا تحرم دون إذن زَوْجِها وللزوج أن يحج بها، فإذا أرادت أداء فرض الحج عليها، فهل للزوج أن يمنعها منه؟ فيه قولان:
أحدهما: لا، ولها أن تحرم بغير إذنه؛ لأنه عبادة مفروضة فأشبهت الصوم والصلاة المفروضين، ويحكى هذا عن كتاب اختلاف الحديث، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد -رحمهم الله-.
وأصحهما: أن له المنع، لما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "فِي امْرَأَةِ لَهَا زَوْجٌ، وَلَهَا مَالٌ، وَلاَ يَأْذَنُ لَهَا زَوْجُهَا فِي الْحَجِ، لَيْسَ لَهَا أَنْ تَنْطَلِقَ إِلاَّ بإذْنِ زَوْجِهَا" 412. ولأن الحج على التَّراخي، وحق الزوج على الفور فكان أولى بالتَّقديم ويخالف الصوم والصلاة؛ لأن مدتهما لا تطول، فلا يلحق الزوج كثير ضرر.
وحكى بعضهم طريقة قاطعة بالقول الأول، والمشهور الأول، فإن قلنا: ليس له منعها، فلو أحرمت بغير إذنه فليس له أن يحللها بطريق الأولى لتضيقه بالشروع.
وإن قلنا: له منعها في الابتداء، ففي التحليل قولان:
الجزء: 3 - الصفحة: 532
أظهرهما: أَنَّ له ذلك كما له تحليل العَبْد إذا أحرم بغير إذنه.
والثاني: لا لنضيقه وخروجه عن احْتمال التَّرَاخي بالشروع.
وأما حجة التَّطوع فله أن يمنعها منها في الابتداء، وإن أحرمت بغير إذنه فطريقان: إن جوزنا التَّحليل في الفرض فهاهنا أولى وإنْ لم نجوز ثم فهاهنا قولان:
أحدهما: ليس له تحليلها، لالْتحاقها بالفرائض بالشروع.
وأصحهما: أن له التحليل كما له التَّحليل من صوم التطوع وصلاة التَّطوع، وإنما يصير الحج فرضاً بالشروع، إذا كان الشروع مسوغاً.
وقوله في الكتاب: (وكذا إِنْ أحرمت بالتَّطوع) أراد به أنَّ الخلاف في هذه المسألة، وفي تحليل المحرمة بالفرض كل واحد منهما مرتب على الخِلاَف في جواز منعها من حج الفرض ابتداء؛ لأن الترتيب كالترتيب، فإن مسألة التَّطوع أولى بالجواز والمسألة الأخرى أولى بالمنع.
وحيث قلنا بجواز التحليل، فمعناه الأمر بالتَّحَلُّل كما ذكرنا في العبد، وتحللها كتحلل الحُرِّ المحصر بلا فرق، فلو لم تتحلل فللزوج أن يستمتع بها، والإثم عليها، هكذا حكاه الإمام عن الصيدلاني ثم توقف فيه؛ لأن المحرمة لحقِّ الله تعالى كالمرتدة فيحتمل أن يمنع الزوج من الاستمتاع إلى أن تتحلل فرعان:
أحدهما: قال القاضي ابن كج: لو كانت مطلَّقة، فعليه حبسها للعدة، وليس لها التحلل إلا أن تكون رجعية، فيراجعها ويحللها.
الثاني: الأمة المزدوجة، لا يجوز لها الإحرام إلا بإذن الزوج والسَّيد جميعاً.
قال الغزالي: الخَامِسْ للأَبَوَيْنِ مَنْعُ الوَلَدَ مِنَ التَّطَوُّعِ بالْحَجِّ، وَمِنَ الفَرْضِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: من له أَبوان أو أحدهما، فالمستحب له أن لا يحج دون إذنهما أو إذنه، ولك واحد منهما منعه من حج التطوع في الابتداء؛ "لأَنَّ رَجُلاً اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في الْجِهَادِ فَقَالَ: أَلَكَ أبَوَانِ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: اسْتَأَذَنتَهُمَا فَقَالَ: لاَ قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ" 413.
اعتبر استئذانهما في الجهاد مع أنه من فروض الكفايات، فلأن يعتبر في التطوع كان ذلك أولى، ولو أحرم بها فهل لهما المنع؛ فيه قولان سبق نظيرهما وتوجيههما، وحكى القاضي ابن كَجٍّ وجهاً ضعيفاً: أنه ليس لهما المنع في الابتداء أيضاً، وأما حج
الجزء: 3 - الصفحة: 533
الفرض، فقد حكى القاضي: ابن كج وجهاً ضعيفاً أنه ليس لهما المنع وفي الابتداء طريقان:
أحدهما: تخريجه على قولين كما في منع الزوج والزوجة.
وأصحهما: ولم يورد الجمهور غيره أن لا منع لهما وليس له طاعتهما في ترك الفرض، ولو أحرم به بغير إذنهما فلا منع بحال، ونقل فيه وجه ضعيف أيضاً، إذا عرفت ذلك فقوله: للأبوين منع الولد من التَّطوع بالحج، يجوز حمله على المَنْع في الابتداء، ويجوز حَمْله على التَّحليل يعد الإحرام، وعلى التقديرين فليكن مُعَلَّماً بالواو.
وأما إثباته الخلاف في المَنْع من حج الفرض فهو خلاف المشهور سواء حمل على ابتداء المنع أو على التحليل ولم أجد حكاية الخلاف فيها لغير صاحب الكتاب، إلا للقاضي ابن كج، وصاحبه الكتاب قد أعاد المسألة في كتاب السير ولم يتعرض للخلاف -والله أعلم-.
قال الغزالي: السَّادِسُ لَمُسْتَحِقِّ الدَّيْنِ مَنْعُ المُحْرِمِ المُوسِرِ مِنَ الخُرُوجِ، وَلَيْسَ لَهُ التَّحَلُّلُ بَلْ عَلَيْهِ الأَدَاءُ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِراً أَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُؤَجَّلاً لَمْ يُمْنَعْ مِنَ الخُرُوجِ.
قال الرافعي: إذا كان عليه دَيْن وهو موسر، فلمستحق الدين أن يمنعه من الخروج، لا لأن حقه في منعه من الحج ولكن يحبسه ليستوفي حقه منه، فإن كان قد أحرم، فقد ذكرنا أنه ليس له التَّحْليل والحالة هذه، بل عليه أن يقضي دينه ويمضي، وإن كان معسراً فلا مطالبة ولا منع؛ لأنه منظر إلى مَيْسَرة، وكذا لو كان الدَّين مؤجَّلاً لا منع إذ ليس عليه تسليم في الحال ولا يتوجه للمستحق مطالبة، والأولى أن لا يخرج، حتى يوكل من يقضي الدين عليه عند حلول الأجل.
واعلم: أَنَّ الكلام في أن مستحق الدين متى يمنع ومتى لا يمنع لا يختص بسفر الحج، بل يعم.
الأسفار كلها، وقد ذكره المصنف عاماً في كتاب التَّفْليس على ما سيأتي فلو طرحه هاهنا لما ضَرَّ.
قال الغزالي: فَأمَّا مَنْ فَاتَهُ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ بِنَوْمٍ أَوْ سَبَبٍ فَعَلَيْهِ أنْ يَتَحَلَّلُ بأَفْعَالِ العُمْرَةِ، وَيَلْزَمُهُ القَضَاءُ وَدَمُ الفَوَاتِ، بِخِلاَفِ المُحْصَرِ فَإنَّهُ مَعْذُورٌ.
قال الرافعي: مضمون الفصل قول وجيز في حكم فوات الحج وفواته بفوات الوقوف، روي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال:
"الحَجُّ عَرَفَةُ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعُ الْفَجْرُ فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ" 414. وإذا
الجزء: 3 - الصفحة: 534
حصل الفوات فله التَّحلل كما في الإحْصَار؛ لأن في بقائه محرماً حرجاً شديداً يعسر احْتِمَاله وبم يتحلل؟
قال في "المختصر" وغيره: يطوف ويسعى ويحلق، وقال في "الإملاء": يطوف ويحلق، ولم يتعرض للسعي، واتفق الأصحاب على أن الأمر بالحَلْق مبني على أنه نسك، وعلى أن الطواف لا بد منه، واختلفوا في السّعي على طريقين: أشبههما: أنه على قولين:
أحدهما: أنه لا يجب السعي؛ لأن السعي ليس من أسباب التَّحلل، أَلاَ تَرَى أنه لو سعى عُقَيْبَ طواف القدوم بجزئه، ولو كان من أسباب التحلل لما جاز تقديمه على الوقوف.
وأصحهما: أنه يجب السعي مع الطواف.
لما روي عن عمر -رضي الله عنه- أنه قال: لأبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- وقد فاته الحج، "اصْنَعْ مَا يَصْنَعُ الْمُعتَمِرُ، وَقَدْ حَلَلْتَ، فَإِنْ أَدْرَكَكَ الْحَجُّ قَابِلاً فَحُجَّ، وَاهَدِ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي" 415.
والطريق الثاني: القطع بالقول الثَّاني، وحمل ما في "الإملاء" على الاختصار وإلا يجاز، فإن السعي كالتَّابع للطواف فاكتفي بذكر الأصل أو حمله على ما إذا كان قد سَعَى عُقَيْبَ طواف القدوم لا يلزمه الإعادة ولا يجب عليه الرَّمْي، والمبيت بمنى، وإن أدرك وفيه مع الأعمال المذكورة خلاف للمزني -رحمه الله- وذكر أن الإصطخري مال إليه.
لنا: ما رويناه عن عمر -رضي الله عنه-، وقد اشتهر ذلك في الصحابة -رضوان الله عليهم- ولم ينكر عليه منكر، ويخالف ما إذا أفسد الحج، فإن هناك هو مأمور بالوقوف، والرمي والمبيت من توابع الوقوف، فأمر بهما وهاهنا بخلافه، وليس أمرنا إياه بالطواف، وسائر أعمال العمرة لانقلاب إحرامه بفوات الحج عمرة، ولا نقول باحتسابها عن عمرة الإسلام، وعن أحمد: أنه ينقلب إحرامه عمرة، وعن الشيخين أبي محمد وأبي علي: رواية وجه ضعيف مثل مذهبه.
لنا أن إحرامه انعقد بأحد النُّسُكَيْن فلا ينصرف إلى الآخر كما لو أحرم بالعمرة لا ينصرف إلى الحج.
ثم من فاته الحج إن كان حجَه فرضاً فهو في ذمته كما كان، وإن كان تطوعاً فعليه قضاؤه كما لو أفسده، وعن أحمد رواية: انه لا قضاء عليه.
الجزء: 3 - الصفحة: 535
لنا حديث عمر -رضي الله عنه- ويخالف الإحصار، فإنه معذور فيه، والفوات لا يخلو عن ضرب تقصير، وفي لزوم الفور في القضاء الخلاف الذي سبق مثله في الإفساد، ولا يلزم قضاء العمرة مع قضاء الحج خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يلزمه قضاؤهما، أَمَّا الحج فلأنه تَلَبَّسَ به وما أتمه، وأما العمرة فلأنه أتى بأعمالها ولم تحسب له.
لنا: أنه أحرم بأحد النسكين ولم يتممه فلا يلزمه قضاء الآخر كما لو أحرم بالعمرة وأفسدها أو بالحَجّ وأفسده، ويجب على مَنْ فات حجه مع القضاء دم للفوات خلافاً لأبي حنيفة.
لنا حديث عمر -رضي الله عنه-؛ ولأن الفوات سبب يجب القضاء.
فيلزم به الهدي كالإفساد، ولا يلزم أكثر من دم واحد، وعن صاحب "التقريب" رواية قول مخرج: أنه يلزم وإن: أحدهما للفوات.
والثاني: لأنه في قضائه كالمتمتع من حيث أنه تحلل عن الأول وشرع في الثاني، وتمكن بينهما من الاستمتاع.
وقوله في الكتاب: (فأما من فاته الوقُوف بعرفة) فمن فاته الحج كذلك، وفي ذكر اليوم إشارة إلى أنه لا فرق بين أن يكون سبب الفوات سبباً فيه نوع عذر أو شيئاً هو تقصير صرف.
وقوله: (فعليه أن يتحلل بأعمال العمرة)، يجوز إعلامه بالواو للقول الذاهب إلى أنه لا حاجة إلى السعي، فعلى ذلك القول جميع أعمال العمرة غير لازم، وبالزاي لأن على مذهبه لا يكفي أعمال العمرة بل يجب معها الرمي والمبيت.
ؤقوله: (ويلزمه القضاء) بالألف، وقوله (ودم الفوات) بالحاء لما مر.
وقوله: "بخلاف المحصر فإنه معذور"، أراد به الإشارة إلى الفرق في القضاء، فإن الدم لازم فيهما جميعاً -والله أعلم-.
قال الغزالي: فَلَوْ أُحْصِرَ فَاخْتَارَ طَرِيقًا أَطْوَلَ فَفَاتَهُ، أَوْ صَابَرَ الإِحْرَامَ عَلَى مَكَانِهِ تَوَقُّعاً لِزَوَالِ الإحْصَارِ فَفَاتَهُ فَفِي القَضَاءِ قوْلاَنِ لِتَرَكُّبِ السَّبَبِ مِنَ الإِحْصَارِ وَالفَوَاتِ، وَلَوْ صُدَّ بَعْدَ الوُقُوفِ عَنْ لِقَاءِ البَيْتِ لَمْ يَجِبِ القَضَاءُ عَلَى الصَّحِيحِ (و) كَمَا قَبْلَ الوُقُوفِ، وَالمُتَمَكِّنُ مِنْ لِقَاءِ البَيْتِ إذَا صُدَّ مِنْ عَرَفَةَ فَفِي وُجُوبِ القَضَاءِ عَلَيْهِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: كنت أخرت الكلام في أن المحصر هل يقضي؟ وهذا موضع ذكره، فإنه كالقاعدة التي عليها بناء هذه المسائل، فنقول: إذا حصر فتحلل نظر إن كان نسكه
الجزء: 3 - الصفحة: 536
تطوعاً، فلا قضاء عليه، وبه قال مالك وأحمد، خلافاً لأبي حنيفة -رحمه الله-.
لنا: "إِنَّ الَّذِينَ صَدُّوا مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- بِالْحُدَيْبيَةِ، كَانُوا أَلْفاً وَأَرْبَعْمَائة، وَالَّذِينَ اعْتَمَرُوا مَعَهُ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، كَانُوا نَفَراً يَسِيراً، وَلَمْ يَأْمُرْ الْبَاقِينَ بِالْقَضَاءِ" 416.
وإن لم يكن نسكه تطوعاً، نظر إن لم يكن مستقرّاً عليه الحجة الإسلام في السّنة الأولى من سني الإمكان فلا حج عليه إلا عند اجتماع الشروط بعد ذلك، وإن كان مستقراً عليه كحجة الإسلام فيما بعد السنة الأولى، من سنين الإمكان وكالنذر والقضاء، فهو باق في ذمته كما كان لو شرع في صلاة ولم يتمها تبقى في ذمته، إذا تقرر ذلك فهاهنا مسائل:
إحداها: لو صُدَّ عن طريق، وهناك طريق آخر نظر إن تمكن من سلوكه بأن وجد شرائط الاستطاعة فيه لزمه سلوكه ولم يكن له التَّحلل سواء كان ذلك الطريق قصيراً أو طويلاً، وسواء كان يرجو الإدراك أو يخاف الفوات أو يتيقنه كما لو أحرم في أول في ذي الحِجّة وهو بالعراق مثلاً يجب عليه المضي والتحلل بعمل عمرة ولا يجوز التحلل في الحال؛ وإذا سلكه كما أمرناه به ففاته الحج تحلل بعمل عمرة، وهل يلزمه القضاء؟ فيه قولان:
أحدهما: نعم، كما لو سلك هذا الطريق ابتداء ففاته بضلال الطريق وغيره.
وأظهرهما: لا؛ لأنه بذل ما في وسعه فأشبه ما إذا صُدّ مطلقاً؛ ولأن هذا الفوات نشأ من الإِحْصَار، فإن المسألة مصورة فيما إذا اختصَّ الطريق الآخر بطول أو حُزُونَة وغيرهما، وكان الفوات لذلك حتى لو استويا من كل وجه، فيجب القضاء لا محالة؛ لأن الموجود فوات محض، قاله الإمام وغيره، وإن لم يتمكن من سلوك الطريق الآخر فهو كالصَدِّ المطلق.
الثانية: وقد تعرض لها في الكتاب قبل هذا الفصل: أنَّ ما ذكرنا من نَفْي القَضَاء هو حكم الإِحْصَار العام.
فأما في الإحصار الخامس قولان: أو وجهان:
أحدهما وبه قال أبو الحسين والدَّارِكي: أنه يجب القضاء كما لو منعه المرض عن إتمام النسك يلزمه القضاء.
وأظهرهما: وبه قال القاضي أبو حامد وأبو علي الطبري: أنه لا قضاء، كما في الإحصار العام؛ لأن مشقة المصابرة على الإحرام لا تختلف في حق صاحب الواقعة ولا
الجزء: 3 - الصفحة: 537
تشبه المرض؛ لأنه يبيح التَّحلل على ما سبق بخلاف المرض.
الثالثة: لو أحصر فلم يتحلل بل صَابَرَ الإِحْرَام متوقعاً زواله ففاته الحج، والإحصار دائم، فلا بد من التحلل بعمل عمرة، وفي القضاء طريقان:
أظهرهما: وهو الذي أورده في الكتاب: طرد القولين المذكورين في المسألة الأولى.
والثاني: القطع بوجوب القضاء لتسببه بالمصابرة إلى الفوات، فإنه لو تحلل لما تصور الفوات.
وقوله في الكتاب: (لتركب السبب من الفوات) والإحصار معناه: أن سبب التحلل ليس هو الفوات المَحْض حتى يجزم بوجوب القضاء ولا الإحصار المحض حتى يجزم بسقوطه، بل التحلل بمجموع الأمرين فاختلف القول فيه، ثم يجوز أن يقدر هذا الكلام إشارة إلى توجيه الوجهين، ويجوز أن يقدر توجيهاً لقول الوجوب وحده إذا اجتمع الموجب والمسقط وجب أن يثبت الوجوب احتياطاً.
الرابعة: لا فرق في جواز التحلل بالإحصار بين أن يتَّفق قبل الوقوف أو بعده، ولا بين أن يحصر عن البيت خاصة أو عن الموقف خاصة أو عنهما جميعاً خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: إذا أحصر بعد الوقوف لا يجوز له التّحلل، ولا يجوز التحلل حتى يحصر عن البيت والموقف جميعاً.
لنا أنه مصدود عن إتمام نسكه بغير حق فكان له التَّحلل كما في سورة النزاع.
ثم إن كان الإحصار قبل الوقوف وأقام على إحرامه حتى فاته الحج نظر إن زال الحصر، وأمكنه التَّحلل، بالطواف والسعي يلزمه ذلك وعليه القضاء والهدي للفوات، وإن لم يزل الحصر تحلل بالهدي، وعليه مع القضاء هديان.
أحدهما: للفوات.
والثاني: للتحلل.
وإن كان الإحصار بعد الوقوف فإن تحلل فذاك، وهل يجوز البناء عليه لو انكشف العذر؟ فيه الخلاف الذي مَرَّ فِي مَوْضعه.
فعلى الجديد: لا يجوز.
وعلى القديم: يجوز، فيحرم إحراماً ناقصاً، ويأتي ببقية الأعمال، وعلى هذا فلو لم يبن مع الإمكان، فهل عليه القضاء؟
نقل الإمام -رحمه الله- فيه وجهين، وإن لم يتحلل حتى فاته الرمي والمبيت، فهو فيما يرجع إلى وجوب الدَّم بفواتهما كغير المحصر وبم يتحلل؟ يبنى على أصلين.
أحدهما: أَنَّ الحَلُق نسك أم لا؟
الجزء: 3 - الصفحة: 538
والثاني: أَنَّ زمان الرمي هل يقام مقام الرمي؟ وقد سبق القول في كليهما.
وقد سبق القول في كليهما.
فإن قلنا: الحلق نسك، حلق وتحلل التحلل الأول.
وإن قلنا: إنه ليس بنسك حصل التحلل الأول بمضي زمان الرمي، وعلى التقديرين فالطواف باق عليه؛ فمتى أمكنه أن يطوف طاف وقد تم حجه، ثم إذَا تَحَلَّلَ بالإحصار الواقع بعد الوقوف، فهل يلزمه القضاء؟
ذكر الإمام -رحمه الله- أن "صاحب التقريب" حكى فيه قولين، وطردهما في كل صورة أتى بها بعدم الإحرام بنسك لتأكد الإحرام بذلك النسك، فإن العراقيين جزموا بنفي القضاء، قال: وهذا أمثل، فإنه تحلل بالحصر المحض وسواء ثبت الخلاف أم لا، فظاهر المذهب أنه لا قضاء.
وقوله في الكتاب: (على الصحيح) يجوز حمله على الصحيح من القولين جواباً على طريقة إثبات الخلاف؛ ويجوز أن يحمل على الصحيح عن الطريقين، ولو صد عن عرفة ولم يصد عن مكة فيدخل مكة ويتحلل بعمل عمرة، في وجوب القضاء قولان؛ لأنه محصر تحلل بعمل عمرة كمن صد عن طريق وسلك غيره ففاته الحج، وقد قدمنا ذلك؛ - وبالله التوفيق-.
الْبابُ الثَّانِي في الدِّمَاءِ
وَفِيهِ فَصْلاَن
الفَصْلُ الأَوَّلُ
قال الغزالي: فِي أَبْدَالِهَا وَهِيَ أَنْوَاعٌ: الأَوَّلُ: دَمُ التَّمَتُّعِ وَهُوَ دَمُ تَرْتِيبٍ وَتَقْدِيرٍ كَمَا في القُرْآنِ، وَفي مَعْنَاهُ دَمُ الفَوَاتِ وَالقِرَانِ.
الثَّانِي: جَزَاءُ الصَّيْدِ وَهُوَ دمُ تَعْديلٍ وَتَخْيِيرٍ (و) فِي نَصِّ القُرْآنِ.
الثَّالِثُ: دَمُ الحَلْقِ وَهُوَ دَمُ تَخْيِيرٍ وَتَقْدِيرٍ إِذْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ شَاةٍ وَثَلاَثَةِ آصُع مِنْ طَعَام كُلُّ صَاعٍ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ يُطْعِمُه سِتَّةَ.
مَسَاكِينَ، وَبَيْنَ صِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فَهَذِهِ الثَّلاَثُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهَا.
قال الرافعي: الدِّمَاء الواجبة في المَنَاسك 417 سواء تعلقت بترك مأمور أو ارتكاب (1)
الجزء: 3 - الصفحة: 539
منهى إذا أطلقناها أردنا دم شاة، فإن كان الواجب غيرها كالبدنة في الجماع فيقع النَّص عليه، ولا يجزئ فيها جميعاً إِلاَّ ما يجزئ في الأضحية، إلاَّ في جزاء الصَّيْد فيجب المثل في الصغير صغير، وفي الكبير كبير، وكل من لزمه شاة جاز له أنْ يذبح مكانها بقرة أو بدنة إلا في جزاء الصيد، وإذا ذبح بدنة أو بَقَرَةً مكان الشاة فالكل فرض حتى لا يجوز أكل شيء منها، أو الفرض السبع حتى يجوز له أكل الباقي فيه وجهان.
ولو ذبح بَدَنَةً ونوى التَّصدق بسبعها عن الشاة الواجبة عليه وأكل الباقي جاز له ذلك، وله أن ينحر البَدَنَة عن سبع شياه لزمته.
ولو اشترك جماعة في ذبح بقرة أو بدنة، وأراد بعضهم الهدي والبعض الأضحية والبعض اللَّحم جاز خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: لا يجوز إلاَّ أن يريد جميعهم القربة ولمالك حيث قال: لا يجوز إلاَّ أَنْ يكونوا أهل بيت واحد.
ولا يجوز أن يشترك اثنان في شاتين لإمكان انفراد كل واحد بواحدة.
إذا عرفت ذلك فاعلم أن كلام الباب يقع في فصلين:
أحدهما: في كيفية وجوبها، وما يقوم مقامها.
والثاني: في مكانها وزمانها، والبحث في الأول من وجهين:
أحدهما: النظر في أنَّ أي دم يجب على الترتيب، وأي دم يجب على التَّخْيِير، وهاتان الصِّفَتان متقابلتان.
فمعنى الترتيب: أنه يتعين عليه الذبح، ولا يجوز العدول عنه إلى غيره إلا إذا عجز عنه، ومعنى التخيير: أنه يفوض الأمر إلى خبرته، فله العدول إلى غيره مع القدرة عليه.
والثاني: النظر في أن أي دم يجب على سبيل التَّقدير، وأي دم يجب على سبيل التعديل، وهاتان الصفتان متقابلتان، فمعنى التقدير: أن الشَّرع قدر البَدَلَ المعدول إليه ترتيباً أو تخييراً بقدر لا يزيد ولا ينقص، ومعنى التعديل: أنه أمر فيه بالتقويم، والعدول إلى الغير بحسب القيمة، وهذا اللفظ مأخوذ من قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (1).
وكل دم يُحسب الصفات المذكورة لا يخلو عن أربعة أوجه:
أحدها: الترتيب والتقدير.
الجزء: 3 - الصفحة: 540
وثانيها: الترتيب والتعديل.
وثالثها: التخيير والتقدير.
ورابعها: التَّخيير والتَّعديل.
وأما تفصيلها فهي على ما ذكر في الكتاب ثمانية أنواع:
أحدها: دم التمتع، وهو دم ترتيب وتقدير على ما ورد في نص الكتاب.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 418 الآية، وقد بينا شرح القول، وبينا فيه أنَّ دَمَ القران في معناه، وفي دم الفوات قولان نقلهما القاضي ابن كج.
أصحهما: ولم يورد الأكثرون غيره أنه كدم التَّمتع في الترتيب والتقدير وسائر الأحكام؛ لأن دم التمتع إنما وجب لترك الإحرام من الميقات، والنسك المتروك في صورة الفوات أعظم.
وقد روي عن عمر -رضي الله عنه- أنه أمر الَّذِينَ فاتهم الحج بالقضاء من قَابِلٍ، ثم قال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ 419.
والثاني: أنه كدم الجِمَاع في الأحكام، إلاَّ أن ذلك بَدَنة، وهذا شاة، ووجه الشبه.
اشتراك الصورتين في التفريط المُحْوج إلى القضاء.
الثاني: جزاء الصيد: وهو دم تخيير وتعديل.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ 420 الآية، وما فيه التخيير يختلف يكون الصيد مثلياً أو غير مِثْلى على ما سبق في موضعه، وجزاء شَجَرِ الحَرَمِ كجزاء الصيد.
الثالث: دم الحلق وفديته وهو دم تخيير وتقدير، فإذا حلق جميع شعره أو ثلاث شعرات تخير بين أن يذبح شاة، وبين أن يتصدق بعرق من طعامه على ستة مساكين، وبين أن يصوم ثلاثة أيام، والعِرْق ثلاثة آصع، وكل صاع أربعة أَمْدَاد، فتكون الآصع الثلاثة اثني عشر مُدّاً، نصيب كل مسكين مُدَّان، وفي سائر الكَفَّارات لا يزاد لكل مسكين على مد، هذا هو المشهور.
وحكى في "العدة" وجهاً آخر أنه لا يتقدر ما يصرف إلى كل مسكين، وإنما أخذ التَّخيير في هذا الدَّم من نص الكتاب.
الجزء: 3 - الصفحة: 541
قال الله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ 421.
وأما التَّقْدِير فهو مأخوذ من حديث كعب بن عجرة، وقد رويناه في باب المَحْظُورَات.
وقوله في الكتاب: (دم الفوات) يجوز إعلامه بالواو لما رويناه من القول الثاني.
وقوله: (وتخيير في جزاء الصيد) بالواو، لقول حكيناه عن رواية أبي ثور من قبل أنه على الترتيب.
وقوله: (فهذه الثلاث منصوص عليها) أي ورد نص الكتاب أو الخبر في كيفية وجوبها وما عداها مقيس بها.
قال الغزالي: الوَاجِبَاتُ المَجْبُورَةُ بِالدَّم فِيهَا دَمُ تَعْدِيلٍ وَتَرْتِيبٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَدَمِ التَّمَتُّعِ في التَّقْدِيرِ أَيْضاً.
قال الرافعي: الدَّم المَنوُط بترك المأمورات كالإحرام من المِيْقَات والرمي والمبيت بِمُزْدَلَفَة ليلة العيد، وبمنى ليالي التَّشريق، والدفع من عرفة قبل غروب الشمس، وطواف الوداع فيه وجهان:
أحدهما: أنه دم ترتيب وتعديل.
أما الترتيب فإلحاقاً له بدم التَّمتْع لما في التَّمَتُّع من ترك الإحرام من الميقات.
وأما التَّعْديل فجرياً على القِياس، والتقدير لا يعرف إلا بتوقيف، فعلى هذا يلزمه ذبح شاة، فإن عجز قوم الشاة دراهم، واشترى بها طعاماً يتصدق به، فإن عجز صام عن كل مُدٍّ يوماً، وإذا ترك رمى حصاة، فقد ذكرنا أقوالاً في أن الواجب مد أو درهم أو ثلث شاة، فإن عجز فالطعام والصوم على ما يقتضيه التعديل بالقيمة.
والوجه الثاني: أنه يلحق بدم التمتع في التقدير، كما ألحق به في الترتيب، ويكون الواجب دم ترتيب وتقدير، فإن عجز عن الدم صام ثلاثة في الحج وسبعة بعد الرجوع، وفي تعليق بعض المَرَاوِزَة وجه آخر -تفريعاً على الوجه الثاني-: وهو أن الصَّوم المعدول إليه هو صوم فدية الأذى دون العشرة وما الأظهر من الوَجْهَيْن؟
إيراد الكتاب يشعر بترجيح الوجه الأول، وبه قال القاضي ابن كج والإمام وغيرهما، الثاني أظهر في المذهب، ولم يورد العراقيون وكثير من سائر الطبقات غيره، وحكى القَاضِي ابْنُ كَجٍّ وَجْهاً ثالثاً ضعيفاً أنه دم تخيير وتعديل كجزاء الصَّيْد.
الجزء: 3 - الصفحة: 542
قال الغزالي: الخَامِسُ: الاسْتِمْتَاعَاتُ كَالطِّيبِ وَاللُّبْسِ وَمُقَدِّمَاتِ الجِمَاعِ فِيهِ دَمُ تَرْتِيبٍ وَتَعْدِيلٍ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّهُ دَمُ تَخْيِيرٍ تَشْبِيهاً بِالحَلْقِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ دَمُ تَقْدِيرٍ أَيْضاً إِتْمَاماً لِلتَّشْبِيهِ، وَأَمَّا القَلْمُ فَفِي مَعْنَى الحَلْقِ.
قال الرافعي: دم التَّطيّب والتَّدهُّن واللِّباس ومقدمات الجماع دم ترتيب أو تخيير فيه قولان أو وجهان:
أحدهما: أنه دم ترتيب كدم التمتع؛ لأنه مُتَرفه بهذه الاستمتاعات كما أن المتمتع مُتَرفه بالتَّمتع.
وأظهرهما وبه قال أبو إسحاق: أنه دم تخيير تشبيهاً بفدية الحَلْق لاشتراكهما جميعاً في التِّرفه وإلحاقها بالحلق أولى منه بالتمتع، فإن الدم ثُمَّ إنما وجب لترك الإحرام من الميقات.
فإن قلنا بالأول، ففي كونه دم تقدير أو تعديل وجهان:
أحدهما: أنه دم تقدير إتماماً للتَّشْبيه بدم التَّمتع.
وأظهرهما: أنه دم تعديل كجزاء الصَّيْد؛ لأن التقدير إنما يؤخذ من التَّوقيف.
إن قلنا: بالثاني، ففي كونه دم تقدير أو تعديل أيضاً وجهان:
أظهرهما: أنه دم تقدير إتماماً لِلتَّشْبيه بالحَلْق، والحاصل من هذه الاختلافات أربعة أوجه:
أحدها: الترتيب والتعديل، وثانيها: التخيير والتعديل، وثالثها: التخيير والتقدير، وهذه الثلاثة هي المذكورة في الكتاب.
ورابعها: الترتيب والتقدير، وأظهر الوجوه: الثالث، وإيراد الكتاب يشعر بترجيح الأول، وبه قال صاحب "التهذيب"، وهذا الاختلاف لا يجئ في قَلْم الأظفار بل هو مُلْحق بالحَلْق بلا خلاف لاشتراكهما في معنى التَّرفه والاستهلاك جميعاً، -والله أعلم-.
قال الغزالي: السَّادِسُ: دَمُ الجِمَاعِ، وَفِيهِ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ سَبْعٌ مِنَ الغَنَمِ فَإِنْ عَجَزَ قَوَّمَ البَدَنَةَ دَرَاهِمَ وَالدَّرَاهِمَ طَعَاماً وَالطَّعَامَ صيَاماً، فَهُوَ دَمُ تَعْدِيلٍ وَتَرْتِيبٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُ دَمُ تَخْيِيرٍ كَالْحَلْقِ، وَقِيلَ: بَيْنَ البَدَنَةِ وَالبَقَرَةِ وَالشَّاةِ أَيْضًا تَرْتِيبٌ.
قال الرافعي: في خصال فدية الجماع وجهان:
أصحهما: أنها خمس: ذبح بَدَنة، وذبح بقرة وذبح سبع من الغنم، والإطعام بقدر قيمة البدنة على ما عرفت من سبيل التعديل، والصيام عن كل مُدٍّ يوماً.
الجزء: 3 - الصفحة: 543
والثاني: حكاه القاضي ابن كج: أن خصالها الثلاث الأول، فإن عجز عنها فالهدي في ذِمَّته إلى أَنْ يجد تخريجاً من أحد القولين في دم الإحْصَار وسنذكره، فإن جرينا على الصحيح، وهو إثبات الخصال الخمس، فهذا الدم دم تعديل لا محالة، لأنا في الجملة نقوّم البَدَنَة، وهل هو دم ترتيب أو تخيير؟ فيه قولان، ومنهم من يقول وجهان:
أصحهما: أنه دم ترتيب، فعليه بَدَنة إن وجدها، وإلاَّ فبقرة، وإلا فسبع من الغنم، وإلا قَوّم البدنة دراهم، والدراهم طعاماً، ثم فيه وجهان:
أحدهما: أنه يصوم عن كل مُدٍّ يوماً، فإن عجز عن الصيام أطعم كما في كفارة الظهار والقتل.
وأصحهما: ولم يورد الجمهور غير أن الترتيب على العكس، ويتقدم الطعام على الصيام، لأنّا لم نجد في المناسك تقديم الصيام على الإطعام في غير هذا الدم فكذلك هاهنا.
وإنما قدمت البدنة على البقرة وإن قامت مقامها في الضحايا لأن الصحابة -رضي الله عنهم- نصُّوا على البدنة، وذلك يقتضي تعيينها، وبينها وبين البقرة بعض التفاوت، أَلاَ تَرَى إلى قوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً" 422. وإنّما أُقِيم الإطعام والصِّيَام مقامها تشبيهاً بجزاء الصيد، إلاَّ أَنَّ الأمر ثَمَّ على التَّخيير، وهاهنا على التَّرْتِيب؛ لأنه يشبه الفَوَات في إيجاب القضاء، وموجب الفوات مرتب.
والقول الثاني: أنه دم تخيير؛ لأنه سبب تجب به البدنة، فيكون على التخيير كقتل النّعَامة، وأيضاً فإن الجِمَاع ملحق بالاسْتِهْلاكات على ما سبق، فتكون فديته على التخيير كفدية الحَلْق، وعلى هذا ففيم يثبت التخيير وجهان:
أظهرهما: أنه يتخير بين البَدَنَة والبقرة والسبع من الغنم، كما لو لزمه سبعة دماء.
وَأَمَّا الإطعام والصيام فهما على التَّرْتِيب ولا عدول إليهما، إِلاَّ إذا عجز عن الذَّبْح.
والثاني: أنه يتخير بين الكُلِّ كما في قتل النَّعَامة، وكما أن في فدية الحَلْق يتخير بين الصِّيَام والصّدقة والنُّسك، وقد ذكر القَفَّال وآخرون: أن القَوْلين في أنَّ دم الجماع دم ترتيب أو تخيير مبني على أن الجماع استهلاك أو استمتاع، إن جعلناه استهلاكاً فهو
الجزء: 3 - الصفحة: 544
على التخيير، كفدية الحَلْق والقَلْم، وإن جعلناه استمتاعاً فهو على الترتيب كفدية الطِّيب واللِّباس والتمتع.
واعلم أن هذا التَّشبيه في الطِّيب واللِّباس كلام مَنْ يجعل الأمر ثم على الترتيب، وقد سبق ما فيه من الخلاف.
وقوله في الكتاب: (قَوَّمَ البَدَنَةَ دراهم)، يجوز إعلامه بالواو، للوجه المنسوب إلى حكاية ابن كج.
وقوله: (والدَّرَاهم طعاماً والطعام صياماً) باقي الكلام محذوف، والمعنى: وأطعم فإن عجز صام، ثم إيراد الكتاب قد يوهم ترجيح قول التخيير بين البدنة والبقرة والشاة على الترتيب، لكن الأظهر عند الأكثرين الترتيب فيها أيضاً، وإيراد "الوسيط" يوافقه.
قال الغزالي: السَّابعُ: الجِمَاعُ الثَّانِي أَوْ بَيْنَ التَّحَلُّلَيْنِ إِنْ قُلْنَا: فِيهِ شَاةٌ فَهُوَ كَالقُبْلَةِ، وَإِنْ قُلْنَا: بَدَنَةٌ فَكَالجِمَاعِ الأَوَّلِ.
قال الرافعي: قد سبق الخلاف في أن الجماع الثَّانِي يوجب البَدَنَة أو الشاة، وكذا الجماع بين التَّحللين، فإن أوجبنا البدنة فهي في الكيفية كالجماع الأول قبل التحللين، وإن أوجبنا الشَّاة فهي كفدية القُبْلة وسائر مقدمات الجِمَاع، وهذا ظاهر.
قال الغزالي: الثَّامِنُ: دَمُ التَّحَلُّلِ بِالإِحْصَارِ وَهُوَ شَاةٌ فَإِنْ عَجَزَ فَلاَ بَدَلَ لَهُ فِي قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: بَدَلَهُ كَدَمِ التَّمَتُّعِ، وَفِي قَوْلٍ: كَدَمِ الحَلْقِ، وَفِي قَوْلٍ: كَدَمِ الوَاجِبَاتِ المَجْبُورَةِ.
قال الرافعي: على المحصر دم شاة للتحلل، ولا معدل عنه إن وجد الشاة، وإلاَّ فهل لهذا الدم من بدل؟
فيه قولان:
أصحهما وبه قال أحمد: نعم، كسائر الدماء الواجبة على المحرم.
والثانيِ: وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله-: لا، لأن الله تعالى لم يذكر لدم الإحصار بدلاً، ولو كان له بدل لأشبه أن يذكره كما ذكر بدل غيره.
التفريع: إن قلنا: له بدل، فما ذلك البدل؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: الصوم، وبه قال أحمد -رحمه الله- كدم التَّمتع؛ لأن التَّحلل والتمتع جميعاً مشروعان تخفيفاً وترفيهاً وفيهما جميعاً ترك بعض النسك، فيلحق أحدهما بالآخر.
والثاني: الإطعام، لأن قيمة الهَدْي أقرب إليه من الصيام، وإذا لم يرد نص فالرجوع إلى الأقرب أَوْلَى.
والثالث: لكل واحد منهما مدخلاً في البداية كفدية الحلق، ووجه الشبه بينهما أنَّ المحصر دفع أذى العدو والإحرام عن نفسه، أما أن الحالق يبغي دفع أذى الشّعر.
الجزء: 3 - الصفحة: 545
التفريع: إن قلنا: إنَّ بَدَلَهُ الصوم فما ذلك الصوم؟ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: وبه قال أحمد -رحمه الله-: صوم المتمتع عشرة أيام.
والثَّاني: صوم فدية الأَذَى ثلاثة أيام.
والثالث: ما يقتضيه التَّعديل، وإنما يدخل الطعام في الاعتبار على هذا القول ليعرف به قدر الصوم لا ليطعم.
وإن قلنا: إن بدله الإطعام، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه مقدر كَفِدْية الأذى، وهو إطعام ثلاثة آصع ستة مساكين.
الثاني: أنه يطعم ما يقتضيه التعديل.
وإن قلنا: لكل واحد مدخلاً فيه فهل بينهما ترتيب؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كما في فدية الحَلْق.
وأصحهما: نعم كالترتيب بين الهَدْي وبدله، فعلى الأول قدر الطّعام والصِّيام كقدرهما في الحَلْق، وعلى الثَّاني الطريق بينهما التَّعْدِيل.
إذا عرفت ذلك فانظر في لفظ الكِتَاب، وأعلم قوله: (ولا بدل له في قول) بالألف، ويقابله أن له بدلاً، وما هو؟ ذكر فيه أقوالاً ثلاثة:
أحدها: أن بدله كبدل دم التمتع، وهذا مختصر قولنا: إن بدله الصَّوم، وإن ذلك الصوم صوم التمتع.
والثَّاني: أن بدله كبدل دم الحلق، وهذ، مختصر قولنا: إن للإطعام والصيام معاً مدخلاً في البدلية، وإن الأمر فيهما على التخيير والتقدير.
والثالث: أن بدله كبدل دم الواجبات المَجْبورَة، وهذا مختصر قولنا: لكل واحد منهما مدخل فيه، والأمر فيهما على الترتيب والتعديل، فعلى الأول هو دم ترتيب وتقدير.
وعلى الثاني دم تخيير وتقدير وعلى الثَّالِثِ دم تَرْتِيب وتعديل، وهذا حكم دِمَاء الواجبات المَجْبُورة على الأَرْجَح عند صاحب الكتاب على ما مر، فإن لم نقل بذلك لم يستمر هذا التشبيه، والأصح في المسألة الَّتِي نحن فيها: الترتيب والتَّعديل، قاله القاضي الروياني وصاحب "التهذيب"، وغيرهما -رحمهم الله- وهو اختيار الْمَزنِيّ -رضي الله عنه -والله أعلم-.
الجزء: 3 - الصفحة: 546
الفَصْلُ الثَّانِي في مَكَانِ إِرَاقَةِ الدَّمَاءِ وَزَمَانِها
قال الغزالي: وَلاَ تَخْتَصُّ دِمَاءُ المَحْظُورَاتِ وَالْجُبْرَانَاتِ بِزَمَانٍ بَعْدَ جَريانِ سَبَبِهَا بِخِلاَفِ دَمِ الضَّحَايَا، وَدَمُ الفَوَاتِ يُرَاقُ في الحَجَّةِ الفَائِتَةِ، أَوْ في الحَجَّةِ المَقْضِيَّةِ فِيهِ قَوْلاَنِ.
قال الرافعي: مقصود الفصل بيان زمان إراقة الدماء ومكانها.
أما الزمان: فالدماء الواجبة في الإحرام إما لارتكاب محظورات أو جبراً لترك مأمور لا اختصاص لها بزمان، بل يجوز في يوم النحر وغيره، وإنما الضحايا هي التي تختص بيوم النحر وأيام التَّشْريق.
وعن أبي حنيفة -رحمه الله- أن دم القَران والتَّمتع لا يجوز ذبحه قبل يوم النَّحر.
لنا القياس على جزاء الصيد ودم التَّطيّب والحَلْق.
ثم ما عدا دم الفوات يُرَاق في النُّسك الذي هو فيه.
وأما دم الفوات فيجوز تأخيره إلى سنة القضاء، وهل يجوز إراقته في سنة الفوات؟ فيه قولان:
أحدهما: وهو نصه في "الإملاء": أنه يجوز كدم الإِفْسَاد يُرَاقُ في الحجة الفاسدة.
وأصحهما: أنه لا يجوز ويجب تأخيره إلى سنة القَضَاء لظاهر خبر عمر -رضي الله عنه- حيث قال: "حج من قابل وأهد ما استيسر من الهَدْي" 423.
فإن قلنا بالأول فوقت وجوبه سنة الفوات، وكان الفوات أوجب شيئين: الدم والقضاء، فله تعجيل أحد الواجبين وتأخير الثَّاني.
وإن قلنا بالثاني ففي وقت الوجوب وجهان:
أصحهما: أن الوجوب مَنُوط بالتَّحرم بالقضاء، كما أن دم التمتع منوط بالتحرم بالحج، ووجه الشبه أن مَنْ فات حجه يتحلل من نسك ويتحرم بآخر كالمتمتع، إلا أنَّ نسكي المتمتع يقعان في سنة واحدة، والقضاء يقع في سنة أخرى ولما بينهما من الشبه، فنقول: لو ذبح قبل التَّحلل عن الفائت لم يجزه على الأصح كما لو ذبح المتمتع قبل
الجزء: 3 - الصفحة: 547
الفراغ من العمرة، هذا إذا كفر بالدم، أما إِذَا كان بصوم، فإن قلنا: إن الكفارة تجب بالتحرم بالقضاء فصيام الأيام الثلاثة لا يتقدم على القضاء لا محالة؛ لأن العبادة البدنية لا تقدم على وقتها، ويصوم السبعة بعد الرجوع، وإن قلنا: إنها تجب بالفوات، فقد حكى الإمام -رحمه الله- في جواز صوم الأيام الثلاثة في الحجة الفائتة وجهين:
وجه المنع: أنه في إحرام ناقص، والذي عهدناه إيقاع الثَّلاَثة في نسك كامل.
قال الغزالي: وَأَمَّا المَكَانُ فَيَخْتَصُّ (ح) جَوَاز الإِرَاقَةِ بِالحَرَمِ، وَالأَفْضَلُ فِي الحَجِّ مِنّي، وَفِي العُمْرَةِ عِنْدَ المَرْوَةِ؛ لِأَنَّهُمَا مَحَلُّ تَحَلُّلُهمَا، وَقِيلَ: لَوْ ذَبَحَ عَلَى طَرَفِ الحَرَمِ جَازَ، وَقِيلَ: مَا لَزِمَ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ لاَ يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ.
قال الرافعي: الدماء الواجبة على المحرم تنقسم إِلَى دَمِ الإحْصَار، وما لزم المحصر من دماء المَحْظُورات، وإلى سائر الدِّمَاء.
أما القسم الأول: فقد ذكرنا حكمه في فَصْلِ الإحصار.
وأما الثاني وهو المقصود في الكتاب: وإن كان اللفظ مطلقاً فيتقيد بالحرم، ويجب تخصيص لحومها بمساكين الحرم، ويجوز صرفها إلى القَاطِنِين والغرباء الطارئين، لكن الصرف إلى القَاطِنِين أَوْلَى.
وهل يختص ذبحها بالحرم؟ فيه قولان:
أصحهما: نعم، وبه قال أبو حنيفة، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أَشَارَ إِلَى مَوْضِعِ النَّحْرِ مِنْ مِنًى، وَقَالَ: هذَا النَّحْرُ وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ" 424.
ولأن الذبح حق متعلق بالهَدْي، فيختص بالحرم كالتصدق.
والثاني: لا يختص؛ لأن المقصود هو اللحم، فإذا وقعت تفرقته في الحرم وانصرف إلى مساكينه حصل الغَرَضُ.
فعلى الأول: لو ذبح خارج الحرم لم يعتد به، وعلى الثَّاني: لو ذبح خارج الحرم ونقل إليه وفرقه جاز، لكن يشترط أن يكون النَّقْل والتفريق قبل تغيير اللحم، وإلى هذا أشار في الكتاب في العبارة عن هذا القول، حيث قال: (وقيل: لو ذبح على طرف الحرم جاز) ولا فرق فيما ذكرناه بين دم التَّمتع والقِرَان وسائر الدّماء الواجبة بسبب منشأ في الحرم، وبين الدماء الواجبة بسبب منشأ في الحل.
وفي القديم قول إن ما أنشئ سببه في الحل يجوز ذبحه وتفريقه في الحل كدم الإحصار وبه قال أحمد والمذهب الأول، واحتج له بقوله تعالى في جزاء الصيد:
الجزء: 3 - الصفحة: 548
﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ 425 أطلق ولم يفصل بين أن يقتل الصّيد في الحل أو الحرم، ولا فَرْقَ أيضاً بين أن يكون السبب الموجب الدم مباحاً أو بعذر كالحَلْق للأذى، أو مطلقاً كالتَّمتع والقرن بين أن يكون محرماً، وذكر الإمام أن صاحب "التقريب" حكى وجهاً: أن ما لزم بسبب مباح لا يختص ذبحه ولا تفرقة لحمه بمكان، وأن شيخه حكى وجهاً: أنه لو حلق قبل الانتهاء إلى الحرم ذبح وفرق حيث حلق وهما ضعيفان، وصاحب الكتاب أورد الأول منهما، ثم أفضل مواضع الحرم للذبح في حق الحاج مِنًى، وفي المعتمر المَرْوَة، لأنهما محل تحللهما، وكذلك حكم ما يسوقانه من الهدي 426، ولو كان يتصدق بالإطعام بدلاً عن الذبح فيجب تخصيصه بمساكين الحرم، بخلاف الصوم فإنه يأتي به حيث يشاء؛ لأنه لا غرض فيه للمساكين 427، وعند أبي حنيفة يجوز صرف اللحم والطعام إلى غير مساكين الحرم، وإنما الذي يختص بالحرم الذبح، وإذا ذبح الهَدْي في الحرم ففرق منه لم يجزه عما في ذمته، وعليه إعادة الذبح، أو شرى اللحم والتصدق به، وفيه وجه: أنه يكفيه التَّصدق بالقيمة، وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: لا شيء عليه.
قال الغزالي: وَاخْتِتَامُ الكِتَابِ بِمَعْنَى الأَيَّامِ المَعْلُومَاتِ وَهِيَ العَشْرُ الأُوَلُ مِنْ ذِي الحَجَّةِ وَفِيهَا المَنَاسِكُ، وَالمَعْدُودَاتُ فَهِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَفِيهَا الهَدَايَا وَالضَّحَايَا، -والله أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ-.
قال الرافعي: ختم الكتاب بذكر معنى الأيَّام المعلومات والأيام المعدودات، قد ذكرهما الله تعالى في آيتين من كتابه، فالمعلومات هي العشر الأول من ذي الحجة آخرها يوم النحر، وبه قال أحمد -رحمه الله- في رواية، ويروى عنه مثل ما روي عن مالك، وهو أنها يوم النَّحْر ويومان بعده، وعند أبي حنيفة -رحمه الله- المعلومات:
الجزء: 3 - الصفحة: 549
ثلاثة أيام: يوم عرفة، ويوم النحر، واليوم الأول من أيام التشريق، فعنده اليوم الأول داخل في المَعْدُودَات والمَعْلُومَات معاً، وعند مالك -رحمه الله- الأول والثاني من أيام التشريق داخلان فيها.
لنا: التَّفْسير عن ابن عَبَّاس -رضي الله عنهما- والأخذ به أولى؛ لأن الأشبه تغير المسمَّيَات عند تغاير الأسماء.
وأما المَعْدُودَات: فهي أيام التشريق بلا خلاف.
وقوله في الكتاب: (وفيها المناسك) أراد به أصول المناسك، فإن تَوَابِعَها قد يتأَخَّر بعضها إلى أيام التَّشْريق، وقوله: (وفيها الهدايا والضحايا)، لك أن تبحث فيه، فتقول: هذا يقتضي تخصيص الهدايا بهذه الأيام، وقد ذكر من قبل أن دماء الجُبْرَانَات والمَحْظُورات، لا تختص بزمان، واسم الهدي يقع عليها كما يقع على ما يسوقه المحرم، فإن أراد هاهنا ما يسوقه المحرم فهل يختص ذبحه بهذه الأيام على ما هو قضية اللفظ أم لا؟ فاعلم أن المراد في هذا الموضع بالهدايا ما يسوقها المحرم، وفي اختصاصها بيوم النحر وأيام التشريق وجهان:
أحدهما: وهو الذي أورده في "التهذيب": أنها لا تختص كدماء المحظورات.
وأظهرهما هو الذي أورده صاحب الكتاب والعراقيون: أنها تختص كالأضحية، فعلى هذا لو أخر الذَّبْح حتى مضت هذه الأيام، نظر إنْ كان هدياً واجباً ذبح قضاء، وإن كان تطوعاً فقد فات، وإن ذبح فقد قال الشَّافعي -رضي الله عنه-: هي شاة لحم، ولا يخفى أن لفظ الكتاب يحتاج إلى تأويل، فإن الذي جرى ذكره أيام التَّشْرِيق لا غير، والذَّبح لا يخْتَصّ بها، بل يوم النَّحْر في معناها لا محالة -والله أعلم-.
واعلم أن في "المختصر" باباً في آخر كتاب الحَجِّ ترجمه بنذر الهدي، وعلى ذلك جرى الأصحاب فذكروا هاهنا فروعاً ومسائل كثيرة، لكن صاحب الكتاب أخر إيراده منها إلى كتابي الأُضْحِيَة والنَّذْر اقتداء بالإمام -رحمه الله- ونحن نشرح ما ذكره ونضم إليه ما يحسن إيراده -إن شاء الله تعالى-، لكن نذكر نبذاً لا بد من معرفتها فنقول: من قصد مَكَّة لحج أو عمرة، فيستحب له أن يهدي إليها شيئاً من النّعم "أَهْدَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مِائَةَ بَدَنَةً 428 ولا يلزم ذلك إلاَّ بالنَّذْر، وإذا ساق هدياً تطوعاً، أو نذراً نظر، إن ساق بدنة أو بقرة فيستحب أن يقلدها نعلين، وليكن لهما قيمة ليتصدق بها، وأن يُشْعِرها أيضاً، والإِشْعَار الإعلام، والمراد هاهنا أن يضرب صفحة سَنَامِهَا اليُمْنَى بحديدة وهي مستقبلة للقبلة فيدميها ويلطخها بالدم ليعلم من رآها أَنَّها هدي، فلا يستجيز التعرض لها.
وقال أبو حنيفة: لا إشعار، ومالك وأحمد استحبَّا الإِشْعَار، ولكن قالا: يشعرها من الجانب الأيسر.
الجزء: 3 - الصفحة: 550
لنا ما روى عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "صَلَّى الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِبَدَنَةٍ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الأَيْمَنُ" 429 وإن ساق غنماً استحب تقليدها، ولكن بِخُرُبِ القربَ، وهي عُرَاهَا وأَذَانها لا بالنّعل؛ لأنها ضعيفة يثقل عليها حمل النعال 430.
وقال مالك وأبو حنيفة: لا يستحب تقليد الغنم.
لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم- "أَهْدَى مَرَّةً مُقَلَّدَةً" 431 ولا يستحب إِشْعَارها لأنها ضعيفة، ولأن شعرها يمنع من ظهور الدم، ثم إذا قَلَّد النّعم وأشعرها لم تصر بذلك هَدْيَاً واجباً على أصح القولين، كما لو كتب الوقف على باب داره لا تفسير وقفاً.
وإذا عطب الهَدْي الذي ساقه في الطريق، ينظر إن كان تطوعاً فهو ماله يفعل به ما يشاء من بيع وأكل وغيرهما، وإن كان واجباً فعليه ذبحه، فلو تركه حتى هلك ضمنه، وإذا ذبحه غمس النعل الذي قَلَّدَه في دَمِه، وضرب بها صَفْحَة سَنَامها، وتركه ليعلم من مرّ به أنه هَدْي فيأكل منه، وهل تتوقف الإباحة على أن يقول: أبحته لمن يأكل منه، فيه قولان:
أصحهما عند صاحب "التهذيب": أنه لا حاجة إليه؛ لأنه بالنذر زال ملكه عنه، وصار للنَّاس، ولا يجوز للمُهدي ولا لأغنياء الرفقة الأكل منه، وفي فقرائها وجهان:
أصحهما: أنه ليس لَهُمُ الأكل أيضاً لما روي أَنَّ النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال فيه: "لاَ تَأْكُلُ مِنْهَا أَنْتَ وَلاَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رِفْقَتِكَ" 432 -والله ولي التوفيق- 433.
تم الجزء الثالث
ويليه الجزء الرابع، وأوليه:
"كتاب البيع"
الجزء: 3 - الصفحة: 551
العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير تأليف الإمام أبي القاسم عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي القزويني الشافعي المتوفي سنة 623 هـ تحقيق وتعليق الشيخ علي محمد معوض ... الشيخ عادل أحمد عبد الموجود الجزء الرابع يحتوي على الكتب التالية: البَيْع - السَّلَم والقَرض - الرَّهن دار الكتب العلمية بيروت - لبنان
الجزء: 4 - الصفحة: 1
جميع الحقوق محفوظة
جميع حقوق الملكية الادبية والفنية محفوظة لدار الكتب
العلمية بيروت - لبنان ويحظر طبع أو تصوير أو ترجمة
أو إعادة تنضيد الكتاب كاملاً أو مجزأً أو تسجيله على أشرطة
كاسيت أو إدخاله على الكمبيوتر أو برمجته على اسطوانات
ضوئية إلا بموافقة الناشر خطيًا.
الطبعة الأولى
1417 هـ - 1997 م
دار الكتب العلمية
بيروت - لبنان
الجزء: 4 - الصفحة: 2
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ