العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ التَّيَمُّمِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَفِيهِ ثَلاَثةُ أَبْوَابٍ

الْبَابُ الْأَوَّلُ فِيمَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، وَهُوَ العَجْزُ عنِ اسْتِعْمَالِ المَاءِ، وَلِلْعَجزِ أَسْبَابٌ سَبعَة (الأوَّلُ) فِقْدَانُ المَاءِ وَلِلْمُسَافِرِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ، الأولَى أَنْ يَتَحَقَّقَ عَدَمُ المَاءِ حَوَالَيْهِ فيَتَيَمَّمَ مِنْ غيْرِ طَلَبٍ (و).

قال الرافعي: لا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ في أنه متى يتيمَّم، وكيف يتيمم، ولم يتيمم فجعل

الباب الأول

فيما يبيح التيمم فحينئذ يتيمّم والثاني في كيفيته، والثالث: في حكمه، ليعرف ما يستفاد به [وما لا يُسْتَفَاد] 1 فإنه إِنَّمَا يتيمم لفائدته.
الباب الأول في المُبِيح، وهو شيء واحد وهو العَجْزُ عن استعمال الماء، والمراد منه أن يَتَعَذَّرَ اسْتِعْمَال الماء عليه أو ينغمس للُحُوقِ ضرر ظاهر، وأَسْبَابُ العَجْزِ فيما ذكره سبعة: أحدها: فَقْدُ الماء قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ 2 وللمسافر أربع أحوال، لأنه إمّا أن يتيقَّن وجود الماء حَواليه، أو لا يتيقنه، فإن لم يتيقنه فإمَّا أن يتيقن عدمه، وهو الحالة الأولى، أو لا يتيقن عدمه أيضاً، بل يتردد، وهو الثانية، فإن تيقَّنه فإما أن لا يزاحمه غيره على الأخذ والاستيفاء، وهو الحالة الثالثة، أو يزحمه غيره عليه، وهو الرّابعة.
الحالة الأولى: أن يتحقق عدم الماء حواليه مثل أن يكون في بعض رِمَالِ البَوَادِي، فتيمم، وهل يفتقر إلى تقديم الطلب عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم، لأن الله تعالى قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ وإنما يقال لم يجد إذا فقد بعد الطَّلب.
وأظهرهما: وهو الذي ذكره في الكتاب أنه لا حاجة إلى الطلب، لأن الطلب مع يقين العدم عبث: وأما ذكر الأول في الاستدلال بالآية ممنوع.

الجزء: 1 - الصفحة: 196

قال الغزالي: الثَّانِيَةُ أَنْ يَتَوَهَّمَ وُجُودَ المَاءِ حَوَالَيْهِ فَليَتَرَدَّدِ (ح) الرَّجُلُ اِلَى حَدٍّ يَلْحَقُهُ غَوْثُ الرِّفَاق، فَلَوْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلاَةٍ أُخْرَى فَفِي وُجُوبِ إعَادةَ الطَّلَبِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: إذا لم يتيقن عدم الماء حواليه، بل جوَّز وجوده تَجْوِيزاً قريباً أو بعيداً وجب تقديم الطلب على التَّيمم؛ لأن التَّيمم طهارة ضرورة ولا ضرورة مع إمكان الطهارة بالماء، ويشترط أن يكون الطلب بعد دخول الوقت، فحينئذ تحصل الضرورة، وهل يجب أن يطلب بنفسه أو يجوز أن ينيب غيره؟ فيه وجهان: أظهرهما: أنه يجوز الإِنَابَةُ حتى لو بعث النَّازِلُونَ واحداً ليطلب الماء أجزأ طلبه عن الكُلِّ ولا خلاف أنه لا يسقط بطلبه الطَّلَب عمن لم يأمره، ولم يأذن له فيه.
وكيفية الطَّلب أن يبحث عن رحله إن كان وحده، ثم ينظر يميناً وشمالاً وَخَلْفاً وَقُدَّاماً إذا كان في مُسْتَوى من الأرض، ويخص مَواضِعَ الخُضْرَة، واجتماع الطُّيُورِ بمزيد الاحتياط، وإن لم يكن مستوياً، واحتاج إلى التردد نظر.
فإن كان يخاف على نفسه وماله فلا يجب ذلك؛ لأن الخوف يبيح له الاعراض عند تيقُّن الماء، فعند التَّوهُّم أولى وإن لم يخف، وهذه الحالة هي المَحْكُومُ فيها بقوله في الكتاب "فعليه أن يتردَّد إلى حدٍّ يلحقه غَوْثُ الرِّفَاق" وهذا الضابط مستفاد من إمام الحرمين -رحمه الله-.
قال: لا نكلفه البعد عن مُخَيَّم الرّفْقَة فَرْسَخًا، أو فَرْسَخَيْنِ وإن كانت الطُّرُقُ آمِنَةً: ولا نقول لا يفارق طُنُبَ 3 الخِيَامِ، فالوجه القصد أن يتردد، ويطلب إلى حيث لو استغاث بالرّفقة لأَغَاثُوهُ مع ما هم عليه من التَّشَاغُلِ بالأشغال والتفاوض 4 في الأقوال، وهذا يختلف باستواء الأرض واختلافها صُعُودًا وَهُبُوطاً، وهذا الضَّبْطُ لا يكفي في كلام غيره لكن الأئمة من بعده تابعوه عليه، وليس في الطرق ما يخالفه: هذا إذا كان وحده فإن كان في رفقة وجب البحث عنهم أيضاً، إلى أن يستوعبهم أو يضيق الوقت فلا يبقى إلا ما يسع لتلك الصلاة، وفي وجه إلى أن يستوعبهم أو لا يبقى من الوقت إلا ما يَسَعُ رَكْعَةً.
وفي وجه إلى أن يستوعبهم وإن خرج وقت الصلاة 5 وإذا عرف أن معهم ماء فهل يجب استيهابه من صاحبه فيه وجهان: أحدهما: لا، لصعوبة السؤال على أهل المُرُوءَةِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 197

والثاني: وهو الأظهر نعم، لأنه ليس في هِبَة الماء كثير مِنَّةٍ.
وهذان الوجهان يخرجان على ظاهر المَذْهَبِ في أنه إذا وهب منه الماء وجب عليه قبوله، وفيه وجه نذكره من بعد: وكل ما ذكرناه إذا لم يسبق تيمَّمَه تَيَمُّمٌ آخر، وطلب للماء، فإن سبق ذلك واحتاج إلى التيمم مرة أخرى إما لبطلان الأول بحدث، أو لفريضة أخرى فَائِتَةٍ، أو مؤداة، فهل يفتقر إلى إعادة الطلب فيه نظر إن انتقل من ذلك المكان إلى مكان آخر، أو أطبقت غمامه أو طلع ركب، وما أشبه ذلك مما يظن عنده حصول الماء، وجب الطلب كما في التيمم الأول نعم كل موضع تيقُّن بالطلب الأول أنه لا ماء فيه، ولمّا لم يجوّز بالسَّبب الذي حدث حصوله فيه لم يحتج إلى البحث والطلب في ذلك الموضع على ظاهر المذهب كما سبق.
وإن لم ينتقل عن ذلك الموضع ولم يحدث شيء يوهم حصول الماء فإن تيقَّن بالطَّلب الأول أن لا ماء ثمَّ، فعلى ما ذكرنا في حالة يقين العدم: وإن لم يتيقنه، بل غلب على ظنه العدم فوجهان: أحدهما: أنه لا يحتاج إلى إعادة الطلب، لأنه لو كان ثم ماء لَظَفَرَ به بالطَّلب الأول ظاهراً.
وأظهرهما: أنه يجب الطّلب ثانياً، لأنه قد يطلع على بئر خَفِيَتْ 6 عليه، أو يجد من يدله على الماء، لكن يجعل الطلب الثاني أخفّ من الأول.
وإذا عرفت ما ذكرناه، وتأملت قوله: "فإن دخل عليه وقت صلاة أخرى، ففي وجوب إعادة الطلب وجهان": فينبغي أن لا يخفى عليك منه شيئان: أحدهما: أن هذا الخلاف غير مخصوص بما إذا دخل عليه وقت صلاة أخرى، بل معهما احتاج إلى إعادة التيمم، إما لهذا السَّبَب أو لأن تيممه الأول قد بطل بعروض حَدَثٍ أو طلوع رَكْب جرى الوجهان سواة تَخَلَّلَ بين التيممين زمان، أو لم يتخلل.
والثاني: أن كلامه وإن كان مُطْلقاً لكن الشرط في سورة الخِلاَف أن لا يحدث سبب يوهم حدوث الماء من الانتقال إلى مكان أخر، أو طلوع ركب ونحوهما، وإلا وجب إعادة الطَّلب بلا خلاف، وأن لا يكون العدم مستيقناً بمقتضى الطلب الأول، وإلا فإذا استيقن العدم ولم يحدث ما يوهم حصول الماء كان اليقين الأول مستمراً، ولا معنى للطَّلَبِ مع تيقُّن العدم كلما تقدم، ولك أن تعلم قوله: "فليتردد الرجل" بالحاء لأمرين: أحدهما: أن عند أبي حنيفة ليسس على المتيمم طلب إلا إذا غلب على ظَنِّهِ أن بقربه ماء.

الجزء: 1 - الصفحة: 198

والثاني: أن عنده صلاة العيد، وصلاة الجنازة يجوز أن يتيمَّم لهما إذا خاف الفوات لو اشتغل بالوضوء، وإن كان الماء موجوداً عنده، وكلام الكتاب مطلق.
قال الغزالي: الثَّالِثَةُ أَنْ يَتَيقَّنَ وُجُودَ المَاءِ فِي حَدِّ القُرْبِ فَيَلْزَمُهُ (ح) أَنْ يَسْعَى إِلَيْهِ، وَحَدُّ القُرْبِ إِلَى حَيْثُ يَتَرَدَّدُ إِلَيْهِ المُسَافِرُ لِلرَّعْي وَالاَحْتِطَابِ وَهُوَ فَوْقَ حَدِّ الغَوْثِ، فَإِنِ انتَهَى البُعْدُ إلَى حَيْثُ لاَ يَجِدُ المَاءَ فِي الوَقْتِ فَلاَ يَلْزَمُهُ، وإنْ كَانَ بَيْنَ الرُّتبَتَيْنِ فَقَدْ نَصَّ أَنَّهُ يَلْزُمُهُ إِذَا كَانَ عَلَى يَمِينِ المَنْزِلِ أَوْ يَسَارِهِ، وَنَصَّ فِيمَا إِذَا كَانَ عَلَى صَوْبِ مَقْصِدِهِ أنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ فَقِيلَ قَوْلاَنِ وَقِيلَ بِتَقْرِيرِ النَّصَّيْنِ، لِأَنَّ جَوَانِبَ المَنْزِلِ مَنْسُوَبةٌ إِلَيْهِ دُونَ صَوْب الطَّرِيقِ.
قال الرافعي: إذا تيقَّن وجمود الماء حواليه فله ثلاث مراتب: إحداها: أن يكون على مسافة ينتشر إليها النَّازِلُونَ في الاحْتِطَاب وَالاحْتِشَاش، وتنتهي البهائم إليها في الرَّعي، فيجب السَّعْي إليه، والوضوء به، لأنَه إذا كان يَسْعَى لأشغاله إلى هذا الحَدِّ، فلينته 7 للعبادة أولى وهذا فوق حد الغوث الذي يسعى إليه عند التَّوَهُّمِ.
قال الأمام محمد بن يحيى ولعله يقرب من نصف فَرْسَخٍ.
الثانية: أن يكون بعيداً عنه بحيث لو سعى إليه لفاته فرض الوقت فيتيمم ولا يسعى إليه لأنه فاقد في الحال، ولو وجب انتظار الماء مع خروج الوقت لما ساغ التيمُّم أصلاً، بخلاف ما لو كان واجداً للماء، وخاف فوات الوقت لو توضَّأ حيث لا يجوز له التيمم؛ لأنه ليس بفاقد، على أن صاحب التَّهْذِيبِ حكى في هذه الصورة وَجْهاً أنه يتيمم، ويصلي لحرمة الوقت، ثم يتوضّأ ويعيد: وقد يقول النّاظر أيعتبر كونه بحيث لو سعى إليه لفاته فرض الوقت من حين نزوله في ذلك المنزل، أو من أول وقت الصلاة لو كان نازلاً فيه.
فإن كان الأول فقد يكون الماء في حد القرب، ولو سعى إليه لفاته فَرْضُ الوَقْتِ لنزوله في أخر الوَقْتِ، فإذا لم نوجب السعي إليه بطل إطلاق قولنا: "إنه إذا كان الماء في حد القُرْب لزم السَّعْيُ إليه، وإنا اعتبرنا من أَوَّلِ وقتِ الصلاة فمواقيت الصلاة مختلفة في الطُّولِ وَالقِصَرِ، فما الذي يفعل أنعتبر الوسط منها كما يفعل في حد القرب؟ فان القَدْرَ الذي ينتشر إليه المسافر لحاجته مختلفة صيفاً وشتاء، ويؤثر فيه وُعُورَةُ المكان وسهولته، وما أشبه ذلك، والمعتاد في نَظائِرِ ذلك الأخذ بالوسط المعتدل أم نعتبر في كل صلاة وقتها، فتختلف المسافة التي يحتاج إلى قَطْعِهَا، أم كيف الحال، ولو كان يتيمَّم لفائته فكيف يقدر فوات وقتها لو سعى إلى الماء؟ أيقال وقتها أول حالة

الجزء: 1 - الصفحة: 199

التذكر؟ فيلزم أن لا يسعى إلى الماء في حد القُرْبِ، لأنه زمان يسير أو لا يقال هذا وحينئذ لا يفرض لها وقت آخر يَفُوت بالسَّعْي إلى الماء، ولو كان يتيمم للنوافل وجوزنا ذلك فكيف نعتبر الوقت فيها، وهل نجعل مواقيت الفرائض الخمس مِعْيارًا للفوائت والنَّوَافِلِ أم لا؟.
والجواب الأشبه بكلام الأئمَّةِ أن الاعتبار من أوَّل وقت الصلاة، لو كان نازلاَ في ذلك المنزل، ولا بأس باختلاف المواقيت والمسافات، فإن الغرض صيانة وظيفة الوَقْتِ عَنِ الفَوَاتِ وعلى هذا إذا انتهى إلى المنزل في أخر الوقت، وكان الماء في حد القُرْبِ لزم السَّعْيُ إليه والوضوء به، وإن كان يفوته فرض الوقت كما لو كان الماء في رحله وفاته الوقت 8 لو توضأ، والأشبه أن تجعل وقت الحاضرة مِعْياراً في الفوائت والنوافل، فإنَّها الأصل والمقصد بالتيمم غالباً -والله أعلم-.
الثالثة: أن يكون بين الرُّتْبَتَيْنِ وتزيد المسافة على التي يتردد المسافر إليها لحاجاته، ولا ينتهي إلى حَدِّ خروج الوقت فهل يلزمه السَّعي إليه أم يجوز له التيمم؟ نص الشّافعي على أنه إذا كان على يمين المنزل، أو يساره يلزمه السعي إليه، ولا يجوز له التيمم، وفيما إذا كان على صَوْبِ مَقْصَدِهِ أنه لا يجب السعي إليه، وله التيمم، فاختلف الأصحاب فيه على طريقتين.
إحداهما: تقرير النَّصَّيْنِ.
والثانية: جعل المسألتين على قولين نقلاً وتخريجًا 9، ولنبين أولاً معنى قول المذهبين في المسألتين قولان بالنقل 10، والتخريج، فنقول إذا ورد نَصَّان عن صاحب المذهب مختلفان في صورتين متشابِهَتَيْنِ، ولم يظهر بينهما ما يصلح فارقًا فالأصحاب يخرجون نصه في كل واحدة من الصورتين في الصُّورَةِ الأخرى لاشتراكهما في المعنى، فيحصل في كل واحدة من الصورتين قولان 11: منصوص وهو مخرج.
المنصوص في هذه هو المُخَرَّجُ في تلك، والمنصوص في تلك هو المُخَرَّجُ في هذه، فيقولون: فيهما قولان بالنقل والتخريج، أي نقل المنصوص في هذه الصُّورة إلى

الجزء: 1 - الصفحة: 200

تلك، وخرج منها وكذلك بالعكس، ويجوز أن يُرَادَ بالنقل الرواية، ويكون المعنى في كل واحدة من الصُّورتين قول منقول، أي: مروى عنه، وآخر مخرج: ثم الغالب في مثل ذلك عدم إطْبَاقِ الأصحاب على هذا التصرُّف؛ بل ينقسمون إلى فريقين: منهم من يقول به، ومنهم من يأبى، ويستخرج فارقاً بين الصورتين يستند إليه افتراق النصين، وإنما ذكرنا هذا الكلام في هذا الموضع، لأنه أول موضع ذكر فيه المصنف النقل والتَّخْرِيج، وإذا عرفت ذلك فنقول.
أما من قرر النَّصَّين، فرق بأن المسافر قد يَتَيَامَنُ وَيَتَيَاسَرُ في حَوَائِجِهِ، ولا يمضي في صَوْبِ مقصده، ثم يرجع قَهْقَرَى، وجوانب المنزل منسوبة إليه دون ما بين يديه: وأما من جعل الصورتين على قولين، وَجَّهَ تجويز التيمم بأنه فاقد للماء في الحال، والمَنْعُ بأنه قادر على الوصول إلى الماء، والتيمُّم إنما يعدل إليه عند الضرورة، وهذه الطريقة أَظْهَرُ من الأولى؛ لأن لأصحابنا أن يقولوا للأوّلين: المسافر ما دام سائراً لا يعتاد المضي يَمِيناً وَشَمَالاً، كما لا يرجع قَهْقَرَى.
وإذا كان في المنزل انتشر في 12 الجوانب كُلِّهَا يعود إلى منزله، فالفرق ممنوع، وما ذكرناه من الطريقين نقل صاحب الكتاب، وإمام الحرمين في آخرين.
وقال في التهذيب: إذا كان الماء على طريقه، وهو يتيقَّن الوصول إليه قبل خروج الوقت، وصلى في [أول] 13 الوقت بالتيمم جاز.
وقال في الإملاء لا يجوز، بل يؤخر حتى يأتي الماء والمذهب الأول.
وإن كان الماء على يمينه أو يساره أو ورائه لم يلزمه إتيانه، وإن أمكن في الوقت؛ لأن في زيادة الطريق مشقة عليه كما لو وجد الماء يباع بأكثر من ثمن المِثْلِ لا يلزمه الشراء.
وقيل: لا فرق، بل متى أمكنه أن يأتي الماء في الوقت من غير خوف، فلا فرق بين أن يكون على يمينه أو يساره أو أمامه، في جواز التيمم قولان، هذا ما رواه وبينه وبين الكلام الأول بعض المباينة توجيهاً وحكماً.
أما التوجيه فظاهر، وأما الحكم فلأن هذا الكلام إنما يستمر في حق السائر، وقضيته نفي الفرق بين الجوانب في حق النازل في المنزل؛ لأنه يحتاج إلى الرُّجُوع إلى المنزل من أي جانب مضى إلى الماء، وفي زيادة الطريق مَشَقَّة، وأما الكلام الأول فقضيته الفرق بين الجوانب في حق المنازل أيضاً؛ إلاَّ أن ذلك الفرق ممنوع كما تقدم، وأيضاً فإن منقول صاحب الكتاب يقتضي كون السَّعْي إلى ما يكون على اليمين واليسار أولى بالإيجاب، وما ذكره في التَّهْذِيب يقتضي كون الإيجاب فيما على صوب القصد أولى؛ لأنه جعل فيه قولين، وفيما على اليمين واليسار طريقين، وجزم في أحدهما ينفي

الجزء: 1 - الصفحة: 201

الوجوب، واعلم أن ظاهر المذهب جواز التيمم، وإن علم الوصول إلى الماء في آخر الوقت، روى أن ابن عمر -رضي الله عنه-، أقبل من الجرف، حتى إذا كان بالمريد تيمَّمَ وصلَّى العصر، فقيل له: أتتيمم وجدران المدينة تنظر إليك؟ فقال: أَوَ أَحْيىَ حتى أدخلها؟ ثم دخل المدينة والشمس حَيَّة مرتفعة فلم يُعِدِ الصلاة 14. وإذا جاز التَّيمم في حق من يعلم الانتهاء إلى الماء في صوب سفره، فأولى أن يجوز للنَّازل في بعض المراحل إذا كان الماء على يمينه أو يساره، لزيادة مشقة السير لو سعى إليه، وإذا جاز التيمم للنَّازل فهو للسائر أجوز، وهذا في حَقِّ المسافر.
أما المقيم فذمَّتُهُ مشغولة بالقضاء، وإن صلَّى بالتيمم فليس له أن يصلي بالتيمم، وإن خاف فوات الوقت لو سَعى إلى الماء وتوضَّأ، وإذا كان ممنوعاً من الصلاة بالتيمم مع فوات الوقت فأولى أن يكون ممنوعاً عنها في أول الوقت.
قال الغزالي: ثُمَّ إنْ تَيَقَّنَ وُجُودَ المَاءِ قَبْلَ مُضِيِّ الوَقْتِ، فَالأَوْلَى التَّأخِيرُ قَوْلاً وَاحِداً، فَإِنْ تَوَقَّعَهُ بِظَنٍّ غَالِبٍ فَقَوْلاَنِ لِتَقَابُلِ نَفْسِ فَضِيلَةِ أَوَّلِ الوَقْتِ مَعَ ظَنِّ إدْرَاكِ الوُضُوءِ.
قال الرافعي: هذا تِفْرِيعٌ على جواز التيمم، وإن أمكن الوصول إلى الماء قبل مضي الوقت وقد ذكرنا الخلاف فيه، فإن جوزناه وهو المذهب.
فنقول الأولى أن يؤخر إلى أن يصلي 15 بالوضوء، لأن فضيلة الصلاة بالوضوء أولى من تعجيل الصلاة أو أن يعجل الصلاة 16 بالتيمم نظر إن تيقن وجود الماء في أخر الوقت، فالأولى أن يؤخر ليصلي بالوضوء، لأن فضيلة الصَّلاة بالوضوء وإن كان في آخر الوقت، أبلغ من فَضِيلَةِ الصلاة بالتيمم في أوله، أَلاَ ترى أن تأخير الصلاة إلى آخر الوقت جائز مع القدرة على أدائها في أوله، ولا يجوز التيمم مع القدرة على الوضوء هذا ما قطع به الأكثرون، وبه قال صاحب الكتاب، حيث قال: "قولاً واحداً" وحكى

الجزء: 1 - الصفحة: 202

في التتمة خلافاً في الأولى التقديم، أو التأخير على ما سنحكي نظيره في الحالة الثانية، ذلك أن تعلم قوله: "قولاً واحداً" بالواو إشارة إلى هذا الخلاف.
وإن لم يتيقن وجود الماء في آخر الوقت، ولكن رجاه فقولان: أصحهما: التعجيل في أول الوقت بالتيمم أفضل 17 لأَنَّهُ سُئِلَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- عَنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ فَقَالَ: "الصَّلاة فِي أوَّلِ وَقْتِهَا" 18، ولم يفرق بين أن يكون بالوضوء، أو بالتيمم؛ ولأن فضيلة الأولويَّة نَاجِزَةٌ، وهي تفوت بالتأخير يقيناً، وَفَضِيلَةُ الوضوء غير معلومة الحصول، فَصَيَانَةُ النَّاجِزِ 19 عن يقين الفوات أولى من المُحَافَظَةِ على أمر موهوم.
والثاني: وبه قال أبو حنيفة أن التأخير أفضل؛ لأن الإيراد بالظهر، وتأخيرها عند شدة الحَرِّ مأمور به، كي لا يختل معنى الخشوع، فالتأخير لإدراك الوضوء أولى أن يؤمر به.
واحتج في "الوسيط" للقول الأول بأن تَعْجِيلَ الصَّلاة منفرداً أفضل من تأخيره لحيازة الجماعة، وكذلك فعل إمام الحَرَمَيْنِ، لكن أبا علي الطَّبَرِي ذكر في "الإِفْصَاحِ" أن التأخير لِحِيَازَةِ الجماعة أفضل، واحتج به للقول الثاني، وتوسط آخرون فجعلوا المسألة على وجهين مبنيين على القولين في المسألة التي نحن فيها 20 ثم لا يخفى أن موضع القولين ما إذا اقتصر على صلاة واحدة، أما إذا صلى بالتيمم في أول الوقت وبالوضوء في آخره فهو النهاية في إِحْرَازِ الفضيلة.

الجزء: 1 - الصفحة: 203

ولك أن تبحث عن قوله: "وإن توقعه بظن غالب" فنقول: لِمَ قيده بالظن الغالب، ولم يقتصر على مجرد التوقع فاعلم أن التَوَقُّع يشمل الظَّنَّ، ومجرد التجويز، فلو لم يقل بظن غالب، لدخل فيه ما إذا تساوى الطرفان عنده، فلم يظن الوجود في آخر الوقت، ولا العدم، وما إذا ظن العدم، وجواز الوجود، ولا جريان للقولين في هاتين 21 الحالتين، بل الحكم فيهما أولوية التَّعْجِيل لا محالة، وموضع القولين ما إذا ترجَّح عنده الوجود على العدم، وإن لم يتيقنه، فكذلك قال بظن غالب، وربما وقع في كلام بعضهم نقل القولين فيما إذا لم يظن الوجود، ولا العدم ولا وثوق به، وكأن ذلك القائل أراد بالظن اليقين.
قال الغزالي: الرَّابِعَةُ أَنْ يَكُونَ المَاءُ حَاضِراً كَمَاءِ البِئْرِ يَتَنَازَعُ عَلَيهَا الوَارِدُونَ، وَعَلِمَ أَنَّ النَّوْبَةَ لاَ تَنْتَهيِ إِلَيْهِ إِلاَّ بَعْدَ الوَقْتِ، فَقَدْ نَصَّ فِيهِ وَفي مِثْلِهِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ أنَّهُ يَصْبِرُ، وَنَصَّ فِي السَّفِينَةِ أَنَّهُ يُصَلِّي قَاعِداً إِذَا ضَاقَ مَحَلُّ القِيَامِ وَلاَ يَصْبِرُ فَقِيلَ: سبَبُهُ أَنَّ القُعُودَ أَهْوَنُ وَلذَلِكَ جَازَ في النَّفْلِ مَعَ القُدْرَة عَلَى الْقِيَامِ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ.
قال الرافعي: إذا زاحمه غيره على الاسْتِقَاءِ كما إذا انتهوا إلى بئر ولم يمكن الاسْتِقَاء إلا بِالمُنَاوَبَةِ إما لاتحاد آلة الاستقاء أو لضيق موضع النَّازحِ، فإن توقع وصول النّوبة إليه قبل خروج الوقت لم يتيمم، فلعله يجد فرصة الوضوء.
وإن علم أنه لا تنتهي النوبة إليه إلا بعد الوقت، فقد حكى عن نص الشَّافعي -رضي الله عنه- أنه يَصْبِرَ إلى أن يتوضأ، ولا يبالي بخروج الوقت، وإن حضر جمع من العُرَاةِ، وليس ثم إلا ثوب واحد، يصلون فيه على التَّنَاوب، وعلم أن النوبة لا تنتهى إليه إلا بعد الوقت، نص أنه يصبر أيضاً، ولا يصلي عاريًا في الوقت، ولو اجتمعوا في سَفِينَةٍ، أو بيت ضَيِّقِ، وهناك موضع واحد يمكن فيه الصَّلاة قائماً، نص أنه يصلي في الوقت قاعداً، ولا يصبر إلى انتهاء النوبة إليه بعد الوقت، وهذا يخالف النص في المسألتين الأولين، فاختلف الأصحاب على طريقين: أظهرهما: وبها قال أبو زبد المروزي: لا فرق، والمسائل كلها على قولين بالنقل والتخريج.
أظهرهما: أنه يصلي في الوقت بالتيمم، وعارياً وقاعداً، لأن حرمة الوقت لا بد من رِعَايَتِهَا، والقدرة بعد الوقت لا تأثير لها في صلاة الوقت.
والثاني: أنه يصبر لوجود القدرة على الوضوء واللبس والقيام.

الجزء: 1 - الصفحة: 204

والطريقة الثانية: تقرير النصين، والفرق أن تقرير أمر القعود أسهل من أمر الوضوء واللبس، ولهذا جاز تركه في النَّقْلِ مع القدرة على القيام بخلاف التيمم، وكشف العَوْرَةِ لا يحتمل في النقل كما في الفرض، وهذا الفرق حكاه الشيخ أبو محمد عن القَفَّال، قال إمام الحرمين: هذا ضعيف، لأن القيام رُكْنٌ في صلاة الفرض فمن أين ينفع حطه في صلاة أخرى؟.
وللفارق أن يقول الواجب في نوعي الفرض والنقل أهم من الواجب في أحدهما: فيكون أبعد عن قبول المسامحة، وينتظم الفرق.
وقال كثيرون من الأصحاب: لا نصّ للشافعي في مسألة البِئْرِ لكن نص في المسألتين الأخريين على ما سبق، فمنهم من نقل وخرج، ومنهم من قرر النصين، وفرق بوجهين: أحدهما: ما سبق.
والثاني: أن للقيام بدلاً ينتقل إليه، وهو القعود، ألا ترى أن قعُودَ المريض كقيام الصحيح، وستر العورة لاَ بَدَلَ له فوجب الصَّبْرُ إلى القدرة عليه، وهؤلاء ألحقوا مسألة البئر بمسألة السَّفينة، وقالوا: لا يصبر، لأن للوضوء بدلاً وهو التيمُّم، ولك أن تعلم قوله: "فقد نص فيه وفي الثوب" بالواو؛ لأن هؤلاء نفوا أن يكون للشَّافعي نص في مسألة البئر، وخالفوا ما رواه.
وأعلم أن إمام الحرمين أجرى الخلاف المذكور في هذه المَسْألَةِ فيما إذا ضاق الوقت ولاح للمسافر 22، ولا عائق، لكن علم أنه لو اشتغل به لفاتته الصلاة، وذكر في "الوسيط" ذلك أيضاً، وهو يقتضي إثبات الخلاف في المَرْتَبَةِ الثانية من مراتب الحالة الثالثة وإن لم يذكر، ثم 23. قال الغزالي: فَرْعَانِ، أحَدُهُمَا، لَوْ وَجَدَ مَاءً لاَ يَكْفِيهِ لِوُضُوئهِ يَلْزَمُهُ (ح) اسْتِعْمَالُهُ قَبْلَ التَّيَمُّمِ عَلَى أَظْهَرِ القَوْلَيْنِ.
قال الرافعي: إذا وجد الجُنُبُ من الماء ما لا يكفيه لغسله، أو المُحْدِث ما لا يكفيه لوضوئه ففيه قولان:

الجزء: 1 - الصفحة: 205

أحدهما: وبه قال أبو حنيفة ومالك واختاره المزني لا يجب استعماله، بل يتيمَّم كما لو وجد بعض الرَّقَبَةِ لا يجب إعتاقه عن الكَفَّارة، بل يعدل إلى الصوم، وأصحهما أنه يجب استعماله 24، ويتيمم للباقي؛ لأنه قد قدر على غسل بعض أعضائه، فلا يسقط بالعَجْزِ عن الباقي فصار كما إذا كان بعض أعضائه جريحاً، والبعض صحيحاً يجب غسل الصحيح، وهذا الثاني قوله الجديد، والأول القديم.
وذكر الشيخ أبو علي 25، والمسعودي أن له في الجديد قولين: أحدهما: مثل القديم، ورواية المزني في "المختصر" تدل على ما قالاه بأن فرّعنا على القول الثاني، وجب اسْتِعْمَال الماء أولاً ليصير فاقداً، ولهذا قال في الأصل يلزمه استعماله قبل التيمُّم، ثم إن كان محدثاً غسل به وجهه، ثم يديه على الترتيب، إلى أن ينفد، وإن كان جنباً غسل أي عضو شَاءَ، إذ لا ترتيب في الغسل، والأولى أن يستعمله في أعضاء الوضوء، وفي الرأس، وإنما يجب تقديم استعماله على التيمم إذا وقع الغسل، والتيمم عن طهارة واحدة: أما لو أحدث وأجنب ووجد ما يكفي الوضوء به دون الغسل، وقلنا: الحدث الأصغر لا يدخل في أكبر، بل يجب الوضوء مع الغسل، فإنه يتوضَّأ به ويتيمّم عن الجَنَابَةِ ويتخيَّرُ في التقديم والتأخير.
وإن قلنا: يدخل الأصغر في الأكبر سقط حكمه، وواجبه الغسل، فيجب تقديم استعماله على التيمُّم على هذا القول، وكل ما ذكرناه فيما إذا كان الموجود يصلُح للغسل، فأمَّا إذا كان الشَّخْصُ محدثاً، ولم يجد إلا ما يصلح للمسح دون الغسل كثلج وبَرَدٍ لا يذوب، ففيه طريقان: أظهرهما: أنه يكفيه التيمم هاهنا، لأنا حيث نوجب استعمال الموجود من الماء على المحدث نأمره بتقديمه على التيمم، ولا يمكن تقديم مَسْحِ الرأس مع بقاء فرض الوجه، واليدين عليه.
والثاني: أنه على القولين فإن قلنا يجب استعمال الماء الناقص فقد ذكر أبو العباس الجرجاني من أصحابنا أنه يتيمم على الوجه واليدين، ثم يمسح رأسه بِبَلَلِ 26 الثلج.، ثم يتيمم للرجلين، وهذا كله إذا وجد تراباً يتيمم به، أما إذا وجد المُحدْث أَو الجُنُب الماء الناقص، ولم يجد ما يتيمم به ففيه طريقان: أحدهما: طرد القولين:

الجزء: 1 - الصفحة: 206

وأظهرهما: أنه يجب استعماله لا محالة، لأنه لا بدل ينتقل إليه فصار كالعريان يجد ما يستر به بعض عورته، يلزمه ستر ما يمكن به، بخلاف ما إذا وجد بعض الرَّقَبَةِ في الكفارة ولم يقدر على الصَّوْمِ والإِطْعَام، لا يؤمر بالإِعْتَاقِ لأن الكفّارات على التَّرَاخِي، وقد تطرأ القدرة بعد ذلك، فافهم هذه المسائل، واعرف موضع القولين اللذين أطلقهما في الكتاب 27. قال الغزالي: الثَّانِي لَوْ صَبَّ المَاءَ فِي الوَقْتِ فَتَيَمَّمَ فَفِي القَضَاءِ وَجْهَانِ: وَجْهُ وُجُوبهِ أنَّهُ عَصَى بِصَبِّهِ بِخَلاَفِ الصَّبِّ قَبْلَ الوَقْتِ وَبِخَلاَفِ مَا لَوْ تَجَاوَزَ نَهْراً وَلَمْ يَتَوَضَّأ فِي الْوَقْتِ.
قال الرافعي: إذا فوت الماء الذي عنده بالإِراقة أو الشرب أو غيرهما، واحتاج لذلك في التيمم، فلا خلاف في أنه يتيمم؛ لأنه فاقد في الحال، وكذلك لو نجسه، ثم ننظر، إن فعل ذلك قبل دخول الوقت وتيمم في الوقت فلا قضاء عليه، سواء فعل ذلك لغرض أو سَفَها؛ لأنه لا فرض عليه ما لم يدخل الوقت، وإن فعله بعد دخول الوقت، فإن كان له فيه غرض، فكذلك لا قضاء عليه، وذلك مثل أن يتبرد به، أو يشربه لحاجة العَطَشِ، أو يغسل به ثوبه تنظيفاً، وكذلك إذا اشتبه عليه الإناءان، واجتهد ولم يغلب على ظنه شيء فأراقهما، أو جمع بينهما وتيمم، فهو معذور، لأن فيه غرضاً وهو أن لا يكون مصلياً بالتيمم، وعنده ماء طاهر بيقين، وإن فوّته لغير غرض، وفائدة وتيمَّم وصلى، فهل يجب عليه القضاء؟ فيه وجهان: أظهرهما: لا، لأنه فاقد حين يتيمم فيكفيه البَدَل، كما لو قتل عبده أو أعتقه، وكفر 28 بالصوم يجزئه.
والثاني: نعم؛ لأنه عصى بِالصَّب، والحالة هذه وسقوط الفرض بالتيمم من قبيل

الجزء: 1 - الصفحة: 207

الرُّخَصِ فلا يُنَاط بالمعاصي بخلاف ما إذا كان الصب قبل الوقت، فإنه لا يقضي، وبخلاف ما إذا كان الصب لغرض، فإنه معذور، ولو اجتاز بماء في الوقت ولم يتوضأ، ثم بعد عنه وصلى بالتيمم، فالذي ذكره في الكتاب يشعر بالقطع، بأنه لا قضاء عليه، وكذلك أورده صاحب "التهذيب" وغيره: والفرق أنه لم يصنع شيئاً هاهنا، وإنما امتنع من التَّحْصيل والتَّقْصير في تفويت الحاصل أشد منه في الامتناع من تحصيل ما ليس بحاصل، ورأيت في كلام الشيخ أبي محمد طرد الوجهين في سورة الاجتياز وهو غريب.
ولو وهب الماء في الوقت من غير حاجة ولا 29 عطش [للمتهب] 30 أو باعه من غير حاجة إلى ثمنه، ففي صحة البيع والهبة وجهان: أشبههما: المنع؛ لأن البدل حرام عليه فهو غير مقدور على تسليمه شرعاً.
وثانيهما: الجواز، لأنه مالك نافذ التَّصرف، والمنع لا يرجع إلى سبب يختص بالعقد فلا يؤثر في فساد العقد.
فإن قلنا بصحة البيع والهبة، فحكم قضاء الصلاة على البائع والواهب ما ذكرنا في الصّب؛ لأنه فوته بإزالة الملك عنه.
وإن قلنا بعدم الصحة فلا يصح تيمُّمه ما دام الماء في يد المُبْتَاعِ، أو الموهوب منه، وعليه الاسْتِرْدَاد إن قدر، فإن لم يقدر وتيمم، قضى وإن تَلَف في يده وتيمم ففي القضاء الخلاف المذكور في الإراقة، لأنه إذا تلف بالماء صار فاقداً عند التيمم، ثم إذا أوجبنا القضاء في هذه الصُّورة ففي القدر المقنضي ثلاثة أوجه: أصحها: أنه يقضي تلك الصلاة الواحدة التي فوت الماء في وقتها.
والثاني: يقضي أغلب ما يؤديه بوضوء واحد.
والثالث: كل صلاة صَلاَّها بالتيمم 31 -والله أعلم-.
قال الغزالي: (السَّبَبُ الثَّانِي) أَنْ يَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ مِنْ سَبُعِ أَوْ سَارِقِ فَلَهُ التَّيَمُّمُ وَلَوْ وُهِبَ مِنْهُ المَاءَ أَوْ أُعِيرَ مِنْهُ الدَّلوُ يَلزَمُهُ القَبُولُ بِخِلاَفِ مَا إِذَا وُهِبَ (ز) ثَمَنُ المَاءِ أَوِ الدَّلوَ فَإِنَّ المِنَّةِ فِيهِ تَثْقُلُ، وَلَو بِيعَ بِغَبْنِ لَمْ يَلْزَمهُ شِرَاؤُهُ وَبِثَمَنِ المِثْلِ يُلْزَم إِلاَّ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَينٌ مُسْتَغْرِقٌ أَوِ احْتَاجَ إِلَيْهِ لِنَفَقَةِ سَفَرِهِ، وَالأَصَحُّ أَن ثَمَنَ المِثْلِ يُعْرَفُ بِقَدْرِ أُجْرَةِ النَّقْلِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 208

قال الرافعي: إذا كان لقرْبه ماء، لكنه يخاف من السَّعي إليه علي نفسه من سَبُعٍ، أو عَدُوٍّ أو على ماله المُخْلَفِ في المنزل، أو الذي معه من غاصب، أو سارق فله التيمم، وهذا الماء كالمعدوم، وكذلك الحكم لو كان في السّفينة، ولا ماء معه وخاف على نفسه لو اسْتَقَى من البَحْرِ، والخوف على بعض الأعضاء كالخوف على النَّفْس، ولو خاف الوحدة والانقطاع عن الرّفقة لو سعى إلى الماء، فإن كان عليه ضَرَرٌ وَخَوْفٌ في الانقطاع لم يلزمه السَّعي إليه ويتيمم، وإن لم يكن ضرر فكذلك على أظهر الوجهين، وإن كان الماء لغيره فوهبه منه، فهل عليه قبوله؟ فيه وجهان المذهب أنه يجب، وهو الذي ذكره في الكتاب؛ لأنه والحالة هذه يعد واجداً للماء، والمُسَامحة غالباً في الماء فلا تعظم منَّة في قبوله بخلاف ما لو وهب منه الرَّقبة لا يلزمه قبول، لأنها ليست في محل المسامحة غالباً.
والثاني: أنه لا يلزمه 32 القبول؛ لأنه نوع يكسب للطَّهارة، فلا يلزمه كما لا يلزمه اكتساب ثمن الماء، ولو أعير منه الدَّلو، أو الرَّشَاء وجب قبوله؛ لأن الإعارة لا يعظم فيها المنَّة، والقادر على قبولها لا يعد فاقداً للماء هكذا أطلقه الأكثرون، ومنهم صاحب الكتاب، وفصل بعضهم.
فقال: إن لم تزد قيمة المسُتَعَار على ثمن مثل الماء وجب القبول، وإن زادت فلا؛ لأن العارية مضمونة، وقد يتلف فيحتاج إلى غَرَامَةٍ ما فوق ثمن الماء، ولو اقترض الماء وجب قبوله في أصح الوجهين؛ لأنه إنما يطالب عند الوجدان، وحينئذ يهون الخروج عن العهدة، ولو بيع منه الماء وهو لا يملك الثَّمَنَ، لكنه وهب منه فقد أطلق القول في الكتاب بأنه لا يلزمه قبوله، لأن المِنَّة تثقل فيه كما لا يلزم على العَمَارِي قبول الثَّوب.
وحكى بعض الأصحاب فيما إذا وهبه الأب من الابن، أو العكس وجهين، كالوجهين فيما إذا بذل الابن لأبيه، أو بالعكس، المال في الحَجِّ، هل يلزمه وهل يصير مستطيعاً به؟ وهذا حسن لكن الأظهر ثم إنه لا يجب القَبُول، فيجوز أن يكون إطلاق الجواب هاهنا جرياً على الأظهر، واقتصاراً عليه وَهِبَةُ آلات الاسْتِقَاء، كالدَّلْو والرِّشَاء، كهبة ثمن الماء في الحُكْمِ، ولو اقترض منه الثمن فإن كان معسراً لم يلزمه الاستقراض، وإن كان موسراً لكن المال غائب عنه فكذلك في أظهر الوَجْهَيْنِ، بخلاف ما إذا استقرض منه الماء، لأن الماء في محل المُسَامَحَةِ، والقدرة عليه عند توجه المطالبة أظهر وأغلب.
ولو بيع منه الماء نَسِيئَةَ، وهو موسر، لزمه الشراء على أظهر الوجهين؛ لأن

الجزء: 1 - الصفحة: 209

الأجل لازم هاهنا، فلا مطالبة قبل الحلول بخلاف سورة الإِقْرَاضِ، ولو ملك الثمن فكان حاضراً عنده، لكنه كان محتاجاً إليه لدين مستغرق في ذمته أو لنفقته أو نفقة رَقِيقِهِ، أو حيوان محترم معه، أو لسائر مُؤْنَات سفره في ذهابه، وإيابه، فلا يجب عليه الشراء، ويعذر في الصّرف إلى هذه الوجوه، وإن فضل عن حاجته لزمه الشراء، إن بيع بثمن المِثْلِ، لأنه قادر على استعمال الماء، ويصرف إليه أي نوع من المال كان معه، وإن بيع بِغَبْنٍ لا يلزمه الشِّرَاء، كما لو كان يتلف شيء من ماله لو سعى إلى الماء المباح، وظاهر كلامه في الكتاب وعليه الأكثرون أنه لا فرق بين أن يكون الغبن بقدر قليل، أو كثير.
ومنهم من قال: إن بيع بزيادة يَتَغَابَنُ الناس بمثلها وجب الشراء، ولا عِبْرَةَ بتلك الزيادة، وإذا كان البيع نَسِيئَةً وزيد بسبب التأجيل ما يَلِيقُ به فهو بيع بثمن المثل على أظهر الوجهين، وإن زاد المبلغ على ثمن مثله نقداً فيجب الشّراء على قولنا: يجب الشراء بالنَّسيئة.
وكيف يعتبر ثمن مثل الماء وما معناه؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ثمن مثله قَدْر أجرة نَقْلِهِ إلى المَوضِعِ الذي فيه الشخص، لأنه لا يرغب في الماء بأكثر منه، وعلى هذا فالأجْرَة تختلف باختلاف المَسَافة طولاً وقصراً، فيجوز أن يعتبر الوسط المقصد، ويجوز أن يعتبر الحَدّ الذي يسعى إليه المسافر عند تيقن الماء، فإنَّ ذلك الحد لو لم يقدر على السعي إليه بنفسه، واحتاج إلى بَذْلِ الأجرة لم ينقل الماء منه إليه، يلزمه البذل إذا كان واجداً لها.
وثانيها: أنه يعتبر ثمن مثله في ذلك الموضع في غالب الأوقات، ولا يعتبر ذلك الوقت بخصوصه، فإن الشَّربة الواحدة عند العزّة يرغب فيها بدنانير كثيرة.
وثالثها: أنه يعتبر ثمن مثله في ذلك الموضع في تلك الحالة، فإن لكل شيء سُوقاً يرتفع وينخفض، وثمن مثل الشيء ما يليق به في تلك الحالة، ألا ترى أن الرَّقَبَةَ وإنْ كانت غالية بالإضافة إلى عموم الأحوال يجب شِرَاؤُهَا بما يرغب فيها في تلك الحالة، وهذا الوجه هو الأظهر عند الأكثرين من الأصحاب.
والوجه الثاني: منقول عن أبي إسحاق، واختاره القاضي الروياني، ولم أر أحداً اختار الوجه الأول سوى صاحب الكتاب، ومن تابعه.
وقد ذكر إمام الحرمين إن ذلك الوجه مبني على أن الماء لا يملك، فإنه إذا لم يملك لم يكن له ثمن، فاعتبر أجرة النقل.
وأشار المسعودي إلى هذا البناء أيضاً، ومعلوم أن القول بأن الماء لا يملك وجه ضعيف في المذهب، فليكن كذلك ما هو مبني عليه.
وادعى في "الوسيط" أن الوجه الذي اختاره غير مبني على ذلك الوجه، حيث قال: أحدها أن ثمن مثله أجرة نقل الماء فيه تعرف الرغبة في الماء، وإن كان مملوكاً

الجزء: 1 - الصفحة: 210

على الأصح يعني: أنه وإن كان مملوكاً فالقَدْرُ الذي يرغب به فيه أجرة النقل.
وللأكثرين: أن يقولوا إن ادعيت أن هذا القدر هو الذي يرغب به في الماء حيث يكثر الماء في البلاد، وغيرها، فهذا مسلم، لكن الماء والحالة هذه لا يشتري إنما ينقل وإن ادعيت أنه القدر الذي يرغب به في الماء حيث يحتاج إلى الشِّراء فممنوع، ولو بيع منه آلات الاسْتِقَاء كالدَّلْوِ والرَّشَاء بثمن المثل وجب شراؤهما، إذا كان فاقداً لها، وكذلك لو أُوجِرَتْ بأجرة مثلها، فإن باعها مالكها أو أجرها بزيادة لم يجب تحصيلها، هكذا ذكروه ولو قال قائل: يجب التَّحصيل ما لم تَجَاوز الزِّيادة.
ثمن مثل الماء لكان محسناً؛ لأنْ الآلة المشتراة تبقى له، وقدر ثمن الماء محتمل التّلف في هذه الجهة ولو لم يجد إلا ثوباً وقدر على شده في الدّلو ليستقى لزمه ذلك: ولو لم يكن دلو وأمكن إدلاؤه في البئر ليبتلّ ويعصر منه ما يتوضأ به لزمه ذلك، ولو لم يصل إلى الماء وأمكن شقّه وشد البعض في البعض ليصل وجب: وهذا كله إذا لم يدخل نقصان أو لم يزد نقصاً به على أكثر الأمرين من ثمن مثل الماء وأجرة مثل الحبل.
قال الغزالي: (الثَّالِثُ) أَنْ يَحتَاجَ اِلَى المَاءِ لِعَطَشِهِ فِي الْحَالِ أَوْ تَوَقُّعِه فِي المَآلِ أَوْ لِعَطَشِ رَفِيقِهِ أَوْ عَطَشِ حَيَوَانٍ مُحْتَرِمٍ، فَلَهُ التَّيَمُّمُ وَإِنْ مَاتَ صَاحِبُ المَاءِ وَرُفَقَاؤُهُ عَطْشَى يَمَّمُوهُ وَغَرَّمُوا لِلوَرِثَةِ الثَّمَنَ فَإِنَّ المِثْلَ لاَ يَكُونُ لَهُ قِيمَةٌ غَالِباً، وَلَوْ أَوصَى بِمَائَةٍ لِأَوْلَى النَّاسِ بِهِ فَحَضَرَ جُنُبٌ وَحَائِضٌ وَمَيِّتٌ فَالْمَيِّتُ أَوْلَى لِأَنَّهُ آخِرُ عَهْدِهِ وَمَنْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ أَوْلَى مِنَ الجُنُبِ إِذْ لاَ بَدَلَ لَهُ، وَفِيهِ مَعَ المَيِّتِ وَجْهَانِ، وَالجُنُبُ أَوْلَى مِنَ المُحْدِثِ إِلاَّ إِذَا كَانَ المَاءُ قَدْرَ الوُضُوءِ فَقَطْ، فَإِنْ انْتَهَى هَؤُلاَءِ اِلَى مَاءٍ مُبَاحٍ وَاستَوَوا فِي إِثْبَاتِ اليَدِ فَالمِلْكُ لَهُمْ، وَكُلُّ وَاحِدٍ أَوْلَى بِمِلْكِ نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ حَدَثُ غَيْرِهِ أَغْلَظَ.
قال الرافعي: في الفصل مسائل: إحداها: لو قدر على ماء مَمْلُوكٍ أو غير مملوك لكنه احتاج إليه لعطشه فله التيمُّم، دفعاً لما يلحقه من الضَّرر، ولو توضأ والقول فيما يلحقه لو توضَّأ ولم يشرب يقاس بما سيأتي في المَرَضِ المبيح للتيمم.
ولو احتاج إليه رفيق له أو حيوان آخر محترم للعطش دفعه إليه، إما مجاناً أو بعوض، وتيمّم، وللعطشان أخذه منه قهراً لو لم يبذله له، وغير المحترم من الحيوان هو الحَرْبِيُّ والمُرتَدُّ والخنزير والكلب العَقُور وسائر الفواسق الخمس وما في معناها، وكان والدي -رحمه الله- يقول: ينبغي أن يقال: لو قدر على التَّطهُّر وجمعه في ظَرْفٍ ليشربه لزم ذلك، ولم يَجُزِ التيمّم، وما ذكره يجيء وجهاً في المذهب، لأن أبا علي الزجاجي، وأقضى القضاة المارودي، وآخرين، ذكروا في كتبهم أن من معه ماء طاهر

الجزء: 1 - الصفحة: 211

وآخر نجس وهو عطشان يشرب النَّجس، ويتوضّأ بالطاهر 33 وإذا أمر بشرب النّجس ليتوضأ بالطاهر فأولى أن يؤمر بالوضوء وشرب المستعمل، وهل يفترق الحال بين أن تكون هذه الحالة 34 ناجزة، أو متوقعة في المآل؟.
أما في عطش نفسه فلا فرق، بل توقعه مآلاً لإعواز غير ذلك الماء طاهراً لحصوله حالاً.
وأما في عطش الرّفيق والبهيمة فقد أبدى فيه إمام الحرمين تردداً فيه، وتابعه عليه في "الوسيط"، والظاهر الذي اتفق عليه المعظم بأنه يتزود لرفيقه ويتيمم، كما يفعل ذلك لنفسه، إذ لا فرق بين الزّوجين في الحرمة.
الثانية: قال الشافعي -رضي الله عنه-: "إذا مات رجل له ماء وَرِفاقه يخافون العطش شربوه، ويمَّمُوه وأدوا ثمنه في ميراثه، وإنما جاز لهم شربه وإن كان فيه تفويت غسل الميت عليه، لأنهم يخافون على مَهْجِهِم، وليس للشرب بدل، وللطّهارة بدل وهو التَّيمم وأما قوله: "وأدّوا ثمنه في ميراثه" فقد تكلموا في المراد بالثَّمَن، منهم من قال: أراد بالثَّمَنِ المِثْلَ؛ لأن الماء مثل، والمثليات تُضْمَنُ بالمثل دون القيمة، ومنهم من قال: أراد به القيمة، وإنما وجبت القيمة هاهنا؛ لأن المسألة مفروضة فيما إذا كانوا في مَفَازَةٍ عند الشرب، ثم رجعوا إلى بلدهم 35، ولا قيمة للماء بها، فلو أدوا الماء 36 لكان ذلك إحباطاً لحقوق الوَرَثَةِ، فيغرمون قيمة يوم الإتلاف في موضعه: وهذا الثاني هو الذي ذكره في الكتاب، وينبغي أن يعلم لفظ الثمن.
في قوله: "وغرموا للورثة الثمن" بالواو؛ لأنه أراد به القيمة، حيث علل فقال: "فإن المثل لاَ يَكُونُ له قيمة غالباً"، ولو أنه لم يعلل لما انتظم إعلامه بالواو؛ لأن من أوجب المثل جوز تسميته بالثمن أيضاً، ألا تراهم اختلفوا في مراد الشّافعي -رضي الله عنه- بلفظ الثمن.
الثالثة: إذا أوصى بمائة لأولى الناس به، أو لكل 37 رجلاً يصرف ماءه إلى أولى الناس به، وحضر محتاجون إلى ذلك الماء كالجُنُب والحائض والميت ومن على بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ فمن يقدم منهم؟ أعلم أن الميت ومن علىَ بدنه نجاسة أولى من غيرهما.
أما الميت فلمعنيين.

الجزء: 1 - الصفحة: 212

أحدهما: قال الشَّافعي -رضي الله عنه- إن أمره يفوت فليختم بأكمل الطّهارتين، والأحياء يقدرون عليه في ثاني الحال.
والثاني: قال بعض الأصحاب: المقصد من غسل الميت تنظيفه وتكميل حاله، والتراب لا يفيد ذلك، وغرض الحي استباحة الصلاة وإسقاط الفرض عن الذِّمَّةِ، وهذا الغرض يحصل بالتيمم حصوله بالغسل: وأما من على بدنه نجاسة فلأن إزالة النجاسة لا بدل لها، وللطّهارات بدل وهو التيمم، وإذا اجتمعا فمن المقدم منهما؟ فيه وجهان: أصحهما: أن الميت أولى.
قال المحاملي 38 من أئمة العراق والصيدلاني من غيرهم، الوجهان مبنيان على المعنيين في المَيِّت، إن قلنا بالتعليل الأول فالميِت أولى، وإن قلنا بالتعليل الثاني فالنجس أوْلى، لأن فرضه لا يسقط بالتيمُّم، بخلاف غسل الميت ولا خلاف أنه إذا كان على بَدَنِ الميت نجاسة فهو أولى، ولا يشترط في استحقاق الميت أن يكون له ثم وارث يقبل عنه، كما لو تَطَوَّع إنسان بتكفين ميت ولا حاجة إلى قابل، وفي المسألة وجه ضعيف.
وان اجتمع ميتان والماء لا يكفي إلا لأحدهما، فإن كان المَاءُ موجوداً قبل موتهما وماتا على الترتيب فالأول أولى، وان ماتا معاً أو وجد الماء بعد موتهما فأفضلهما أولى، فإن استويا أقرع بينهما هذا كلامنا في المَيِّت ومن عليه نجاسة.
أما غيرهما ففي الحَائِضِ مع الجنب ثلاثة أوجه: أصحها: الحائض أولى؛ لأن حدثها أغلظ ألا يرى أن الحيض يحرم الوطء ويسقط إيجاب الصلاة.
والثاني: الجُنُب أولى؛ لأنه أحق بالاغتسال، فإن الصَّحَابة اختلفوا في تيمُّم الجنب، ولم يختلفوا في تيمم الحائض.
والثالث: هما سواء لتعارض المعنيين، وعلى هذا إن طلب أحدهما القِسْمَة، والآخر القُرْعَة فالقرعة أولى في أظهر الوجهين، والقسمة في الثاني، هذا إن أوجبنا

الجزء: 1 - الصفحة: 213

استعمال الماء النَّاقص، وإلا تعيَّنت القُرْعَة وإن اتفقا على القِسْمة جاز إن قلنا: يجب استعمال الماء الناقص، وإلا لم يجز فإنه تضييع، وإذا حضر جنب ومحدث نظر، إن كان ذلك الماء كافياً للوضوء دون الغسل، فالمحدث أولى إن لم توجب استعمال الماء الناقص، وإن أوجبناه فثلاثة أوجه: أصحها: أن المُحْدِث أولى أيضاً؛ لأنه يرتفع حدثه بكماله.
والثاني: الجنب أولى لغلظ حدثه.
والثالث: يتساويان وتفريعه على ما سبق، وإن لم يكن ذلك كافياً لواحد منهما فالجنب أولى إن أوْجَبْنَا استعمال الماء الناقص لغلظ حدثه، وإلا فهو كالمعلوم وإن كان كافياً لكلّ واحد منهما، فننظر إن فضل شيء من الوضوء به ولم يفضل من الغسل فالجنب أولى إن لم توجب استعمال الناقص، لأنه لو استعمله المحدث لضاع الباقي 39، وإن أوجبنا استعمال الناقص فثلاثة أوجه: أصحها: أن الجنب أوْلى أيضاً؛ لغلظ حدثه.
والثائي: المحدث أولى بقدر الوضوء، والباقي للجنب مراعاة الجانبين.
والثالث: أنهما سواء، وإن فضل من كل واحد منهما شيء، أو لم يفضل من واحد منهما، فالجنب أولى لا مَحَالَة، وإن كان الماء الموجود كافياً للغُسْلِ دون الوضوء، ويتصور ذلك بأن يكون الجنب نِضْواً لخلقه، فقيد الأعضاء والمحدث ضَخْماً عظيم الأعضاء، فالجنب أولى أيضاً؛ لأنا إن لم نوجب استعمال الماء الناقص فالمحدث لا ينتفع به، وإن أوجبناه فحدث الجنب أغلظ: وإذا عرفت ما ذكرنا تبين لك أن أحوال المسألة أربع: أن يكون الماء كافياً للوضوء دون الغسل؛ وأن يكون كافياً لكل واحد منهما؛ وأن لا يكون كافياً لواحد منهما؛ وأن يكون كافياً للغسل دون الوضوء، والظَّاهر تقديم المحدث في الحالة الأولى وتقديم الجُنُب فيما عَدَاهَا، فلذلك قال: والجُنُبُ أوْلَى من المحدث إلا أن يكون الماء قدر الوضوء فقط، وليكن المستثنى والمستثنى منه من هذا اللفظِ مُعْلَماً بالواو، لما حكيناه من التَّفْصِيل والخلاف.
وقوله: "قدر الوضوء فقط" إن كان المراد أنه قدر الوضوء دون الغُسْلِ فحسن، وإن كان المراد أنه لا يزيد على قدر الوضوء فهذا ليس بشرط في تصوير الحالة الأولى، بل إذا لم يكن كافياً للغسل وكان كافيًا للوضوء فالمحدث أولى، سواء زاد

الجزء: 1 - الصفحة: 214

على قدر الوضوء أو لم يزد عليه، فهذا شرح مسألة الوصية.
واعلم أنه إن عَيَّن المكان فقال: اصرفوا هذا الماء إلى أولى النَّاس به في هذه المَفَازَةِ، فالحكم على ما ذكرنا، ولو لم يعين بل قال: اصرفوا إلى أولى الناس به واقتصر عليه، فينبغي أن يبحث عن المُحْتَاجين في غير ذلك المكان، ألا يرى أنه لو أوصى لأعلم الناس لا يختص بأهل ذلك الموضع إلا أن حفظ الماء ونقله إلى مفازة أخرى، كالمستبعد والله أعلم.
ولو انتهى هؤلاء المُحْتَاجُون إلى مَاءٍ مُبَاحٍ واستووا في إحْرَازِهِ وإثبات اليد عليه ملكوه على السَّوَاء لاستوائهم في سبب المِلْكِ، وكل واحد أحَقُّ بملك نفسه من غيره، وإن كان ذلك الغير أحوج إلى الماء، وكان حدثه أغلظ، بل لا يجوز لكل واحد أن يبذل ما ملكه لغيره، وإن كان ناقصاً إلا إذا قلنا: لا يجب استعمال الماء الناقص عن قدر الكفاية.
هذا ما أورده صاحب الكتاب، وذكره إمام الحرمين، وأورد أكثر الأصحاب هذه الصورة، وقالوا: يقدم فيها الأحوج فالأحوج كما في مسألة الوَصِيَّةِ، ولا مُنَافَاةَ بين الكلامين؛ لأن هؤلاء أرادوا التقديم على سبيل الاستحباب، وكأنهم يقولون: مجرد الانتهاء إلى الماء المباح لا يقتضي المِلْكَ، وإنما يثبت 40 الملك بالاسْتِيلاء والإحراز فيستحب لغير الأحوج ترك الإحراز والاستيلاء إيثاراً للأحوج، وهؤلاء [لا] 41 يسلمون أنهم لو لم يفعلوا ذلك واستولوا عليه وازدحموا كان الأمر على ما ذكره إمام الحرمين، لكن يمكن أن ينازع هو فيما ذكروه من الاسْتِحْبَاب، ويقول: إنه متمكن من الطهارة بالماء، فلا يجوز له العدول إلى التَّيمُّم كما لو ملكه لا يجوز له بذله لغيره.
قال الغزالي: (الرَّابعُ) العَجْزُ بِسَبَبِ الجَهْلِ كَمَا إِذَا نَسِيَ المَاءَ في رَحلِهِ فَتَيَمَّمَ (ح) قَضَى الصَّلاة عَلَى الجَدِيدِ، وَلَوْ أَدْرَجَ فِي رَحْلِهِ وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ لَمْ يَقْضِ عَلَى الصَّحِيحِ إِذْ لاَ تَفْرِيطَ، وَلَو أَضَلَّ المَاءَ فِي رَحْلِهِ فَلَمْ يَجِدهُ مَعَ الإِمْعَانِ فِي الطَّلَبِ فَفِي القَضَاءِ قَوْلاَنِ كَمَنْ أَخْطَأَ القِبْلَةَ، وَلَو أضلَّ رَحلَهُ في الرِّحَالِ فَقَوْلاَنِ، وَالأَوْلَى سُقُوطُ القَضَاءِ؛ لأَنَّ المُخَيَّمَ أَوْسَعُ مِنَ الرَّحْلِ.
قال الرافعي: لك أن تقول: الكلام هاهنا في أسباب العَجْزِ المبيح للتّيمم، والسّبب المبيح هاهنا إنّما هو الفَقْدُ في ظَنِّهِ إلاَّ أنه تبيَّن بعد ذلك أنه لم يكن فاقداً، ولا شكَّ في أن الأسباب المبيحة يكفي فيها الظن، ولا يعتبر التَّعيُّن، وإذا كان كذلك فليس

الجزء: 1 - الصفحة: 215

هذا سبباً خارجاً عما تقدمّ، وأما الكلام في أنه هل يقضي الصلاة إذا تبين أنه غير فاقد فذلك شيء آخر وراء جواز التيمم، واللاَّئِقُ ذكره في أحد موضعين، إما آخر سبب الفقد، وإما الفصل المعقود فيما يقضى من الصَّلوات المختلفة 42 ثم ذكر في هذا الفصل مسائل: إحداها: لو نسي الماء في رَحْلِهِ، فتيمم على ظن أنه لا ماء عنده، ثم تبيَّن الحال فهل يلزمه قضاء الصلاة التي أداها به؟ نص في "المختصر" على وجوب الإعادة.
وعن أبي ثور قال: سألت أبا عبد الله عنها، فقال: لا إعادة عليه.
واختلف الأصحاب على طريقتين: أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب أن في المَسْأَلَةِ قَولينِ: الجديد الصحيح: وجوب الإعادة، وبه قال أحمد؛ لأن مثل هذا الشّخص إما أن يكون واجداً للماء، أو لا يكون، إن كان واجداً فقد فات شرط التّيمم، وهو أن لا يجد، وإن لم يكن واجداً فسببه تقصيره، فتجب الإعادة كما لو نسي ستر العوْرَة، أو غسل بعض أعضاء الطهارة.
والقديم: أنه لا تجب الإعادة؛ لأن النِّسيان عذر حال بينه وبين الماء، فيسقط فرضه بالتيمم، كما لو حال بينهما سَبُعٌ وشبهوا هذا القول القديم في نسيان الترتيب في الوضوء ونسيان الفاتحة، وعن مالك روايتان كالقولين، وعند أبي حنيفة لا إعادة.
والطريقة الثانية: القطع بوجوب الإعادة، وتأويل ما نقله أبو ثور يحمل أبي عبد الله على مالك، أو تنزيل ما نقله على المسألة الثّانية التي نذكرها.
ولو علم المسافر أن في موضع نزوله بِئْراً فنسيها، وتيمم، وصلى، ثم تذكر، فعلى الطريقتين: ولو كان الماء يباع فنسي الثمن، وتيمم وصلى، ثم تذكر قال القاضي أبو قاسم بن كج: يحتمل أن يكون مثل نسيان الماء، ويحتمل غيره، والأوّل أظهر.
المسألة الثانية: لو أدرج الماء في رَحْلِهِ من غير شعوره به، فتيمم على اعتقاد أن لا ماء عنده، وصلَّى ثم تبيَّن الحال، ففي المسألة طريقتان: إحداهما: طرد قول النسيان 43 فيه، لكن الأصح هاهنا نفي الإعادة.

الجزء: 1 - الصفحة: 216

والثانية: القَطْعُ بنفي الإعادة لعدم التقصير هاهنا بخلاف سورة النسيان، فإنه كان عالماً بالماء ثم ذهل عنه.
ولو تبين أن بقربه بئراً، ولم يكن علم بها أصلاً فهو نظير هذه الصورة.
وقوله في الكتاب: "لم يقض على الصحيح" يجوز أن يكون اختياراً للطريقة الثانية، والمعنى على الصحيح من الطَّريقين، ويجوز أن 44 يكون جواباً على الطريقة الأولى، والمعنى الصحيح من القولين، وطريقة القولين أظهر عند علماء الأصحاب.
الثالثة: لو كان في رَحْلِهِ ماء فاضله: فتيمم ثم وجده نظر، إن لم يمعن في الطلب فعليه القضاء لتقصيره، وإن أمعن حتَّى غلب على ظنه فقد الماء فقولان: أحدهما: أنه لا إعادة عليه، لأنه لم يفرط في البحث، والطلب، فيعذر.
وأظهرهما: تجب الإعادة؛ لأنه عذر نادر لا يدوم، وإنما يسقط القضاء بالأعذار العامة، والنادرة التي تتّصل وتدوم.
قال الأئمة: والقولان مُخَرَّجَان على القولين فيمن اجتهد في القِبْلَةِ، وصلى ثم تيقن الخطأ، ولذلك يقول بعضهم في المسألة وجهان.
الرابعة: لو أضلّ رحله في الرحال بسبب ظلمة أو غيرها، فإن لم يمعن في الطّلب وجبت الإعادة ولا محالة، وإن أمعن فطريقان: أحدهما: أنه على القولين في إضلال الماء في الرحل.
والثاني: القَطْعُ بنفي الإعادة والفرق من وجهين 45: أحدهما: ما ذكر في الكتاب أن مُخَيَّمَ الرّفْقَةِ أوسع من الرَّحْلِ ورحله أضبط للماء من المخيم للرحل، وإذا كان كذلك كان أبعد عن التّقصير هاهنا.
والثاني.
أن من صلّى في رحله وفيه ماء فقد صلى بالتيمم على الماء، ومن صلّى وقد أضل رحله فقد صلّى وليس معه ماء.
ومنهم من يحكي في المسألة وجهين كما ذكرنا في الصورة السابقة.
وعن الحليمي 46 وجه ثالث أنه لو وجده قريباً منه فيعيد، ولو وجده بعيداً فلا.

الجزء: 1 - الصفحة: 217

وظاهر المذهب نفي الإعادة مطلقاً، ولا ينبغي أن يفهم ذلك من قوله في الكتاب: "وأولى بسقوط القضاء" فإنهم إذا رتَّبوا صورة على صورة في الخلاف ثم قالوا: وأوْلَى بكذا، لا يَعْنُون به سوى رُجْحَان ما وصفوه بالأولويّة بالإضافة إليه في الصورة المرتب عليها، ولا يلزم من كون النّفي أو الإثباب في صورة أرجح منه في صورة أخرى كونه أرجح على مقابله، نعم إذا قيل أولى الوجهين كذا فقضيته رجحان ذلك الوجه كما إذا قيل الأظهر أو الأصح كذا.
قال الغزالي: (الخَامِسُ) المَرَضُ الَّذِي يَخَافُ مِنَ الوُضُوءِ مَعَهُ فَوْتَ الرُّوحِ أو فَوْتَ عُضْو أَوْ مَنْفَعَةِ أَوْ مَرَضاً مَخوُفًا، وَكذَا إنْ لَمْ يَخَف إِلاَّ شِدَّةَ الضَّنَى وَبُطْءَ الْبُرْءِ أَوْ بَقَاءَ شَيْنٍ عَلَى عُضْوٍ ظَاهِرِ عَلَى أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ ضَرَرٌ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ يَتَألَّمُ فِي الحَالِ وَلاَ يَخَافُ عَاقِبَةً لَزَمَهُ الوُضُوءُ.
قال الرافعي: المرض مبيح للتَّيمم في الجملة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ...﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ 47 نقل عن ابن عباس أن المعنى وإن كنتم مرضى فتيَّمموا 48، وإن كنتم على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا 49. ثم هو على ثلاثة أقسام: أولها: المرض الذي يخاف من الوضوء معه فَوْتُ الرُّوحِ، أو فوت عُضْوٍ أو فوت منفعة عضو فيبيح التيمم نقل عن ابن عباس في تفسير الآية إذا كان بالرجل جراحة في سبيل الله، أو قُروح أو جُدَري فَيُجْنِب ويخاف أن يغتسل فيموت يتيمم بالصّعيد 50 وألحق بهذا النّوع ما إذا خاف مرضاً مخوفاً، وكذا لو كان به مرض لا يخاف من اسْتِعْمَال الماء معه التَّلف، لكن يخاف من استعمال الماء معه حدوث المرض المخوف.
وينبغي أن يعلم قوله: "أو مرضاً مخوفاً" بالواو؛ لأن إمام الحرمين حكى فيه عن العراقيين طريقين:

الجزء: 1 - الصفحة: 218

أحدهما: القَطْعُ بجواز التيمم.
والثاني: أن فيه قولين، وقد توجه المنع بالقدرة على استعمال الماء، وقصور الضرر فيه عما تقدم من المضّار، فظاهر المذهب القطع بالجواز، لأنه إذا خاف المرض الذي يخاف منه التّلف فقد خاف التلف، وهذا قضية كلامه في "المختصر"، وهو الَّذِي ذكره المسعودي وغيره في الشروح: على أن في تشبيه الإمام الطريقين في هذه الصورة شبهة قوية فإن الَّذي يلغي في كتبهم حكاية الطريقتين في صورة بُطْءِ البُرْء وأخواتها كما سيأتي، لا في هذه الصورة بل الَّذي يدل عليه كلامهم تجويز التيمُّم هاهنا من غير تردُّد، والله أعلم.
وثانيها: المرض الذي يخاف من استعمال الماء معه شدة الضَّنى أو زيادة العِلَّة أو بطء البرء وبقاء الشّين القَبِيحِ، ولنفصل هذه الصور وأحكامها: أما زيادة العلّة وبطء البُرْءِ فقد حكوا فيهما ثلاثة طرق: أظهرها: أن في جواز التيمم للخوف منها قولين: أحدهما: المنع؛ لأن إباحة التَّيمم لمريض مأخوذة من الآية وقد روينا عن تفسير ابن عباس اعتبار خوف التّلف فيه.
وأظهرهما: الجواز، وبه قال مالك وأبو حنيفة، لأنا لا نوجب شراء الماء بأكثر من ثَمَنِ المِثْلِ لما فيه من الضَّرر، ومعلوم أن الضَّرر هاهنا أشد؛ ولأن ترك الصوم وترك القيام في الصَّلاة لا يعتبر فيه خوف التّلف، بل يلغى فيه هذا النوع من المرض فكذلك هاهنا.
والطريق الثاني: القطع بالجواز وتأويل قول المنع على ما إذا لم يلحقه إلاَّ مُجَرَّد الألم والمشقَّة.
والثالث: القطع بالمنع وتأويل الجواز على ما إذا كان المخوف التَّلف.
فإن قلت: وما الفرق بين زيادة العِلَّة وبطء البرء؟ فالجواب أن المراد من زيادة العلة إفراط الألم وكثرة المقدار وإن لم تمتد المُدَّة، ومن بُطْءِ البرء امتداد المدّة وإن لم يزد القدر ثم قد يجتمع الأمران، وأما شدَّة الضَّنى ففي جواز التيَّمم بها الطريقان الأوليان، والظاهر عود الطريقة الثالثة أيضاً، والمراد من الضَّنى المرض المُدْنف الذي يجعله ضمناً، وكأنه نوع من المرض خاص.
وأما إذا خاف من استعمال الماء بقاء الشين على بدنه فننظر إن خاف شيئاً قبيحاً على عضو ظاهر كالسَّوَاد الكثير في الوجه ففيه ثلاث طرق أيضاً: أحدها: الجزم بالجواز، لأنه يشوِّه الخِلْقَة ويدوم ضرره فأشبه تلف العضو ويحكى ذلك عن ابن سريج والإصطخري.

الجزء: 1 - الصفحة: 219

والثاني: الجزم بالمنع إذ ليس فيه بطلان عضو ولا منفعته وإنما هو فوات جمال.
والثالث: أنه على القولين المقدمين، وإن خاف شيئاً يسيراً كأثر الجُدَرِي والسَّوَاد القليل فلا عبرة به، وكذلك لو خاف شيئاً قبيحاً على غير الأعضاء الظَّاهرة، والمراد من الظاهر ما يبدو عند المهنة غالباً كالوجه واليدين.
وأما تعبيره عن الخلاف في هذه المسائل بالوجهين فإنما اتّبع فيه إمام الحرمين، والمشهور في طرق الأصحاب أن فيها قولين على طريقة إثبات الخلاف كما حكيناه.
وثالثها: المرض الذي لا يخاف من استعمال الماء معه محظوراً في العاقبة، فلا يرخَّص في التّيمم وإن كان يتألم في الحال لجراحة أو حَرٍّ أو بَرْدٍ، لأنه واجد للماء، قادر على استعماله من غير ضرر شديد.
واعلم أن المرض المرخص لا يفترق الحال فيه بين أن يعرف كونه بحيث يرخص بنفسه، وبين أن يخبره طبيب حَاذِقٌ بشرط كونه مسلماً بالغاً عدلاً، وفي وجه يقبل في ذلك خبر الصبي المراهق والفاسق أيضاً، ولا فرق بين الحُرِّ والعَبْدِ، والذكر والأنثى؛ لأن طريقة الخبر وأخبارهم مقبولة ولا يشترط فيه العدد.
وحكى أبو عاصم العبادي 51 فيه وجهين، وهذا كله فيما إذا منعت العقة استعمال الماء أصلاً لعموم العذر جميع موضع الطهارة وضوءًا كان أو غسلاً، فإن تمكَّنت العلة من بعض أعضاء الطَّهارة دون بعض غسل الصحيح بقدر الإمكان، وما الَّذِي يفعل العليل؟ نذكره بعد هذا 52 والله أعلم.
قال الغزالي: (السَّادِسُ) إِلْقَاءُ الجَبِيرَةِ بِانْخِلاعَ العَضْوِ فَيَجِبُ غُسْلُ مَا صَحَّ مِنَ الأَعْضَاءِ وَالمَسْحُ عَلَى الجَبِيرَةِ بِالمَاءِ، وَفي نُزُولهِ مَنْزِلَةَ مَسَحْ الخُفِّ فِي تَقْدِيرِ مُدَّتِهِ وَسقُوطِ الاسْتِيعَابِ وَجْهَانِ، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ مَعَ الغُسْلِ وَالَمسْحِ عَلَى أَظْهَرِ الوَجْهَيْنِ، وَلاَ

الجزء: 1 - الصفحة: 220

يَمْسَحُ الجَبِيرَةَ بِالتُّرَابِ عَلَى الأَصَحِّ لِأَنَّ التُّرَابَ ضَعِيفٌ، وَفِي تَقْدِيمِ الغُسْلِ عَلَى التَّيَمُّمِ ثَلاثَةُ أَوْجُهِ: الأَعْدَلُ هُوَ الثَّالِثُ، وَهُوَ أنَّهُ لاَ يَنْتَقِلُ عن عُضْوٍ مَا لَمْ يَتِمَّ تَطْهِيرُ ذَلِكَ العُضْوِ، فَلَوْ كَانَتِ الجِرَاحَةُ عَلَى يَدِهِ تَيَمَّمَ قبْلَ مَسْحِ الرَّأْسِ.
قال الرافعي: لو جعل المرض سبباً واحداً من أسباب العَجْزِ ثم قسمه إلى ما لا يحوج إلى إلقاء الجَبِيرَةِ ولا لصوق عليه، وإلى ما يحوج إليه وحذف السَّبب السَّادس والسَّابع لكان أحسن وأولى، فإن الانخلاع والجراحة نوعان خاصان من العِلَلِ والأمراض، ولو عددنا كل مرض سبباً على حده لطال الأمر وكثرت الأسباب.
فإن قلت: اسم المرض لا يقع على انْخِلاَعِ العُضْوِ والجراحة.
قلنا: نحن لا نعني بالمرض سوى العلّة العارضة التي يخاف معها من استعمال الماء على أن ابن عباس -رضي الله عنه- فسر المريض بالجريح كما تقدم، فدلّ على أن اسم المرض يقع على الجراحة، ثم الكسر والانخلاع له حالتان: إحداهما: أن يحوج إلى إلقاء الجَبَائِرِ على موضعه وهي الألواح التي تهيأ لذلك.
والئانية: أن لا يحوج إليه، والمعتبر في حاجة الإلقاء أن يخاف شيئاً من المضار السابقة لو لم يلقها عليه.
الحالة الأولى: أن يحتاج إلى إلقائها عليه، والغالب في مثلها أن يكون ذلك المَوْضِع بحيث لا يخاف من إيصَالِ الماء إليه، وإنما يقصد بإلقائها الانْجِبَارُ، فإذا ألقاها على موضع فلا يخلو إما أن يقدر على نزعها عند الطّهارة من غير أنَ يخاف شيئاً من المَضَارِّ السابقة، أو لا يقدر عليه، فإن لم يقدر لم يكلف النزع، ويراعي في الطَّهارة أموراً: أحدها: غسل الصّحيح، وفي وجوبه عليه طريقان: أحدهما: أن فيه قولين، في قول: يجب، وفي قول: لا، بل يكفيه التيمم، وهما عند أصحاب هذا الطريق مخرجان من القولين فيما إذا وجد من الماء ما يكفي لبعض الأعضاء، هل يقتصر على التيمم أم يستعمله مع التَّيمم؟ ووجه الشبه أنه في الصُّورتين تمكن من غسل بعض الأعضاء دون بعض، وغسل البعض لا يكفي مطهراً، والتَّيمم يكفي مطهراً.
والطَّريق الثَّاني -وهو الأصح-: القَطْع بوجوب غسل الصحيح، لأن اعتلال بعض الأعضاء لا يزيد على فقدانه، ولو كان مقطوع بعض الأطراف لم يسقط عنه غسل الباقي فهنا أولى بخلاف ما إذا وجد بعض الماء، فإنَّ الخلل ثم في الآلة التي تتأدَّى بها

الجزء: 1 - الصفحة: 221

العبادة، فأشبه ما إذا وجد بعض الرَّقبَة، فإن قلنا بالصحيح وهو وجوب غسل الصحيح فيجب ذلك بحسب الإمكان حتى لو قدر على غسل ما تحت أطراف الجَبِيْرَةِ من الصَّحيح الذي أخذته الجبيرة، وجب ذلك بأن يضع خِرْقَةً مَبْلُولَةً عليه ويعصرها؛ لتنغسل تلك المواضع بالتَّقَاطُرِ منها.
والثاني: يجب المسح على الجُبَيْرَةِ بِالمَاءِ لما روي "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ عَلِيًّا -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنْ يَمْسَحَ عَلَى الْجَبَائِر" 53 وحكى أبو عبد الله الحناطي قولاً: أنه لا يمسح ويكفيه التَّيمم.
وعن القاضي أبي الطيب أنه قال: عندي يكفيه التَّيمم وغسل الصحيح، والأول هو الصَّحيح المشهور، وعليه تتفرع مسائل: إحداها: إن كان جنباً مسح الجَبِيرَةَ متى شاء، وإن كان محدثاً والجبيرة على بعض أعضاء الوضوء مسحها إذا وصل إلى غسل العضو الذي عليه الجَبِيرَة، فإنَّ التَّرتيبُ رُكْنٌ في الوضوء.
الثانية: هل تتقدّر مدّة هذا المسح فيه وجهان: أحدهما: نعم، لأنه مسح على حائل فأشبه المسح على الخف، فيتقدر في حقِّ المقيم بيوم وليلة وفي حق المسافر بثلاثة أيام ولياليهن.
وأصحهما: وبه قطع الصَّيدلاني.
لا؛ لأن التقدير إنما يعرف بنقل أو توقيف، ولم يرد، بل له الاستدامة إلى الاندمال.
قال إمام الحرمين: وهذا الاختلاف فيما إذا كان 54 يتأتى الرّفع بعد إنقضاء كل يوم وليلة من غير ضرر، فإن لم يمكن فلا خلاف في جواز استدامته، وإن كان يتأتى ذلك في كل طهارة لم يجز المسح ووجب النزع والغسل 55 لا محالة.
الثالثة: هل يجب تعميم الجبيرة بالمسح؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، بل يكفيه 56 ما يقع عليه الإسم؛ لأنه مسح بالماء فأشبه مسح الرأس والخُفّ.

الجزء: 1 - الصفحة: 222

وأصحهما: أنه يجب؛ لأنه مسح أبيح لضرورة العجز عن الأصل، فيجب فيه التَّعْمِيم كالمسح في التَّيمم، بخلاف مسح الخُفِّ، فإنه بني على التَّخفيف والتَّرخُّص، وهاتان المسألتان هما اللَّتان أشار إليهما بقوله: "وفي نزوله منزلة المسح على الخف في تقدير مدة وسقوط الاستيعاب وجهان"، وينبغي أن يكون قوله: "فيجب غسل ما صح من الأعضاء والمسح على الجَبِيرَةِ" معلماً بالواو؛ لما سبق حكايته في الغسل والمسح جميعاً.
والثالث: التَّيمم على الوجه واليدين، وفي وجوبه مع الغسل والمسح طريقان: أظهرهما: أن فيه قولين: أحدهما: لا يجب؛ لأن المسح على الجَبِيرَةِ ناب عما تحتها فلا حاجة إلى بدل آخر كالمسح على الخُفِّ.
وأصحهما: أنه يجب؛ لحديث جابر -رضي الله عنه- في المَشْجُوجِ الذي احتلم واغتسل فدخل الماء شجته ومات أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إنَّما كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ عَلَى رَأسِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ" 57. والطَّريق الثاني: أن ما تحت الجَبِيرَةِ إنْ كان معلوماً بحيث لا يمكن غسله وإن كان بادياً وجب التَّيمم، كالجريح الذي ليس على جرحه شيء، فإنه يتيمم وإن كان يمكن غسله لو كان بادياً فلا حاجة إلى التَّيمم كالمسح على الخُفِّ، واعلم أن المشهور عند أصحاب الطريقة الأولى أن المسألة على قولين وحكوهما جميعاً عن البويطي، ورووا عن "الأم" أنه يتيمم، وعن القديم أنه لا يتيمم، وصاحب الكتاب عبر عن الخلاف بوجهين تقليداً بإمام الحرمين، فإنه كذلك روي فإن قلنا: يتيمَّم تفرع عليه مسألتان: إحداهما: لو كانت الجَبِيْرَة على موضع التيمم فهل يمسح بالتراب في تيممه؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم محاولة لإتمام التيمم بالمسح 58 بالتُّراب كما يحاول إتمام الوضوء بالمسح بالماء.
وأصحهما: لا، لأنَّ التُّراب ضعيف فلا يؤثر من وراء حَائِلٍ، بخلاف الماء فإن تأثيره من وراء الحَائِلِ معهود في المسح على الخُفِّ.

الجزء: 1 - الصفحة: 223

الثانية: هل يجب تقديم غسل الصحيح على التيمم أم لا؟ أما في حق الجنب فوجهان: أحدهما: أنه يجب، لأن الغسل أصل والتَّيمم بَدَلٌ فيقدم الأصل كما إذا وجد من الماء ما لا يكفيه يستعمله ثم يتيمم، وأصحهما أنه يتخيَّرُ إن شاء قدم، وإن شاء أخر؛ لأنه إنَّما يتيمم لما به من العلّة، وهي مستمرة بخلاف تلك المسألة، فإنه إنما يتيمَّم لعدم الماء، فلا بد من استِعْمَال الموجود أولاً ليصير عادماً، وأما المحدث ففيه ثلاثة أوجه أشار إليها في الكتاب: أحدها: يجب تقديم غسل المقدور عليه من أعضاء الوضوء كلها كما ذكرنا في الجنب.
والثَّاني: أنه يتخير إن شاء قدم الغسل، وإن شاء آخره عن التَّيمم، وإن شاء أدخله في خلال المغسول، ولا نظر إلى أن الترتيب مرعي في الوضوء؛ لأنَّ التيمم فرض مستقل بنفسه، والترتيب إنما يراعى في العبادة الواحدة، وهدا اختيار الشيخ أبي علي.
والثالث: وهو الصحيح عند المعظم أن التيمم بدل عن موضع العذر فلا يجوز أن ينتقل عن العضو المعلول قبل أن يتمِّم ولا يجوز أن يقدمه عليه إذا لم يكن المعلول أول أعضاء الوضوء، وذلك لأن الترتيب شرط في الوضوء، فلا يعدل من عضو إلى عضو، ما لم يتم تَطْهِير الأوّل أصلاً، وبدلاً وقول الأوّل: إن التَّيمم فرض مستقلُّ بنفسه ممنوع، بل هو وصف تابع في طهارة المَعْلُول، وكونه مستقلاً في بعض الموانع لا ينافي كونه تابعاً هاهنا، فعلى هذا لو كانت الجَبِيْرَةُ على الوجه وجب تقديم التّيمم على غسل اليدين، ويتخيّر في تقديمه على غسل الصّحيح من الوجه، وتأخيره عنه فإن العضو الواحد لا ترتيب فيه، وإن كانت على اليدين وجب أن يكون التّيمم مؤخراً عن غسل الوجه، مقدّماً على مسح الرَّأس، وعلى هذا القياس، ولو كان له على عضوين فصاعداً جبائر، فَلاَ بُدَّ من تعديد التَّيمم على هذا الوجه الثالث.
نظيره كانت على الوجه جَبيرة، وعلى اليد أخرى يغسل الصحيح من وجهه، ويتيمم للمعلول منه ثم يغسل الصحيح من يديه، ويتيمم للمعلول منهما، ثم يمسح يرأسه، ويغسل رجليه.
وعلى الوجه الأول والثاني يكفي التيمم الواحد، وإن تعدّدت الجراحات.
وإنما يجوز الاقْتِصَار على غسل الصحيح، والمسح على الجَبَائِر مع التيمم أو دونه على الخلاف المتقدم 59 بشرطين:

الجزء: 1 - الصفحة: 224

أحدهما: ألا يأخذ من الصحيح تحت الجَبِيرَةِ إلاَّ القدر الذي لا بد منه للاسْتِمْسَاك.
والثاني: أن يضع الجَبِيرة على طهر، كالخُفِّ لا بُدَّ وأن يلبس على الطهارة، ليجوز المسح عليه، هذا ظاهر المذهب، وفي وجه لا يشترط الوضع على الطَّهارة، ثم ليس معنى اشتراط الطهارة تَعَذُّر المسح أصلاً، ورأساً لو وضع الجبيرة على الحَدَثِ، ولكنَّ المراد أنه يلزم النَّزع وتقديم الطَّهارة إن أمكن النزع، وإلا فيجب القضاء بعد البُرء، وفي سقوط الفرض بالتَّيمم بإلقاء الجَبِيرَة خلاف يأتي ذكره في الباب الثَّالث من الكِتَاب إنْ شاء الله تعالى.
فهذا إذا لم يقدر على نَزْع الجَبِيْرَةِ عند الطَّهَارة، فإن قدر على النَّزع وأحل من غير ضرر فعليه النَّزع عند الطَّهَارة، وغسل ذلك الموضع إن أمكن، والمسح بالتُّراب إن كان على موضع التَّيمم، ولم يمكن الغسل 60. هذا كمال الحالة الأولى، وهي أن يحوجه الكَسْرُ إلى إلقاء الجبيرة عليه.
الحالة الثانية: ألا يحتاج إليه، ويخاف من إيصال الماء إليه، فيغسل الصحيح بقدر الإمكان، ويتلطَّف إذا خاف سَيَلاَن الماء إلى موضع العِلَّةِ بوضع خِرْقَةٍ مبلولة بالقرب منه، ويتحامل عليها لينغسل بالمتقاطر منها ما حَوَالَيْهِ من غير أن يسيل إليه، ويلزمه ذلك، سواء قدر عليه بنفسه، أو بغيره، فإن لم يطعه الغير إلا بأجره لزمته، كالأقْطَعِ الذي يحتاج إلى من يوضِّئه، وهل يحتاج إلى ضم التيمم إليه.
فيه الخلاف الذي قدَّمناه في الحالة الأولى، ولا يجب مسح موضع العِلَّةِ بالماء، وإن كان لا يخاف من المسح، فإن الواجب الغسل، فإذا تعذَّر ذلك فلا فائدة في المسح بخلاف المَسْحِ على الجَبِيْرَةِ، فإنه مسح على حائل كالخُفِّ، وقد ورد الخبر به، هكذا ذكره الأئمَّة -رضي الله عنهم-، وللشَّافعي -رضي الله عنه- نص [مساقه] 61 وجوب = تيمم واحد عن الجميع، لأنه سقط الترتيب لسقوط الغسل، قالوا: ولو عمت الرأس ولم تعم الأعضاء الثلاثة، وجب غسل صحيح الأعضاء، وأربعة تيممات على ما ذكرنا، قال صاحب (البحر) فإذا تيمم في هذه الصورة أربع تيممات وصلى ثم حضرت فريضة أخرى، أعاد التيممات الأربعة فلا يلزمه غسل صحيح الوجه، ويعيد ما بعده، وهذا الذي ذكره في الغسل، فيه خلاف سيأتي قريباً -إن شاء الله-.
قال صاحب البيان: وإذا كانت الجراحة في يديه استحب أن تجعل كل يد كعضو فيغسل وجهه، ثم صحيح اليمنى، وتيمم عن جريحها، ثم يطهر اليسرى غسلاَ وتيمماً، وكذا الرجلان وهذا حسن، لأن تقديم اليمنى سنة، فإذا اقتصر على تيمم فقد طهرهما دفعة -والله أعلم- الروضة (1/ 219 - 220).

الجزء: 1 - الصفحة: 225

المسح، وليس هذا موضع ذكره، وإذا فرعنا على أنه يتيمَّم، فلو كانت العلَّة على محلّ التيمم، أمر التراب على موضعها، فإنه لا ضرر، ولا خوف في إمرار التراب عليه، بخلاف إمرار الماء، وكذا لو كانت للجراحة أفواه مفتحة، وأمكن إمرار التُّراب عليها لزم؛ لأنها صارت ظاهرة 62 فهذا شرح هذا الفصل.
وينبغي أن يعلم قوله: "ثم يتيمَّم مع الغسل، والمسح" بالحاء، لأن أبا حنيفة -رحمه الله- لا يقول بوجوب الغسل على الإطلاق، ولا بوجوب التيمم على الإطلاق، بل قال: إن كان أكثر بدنه صحيحاً اقتصر على غسل الصحيح، وإن كان الأكثر جريحاً اقتصر على التيمم.
قال الغزالي: (السَّابعُ) الجِرَاحَةُ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا لُصُوقٌ فَلاَ يَمْسَحُ عَلَى مَحَلِّ الجُرْحَ وَإِنْ كَانَ فَهِيَ كَالجَبِيرَةِ، وَفِي لُزُومِ إلْقَاءِ اللُّصُوقِ عَنْدَ إمْكَانِهِ تَرَدُّدٌ كَالتَّرَدُّد في لُزُومِ لُبْس الخُفِّ عَلَى مَنْ وَجَدَ مِنَ المَاءِ مَا يَكْفِيهِ لَوْ مَسَحَ عَلَى الخُفِّ.
قال الرافعي: الجراحة قد تحتاج في معالجتها إلى إلصاق لصوق بها من خِرْقة، وقطنة، ونحوهما، كما يحتاج في معالجته الانْخِلاَعَ والانْكِسَارَ إلى إلقاء الجَبَائِرِ، وحكم الجراحة وما عليها من اللُّصُوقِ حكم الانكسار، وما على موضعه من الجبائر فيعود فيه جميع ما سبق، وإذا لم يكن على الجِرَاحَةِ لصوق فلا يجب المسع على محل الجرح كما ذكرنا في الانكسار إذا لم يكن عليه جبيرة، وهل يجب إلقاء اللُّصُوق عليه عند إمكانه، وكذا إلقاء الجَبِيْرَة؟ فيه وجهان: قال الشيخ أبو محمد: يجب؛ لأنه لو ألقى الحائل لمسح عليه بدلاً عن الغسل، فليتسبب إليه تكميلاً للطَّهارة بقدر الإمكان، واستبعد إمام الحرمين ذلك، وقال: إنه لا نظير له في الرُّخَصِ، وليس للقياس مجال فيها، ولو اتَّبَعَ القياس لكان أقرب شيء أن يمسح على محل الجرح عند الإمكان، فإذا لم يَجِبْ ذلك فهذا أولى.
قال: ولم أر القول بالوجوب لأحد من الأصحاب، ثم رتَّب عليه ما إذا كان الشَّخص على طهارة كاملة، وقد أرهقه حدث، ووجد من الماء ما يكفي لوجهه ويديه ورأسه، ويقصر عن رجليه، ولو لبس الخُف لأمكنه أن يمسح على خفيه، فهل يجب عليه أن يلبس الخف، ثم يمسح بعد الحدث عليه؟ قال: قياس ما ذكره شيخي إيجاب ذلك، وهو بعيد عندي والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 226

وإذا عرفت ذلك لم يَخْفَ عليك أن المراد من التردُّد في قول صاحب الكتاب، وفي لزوم إلقاء اللصوق عند إمكانه تردد، وهو الوجهان اللذان حكيناهما، ما صار إليه الشيخ أبو محمد، وما عليه الأكثرون.
وأما ما أشار إليه من التردُّد في مسألة وجوب اللبس، فسياق كلامه يشعر بإثبات وجهين في المسألة، لكن إمام الحرمين لم يذكرهما نَقْلاً عن شيخه، وإنما قال: قياس ما ذكره وجوب اللبس، ولا يصح إثبات الخلاف إذا لم يكن نقل إلا إذا انتفى الفارق، وقد وجد الفرق بين المسألتين، وبينه الإمام فقال: لشيخي أن ينفصل عما ذكرته في المسح على الخف، بأنه رخصة مَحْضَة، فلا يليق بها إيجاب لبس الخف، وما نحن فيه من مسالك الضَّرُوريات، فيجب فيه الإتْيَان بالممكن، وإلقاء خِرْقة يمسح عليها ممكن.
واعلم أن ظاهر المذهب اشتراط الطهارة عند إلقاء الجَبِيرَةِ، واللّصوق ليجوز المسح عليه، كما يشترط ذلك عند لبس الخف، وقد بيناه من قبل، وإذا كان كذلك فمن يقول بوجوب الإلقاء عند الإمكان، يأمر به قبل الحدث ليمسح عليه إذا تَطَهّر بعد الحدث كما في مسألة اللبس، ويضعف المصير إلى الوجوب في الصورتين بشيء، وهو أن الشخص إذا كان متطهِّرًا، فلا يخلو إما أن يكون أدَّى وظيفة الوقت، أو لم يؤدها، فإن لم يؤدها فهو متمكن من أدائها بهذه الطّهارة، فلا يكلف، والحالة هذه بطهارة أخرى، والطَّهارة التي لا يكلف بها لا يكلف بإعداد أسبابها، ألا ترى أنه لا يؤمر بإمساك الماء ليتوضأ به للصّلاة الَّتي لم يدخل وقتها، ولو صبه هزلاً واحتاج إلى الصلاة بالتَّيمم لم يلزمه القضاء، وإن أدَّى وظيفة الوقت فليس عليه طهارة أخرى حتى يدخل وقت الصَّلاة الأخرى، ولا يكلف لإعداد أسباب الطهارة التي لم يلزم بعد.
قال الغزالي: ثمَّ مَهْمَا تَيَمَّمَ لِمَرَضٍ أَوْ جِرَاحَةٍ أَعَادَهُ لِكُلِّ صَلاَةٍ وَلَمْ يَعِدِ الوُضُوءَ وَلاَ المَسْحَ.
قال الرافعي: الأصل في المسألة أن التَّيمم لا يؤدي به فريضتان، بل تفتقر كل فريضة إلى تيمم، وكذلك وضوء المُسْتَحَاضَةِ، وسنذكره في موضعه.
وإذا عرفت ذلك فنقول: من غسل الصحيح، وتيمم لمكان عذر المرض، أو الانْخِلاَعِ، أو الجراحة، إما مع المسح على الحائل، أو دونه إذا لم يكن حائل وصلّى فريضة بطهارته فله أن يصلي بها من النَّوافل ما شاء، ولا بد من إعادة التَّيمم للفريضة الأخرى، وإن لم يحدث، وهل يحتاج إلى إعادة الوضوء مع التيمم المعادِ؟ فيه طريقان: أحدهما: أن فيه قولين، كما لو نزع الماسح على الخُفِّ أو انقضت مدة المسح،

الجزء: 1 - الصفحة: 227

هل يستأنف الوضوء أم يقتصر على غسل الرجلين؟ فيه قولان، ووجه الشبه أن الطَّهارة في الصورتين كملت من جنسين أصل وبدل، فإذا بطل حكم البدل، هل يبطل الأصل حتى يؤمر بالاستئناف فيه خلافه والطريق الثاني: القَطْعُ بنفي الاستئناف؛ لأن التَّيمم طهارة مستقلَّة في الجملة، فلا يلزم بارتفاع حكمها انتقاض طهارة أخرى، وإن كانت بعضاً منها كما في هذه الصورة، كما لو اغتسل الجُنُب، ثم أحدث يلزمه الوضوء، ولا ينتقض غسله، وإن كان أعضاء الوضوء بعض المغسول في الجَنَابَةِ، لأن الوضوء طَهَارَةٌ مستقلّة في الجملة، ويخرج عليه 63 المسح على الخُفِّ، فإنه غير مستقل أصلاً، وهذا الخلاف جار في الجنب إذا غسل الصحيح من بدنه، وتيمم للعليل، وصلى، هل يفتقر للفريضة الثانية إلى استئناف الغسل مع التيمم؟ وإذا فرعنا على الصَّحيح، وهو أنه لا يجب استئناف الوضوء والغسل، فهل يجب إعادة شيء منهما مع التَّيمم؟ أما في الغُسْل فلا، وأما في الوضوء فوجهان: أحدهما: وبه قال ابن الحداد: لا، لأن الوُضُوءَ الكامل لا يجب إعادته لكل فريضة، فكذلك غسل الصحيح الذي هو بعضه، وإنما التَّيمم هو الذي يعاد لكل فريضة.
وأظهرهما: أنه يجب أن يعيد مع التيمم غسل كل عضو يترتب على العضو المجروح رعاية للترتيب، فإنه إذا تيمّم بدلاً عن محلّ العذر، فإذا وجب إعادته خرج ذلك العضو عن أن يكون طهارته تامّة، فإذا أتمَّها 64، وجب إعادة غسل ما بعد ذلك العضو، كما لو أغفل لُمْعَةً من وَجْهِهِ وتنبَّهَ له بعد الفراغ من الوضوء يغسلها، وما بعد الوجه من الأعضاء.
ثم نعود إلى لفظه في الكتاب ونقول، لا يخفى أن قوله: "لم يعد الوضوء 65 لكل صلاة" أراد الفريضة لا مطلق الصَّلاة، وهكذا هو في بعض النّسخ، وينبغي أن يعلم قوله: "لم يعد الوضوء" بالواو لما حكينا من الخلاف، ثم لك أن تقول قوله: "ولم يعد الوضوء"؟ إما أن يعني به أنه لا يعيد الوضوء بكماله، أي لا يستأنف، أو يعني به أنه لا يعيد شيئًا منه.
والأول صحيح، وجواب على الطَّريقة الثانية، إلا أن كلامه في "الوسيط" يبين أنه ما أراده، وإنما أراد المعنى الثَّاني؛ لأنه قال يجب إعادة التّيمم عند كل صلاة، ولا

الجزء: 1 - الصفحة: 228

يجب إعادة الغسل، ولا إعادة مسح الجَبِيْرَةِ، فنفى إعادة مطلق الغسل، لكن إرادة المعنى الثاني لا تحسن من وجهين: أحدهما: أن يكون جواباً بالوجه الأول، الذي ذهب إليه ابن الحداد، وظاهر المذهب إنما هو الثاني.
والثاني: أن الشيخ أبا علي، والمعتبرين، قالوا: الخلاف في أنه هل يعيد شيئاً من الوضوء، أم لا؟ مبني على الخلاف الذي سبق في أن التَّيمم المضموم إلى الوضوء، هل يعتبر فيه التَّرتيب أم لا؟ فإن أوجبنا الترتيب أعاد هاهنا مع التَّيمم، غسل الأعضاء المترتِّبة على العضو المعلول، وإلا فلا، وإذا كان كذلك فصاحب الكتاب قد اختار، ثم وجه اعتبار الترتيب، وعبر عنه بالأعدل فلا يلائمه أن يقول هاهنا لا يعيد شيئاً من الوضوء أصلاً.
والله أعلم.
ولو تطهر المعلول كما ذكرنا، ثم برأ، وهو على طهارته غسل موضع العُذْر جنبًا كان، أو محدثاً، ويغسل المحدث ما بعد العضو المعلول، أيضاً بلا خلاف رعاية للترتيب، وهل يجب استئناف الوضوء والغسل؟ فيه القولان كما في نزع الخف، فلو تحقق الانْدِمَالُ والبُرْءُ بعد الطهارة هو كما لو وجد العادم الماء بعد التَّيمم، فيبطل تيمُّمه، وغسل ذلك الموضع والاستئناف على ما ذكرنا، ولو توهَّمَ الانْدِمَال فرفع اللّصوق فإذا هو لم يندمل، لم يبطل تيمُّمه على أصح الوجهين بخلاف ما إذا توهَّمَ وجود الماء، يبطل تيمُّمه، وإن بان خلاف ما توهمه، لأن توهم الماء يوجب الطَّلب، وتوهم الانْدِمَال لا يوجب (1) البحث والطلب عنه، وإذا وجب الطلب بطل التّيمم، لأن التّيمم طهارة ضرورة، فلا صحة له إلا حيث يتمكن من الصَّلاَة وإذا وجب الطَّلب لم يتمكن من الصَّلاة، وتوقف إمام الحرمين في قول الأصحاب لا يجب الطلب عند توهُّم الانْدِمَال.
قال الغزالي:

الْبَابُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّة التَّيَمُّم

وَلَهُ سَبعَةُ أَركَان: (الرُّكْنُ الأَوَّلُ) نَقْلُ التُّرَابِ إِلَى الوَجْهِ وَاليَدَيْنِ فَلاَ يَكْفِي ضَرْبُ (ح) اليَدِ عَلَى حَجَرٍ صَلْدٍ، ثُمَّ لْيَكُن المَنْقُولُ تُرَابًا طَاهِراً خَالِصًا مُطْلَقاً فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ66

الجزء: 1 - الصفحة: 229

بالأَعْفَرِ وَالأَسْوَدِ وَالأَصْفَرِ وَالأَحْمَرِ وَالأَبْيَضِ وَهُوَ المَأْكُولُ وَالسَّبخ والبَطْحَاءِ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ تُرَابٌ، وَلاَ يَجُوز الزَّرْنيخُ (ح) وَالِجَصُّ (ح) وَالنُّورَةُ (ح) والمَعَادنُ إذْ لاَ يُسَمَّي تُرَابًا وَلاَ يَجْوزُ التُّرَابُ النَّجِسُ وَالمَشُوبُ بِالزَّعْفَرَانِ وَإِنْ كَانَ قَلِيلاً وَلاَ التُّرَابُ المُسْتَعْمَلُ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلاَ يَجُوزُ سُحَاقَةُ الخَزَفِ، وَفِي الطِّينِ المَشْوِيِّ المَأكُولِ تَرَدُّدٌ، وَيَجُوزُ بِالرَّمْلِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ غُبَارٌ.
قال الرافعي: جعل للتيمم سبعة أركان: أحدها: نقل التراب إلى الوجه واليدين، وغرضه في هذا الفصل الكلام في التراب وما يعتبر فيه من الأوصاف، فأما الكلام في النقل وفي الوجه، واليدين، فهو مذكور فيما بعد من الأركان، وجملة ما اعتبره فيما يتيمم به أربعة أمور أن يكون ترابًا طاهراً خالصاً مطلقاً، أما كونه تراباً فلا بد منه، وبه قال أبو يوسف وأحمد؛ فلا يكفي ضرب اليد على حجر صَلْدٍ، لا غبار عليه، خلافاً لأبي حنيفة، ومحمد، حيث قالا: يجوز بكل ما هو من جنس الأرض، كالتراب، والرمل، والحجر، والزَّرْنيخِ، والكُحْلِ، ولا يشترط أن يكون على الحجر المضروب عليه غبار، ولمالك حيث قال: بمثل قولهما، وزاد يجوز بكل متصل بالأرض أيضاً، كالأشجار والزروع لنا قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ 67، عن ابن عمر، وابن عباس 68 -رضي الله عنهما-:"أي تراباً طاهراً" وعن حذيفة -رضي الله عنه- أن النَّبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلاَثٍ، جعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ مَسْجِدًا، وَجُعِلَ تُرَابُهَا طَهُوراً" 69 عدل إلى ذكر التراب بعد ذكر الأرض، ولولا اخْتِصَاص الطَّهورية بالتراب لقال: جعلت لنا الأرض مسجداً وطهوراً، ثم اسم التراب لا يختص ببعض الألوان، والأنواع، ويدخل فيه الأصفر وهو ما لا يخلص بياضه، والأصفر والأسود، ومنه طِيْنُ الدّواة والأحمر، ومنه طين الأرْمني الذي يؤكل تَدَاوِياً، والأبيض ومنه الذي يؤكل سَفَهًا، ويقال: إنه الخراساني، وَالسَّبخ وهو الذي لا ينبت دون الذي يعلوه مِلْحٌ، فإن الملح ليس بتراب، والبَطْحَاءُ وهو التُّراب الليل في سيل الماء، وكل ذلك يقع عليه اسم التراب كما يقع اسم الماء على المِلْحِ،

الجزء: 1 - الصفحة: 230

والعَذْب، والكَدَرِ، والصَفِيِّ، وسائر الأنواع، "وَقَد تَيَمَّمَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِتُرَابِ الْمَدِينَةِ، وَأَرضُها سَبْخَة" 70. وقد روي أن الشَّافعي -رضي الله عنه- قال في بعض المواضع في بيان ما لا يتيمم به: "ولا السَّبخُ ولا البَطْحَاءُ"، وليس ذلك باختلاف قول منه باتفاق الأصحاب، وإنما أراد به ما إذا كانا صَلْبَيْنِ لا غُبَار عليهما، فهما إذًا كالحجر الصّلب، ولو ضرب اليد على ثوب أو جدار، ونحوهما وارتفع غبار كفى فإنَّه تيمّم بالتراب.
وسئل القَاضِي الحُسَيْن 71 عن تراب الأرضة 72، فقال: "ما أخرجته من الخَشَبِ لم يَجُزِ التيمم به، فإنه ليس بتراب، وإن أشبهه، وإن أخرجته من مَدَر جاز، ولا بأس باختلاطه بلعابها كالتُّراب المَعْجُونِ بالخَلِّ إذا جَفَّ يتيمَّم به، ولا يدخل تحت اسم التراب الزَّرْنيخِ، والنّورة، والجصّ، وسائر المعادن، فلا يجوز التَّيمُّم بها، وأغرب أبو

الجزء: 1 - الصفحة: 231

عبد الله الحناطي من أصحابنا، فحكى في جواز التيمم بالذّريرةِ، والنُّورَةِ، والزَّرْنِيخِ، قولين: وكذا في الأَحْجَارِ المدفوقة، والقوارير المَسْحُوقَةِ، وأشباهها، وأما الرَّمْل، فقد حكى عن نصه في "القديم" و"الإملاء" جواز التيمم به، وعن "الأم"، المنع واختلفوا فيه على طريقين: أحدهما: قال صاحب "التلخيص"، أنه على قولين: أحدهما: المنع كالحِجَارَةِ المدفوقة 73. والثَّاني: الجواز، لأنه من جِنْسِ التراب، وعلى طبعه.
والثانية: هي الصحيحة، أنه ليس فيه اختلاف قول، والنَّصَّان محمولان على حالتين إن كان خَشِنًا لا يرتفع منه غبار، لم يكف ضرب اليد عليه، وهو المراد بالمنع، وإن كان يرتفع منه غبار يَعْلَقُ باليد، يجوز التيمم به، فإن ذلك المرتفع غبار، وهو المراد بالجواز، وأما كون المتيمم به طاهراً، فلا بد منه فلا يجوز التَّيمم بالتراب النجس، كما لا يجوز الوضوء بالماء النَّجس، والتُّراب النجس هو الذي أصابه مائع نجس، أما إذا اختلط به جامد نجس كأجْزَاء الرَّوْثِ، فلا مؤثر في أجزائه بالنَّجَاسة، لكن لا يجوز التَّيمم به أيضاً، لأنه إذا استعمله كان الواصل إلى بعض أجزائه تُراباً، وإلى بعضها رَوْثاً، والنجس لا يطهر، ولو تيمَّم بتراب المقابر التي عم فيها النَّبش، وغلب اختلاطُ صَدِيدِ المَوْتَى به، ففي جوازه قولاً 74 تقابل الأصل، والغالب والظاهر 75 كما تقدم.
وإن ضرب يده على ظهر كلب عليه تراب، فإن عرف إلتصاقه به في حالة الجَفَافِ جاز، وإن عرف إلتصاقه به في حال الرُّطُوبَةِ، أو علم أنه أصابه عرق 76، فلا، وإن تردد فيه فعلى القولين 77، وأما كونه خالصاً، فيخرج عن المَشُوب بالزَّعْفَران، والدَّقيق، ونحوهما، فإن كان الخَلِيطُ كَثيراً، لم يَجُزِ التيمم به، بلا خلاف، فإن الخليط الكثير يسلب طهورية الماء، مع قوته، فأولى أن يسلب هاهنا، وإن كان قليلاً فوجهان عن أبي إسحاق، وصاحب "التقريب" أنه لا يضرّ، كما في الماء، إلحاقاً 78 بالمعدوم، وقال الأكثرون أنه يسلب طهوريته كالكثير بخلاف الماء، فإنه لطيف 79 لا يمنعه الخليط عن السَّيلاَنَ، فيزيل جزء الدقيق في صَوْبِ جريانه، ويجري على مَوْضِعِهِ، وليس للتّرَاب

الجزء: 1 - الصفحة: 232

هذه القوة لكثافتِهِ، فالموضع الذي علق به الدقيق لا يصل إليه التراب، ثم بماذا نعتبر القلة والكثرة [ذكر إمام الحرمين أن المرعى أن يطهر الشيء الخليط ويرى فإن طهر لم يجز التيمم به، وإلا فيه الوجهان، ولم أر لغيره تعرضاً لذلك، بل اقتصروا على ذكر القلة والكثرة] 80 ولو اعتبرت الأوصاف الثلاثة كما في الماء لكان مسلكاً وأما كونه مطلقاً فقد قال إمام الحرمين: يتعلق به شيئان.
أحدهما: الكلام في التراب المستعمل، ونحن نذكر حكم المستعمل، ثم تعود إلى ما ذكر من التَّعلق بوصف الأطلاق واختلفوا في أن التراب المستعمل في التيمم، هل يجوز استعماله فيه ثانياً وثالثًا؟ على وجهين: أصحهما: لا كما في الماء؛ لأنه تأدت به العبادة، واستبيح به الصلاة.
والثاني: نعم بخلاف الماء؛ لأنه يرفع الحدث، والتّراب لا يرفع، فلا يتأثر بالأستعمال، ثم الكلام في أن الملتصق من التراب بالوجه واليدين مستعمل حتى لا يجوز على الأصح أن يضرب الإنسان يده على وجه المتيمم ويده ليتيمّم بالغبار المأخوذ منه، وأما المتناثر فهل هو مستعمل حتى يعود فيه الخلاف المذكور؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، لأن التراب كَثِيفٌ إذا علقت منه صفحة بالمَحلِّ، منعت التصاق غيرها به، وإذا لم يلتصق بالمحل فلا يؤثر، ولا يتأثر، بخلاف الماء، فإن صفحاته رقيقة لطيفة، فيلاقى المحل بجميعها.
وأصحهما: أنه مستعمل، كالمُتَقَاطر من الماء، لأن الملتصق والسَّاتر 81 ما دام يمسح بتردّد من الموضع إلى الموضع، وَالفرض يسقط بالجميع، فهذا هو حكم المستعمل، والذي ذكره الإمام من تعلقة بوصف الإطلاق، فليس له وجه بين، لأن التّراب المستعمل موصوف بوصف الإطلاق، كما أنه موصوف بوصف الخَلُوص، وسائر الأوصاف التي هي معتبرة في المتيمم به، ألا ترى أن الإمام الغزالي -قدَّس الله روحه- استثنى الماء المستعمل من الماء المطلق في أول الكتاب، ولولا كون المستعمل مطلقاً لما انتظم الاستثناء، نعم من قال: لا يجوز التيمم بالمستعمل، اعتبر سوى الأوصاف الأربعة شرطاً آخر، وهو أَلاَّ يكون مستعملاً، ومن جوز التيمم به اكتفى بالأوصاف الأربعة، ومعلوم أن هذا الكلام لا اختصاص له بقيد الإطلاق.
الثاني: قال: إن سحَاقَةِ الخَزَفِ أصلها تراب، ولكنها لا تسمى تراباً مطلقاً، فلا يجوز التيمم بها، وتابعه صاحب الكتاب، فجعل وصف الإطلاق احترازًا عن السّحَاقَةِ، وذكره في "الوسيط" ولك أن تقول التراب المطلق وغير المطلق يشتركان في مسمَّى

الجزء: 1 - الصفحة: 233

التّراب، وسحَاقَة الخَزَفِ لا تسمى ترابًا أصلاً، لا مطلقاً، ولا غير مطلق، فهي خارجة عن اسم التراب، ولا حاجة إلى هذا القيد، يوضح ذلك أنه حكى عن نص الشافعي -رضي الله عنه- في الأم أنه قال: إن دق الخزف ناعماً، لم يَجُزِ التَّيمم به، لأن الطَّبخ أحاله عن أن يقع عليه اسم التراب، ولو أحرق التراب حتى صار رماداً، فكذلك لا يجوز التَّيمم ولو شوى الطّين المأكول، وسحقه، ففي جواز التيمم به وجهان: أحدهما: لا يجوز كالخزف والآجِرِ المَسْحُوقَيْنِ.
والثاني: يجوز [وهو الأظهر] 82 لأن اسم التراب لا يبطل بمجرد الشيء، بخلاف طبخ الخَزَفِ والآجر، فإنه يسلب اسم التراب، ويجعله جنساً آخر، ولو أصاب التراب ناراً، فاسود ولم يحرق، بحيث يسمى رَمَاداً، فعلى هذين الوجهين.
ونختم الفصل بالتَّنْصِيصِ على المواضع المستحقّة من لفظ الكتاب المرقوم المشيرة إلى ما حكينا من الاختلافات.
فنقول ينبغي أن يعلم قوله: "فلا يكفي ضرب اليدين على حجر صَلْدٍ" بالحاء والميم، وكذا لفظ: "التراب" في قوله: "ليكن المنقول ترابًا طاهراً" أو قوله: "ولا يجوز الزرنيخ" إلى آخره بهما بالواو، لما رواه الحناطي، وقوله: "وإن كان قليلاً" بالواو [وكذا "سحَاقَةُ الخزف" لما رواه الحناطي، وقوله: "ويجوز بالرَّمل" بالواو.
قال الغزالي: (الثَّاني) القَصْدُ إِلَى الصَّعِيدِ فَلَوْ تَعَرَّضَ لِمَهَابَّ الرِّيَاحِ لَمْ يَكْفِ، وَلَوْ يَمَمَّهُ غَيْرُه بِإِذْنِهِ وَهوَ عَاجِزٌ جَازَ، وَإِنْ كَانَ قَادِراً فَوَجْهَانِ.
قال الرافعي: القصد إلى التراب معتبر، واحتجوا عليه بقّوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا﴾ 83 أمرنا بالتيمم، والمَسْح، والتيمم هو القصد، فلو وقف في مَهَبِّ الريح فسفت عليه التراب فأمر اليد عليه، نظر إن وقف غيرنا، وثم لما حصل التراب عليه نوى التيمم لم يصح تيممه، وإن وقف قاصداً بوقوفه التيمم حتى أصابه التراب فمسحه بيده، فظاهر نص الشّافعي -رضي الله عنه-، وقول أكثر الأصحاب أنه لا يصح تيممه؛ لأنه لم يقصد التراب، وإنما التراب أتاه.
وعن أبي حامد المروروذي 84 -قدس الله روحه- أنه لا يصح، كما لو جلس في

الجزء: 1 - الصفحة: 234

الوضوء تحت المِيْزَابِ، أو برز لِلْمَطَرِ، وذكره صاحب "التقريب"، وبه قال الحليمي، والقاضي أبو الطيب، وحكاه القاضي أبو القاسم بن كج، عن نص الشافعي -رضي الله عنه-، وإذا عرفت ذلك فاعلم أن لفظ الكتاب في المسألة يجوز أن يراد به الصورة الأولى ويجوز أن يراد به الثانية، أو المشترك بينهما، وعلى هذا يكون نفي الجواز جواباً على أظهر الوجهين، والظاهر الاحتمال الثاني؛ لأنه حكى الخلاف في "الوسيط"، ولا خلاف في الصورة الأولى، وإذا كان كذلك فليكن قوله: "لم يكف" مُعْلَمًا بالواو.
ولو يممه 85 غيره نظر إن كان بغير إذنه فهو كالتَّعرض لمهب الريح، وإن كان بإذنه نظر إن كان عاجزاً عن المُبَاشَرَةِ بنفسه لقطع أو مرض جاز، بل يجب عليه ذلك، إذا وجد غيره، وإن كان قادراً فوجهان: قال صاحب "التلخيص": لا يجوز كما في مسألة الريح؛ لأنه مأمور بقصد التراب، ولم يقصد.
والأظهر الجواز إقامة لفعل نائبه مقام فعله، ويحكى ذلك عن نصه في الأم.
قال الغزالي: (الثَّالِثُ) النَّقْلُ فَلَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِهِ ترَابٌ فَرَدَّدَهُ بِالْمَسْحِ لَمْ يَجُزْ إِذْ لاَ نَقْلَ فَإِنْ نَقَلَ مِنْ سَائِرِ أَعْضَائِهِ إِلَى وَجْهِهِ جَازَ، وَإِنْ نَقَلَ مِنْ يَدِهِ إِلَى وَجْهِهِ جَازَ عَلَى الأَصَحِّ، وَلَوْ مَعَكَ وَجْهَهُ فِي التُّرَابِ جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ.
قال الرافعي: نقل التراب الممسوح به إلى العضو ركن في التَّيمم، واحتجوا عليه بأن الله تعالى أمر بالتَّيمم، وهو القصد، وإنَّما يكون قاصداً إذا نقل التراب إلى المحلّ الممسوح، وغير هذا الاستدلال أوضح منه، وجملة المذهب في النقل أن التراب المسوح به 86 إما أن [يكون على العضو] 87 الممسوح، أو يُنْقَل إليه من غيره، فإن كان عليه بأن كانت الريح قد سَفَتْه عليه من غير قصد منه إلى التيمم، أو بسبب آخر فردده عليه من جانب إلى جانب، ومسحه لم يَجُزْ؛ لأنه لم ينقل، ولو أخذ 88 منه ورده إليه ومسحه به جاز على أصح الوجهين؛ لأنه بالانفصال انقطع حكم ذلك العضو عنه، وإن = وثلثمائة.
ذكره الشيخ في طبقاته، والنووي في (تهذيبه) وكذلك ابن الصلاح، إلا أنه لم يؤرخ وفاته، ونبه على أن الشيخ أبا إسحاق جعل عامراً أباه وبشراً جده، قال: والصواب العكس، راجع ترجمته في: طبقات العبادي (76) طبقات الشيرازي (114) العبر (2/ 326) تهذيب الأسماء واللغات (2/ 211) طبقات الأسنوي (8/ 10).

الجزء: 1 - الصفحة: 235

نقله إلى العضو الممسوح من غيره، نظر إن نقله من عضو ليس هو محل التّيمم 89، فيجوز، كما لو نقله من الأرض، أو من بدن غيره، وهذا ما أراد بقوله: "وإن نقله من سائر أعضائه" وإن نقله من يده إلى وجهه أو بالعكس، فوجهان: أحدهما: لا يجوز، لأنه منقول من محل الفرض فأشبه ما لو نقل من أعلى الوجه إلى أسفله، أو من الساعد إلى الكتف.
وأظهرهما: يجوز 90، لأنه منقول من غير العضو الممسوح به فصار كالمنقول من الرَّأسِ والظَّهر، وهذا في غير تُرَاب التَّيمم، فأما لو مسح وجهه بتُرَاب كثير، ثم أخذه ليمسح به اليد زاد النَّظر في استعمال المستعمل وقد سبق ذلك، وَلو تمعَّك في التراب، فوصل إلى وجهه ويديه بهذا الطريق، نظر إن كان معذوراً جاز نص عليه، وإلا فوجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه لم ينقل التراب إلى أعضاء التّيمم إنما نقل العضو إليه، وادعى المسعودي أن هذا ظاهر المذهب.
وأصحهما: عند الأكثرين الجواز، لأن القَصْدَ إلى التراب قد تحقق بهذا الطريق، وهو المطلوب، ولو سَفَتِ الريح تراباً على كمه، فمسح به وجهه جاز على أصح الوجهين، وكذا لو أخذ التّراب من الهواء للمسح 91 حالة إثارة الرِّيح إياه.
قال الغزالي: (الرَّابعُ) أَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ فَلَوْ نُوَي رَفْعَ الحَدَثِ لَمْ يَجُزْ، وَأَكْمَلُهُ أنْ يَنْوِيَ استِبَاحَةَ الفَرْضِ وَالنَّفْلِ جَمِيعًا أَوِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ مُطْلقًا فَتَكْفِيهِ (و) فَلَوْ نَويَ اسْتِبَاحَةَ الفَرْضِ جَازَ النَّقْلَ أَيضًا بالتَّبَعَيِة عَلىَ الصَّحِيحِ، وَلَكِنْ فِي جَوَازِهِ عدَ وَقْتِ تِلْكَ الفَرِيضَةِ أَوْ قَبْلَ فِعْلِهَا خِلاَفٌ مَشْهُورٌ، وَلَوْ نَوَى النَّفْلَ فَفِي جَوَازِ الفَرْضِ بِهِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ مُنِعَ فَفِي جَوَازِ النَّفْلِ وَجْهَانِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ النَّفْلِ كَالتَّابعِ فَلاَ يُفْرَدُ، وَلَوْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ فَرْضَيْنِ صَحَّ تَيَمُّمُهُ لِفَرْضِ وَاحِدٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قال الرافعي: النِّيَّةُ واجبة في التيمُّمِ، قال -صلى الله عليه وسلم-: "لَيْسَ لِلمَرْءِ مِنْ عَمَلِهِ إِلاَّ مَا نَوَاهُ" 92، وقد ذكرناه في صحَّة الوضوء إذا نوى أحد أمور ثلاثة، فبين في التيمُّم حكمها الأول رفع الحدث، وهل يجوز التيمم بهذه النية؟ فيه وجهان:

الجزء: 1 - الصفحة: 236

أحدهما: نعم؛ لأن التَّيمم يرفع الحدث في حقِّ الفريضة الواحدة، والنوافل؛ لأنها مستباحة به، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ صَلاةَ إِلاَّ بِطَهَارَةٍ" 93 ولأن رفع الحدث يتضمن اسْتِبَاحَةَ الصَّلاةَ، فقصد رفع الحدث يتضمن قصد الاستباحة، ويحكى هذا الوجه عن ابن سريح، وجعله ابن خيران قولاً للشافعي -رضي الله عنه-، وأصحهما وهو المذكور في الكتاب، أنه لا يجوز؛ لأن التيمم لا يرفع الحدث، ألا ترى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لعمرو بن العاص وقد تيمم للجنابة من شدة البرد: "يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأصْحَابِكَ، وَأَنْتَ جُنُبٌ، فَقَالَ عَمرُو: إِنِّي سَمِعْتُ الله تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ 94﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ 95 فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وَلَمْ يُنْكِرَ عَلَيْهِ شَيْئاً" 96 سمَّاه جنباً بعد التَّيمُّم؛ ولأنه لو رفع الحدث 97 لما بطل، إلا بعروض الحدث، ولما تأثر برؤية الماء، وإذا لم يرفع الحدث لم يجز التّيمم بصحة بنية رفعه، كما لو قصد شيئاً آخر لا يفيده التّيمم، ولو تيمم الجنب بنية رفع الجنابة، فهو على هذا الخلاف.
الثاني: استباحة الصلاة وغيرها مما لا يباح إلا بالطَّهارة، وإذا تيمم بنية استباحة الصلاة مثلاً، فله أربعة أحوال: أحدها: أن يقصد استباحة نوعيها الفرض والنفل، وأخطرهما بالبال فيصح تيممه، لأنه قد تعرض لمقصود التّيمم، وتباح له الفريضة بهذا التّيمم، وكذلك النافلة قبل الفريضة وبعدها، حكى عن نصه في رواية البويطي، وفي وجه ليس له التنفل بعد خروج وقت الفريضة، وإنما يخرج هذا الوجه إذا كانت الفريضة المَنْوِيِّة معينة، وهل يشترط تعينها بصفاتها أم يكفي نية مطلق الفريضة؟ فيه وجهان: أحدهما: يشترط، ويروى ذلك عن أبي إسحاق وابن أبي هريرة 98، وبه قال أبو القاسم الصيمري، واختاره الشيخ أبو علي؛ لأنه لا بد من نية الفريضة ليستبيحها، فلا بد من تعيُّنِهَا، ألا ترى أن في نيَّةِ الصلاة لما وجب التَّعرض للفريضة وجب تعينها.

الجزء: 1 - الصفحة: 237

وأصحهما: عند الأكثرين أنه لا يشترط؛ لأنه لا يحتاج (في الطهارة) إلى تعيين الحدث الذي ينوي رفعه فكذلك لا يحتاج إلى تعين ما ينوى استباحته، وعلى هذا إذا أطلق صلّى أية فريضة شاء، ولو عين واحدة جاز له أن يصلِّي غيرها.
الحالة الثانية: أن ينوي الفريضة، ولا تخطر له النَّافلة فتباح الفريضة له بشرط التعيين، أو دونه كما سبق، لأنه نَوَاها، وللمرء من عمله ما نواه، وحكم المَنْذُورَةِ حكم المكتوبات الخمس، وإذا استباح الفريضة بهذا التّيمم فهل له أن يتنفَّلَ به قبل فعل الفريضة، فيه قولان: أصحهما: نعم؛ لأن النَّوافل تبع الفرائض، فإذا صلحت طهارته للفريضة التي هي الأصل فللنوافل أولى.
والثاني: لا يجوز، وبه قال مالك؛ لأن النوافل تؤدي بالتيمم تبعاً للفرائض، فإنها طهارة ضرورة، ولا ضرورة في الإتيان بالنَّوافل، والتابع لا يتقدم على المتبوع، وهل ينتفل بعد الفريضة؟ فيه طريقان: أصحهما: القطع أنه ينتفل، لأنه إذا قدم الفريضة فقد حافظ على قضيَّة التَّبعية، وهي تقديم المتبوع وتأخير التَّابع.
والثاني: وهو اختيار القفال، وفيما حكاه الشَّيخ أبو محمد طرد القولين، ووجه المنع أنه لم يَنْوِ غير الفريضة، فلا يباح له غيرها، فإن جوَّزنا له التَّنَفُّلَ بعد الفريضة بذلك ما دام وقت الفريضة باقياً إن عينها، فإذا خرج فهل يَجُوزُ له أن يَتَنَفَّلَ بذلك التيمّم، فيه وجهان: أظهرهما: نعم، لأنه إذا جاز له التنفل وجب ألا يفترق الحال فيه بين ما قبل انقضاء الوقت، وما بعده، كما في الوضوء.
والثاني: لأنقطاع التَّبعية بانقضاء الوقت ومن قال بالطريقة الثانية في أنه هل يتنفل بعد الفريضة وطرد القولين انتظم منه أن يقول إذا تيمم للفرض، فهل له أن يتنفل؟ فيه قولان، إن قلنا: نعم، فذلك بعد فعل الفريضة، وقبل خروج وقته، أما قبل فعله، فهل له ذلك؟ قولان وبعد خروج الوقت وجهان، وكلام صاحب الكتاب إلى هذا الإيراد أقرب، فقوله: "جاز النفل أيضاً بالتبعية على الصحيح" أي من القولين وقوله: "خلاف مشهور" يعني به قولين فيما قبل فعل الفريضة، ووجهين فيما بعد وقتها، وهذا كله فيما إذا لم يقصد عدداً من الفرض، بل قصد نوع الفرض أو فريضة واحدة، أما إذا تيمم لفائتتين، أو منذورتين، فهل يصح تيممه، فيه وجهان: أصحهما: نعم، لأنه نوى للواحدة وزاد فلغت الزيادة وعمل الأصل.

الجزء: 1 - الصفحة: 238

والثاني: لا، لأنه نوى ما لا يباح بالتيمم الواحد ففسدت نيته، وصار كما لو لم ينو أصلاً، وقرب إمام الحرمين الوجهين ههنا من الوجهين فيما إذا نوى المتوضئ استباحة صلاة دون غيرها، لأنه يقتصر النية على الصلاة الواحدة مخالف حكم الوضوء، كما أن المتيمم بنية الزيادة مخالف حكمه، وإذا عين فريضة فيشترط أن تكون عليه حتى لو تيمم لفائته ظنها عليه، ولم تكن عليه فائتة أصلاً، أو تيمم لفائتة ظهر ثم بان أن التي عليه عصر، لم يصح تيممه، لأن استباحة الفريضة لازمة، وإن لم يجب التعيين وإن عين وأخطأ لم يصح كما إذا عين الإمام في الصلاة وأخطأ بخلاف مثله في الوضوء، لأن نية الاستباحة غير لازمة في الوضوء من أصلها، فلا يضر الخطأ فيها كما لو عين المصلى اليوم وأخطأ 99. الحالة الثالثة: أن ينوي النفل، ولم يخطر له الفرض، فهل يباح له الفرض بهذا التيمم؟ فيه قولان: أصحهما: لا، لأن الفرض هو الأصل، والنفل تبع فلا يجعل المتبوع تابعاً.
والثاني: نعم، لأنه نوى بطهارته ما يفتقر إلى الطهارة، فأشبه ما لو توضأ للنافلة، وعن أبي الحسين بن القطان أنه لا يختلف القول في أنه لا يباح الفرض به، فهذا طريق آخر جازم، فإن قلنا: يباح له الفريضة فالنافلة أولى، وإن قلنا: لا تباح الفريضة ففي النافلة وجهان: أصحهما: أنها تباح، لأنه نواها بطهارته، والتيمم صالح للفرض إذا نواه فللنفل أولى.
والثاني: لا يباح، لأن النفل تابع، والتيمم طهارة ضرورة، فلا يجعل مقصداً به، ومن قال بهذا الوجه فقد قال بأن هذا التّيمم لا يصح أصلاً، ولو نوى بتيممه حمل المصحف، أو سجود التلاوة، أو الشكر، أو نوى الجنب الاعتكاف، وقراءة القرآن، فهو كما لو نوى بتيممه صلاة النفل، ففي جواز الفريضة له قولان، وإذا منعنا ففي جواز ما نواه وجهان، ولو تيمم لصلاة الجنازة فهو كما لو تيمم للنافلة على أظهر الوجهين؛ لأنها وإن تعيَّنت عليه فهي كالنَّافلة 100 من حيث إنها لا تنحصر، وهي غير متوجّهة نحوه على التَّعيين، ويتصور سُقُوطها بفعل الغير بخلاف المكتوبات، ولو نوت الحائض استباحة الوطء، صح تيممها على أصح الوجهين؛ لأنه مما يفتقر إلى الطَّهَارة لكنه يكون كالتَّيمم للنَّافلة.

الجزء: 1 - الصفحة: 239

الحالة الرابعة: أن يقصد نفس الصلاة من غير تعرض للفرض والنفل، ففيه وجهان: أحدهما: أنه كما لو نوى الفرض، والنَّفل جميعاً، وهذا هو الذي ذكره في الكتاب، حيث قال: أو استباحة الصَّلاَة مطلقًا فيكفيه، وهو قياس قول الحليمي فيما حكاه أبو الحسن العبادي، وقطع به إمام الحرمين -رحمهم الله-؛ لأن الصَّلاةَ اسم جنس يتناول الفرض والنَّفل جميعاً، فأشبه ما لو تعرَّض لهما في نِيَّتهِ.
والثاني: أنه كما لو نوى النفل وحده؛ لأن مطلق اسم الصَّلاة محمول عليه، والفرض يحتاج إلى تخصيصه بالنية، ألا ترى أنه لو لم تحرم الصلاة مطلقاً انعقدت صلاته نفلاً، وهذا الوجه أظهر، ولم يذكر أصحابنا العراقيون غيره، وهو المنقول عن القَفَّال، فهذا تمام الأحوال الأربع، وهي بأسرها مذكورة في الكتاب 101. الأمر الثالث: لو نوى فريضة التَّيمم، أو إقامة التَّيمم المفروض، ففيه وجهان: أحدهما: يصح تيمّمه كما يصح الوضوء بهذه النّية.
وأصحهما: أنه لا يصح؛ لأن التَّيمم ليس مقصوداً في نفسه، وإنما يؤتى به عن ضرورة، فلا يصلح مقصداً بخلاف الوضوء، ولهذا يستحب تجديد الوضوء دون التّيمم.
واعلم أنه كما لا يجوز أن تتأخر النية في الوضوء عن أول فعل مفروض كذلك لا يجوز في التّيمم 102. وأوّل أفعاله المفروضة نقل التراب، ولو قارنته النّية، وعزبت قبل مسح شيء من الوجه، فهل يجوز؟ وجهان: أحدهما: نعم، كما لو قارنت أول غسل الوجه في الوضوء، وعزبت بعده.
وأظهرهما: وهو الَّذِي ذكره في التَّهذيب، أنه لا يجوز، لأن النَّفل وإن كان واجباً إلا أنه ليس بِرُكْنٍ مقصود في نفسه، بخلاف غسل الوجه في الوضوء، ولو تقدمت النّية على أول فعل مفروض فهو كمثله في الوضوء.
قال الغزالي: (الخَامِسُ) أَنْ يَسْتَوعِبَ (ح) وَجْهَهُ بَالْمَسْحِ وَلاَ يَلْزَمُهُ إِيصالُ التُّرَابِ اِلَى مَنَابِتِ الشُّعُورِ وَإِنْ خَفَّتْ.
قال الرافعي: [قال الله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ 103 104] يجب استيعاب الوجه بالمسح بالتراب خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: يجوز أن يترك من ظاهر الوجه دون الرُّبع، حكاه الصَّيدلاني من أصحابنا وعن أبي الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، أنه إذا مسح أكثر وجهه أَجْزَأَهُ.

الجزء: 1 - الصفحة: 240

لنا ما روي أنه -صلى الله عليه وسلم-: "تَيَمَّمَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ" 105، ومن لم يستوعب صح أن يقال ما مسح وجهه، إنما مسح بعض الوجه، وأيضاً فإنه عضو وهو محل الفرض في الطَّهَارتين يجب استيعابه في الوضوء، فيجب في التَّيمم، ولا يجب إيصال التراب إلى مَنَابتِ الشُّعور خفيفة كانت، أو كثيفة، عامة كانت أو نادرة، كِلِحْيَةِ المرأة؛ لأن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-: "تَيَمَّمَ بِضَرْبَتَيْنِ مَسَحَ بِإِحْدَاهُمَا وَجْهَهُ" 106، وَبالضَّربة الواحدة لا يصل التراب إلى مَنَابِتِ الشّعور.
وفيه وجه أنه يجب إيصال التُّراب إلى ما تحت الشعور [التي يجب إيصال الماء إليها، إعطاء للبدل حكم الأصل، والفرق ظاهر لِعُسْرِ إيصال التراب إلى منابت الشعور] 107 وهل يجب مسح ظاهر المسترسل من اللّحية الخارج عن حد الوجه؟ فيه قولان، كما في الوضوء.
قال الغزالي: (السَّادِسُ) مَسْحُ اليَدَيْنِ اِلَى المِرْفَقَيْنِ (م) فَيَضْرِبُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً لِوَجْهِهِ وَلاَ يَنْزعُ خَاتَمَهُ وَلاَ يُفَرِّجُ أَصَابِعَهُ وَيَنْزغُ وَيُفَرِّجُ فِي الضَّرَبةِ الثَّانِيَةِ وَيمْسَحَ اِلَى المِرْفَقَيْنِ وَلاَ يُغْفِلُ شَيْئاً.
قال الرافعي: يجب استيعاب اليدين إلى المِرْفَقَيْنِ وبالمسح في التَّيمم، كما يجب الاستيعاب بالغسل في الوضوء لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم-: "تَيَمَّمَ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ" 108 والذِّراع اسم لِلسَّاعد إلى المرفق وروى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ، ضَربَةٌ لِلْوَجْهِ،

الجزء: 1 - الصفحة: 241

وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ" 109. وقال مالك وأحمد: يمسح يده إلى الكُوَعَيْنِ، لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لعمار: "يَكْفِيكَ ضَرْبَةٌ لِلوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْكَفَّيْنِ" 110. ونقل مثل هذا عن "القديم" للشافعي -رضي الله عنه- وأنكر الشيخ أبو حامد 111 وطائفة، ذلك، وسواء ثبت أم لا، فالمذهب الأول، واعلم أنه قد تكرر لفظ الضَّرْبَتَيْنِ في الأخبار، فجرى طائفة من الأصحاب على الظاهر وقالوا: لا يجوز أن ينقص منهما، ويجوز أن يزيد فقد لا يتأتى له الاستيعاب بالضربتين.
وقال آخرون: الواجب إيصال التراب إلى الوجه واليدين، سواء كان بضربة، أو أكثر، وهذا أصح، نعم يستحب ألاَّ يزيد، ولا ينقص، وحكى القاضي ابن كج عن بعض أصحابنا أنه يستحب أن يضرب ضربة للوجه، وأخرى لليد اليمنى، وأخرى لليسرى، والمشهور الأول 112 وصورة الضرب غير معيَّنة، بل لو كان التراب ناعماً فوضع اليد عليه وعلق الغُبَار بيده كفى، ثم إذا أخذ التراب بدأ في مسح الوجه بأعلاه، ومسح اليدين بأن يضع أصابع يده اليسرى سوى الإبهام على ظهور الأصابع 113 اليمنى سوى الإبهام، بحيث لا تخرج أَنَامِلُ اليُمْنَى عَنْ مسْبَحَةِ اليُسْرَى، ويمرها على ظهر كفه اليمنى، فإذا بلغت الكُوعَ ضم أطراف أصابعه إلى حرف الذراع، ويمرها إلى المرفق، ثم يدير بطن كفه إلى بَطْنِ الذِّراع، فيمرها عليه، وإبهامه منصوبة، فإذا بلغ الكوع مسح إبهامه ببطنها ظهر إبهامه اليمنى، ثم يضع أصابع اليمنى على اليسرى، فيمسحها كذلك، وهذه الكيفية محبوبة على المشهور، وقد زعم بعضهم أنها منقولة من فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال الصيدلاني: إنها غير واجبة، ولا سنة، وهو قضية كلام أكثر الشَّارحين للمختصر.
قالوا: إنما ذكر الشّافعي -رضي الله عنه- هذه الكيفية رداً على مالك -رضي الله عنه-، حيث قال: بالضَّرْبة الواحدة لا يتأتى المسح إلى المرفقين، وهذا يشعر بأنها غير محبوبة، ولا مقصودة في نفسها، وهل يفرق أصابعه في الضربتين؟.
أما في الثَّانية فنعم، وأما في الأولى فقد روى المازني التَّفريق أيضاً، واختلف

الجزء: 1 - الصفحة: 242

الأصحاب فيه، فغلطه قوم، منهم القفال.
وقالوا: لا يفرق في الضربة الأولى؛ لأنها لمسح الوجه، ولا يمسح الوجه بما بين الأصابع، وما لم يمسح الوجه لا يدخل وقت مسح اليدين، حتى يقدر الاحْتِسَاب به على اليدين، فلا فائدة في التفريق.
وأما في الضربة الثانية دخل وقت مسح اليدين فيفرق حتى يستغنى عن إيصال التُّراب إليها مما على الكَفِّ، وصوّبه آخرون، وقالوا: فائدته زيادة تأثير الضرب في إثارة الغُبَارِ لاختلاف موضع الأصابع إذا كانت مفرقة، وهذا أصح، أما القائلون بالأول اختلفوا في أنه هل يجوز أن يفرق في الضربة الأولى؟.
فقال الأكثرون: نعم إذ ليس فيه إلا حُصُول تراب غير مستعمل بين أصابِعِهِ فإن لم يفرق في الضَّرْبة الثَّانية كفاه هذا التُّراب لها، وإن فرق حصل فوقه تراب آخر غير مستعمل بين أصابعه فيقع المجموع عن الفرض، وقال الأقلون، ومنهم القَفَّال: لا يجوز ذلك، ولا يصح تيمُّمه لو فعل؛ لأن فرض ما بين الأصابع لا يتأتى بالضَّربة الأولى، لوجوب التَّرتيب، وحصول ذلك الغُبَار، ولمنع وصول الثاني ولصوقه بالمحل.
ومن قال بالأول قال: الغبار الأول لا يمنع وصول الثاني، أو لا يمنع الوصول المعتبر، ولهذا لو غشيه غبار في تَقَلُّبهِ في السَّفَرِ، ثم تيمَّم، يصح تيممه، ولا يكلف نفض التراب أولاً، ثم إذا فرق في الضَّربتين وجوزنا ذلك، أو فرق في الضَّربة الثَّانية وحدها، فيستحب تخليل الأصابع بعد مسح اليدين على الهيئة المذكورة احتياطاً، ولو لم يفرق فيهما، أو فرق في الأولى وحدها، وجب التخليل [آخرًا؛ لأن] 114 ما وصل إليه قبل مسح الوجه غير معتد به، ثم يمسح بعد ذلك إحدى الرَّاحلتين بالأخرى، وهو واجب، أو مُسْتَحَبٌّ فيه خلاف مبني على أن فرض الكفين هل يتأتَّى بضربهما على التُّراب، أم لا؟ وفيه وجهان: منهم من قال لا؛ لأنه لو تأدَّى فرضهما حينئذ لما صلح الغبار الحاصل عليهما لموضع آخر؛ لأنه يصير بالانفصال عنه مستعملاً، ومنهم من قال وهو الأصح: نعم؛ لأنه وصل الطّهور إلى محل الطَّهَارة بعد النِّيّة، ودخول وقت طهارة ذلك المحلّ، فعلى هذا المسح آخراً مستحب وعلى الأول 115 هو واجب، هذا ما يتعلّق بهذه الهيئة.
والقدر الواجب إيصال التراب إلى الوجه واليدين، كيف ما كان، ولا يشترط أن يكون المسح باليد؛ بل لو مسح وجهه بِخِرْقَةٍ أو خشبة عليها تراب جاز، ولا يشترط الإمرار على أصح الوجهين كما ذكرنا في مسح الرأس، ولا يشترط أيضاً أَلاَّ يرفع عن العضو الممسوح حتى يستوعبه في أصح الوجهين:

الجزء: 1 - الصفحة: 243

والثَّاني: يشترط؛ لأن التراب الباقي بالفصل يصير مستعملاً، فلا يصح تيمُّمه بالمردود حتى يأخذ ترابًا جديداً، ومن قال بالأول أجاب بأنا إذا قلنا: إن المستعمل هو اللاَّصق بالعضو، والباقي غير مستعمل بحال.
وإن قلنا: إن المتنافر مستعمل قائماً يثبت حكم الاستعمال إذا انفصل بالكلية، وأعرض المتيمم عنه؛ لأن في إيصال التراب إلى الأعضاء عسراً سِيَّماً مع رعاية الاقْتِصَارِ على الضَّرْبَتَيْنِ، فيعذر في رفع اليد وردها، كما يعذر في التَّقَاذُفِ الَّذي يغلب في الماء، ولا يحكم باستعمال المتقاذف -والله أعلم-.
ونعود إلى لفظ الكتاب في نَزْعِ الخَاتِمِ، وَتَفْرِيجِ الأصَابع.
قال: "فيضرب ضربة واحدة لوجهه، ولا ينزع خاتمه، ولا يفرج أصابعه"، وقد يوجد في بعض النسخ: "وينزع خاتمه، ولا يفرج أصابعه"، فعلى الأول المراد أنه لا يجب نَزْعُ الخاتم؛ لأن المقصود من الضربة الأولى مسح الوجه دون اليدين، وقد ذكرنا أن المَسْحَ لو كان بخرقة، ونحوها، جاز فعليه مَسْحُ بعض الوجه بما على الخاتم، وليس المراد أنه لا يجوز النَّزْع 116، فإنه لا صائر إليه ولا وجه له بل يستحبُّ النزع ليكون مسح جميع الوجه باليد اتباعاً للسّنة.
وقوله: "ولا يفرج أصابعه"، يمكن أن يراد به أنه لا يجوز التَّفرِيجُ ذهاباً إلى ما صار إليه القَفَّال، ومن وافقه، لكنه لم يرد ذلك، لأنه نقل كلام القَفَّال في "الوسيط" واستبعده، وإنما أراد أنه لا يجب التَّفريج، وأنه لا يستحب، أو أنه يستحب ألا يفرج، فإن أراد الاحتمال الأول فلا كلام فيه، وإن أراد غيره فليكن مُعْلَمًا بالواو لما ذكرنا من رواية المازني، وتصحيح الأصحاب لها، وبينا أنه ظاهر المذهب، وأما من روى في الكتاب "وينزع خاتمه"، فذلك ظاهر، والمراد الاستحباب على ما سبق.
قال الغزالي: (السَّابعُ) التَّرْتِيبُ كَمَا فِي الوُضُوءِ.
قال الرافعي: التَّرتِيبُ مُعْتَبَرٌ بين الوجه واليدين، كما في الوضوء، وتركه ناسياً حكمه على ما سبق في الوضوء، ولا يشترط الترتيب في أخذ التُّرَاب للعضوين على أصح الوجهين، حتى لو ضرب يديه على الأرض معاً وتمكن من مسح الوجه بيمينه، ومن مسح يمينه بيساره جاز؛ لأن الركن الأصلي هو المسح، وأخذ التراب ونقله وسيلة إليه، فلا يعتبر فيه ترتيب.
"خاتمتان":

الجزء: 1 - الصفحة: 244

إحداهما: قال جماعة من الأصحاب: أركان التَّيمم وفروضه خمسة، وحذفوا الركن الأول والثاني من السَّبعة التي عدها في الكتاب، والذي فعلوه أولى.
أما الركن الأول، فلأنه ما ساقه إلا للكلام في التراب المتيمم به، ولو حسن عد التُراب ركناَ في التَّيمم؛ لحسن عد الماء ركناً في الوضوء، والغسل.
وأما الركن الثاني، فلأن القصد داخل في النفل، فإنه إذا نقل التراب على الوجه الذي سبق، وقد نوى التيمم كان قاصداً إلى التُّراب لا محالة، وحذف بعضهم النفل أيضاً فاقتصر على أربعة والأكثرون عدوه ركناً، وبنوا عليه أنه لو أحدث بعد أخذ التُّرَاب، وقبل أن يمسح به الوجه يبطل ما فعله، وعليه الأخذ ثانياً، كما لو غسل في الوضوء وجهه، ثم أحدث، بخلاف ما إذا أخذ كفاً من الماء، ليغسل بها وجهه، فأحدث، ثم غسل الوجه، جاز؛ لأن القصد إلى الماء، ونقله لا يجب، وقياس ذلك أنه لا يضر عذوب النيّة بعد اقترانها بأخذ التراب، وهو وجه قدمناه.
لكن الأصح أنه لا بد من الاستصحاب إلى مسح بعض الوجه لما سبق، وإذا يممه غيره بإذنه، وهو عاجز أو قادر، وجوزناه، وأحدث أحدهما بعد الضرب، وأْخذ التراب، وقبل المسح، فقد ذكر القاضي في فتاويه أنه لا يضر ذلك؛ لأن الأذن لا يأخذ 117 حتى يبطل بحدثه، وحدث المأذون لا يؤثر في طهارة غيره، وهذا مشكل، بل ينبغي أن يبطل الأخذ بحدث الإذن، كما لو كان يتيمَّم بنفسه، ولهذا لو أحدث بعد مسح الوجه يبطل، ولا نقول إنه لم يمسح حتى يبطل بحدثه، ولو ضرب يده على بَشْرَةِ امرأة أجنبية عليها تراب، فإن كان كثيراً يمنع تلاقي البشرتين فلا بأس، وإن كان قليلاً لا يجوز، لأن اللمس حدث، والحدث إذا قارن فعل الطهارة منع الاعتداد به، وفرق في التَّتمة بين أن يضرب اليد عليها في الضَّرْبَةِ الأولى، أو في الثانية، وقال: الأخذ للوجه صحيح، فإذا ضرب اليد عليها في المرّة الثانية بطل مسح الوجه، لأنه حدث طرأ في أثناء التَّيمم، والأول هو الوجه، فإن النفل من الأركان، فمقارنة الحدث له، كمقارنته لغسل الوجه في الوضوء، وهكذا أطلق القاضي في الفتاوى، وزاد بعضهم في الأركان طلب الماء وليس ذلك من نفس التيمم، فان المريض يتيمم كالمسافر، والطلب مخصوص بالمسافر، وما يختص به بعض المتيممين لا يكون من نفس مطلق التَّيمم.
الثانية: لم يفرد في الكتاب السُّنن بالذكر كما فعل في الوضوء وللتيمم سنن منها ما صار مذكوراً في كيفية مسح الوجه واليدين، ومنها التَّسْمِية، وتقديم اليمنى على اليسرى، ومنها إمرار التُّرَابِ على العضد، ذكره في التَّهذيب وغيره أنه مستحب، ونازع

الجزء: 1 - الصفحة: 245

بعضهم فيه، ومنها المُوَالاَةَ، وفيها قولان، كما في الوضوء، ويعتبر هاهنا مدة الجَفَافِ لو كان المستعمل ماء، هذا إذا اعتبرنا، ثم الجفاف.
وحكى أبو عبد الله الحناطي هاهنا طريقة أخرى جازمة بأنها لا تشترط في التَّيمم.
وذكر القاضي ابن كج طريقة ثالثة جازمة بالاشتراط.
ومنها تخفيف التُّراب المأخوذ إذا كان كثيراً بنفض اليدين.
ومنها أَلاَّ يرفع اليد عن العضو الممسوح حتى يتم مسحه، ومنها إلاَّ يُكَرِّرَ المسح، وفيه وجه ضعيف (1). قال الغزالي:

الْبَابُ الثَّالِثُ فِي أحْكَامِ التَّيَمُّمِ

وَهِيَ ثَلاثَةٌ: (الأَوَّلُ) أنَّهُ يَبْطُلُ بِرُؤْيَةِ المَاءِ قَبْلَ الشُّرُوع فِي الصَّلاَةِ وَلاَ تَبْطُلُ الصَّلاَةُ (ح ز) بَعْدَ الشُّرُوع فِيهَا وَتَبْطُلُ بِظَنِّ وُجُودِ المَاءِ قَبْلَ الشُّرُوعِ وَلَكِنَّ المُصَلِّيَ إِذَا رَأَى المَاءَ، فَالأَوْلَى لَهُ أَنْ يَقْلِبَ فَرْضَهُ نَفْلاً عَلَى وَجْهٍ، وَأَنْ يَسْتَمِرَّ عَلَى وَجْهٍ، وأنْ يَخْرُجُ مِنَ الصَّلاَةِ عَلَى وَجْهٍ لِيُدْرِكَ فَضِيلَةَ الوُضُوءِ، وَفِي وَجْهٍ يَلزَمُهُ المُضِيُّ وَلاَ يَجُوزُ الْخُرُوجُ، وَعَلَى هَذَا لَوْ كانَ فِي نَافِلَةٍ بَطُلَتْ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مَانِعَةٍ مِنَ الخُرُوجِ وَهُوَ بَعِيدٌ، نَعَمْ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَزِيدَ فِي رَكْعَاتِ النَّافِلَةِ فَفِى جَوَازِهِ وَجْهَانِ.
قال الرافعي: ذكرنا أنَّ هذا الباب مسوق لبيان فائدة التَّيمم، وهي التي تباح به، فتكلَّم في ثلاثة أمور: في أنه إلى ما أبيح؟ وفي أنه ماذا يبيح؟ وفي أن ما يبيحه إذا أتى به هل يستغني عن القضاء، أم لا؟.118

الجزء: 1 - الصفحة: 246

أما الأوَّلُ فَلاَ شَكَّ في أن التَّيمم يبطل بعروض الحدث، كالوضوء، ويختصُّ هو بالبطلان بعروض القدرة على استعمال الماء، فجعل كلام الحكم الأول فيه.
واعلم أن التَّيَمُّمَ على قسمين: أحدهما: ما يرخص فيه مع وجدان الماء، كتيمُّم المريض.
والثاني: ما يكون بسبب إِعْوَازِ الماء، أو الحاجة إليه أو الخوف من الاسْتِقَاءِ، وما أشبه ذلك.
فالأول لا يتأثر برؤية الماء، وطلوع الرَّكْبِ بحال.
وأمَّا الثَّاني: فيتأثَرُ بذلك، وجملته أن ننظر إن رأْى الماء خارج الصَّلاَةِ، يبطل تيمُّمه لما روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال لأبي ذَرٍّ -رضي الله عنه-: "إِذَا وَجَدْتَ المَاءَ فَأَمْسِسْهُ جِلْدَكَ" 119، وكذا لو لم يتيقّن الظّفر بالماء، لكن ظنه كما لو طلع عليه ركب، أو أَطْبَقَتْ بِالقُربِ منه غَمَامَةٌ أو توهمه كما إذا تخيَّلَ سَرَاباً ماء؛ لأنه يجب عليه الطَّلب عند حدوث هذه العَوَارِض، وقد ذكرنا أنه إذا وجب الطَّلَبُ بطل التيمم، وإنما يبطل التَّيمم في هذه الصور، بشرط أن لا يقارن هذه العوارض مانع آخر من استعمال الماء، فلو قارنها مانع لم يبطل التَّيمم، [لأنه يجوز التَّيمم] 120 ابتداء، فأولى أن يدفع البطلان دواماً، وذلك كما إذا وجد ماء، وهو محتاج إليه لِسَقْيِهِ أو وجده في قعر بئر، وهو عند العثور عليه عالم بتعذر الاسْتِقَاءِ، أو قال إنسان أودعني فلان ماء، وهو حين يسمع يعرف غيبة المودع، وما أشبه ذلك، وإن أرى الماء في الصَّلاة فلا يخلو إما أن تكون الصلاة مغنية عن القضاء، أو لا تكون فإن لم تكن مغنية عن القضاء كما إذا تيمَّم الحاضر لعدم الماء، وشرع في الصَّلاة، ثم رأى الماء في صلاته، فهل تبطل صلاته وتيممه؟ فيه وجهان: أحدهما: لا، لأنه شرع في الصَّلاة بطهور أمر باستعماله، فيتمها محافظة على حرمتها، ثم يتوضأ ويعيد.
وأصحهما: نعم، لأنَّ الحاضر تلزمه الإعادة إذا وجد الماء بعد الفراغ، فإذا وجده في أثناء الصَّلاة فليشتغل بالإعادة، وإن كانت مغنية عن القضاء، فظاهر المذهب المنصوص أنه لا يبطل تيمُّمه، ولا صلاته وأشار المزني إلى تخريج قول أنهما يبطلان، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد في رواية، وساعد بن سريج المزني على التخريج.

الجزء: 1 - الصفحة: 247

وقال: "المُسْتَحَاضَةُ إذا انقطع دمها في الصلاة تبطل 121 صلاتها"، فليكن المتيمِّم برؤية الماء كذلك؛ لأن الضَّرورة قد ارتفعت في الصُّورَتَيْنِ، وجعل المسألتين 122 على قولين بالنَّقْلِ والتَّخْرِيج، وجه الأول أنه لو طلع عليه رَكْبٌ لا يبطل تيممه، فكذلك إذا رأى الماء وتيقَّن وجوده، لأنهما متلازمان، ألا ترى أنه قبل الشروع يبطل بهما، وبعد الفراغ لا يبطل، لا بهذا ولا بذاك، وأيضاً لما شرع في الصَّلاة فقد تلبَّس بالمقصود، ووجدان الأصْلِ بعد التَّلَبُّسِ بمقصود البدل لا يبطل حكم البدل، كما لو شرع في الصيام، ثم وجد الرَّقَبة، وأيضاً فإنَّ إحْبَاطَ الصَّلاَة عليه أشد ضرراً من تكليفه شراء الماء بالزيادة على ثمن المثل، بقدر يسير، فإذا لم يجب ذلك، فاستعمال الماء هاهنا أولى، ألا يجب لحرمة الصَّلاَةِ.
ووجه الثاني ظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم-: "فَأَمْسِسَّهُ جِلْدَكَ" 123 وأيضاً فإن المعتدَّة بالشُّهور لو حاضت في أثنائها تنتقل إلى الإقراء، فكذلك هاهنا والفرق بين المتيمّم والمُسْتَحَاضَة نذكره في أحكام المستحاضة إن شاء الله تعالى، ويتعلق بالمذهب المنصوص، ويتفرع عليه أمور: أحدها: أنه يستثنى عنه ما لو شرع في الصَّلاة، وهو مسافر، ثم نوى الإقامة فيها بعد وجدان الماء، ففي بطلان صلاته وجهان: أصحُّهما: البطلان تغليباً لحكم الإقامة، وهما كَالوَجْهَيْنِ فيما إذا كان مقيماً، ورأى الماء في صلاته، ولو شرع المسافر في الصَّلاة بالتَّيمم، ونوى القصر، ثم وجد الماء في الصَّلاة، ونوى الإتمام بعده بطلت صلاته أيضاً في أصح الوجهين، لأن تيمَّمه صح لهذه الصلاة المقصورة، وقد التزم الآن زيادة ركعتين.
والثَّاني: لو كان في صلاة فريضة فهل يجوز له أن يخرج منها ليتوضأ؟ فيه ثلاثة أوجه: أظهرهما: نعم، وهل هو أولى؟ فيه وجهان: أظهرهما: نعم، ليخرج من الخلاف فإن من العلماء من حرم عليه الاستمرار، ولأنه لو وجد الرَّقَبَةَ في أثناء الصيام، فالأفضل أن يعدل إلى التَّحْرير، فكذلك هاهنا.
والثاني: الأولى الاستمرار؛ لأن الخروج إبطال للعمل، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعمَالَكُمْ﴾ 124 حكى الوجهين هكذا الشيخ أو حامد، وطبقته وعن الشيخ أبي محمد، والقاضي الحسين أن الخروج المطلق ليس بأولى لا محالة، لكن الخلاف في

الجزء: 1 - الصفحة: 248

أن الأولى أن يقلب فرضه نفلاً ويسلم عن ركعتين أو الأولى أن يتم الفريضة، فمن صائر إلى الأول صيانة للعبادة عن الإبطال، وأداء الفريضة بأكمل الطهارتين، ومن صائر إلى الثَّاني محافظة على حرمة الفريضة.
والوجه الثاني: في أصل المَسْأَلَةِ أنه لا يجوز الإعراض عن الفريضة بحال؛ لأن الإعراض عن الفريضة إبطال للفريضة.
والثالث: ذكره إمام الحرمين أنه يفرق بين أن يضيق الوقت فلا يجوز الخروج؛ لأنه إن لم يكن في الصَّلاة تعيَّن عليه البدار حينئذ، فإذا كان فيها يمتنع الخروج، وإن لم يضيق الوقت فله الخروج؛ لأن الوجوب في أوَّل الوقت موسع والشُّروع لا يلزم شيئاً، وهذا التَّفْصِيلُ عنده لا يختص بالمتيمِّم، بل مُطَّرد في كل مصل 125. الثالث: إذا لم يخرج منها، وأتم الفريضة فكما تمت بطل تيممه وإن كان الماء الذي ظَفَرَ به باقياً بحاله، حتى حكى القاضي الروياني عن والده أنه لا يسلم التَّسليمة الثانية 126. لأن التسليمة الأولى تمَّت الصلاة وبطل التّيمم، وإن لم يكن ذلك الماء باقياً، ولم يعرفه المصلِّي حتى فرغ، فكذلك وإن عرف فواته وهو بعد في الصلاة، فهل يبطل تيممه إذا فرغ؟ وجهان: قال صاحب "التلخيص": يبطل 127 وبه قال الشيخ أبو حامد؛ لأن التيمم يبطل بوجدان الماء، إلا في الصلاة التي هو فيها لحرمتها.
وقال آخرون، منهم القَفَّال: لا يبطل، حتى يجوز له التَّنفل به؛ لأنه حين الفراغ غير واجد للماء، ولا متوهم للوجدان 128. الرَّابع: لو رأى الماء وهو في صلاة نافلة، ففي بطلانها وجهان: أصحهما: لا تبطل كالفريضة.
والثاني: أنها تبطل؛ لأن حرمتها قاصرة عن حرمة الفريضة؛ ألا يرى أنها لا تلزم

الجزء: 1 - الصفحة: 249

بالشُّروع، والفريضة تلزم، وهذا الوجه حكاه إمام الحرمين -قَدَّس الله روحه- عن ابن سريج -رحمه الله- فعلى الأولى الأصح، لو كان قد شرع فيها من غير تعيين عدد في نِيَّته لم يزد على ركعتين نص عليه؛ لأن الأولى في النَّوافل أن تكون مَثْنَى مَثْنَى، فليسلم عن ركعتين، وليصل بالوضوء.
وعن القاضي الحسين أن له أن يَزِيدَ ما شاء، وإن كان قد نوى رَكْعَةً أو ركعتين فلا يزيد على ما نوى؛ لأنَّ الزيادة كافتتاح نافلة بعد وجود الماء، ألا ترى أنه يفتقر الزِّيادة إلى قصد جديد.
وعن القفال: أنه يجوز أن يزيد ما شاء؛ لأن حرمة تلك الصلاة باقية ما لم يسلم، بخلاف ما لو سلم، وأراد افْتِتَاح نافلة أخرى، ولو نوى عدداً فوق الركعتين، ثم رأى الماء، فهل يستوفي ما نواه أم يجب الاقتصار على ركعتين؟ فيه وجهان: أظهرهما: أن له أن يستوفي ما نواه؛ لأن إحرامه انعقد لذلك العدد، فأشبه المكتوبة المقدرة، وعلى هذا ففي جواز الزيادة على المنوي الوجهان المذكوران، في جواز الزيادة على الركعتين إذا نواهما، وأصل هذه المسألة 129 أن المُصَلِّي مستقل من زيادة الركعات، ونقصانها في النَّوافل المطلقة كيف شاء، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى.
فإذا وقفت على ما ذكرنا فعد إلى ألفاظ الكتاب واعلم أن قوله: "أنه يبطل برؤية الماء قبل الشروع في الصَّلاَةِ 130، وإن كان مطلقاً مشروط بشرطين: أحدهما: أن يكون ذلك التَّيمم غير تيمم المريض، ونحوه.
والثاني: اْلا يقارن رؤية الماء مانع، يرخص في ابْتِدَاء التَّيمم على ما بيناهما.
وقوله: "ولا تبطل برؤْية الماء بعد الشُّروع فيها"، مقيد بما إذا كانت الصلاة مغنية عن القضاء، وإلا فهي باطلة على الأصح، ولا بد من اسْتِثْنَاءِ الصورتين المذكورتين من قبل أيضاً.
وقوله: "ولكن المصلّي إذا رأى الماء" لا يتعلق بقوله: "ويبطل بظن وجود الماء قبل الشروع" وإن كان مذكوراً عقيبه؛ بل بقوله: "لا تبطل بعد الشّروع فيها"، والوجوه الثلاثة التي ذكرها في أن الأولى ماذا، كلها مبنية على أنه يجوز له الخروج، وترك الفريضة، والذي يقابله قوله: "وفي وجه يلزمه المضي، ولا يجوز الخروج"، وليس في الجمع بين هاتين العِبَارَتَيْنِ سوى الإيضاح، وقوله: "وعلى هذا لو كان في نافلة بطلت"، لأنها غير مانعة، يعني به أَنَّا إذا قلنا بوجوب المضي في الفريضة، إنَّما نقول به لحرمة الفريضة، وليس لِلنَّافلة حرمة ما نعمة من الخروج، فتبطل.

الجزء: 1 - الصفحة: 250

وقوله: "وهو بعيد" يجوز أن يريد به هذا البِنَاء، ووجه البعد فيه أن قضية وجوب المضي لحرمة الفريضة أن يقول بعدم الوجوب، إذا فقدنا تلك الحرمة فَأمَّا أَنْ نقول بِالبُطْلاَنِ فلم؟ وطريق توجيه البطلان أن يقال: رؤية الماء تقتضي البُطْلاَن مطلقاً، خالفناه في الفريضة لزيادة حرمتها كما أشرنا إليه، لكن صاحب الكتاب لم يرد استبعاد البناء، وإنما أراد استبعاد أصل الوجه، وهو بين من كلامه في "الوسيط"، واستقرب بالإضافة إليه التَّردد في زيادة الرَّكعات.
قال الغزالي: (الثَّانِي) أَنْ لاَ يَجْمَعَ بَيْنَ فَرْضَيْنِ بِتَيَمُّم وَاحِدٍ وَيَجمَعَ بَينَ فَرْضٍ وَنَوَافِلَ وَبَيْنَ فَرْضٍ وَمَنذُورَةٍ إِنْ قُلْنَا: يَسْلُكُ بِهَا مَسْلَكَ جَائِزِ الشَّرْعِ لاَ مَسْلَكَ وَاحِبِهِ، وَبَينَ فَرْضٍ وَرَكْعَتَي الطَّوَافِ إِلاَّ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُمَا فَرِيضَةٌ وَيَجْمَع بَيْنَهمَا وَبَيْنَ الطَّوَافِ بِتيَمُّمٍ وَاحِدٍ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ؛ لأَنَّهُمَا كَالتَّابعِ لَهُ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ فَرِيضَةٍ وَصَلاَةِ جَنَازَةٍ، وَلاَ يَقْعُدُ فِي صَلاَةِ الجَنَازَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ، هَذَا نَصُّهُ وَقِيلَ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، وَقِيلَ: إن تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ فَلَهَا حُكْمُ الْفَرْضِ، وَقِيلَ: لَهَا حُكْمُ النَّفْلِ وَلكِنَّ القُعُودَ لاَ يَحْتَمِلُ مَعَ القُدْرَةِ لأَنَّ القِيَامَ أَظْهَرُ أَرْكَانِهَا.
قال الرافعي: لا يؤدِّي بِالتَّيمم الواحد، ممَّا يتوقَّف على الطَّهارة إلا فريضة واحدة، خلافاً لأبي حنيفة، حيث قال: يؤدي به ما شاء.
وكذلك قال أحمد في رواية، وفي رواية أخرى يتيمَّم لوقت كل صلاة.
لنا ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "مِنَ السُّنَّةِ ألاَّ يُصَلِّي بِالتَّيَمُّم إِلاَّ مَكْتُوبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلأْخْرَى" 131. والسُّنَّةُ في كلام الصَّحابي تنصرف إلى سنَّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 132؛ لأن التَّيمُّم طَهَارة ضرورة، فلا تؤدِّي به فريضتان، ولا فرق

الجزء: 1 - الصفحة: 251

بين أَنْ يَتَّحِدَّ الجنس كصلاتين، أو طوافين، أو يختلف كصلاة، وطواف، ولا فرق في ذلك بين البالغ والصَّبي، وحَكَى القاضي الروياني في الصَّبي هل يجمع بين فريضتين بتيمم واحد؟ وجهين: والصحيح: أنه لا يجمع؛ لأنه وإن لم يكن مكلفاً لكن ما يؤذيه حكمه حكم الفرائض، ألا ترى أنه ينوي بصلاته المفروضة، ولا فرق في المكتوبة بين = كنا لا ننكر أن إطلاق ذلك يصدق مع الواسطة، ولكن العادة أن من له رئيساً معظماً: أمرنا بكذا فإنما يريد أمر رئيسه، ولا يفهم عنه إلا ذلك، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو عظيم الصحابة ومرجعهم، والمشار إليه في أقوالهم وأفعالهم، فتصرف إطلاقاتهم إليه -صلى الله عليه وسلم- وما قيل إن الفاعل إذا حذف احتمل النبي -صلى الله عليه وسلم- وغيره، فلا تثبت شرعاً بالشك، فجوابه أن ظاهر الحال صارف -صلى الله عليه وسلم- كما تقدم تقديره.
وكذلك السنة أصلها في اللغة: الطريقة، ومنه سنن الطريق الذي يمشي فيه، غير أنها في عرف الاستعمال صارت موضوعة لطريقته عليه السلام في الشريعة.
كذا قال القرافي في التنقيح، ومما يؤيد أن ذلك في حكم الرفع في السنة، ما رواه البخاري في صحيحه في حديث ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، في قصته مع الحجاج حين قال له: (إن كنت تريد السنة فهجّر بالصلاة) قال ابن شهاب: فقلت لسالم: أفعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقال: وهل يعنون بذلك إلا سنته -صلى الله عليه وسلم-؟ فنقل سالم وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، وأحد الحفاظ من التابعين عن الصحابة - أنهم إذا أطلقوا السنة، لا يريدون بذلك إلا سنة النبيّ -صلى الله عليه وسلم- ومما يؤيد الرفع في (كنا نؤمر) ما رواه الشيخان عن أبي موسى في قصة استئذانه على عمر، ولفظ البخاري: عن أبي موسى قال: استأذنت على عمر ثلاثاً، فلم يؤذن لي، وكأنه كان مشغولاً فرجعت، ففرغ عمر فقال: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس؟ إيذنوا له! قيل: قد رجع! فدعاني، فقلت: (كنا نؤمر بذلك) فقال: تأتيني على ذلك بالبينة، فانطلقت إلى مجلس الأنصار فسألتهم، فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلا أصغرنا أبو سعيد الخدري، فذهبت بأبي سعيد الخدري فقال عمر: أضفي على هذا من أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ ألهاني الصفق بالأسواق؟ يعني الخروج إلى التجارة - زاد مالك في الموطأ (فقال عمر لأبي موسى: أما إني لم أنهمك، ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال الشراح: وحينئذ فلا دلالة في طلبه البينة، على أنه لا يحتج بخبر الواحد، بل أراد سد الباب خوفاً من غير أبي موسى، أن يختلق كذباً على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند الرغبة والرهبة، وقالوا في الحديث: إن قول الصحابي (كنا نؤمر بكذا) له حكم الرفع.
قال الحافظ في شرح النخبة: وأما قول بعضهم: إن كان مرفوعاً فلم لا يقولن فيه: قال رسول الله؟ فجوابه: أنهم تركوا الجزم بذلك تورعاً واحتياطاً.
ومن هذا قول أبي قلابة عن أنس: من السنة إذا تزوج البكر على الثيب، أقام عندها سبعاً، أخرجاه.
قال أبو قلابة: لو شئت لقلت: إن أنساً رفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أي لو قلت: لم أكذب، لأن قوله: من السنة هذا معناه، لكن إيراده بالصيغة التي ذكرها الصحابي أولى.
انتهى.
أقول: قوله: تورعاً واحتياطاً، هذا يظهر في بعض الوجوه، ومنه ما ذكره وأحسن منه أن يقال: إن قولهم من السنة، أو كنا نؤمر، ونحوهما، هو من التفنن في تبليغ الهدى النبوي، لا سيما وقد يكون الحكم الذي قيل فيه: أمرنا، أو من السنة من سنن الأفعال لا الأقوال، وقد يقولون ذلك إيجازاً، أو لضيق المقام، وكثيرًا ما يجب العالم عن المسائل التي يعلم حديثها المرفوع، ويحفظه بحروفه بقوله: من السنة كذا، لما ذكرنا من الوجوه ولغيرها، وهو ظاهر.
انظر قواعد التحديث (144 - 146).

الجزء: 1 - الصفحة: 252

الفائتة والمؤداة.
وأغرب أبو عبد الله الحناطي فحكى وجهاً أنه يجوز الجمع بين الفوائت، وبين المؤداة، ويجوز أن يجمع المتيمِّم بين فريضة ونوافل، لأن النَّوافل مما لا يمكن المنع منها، وفي تجديد التّيمم لكل واحدة منها حرج عظيم؛ لأنها لا تَنْضبط، وأيضاً فهي إتباع للفرائض بخلاف الفرائض بعضها مع بعض، ثم في الفصل مسائل: إحداها: هل يجمع بين مكتوبة ومنذورة؟ فيه وجهان، وربما قيل قولان: أصحهما: لا؛ لأنها مفروضة متعينة 133 على النَّاذر فأشبهت المكتوبة.
والثاني: نعم؛ لأنها وجبت بعارض، فلا يلحق بالمفروض الأصلي، وهذا الخلاف مبني على أصل [في النَّذْر، وهو أنه يسلك بالمنذور] 134 مسلك واجب الشرع، أو مسلك جائزه وهو أقل ما يتقرب به، وفيه وجهان: فإذا نذر هَدْيًا حمل في قول على شيء من النّعم؛ لأنه الهدى الواجب شرعاً، وعلى قول له أن يقتصر على دَجَاجة وقطعة لحم؛ لأن ذلك مما يتقرب به، وإذا قلنا بهذا القول فيعطى المنذور حكم القُربات التي لا تجب حتى يجوز القعود في الصَّلاة مع القدرة على القيام، ويجوز أداؤها على الرَّاحلة، وإذا قلنا: بالأول لا يجوز، وقول الأصحاب يسلك به مسلك جائز الشرع أي في الأحكام مع وجوب الأصل، وعنوا بجائز الشرع هاهنا القُرْبَاتِ التي جوز تركها، ويجري الخلاف فيما لو جمع بين منذورين.
الثانية: في وجوب ركعتي الطَّواف، قولان يذكران في موضعهما: فإن لم نوجبهما فلا يخفى جواز الجمع بينهما، وبين الطَّواف، وبينهما وبين مكتوبة، وإن أوجبناهما ففي الجمع بينهما وبين الطّواف، وجهان: أحدهما: ويحكى عن ابن سريج: أنه يجوز؛ لأنهما تابعتان للطَّواف، أو كالجزء منه، بمثابة بعض الأشواط.
وأصحهما: أنه لا يجوز؛ لأن ركعتي الطَّواف عبادة مستقلّة، ولهذا تحتاج إلى نيّة مفردة بخلاف بعض الأشواط، والخلاف في الوجوب مخصوص بركعتي طواف الفرض، أما ركعتا طواف التَّطوع فتطوع، ومنهم من أجرى القولين في ركعتي طواف التَّطوع أيضاً.
وقال: اتفاق الفرض والنَّفل في الشرائط لا ينكر، ألا ترى أن صلاة الفرض والنفل يستويان في اعتبار الطَّهارة وستر العورة، فعلى هذا لو صلّى فريضة بتيمّم، وطاف تطوعاً، هل له أن يصلي به ركعتي الطواف؟ فيه وجهان؛ وفي جواز الجمع بين

الجزء: 1 - الصفحة: 253

الخطبة وصلاة الجمعة بالتَّيمم الواحد وجهان، كالوجهين في الجمع بين الطواف الواجب وركعتيه إذا أوجبناهما؛ لأن الخطبة تابعة للصَّلاة، كالرَّكعتين للطواف، وهذا على قولنا تشترط طهارة الحدث في الخطبة الثالثة، نص في المختصر أنه يجمع بين فريضة وصلاة جنازة، وفي موضع آخر أنه لا يقعد فيها مع القُدْرَةِ على القيام، وأنها لا تؤدى على الرَّاحلة، فهذا يقتضي إلحاقها بالفرائض، والأول يقتضي إِلْحَاقَهَا بالنَّوافل، واختلفوا فيه على ثلاثة طرق: أحدها: أن المسألتين على قولين نقلاً وتخريجاً.
أحدهما: أنها مُلحَقَةٌ بالفرائض، فلا يجوز الجمع، ولا القعود ولا على الراحلة؛ لأنها فرض في الجملة، والفرض بالفرض أشبه منه بالنّفل، وإن اختلفت كيفية الافتراض.
والثاني: أنها ملحقة بالنَّوَافل، فيجوز فعلها على الراحلة، والجمع والقعود؛ لأن فروض 135 الكفايات كالنَّوَافل في جواز التَّرك، وعدم الانحصار.
والطريق الثاني: تنزيل النَّصَّيْنِ على حالتين حيث قال: "يجمع" أراد ما إذا لم يتعيّن عليه، وفي هذه الحالة [له أن يقعد ويؤديها على الرّاحلة، وحيث قاتل: لا يقعد أراد ما إذا تعيَّنت عليه بأن لم يحضر غيره، وفي هذه الحالة] 136 لا يجمع.
والثالث: أن حكمها حكم النَّفْل على الإطلاق إلا أنه لا يسامح بالقعود فيها؛ لأن قوامها بالقيام، إذ ليس فيها ركوع ولا سجود، فإذا قعد فيها بطلت صورتها بالكليَّة، فلا تلحق في هذا الحكم بالنَّوَافل، وهذا تقرير النصين.
وظاهر المذهب جواز الجمع بكل حال، ولو جمع بين صَلاتَي جنازة بتيمُّم واحد ففيه هذا الخلاف، ولو أراد أن يصلي على جنازتين صلاة واحدة، فقد قال بعضهم يبنى ذلك على الخلاف، إن اعتبرنا لكل صلاة تيمماً لم يَجُزْ ذلك، وإلا فيجوز.
وقال صاحب "المعتمد": ينبغي أن يجوز ذلك بكل حال؛ لأنه إذا جاز سقوط الفرضين بصلاة واحدة، جاز الاقتصار على التيمم الواحد.
قال الغزالي: وَمَنْ نَسِيَ صَلاةً مِنْ خَمْسِ صَلَوَاتٍ يُصَلِّي خَمْسَ صَلَوَاتِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ نَسِيَ صَلاَتيْنِ، فَإِنْ شَاءَ صَلَّى خَمْسَ صَلَوَاتِ بِخَمْسِ تَيَمُّمَاتٍ، وإنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَى تَيَمُّمَيْنِ وَأَدَّى بِالتَّيَمُّمِ الأَوَّلِ الأَرْبَعَةَ الأُولَى مِنَ الخَمْسَةِ وَبِالثَّانِي الأرْبَعَةَ الأخِيرَةَ مِنَ الخَمْسَةِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 254

قال الرافعي: إذا نسي صلاة من صلوات نظر إن كانت متفقة كما إذا نَسِيَ ظهراً من إسبوع فلا يلزمه إلا ظهر واحدة، ولا أثر للتردُّد في اليوم الذي فاتت منه، ولا يخفى أن يفردها بتيمم، وإن لم تكن متّفقة كما إذا نسي صلاةً من الصَّلَوَات الخمس فيلزمه أن يأتي بالخمس ليخرج عن العهدة بيقين، وعن المزني: أنه يكفيه أربع ركعات، يَنْوِي فيها فائِتَته، ويجلس في الثَّلاث الأخيرة، ويسجد للسهو ويسلم.
وهل يكفيه تيمُّم [واحد للجميع أم يفتقر لكل واحدة إلى تيمم 137؟] فيه وجهان: أحدهما: ويحكى أن ابن 138 سريج: أنه يفتقر لكل صلاة إلى تيمم؛ لأن كل واحدة منها واجبة عليه بعينها فأشبهت الفَائِتَتَيْن، وهذا اختيار الخضري وأصحهما، وهو المذكور في الكتاب، وبه قال ابن القاصّ 139، وابن الحدّاد أنه يكفيه تيمّم واحد للجميع، لأنها وإن كانت واجبة الفعل، فالمقصود منها واحدة، وما عداها كالوسيلة إليها.
قال الشيخ أبو علي: الوجهان مبنيان على أنه لا يجب تعيين الفريضة المقصودة بالتيمم، فإن أوجبنا التَّعْيين، وجب لكل واحدة تيمم لا محالة 140 ولك أن تقول إنَّما يجب التَّعْيين إذا كانت الفَرِيضةُ مُعَيَّنَة معلومة فأما إذا لم تكن، فيجوز أن يقال: ينوي بتيمُّمهِ ما عليه، ويحتمل منه التردُّد والإبهام، كما يحتمل في كل واحدة من الصَّلَوات، ينوي أنها فائتته، وهو متردد في ذلك، ويجوز أن يعلم قوله: "يصلي خمس صلوات" بالزاي؛ لأن عنده يكفيه صلاة واحدة بالضفة التي تقدمت.
وإن نسي صلاتين من صلوات، نظر إن كانتا مختلفتين، وهي الحالة المرادة في مسألة الكتاب، كما إذا نسي صلاتين من الوَظَائِفِ الخمس، فيجب الإتيان بالخمس لا محالة، وحكم التيمم يبنى

الجزء: 1 - الصفحة: 255

على ما إذا كانت المَنْسِيَّةُ واحدة.
فإن قلنا: يجب ثم خمس تيممات فكذلك هاهنا.
وإن قلنا: ثم يكفي تيمم واحد، فما الَّذي يفعل هاهنا.
قال ابن القاص: يتيمَّم لكل واحدة منها، ويقتصر عليها.
وقال ابن الحداد: يقتصر على تيممين ويزيد في عدد الصلوات فيصلي بالتيمم الأول الفجر والظهر والعصر والمغرب، وبالثاني الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فيخرج عن العهدة بيقين؛ لأنه صلّى الظهر والعصر والمغرب مرتين بتيممين، فإن كانت الفائتتان من هذه الثلاث فقد تأدت كل واحدة بتيمم، وإن كانت الفائتتان الفجر والعشاء، فقد تأدّت الفجر بالتيمم الأول، والعشاء بالثاني، وإن كانت الفائتتين إحدى الثلاث، وأخرى الفجر والعشاء، فكذلك ولا شك أن ما ذكره ابن القاص جائز عند ابن الحداد، فيخرج عن العهدة.
والذي ذكره ابن الحداد هل يجوز عند ابن القاص، ظاهر كلامه في "التلخيص" أنه لا يجوز.
وقال الصيدلاني وغيره من الأئمة: لا خلاف بينهما، وكل واحد منهما يجيز ما قاله الآخر، فإن كان الأول التقى كلام ابن القاص، والخضري في هذه الصورة ونظائرها، وإذا كان الثاني انتظم أن يقال: هو مُخَيَّرٌ إن شاء فعل ذلك، وإن شاء فعل هذا، كما ذكره في الكتاب، ويجوز أن يعلم قوله: "إن شاء"، "وإن شاء" بالواو، لظاهر كلامه في التَّلْخِيصِ، وبالزَّاي؛ لأن قياس قوله: "أن لا يلزمه واحد من الأمرين، بل يكفيه صلاتان كما ذكرنا بتيمُّمين، وحكى وجه آخر أنه يتيمم مرتين، ويصلي بكل واحد منهم الصلوات الخمس؛ لأنه للفائتة الواحدة يقضي الخمس بتيمم فَلِلْفَائِتَتَيْنِ يلزمه ضعف ذلك، وهذا أبعد الوجوه عند مشايخ الأصحاب من جهة أنه إذا صلى الأربع بالتيم الأول، فقد علم سقوط إحدى الفَائِتَتَيْنِ عنه، ففعل الخامسة عبث لأنه لا يتأدَّى فرضان بتيمُّم واحد، والمستحسن عندهم ما ذكره ابن الحداد، ولا بد فيه من زيادة في عدد الصَّلَوات، فيجب معرفة ضابط القدر الزّائد، وما يشترط في كيفية أدائها ليخرج عن العهدة، أما الضّابط فهو أن يزيد في عدد المنسي فيه عدداً لا ينقص عما يبقى من المنسي فيه بعد إسقاط المنسي، وينقسم المجموع صحيحاً على المنسي بيانه في الصُّورَةِ المذكورة المنسي صلاتان، والمنسي فيه خمس يزيد عليه ثلاثة؛ لأنها لا تنقص عما يبقى من الخمسة بعد إسقاط الاثنين، بل يساويه، والمجموع هو ثمانية، ينقسم على الاثنين صحيحاً، ولو أنه أتى بعشر صلوات يجزئه عما ذكرنا في الوجه الآخر، لأنه زاد ما لا ينقص عن الباقي من المنسي فيه بعد إسقاط المنسي، وينقسم مع الأصل صحيحاً عليه، وأول عدد يزيد عليه ووجد فيه الوصفان المذكوران حصل به الفرض، فإن تكلف عليه زيادة، فاولى أن يجزئه، وأما ما يشترط في كيفية الأداء، فإنه يبتدئ من المنسي

الجزء: 1 - الصفحة: 256

فيه بأية صلاة شاء، ويصلّي بكل تيمم ما تقتضيه القسمة، لكن شرط خروجه عن العهدة بالعدد المذكور أن يترك في كل مرة ما ابتدأ به في المرة التي قبلها، ويأتي في المرة الأخيرة بما بقي من الصَّلَوَات، فلو صلَّى في المثال الذي سبق بالتيمم الأول الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وبالثاني الصبح، والظهر، والعصر، والمغرب، فقد أخل بهذا الشرط إذا لم يترك في المرّة الثانية ما ابتدأ به في المرة الأولى، وإنما ترك ما ختم به في المرّة الأولى فلا يخرج عن العهدة، لجواز أن يكون ما عليه الظّهر، أو العصر، أو المغرب مع العشاء، فبالتيمم الأول صحّت تلك الصلاة، ولم تصح العشاء، وبالتيمم الثاني لم يُصَلِّ العشاء، فلو صلى العشاء بعد ذلك بالتيمم الثاني، خرج عن العهدة، وقد أشار إلى هذا الشَّرط في الكتاب بقوله: "وأدى بالأول الأربع الأولى من الخمس، وبالثاني الأربع الأخيرة".
ولو نسي ثلاث صلوات من صلوات يوم وليلة، ولم يعرف عينها فعلى طريقة صاحب "التلخيص" يتيمم خمس تيمُّمات، ويصلِّي الخمس، وعلى الوجه الآخر يتيمم ثلاث مرات، ويصلي بكل واحدة منها الخمس، وعلى قول ابن الحداد يقتصر على ثلاث تيممات، ويزيد في عدد الصلوات فيضم إلى الخمس أربعاّ؛ لأن الأربعة لا تنقص عما يبقى من الخمسة بعد إسقاط الثلاثة، بل يزيد عليه، وينقسم المجموع، وهو تسعة صحيحاً على الثلاثة، ولو ضممنا إلى الخمسة اثنين، أو ثلاثة، لما انقسم، ثم يصلّي بالتيمُّم الأوّل الصبح، والظهر، والعصر، وبالثَّاني الظهر، والعصر، والمغرب، وبالثالث العصر، والمغرب، والعشاء، وله غير هذا الترتيب إذا حافظ على الشَّرط المذكور، فلو أَخَلَّ به كما إذا صلّى بالتّيمم الأول العصر، ثم الظهر، ثم الصبح، وبالثاني المغرب، ثم العصر، ثم الظهر، وبالثالث العشاء، ثم المغرب، ثم العصر، لم يخرج عن العهدة، لجواز أن يكون التي عليه الصّبح، والعشاء، وثالثهما الظهر، أو العصر، فيتأدَّى بالتيمُّم الأول الظهر، أو العصر، ويتأدى بالثالث العشاء، ويبقى الصبح عليه فيحتاج إلى تيمم رابع للصبح، وقس على هذا نظائره، هذا كله فيما إذا نسي صلاتين مختلفتين، أو أكثر.
أما إذا نسي صلاتين متفقتين من صلوات يومين فصاعداً، فعليه أن يأتي بعشر صلوات صبحين، وظهرين، وعصرين، ومغربين، وعشائين، ليخرج عن العهدة بيقين، ويجب لها عشر تيمُّمَات على الوجه المنسوب إلى الخضري، وعند معظم الأصحاب يكفيه تيممان يصلي بكل واحد منهما الصلوات الخمس، ولا يكني هاهنا ثمان صلوات بتيممين، بخلاف ما إذا كانتا مختلفتين؛ لأنه إذا فعل ذلك لم يأت بالصُّبح إلا مرة واحدة بالتَّيمم الأوَّل، ولا بالعشاء إلا مرة واحدة بالتيمم الثَّاني، ويجوز أن يكون ما عليه صبحين أو عشائين، ولو لم يعلم أن فَائِتَتَيْهِ متِّفِقَتَان، أو مختلفتان أخذ بالأسوأ، وهو أن تكونا متفقتين، فيحتاج إلى عشر صلوات بتيممين، ولا يكفيه الاقتصار على

الجزء: 1 - الصفحة: 257

الثمان، والوجه الذي هو اختيار الخضري لا يخفى -والله أعلم-.
وإن اشتبه الحال على حاج، فلم يدر أترك صلاة فرض أم طواف فرض، أتى بالطَّواف وبالصلوات الخمس بتيمُّم واحد، وعلى وجه الخضري يحتاج إلى ستة تيمُّمات، ولو صلّى منفرداً بتيمم، ثم أدرك جماعة، وأراد إعادتها معهم فإن قلنا: المعادة سنة له أن يعيدها بذلك التّيمم، وإن قلنا: الفرض أحدهما لا بعينه، فهل يجوز فعله بذلك التيمم؟ فيه وجهان، كالوجهين فيما إذا نسي صلاة من الخمس، هل يكفيه لها تيمم واحد؟ والصحيح أنه يَكْفِي ولو صلى الفرض بالتيمم على وجه يحتاج إلى قضائه، كالمربوط على الخشبة، ونحوه، وأراد القضاء بالتيمم فينبني على أن الفرض المعاد، أو الأول أو كلاهما أو أحدهما لا بعينه إن قلنا: الفرض المعاد أو كلاهما افتقر إلى تيمم آخر، وإن قلنا: الفرض الأول، فلا حاجة إلى إعادة التّيمم، وإن قلنا: الفرض أحدهما لا بعينه، فهو على الوجهين السابقين.
قال الغزالي: وَكَذَلِكَ لاَ يَتَيَمَّمُ لِفَرِيضَةٍ قَبْلَ دُخُولِ (ح) وَقْتِهَا، وَوَقْتُ صَلاَةِ الخُسُوفِ بِالخُسُوفِ، وَوَقْتُ الاسْتِسْقَاءِ بِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِي الصَّحْرَاءِ، وَوَقْتُ صَلاَةِ المَيِّتِ بِغُسْلِ المَيِّتِ وَالفَائِتَةِ بِتذكّرِها، وَالنَّوافِل الرَّوَاتِبُ لاَ يَتَأَقَّتُ تَيَمَمُّهَا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنَ، وَلَوْ تَيَمَّمَ لِفَائِتَةٍ ضَحْوَةَ النَّهَارِ فَلَم يُؤَدِّ بِهِ إِلاَّ ظُهْراً بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى الأَصَحِّ، وَكَذَا لَوْ تَيَمَّمَ لِلظُّهرِ ثُم تَذَكَّرَ فَائِتَةً فَأَدَّاهَا بِهِ جَازَ عَلَى الأَصَحَّ، وَلَوْ تَيَمَّمَ لِنَافِلَةٍ ضَحْوَةَ وَقُلْنَا: يُسْتَبَاحُ بِهِ الفَرِيضَةُ فَأَدَّى الظُّهْرِ بِهِ فَعَلَى هَذَا الْخِلاَفُ.
قال الرافعي: لا يتيمَّم لصلاة قبل دخول وقتها خلافاً لأبي حنيفة، لنا أنه طهارة ضرورة، ولا ضرورة قبل دخول الوقت، فلو تيمّم لفريضة قبل دخول وقتها لم يصح للفرض، وهل يصح للنَّفل؟ حكى بعضهم فيه وجهين بناء على أن من أحرم بالظّهر قبل الزوال، هل تنعقد صلاته نفلاً؟ وظاهر المذهب أنه لا يصح تيممه لا للفرض ولا للنفل، وهذا الأصل يطلق إطلاقاً، إلا أنه لا بد من استثناء صورة عنه، وهي ما إذا كان يجمع بين صلاتي الجمع بالتَّيمّم، فإن ظاهر المذهب أن الجمع بين الصَّلاتَيْنِ [بتيممين] 141، جائز وحينئذ إذا قدم الأخيرة فقد تيمَّم لها قبل وقتها الأصلي، ولو تيمم وصلى الظهر، ثم تيمَّم فيضم إليها العصر، فدخل وقت العصر قبل أن يشرع فيها فيبطل الجمع، ولا يصلي بذلك التَّيمم العصر لوقوعه قبل وقتها، وانحلال رابطة الجمع، وكما لا يقدم التَّيمم للمؤداة على

الجزء: 1 - الصفحة: 258

وقتها، لا يقدم التَّيمم للفائتة على وقتها، ووقتها يدخل بتذكرها.
قال -صلى الله عليه وسلم-: "فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ ذلِكَ وَقْتُهَا" 142. وإذا تيمَّم للفريضة في أوَّل الوقت وأخَّرها [إلَى آخِرِ الوقت] 143 جاز، نص عليه؛ لأنه تيمَّم في وقت الحاجة، ولو تيمَّم لفائتة ضحوة النهار، ولم يؤدها حتى زالت الشمس، فأراد أن يصلي به الظهر، هل يجوز؟ فيه وجهان: أصحُّهما: وبه قال ابن الحداد: يَجُوز؛ لأن التَّيمم قد صح لما قصده وإذا صحَّ التَّيمم لفريضة، جاز له أن يعدل عنها إلى غيرها، كما إذا كانت عليه فائتتان فتيمم لإحداهما، له أن يصلي الأخرى به دون التي تيمم لها.
والثاني: لا يجوز، وبه قال أبو زيد، والخضري، لأنه يقدم على وقت الظهر، فلا يؤدي به كما إذا تيمَّم لها قبل وقتها، ولو تيمم للظُّهْرِ في وقتها، ثم تذكر فائتة 144 فأراد أَدَاءَهَا به، فيه طريقان: أحدهما: طرد الوجهين.
والثاني: القطع بالجواز، والفرق أنه إذا تيمَّم لقضاء الفائتة ضحوة فقد تيمّم، والظهر غير واجبة عليه، فلا يصلح تَيمُّمه لها، وهاهنا تيمَّم للظُّهر والفائتة واجبة عليه، لكنه لم يكن عارفاً بوجوبها، وقد سلم الجواز هنا أبو زيد، والخضري.
وقوله في الكتاب في الصُّورة الأولى: "على الأصح" يعني من الوجهين، وفي الصُّورَةِ الثَّانية يجوز أن يريد الأصح من الوجهين جرياً على طريقة طرد الوجهين، وسكوتاً عن الأخرى، ويجوز أن يريد الأصح من الطريقين، وهو قضية كلامه في "الوسيط"، لكن طريقة طرد الخلاف أظهر من جهة النقل، وكل هذا تفريع على أن تعيين الفريضة التي يتيمم لها ليس بشرط، فإن شرطناه لم يصلح التّيمم لغير ما عينه، وجملة ما ذكرناه فيما إذا كانت الصلاة التي يتيمم لها فريضة، أما النافلة فتنقسم إلى مؤقتة، وإلى غيرها، أما المؤقتة فكالرَّواتب التَّابعة للفرائض، وصلاتي العيد، والكسوف، وأَوْقاتها مذكورة في مواضعها، ومنها صلاة الاسْتِسْقَاء، ووقتها اجتماع الناس لها في الصَّحْرَاء، ومنها صلاة الجَنَازَةِ، وبم يدخل وقتها؟ فيه وجهان: أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب، أنه يدخل بغسل الميت، فإنها حينئذ تباح، وتجزئ.

الجزء: 1 - الصفحة: 259

والثاني: وبه أجاب صاحب الكتاب في الفتاوى: أن يدخل بالموت، فإنه السَّبب المحوج إلى الصلاة، فإن قدم التيمم لهذه النوافل على أوقاتها فالمشهور أنه لا يصح كما في الفرائض؛ لأنه مستغن عن التيمم لها قبل وقتها، وحكى إمام الحرمين فيه وجهين، والفرق أنَّ أَمَرَ النَّوَافِلِ أوسع، ولهذا جاز أداء نوافل كثيرة بتيمم واحد، فصاحب الكتاب ذكر هذا الخلاف في الرَّوَاتب، وهو غير مخصوص بها، وإن تيمَّم لهذه النوافل في أوقاتها جاز له أن يصلِّي النَّافلة التي تيمم لها، وغيرها، وهَلْ تَجُوزُ الفريضة؟ يبنى على القولين اللذين قدمناهما في أنه إذا تيمَّم للنافلة هل يصلِّي به الفريضة؟.
إن قلنا: لا، فلا يجوز، وإن قلنا: نعم، فله ذلك، إن تيمّم للنافلة في وقت تلك الفريضة، ولو تيمم لنافلة ضحوة، ثم دخل وقت الظهر فهل له أن يصلي الظهر به على هذا القول.
فيه الوجهان المذكوران، فيما إذا تيمم لفائتة قبل الزوال، هل يصلي الظهر به.
وقوله: "فيه هذا الخلاف" يعني الوجهين المذكورين دون الطريقين، وإن كان مذكوراً بعد مسألة الطَّريقين، وما ذكرنا من المسائل فيما إذا تيمم للنافلة وحدها، مبني على ظاهر المذهب، وهو أن التيمم لمجرد النافلة صحيح، وفيه وجه قدمناه، وأما غير المؤقتة من النوافل فيتيمم لها متى شاء، إلا في أوقات الكراهية في أظهر الوجهين 145 وأعلم أن الشَّرْح قد يقتضي تغيير مسائل الكتاب عن نَظْمِهَا، وترتيبها وهذا الفصل من ذاك.
قال الغزالي: (الحُكْمُ الثَّالِثُ) فِيمَا يُقْضَى مِنَ الصَّلَوَاتِ المُخْتَلَّةِ، وَالضَّابِطُ فِيهِ أَنَّ مَا كانَ بِعُذْرٍ (ح) إِذَا وَقَعَ دَامَ فَلاَ قَضَاءَ فِيهِ كَصَلاَةِ المُسْتَحَاضَةِ وَسَلَسِ البَوْلِ وَصَلاَةِ المَرِيضِ قَاعِداً وَمُضْطَجِعاً وَصَلاَةِ المُسَافِرِ بِتَيَمُّمٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ العُذْرُ فِيهِ دَائِمًا نَظَرَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَدَلٌ وَجَبَ (و) القَضَاءُ كَمَنْ لاَ يَجِدُ مَاءً وَلاَ تُرَابًا فَصَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَالمَصْلُوبُ إِذَا صَلَّى بِالإيمَاءِ أَوْ مَنْ عَلَى جُرْحِهِ أَوْ ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ وَيسْتَثْنَى عَنْهُ صَلاَةُ شِدَّةِ الخَوْفِ، فَإنَّهَا رُخْصَةُ وَإِنْ كانَ لَهَا بَدَلٌ كتَيَمُّمِ المُقِيمِ (و) أَوِ التَيَّمُّمِ لإِلْقَاءِ الجَبِيرَةِ أَوْ تَيَمُّمِ المُسَافِرِ لِشِدَّةِ (ح) البَرْدِ فَفِي القَضَاءِ قَوْلاَنِ.

الجزء: 1 - الصفحة: 260

قال الرافعي: التَّيمم قد يكون بحيث يغنى الصلاة المؤداة به عن القضاء، وقد يكون بحيث لا يغنى، والغرض الأعظم في هذا الموضع بيان ذلك، ثم اختلط به القول في الصَّلوات المشتملة على غير ذلك من وجوه الخَلَلِ ما الَّتي تقضى وما التي لا تقضى لاندراج الكُلِّ تحت ضابط واحد، قال الأصحاب الأَعْذَارُ ضربان: عام، ونادر.
فأما العام: فيسقط القضاء، لأن إيجابه مع عموم العذر يفضي إلى عموم المَشَقَّة.
وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 146، ولهذا المعنى جعلنا الحَيْضَ مسقطاً للقضاء، وعدواً في هذا القسم صوراً.
منها: صلاة المسافر بالتيمم لعدم الماء، فلا إعادة عليه إذا وجد الماء في الوقت، ولا قضاء إذا وجده بعده "روي أَنَّ رَجُلَيْنِ خَرَجَا فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءُ فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيَّباً وَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا المَاءَ فِي الْوَقْتِ، وَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الْوُضُوءُ وَالصَّلاةَ وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، فَذَكَرَا لَهُ ذلِكَ فَقَالَ لِلَّذِي أَعَادَ: لَكَ الأَجرُ مَرَّتَيْنِ، وَلِلَّذِي لَمْ يُعِدْ أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتكَ صَلاَتُكَ" 147. والمعنى فيه أن فَقدَ الماء في الأسفار عذر عام، وسنبين من بعد أن الحكم غير منوط بالسفر، بل الموضع الذي يغلب فيه فقد الماء، وإنما لا يقضي المسافر بشرط ألا يكون سفره سفر معصية، أمَّا لو كان سفر معصية وتيمم وصلَّى، ففي القضاء وجهان: أحدهما: لا يقضي، لأنَّا إذا أوجبنا عليه التّيمم، فقد صار عزيمة في حقه بخلاف القصر، والفطر، ونحوهما، فإنها لا تجب.
وأظهرهما: أنه يجب، لأنه وإن كان واجباً فسقوط الفرض به رخصة، فلا يناط بسفر المعصية.
وحكى الحناطي مع هذا الخلاف وجهاً آخر، أنه لا يتيمم أصلاً، وهل يشترط لعدم القضاء أن يكون السَّفر طويلاً، فيه قولان: أصحهما: لا، والقصير كالطويل في هذا الحكم.
لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ 148 الآية، واسم السفر يقع على

الجزء: 1 - الصفحة: 261

الطَّويل والقصير، وعن ابن عمر -رضي الله عنهما-:"أنَّهُ رَجَعَ مِنَ الْجَرْفِ 149: فَلَمَّا بَلَغَ المَرْبَدَ تَيَمَّمَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَلَمْ يُعِدْ مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ".
والثَّانِي: أنه يقضي في السَّفر القصير، لأنه يلحق بالحضر، في امتناع القصر والفطر، فكذلك في حكم القضاء، ومنهم من قطع بالأول، ولم يثبت الثاني قولاً للشَّافعي -رضي الله عنه- قال إمام الحرمين -رضي الله عنه-: وفي هذه الصورة مزيد مع عموم العذر، وهو أنه وإن اختل الوضوء فقد أثبت الشرع عنه بدلاً، وهو التَّيمم فقام مقام المبدل وهذا المعنى يسقط القضاء على قول، وإن كان العُذْرُ نادراً على ما سنذكره من بعد، ولا فرق في نفي القضاء بين أن يكون تيممه عن جنابة، أو عن حدث، ولو كان مع المسافر ماء، لكنه يحتاج إليه للشُّرب، أو عجز عن تناول الماء للخوف من سبُع، أو ظالم، أو لفقدان آلة الاسْتِقَاء، فتيمم وصلى، فكذلك لا إعادة عليه.
ومنها: ما إذا تيمَّم لمرض مانع من استعمال الماء.
ومنها: المرض المُحْوِجُ إلى القعود، أو الاضطجاع في الصلاة، فإن المرض على الجملة من الأعذار العامة، فيسقط القضاء.
وأما العذر النَّادر فعلى ضربين: نادر إذا وقع دام غالباً، ونادر إذا وقع لم يدم غالباً.
أما الذي يدوم غالباً، فيسقط القضاء أيضاً لما يلحق صاحبه من المشقة الشديدة، وذلك كالاسْتَحَاضَةِ، وسلس البول، والمَذْي، والجُرْح السائل، واسترخاء المَقْعَدَةِ، دوام خروج الحدث منه، ولا فرق في هذا القسم بين أن يكون عن الصفة لِفَائِتَةٍ بدل، أو لا يكون، فإن المستحاضة وإن كانت تتوضَّأ لكل صلاة فريضة، لكن ليس للنَّجَاسات الدَّائمة إزالة، ولا بدل عنها.
وأما الذي لا يدوم غالباً، فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون مع الخَلَلِ الحاصل بدل مشروع عن الفائت.
والثاني: ألا يكون معه بدل، فإن لم يكن معه بدل، وجب القضاء لِنُذُور العُذْرِ، وفوات الصفة المطلوبة، لا إلى بدل، وذكر في الكتاب لهذا القسم صوراً.
منها: ما إذا لم يجد ماء، ولا ترابًا، فصلى، وقد يفرض فقدهما جميعاً في حق المحبوس في موضع لا يجد واحداً منهما، أو في موضع لا يجد إلا تراباً نجساً، أو فيما إذا كانت الأرض متوحِّلة، ولم يقدر على تَجْفيف الطين، فإذا 150 اتفق ذلك ببعض هذه الأسباب، أو غيرها، فهل يجب عليه الصلاة؟.
قال في القديم: لا تجب، لأنه لا يجب عليه الإعادة، وإن صلى فلو أوجبناه

الجزء: 1 - الصفحة: 262

لالزمناه ظهرين.
وقد روى أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ ظُهْرَانِ فِي يَوْمٍ" 151 نعم، يستحب ذلك لحرمة الوقت، والجديد: الصحيح أنه تجب عليه الصلاة في الوقت، لأنه استطاع الإتيان بأفعال الصَّلاة، وإن عجز عن الطَّهارة.
وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعتُمْ" 152، وصار كما إذا عجز عن ستر العُوْرَة، لا يترك الصَّلاة بسببه.
ومنهم من نقل القول القديم في الحرمة.
وقال: يحرم عليه أن يصلي كالحائض، وبه قال أبو حنيفة، وإذا صلّى في الوقت امْتِثَالاً لما أمرناه به وجوباً، أو ندياً فظاهر المذهب وجوب الإعادة؛ لأن هذا عذر نادر لا دوام له.
وحكى بعض الأصحاب فيه قولين، وهذا العادم وإن أمر بالصلاة، والحالة هذه لا يجوز له حمل المصحف، وقراءة القرآن إن كان جنبًا، وإن كانت حائضًا فليس للزَّوج غِشْيَانُهَا، ولو قدر على أحد الطّهورين في خلال الصَّلاة بطلت صلاته.
ومنها المربوط على الخشبة، ومن شد وثاقه على الأرض يُصَلِّي على حسب حاله بالإِيمَاءِ، ثم يعيد لأنه عذر نادر، بخلاف المريض يصلي بالإِيماء، ولا يعيد؛ لأن عذر المَرض يعم.
وقال الصيدلاني: إن كان مستقبل القِبْلَة فلا إعادة عليه، كالمريض يصلي بالإيماء وعلى جنب، وإن لم يكن يلزمه الإعادة قال: وكذا الغريق يتعلق بعُودٍ، ويصلي بالإيماء، ويعيد إذا كان إلى غير القبلة، وذكر في "التهذيب" نحواً من هذا في مسألة الغريق 153 فقال: لا يعيد ما صلى إلى القبلة بالايماء، وما صلى إلى غير القبلة فيه قولان: أحدهما: لا يعيد أيضاً، كما لو صلى بالإيماء إلى القبلة.
وأصحهما: أنه يعيد بخلاف ما لو صلى بالإيماء، لأن حكم الإيماء أخفُّ، من ترك القبلة، ألا ترى أن المريض يصلي بالإيماء ولا يعيد، وإذا لم يجد من يُحَوِّلُه إلى القبلة يصلي إلى غيرها ويعيد.
أما مسألة المربوط فلم يذكر فيها هذا التَّفصيل، وحكم بوجوب الإعادة، وبه قال إمام الحرمين -قدس الله روحه-.
ومنها: إذا كان على بَدَنِهِ

الجزء: 1 - الصفحة: 263

جراحة عليها دم، وخاف من غسله التَّلف، صلى وأعاد، وإن كانت على أعضاء الوضوء تيمم، وصلى وأعاد، فإن هذا الخَلَلَ ليس له بدل، والعذر نادر غير دائم.
وفي القديم: قول أنه لا يعيد، وبه قال أبو حنيفة، والمزني، وكذلك الخلاف فيما إذا كان محبوساً في مكان نجس، وصلى على النجاسة، هل يعيد أم لا؟ والقول القديم مطرد في كل صلاة، وجبت في الوقت، وإن كانت مختلة وهو اختيار المزني.
والضرب الثاني أن يكون مع الخلل الحاصل بدل مشروع يعدل إليه، ففي وجوب القضاء خلاف نفصله في صور هذا القسم.
منها المقيم إذا تيمّم لعدم الماء فصلى 154، فظاهر المذهب أنه يجب عليه القضاء؛ لأن عدم الماء في موضع الإقامة 155 نادر، وإذا اتفق لا يدوم غالباً، فإن أهل ذلك الموضع يتبادرون إلى الإصلاح، والإثباط، فلا يصلح عذراً دافعاً لِلْقَضَاء، والبدل المعدول إليه يقام مقام الأصل في جواز الإتيان بالصلاة، حتى لا يخلو الوَقْت عن وظيفته.
وفي القديم، وهو اختيار المزني، أنه لا إعادة عليه؛ لأنه بالمقدور.
عليه.
واعلم أن وجوب القضاء على المقيم إذا قلنا: بظاهر المذهب ليس لعلة الإقامة، بل لأن فقد الماء في موضع الإقامة نادر، وكذلك عدم الوجوب في السفر ليس لأنه مسافر، بل لأن الفقد في السفر مما يعم، ويغلب حتى لو أقام الرجل في مَفَازَةٍ، أو موضع يعدم فيه الماء غالباً، وطالت إقامته فيه يتيمَّم، ويصلّي، ولا يعيد.
وفي مثله قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر، وكان يقيم بالرَّبَذَةِ 156، ويفقد الماء أياماً: فسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- 157 فقال: التُّرَابُ كَافِيكَ وَلَوْ لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ حِجَجٍ" 158. ولو دخل المسافر في طريقه بلد، أو قرية، وعدم الماء، وتيمم، وصلى أعاد على أظهر الوجهين، فإن كان حكم السفر باقياً، نظر إلى ندرة العدم في ذلك الموضع، وإذا عرفت ذلك فقول الأصحاب: المقيم يقضي، والمسافر لا يقضي، جار على الغالب من حال السَّفر، والإقامة، والحقيقة وما بينا.
ومنها: التَّيمم لإلقاء الجبِيْرَة، وجملته أنه إذا كان به عذر يمنع من استعمال الماء في بعض محل الطهارة دون بعض فغسل المقدور عليه، وتيمّم وصلّى، هل يجزئه ذلك أم يلزمه القضاء عند زوال العذر؟ ننظر إن لم يكن على محل العذر ساتر من جبيرة، أو لصوق فيجزئه، ولا قضاء عليه؛ لأنه لو وجد

الجزء: 1 - الصفحة: 264

تجرّد التيمم لشيء من العلل، والأمراض لما كان عليه إعادة، فإذا انضم إلى التيمم غسل بعض الأعضاء كان أولى، أن لا تجبل عليه الإعادة، وإن كان على محل الأعضاء ساتر، فنظر إن ألقاه على الطهارة، ففي القضاء قولان: أحدهما: يجب لأنه عذر نادر غير دائم.
وأظهرهما: أنه لا يجب، لحديث جابر في الشّجوج، كما تقدم، ولم يأمره النّبي -صلى الله عليه وسلم- بالإعادة مع الحاجة إلى البيان؛ ولأن المسح على الخف يغني عن الإعادة مع أنه لا ضرورة إليه، فالمسح على الجَبيرَةِ أولى لمكان الضرورة، وإن إلقاه لا على غير الطهارة، فعليه النزع، إن أمكن، ولا يجوز المسح عليه كما سبق، وإن تعذر النَّزع، مسح وصلى للضرورة، وهل يعيد؟ فيه طريقان: أظهرهما: نعم، لفوات شرط الوضع على الطَّهارة.
والثاني: طرد القولين فيه، وذكر بعضهم أنه إنْ وضع على الطَّهارة فلا يعيد في القديم قولاً واحداً، وفي الجديد: قولان: وإن لم يضع على الطهارة فيعيد في الجديد قولاً واحداً، وفي القديم: قولان، ولا فرق في جَرَيَانِ الخلاف في الإعادة بين أن نقول بوجوب التّيمم مع غسل المقدور عليه، وبين أن لا نوجب التيمم، ويجوز الاقْتِصَار على الغسل، وقد بينا الخلاف فيه في موضعه.
وعن أبي حفص ابن الوكيل 159 أن الخلاف في الإعادة على قولنا: إنه لا يتيمم، أما إذا قلنا: بوجوب التيمم فلا إعادة بلا خلاف، وهذا كله فيما إذا كانت الجَبِيرَة، أو اللَّصُوقُ على غير محل التيمم، فأما إذا كان على محل التيمم وجبت الإعادة لا محالة، لنقصان البدل والمبدل جميعاً كذلك ذكره ابن الصباغ في "الشامل"، وأبو سعيد المتولي في "التتمة".
ومنها التيمم لشدة البرد، فإن اتفق ذلك في السّفر، ففي إعادة الصَّلاة المؤداة به قولان: أحدهما: لا يجب، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن عمرو بن العاص تيمّم بسبب البرد في غزوة "ذات السَّلاَسل"، وصلى وحكى ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلم يأمره بالإعادة.
وأصحهما: أنها تجب؛ لأن البرد وإن لم يكن شيئاً نادراً، لكن العجز عما يسخن به الماء، وعن ثياب يدفأ بها مع ذلك نادر، وإن اتفق فإنه لا يدوم، فلا يسقط الإعادة وإن اتَّفَقَ في الحضر، فالمشهور وجوب الإعادة.

الجزء: 1 - الصفحة: 265

وعن أبي الحسن بن القطّان أنه يبنى ذلك على السفر، إن قلنا: يعيد في السَّفر ففي الحضر أولى، وإن قلنا: لا يعيد، ثم ففي الحضر قولان، ونعود إلى ما يتعلق من هذه المسائل بألفاظ الكتاب، ونظمه خاصة.
اعلم أنه أهمل التقسيم الأول الذي حكيناه عن الأصحاب، حيث قالوا: "العذر ينقسم إلى عام ونادر"، ثم قالوا: النَّادر ينقسم إلى دائم، وغير دائم، واقتصر على تقسيم العذر إلى دائم إذا وقع، وإلى غير دائم، ويدخل العام، والنادر في كل واحد من هذين القسمين، إلا أن دوام الوقوع ليس بشرط في قسم العام، بل هو مسقط للقضاء دَام، أو لم يدم، أَلاَ ترى أن حاجة المسافر إلى ما عنده من الماء لِلشُّرْبِ مُسْقِطٌ للقضاء؛ لأنه يعم، ولا يظهر فيها الدوام، والاستمرار بل عدم الماء في السَّفَر ممَّا لا يدوم أيضاً غالباً، فإنه إنْ فقد الماء في مرحلة وجده في المرحلة الأخرى، وإذا كان كذلك فِلِمُضَايق أن يضايق في عدة صلاة المسافر بالتيمم على موجب التقسيم الذي ذكره من القسم الأول، وللمضايقة وجوه أخر، لا نطول بذكرها.
وأما قوله: "فان لم يكن لها بدل، وجب القضاء"، ينبغي أن يعلم بالواو والزاي، لما ذكرنا من القول الذي اختاره المزني.
وقوله: "فصلى فيمن لم يجد ماء، ولا تراباً" بالحاء والواو لمذهب أبي حنيفة، والقول الموافق له كما سبق.
وقوله: "والمصلوب إذا صلى بالايماء" المراد منه المربوط على الخشبة، وليعلم بالواو لما ذكرنا في شَرْحِ المَسْألَةِ.
بقي أن يقال: لم عدّها من قسم ما لا بدل له؟ وهلا جعل الإيماء بدلاً عن الركوع، والسجود؟.
والجواب أن المعنى بالبدل في هذا المقام الشيء المضبوط الذي يعدل إليه العاجزون كلهم، كالتَّيمم مع الوضوء، والإيماء ليس كذلك، بل يختلف بالأحوال، والأشخاص، وله درجات متفاوتة ينتقل المعذور من كل واحدة إلى ما يليها، بحسب الإمكان.
وأما قوله: "ويستثنى عنه صلاة شدة الخوف" فليس المراد الاستثناء من الصورة الأخيرة، هي ما إذا صلّى، وعلى جرحه نجاسة وجدها، بل المراد الاستثناء من أصل هذا القسم، وهو ندور العذر، وعدم البدل، وذلك في الصلاة حالة المسابقة اختلالاً ظاهراً في الأفعال، والأركان، ويحتمل أيضاً كثرة الأفعال، وتلطُّخ السلاح بالدّم، على تفصيل يأتي في موضعه، وليس لها بدل، وإنما احتمل ذلك رخصة بالنص.
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ 160، ونازع إمام الحَرَمَيْنِ -قدس الله روحه- في كون القتال والنَّجَاسة من الأعذار النادرة، وقال: هو كثير الوقوع في حق

الجزء: 1 - الصفحة: 266

المقاتلة، فعلى هذا صلاة شدّة الخوف غير مستثناة عن هذا القسم.
وقوله: "أو التيمم لإلقاء الجَبِيرَةِ" مطلق لم يفرق بين أن يكون الوضع، والإلقاء على الطّهارة، أولاً [فإن كان على الطهارة فهو] 161 جواب على طريقة ترك القولين في الحالتين، وفي عدّه مسألة الجبيرة من الأعذار التي لا تدوم كلام.
فإن القاضي أبا المحاسن الروياني قال: هي ملحقة بالنادر الذي يدوم، وذكر كثيرون من الأصحاب أن الكثير من جملة الأعذار العامة، وعلى هذا فلا اعتبار بكونه دائماً، أو غير دائم، ولا يستبعدن قولهم: إنه عام فإنه لا يعني بالعموم في هذا الباب، سوى الكثرة، والكَسْرِ؟ والانخلاع كثير ليس بنادر.
وأما قوله: أو تيمم المسافر لشدّة البرد" فَالتَّخصيص بالمسافر يشير إلى أنه لو كان مقيماً وتيمّم لشدة البرد قضى بلا خلاف، وهو الظَّاهر كما تقدم.
قال الغزالي: وَالعَاجِزُ عَنِ السُّتْرَةِ فِي كَيْفِيَّةِ صَلاِتهِ ثَلاَثةُ أوْجُهٍ، فِي وَجْهٍ لاَ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ بَلْ يُومِئُ حَذَراً مِنْ كَشْفِ العَوْرَةِ، وَفِي وَجْهِ يُتِمُّ، وَفِي وَجْهٍ يَتَخَيَّرُ، فَإِنْ قُلْنَا: لاَ يُتِمُّ فَيَقْضِي لِنُدُورِ العُذْرِ وَعَدَمِ البَدَلِ وَإنْ قُلْنَا: يُتِمُّ فَالأَظْهَرُ أنَّهُ لاَ يَقْضِي؛ لِأَنَّ وُجُوبَ السَّتْرِ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِ الصَّلاَةِ.
قال الرافعي: العاجز عن ستر العورة إذا صلّى عارياً، هل يقضي؟ يبنى ذلك على أنه كيف يصلي، وفيه قولان: أحدهما: وهو اختيار المزني: أنه يصلى قاعداً ليكون أقرب إلى التستر، وأبعد عن الهيئة المستنكرة في الصَّلاة، وعلى هذا هل يتم الركوع والسجود أم يقتصر على الإيماء وإدنا الجبهة من الأرض؟ فيه قولان: وأصحهما: أنه يصلّي قائماً، ويتم الركوع والسجود، فإن المقدور عليه لا يسقط بالمعجوز عنه، كيف والقيام والرُّكوع والسُّجود أركان للصلاة، وستر العورة من الشرائط، وإنما اعتبرت الشرائط زينة وكمالاً للأركان، فلا يجوز ترك الأركان لها، هذا نقل المعظم، وهو الظاهر.
وحكى إمام الحرمين بدل القولين، وجهين، ووجهاً ثالثاً، أنه يتخير لتعارض الأمرين، ولزوم أحد الاختلالين، وصاحب الكتاب تابع الإمام فحكى في المسألة ثلاثة أوجه، والمَرْوِيُّ عن أبي حنيفة، وأحمد التَّخْيِيرُ، كما ذكر في الوجه الثالث، فليكن

الجزء: 1 - الصفحة: 267

الوجهان الأولان معلمين بعلامتهما، والخلاف في هذه المسألة يجري في صور.
منها: إذا كان محبوساً في موضع نجس، ولو سجد لسجد على نجاسة، هل يتم السجود أم يقتصر على الإيماء؟ وإذا وجد ثوباً طاهراً لو فرشه لبقي عارياً، ولو لبسه لصلى على نجاسة، ماذا يفعل؟ فيه الخلاف، وإذا وجد العريان ثوباً نجساً، هل يصلي فيه أم يصلي عارياً؟ فيه الخلاف، وإذا عرف ذلك فإن قلنا، في مسألة العاري: إنه لا تتم الأركان، فيقضي على ظاهر المذهب، لندور العذر، وعدم البدل، كمن لم يجد ماء ولا تراباً، فصلى، وفيه الخلاف المذكور في تلك الصورة ونظائرها.
وإن قلنا: تتم الأركان، فهل يقضي؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأن العذر نادر، وليس له دوام ولا بدل.
وأظهرهما: لا، ووجهوه بشيئين: أحدهما: أن وجوب السِّتر لا يختص بالصّلاة، فاختلاله لا يقتضي وجوب الإعادة، لكن سياق هذا أن لا يجب القضاء، وإن ترك السّتر مع القدرة كالاحتراز عن المكث في العَرصة 162 المَغْصُوبة لما لم تكن من خاصية الصلاة لم يقتض اختلاله وجوب القضاء، وإن صلى فيه عمداً، وهذا مذهب مالك.
والثاني: أن العري عذر عام، أو نادر إذا اتفق دام فلا توجب القضاء، والطبع لا ينقاد لكونه العري بهذه الصفة، وأطلق قوم من شيوخ الأصحاب كصاحب "التقريب" القول ينفي الإعادة، وهو جواب منهم على ظاهر المذهب، ولا فرق في نفي الإعادة بين أن يكون العاري في الحضر، أو في السّفر، بخلاف المتيمم، لعدم الماء، والفرق أن الثوب في مظنة الضّنّة 163 فقد لا يبذل، وإن كان في الحضر والماء بخلافه، وكل ما ذكرناه فيما إذا اتفق العُري في ناحية لا يعتاد أهلها العُري، فأما إذا صلى عارياً في قوم يعتادون العري، فلا قضاء عليه إذا تحول واكتسى، لعموم العذر، وشيوعه عندهم، لذلك فصل الشيخ أبو محمد.
وذكر إمام الحرمين أنه ساعده عليه كثير من الأصحاب، وهو الذي أورده صاحب الكتاب في "الوسيط" قال إمام الحرمين: والوجه اقطع بأن الذين يعتادون العُرى يتمُّون الركوع والسّجود، فإنهم يتصرفون في أمورهم عراة، فيصلون كذلك، ولا يقضون وجهاً

الجزء: 1 - الصفحة: 268

واحداً، واعلم أنَّ هذا التَّفصيل إنما ينتظم على قول من يعدّ العُرْيَ من الأعذار النادرة، ليصير باعتيادهم ذلك عاماً، فأما من عَدَّهُ من الأعذار العامة على الإطلاق يتجه أن لا يفرق بينهم، وبين غيرهم، -والله أعلم- (1).

بَابُ المَسْحِ عَلَى الْخَفَّيْنِ

قال الغزالي: (وَالنَّظَرُ فِي شُرُوطِهِ وَكَيْفِيَّتِهِ وَحُكْمِهِ)، وَلَهُ شَرْطَانِ: (الأَوَّلُ) أَنْ يَلْبَسَ الخُفَّ عَلَى طَهَارَةٍ مَائِيَّةٍ كَامِلَةٍ قَوِيَّةٍ، فَلَوْ غَسَلَ إِحْدَى رِجْلَيهِ وَأَدْخَلَهَا الْخُفَّ لَمْ يَصِحَّ لُبْسُهُ حَتَّى يَغْسِلَ الثَّانِيَةَ ثُمَّ يَبْتَدِئَ اللُّبْسَ، وَكَذَا لَو صَبَّ المَاءَ فِي الخُفِّ (ح) بَعْدَ لُبْسِهِ عَلَى الحَدَثِ،164

الجزء: 1 - الصفحة: 269

قال الرافعي: عن أبي بكرة أَنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رخَّصَ للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوماً وليلة، إذا تطهر فلبس خُفَّيْهِ أن يمسح عليهما 165. وعن صفوان بن عَسَّال قال: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كنا مسافرين أو سفراً، ألا ننزع خِفَافَنَا ثلاثة أيام ولياليهن، إلا من جَنَابَةٍ لكن من غَائِطٍ أو بَوْلٍ أو نَوْمٍ 166، والأحاديث في باب المسح كثيرة، ومن شرط المسح على الخفِّ أن يلبسه، وهو متطهِّر، وعند أبي حنيفة لا يشترط تقديم الطَّهَارة على اللّبس، وإنما المعتبر أن يطرأ الحدث بعد اللبس على طهارة كاملة.
لنا حديث أبي بكرة، وعن المغيرة بن شعبة قال: "سَكَبْتُ الوضوء لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلما انتهيت إلى رجليه أهويت إلى الخفين لأنزعهما، فقال: دع الخُفَّيْنِ، فَإنِّي أَدْخَلْتُهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ" 167، علل جواز المسح بطهارتهما عند اللّبس، وإذا كانتا طاهرتين كانت سائر الأعضاء طاهرة؛ لأن التَّرتيب واجب، وغسل الرجل آخر الأركان، ويترتب على هذا الأصل، ما لو غسل إحدى الرجلين، وأدخلها الخُفَّ، ثم غسل الأخرى، وأدخلها الخف، لم يجز المسح عليهما، إذا أحدث؛ لأن أول اللبس تقدم على تمام الطَّهَارة، وإذا كانت الطّهارة شرطاً للبس، يجب تقدمها بكمالها على اللبس، كلما يشترط تقدمها على الصلاة، فلو نزع ما لبسه أولاً، وأعاد اللّبس، وهو على طهارته جاز المسح إذا أحدث لكمال الطهارة حين اللبس المعاد، والآخر ملبوس على كمال الطَّهارة، فقد تحقَّق الشَّرْط فيهما جميعاً.
وعن ابن سريج أنه إذا نزع الأول، وجب نزع الثاني أيضاً، ويستأنف لبسهما ليجوز له المسح؛ لأن حكم كل واحد منهما مرتبط بالآخر، أَلاَ ترى أن نزع أحدهما بعد الحدث يوجب نزع الثاني، ولو لبس الخُفَّين قبل أن يغسل رجليه، ثم صبّ فيهما الماء حتى انغسلتا، لم يجز له المسح، وإن تم وضوءه بما فعل؛ لأنه لبسهما قبل كمال الطَّهارة فإن نزعهما ثم لبسهما فله المسح، إذا أحدث، وعند أبي حنيفة، والمزني له المسح في الصورتين، ولا حاجة إلى النَّزْع.

الجزء: 1 - الصفحة: 270

واعلم أنَّ الاعتبار فيما ذكرنا بحالة استقرار القَدَمَيْنِ في مقرّهما من الخُف، حتى لو أدخل الرجلين في ساق الخف قبل أن يغسلهما، وغسلهما في الساق، ثم أدخلهما موضع القدم جاز له المسح؛ لأنه حين استقرتا في مقرّهما على كمال الطهارة، ولو ابتدأ اللّبس، وهو متطهر، ثم أحدث قبل أن وصلت الرجل إلى قدم الخف، لم يَجُزِ المسح، نص عليه في الأم، وذكر فيه أنه إذا مسح على الخُفَّيْنِ بشرطه، ثم أزال قدمه من مقرها، ولم يظهر من محل الفرض شيء، فلا يبطل المسح، وقياس الأول أن يبطل، لكن الفرق إن الأصل عدم المسح، فلا يباح إلا باللّبس التَّام، وإذا مسح فالأصل استمرار الجواز، ولا يبطل إلا بالنَّزع التام.
ونقل القاضي أبو حامد، أنه يبطل المسح في الصورة الثانية، واختاره القاضي أبو الطيب الطبري، كما أنه في الابتداء لا يمسح، وفي الصورة الأولى إيضاحه، أنه يجوز المسح إذا ابتدأ اللبس على طهارة، ثم أحدث قبل أن تستقر الرجلان في موضعهما.
وفرض القاضي حسين المسألة، فيما إذا أحدث وقد أدخل بعض قدمه في مقرها، والباقي في ساق الخف.
وقال: اختلفوا في صورتي الابتداء والانتهاء، في أن حكم البعض هل هو حكم الكل أم لا.
وقوله في الكتاب: "على طهارة تامة قوية" لفظ التامة معلم بالحاء والزاي، لما حكيناه، واحترز به عما إذا غسل إحدى رجليه، وأدخلها الخف، ثم الثانية، وأدخلها الخُفِّ، وعما إذا لبسهما ثم صب الماء في الخف حتى انغسلتا ويمكن أن يقال: لا حاجة إلى قيد التمام، لأن من لم يغسل رجليه، أو إحداهما ينتظم أن يقال: إنه ليس على الطَّهارة، وأما قيد "القوة" فالغرض منه الاحتراز عن طهارة المستحاضة، وما في معناها.
قال الغزالي: وَالْمُسْتَحَاضَةُ إِذَا لَبِسَتْ عَلَى وُضُوئِهَا لَمْ تَمْسَحْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِضَعْفِ طَهَارَتِهَا، وَوُضُوءُ المَجْرُوحِ إِذَا تَيَمَّمِ لِأَجْلِ الجِرَاحَةِ كَوُضُوءِ المُسْتَحَاضَةِ ثُمَّ إِنْ جَوَّزْنَا فَلاَ تَسْتَفِيدُ بِطَهَارَةِ المَسْحِ إلاَّ مَا كانَ يَحِلُّ لَهَا لَوْ بَقِيَتْ طَهَارَتُهَا الأُوْلَى، وَهُوَ فَرِيضَةٌ وَاحِدَةٌ وَنَوَافِلُ.
قال الرافعي: إذا توضَّأَتِ المُسْتَحَاضة، ولبست الخفين، ثم أحدثت حدثًا غير حدث الاستحاضة، فهل لها أن تمسح على الخف؟ فيه وجهان، نسبهما الشيخ أبو علي إلى تخريج ابن سريج: أحدهما: لا، لأن وضوءها ضعيف ناقص 168، وإنما يجوز المسح بعد طهارة

الجزء: 1 - الصفحة: 271

قوية؛ لأنه ضعيف، فلا يحتمل انضمام ضعف إلى ضعف.
وأصحهما: الجواز، ويروى أن أبا بكر الفارسي حكاه عن نص الشافعي -رضي الله عنه- في عيون المسائل، ووجهه أنها تحتاج إلى اللبس والارتفاق 169 به كغيرها، وأيضاً فإنها تستفيد الصَّلاة بطهارتها، وتستفيد المسح أيضاً، وموضع الوجهين ما إذا لم يقطع دمها قبل أن تمسح، فأما إذا انقطع دمها قبل المَسْحِ، وشفيت نزعت، وأَتَتْ بطهارة كاملة بلا خلاف؛ لأن الطهارة التي ترتب المسح عليها قد زالت بالشّفاء الطارئ، فيمتنح ترتيب المسح عليها، وطرد بعضهم الوجهين هاهنا أيضاً، وجعل انقطاع دمها بمثابة الحدث الطارئ، والمشهور الأول، ثم إذا جوزنا المسح، نظر إن أحدثت قبل أن تصلّي فريضة بطهارتها، مسحت وصلت فريضة، ونوافل، وإن أحدثت بعد ما صلّت فريضة مسحت، ولم تصل به إلاّ النوافل، لأن ما تستفيد بطهارتها فريضة ونوافل، فلا تستفيد بالمسح المترتِّب عليها أكثر من ذلك، ولا يجوز لها استيفاء مدة المسح، بل إذا مسحت وصلت فريضة ونوافل، أو نوافل على اختلاف الحالتين، ثم أرادت قضاء فائته، أو دخل وقت فريضة أخرى، وجب نزع الخف، والوضوء الكامل لتلك الفريضة، وكذلك لو أحدثت حدثاً غير حدث الاستِحَاضة بعد أَنْ صلَّت فريضة ونوافل بالمسح.
وحكى عن تعليق أبي حامد أن لها أن تستوفي مدة المسح، إما يوماً وليلة، وإما ثلاثة أيام ولياليهن، لكن عند كل صلاة فريضة تعيد الطَّهَارة، وتمسح على الخف.
وقال إمام الحرمين في كلامه إلى هذا من جهة المعنى، وقطع بنفيه نقلاً، وفي معنى طهارة المستحاضة، طهارة سلس البول، وكل من به حدث دائم، وكذلك الوضوء المضموم إليه التَّيمم بسبب جراحة، أو انكسار، فيجري فيها الخلاف المذكور في المستحاضة بالاتفاق 170، وإما محض التَّيمم، فهل يستفاد به جواز المسح؟ ننظر إن كان سببه إعْوَاز الماء [فلا، بل إذا وجد الماء] 171 لزمه النزع والوضوء الكامل.
وعن ابن سريج أنه يجوز المسح لفريضة ونوافل، كما ذكرنا في المُسْتَحَاضَة؛ لأن التيمم يبيح الصَّلاة أيضاً فيبيح المسح.
والصحيح: الأول بخلاف طهارة المُسْتَحَاضة؛ لأن التَّيمم طهارة تفيد وتبيح عند الضرورة، ولا ضرورة بعد وِجْدان الماء، فلا سبيل إلى ترتيب المسح عليه، وطهارة المستحاضة لا تتأثر بوجدان الماء، كطهارة غيرها، وإن كان سبب التّيمم شيئاً آخر سوى إعواز الماء، فهو كطهارة المُسْتَحَاضة في جواز ترتيب المسح عليه، فإنه لا يتأثَّر بوجدان

الجزء: 1 - الصفحة: 272

الماء، لكنه ضعيف لا يرفع الحدث كطهارتها، ولا يخفى بعد هذا الشَّرْحِ معنى قوله: "إن جوزنا فلا تستفيد بالمسح إلا ما كان يحل لها" إلى آخره، لكن ظاهر لفظه لا يتناول إلا ما إذا أحدثت قبل أن تُصلِّي الفريضة بطهارتها، فإنها حينئذ تَحِلُّ لها فريضة ونوافل، لو بقيت طهارتها الأولى، أما إذا أحدثت بعد أن تصلي الفريضة، فلا يحل لها، لو بقيت تلك الطهارة إلا النّوافل، والوافي بحكم الحَالَتَيْنِ على النظم الذي ذكره أن يقال في آخره، وهو فريضة واحدة، ونوافل أو نوافل.
قال الغزالي: (الشَّرْطُ الثَّانِي) أَنْ يَكُونَ المَلْبُوسُ سَاِترًا قَوِيًّا حَلاَلاً فَإِنْ تَخَرَّقَ أَوْ كَانَ دُونَ الكَعْبَيْنِ لَمْ يَكُنْ سَاتِرًا وَالمَشْقُوقُ القَدَمِ الَّذِي يُشَدُّ مَحَلُّ الشَّقِّ مِنْهُ بِشَرَجٍ فِيهِ خِلاَفٌ، وَالقَوِيُّ مَا يَتَرَدَّدُ عَلَيْهِ فِي المَنَازِل، لاَ كَالجَوْرَبِ وَاللِّفَافِ وَجَوْرَبِ الصُّوفِيَّةِ، وَالمَغضُوبُ (و) لاَ يَجُوزُ الَمَسْحُ عَلَيْهِ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ لِأَنَّ المَسْحَ لِحَاجَةِ الاسْتِدَامَةِ وَهُوَ مَأمُورٌ بِالنَّزْعِ.
قال الرافعي: اعتبر في الملبوس ثلاثة أمور: أحدها: أن يكون ساترًا لمحل فَرْضِ الغسل من الرِّجْلَيْنِ، فلو كان دون الكعبين لم يَجُزِ المسح عليه؛ لأن فرض الظاهر الغسل، وفرض المستور المسح، ولا صائر إلى الجمع بينهما، فيغلب حكم الغسل، فإنه الأصل، ولهذا لو لبس أحد الخُفَّيْنِ لم يَجُزِ المسح له، ولو كان الخُفُّ مُتَخَرِّقًا.
ففيه قولان: القديمِ وبه قال مالك: إنه يجوز المسح عليه ما لم يتفاحش الخرق، لأنه مما يغلب في الأسْفَارِ، حيث يتعذَّر الإصلاح، والخرز فالقول بامتناع المسح يضيق باب الرخصة، فوجب أن يسامح، وعلى هذا فما حد الفاحش منه.
قال الأكثرون: ما دام يتماسك في الرجل، ويتأتى المشي عليه، فهو ليس بفاحش، وقال في "الإفصاح": حده ألا يبطل اسم الخُفِّ، والقول الجديد: أنه لا يجوز المسح عليه قليلاً كان التَخَرُّق، أو كثيراً، لأن بعض محل الفرض غير مستور، ومواضع الخرز التي تَنْسَدُّ بالخيوط أو ينضم لا عبرة بها، فإن لم تكن كذلك، وظهر منها شيء لم يَجُزِ المسح أيضاً، ولو تخرقت الظّهارة 172 وحدها، أو البِطَانَة وحدها جاز المسح؛ إن كان ما بقي صَفِيقاً، وإلا فلا يجوز في أظهر الوجهين، وعلى هذا يقاس ما إذا تخرَّقَ من الظّهارة موضع، ومن البطانة موضع لا يحاذيه، والخف المشقوق القدم إذا شد منه محل الشق بالشَّرج إن كان يظهر منه شيء، مع الشد فلا يجوز المسح عليه، وإن لم يظهر منه شيء فَوَجْهَان:

الجزء: 1 - الصفحة: 273

أحدهما: لا يجوز أيضاً، كما لو لف قطعة أدم على القدم وشَدَّها، لا يجوز المسح عليها.
وأظهرهما: ونقله الشيخ أبو محمد عن نصّه، أنه يجوز لحصول الستر به، وارتفاق المشي فيه، فلو فتح الشرج بطل المسح، وإن لم يظهر شيء؛ لأنه إذا مشى فيه ظهر.
وليكن قوله في الكتاب: "فلو تخرّق" معلماً بالواو والميم، لما ذكرنا، وبالحاء أيضاً؛ لأن عند أبي حنيفة إن كان الخرق بحيث يبين منه قدر ثلاث أصابع من أصابع الرجل، لم يَجُزِ المسح عليه، وإن كان أقل جاز.
الثاني: أن يكون قوياً، والمراد منه كونه بحيث يمكن متابعة المشي عليه، لا فرسخاً ولا مرحلة؛ بل قدر ما يحتاج المسافر إليه من التردّد في حَوَائِجِهِ، عند الحطّ والتّرحال، فلا يجوز المسح على اللَّفائف، والجَوَارب المُتَّخذة من الصُّوف، واللّبد 173؛ لأنه لا يمكن المشي عليها، ويسهل نزعها، ولبسها بلا حاجة إلى إدامتها في الرّجل؛ ولأنها لا تمنع نفوذ الماء إلى الرجل، ولا بُدَّ من شيء مانع على الأصح، كما سيأتي، وكذلك الجوارب المُتَّخذة من الجلد التي تلبس مع الكعب، وهي جورب الصُّوفية، لا يجوز المسح عليها، حتى تكون بحيث يمكن متابعة المشي عليها، وتمنع نفوذ الماء، إن اعتبرنا ذلك، إما لصفاقتها، أو لتجليد القدمين، والنعل على الأسفل أو الإلصاق بالكعب، وحكى بعضهم أنها وإن كانت صفيقة ففي اشتراط تجليد القدمين قولان: وعند أبي حنيفة لا يجوز المسح على الجوربين، وإن كانا صفيقين حتى يكونا مجلدين أو منعلين وخالفه صاحباه فهذا إذا تَعَذَّر المَشْيُ فيه لضعف الملبوس في نفسه.
ولو تعذر المشي فيه لِسِعَتِهِ المُفرطة أو لثقله أو لِضِيْقِه ففي جواز المسح عليه وجهان: أحدهما: يجوز لأنه في نفسه صالح للمشي عليه ألا ترى أنه لو لبسه غيره لارتفق به.
وأصحهما: لا يجوز، لأنه لا حاجة له في إِدَامَةِ مثل هذا الخف في الرِّجل ولا فائدة له فيه، ولو تعذَّر المشي فيه لثقله أو غلظه كما إذا اتخذ خفاً من خَشَبٍ أو حديد وهو بحيث لا يمكن المشي عليه، فلا يجوز المسح عليه، كما لو تعذَّر المشي فيه لضعفه وكذلك لو كان المتخذ من الخشب محدد الرأس لا يثبت مستقراً على الأرض ولو كان المتخذ من الخشب والحديد لطيفاً يتأتى المشي فيه جاز المسح عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 274

هذا قضية ما ذكره الجمهور تصريحاً وتلويحاً.
وذكر إمام الحرمين وصاحب الكتاب في "الوسيط": أنه يجوز المسح على الخف من الحديد وإن عسر المشي فيه، فإن ذلك ليس لضعف الملبوس وإنما هو لضعف اللابس ولا نظر إلى أحوال اللابسين فإنه لا ينضبط.
الثالث: أن يكون حلالاً فالخف المغصوب والمسروق في جواز المسح عليه وجهان: قال صاحب "التلخيص": لا يجوز، لأن المسح عليه لحاجة الاستدامة وهو مأمور بالنزع والرَّفْض ولأن لبسه معصية والمسح رخصة والرُّخْصُ لا تُنَاطُ بالمعاصي.
وقال أبو علي الطبري: والأكثرون يجوز كالوضوء بالماء المغصوب والصلاة في الثوب المغصوب.
ولو اتخذ من الذَّهَبِ أو الفِضَّةِ خفًّا فجواز المسح عليه على أحد 174 الوجهين، وإيراد صاحب "التهذيب" يشعر بالمنع جزماً والأول أقرب ولعلك تقول أول كلام صاحب الكتاب يقتضي اشتراط الحل جزماً حيث.
قال: الشرط الثاني أن يكون الملبوس ساتراً قوياً حلالاً وبالآخرة 175 ذكر وجهين في المسح على الخُفّ المغصوب ثم الأظهر منهما في المذهب جواز المسح عليه فينحذف القيد الثالث عن درجة الاعتبار ولا يلائم آخر الكلام أوله، فاعلم أن الضَّوابط في المَذْهَب تذكر كالتَّرَاجم لما قيل باعتباره وفاقاً أو خلاقاً، والاعتماد على ما يذكر من التفصيل آخرًا وكثيرًا ما ينحذف بعض القيود على الأظهر إلا أنه يذكر لمعرفة الخلاف، لكن هاهنا صورة أخرى تقتضي التَّعرض لهذا القيد واعتباره، وإن جوَّزنا المسح على الخف المغصوب والمسروق وهي ما إذا اتَّخذ خُفًّا من جلد الكَلْبِ أو جلد الميتة قبل الدِّبَاغ فهذا الجلد لنجاسة عينه لا يحل استعماله في البدن باللبس وغيره على أصح القولين، وقد نص في الأمِّ على أنه لا يجوز المسح عليه، لأنه لا يمكن الصَّلاَة فيه، وفائدة المسح وإن لم تنحصر في الصَّلاَة إلا أن المقصود الأصلي الصَّلاة وما عداها فالتَّابع لها وأيضاً فإن الخُفَّ بدل عن الرجل ولو كانت الرجل نجسة لم تغسل عن الوضوء ما لم تطهر عن النجاسة فكيف يمسح على البدل وهو نجس العين ولا يعود الخلاف في هذه الصورة.
واعلم أنه يعتبر في الملبوس وراء الصفات الثلاث المذكورة في الكتاب صفات أخر: إحداها: أَنْ لا يتعذَّر المشي عليه بسبب السّعة المفرطة أو الضّيق المفرط أو بسبب الثقل أو الاحتداد كما سبق.

الجزء: 1 - الصفحة: 275

والثانية: ذكر الشَّيخ أبو محمد أنه ينبغي أن يقع عليه اسم الخف حتى لو لف على قدمه قطعة أدم وشده بالرباط لم يجز المسح عليه؛ لأن اللَّف لا يقوى، ولا يتأتَّى التردُّد ومتابعة المشي عليه فإن فُرِضَ ربط قوى فمثل ذلك يعسر إزالته وإعادته على هيئته مع استيفاز المسافر فلا يحصل الارْتِفَاق المقصود بالمسح، فيتبع مورد النّص وهو الخُفّ.
الثالثة: أن يمنع نَشَفُ الماء ووصوله إلى الرّجل فلو لم يمنع الخف المَنْسُوخ والذي لا صَفَاقَة له فهل يجوز المسح عليه؟ فيه وجهان: أظهرهما: لا، لأن الغالب من الخِفاف أن تمنع النّفوذ فينصرف إليها نصوص المسح ويبقى الغسل واجباً فيما عداها.
والثاني: يجوز كما لو تخرَّقت ظهارة الخف وبطانته من موضعين غير متوازيين يجوز المسح عليه مع نفوذ الماء واختار إمام الحرمين هذا الوجه وتابعه صاحب الكتاب في "الوسيط" ولذلك حذف هذا الشرط من أصله هاهنا لكن ظاهر المذهب الأول 176. قال الغزالي: فَرْعٌ الْجُرْمُوقُ الضَّعِيفُ فَوْقَ الخُفِّ لاَ يُمْسَحُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ قَوِيًّا لَمْ يَجُزِ (م ح) المَسْحُ عَلَيْهِ أَيْضاً فِي الْجَدِيد بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُدخِلَ اليَدَ بَيْنَهُمَا فَيَمْسَحَ عَلَى الأسْفَلِ.
قال الرافعي: الجُرْمُوق هو الذي يلبس فوق الخف وإنما يلبس غالباً لشدّة البرد فإذا لبس جرموقين فوق الخُفَّين أو خفين فوق الخفين 177 فلا يخلو من أربع أحوال: إحداها: أن يكون الأسفل بحيث لا يمسح عليه [لضعف أو تخرق والأعلى بحيث يمرح عليه] 178 فالمسح على الأعلى والأسفل والحالة هذه كالجَوْرَبِ واللّفافة.
والثانية: أن يكون الأمر بالعكس من ذلك فيمسح على الأسفل القوي وما فوقه كخرقة تُلَفُّ على الخف فلو مسح على الأعلى فوصل البلل إلى الأسفل فإن قصد المسح على الأسفل جاز وكذا لو قصد المسح عليهما جاز، وبلغوا قصد المسح على الأعلى.
وفيه وجه أنه إذا قصدهما لم يعتد بالمسح، وإن قصد المسح على الأعلى الضَّعيف لم يجزه، وإن لم يقصد شيئاً بل كان على نِيَّته الأولى وقصد المسح في الجملة ففيه وجهان: أظهرهما: الجواز؛ لأنه قصد إسقاط فرض الرجل بالمسح، وقد وصل الماء إليه فكفى.

الجزء: 1 - الصفحة: 276

الحالة الثالثة: ألا يكون واحد منهما بحيث يمسح عليه فلا يخفى تعذر المسح.
الرابعة: أن يكون كل واحد منهما بحيث يمسح عليه، فهل يجوز المسح على الأعلى؟ فيه قولان: قال: في "القديم" و"الإملاء" يجوز وبه قال أبو حنيفة وأحمد والمزني؛ لأن المسح على الخُفِّ جوز رفقاً وتخفيفاً، وهذا المعنى موجود في الجرموق فإن الحاجة تدعو إلى لبسه وتلحق المشقة في نزعه عند كل وضوء.
وقال في الجديد: لا يجوز 179 وهو أشهر الروايتين عن مالك؛ لأن الأصل غسل الرّجلين والمسح رخصة وردت في الخُفِّ والحاجة إلى لبسه أهم وأعم فلا يلحق به الجرموق، فإن فرعنا على القديم وجوزنا المسح على الجرموق فكيف السبيل في ذلك: ذكر ابن سريج فيه ثلاثة معان: أظهرها: أن الجُرْمُوق بدل عن الخف والخف بدل عن الرجل؛ لأنه يستر الخف ستر الخف للرجل ويشق نزعه كما يشق نزع الخف فأقيم مقامه.
وثانيها: أن الأسفل كاللفافة والخف هو الأعلى.
لأنا إذا جوزنا المسح عليه فقد جعلناه أصلاً في رخصة المسح.
وثالثها: أن الأعلى والأسفل معاً بمثابة خف واحد فالأعلى كالظّهارة والأسفل كالبطانة ويتفرع على هذه المعاني مسائل.
منها: لو لبسهما جميعاً وهو على كمال الطَّهارة، له أن يمسح على الأعلى على هذا القول، وهل له أن يمسح على الأسفل 180 بأن يخل اليد بينهما؟ فيه وجهان: إن قلنا: الأعلى بدل الأسفل، يجوز، كما لو غسل الرجل في الخف، وإن قلنا: الأسفل كاللفافة، أو هما كطاقتي خف واحد، فلا.
ومنها: لو لبس الأسفل على كمال الطّهارة، ولبس الأغلى على الحدث، ففي جواز المسح على الأعلى وجهان: إن قلنا: بالمعنى الأول، أو الثاني، فلا، يجوز؛ لأنه مقصود بالمسح، وقد لبسه محدثاً، فلا يمسح عليه كالخف الواحد.
وإن قلنا: بالمعنى الثَّالث، فيجوز، كما لو لبس الخف على الطهارة، ثم أحدث وألصق به طاقة أخرى.
وفي المسألة طريقة أخرى: أنه لا يجوز المسح عليه جزماً، ولو لبس الأسفل كذلك وأحدث ومسح عليه، ثم لبس الجُرْمُوق، فهل يمسح عليه؟ منهم من بناه على

الجزء: 1 - الصفحة: 277

المعاني.
إن قلنا: الجرموق بدل الخف، أو قلنا: إنه كالظهارة، فيجوز.
وإن قلنا: إنه الخف، والأسفل كاللفافة فلا.
وقيل: يبنى الجواز على هذا المعنى الثالث، على أن المسح على الخُفِّ هل يَرفع الحدث أم لا؟.
إن قلنا: يرفع، فيجوز، وإلا فلا؛ لأنه لم يلبس على طهارة قوية.
ومنهم من بني المسألة على هذا الأصل، وقطع النظر عن المعاني الثلاثة، وإذا جوزنا المسح في هذه المسألة على الأعلى، فقد ذكر الشيخ أبو علي: أن ابتداء المدة يكون من حين أحدث أول ما لبس، لا من وقت الحدث بعد لبس الجُرْموقين، لأن كله كاللبس الواحد، يبنى البعض على البعض، وفي جواز المسح على الأسفل الخلاف الذي سبق.
ومنها: لو لبس الأسفل على الحدث، وغسله فيه، ثم لبس الأعلى وهو على طهارة كاملة، فلا يجوز المسح على الأسفل لا محالة، وهل يجوز على الأعلى؟ يبنى على المعاني.
إن قلنا: الأعلى بدل البدل، فلا يجوز؛ لأن الأسفل ليس ممسوحاً عليه، إذا كان ملبوساً على الحدث فلا يصلح للبدلية، وإن قلنا: إنهما كالظهارة والبطانة فكذلك لا يجوز، كما إذا لبس الخف [على الحدث] (1) ثم ألصق به طاقة أخرى، وهو متطهِّر، وإن قلنا: الأسفل كاللّفافة، فله المسح على الأعلى.
ومنها: لو تخرق الأعلى من الرجلين جميعاً، أو نزعهما بعد ما مسح عليه، وبقي الأسفل بحاله.
فإن قلنا: الأعلى بدل البدل، لم يجب نزع الأسفل؛ لأنَّ حكم الأصل لا يبطل بسقوط البدل؛ لكن لا بد من المَسْحِ على الخفين، كما إذا نزع الخف لا بد من غسل الرجلين، وهل يكفيه ذلك؟ أم يفتقر إلى اسْتِئنَاف الوضوء؟ فيه قولان، كما سنذكره في نزع الخف.
وإن قلنا: إنهما كالظّهارة والبطانة، فلا شيء عليه.
وإن قلنا: الأسفل كاللفافة فينزع الأسفل أيضاً، ويغسل الرّجلين، وفي لزوم الاسْتِئْنَاف قولان، فيحصل من مجموع الاخْتِلاَفات في المسألة خمسة أقوال، لا يلزمه شيء، يلزم المسح على الأسفل، لا غير، يلزم المسح مع استئناف الوضوء [يلزم نزع الخفين وغسل الرجلين، يلزم ذلك مع استئناف الوضوء] (2). ومنها: لو تخرق الأعلى من إحدى الرّجْلين، أو نزعه، فإن قلنا: الأعلى بدل البدل، فهل يلزمه نزعه من الرجل الأخرى؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم، كما لو نزع أحد الخُفَّيْن يلزمه نزع الثاني، ثم إذا نزع عاد القولان في أنه يكفيه المسح على الأسفلين، أم يحتاج 181 إلى إعادة الوضوء؟ (1)، (2) سقط في (ط).

الجزء: 1 - الصفحة: 278

والثاني: لا يلزم نزع الآخر؛ لأن كل واحدة من الرِّجلين دونها حائل، والفرض فيهما المسح، بخلاف ما إذا نزع أحد الخُفَّين، فإن فرض الرجل المكشوفة حينئذ الغسل، وعلى هذا فيما يلزمه قولان: أحدهما: المسح على الخف الذي خلع الأعلى من فوقه.
والثاني: استئناف الوضوء، والمسح على ذلك الخف، وعلى الأعلى من الرجل الأخرى.
وإن قلنا: الأعلى والأسفل كطاقتي خف واحد، لم يلزمه شيء.
وإن قلنا: بالمعنى الثّالث نزع الأسفل من الرجل التي نزع منها الأعلى، أو تخرق، ونزعهما من الثانية، ويغسل الرّجلين، وفي لزوم الاستئناف قولان: ومنها: لو تخرَّق الأسفل من الرجلين جميعاً لم يضر على المعاني كلها، وإن تخرق من إحداهما، فإن قلنا: الأعلى بدل البدل نزع واحدة من الرْجل الأخرى أيضاً؟ كيلا يكون جامعاً بين البدل والمبدل، كذلك ذكره في التَّهْذِيب وغيره، ولك أن تقول هذا المعنى موجود فيما إذا تخرَّق الأعلى من إحدى الرجلين.
وقد حكوا وجهين في لزوم النزع من الرجل الأخرى، فليحكم بِطَرْدِهِمَا هاهنا ثم إذا نزع 182 فما يلزمه؟ قولان: أحدهما: الأعلى من فوقه.
والثاني: استئناف الوضوء والمسح عليه وعلى الأعلى الذي تخرق الأسفل تحته، وإن قلنا بالمعنى الثاني، أو الثالث فلا شيء عليه.
ومنها: لو تخرَّق الأعلى والأسفل من الرجلين جميعاً أو من إحداهما لزم نزع الكل على المعاني كلها.
نعم.
إن قلناهما كَطَاقتي خُفٍّ واحد وكان الخرق في موضعين غير متجازيين لم يضر على ما تقدم.
ومنها: لو تخرق الأعلى من رجل والأسفل من الثانية فإن قلنا: إنه بدل البدل نزع الأعلى المتخرق وأعاد المسح على ما تحته وهل يكفي ذلك أم يحتاج إلى اسْتِئْنَاف الوضوء ماسحاً عليه وعلى الأعلى من الرجل الأخرى.
فيه قولان، وإن قلنا: هما كطاقتي خف واحد لم يضر.
وإن قلنا: الأسفل كاللّفافة وجب نزع الكل كما لو تخرق أحد الخفين ثم إذا نزع غسل الرّجلين، وفي استئناف الوضوء قولان: هذا كله تفريع على القديم، وإن فرعنا على الجديد ومنعنا المسح على الجُرْمُوق والخُفّ الأعلى، فان نزع الأعلى ومسح على الأسفل فذاك، وإن أدخل اليد بينهما ومسح على الأسفل فهل يجوز؟ فيه وجهان: أصحهما: وهو المذكور في الكتاب نعم، كما لو غسل رجليه وهما في الخف يجوز.

الجزء: 1 - الصفحة: 279

والثاني: لا يجوز؛ لأن المسح ضعيف فلا يجوز إذا كان هناك حائل؛ لانضمام ضعف إلى ضعف، وعلى هذا القول لو تَخَرَّق الخفان تحت الجرموقين نظر، إن كان عند التخرُّق على طهارة لبس الأسفل مسح على الأعلى؛ لأنه صار أصلاً بخروج ما تحته عن أن يمسح عليه، وإن كان محدثاً في تلك الحالة لم يمسح على الأعلى كما لو ابتدأ اللبس على الحدث؛ وإن كان على طَهَارة المسح، وذلك إذا جوزنا إدخال اليد بينهما، والمسح على الأسفل منهما ففي جواز المسح على الأعلى وجهان، كما ذكرنا في التفريع على القديم -والله أعلم-.
ولو لبس الجُرْمُوق في إحدى الرِّجْلين، واقتصر في الأخرى على الخف وأراد المسح على جرموق وخف، فلا شك أنه يمتنع ذلك على الجديد، وعلى القديم يبنى على المعاني الثّلاثة إن قلنا: الجرموق بدل البَدَل لم يجز ذلك؛ لأن إثبات البدل في إحدى الرجلين يمتنع كما يمتنع المسح في إحدى الرجلين والغسل في الأخرى، وقد ذكرنا أنه لو مسح على الجُرْموقين ثم نزع أحدهما لا يلزمه شيء على رأى، ويستدام حكم المسح على جُرْمُوقٍ وخف، والفرق على هذا أن الأمر في الاستدامة أقوى ألا يرى أن اعتراض العدّة والرّدّ في دوام النَكِّاح لا تبطله، بخلاف ما في الابتداء.
وإن قلنا: هما كطاقتي خف يجوز له المسح على الجرموق والخف الآخر، كما لو لبس خُفَّينِ لأحدهما طاقة واحدة وللآخر طَاقَتان.
فإن قلنا: الأسفل كاللّفافة فوجهان: أحدهما: لا يجوز كما لو لبس خفًّا ولف على الرجل الثَّانية لفافة.
وأصحهما: الجواز، لأنه إنما ينزل منزلة اللّفافة إذا كان مستوراً، فأما إذا كان بادياً فهو مستقل بنفسه بدل عن الرجل بخلاف ما لو نزع أحد الجرموقين يجب نزع الكل على ذلك التقدير؛ لأنه يلبس الجرموق، والمسح عليه صار الأسفل لفافة -والله أعلم-.
قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّانِي فِي كَيْفِيَّةِ المَسْحِ وَأَقَلُّهُ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الاسْمُ مِمَّا يُوَازِي مَحَلَّ الفَرْضِ، فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الأَسْفَلِ فَظَاهِرُ النَّصِّ مَنْعُهُ، وَأَمَّا الأكْمَلُ فَأَنْ يَمْسَحَ عَلَى أَعْلَى الخُفِّ وَأَسْفَلِهِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى أَسْفَلِهِ نَجَاسَةٌ، وَأَمَّا الغُسْلُ وَالتَّكرَارُ فَمَكْرُوهَانِ، وَاسْتِيعَابُ الجَمِيعِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ.
قال الرافعي: الكلام في كيفية المسح يتعلّق بالأقل والأكمل، فأما الأقل فيكفي في قدره ما ينطلق عليه اسم المسح خلافاً لأبي حنيفة، حيث قدر الأقل بثلاثة أصابع من أصابع اليد.
ولأحمد حيث أوجب مسح أكثر الخف.
لنا أن النصوص متعرضة لمطلق المسح، وإذا أتى بما وقع عليه اسم المسح فقد

الجزء: 1 - الصفحة: 280

مسح، وهذا كما ذكرنا في مسح الرأس، ثم لا بد وأن يكون محل المسح ما يوازي محل الفرض من الرّجل، إذ المسح بدل عن الغسل، وهل جميع ذلك محل المسح؟ أم لا؟ لا كلام في أن ما يحازي غير الأَخْمُصَيْن وَالعَقِبَيْن محل له، وأما ما يحازي الأخمصين وهو أسفل الخف ففي جواز الاقْتِصَار على مسحه ثلاثة طرق: أظهرها: أن فيه قولين: أظهرهما: أنه لا يجوز؛ لأن الرخص يجب فيها الاتباع، ولم يؤثر الاقتصار على الأسفل.
قال أصحاب هذه الطريقة: وهذا هو المراد فيما رواه المزني في "المختصر"؛ أنه إن مسح باطن الخف وترك الظاهر، وأعاد.
والثاني: وهو مخرج أنه يجوز؛ لأنه محاذ لمحل الفرض كالأعلى، وعبر بعضهم عن هذا الخلاف بالوجهين: والطريق الثاني: القَطْعُ بالجواز، ثم من الصَّائرين إليه من غلط المزني، وزعم أن ما رواه لا يعرف الشافعي في شيء من كتبه.
ومنهم من قال: أراد بالباطن الداخل، لا الأسفل.
والطريق الثالث: القطع بالمنع، وأما عقب الخف ففيه وجهان أنه ثم منهم من رتب العَقِبَ على الأسفل، وقال: العقب أولى بالجواز لأنه ظاهر يرى والأسفل لا يرى في أغلب الأحوال فأشبه الدّاخل.
ومنهم من قال العقب أولى بالمنع إذ لم يرد له ذكر أصلاً ومسح الأسفل مع الأعلى منقول: وإن لم ينقل الاقتصار عليه.
وتنبه بعد هذا الأمور على ألفاظ الكتاب: أحدها: قوله: "فإن اقتصر على الأسفل" بعد قوله: "مما يوازي محل الفرض" كالمنقطع عنه، ولو قال، لكن لو اقتصر أو نعم لو اقتصر، وما أشبه ذلك كان أولى ليشعر باستثنائه مما يوازي محل الفرض.
الثاني: قوله: "فظاهر النص منعه" جواب على طريقة القولين؛ لأن هذا الكلام إنما يطلق غالباً حيث يكون، ثم قول آخر، مخرج الثالث، ظاهر كلامه يقتضي تَجْوِيز المسح على عقب الخف؛ لأنه قال: أقله ما ينطلق عليه الاسم مما يوازي محل الفرض، ولم يخرج عنه إلا أسفل الخف وموضع العقب مما يوازي محل الفرض وليس هو من أسفل الخف لكن الأظهر عند الأكثرين أنه لا يجوز الاقتصار عليه، كالأسفل، وأما الأكمل فهو أن يمسح أعلى الخف وأسفله، خلافاً لأبي حنيفة، وأحمد حيث قالا: لا يمسح الأسفل.
لنا ما روي عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه-: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-

الجزء: 1 - الصفحة: 281

مَسَح أَعْلَى الخُفِّ وَأَسْفَلَهُ" 183. والأولى أن يضع كفه اليسرى تحت العقب، واليمنى على ظهور الأصابع، ويمر اليسرى إلى أطراف الأصابع من أسفل، واليمنى إلى الساق، تروى هذه الكيفية ابن عمر -رضي الله عنهما- 184. وقوله: "إلا أن يكون على أسفله نجاسة" استثناء لم يذكره في "الوسيط"، ولا تعرض له الأكثرون، وفيه إشعار بالعفو عن النجاسة التي تكون على الخف، ولا شك أنه إن كان عند المسح على أسفل خفه نجاسة فلا يمسح عليه؛ لأن المسح يزيد فيها، وأما إشعاره بالعفو والقول في أنه كيف يصلي فيه، أيتعين إزالة النجاسة عنه بالماء كما في سائر المواضع؟ أم يكفي دلكه بالأرض فسيأتي في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى، وهل يستحب مسح عقب الخف؟ فيه قولان: وقيل وجهان: أصحهما: نعم، كسائر أجزاء الخف من الأعلى والأسفل.
والثاني: لا؛ لأن السنة ما جاءت به؛ ولأنه موضع ثقيل، وبه قوام الخُفِّ، فإدامة المسح عليه تفسده، ومنهم من قطع بالاستحباب، ونفى الخلاف فيه، ثم مسح الأعلى والأسفل وإن كان محبوباً، لكن استيعاب الكل ليس بسنة مَسَحَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى خُفِّهِ خُطُوطاً مِنَ الْمَاءِ" 185.

الجزء: 1 - الصفحة: 282

وحكى عن تعليق القاضي: أنه يستحب الاستيعاب كما في مسح الرأس، وأما قوله: "الغسل وَالتَّكرار مكروهان" فإنما يكره الغسل؛ لأنه تعييب للخُفِّ بلا فائدة، وكذلك التَّكرار يوجب ضعف الخف وفساده وهذا المسح رخصة مبنية على التَّخْفيف.
ولك أن تعلم قوله: "فمكروهان" بالواو، وأما في الغُسْلَ، فلأن القول بالكراهة مبني على أن الغسل جائز قائم مقام المسح في صحة الوضوء، وفيه وجه: أن الغسل لا يجزئ كما ذكرنا في مسح الرَّأس إلا أنه مكروه، وأما في التَّكْرار فلأن القاضي أبا القاسم بن كج حكى وجهاً أنه يستحب فيه التَّكرار ثلاثاً، كما في مسح الرَّأْس 186. قال الغزالي: النَّظَرُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِهِ وَهوَ إِبَاحَةُ الصَّلاَة إِلَى انْقِضَاءِ مُدَّتِهِ أَوْ نَزْعِ الخُفِّ، وَمُدّتُهُ لِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ (م و) وَلِلْمُسَافِرِ ثَلاَثةُ أَيَّامٍ مِنْ وَقْتِ الحَدَثِ فَلَوْ لَبِسَ المُقِيمُ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ الحَدَثِ أَتَمَّ مُدَّةَ المُسَافِرِينَ، وَكَذَا لَوْ أَحْدَثَ فِي الحَضَرِ، فَإِنْ مَسَحَ فِي الحَضَرِ (ح ز) ثُمَّ سافَرَ أَتَمَّ مَسْحَ المُقِيمِينَ (ح) تَغْلِيباً لِلإِقَامَةِ، وَلَوْ مَسَحَ فِي السَّفَرِ ثُمَّ أَقَامَ لَمْ يَزِدْ (ز) عَلَى مُدَّةِ المُقِيمِينَ وَلَوْ شَكَّ فَلَمْ يَدْرِ أَنُقِضَت المُدَّة أَوْ مَسَحَ فِي الحَضَرِ، فَالأَصْلُ وُجُوبُ الغَسْلِ وَلاَ يُتْرَكُ مَعَ الشَّكِّ.
قال الرافعي: يباح بالوضوء الذي مسح فيه على الخُفَّين الصلاة وسائر ما يفتقر إلى الطَّهارة ومد صاحب الكتاب ذلك إلى إحدى غايتين إما قضاء مدة المسح وإما نزع الخف وفي معناه تفرقه فأما الغاية الأولى وهي مضي المدة فتعرف بمعرفة مدته، وهل يتقدر المسح بمدة أم لا؟ فيه قولان قال: في القديم: لا.
وبه قال مالك لما روى عن خزيمة قال: "رَخَّصَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لِلْمُسَافِرِ أن = المهذب": هذا الحديث ضعيف، روى عن علي مرفوعاً، وعن الحسن -يعني البصري- قال: من السنة أن يمسح على الخفين خطوطاً، وقال في "التنقيح": قول إمام الحرمين: إنه صحيح، غلط فاحش، لم نجده من حديث علي، لكن روى ابن أبي شيبة أثر الحسن المذكور.
وروي أيضاً من حديث المغيرة بن شعبة: رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بال ثم جاء حتى توضأ، ومسح على خفيه، ووضع يده اليمنى على خفه الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة، حتى كأني انظر إلى أصابعه -صلى الله عليه وسلم- على الخفين، ورواه البيهقي من طريق الحسن عن المغيرة بنحوه، وهو منقطع.
انظر التلخيص (1/ 160 - 161).

الجزء: 1 - الصفحة: 283

يمسح ثَلاَثَةَ أيام وَلَيَالِيهِنَّ لَوِ اسْتَزَدْنَاهُ 187 لَزَادَنَا" 188 وعن أبي بن عمارة وكان ممن صلَّى إلى القبلتين قال: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَمْسَحُ عَلَى الْخُفِّ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: يَوْماً، قَالَ: وَيَوْمَيْنِ، قُلْتُ: وَثَلاثَةَ أَيَّامٍ، قَالَ: نَعَمْ وَمَا شِئْتَ" 189. وقال في الجديد: وهو المذكور في الكتاب يتقدر في حقِّ المقيم بيوم وليلة وفي حق المسافر بثلاثة أيام ولياليهن، لحديث صفوان بن عَسّال كما سبق، وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أن النّبي -صلى الله عليه وسلم-: "جَعَلَ الْمَسْحَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيهِنَّ لِلْمُسَافِرِ وَيَوْماً وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ" 190. ويتفرع على الجديد مسائل: إحداهما: يعتبر ابتداء المدة في حق المسافر والمقيم جميعاً من وقت الحدث بعد اللّبث خلافاً لأحمد حيث قال: في ما رواه أصحابنا: يعتبر من وقت المسح والذي رأيته لأصحابه أنه يعتبر من وقت الحدث كما ذكرنا ونسبوا الاعتبار من وقت المسح إلى داود.
لنا أن وقت جواز المسح يدخل بالحدث ولا معنى لوقت العبادة سوى الزمان الذي يجوز فعلها فيه كوقت الصَّلاة وغيره وغاية ما يمكن فعله بالمسح من الصَّلوات المؤدَّاة على التَّوالي ست عشرة إذا لم يجمع وإن جمع فيتصور أن يؤدي به سبع عشرة صلاة وذلك في حالة عدم الجمع مثل أن يحدث بعد طلوع الفجر بقدر ما يسع صلاة الفجر وقد بقي إلى طلوع الشمس ما يسعها أيضاً فيتوضأ ويمسح على خُفَّيه ويصلّي الفجر، ويصلّي باقي صلوات اليوم والليلة بالمسح، وكذلك صلوات اليوم الثاني والثالث ويصلّي الفجر في اليوم الرابع قبل الانتهاء إلى وقت الحدث في اليوم الأول

الجزء: 1 - الصفحة: 284

فتلك ست عشرة وفي حالة الجمع مثل أن يحدث بعد الزَّوال بقدر ما يسع صلاة الظهر والعصر، وقد بقي من وقت الظهر ما يسعهما، أيضاً فصلاّهما بالمسح وكذا ما بعدهما من الصلوات إلى أن يدخل وقت الزوَال في اليوم الرابع فيصلي بالجمع الظهر والعصر قبل الانتهاء إلى وقت الحدث في اليوم الأول فيكون قد صَلَّى أربع صلوات من صلوات اليوم الأول وعشراً من صلوات اليوم الثَّاني والثَّالث ثلاث صلوات من صلوات اليوم الرابع فجملتها سبع عشرة، وغاية ما يصلّي المقيم بالمسح من صلوات الوقت ست صلوات إن لم يجمع وسبع إن جمع، بعذر مطر ولا يخفى تصويره مما ذكرنا في المسافر.
الثانية: إنما يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن بشرطين: أحدهما: أن يكون سَفَرُهُ طويلاً، أما السفر القصير فهو كالإقامة.
والثاني: ألا يكون سفر معصية فإن كان سفر معية لم يمسح ثلاثة أيام ولياليهن كما لا يترخَّص بالقصر والإفطار، وهل يمسح يوماً وليلة؟ فيه وجهان مذكوران في باب صلاة المسافرين في الكتاب وسنشرحهما ثم ويجريان في أن العاصي بالإقامة كالعَبْدِ المأمور بالسفر إذا أقام عل يمسح يوماً وليلة أم لا.
الثالثة: لو لبس الخف في الحضر ثم سافر وأحدث في السَّفَرِ فله أن يمسح مسح المسافرين وكذلك لو أحدث في الحضر ثم سافر وابتدأ المسح في السفر خلافاً للمزني حيث قال في هذه الصورة: يمسح مسح المقيمين، لأن ابتداء المدة وقع في الحضر.
لنا أن أول المسح أول العبادة، فإذا وقع في السَّفَر أقيمت العبادة كما تقدم في السفر ولا نظر إلى دخول الوقت في الحضر ألا ترى أنه لو سافر بعد دخول وقت الصلاة كان له القصر على الصَّحيح ولا فرق بين أن يخرج وقت الصلاة بعد ما أحدث في الحضر وبين ألا يكون كذلك.
قال أبو إسحاق المروزي: إذا مضى الوقت في الحضر ولم يصل ثم سافر مسح مسح المقيمين، لأنه عاص بإخراج الصلاة عن الوقت ولا رخصة للعاصي.
والأول: أصح، كما لو فاتتة صلاة في الحضر له أن يقضيها بالتيمم في السفر.
وليكن قوله في الكتاب: "وكذا لو أحدث في الحضر" معلماً بالزّاي لمذهب المزني وبالواو للتفصيل الذي رويناه عن أبي إسحاق.
ولو ابتدأ المسح في الحضر ثم سافر أتم مسح المقيمين ولا يزيد عليه، خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: يمسح مسح المسافرين إلا أن يتم اليوم والليلة قبل مفارقة العمران.
وعن أحمد روايتان:

الجزء: 1 - الصفحة: 285

إحداهما: مثل مذهبنا.
والثانية: أنه يمسح مسح المسافر.
لنا أنه عبادة اجتمع فيها الحضر والسفر فيغلب حكم الحضر كما لو كان مقيماً في أحد طرفي صلاته لا يجوز له القصر.
واعلم أن الاعتبار في المسح بتمامه حتى لو تَوَضَّأَ في الحَضَرِ، ومسح على أحد الخفين ثم سافر ومسح على الآخر، كان له أن يمسح مسح المُسَافرين؛ لأنه لم يتم المسح في الحضر 191 ولو ابتدأ المسح في السَّفَرِ ثم صار مقيماً نظر إن أقام بعد تمام يوم وليلة لم يمسح، بل ينزع ويستأنف اللبس ويجزئه ما مضى، وإن زاد على يوم وليلة وإن أقام قبل تمام يوم وليلة فله أن يتم يوماً وليلة مسح المقيمين.
وقال المزني كل يوم وليلة في السفر مقابل بثلث يوم وليلة في الحضر، فإن مسح يوماً وليلة في السفر ثم أقام، فله ثلثا يوم وليلة.
وإن مسح يومين وليلتين ثم أقام فله ثلثا يوم وليلة.
لنا تغليب جانب الحَضَرِ كما تقدم.
الرابعة: لو شك في انقضاء مدة المسح: أما المقيم في مدة المقيمين أو المسافر في مدة المسافرين وجب عليه غسل الرجلين وتعذر المسح.
قال صاحب "التلخيص": هذا مما يستثنى عن قولنا: اليقين لا يترك بالشك؟ لأن جواز المسح يقين وانقضاء المدّة مشكوك فيه، أجاب الأصحاب بأن قالوا: لا بل هذا أخذ باليقين، لأن الأصل وجوب غسل الرّجلين والمسح رخصة منوطة بشرائط فإذا شك في المدة فقد شك في بعض الشّرائط فيعود، إلى الأصل وهذا كما لو توضَّأت المستحاضة ثم شكت في انقطاع دمها.
قال الشافعي -رضي الله عنه-: لا تُصَلِّي حتى تتوضأ ولا نقول: الأصل سَيَلاَنُ الدم بل نقول: الأصل أن من أحدث توضأ وإنما جَوَّزَ لها الصلاة للضرورة فإذا شكت في بقاء الضرورة عادت إلى الأصل.
وكذلك لو دخل المسافر بعض البلاد، ولم يدر أنه البلد الذي قصده، أم غيره فلا يقصر؛ لأن الأصل وجوب الأربع وقد شَكَّ في شرط القصر وهو السَّفر.

الجزء: 1 - الصفحة: 286

ولو شك المسافر في أن ابتداء مسحه كان في الحضر أو في السّفر لا يزيد على مدة المقيمين أخذاً بالأصل المقتضي لوجوب الغسل فلو مسح في اليوم الثاني على الشَّكِّ وصلى ثم زال الشّك في اليوم الثالث وعلم أنه ابتدأ المسح في السَّفَرِ فعليه إعادة صلوات اليوم الثاني؛ لأنه صلاها على الشك ويجوز أن يصلي بالمسح في اليوم الثالث ثم إن كان على مسح اليوم الأول ولم يحدث في اليوم الثاني له أن يصلي في اليوم الثَّالث بذلك المسح، وإن كان قد أحدث في اليوم الثَّاني لكنه مسح على الشك وجب عليه إعادة المسح لصلوات اليوم الثَّاني، وفي وجوب استئناف الوضوء قولان.
ويجوز له أن يعيد صلوات اليوم الثَّاني بالمسح في اليوم الثَّالث، ذكر كل ذلك في "التَّهْذِيب" وقال ابن الصباغ في الشامل: يجب إعادة الصلوات لكن يجزئه المسح مع الشك، والأول أظهر هذا تمام الكلام في إحدى الغَايَتَيْنِ.
قال الغزالي: وَمَهْمَا نَزَع الخُفَّيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَيَجِبُ غَسْلُ القَدَمَيْنِ، وَأَمَّا الاسْتِئْنَافُ فَلاَ يَجِبُ إِن قُلْنَا: إِن المَسْحَ لاَ يَرْفَعُ الحَدَثَ وَإِنْ قُلْنَا: يَرفَعُ وَجَبَ لِأَنَّهُ فِي عَوْدِهِ لاَ يَتَجَزَّأُ.
قال الرافعي: الغاية الثّانية نزع الخفين أو أحدهما، ومهما اتّفق ذلك وهو على طهارة لزم غسل الرِّجْلَيْنِ سواء كان عند انقضاء المدة أو قبلها، وهل يجب استئناف الوضوء؟ فيه قولان: أحدهما: يجب وبه قال أحمد: وأصحهما: لا، وبه قال مالك وأبو حنيفة والمزني، واختلف الأصحاب في أن القولين مستقلان بنفسهما أو هما مبنيان على أصل آخر: منهم من قال: هما مستقلان ووجه قول الاكتفاء بغسل الرّجلين بأن المسح بدل زال حكمه بظهور محل مبدله فيرجع إلى المبدل وهو الغسل كالمتيمّم يرى الماء.
ووجه قول الاستئّناف بأن قال: عبادة بطل بعضها فيبطل كلها كالصَّلاة.
ومنهم من قال: هما مبنيان على أصل واختلفوا فيه على ثَلاَثَةِ طرق.
أحدهما: أنهما مبنيان على القولين في تفريق الوضوء إن جوزنا كفى غسلهما وإلا وجب الاستئناف، ويحكى هذا عن ابن سريج وأبي إسحاق لكن زيفه الجمهور، من وجوه منها أنه لا خلاف في جواز التفريق في الوُضُوء على الجديد ونص في مواضع من الجديد على وجوب الاستئناف هاهنا، ومنها: أن قولي التَّفريق يَخْتَصَّان فالتفريق الكثير

الجزء: 1 - الصفحة: 287

فأَمَّا اليسير منه فهو جائز بلا خلاف ولا سائر إلى الفرق فيما نحن فيه، ومنها أن التَّفْرِيق بالعُذْرِ جائز والعذر موجود هاهنا.
والثاني: أنهما مبنيان على أن بعض الطّهارة هل يختص بالانتقاض أم يتداعى انتقاض البعض إلى انتقاض الكل؟ فيه قولان: أحدهما: يختص البعض بالانْتِقَاض؛ لأنه لو غسل بعض أعضاء طهارته يرتفع الحدث عنه، وإن لم يرتفع عن الباقي، وإذا جاز أن يَتَبَعَّضَ ارتفاعاً جاز أن بتبعض ثبوتاً فعلى هذا لا يجب الاستئناف.
والثاني: لا يختص البعض بالانتقاض كالصلوات وسائر العبادات فعلى هذا يجب الاستئناف والثَّالث وهو المذكور في الكتاب، وبه قال القَفَّال والشيخ أبو حامد وأْصحابهما أنهما مبنيان على أن المسح على الخفين، هل يرفع الحدث عن الرجلين أم لا؟ فيه قولان: أحدهما: يرفع؛ لأنه مسح بالماء فأشبه مسح الرأس، ولأنه يجوز الجمع به بين فرضين ولو لم يرفع الحدث لما جاز كالتَّيمم.
والثاني: لا يرفع لأنه لو رفع الحدث لما تقدر بمدة ولا يمتد أثره إلى وجود الحدث فإن قلنا: إنه لا يرفع الحدث عن الرجل فلا يجب استئناف الوُضُوء؛ لأن الحدث قد ارتفع عن سائر الأعْضَاء إِلا عن الرجلين فإذا غسلهما ارتفع عنهما أيضاً، وكفى.
قال في "التَّتمَّة": وهذا إذا لم يقع تفريق كثير وإن وقع ففيه خلاف التَّفريق، وإن قلنا: إن المسح يرفع الحدث عن الرجل فيجب استئناف الوُضُوء؛ لأن وجوب غسل الرجلين عند النزع يدل على عود الحدث فيهما والحدث، لا يتجَزَّأ في عوده 192. واعلم أن هذه الطريقة والتي قبلها متقاربتان، ومن يجوز انتقاض بعض الطَّهَارة دون بعض لا يبعد أن يقول بأن الحدث يتجزَّأُ عند العود، ولا يسلم لزوم الاستئناف -والله أعلم- هذا تمام الكلام في الغايتين ولك أن تقول غاية فائدة المسح لا تنحصر في الأمرين المذكورين بل تنتهي بأمرين آخرين.

الجزء: 1 - الصفحة: 288

أحدهما: أن يلزم الماسح غسل جنابة أو كانت امرأة فلزمها غسل حَيْضٍ أو نِفَاسٍ فيجب غسل الرجلين، واستئناف اللّبس بعد ذلك إن أراد المسح.
قال صفوان: كان يأمرنا أن لا ننزع خِفَافَنَا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جَنَابَةٍ والمعنى فيه أن الجنابة لا تتكرر فلا يشق نزع الخف لها.
الثاني: إذا دَمِيَتْ رجله في الخف ولم يمكن غسلها فيه وجب النزع وغسل الدَّم ولا يكون المسح بدلاً عنه وإن أمكن غسلها فيه فغسلها لم يبطل المسح.
قال الغزالي: فَرْعٌ لَوْ لَبِسَ فَرْدٌ خُفَّهُ لَمْ يَجُزِ المَسْحُ إلاَّ أَنْ تَكُونَ الرِّجْلُ الأخُرَى سَاقِطَةً مِنَ الكَعْبِ.
قال الرافعي: سليم الرجلين إذا لبس أحد الخفين دون الآخر لم يجز المسح عليه لوجهين: أحدهما: أن المسح إنما جوز للارْتِفَاقِ بلبس الخف لغرض المشي، أو دفع الحَرِّ والبرد وغيرهما، والمعهود في تحصيل هذه الأغراض لبسهما جميعاً، فإذا لم يفعل لزمه الغسل الذي هو الأصل.
والثاني: أن الرجلين بمثابة العضو الواحد وهو مخير فيهما بين الغسل وبين المسح على الخفين، وإذا تخير بين خصلتين في العبادة الواحدة، لم يَجُزْ له التَّوزيع كما في خِصَال الكفارة ولو لم يكن له إلا رجل واحدة إما بأصل الخِلْقة أو بسبب عارض فهي وحدها كالرجلين إن شاء غسلها وإن شاء مسح على سائرها بالشَّرَائط السَّابقة؛ لأنه قد يحتاج إلى اللَّبس أيضاً للمشي عليه مع عصا يتخذها، أو لدفع الحر والبرد ولو بقيت من الرجل الأخرى بقية لم يَجُزِ المسح حتى يواريها بساتر مستجمع لشرائط المسح 193.

الجزء: 1 - الصفحة: 289

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل