كِتَابُ التَّدْبِيرِ
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ فِي
أَرْكَانِهِ
وَأَحْكَامِهِ أَمَّا الأَرْكَانُ فَهُوَ اللَّفْظُ وَالأَهْلُ أَمَّا اللَّفْظُ فَصَرِيحُهُ قَولُهُ: دَبَّرْتُكَ وَأَنْتَ مُدَبَّرٌ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ بَعدَ مَوْتِي، وَقِيلَ: إِنَّ لَفْظَ التَّدْبِيرِ كِنَايَةٌ، وَالتَّدْبِيرُ المُقَيَّدُ كَالمُطْلَقِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ قُتِلْتُ أَوْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِيَوْمٍ فَيُعْتَقُ بَعْدَ مَوتِهِ بِيَوْمٍ وَلاَ يُحْتَاجُ إلَى الإِنْشَاءِ، وَلَوْ قَالَ: إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ مُدبَّرٌ فَلاَ يَصِيرُ مُدبَّراً مَا لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، وَلَوْ قَالَ شَرِيكَانِ: إِذَا مِتْنَا فَأَنْتَ حُرٌّ فَلاَ يُعْتَقُ مِنْهُ شَيْءٌ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا حَتَّى يَمُوتَ الآخَرُ لَكِنْ لَيْسَ لِلوَارِثِ بَيْعُهُ حَتَّى يَمُوتَ الشَّرِيكُ كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْتَ الدَّارَ بَعْدَ مَوْتِي فَأَنْتَ حُرٌّ فَإِنَّهُ لاَ يَبِيعُهُ قَبلَ الدُّخُولِ فَلَيْسَ لِلوَارِثِ إِبْطَالُ تَعْلِيقِ المَيِّتِ كَمَا لَيْسَ لَهُ إبْطَالُ عَارَيتِهِ المُضَافَةِ إلَى مَا بَعْدَ المَوْتِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: رُوِيَ عن جَابِرٍ -رضي الله عنه- أن رَجُلاً دَبَّرَ غُلاَماً له لَيْسَ له مَالٌ غَيْرُهُ -فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ " فاشتراه نعيم بْنُ النَّحَّامِ 1.
التَّدْبيرُ: تعليق العِتْقِ بِدَبْرِ الحَيَاةِ، ومن لفظه: الدُّبُرُ، سُمِّيَ تَدْبِيراً.
وقيل: سُمِّيَ تدبيراً؛ لأنَه دَبَّرَ أَمْرَ دُنْيَاهُ باسْتِخدَامِهِ واسْتِرْقَاقِهِ وأَمْرَ آخِرَتِهِ بِإعْتَاقِهِ، وهذا مَرْدُودٌ إلى الأول أيضاً؛ لأن التدبير في الأَمْرِ مأخوذ من لفظ الدُّبُرِ أيضاً؛ لأنه نظرٌ في عَوَاقِبِ الأمر وأَدْبَارِهِ وفي الكتاب نَظَران:
أحدهما: في أركان التَّدْبِيرِ.
والثاني: في أحكامه.
الجزء: 13 - الصفحة: 407
أما الأركان: فهي: الصِّيغَةُ والأَهْلُ والمَحَلُّ.
وترك [ذِكْرَ] 2 المحل لوضوحه، واقتصر على الكلام في الأولين:
أحدهما: الصِّيغَةُ -وفيه مَسْأَلَتَانِ:
إحداهما: ينعقد التَّدْبِيرُ بالصَّرِيحِ وبالكِنَايَةِ مع النِّيَّةِ.
فالصريح: مثل أن يقول: أنت حُرٌّ بعد مَوْتِي، أو: أَعْتَقْتكَ أو حَرَّرْتُكَ بعد موتي 3، أو إذا، أو متى مِتُّ فأنت حُرٌّ أو عَتِيقٌ.
فإذا مات عتقَ ولو قال: دَبَّرْتُكَ، أو: أنت مُدَبَّرٌ، فالنَّصُّ أنه صريح 4، ويعتق العَبْدُ إذا مات، ونص في الكتابة على أنه إذا
الصيغة
ذكرها المصنف وذكر معها حررتك بعد موتي، وهما في الرد سواء، واتبع الرافعي في هذا البغوي فإنه ذكر في التهذيب ذلك ولم أر ذلك في غير تهذيب البغوي.
الجزء: 13 - الصفحة: 408
قال: كَاتَبْتُكَ على كذا لم يَكْفِ حتى يقول: فإذا أَدَّيْتَ فأنت حُرٌّ، أو ينويه.
وفيهما طرِيقان للأصحاب؛ نقل ناقلون الجَوَابَ 5 في كُلِّ واحد من العَقْدَيْنِ إلى الآخر، وخَرَّجُوهُمَا على قولين:
أحدهما: أنهما صريحان لاشْتِهَارِهِمَا في معنييها اشْتِهَارَ البيع والهِبَةِ، وسائر العقود في معانيها.
والثاني: كنايتان؛ لِخُلُوِّهِمَا عن لَفْظِ العِتْقِ والحُرِّيَةِ، ولا يَكَادَانِ يستعملان عن إنشاء العَقْدِ، إلاَّ مع التَّعَرُّضِ للحرية.
وأظهرهما: الجَرَيَانُ على النصين، وفرقوا بينهما بوَجْهَيْنِ:
[أصحهما] 6: أن التدبير ظَاهِرُ المعنى، مَشْهُورٌ عند كل أَحَدٍ، [والكناية] 7 كمعناها لا يَعْرِفُهَا إلا الخَوَاصُّ.
والثاني: أن التدبير كان معروفاً في الجاهِلِيَّةِ في معناه، والشرع قد قَرَّرَهُ، ولا يستعمل في معنى آخر، والكتابة تقع على العَقْدِ المَعْلُوم، وعلى المُخَارَجَةِ، وهي أن يُوَظِّفَ على العبد الكَسُوبِ كُلَّ يوم خَرَاجاً، ولا يعتق بهَ، فلا بد من التَّمْيِيزِ باللفظ أو النِّيَّةِ، والكِنَايَةِ؛ مثل أن يقول: خَلَّيْتُ سَبِيلَكَ بعد موتي، وينوي العِتْقَ.
ولو قال: دَبَّرْتُ نِصْفَكَ، أو رُبُعَكَ.
صح.
وإذا مات عتق ذلك الجُزْءُ ولم يَسْرِ.
ولو قال: دَبَّرْتُ يَدَكَ، أو رجلك.
فعن القاضي الحُسَيْنِ: أن فيه وَجْهَيْنِ، بِنَاءً على أن قول القائل: زني يَدُكَ هل يكون قَذْفاً؟ ففي وَجْهٍ: يصح، ويكون كله مُدَبَّراً.
وفي وجه يَلْغُو.
وعن "الأم" أنه لو قال: أنت حُرٌّ بعد موتي، أو لست بحُرٍّ.
لا يَصِحُّ التدبير، كما لا يحصل العِتْقُ، إذا قال: أنت حُرٌّ، أو لست بحر، والطَّلاَقُ إذا قال: أَنْتِ طَالِقٌ، أو لست بطالق.
المسألة الثانية: يصح التَّدْبِيرُ مُطْلَقاً، وهو أن يُعَلِّقَ العِتْق بالموت بلا شَرْطٍ، ويفيد الشَّرْطَ في الموت؛ مثل أن يقول: إن قُتِلْتُ أو مِتُّ حَتْفَ أَنْفِي، أو متُّ من مَرَضِي هذا، أو في سَفَرِي هذا، أو في هذا الشَّهْرِ، أو في هذا البَلَدِ، فأنت حُرٌّ، فإن مات على الصِّفَةِ المذكورة، فَيُعْتَقُ، وإلاَّ فلا.
= الجاهل والعالم وكذلك التدبير، انتهى.
غير أن ما قاله أبو إسحاق قوي جداً فإن لفظ التدبير لإرادة العتق بعد الموت لا يعرفه إلا الفقهاء بخلاف صريح الطلاق والعتق، انتهى.
الجزء: 13 - الصفحة: 409
وفي "جمع الجوامع" للرُّوَيانِيِّ: أنه قال في "البُوَيْطِيِّ": إذا قال: أنت حُرٌّ إن مِتُّ من مَرَضِي هذا، أو في سفري هذا، فمات من مَرَضِهِ، أو في سَفَرِهِ، كان حُرَّاً، لكنه وَصِيَّةٌ، وليس بِتَدْبِيرٍ.
ونقل القاضي ابْنُ كَجٍّ مِثْلَهُ عن النَّصِّ، ويمكن أن يكون هذا مصَيَّراً إلى أن التدبير هو تَعْلِيقُ العِتْقِ بِمُطْلَقِ الموت، وأنه 8 لا يَنْقَسِمُ إلى مُطْلَقٍ ومُقَيَّدٍ، والظاهر الأَوَّلُ.
وتظهر فَائِدَةُ الخلاف في الرُّجُوعِ على ما سيأتي إن شاء اللهُ تعالى.
ولو قال: إذا مِتُّ ومضى شَهْرٌ، أو يوم، فأنت حر، أو قال: أنت حُرٌّ بعد موتي بِيَوْمٍ، فيعتق العَبْدُ بعد يوم عن مَوْتِهِ، ولا يحتاج إلى إِنْشَاءِ إعتاق 9 بعد المَوْتِ.
وقال أبو حَنِيْفَةَ: لاَ بُدَّ من مُبَاشَرَةِ الإِعْتَاقِ بعد موته بيوم، وكأنه أوْصَى بِإِعْتَاقِهِ.
وسياق الكتاب [يُشْعِرُ] 10 بِعَدِّ هذه الصُّورَةِ من التدبير المُقَيَّدِ، فإنَّه قال: "والتدبير المُقَيَّدُ كالمُطْلَقِ، وهو أن يقول: إن قُتِلْتُ أو مِتُّ من مَرَضِي هذا، فأنت حر، أو أنت حُرٌّ بعد موتي بِيَوْمٍ".
وَعَدَّ الصَّيْدَلاَنِيُّ قوله: إذا مِتُّ، ودخلت الدار، فأنت حُرٌّ.
وقوله: إذا مِتُّ ومضى شَهْرٌ، فأنت حُرٌّ -من التدبير المُطْلَقِ، من حيث إِنه لم يَعْتَبِرْ من نفس الموت شَرْطاً.
والذي أَوْرَدَهُ أكثرهم، منهم الشَّيْخُ أبو حَامِدٍ والقَاضِيَانِ: ابْنُ كَجٍّ، والرُّوَيَانِيُّ، وابن الصباغ -رحمهم الله- أن ذلك ليس من التَّدْبِيرِ المطلق، ولا المُقَيَّدِ، وقالوا: مَهْمَا عَلَّقَ العِتْقَ بصفة بعد الموت، كقوله: إذا مِتُّ، وشِئْتَ الحُرِّيَّةَ، أو شاء فلان، أو إن مِتُّ، ثم دَخَلْتَ الدار، فأنت حر، أو أنت حُرٌّ بعد موي، أو إذا خَدَمْتَ ابني سَنَةً، فذلك ليس بِتَدْبِيرٍ، وإنما هو كَسَائِرِ التَّعْلِيقَاتِ.
ويجوز تَعْلِيقُ التدبير، كما يجوز تَعْلِيقُ العتق؛ وذلك مِثْل أن يقول: إذا، أو متى دخلت الدار، فأنت حر، [أو أنت] 11 بعد موتي، أو: فأنت مُدَبَّرٌ.
فإذا دخل الدار صار مُدَبَّراً، ولا يشترط الدُّخُولُ في الحال، ولكن يشترط حُصُولُهُ في حَيَاةِ [السيد] 12، كما في سائر الصِّفَاتِ المُعَلَّقِ عليها، فلو مات السَّيِّدُ قبل 13 الدخول، فلا تدبير، وَيَلْغُو التعليق، إلاَّ أن يُصَرِّحَ، فيقول: إذا دَخَلْتَ الدار بعد موتي، أو إذا مِتُّ، ثم دَخَلْتَ الدار، فأنت حُرٌّ، فإنما يُعْتَقُ بالدخول بعد الموت.
وأَبْدَى الإِمَامُ في تعليق العِتْقِ بالدخول بعد المَوْتِ احْتِمَالاً مِنْ طريق المعنى، وذكر أنه رَمَزَ إليه القاضي، ولا يشترط المُبَادَرَةُ إليه بعد الموت، بل متى دخَلَ عتق،
الجزء: 13 - الصفحة: 410
ولو قال: إذا مِتُّ، ودخَلْتَ الدَّارَ، فأنت حر.
قال في "التهذيب": يُشْتَرَطُ الدُّخُولُ بعد الموت، إلاَّ أن يريد الدخول قَبْلَهُ.
ولو قال: إذا مِتُّ، فَدَخَلْتَ الدَّارَ، أو إذا مِتُّ، فأنت حر إن دخلت الدار، فعلى ما سَنَذْكُرُ في التعليق بالمَشِيئَةِ.
ولو قال الشَّرِيكَانِ للعبد المُشْتَرَكِ: إذا مِتْنَا فأنت حر، فلا يعتق العبد، ما لم يَمُوتَا جميعاً، [إما] 14 على التَّرْتِيبِ، أو مَعاً؛ لأنهما عَلَّقَا عِتْقَهُ.
بموتهما.
ثم إِنْ مَاتَا معاً، ففي "الكافي" للروياني وَجْهٌ: أن الحاصل عِتْقُ تَدْبِيرِ؛ لاتِّصَالِهِ بالموت، والظاهر أنه عِتْقٌ بحصول الصِّفَةِ؛ لتعلق العتق [بموته، وموت غيره، والتدبير أن يعلق العتق] 15 بموت نفسه.
وإن ماتا على الترتيب: فعن أبي إِسْحَاقَ: أنه لا تَدْبيرَ أيضاً، والظاهر أنه إذا مَاتَ أحدهما، يصير نَصِيبُ الثاني مُدَبَّراً؛ لتعلُّق العتق بموته، وكأنه قال: إذا مات شريكي، فنصيبي منك مُدَبَّرٌ، ونصيب الميت لا يكون مُدَبَّراً، وهو بين الموتين لِلْوَرَثَةِ، فلهم التصرف فيه بما لا يزيل المِلْكَ؛ كالاستخدام والإجَارَةِ، وليس لهم بَيْعُهُ؛ لأنه صار مُسْتَحِقَّ العِتْقِ بموت الشريك الآخَرِ، وكذا إذا قال.
إن 16 دخَلْتَ الدار بعد موتي فأنت حُرٌّ، ليس للوارث بَيْعُهُ بعد الموت، وقبل الدخول؛ إذ ليس له إِبْطَالُ تَعْلِيقِ الميت، وإن كان له أن يُبْطِلَهُ، كما لو أوصى لإِنْسَانِ بشيء، ومات لا يجوز للوارث بَيْعُهُ، وإن كان للموصى أن يَبِيعَهُ.
وكذا مَنْ أَعَارَ، له الرُّجُوعُ في العَارِيةِ.
ولو قال: أَعْيرُوا دَارِي من فُلاَنٍ، بعد موتي شهراً، وجب تنفيذ وَصِيَّتِهِ، ولم يملك الوَارِث الرُّجُوعَ عن هذه العَارَيةِ.
هذا أظهر الوجهين.
وفي الصورتين وَجْهٌ [آخر] 17 ينسب إلى صاحب "التقريب" أن للورثة بَيْعهُ؛ لأن أحد شَرْطَي العِتقِ لم يوجد، فصار كما إذا قال: إن أَكَلْتَ هذين الرَّغِيفَيْنِ فأنت حر، فأكل أحدهما، لا يمتنع بَيْعُهُ.
وفي كَسْب العبد بين موتيهما وجهان:
أحدهما: أنه مَعْدُودٌ من تَرِكَةِ الميت.
وأظهرهما: أنه للوارث خَاصَّةً، وربما بُنِيَ الوجهان على الخِلاَفِ في جواز البيع، إن جَوَّزْنَاهُ فهو للوارث، وإلاَّ فمن التركة.
وإذا عَرَفْتَ ما ذكرناه، ذلك أن تُعَلِّمَ قوله في الكتاب: "وقيل: إن لفظ "التدبير"
الجزء: 13 - الصفحة: 411
كِنَايَةٌ" بالواو للطريقة القَاطِعَةِ، ويجوز أن يُعَلَمَ قوله: "والتدبير المقيد كَالمُطْلَقِ" لما سنذكر في الرجوع عن التَّدْبِيرِ.
وقوله: "ولا يحتاج إلى الإنشاء" بالحاء وقوله: "ولكن ليس للوارث بَيْعُهُ" بالواو.
وكذا قوله: "فإنه لا يبيعه قبل الدخول".
وقوله: "كما لو قال: "إن دخلت الدار بعد موتي ... " إلى آخره ليس أصلاً مُتَّفَقاً عليه.
فرع
:
عن نَصِّهِ -رضي الله عنه- في "الأم": أنه لو قال الشريكان للعبد: أنت حَبِيسٌ على آخِرِنَا مَوْتاً، فإذا مات عتقتَ، فهو كما لو قالا: إذا مِتْنَا فأنت حر، إلاَّ أن هناك المنفعة بين المَوْتَيْنِ لِوَرَثَةِ الأَوَّلِ.
وهاهنا هي للآخر، وكذلك الكَسْبُ، وكان أولهما مَوْتاً أوْصَى لآخِرِهِمَا موتاً.
ولو قال أحد الشَّرِيكَيْنِ: إذا مِتُّ فأنت حُرٌّ، فإذا مات عتق نصيبه ولم يَسْرِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أَنْتَ مُدَبَّرٌ إِنْ شِئْتَ صَارَ مُدَبَّراً إِنْ شَاءَ عَلَى الفَوْرِ، وَإِنْ قَالَ: مَتَى شِئْتَ لَمْ يُشْتَرَطِ الفَوْرُ، لَكِنْ لاَ بُدَّ مِنَ المَشِيئَةِ فِي الحَيَاةِ، إِلاَّ إِذَا قَالَ: إِنْ شِئْتَ بَعْدَ المَوْتِ، فَلاَ يُشْتَرَطُ الفَوْرُ بَعْدَ المَوْتِ، وإِذَا قَالَ: إِنْ مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ إِنْ شِئْتَ، فَيَكْفِي مَشِيئَتُهُ فِي الحَيَاةِ فِي وَجْهٍ، وَيَكْفِي المَشِيئَةُ بَعْد المَوْتِ فِي وَجْهٍ، وَلاَ بُدَّ مِنْهُمَا فِي وَجْهٍ، وَلَوْ قَالَ: إن رَأَيْتَ العَيْنَ فَأَنْتَ حُرٌّ، عُتِقَ بِكُلِّ مَا يُسَمَّى عَيْنَاً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال لِعَبْدِهِ: أنت حُرٌّ إن شِئْتَ، فإنما يُعْتَق إذا شاء على الفَوْرِ، كما لو قال لامْرَأَتِهِ: أنت طَالِقٌ إن شِئْتِ.
وعن صاحب "التقريب" والشيخ أبي علي رِوَايَةُ وَجْهٍ: أن الفَوْرَ لا يُشْتَرَطُ، كما لو قال: إن دخلت الدار.
وهذا الوَجْهُ جَارٍ في الطَّلاَقِ، وقد ذكرناه هناك.
ولو عَلَّقَ التَّدْبيرَ بِمَشِيئَةِ العبد، فقال: أنت مُدَبَّرٌ إن شئت، أو: دَبَّرْتُكَ إن شئت، أو قال: إن شئت فأَنت مُدَبَّرٌ، أو: فأنت حر إذا مِتَّ، أو متى مِتَّ، فلا يصير مُدَبَّراً إلاَّ بالمَشِيئَةِ.
والظاهر: اشتراط الفَوْرِ فيها، وفيه الوجه الضعيف.
ولو قال: متى شِئْتَ، أو مهما شئت، فلا يُشْتَرَطُ الفور، ويصير مُدَبَّراً متى شاء، وفي الحالتين يشترط المَشِيئَةُ في الحياة، كسائر الصِّفَاتِ المُعَلَّقِ عليها، إلا إذا عَلَّقَ صريحاً بالمَشِيئَةِ بعد الموت، فإنما يَحْصُلُ العِتْقُ بمشيئة بعد الموت، ولا يمنع الامتناع في الحَيَاةِ من المشيئة بعد الموت، ثم يُنْظَرُ في لَفْظِ التعليقِ؛ إِن قال: أنت حُرٌّ بعد موتي إن شِئْتَ بعد الموت، أو اقتصر على قوله: إن شئت، وقال: أَرَدْتُ بعد الموت،
الجزء: 13 - الصفحة: 412
فالمذكور في الكتاب: أنه لا يُشْتَرَطُ الفَوْرُ بعد الموت لأنها إذا تأخرت عن الخِطَابِ، واعتبر وُقُوعُهَا بعد الموت، لم يكن في [اشتراط] 18 اتِّصَالِهَا بالموت معنى، ولذلك لا يُشْتَرَطُ في قَبُولِ الوَصِيَّةِ.
ونفى الإِمَامُ الخِلاَفَ في ذلك، لكن في "التهذيب" وغيره ذكْرُ وجهين، فيما إذا قاله: إذا مِتُّ وشِئْتَ بعد موتي، فأنت حرٌّ -أن المَشِيئَةَ تكون على الفَوْر أو التَّرَاخِي، والصورة كالصورة.
ولو قال: إذا مِتُّ فشئت، فأنت حُرٌّ، فهل يشترط اتِّصَالُ المَشِيئَةِ بالموت؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا -كما لو قال: أنت حُرٌّ بعد موتي إن شئت، وأراد إِيقَاعَ المَشِيئَةِ بعد الموت.
والثاني: نعم -لأن "الفاء" تقتضي التَّعْقِيبَ من غير تَخَلُّلِ فَصْلٍ، والأول أَصَحُّ عند الصَّيْدَلاَنِيُّ، وبالثاني أجاب الأكثرون 19.
ويجري الخِلاَفُ في سائر التعليقات؛ مثل أن يقول: إن دَخَلْتِ الدار، وكَلَّمْتِ زبداً، فأنت طالقٌ، هل يشترط اتِّصَالُ الكلام بالدخول؟ ولو قال: إذا مِتُّ فمتى 20 شِئْتَ فأنت حر، فلا يشترط اتِّصَالُ المشيئة بالموت بلا خلاف.
ولو قال: إذا مِتُّ فأنت حُرُّ إن شئت، أو قال: أنت حر إذا مِتُّ إن شئت، فيحتمل أن يُرَادَ بهذا اللفظِ المَشِيئَةُ في الحياة، ويحتمل أن يراد به المَشِيئَة بعد الموت، فيراجع ويعمل بمُقْتَضَى إرادته؛ فإن قال: أَطْلَقْتُ ولم أَنْوِ شيئاً، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يحمل اللَّفْظُ على المَشِيئَةِ في الحياة؛ لأن قوله: إذا مِتُّ فأنت حر، بمَثَابَةِ قوله: دَبَّرْتُكَ.
ولو قال: دَبَّرْتُكَ إن شئت أو إذا شِئتَ اعْتُبِرَتِ المَشِيئَةُ في الحياة، فكذلك هاهنا، فعلى هذا يكفي العِتْقُ المَشِيئَةُ في حياة السِّيَّدِ، ويعتبر أن يشاء على الفَوْرِ على الظاهر.
والثاني: أنه يحمل على المَشِيئَةِ بعد موت السَّيِّدِ؛ لأنه أَخَّرَ ذِكْرَ المشيئة عن ذكر الموت [فالسابق] 21 إلى الفَهْمِ منه المَشِيئَةُ بعد الموت، وهذا ما أجاب به أكثرهم؛ منهم أصحابنا العِرَاقِيُّونَ، وشرطوا أن تكون المَشِيئَةُ بعد الموت على الفَورِ، وقَضِيَّةُ ما ذكره في الكتاب من قبل ألاَّ يشترط الفَوْرُ.
والثالث: ألاَّ يحصل العِتْقُ، إلاَّ أن يَشَاءَ في الحياة، وَيشَاءَ بعد الموت أيضاً؛ لأن
الجزء: 13 - الصفحة: 413
اللفظ مُتَرَدِّدٌ بين المَعْنَيَيْنِ، فإن لم يَتَحَقَّقَا، لم تحصل الثِّقَةُ بالعتق، ولْيَجْرِ هذا الخِلاَفُ في سائر التعليقات؛ مثل أن يقول: إذا دَخَلْتِ الدار فأنت طَالِقٌ إن كلمت فلاناً؛ أيُعْتَبَرُ الكَلاَمُ بعد الدخول أم قبله؟ ونشأ من هذا المُنْتَهَى إِشْكَالٌ في شيء، وهو: أن الرجل لو قال لِعَبْدِهِ: إن رأيت العَيْنَ فأنت حر، والعَيْنُ اسْمٌ مشترك بين البَاصِرَةِ، وعَيْنِ الماء، والدينار، وأَحَدِ الإِخْوَةِ من الأَب والأُمِّ، ولم ينو المُعَلِّقُ شيئاً؛ فهل يُعْتَقُ العَبْدُ إذا رأى شَيْئاً منها؟ فيه تردد، والوجه الحُكْمُ بأنه يُعْتَق، وبه يضعف اعْتِبَارُ المَشِيئَتَيْنِ في مسألة المشيئة.
ولك أن تقول: إن لم تكن المسألة وِزَانَ المَسْأَلَةِ، فلا التزام، وإن كانت وِزَانَهَا، فليحصل العِتْقُ بالمشيئة في الحياة وَحْدَهَا هذا (1) وجه، وبالمشيئة بعد الموت وَحْدَهَا، كما في مسألة العَيْنِ، وهذا وجه وراء الوجوه الثلاثة، ثم الأَشْبَهُ أن اللفظ المُشْتَرَكَ لا يُرَادُ به جَمِيعُ معانيه، ولا يحمل عند الإِطْلاَقِ على جَمِيعِهَا، ويمكن أن يُؤْمَرَ بتعيين أحدهما، ومهما اعتبر المشيئة بعد الموَت على الفَورِ، فَأَخَّرَهَا بَطَلَ التَّعْلِيقُ، وإذا لم يعتبر الفَوْرُ، كما لو قال: فأنت حُرٌّ متى شئت -فعن القاضي أبي حَامِدٍ: أنه تُعْرَضُ عليه المشيئة، فإن امْتَنَعَ، فللورثة بَيْعَهُ، وكذا لو علَّق بِدُخُولِ غَيرِهِ بعد الموت، يُعْرَضُ عليه الدخول، وهذا كما أنه يقال للموصى له: إما أن تَقْبَلَ، وإما أن تَرُدَّ.
وهل للورثة بَيعْهُ قبل المشيئة وعرضها عليه؟
فيه الخِلاَفُ المذكور في الفَصْلِ السابق، وليعلمْ من لفظ الكتاب قَوْلَهُ: "على الفور" بالواو، وكذا قوله: "فلا يشترط الفور بعد الموت"، وقوله: "عتق بكل ما يسمى عيناً".
وقد أشار في "الوسيط" إلى الخِلاَفِ فيه، كما أبدى الإِمَامُ التَّرَدُّدَ.
فروع
:
لو قال: إن شاء فلان وفلان، فَعَبْدِي حُرٌّ بعد موتي لم يكن مُدَبَّراً، إلاَّ إذا شَاءَا جميعاً.
ولو قال: إذا مِتُّ فَشِئْتَ، فأنت مُدَبَّرٌ.
فإذا لغو 23؛ لأن التَّدْبِيرَ لا يَحْصُلُ بعد الموت.
وكذا لو قال: "إذا مِتُّ فَدَبِّرُوا هذا العَبْدَ".
ولو قال: إذا مِتُّ فَعَبْدٌ من عَبِيدِي حُرٌّ، ومات ولم يُبَيِّنْ أقْرعَ بينهم.
وعن نصه في "الأم": أنه لو قال: إذا قرَأْتَ الْقُرْآن بعد موتي فأنت حُرٌّ" لا يُعْتَقُ22
الجزء: 13 - الصفحة: 414
إلاَّ بِقِرَاءَةِ جميع القرآن، ولو قال: إذا قَرَأْتَ قُرْآناً يُعْتَقُ بقراءة بَعْضِ القرآن، والفرق التعريفُ والتنكيرُ.
والله أعلم.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الثاني
: الأَهْلُ،
وَلاَ يَصِحُّ التَّدْبِيرُ مِنَ المَجْنُونِ وَغَيْرِ المُمَيِّزِ، وَمِنَ المُمَيِّزِ قَوْلاَنِ، وَمِنَ السَّفِيهِ يَنْفُذُ، وَقِيلَ قَوْلاَنِ، وَمِنَ المُرْتَدِّ يُبْنَى عَلَى أَقْوَالِ المِلْكِ، وَإِنْ دَبَّرَ ثُمَّ ارْتَدْ لَمْ يَبْطُلْ، وَقِيلَ: يُبْنَى عَلَى أَقْوَالِ المِلْكِ، وَإِذَا بَطَلَ فَإِنْ أَسْلَمَ عَادَ، وَقِيلَ: يُبْتَنَى عَلَى عَوْدِ الحِنْثِ، فَإذَا مَاتَ مُرْتَدّاً، وَقُلْنَا: يَصِحُّ تَدْبِيرُهُ نَفَذَ مِنَ الثُّلُثِ، وَإِنْ كَانَ المَالُ لِلفَيْءِ، وَالكَافِرُ الأَصْلِيُّ يَصِحُّ تَدْبِيرُهُ، وَلَكِنْ لَوْ أَسْلَمَ مُدَبِّرُهُ يُبَاعُ عَلَيْهِ فِي قَوْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: يُسْتَكْسَبُ لَهُ كَالمُسْتَوْلَدَةِ، وَالمُكَاتَبُ كَالمُسْتَوْلَدَةِ، وَقِيلَ كَالمُدَبَّرَةِ، وَإذَا دَبَّر نَصِيبَهُ مِنْ عَبْد مُشْتَرَكٍ لَمْ يَسْرِ إِلَىَ البَاقِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصل يَشْتَمِلُ على صُوَرٍ:
إحداها: لا يَصِحُّ تَدْبِيرُ المَجْنُونِ، والصبي الذي لا يُمَيِّزُ، وفي تدبير الصبي المُمَيِّزِ قولان، كما في وَصِيَّتِهِ، وقد ذكرناهما في "الوَصِيَّةِ".
والأظهر: المَنْعُ، وبه قال المُزَنِيُّ 24.
وعن نصه في "البويطي" أنه قال: إذا ثَبَتَ حديث عمر -رضي الله عنه- فَتَدْبِيرُهُ جَائِزٌ، وإلاَّ فلا، والحديث ما روي عن عُمَرَ -رَضِيَ الله عنه- أنه أَجَازَ وَصِيَّةَ غُلاَمٍ له عَشْرُ سنين 25.
وعن مالك رِوَايَتَانِ كالقولين، والأشهر: الجَوَازُ، وإذا صَحَّحْنَا تَدْبيرَهُ، فيصح رجوعه عنه بالقَولِ، إن قلنا: إن التدبير يقبل الرجوع بالقول.
وفي تعليقة إبراهيم المَروروذِيِّ [فيه وجه آخر] 26 وإن قلنا: لا يمكن الرُّجُوعُ عنه بالقول، لم يَصِحَّ فيه التَّصَرُّفُ الذي يحصل به الرجوع، ولكن يقوم الوَلِيُّ في ذلك مَقَامَهُ، فإذا رَاى المَصْلَحَةَ في بَيعِهِ بَاعَهُ، وأَبْطَلَ التَّدْبِيرَ.
وفي تدبير السَّفِيهِ المَحْجُورِ عليه طريقان:
أظهرهما: وبه قال ابن سُرَيْجٍ، وأبو إسحاق، وابن سَلَمَةَ، وغيرهم -رحمهم الله-: القَطْعُ بِصِحَّتِهِ؛ لأنه صَحِيحُ العبارة، ولا ضَرَرَ عليه في التدبير.
الجزء: 13 - الصفحة: 415
والثاني: وبه قال الحسن 27 بن القَطَّانِ -أنه على القَوْلَيْنِ في تَدْبِيرِ الصبي المُمَيِّزِ.
وعن "المنهاج" للشيخ أبي محمد: أن ظَاهِرَ كلام الشَّافعي -رضي الله عنه- يُوَافِقُ هذه الطَّرِيقَة.
وإذا قلنا بالصحة، فرجوعه كما ذكرنا في حَقِّ الصبي.
وتدبير المُفْلِسِ المَحْجُورِ عليه كإعتاقه، وقد سبق في التَّفْلِيسِ 28.
وفي تدبير السَّكْرَانِ الخلاف المذكور في سائر تَصَرُّفَاتِهِ 29.
الثانية: تدبير المُرْتَدِّ يُبْنَى على الأقوال في مِلْكِهِ؛ إن قلنا: إن مِلْكَهُ بَاقٍ، صَحَّ تدبيره، وبه قال المُزَنِيُّ.
وإن قلنا: زَائِلٌ لم يصح.
وإن قلنا: موقوف، فالتدبير أيضاً مَوْقُوفٌ، إن عاد إلى الإِسلام بَانَتْ صِحَّتُهُ، وإن هلك على الرِّدَّةِ بَانَ فَسَادُهُ.
وفي طريقة الصيدلاني قول آخر: أنه يَبْطُلُ التَّدْبِيرُ، وإن قلنا: إن المِلْكَ موقوف.
ثم عن أبي الطَّيِّب بن سلمَةَ: أن البناء على الأَقْوَالِ فيما إذا حَجَرَ القاضي عليه.
فاما قبل الحجْرِ، فيصح تَدْبِيرُهُ بلا خلاف.
وعن أبي إِسْحَاقَ: أن الأقوال فيما قبل الحَجْرِ، فأما إذا حَجَرَ عليه، فلا يصح تَدْبِيرُهُ بلا خلاف، وعن غيرهما طَرْدُ الأقوال في الحَالَتَيْنِ، وقد ذكرنا في "باب الرِّدَّةِ" أن صاحب "التهذيب" قد جعل الوَقْفَ أَصَحَّ.
ويروي بعضهم أن الشَّافعي -رضي الله عنه- قال: أَشْبَهُ الأقوال بالصحة زوال الملك [بنفس] 30 الرِّدَّةِ، وبه أقول: ولو دَبَّرَ عَبْداً، ثم ارْتَدَّ، ففيه ثلاثة طرق:
أحدها: وبه قال أبو إسحاق -القَطْعُ بأن التَّدْبِيرَ لا يَبْطُلُ، وإذا هلك على الرِّدَّةِ عتقَ العَبْدُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 416
والمعنى فيه صِيَانَةُ حَقِّ العَبْدِ عن الفَوَاتِ، كما يصان حقوق الغُرَمَاءِ، وأيضاً فإن الرِّدَّةَ تُؤَثِّرُ في العقود المستقبلة دون الماضية؛ ألا ترى أن الرِّدَّةَ بعد البيع والرَّهْنِ والهبة لا تُبْطِلُهَا، ونَظْمُ الكتاب يقتضي تَرْجِيحَ هذا الطريق.
وكذلك ذكر القاضي ابْنُ كَجٍّ، والعراقيون من الأَصْحَابِ -رحمهم الله-.
والثاني: فيه قال أبو الطَّيِّبِ بن سلمة: إنه يُبْنَى على أقوال المِلْكِ، إن قلنا ببقاء 31 مِلْكه، فالتدبير بِحَالِهِ.
وإن قلنا بزواله بطل التدبير، فلا يعتقُ العَبْدُ إذا هلك السَّيِّدُ على الرِّدَّةِ.
وإن قلنا: إنه موقوف، فَيَتَوَقَّفُ في بناء التَّدْبِيرِ أيضاً.
والثالث: القَطْعُ بِبُطْلاَنِهِ؛ لأنه لو بقي لعتق العَبْد بموته مُرْتَدّاً وعتق المدبر ينفذ من الثلث، وما ينفذ من الثلث يشترط بَقَاءُ الثُّلُثَيْنِ فيه للورثة، ومَالُ المُرْتَدِّ لا يصرف [إلى الورثة] 32، بل هو فَيْءٌ، وهذا ضعيف، والقَوْلُ بان ما ينفذ من الثلث يشترط فيه بَقَاءُ الثلثين للورثة -مَمْنُوعٌ، بل الشرط سَلاَمَةُ الثلثين للمُسْتَحِقِّينَ، وهم الورثة تَارَةً، وغَيْرُهُمْ أخرى.
ومن قال بالطريقة الثالثة: أَبْطَلَ الوَصَايَا بالرِّدَّةِ أيضاً.
التفريع: إن قلنا بِبُطْلاَنِ التدبير، فلو عاد المرتد إلى الإِسْلاَمِ عاد ملكه، وهل يعود التَّدْبِيرُ؟ فيه طريقان:
أحدهما: نعم؛ لأن زوال مِلْكِهِ لم يكن بزوال إثبات، فإذا عاد مكانه.
لم يزل، وهذا كما أن العَصِيرَ المَرْهُونَ إذا تَخَمَّرَ يزول المِلْكُ والرَّهْنِ فيه، وإذا عاد خَلاًّ يعودان.
والثاني: أنه على قَوْلَيْ عَوْدِ الحِنْثِ، وهو بمَثَابَةِ ما لو باع المُدَبَّرُ، ثم عاد إلى مِلْكِهِ، وهذا ما أورده في "التهذيب"، والأول أَشْبَهُ، ونَظْمُ الكتاب يقتضي تَرْجِيحَهُ.
وإن قلنا ببقاء التدبير عُتِقَ المُدَبَّرُ من الثلث، وجعل الثلثان فيئاً.
وفي "الكافي" ذِكْرُ وجه: أن جميعه يُعْتَقُ، وإن 33 رعاية الثلث والثلثين تَخْتَصُّ بالمِيرَاثِ، ويقال: إنه اختيار صَاحِبُ "الحاوي".
ويجوز أن يعلم لهذا قوله في الكتاب: "من الثلث" بالواو.
ولو ارْتَدَّ المُدَبَّرُ قيل: كالقِنِّ، ولكن لا يبطل التدبير، كما لا يبطل حَقُّ عِتْقِ المُسْتَوْلَدَةِ والمُكَاتَب بالرِّدَّةِ، فلو مات السَّيِّدُ قبل قَتْلِهِ عتق، ولوْ الْتَحَقَ المرتد بدار الحَرْب فَسُبِيَ، فهو على تَدْبِيرِهِ، ولا يجوز استِرْقَاقُهُ؛ لأنه إن كان السيد حَيّاً فهو له، وإن مَاَتَ فَولاَؤُهُ له، فلا يجوز إِبْطَالُهُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 417
فإن كان السَّيِّدُ ذِمِّيّاً، ففي جواز اسْتِرْقَاقِ معتقه خِلاَفٌ سبق في موضعه.
ولو اسْتَوْلَى الكُفَّارُ على مُدَبَّر مسلم ثم عاد إلى يَدِ المسلمين، فهو مُدَبَّرٌ كما كان.
الثالثة: الكافر الأَصْلِيُّ يَصِحُّ تدبيره، وتعليقه العِتْقَ بِصِفَةٍ، كما يصح استيلاده ولا فَرْقَ بين الكِتَابِيِّ والمَجُوسِيِّ والوَثَنِيِّ، ولا بين الذِّمِّيِّ والحَرْبِيِّ، ولا يمنع الكافر من حمل مُدَبَّرِهِ ومُسْتَوْلَدَتِهِ الكَافِرَيْنِ إلى دار الحرب، وسَواء جرى التَّدْبِيرُ والاستيلاد في دار الحرب، ثم دخل [دار] 34 الإسلام بأَمَانٍ أو حربياً في دار الإِسْلاَمِ.
وليس له حَمْلُ مُكَاتَبهِ الكافر قَهْراً؛ لظهور اسْتِقْلاَلِهِ 35، وإذا دَبَّرَ الكافر عَبْدَهُ الكَافِرَ، ثم أسلم العَبْدُ، نُظِرَ إن رجع السَّيِّدُ عن التدبير بالقول وجَوَّزْنَاهُ، بِيعَ عليه، وإلاَّ ففي بَيْعِهِ عليه قولان مَنْصُوصَانِ في "الأم".
أحدهما: وبه قال مالك، واختاره المزني -أنه يُبَاعُ عليه، ويُنْقَضُ التدبير؛ لأن في بقاء مِلْكِهِ فيه إِذْلاَلاً لِلْمُسْلِمِ، ولا يؤمن أيضاً من أن يستخدمه وَيَسْتَذِلَّهُ.
وأصحهما: وبه قال أبو حنيفة: أنه يُبَاعُ ويبقى 36 التدبير لتوقع [الحُرِّيَّةِ] 37، ولكن يخرج من يَدِهِ، ويجعل في يَدِ عَدْلٍ، ويصرف كَسْبُهُ إليه، كما لو أسلمت مستولدته، فإن خرج سَيِّدُهُ إلى دَارِ الحَرْبِ، أنفق من كَسْبِهِ عليه، وبعث ما فَضَلَ إلى السَّيِّدُ، فإذا مات عتقَ من الثلث، فإن بقي شيء منه لِلْوَرَثَةِ بِيعَ عليهم.
ولو أسلم مُكَاتَبُ الكافر ففيه طريقان:
أولاهما: القَطْعُ بإبقاء الكِتَابَةِ، وبأنه لا يُبَاعُ لانْقِطَاعِ [سلطنة] 38 السَّيِّدِ عنه، واستقلاله بالكتابة، وإن عَجَزَ عن أداء النُّجُومِ، فعجّزه السيد فحينئذٍ يُبَاعُ عليه.
والثاني: أنه على القولين في المُدَبَّرِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 418
وقوله في الكتاب: "والمكاتب كالمستولدة" يعني: أنه لا يُبَاعُ إلا في الاسْتِكْسَابِ المذكور في صورة المُدَبَّرِ.
الرابعة: إذا دَبَّرَ أّحَدُ الشريكين نَصِيبَهُ من العَبْدِ المشترك، فظاهر المذهب، وهو المذكور في الكتاب أنه لا يَسْرِي، ولا يُقوَّم عليه نَصِيبُ الشريك؛ لأن التَّدْبِيرَ لا يمنع البَيْعَ، فلا يقتضي السِّرَايَةَ كما لو علق عِتْقَ نصيبه [بصفَةٍ] (1)، وأيضاً فالتَّدْبِيرُ إما [وصية] (2) للعبد بالعتق، أو تعليق عِتْق بصفة، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، وكل واحد منهما بَعِيدٌ عن السّرَايَةِ، وعلى هذا فلو مات المُدَبَّر، وعتق نَصِيبُهُ، لم يَسْرِ إلى نَصِيبِ شريكه أيضاً؛ لأن الميت معسر، بخلاف ما إذا عَلَّقَ عتق نصيبه بصفة، ووجدت الصِّفَةُ، وهو مُوسِرٌ يُعْتَقُ نصيبه ويَسْرِي (3). وفيه قول آخر.
ومنهم من يقول: وجه، وبه قال مَالِكٌ أن التدبير يَسْرِي، ويقوّم عليه نَصِيبُ الشريك؛ لأن التَّدْبِيرَ يوجب اسْتِحْقَاقَ العتق بالموت، فصار كالاسْتِيلاَدِ، ومن نَصَرَ المذهب قال: الاسْتِيلاَدُ كالإِتْلاَفِ؛ لأنه يمنع البيع، ولا سبيل إلى دَفْعِهِ، والتدبير بخلافه، وإذا دَبَّرَ بعض عَبْدِهِ الخالص صح، ولا سرَايَةَ على ما سبق.
هذا ظاهر المذهب.
ومن قال بالسّرَايَةِ إلى نصيب الشريك، فَأَوْلَى أن يقول بالسراية هاهنا.
ويجوز أن يُعلَمَ قوله في الكتاب: "لم يسر إلى الباقي" مع الميم والواو بالحاء؛ لأن عند أبي حَنِيْفَةَ إذا دَبَّرَ أحدهما نفسه يخير الشريك بين أن يضمنه القِيمَةَ، وبين أن يستسعى العبد، وبين أن يُدَبِّرَ نصيبه، أو يعتقه.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: النَّظَرُ الثَّانِي في
أَحْكامِهِ
وَلَهُ حُكْمَانِ الأَوَّل
ُ: ارْتِفَاعُهُ
وَيرْتَفِعُ التَّدْبِيرُ بِخَمْسَةِ أُمُورٍ (الأَوَّلُ: إِزَالَةُ المِلْكِ) وَهُوَ أَنْ يَبِيعَ المُدَبَّرُ، فَإِنْ عَادَ المِلْكُ فَهَلْ يَعُودُ التَّدْبِيرُ فِيهِ خِلاَفٌ.
"
القول في حكم التدبير
" قَالَ الرَّافِعِيُّ: مَقْصُودُ النظر بَيَانُ حُكْمَيْنِ:394041
الجزء: 13 - الصفحة: 419
أحدهما: ارْتفَاعُ التدبير بعد صِحَّتِهِ.
والثاني: سرايته إلى الوَلَدِ.
أما الأول: فقد [ذكرنا] 42 أن التَّدْبِيرَ يرتفع بخمسة أُمُورٍ:
أحدها: إزالة المِلْكِ ويجوز للسيد إِزَالَةُ الملك عن المُدَبَّرِ بالبيع والهِبَةِ والوَصِيَّةِ وغيرها، سواء كان التَّدْبِيرُ مُطْلَقاً أو مُقَيَّداً، خلافاً لأبي حَنِيْفَةَ في المُطْلَقِ.
ولمالك في المُطْلَقِ والمقيد معاً.
وعن أحمد رِوَايَتَانِ: إحداهما كمذهبنا.
والأخرى: أن له بيعه للدَّين.
واحْتَجَّ الأَصْحَابُ بالخَبَرِ المَذْكُورِ في صَدْرِ الباب، وقالوا: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- باعه بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، إلاَّ أن الراوي لم يَتعرَّضْ له؛ لأن مَقْصُودَهُ من سياق الخبر بَيَانُ أن بيع المُدَبَّرِ جَائِزٌ في الجملة.
ومنهم من قال: باعه للدَّيْنِ.
وللإمام بَيْعُ مِلْكِ الغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ لِلدَّيْنِ، ويروى أن رَجُلاً من الأنصار أعتق عَبْداً له عن دبر منه لا مَالَ له غيره، وعليه دَيْنٌ، فبلغ ذلك النَّبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فباعه، وقضى الدَّيْنَ منه، ودفع الفَضْلَ إليه، وبما 43 روي أن عَائِشَةَ -رضي الله عنها- باعت مُدَبَّرَةَ لها سَحَرَتْها، ولم ينكر أَحَدٌ من الصَّحَابَةِ -رضي الله عنهم- ولا خَالَفَهَا، وبأن عتقه تَعْلِيقٌ بِصِفَةٍ، انفرد السَّيِّدُ بالتعليق بها، فيتمكن 44 من بَيْعِهِ، كالمُعَلَّقِ عِتْقُهُ بدخول الدار، واحْتَرَزُوا بقولهم: "انفرد السيد بالتعليق به" عن الكتَابَةِ وفرقوا بين التَّدْبيرِ والاسْتِيلاَدِ بأن سبب العِتْقِ في الاسْتِيلاَدِ آكَدُ وأَقْوَى؛ أَلاَ تَرَى أنه لا يعتبر من الثُّلُثَ، ولا يمنع منه الدَّيْنُ، بخلاف التدبير؟ وإذا زال المِلْكُ عن المُدَبَّرِ ببيع وغيره، ثم عاد إلى مِلْكِهِ، فهل يعود التدبير؟ يبنى على أن التَّدْبِيرَ وَصِيَّةَ للعبد بالعِتْقِ، أو هو تعليق عِتْقٍ بِصِفَةٍ؟ وفيه قولان:
القديم، وأَحَدُ قَوْلَي الجديد: أنه وَصِيَّةٌ؛ لأنه تَبَرُّعٌ بعد الموت فيعتبر من الثلث.
والثاني: من قَوْلَي الجديدة أنه تَعْلِيقُ عِتْقِ بصفة، كما لو عَلَّقَ بموت الغير، ويوضحه أنه لا يَفْتَقِرُ إلى إحْدَاثِ تَصَرُّفِ بعد الموت، بخلاف الوصية، وما الأظهر من القولين؟ اختار المُزَنِيُّ الأَوَّلَ، وإلى ترجيحه ذَهَبَ القَاضِيَانِ: أبو الطيب والروياني، والمُوَفَّقُ بْنُ طَاهِرٍ، والأكثرون رَجَّحُوا الثاني، ومنهم الشيخ أبو حَامِدٍ، ومَنْ تابعه،
الجزء: 13 - الصفحة: 420
والقاضي ابْنُ كَجٍّ، وقالوا: إنه المنصوص في [أكثر] 45 كتبه الجَدِيدَةِ، وبه قال أبو إِسْحَاقَ المَرْوَزِيُّ.
فإن قلنا: إنه وَصِيَّةٌ، ثم عاد إلى مِلْكِهِ.
وإن قلنا: تَعْلِيقُ عِتْقٍ، فهو على الخِلاَفِ في عَوْدِ الحِنْثِ، وقد مَرَّ أن الأَقْوَى من هذا الخلاف أن لا يَعُودُ الحِنْثُ، ويخرج مما ذكرنا أن الأظهر أنه لا يَعُودُ التدبير.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّانِي: أَنَّ لَهُ صَرِيحَ الرُّجُوعِ إنْ قُلْنَا: إِنَّهُ وَصِيَّةٌ، وَإِنْ قلْنَا: تَعْلِيقٌ فَلاَ، وَلَوْ قَالَ: أَعْتِقُوهُ عَنِّي فَلَهُ الرُّجُوعُ، وَلَوْ قَالَ: إِذَا مِتُّ فَدَخَلْتَ الدَّارَ أَوْ شِئْتَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَهْوَ تَعْلِيقُ وَلاَ رُجُوعَ عَنْهُ بِالصَّرِيحِ، ولاَ يَنْقَطِعُ التَّدْبِيرُ بِالاسْتِيلاَدِ لِأَنَّهُ يُوَافِقُهُ بِخِلَافِ الوَصِيَّةِ، وَقَوْلُهُ: إِنْ دَخَلْتَ الدَّارَ فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ رُجُوعٌ عَنِ التَّدْبِيرِ المُطْلَقِ.
[قَالَ الرَّافِعِيُّ]: هل يجوز الرُّجُوعُ عن التَّدْبِيرِ بصريح الرُّجُوع، مثل أن يقول: رجعت عنه أو فَسَخْتُهُ، أو نَقَضْتُهُ، أو أبْطَلْتُهُ، أو رَفَعْتُهُ، بني ذلك على الخلاف الذي ذَكَرْنَاهُ آنفاً.
إن قلنا: إن التدبير وَصِيَّةٌ، فيجوز.
وإن قلنا: تَعْلِيقُ عِتْقٍ بصفة، فلا، كما في سائر التَّعْلِيقَاتِ، والخلاف مُطَّردٌ في التدبير المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ، على أظهر الطريقين، ومنهم من خَصَّصَ الخِلاَفَ بالتدبير المُطْلَقِ، وقطع في المُقَيِّدِ بمنع الرجوع؛ لأنه لا يَتَعَلَّقُ بِمُطْلَقِ الموت، فهو بسائر التَّعْلِيقَاتِ أشبه، ولا خِلاَفَ في أنه لو قال: أعتقوا فُلاَناً عَنِّي إذا مِتُّ، يجوز الرُّجُوعُ عنه بصريح لَفْظِ الرجوع، كما في سائر الوَصَايَا، ولا في أنه إذا ضمَّ إلى المَوْتِ صِفَةً أُخْرَى، فقال: إذا مِتُّ، فدخلت الدار، أو لَبِسْتَ [الحرير] 46 فأنت حُرٌّ، ولا يجوز الرجوع باللَّفْظِ، وإنما القولان في التَّدْبِيرِ.
واحتج المُزَنِيُّ بجواز الرُّجُوعِ عنه؛ بأنه قد نص على أنه لو قال: إن أدَّيْتَ بعد مَوْتِي إلى وَرَثَتِي كذا فأنت حر.
كان ذلك رُجُوعاً، حتى لا يُعْتَقَ إلاَّ إذا أَدَّى ما ذَكَرَهُ، وأنه لو وهب المُدَبِّرَ ولم يَقْبِضْهُ حصل الرجوع.
وأجاب الأَصْحَابُ -رحمهم الله- عن الأَوَّلِ بأن ما ذَكَرَهُ تَفْرِيعٌ منه على قول جواز الرجوع لَفْظاً، فإن لم نُجَوِّزْهُ لم يكن ذلك رُجُوعاً، وإذا مات عُتِقَ المُدَبَّرُ.
وعن الثاني: بِمِثْل هذا الجواب، وذكر بعضهم أنه إذا وَهَبَهُ حصل الرجوع على القَوْلَيْنِ، وإن لم يقبضه؛ لأن إفضاء الهِبَةِ إلى زَوَالِ المِلْكِ.
قال الإِمام: والوَجْهُ القَطْعُ بأن مُجَرَّدَ الهِبَةِ لا يبطل التدبير على قولثا: إنه تَعْلِيقٌ.
الجزء: 13 - الصفحة: 421
نعم إذا اتَّصَلَ بها الإِقْبَاضُ، فإن قلنا: يحصل المِلْكُ عند القَبْضِ، فحيئذٍ يَنْقَطِعُ التدبير، وإن قلنا: يتبين اسْتِنَادُ المِلْكِ إلى حَالَةِ الهِبَةِ، فهل يَتبَيَّنُ انْقِطَاعُ التدبير من وقت الهِبَة؟
فيه تَرَدُّدٌ، وكذا لو فرض بيع بشرط الخِيَارِ، وقلنا: إنه يُزيلُ المِلْكَ، فَهَلْ يبطل التدبير قبل لزوم البَيْعِ؟
فيه تَرَدُّدٌ.
قال: وأَثَرُ ذلك أَنَّا إذا قلنا: إنه لو زَالَ المِلْكُ على وجه اللزوم، وعاد الثدبير فيقطع 47، فلو زَالَ على الجَوَازِ، وعاد فهل يحكم بانْقِطَاعِ التدبير؟
فيه تَرَدُّدٌ، والذي أَطلَقَهُ صاحب "التهذيب" أن البَيْعَ بِشَرْطِ الخِيَارِ يُبطِلُ التَّدْبِيرَ على القولين، ولو باع نِصْفَ المُدَبَّرِ، أو وَهَبَ وأقبض، بطل التدبير في النِّصْفِ المبيع أو الموهوب، وبقي في الباقي.
وحكى القاضي ابْنُ كَجٍّ طرُقَاً في أن رَهْنَ المُدَبَّرِ هل يَرْفَعُ التدبير؟
أظهرهما: البِنَاءُ على أنه وَصِيَّةٌ، أو تَعْلِيقُ عِتْقِ بصفة.
والثاني: أنه ليس بِرُجُوعٍ على القولين؛ لأن الرَّهْنَ لا يزيل الملك.
والثالث: أنه رُجُوعٌ على القولين، كما سبق مِثْلُهُ في الهِبَةِ قبل القبض، ومجرد الإيجَابِ في الهِبَةِ والرَّهْنِ، إن جعلناه وَصِيَّةً على الخِلاَفِ المذكور في الوَصِيَّةِ أنه هل يكون رُجُوعاً وإن جعلناه تَعْلِيقاً، فلا أَثَرَ له، ولا يرتفع بالاسْتِخْدَامِ والتزويج على القَوْلَيْنِ، وإذا جعلناه وَصِيَّةً فترفع بالعَرْضِ على البيع، وسائر ما ذكرناه في باب الوَصِيَّةِ.
نعم الوطء ليس برجوع عن التدبير، وإن جَعَلْنَاهُ وَصِيَّةً، سواء عَزَلَ، أو لم يَعْزِلُ، بخلاف ما في الوَصِيَّة، فإنَّا قد نجعل الوَطْءَ في تَرْكِ العَزْلِ رُجُوعاً؛ لأنه يَدُلُّ على قَصْدِ الإِمْسَاكِ، وهاهنا إذا ترك العَزْلَ، فَأَحْبَلَ يَحْصُلُ الاسْتِيلاَدُ، وأنه يحقق مَقْصُودَ التدبير، ويُؤَكِّدُهُ، وهو العِتْقُ.
فإن اسْتَوْلَدَهَا، فالذي أورده أَكْثَرُ سَلَفِ الأصحاب وخَلَفُهُمْ -رحمهم الله- أنه يبطل التدبير؛ لأن الاسْتِيلاَدَ أَقْوَى، فيرتفع به الأَضْعَفُ، كما يرتفع [به] 48 مِلْكُ النِّكَاحِ بِمِلْكِ اليمين، ولو دَبَّرَ مستولدته لم يَصِحَّ؟ لأنها تَسْتَحِقُّ العِتْقَ بالموت بِجِهَةٍ هي أَقْوَى من التدبير، وفي طريقة الصَّيْدَلاَنِيِّ: أنه لا يَبْطلُ التَّدْبِيرُ، ويكون لِعِتْقِهَا يوم موت السَّيِّدِ سَبَبَانِ، وعلى هذا جَرَى الإِمَامُ، وصاحب الكتاب، مع اعتراف الإِمام بأنه لا أَثَرَ لِبَقَاءِ التدبير.
وقال الرُّوَيَانِيُّ في "الكافي": وقيل: لا يقول بِبُطلاَنِ التدبير، ولكنه يدخل في الاسْتِيلاَدِ، كما لو طَرَأَتِ الجَنَابَةُ على الحَدَثِ، ولو كاتب المُدَبَّرَ فهل يرتفع التَّدْبِيرُ؟
الجزء: 13 - الصفحة: 422
فيه وجهان مبنيان 49 على الخِلاَفِ المذكور، إن جعلناه وَصِيَّةً، ارتفع، كما لو أَوْصَى لإنسان بِعَبْدٍ، ثم كاتبه.
وإن قلنا: تَعْلِيقُ عِتْقٍ بصفة لا 50؛ لأن مَقْصُودَ الكِتَابَةِ العِتْقُ أيضاً، فيكون مدبراً أو مُكَاتباً، كما لو دَبَّرَ عَبْدَهُ المُكَاتَبَ، فإذا أَدَّى النُّجُومَ عَتِقَ بالكِتَابَةِ، وإن مَاتَ السَّيِّدُ قبل الأَدَاءِ، عتق بالتدبير، فإن لم يخرج من الثُّلُثِ عتِقَ قَدْرَ الثلث، وبقيت الكِتَابَةُ في الباقي، فإذا أَدَّى قِسْطَهُ عتقَ، وهذا ما يحكى عن نَصِّ الشَّافعي -رضي الله عنه- وهو الذي أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ أبُو حامد وجماعة.
وزاد القاضي أَبُو حَامِدٍ، فقال: يسال عن كتابته، فإن أَرَادَ بها الرُّجُوعَ عن التدبير، ففي ارْتِفَاعِهِ القولان.
وإن قال: لم أَقْصِدْ بها الرُّجُوعَ، فهو مُدَبَّرٌ مُكَاتَبٌ على القولين جميعاً.
ورأى القاضي ابْنُ كَجٍّ القَطْعَ بأن الكِتَابَةَ تَرْفَعُ التَّدْبيرَ؛ لأن العَبْدَ يصير بِعَقْدِ الكتابة مَالِكاً لنفسه، فكأن السَّيِّدَ أَزَالَ مِلْكَهُ عنه فيكون الحكم كما لو بَاعَ.
وخَرَّجَ الإمَامُ على الخلاف في الكِتَابَةِ ما لو [علق] 51 عتق المدبر بِصِفَةٍ؛ لأنه لو أَوْصَى به، ثم عَلَّقَ عِتْقَهُ بصفة كان التعليق رُجُوعاً عن الوَصِيَّةِ.
والذي أَوْرَدَهُ صاحب "التهذيب" أنه يَصِحُّ التَّعْلِيقُ بالصفة الأُخْرَى، ويبقى التَّدْبِيرُ بحاله، كما لو دَبَّرَ المُعَلَّقَ عِتْقُهُ بصفة، يجوز، ثم إن وجدت الصِّفَةُ قبل الموت عتقَ.
وإن مات قَبْلَهَا عُتِقَ عن التدبير.
وفي "الوسيط" ما يَقْتَضِي تفصيلاً.
وهو أنه قال: "إن دُخَلْتَ الدَّار فأنت حر" فقد زَادَ شَيْئًا آخر لِلْحُرِّيَّةِ، وليس ذلك بِرُجُوع.
ولو قال: "إن دُخَلْتَ الدَّار بعد مَوْتِي" فهو رجوع عن التَّدْبِيرِ المطلق؛ لأنه لا يُنَافِي تَعْلِيقَ الحرية بمجرد الموت.
وقد ذكر هذا الطَّرَفَ الثاني في الكتاب.
واعلم أنه: إن أَرَادَ بِقَوْلِهِ: "هذا رجوع، وذَاكَ ليس برجوع"، أن هذا يقتضي نَقْضَ التَّدْبير المُطْلَقِ، وذاك لا يقتضيه ليعرف أن ما يقتضي نقضه يكون على الخِلاَفِ -في أن التَّدْبِيرَ هل يجوز نَقْضُهُ من غَيْرِ إِزَالَةِ المِلْكِ- فهذا صَحِيحٌ، فلا يحتاج إلى إِعْلاَمِهِ بالواو.
وإن أراد أن هذا يَرْفَعُ التَّدْبِيرَ وذاك لا يَرْفَعُهُ فَلْيُعَلَمْ قوله في الكتاب: "رجوع عن
الجزء: 13 - الصفحة: 423
التدبير المطلق" بالواو [و] (1) كيف لا؟ وهذه الصُّورَةُ مثل قوله: "إن أَدَّيْت إلى وَرَثَتِي بعد مُوْتِي كذا فأنت حُرٌّ" وقد ذكرنا أنها مُخَرَّجَةٌ على الخلاف في أَن الأَرْجَحَ أنه لا يَرْفَعُهُ ثم اعلم أن التفصيل المذكور قد نَسَبَهُ نَاسِبُونَ إلى نَصِّهِ في "الأم".
وادَّعَى القاضي أبو الطيب قوله: "إن دُخَلْتَ الدَّار بعد موتي" ونحوه، يرفع التدبير [على القولين] (2) وهو كاحْتِجَاجِ المُزَنِيُّ بِنَصِّهِ فيما إذا قال: "إن أديت بعد مَوْتِي كذا".
" فُرُوعٌ":
الأول: إذا قال: قد رَجَعْتُ عن التدبير في نِصْفِهِ، أو رُبْعه، بقي التدبير في الجميع، إن قلنا: لا يجوز رَفْعُهُ بلفظ الرُّجُوعِ، وإن جَوَّزنَاهُ ارتفع فيه، وبقي في 54 الباقي.
الثاني: عن نَصِّهِ -رضي الله عنه- في "الأم".
أنه إذا دَبَّر عَبْدهُ ثم خرس، فإن لم تكن له إِشَارَةٌ مَفْهُومَةٌ ولا كتابة، فلا قطع على رجوعه.
وإن كان له إِشَارَةٌ وكتابة، فإن أَشَارَ بِالبَيْعِ ونحوه، ارْتَفَعَ التدبير، وإن أشار بنفس الرجوع، فعلى الخِلاَفِ.
الثالث: ذكرنا في خِلاَلِ الكلام أنه لو دَبَّرَ عَبْدَهُ المُكَاتَبَ يجوز وأنه لو أَدَّى النُّجُومَ قبل مَوْتِ السَّيِّدِ عتقَ بالكتابة، وحينئذٍ فيبطل التدبير، ولو عَجَّزَ نَفْسَهُ، أو عَجَّزَهُ السيد بَطَلَتْ الكتابة، وبقي التَّدْبِيرُ، ولو مات السَّيِّدُ قبل الأداء [والتعجيز] 55، فيعتق بالتدبير إن احتمله الثُّلُثُ، وحينئذٍ فعن الشَّيْخِ أبي حامد: أنه تَبْطُلُ الكِتَابَةُ.
قال ابن الصَّبَّاغِ: وعندي أنه يَنْبَغِي أن يتبعه وَلَده وكسبه، كما لو أعتق السيد مُكَاتَبَهُ قبل الأَدَاءِ، وكما لا يملك إِبْطَالَ الكتابة بالإعتاق، وجَبَ ألاَّ يملكه بالتدبير.
قال: ويحتمل أن يريد بالبُطْلاَنِ زَوَالَ العَقْدِ، دون سقوط أَحْكَامِهِ 56 وقوله في الكتاب:5253
الجزء: 13 - الصفحة: 424
"ولو قال: إذا مِتُّ وأنت دخلت الدار، أو لبست كذا" هو في بعض النُّسَخِ، وفي بعضها: "إذا مِتُّ فدخلت الدَّارَ أو شئت" وكلاهما صَحِيحٌ مُؤَدٍّ لِلْغَرَضِ.
وقوله: "ولا ينقطع التَّدْبِيرُ بالاستيلاد" [معلم] 57 بالواو وجواب الأكثر الانقطاع كما بَيَّنَّا.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الثَّالِثُ إِنْكارُ السَّيِّدِ رُجُوعٌ، وَقِيلَ: لَيْس برُجُوعِ بَلْ يَحْلِفُ، وَكَذَلِكَ الخِلاَفُ فِي إنْكَارِ الوَصِيَّةِ وَالوَكَالَةِ هَلْ هُوَ رُجُوعٌ؟ وَإِنْكَارُ البَيْعِ الجَائِزِ لَيْسَ بِفَسْخٍ، ثُمَّ إِنَّ إِنْكَارَ الطَّلاَقِ الرَّجْعِيِّ لَيْسَ بِرَجْعَةٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إن لم نجوز الرُّجُوعَ عن التدبير بِلَفْظِ الرجوع، فإنكار السَّيِّدِ التَّدْبِيرَ ليس برجوع.
وإن جَوَّزْنَاهُ فهل هو رجوع؟
وكذا إنكار الموصي للوصية والمُوَكّلِ للوكالة هل يكون رُجُوعاً؟
فيه ثلاثة أَوْجُهٍ جمعها الإِمام -قَدَّسَ اللهُ روحه.
أحدهما: نعم؛ لأن هذه العُقُودَ عُرْضَةٌ للفَسْخِ والرفع 58، ولو قال: "لست مُدَبَّراً، أو لست بِوَكِيلٍ من جهَتِي، أو ليس هذا مُوصى به وجب القَطْعَ بارتفاع هذه العُقُودِ، وكذلك إذا قال: لم أدَبَّرْ، ولم أُوَكِّلْ، ولم أُوصِ؛ لأن قَضِيَّتَهُ أنه ليس بمُدَبَّرِ، ولا وكيل في الحال.
والثاني: لا؛ لأن الإِنْكَارَ إِخْبَارٌ عما مضى، فإذا كان كَذِباً لم يُؤثِّرْ، وأيضاً فإن إِنْكَارَ الأَصْلِ ينافي الرَّفْعَ، ويضاده، فلا يحصل به الارْتفَاعُ.
والثالث: أن الوكَالَةَ ترتفع [لأن] 59 فائدتها العُظْمَى تَتَعَلَّقُ بالمُوَكِّل، ولا يرتفع التَّدْبيرُ والوصية؛ لأنهما عَقْدَانِ يتعلَّق بهما غَرَضُ شَخْصَيْنِ، فلا يجعل إِنْكَارُ أحدهما رفعاً له، وهذا أَظْهَرُ، وهو المنصوص عليه في التَّدْبِيرِ، والمَذْكُورُ في الكتاب في الوكالة، وإنكار البَيْعِ الجائز 60 لا يكون فَسْخَاً للبيع.
قال الإِمام: وفيه احْتِمَالٌ [أَخْذاً مما] (5) قيل في التَّدْبِيرِ والوصية، ولو ادَّعَتِ المرأة [على] (6) زَوْجهَا طَلاَقاً رَجْعِيّاً، فأنكر، لم يَكُنِ الإنْكَارُ رَجْعَةً بالاتفاق؛ لأن
الجزء: 13 - الصفحة: 425
الرَّجْعَةَ تَحْدِيدُ حِلٍّ، ورَفْعُ تحريم واقع.
فلا يتضمن نَفْيُ موصيها إنشاءها.
إذا عَرَفْتَ ذلك، فإذا ادَّعى العَبْدُ على السيد أنه دَبَّرَهُ، أو عَلَّقَ عِتْقَهُ بصفة، ففي سَمَاعِ هذه الدَّعْوَى خِلاَفٌ مذكور في "الدَّعَاوَى".
وقد بُنِيَ الخِلاًفُ في دَعْوَى التدبير على أنه تَعْلِيقُ عِتْقٍ بصفة، أو وصية 61 إن قلنا: إنه تَعْلِيقُ عِتْقٍ فتسمع؛ لأن السَّيِّدَ لا يملك الرُّجُوعَ عنه بِلَفْظِ الرجوع.
وإن قلنا: إنه وَصِيَّةٌ، فوجهان؟ بناء على أن إِنْكَارَهُ هل يكون رجوعاً؟
إن قلنا: لا فَتُسْمَعُ.
وإن قلنا: نعم فلا يُسْمَعُ.
هكذا رَتَّبَ جَمَاعَةٌ.
وقَضِيَّةُ هذا البنَاءِ والترتيب مَجِيءُ طريقة قَاطِعَةٍ بأن دَعْوَى تعليق العتق مَسْمُوعَةٌ، مع إثْبَاتِ الخِلاَفِ في دعوى التدبير.
وذكر الإِمام أَنَّا إن لم نَجْعَلِ الإنْكَارَ رُجُوعاً، ففي سماعَ الدعوى الوجهان المَذْكُورَانِ في سَمَاعِ الدعوى بالدَّيْنِ المُؤَجَّل.
ووجه المَنْعِ: أن عِمَادَ الدَّعْوَى أن يَسْتَحِقَّ المُدَّعَى عَلَيْهِ مُطَالَبَةً وإلْزَامَاً، والمُدَبَّرُ لا يستحق شَيْئًا على السَّيِّدِ في الحال.
وهذا يَطَّرِدُ في دَعْوَى تعليق العِتْق.
وأما إن جعلنا الإنْكَارَ رجوعاً، فلا يبعد أن تُسْمَعَ الدعوى؛ إذ لا يَتَعَيَّن مُقَابَلَةُ الدعوى بالإنكار، بل قد يقرُّ المدعى عليه وقد يَسْكُتُ، فلا يَتَوَجَّهُ رَدُّ الدعوى في 62 الابتداء، وأن في سَمَاعِ [الدعاوى] 63، وَرَدُّ شهادة الحِسْبَةِ أَوْلَى؛ لأن موضع الحِسْبَةِ ما إذا ثَبَتَ لله -تعالى- حَقٌّ، وكان ذلك الحَقُّ مَجْحُوداً، فينتهض الشاهد لإثباته مُحْتَسِباً.
وإذا تَوَجَّهَتِ الدعوى، وأنكر السَّيِّدُ، فله أن يُسْقِطَ اليَمِينَ عن نفسه؛ بأن يقول: إن كنت دَبَّرْتُهُ، فقد رجعت عنه، إذا جَوَّزْنَا الرجوع باللفظ، وكذا لو قَامَتِ البَيِّنةُ عليه، وحكم الحَاكِمُ، فله الدَّفْعُ بهذا الطريق على هذا القول.
ولو ادَّعى على الوَرَثَةِ أن مورثهم دَبَّرَهُ، وأنه قد عُتِقَ بموته، فَيَحْلِفُونَ على نَفْي العلم 64. ولا نُثْبِتُ التَّدْبِيرَ إلا بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ؛ لأنه ليس بحال، وهو مما يَطَّلِعُ عليه الرجال، ونثبت الرُّجُوعَ عنه بشهادة رَجُلٍ وامرأتين، وبشاهد ويمين؛ لأن المَقْصُودَ منه المَالُ.
الجزء: 13 - الصفحة: 426
وحكى الفَوْرَانِيُّ فيه وَجْهاً آخر؛ لأن مُدَّعِي الرجوع ينفي حْصُولَ الحرية بالموت.
وقوله في الكتاب: "إِنْكَار السيد رجوع، وقيل: ليس برجوع بل يحلف" هذا السِّيَاقُ يُشْعِرُ بترجيح كَوْنِهِ رُجُوعاً.
والأظهر عند 65 أكثر الأَصْحَاب -رحمهم الله- على ما قَدَّمْنَاهُ -أنه ليس برجوع، وقد يقرب الخِلاًف من الخلاف في أن إِنْكَارَ الزَّوْجِيَّةِ هل هو طَلاَقٌ؟
والظاهر أنه لَيْسَ بِطَلاًقٍ.
وفي "التهذيب" وغيره: أن المذهب سماع الدَّعْوَى بالتدبير، وتعليق العِتْقِ بالصفة.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الرَّابعُ) مُجَاوَزَةُ الثُّلُثِ فَإِذَا دَبَّر عَبْداً لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ عُتِقَ بِمَوْتهِ ثُلُثُهُ، وَكذَلِكَ لَوْ دَبَّرَ فِي الصِّحَّةِ، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ لَمْ يَتَنَجَّزْ عُتِقَ ثُلُثُهُ عَلَى أَحَدِ القَوْلَيْنِ حَتَّى لَا يَتَسَلَّطَ العَبْدُ عَلَى شَيْءٍ قَبْلَ تَسَلُّطِ الوَرَثَةِ عَلَى مِثْلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الخِلاَفُ في الوَصِيَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل مسائل منها ما هو مَذْكُورٌ في الكتاب، ومنها ما هو غَيْرُ مذكور:
إحداها: عِتْقُ المُدَبَّرِ يعتبر من الثلث؛ لما روي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- مَرْفُوعًا وموقوفاً "أن المدبر من الثلث 66 ".
وأيضاً، فإنه تَبَرُّعٌ يلزم بالمَوْتِ، فيكون من الثلث كالوَصِيَّةِ.
الجزء: 13 - الصفحة: 427
وأيضاً: فإن الإعْتَاقَ في المَرَضِ أَقْوَى من التدبير؛ لأنه منجز ولاَزِمٌ لا رُجُوعَ عنه، ثم هو مُعْتَبَرٌ من الثلث، فالتدبير أَوْلَى أن يُعْتَبَرَ من الثلث، وإنما يُعْتَقُ المُدَبَّرُ من الثلث بعد الدُّيُونِ، كما ذكرنا في "الوَصَايَا" فلو كان عليه دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ للتَّرِكَةِ، لم يُعْتَقْ منه شيء، وإن لم يكن دَيْنٌ ولا مال سواه، عتقَ منه ثلثه، وإن كان عليه دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ نِصْفَهُ، بيع نصفه في الدَّيْنِ، ويعتق من الباقي ثُلُثُهُ، ولا اسْتِسْعَاءَ.
وعند أبي حنيفة: ومن "تعليقةُ إبراهيم المَرورُوذِيِّ": أن الحِيلَةَ في أن يُعْتَقَ جميع العبد بعد الموت وإن لم يكن له مَالٌ سواه، أن يقول: "هذا العَبْدُ حر قبل مَرَضِ مَوْتِي بيوم، وإن مِتُّ فجأة فقبل مَوْتي بيوم"، فإذا مات بعد التَّعْلِيقَيْنِ بأكثر من يَوْمٍ، عتق العَبْدُ من رَأْسِ المال ولا سبيل عليه لِأَحَدٍ.
ولو اقْتَصَرَ على قوله: "أنت حُرٌّ قبل موتي بيوم أو بشهر"، فإذا مات، نُظِرَ إن كان في أَوَّلِ اليوم، أو الشهر قبل الموت مَرِيضاً، فيعتبر عِتْقُهُ من الثلث، وإن كان صحيحاً فمن رَأْسِ المال، ولا فَرْقَ في الاعْتِبَارِ من الثُّلُثِ بين أن يقع التدبير في الصحة، أو في المَرَضِ كالوَصِيَّةِ.
الثانية: إذا دَبَّرَ عَبْدًا ومَاتَ، وبَاقِي مَالِهِ غَائِبٌ عن بَلْدَةِ الورثة، أو دين على معسر، فلا يُعْتَقُ جميع المُدَبَّرِ، وهل يعتق ثُلُثُهُ؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم، واخْتَارَهُ القاضي أبو حَامِدٍ؛ لأن الغَيْبَةَ لا تزيد على العَدَمِ، ولو لم يملك إلاَّ هَذَا لعتقَ ثلثه، فكذلك عند الغيبة.
وعلى هذا فثلث أكْسَابِهِ بعد موت السَّيِّدِ له، ويُوقَفُ الباقي.
وأظهرهما: على ما ذكر الشيخ أَبُو حَامِدٍ، وصاحب "التهذيب" وغيرهما: أنه لا يُعْتَقُ حتى يصل المَالُ إلى الوَرَثَةِ؛ لأن في تجهيز العِتْقِ تَنْفِيذُ التَّبَرُّعِ من الثلث، قبل تَسَلُّطِ الوَرَثَةِ على الثلثين.
إذ لا بد من التَّوَقُّفِ في الثلثين إلى أن يُتَبَيَّنَ حَالُ الغائب، وعلى هذا فتوقف الأَكْسَابُ؛ فإن حَضَرَ بأن عِتْقٌ، وأن الأَكْسَابَ له ويقال: إن الخِلاَفَ في المَسْأَلَةِ قولان: منصوص، ومُخَرَّجٌ.
والمنصوص الثاني.
وإذا كانت قِيمَةُ المُدَبَّرِ مائة، والغائب قَدْرُ مائتين، فحضرت مائة، فعلى الوَجْهِ الأول؛ يعتق ثُلُثَاهُ؛ لأن ثلثه عتِقَ في الحال فهذا حضرت مائة عتق بِقَدْرِ ثلثها أيضاً.
وعلى الثاني: يُعْتَقُ نِصْفُهُ؛ لحصول مِثْلِهِ للورثة، فإذا حضرت مائة، وبلغت مائة اسْتَقَرَّ العِتْقُ في ثلثيه، وتسلط الورثة على ثلثيه وعلى المائة.
وفي طريقة الصَّيْدَلاَنِيِّ تَفْرِيعاً على أنه يُعْتِقُ من المُدَبَّرِ ثلثيه أن للوارث التَّصَرُّفَ في الثلثين، فإن حضر المَالُ الغَائِبُ نُقِضَ تصرفه، وأنه لو أعتق الوَارِثُ الثلثين، ولم
الجزء: 13 - الصفحة: 428
يحضر المَالُ الغَائِبُ، فَوَلاءُ الثلثين له، وإن حضر؛ فعن ابن سُرَيْجٍ أن الجَوَابَ كذلك؛ لأنه أعتق وله العِتْقُ.
وإن فيه وَجْهاً آخر: أن وَلَاء الجَمِيعِ للمورث؛ بِنَاءً على إِجَازَة الوَرَثَةِ تنفيذ أو ابْتِدَاءُ عطية 67 واشْتَدَّ [نكيرُ] 68 الإمَام على هذا، وقال: إعتاق الورثة أنفسهم رَد للتدبير، ولا سَبِيلَ إلى رَدِّ التدبير بَسَبَب غَيْبَةِ المال، بل الوَجْهُ التَّوَقُّفُ، فإن حَضَرَ المال بَانَ نُفُوذُ العِتْقِ في الجميع، ولكن مُسْتَنَداً إلى وَقْتِ المَوْتِ، أو عند حصول القُدْرَةِ؟ فيه احتمالان؛
أوجههما: الأول.
فإن كانت التَّرِكَةُ بحيث يفى مثلها بالمُدبَّرِ، ولكن وإن عليه دَيْنٌ مستغرق [فابرأ مستحق] 69 الدَّين عن الدَّين بعد أيَّامٍ من الموت، فَيَسْتَنِدُ العِتْقُ إلى وقت الموت، أو يَتَنَجَّزُ من وقت سُقُوطِ الدَّيْنِ؟ فيه احتمالان:
والأَظْهَرُ في هذه الصورة الثاني:
ولو كان له دَيْنٌ في ذِمَّةِ إنسان ليس له غَيْرُهُ فَأَبْرَأَ عنه في مَرَضِ الموت، أو عن ثُلُثِهِ، هل تَحْصُلُ البَرَاءَةُ عن الثلث قبل وُصُولِ الثلثين؟
فيه الخِلاًفُ المَذْكُورُ في أن العِتْقَ هل ينفذ من الثلث، والأصح: المنع.
ويجري الخِلاَفُ فيما إذا مَاتَ عنه اثْنَينِ ولم يترك إلاَّ دَيْناً على أحدهما؛ هل يَبْرَأُ من عليه الدَّيْنُ عن نِصْفِهِ؟
ففي وجه: لا، وإلاَّ [لاخْتَصَّ بحقه] 70 قبل أن يَتَوَفَّرَ على أخيه حَقُّهُ، وقد أُمِرَ بالتسوية بينهما.
وفي وجه: نعم، إذ لا يمكن أن يَمْلِكَ على نَفْسِهِ دَيْناً.
ولو أَوْصَى [بغير] 71 مَالٍ يخرج من الثلث، وباقي ماله غَائِبٌ.
هل يُسَلِّمُ إلى الموصى له ثُلُثَ العين، أو يَنْتَظِرُ حُضُورَ الغائب؟ فيه مِثْلُ الخِلاَفِ المذكور في العِتْقِ، وقد تَقَدَّمَ في "باب الوَصِيَّةِ".
وقوله في الكتاب: "وكذا الخلاف في الوصية" مُعَادٌ هَاهُنَا.
الجزء: 13 - الصفحة: 429
ولو أوصى بثلث مَالِهِ، وبَعْضُ ماله حَاضِرٌ، وبَعْضُهُ غَائِبٌ، أو البعض عَيْنٌ، والبعض دَيْنٌ، فيدفع إلى الموصى له ثلث الحاضر، والعين يحضره وما يحصل من بعد، فيقسم كذلك.
الثالثة: إذا عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ بِصِفَةٍ، فوجدت تلك الصِّفَةُ في مَرَضِ الموت؛ يُنظر إن كان التَّعْلِيقُ بِصِفَةٍ لا توجد إلاَّ حينئذ، كما إذا قال: إن دَخَلْتَ الدَّارَ في مَرَضِ موتي، فأنت حُرٌّ، أو إذا مَرِضْتُ مَرَضَ الموت.
فيعتبر عِتْقُهُ من الثلث، كما لو أعتقه حينئذ.
وإن كان يحتمل أن توجد في الصِّحَّةِ، ويحتمل أن توجد في المَرَضِ فقولان:
أصحهما: العِتْقَ من رَأْسِ المَالِ؛ لأنه حينئذ علق ولم يكن مُتَّهماً بِإِبْطَالِ حَقِّ الورثة.
والثاني- وبه قال أبو حَنِيْفَةَ-: يُعْتَقُ من الثلث اعتِبَاراً بوقت وجود الصفة فإن العتق حينئذ يَحْصُلُ.
وهذا كالخلاف في أَنَّهُ إذا عَلَّقَ طَلاًقَ أمْرَأَتِهِ في الصحة، ووجدت الصفة في المَرَضِ هل [يجعل فاراً] 72.
قال الإمَامُ: ومن هذا الأَصْلِ اخْتَلَفَ الأَصْحَابُ في أنه إذا شَهِدَ اثْنَان على تعليق العِتْقِ بصفة، وآخران على وُجُودِ الصفة، وحكم القَاضِي بنُفُوذِ العِتْقِ، ثم رجعوا يكون الغُرْمُ عليهم جميعاً، أم يَخْتَصُّ به شهُودُ التعليق؛ لأن التعليق هو الموقع والصِّفَة محل الوقوع أو وقته؟
وقياس اعْتِبَارِ الصِّفَةِ هاهنا تخصيص الغُرْم بشهود الصِّفَةِ لكن لا صائر إليه.
والخِلاَفُ فيما إذا كانت الصِّفَةُ محتملة الحُصُول في الصحة والمَرَضِ، ووجدت في المرض بغير اخْتِيَارِهِ، فإن وُجِدَتْ باختياره اعتبر العِتْقُ من الثلث؛ لأنهم ذَكَرُوا أنه لو قال: إن دَخَلْتَ الدَّارَ وكَلَّمْتَ فُلاَناً فأنت حُرٌّ، ثم دخلها وكَلَّمَهُ من مَرَضِ مَوْتِهِ، يعتبر العتق من الثلث؛ لأنه اخْتَارَ حُصُولَ العتق في مَرَضِهِ.
ولو باع الصَّحِيحَ بمُحَابَاةٍ، وشرط الخيار، ثم مَرِضَ في مُدَّةِ الخيار، ولم يفسخ حتى مات، اعتبرت المُحَابَاةُ من الثلث؛ لأنه [لزم] 73 العقد في المَرَض باختياره، فأشبه ما إذا وَهَبَ في الصَّحِّةِ، وأقبض في المرض 74.
الجزء: 13 - الصفحة: 430
فروع
:
لو علق عِتْقَ عَبْدِهِ بصفة، وهو مُطْلقُ التصرف فرجدت الصِّفَةُ، وهو مَحْجُور عليه بالفَلَسِ، عتِقَ العَبْدُ، إن قلنا: الاعتبار بِحَالَةِ التعليق، وإن قلنا: الاعتبار بِحَالَةِ وجود الصِّفَةِ؛ فهو كإعْتَاقِ الفَلَسِ، ولو عَلَّقَهُ بصفة، فوجدت الصفة بعدما جُنَّ وحُجِر عليه بالسَّفَهِ، يعتق وَجْهاً [واحداً] 75 كذلك ذكره في "التهذيب" وفرَّقَ بأن حَجْرَ المريض والمُفْلِسِ كلاهما لِحَقِّ الغَيْرِ، وهذا لِلْوَرَثَةِ، وهذا لِحَقِّ الغُرَمَاءِ، بخلاف حَجْرِ [السفيه والمجنون] 76.
وعن صاحب "الإفصاح" أنه لو قال: إن جُنِنْتُ فأنت حُرٌّ.
فَجُنَّ، ففي العِتْقِ وجهان:
أحدهما: لا يُعْتَقُ كما لو أعتق في حال الجنون.
والثاني: يعتق؛ لأن الإِيقَاعَ حَصَلَ في الصِّحَّةِ.
وقد خُرِّجَ هذا الخِلاَفُ فيما إذا كان التعليق بِصِفَةٍ غير الجنون، فوجدت في الجنون.
ولو قال: إن مَرِضْتُ مَرَضاً مَخُوفاً، فأنت حر.
فَمَرِضَ مَرَضاً مات منه، يعتق العَبْدُ، ويكون عِتْقُهُ من الثلث.
وعن أبي الحُسَيْنِ بن القَطَّانِ وجه آخر: أنه يُعْتَقُ من رَأْسِ المال؛ لأن التعليق وَقَعَ في الصحة.
ولو مَرِضَ مَرَضاً مَخُوفاً، ثم برئَ منه يعتق، ويكون عِتْقُهُ من رأس المال.
وخرج القاضي ابن كَجٍّ وَجْهاً: أنه لا يُعْتَقُ أخْذاً من الخِلاًفِ فيما إذا حَجَّ، وهو مَعْضُوبٌ ثم بَرِيءَ.
ونختم الفَصْلَ بإعادة إِشْكَالٍ من الخلاف المَشْهُورِ، من أن المُدَبَّر؛ هل يُعْتَقُ في الحال عند غَيْبَةِ بَاقِي المال، قد ذكرناه في "باب الوَصِيَّةِ"، وذلك؛ لأن الثلث عتق بكل حال، فلا معنى للتَّوَقُّفِ والتأخير فيه، ولا فَائِدَةَ لِلْوَارِثِ في ذلك، فإنه مَمْنُوعٌ من التَّصَرُّفِ في جميع العَبْدِ، فَضْلاً عن التصرف في الثلث.
وأيضاً فلو لم يعتق الثلث في الحال لَبَقِيَ المِلْكُ فيه والمَمْلُوكُ لَا بُدَّ له من مَالِكٍ، ولا يمكن أن يكون مِلْكاً للميت، ولو كان مِلْكاً للوارث، لما عتق 77 إلا بإعْتَاقِهِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: (الخَامِسُ) إِذَا جَنَى المُدَبَّرُ بِيعَ فَإِنْ فَدَاهُ السَّيِّدُ بَقِيَ التَّدْبِيرُ، فَإنْ مَاتَ
الجزء: 13 - الصفحة: 431
السَّيِّدُ فَلِلوَرَثَةِ أَنْ لَا يَفْدُوهُ عَلَى قَوْلٍ وَإِنْ وَفَّى الثُّلُثَ بِالفِدَاءِ وَالعِتْقِ، وَقِيلَ: يَجِبُ الفِدَاءُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الجناية على المُدَبّر كهي على القِنِّ، فإن قتل فللسيد القِصَاصُ أو القِيمَةُ، ولا يَلْزَمُهُ أن يشتري بها عَبْداً فيدبره، بخلاف ما إِذَا وَقَفَ مَتَاعاً فَأُتْلِفَ، فإنا قد نقول يشتري بقيمته مِثْلَهُ، ويوقف؛ لأن مَقْصُودَ الوَقْفِ أن ينتفع به المَوْقُوفُ عليهم، وهم بَاقُونَ.
ومقصود التَّدْبِيرِ أن ينتفع به ذلك العَبْدُ، ولم يَبْقَ، وإن جنى على طرفه فَلِلسَّيِّدِ القِصَاصُ، أو الأَرْشُ، ويبقى التدبير 78 بِحَالِهِ.
هذا حكم الجِنَايَةِ عليه.
وأما حكم جِنَايَتِهِ وهو [الذي] 79 أورده في الكِتَابِ، فهو فيها كالقِنِّ أيضاً، فلو جَنَى على إنْسَانٍ بما يوجب القِصَاصَ اقْتُصَّ منه وفَاتَ التَّدْبِيرُ.
وإن جَنَى بما يوجب المَال، وعاد بالعَفْوِ إليه، فللسيد أن يَفْدِيَهُ، وأن يُسْلِمَهُ ليُبَاعَ في الجِنَايَةِ، فإن فَدَاهُ بقي التدبير فيه، وفيما يَفْدِيهِ به من أَرْشِ الجِنَايَةِ، أو الأَقَل منه، ومن قيمته القولان السابقان من القِنِّ.
وإن سَلَّمَهُ للبيع وبيع جميعه ارتفع التَّدْبِيرُ فيه، فإن عاد إلى مِلْكِهِ، ففي عَوْدِ التدبير مَا مَرَّ في الباب تَفْرِيعاً على أنه وصية، وعلى أن تَعْلِيقَ عِتْقٍ بصفة، وإن حصل الغَرَضُ بِبَيْعِ بعضه بَقِيَ التَّدْبِيرُ في الباقي، وإن مَاتَ السيد قبل البَيْعِ، واختيار الفداء، ففيه طريقان:
أظهرهما: أن حُصُولَ العِتْقِ على الخِلاَفِ في أن إعْتَاقَ العَبْدِ الجاني هل ينفذ؛ لأنه اجتمع العِتْقُ والجِنَايَةُ؟ فإن قلنا: ينفذ أخذ الفِدَاءُ من تَرِكَةِ السَّيِّدِ؛ لأنه أعتقه بالتدبير السابق، وعلى هذا فالفِدَاءُ بأقل الأَمْرَينِ بلا خِلَافٍ؛ 80 لأنه تعذر تسليمه للبيع.
وإن قلنا: لا يُعْتَقُ فالوَارِث بالخيار بين أن يَفْدِيَهُ فيعتق من الثلث، وبين أن يُسَلِّمَهُ لِلْبَيْعِ، وإن كان في ثلث المال سَعَةٌ، فإذا بِيعَ، بَطَل التدبير.
واعلم أن الخِلاًفَ في أن إِعْتَاقَ الجاني؛ هل ينفذ؟
قد سبق في أوَّل "البيع"، وبَيَّنَّا أن الأَصَحَّ أنه إن كان مُوسِراً ينفذ، وإن كان مُعْسِراً لا ينفذ، ويُشْبِهُ أن يقال: الميت معسر على مَا مَرَّ في سِرَايَةِ العِتْقِ.
[والطريق] 81 الثاني: عن صاحب "التقريب" أنه إذا اتَّسَعَ الثلث، وَوَفَّى بقيمة
الجزء: 13 - الصفحة: 432
الرقبة والفِدَاء، وجب على الوَرَثَةِ تَحْصِيلُ العِتْقِ، ولا [يخرج] (1) على ذلك الخلاف.
ولو كانت جِنَايَةُ المُدَبَّرِ تَسْتَغرِقُ ثُلُثَ الرَّقَبَةِ مَثَلاً، ومات السيد فَفَدَاهُ الوَارِثُ من مَالِهِ، ففي وَلَاءِ ذلك الثُّلُثِ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا الصَّيدَلاَنِيُّ عن ابن سُرَيْجٍ أنه للوارث.
وقال القَفَّال: فيه وَجْهٌ آخر عِنْدِي؛ أن وَلاَءَ جَمِيعِهِ للوارث، بِنَاءً على أن إِجَازَةَ الوَرَثَةِ تَنْفِيذٌ أو ابتداء عَطِيَّةٍ.
وهذا الفِدَاءُ من الوَارِثِ كالإِجَازَةِ؛ لأنه متمم قَصْدَ المورث، وشَبِيهاً بالوجْهَيْن في عبد مَرْهُونٍ [جنى ففداه المرتهن] (2) بِشَرْطِ أن يكون العَبْدُ رَهْناً عنده بأصل الدَّيْنِ، وبالفِدَاءِ؛ لأنه لما أَشْرَفَ على الزَّوَالِ للبيع في الجناية جعل باستيفائه كابْتِدَاءِ عَقْدٍ منه.
ولو جَنَت المُدَبَّرَة، ولها وَلَدٌ صغير وقلنا بِسِرَايَةِ التدبير إليه على ما سَيَأْتِي الخلاف فيه، فلو بِعْنَا الوَلَدَ معها أبطلنا التدبير فيه، ولو لم نَبِعْهُ معها، فَرَّقْنَا بين الأُمِّ والولد، وفيه وجهان:
أحدهما: نبيعه حِذَاراً من التفريق.
والثاني: يحتمل التفريق لِلضَّرُورَةِ، وهو كالخِلافِ فيما إذا رَهَنَ الجَارِيَةَ دون وَلَدِهَا، واحتيج إلى بَيْعِ الجَارَيةِ في الدَّيْنِ هل يُبَاعُ الولد معها؟
وقوله في الكتاب: "إذا جنى المُدَبَّرُ بِيعَ" يجوز أن يُعَلمَ [بالحاء] (3)؛ لأن عند أبي حَنِيْفَةَ يُجْبَرُ السيد على أن يَفْدِيَهُ، كما في أُمِّ الولد.
وقوله: "فللورثة ألا يَفْدُوهُ على قَوْل" أي من التركة، وهو إشارة إلى الطريقة الأُولَى.
وقوله: "وقيل: يجب الفِدَاءُ"؛ [إشارة إلى] (4) طريقة صاحب "التقريب".
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الحُكْمُ الثَّانِي
: السِّرَايَةُ
وَهَلْ يَسْرِي التَّدْبِيرُ اِلَى وَلَدِ المُدَبَّرَةِ مِنْ زِنَا أَؤ نِكَاح؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، وَتَعْلِيقُ العِتْقِ بِالدُّخُولِ هَلْ يَسْرِي إِلَى الوَلَدِ؟ فِيهِ أَيْضاً قَوْلَانِ، فَإِنْ قُلْنَا: يَسْرِي فَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الوَلَدَ يُعْتَقُ بِدُخُولِ الأُمِّ، وَقِيلَ بِدُخُولِ نَفْسِهِ، ثُمَّ إِذَا سَرَى التَّدْبِيرُ صَارَ كَمَا لَوْ دَبَّرَهُمَا، وَلَا يَكُونُ الرُّجُوعُ عَنْ أَحَدِهِمَا رُجُوعاً عَنِ الآخَرِ، وَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ، أَمَّا وَلَدُ المُدَبَّرِ فَيَتْبَعُ الأُمِّ دُونَ الأَبِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: يجوز وَطْءُ المُدَبَّرَةِ والمُعَلَّقَةِ عِتْقُهَا بصفة لكَمَالِ المِلْكِ، ونَفَاذِ التَّصَرُّفِ فيهما.82838485
الجزء: 13 - الصفحة: 433
روي أن ابن عمر -رضي الله عنهما: دَبَّرَ جَارَيتَينِ له، وكان يطؤهما 86.
وأيضاً فإن المُسْتَوْلَدَةَ يجوز وَطْؤُهَا، مع أن حَقَّ العِتْقِ [فيها] 87 آكَدُ، فالمُدَبَّرَةُ أَوْلَى، وتُخَالِفُ المُكَاتَبَةُ؛ لأنها صارت أَحَقَّ بنفسها؛ ألا ترى أنها إذا وُطِئَتْ يكون المَهْرُ لها، وإذا جنى عليها يكون أَرْشُ الجِنَايَةِ لها، بخلاف المُدَبَّرَةِ المُعَلَّقِ عِتْقُهَا بالصفة والمستولدة، فإن المَهْرَ وأَرْشَ الجناية عليهن يكون للسَّيِّدِ.
ولو أَوْلَدَهَا السيد صارت مُسْتَوْلَدَةً.
والأظهر أن التدبير يَبْطُلُ.
وفيه وجه آخر وقد ذكرناهما من قَبْلُ، وبذلك الوَجْهِ الآخر أجاب إبراهيم المَرُّورُوذِيُّ، وتظهر فَائِدَةُ الاختلاف فيها، إذا قال: كل مدبر لي 88 حر؛ هل تعتق هي؟
وأما إذا أتت المُدَبَّرَةُ بِوَلَدٍ من نِكَاحٍ أو زنى؛ فهل يَسْرِي التدبير إليه؟ فيه قولان 89:
أرجحهما عند الإمَامِ وصاحب "التهذيب": لا، وهو اختيار المُزَنِيِّ؛ لأنه عَقْدٌ يقبل الرفع، فلا يَسْرِي إلى الوَلَدِ كالرَّهْنِ.
وأظهرهما: كما ذكر الشيخان -أبو حَامِدٍ والقَفَّالُ- وغيرهما وبه قال أبو حَنِيْفَةَ ومالك وأَحْمَدُ -رحمهم الله-.
نعم: لأنها تُعْتَقُ بموت سَيِّدِهَا، فيتبعها وَلَدُهَا كالمستولدة، ولأن وَلَدَ الحرة حُرٌّ، وَوَلَدُ الرقيقة رَقِيقٌ.
وإذا نذر هَدْياً أو أُضْحِيَةً، يكون للولد حُكْمُ الأم، فكذلك هاهنا.
ثم قيل: القولان مَبْنِيَّانِ على أن التدبير وَصِيَّةٌ، أو تعليق عتق بصفة، إن قلنا: وصية لم يتبعها الوَلَدُ، وإن قلنا: تعليق يتبعها، وهذه طريقة المزنى، والصحيح وبه قال ابن سُرَيْجٍ وأبو إسحاق -رحمهم الله-: أنهما مَبْنِيَّيْنِ على أنه وَصِيَّةٌ أو تعليق، بل القولان جَارِيَانِ على القولين جميعاً؛ لأنه نَصَّ على قولين في أن وَلَدَ المعلق عتقها؟ هل يَتْبَعُهَا على ما سنذكر، ويقال: إنه مع التفريع على أن التدبير وَصِيَّةٌ؛ ذكر في وَلَدِ المدبرة قولين.
وفي "الشامل" أن بعضهم قال: القولان في الوَلَدِ مَخْصُوصَانِ بما إذا قلنا: إن
الجزء: 13 - الصفحة: 434
التدبير تَعْلِيقٌ، وأما إذا جَعَلْنَاهُ وَصِيَّةً، فلا يتبعها الوَلَدُ، بلا خلاف، كما لو أوصى بِجَارِيَةٍ لإنسان، فَأَتَتْ بِوَلَدٍ، فهذه طريقة ثَالِثَةٌ، وعن الشيخ أبي محمد أنه يحتمل أن يَجْرِي القَوْلانِ في وَلَدِ الموصى بها لإنسان 90. قال الإِمَامُ: والأَظْهَرُ القَطْعُ بالمَنْعِ.
والشافعي -رضي الله عنه- إنما رَدَّدَ القَوْلَ في وَلَدِ المُدَبَّرَةِ على مذهب التَّشْبِيهِ بالمُسْتَوْلَدَةِ، وهذا التشبِيهُ يَخْتَصُّ بِعَقْدِ العتَاقَةِ، والمُعَلَّقُ عِتْقُها بالصفة إذا أتت بِوَلَدٍ؛ هل يتبعها؟ [أيضاً] 91 فيه قولان.
ورَتَّب الصَّيْدَلاَنِيُّ الخِلاَفَ هاهنا على الخلاف في وَلَدِ المُدَبَّرَةِ، والمنع هاهنا أَوْلَى.
وجعله القَفَّالُ وغيره الأظهر 92 وقالوا: ولد المدبرة إنما يَتْبَعُهَا لِمُشَابَهَتِهَا المستولدة من العتق بموت السَّيِّدِ.
والأَظْهَرُ: أنه لا فَرْقَ من مَجْيءِ القَوْلَيْنِ بين أن يكون التَّعْلِيقُ بما يحصل لا مَحَالَةَ كَطُلُوعِ الشمس، أو بغيره كَقُدُومِ زَيْدٍ، ودخول الدار.
وقيل بتخصيص القَوْلَيْنِ بالتَّعْلِيقِ بما يوجد لا مَحَالَةَ؛ لأنه يشبه التَّدْبِيرَ، وفي غيره لا يَتْبَعُهَا بلا خِلاَفٍ.
التفريع: إن 93 جعلنا وَلَدَ المُدَبَّرَةِ مُدَبَّراً، فلو ماتت الأم في حَيَاةِ السَّيِّدِ، لم يبطل التدبير في الولد، كما لو دَبَّرَ عَبْدَيْنِ، فمات أحدهما قبل موت السَّيِّدِ، وكما إذا مَاتَتِ المُسْتَوْلَدَةُ لا يبطل حَقُّ العتق في الولد، ولو رجع السَّيِّدُ عن تَدْبِيرِهِ أَحَدَهُمَا، وجَوَّزنَاهُ، أو باع أحدهما لم يَبْطُلِ التدبير في الثاني، ولو كان الثُّلُثُ لا يَفِي إلاَّ بإحداهما، فعن ابن الحَدَّادِ: أنه يُفْرَعُ بينهما، كما لو دَبَّرَ عَبْدَيْنِ، وضاق الثلث عنهما، وهذا هو الأظهر، والمَذْكُورُ في الكتاب.
وفيه وَجْهٌ: أنه يُقَسَّمُ العِتْقُ عليهما؛ لأنَّا لو أقرعنا فربما تخرج القُرْعَةُ للولد، فَتُرَقُّ الأم وهي الأَصْلُ في التدبير، فيبعد أن تُرَقَّ، ويعتقُ الولد.
وإذا قلنا: إن المُعَلَّقَ عِتْقُهَا بالصفة يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا، فالمَعْنِيُّ به أن الصِّفَةَ إذا وجدت في الأُمِّ، وعتقت هي [بعتق الولد أيضاً ولتعتبر الصفة فيه- فإذا عَلَّقَ عتقها] 94 بدخول الدَّارِ فدخلت عتقت، وعتقَ الوَلَدُ على هذا القول، ولو دَخَلَ الوَلَدُ بنفسه لم يعتق هذا هو [المشهور].
95
الجزء: 13 - الصفحة: 435
وقال الشيخ أبو محمد [قضية] 96 سِرَاية هذا التعليق أن يَتَعَلَّقَ عتقُهُ بدخوله من نفسه، وإلاّ فَهُوَ سِرَايَةُ عتق لا سِرَايَةُ تعليق، فعلى هذا لا يُعْتَقُ بدخولها، ويعتق بدخوله، ولو بَطَلَ التعليق بدخول الدار فيها بأن ماتت بَطَلَ في حَقِّ الولد أيضاً 97.
قال في "التهذيب": لأنه يَتْبَعُهَا في [حق] 98 العتق لا في الصِّفَةِ، بخلاف التَّدْبِيرِ، فإنه يتبعها في التدبير، فيبقى فيه وإن بَطَلَ فيها.
وقال ابن الصَّبَّاغِ: الفَرْقُ بينه ويين التَّدْبِيرِ أن الشَّرْطَ دخول الأُمِّ الدَّارَ، وإذا ماتت فَاتَ ذلك الشَّرْط [والشرط] 99 في المدبر صَوْتُ السيد، ولم يفت ذلك في حَقِّ الوَلَدِ إلاَّ أن يكون قد عَلَّقَهُ بفعل نفسه أو غيرها، فيكون كالمُدَبَّرَةِ، وبُطْلاَن التعليق بموت السيد كَبُطْلاَنِهِ بموتها، وقضية ما ذكره الشيخ أبو مُحَمَّدٍ: ألاَّ يبطل التعليق فيه ببطلانه فيها.
ولو قال لِأَمَتِهِ: أنت حُرَّةٌ بعد موتي بعشر سنين مَثَلاً، فإنما تُعْتَقُ بعد مُضِىِّ تلك المُدَّةِ من يوم المَوْتِ فإن أَتَتْ بولد قبل مَوْتِ السَّيِّدِ فهل يتبع الأُمَّ في حُكْمِ الصفة؟
فيه القولان؟ وإن أَتَتْ به بعد مَوْتِ السيد وقيل مُضِىِّ المدة؛ فقد نَصَّ الشَّافعي -رضي الله عنه- أنه يَتْبَعُهَا في حكمها، وفيه طَرِيقَانِ للأصحاب:
أحدهما: أنه على القَوْلَيْنِ، كما قبل الموت، وإنما أَجَابَ على أحد القولين.
والثاني: القَطْعُ بأنه يَتْبَعُهَا؛ لأن سبب العِتْقِ قد تَأَكَّدَ هاهنا؛ إذ ليس للوارث التَّصَرُّفُ فيه، وإبطال العتق، فصارت كالمُسْتَوْلَدَةِ، وقبل الموت كان السَّيِّدُ بِسَبِيلِ من البيع والإبْطَالِ، وذكر على هذا أن الوَلَدَ يعتق من رَأْسِ المال، كما في المُسْتَوْلَدَةِ.
وأما ولد المُدَبَّرَةِ، فلا يؤثر فيه تَدْبِيرُ أبيه، بل يَتْبَعُ الأم في الرِّقِّ والحرية.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: فَإِذَا مَاتَ السَّيِّدُ وَالمُدَبَّرَة حَامِلٌ عُتِقَ مَعَهَا حَمْلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ حَاملاً عِنْدَ التَّدْبِيرِ فَفِي السِّرَايَةِ اِلَى الجَنِينِ وَجْهَانِ، فَلَوْ تَنَازَعَا وَقَالَتْ: وَلَدتُّ بَعْدَ التَّدْبِيرِ فَيَتْبَعَني وَأَنْكَرَ السَّيِّدُ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ، وَلَوْ تَنَازَعَ الوَارِثُ وَالمُدَبَّرُ فِي مَالٍ فِي يَدِهِ فَادَّعَى أَنَّهُ اكْتَسَبَ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ فَالقَوْلُ قَوْلُهُ لِأَجْلِ اليَدِ، وَلَوْ قَالَتْ: وَلَدتُّ الوَلَدَ بَعْدَ مَوْتِ السَّيِّدِ فَهُوَ حُرُّ فَالقَوْلُ قَوْلُ الوَارِثِ إِذْ لَا يَدَ عَلَى الوَلَدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في هذه البقية مَسْأَلَتَانِ:
إحداهما: ما ذكرنا في وَلَدِ المُدَبَّرَةِ مَفْرُوضٌ فيما إذا حَدَثَ الولد بعد التدبير،
الجزء: 13 - الصفحة: 436
وانْفَصَلَ قبل موت السَّيِّدِ، فأما: إذا كانت المُدَبَّرَةُ حَامِلاً عند موت السيد، عتقَ معها الحَمْلُ، بلا خلاف، كما لو أعتق جَارِيةً حَامِلاً، فإن لم [يحتملها] 100 الثلث حاملاً، عُتِقَ منها قَدْرُ الثلث.
وكذا المُعَلَّقُ عِتْقُهَا بالصفة، لو كانت حَامِلاً عند وجود الصِّفَةِ، عتق الحَمْلُ معها.
ولو كانت الجَارِيةُ حاملاً عند التدبير، ففيه طريقان:
أحدهما: أنه يبنى حكمه على أن الحَمْلُ هل يُعْرَفُ؟ وفيه قولان: إن قلنا: يعرف -وهو الأَصَحُّ- فيكون الوَلَدُ مُدَبَّراً أيضاً.
وإن قلنا: لا يعرف، ففيه القولان المَذْكُورَانِ في الوَلَدِ الحادث.
وأَصَحُّهُمَا: القطع بكونه مُدَبَّراً، سواء قلنا: إن الحَمْلُ يعرف أو لا يعرف كما يدخل في البيع بلا خِلاًفٍ، وقد ذكر أنه لَيْسَ ذلك على سَبِيلِ السَّرَايَةِ، ولكن اللفظ يَتَنَاوَلُهُ [وإنما] 101 يعرف كونه موجوداً يوم التَّدْبِيرِ، إذا أتت به لما دون سِتَّةِ أشهر، فإن أتت به لأكثر من أَرْبَعِ سنين من وَقْتِ التدبير، فهو حادث لا مَحَالَةَ، وإن أتت به المُدَّتَيْنِ، فينظر أَلَهَا زَوْجٌ يفترشها أم لا؟ وقد سبق مِثْلُهُ في مواضع.
فإن كان لها زَوْجٌ قد فَارَقَهَا قبل التدبير، وأتت بِوَلَدٍ لما دون أربع سنين من وَقْتِ الفِرَاقِ فيه قولان:
قال في "التهذيب": أصحهما: أنه يجعل موجوداً يوم التَّدْبِيرِ، كما يجعل موجوداً في ثبُوتِ النَّسَب من الزَّوْجِ.
إذا ثبت التدبير في العمل، ثم انفصل، فَرُجُوعُ السَّيِّدِ عن التدبير في أَحَدِهِمَا لا يرفع التدبير في حَقِّ الآخر، كما ذكرنا في الوَلَدِ المنفصل.
وإن رجع قبل الانْفِصَالِ عن تدبير الحَمْلِ، وجَوَّزْنَا الرجوع عن التدبير ارْتَفَعَ التَّدْبِيرُ فيه، وبقي في الأُمِّ.
وفي وجه: لا يجوز الرُّجُوعُ عنه ما دَامَ حَمْلاً، مع بَقَاءِ التدبير في الأم، وإن رَجَعَ في تدبير الأُمِّ، نُظِرَ إن قال: رَجَعْتُ عن تَدْبِيرِهَا دون تَدْبِيرِ الوَلَدِ، فلا يخفى الْحُكْمُ، وإن أَطْلَقَ، فوجهان:
أحدهما: أنه يَتْبَعُهَا في الرجوع، كما يتبعها في التَّدْبِيرِ.
وأصحهما: المَنْعُ، كالرجوع بعد الانْفِصَالِ ويخالف التَّدْبِيرُ؛ لأن فيه مَعْنَى العِتْقِ، وللعتق قُوَّةٌ وغَلَبَةٌ لا تُنْكَرُ.
وإذا رجع في تدبيرها دون الوَلَدِ، ثم أتت بِوَلَدٍ لما دون سِتَّةِ أشهر، من وقت الرُّجُوعِ فهو مُدَبَّرٌ، وإن أَتَتْ به لأكثر من ذلك، ولها زَوْجٌ يَفْتَرِشُهَا لم يكن مُدَبّراً؛ لأنه لا يعلم حُصُوله قبل الرجوع عن تدبيرها.
الجزء: 13 - الصفحة: 437
ولو دَبَّرَ الحَمْل من البَطْنِ وحده جاز، كما لو أَعْتَقَهُ، ولا يَتَعَدَّى إلى الأم.
وإذا مات السيد عتق الحَمْلُ دون الأم، فإن باع الأم، فقد قيل: إن قَصَدَ به الرُّجُوعَ حصل الرُّجُوعُ وصح البيع [في الأم والولد (1) وإن لم يقصد لم يصح البيع] (2) في الولد، ويصير كأنه اسْتَثْنَاهُ، وإذا لم يَصِحَّ في الولد لم يَصِحَّ في الأُمِّ على الظاهر كما لو باع جَارِيَةً حامِلًا بِحُرٍّ، والأَصَحُّ صحة البَيْعِ فيهما، وحصول الرجوع قَصْدَاً ولم يَقْصِدْ، كما لو باع مُدَبَّرَةً، ونسي التدبير يصح البيع، ويحصل الرجوع.
وقوله في الكتاب: "ففي السَّرَايَةِ إلى الجنين وجهان"، مَقْصُودُهُ ما قد تَبَيَّنَ، ولكن قد يُنَاقَشُ في لفظ "السِّرَايَةِ" لما قد قيل: إِن ذلك على سبيل تَنَاوُلِ اللفقاله على وجه السِّرَايَةِ والتعدي من الشخص إلى المشخص (3).
فرع
:
إذا دَبَّرَ أَمَتَهُ، وقلنا: "ولد المدبرة" مدبر، وجوزنا الرجوع عن التدبير بالقول، فقال: إذا وَلَدَتْ أو كلما ولدت ولداً فقد رجعت في تدبيره لم يَصِحَّ الرُّجُوعُ فإذا أولدت 105 مُدَبّراً حتى يرجع بعد الوِلَادَةِ؛ لأن الرجوع في التدبير إنما يَصِحُّ بعد ثُبُوتِ حُكْمِ التدبير للولد، وليس له حكم التدبير قبل الوِلَادَةِ، فأشبه ما إذا قال: إذَا دَبَّرْتُكَ فقد رجعت عن تَدْبِيرِكَ لا يصحُّ الرجوع.
المسألة الثانية: إذا قلنا: ولد المُدَبَّرَةِ مُدْبَّرٌ، فتنازع السيد والمدبرة في الولد، فقال السَّيِّد: وَلَدَتْهُ قبل التدبير فهو قِنٌّ وقالت: بل بعده، فَيُقَدَّمُ السَّيِّدُ بيمينه؛ لأن الأَصْلَ بقاء مِلْكِهِ في وَلَدِ أَمَتِهِ، وعدم التدبير.
ولو جرى هذا الاخْتِلاَفُ مع الوَارِثِ بعدما مَاتَ السَّيِّدُ، فقال الوارث: وَلَدَتْهُ قبل التدبير.
وقالت: بَعْدَهُ، وعتق بموت السيد فالمُصَدَّقُ الوارث.
قال في: "التهذيب": وتُسْمَعُ دَعْوَاهَا لولدها حسبة 106 حتى لو كانت قِنَّةً 107، وادَّعَتْ على السيد أنك دَبَّرْتَ وَلَدِي تسمع.102103104
الجزء: 13 - الصفحة: 438
ولو قالت المدبرة: وَلَدْتُهُ بعد موت السَّيِّدِ فهو حُرٌّ.
وقال الوارث: قبل التدبير.
فالمُصَدَّقُ الوارث أيضاً، والتنازع على هذا التصوير يجري وإن لم نَقُلْ بأن ولد المدبرة يَتْبَعُ الأم في التدبير.
وعن أبي الحُسَيْنِ بن القَطَّانِ: تخريج وجْهٍ في الصورة الأخيرة (1) أنه يصدق المدبرة؛ لأنها لم تسلمه لِلْوَرَثَةِ يَداً ولا مِلْكاً.
والظاهر الأَوَّلُ وهو المَذْكُورُ في الكتاب.
ولو كان في يَدِ المُدَبَّرِ مال، فقال: اكْتَسَبْتُهُ بعد موت السَّيِّدِ، وقال الوارث: بل قَبْلَهُ فهو لِي، صُدَّقَ المدبر بيمينه؛ لأنه صاحب يَدٍ في المال، فرجح جانبه باليد، بخلاف ما إذا كان التَّنَازُعُ في الولد فإنها تزعم حُرِّيَّتَهُ، والحر لا يدخل تحت اليَدِ.
ولو أقام كل واحد منهما بَيِّنَةً على [أن هذا] (2) ما يقوله ترَجَّحُ بَيِّنَةُ المُدَبَّرِ لاعْتِضَادِهَا باليد.
ولو أقام الوَارِثُ بَيِّنَةً على أن هذا المَالَ كان في يَدِ المُدَبَّرِ في حياة السيد، وقال المدبر: كان في يَدِي، لكنه كان لفلان فَمَلَكْتُهُ بعد موت السيد، فيصدق المُدَبَّرُ أيضاً.
نص عليه، وعَلَّلَ بأن البَيِّنَةَ لم تتعرض إلاَّ لِلْيَدِ، وبأن البَيِّنَةَ تشهد بِيَدٍ متقدمة، ويَدُ المُدَبَّرِ ثَابِتَةٌ في الحال.
وإذا تَنَازَعَ السيد والمستولدة في ولدها وَلَدَتْهُ قبل الاستيلاد، أو بعده، أو الوارث والمستولدة [هل] (3) ولدته قبل موت السَّيِّدِ، أو بعده فهو على ما ذكرنا في تَنَازع السيد والمُدَبَّرَةِ.
وإذا قلنا سِرَايَةِ الكتابة إلى الوَلَدِ، فقالت المُكَاتَبَةُ: وَلَدْتُهُ بعد الكتابة، وقال السَّيِّدُ: بل قبلها، فالمُصَدَّقُ السَّيِّدُ أيضاً كذلك حكاه الصَّيدَلاَنِيُّ وغيره.
وذكر القاضي ابْنُ كَجٍّ وَجْهَاً آخَرَ ورجحه أن يصدق المُكَاتَبَة، وفَرَّقَ بأن المكاتبة يَثْبُتُ لها اليَدُ على نفسها وولدها، والمُدَبَّرَة لا يَدَ لها على نفسها ولا وَلَدِهَا، ولو اختلف السيد والمُكَاتَبُ في المال، فالمُصَدَّقُ المكاتب، كما ذكرنا في المدبرة.
فروع
:
دَبَّر عَبْدَهُ، ثم ملّكه أَمَةً فَوَطِئَهَا، وأولدها يبنى ذلك على أن العَبْدَ هل يملك بالتمليك؟ إن قلنا: لا يملك، فالولد للسيد، ويثبت نَسَبُهُ من العَبْدِ، ولا حَدَّ عليه؛ لِلشُّبْهَةِ، ويحكى هذا عن نَصِّهِ في "الأم".
وإن قلنا: يملك بالتمليك، فالجَارَيةُ للمدبر، والولد لا يحكم له بالحرية فإنه حَصَلَ من رَقِيقَيْنِ، وبأَيِّهَا يُلْحَقُ؟
فيه وجهان لابن سريج:108109110
الجزء: 13 - الصفحة: 439
أحدهما: أنه يتبع الأُمِّ ويكون رَقِيقاً للسيد.
والثاني: يتبع الأَبَ، فيكون مُدَبّراً، كما أن الحُرِّ إذا أولد أَمَتَهُ يكون الولد مُلْحَقاً به في الحرية.
جارية بين شريكين دَبَّرَاهَا، ثم أتت [بولدِ فَادَّعَاهُ] 111 أحدهما، منه وابنه، ويضمن نِصْفَ [قيمتها] 112، ونِصْفَ قيمته ونصف عقرها لشريكه وأخذ قيمتها يكون رُجُوعاً في التدبير.
وعن القاضي أبي الطَّيِّبِ أنه قال: عِنْدِي لا يقوْم نَصِيبُ الشريك عليه إلاَّ بِرِضَاهُ، لأنه قد ثبت له حَقُّ الوَلَاءِ فيها 113 قول المدبر في حياته أو بعد موته: "رددت التدبير" لغوٌ لا يَقْدَحُ في التدبير.
الجزء: 13 - الصفحة: 440