العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلميةكِتَابُ الإِجَارَةِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال الغزالي: وَفِيهِ ثَلاثةُ أَبْوَاب

ٍ: البَابُ الأَوَّلُ فِي أَرْكَانِ صَحَّتِهَا

وَهِيَ بَعْدَ العَاقِدَيْنِ ولاَ يُخّفِي أَمْرُهُمَا ثَلاَثةٌ الأَوَّلُ الصِّيغَةُ وَهِيَ أَنْ يَقُولَ: أَكْرَيْتُكَ الدَّار أَوْ أَجَّرْتُكَ فَيَقُولُ: قَبِلْتُ، وَيَقُومُ مَقَامَهُمَا (و) لَفْظُ التَّمْلِيكِ وَلَكِنْ يُشْتَرَطُ أَنْ يضِيفَ إلَى المَنْفَعَةِ فَيَقُولَ: مَلَّكْتُكَ مَنْفَعَةَ الدَّارِ شَهْراً، وَالظَّاهِرُ (و) أَنَّ لَفْظَ البَيْعِ لاَ يَقُومُ مَقَامَ التَّمْلِيِكِ لأنَّهُ مَوْضُوعٌ لِمِلْكِ الأَعْيَانِ.
قال الرافعي: نفتتح الباب بمقدمات: إحداها: أنه سيعمل في هذا العقد لفظتان: إحداهما: الإجارة، وهذا اللفظة وإن اشتهرت في العقد، فهي في اللغة اسم للأجرة، وهي كراء الأجير وذكر "ابن الصباغ" 1 في "الشامل" أنه يقال لها: إجارة أيضاً -بالضم- ويقال: استأجرت دار فلان، وأجر لي داره ومملوكه يؤجرها إيجاراً، فهو مؤجر وذاك مؤجر، ولا يقال: مؤاجر ولا آجر.
أمَّا المؤاجر فهو من قولك: أجر الأجير مؤاجرة كما يقال: زارعه وعامله، وآجر هذا "فاعل" وإجر داره أفعل فاعل، ولا يجر منه مفاعل.
وأمَّا الأجر فهو فاعل من قولك: أجره يأجره ويأجيره ويأجره أجرًا إذا أعطاه أجراً، وقولك: أجره يأجره إذا صار أجيراً له.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27] فسره بعضهم بالمعنى الأول، فقال: تعطيني من تؤويجي إياك رعي الغنم هذه المدة، وبعضهم بالثاني فقال تصير أجرى وإذا استاجرت عاملة لعمل فأنت آجر بالمعنى الأول؛ لأنَّك تعطي الأجرة، وهو أجر بالمعنى الثاني؛ لأنّه يصير أجيراً لك، وأجره إليه لغة في آجره، أي: أعطاء أجره، ولأجير فعيل بمعنى مفاعل، كالجليس والنديم، هذا تلخيص ما ذكره أئمة

الجزء: 6 - الصفحة: 79

اللغة 2. والثانية: الإكراء يقول: أكريت الدار فهي مكراة، ويقال: اكتريت واستكريت وتكاريت بمعنى، ورجل مكاري والكرى على فعيل المكاري والمكتري أيضاً والكراء، وإن اشتهر اسماً للأجرة فهي في الأصل مصدر كاريت.
المقدمة الثانية: أصل هذا العقد من الكتاب قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] وقصة موسى وشعيب -عليه السلام- ومن الخبر نحو قوله -صلى الله عليه وسلم-: (أَعْطُوا الأَجِيْرَ أُجْرَتَهُ قَبْلَ إِنْ يِجَفَّ عَرَقُهُ) 3. ومن الأثر فيما روى أن عليّاً عليه السلام: (آجَرَ نَفْسَهُ مِنْ يُهُودِيِّ يَسْتَقِي لَهُ كُلَّ دَلْوٍ بِتَمْرةً) 4. ثم الحاجة داعية إليه ظاهرة، وهو متفق على صحته، إلاَّ ما يحكى فيه عبد الرحمن بن كيسان الأصم 5.

الجزء: 6 - الصفحة: 80

والفاشاني 6. مقدمة أخرى اختلف الأصحاب في أن العقود عليه في الإجارة ماذا؟ فمن أبي إسحاق وغيره أن المعقود عليه العين ليستوفي منها المنفعة؛ لأنَّ المنافع معدومة، ومورد العقد يجب أن يكون موجوداً، وأيضاً فإن اللفظ مضاف إلى العين، أَلا تَرىَ أنّك تقول: أجرتك هذه الدار؟ وقال المعظم: العين غير معقود عليها؛ لأنّ المعقود عليه ما يستحق بالعقد، ويجوز التصرف فيه، والعين ليست كذلك، فإن المعقود عليه المنفعة، وبه قال أحمد وأبو حنيفة -رضي الله عنه- ومالك، وعليه ينطبق قول الجمهور أن الإجارة تمليك المنافع به بعوض، ثم حققوا ذلك بأن عين الثوب مثلاً تتعلّق به ثلاثة أمور: أحدها: صلاحيته لأن يلبس.
والثاني: الفائدة الحاصلة باللبس كاندفاع الحر والبرد.
الثالث: نفس اللبس المتوسط بينهما، واسم المنفعة يقع عليهما جميعاً، ومورد العقد المستحق إِنما هو الثالث، ويشبه إلاَّ يكون ما حكيناه خلافاً محققاً، لأن من قال: المعقود عليه العين لا يعني به أن العين تملك بالإجارة كما تملك بالبيع، أَلاَ تَرىَ أنه قال: المعقود عليه العين لاستيقاء المنفعة؟ ومن قال: المعقود عليه المنفعة لا يقطع الحق عن العين بالكلمة، بل له تسلم العين وإمساكها مدة العقد لينتفع بها.
وإذا عرفت هذه المقدمات فلإجارة تنقسم إلى صحيحة، وإلى غيرها، وإذا صحت ترتب عليها أحكام، ودامت إلى انتهاء مدتها إلاَّ أن يعرض ما يقتضي فسخاً أو انفساخاً، فالكلام في ثلاثة مقاصد أدرجها المصنف في ثلاثة أبواب: أحدها: في أركان صحة الإجارة.
والثاني: في أحكامها إذا صحت.
والثالث: في العوارض المقتضية للفسخ والانفساخ.
أمَّا الباب الأول: فقد نخطر لك أولاً أنه ترجمه بأركان الصحة، فأضاف الأركان إلى الصحة، وكذلك فعل في القراض، وأضاف في البيع، وأكثر العقود الأركان إلى نفسها، فهل لذلك من سبب؟

الجزء: 6 - الصفحة: 81

والجواب: أنه لا فرق بين عقد وعقد في الأمور المسماه أركاناً فإذا أُضيفت إلى نفس العقد، فعلى المعنى الذي حكيناه عن "الوسيط" في أول البيع، وإن أُضيفت إلى الصحة، فعلى المعنى الذي ذكرناه آخراً هناك، وهي أنها أمور معتبرة في الصحة على صفة مخصوصة.
وثانيها: أنه عد الأركان دون العاقدين ثلاثة، وفي البيع مع المتعاقدين ثلاثة، وسببه أنه في البيع أخذ المعقود عليه بمطلقه ركناً، وأنه يشمل العوضين، وهاهنا جعل كل واحد منهما ركناً برأسه، ولا فرق في الحقيقة وقوله: "في العاقدين، ولا يخفى أمرهما" أشار به إلى ما يعتبر فيهما من العقل والبلوغ، كما تقدم في سائر التصرفات.
الركن الأول: الصيغة وهي أن تقول: أكريتك هذه الدار، أو أجرتكها مدة كذا بكذا، فيقول على الأتصال قبلت أو أستاجرت أو اكتريت 7. ولو أضافهما إلى المنفعة فقال: أكريتك منافع هذه الدار، أو أجرتكها فوجهان: أظهرهما: وبه أجاب في "الشامل" أنه يجوز، ويكون ذكراً لمنفعة ضرباً من التأكيد، كما لو قال: بعتك عين هذه الدار 8 ورقبتها يصح البيع.
والثاني: المنع، وهو الذي أورده 9 في الكتاب؛ لأن لفظ الإجارة وضع مضافاً إلى العين، وإن كان العقد في الذمة، فقال: ألزمت ذمتك كذا، فقال قبلت جاز، وأغنى عن الإجارة والإكراء، وإن تعاقدا بصيغة التمليك، نظر: إن أضافها إلى المنفعة، فقال: ملكتك منفعتها شهراً جاز؛ لأن الإجارة تمليك منفعة بعوض.
ولو قال: بعتك منفعة هذه الدار شهراً، فأحد الوجهين، وبه قال ابن سريج: أنه يجوز؛ لأن الإجارة صنف من البيع.
وأظهرهما: المنع؛ لأن البيع موضوع لملك الأعيان، فلا يستعمل في المنافع، كما لا ينعقد البيع بلفظ الإجارة هذا هو النقل الظاهر.
وقوله والمذكور في الكتاب: وورائه شيئان غريبان: أحدهما: طرد صاحب "التهذيب" الوجهين في قوله: "بعتك هذه الدار" فيما لو قال: ملكتك منفعتها.

الجزء: 6 - الصفحة: 82

والثاني: حكى أبوُ العبَّاس الروياني طريقة قاطعة بالمنع فيما إذا قال بعتك منفعة هذه الدار، ويجوز أن يعلم للأول قوله في الكتاب: "ويقوم مقامها لفظ التمليك"، ولو قال: ملكلتك أو بعتك هذه الدار لم تنعقد به الإجارة.
قال الغزالي: الرُّكُنُ الثَّاني: الأُجْرَةُ فإِنْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ فَهِيَ كَالثَّمَنِ حَتَّى يَتَعَجَّلَ (ح م) بِمُطْلَقِ العَقْدِ، وإِنْ كَانَ مُعَيّناً فَهُوَ كَالمَبِيع فَيُرَاعِي شَرَائِطَهُ فَلَوْ أَجَّرَ دَاراً بِعَمارَتها أَوْ بِدَرَاهِمَ مَعْلُومَةٍ بِشَرْطِ صَرْفَها إِلىَ العِمَارَةِ بِعَمَلِ المُسْتَأْجِرِ فَهُوَ فَاسِدٌ لأَنَّ العَمَلَ في العِمَارَة مَجْهُولٌ، وَلَوْ كَانَتِ الأُجْرَةُ صُبْرَةً مَجْهُوَلةً جَازَ كَمَا فِي البَيْعِ، وَقِيلَ: إنَّهُ عَلَى قَوْلَيْنِ كَمَا في رَأْس مَالِ السِّلَمِ.
قال الرافعي: الأجارة تنقسم إلى: واردة على العين، كما إذا استأجر دابة بعينها 10 ليركبها، أو يحمل عليها، أو شخصاً بعينه لخياطة ثوب.
وإلى واردة على الذمة كما إذا استأجر دابة موصوفة للركوب، أو للحمل، أو قال: الزمت ذمتك خياطة ثوب أو بناء جدار فقبل.
وقوله: استأجرتك لكذا أو لتفعل كذا وجهان.
أظهرهما: أن الحاصل به إجارة عين للإضافة إلى المخاطب، كما لو قال: استأجرت هذه الدابة.
والثاني: ويحكى عن اختيار القاضي حُسَيْنٍ أن الحال الحاصل إجارة في الذمة، لأن المقصود حصول العمل من جهة المخاطب، فكأنه قال: استحققت عليك كذا، وإنما تكون إجارة عين على هذا إذا زاد فقال استأجرت عينك أو نفسك لكذا، أو لتعمل بنفسك كذا.
وإجارات العقارات لا تكون إلاَّ من القسم الأول؛ لأنها لا تثبت في الذمة، ألاَ تَرىَ أنه لا يجوز السّلم في دار ولا أرض.
إن وردت الإجارة على العين لم تجب الأجرة في المجلس؟ كما لا يجب الثمن في البيع، ثم إن كانت في الذمة فهي كالثمن في الذمة في جواز الاستبدال، وفي أنه إذا شرط فيها التأجيل أو التنجيم كانت مؤجلة أو منجمة، وإن شرط التعجيل كانت معجلة، وإن أطلق ذكرها تعجلت أيضاً، وملكها المكري بنفس العقد، واستحق استيفاءها إذا سلم العين إلى المستأجر، وبهذا قال أحمد.

الجزء: 6 - الصفحة: 83

وقال أبو حنيفة ومالك: لا تملك الأجرة عن الإطلاق بنفس العقد، كما لا يملك المستأجر المنفعة، فإنها معدومة، ولكن يملكها شيئاً فشيئاً، كذلك الأجرة، إلاَّ أن المطالبة كل لحظة مما يعسر، فضبط أبو حنيفة باليوم، وقال: كلما مضى يوم طالبه بأجرته، وهذا رواية عن مالك -رضي الله عنه- قال في رواية: لا يستحق أخذ الأجرة حتى تنقضي المدة بتمامها.
لنا أن الأجرة عوض في معاوضة تتعجَّل بشرط التعجيل، فتتعجل عند الإطلاق كالثمن، وكذلك تقول: يملك المستأجر المنفعة في الحال، وينفذ تصرفه فيها، إلاَّ أنها تستوفي على التدريج.
وقولهم بأنها معدومة يشكل بما إذا شرط التعجيل، فإن الشرط لا يجعل المعدوم موجوداً.
ثم قال: الأصحاب المنافع إمَّا موجودة، وإمَّا ملحقة بالموجودات، ولهذا صح إيراد العقد عليها، وجاز أن تكون الأجرة ديناً في الذمة، ولولا أنها ملحقة بالموجودات لكان ذلك في معنى بيع الدَّين بالدَّين.
ويجب أن تكون الأجرة معلومة القدر، والوصف كالثمن إذا كان في الذمة 11، وقد روي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: (مِنْ اسْتِأْجَرَ أَجِيْراً فَلْيُعْطِهِ أَجْرَهُ) 12. فلو قال: اعمل كذا لأرضيك أو أعطيك شيئاً، وما أشبهه فسد العقد، وإذا عمل استحق أجرة المثل، ولو استأجر أجيراً بنفقته، أو كسوته فسد، خلافاً لمالك وأحمد حيث قالا: تجوز ويستحق الوسط.
ولأبى حنيفة في المرضعة خاصة.
لنا: القياس على عوض البيع والنكاح، وإن استأجر بقدر معلوم من الحِنْطَةِ أو الشعير، ووصفه كما يجب في السلم جاز، أو بأرطال من الخبز يبنى على جواز السلم في الخبز.
ولو أجَّر الدار بعمارتها أو الدابة بعلفها، أو الأرض بخراجها أو مؤنتها لم يجز،

الجزء: 6 - الصفحة: 84

وكذلك لو أجَّرها بدراهم معلومة على أن يعمرها، ولا يحسب ما أنفق من الدراهم، وكذا لو أجَّرها بدراهم معلومة على أن يصرفها في العمارة؛ لأن الأجرة الدراهم والصرف إلى العمارة، والعمل في الصرف مجهول، وإن كانت الدراهم معلومة.
ثم إذا صرفها إلى العمارة ثم رجع بها، ولو أطلق العقد، ثم أذن له في الصرف إلى العمارة، وتبرع به المستأجر جاز.
فإن اختلفا في ما أنفقه، فقولان في أن القول قول من؟ 13 ولو سلم إليه ثوباً، وقال: إن خطته اليوم، ذلك درهم، وإن خطته غداً فلك نصف درهم، فالعقد فاسد، والواجب أجرة مثله في أي يوم خاطه.
وقال مالك وابو حنيفة: إن خاطه اليوم استحق درهماً، وإن خاطه غداً استحق أجرة المثل، وإن قال: إن خطته روميّاً فلك درهم، وإن خطته فارسياً فنصف درهم فهو فاسد، خلافاً لأبي حنيفة.
والخياطة الرومية بغرزتين، والفارسية بغرُزة.
وإذا شرط التأجيل في الأجرة فحل الأجل وقد تغير النقد، فالاعتبار بنقد بيوم العقد، وفي الجعالة الاعتبار بيوم اللفظ، أو بيوم تمام العمل، حكى الإمام فيه وجهين؛ أصحهما: الأول.
ووجه الثاني: أن الاستحقاق يثبت بتمام العمل.
هذا إذا كانت الأجرة في الذمة، فإن كانت معينة ملكت في الحال كالمبيع، واعتبرت فيه، الشرائط المعتبرة في البيع، حتى لو جعل الأجرة جلد شاة مذبوحة قبل السَّلخ لم يجز؛ لأنه لا يعرف حاله في الرَّقة والثَّخانة، وسائر الصفات قبل السلخ.
وهل تغني مشاهدتها عن معرفة القدر؟ فيه طريقان: أحدهما: أنه على القولين في رأس مال السلم؛ لأن الإجارة تعرض للفسخ والانفساخ، لتعذر استيفاء المنافع كالسلم لانقطاع المسلم فيه.
والثاني: القطع بالجواز؛ لأن المنافع ملحقة بالأعيان الموجودة لتعلقها بالعين الحاضرة، وكيف ما كان فالظاهر الجواز، هذا في إجارة العين.
النوع الثاني: الإجارة الواردة على الذمة، فلا يجوز فيها تأجيل الأجرة والاستبدال

الجزء: 6 - الصفحة: 85

عنها، ولا الحوالة بها ولا عليها ولا الإبراء، بل يجب التسليم في المجلس، كرأس مال السلم؛ لأنه سلم في المنافع، فإن كانت الأجرة مشاهدة غير معلومة القدر، فهي على القولين في رأس مال السلم، ولا يجئ هاهنا الطريق الآخر، هذا إذا تعاقدا بلفظ السلم بأن قال: أسلمت إليك هذا الدينار في دابة تحملني إلى موضع كذا فإن تعاقدا بلفظ الإجارة بأن قال: استأجرت منك دابة، صفتها كذا لتحملني إلى موضع كذا فوجهان، بنوهما على أن الاعتبار باللفظ أم بالمعنى؟ أصحهما: عند العراقيين والشيخ أبِي عَلِيٍّ أن الحكم كما لو تعاقدا بلفظ السلم؛ لأنه في المعنى، وتابعهم صاحب "التهذيب" على اختيار هذا الوجه، لكنه لا يلائم مصيره فيما إذا أسلم بلفظ الشراء، إلى أن الأصح اعتبار اللفظ ولعلك تقول: حكيتم اختلاف الأصحاب في أن أصح الوجهين ماذا في السلم بلفظ الشراء، وكذلك فيما نحن فيه اختار مختارون اعتبار اللفظ وفيما إذا اشترى بلفظ السلم ذكرتم أن أظهر القولين بطلان العقد، والأئمة كالمتفقين عليه فهل من فارق؟ والجواب: أن المسائل التي بنوها على هذا الأصل كثيرة، لكنها متنوعة.
فمنها: أن يستعمل اللفظ فيما لا يوجد فيه تمام معناه، وإن كان بينهما بعض التشابه كالشراء بلفظ السَّلم، فإن تمام معنى السلم لا يوجد في البيع؛ لأنه أخص منه: ومنها: أن يكون آخر اللفظ رافعاً لأوله كقوله: لا بلا ثمن.
ومنها: أن يكون الشيء.
الأصلي اللفظ مشترك بين خاصين، يشتهر اللفظ في أحدهما، ثم يستعمل في الثاني، كالسلم بلفظ الشراء، فإن المعنى الأصلي للشراء موجود بتمامه في السلم إلاَّ، أنه اشتهر في شراء الأعيان، وكذلك السَّلم في المنافع بلفظ الاستئجار المشهور في إجارة العين، فيشبه أن يقال الصيغة مختلفة 14 في النوع الأول والثاني، ومنتظمة صحيحة الدلالة على المقصود في النوع الثالث، فيعتبر المعنى، ولا يخفى عليك بعد الشرح أن مسائل الكتاب في الفصل واقعة في النوع الأول من الإجارة.
ويجوز أن تكون الأجرة منفعة عين أخرى اتفق الجنس، كما إذا أجَّر داراً بمنفعة دار أخرى، أو اختلفت كما إذا أجَّرها بمنفعة عبد، خلافاً لأبي حنيفة فيما إذا اتفق الجنس، بناء على أن الجنس الواحد يحرم النَّسَاءِ، وفي الإجارة نَسَاء.
وعندنا لا رِبَا في المنافع أصلاً، حتى لو أجَّرَ داراً بمنفعة دارين يجوز، وكذلك لو أجّر، حُلِيًّا ذهباً بذهب، ولا يشترط القبض في المجلس.

الجزء: 6 - الصفحة: 86

قال الغزالي: وَلَو اسْتَأْجَرَ السِّلاَحَ بالجِلْدِ وَالطِّحَانَ بالنَّخَالَةِ أَوْ بِصَاع مِنَ الدَّقِيقِ فَسَدَ لِنَهْيِه عَلَيْهِ الصَّلاة وَالسَّلاَمُ عَنْ قَفِيزِ الَطِّحَانِ وَلأنَّهُ بَاعَ مَا هُوَ مُتَّصِلَ بمِلْكَهِ فَهُوَ كَبَيْعِ نِصْفٍ مِنْ سَهْمٍ، وَلَوْ شَرَطَ لِلمُرْضِعَةِ جُزءاً مِنَ المُرْتَضِع الرَّقِيِقَ بَعْدَ الفِطَام، وَلَقَاطِفِ الثِّمَارِ جزءاً مِنَ الثِّمَار المَقْطُوفَةِ فَهوَ أَيْضَاً فَاسِدٌ، وَإِنْ شَرَطَ جزءاً مِنَ الرَّقِيقِ في الحَالِ أَوْ مِنَ الثِّمَارِ في الحَالِ فَالقَيَاسُ صَّحِتُهُ (و)، وَظَاهرُ كَلاَم الأَصْحَابِ دَالٌّ عَلَى فَسَادِهِ حَتَّى مَنَعُوا اسْتِئْجَارِ المُرْضِعَة عَلَى رَضِيعٍ لَهَا فِيهِ شِرْكٌ لأِنَّ عَمَلَهَا لاَ يَقَعُ عَلَى خَاصِّ مِلْكِ المُسْتَأْجِرِ.
قال الرافعي: لا يجوز أن تجعل الأجرة ما يحصل بعمل الأجير، كما إذا استأجر السَّلاَّح لِسَلْخ الشاة بجلدها، أو الطحان ليطحن الحِنْطة 15 بثلث دقيقها، أو بصاع منه أو بالنخالة أو المرضعة بجزءٍ من الرقيق المرتضع بعد الفِطَام، أو قَاطِف الثمار بجزء من الثمار بعد القِطَاف، أو النَّسَّاج لينسج الثوب بنصفه، والمستحق للأجير في هذه الصور أجرة مثل عمله، وهو موجه أولاً بالخبر، حيث روى أنه -صلى الله عليه وسلم- (نَهىَ عَنْ قِفَيزِ الطَّحَّانِ) 16. وتفسيره: استئجار الطَّحان ليطحن الحنطة بِقَفِيْزٍ من دقيقها.
ثم وجه ثانياً بثلاثة أوجه: أحدها: أن المجهول أجره متصل بغيره، فهو كبيع نصف من سهم أو نصل، وهذا قد ذكره في الكتاب، وسمى جعله أجرة بيعاً حيث قال: "باع ما هو متصل بملكه"؛ لأنه في معناه، ولك أن تقول: هذا إن اشتهر في الجلد لا يستمر في الجزء المشاع، والحكم لا يختلف، فإن كنا نقنع بما لا يطرد في هذا القبيل، ففي المسائل بالفساد مأخذ أظهر من هذا، كمسألة السلاح، فإن الجلد قبل السلخ مجهول، ولا يجوز جعله أجرة مطلقاً كما سبق، وكمسألة النخالة، فإنها مجهولة المقدار، وإذا شرط صاعاً من الدقيق، فإن كانت الجملة مجهولة، فهو كبيع صاع من صُيْرَةٍ مجهولة الصِّيْعَان، وقد

الجزء: 6 - الصفحة: 87

مر وفي مسألة الرقيق الرضيع، وقِطَاف الثمار شيء آخر، وهو أن الأجرة معينة، وقد أجلها بأجل مجهول، والأعيان لا تؤجل بالآجال المعلومة، فكيف بالمجهولة؟ والثاني: أن عمله لا يقع للمستأجر في محل ملكه خاصة بل لنفسه وللمستأجر، وفي ملكيهما، والشرط في الإجارة وقوع العمل في خاص ملك المستأجر.
وهذا قد ذكره صاحب الكتاب أيضاً في آخر الفصل، وسيأتي الإشكال عليه.
والثالث: أن الأجرة غير حاصلة في الحال على الهيئة المشروطة، وإنما تحصل بعمل الأجير من بعد، فهي إذاً غير مقدور عليها في الحال.
ولو استأجر المرضعة بجزء من الرقيق في الحال، أو قَاطِف الثمار بجزء منها على رؤوس الأشجار، فحكاية الإمام وصاحب الكتاب عن الأصحاب المنع أيضاً، توجيهاً بأن عمل الأجير ينبغي أن يقع في الخاص ملك المستأجر، وإنهم خرجوا على هذا أنه لو كان الرضيع ملكًا لرجل وامرأة، فاستأجرها الرجل، وهي مرضع لترضعه بجزء من الرقيق أو غيره لم يجز؛ لأن عملها لا يقع في خاص ملك المستأجر، واعترضا عليه بأن القياس والحالة هذه الجواز، ولا يضر وقوع العمل في المحل المشترك، ألاَّ تَرىَ أن أحد الشريكين لو ساقى صاحبه، وشرط له زيادة في الثمار يجوز، وإن كان عليه يقع في المشترك؟ وظاهر المذهب هذا الذي مالا إليه دون ما نقلاه.
قال في "التهذيب": لو استأجر أحد الشريكين في الحِنْطة صاحبها ليطحنها، أو في الدابة ليتعهدها بدرهم جاز، ولو قال: استأجرتك بربع هذه الحنطة، أو بصاع منها لتطحن الباقي.
فالجواب: في "التهذيب" والتتمة الصحة، ثم يتقاسمان قبل الطحن، فيأخذ الأجرة، ويطحن الباقي.
قال في "التتمة": فإن شاء طحن الكل، والدقيق مشترك بينهما.
ومن صور "الوسيط" ما إذا استأجر حَمَّال الجيفة بجلدها، وتعليل الفساد فيها بأن جلد الجيفة أجرة أوضح، لكن الصورة الغريبة منها ما إذا استأجر لحمل شاة مُذَكَّاة إلى موضع كذا بجلدها.
قال الغزالي: الرُّكْنُ الثَّالِثُ: المَنْفَعَةُ وَشُروُطُهَا خَمْسَةٌ: أَنْ تَكُونَ مُتَقَوّمَةً لاَ بِانْضِمَامِ عَيْنِ إِلَيْهَا، وَأَنْ تَكُونَ مَقَدُوراً عَلَى تَسْلِيِمِهَا، حَاصِلَةِ لِلمُسْتَأْجِرِ، مَعْلُومةً، أَمَّا التَّقْويِم عَنَيَنَا به إِنَّ اسْتِئْجَارَ تُفَّاحَةٍ لِلشَّمِّ وَطَعَام لتَزْيِينِ الحَانوُتِ لاَ يَصِحُّ، وَكَذَا (ح) اسْتِئجَارُ الدَّرَاهَم وَالدَّنَانِيرِ لِتَزْيِينِ الحَانُوتِ فَإنَّهُ لاَ قِيمَةَ لَهُ عَلَى الأَصَحِّ (و)، وَكَذَا اسْتِئْجَارُ الأَشْجَارِ لِتَجَفِيفِ الثِّياب وَالوقُوُفِ فِي ظِلِّهَا وَكَذَا اسْتِئْجَارِ البَيَّاعِ عَلَى كَلِمَةٍ تُرَوَّجُ لَهَا السِّلعْةَ وُلاَ تَعَبَ فِيَها، وَفِي اسْتِئْجَارِ الكَلْبِ لِلحرَاسَةِ والصَّيْدِ وَجْهانِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 88

قال الرافعي: اعتبر في المنفعة المعقود عليها خمسة شروط: أحدها: أن تكون متقوّمة 17 ليحسن بذل المال في مقابلتها، فإن لمِ يكن كذلك كان بذل المال لها سفهاً وتبذيراً، فصنع منه كما منع من شراء ما لا يُتتَفعُ به، وفيه صور: إحداها: ذكر أن استئجار 18 تفاحة للشَّم فاسد وكأن المنع ناشئ من أن التفاحة الواحدة لا تقصد للشم، فيكون استئجارها كشراء الحبة الواحدة من الحِنْطة والشعير، فإن أكثر فالوجه الصحة، ولأنهم نصوا على جواز استئجار المسك والرَّيَاحين للشم، ومن التفاح ما هو أطيب من كثير من الرياحين.
الثانية: في استئجار الدراهم والدنانير وجهان، كما في إعارتها.
والأصح: المنع والأعارة أولى بالجواز؛ لأنها مكرمة لا معاوضة، ولذلك جَوَّز بعضهم الإعارة مع منع الإجارة، وذكرنا هناك بحثاً في أن موضع الخلاف إطلاق إعارة الدراهم، أو التعرض لغرض التبرين، بناء على الخلاف في أن صحة الإجارة من غير تعيين لجهة المنفعة، وهاهنا لا تصُح الإجارة عند الإطلاق بمال؛ لأن تعيين الجهة في الإجارة لا بد منه.
وعن أبي حنيفة أنه إن عين جهة الانتفاع بها من تزيين الحوانيت، أو الموزن بها، أو الضرب على طبعها صحت الإجارة، وإلاَّ كانت قرضاً، وأما استئجار الأطعمة لتزيين الحوانيت بها فكلام المصنف هاهنا وفي "الوسيط" يقتضي القطع بمنعه وكذلك ذكره القاضى حُسَيْن.
وعن الإمام وغيره أنه على الوجهين، فيجوز إعلام قوله: "والطعام لتزيين الحوانيت" بالواو، والوجهان جاريان في استئجار الأشجار لتجفيف الثياب، والوقوف في ظلها، وربط الدواب بها؛ لأن الاستئجار لا يقصد لهذه الأغراض.
وذهب بعضهم إلى أن الأصح الصحة هاهنا على خلاف الأصح في مسألة الدراهم والدنانير؛ لأنها منافع مهمة ومنفعة التزيين ضعيفة.
وأجرى في "التهذيب" الوجهين في استئجار الببغاء للاستئناس، وبالجواز أجاب أبو سعيد المتولي، وكذلك في كل مستأنس بلونه كالطاوس، أو بصوته كالعندليب.
الثالثة: استئجار البياع على كلمة البيع، أو كلمة تروج بها السلعة، ولا تعب فيها فاسد؛ لأنه لا قيمة لها، ولم يجعلوا هذا من صور الوجهين، لكن المحكي عن الإمام

الجزء: 6 - الصفحة: 89

محمد بن يحيى أن ذلك في البيع المستقر قيمته في البلد كالخبز واللحم، وأمَّا الثياب والعبيد، وما يختلف قدر الثمن فيه باختلاف المتعاقدين، فيختص بيعها من البياع بمزيد منفعة وفائدة، فيجوز الاستئجار 19، وعليه فهذا لم يجز الاستئجار، ولم يلحق البياع تعب فلا شيء له، وإن تعب بكثره التردد، أو كثرة الكلام في تأليف أصل المعاملة، فله أجرة المثل، لا ما تواطأ عليه البياعون.
الرابعة: في استئجار الكلب المعلَّم للحراسة والصيد وجهان: أحدهما: الجواز كاستئجار الفَهْد والبَازِيَّ والشبكة للاصطياد، والهِرَّة لدفع الفأرة.
وأصحهما: المنع؛ لأن اقتناءه ممنوع إلاَّ لحاجة، وما جوز للحاجة لا يجوز أخذ العوض عليه وأيضاً فإنه لا قيمة لعينه، وكذلك لمنفعته 20. قال الغزالي: أَمَّا المتَقَومَّ دُوُنَ العَيْنِ مَعْنَاهُ أَنَّ اسْتِئْجَارَ الكَرْمِ والبُسْتَانِ لِثِمَارِهَا وَالشَّاةِ لِنتَاجِهَا وَلَبَنهَا وصَوُفِهَا بَاطِلٌ فإنَّهُ بَيْعُ عَيْنٍ قَبْلَ الوُجُودِ، واسْتِئْجَارُ الشَّاةِ لإرْضَاعِ السَّخْلَةِ بَاِطِلٌ وَاسْتِئْجَارُ المَرْأةِ لِلإِرْضَاعِ مَعَ الحَضَانة جَائزِ، وَدُونَ الحَضَانَةِ فَخِلاَفٌ، وَالأَوْلَي الجَوَازُ لِلحَاجَةِ، واسْتِئْجَارُ الفَحْلِ للضِّرَاب فِيهِ خِلاَفٌ، وَالأَوْلَى المَنْعُ لأنَّهُ لاَ يُوثَقُ بِتَسْلِيمِهِ عَلَى وَجْهٍ يَنْفَعُ، أَمَّا القُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ نَعْنِي بِهِ أَنَّ اسْتِئْجَارَ الأَخْرَسِ لِلتَّعْلِيِم وَالأَعْمىَ لِلحِفْظِ بَاطِلٌ لأِنَّ المقْصُودَ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَلَوِ أسْتأْجَرَ قِطْعَةَ أَرْضٍ لاَ مَاءَ لَهَا لِلزِّرَاعةِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وإِنِ اسْتَأَجَرَ لِلسُّكْنَيِ فَجَائِزٌ، فَإِنْ أَطلَقَ وَكَانَ في مَحَلٍّ يَتَوَقَّعُ الزِّرَاعَةَ كَانَ كَالتَّصرِيحِ بِالزِّرَاعَةِ، وإِنْ كَانَ المَاءُ مُتَوَقِّعاً وَلَكِنَ عَلَى النّدُورِ فَفَاسِدٌ بِنَاءً عَلَى الحَالِ، وإِنْ كَانَ يَعْلَمُ وجُودَ المَاءِ فَصَحِيحٌ، وَإِنْ كَانَ يَغْلِبُ وُجُودُ المَاءِ بَالأَمْطَارِ فَالنَّصُّ أَنِهُ فَاسدٌ نَظَراً إِلى العَجزِ في الحَالِ، وَقِيلَ: إِنَهُ صَحِيحٌ إِذ انِقْطَاعُ الشُّرْبِ العِدِّ وَالمَاءِ الجَارِي أيضاً مُمِكْنٌ، وإِنِ اسْتَأْجَرَ أَرضاً وَالمَاءُ مُسْتَوٍ عَلَيْهَا في الحَالِ وَلاَ يَعْلَمُ انْحِسَارَهُ فَهُوَ بَاطِلٌ، وإِنْ عِلمَ انْحِسَارَهُ فَهُوَ صَحيِحٌ (و) إنْ تَقَدَّمَتْ رُؤْيَةُ الأَرْضِ أَوْ كَانَ المَاءُ صَافِياً لاَ يَمْنَعُ رُؤيَةَ الأَرْضِ.
قال الرافعي: ترجمة هذا الفصل 21 هاهنا، وفي الفصل السابق يكون المنفعة

الجزء: 6 - الصفحة: 90

متقومة بنفسها لا بعين تضم إليها كأنه قدر انقسام المنفعة إلى مقومة بنفسها، ومتقومة بعين تنضم إليها، ولمانع أن يمنع ذلك، ويقول: إن العين المنضمة إلى المنفعة هي المتقومة، والمنفعة لا تستفيد من العين تقوماً.
وقال في "الوسيط" معبراً عن هذا الشرط: أنه لا يَتضمن استيفاء عين قصد وهذا أليق بمسائل الفصل، وعلته أن الإجارة عقد يبتغي به المنافع دون الأعيان، هذا هو الأصل ألاّ أنه قد تستحق بها الأعيان متابعة لضرورة أو حاجة حاقّة، فتلحق تلك الأعيان حينئذ بالمنافع.
وفيه مسائل: إحداها: استئجار الكروم والبستان لثمارها، والشَّاة لنتاجها، أو صوفها، أو لبنها باطل؛ لأن الأعيان لا تملك بعقد الإجارة، وهذا في الحقيقة بيع الأعيان معدومة ومجهولة.
الثانية: الاستئجار لإرضاع الطفل جائز، ويستحق به منفعه وعين المنفعة أن تضع الصبي في حجرها، وتلقمه الثدي، ويعصره عند الحاجة، والعين اللبن الذي يمتصه الصبي، وإنما جوزناه وأثبتنا به استحقاق اللبن، لأنّا لو منعناه لاحتاج إلى شراء اللبن كل دقيقة، وفيه من المشقة ما يعظم، ثم الشراء إنما يمكن بعد الحَلْب، والتربية لا تتم باللبن المحلوب 22، ثم الأصل الذي يتناوله العقد ماذا.
فيه وجهان؛ أحدهما: اللبن، وفعلها تابع، لأن اللبن مقصود لعينه، وفعلها مقصود لإيصال اللبن المقصود إلى الصبي.
وأصحهما: أن الأصل المتناول بالعقد فعلها واللبن مستحق تبعاً لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6].
علل الأجرة بفعل 23 الإرضاع لا باللبن وأيضاً فإن الإجارة موضوعة لاستحقاق المنافع، فإن استحق فيها عين لضرورة تدعو إليه فهي متابعة، كالبئر تستأجر لسقي مائها، والدار تستأجر، وفيها بئر يجوز الاستسقاء منها، ثم إن استأجرها للحضانة مع الإرضاع جاز وإن استأجرها للارضاع ونفى الحضانة فوجهان: أحدهما؛ لا يجوز؛ لأنه لا يجوز استئجار الشاة لإرضاع السّخلة.
وأصحهما: الذي أورده أن الأكثرون أنه يجوز، كما يجوز أن تستأجر لمجرد الحضانة.
قال الإمام: وهذا الخلاف فيما أذا قصر الإجارة على صرف اللبن إلى الصبي وقطع عنه، وضعه في الحجر ونحوه، فأما الحضانة بالتفسير 24 الذي تذكره من بعد، فلا خلاف في جواز قطعه عن الإرضاع.

الجزء: 6 - الصفحة: 91

الثالثة: استئجار الفِحْل للضِّرَاب حكمه ما ذكرنا في الباب الثالث من "كتاب البيع".
وقوله "أنه لا يوافق بتسليمه على وجه ينفع" أرادية أنه أمر لا يتعلق باختيار الحيوان، ثم بتقدير أن يَنْزُو، فربما لا ينزل، فإن أنزل فربما لا يحصل منه الولد، وهو المقصود، لكن المعتبر القدرة على تسيلم المنفعة المعقود عليها.
فأما وقوعه نافعاً مَرّ وسبيله إلى الغاية المقصودة، فغير معتبر بالاتفاق.
ومما يناسب مسائل الفصل استئجار القَنَواتَ، وله ذكر في بعض نسخ الكتاب قبيل المسألة الثالثة بهذه العبارة، واستئجار القناة للزراعة بمائها الأصلح تجويزه للحاجة، ولا وجه في القياس إلاَّ على قول مَنْ لا يرى الماء مملوكاً، فتكون القناة كالشبكة، والماء كالصيد، وغالب الظن أوّلاً أن المسألة ليست من متن الكتاب، فليست هي ثابته في "الوسيط"؛ ثم حكمها تفريعاً على أن الماء ليس بملوك بَيِّن كما ذكره.
وعلى قولنا: إنه مملوك فالمنافع آبار الماء.
وقد جوزنا استئجار بئر الماء للاستقاء والتي بعدها مستأجرة لإجراء الماء فيها.
وقال القاضي الروياني في "الحلية" إذا اكترى قرار القناة ليكون أحق بمائها جاز في قول بعض أصحابنا، وهو الاختيار، والمشهور منعه، ولفظه في تصوير المسألة يشبة أن يكون مبنيّاً، على أن الماء لا يملك 25. الشرط الثالث: للمنفعة أن تكون مقدوراً على تسليمها 26. فلا يجوز استئجار الآبق والمغصوب كبيعهما، ولا استئجار الأخرس للتعليم، والأعمى لحفظ المتاع، وكذا استئجار من لا يحسن القرآن ليعلمه.
قال في "الوسيط": فإن وسَّع عليه وقتاً يقدر على التعلُّم قبل التعليم ففيه وجهان.

الجزء: 6 - الصفحة: 92

الأصح: المنع 27؛ لأن المنفعة مستحقة في عينه، والعين لا تقبل شرط التأجيل والتأخير، وإن استأجر أرضاً للزراعة وجب أن تكون الزراعة فيها متيسرة.
والأراضي أنواع: منها أرض لها ماء دائم من نهر أو عين أو بئر ونحوها.
ومنها: أرض لا ماء لها ولكن يكفيها المطر المعتاد، والنَّداوة التي تصيبها من الثلوج المعتادة، كبعض أراضي الجبال أوْ لا يكفيها ذلك، ولكنها تسقى بماء الثلج والمطر في الجبل، والغالب فيها الحصول.
ومنها: أرض لا ماء لها، ولا تكفيها الأمطار المعتادة، ولا تسقى بماء غالب الحصول من الجبل، ولكن إن أصابها مطر عظيم أَوْ سيل نادر أمكن أن تنزرع.
فالنوع الأول يجوز استئجاره، لثالث لا يجوز؛ لأنها منفعة غير مقدور عليها، وإمكان الحصول غير كافٍ كإمكان عود الأبق ورد المغصوب.
وفي النوع الثاني وجهان: أحدهما: وبه قال القفَّال: أنه لا يجوز استئجاره؛ لأن السقي معجوز عنه في الحال، والماء المتوقع لا يعرف حصوله، وبتقدير حصوله لا يعرف أنه هل يحصل في الوقت تمكن الزراعة فيه؟ والثاني: أنه يجوز، ويحكي عن القاضي الحُسَيْن؛ لأن الظاهر حصول المقصود، والتمكن الظاهر كافٍ، أَلاَ تَرىَ أن انقطاع ماء النهر والعين ممكن أيضاً، لكن لمّا كان الظاهر فيه الحصول كفى لصحة العقد، وهذا أقوى الوجهين، وبه أجاب القاضي ابْنُ

الجزء: 6 - الصفحة: 93

كَجٍّ وصاحب "المهذّب" وغيرهما، وإنما أضاف صاحب الكتاب الأول إلى النص؛ لأنه قال في "المختصر": وأن يُكَاري الأرض البيت التي لا ماء لها، وأنما تسقى بنُطَفِ من السماء أو بسيل إن جاء فلا يصح.
وظاهره يشمل النوع الثاني والثالث لأن كليهما يسقى بماء السماء، لكن من قال بالوجه الثاني حمل النص على النوع الثالث وقد يشعر به قوله: "أو بسيل إن جاء".
والنَّطف: القطر يقال: نطف ينطف نطفاً وكلل قاطر ناطف.
ومنها: أرض على شَطِّ النيل أو الفرات أو غيرهما يعلو الماء عليها، ثم ينحسر، ويكفي ذلك لزراعتها السَّنة، فهذا استأجرها للزراعة بعد ما علاها الماء وانحسر صح، وإن كان قبل أن يعلو الماء عليها، فإن لم يوثق به كالنيل لا ينضبط أمره، لا يصح إن كان الغالب حصوله، فليكن على الخلاف في استئجار النوع الثاني من الأراضي، وإن كان موثوقاً به كالمد "بالصبرة" صح كماء النهر، وإن كان يتردد في وصول المد إلى تلك الأراضي، فهي كأرض من الأراضي ليست لها ماء معلوم، وإن كان قد علاها الماء ولم ينحسر، فإن كان لا يُرْجى إنحساره لم يجز استئجارها، وكذا لو كان يتردد فيه؛ لأن العجز يقين وزواله مشكوك فيه، وإن كان يرجى إنحساره وقت الزراعة بالعادة، فالنص صحته.
قال الأصحاب: فيه وجهان من الإشكال: أحدهما: أن شرط الإجارة التمكن من الانتفاع عقب العقد، والماء مانع منه.
والثاني: أنه يمنع رؤية الأرض، فيكون إجارة الغائب.
وأجيب عن الأول بوجهين: أحدهما: أن موضع النص إذا كان الاستئجار لزراعة ما تمكن زراعته في الماء كالأرز، فإن كان غير ذلك لم يصح الاستئجار، حكاه الشيخ أبو حامد عن بعضهم.
واصحهما: أنه لا فرق بين مزروع ومزروع ولكن الماء فيها من مصالح العمارة والزراعة، فكان إبقاؤه فيها ضرباً من العمارة، وأيضاً فإن صرف الماء يفتح موضع ينصب إليه، أو حفر بئر ممكن في الحال، وحينئذ يكون متمكناً من الاستعمال بالعمارة بهذه الوسائط، فاشبه ما إذا استأجر داراً مشحونة بأمتعة يمكن الاستعمال بنقلها في الحال، فإنه يجوز إلاَّ أن الشيخ أَبا مُحَمَّدٍ حكى وجهاً في منع إجارة الدار المشحونة بالأمتعة بخلاف بيعها، والأظهر الأول.
وأما الثاني فمنهم من قال: التصوير فيما إذا كان قد رأى الأرض قبل حصول الماء فيها، أو كان الماء صافياً لا يمنع رؤية وجه الأرض، وإن لم يكن كذلك، فعلى قولي شراء الغائب، ومنهم من قطع بالصحة.

الجزء: 6 - الصفحة: 94

أما عند حصول الرؤية فظاهر.
وأما إذا لم تحصل فلأنه من مصلحة المزارعة، من حيث أنه يقوي الأرض، ويقطع العروق المنتشرة فيها، فأشبه استثار الجوز واللوز بقشره.
والظاهرة: الصحة سواء أجرينا القولين أم لا وإن كانت الأرض على شط نهر، الظاهر منها أنها تفرق، وتنهار في الماء لم يجز استئجارها، وإن احتمل ولم يظهر جاز؛ لأن الأصل والغالب دوام السلامة، ويجوز أن تخرج حالة الظهور على مقابل الأصل.
والظاهر إذا عرف حكم الأنواع، فكل أرض لها ماء معلوم واستأجرها للزراعة مع شربها منه فذاك، وإن استأجرها للزراعة دون شربها جاز إن تيسر سقيها من ماء آخر، وإن أطلق دخل فيه الشرب، بخلاف ما إذا باعها لا يدخل الشرب فيه؛ لأن المنفعة هاهنا لا تحصل دونه، وهذا إذا اطردت العادة للإجارة مع الشرب، فإن اضطريت فسيأتي الحكم في الباب الثاني، فكل أرض منعنا استئجارها للزراعة، فإن اكتراها لينزل فيها، أو يسكنها، أو يجمع الحطب فيها، أو يربط الدواب جاز، وإن اكتراها مطلقاً نظر إن قال: اكتريت هذه الأرض البيضاء، ولا ماء لها جاز؛ لأنه يعرف بنفي الماء أن الاستئجار بغير منفعة الزراعة، ثم لو حمل ماء من موضع وزرعها أو زرع على توقع حصول ماء لم يمنع، وليس له البناء والغراس فيها، نص عليه ووجهوه بأن تقدير المدة يقتضي ظاهره التفريغ عند إنقضائها والغراس والبناء للتأبيد، بخلاف ما لو استأجر للبناء والغراس، فإن التصريح بها حرف اللفظ عن ظاهره، وإن لم يقل عند الإجارة: ولا ماء لها، فإن كانت الأرض بحيث يطمع في سوق الماء إليها لم يصح العقد؛ لأن الغالب في مثلها الاستئجار للزراعة، فكان ذكرها وإن كانت على قلّة جبل لا يطمع في سوق الماء إليها.
فوجهان: عن رواية أبِي إِسْحَاقَ: وأظهرهما: الصحة وتكفي هذه القرينة صارفة، فإذا اعتبرنا نفي الماء ففي قيام علم المتعاقدين مقام التصريح بالنفي وجهان: أشبههما: المنع؛ لأن العادة في مثلها الاستئجار للزراعة، فلا بد من الصرف باللفظ، أَلا ترى أنه لما كانت العادة في الثمار الإبقاء، وأردنا خلافه اعتبرنا التصريح شرط القطع؟ واعلم أن في المسألة تصريحاً بجواز الاستئجار مطلقاً من غير بيان جنس المنفعة، وسيأتي الكلام فيه.
وأما لفظ الكتابة فقوله: "فإن أطلق وكان في محلّ يتوقع الزراعة كان كالتصريح بالزراعة" جواب على أحد الوجهين.
فأما على رأي من لا يفرق، ويقول: سواء كانت الزراعة متوقعة أو لم تكن، فإلاطلاق كالتصريح بالزراعة، فيجوز أن يعلّم بالواو.

الجزء: 6 - الصفحة: 95

وقوله: "وكان في محل تتوقع الزراعة" وأبعد الماء الدائم الذي لا انقطاع له.
وقوله: "فإن علم انحساره فهو صحيح" يمكن إعلامه -بالواو- للوجه الذي رواه الشيخ أبُو حامد في فرق بين الأرز وغيره.
وقوله: "إن تقدمت رؤية الأرض، أو كان الماء صافياً لا يمنع رؤية الأرض" وإلا فهو على الخلاف في شراء الغائب.
قال الغزالي: وَإِجَارَةُ الدَّارِ للِسَّنَةِ القَابِلَةِ فَاسِدَةٌ (ح) إذْ لاَ تَسَلُّطَ عَلَيْهِ عَقِيبَ العَقْدِ مَعَ اعْتِمَادِ العَقْدِ العَيْنَ.
قال الرافعي: عرفت انقسام الإجارة إلى: واردة على العين وواردة على الذمة.
أما إجارة العين فلا يجوز إيرادها على المستقبل كإيجار الدار للسنة القابلة والشهر الآتي.
وكذا إذا قال أجرتك سنة مبتدأة من الغد أو من الشهر الآتي، أو أجرتك هذه الدابة للركوب إلى موضع كذا على أن تخرج غدًا.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يجوز ذلك لنا القياس على البيع فإنه لو باع على أن يسلم بعد شهر فإنه باطل.
ولو قال أجرتك سنة فهذا انقضت السنة فقد أجرتك سنة أخرى، فالعقد الثاني باطل على الصحيح، كما لو قال إذا جاء رأس الشهر فقد أجرتك مدة كذا.
فأما الإجارة الواردة على الذمة فيحتمل فيها التأجيل والتأخير كما إذا قال ألزمت ذمتك حملي إلى موضع كذا على دابة صفتها كذا، غداً أو غرة شهر كذا، كما لو أسلم في شيء مؤجلاً وإن أطلق كان حالاً، وإن أجَّر داره سنةً من زيدٍ، ثم أجرها من غيره السنة الثانية قبل انقضاء الأولى لم يجز، فإن أجرها من زيد نفسه، فوجهان ويقال قولان: أحدهما: المنع لأنه إجارة سنة قابلة، كما لو أجر من غيره أو منه مدة لا تتصل بآخر المدة الأولى.
والثاني: وهو المنسوب إلى نصه أنه يجوز اتصال المدتين، كما لو أجر منه السنتين في عقد واحد، وهو أصح عند صاحب "التهذيب" وغيره.
ورجح في "الوسيط" الوجه الأول محتجاً بأن العقد الأول قد ينفسخ فلا يتحقق شرط العقد الثاني، وهو الاتصال بالأول ولمن نصر الوجه الثاني أن يقول: الشرط رعاية الاتصال ظاهرا، وذلك لا يقدح فيه الانفساخ العارض، ولو أجرها من زيد لسنة وأجرها زيد من عمرو ثم أجرها المالك من عمرو السنة الثانية قبل انقضاء المدة الأولى ففيه

الجزء: 6 - الصفحة: 96

الخلاف، ولا يجوز أن يؤجرها من عمرو وهكذا في التهذيب وفي "فتاوى القفال" أنه يجوز أن يؤجرها من زيد، ولا يؤجرها من عمرو؛ لأن زيداً هو الذي عاقده، فيضم إلى ما استحق بالعقد الأول السنة الثانية.
قال الغزالي: وَلَوْ سَنَةً ثُمَّ أَجَّرَ مِنْ نَفْسِ المُسْتَأجِرِ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ قَالَ: اسْتَأجَرْتُ هَذِهِ الدَّابَّةَ لأَرْكَبَهَا نِصْفَ الطَّرِيقِ وَأَتْرُكَ النِّصْفَ إِلَيْكَ، قَالَ المُزَنيُّ: هُوَ إِجَارَةٌ للزَّمَانِ القَابِلِ إِذْ لاَ يَتَعَيَّنُ لَهُ النِّصْفُ الأَوَّلُ، وقَالَ غَيْرَهُ يَصِحُّ، وَإِنَّمَا التَّقَطُّعُ بِحُكْمِ المُهَايأَةِ فَهُوَ كَاسْتِئجَار نِصْفِ الدَّابَّةِ ونِصْفِ الدَّارِ وَهُوَ صَحِيحٌ (ح).
قال الرافعي: ولو أجر داره سنةً وباعها في المدة، وجوَّزناه لم يكن للمشتري أن يؤجر السنة الثانية من المكتري؛ لأنه لم تكن بينهما معاقدة، وتردد في أن الوارث هل يتمكن منه إذا مات المكري في المدة؛ لأن الوارث نائبه.
ولا يجوز أن يؤجر الدار والحانوت شهراً على أن ينتفع به الأيام دون الليالي؛ لأن زمان الانتفاع لا يتصل بعضه ببعض، فيكون إجارةً للزمان المستقبل، وفي مثله في العبدِ والبهيمة يجوز؛ لأنهما لا يطيقان العمل الدائم، ويرفهان الليل على العادة وإن أطلق الإجارة.
ولو أجر دابته لموضع ليركبها المكري زماناً، ثم المكتري زماناً لم يجز لتأخر حق المكتري، وتعلق الإجارة بالزمان المستقبل، وإن أجرها منه ليركب المكتري بعض الطرق، وينزل ويمشي في البعض أو أجر من اثنين ليركب هذا زماناً، وهذا مثله ففيه أوجه: أحدها: أن الإجارة فاسدة في الصورة الأولى، صحيحة في الثانية؛ لأنه إذا اكترى من اثنين اتصل زمان الإجارة بعضه ببعض، فإذا اكترى من واحد تفرق، فتكون إجارة الزمان المستقبل.
وثانيهما: المنع في الصورتين؛ لأنه إجارة إلى آجال متفرقة، وأزمنة متقطعة.
وثالثها: وبه مقال المزني في "الجامع الكبير" تخريجاً، ووافقه صاحب "التلخيص" أنه تجوز الإجارة في الصورتين مضمونة في الذمة، ولا تجوز على دابة معينة.
والفرقُ وأنها إذا كانت في الذمة، فإن أجر من واحد فقد ملكه نصف المنافع على الإشاعة، فيقاسم المالك، وإن أجرها من اثنين ملكهما الكل نسقاً فيتقاسمان.
وأما إجارةُ العين فإنها تتعلق بأزمنة متقطعة، فتكون إجارة الزمان المستقبل.
وأصحهما: وهو نصه في "الأم" جواز الإجارة في الصورتين، سواء وردت على

الجزء: 6 - الصفحة: 97

العين أو الذمة، ويثبت الاستحقاق في الحال بتقسيم المكتري والمكري أو المكتريان، والتأخير الواقع من ضرورة القسمة والتسليم لا يضر، وهذه المسألة تشهر بـ"كراء العُقب" وهو جمع عُقْبة، والعقبة: النَّوْية وهما يتعاقبان على الراحلة، إذا ركب هذا تارةً، وهذا تارةً.
وإذا قلنا بالجواز فلو كان بالطريق عادة مضبوطة، إما بالزمان بأن يركب يوماً وينزل يوماً، أو بالمسافة بأن يركب فرسخاً ويمشي فرسخاً حمل العقد عليها، وليس لأحدهما أن يطلب الركوب ثلاثاً والنزول ثلاثاً لما في دوام المشي من التعب 28. وإن لم تكن عادة مضبوطة فلا بد من البيان في الابتداء، وإن اختلفا في من يبدأ بالركوب، فالحكم القرعة ولو أكرى الدابة من اثنين، ولم يتعرض للتعاقب.
قال في "التتمة" إن احتملت الدابة ركوب شخصين اجتمعا على الركوب، وإلاَّ فالرجوع 29 يخرج على المهايأة كما سبق.
ولو قال: أجرتك نصف الدابة إلى موضع كذا، أو أجرتك الدابة لتركبها نصف الطريق صَحَّ، ويقتسمان إما بالزمان أو بالمسافة وهذه إجارة المشاع تصح كما يصح بيعه وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة وأحمد: لا تصح إجارة المشاع إلاَّ من الشريك.
وفي إجارة نصف الدابة وجه أنها غير جائزة للتقطع بخلاف إجارة نصف الطريق وبخلاف ما إذا أجر منهما ليركبان في محمل.
ونعود إلى ما يتعلق بلفظ الكتاب خاصة.
أما تضمينه مسائل الفصل شرط القدرة على التسليم، فكان سببه أن منافع الزمان المستقبل غير مقدور عليها.
أما إذا نَجَّز كان التسليم في الزمان الحاضر مقدوراً عليه فينسحب حكمه على جميع المدة المتواصلة للحاجة.
وقوله "فاسد" معلم بالحاء والألف.
وأراد بقوله: "إذ لا تسلط عليه عقب العقد مع اعتماد العقد العين" أن هذه الإجارة متعلقة بالعين غير واردة على الذمه، وذلك يقتضي التسليط في الحال.
وقوله: "فوجهان" يجوز إعلامه بالواو ولأن أبا الفرج السرخسي حكى طريقة قاطعة بالمنع كما لو أجر من غير المستأجر، ولفظ الكتاب في مسألة كراء العُقب لا يتناول إلاَّ الإجارة الواردة على العين، وإلاَّ إذا اتحد المكتري لا يجيء حينئذٍ إلا وجهان كما ذكرنا.
وقوله

الجزء: 6 - الصفحة: 98

"وهو صحيح" يجوز أن يعلم بالحاء والالف المذهبهما في إجارة المشاع.

فرع

: لا تجوز إجارة ما لا منفعة له في الحال، ويصير منتفعاً به كالجحش لأن الإجارة موضوعة على تعجيل المنافع، بخلاف المساقاة على ما لا يثمر في تلك السنة، ويثمر بعدها؛ لأن تأخر الثمار محتمل في كل مساقاة.
قال الغزالي: وَالعَجْزُ شَرْعاً كَالعَجْزِ حِسّاً، فَلَو اسْتَأجَرَ عَلىَ قَلْع سنٍّ صحيحَةٍ وَقَطْعِ يَدٍ صَحيحَةٍ أَوْ استَأْجَرَ حَائِضاً عَلَى كَنْسِ مَسْجِدٍ فَهُوَ فَاسِدٌ لأَنَّ تَسْلِيمَهُ شَرْعاً مُتَعَذِّرٌ وَلَوْ كَانَتِ اليَدُ مُتَآكِّلةَ أوْ السِّنُّ وَجِعَةً صَحَّتْ، فَإِنْ سَكَنَتْ قَبْلَ القَلْعِ انْفَسَخَتِ الإِجَارَةُ.
قال الرافعي: المعجوز عنه شرعاً كالمعجوز عنه حِساً 30، كما قدمنا في البيع، فلا يجوز الاستئجار لقلع سن صحيحة 31، وقطع يد صحيحة، ولا استئجار الحائض 32 لكنس المسجد وخدمته؛ لأَنها منافع متعذرة التسليم شرعاً.
وقال في "الوسيط" في إجارة الحائض لكنس المسجد احتمال، فيجوز أن تصح 33، وإن كانت تعصى به، كما تصح الصلاة في الأرض المغصوبة، وإن كان يشغل ملك الغير والمنقول الأول، وكذا لا يجوز الاستئجار لتعليم التوراة، والإِنجيل، وختان الصغير الذي لا يحتمل أَلمه ولتعلم السحر والفحش.
ولو استأجر لقطع يد متآكلة أو قلع سن وجعة، فالكلام أَولاً في جوازهما.

الجزء: 6 - الصفحة: 99

أما القلع فإنه يجوز إذا صعب الألم.
وقال أهل البصر: إنه يريح الألم.
وأمَّا القطع فلا بد وأَن يذكر أهل الصنعة أَنه نافع، وأن مع ذلك ففي جوازه خلاف عن حكايته الشيخ أَبي محمد المنع، أَن القطع إِنما يمنع إذا وضعت الحديدة على محل صحيح، وأَنه مهلك، كما إن الأكله مهلكة، وهذا الخلاف وما في جِواز القطع من التفصيل مذكور في الكتاب في (باب ضمان الولاة) فحيث لا يجوز القطع والقلع، فالاستئجار لهما باطل، وحيث يجوز ففي صحة الإِجارة وجهان: أَحدهما: المنع؛ لأَن الإجارة إِنما تجوز في عمل موثوق به، وجواز زوال العلّة محتمل فيمتنع الوفاء بقضية الإجارة، وسبيل مثل هذا الغرض أَن يحصل بالجعالة بأن يقول: اقلع سني هذه، ولك كذا.
وأَصحهما: الصحة، إذ لا يشترط لصحة الإجارة القطع بسلامتها عما يقطعها.
ورأى الإمام تخصيص الوجهين بالقلع لا أن احتمال فتور الوجع في الزمان الذي يفرض فيه القلع 34 غير بعيد.
وأما زوال الآكلة من زمان بأرباب القطع فإنه غير محتمل، وأجرى الخلاف في الاستئجار للفَصْد، والحجَامة، وبزع الدابة؛ لأَن هذه الإيلامات إنما تباح بالحاجة، وقد تزول الحاجة.
وإذا استأجر امرأَة لكنس مسجد فحاضت، انفسخ العقد، إِن وردت الإجارة على عينها وعينت المدة، وإن وردت على الذمة لم تنفسخ، لإمكان أن تفوضه إلى الغير، وأَن تكنس بعد أَن تطهر.
وإذا جوزنا الاستنجار لقلع السن الوجعة فأستأجر له ثم سكن الوجع، انفسخت الإجارة لتعذر القلع، وهذا قد ذكره مرة أُخرى في الباب الثالث، وسنذكر هناك ما يقتضي إِعلام قوله: "انفسخت الإجارة" بالواو وإن لم يبرأ، لكن امتنع المِستأجر من قلعه.
قال في "الشامل": لا يجب عليه إلاَّ أنَّه إذا سلم الأَجير نفسه، ومضى مدة إِمكان العمل، وجب على المستأْجر الأُجرة، ثم ذكر القاضي أبَو الطَّيب أَنها لا تستقر حتى لو انقلعت تلك السن، انفسخت الإِجارة، ووجب رد الأُجرة، كما لو مكنت الزوجة في النكاح ولم يطأها الزوج ويفارق ما إِذا حبس الدابة مدة إِمكان السير حيث تستقر عليه الأُجرة لتلف المنافع 35.

الجزء: 6 - الصفحة: 100

قال الغزالي: وَلَوِ اسْتَأْجَرَ منْكُوحَةَ الغَيْر دُونَ الزَّوجِ فَفَاسدٌ (و)، وَلَوِ اسْتَأجَرَهَا الزَّوْجُ لِنَفْسِهِ فَهُوَ صَحِيحٌ، وإنِ اسْتَأْجَرَهَا (و) لإِرْضَاعِ وَلَدِهِ مِنْهَا صَحَّ.
قال الرافعي: استئجار منكوحة الغير، إما أَن بفرض من غير الزوج أَو منه.
أَما غيره، فله أَن يستاجرها للرضاع.
وغيره بإِذن الزوج 36 وبغير إذنه وجهان: أَحدهما: يجوز أَيضاً؛ لأَن محله غير محل النكاح، إِذ لا حَقَّ في لبنها وخدمتها.
وأصحهما: المنع 37، وهو المذكور في الكتاب؛ لأَن أَوقاتها مستغرقة بحق الزوج، فلا تقدر على توفية ما التزمته، فإن لم نصححة فذاك، وإن صححناه، فللزوج فسخه كيلا يحيل حقه.
ولو أَجرت نفسها , ولا زوج لها، ثم نكحت في المدة، فالاِجازة بحالها, وليس للزوج منعها بما التزمته، كما لو أَجرت نفسها بإذنه، لكن يستمتع بها في أَوقات فراغها، فإن كانت الاِجارة للرضاع، فهل لولي الطفل الذي استأَجرها لارضاعه منع الزوج من وطئها؟ فيه وجهان: أحدهما: ويحكي عن أَبي حنيفة ومالك نعم؛ لأَنه ربما تحمل، فينقطع اللبن فيقل، فيضر بالطفل.
والثاني: وبه أَجاب أَصحابنا العراقيون لا؛ لأَن الحمل متوهم، ولا يمتنع به الوطء المستحق.
وذكر في التهذيب أَنه إِن كانت الاِصابة تضر باللبن منع الزوج من إِصابتها، وهذا إِن أَراد به الضرر الناشئ من الحبل الناشئ من الإِصابة فهو جواب على الوجه الأول، ويجوز أَن يحمل على إِضرارها باللبن من غير توسُّط الحمل، وإِذا منع الزوج فلا نفقة عليه في تلك المدة 38. ولو أَجر السيد الأَمة المزوجة جاز، ولم يكن للزوج منعها من المستأجر؛ لأَن يده يد السيد في الانتفاع، وأَما الزوج فلا يمنع من استأجرها إِلاَّ أَنه إِذا استأجرها لإِرضاع ولده منها ففيه وجهان:

الجزء: 6 - الصفحة: 101

أَحدهما: وهو الذي ذكره العراقيون المنع، ووجهوه بأَنها أَخذت منه عوضاً للاستمتاع، وعوضاً للحبس، فلا تستحق شيئاً آخر، وهذا على ضعفه منقوض باستئجارها لسائر الأعمال.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب الجواز، كما لو استأجرها بعد البينونة، وكما لو استأجرها للطبخ والكنس ونحوهما.
وعن أَبي حنيفة: أَنه لا يجوز استئجارها للطبخ، وما أَشبهه؛ لأَنه مستحق عليها في العادة، وعلى هذا الخلاف استئجار الوالد ولده للخدمة، وفي عكسه وجهان، إِذا كانت الإِجارة على عينه، كالوجهين فيما إِذا أَجر المسلم نفسه من كافر.
قال الغزالي: أَمَّا الحُصُولُ لِلمُسْتَأْجِرِ نَعْنِي بِهِ أَنَّ اسْتِئْجَارَهُ عَلَى الجِهَادِ (و) وَالعِبادَاتِ التِي لاَ تَجْرِي النِّيَابَةُ فِيهَا فَاسِدٌ إِذْ يَقَعُ لِلأَجِيِر، وأَمَّا الحَجُّ وَحَمْلُ الجَنَازَةَ وحَفْرُ القَبْرِ وَغَسْلُ المَيِّتِ فَيَجري فِيَها النِّيَابَةُ وَالإِجَارَةُ، ولِلإِمَامِ (و) اسْتَئْجَارُ أَهْلِ الذِّمَّةِ للِجِهَادِ إِذْ لاَ يَقَعُ لَهُمْ، وَالاسْتِئْجَارُ عَلَى الأَذَانِ جَائِزٌ للإِمَامِ، وَقِيَل: إِنَّهُ مَمْنُوَعٌ كَالجِهَادِ، وقِيلَ: إِنَّهُ يَجُوزُ لآحَادِ النَّاسِ لِيَحْصُلَ لِلمُسْتَأجِرِ فَائِدةُ مَعْرِفةِ الوِقْتِ، وَلاَ يَجُوزُ الاسْتِئْجَار عَلَى إِمَامةِ الصَّلَوَاتِ الفَرَاِئضِ، وَفي إِمَامَةِ التَّرَاوِيحِ خِلاَفٌ، وَالأَصَحُّ مَنِعُهُ، وَبِالجُملةِ فَكُلُّ مَنْفَعَةٍ مُتَقَوَّمَة مَعْلُومَةٍ مُبَاْحَةٍ يَلْحَقُ العَامِلَ فيِهَا كُلْفَةٌ وَيَتَطَوَّعُ بِهَا الغَيْرُ عَنِ الغَيْر يَصِحُّ إِيرّادُ العَقْدِ عَلَيْهَا.
قال الرافعي: الشرط الرابع حصول المنفعة للمستأجر، وإلاَّ اجتمع العوضان في ملك واحد، فإنه إذا قال: استأجرت دابتك لتركبها بعشرة، كانت المنفعة، والعشرة حاصلة له.
وفي أكثر العناية في هذا الشرط نذكر حكم العبادات في الاستئجار، وضبطها إمام الحرمين، فقال: هي على نوعين: أحدهما: الذي يتوقف الاعتداد بها على النية، فما لا تدخله النيابة منها لا يجوز الاستئجار عليه, لأن الاستئجار نيابة خاصة وما تدخله النيابة منها يجوز الاستئجار عليه كالحج وتفرقة الزكاة.
وقال الإمام: ومن هذا القبيل غسل الميت إذا اعتبرنا فيه النية، كجريان النيابة فيه.
والنوع الثاني: لا يتوقف الاعتداد بها على النية، وهي تنقسم إلى فرض كفاية، وإلى شعار غير مفروض.
القسم الأَول: فرض الكفايات، وهو على ضربين.
أَحدهما: ما يختص إفراضه في الأَصل بشخص وموضع معين، ثم يؤمر به غيره

الجزء: 6 - الصفحة: 102

إِن عجز، كتجهيز الميت بالتكفين، والغسل وحفر القبر، وحمل الجنازة، والدفن فإن هذه المؤنات تختص بتركة الميت، فإن لم تكن فحينئذ يجب على الناس القيام بها، فمثل هذا يجوز الاستئجار عليه؛ لأَن الأَجير غير مقصود بفعله حتى يقع عنه.
وعد من هذا القبيل تعليم القرآن، فإِن كل أَحد لا يختص بوجوب التعليم، وِإن كان نشر القرآن وإشاعته من فروض الكفايات، وهذا إذا لم يتعين واحد لمباشرة هذه الأَعمال، فإِن تعين واحد لتجهيز الميت، ولتعليم الفاتحة فوجهان: أحدهما: المنع، كفروض الأَعيان ابتداء.
وأَصحهما: الجواز، كما أَن المضطر يجب إِطعامه، ويجوز تغريمه.
والضرب الثاني: ما يثبت افتراضه في الأَصل شائعاً غير مختص بشخص وموضع كالجهاد، فلا يجوز استئجار المسلم عليه؛ لأَنه مكلف بالجهاد، والذَّبَّ عن المِلَّة، فيقع عنه، ويجوز استئجار الذمي عليه، وسيأَتي ذلك في "كتاب السير" إِن شاء الله تعالى.
والقسم الثاني: شعائر غير مفروضة، كالأَذان تفريعاً على الأَصح، وفي جواز الاستئجار عليه ثلاثة أَوجه ذكرناها، وترتيبها في "باب الأَذان" فإِن جوزنا فعن الشيخ أَبي محمد وغيره ثلاثة أَوجه في أَن المؤذن علام يأَخذ الأَجرة؟ أَحدها: أَنه يأَخذ على رعاية المواقيت.
والثاني: على رفع الصوت.
والثالث: على الجبعلتين؛ لأَنهما ليسا من الأَركان.
والأصح: وجه رابع: أَنه يأخذه على جميع الأذان بجميع صفاته، ولا يبعد استحقاق الأجرة على ذكر الله تعالى -كما لا يبعد استحقاقها على تعليم القرآن، وإن اشتمل على القرآن، ويتخرج على هذه التقاسيم صور.
منها: الاستئجار، لإمامة الصلاة المفروضة ممنوع منه، والإمامة في التراويح وسائر النوافل وجهان.
الاصح: المنع؛ لأَن الإِمام حصل لنفسه، ومهما صلى اقتدى به من يريد، وإن لم ينو الإِمامة، وإن توقف على نيته شيء، فهو إِحراز فضيلة الجماعة، وهذه فائدة تحصل لهَ دون المستأجر، ومن جوزه ألحقه بالاستئجار للأذان لتأدي الشعائر.
ومنها: الاستئجار للقضاء ممتنع؛ لأن المتصدِّي له قد تعلّق بعمله أَمر الناس عامة، وأَيضاً فأعمال القاضي غير مضبوطة.

الجزء: 6 - الصفحة: 103

ومنها: أَطلقوا القول بمنع الاستئجار للتدريس وعن الشيخ أَبي بكر الطوسي 39 ترديد جواب في الاستئجار لإِعادة الدروس.
قال الإمام: لو عين شخصاً أَو جماعة ليعلِّمهم مسأَلة، أَو مسائل مضبوطة، فهو جائز والذي أَطلقوه، فهو محمول على استئجار من يتصدى للتدريس من غير تعيين من يعلمه وما يعلمه؛ لأَنه كالجهاد في أَنه إِقامة مفروض على الكفاية ثابت على الشيوع,.
وكذلك يمتنع استئجارُ مقرئ يُقرئٍ على هذه الصورة.
قال: ويحتمل أَن يجوز الاستئجار له، ويشبه الأَذان، وللمنع وراء ما ذكره مأخذ آخر وهو أَن عمله غير مضبوط كما ذكرناه في القاضي.
وقوله في الكتاب: "وللإِمام أَن يستأجر أَهل الذمة للجهاد" يجوز أَن يعلم -بالواو- لوجه ذكره في السير سينتهي إِليه الشرح إِن وفق الله تعالى.
وقوله: "ليحصل للمستأجر فائدة معرفة الوقت".
هذا التوجيه مبني على جواز الأَخذ بقول المؤذن والاعتماد عليه، ثم قضية الاكتفاء بحصول فائدة المستأجر دون أَن تحصل له كل الفائدة، ويلزم منه تجويز الاستئجار للإمامه؛ ليحصل للمستأجر فضيلة الجماعة.
وقوله: "فيما يحمله فكل منفعة متقومة .. " إلى آخره.
قريب من قوله في أَول الركن: "متقومة لانضمام عين إِليها ... " إلى آخره.
وهما في ظاهر الأمر كضابطين يتأدى بهما معنى واحد، لكن ينبغي أن يتنبه فيه لشيئين: أحدها: أن التعرض للمتقوم مغنٍ عن قوله: "يلحق العامل بها كلفة"؛ لأَن ما لا كلفة فيه لا يتقوم كما سبق.
والثاني: أَنه وإِن أَطلق لفط.
المنفعة، لكن المراد هاهنا الأَعمال التي يستأَجر لها الأَجراء، وإلا لم ينتظم قوله "يلحق العامل فيها كلفة"، أَوْ لا مجال لمفهومه في منفعة لبس الثوب، وسكون الدار، وقد صرح بذلك في "الوسيط" فقال: كل عمل معلوم متاع يلحق العامل فيه كلفة .... " إلى آخره، وكذلك حكاه الإمام عن القاضي الحسين، ثم هذا الضابط سواء كان ضابطاً لمنفعة، أَو لمنافع أَبدان الأجراء لا اختصاص له بهذا الموضع، وذكره في غير هذا الموضع أَحسن، والله أعلم.
قال الغزالي: وَأَمَّا قَوْلُهُ: مَعْلُومَةٌ فَتَفْصِيُلهُ فِي الآدَمِىِّ والأراضي وَالدَّوَابِّ، (أَمَّا

الجزء: 6 - الصفحة: 104

الآدَمِىُّ) إِذَا اسْتُؤْجَرَ لِصَنْعَةِ عُرِفَ بِالزَّمَانِ أَوْ بِمَحَلِّ العَمَلِ كَمَا لَوِ اسْتُأْجِرَ الخَيَّاطَ يَوْمًا أَوْ لِخيَاطَةِ ثَوْبٍ معَيَّنِ، وَلَوْ قال اسْتأْجَرْتُكَ لِتُخَيِّطَ هَذَا القَمِيصَ في هَذَا اليَوْمِ فَسَدَ (و) لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَتمُّ العَمَلُ قَبْلَ اليَوْمِ أَوْ بَعْدَهُ، وفي تَعْلِيمِ القُرْآنِ يعَلِّمُ بِالسُّوَرِ أَوْ بِالزَّمانِ، وَفِي الإِرْضَاعِ يَعيَّنُ الصَّبيُّ وَمَحَلُّ الإِرْضَاعِ، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يَخْتَلِفُ الغَرَضُ بِهِ.
قال الرافعي: الشرط الخامس: كون المنفعة معلومة؛ وقد اعتبر في البيع العلم بثلاثة أُمور من المبيع: العين، والقدر، والصفة.
أَما العين، فلما لا يجوز أَن يقول: بعتك أَحد هذين العبدين، لا يجوز أَن يقول: أَجرتك أَحدهما، بل إما أَن يلتزم في الذمة كما يلتزم بالسلم، وإما أَن يؤجر عيناً معينة، ثم إن لم تكن لها إِلاَّ منفعة واحدة، فالإِجارة محمولة عليها، وإِن كانت لها منافع لا بد من البيان.
وأَما الصفة، فقد ذكرنا أَن إِجَارة العَيْن الغائبة على الخلاف في بيعها.
وأما القدر، فهو المقصود بالذكر فاعلم أَن قدر المنفعة يشترط العلم به، سواء كانت الإِجارة في الذمة، أَو كانت إِجارة عين، بخلاف المبيع، فإِن الشيء المعين إذا بيع تغني المشاهدة عن تحقيق القدر.
والفرق أَن المنافع ليس لها حضور محقق، وإِنما هي متعلّقة بالاستقبال، والمشاهدة لا يطلع فيها على الغرض، ثم المنافع تقدر بطريقتين: تارةً تقدر بالزمان، كما إِذا استأجر الدار ليسكنها سنة.
وتارةً بمحل العمل، كما إِذا استأجر الخَيَّاط ليخيط له الثوب المعين، أَو الدابة ليركبها إِلى موضع كذا.
ثم قد يتعين الطريق الأَول، كما في استئجار العقارات، فإِن منافعها لا تنضبط إِلاَّ بالمدة وكالإرضاع فإِن تقدير اللبن لا يمكن، ولا سبيل فيه إِلاَّ الضبط بالزمان.
وقد يسوغ الطريقان كما إِذا استأجر عين شخص أَو دابة يمكنه أَن يقول: ليعمل لي كذا شهراً، وأَن يقول: ليخيط هذا الثوب، وفي الدابة أَن يقول: لأتردد عليها في حوائجي اليوم، أَو يقول: لأَركبها إِلى موضع كذا، فأَيهما كان كفي لتعريف المقدار، فإِن جمع بينهما بأَن قال: استأجرتك لتخيط لي هذا القميص اليوم ففيه وجهان: أصحهما: وهو المذكرر في الكتاب، وبه قال أَبو حنيفة: أَنه لا يجوز؛ لأَن في إِضافة الزمان إِلى العمل غرراً لا حاجة إِلى احتماله؛ لجواز انتهاء العمل قبل انتهاء اليوم وبالعكس، وهذا كما إِذا أَسلم في قفيز حِنْطَة، بشرط أَن يكون كذا لا يصح؛ لاحتمال أَن يزيد أَو ينقص فيتعذر التسليم.
والثاني: يجوز، والمدة مذكورة للتعجيل، فلا تؤثر في فساد العقد، وعلى هذا فوجهان:

الجزء: 6 - الصفحة: 105

أصحهما: أَنه يستحق الأُجرة بأسرعهما إِتماماً، فإن تم العمل قبل إِتمام اليوم وجبت الأُجرة، وإِن انقضى النهار قبل تمام العمل فكذلك والثاني الإعتبار بالعمل مقصود فإن تم قبل انقضاء اليوم وحب الأجرة اليوم قبله وجب إِتمامه، وبالأَول أَفتى القفال وذكر أَنه إِن انقضى النهار أَوَّلاً لم يلزمه خياطة الباقي، وإِنْ تم العمل أَولاً، فللمستأجر أَن يأَتي بمثل ذلك القميص ليخيط بقية النهار، فإن قال في الإِجارة: على أَنك إِن فرغت قبل تمام اليوم لم تخط غيره، بطلت الإِجارة؛ لأَن زمان العمل يصير مجهولاً.
إِذا عرفت ذلك فالمنافع متعلقة بالأَعيان، وتابعة لها، وعدد آحاد الأَعيان التي تستأجر كالمتعذر، فَعُنى الأَصحاب بثلاثة أَنواع تكثر البلوى بإِجارتها ليعرف طريق الضبط فيها، ثم يقاس بها غيرها.
أحدها: الآدمي يستأجر لعمل، أو صناعة كالخياطة، فإِن كانت الإِجارة في الذمة قال: لزمت ذمتك خياطة هذا الثوب، ولو أَطلق وقال: ألزمت ذمتك عمل الخياطة كذا يوماً.
قال القاضي أبو الطيب: لا يصح، وبه أَجاب صاحب "التتمة" توجيهاً بأنه لم يعين عاملاً يخيط، ولا محلاً للخياطة، فلا ترتفع الجهالة.
وإن استأجر عينه قال: استأجرتك لتخيط هذا الثوب ولو قال لتخيط لي يوماً أَو شهراً، نقل أَكثرهم جوازه أَيضاً، ويجب أَن يبين الثوب، وما يريد منه من القميص، أَو القبا، أَو السَّراويل، والطول، والعرض، وأَن يبين نوع الخياطة، أَهي رومية، أَو فارسية؟ إِلاَّ أَن تطرد العادة بنوع فيحمل المطلق عليه.
ومن هذا النوع الاستئجار لتعليم القرآن، ذكر الإمام وصاحب الكتاب أَنه يعين السورة والآيات التي يعلمها، أَو يقدر المدة، فيقول: لتعلمني شهراً، وفي إيراد غيرها ما يفهم عدم الاكتفاء بذكر المدة، واشتراط تعيين السور والآيات؛ لتفاوت التعليم سهولة وصعوبة.
وفي وجه أَنه لا يجب تعيين السور, وإذا ذكر عشر آيات كفى.
وفي "المهذب" وجه أَنه لا بد من تعيين السور، لكن يكتفي لإطلاق العشر منها، ولا يعين واحتج له بما روي أَنهِ صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ في قِصَّةِ التَّي عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْه لبعض القوم: "إِني أُريد أَنْ أُزَّوِجُكَ هَذِهِ إِنْ رَضْيتِ فَقَالَ: مَا رَضِيْتَ لِي يَا رَسَولَ اللهِ فَقَدْ رَضِيْتُ فَقَالَ لِلرَّجُلِ: هِل عِنْدَكَ شَيء؟ قَالَ: لاَ قَالَ مَا تَحْفَظُ شَيْئًا مِنَ الْقُرآنَ؟ قال: سُوَرةَ البْقَرَةِ والَّتي تَلِيْهَا.
قَالَ: قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرَين آية وَهِيَ امْرأَتُكَ 40.

الجزء: 6 - الصفحة: 106

وفي وجوب رواية ابن كثير 41 ونافع 42 وغيرهما وجهان: أصحهما: المنع؛ لأَن الأَمر فيهما قريب، ويدل عليه الخبر السابق.
قال الإمام وكنت أود أَلاَّ يصح الاستئجار للتعليم حتى يختبر حفظ المتعلم، كما لا تصح إِجارة الدابة للركوب حتى يعرف حال الراكب.
لكن ظاهر كلام الأَصحاب أَنه لا يشترط، والخبر يدل عليه، وإنما الاستئجار لتعليم القرآن إِذا كان من يعلمه مسلماً أَو كافراً يُرْجَى إِسلامه، فإن كان لا يُرْجَى لا يعلم القرآن، كما لا يباع المصحف من الكافر، ولا يجوز الاستئجار له.
وإن كان المستأجر على تعليمه يعلم الشيء بعد الشيء ثم ينساه، فهل على الأَجير إعادة التعليم؟ فيه أَوجه: أَحدهما: أَنه إن تعلم آية ثم نسيها لم يجب تعليمها ثانياً، وإن تعلم دون آية ونسي وجب.
والثاني: أَن الاعتبار بالسورة.
والثالث: إن نسي في مجلس التعليم، وجب إِعادته، وإِن نسي بعده فلا.
والرابع: أن الرجوع فيه إِلى العرف الغالب وهو الأصح.
فرع: عن القاضي الحسين في "فتاويه" أَن الاستئجار لقراءة القرآن على رأس القبر مدة جائز 43، كالاستئجار للأذان، وتعليم القرآن.
واعلم أَن عَوْد المنفعة إِلى المستأجر شرط في الإجارة كما سبق، فيجب عود المنفعة إلى المستأجر أَو ميِّته، لكن المستأجر لا ينتفع بأَن يقرأ الغير، ومشهور أَن الميت لا يلحقة ثواب القراءة المجردة، فالوجه تنزيل الاستئجار على صور انتفاع الميت بالقراءة، وذكر له طريقتين.
أحدهما: أن يعقب القراءة بالدعاء للميت، فإن الدعاء يلحقه، والدعاء بعد القراءة أَقرب إِلى الإِجابة، وأَكثر بركة.

الجزء: 6 - الصفحة: 107

والثاني: ذكر الشيخ عبد الكريم الثَّالوسي 44 أنه إِن نوى القارئ بقراءته أَن يكون ثوابها للميت لم يلحقة، لكن إِن قرأَ، ثم جعل ما حصل من الأجر له فهو دعاء بحصول ذلك الأَجر للميت، فينتفع الميت 45. ومنه: الاستئجار للرضاع يجب فيه التقدير بالمدة كما سبق، ولا سبيل إِلى ضبط مرات الإرضاع ولا القدر الذي يستوفيه في كل مرة، وقد تعرض له الأَمراض والأسباب الملهية، ويجب تعيين الصبي لاختلاف الغرض باختلاف حال الرضيع 46، وتعيين الموضع الذي يرضع فيه أَهو بيته أَم بيتها.
فإِن إرضاعها في بيتها أَسهل عليها، فالإِرضاع في بيته أَشد وثوقاً، هذا ما ذكره في استئجار الآدمي.
وقد يستأجر لأُمور أُخر: منها: الحج وقد ذكرناه في بابه.
ومنها: إِذا استأجر لحفر بئر أَو نهر أَو قناة، قدّر إِمَّا بالزمان، فيقول: تحفر لي شهراً، أَو بالعمل، فيقدر الطول والعرض والعمق، ويجب معرفة الأَرض بالمشاهدة، وللوقوف على صلابتها ورخاوتها، ويجب عليه إِخراج التراب المحفور، فإن انهار شيء من جوانب البئر لم يلزمه إِخراج ذلك التراب وِإذا انتهى إلى موضع صلب إِو حجارة، نظر إن كان يعمل فيه المعول وجب حفره على أَظهر الوجهين، وبه قال القاضي أَبو الطيب.
والثاني: لا يجب، وبه قال ابن الصَّبَّاغ؛ ولأنه خلاف ما اقتضته المشاهدة، فعلى هذا له فسخ العقد، وإِن لم يعمل به المعول أو نبع الماء قبل أَن ينتهي إلى القدر المشروط، وتعذر الحفر انفسخ العقد في الباقي، ولا يفسخ فيما مضى على الأَصح، فتوزع الأجرة المسماة على ما عمل، وعلى ما بقي: وإِن استأجر لحفر قَبْر بَيَّنَ الموضع، والطول والعرض، والعمق، ولا يكفي الإِطلاق خلافاً لأَبي حنيفة، ولا يجب عليه التراب بعد وضع الميت خلافاً له أَيضاً.
ومنها: إذا استأجر اللبن، قدر بالزمان أَو العمل، وإذا قدر بالعمل بين العدد

الجزء: 6 - الصفحة: 108

والقالب، فإن كان القالب معروفاً فذاك، وإلاَّ بين طوله وعرضه وسمكه.
وعن القاضي أَبي الطيب: الاكتفاء بمشاهدة القالب، ويجب بيان الموضع الذي يضرب فيه، لأَنه يبعد من الماء ويقرب، وربما يحتاج إلى نقل التراب أَيضاً، ولا يجب عليه إِقامتها حتى تجف خلافاً لأَبي حنيفة، ولو أَستاجر لطبخ اللبن فطبخ يجب عليه الإخراج من الأتون خلافاً له.
ومنها: إذا استأجر لبناء، قدر بالزمان أَو بالعمل، فإن قدر بالَعمل، بينّ موضعه، وطوله وعرضه، وسمكه، وما يبنى منه من الطين، أَو الأجَر وإِن استأجره للتطيين أَو التجصيص بقدر بالزمان، ولا سبيل فيه إِلى تقدير العمل، فإِن سمكه لا ينضبط رقة وثخانة.
ومنها: إِذا استأجر كَحَّالاً ليداوي عينيه قدر بالمدة دون البرء، فإن برئت عيناه قبل تمامها انفسخ العقد في الباقي، ولا يقدر بالعمل؛ لأَن قدر الدواء لا ينضبط، ويختلف بحسب الحاجة.
ومنها: إِذا استأجر للرعي، وجب بيان المدة، وجنس الحيوان، ثم يجوز العقد على قطيع معين ويجوز في الذمة، وحينئذ فأَظهر الوجهين عند الشيخ أَبي إِسحاق الشيرازي أَنه يجب بيان العدد.
والثاني: وبه أَجاب ابن الصَّبَّاغ، والقاضي الروياني، أَنه لا يجب، ويحمل على ما جرت العادة أَن يرعاه الواحد.
قال الروياني: وهو مائة رأس من الغنم على التقريب، وِإن توالدت حكى ابن الصباغ أَنه لا يلزمه رعي أَولادها إِن رد العقد على أَعيانها، وإن كانت في الذمة لزمه.
ومنها: إِذا استأجر نَسَّاخاً ليكتب له، بينّ عدد الأوراق والأسطر في كل صفحة ولم يتعرضوا للتقدير بالمدة، والقياس جوازه، وأَن يجب عند تقدير العمل بيان قدر الحواشي، والقطع الذي يكتب فيه.

فرع

: يجوز الاستئجار لاستيفاء الحد والقصاص، خلافاً لأَبي حنيفة في قصاص النفس.

فرع: يجوز الاستئجار لنقل الميتة عن الدار إِلى المزيلة، والخمر لتراق ولا يجوز نقل الخمر من بيت إلى بيت خلافاً لأَبي حنيفة؟ قال الغزالي: (أمَّا الأرَاضَي) فَمَا يُطْلَبُ لِلسُّكْنَى يَرىَ المُسْتَأْجِرُ مَوَاضِعَ الغَرضِ فَيُنْظَرُ في الحَمَّامِ إِلى البُيُوتِ وَبِئْرِ المَاءِ وَمَسْقَطِ القَمَّاشِ وَالأَتُونِ وَالوَقُودِ وَيُعْرَفُ قَدْرُ المَنْفَعَةِ بِالمَدَّةِ، فإِنْ أجَّرَ سَنَةٌ فَذاكَ، فَإِنْ زَادَ فَالأَصَحُّ (و) أَنَّهُ جَائِزٌ ولاَ ضَبْطِ فِيهِ قَوْلاَنِ

الجزء: 6 - الصفحة: 109

آخَرَانِ، أحَدُهُمَا: أَنَّهُ لاَ يُزَادُ عَلَى السَّنَةِ لأَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِالحَاجَةِ، وَالثَّانِي: أَنَّه لاَ يُزَادُ عَلَى ثَلاثَيِنَ سَنَةً، وَلَوْ آجَرَ سِنِينَ ولَمْ يُقَدَّرْ حِصَّةَ كُلِّ سَنَةٍ مِنَ الأُجْرَةِ فَالأَصَح (و) الجَوَازُ كَمَا فِي الأَشْهُرِ مِنْ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَوْ قَالَ: آجَرْتُكَ شَهْراً بِدْرِهَم وَمَا زَادَ فَبِحِسَابِه فَهُوَ فَاسِدٌ إِذْ لَمْ يُقَدِّرْ جُمْلَتَهُ، وَقِيلَ: إنَّهُ يَصِحُّ في الشَّهْرِ الأَوَّلِ وَيَفْسدُ في البَاقِي.
قال الرافعي: النوع الثاني: العقارات، وتستاجر لأَغراضٍ: منها السُّكنى، فإذا استأجر داراً وجب أَن يعرف موضعها، وكيفية أبنيتها؛ لاختلاف الغرض باختلافها، وفي الحَمَّام يعرف البيوت، والبئر التي يسقى منها ماؤه، والقدر التي يسخن فيها، والأتون وهو موضع الوقود ومبسط القماش 47، والذي يجمع للأتُون من السَّرْجِيْنِ ونحوه، والموضع الذي يجمع فيه الزّيْل، والوَقُود، ومطرح الرَّمَاد، والمُسْتنْقَع الذي يجمع فيه الماء الخارج من الحمام، وعلى هذا قياس سائر المساكن.
وقوله في الكتاب: "يرى المستأجر مواضع الغرض، فينظر في الحمام" مبني على أن إجارة الغائب لا تجوز.
أما إذا جوزناها، فلا تعتبر الرؤية، بل يكفي الذكر.
وقوله: "ومبسط القماش وألاتون والوقود".
الوجه أن يقدم لفظ الوقود ليصير المعنى، ومبسط القماش، وموضع الوقود والأتون، وهذا لفظه في "الوسيط".
فأما نفس الوقود فلا حاجة إلى رؤيته، ولا هو داخل في بيع الحَمَّام إجارتها، كالأزر والأسطال والحبل والدَّلو.
وذكر في "الشامل" في رؤية قدر الحمام أنه إما أن يشاهد داخلها من الحمام، أو ظاهرها من الأتون، والقياس: على اعتبار الرؤية أن يشاهد الوجهين عند الإمكان، كما تعتبر مشاهدة وجهي الثوب.
وفي شرح "المفتاح" أنه لا بد من ذكر عدد السُّكَّان من الرجال والنساء والصبيان، ثم لا يمتنع دخول زائر وضيف، وإن بات فيها ليالي في إجارة الدار 48. ولا بد من تقدير هذه المنفعة بالمدة، ولها كانت منافع هذه العقارات لا تتقدَّر إلاَّ بالمدة كما ذكرنا في الفصل السابق تكلَّم في مدة الإجارة في هذا الموضع، وفيها مسائل.
إحداها: في إجارة الشيء أكثر من سنة قولان:

الجزء: 6 - الصفحة: 110

أحدهما: المنع؛ لأن الإجارة عقد على معدوم جوز رخصة للحاجة والحاجة تندفع بالتجويز سنة، لأَنها مدة تنظيم الفصول، وتتكرر فيها الزروع والثمار والمنافع بتكرر تكررها.
وأصحهما: الجواز، كما يجوز الجمع في البيع بين أعيان كثيرة، وهذا ما أجاب به في "المختصر"، فقال: وله أن يؤجر داره وعبده ثلاثين سنة، وعلى هذا فطريقان: أحدهما: أن المسألة على قولين: أحدهما: أنه يجوز الزيادة على ثلاثين سنة؛ لأنها نصف العمر، والغالب ظهور التغيير على الشيء بمضي هذه المدة، فلا حاجة إلى تجويز الزيادة عليها.
وأصحهما: أنه لا تقدر كما لا تقدر في جميع الأعيان المختلفة في البيع.
والطريق الثاني: القطع بالقول الثاني، وحمل ما ذكره المُزَنِيُّ على التمثيل للكثرة لا للتحديد، وعلى هذا من ضابط؟ قال معظم الأصحاب: يجب أن تكون المدة بحيث يبقى إليها ذلك الشيء غالباً، فلا يؤجر العبد أكثر من ثلاثين سنة، والدابة تؤجر عشر سنين، والثوب إلى سنتين، أو سنة على ما يليق به، والأراضي إلى مائة أو أكثر.
وفي كتاب القاضي ابْنِ كَجٍّ أن العبد يؤجر إلى مائة وعشرين سَنَةً من عمره.
وقال بعضهم: يصح وإن كانت المدة بحيث لا تبقى إليها العين في الغالب اعتماداً على أن الأصل الدوام والاستمرار، فإن هلك بعارض، فهو كانهدام الدار ونحوه في المدة، وحاصل هذا الترتيب أربعة أقوال.
التقدير بثلاثين سنة والضبط بمدة بقاء ذلك الشيء غالباً، ومنع الضبط والتقدير من كل وجه.
وقوله: فالأصح أنه جائز ولا ضبط يجوز أن يحمل على ما قاله المعظم.
ويقال: المعنى أنه لا ضبط بعد كون المدة بحيث يبقى إليها شيء، ويجوز أن يجري على ظاهره، فيكون اختيارًا للقول الرابع وقد اختاره غيره من أصحاب الإمام.
وقوله: "وفيه قولان آخران" يجوز إعلامه بالواو للطريقة القاطعة لقول التقدير بالثلاثين.
وقوله: "لا يزاد على السنة ولا يزاد على ثلاثين سنةٌ معلّماً بالحاء والميم والألف؛ لأن عندهم لا تقدير.
وحكم الوقف في مدة الإجارة حكم الملك.
قال أبو سعيد المتولي: إلاَّ أنَّ الحكام اصطلحوا على منع إجارته أكثر من ثلاث سنين لئلاَّ 49 يندرس الوقف، وهذا الاصطلاح غير مطرد، وهو قريب مما حكوه عن

الجزء: 6 - الصفحة: 111

أَبِي حَنيْفَةَ في منع إجارة الوقف أكثر من ثلاث سنين في عقد واحد.
وفي "آمالي" أَبِي الفَرجِ السَّرْخَسِيِّ أن المذهب منع إجارة الوقف أكثر من سنة واحدة إذا لم تمس إليها الحاجة لعمارة وغيرها وهو قريب.
المسألة الثانية: إنْ جوزنا الإجارة أكثر من سنة، فهل يجب تقدير حصَّة كل سنة؟ قولان: أصحهما: لا كما لو باع أعياناً صفقة واحدة لا يجب تقدير حِصَّة كل عين منها، وكما لو أَجَّرَ سنة لا يجب تقدير حِصّة كل شهر.
والثاني: ويحكى عن رواية الربيع، وحرملة، والمزني في "الجامع الكبير"، نعم؛ لأن المنافع تتفاوت قيمها بالسنين، وربما تهلك العين في المدة، فيتنازعان في قدر الواجب من الأجرة، ومن قال بالاول يوزع الأجرة المُسَمَّاة على قيمة منافع السنين، فينقطع النزاع، وبنى القولين بعضهم على القولين فيما إذا أسلم في شيئين، أو في شيء إلى أجلين، ففي قول يجوز أخذاً بظاهر السلامة 50، وفي قول: لا لما عساه أن يقع من الجهالة بالأجرة، ويجوز أن يعلم قوله في الكتاب: "فالأصح الجواز" -بالواو- لأن القاضي أبَا القَاسِمِ بْنَ كَجٍّ حكى طريقة أخرى قاطعة بإنه لا يجب التقدير، واختارها مذهباً.
الثالثة: قول العاقد أجرتك شهراً أو سنة فحمول على ما يتصل بالعقد في أظهر الوجهين.
وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه المفهوم المتعارف.
والثاني: وبه قال أحمد: لا بد وأن يقول: من الآن وإلاَّ فهو كقوله: بعتك عبداً من العبيد، ولو قال: أجرتك شهراً من السنة.
قال الإمام: يفسد العقد بلا خلاف للإبهام، واختلاف الأغراض.
وإذا قال: أَجَّرْتُكَ هذه الدار كل شهر بدرهم من الآن لم تصح الإجارة؛ لأنه لم يبين لها مدة.
وعن "الإملاء" أن تصح في الشهر الأول؛ لأنه معلوم، والزيادة مجهولة، وبه قال الإصطخري.
ولو قال: أجرتك كل شهر من هذه السنة بدرهم لم يصح.
وعن ابن سريج أنه يصح في شهر واحد دون ما زاد، ورجحوا الأول واحتجوا له بأنه لم يضف الإجارة إلى جميع السنة.
وفي "النهاية" أن الأئمة بمثله أجابوا فيما إذا قال: بعتك كل صاع من هذه الصُّبْرة بدرهم، وقالوا: إنه لم يضف البيع إلى جميع

الجزء: 6 - الصفحة: 112

الصبرة بخلاف ما إذا قال: بعتك هذه الصُّبرة كل صاع بدرهم.
وكان ينبغي أن يفترق بين أن يقول: بعتك كل صاع من هذه الصبرة بدرهم، فيجعل كما لو قال: بعتك هذه الصُّبرة كل صاع بدرهم، ويصح العقد في الجميع وبين أن يقول: بعتك من هذه الصبرة كل صاع بدرهم، فيحكم بالبطلان هاهنا أو يصح في صاع واحد، كما حكيناه عن ابْنِ سُرَيْجٍ في البيع، وكذلك ينبغي أن يفرق في الإجارة.
وقد وَفَّى القضية المذكورة الشيخ أبو محمد، فسوى بين قوله: بعتك كل صاع من هذه الصُّبْرَةِ بدرهم، وبين قوله: بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهمٍ، وصحح البيع في جميع الصبرة باللفظين.
ثم اعلم أن عامة النقلة إنما نقلوا التجويز في شهر واحد عن ابن سُرَيْجٍ فيما إذا ضبط الاشهر بالسنة، أما إذا أطلق، وقال: كل شهر بدرهم، فالخلاف فيها منسوب إلى "الإملاء"، واختيار الإصطخري كما سبق.
والفرق بين الصورتين بَيِّنٌ.
وحكى الإمام والمصنف في "الوسيط" التجويز في شهر عن ابن سريج مع التصوير فيما إذا أطلق ذكر الشهر، ولم يساعدا عليه.
وقوله هاهنا: "لو قال: اجرتك شهراً بدرهم، وما زاد فبحسابه" أراد به الصورة الأولى والثانية، حيث حكى الخلاف فيه، وأما ما يشعر به اللفظ فلا يجري فيه الخلاف؛ لأن قوله: آجرتك شهراً بدرهم إمَّا أنْ يُحْمَلَ على شهرٍ غير معين، أو على الشهر المتصل باللفظ، إن كان الأول فلا خلاف في فساد الإجارة، وإن كان الثاني فالشهر الأول مفرد بالعقد مقابل بالعوض، فيصح العقدُ فيه بلا خلاف.
وكذلك أورده صاحب "المهذب" وغيره.
واعلم أن الحكم في مدة الإجارة كالحكم في أجل السلم في أن مطلق الشهر يحمل على أمرين.
وكذا السنة في أنه إذا قَيّد بالعدد، أو قال سنة روميّة، أو فارسيّة أو شميّسة كان الأجل ما ذكره في أن العقد إذا انطبق على أَوَّلِ الشهرِ اعتبر ذلك الشهر، وما بعده بالأهلّة، وإن لم ينطبق تيمم المنكسر بالعدد من الآخر، ويحسب الباقي بالأهلّة، وفي سائر المسائل المذكررة في السلم، وفي التأجيل بالسنة الشمسية وجه أنه لا يجوز، وهو قريب من الوجه المذكور هناك في التأقيت بفصح النصارى.
ولو قال: أجرتك شهراً من هذه السنة فإن لم يكن بقي من السنة إلاَّ شهر صَحَّ، وإن بقي أكثر من شهر لم يصح للجهالة، هكذا ذكره في "التهذيب" و"التتمة".
والحكم بالبطلان فيما إذا كان الباقي أكثر من شهر يجوز أن يكون تفريعاً على

الجزء: 6 - الصفحة: 113

قولنا: إن الشهر المطلق محمول على المتصل بالعقد ويجوز أن يحكم بالبطلان مع قولنا أن الشهر المطلق محمول مع المتصل بالعقد.
ويقال: التعقيب بقوله: من هذه السنة يمنع من فهم الشهر المتصل بالعقد، ويوقع التردد بينه وبين سائر المشهور.
قال الغزلي: وَلَوْ قَالَ: اجَرْتُكَ الأَرْضَ وَلَمْ يُعَيِّنِ البِنَاءَ وَالزّرَاعَةَ وَالغِرَاسَ لَمْ يَجُزْ لأنَّهُ مَجْهُولٌ، وَلَوْ قَالَ: لِتَنْتَفِعَ بِهِ مَا شِئْتَ جَازَ (و)، وَلَوْ قَالَ: اجَرْتُكَ لِلزِّرَاعَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا يَزْرَعُ فِفيهِ خِلافٌ لِأنَّ التَّفَاوُتَ فِيِه قَرِيبٌ، وَلَوْ قَالَ: أَكْرَيْتُكَ إنْ شئت فَازْرَعْهَا وإِنْ شئْتَ فَاغْرِسْهِا جَازَ عَلَى الأَصَحِّ (و) وَيَتخَيَّرُ كَمَا لَوْ قَالَ: كَيْفَ شِئْتَ، وَلَوْ قَالَ: أكْرَيْتُكَ فَازْرَعْهَا وَاغْرِسْهَا وَلَمْ يَذْكُرِ القَدْرَ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَقِيلَ: إنَّهُ يُنَزَّلُ عَلَى النِّصْفِ، وَلَوِ اكْتَرَى الأَرْضَ لِلبْنَاءِ وَجَبَ تَعْرِيفُ عَرْضِ البِنَاءِ ومَوْضِعِهِ، وفِي تَعْرِيفِ ارْتِفَاعِهِ خِلاَفٌ (و).
قال الرافعي: ومما تستأجر له الأرض البناء.
والزراعة، والغراس، فلو قال: آجرتك هذه الأرض ولم يذكر البناء ولا غيره، وهي صالحة للكل لم يصح؛ لأن منافع هذه الجهات مختلفه.
وكذا ضررها اللاحق بالأرض فوجب التعيين، كما لو أجر بهيمة لا يجوز الإطلاق، هذا جواب الأصحاب في هذا الموضع وقد رأوه متفقاً عليه، حتى احتجوا به لأحد الوجهين فيما لو أعار الأرض مطلقاً كما سبق في "العارية".
لكنا قد نقلنا في مسألة إجارة الأرض التي لا ماءَ لها تصريحهم بجواز الإجارة مطلقاً فيثبه أن تكون الإجارة مطلقاً على وجهين كإعارتها.
والظاهر المنع فيهما، وما ذكروه في إجارة الأرض التي لا ماء لها مفرع على الوجه الآخر 51 أو مؤول.
ولو أجر داراً أو بيتاً لم يحتج إلى ذكر السُّكنى؛ لأن الدار لا تستأجر إلاَّ للسكنى، ووضع المتاع فيها, وليس ضررها مختلف، فيجوز الإطلاق كذا ذكروه.
ويجوز أن يمنع فيقال: كما تستاجر الدار للسُّكنى، كذلك تستأجر لتتخذ مسجداً،

الجزء: 6 - الصفحة: 114

ولعمل الحَدَّادين، والقصارين، ولطرح المزابل فيها، وهي أكثر ضرراً، أَلاَ تَرىَ إذا استأجر للسُّكنى لم يكن له شئ من هذه الانتفاعات؟ فإذا ما جعلوه مبطلاً في إجارة الأرض مطلقاً موجود في الدار ولئن قيل الإجارة لا تكون إلاَّ لاستيقاء منفعة، فإذا أجر الدَّارَ وأطلق، منزل على أدنى الجهات ضرراً، وهي السكنى، ووضع المتاع لزم في إجارة الأرض مثله حتى ينزل على أدنى الجهات ضرراً وهي الزراعة، ويصح العقد بها، وهذا الإشكال ينساق إلى أنه لابد في استئجار الدار من بيان أنه يستأجر للسكنى، أو للعمارة فيها، وقد أجاب بعض شارحي "المفتاح".
ولو قال: أجرتك هذه الأرض تنتفع بها ما شئت.
فمنقول الإمام وصاحب الكتاب أن الإجارة صحيحة، وله أن ينتفع ما شاء لرضاه.
وفي "التهذيب" وجه آخر: أنها لا تصح كما لو قال: بعتك من هؤلاء العبيد من شئت.
ولو قال: أجرتكها للزرعة، ولم يذكر ما يزرع أو للبناء والغراس، وأطلق فوجهان كالوجهين المذكورين فيما إذا أعار الأرض للزراعة، ولم يبين الزرع.
أظهرهما: عند الأكثرين الجواز.
وبالمنع قال أبو حنيفة وابن سريج ونقله القاضي ابن كج عن نصه في "الجامع الكبير" وحكى للأول عن تخريج ابن القطان حكايته الشيء الغريب، ومن جوّز قال: له أن يزرع ما شاء لإطلاق اللفظ، وكان يجوز أن ينزل على أقل الدرجات، ولو قال: أجرتكها لتزرع، أو لتغرس لم يصح، ولو قال: إن شئت فازرعها، وإن شئت فاغرسها، فأصح الوجهين ما ذكر في الكتاب صحة الإجارة ويخيّر المستأجر.
والثاني: المنع كما لو قال: بعتك بألف مُكسَّرة إن شئت، وصحيحة إن شئت، واستشهد في الكتاب للوجه الأول بماذا قال: لتنتفع كيف شئت؟ لكنَّا حكينا الخلاف فيه أيضاً فلا فرق.
ولو قال: أكريتك فازرعها واغرسها، أو لتغرسها وتزرعها ولم يبين القدر فوجهان.
أحدهما: وبه قال ابن سلمة: يصح وينزل على النصف، وعلى هذا فله أن يزرع الكل لجواز العدول من الغراس إلى الزرع، ولا يجوز أن يغرس الكل.
وأقربهما: وبه قال المزني وابن سريج، وأبو إسحاق: أنه لا يصح؛ لأنه لم يُبَيِّن كم يزرع؟ وكم يغرس؟ بل لو قال: لتزرع النصف، وتغرس النصف فعن القَفَّال: أنه لا يصح لأنه لم يُبَيِّن المغروس والمزروع، فصار كما إذا قال: بعتك أحد هذين العبدين بألف والآخر بخمسمائة، ويجب في استئجار الأرض للبناء بيان موضعه وطوله

الجزء: 6 - الصفحة: 115

وعرضه، وفي بيان قدر ارتفاعه وجهان ذكرهما في "كتاب الصُّلْح" بتوجيههما: والأظهر: ما أجاب به في الكتاب هناك، وهو أنه لا حاجة إليه، بخلاف ما إذا استأجر سقفاً للبناء.
قال الغزالي: (أَمَّا الدوَابُّ) فَإِنِ أسْتُؤْجِرَ لِلرُّكُوبِ عَرَّفَ (م) الآجِرُ الرَّاكِبَ بِرُؤْيَةِ شَخْصِهِ أَوْ سَمَاعِ صُفَتِهِ في الضَّخَامَةِ وَالنَّحَافَةِ لِيَعْرفَ وَزْنَهُ تَخْمِيناً، وَيعِرْفَ المَحِلَ (ح) بِالصِّفَةِ في السَّعَةِ وَالضِّيقَ وَبِالوَزْنِ فَإِنْ ذَكَرَ الوَزْنَ دُوْنَ الصِّفَةِ أَوْ بِالعَكْسِ فَفيهِ خِلاَفٌ (و)، وُيعَرِّفَ تَفَاصِيل المَعَاليِقِ ,فَإِنْ شَرَطَ المَعَالِيَقَ مُطلَقاً فَهُوَ فَاسدٌ (ح م) عَلَى النَّصِّ لتَفَاوُتِ النَّاسِ فِيهِ، وَالمُسْتَأْجِرُ يُعَرِّفُ لِدَابَّةٍ بِرُؤْيتِهَا أَوْ بِوَصْفِهَا إِنْ أَوْرَدتَّ الإِجَارَةَ عَلَى العَيْنِ أَهِيَ فَرَسٌ أَمْ بَغْلٌ أم ناقة أَمْ حِمَارٌ، وفِي ذِكْرِ كَيِفْيَّةِ السَّيْرِ مَنْ كَوْنِهَا مُهَملْجِاً أَوْ بَحْراً خِلاَفٌ (و)، وَيُعَرِّفُ وتَفْصِيلَ السَّيْرِ والسُّرَى وَمِقْدَارِ المَنَازَلِ وَمَحَلِّ النُّزوُلِ أَهُو القُرَى أَو الصَّحْرَاءُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلعُرْفِ فِيهِ ضَبْطٌ، وَإِنْ كَانَ فالعُرْفُ مُتَّبَعٌ.
قال الرافعي: النوع الثالث: الدواب وتستأجر لأغراض.
منها: الركوب، وفيه مسائل: إحداهما: يجب أن يعرف المؤجر الراكب، وفي طريق معرفته وجوه.
قيل: الطريق المشاهدة لأن الغرض يتعلق بثقل الراكب، وخفته بالضَّخامة، والنَّحافة، وكثرة الحركات والسكنات، والوصف لا يفي بذلك.
ومنهم من قال: إن كان غائباً وصفه، وذكر وزنه.
وقال الآخرون: بل بذكر صفته في الضخامة والنحافة ليعرف وزنه تخميناً، وهذا ما ذكره الإمام وصاحب الكتاب.
وأكثر الأصحاب على اعتبار المشاهد لكن إلحاق الوصف التام بهذا أشبه في المعنى؛ لأنه يفيد التخمين كالمشاهدة.
ويجوز أن يعلم قوله: "عرف المؤجر الراكب" بالميم؛ لأن الحكاية عن مالك أنه يجوز فيه الإطلاق لتفاوت أجسام الناس غالباً.
الثانية: إن كان الراكب مجرداً ليس معه ما يركب عليه، فلا حاجة إلى ذكر ما يركب عليه لكن المؤجر يركبه على ما يشاء من سَرْج، أو أكاف زاملة على ما يليق بالدابة 52، وإن كان يركب على رَحْل أو فوق زَامِلة، أو فوق مَحْمل أو عمارية، وفي

الجزء: 6 - الصفحة: 116

غير الإبل أراد الركوب على سرج أو أكاف وجب ذكره، وينبغي أن يعرف المؤجر هذه الآلات، فإن شاهدها كفى، وإلاَّ فإن كانت سروجهم ومحاملهم وما في معناها على وزن وتقطيع لا يتفاحش 53 فيه التفاوت كفى الإطلاق، وحمل على معهودهم، وإن لم يكن لهم معهوداً مطرداً، فلا بدّ من ذكر وزن السرج والإكاف والزاملة هذا هو المشهور.
وفي "النهاية" أن أحداً من الأصحاب لم يتعرض لاشتراط الوزن في السّرج والإكاف؛ لأنه لا يكثر فيهما التفاوت، وفي المحمل والعمارية ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا يصح العقد، ولا بدّ من مشاهدتها لأن الغرض يختلف بسعتهما وضيقهما، وذلك لا نضبط بالوصف والثاني قال أبو إسحاق إن كانت المحامل بغدادية خفافاً لتقاربها وإن كانت خراسانية ثقالاً فلا من مشاهدتها.
وأشبههما: وهو المذكور في الكتاب: أنه يكفي فيها الوصف وذكر الوزن، لإفادتهما التخمين كالمشاهدة، ولك أن تحتج له يقوله في "المختصر" فإن ذكر محملاً أو مركباً أو زاملةً بغير رؤية ولا وصفٍ فهو مفسوخ للجهل بذلك، فاعتبر الوصف كالرؤية.
وعلى هذا لو ذكر الوزن دون الصفة أو الصفة دون الوزن فوجهان: أظهرهما: أنه لا يكفي لبقاء الجهل مع سهولة إزالته، وذكر في "التهذيب" أن الزاملة تمتحن باليد ليعرف خفتها وثقلها، بخلاف الراكب لا يمتحن بعد المشاهدة، وينبغي أن يكون المحمل والعمارية في ذلك كالزاملة، ولا بُدَّ في المحمل ونحوه من الوطاء، وهو الذي يفرش فيه ليجلس عليه فينبغي أن يعرف بالرؤية والوصف والغطاء الذي يستظل به، ويتوَّقى من المطر وقد يكون وقد لا يكون فيحتاج إلى شرطه، وإذا شرطه فجواب الشيخ أبي حامد وابن الصباغ أنه يكفي فيه الإطلاق؛ لأن التفاوت فيه قريب، ويغطية بجلد أو كساءٍ أو لبْد.
وفي شرح القاضي ابن كج "والتتمة" أنه يعتبر وصفه أو رؤيتة كالوطاء، وهو ظاهر النص.
نعم لو كان فيه عرف مطرد كفى الإطلاق كما سبق في المحمل وغيره، وقد يكون للمحل طرف من لبود أو أدم فهو كالغطاء.
وليعلم وقوله في الكتاب "ويعرف المحمل" بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة يجوز فيه الإطلاق ولا حاجة إلى تعريفه.
وقوله: "بالصفة" بالواو للوجه الذاهب إلى اعتبار المشاهدة.
الثالثة: إذا استأجر للركوب، وشرط حمل المُعاليق، وهي السُّفر والإداوة،

الجزء: 6 - الصفحة: 117

والقدور، والقمقمة ونحوها، نُظِرَ إن رآها المؤجر أو وصفها وذكر وزنها فذاك.
وإن أطلق قال الشافعي رضي الله عنه: القياسُ أنه فَاسدٌ ومن الناس من يقول: له بقدر ما يراه الناس وسطاً.
وفيه طريقان للأصحاب: أشهرها: أن في المسألة قولين، وما ذكره تمثيل قول منه: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة ومالك أنه يصح العقد، ويحمل الشرط على الوسط المعتاد.
وأصحهما: المنع لاختلاف الناس فيها.
والطريق الثاني: القطع بالقول الثاني، وحمل ما ذكره على نقل مذهب الغير.
وإن قال استأجر للركوب من غير شرط المُعَاليق لم يستحق حملها؛ لأن الناس فيه مختلفون فقد لا يكون للراكب معاليق أصلاً.
وفيه وجه أنه كما لو شرط، وأطلق، وما ذكرناه في السفرة والإِدَوَاة الخاليتين، فإن كان في هذه طعام، وفي تلك ماء، فسيأتي في الباب الثاني إن شاء الله تعالى.
الرابعة: إنْ كانت الإجارة على عين الدابة، فلا بد من تعيينها، وفي اشتراط رؤيتها الخلافُ في شراء الغائب، فإن كانت في الذمة، فلا بد من ذكر جنسها أهي من الإبل، أو الخيل، أو البغال، أو الحمير؟ ومن ذكر نوعها أهي عربية أم نجيبة؟ ومن ذكر الأنوثة والذكورة لاختلاف الغرض، فإن الأنثى أسهل سيراً، والذكر أقوى، وفي المسامحة به بذكر الأنوثة والذكورة وجه.
وهل يجب أن يقول: مهمِلج 54 أوَ بحْر 55 أو قطوف 56؟ فيه وجهان.
أظهرهما: نعم؛ لأن معظم الغرض يتعلق بكيفية السير الخامسة: إذا استأجر دابة للركوب فلبيينا قدر السير كل يوم 57 فهذا بَيَّناه حملاً على المشروط، فإن زادا في يوم أو نقصاً فلا جبران، بل يسيران بعده على المشروط، وإذا أراد أحدهما المجاوزة عن المشروط، أو النزول دونه لخوف أو غصب لم يكن له ذلك، إلاَّ أن يوافقه صاحبه قاله في "التهذيب"، وكان يجوز أن يجعل الخوف عذراً لمن يختاط ويؤمر الآخر

الجزء: 6 - الصفحة: 118

بموافقته 58. وإن لم بيَّنَا قدر السير، وأطلقا العقد، نُظِرَ إن كان في الطريق منازل مضبوطة صح العقد، وحمل عليها، وإن لم يكن فيه منازل، أو كانت والعادة مختلفة فيها لم يصح العقد حتى بيَّنَا أو يقدَّرا بالزمان هذا ما اشتملت عليه الطرق ووراءه شيئان: أحدهما: عن أبي إسحاق أنه قال: إذا اكترى إلى "مكة" في زماننا لم يكن بُد من ذكر المنازل؛ لأن السير في هذا الزمان سياق لا تطيقه الحمولة فلا يمكن حمل الإطلاق عليه.
والثاني: ذكر القاضي أبو الطيب أنه إذا كان الطريق مخوفاً لم يجز تقدير السير فيه؛ لأنه لا يتعلق بالاختيار.
وتابعه على هذا القَاضِي الرُّوياني في "التجريد" وقضيته امتناع التقدير بالزمان أيضاً، وحيئذ يتعذَّرُ الاستئجارُ في الطريق الذي ليس له منازل مضبوطة إذا كان مخوفاً، والقول في وقت السير أهو الليل أو النهار؟ وفي موضع النزول في المرحلة أهو نفس القرية أو الصحراء، أو في الطريق الذي يسلكه إذا كان للمقصد طريقان؟ على ما ذكرنا في قدر السير في العمل على المشروط أو المعهود، وقد يختلف المعهود في فصلي الشتاء والصيف، وحالتي الأمن والخوف، فكل عادة تراعى في وقتها.
وقوله في الكتاب "ويعرف تفصيل السير والسُّري" المراد من السير المسير بالنهار، ومن السُّري المسير بالليل أو المعنى أنه يجب ذكر ذلك، وبيانه إن لم يكن للعرف ضبطاً فيه، وإن كان فيتبع إن أطلقا العقد، أما إذا شرطا خلاف المعهود، فهو المتبع لا المعهود.
قال الغزالي: وَإِنِ اسْتُؤْجُرَ لِلحَمْلِ فَيعَرِّفُ قَدْرَهُ بالتَّخْمِينِ إِنْ كَانَ حَاضِراً، فَإِنْ كَانَ غَائِباً فَبِتَحَقُّقِ الوَزْنِ بِخلاَفِ الرَّاكِب، وَإِنْ كَانَ في الذِّمِة فَلاَ يُشْتَرَطُ معْرِفَةُ وَصْفِ الدَّابَّةِ إِلاَّ إِذا كَانَ المَنْقُولُ زُجَاجاً إِذْ يَخْتَلِفُ الغَرَضُ بصفَاتِ الدَّابَّةِ، وَإِذَا شَرَطَ مأته مَنٍّ مِنَ الحِنْطَةِ بِكَوْنِ الظَّرْفِ وَرَآهُ فَلْيُعَرِّفْ قَدْرَهُ وَوَزنَهُ إِلاَّ إِذَا تَمَاثَلَتِ الغَرَائِرِ بِالعُرْفِ، وإِنْ قَالَ: مِائَةُ من فَهُوَ الظَّرْفِ عَلَى الأَصَحِّ (و).
قال الرافعي: من الأغراض التي تستأجر لها الدواب العمل عليها، فينبغي أن يكون المحمول معلوماً؟ فإن كان حاضراً ورآه المؤجر كفى، وإن كان في ظَرْفٍ وجب أن يمتحنه باليد تخميناً لوزنه، فإن لم يكن حاضراً فلا بد من تقديره بالوزن، أو الكيل

الجزء: 6 - الصفحة: 119

إن كان مكيلاً، والتقدير بالوزن في كل شيء أولى وأحصر، فَلاَ بُدَّ من ذكر جنسه؛ لأن تأثير الحديد والقطن في الدابة.
وإن استويا في القدر 59 فمختلف، فالحديد يَهِدُّ مؤخرة الدابة، والقطن يعمُّها ويتثاقل إذا دخله الريح.
نعم لو قال: أجرتكها لتحمل عليها مائة مما شئت، فأصح الوجهين: أنه يجوز، ويكون رضاً منه بأضر الأشياء، فلا حاجة مع ذلك إلى بيان الجنس وفي "الرقم" أنه يجوز حذاق المَرَاوِزَةِ قالوا: إذا استأجر دابة للحمل مطلقاً جاز، وجعل راضياً بالأضر، وحاصله الاستغناء بالتقدير عن ذكر الجنس، هذا في التقدير بالوزن.
أما إذا قدر بالكيل، فالمفهوم مما أورده أبُو الفَرَج السَّرخَسِيُّ أنه لا يغني عن ذكر الجنس، وإن قال: عشرة أقفزة مما شئت لاختلاف الأجناس في الثقل مع الاستواء في الكيل، لكن يجوز أن يجعل ذلك رضاً بأثقل الأجناس، كما جعل رضاً بالأضر, الأجناس، ولو قال: أجرتك لتحمل عليها ما شئت لم يجز، بخلاف ما إذا أجر الأرض ليزرع ما شاء؛ لأن الدابة لا تطيق كل ما يحمل، وأما ظروف المتاع وحباله، فإن لم تدخل في الوزن، فإن قال: مائة مَنٍّ مِنَ الحِنْطَة، أو كان التقدير بالكيل، فلا بد من معرفتها بالرؤية، أو الوصف إلاَّ أن تكون هناك غرائز متماثلة اطرَّد العرف بأستعمالها، فيحمل مطلق العقد عليها، وإن دخلت في قدر المتاع بإن قال: مائة مَنٍّ من الحِنْطةِ بظروفها صح العقد لزوال الغَرَرِ بذكر الوزن، هكذا ذكر، لكنا إذا اعتبرنا ذكر الجنس مع الوزن وجب أن يعرف قدر الحِنْطَة وحدها، وقدر الظَّرْف وحده، ولو اقتصر على قوله: مائة مَنٍّ، فأصح الوجهين أن الظرف من المائة.
والثاني: أنه وراءها؛ لأنه السابق إلى الفهم، فعلى هذا يكون الحكم كما لو قال: مائة مَنٍّ مِنَ الحِنْطَة، وتصوير المسألة يتفرع على الاكتفاء بالتقدير، وإهمال ذكر الجنس إما مطلقاً أو إذا قال: مائة مما شئت، هذا حكم المَحْمل على الدَّابة.
أما الدابة الحاملة إذا كانت معينة، فعلى ما ذكرنا في الركوب، فإن كانت الإجارة على الذمة، فلا يشترط معرفة جنس الدابة وصفتها، بخلاف ما في الركوب؛ لأن المقصود تحصيل المتاع في الموضع المنقول إليه، فلا يختلف الغرض بحال الحامل، نعم لو كان المحمول زُجَاجاً أو خَزَفاً، وما أشبهها، فلا بد من معرفة حال الدابة، ولم ينظروا في سائر المحمولات إلى تعلُّق الغرض بكيفية سير الدابة بسرعة، أو بُطءٍ، وقوة أو ضعف، أو تخلفها عن القافلة على بعض التقديرات، ولو نظروا إليها لم يكن بعيداً، والكلام في المُعَاليْقِ، وتقدير السير على ما ذكرنا في الاستئجار للركوب.

الجزء: 6 - الصفحة: 120

فرع

: لو استأجره ليحمل هذه الصُّيْرة إلى موضع كذا كل مكيلة بدرهم، أو مكيلة منها بدرهم، وما زاد فبحسابه صح العقد، كما لو باع كذلك، بخلاف ما لو قال: أجرتك كل شهر بدرهم؛ لأن جملة الصُّبْرَة معلومة محصورة، وليست الأشهر كذلك، ولو قال: لتحمل مكيلة منها بدرهم على أن تحمل كل مكيلة منها بدرهم، أو على أن ما زاد فبحسابه ففيه وجهان عن صاحب "التقريب": أشبههما: المنع؛ لأن شرط عقد في عقد.
والثاني: الجواز، والمعنى أن كل قفيز بدرهم، ولو قال: لتحمل هذه الصُّبْرَة، وهي عشرة مكاييل كل مكيلة بدرهم، فإن زادت فبحساب ذلك، صح ذلك العقد في العشرة المعلومة دون الزيادة المشكوكة وعلى هذا أَوَّلَ مؤلون قوله في "المختصر": ولو اكترى حمل مكيلة، وما زاد فبحسابه، فهو في المكيلة جائز، وفي الزيادة فاسد.
ومنهم من حمله على ما إذا قال: لتحمل هذه المكاييل كل واحدة بدرهم، فإن قدم إلى طعام فبحساب ذلك.
وعن أبي إِسْحَاق في الزيادات على الشرح حمله على ما إذا قال: استأجرتك لتحمل هذه الصُّبْرة مكيلة منها بكذا، والباقي بحسابه، لكن في هذه الصورة صحة العقد في الجميع؛ لأن الصُّبرة معلومة مشاهدة، والأجرة بالتقسيط.
ولو قال: استأجرتك لتحمل من هذه الصَّبْرة كل مكيلة بدرهم لم يصح على المشهور، وقد مَرَّ في نظيره من البيع أنه يصح في مكيلة واحدة، فيعود هاهنا.
قال الغزالي: وَإِنْ اسْتُؤْجِرَ لِلسَّقْي فَيُعَرِّفُ قَدْرَ الدّلاَءِ وَالعَدَدِ وَمَوْضِعَ البِئْرِ وَعُمْقَهُ، وَإِن كَانَ لِلحِرَاثَةِ فَيُعَرّفُ بِالمُدَّةِ (و) أَوْ بِتَعْيِينِ الأَرْضِ فَيُعَرِّفُ صَلاَبَتَهَا وَرَخَاوَتَهَا وَعَلَى الجُمْلةِ مَا يَتَفَاوَتُ بِهِ الغَرَضُ وَلاُ يَتَسَامَحُ بِهِ في المُعَامَلَةِ يُشْتَرَطُ تعْرِيفُهُ.
قال الرافعي: ومن الأغراض سقي الأرض بإدارة الدُّولاَب أو الاستقاء من البئر بالدَّلْو، فإن كانت الإجازة على عَيْن الدابة وجب تعيينها، كما في الركوب والحمل، وإن كانت في الذمة لم يجب بيان الدابة، ومعرفة جنسها.
وعلى التقديرين فينبغي أن يعرف المكري الدولاب والدلو، وموضع البئر، وعمقها بالمشاهدة، أو الوصف أن كان الوصف بضبطها، وتقدر المنفعة إما بالزمان بإن يقول: للسقي بهذا الدلو من هذه البئر اليوم، أو بالعمل بأن بقول: لتسقى خمسين دلواً من هذه البئر بهذه الدلو، ولا يجوز التقدير بالأرض بأن يقول: لتسقى هذا البستان، أو جزءاً منه؛ لأن رَيَّهُ مختلف بحرارة الهواء وبرودته، وكيفية حال الأرض، ولا تنضبط.

الجزء: 6 - الصفحة: 121

ومنها: الحراثة فيجب أن يعرف المكتري الأرض لاختلاف الأراضي في الصَّلابه والرَّخَاوة، ومَقدار المنفعة إما بالزمان بأن يقول: لتحرث هذه الأرض الشهر 60، أو بالعمل بأن يقول: لتحرث هذه القطعة، أو إلى موضع كذا منها.
وفيه وجه آخر: أن هذه المنفعة لا يجوز تقديرها بالمدة، وبه أجاب الشيخ أَبُو حَامِدِ في "التعليق" والظاهر الأول.
وأما معرفة الدَّابة، فلا بد منها إن كانت الإجارة إجارة عين، وإِن كانت في الذمة، فكذلك إن قدر بالمدة، وجوزناه لأن العمل يختلف بإختلاف حال الدابة، وإن قدر بالأرض المحروثة، فلا حاجة إلى معرفتها.
ومنها: الدِّيَاس فيعرف المكرى الجنس الذي يُرِيْدُ دِبَاسَته، وتقدر المنفعة بالمدة أو بالزرع الذي يدوسه، والقول في معرفة الدابة على ما ذكرنا في الحراثة، والاستئجار للطحن كالاستئجار للدِّيَاسِ.
وقوله في الكتاب: "في الاستئجار للحراثة فيعرف بالمدة" يجوز إعلامه بالواو.
ثم في قوله: "فيعرف بالمدة أو بتعين الأرض فيعرف صلابتها ورخاوتها" مضايقة من جهة أن ما فيه الخيار هو الضبط بالمدة، والضبط بقدر الأرض المحروثه فأما تعيين الأرض فلا بد منه على التقديرين فكان من حق أن يقول بالمدة بتقدير الأرض وتعتبر أو الأرض الأرض بالإشارة عند المشاهدة، وبالوصف أو في الوصف بالمقصود.
وقوله: "على الجملة .... " إلى آخره كلام جملي ذكره ليعرف ما يجب تعريفه في الاجارات شامل لما وقع النص عليه، ولغيره والله أعلم.

الجزء: 6 - الصفحة: 122

البابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ الْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ

, وَفِيهِ فصْلاَنِ قَالَ الغَزَاليُّ: أَمَّا فِي الآدَمِيِّ، فَاسْتِئجَارُ الخَيَّاطِ لاَ يُوجِبُ عَلَيْهِ الخَيْطَ، بَلْ هُوَ عَلَى المَالِكِ، وَاسْتِئجَارُ الحَاضِنَةِ عَلَى الحَضَانَةِ، هَلْ يَسْتَتْبعُ الإِرْضَاعَ؟ وَعَلَى الإِرْضَاعِ، هَلْ يَسْتَتْبعُ الحَضَانَةَ؟ فِيهِ ثَلاَثةُ أَوْجُهٍ؛ يُفَرَّقُ في الثَّالِثِ، وَيُقَالُ: الإِرْضَاعُ يَسْتَتْبعُ الحَضَانَةَ؛ كَيْ لاَ يَتَجَرَّدَ العَيْنُ مَقْصُوداً بِالإِجَارَةِ، وَالحَضَانَةُ لاَ تَسْتَتْبعُ الإِرْضَاعَ، فَإنْ صُرِّحَ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَوْ قُلْنَا: ذِكْرُ أَحَدِهِمَا كَافٍ في الاسْتِتْبَاع، فَانْقَطَعَ اللَّبَنُ، فَعَلَى وَجْهٍ؛ يَنْفَسِخُ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ، وَعَلَى وَجْهٍ؛ يَسْقُطُ قِسْطٌ مِنَ الأُجْرَةِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ المَقْصُودَيْنِ وَعَلَى وَجْهٍ؛ يَثْبُتُ الخِيَارُ؛ لأَنَّهُ تَابعٌ (و) فَهُوَ كَالعَيْبِ، أَمَّا الحِبْرُ فِي حَقِّ الوَرَّاقِ، وَالصَّبْغُ فِي حَقِّ الصِّبَّاغِ، قِيلَ: إِنَّهُ كَاللَّبَنِ فِي الحَاضِنَةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَالخَيْطِ.

الفَصْلُ الأَوَّلُ: فِي مُوجب الألْفَاظِ المُطْلَقَةِ

قالَ الرَّافِعِيُّ: مَقصُود الباب بيانُ أَحْكام الإجَارة، إذا صحَّت، وهي مندرجة 61 في فصلَيْن ترجمة أولَّهما بموجب الألفاظِ المُطلقة، يعْني ما يقتضي اللفظ دخوله في العقْد، إما بالوَضْع، أو بالعُرْف، وما يلزم إتماماً له إِمَّا على المكتري، أو على المُكْرى، ومسائله مذكررة على الأنواع الثلاثةِ المذكورة في شَرْط العلمْ بالمنْفَعة: النوعُ الأوَّل: استئجار الآدميِّ، وفيه فصلان 62: إحداهما: الاستئجارُ للحضَانَةِ وَحْدَها، والإرْضَاع وحده، وهما جائزانِ، على ما ذكرناه أن المستحق بالاستئجار للإرضاع ما هو؟ وأما الحضانة، فهي عبارةٌ عن حفْظ الصَّبيِّ، وتعهُّده بغسله وغسل رأسِه، وثيابه وخُرُوقه وتطهيره من النَّجاسات وتدْهِينه، وتكْحِيله، وإضْجَاعه في المَهْد، ورَبْطه، وتَحْريكه في المَهْد لينام 63، وإذا أطلق الاستئجارُ لأحدهما ولم ينْف الآخر، ففي

الجزء: 6 - الصفحة: 123

استتباعه الآخَرَ ثَلاثةُ أوْجُهٍ: أصحُّهُما: أن واحداً منهما لا يستتبع الآخر؛ لأنَّهما منفعتان بجواز إفْراد كلِّ واحدة منهما بالإجَارة، فاشبهتا سائر المنَافع.
والثاني: أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يستتبع الآخرَ؛ لأنه لا تتولاَّهما في العادة إلاَّ امرأةٌ واحدةٌ.
والثالث: ويُحْكَى عن اختيار القاضي الحُسَيْن أنَّ الاستئجار للإرْضاع يستتبع الحضانة، والحضَانَةُ لا تستتبع الإرْضَاع؛ لأنَّه الإجارة تعْقَد للمنافعٍ دُون الأعْيَان.
فلو لم يستتَبع الإرْضَاع للحضانة لتجرَّد اللبن مقصوداً، ويجوز أن يُمْنَع تجَرُّده مقصوداً؛ لما سبق أنَّ المستحقَّ بالآستئجار للارْضاع عينٌ ومنفعة.
فإن قلنا: إنَّ الإستئجار لأحدِهِما يَستْتبع الآخر، أو استأجر لهما صريحاً، فانقطع اللبن، ففيه ثلاثةُ أَوجهٍ مبنيَّةٍ عَلى ثلاثةِ أوجُهٍ في أن المعقود علَيْه في هذه الإجَارَة ماذا؟ أحدها: أن المَعْقُودَ عَليْه اللَّبن؛ لأنه أشدُّ مقصوداً، والحضانة متابعةٌ، فعلى هذا ينْفَسِخ العقْد عنْد إنقطاع اللَّبَن.
والثاني: أن المعقُودَ عليه الحضانةُ، واللَّبَن تابعٌ؛ لأن الإجارة وُضِعَت للمنافع، والأعيان تقع تابعةً؛ فعلى هذا لا ينْفَسِخ مَنْ العقْد، لكنْ للمستأجر الخيارُ؛ لأنَّ انقطاع اللَّبَن عيْبٌ كما لو استأجر طاحونةَ، فانقطع ماؤها، وأصحُّهما أنَّ المعقود علَيْه وكلاهما لأنَّهما جميعاً مقصودَانِ؛ فعلَى هذا ينفسخ العقْدُ في الإرْضَاع، ويسقط قِسْطُه من الأجرة، وفي الحَضَانة قَوْلاً تفريقِ الصَّفْقة، ولم يفْرِقُوا في حكاية الأوْجه أن يصلاح بالجمع بينْهَما وبين أن يذكر أحدهما، ويحكم باستتباعه للآخَرِ وحَسنٌ أن يفرَّق، فَيُقَالُ: إذا صَرَّح بالجمع بينهما، قطَعْنا بأنَّهما مقصودَانِ من العَقد، وإذا ذكر أحدهما، فهو المقصودُ، والآخرُ تابعٌ، وعلى المرضِعَة أن تأكل وتشْرَب ما يدرُّ به اللَّبَن، وللمكتري أن يكلِّفها ذلك.
الثانية: إذا استأجر وَرَّاقاً، فعلى مَنِ الحِبْرُ؟ يحصُلُ فيه ما ذكره الأئمَّة ثلاثةُ طُرُقُ.
أشبهها: أنَّ الرجوع فيه إلى العادة، فإنِ اضطربَتِ العادةُ، وجب البيان وإلاَّ، فيبطل العقد.
وأشهرهما: القطْعُ بأنَّه لا يجبُ على الورَّاق؛ لأن الأعيان لا تُستَحَقُّ بالإجارة، وأمْرُ اللَّبَن كان على خلافِ القياس للضَّرورة، فإنَّ إفراده بالبَيْع قبل الحلْب ممتنعٌ، وبعده لا يصلح للطِّفْل.
وثالثها: أنه على الخلاف في أنَّ اللبن، هل يتبع الاستئْجار للحَضَانة؟ فهذا أوجَبْناه على الورَّاق 64، فهو كاللبن في أنَّه لا يجبُ تقْديرُه، وإن صرح باشتراطه عليه، كما لو

الجزء: 6 - الصفحة: 124

صرَّح بالإرضاع والحضانة، وإذا لم نوجبْه عليه، فلَوْ أنَّه شُرِطَ علَيْه، فسَد العقْدُ إِنْ لم يكنْ معلوماً، وإن كان معلوماً، ففيه طريقَانِ: أحدُهُما: وبه قال ابْنُ القاصِّ: يصحُّ العقد؛ لأن المقصود فِعْل الكتابة، والحبر تابع كاللبن.
والثاني: أنه شراءٌ واستئجار، وليْسَ الحِبْرُ كاللبن؛ لإمْكان إفراده بالشراء.
وعلَى هذا، فيُنْظر؛ إن قال: اشتريْتُ منْك هذا الحِبْرَ على أن تكتب به كذا، فهو كلما لو اشترَى الزَّرْع بشرط أن يحْصُدَه البائع.
ولو قال: اشْتريْتُ هذا الحِبْر، واستأجرتُكَ؛ لتكتب به كذا بعَشَرةٍ، فهو كما لو قال: اشتريْتُ الزرع، واستأجرتُكَ لتحصُدَه بعشَرَة.
ولو قال: اشتريتُ الحِبْرَ بدرهم، واستأجرتُكَ لتكتب به بعَشَرة، فهو كلما لو قال: اشتريتُ الزَّرْع بعَشَرة، واستأجرتُكَ لتحصده بدرهم، وحكم الصور 65 مذكورٌ في البَيْع.
وإذا استأجر الخيَّاط، والصباغ، وملَقِّح النَّخْل، والكحَّال، فالقول في الخيْط، والصبْغ، وطلْع النخل، والذرور 66 كما ذكرنا في الحِبْر، هذا هو المَشْهور.
وفَرَق الإمام وشيْخُه بين الخيط وبين الحِبْر والصبغ قاطعاً بأنَّ الخَيْطَ لا يجبَ على الخَيَّاط، وعَلَى ذلك جَرَى صاحب الكتابِ، وأوْرَد في الحِبْر والصبغ الطريقَ الثَّانِي والثالِثَ من الطرق الثلاثة التي أورَدْنَاها.
قوله: فقَدْ قِيلَ: إنَّه كاللَّبَن في حقِّ الحاضنة والثاني قولُه: "وقِيلَ كالخيْط" وكان سَببُ الفرق بين الخيط وبينهما أن العادة الغالبةَ في الخيط خلافُ العادَة الغالبة فيهما.
قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا الدُّوْرُ فَعِمَارَةُ الدَّارِ بإقَامَةِ مَائِلٍ، أَوْ إِصْلاَحِ مُنْكَسِرٍ عَلَى المُكْرِي، وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى تَجْدِيدِ بِنَاءٍ أَوْ جِذْعٍ فَإنْ فَعَلَ اسْتَمرَّتِ الإِجَارَةُ، وَإِنْ أَبَي فَلِلْمُكْتَرِي الخِيَارُ، فَإنْ أَرَادَ إِجْبَارَهُ عَلَى الْعِمَارَةِ لَمْ يَجُزْ عَلَى الأَظْهَرِ، وَكَذَا إِذَا غَضَبَ الدَّارَ لَمْ يَلْزَمْهُ الانْتِزَاعُ وَإِنْ قَدَرَ وَلَكِنْ لِلْمُكْتَرِي الْخِيَارُ، وَيَجبُ عَلَى المُكْرِي تَسلِيْمُ المُفْتَاحِ، فَإِنْ ضَاعَ في يَدِ المُكْتَرِي فَهُوَ أَمَانَةٌ، وَلَيْسَ عَلَى المُكْرِي إِبْدَالُهُ، وَلَوْ أَجَّرَ دَاراً لَيْسَ لَهَا بَابٌ وَمِيزَابٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ تَجْدِيدُهُ، فَإِنْ جَهِلَهُ المُكْتَرِي فَلَهُ الخِيَارُ.
قَالَ الرافِعِيُّ: النَّوْع الثَّانِي: استئْجَار العقار، وهو ينْقَسِم إلَى: مبنىَّ؛ كالدَّار

الجزء: 6 - الصفحة: 125

والحَمَّام وإلى غيره، وهو الأرَاضِي الييضُ.
أمَّا الأوَّل، ففيه مسْأَلَتَان: إحداهما: ما تحتاجُ إِلَيْه الدار المكراةُ مِنَ العمارات ثلاثةُ أضرب: أحدهما: مَرَمَّة لا تحتاج 67 إلى عين جديدة؛ كإقامة جدار مائل 68 وإصلاح جذع منكسي، وغَلْقٍ تعسر فتحه.
والثاني: يحوج إلى عَيْن جديدةٍ؛ كبناءٍ؛ وجذع جديد، وتطيين سطح، والحاجة في الضربين لخلل عَرَضَ في دَوَام الإجَارَة.
والثالثُ: عمارة ما يحتاجُ إليها لخللٍ قارن العَقْد، كما إذا أجَّرَ داراً ليس لها بابٌ أو ميزابٌ 69، ولا يجب شَيْءٌ من هذه الأضْرُب على المكتري، وإنَّما هي من في وظيفة.
المكْري، فإن بادر إلى الإصْلاح، فلا خِيَارَ للمكْتَرِي، وإلاَّ، فله الخيارُ إذا انتقضت المنفعة، حتَّى لَو تَوكَّفَ 70 البيْت، لترك التطيين، فعن الأصْحَاب أنَّ للمكتري الخِيَار إفإذا انقطع، بطَل الخيارُ إلاَّ إذَا حدث بسببه نقْصٌ، وإنَّما يثبُت الخيارُ في الضَّرْب الثالث، إذا كان جاهلاً بالحال في ابتداء العَقْد.
وهل يُجْبَرُ المكري على هذه العمارات ذكر صاحبُ الكتابِ والإمامُ -رحمهما الله- أنه يُجْبَر على الضرب الأوَّل، ولا يجبر على الثالث؛ لأنه لم يلزمه من الابتداء، وفي الثاني وجهان، وكذلك ذكر الشيخُ أَبُو الفَرَجِ السَّرْخسِيُّ إلاَّ أنَّ كَلاَمَه يوهم طرْدَ الوَجْهَيْن في الضَّرْب الثالث.
أحَدُهما، وبه قال الشيخ أبو محمد، والقاضي حسين: أنه يجبر توفيراً للمنْفَعة.
وأظْهَرُهما، ويُحْكَى عن أبي حَنِيفةَ رضي الله عنه المنع؛ لما فيه من إلزامه تسليمَ عَيْنٍ لم يتناولْها العَقْد، وأُجْرِيَ الوجهان فيما إذا غَصَب الدَّار المستأجَرَة، وقَدَر المالِكُ على الانتزاع، هل يُجْبَر عليه 71؟ ولا شكَّ أنَّه، إذا كان العَقْدُ عَلى شيءٍ موصوفٍ في الذِّمَّة، ولم ينتزع ما سلَّمه يطلبَ إقامة غيره مُقامه.
وأجاب مجيبون في الأضْرُب كلّها بأن المكري لا يُجْبَر عليها، ومنْهم صاحب "التهذيب"، وأبو سعْدٍ المتولِّي،

الجزء: 6 - الصفحة: 126

ويجوز أن يعلم قولُه: "وإصلاح منكسر عَلَى المُكْرِي لذلك.
وحكى الإمامُ؛ تفريعاً على الطَّريقة التي اقتضاها وجهَيْن في الدّعامة المانعة للانهدام، إذا احتيج إلَيْها أنَّه يعدُّ من الضرب الأول أو الثاني.
ويجبُ على المكري تسليمُ مفْتاحِ الدار للتمكين مِنَ الانتقاع، بخلافِ ما إذا كانتِ العَادةُ فيه الإقفال؛ حيثُ لا يجبُ تسْلِيم القُفْل؛ لأنَّ الأصْل ألاَّ تدخَل المنقولاتُ في العَقْدِ الواردِ على العَقَّار، والمفتاح جُعِلَ تابعاً للغلق، فإذا سلّمة، فهو أمانةٌ في يد المكتري حتَّى لَوْ ضاع من غَيْر تقصير، لم يلزمْهُ شيءٌ، وإبداله من وظيفة المكْري، وهَلْ يُطَالب به؟ فيه الخلافُ المذكورُ في العِمَارات 72، فإن لم يبدلْه، فللمكترى الخيارُ.
وقوله: "ولَيسَ على المكري إبدالُهُ" جواب على أظهر الوجهَيْنِ، فيجوز أنْ يُعْلم بالواو.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَتَطْهِيْرُ عَرْصَةِ الدَّارِ عَنِ الْكُنَاسَةِ وَالثَّلْجِ الخَفِيفِ وَالأَتُونِ عَنِ الرَّمَادِ عَلَى المُكْتَرِي، وَتَسْلِيمُ الدَّارِ وَبِئْرِ الحُشِّ وَالبَالُوعَةِ خَالِيَةً عَلَى المُكْرِي، فَإنِ امْتَلأَ فَفِي وُجُوبِ تَفْرِيغِهِ عَلَى المُكْرِي لِبَقِيَّةِ المُدَّةِ خِلاَفٌ، وَإذَا مَضَتِ المُدَّةُ عَلَى المُكْتَرِي التَّفْريغُ مِنَ الكُنَاسَاتِ وَلاَ يَلْزَمُهُ تَفْرِيغُ البَالُوعَةِ وَالحُشِّ، وَمُسْتَنْقَعُ الحَماَّمِ كالحُشِّ، وَرَمَادُ الأتُونِ كَالكُنَاسَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسألةَ الثانيةُ: تطهير الدارِ عَنِ الكناسة والأتُون 73 عن الرماد.
في دَوَام الإجارة على المُكْترِي؛ لأنَّهما حصَلا بفعْله، فإنْ أراد أنْ يَكْمُل له الانتفاعُ، فليرفعهما وكَسْحِ الثلج عن السطحَ من وظيفة المكْرِي لأنَّه عمارةُ الدارُ، فإن تَرَكَه على السَّطْح 74 وحدث به عَيْبٌ، فللمكتري الخِيَارُ 75. قال الإمامُ: وهلْ يُجْبَر عليه، ويُطَالَب به؟ فيه مَا مَرَّ من الخِلاف في العمارة.
وفيه وَجْهٌ أنَّا لا نوجب عليه الكَسْح وإن أوجبنا العمارة، فإنَّ إيجابها لتعودَ الدار إلى ما كانَتْ، وليْسَ الكَسْحُ بهذه المَثَابة.
وأمَّا الثَّلْجُ في عَرْصَة الدار، فإنْ خَفَّ، ولم يمنع الانتفاع، فهو مُلْحَقٌ بكَنْس الدَّار، وإن كشف، فكذلك على الظاهر.

الجزء: 6 - الصفحة: 127

ومنهم من ألحقه بِتَنْقِيَةِ البالوُعَة، وفيها خلافٌ يأتي لأنَّه يمنع التردُّد في الدار، وإن أخذنا بظاهِرِ المذهْبَ، فقوله في الكتاب: "عن الثلج الخفيف" ليس مذكوراً للتَّقْييد.
ويَجِبُ على المكْرِي تَسْلِيمُ الدارَ، وبالوعتُها فارغة، وكذا الحُشُّ، ليثبت التمكُّن من الانتفاع، وإن كان مملوءاً، فللمكتري الخيار، وكذا مستنْقَعُ الحمَّام، وهو الموضِعُ الذي تنصبُّ إليه الغَسَّالة، وإذا امتلأَتِ البالوعةُ، والحُشُّ، ومستنقع الحمام في دوام الإجارة، فوجهان: أحدهما: وبه قال أبو حنيفة رضي اللهُ عنه، واختاره القاضي الرُّويانيُّ أَنَّ التفريغَ على المكري تمْكِيناً من الانتفاع من بقيَّة المرة (1) فإن لم يفْعَلْ، فللمكتري الخيار، وأظهرُهما، وبه أجاب القاضي المَاوَرْديُّ، وابْنُ الصَّبَّاغ، والمتولِّي: أنَّهُ على المكتري لأنَّ الامتلاء حصَل بفعْله، فصار كنقل (2) الكُنَاسَات، فإنْ تعذَّر الانتفاعُ، فلينقِّ، ولا خِيَارَ له.
وفيه وجه: أنَّ له الخيارَ، ولا يجبُ على المكتري تنقية البالوعة، والحُشِّ عند انقضاء المُدَّة، ويجبُ عليه التطهيرُ من الكناسات ومستنْقَعُ الحَمَّامِ لا يجب تفريغه؛ كالحُشِّ.
وذكر الإمامُ، وصاحب الكتاب أن رماد الأَتُونِ كالكُنَاسة، حتى يَجِبَ نقله عنْد انقضاء المدَّة.
وفي "التهذيب" أنَّه لا يجبُ، ويخالف القِمَامَاتِ [لأن طرحَ الرِماد من ضرورة استبقاء المنفعة، وفسروا الكناسة التي يجب على المكتري تطهير الدار عنها] (3) بالقُشُور، وما يسقط من الطعام ونحوه دُون التراب الذي يجتمع بهبوب الرِّياح؛ لأنه حَصَل لا بفعله، لكن قد مَرَّ في ثلْج على العَرْصَة؛ أنه لا يجبُ على المُكْتَرِي نقْلُه، بل هو كالكناسات (4) مع أنه حَصلَ، لا بفعْله، [فيجوز أن يكون التُّرَابُ -أيضاً- كالكناسات في إنهاء الإجارة، وإن حَصَل لا بفعْله (5)].

فرع

: الدار المكتراةُ للسُّكْنى لا يجوز طرْحُ الرمادِ والترابِ في أصْلِ حِيطانها , ولا ربْطُ الدواب فيها، بخلاف وضْع الأمتعة.
وفي جواز طرْحِ ما يسرع إليه الفساد في الأطْعمة وجهان: أصحُّهما: الجوازُ؛ لأنه معتاد.7677787980

الجزء: 6 - الصفحة: 128

قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا الأَرَاضِي إِذَا اسْتُؤْجِرَتْ لِلزِّرَاعَةِ وَلَهَا شِرْبٌ مَعْلُومٌ فَالعُرْفُ فِيهِ الاِتِّبَاعُ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ، وَإِنْ كَانَ العُرْفُ مُضْطَرباً فالأَصَحُّ أَنَّهُ لاَ يُتَّبَعُ، وَقِيل: إِنَّ لَفْظَ الزِّرَاعةِ كالشَّرْطِ لِلشرِّبِ، وَقِيلَ: يَفْسُدُ لِأَجْلِ هَذَا التَّرَدُّدِ.
قال الرَّافِعِي: القسم الثَّاني: الأراضي البِيضُ، فمنْ مسائله: قال الغزاليُّ: إذا استأجر أرْضاً للزِّرَاعة، ولها شِرْبٌ معلومٌ ,. فإنْ شُرِطَ دخوله في العقد 81، أو خروجُه، أَتُّبع الشرط، وإلاَّ فإن اطردت العادةُ باتباعه الأرضَ أو انفراده، اتُّبِعت، وإن اضطربت، فكانت الأَرْضُ تُكْرَى وَحْدَها تارةً، ومع الشّرْب تارةً أخرى، ففيه ثلاثةُ أوجه: أظهرُها: أنَّه لا يُجْعَل الشِّرْب تابعاً اقتصاراً على موجِبِ اللفظ، وإنما يزاد عَليْه بعُرْفِ مُطَّرد.
والثاني: -وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه: يجعل تابعاً؛ لأنَّ الزراعةَ مفتقرةٌ إليه فالإجارة للزراعة كشرط الشِّرْب.
والثالث: أنَّ العَقْدَ يبطلُ من أصله؛ لأن تعارضَ المعنيين يوجبُ جهالة المقصُود.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَإِنْ مَضَتِ المُدَّةُ وَالزَّرْعُ بَاقٍ وَإِنَّمَا بَقِيَ لِتَقْصِيرِهِ في الزِّرَاعَةِ قَلَعَ مَجَّاناً، وَإِنْ كَانَ لِغَلَبَةِ البَرْدِ لَمْ يَقْلَعْ مَجَّاناً فَإنَّهُ غَيْرُ مُقَصِّرٍ، وَإِنِ اسْتُؤْجِرَ لِزِرَاعَةِ القَمْحِ شَهْرَيْنِ فَإِنْ شَرَطَ القَلْعَ بَعْدَ المُدَّةِ جَازَ وَكَأنَّهُ لاَ يَبْغِي إِلاَّ القَصِيلَ، وَإِنْ شَرَطَ الإِبْقَاءَ فَهُوَ فَاسِدٌ لِتَّنَاقُضَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّأْقِيتِ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَقِيلَ: إِنَّهُ صَحِيحٌ وَيُنَزَّلُ عَلَى القَلْعِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَفْسُدُ إِذِ العَادَة تَقْضِي بالإِبْقَاءِ، وَكَذا إنْ آجَرَ للبِنَاءِ وَالغِرَاسِ سَنَةً أَوْ سَنَتَينِ اتَّبَعَ الشَّرْطَ، فَإِنْ أَطْلَقَ فَهُوَ كَالزَّرْعِ الَّذِي يَبْقى، وَحَيْثُ صَحَّحْنَا فَفِي جَوَازِ القَلْعِ مَجَّاناً بَعْدَ المُدَّةِ خِلاَفٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لاَ يَقْلَعُ كَمَا في العَارِيَّةِ المُؤَقَتَّةِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَقْلَعُ إِذْ فَائِدَةُ التَّأْقِيت فِي العَارِيَّةِ طَلَبُ الأُجْرَةِ بَعْدَ المُدَّةِ وَلاَ فَائِدةَ هَاهُنَا إِلاَّ القَلْعُ، فَإِنْ قُلْنَا: لا يَقْلَعُ مَجَّانًا فَهُوَ كَالمُعِير يَتَخَيَّرُ بَيْنَ القَلْعِ بِالأَرْشِ أَوِ الإبْقَاءِ بأُجْرَة أوِ التَّمَلُّك بِعوضَ، وَمُبَاشَرَةُ القَلْعَ أَوْ بَدَلُ مُؤْنَتِهِ عَلَى الآجِرِ أو المُسْتَأَجِرْ فِيهِ خِلاَفٌ، فَإِنْ مَنعَ المُسْتأَجِرُ مَا عَيَّنَهُ الآجِرُ قيلَ: إِنَّهُ يَقْلَعُ مَجَّانَاَ تَفْرِيغاً لِمِلكِهِ، وَالأَقْيَسُ: أنَّه يُقْلعُ ويَغْرَمُ لَهُ وَلاَ يَبْطُلُ حَقُّهُ بِامْتِنَاعِهِ.

الجزء: 6 - الصفحة: 129

قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل صورتان: إحداهما: إذا استأجر أرضاً للزراعة، فانقضتَ المدَّة ولم يدْرِك الزَّرعَ، فلا يَخْلُو، إمَّا أن يكون الاستئجارُ لزراعةِ زرْع معين، أو للزراعةِ مُطلقاً، أَمَّا في الحالة الأولى، فلعدم الإدراك أسباب: إحداها: التقصير في الزراعة.
بأنَّ أخَّرها حتى ضاق الوَقْت، أو أبْدل الزَّرْع المعَّين بما هُوَ أبْطَأُ إدراكاً أو أكله الجَرَادُ، فزرعه ثانياً، فللمالك إجبارُه علَى قلْعِه، وعلى الزارع تسويةُ الأرْضِ، كالغاصب، هذا لفْظه في "التهذيب"، وقضيَّة إلحاقه بالغَاصِب أن يقلع زرعه قَبْل انقضاء المدَّة أيضاً، لكن صَاحِبَ "التَّتمَّة" وغيرَه صرَّحوا بأنه لا يقْلَعَ قبل انقضاء المدة؛ لأنَّ الأرْضِ في الحال 82 لهُ.
وللمالك منعُه من زراعةِ ما هُوَ أبطأ إدْراكًا في الابتداء، وهل له المنْعُ من زراعة النَّوْع المعيَّن إذا ضاق الوقتُ؟ فيه وجهان؛ لأنَّه استحقَّ منْفعةَ الأرْضِ في تلْك المدة 83، وقد يقْصِد القَصِيلَ 84. والثاني: أن يكونَ تأخُّر الإدراك لِحَرٍّ أو بَرْدٍ، فالظَّاهرُ، وهو المذكور في الكتاب أنه لا يجبر على القَلْع، بل على المالِك الصَّبْرُ إلى الإِدراك مجَّاناً، أو بأُجْرة المِثْل.
وفيه وَجهٌ أنَّه يقْلَع مجَّاناً؛ لأنَّه لم يرْضَ بشغْل ملكه فيما وراء المدَّة، ومن هذا القبيل ما إذا أكل الجرادُ رُؤوس الزَّرْع، فنبتت ثانياً، وتأَخَّر الإدراك وكذا التأخُّر لكثرة الأمطار.
والثالث: أن يكون ذلك الزَّرع، المعيَّن، بحيث لا يدرك في المدَّة كما إذا استأْجر لزراعة الحِنْطة شهرَيْن، فإنه شرط القَلْعَ بعْد مضىِّ المدة، جاز، وكأَنَّه لا يبغي إلاَّ القَصِيل ثُمَّ لو تراضَيَا على الإبْقَاء مجَّاناً أو بأجْرة المثْل، فلا بأْسَ، وإن شرطا الإبْقاء، فَسَدَ العَقْدُ، للتناقض بينه وبين التوقيت، ولجهالة غاية الإدراك، ويجيء فيه خلاف سنذكره إن شاء الله تعالى، وإذا فسد العقد فللمالك منعه من الزِّراعة، لكن لو زَرَع، لم يقلع زرْعه مجَّانًا للإذْن، بل يُؤخَذُ فِيه أُجْرة المِثْل لجميع المُدَّة وإن أطلقا العَقْد، ولم يتعرَّضا لقلْعٍ، ولا إبقاءٍ، فوجهان:

الجزء: 6 - الصفحة: 130

أحدهما: وبه قال الشَّيْخ أبو محمَّد: أنَّه فاسدٌ؛ لأنَّ العادةَ في الزَّرْع الإبقاءُ مجاناً، فهو كما لو شرطا الابقاء.
وأصحُّهما: أن العقد صحيحٌ؛ لأن التأقيت لحصر المعْقُود علَيْه في منفعة تلْك المدَّة، فعلى هذا، إن توافقا بعد المدَّة على إبقائه مجاناً أو بأجْرة فذَاك، وإنْ أراد المالكُ إجبارَهُ على القلْع، فوجهان: أحدهُما: وبه قال أبو إسحاق: أنَّه يتمكَّنُ منه لانقضاءِ المدَّة التي تناولها العقْدُ، وهذا ما يوافقُ قولَهُ في الكتاب "وينزل على القلع".
وأشبههما، ويُحْكَى عن اخْتيار القَفَّال: أنَّه لا يتمكَّن منه؛ لأنَّ العادة في الزَّرْع الإبْقاء، وعلى هذا فأظْهر الوجهَيْن: أن له أُجْرَةَ المثْل؛ للزيادة.
وفي وجْهٍ: لا؛ لأنَّه إذا أجَّر مدة، لا يدرك فيها الزَّرْع كان معتبراً للزيادة على تلْك المدة.
قال أبو الفَرَج السِّرْخَسىُّ: إذا قلْنا: لا يقلع بعْد المدَّة لزم تصحيح العقد فيما إذا شرط الإبقاءَ بعْد المدَّة، وكأنه صرَّح بمُقْتضَى الأطْلاَق، وهذا حسن.
والحالة الثانية: إذا استأْجر للزِّراعة مطْلَقاً، وفرَّعنا على أظهر الوجْهَيْن، وهو صحته، فعليه أن يزرع ما يدرك في تلك المدة، فإن زرعه وتأخر إدراكه لتقصير أو لغيره تقصير 85، فعلى ما ذكرنا في الزَّرْع المعيَّن، فإن أراد أن يَزْرع ما لا يدرك في تلْك المدَّة فللمالِك مَنْعُه، لكن لو زرع، لم يقلع إلى انقضاء المدِّة.
وقال الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرازيُّ يُحْتَملَ ألا يُمْنَع من زَرْعِهِ كما لا يَقْلَعُ إذا زَرَعَ.
الصُّورةُ الثَّانيَةُ: إذا استَأْجَر للبِنَاء، أو الغراس، فإما أن يشترطا القلع بعد المدَّة، أو يشترطا الإبْقَاء، أو يسْكُتَا عنهما، أَو يُطْلِقا العقْد، إن شرط القلع، صحُّ العقْد، وَأُمِرَ المستأجر بالقَلْع بعدْ المدَّة، وليْسَ على المالك أَرْشُ النُّقْصان، ولا على المُسْتَأْجر تسوية الأرْضِ، ولا أرْش نقصانها وإن نقصت لتراضيهما بالقلْع، وإن شَرَطا الإبْقَاء بعْد المدَّة، فوجهان: أَحَدُهُمَا: أن العَقْدَ فاسِدٌ لجهالة المدة، وهذا أرجحُ في إيراد جَمَاعةٍ، منهم الامامُ وصاحبُ "التهذيب".
والثاني: يصحُّ؛ لأنَّ الإطلاق يقتضي الابْقَاء على ما سيأْتي، فلا يضرُّ شرطه، وهذا ما أجاب به العراقيُّون كُلُّهُمْ، أو معظمهم 86 ويتأيَّد به كلام السَّرْخَسِيّ في "مسألة الزرع".

الجزء: 6 - الصفحة: 131

وإذا قلْنا بالفساد، فعلى المُسْتَأْجر أجرةُ المِثْل للمدَّة، وفيما بعد المدَّة، الحكم على ما سنذكره فيما إذا أطْلَقا العقد، وإنْ أطْلَقَا العقْد، وسكتا عن شرْط القَلْع، والابْقَاء، فلفظ صاحب الكتاب 87 حيث قال: "فإن أطْلق، فهو كالزرع الذي 88 يبقى ظاهر الاشعار بأنَّ صحَّة العقْد على وجهَيْن، كما إذا أُطْلِق الاستئجارُ لزراعة ما لا يُدْرَك في المدة، وإيراد الجمهورِ يُشير إلى القَطْع بالصحَّة، والصحيح الصَّحة؛ إذ لا اختلاف 89 فيها، ثم يُنْظَر بعد المدَّة، فإن أمكن القَلْع والرفْع منْ غَيْر نقصان [الأرض] فعل، وإلا، فإن اختار المستأجِر القَلْعُ فله ذلك؛ لأنَّه ملكه، وإذا قلع، فهل عليه تسْوية الحَفْر وأرْشُ نقصان الأرض؟ فيه وجهان، حكاهما القاضي ابنُ كج، وغيره، وهما كالوجهَيْن فيما إذا رغب المستعير في القلْع عنْد رجوع المعير، وهل عليه التسوية؟ الأصحُّ المنصوصُ الوجوبُ؛ لتصرُّفه في أرض الغير بالقَلْع بعْد خروجها منْ يده، وتصرُّفه بغير إذْن المالك، وعلى هذا، فلو 90 قلع قبل انقضاء المدَّة، فيلزمُه التَّسْوية؛ لأنَّ المالك لم يأذَنْ، أوْ لا يلزمه لبقاء الأرْضِ في يده وتصرُّفه؟ فيه وجهان: أًصحُّهما: الأولُ.
وإن يختر 91 المستأجر القلْعَ، فهل للمؤجِّر أن يقلعه مجَّاناً؟ فيه وجهان 92، نقلهما الإمامُ وصاحبُ الكتاب كما في صورة الزَّرْع: أحدُهُما، وبه قال أبو حنيفة والمُزَنىُّ رضي الله عنهما أنَّ له ذلك؛ لأنَّ مدة استحقاق المَنْفعة قد انقضَتْ.
وأصحُّهما: وقطع به قاطعون: أنَّهُ لا يقلع مجَّاناً؛ لأنَّه بناءٌ محترمٌ , لم يَشْتَرطْ قلْعَه, وهذا كما ذكرْنا في العاريَّة المؤقَّتة, فإنَّ ظاهر المذْهَب فيها أن بناء المستعير لا يقْلع بعد المدَّة مجاناً.
ومن قال بالأوَّل فَرَق بأن فائدة التأقيت في الإعارة طلب الأجرة بعد المدَّة، وهاهنا الأُجْرَةُ لازمةٌ في المدَّة، فلا فائدة إلى القَلْع ولناصر الأصح أن يمنع قوله الفائدة في الإعارة طلبُ الأجْرَة بعد المدَّة، وأن الفائدة هاهنا القلْعُ لجواز أن يكُون الغرض في الصورتَيْن المَنْعَ من إحداث الغراسِ، والبناء بعد المدَّة، وأن يكونَ الغَرَضُ هاهنا العدول إلى أجرة المثْل بعْد المدَّة، وإن قلْنا: لا يقلع مجَّاناً، فالكلام في أنَّ المالِك

الجزء: 6 - الصفحة: 132

يتخيَّر بين أن يقْلَع وُيغَرَّم 93 أرْشَ النقصان مع نُقْصَان الثِّمار، إن كانت على الأشْجَارِ ثمارٌ، أو يتملَّكه عليه بالقيمة، أو يبقيه بأُجْرةِ يأخُذُها أو لا يتخيَّر إلا بين الخصلتين الأولين من الخصال الثلاثة على ما ذكرنا فيما إذا رَجَع المعير 94 عن العارية فإذا انتهى الأمرُ إلى القَلْع فمباشرة القلع، أو بدل مؤنته على المُؤجّر أو المستأجر، فيه 95 وجهان مستتْبَطَان منْ كلام الأصْحَاب: أحدُهُما: على المؤجّر؛ لأنَّه الذي اختاره.
وأصحُّهما: على المُسْتَأْجر؛ لأنه الذي شغل الأرْض فليفرغْها , إذا عيّن المؤجِر خصلة، فامتنع المستأجرُ، ففي إجباره ما ذكَرْناه في إجْبَار المُسْتَعير، فإنْ أُجْبِرَ كلِّفَ تفريغ الأرْضِ مجَّاناً، وإلاَّ، لم يكلَّف، بل هو كَمَا لو امتنع المؤجّر من الاختيار وحينئذ، يبيع الحاكمُ الأرْضَ وما فيها، أو يعوِّض عنها، فيه خلافٌ قد مَرَّ، ويخرَّج من ذلك عند الاحتصاد في التفريغ مجَّاناً وجْهان كما ذكرنا في الكتاب.
أحدهُما: يكلَّف ذلك، ليرُدَّ الأرض كما أَخذ، وهذا ما أجاب به في كتاب العارِيَّة.
وأقيسهما: المنعْ ولا يبْطُل حقُّه من العوض باقْتناعه، كما أنَّ من منع المضْطَرَّ طعامه يُؤْخَذَ منه قهْراً، ويسلَّم إليه العِوَضُ، والإجارةُ الفاسدةُ لِلغراسَ والبناءِ كالصحيحة في تخيير المالك، ومنع القلع مجَّاناً.
وقوله في الكتاب: "وكذا إن آجر للغراس والبناء سنةً أو سنتَيْنِ، اتَّبَعَ الشَّرْط أراد به أنه إذا آجَرَ بشرط القلْع يَتْبَع الشَّرْط، وكذلك، إن آجَرَ بشَرْط الابقاء، إذا أوجَبْنا بأنَّ العَقْدَ لا يفْسُد بهذا الشَّرْط، وذلك بين 96 من سياق الكَلاَم، والتَّمْثيل بالسنتين مبني علي جواز الإجارة أكْثَرَ من سَنَة.
وقوله: "وإن أطلق فهو كالزرع الذي يبقى"، أي: كالإِجَارَة لزرْع ما لا يُدْرَك في المدَّة التي عيَّنَّاها، فإنَّ العادة التبقية إلى الإدْراك.
وقوله: "لا يقلع كما في العاريَّة" مُعْلَم بالحاء والزاي.
وقوله: "يتخير بين القلع ... " إلى آخره بالميم؛ لأن الحكاية عَنْ مالك رضي الله عنه أن [صاحب الأرض] 97 بالخيار بيْن أن يقْلَع منْ غَيْر ضمانِ النُّقْصَان، وبين 98 أن

الجزء: 6 - الصفحة: 133

يتملَّك بالقيمة، وبين أن تبقى الأشجارَ عَلَى أن تكون الثِّمارُ بينهما.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوِ اسْتَأْجَرَ أَرْضاً لِلذُّرَةِ فَلَهُ زَرْعُ الْقَمْحِ، وَلَوِ اسْتَأَجَرَ لِلْقَمْحِ لَمْ يَجُزْ زَرْعُ الذُّرَةِ وَلَهُ الشَّعِيرُ، وَكَذَا إِذَا اسْتَأْجَرَ دُكَّاناً لِصَنْعَةِ فَلاَ يُبَاشِرُ مَا ضَرَرَهُ فَوْقَهَا، وَيَفْعَلُ مَا ضَرَرَهُ دُونَهُ، فَلَوِ اسْتَأْجَرَ لِلْقَمْحِ فَزَرَعَ الذُّرَةَ فَللِآجِرِ القَلْعُ في الحَالِ، فَإنْ لَمْ يَقْلَعْ حَتَّى مَضَتِ المُدَّةُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أُجْرَةِ المِثْلِ وَبيْنَ أَخْذِ المُسَمَّى وَأَرْشِ نَقْصِ الأَرْضِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ يَتَعَيَّنَ أَجْرُ الْمِثْلِ وَهَلْ يَتَعَيَّنُ المُسَمَّى وَأَرْشُ النَّقْصَ وَالنَّصُّ هُوَ الأَوَّلُ؟ وَلَوْ عَدَلَ مِنَ الزَّرْعِ إِلَى الغَرْسِ يَتَعَيَّنُ أَجْرُ الْمِثْلِ إِذْ تَغَيَّرَ الجِنْسُ، وَلَوْ عَدَلَ من خَمْسِينَ مَنَّاً إلَى مَائَةٍ في الحَمْلِ تعَيَّنَ المُسَمَّى وَطَلَبَ الزِّيَادَةَ لأنَّهُ اسْتَوْفَى المَعْقُودَ عَلَيْهِ وَزَادَ.
قال الرَّافِعِيُّ: إذا اسْتأْجر أرْضاً لزراعة جِنْسٍ مُعَيَّنِ جاز له أن يزرعه، وما ضرَرُه مثل ضرره، أو دون ذلك، ولا يزرع ما ضرَرُه فوقه، وضررُ الحِنْطة فوْقَ ضَرَرِ الشعير، وكلُّ واحدٍ من الذُّرَة والأُرزْ أشدُّ ضَرَاً من الحِنْطة.
أمَّا الذُّرة، فلأنَّ لها عُروقاً غليظةً تنتشرُ في الأرض ويستوفي قوَّته.
وأمَّا الأرزُ؛ فلأنَّه يحتاجُ إلى السَّعْي الدَّائم، وأنه يذْهَب بقوة الأرْض.
وعن البُوَيْطىِّ، أنه لا يجوزُ العُدُول إلى غير الزرعِ المعيَّن، فمن الأصحاب من قال: إنَّه قولُ الشافعيِّ -رضي الله عنه- رواية ومنْهُمْ من قال: رأى رآه، ووجْهُ ظاهرِ المذْهَب أن المعقود علَيْه منفعةُ الأرْضِ، والمزْرُوعُ طريقٌ في الاستيفاء، فلا يتعيَّن، كما أنه إذا كان له حقٌّ على غيره يتخير بيْن أنْ يستَوفِيَه بنَفْسِه، أو بغَيْره، هذا في تعيين الجنْس، أو النَّوْع.
أما إذا عيَّن الشَّخْص كما إذا قال: أجرتكها؛ لتزرع هذه الحنطة، فعن ابن القطان أن صحَّة العقْد على وجهَيْن: أحدُهُمَا: المنْعُ؛ لأنَّ تلْكَ الحِنْطَة قدْ تتلْفَ، فيتعذَّر الزَّرْعُ.
والثاني: وهو اختيارُ القاضي ابن كج: أنَّهُ كتعيين الجِنْس، ولا تتعذر الزراعة بتَلَفِ تلْك الحنْطة 99، والأوَّل هو الذي أجاب به في "التهذيب" إلاَّ أنَّهُ صوَّرهما فيما إذا قال: نزرع هذه الحنْطَةَ دُون غَيْرِها، فصرَّح بنفْي زراعة الغير.
ولو قال: نزْرَع الحِنْطة، ولا نزْرَع غَيْرِها، ففيه ثلاثةُ أوْجُهٍ:

الجزء: 6 - الصفحة: 134

أحدُها: أنَّه يَفْسُد العَقْدَ؛ لأنَّ الشَّرْط، إذَا لم يكُنْ مِنْ قضايا العقْدِ، ولا مِنْ مصالِحِهِ يَفْسد، والإِجارةُ تَفْسُد بالشُّروط الفاسدَةِ كالبيع، وذكَرَ القاضي ابْنُ كج والروَيانيُّ 100 أنَّه المذْهَبُ.
والثَّاني: واختاره الإمامُ: أنه يَصحُّ العقْدُ، ويفْسُد الشَّرط؛ لأنه شرط لا يتعلَّق به غَرَضٌ، فأشبه ما إذا قال: آجَرْتُكَ على ألاَّ تلْبَسَ إلا الحرير.
والثالث: أنَّهُ يصحُّ العقْد والشرط؛ لأنَّ المستأْجِر يملك المنْفَعَة منْ جهة المؤجِّر، فيملك بحَسب التَمْلِيك 101. وعلى هذا قياسُ استبقاء سائر المنافع، فهذا استأْجَر دابَّةً للركُّوب في طريقٍ، لم يركبها في طريق أحزن منه 102 ويركبها في مثل ذلك الطريق، وفيما هو أسهلُ منْه.
وإذا استأْجرَ لحَمْلِ الحديدِ، لم يحمل القطْن، وكذا بالعكْسِ، وإذا استأْجرُ دُكَّانًا، لصنعة، فله أن يباشِرَها، وما دُونَها في الضَّرر دُون ما فَوْقها.
إذا تقرَّر ذلك، فلو تعدَّى المُسْتَأجِر لزراعةِ الحِنْطة، فزرع الذُّرَة، ولم يتخاصَما حتَّى انقضتِ المدةُ، وحصد الذُّرَة، فالنصُّ في "المختصر" أنَّ المالِكَ بالخيار بين أن يأخذ المسمّى، وبدل النقصان الزائد على زراعة الحنطة، وزراعة الذَّرَة، وبين أن يأْخذ أُجْرَةَ المِثْل، لزراعة الذرة.
ثم قال المُزَنِيُّ: يُشْبِه أن يكون الأول أَوْلَى.
واختلَفَ الأصْحَابُ عَلَى طريقتين: أشهرُهُما: أنَّه المسألة على قولَيْن، وفي كيفيتهما طريقان: أظهرها، وبه قال أبو إسحاق: أَنَّ أحدَ القولَيْنِ وجوبُ أجْرة المِثْل؛ لأنه عَدَل عن المستحقِّ إلَى غيره، فأَشْبَهَ ما إذا زرَعَ أرْضاً أُخْرَى.
والثاني: وهو اختيار [القاضي الروياني] 103 أن الواجبَ المسمَّى، وبدل النقصان الزائد بسبب الذُّرَة، كما لو استأْجَرَ الدابَّة للركوب إلَى موضع، فجاوز ذلك الموضعَ.
والطريق الثاني، وبه قال ابن القطان: أنَّ أحد 104 القولَيْن في وجوب المسمَّى وبدل نقصان الذرة.
والثاني: التخيير كما نصَّ عليه 105؛ لأن للمسألة شبهاً كجراعة الغاصِبِ من حيث إنَّه زرع ما لم يستحقَّه، وموجِبُها أجْرَةُ المِثْل، وشبيهاً بما إذا استأجر، دابَّةً إلى موضع،

الجزء: 6 - الصفحة: 135

وجاوَزه من حيْثُ إِنَّهُ استوفى المستحقَّ، وزاد في الضّرر، وموجبها المسمَّى وبذل المال 106 لما زاد، فخيَّرْناه بيْنَهما.
وأيْضاً، فإنَّ المكْري استحق أجرة الذرَة، والمكتري استحقَّ منفعة زراعة الحِنْطَة، وقد فاتتْ بمضيِّ المدَّة، فأما أن يأخُذَ المكْرِي ما يستِحقُّ، ويردُّ ما أخذ، وإمَّا أن يتقاضَيَا، ويأْخُذَ الزيادة، وذكر الذاهِبُون إلَى هذه الطريقة للقولَيْن هكذا فأَخَذَين: أحدهما: قرنوهما من القولَيْن فيما إذا الصَرَّف الغاصِبُ في الدَّرَاهم المغْصُوبة ورَبح، فعلى أحدهما: يأْخُذ المالك مثْلَ دراهمه.
وعلى الثاني: يتخيَّر بينه وبَيْن أن يأْخُذَ الحَاصِلَ بربحه.
والثَّاني: قال الشيخ أبو محمَّد في "السِّلْسِلَة ": قولُ الرجُوع إلى أُجْرة المثل مبني على أن البائع إذا أتلف المبيعَ قَبْل القبض ينفسخ البيع، ويقدر كأن العقد لم يكُنْ، والتخْييرُ مبنيٌّ على أن البيع لا ينْفَسخ، بل يتخيَّر المشتري بيْن أن يفْسَخ، ويستردَّ الثَّمَنَ، وبين أن يتخيَّر، ويرْجِع على البائع بالقيمة، هذا البناءُ لَيْسَ بواضح؛ لأن المُكْرِيَ هو الذي يَقَع في رتبة البائع، وَلَمْ يوجدُ منه إتلافٌ، وإنَّما المُكْتَرِيَ فَوَّت المنفعةَ المستحَقَّةَ على نفْسِه، فكان ذلك بإتلاف المشتَرِي أشْبَهُ.
والطريق الثاني في أصْل المسألة: القطْعُ بالتَّخْيير، وهو أوفق لظاهر النَّصِّ، وبه قال أبو عليٌّ الطبريُّ، والقاضي أبو حامدٍ وكذا ابنُ سُرَيْج فيما حكاه القاضي ابن كج، ونقل الشيخُ أبو حامد، ومن تابعه ذهابَ ابن سُرَيْجٍ إلي الأوَّل [مُنَ] طريقَي القولَيْن، ونسب ذلك إلى المُزَنيِّ أيضاً؛ لأنه قال بعد، ذكر التَّخْيير "يشبه أن يكون الأول أولَى" فأشعر بأن طرفَي التخيير قولان، ولكن من قال بالطريق الثاني والثالث تراجع أولى، فقال: أراد أولى وجهَي الخيار لا أوَّلَى [وجهيَ] القولَيْن، وحينئذٍ، فلا يكون مثبتاً قولَيْن، والله أعلم، إذا تَخاصما بعْد إنقضاء المدَّة وحصاد الذُّرَة.
أما إذا تخاصَمَا في ابتداء قصْده زراعةَ الذُّرة، مَنَعْنَاهُ مِنها، وإنْ تخاصَما بعْد الزِّرَاعة وقبل الحصادِ، فله قلْعُها، وإذا قلَع 107 فإن تمكَّن من زراعة الحِنْطَة، زرَعَها، وإلاَّ لم يَزْرَع، وعليه الأجرةُ لجميع المدَّة؛ لأنه المفوِّت لمقصود العقْد على نفْسِه، ثم إن لم تمضىِ مدَّة تتأثر 108 بها الأرْض، فذاك، وإن مضَتْ، فلمستَحَقُ أجرة المِثْل؟ أمْ قسْطُها منْ المسمَّى، وزيادة النقصان؟ أم يتخيَّر بينهما؟ فيه ما تقدَّم من الطرق، وهي جاريةٌ فيما إذا استأجر داراً؛ ليسْكُنها، فأسكنها الحدَّادينَ أو القَصَّارين، أو دابَّةً؛ ليحمل

الجزء: 6 - الصفحة: 136

عليها قطْناً، فحمل عليها بقَدْرهِ حديدًا، أو غرفة؛ ليطْرَح فيها مائة رطل 109 من الحنطة، فأبدَلَها بالحديد، وكذلك في كلِّ صورة لا يتميزَّ فيها المستحَقُّ عما زاد، فإن تميَّز كما إذا استأجر دابةً؛ ليحمل خمسين مَنّاً، فحمل مائةَ 110 أو إلى موْضِع، فجاوَزَه، فالواجبُ المسمَّى وأجرةُ المثل لما زاد.
ولو عدل من الجنْسِ المشْرُوط إلَى غيره، كما إذا استأْجَر للزَّرْع، فغرس، أو بني، فالواجب أجرةُ المِثْل.
ومنْهُم من طرد الخِلاَفَ 111 فيه.
وقوله في الكتاب: "يخيّر بيْنَ أُجْرةُ المثل" إلى آخره حاصلُ ما يخرج في المسألة من الأقوال أو الأوْجُه، وفي نظمه إشعارٌ بترجيح التخْيير من ثلاثتها؛ عَلَى ما ذكره كثيرُونَ.
وقوله: "وبيْن أخذ المسمَّى وأرْش نقص الأرْض" فيه مُبَاحَثة، وهي أنَّ هذا اللفظ يسبقُ إلى الفهم منه [أو ما]، ينقص من قيمة الأَرْضِ" ويقرُب منه قولُهُ في "المختصر" 112: ورَبُّ الأرض بالخيار، إن شاء اختار الكراءَ, أو ما نَقَصَت الأرض مما 113 ينقصها زرع القمح.
ومنهم من يقولُ بدَلَ هذه اللَّفْظَة: إنَّهُ يأْخُذُ المسمَّى وأُجْرةَ المِثْل لِمَا زاد، فهما عبارتان عن معبّر واحدٍ، أم كيف الحال؟ والجواب إنه جَعْلَ نقصان القيمة والأجْرَة وهذا يعتد بل 114 شيئاً واحداً بَعيدٌ بل 115 لكلِّ زراعةِ أجرةٌ، ولا يَكاد تنقصُ قيمة الأرض بها، وإنِ اشتدَّ ضرَرُها، والذي يتَّجه أخْذُه مع المسمَّى بدل المنفعة التي استوفاها فوق المستحقِّ، وبدل المنفعة الأجْرَة، فليحمل لفظ "نقص الأرض" على الضَّرَرِ الذي لحقها بما استوفَاهُ المنفعة، وأرْشُه جزءٌ من أجرة ما استوفاه، وهو يفارق ما بينها وبَيْن أُجْرة المنفعة المستحَقَّة، وحقَّقه بعض الشارحين لـ"المُخْتَصَر" فقال: كان أجرةَ مثلها للحنطة خمسون، وللذُّرة سبعون، والمَسَمَّى أربعون يأخذ الأربعين، ويفاوت ما بين الآخَرِين، وهو عشرون.
قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا فِي الدَّوَابِّ فَيَجِبُ عَلى مُكْرِي الدَّابَّة تَسْلِيمُ الإِكَافِ، وَالحِزَامِ، وَالثَّفَر وَالبُرَةِ وَالخِطَامِ، وَفِي حَقِّ الفَرَسِ في السَّرْجِ خِلاَفٌ، والمَحْمِل والْمِظَلَّةُ وَالغِطَاءُ وَمَا يُشَدُّ بِهِ أَحَدُ المَحْمِليْنِ إِلَى الآخَرِ فَعَلَى المُكْتَرِي، والْوِعَاءُ الَّذِي فِيهِ نَقْلُ المَحْمُولِ

الجزء: 6 - الصفحة: 137

عَلَى المُكْتَرِي، إِنْ وَرَدَتِ الإِجَارَةُ عَلَى عَيْنِ الدَّابَّةِ، وَإِنْ وَرَدَ عَلَى الذِّمِّةِ فَعَلى المُكْرِي، فَالدَّلْوُ وَالرِّشَاةُ في الاسْتِقَاء كَالوِعَاءِ، وَيَجِبُ تَقْديرُ الطَّعَامِ المَحْمُولِ، فَلَوْ فَنِيَ فَالأَظْهَرُ أَنَّ لَهُ إبْدَالَهُ قَالَ الرَّافِعِيُّ: النوعُ الثالثُ: استئجار الدوابِّ، وفي الفصل منه ثلاثُ صُوَرٍ: إحداهما: إذا اكترَى للركوب أطلق صاحب الكتاب، وأكثرهم أنَّ عَلَى المُكْرى الإكافَ والبرذَعَةَ 116 والحِزَام 117 والبرة والثفر 118، والخِطَام 119؛ لأنَّه لا يتمكَّن منَ الرُّكُوب دونها والعرف مطَّرِدٌ بكونها منْ قبل المُكْرِي.
وفي السَّرْجِ إذا اكترى الفَرَس، ذكروا وجهَيْن أظهرهُما 120 لزومُه؛ كالإكاف.
وثانيها: المنعُ؛ لاضطراب العرف فيه، وأجاب القاضِي ابنُ كجٍّ بوجهٍ ثالثٍ، وهو اتِّباع العادة فيه 121. وقال أبو الحسن العَبَّاديُّ في "الرَّقْم": مكري الدَّابَّة لا يلزمه إلا تسليمُها عَارِيةً، والآلات كلُّها على المكْتَرِي.
وفي "التهذيب" ما هو كالتوسَّط في هذه الآلاَتِ، فأطلق اللزوم فيما عدا السَّرْج، والإكاف، والبرْذَعَة، وفصل في ثالثها بين أنْ تكون الإجارةُ عَلَى عيْنِ الدابَّةَ، فهي على المُكْتَرِي، ويضمن، لو ركبَ بغير سرْج وإكاف، وإنْ كانتْ في الذِّمَة، فهي على المكْري؛ لأنها للتَّمْكين من الانتفاع، وأمَّا ما هو للتِّسْهِيل على الراكب كالمَحْمل، والمظلَّة، والوطاء والغطاء 122، والحبل الذي يُشَدُّ به المَحْمِل على الجمل، والذي يشد به أحد المحملين إلى الآخر 123، فهو على المكَري، والعَرْفُ مطرِد به، وفي "المهذب" حكايةَ وجهيْن في الذي يُشَدُّ به أحدهما إلى الآخر وهذا بعيد مع

الجزء: 6 - الصفحة: 138

القطع في نفس المَحْمِل، وسائر توابعه المذكورة بأنها على المكتري، ولكن الأقْوَم ما في "تعليق" الشَّيخ أبي حامد وغيره، وهو رَدُّ الوجهَيْن إلى أنه شدّ أحدهما إلى الآخَرِ عَلى مَنْ؟ ففي وجْهٍ هو على المُكْتَرِي كالشَّدِّ على الحمل، وفي الثاني على المكري؛ لأنَّهُ إصلاحُ ملْكه 124، وجميع ما ذكرناه فِيمَا إذا أطلقا العقْدَ.
أمَّا إذا قال: أكريتك هذه الدابَّة العاديَةَ بلا إكاف، ولا حِزَامٍ، ولا غيرهما، لم يَلْزمْهُ شيءٌ من الآلات.
الثانية: إذا اكْتَرى للحَمْل، فالوعاء الذي يَنْتَقِل فيه المحْمُول عَلَى المكْتَرِي، إن وردَتِ الإجارَةُ عَلَى عيْنِ الدابَّةُ، وعلى المكْرِي، إن وردت على الذِّمَّة، ووَجْه ذلك بأنَّها، إذا وردَتْ على العين، فليس علَيْه إلاَّ تسليمُ الدابَّة بالإكافِ، وما في معناه، وإذا كانت الذِّمَّة، فقد الْتزمَ النقْل، فليهيء أسبابه، والعادة مؤيدة له، وبدلْوُ والرِّشَاء في الأكثر للاستقاء؛ كالوعاء في الحَمْل.
فيلزم المكري إنْ كانت الإجارة في الذمَّة.
وعن القاضي الحُسَيْن، أنه إن كان الرجُلُ معروفاً بالاستقاء بالآلات نفْسِه، لزمه الإتيان بها، وهذا يجب طرْدُه في الوعاء، ورأى الإمام في إجازة الذِّمَّة الفَرْقَ بين أن يلتزم العوض 125 مطْلقاً، ولا يتعرض للدابَّة، فتكون الآلاتُ عَلْيه، وبين أن يتعرِّض لها بالوصْف، فحينئذ يتبع العادة، فإن اضطربت العادَةُ احتمل واحتمل؛ لأنَّ التعرُّض للدابة يُشْعِر بالاعتماد على الإتْيان بها، وإذا رأينا اتباع العادة، فاضطربت العادة، فهل يُشْترط التقييد 126 لصحَّة العقد؟ أشار إِلَى خلافٍ فيه، والظاهرُ اشتراطه، ومؤنة الدليلِ والسائقِ، والبذرقة، وحفْظُ المتاع في المَنْزِل كالوعاء.
الثالثة: الطعامُ المحمُول، ليؤكلَ في الطريق كسَائِر المحمُولاَت في أنَّهُ لا بُدَّ من رؤْيَتَه، أو تقديره بالوَزْن.
وعن ابن القَطَّان وغيرِه وجْهٌ أنَّهُ لا حاجة إلى تقديره، بل يُرَدّ الأمر فيه إلى العَادَةَ، ولا حاجة إِلى تقْدير ما يُؤكَل [منه] كلَّ يوم لصحَّة العقْد.
وفيه وجه أيضاً، وإذا قدرَّه وحَمَلَه، فإن شرط أنَّهُ يبدله كلما انتقَصَ، أو لا يبدّلهُ، اتَّبِع الشرْط، وإلا، فإنْ فَنِيَ بعضه أو كله بسرقة، أو تلف، فله الإبدال؛ كسائر المحمولات، وإن فَنِيَ بالأكل فإن فني الكلُّ، فكذلك.
وحَكَى الامامُ وجْهاً أنه لا يبْدل، فإنَّ المكتري إنما يحمله لِيُؤْكَل؛ لأن المكتري

الجزء: 6 - الصفحة: 139

يشتري في كلِّ مرحلة] 127 قدْر الحاجة، والمذْهَب الأوَّل، فإن فَنِيَ بعضُه، فقَوْلان، وُيقَالُ: وجهان: أصحُّهما، وبه قال أبو حَنِيفَة رضي الله عنه واختاره المُزَنِيُّ: أنَّهُ يبدله كسائر المحْمُولات، إذا باعها أو تَلِفَتْ.
والثاني: المَنْعُ؛ لأنَّ العادة فِي الطَّعام أنَّه لا يبدل كلَّ قدر [يؤكل] 128، وإنما يبدل عنْد نفاذه، وموضِعُ القولَيْن على ما ذكره أبُو إسحاق إذا كان يجد الطَّعامِ في المنازل المستقبلية بسِعْر المنزل الذي هو فيه، أمَّا إذا لم يجدْه أو وجَده بسِعْرٍ أرفعَ، فله الإبدالُ لا محالة وهذا ما أجاب به الإِمامَ والشيخ أبو إسحاق في "التنبيه" وإذا فرَّعنا على أنَّه لا حاجة إلى تقدير الزاد، وحمل ما يعتاد لمثله، لم يبدله حتى يفْنى الكل.
وفيه وجْهٌ ضعيفٌ.
ولا يخفَى مما ذكرناه أنَّهُ يَجوزُ إعلام قَوله: "فيَجِبَ على مكري الدَّابَّة تسليمُ الإكاف" بالواو، وكذا إعلامَ قوله: "يجب تقدير الطعام المحمول".
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَيَجِبُ عَلَى المُكْرِي إِعَانَةُ الرَّاكِبِ لِلنُّزُولِ وَالرُّكُوبِ في المُهِمَّاتِ المُتَكَرِّرَةِ، وَكَذَا الإِعَانَةُ عَلَى رَفْعِ الحَمْلِ وَحَطِّهِ، وَكَذَا في المَحْمِل إِلاَّ إِذَا وَرَدَتِ الإِجَارَةُ عَلَى عَيْنِ الدَّابَّةِ وَسُلِّمَ إِلى يَدِ المُكْتَرِي.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اكترَى للركوب في الذِّمة، وجب على المكْرِي الخروجُ مع الدَّابَّة؛ ليسوقَها ويتعهَّدَها، وإعانة الراكب في الركوب، والنزول وبراعى العادةَ في كيفيَّة الإعانة، فينيخ البعير للمَرْأَة؛ لأنَّه يصْعُب عليها الركوب والنزول في حال قيام البعير، ويخاف عليها التكشُّف، وكذلك لوْ كان الرَّجُلُ ضعيفاً بمرضٍ، أو شيخوخةٍ، أو كان مفْرط السِّمَن، أو نصف الخلق، ينيخ له البعير، ويقرب البغل والحمار من نشز 129، ليسهل الركوب 130 والاعتبارُ في القوَّة والضَّعْف بحال الرُّكُوب لا بحال العقْد، فإن اكترى للحمل في الذِّمَّة، فعَلَى المكْري رفع الحمل وحَطُّه، وشدُّ المَحْمِل، وحلُّه، وفي شدِّ أحد المَحْمِلَيْن إلى الآخر، وهما بَعْدُ على الأرض، ما سبق من الوجهَيْن.
ويقف الدابة؛ لينزل الراكب لما لا يتهيأ عليها؛ كقضاء الحاجةِ والوُضُوءِ وصلاة الفَرْض، وإذا نزل، انتظره المكْرِي؛ ليفرغ منها, ولا يلْزَمُه المبالغةُ في التخْفِيف، ولا

الجزء: 6 - الصفحة: 140

القصرْ ولا الجَمْعُ، وليس له الإبْطَاءُ والتَّطْويلُ.
قال القاضي الرُّويَانِيُّ في "البحر" (1): وله النزولَ في أوَّل الوقْت، لينال فضله، ولا يقفُ للنوافل، والأكل، والشرب لتأتيها على الراحلة.
وإن ورد العقْد على دابَّة بعينها، فالذي يجبُ على المكْرِي النخليةُ بينها وبين المكْتَرِي، وليس عليه أن يُعينَهُ في الركوب، ولا في الحَمْل، هذا ما يوجد للأكْثَرِين في نُوْعَي الإجَارةِ، وحَكَى الامامُ وراءه ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّهُ يفرق في إجارة الذمَّة بيْن أن يقولَ عَلَيَّ التبليغُ، فيقول: ألزمت ذمتك تبلُّيغي إلى موضع كذا، ويقع ذكر الدّابَّة تبعاً، فيلزمه الإعانةُ، وهي أن يَقُول: عَلَيَّ الدَّابةُ، فيقول: ألزمت ذمتك منفعةَ دابَّةٍ صنعتُها كذا فلا يجب.
والثاني: أنَّهُ يجبُ الإعانةُ علَى الركوب في إجارة العَيْن أيضاً.
والثالثُ: أنَّها تجب للحمل سواءٌ كانت الإجارةُ على الذمَّة، أو على العَيْن؛ لاطراد العادة بالإعَانَة على الحطِّ، والحَمْل، وإن اضطربت في الركوب، وهذا ما اختاره صاحبُ الكتاب في "الوسيط" ورفع المَحْمِل وحطُّه كالحمل.

فروع

: أحدُهُما: قال الشافعيُّ -رضي الله عنه-: إذا اختلَفَا في الرحلة رحل لا مكبوباً ولا مستلقياً واختلَفُوا في تفْسِيره؛ فعن أبي إسْحَاق أن المكبوب أن يجعل مقدّم المحمل، أو الزاملة أوْسَعَ من المؤَخّر، والمستلْقي عكسه وقيل: المكبوب بأن يضيق المقدَّم، والمؤخَّر جميعاً، والمُسْتَلْقي أن يوسعهما جميعاً، وعلى التفسيرَيْن؛ المكبوب أسهل على الدَّابة، والمستلْقي أسهلُ على الراكب، وإذا اختلفا فيهما حُمِلا على الوسط المعتدل، وكذلك إذا اختلفا في كيفيَّة الجلوس.
وليس للمكري منْعُ الراكب من النَّوْم في وقْته المعتاد، ويمنعه في غير ذلك الوقْت؛ لأن النائم يثقل، قاله القاضي ابن كجٍّ.
وثانيهما: قد يعتاد النُّزُول والمشْيَ عند الرَّواح، فإن شرطا أن يَنْزِل أوْ لاَ ينزل اتَّبعَ الشَّرْط، قال الإمام: ويعرض في شَرْط النُّزُول إشكالٌ؛ لتقطع المسافة، ويقع في كراء العقب، لكنَّ الأصحاب احتملُوه بناءً على التساهل، وإن أطلقا، لم يجِبِ النزولُ عَلى المَرْأة، والمريض، وفي الرَّجُل القويِّ وجهان؛ لتعارض اللفظ، والعادة، وكذا131

الجزء: 6 - الصفحة: 141

حكمُ النزول على العقبات الصعْبَة 132. وثالثها: إذا اكترَى دابَّةً إلى بلدة، فبلغ عمرانها، فللمكري استردادُ الدابَّة، ولا يلزمُه تبليغُه دارَهُ 133 ولو أكترَى إلى "مكة" لم يكنْ له الحجُّ علَيْها، وإن اكتراها للحجِّ عليها، رَكِبَها إلى "منىً ثمَّ إلى عرفاتٍ ثم إلى "مُزْدَلِفَةَ"، ثم إلى "منى"، ثم إلى "مَكَّة" للطواف، وهل يركبها من "مكة" عائداً إلى "منىً" للرمْي والطواف؟ فيه وجهان 134. قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَهْمَا تَلِفَتِ الدَّابَّةُ المُعَيَّنَةُ انْفَسَخَتْ، وَإِنْ أَوْرِدَ عَلَى الذِّمَّةِ فَسُلِّمَ دَابَّةً فَتَلَفِتْ لَمْ يَنْفَسِخْ، وَكَذَا إِنْ وَجَدَ بِهَا عَيْباً.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا اكترَى دابَّةً بعينها، فتِلفَتْ، انفسخَ العقْد، وإن وَجَدَ بها عَيْباً، فله الخيارُ، كما لو وجِدَ المبيعَ مَعِيباً، والعَيْبُ بأن تَتَعَثَّرَ في المشْي أو لا تبصر بالليل، أو يكون بها عَرَجٌ تتخلف بها عن القافِلَة، ومجرد خشونة المشي ليْسَ بعَيْب، وإن كانتِ الإجارةُ في الذمَّة، وسلم دابةً، فتلفتْ، لم ينْفَسِخ العقْدُ، وإن وجد بها عَيْباً، لم يكنْ له الخيارُ في فسْخ العقْد، ولكن على المكري الإبدالُ، كما لو وجد بالمُسَلَّم فيه عيباً، واعلم أن الدابة المسلمةَ عن الإجارة في الذمَّةِ، وإن لم ينفسخ العقْدُ بتلفها، فإنَّه يثبتُ للمكتري فيها حقٍّ واختصاصٍ؛ حتَّى يجوز له إجارَتُها, ولو أراد المكْرِي إبدالَهَا، فهل له ذلك دون رضا المكتري فيه وجهان: أحدهما: لا؛ لما فيها من حقِّ المكترى.
والثاني: عن الشَّيخ أبي محمَّد: أنه يُفْرَق بين أنه يعتمد باللفظ الدَّابة بأن يقول: آجَرْتُكَ دابَّةً من صلتها كذا وكذا، فلا يجُوزُ [إبْداَلُهَا بالذي تَسَلّمها] 135 أوْ لا يعتمد بأن يقول: ألزمت إركابَك عَلَى دابَّة صفتُها كذا وكذا، فيجوز الإبْدَال، واختار في "الوسيط"

الجزء: 6 - الصفحة: 142

هذا الوجه الثاني لكنَّ الأصحَّ عند المعْظَم الأَوَّلُ.
ويترتَّب على الوجهَيْن ما إذا أفلس المكْرِي بعد تعْيِين دابَّةٍ عن إجارة الذِّمَّة، هل يتقدَّم المكتري بمَنْفَعَتِها؟ وقد ذكَرْنا ذلك في "التفْلِيس" والأصَحُّ التقديمُ، وهو الذي ذكره في "التهذيب" ولو أراد المكْتَرِي أن يعتاضَ عنْ حقِّه في إجارة الذمَّة إن كان قبل أن يتسلَّم دابةً، لم يَجز لأنَّه اعتاضَ عن المسلّم فيه، وإنْ كان بعد التسليم، جاز؛ لأنَّ الاعتياض، والحالة هذه، واقعُ عن حق في عين، هكذا ذكره الأئمة، وفيه دليلٌ على أن القبض يفيد تعلُّق حقِّ المكتري بالعَيْن، فيَمْتنِع الإبدالُ دون رضاه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: ويجُوزُ إِبْدَالُ المُسْتَوْفي فَلَهُ أَنْ يُرْكِبَ (ح ز) مِثْلَ نَفْسِهِ، بَلْ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ الدَّابَّةَ وَالدَّارَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلاَ يَجْوزُ إِبْدَالُ الأَجِيرِ المُعَيَّنِ وَالدَّابَّةِ وَالدَّارِ، وَفِي إِبْدَالِ الثَّوْبِ الَّذِي عُيِّنَ لِلْخِيَاطَةِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي عُيِّنَ لِلرَّضَاعِ وَالتَّعْلِيمِ وَجْهَانِ.
قال الرَّافِعِيُّ: هذا الفصْلُ لاَ يَختصُّ بنوْع إجارةِ الدَّوَابِّ؛ وإنَّما هو قولٌ جملى في إبدال متعلِّقات الإجارة، والمنفعةُ المطْلُوبةُ بالعَقْدُ لها مستوفٍ، ومستوفىً منه، ومستوفَى به.
فأما المستوفَي، فهو المستَحِقُّ للاستيفاء، فله أن يُبْدِل نفسه بغيره، كما يجوز له أن يؤجر ما استأجره من غيره، فإذا استأْجر دابَّةً للركوب، فله أن يركبها مثل نفسه في الطُّول، والقِصَر، والضَّخَامَة والنَّحَافَة، ومَنْ هو أخف منه وكذلك يلبس الثوب من هو في مثْل حاله، ويسكن الدار مثْلَه دون القَصَّار والحدَّاد؛ لزيادة الضرر وكذا إذا استأجر دابة لِحَمْل القطْن، له حَمْل الصوف، والوبر، أو لحمل الحديد، له حمْلُ الرَّصَاص، والنُّحَاس، وإذا استأجر للحَمْل، فأراد إركاب من لا يزيدُ وزنُهُ على وزن القَدْر المحمول؟ قال في "التتمة": يرجع إلَى أهل الصنعة، فإن قالوا: لا يتفاوَتُ الضرَرُ، جاز، وإن قَالوا: يتفاوَتُ، فلا يجوز.
وكذا لو استأْجر للركوب، فأراد الحمل، فالظاهر المنْعُ من الطرفين، وهو قضية ما في "التهذيب" وقوله في الكتاب: "فلَهُ أنْ يرْكِب مثل نفسه" يجوز أن يَعْلَم بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة لا يجوز إبدالُ الراكب، واللابس، وسلَّم أنه لو أكْرَى داراً؛ ليسْكُنَها، جاز له أن يُسْكِنُها غيره، وبالزاي؛ لأن القاضي ابن كج حكَى عن المزنيِّ منْعَ إبدال الراكب، وأما المستوفَى منه، فنحو الدار، والدَّابة المعيَّنة 136، والأجيْر المعتَبَر 137، لا يجوزُ إبداله كما لا يجوزُ إبدالُ المَبيع 138.

الجزء: 6 - الصفحة: 143

وأما المستوفَى به، فهو كالثَّوْب المعيَّن للخياطة، والصبِيِّ المعيَّن للإرضاع، والتعلُّم، والأغْنَام المعيَّنة للرعي 139، وفي إبداله وجهان، ويقال: قولان: أحدهما: أنَّهُ لا يجوز كالمستوفَى منه.
وأصحُّهما: ما ذكره الإمامُ وصاحبُ "التتمة": يجوز؛ لأنه ليس [معقوداً] عليه، وإنما هو طريقُ الاستيفاء، فأشبَهَ الراكب والمتاع المعيَّن للحَمْل، والخلافُ جارٍ في انفساخ العقْد بتلف هذه الأشياء في المدَّة، ومَيْلُ العراقيين إلى ترْجيح الانفساخ، وقالوا: إنَّهُ المنصوص.
والثاني: خرَّجه بعض الأصحاب، وستزداد المسألةُ وضوحاً إذا انتهينا إلى الباب الثالث، فهي مذكورةٌ فيه.
ويجري الخلافُ فيما إذا لم يلتقم الصبيّ المعيَّن ثديها، فعلى رأْيٍ ينفسخ العقْد.
وعلى الثاني 140: يُبْدَل والله أعلم بالصواب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَهْمَا اسْتَأْجَرَ ثَوْباً لِلُبْسِ نَزَعَهُ لَيْلاً إِذَا نَامَ وَفِي وَقْتِ القَيْلُولَةِ (و) وَلاَ يَجُوزُ الاتِّزَارُ بِهِ، وَفي الارْتدَاءِ بِهِ تَرَدُّدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيّ: إذا استأْجَرَ الثِّيابَ لِلُبْسِ، والبسط، والزَلاَلِيُّ 141 للفرش، واللّحف للإلتحاف بها، جاز وإذا استأْجَرَ ثوباً ليلبسه مدَّةً، لم يجز أن ينام فِيهِ باللَّيْل؛ للعادة، وفي وقْتِ القيلولة وجهان: أحدهما: أنَّه يلزم نزْعُه أيضاً؛ لأنَّه الثَّوْب ينقصُ وبالنَّوْم فيه، وهذا ما أورده المصنِّف.
وأصحُّهما: هو الذي أورده أكثرون: أنَّهُ لا يلْزَمُ؛ لاطِّرادَ العادةَ بالقَيْلُولة في الثِّياب دون البيتوتة، نعم لو كان المُسْتَأجَرُ القميصَ الفوقانيَّ، لزمه نزْعُهُ، بل يلزم نزعُه في سائر أوقات الخَلْوة، وإنما يُلْبَسُ ثياب الجَمل في الأوقات التي جرَتِ العادة فيها بالتجمُّل؛ كحالة الخروج إلى السُّوق، ودخُول النَّاس علَيْه، ولا يجوزُ الاتزار بما يستَأْجِر للُبْس لأنه أضرُّ للقميص من اللبس، وفي الارتداء وجهان: أحدُهما: المَنْعُ لأنه جنس آخر وأظهرهما: الجوازُ؛ لأنَّه ضرر الارتداء دون ضَرَر اللّبْس.

الجزء: 6 - الصفحة: 144

قال في "التتمة": وإذا استأجر للارْتدَاء، لم يجزْ الاتزار، ويجوز التعمُّم (1).

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: الفَصْلُ الثَّانِي فِي الضَّمَان

وَيَدُ المُسْتَأْجِرِ في مُدَّةِ الانْتِفَاعِ يَدُ أَمَانَةٍ، وَكَذَا بَعْدَ مُضِيِّ المُدَّةِ علَى الأَصَحِّ، وَفِيهِ وَجْهٌ أنَّهُ بَعْدَ المُدَّةِ كَالمُسْتَعِيرِ، وَقَبْلَ الانْتِفَاعِ لَوْ رَبَطَ الدَّابَّةَ وَلَمْ يَنْتَفِعَ اسْتَقَرَّتِ الأُجْرَةُ، فَإِنْ تَلِفَتْ فَلاَ ضَمَانَ إلاَّ إِذَا انْهَدَمَ الإِصْطَبْلُ عَلَيْهِ ضَمِنَ لِأَنَّهُ لَوْ رَكِبَ لَأَمِنَ مِنْ هَذَا السَّبَبِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: مقصودُ الفَصْلَ الثاني بيانُ حكْم الإِجارة فيما يرْجِعِ إلى الأمانة، والضَّمَان، والمَال في الإجارة تارةً يكون في يد المستأجر وأخرى في يد الأجير على العمل.
أما المستأجر، ففيه مسألتان: إحداهما: يده على الدابَّة، والدارِ المستأجرتَيْن، ونحوِهِما في مدَّة الإجارة يدُ أمانةٍ، حتى لا يضْمَن التَّالف منهما 143 من غَيْر تعدٍّ وتقصير؛ لأنه مستحقٌّ للمنفعة، ولا يمكن استيفاؤها إلاَّ بإثبات اليدِ على العَيْن، فكانت أمانةً عنْده؛ كالنخلة التي اشْتَرَى ثمرتها, ولا يُشْبِه ما إذا اشترَى سَمْناً وقَبَضَه في بستوقه 144؛ حيث تكون البستوقة مَضمونةً في يده على أصحِّ الوجهَيْن؛ لأنَّه أخذها لمنفعة نفسه، ولا ضرورةَ لقَبْض السمن فيها.
وهل يضمَنُ ما يتلف في يده بعْد مُضِيِّ المدة؟ ينبني على أنَّهُ هل على المستأجر الردُّ ومؤْنَته، وفيه وجهان.
أصحُّهما على ما ذكره في الكتاب، وبه قال أبو حنيفةَ أنَّهُ لا يلزَمُه الرَّدُّ، ولا مؤْنَتُه، وإنَّما عليه التخليةُ بينه وبيْن المالِكِ، إذا طلب؛ لأنَّه أمانةٌ فلا يجبُ ردُّه قبل الطلَب؛ كالوديعة، وَأَمْرَ بُهُما إلَى كلامِ الشافعيِّ -رضي الله عنه- وبه قال مالكٌ،142

الجزء: 6 - الصفحة: 145

واختاره الإصطخريُّ أنه يلزمه الردُّ ومؤنتُهُ، وإن لم يطلب المالك لأنه غير مأذون فيه في الإمساك بعْد المدَّة، ولأنه أخَذَه لمنفعة نفْسِه، فأشْبَهَ المُسْتَعِير 145. وعن القاضي أبي الطَّيِّب أنه لو شرَطَ المؤجر عَليْه الردَّ، لزمه ذلك بلا خلافٍ، ومنعه ابنُ الصَّبَّاغ، وقال: من لا يوجِبُ الردَّ عليه، ينبغي ألاَّ يجوز شرطه، فإن قلنا: لا يلزمُ الردُّ، فلا ضمانَ عليه، وإن قلْنا: يلزمه، ضَمِنَ مَا تَلِف في يده، إلاَّ أنه يكون الإمْسَاكُ بعذر 146. ويترتَّب على الوجهين أنه، هل يضمن أجرة المنافع التي تَتْلَف في يده بعْد مدَّة الإجارة؟ فإن ألزمناه الردَّ، ضمناه، وإلاَّ، فَلاَ 147. وفي "الزيادات" للشيخ أبي عاصم العَبَّادِيِّ فرُعَان يتعلَّقان بهذا الخلاف: أحدهما: غصبت الدَّابة المستأجرة مع دوابِّ سائر الرُّفْقة، فذهب بعضُهم في الطلبْ، ولم يذهَبِ المستأجر، إنْ قلنا: لا يلزمُه الردُّ، فلا ضمان عليه.
وإن قلنا: يلزمُ، فإن استرد من ذهب من غيْر مشقَّةٍ [ولا غرامةٍ، ضمن المستأجر المتخلِّف، وإن لحقهم مشَقَّة، أو غرامةٌ] لم يضمن.
الثاني: إذا استأجر قِدْراً مدَّةً؛ ليطبخ، فيها ثم حملها بعد المدة ليردَّها، فسقط الحمار، وانكسرت القدْرُ، قال: وإن كان لا يستقل بحمله، فلا ضمان، وإن كان يستقل، فعليه الضمان.
أما إذا ألزمناه مؤنة الردِّ، فظاهر، وأمَّا إذا لم يلزمْه؛ فَلأَنَّ العادَةَ أنَّ القِدْرَ لا يرد بالحمار مع استقلال المُسْتاجر أو حمال بها.
الثانية: الدابَّةُ المستأجرة للحَمْل، أو الركوب، لو ربَطَها المستأْجر، ولم ينتفع بها في المدة، فالقولُ في استقرار الأجْرة علَيْه سيأتي منْ بَعْدُ إن شاء الله تعالى ولا ضمانَ

الجزء: 6 - الصفحة: 146

عليه لو ماتتِ الدابَّة في الإصطبل، ولو انهدم عليها، فهلكت، نُظِرَ؛ إن كان المعهُود في مثل ذلك الوقْت، أن تكونَ الدَّابَةُ تَحْتَ السَّقْف كجنح الليل في الشتاء، فلا ضمانَ، وإنْ كان المعهودِ في ذلك الوَقْتِ، لو خرج بها أن يكون في الطريق، وجب الضَّمَان؛ لأنَّ التَّلَفَ، والحالة هذه، جاء من ربْطِها في الإصْطَبل، وقوله في الكتاب: "وقبل الانتفاع لو ربط الدابة ولم ينتفع" الجمع بين اللفظَيْنِ موحسن؛ لأن الثاني ينفي الانتفاع.
وقوله: "قبل الانتفاع" يقتضي أن يكونَ الانتفاعُ حصولاً، وأيضاً، فإنَّ كونَهُ غيْر منتفع قبل الانتفاع أوضحُ من أن يُذْكَر، فلا حَاجَةَ إلَى قوله: "ولمْ ينتفعْ" ولو اقتصر على قوله: "ولو ربط الدابة ولم ينتفع" لأفاد المطلوب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: أَمَّا يَدُ الأَجِيرِ عَلَى الثَّوْب الَّذِي يُرَادُ خِيَاطَتُهُ أَوْ صَبْغُهُ أَوْ قِصَارَتُهُ أَوْ عَلَى الدَّابَّةِ لِرِيَاضَتِهَا وَأَمْثَالِهِ فَهِيَ (ح) يَدُ أَمَانَةٍ عَلَى الأَصَحِّ (و) كَيَدِ المُسْتَأْجِرِ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أنَّهُ يَدُ ضَمَانٍ (ح)، وَقَوْلٌ ثَالِثٌ: أَنَّ يَدَ الأَجِيرِ المُشْتَرَكِ يَدُ ضَمَانٍ بِخِلاَفِ الأَجِيرِ المُعَيَّنِ لِلعَمَلِ.
قالَ الرَّافِعِيُّ: المالُ في يد الأجير كالثَّوبْ إذا استؤجر؛ لخياطته، أو صبغه، أو قصارته، والعَبْد إذا استُؤْجِرَ، لتعليمه، أو لرضاعه والدَّابةِ إذا استؤجرت، لرياضتها، إذا تلف، لم يخْلُ، إمَّا أن يكون الأجِيرُ منفرداً باليد، أو لا يكون: الحالَةُ الأُولَى: إذا كان منفرداً باليد، فهو إما أجيرٌ مشترَكٌ، أو منفردٌ، والمشترك هو الذي يتقبَّل العمل في ذِمَّته، كما هو دأْب الخيَّاطين والصوَّاغين، فهذا التزم لواحدٍ أمكنه أن يلتزم لغيره مثْلَ ذلك العَمَل؛ فكأنَّه مشتركٌ بين الناس، والمنفردُ هو الذي يمكنه أجْرُ نفسه مدَّةً مقدَّرةً لعمل، فلا يمكنه تقبُّل مثل ذلك العمل لغيره في تلْك المدَّة، وقيل: المشتركُ هو الذي شاركه في الرأي، فقال: اعمل في أيِّ موضع شئت، والمنفردُ هو الذي عيَّن عليه العمل فهو صِنعه.
أما المشتَرَكُ، فَهَلْ يضمن ما تَلِف في يده منْ غير تقصير وتعدٍّ؟ فيه طريقان: أصحُّهما: أن فيه قولَيْن: أحدهما: يضمن، وبه قال مالكٌ؛ لأنَّه أخذ لمنفعة نفسه، فأشبه المستعير، والمستام، وأيْضاً، فقدْ رُوَي عن عُمَرَ وعَلِيٍّ 148 -رضي الله عنهما- تضمينُهُ، صيانةً لأموال الناس عن الخيانة المحرمة.

الجزء: 6 - الصفحة: 147

وأَصَحُّهُما، وبه قال أحمدُ واختاره المُزَنيُّ: أنَّه لا يضمن، كما لا يضمن المستأجر ولَيْسَ أخذه لمحض غرضه، بل هو لغرضه، وغرضِ المالِكِ، فأشبه عامِلَ القِرَاض.
والثاني: القَطْعُ بالقَوْل الثَّاني، ويُحْكَى هذا عن الرَّبيع؛ لما اشتهر عنه أن مذهب الشافعيِّ رضي الله عنه أن الأجراء لا يَضْمَنُون إلاَّ أنَّه كان لا يبُوح به خَوْفاً من أُجَراء السُّوء، ومن قال بهذا قال قوله في "المختصر": والأُجَرَاءُ كلُّهم سواء، وما تلِفَ في أيديهم منْ غيْر جنايتهم، ففيه واحدٌ من القَولَيْن: أحدهما: الضمان.
والآخَرَ: أن لا ضمان إلاَّ بالعدوان، أراد به الردَّ على أبي حنيفة رضي الله عنه حيث قال: ما تَلِفَ في يد الأجير المشتَرَكِ بآفة سماوية، أو سرقةٍ، فلا ضمانَ علَيْه، وإن تلف بفعْله، ضَمِن، فإن كان بالفعل المأذون فيه، كتخرُّق الثوب بدقِّ القصَّار، إلا أن يكون الفعلُ المأذُونُ فيه جرحاً وختانٍ من قصد وختان، ونحوهما فقال: لا وجْهَ لما ذكره إنما المتَّجه أحد القولَيْن.
أما ما قلت: وهو أنه لا يضمن بحالٍ، أو ما قال أبو يوسُفَ، وهو أنَّه يضمن ما تَلِف بفعْله، أو بالآفةِ السَّماويَّة، وأما المنفردُ، فهو أولَى يبقى الضمان؛ لأنَّ منافعه مختصةٌ بالمستأجر في المدَّة، فكانت يده كالوكيل مع الوكيل، فمَنْ قَطَع بنفي الضمان في المشتَرَكِ، ففي المنفرد أولى والمثبتون للخلاف هناك افترقُوا هاهنا فطرد أكثرهم الخلافَ، وعليه يدل نصه 149 "أنَّه الأجراء كلَّهم سواء" وقطَع بعضُهم بنفي الضمان، ويُحْكَى هذا عن أبي الحُسَيْن بنْ القَطَّان، والقَفَّال وفي "تعليق" الشيخ أبي حامدٍ أَنَّ الطريقتَيْن إن فسَّرْنا المنفرِدَ بالتفْسِير الأول، فأما على الثاني 150، فليس إلاَّ القطْعُ بنفي الضَّمَان، وإذا جمعتْ بيْن الطرُق، قلْتَ: في ضمان الأجير ثلاثة طرق: أحدُهَا: إثباتُ قولَيْن فيه.
والثاني: القَطْعُ بأنه لا يَضْمَن.
والثالث: القَطْعُ بأن المنفرد لا يضمن وتخصيص القولَيْن بالمشترك، وإذا اختصرْتَ، قلْتَ: فيه ثلاثة أقوالٍ كما في الكتاب.
= والصباغ، قال الشَّافعي: لا يصلح الناس إلا ذلك، وروى عن عثمان من وجه أضعف من هذا، وروى البيهقي من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي أنه كان يضمن الصباغ والصائغ، وقال: لا يصلح الناس إلا ذاك، وعن خلاس أن علياً كان يضمن الأجير.

الجزء: 6 - الصفحة: 148

ولْيُعْلَمْ قوله: "أمانة" بالميم وقوله: "على الأصح" بالواو، للطريقة القاطعة.
وقوله: "يد ضمان" بالألف نحو إعلامُ القولَيْن [الأولَيْن] بالحاء؛ لأنه مذهبه الفرق بين المشترك، والمنفرد كالثَّالث.
والحالة الثانية 151: إذا لم يكنِ الأجيرُ منفرداً باليَدِ، كما إذا قَعد المستأْجِر عنده حتى يَعْمَل، أو حمله إلى بيته، ليَعْمَل، قطع الجمهور بأنه لا ضمان علَيْه؛ لأَن المَالَ غيرُ مُسَلَّم إلَيْه في الحقيقة، وإنما استعان المالِكُ به في شُغُله، كما يستعين بالوكيل والتِّلْمِيذ.
ونقل عن ابن كج عن أبي سعيد الإصْطَخْرِيِّ وأبي عليٍّ الطَّبريِّ طرد القولَيْن فيه، وحيث قلْنا بوجُوب الضمان على الأجير، فالواجبُ أقصى قيمة من يوْم القبْض إلى التلف، أو قيمة يوم التلف؟ فيه وجهان 152، واحتجَّ المُزَنِيُّ للقول الأصحِّ بأنَّهُ لا ضمانَ على الحجَّام إذا حجم، أو ختن ولا على البَيْطَار، إذا نزع، فأقضى إلى التَّلَف، وبأن الراعي المنفرد لا ضمان علَيْه، وبأنَّ من أكراه؛ ليحفظ متاعه في دُكَّانه لا ضمان [عليه] 153. قال الأصحاب رحمهم الله: المحْجُوم إما حُرٌّ، فلا تثبت اليد عليه، أو عبْدٌ فينظر في انفراده باليَدِ وعدمِ الانفرادِ، وبتقدير الانفراد في كونه مشتركاً، أو منْفَرِداً، فالحكْمُ في الأحوال كما سَبَق من غَيْره، فلا احتجاج، وكذا القول في الراعي 154. وأمَّا المسألةُ الثالثةُ: فالمال فيها في يد المالك؛ لكن الأجير في دكانه على ما تقرَّر، هذا كلُّه فيما إذا لم يوجدْ من الأجير تعدٍّ، فإن وُجِدَ، وجب الضمان لا محالةَ

الجزء: 6 - الصفحة: 149

وذلك مثل أن يسرف الأجيرُ على الخُبزْ في الإيقاد، أو يلْصِقَ الخبز قبل وقته أو يتركه في التَّنُّور فوْق العادة حتى يحْتَرق، أو ضرب الأجير على التأديب والتعليم الصبي فمات؛ لأن تأديب الصبيِّ بغير الضرْب ممكن، ومهما اختلف الأجير والمستأجر في أنَّه هل تعدَّى، وجاوز المعتادَ بعمله أم لا؟ راجعنا فيه عدلَيْن من أهل الخِبْرة، وعمِلْنا بقولهما، فإن لم نجد من نراجعه، فالقولُ قول الأجير؛ لأن الأصْلَ براءته من الضمان، ومهما تَلِف المالُ في يد الأجير بعْد تعدِّيه، فالواجبُ أقصى قيمة من وقْتِ التعدِّي إلى التَّلف، إنْ لم يضمن الأَجِير، فإن ضمناه، فأقصى قيمه من يوم القبْضِ إلى التلف، هكذا ذكره صَاحِبُ "التهذيب" وغيرُه، ويُشْبِه أن يكونَ هذا جواباً عَلى قولنا: إنَّهُ يضمن بأقْصَى القيمة منْ يوم القبض إلى التَّلَف، فأما إذا قلْنا: إنَّهُ يضمن الأجِير قيمةَ يوْمٍ التَّلَف، فينبغي أن يقال: الواجبُ ههنا أقصى قيمة منْ يوْم التعدِّي إلى التَّلَف 155. قَالَ الغَزَالِيُّ: وَظَاهِرُ النَّصِّ أَنَّ مَنْ غَسَلَ ثَوْبَ غَيْرِهِ أَوْ دَلَكَهُ أَوْ حَلَقَ رَأْسَهُ وَلَمْ يَجْرِ لَفْظُ الإِجَارَةِ اسْتَحِقَّ أُجْرَةً لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مَنَافِعَ نَفْسِهِ باخْتِيَارِهِ، وَقَالَ المُزَنِيُّ: إنْ كَانَ عَادَتُهُ طَلَبَ الأُجْرَةِ اسْتَحَقَّ الأُجْرَةَ، وَأَمَّا مَنْ دَخَلَ الحَمَّامَ لَزَمَهُ الأُجْرَةُ لِأَنَّهُ يُتْلَفُ مَنْفَعَةَ غيْرِهِ بِسُكُونِهِ، وَلاَ ضَمَانَ علَى الحَمَّامِيِّ إِذَا ضَاعَ الثِّيَابُ بِغَيْرِ تَقْصِيرِهِ علَى الأَصَحِّ (و) كَسَائِرِ الأُجَرَاءِ.
قَالَ الرِّافِعِيُّ: فيه مسْأَلَتَان: إحداهما: إذا دفَع ثَوْباً إلى قَصَّارٍ؛ ليقصره، أو إلى خَيَّاط؛ ليخيطه، أو جلس بين يديْ حلاَّق، ليحْلِقَ رأسه، أَو دلاَّك، ليدلكه، فَفَعَل، ولم يجْر بينهما ذكْرُ أجرة ولا نفْيُها، ففيه أوجُهٌ: أصحُّها: وَيُحْكَى عن النص أنَّهُ لا أجرة له؛ لأن المعمولَ له لَمْ يلتزَم عِوضاً وعمله كما يجوز أن يكونَ مقابلاً بعوض، يجوز أن يكون مجَّاناً، وصار كما لو قالَ: أطْعِمْنِي خبزك، فأطْعَمَه، لا ضمان عليه.
والثَّاني: أنَّه يستحِقُّ الأجرة؛ لأنَّه استهلَكَ عمَلَه، ولزمه ضمانه.
والثالث: وبه قال أبو إسحاق: أنه إن بدأ المعمول له، فقال: افعل كذا، لَزِمَه الأجرة، وإن بدأ العامِل، فقال: أعْطِنِي ثوْبَك؛ لِأُقَصِّره، فلا أجرة له؛ لأنه اختار تفويت منافعه.

الجزء: 6 - الصفحة: 150

والرابعُ: إِنه كان العاملُ معروفاً بذلك العَمَل، وأخذ الأجرة علَيْه، استحق الأجرة للعادة، وإلا فلا، وهذا ما أجاب به صاحبُ الكتاب في "باب العارية" 156 واختلفت الروايةُ في المسألة عن المزنِّي، وابن سُرَيْج.
أما المزنيُّ فَرَوى أصحابنا العِراقيُّون عنه الوَجْهَ الثاني، وأسنَدُوه إلى "الجامع الكبير" ورَوى آخرون عنه الوجه الرابع 157 ومنهم صاحبُ الكتاب، والقاضي الرُّويانيُّ.
وأما ابْنُ سُرَيْج، فَرَوى الأكثرون عنه الوَجْهَ الأوَّل.
وفي "المهذَّب"، و"التهذيب" نِسْبةُ الرابع إلَيْه، والله أعلم ولو دخل سفينةً بغير إذْنِ صاحبها، وسار إلى السَّاحل، فعلَيْه الأجْرةُ، وإن كان الإذْنِ، ولم يجرِ ذكر الأجرة، فعلى الأوجُهِ.
وإذا لم نوجِبِ الأجْرة، فالثوب أمانة في يد القَصَّار، وإن أوجَبْنَاها، فوجُوب الضَّمان على الخِلاَف في الأَجير المشترَكَ.
الثانية: فيما يأخذه الحمَّامِيُّون 158 وجهان: أحدُهما: أنَّهُ ثمن الماء، وهو متطوِّع بحفْظ الثِّياب، وإِعادة السَّطْل 159، فعلى

الجزء: 6 - الصفحة: 151

هذا؛ الثيابُ غير مضمونة على الحمَّامِين، والسَّطْلُ مضمونٌ على الداخل.
وأظهرهما: أنه أجرةُ الحمامُ والسَّطْل والإزار وحفظ الثياب 160، وأما الماءُ فإنَّه غير مضبوط حتى يقابل بعوَضٍ، وعلى هذا ينطبقُ قوله في الكتاب: "أمّا منْ دخَل الحمَّام لزمه الأُجْرة" فإنه جعل المأخوذ أجْرة الحمَّام، وإنما وجبت الأجرة، ولم يجر لها ذكْرٌ، ولم يخرج على الخلاف في المسألة الأولَى؛ لأنَّ الداخل مستوفٍ منفعةَ الحمام 161 لسُّكُوته، وهناك صاحبُ المنفعة هو الذي صرَفَها إلَى الغَيْر، فعلى هذا الوجْه، فالسَّطْل غير مضمونٍ على الدَّاخل؛ لأنه مستأجرٌ، والحمامِيُّ أجيرٌ مشترَكَ في الثياب؛ فلا يضمن على الأصح كسائر الأُجَراء.
وعبارةُ صاحب "التَّهْذيب" عن الوجْه الثاني أنه المأخوذَ ثمن الماء وأجرة الحمَّام والسَّطْل، وعلى هذا فيجعل فيه ثلاثةُ أوجه [والله أعلم بالصواب].
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَصَّرَ الثَّوْبَ فَتَلِفَ فِي يَدِهِ، فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ القِصَارَةَ عَيْنٌ لَمْ يَسْتَحَقَّ الأُجْرَةَ لِأَنَّهُ تَلِفَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، وَإِنْ قُلْنَا: أَثَرٌ فَيْسْتَحِقٌ إِذْ وَقَعَ مُسَلَّماً بالفَرَاغِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه المسْألَةُ قد ذكرناها في "التفْليس" مرَّةَ، ونحن لا تحكي إعادتها عنْ فائدة، فنقول: إذا عمِل الأجيرُ ثم تلفت العيْنُ التي عَمِلَ عليها؛ نُظِر؛ إنْ لم يكن الأجيرُ مُنْفَرِداً باليد، بل عمل من ملْك المستأجر، أو بمحضر منه، لم يُسقط أجرته 162 وإن كان مُنْفَرِداً باليد كما إذا سَلَّمَ الثَّوْبَ إلى القَصَّار، فقصَّره، ثم تَلِف عنده، فيبنَى على خلافٍ مذكورٍ في "التفليس" أن في القصارة أثرٌ أمْ عَيْنٌ؟ إن قلْنا: أثر، لم تسقطِ الأجرةُ، ثم إنْ ضمنا الأجير، فعليه قيمة ثوْبٍ مقصورٍ، وإلا فلا شيْء عليه، وإن قلْنا: عيْنٌ سقَطت أجرته، وعليه قيمة ثوْب غيْر مقصود إنْ ضمنا الأجير، أو وجد منه تعدّ وإلا فلا شيء عليه، وإن قلنا: عين، سقطت أجرته، وعليه قيمة ثوب غير مقصور إن ضمنا الأجير، أو وجد منه بعد وإلا فلا شيء عليه وإن أتلف أجنبيّ الثوب المقْصُور، فإن قلْنا: القِصَارة أثرٌ، فللأجِيرِ الأجرةُ، وعلى وإن قلنا: عين سقطت أجرته وعليه قيمة ثوب غير مقصور إن ضمنا الأجير أو وجد منه بعد وإلا فلا شئ الأجنبيِّ القيمةُ، ثم المستأجرُ على قول تضمينِ الأجير يتخيَّر بين مطالبته ومطالبة الأجنبيِّ، والقرار على الأجنبيِّ.
وإن قلْنا: عين، جاء الخلافُ فيما إذا أتلف أجنبيُّ المبيعَ قَبْل القَبْض.

الجزء: 6 - الصفحة: 152

وإن قلنا: ينفسخ [العقد] فهو كما لو تلف، وإلاَّ فللمستأجر الخيارُ في فَسْخ الإجارة وإجازتها، وإن أجاز ولم يضمن الأجيرُ، فيستقرُّ له الأجرة، والمستأجرُ يغرَّم للأجنبيِّ قيمة ثوبٍ مقصورٍ، وإن ضمناه، فالمستأجر بالخيار، إن شاء ضمن الأجنبي قيمة ثوب مقصورٍ، وإن شاء، غرم الأجنبيُّ قيمة القصارة، وللأجير قيمةُ ثوْبٍ غيرِ مقْصُورٍ، ثم الأجيرُ يرجع على الأجنبيِّ وإن فسخ الإجارة، فلا أجْرةَ عليه، ويغرَّم الأجنبيُّ قيمةَ ثوبْ غير مقصورٍ، وإن ضمنا الأجير، غرم القيمة من شاء منْهما، والقرار على الأجنبيِّ، ويغرِّم الأجنبيُّ للأجير 163 قيمة القصَارة، ولو أتْلَف الأجيرُ الثَّوْبَ بنفسه، فإن قلْنا: القصارة أثرٌ فله الأجرة، وعَليْه قيمةُ ثوْب مقصورٍ، وإن قلنا: عيْنٌ، جاء الخلافُ في أن إتلاف البائع كالآفة السماويَّة، أو كإتلاف الأجنبيِّ، وإن قلْنا: كالأفة السماوية، فالحكمُ ما سبق، وإن قلْنا: كإتلاف الأجنبيِّ وأثبتنا للمستأجر الخِيَارَ، فإن فسخ الإجارة، سقطت الأجرةُ على الأَجير، وعلَى الأجِير قيمةُ ثوبٍ غير مقصورٍ، وإنْ أجازها، استقرَّت، وعليه قيمةُ ثوب مقصورٍ، وصبغ الثوب بصيغ صاحب الثوب كالقصارة، فإن استأجره، ليصبغ بصبغ من عنده؟ قال في "التَّتِمَّة": هو جمْعٌ بين البَيْع والإجارة، ففيه الخلافُ المعروف، وسواءٌ صحَّ أو لم يصح فهذا هَلَكَ الثَّوْبُ عنده، سقطت قيمةُ الصَّبْغ، وسقوط الأجْرَة عَلَى ما ذكرنا في القِصَارة.
فَرْعٌ: سَلَّمَ ثوباً إلَى قَصَّار؛ ليقصرَه، فجحده، ثم أتَى به مقصوراً، استحق الأجرة، إن قصره ثم جحده، وإنْ جَحَد ثم قصره، فوجهان 164: وجهُ المنع، وبه قال أبو حنيفة: إنَّهُ عمل لنفسه.
وخرَّج الصيدلانيُّ الوجَهيْن على القَوليْن في الأجير في الحج، إذا صرف الإحرام إلى نفسه، هل يستحقُّ الأجرة؟ ويُقَالُ: إنَّ أبَا حَنِيْفَةَ امتحن أبا يُوسُف.
رحمه الله تعالى بهذا الفَرْع، حيث انفرد عَنْه، وتصدَّى الدرس وأمر السائل بتخطئته، إن أطلق الجواب بـ"لا أو نعم".
فأطلق.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَو اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيُحَمِّلَهَا عَشَرَةَ آصُعٍ فَزَادَ صَاعاً صَارَ عَاصِيَاً ضَامِناً، وَلَوْ سَلَّم إِلَى المُكْرِي وَقَالَ: إنَّهُ عَشَرَةٌ وَهُوَ أَحَدَ عَشَرَ وَكَذَبَ فَتَلِفَتِ الدَّابَّةُ بِالحِمْلِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ، وَفِي قَدْرِهِ قَوْلاَن أَحُدُهُمَا: النِّصْفُ كَمَا إِذَا جَرِحَ نَفْسَهُ جُرَاحَاتٍ وَجَرَحَهُ غَيْرُهُ جِرَاحَةَ فَمَاتَ وَالثَّانِي: أنَّه يَجِبُ جُزْءٌ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ جُزْءَاً مِنَ الضَّمَانِ لِأَنَّ

الجزء: 6 - الصفحة: 153

الجِرَاحَاتِ لاَ تَنْضَبِطُ بِخِلاَفِ الحَمْلِ، وَهَذَا الخِلاَفُ جَارٍ في الجَلاَّدِ إِذَا زَادَ وَاحِداً عَلَى المِائَةِ أنَّهُ يَضْمَنُ النِّصْفَ أَوْ بِحِسَابِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قدْ مرَّ أن المستأجر لا يضمَنُ، إذا لم يوجَدْ منه تُعَدٍّ، فإن وُجِدَ، وجبَ الضَّمَانُ، وذلك كما إذا ضرب الدَّابة، أو كَبَحَها 165 باللِّجَام فوق العادة، وعادةُ الضَّرْب تختلف في حقِّ الراكب، والرائضِ، والراعِي، فكلُّ يراعى عادة أمْثَاله، ويحتمل من الأجير للرياضة والرعْي ما لا يُحْتَمل من المستأجر للركوب.
وأما الضَّرْب المعتادُ، إذا أفضى إلى تَلَفٍ، فإنه لا يوجِبُ ضماناً؛ خلافاً لأبي حنيفةَ، ويخالِفُ ضَرْبَ الزوج زوجته؛ لأنه يمكن تأديب الآدمِيِّ بغير الضَّرْب 166، وإذا نام بالليل في الثوب الذي استأجره، أو نَقَل فيه التُّرَاب أو أَلْبَسَهُ عَصَّاراً، أو دَبَّاغاً دون من هو في مِثْل حالِهِ، أو أسكن الدَّارَ قصَّاراً أو حدَّاداً دون مَنْ هُوَ في مثْل حاله، وجب الضمان، وكذا لو أَرْكَب الدابَّة مَنْ هو أثقلُ منْه وقرار الضمان على الثاني إن كان عالماً، وإلاّ فعلى الأول، وإن أركبها مثله، فجاوز العادة في الضرب، فالضمان على الثاني دون الأول؛ لأنه لم يتعد.
ولو اكترى لحمل مائة رطل حديد، فحمل مائة من القطن أو التبن أو بالعكس ضمن، وكذا لو اكترى لحمل مائة مَنٍّ من الحنطة، فحمل مائة مَنٍّ من الشعير ضمن أو بالعكس؛ لأن الشعير أخف فمأخذ من ظهر الدابة أكثر، والحنطةُ أثقلُ، فيحتمل ثقلُها على الموضِعِ الوَاحِد.
ولو اكتَرى لحمل عشرة أَفْقِرَةٍ 167 من الحنطة، فحمَلَ عشرةً من الشَّعير، لم يضمن؛ لأنَّ المقدارَيْن في الحِجْم سواءٌ، والشعير أخفُّ، وبالعكس يضمن لزيادةٍ ثقَل الحنْطة.
ولو اكترَى ليركب بسَرْج، فركب بلا سرج أو بالعكْس، ضمن، أمَّا الأول، فلأنه أضرَّ بالدابة.
وأما الثاني فلأنه حملها فوق المَشْروط.
ولو اكترَى ليحمل عليها بالإكاف، فحمل بالسِّرج، ضمنه؛ لأنه أشقُّ على الدابة وبالعكس لا يضمن إلا أن يكُون أثقل، ولو اكترى ليركب بالسرج، فركب بالإكاف

الجزء: 6 - الصفحة: 154

ضمن، وبالعكس لا يضمن إلا أن يكون أثقل، وقس على هذه الصور أخواتها.
ولو استأجرَ دابة ليحمل مقداراً سمَّيَاه، فكان المحْمُول أكثر نُظِرَ؛ إن كانت الزيادةُ بقَدْر ما يقع من التفاوُتِ بيْن الكَيْلَيْن في ذلك المبلغ، فلا عبرة بها، فإن كانتْ أكثر، كما إذا كان المشْرُوط عَشَرة أصعٍ، وكان المحمولُ أحدَ عَشَرَ، فللمسألة أحوال: الحالة الأولَى: إذا كان المكتري الطَّعام، وحمله بنفسه، فعليه أجرةُ المثْل لما زاد، هذا هو المشْهُور، وفي كتاب القاضي ابن كجٍّ أن القاضِيَ أبا حامد حَكَى قولاً: أنَّهُ يأخُذ أجرة المثل للكلِّ وقولاً: أنه يتخيَّر بيْن المسمَّى، وما دخل الدابَّة من نقْصٍ وبيْن أن يأخذ أجرة المِثْل، وإن كان أبو الحسيْن حَكَى قولاً أنَّهُ بالخيار بيْن المسمَّى وأجرة المثْل للزيادة، وبين أجرة المثل للكلِّ، وإن تلِفَت البهيمة بالحَمْل، فإن انفرد المكْتَرِي باليد، ولم يكن معها صاحِبُهَا، فعَليْه ضمانها باليد العادية؛ لأنه صار يحمل الزيادَة غاصباً، وإنْ كان معها صاحبُها ضمِن بالجناية، وفي القدْرِ المضْمُونِ قولان، ويُقَالُ: وجهان: أحدهما: النصْفُ؛ لأن التلَفَ تولَّد من جائزٍ، وغيْر جائز، فانقسم الضَّمان عليهما، كما لو جرح نفسه جِراحات، وجرَحه غيره جراحةً واحدةً، أو جَرَحَه واحدٌ جراحات، وآخَرُ [جراحة واحدةً] 168 يجب نِصْفُ الدِّية عَلَى صاحب الجراحة الواحدة.
والثَّاني: أن قيمة البَهيمة توزَّع على الأصْل والزيادة، فيضمن بقسط الزيادة؛ لأن التوزيع على المَحْمُول، ميَسر بخلاف الجراحاتِ، فإنَّ نكاياتها لا تنْضَبِط، ولا معنى لرعاية مجرَّد العدو.
قال الأئمة: وهذا الخلافُ مبنى على القولَيْن فيما إذا زاد الجلاَّد في الحدِّ واحداً علَى المائة أو الثمانين 169 أنَّه يضمن نصْف الدية، أو جزءاً بحسابه، ويشبه أن يكونَ التَّوْزيعُ أقْرَبَ، فقد رَجَحَة الإمامُ وغيْرُه، لكن في سلْسلَةِ الشَّيخ أبي محمَّد أنه التنصيف أصحُّ في المسألتَيْن.
وفي شَرْح "المختصر" للشيْخ هذا حكايةُ قوْلٍ ثالث: أنَّهُ يضمن جميع القيمة كما لو انفرد باليَد، وهذا قد نسبه القاضي ابنُ كج إلَى رواية أبي الحُسَيْن عن بعض الأصحاب، وأبدى من عند نفْسِه احْتمالاً فيما إذا انفرد باليد؛ أنَّه لا يضْمَن الكلَّ، والمعتمد ما تقدَّم.
ولو هلكت البهيمةُ بسَبَبٍ غيْرِ الحَمْل، ضمن عند انفرداه ياليَد؛ لأنَّه ضامِنٌ باليد،

الجزء: 6 - الصفحة: 155

ولم يضْمَنْ عند عدم الانفرادُ؛ لأنَّهُ ضامِنٌ الخيانة، وإن لم يحمل المكتري الطعام بنفسه، ولكنَّه بعْدَ ما كَالَ سلَّمة إلى المكرى حتَّى حمَلَه على البهيمة، نُظِر؛ إن كان المكْرِى جَاهِلاً بالحالِ؛ بأن لُبِّسَ عليه، وقال: إنَّه عشَرةٌ كاذباً؛ ففيه طريقان: أحدهما: أنه على القولَيْن في تعارُض المباشَرَة والغرور.
وإن اعتبرت المباشرة، فالحكْمُ عَلَى ما سنذكره في الحالة الثانية إن شاء الله تعالى وإن اعتبرنا التغرير، فكَمَا لوْ حمله المكْتَرِى بنَفْسِه.
وثانيهما: القَطْعُ بأنَّه، كما لو حمله بنَفْسِه؛ لأنَّ إعداد المحمول وشدَّ الأعدال وتسليمها إلَيْه بعْد عقْد الإجارة كالإلجاء إلى الحَمْل شَرْعاً، فكان كشهادة شُهُود القصاص، وسواءٌ ثبت الخلاف أم لا، فالظاهر وُجوب الضمانِ، وبه أجابَ صاحبُ الكِتَاب، وإنْ كان المكْرِي عالماً بالزِّيادة، نُظِرَ، إن لم يقل المكتري شيْئاً، لكن حمله المكْرِي، فالحكمُ كما سنذكره في الحالة الثانية؛ لأنه حمْلٌ بغير إذن صاحبه، ولا فرْقَ بين أن يضعه المكتري علَى الأَرْض، فيحمله المكْري على البهيمة، وبيْنَ أن يضَعَه على ظَهْر الدابَّة، وهي واقفة، فيسيرها المكري، وإنْ قال المكْتَرِي: احْمِلْ هذه الزيادةَ، فأجابه.
قال في "التتمة": هو مستعيرٌ للدابة في الزيادةَ، فلا أجرة لها، وإذا تلِفَتِ البهيمةُ بالحَمْل، فعليه الضمان؛ لأنَّ ضمانَ العارية لا تجِبُ باليد، وإنما تجب بالارْتفاق، والانتفاع، فزيادةُ الارتفاق بالمالك لا يوجِبُ سقوط الضَّمَان، وفي كلامِ الأئمَّة ما ينازع ما ذكره في الأجْرَة والضمان جميعاً.
الحالة الثانية: إذا كان المكْرَي وحمل على البهيمة، فلا أجرة له لِمَا زاد، سواءٌ كان غالِطاً أو عامداً، وسواءٌ كان المكتَرِي جاهلاً بالزِّيادة، أو عالماً بالزيادة، وسكت؛ لأنه لم يأذَنْ في نقل الزيادة، ولا يجبُ عَليْه ضمانُ البهيمة، وله مطالبة المكري بردِّها إلى الموضع المنقول منه، وليس للمكري أن يردَّها بدون رضا المكتري، ولو لم يعلم المكتري حتى عاد إلى البلد المنقول منه، فله أن يطالب بردِّها وأصح القولين أو الوجهين أن له المطالبةَ ببَدَلِها في الحال، كما لو أَبق العبد المغصوب من يد الغاصب.
والثَّاني: لا يطالب ببَدَلِها في الحال لأن عَيْنَ ماله باقٍ وردُّها 170 مقدور علَيْه.
وإذا قلنا بالأول وغرم البَدَل، فإذا رَدَّها إلَى ذلك البلد 171، استردَّ البدل، ورد ماله إليه، ولو كَالَ المكْرِي وتولَّى المكتري النَّقْل والحَمْل على البهيمة.

الجزء: 6 - الصفحة: 156

قال في "التتمة": إنْ كان عالماً بالزيادة، فهو كما لو كَالَ بنفسه، وحَمَل؛ لأنه لما عَلِم الزيادَة، كان من حقِّه ألاَّ يحملها، وإن كان جاهلاً، فعلى وجهين: أحدهما: [آخذاً بما إذا] 172 قدَّم الطعام المغْصوب إلى المالِك، فأكَلَه جاهلاً هَلْ يبْرَأُ عن الضَّمان؟ الحالة الثالثة: إذا كال أجنبيُّ وحمل بلا إذْن، فعلَيْه أجرةُ الزيادة للمكري، وعليه الردُّ إلى الموضع المنقولِ منْه، إن طالبه المكْتَري، وضمان البهيمة عَلَى ما ذكرنا في حقِّ المكْتَرِي وإن تولَّى الحمْلَ بعد كَيْلِ الأجنبيِّ أحد المتعاقدَيْن، فينظر أهو جاهل، أمْ عالمٌ؟ ويقاسُ بما ذكرنا، هذا كلُّه فيما إذا اتَّفَقَا علَى الزيادة، وعلَى أنَّها للمُكْتَرِي.
أما إذا اختلَفَا في أصْل الزيادة، أو في قدرها، فالقول قول المنْكر، وإن ادَّعى المكْرِي أنَّ الزيادة له، والدابَّة في يده، فالقول قولُه، وإنْ لم يدَّعهَا واحدٌ منْهما، تُرِكتْ في يده؛ حتى يظهر لها مستحِقٌّ، ولا يلزمُ المكْتَرِيَ كراهاً، ولو وُجِدَ المحمولُ دون المشروط، نُظِر؛ إن كان النُّقْصَانُ بِقَدْر ما يقع من التفاوُتِ بيْن الكيلَيْن، فلا عِبْرَةَ به، وإنْ كان أكثر من ذلك، قال في "التتمة": إنْ قال المكْرِي، حُطَّ من الأجرةِ بقِسْطه، إن لم يعلم المكْتَرِي، وإن علمه، فإن كانت الإجارةُ في الذمَّة، فكذلك؛ لأَنه لم يفِ بالمَشْروط، وإن كانتِ الإجارةُ عيناً فالحكم كما لو قال المكتري بنَفْسه ونقص، فلا يُحَطُّ شيءٌ من الأجرة؛ لأن التمكين في استيفاء المنْفَعَة قد حَصلَ، وذلك كافٍ في تقرر الأجْرة.
ولو اكترى اثنانِ دابَّةً وركِبَاها,.
فارتدَفَهما ثالثٌ بغيْر إذنهما، فهلكتِ الدابَّة ففيما يجبُ على المُرْتَدِفِ ثلاثةُ أوجه: أحدها: النصفُ؛ لحُصُول الهلاك مِنْ جائزٍ وغيرِ جَائز.
والثاني: أنَّ القيمَة تُقَسطَ عَلَى أوزانهم، فيجب على المرتَدِف ما يخصُّه.
والثالث: أنَّهُ يلزمه الثُّلثُ توْزِيعاً على رُؤوسهم، فإنَّ الرجالَ لا يوزَنُون في العادة 173. قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ سَلَّمَ ثَوْباً إِلَى خَيَّاطٍ فَخَاطَهُ قِبَاءً فَقَالَ: مَا أَذِنْتُ لَكَ إِلاَّ فِي القَمِيصِ، فَإذَا تَنَازَعَا (م) تَحَالفَا إِذْ يَدَّعِي المَالِكُ خِيَانَتَهُ فَإذَا حَلَفَ أَنَّهُ مَأْذُونٌ سَقَطَ الأَرْشُ، ويَدَّعِي الخَيَّاطُ إِذْنَ المَالِكِ وَالأُجْرَةَ فَإِذَا حَلَفَ أنَّهُ لَمْ يَأذَنْ سَقَطَتِ الأُجْرَةُ، وَفِيهِ

الجزء: 6 - الصفحة: 157

قَوْلٌ أَنْ الأُجْرَةَ تَسْقُطُ عِنْدَ التَّحَالُف وَلَكِنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ فَكَانَ أَثَرُ التَّحَالُفِ فِي رَفْعِ العَقْدِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: القَوْلُ قَوْلُ الخَيَّاطِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: القَوْلُ قَوْلُ المَالِكِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَضَيَ اللهُ عَنْهُ: قَوْلُ أَبِي حَنِيْفَةَ أَشْبَهُ، وَكِلاَهُمَا مَدْخُولاَنِ، وَقِيلَ: إِنَّهُمَا قَوْلاَنِ لِلشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذَا دفَع ثوباً إلَى خيَّاط، ليقطعه، ويخيطه، فخَاطَه قباءً 174 ثم اختلفا، فقال الخيَّاط: هكذا أمَرْتَنِي، وقال المالك: بلْ أَمرَتُكَ أن تقْطَعَه قميصاً، فحكايةُ الشافعيِّ رضي الله عنه في اختلافِ العراقِيِّين عن ابن أبي ليلَى أن القوْلَ قَوْلُ الخيَّاطِ.
وعن أبي حنيفة رضي الله عنه أنَّ القوْل قولُ المالِكِ، روى المُزَنِيُّ في الجامِعَيْن "المختصر"، و"الكبير" أنه ذكر.
بعد حكايته قولَيْهما؛ أنَّ قول أبي حنيفة أشبهُ بالحقِّ، وكلاهما مدخولٌ، وحَكَى في "الجامع "الكبير" عنه أنهما يتحالفان، وبه أجاب في "الإملاء" فيما إذا اسودَّ الصبَّاغُ ثوبه، وقال: هكذا أمَرْتَنِي، وقال المالك: أمرتُكَ بصبغة أحْمَرَ، واختلف الأَصْحَابُ على ثلاثة طرقٍ: أحدها: إثباتُ ثلاثةِ أَقْوَالٍ في المَسْأَلة: أحدها وبه قال مالكٌ وأحمدُ: أن القوْلَ قول الخيَّاط؛ لأنهما اتَّفَقَا على الإذْنِ في القَطْع، والظاهرُ أنَّه لا يتجاوَزُ المأذُون، ولأنَّ المالك يدَّعي عليه الغرم، والأصْلُ عدمه.
والثاني: وبه قال أبو حنيفَة واختاره المُزَنِيُّ: أن القول قولُ المالك؛ لأنهما لو اختلفا في أصْل الإذْن، كان القوْلُ قول المالِك، فكذلك، إذا اختلفا في صِفَتِهِ، وهذا كما لو قال: دفعْتُ هذا المالَ إليك وديعةً، فقال: بل رَهْناً أو هبةً، كان القولُ 175 قولَ المالِك، وأيضاً، فإن الخيَّاطَ معترفٌ بأنَّه أحْدَثَ نقْصاً في الثَّوْب، ويدعّي أنه مأذونٌ فيه، والأصلُ عدمه، وأيضاً فإنَّه يدعي أنَّهُ أتى بالعمل الذي استأجره عليْه، والمالِكُ ينكره، فأشْبَهَ ما إذا استأجره لِحَمْل متاع، فقال الأجيرُ: حمَلْتُ، وأنْكَرَ المالِكُ، فإنَّ القولَ قوْلُ المالك.
والثالث: أنَّهُمَا يتحالَفَانِ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منْهما مُدَّعٍ ومدَّعىً عليه، فالخيَّاط يدعي الإجْرة والمالكُ ينكرُها 176، والمالكُ يدَّعِي الأرْشَ، والخيَّاط ينكره، وهذه الطريقةُ معزبةٌ في "شرح الجويني" إلى القفال.

الجزء: 6 - الصفحة: 158

والثانية: أنه لَيْسَ في المسألة إلا قولان، واختلفوا في عيْنهما، فعن ابن سُريْج، وأبي إسحاق، وابن أبي هُرَيْرة، والقاضي أبي حامِدٍ وغيرهم؛ أنهما مذْهَبُ أبي حَنِيفةَ، وابن أبي لَيْلَى رحمه الله واحتج لأنهما قولاه؛ بأنه قال لأحدهما: هذا أشبهُ القولَيْن.
ومنهم منْ قال: هما تصديقُ المالِكِ والتحالفُ، وأما تصديقُ الخيَّاطِ، فإن الشافعيَّ رضي الله عنه أعرض عنه، حيث رجَّح القول الآخرَ، وربما أوَّلُوه، فقالوا: إنَّه يؤول إلى التحالف؛ لأنه إذا حَلَفَ الخيَّاط، خرج منْ ضمان الثَّوْب، فيحلف المالك؛ لنفي الأجرة، وهذا هو التحالُفُ.
والثالثة: أنه ليْسَ في المسألة إلا قولٌ واحدٌ، وهو التحالُف، وما عداه، فهُوَ حكاية مذهب الغَيْر، وقد دفعه 177 بقَوْله: وكلاهما مدْخُولٌ، وبهذا قال أبو عليٌّ الطَّبريُّ وصاحب "التقريب" والشيْخُ أبو حامد.
وفي "أمالي" أبي الفرج السَّرْخَسِيِّ عن ابن سُرَيْجٍ أنه، إن جرَى بينهما عقدٌ، فليس إلا التحالُفُ كسائر الاختلاف في كيفية المعاوضات، وإنْ لم يجز فالخيَّاط لا يدَّعي الأجْرَةَ، وإنَّما يدعي النِّزَاع في الأَرْش، ففيه قولان: مذهب أبي حنيفة، وابْن أبي لَيلى، فهذه خمسةُ طرُقٍ، وإلا تدون على أن المسألة على قولَيْن، وهما مذهب الإمامين: [مذهب] أبي حنيفة، وابن أبي ليلى رضي الله عنهما ثم على أن الأصحَّ مذهبُ أبي حنيفةَ، وربَّما شبهوا القَوليْن بالقولين فيما إذا زرع أرضَهُ، وقال: أعرتنيها، وقال المالِك: بل أكريتكها، ورجَّح صاحبُ الكتاب الطريقةَ القاطعةَ بالتحالُف وزيَّف غيرها.
التفريعُ: إن صدَّقنا الخيَّاط، فهذا حلَف، فلا أرش علَيْه، وهل له الأجْرةُ؟ فيه وجهان: أحدهما: وبه قال ابنُ أبي هُرَيْرة: نعَمْ؛ لأنَّه أثبت الإذْنَ بيمينه، ومن قال بهذا لا يسلِّم دعْوَى من يدَّعِي أن تصديق الخيَّاط يؤول إلى التحالف.
وأظهرهما، وبه قال أبو إسحاقَ وأبو عليٍّ الطَّبريُّ: لا؛ لأنَّه في الأجرة مدَّعٍ، فيكون القولُ قول المنكر، وفائدة يمينه دفْعُ الغُرْم عن نفْسِه.
فإن قلنا بالقول، الأول ففي الأجرة الواجِبَة قولان: أَحَدُهُمَا: الأجرةُ المُسَمَّاة؛ إتماماً لتصديقه.
وأظهرهما: أجرةُ المِثْل؛ لأنا لو صدَّقناه من كلِّ وجهٍ لم نأمَنْ أن يدَّعِيَ مالاً كثيراً كاذِباً.
وإن قلنَا لا أُجْرَة له بيمينه، فله أن يدَّعِيَ الأجرة على المالِكِ ويُحْلِفَه، فإن نَكل،

الجزء: 6 - الصفحة: 159

ففي تجديد اليمين علَيْه وجهان 178: أَحَدُهُمَا يجدِّد؛ لأن إثباتَ المَال بيمينِ المدَّعِي منْ غير نكولٍ بعيدٌ.
والثاني: وبه قال القاضي الحُسَيْنُ لا يجدد وكأن يمينه السابقة كانت موقوفةً على النكول لصَيْرُورَتِها حجَّةً ملزمةً للآجرة، وإن صدَّقْنا المالك، فإذا حلَف، فلا أجرةَ عليه، ويجبُ على الخيَّاط أرْشُ النقصان.
وحكى أبو الفرج السَّرْخَسِيُّ فيه وجهان، كما في وجوب الأُجْرَة، تفريعاً على القول الأول، والفَرْقُ على المشهور أن القطع موجب للضمان إلا أن يعارضه الإذن، وهُوَ غير موجب للأجْرَةِ إلاَّ إذا اقترنت بالإذن، ثم في الأرْش الواجِبِ وجْهَان: أَحَدُهُمَا: ما بيْن قيمته صحيحاً ومقْطُوعاً؛ لأنَّهُ أثبت بيمينه أنَّه لم يأذَنْ في القطع.
والثاني: ما بيْنَ قيمته مقْطُوعاً قيمصاً، ومقْطُوعاً قِبَاءً؛ لأن أصْلَ القطْع مأذونٌ فيه 179، وعلى هذا، فلو لم يكنْ بينهما تفاوتٌ، أو كان مقطُوعاً قِبَاءً أكثر قيمةً، فلا شيءَ عليه.
وذكر الشيخ أبو محمَّد؛ أنه الوجهَيْن ينبنيان على أصلَيْن: أحدهما: القْولاَنِ فيما إذا اكْتَرَى أرْضَاً ليزرعها حنْطةً، فزرَعَها ذُرَةً، ففي قولٍ: عليه أجرة المثل، ويعرض عنْ عقْد الإِجارة، فعلَى هذا يغرَّم هاهنا جميع النقص، ويعرض عن أصل الإذْنِ.
والثاني: يغرم تفاوت ما بيْن الزَّرْعَيْن، فههنا يغرم تفاوُتَ ما بين القطْعَيْن.
والثاني: الخلافُ في أنه الوكيلَ، إذا باع ماله بالغبن الفاحِشِ يغرَّمُ جميع قدر الغبن، أو يحط عنه ما يتغابَنُ الناس به؛ لأنه كالمأذُون فيه.
وإذا قلْنا: إنَّه يغرَّم تفاوت ما بيْن القطعَيْن، فهل يستحقُّ الأجرة للقَدْر الذي يصْلُح للقميص في القَطْع؟ فيه وجهان: عن ابن أبي هُرَيْرة: نعم، وبه أجاب صاحب "التهذيب"، وضعَّفه ابْنُ الصباغ؛ لأنَّهُ لم يقْطَعْهُ للقَمِيصِ 180، وإذا قلنَا يتحالَفَانِ، فإذا حلَفَا، فلا أجرةَ للخُياط، وفي وجوب أرْشِ النقْص للمالك قولان في "الإملاء" أنَّهُ يَجِبُ؛ لأنهما إذا

الجزء: 6 - الصفحة: 160

تحالَفَا فكأنهما لم يتعاقَدَا ولو لم يتعاقَدَا وقطعَ لزِمَه الأرْش، فكذلك هاهنا، والأصحُّ وهو رواية المزنيِّ في "الجامع الكبير" منْعُه؛ لأنه، على نفي العُدْوَان؛ ولو لم يحلف (1)، لكان لا يلزمه إلاَّ أرْشُ النقْص، فلا بد، وأن يكون ليمينه فائدةٌ.
ولو أراد الخيَّاط نزْعَ الخيط، لم يُمَكَّن منْه؛ حيث حَكْمنا له بالأجرة، سواءٌ كان الخيط للمالك، أو من عنْده؛ لأنَّه تابع للخياطة.
وحيثُ قلنا: إنَّهُ لا أجْرَةَ له، فله نزْعُ خيطه، كالصبغ، وحينئذ لو أراد المالكُ أن يشُدَّ بخيطه خيْطاً لِيُدْخِلَه في الدروز إذا خرج الأول، لم يمكَّن منْه إلا برضا الخيَّاط؛ لأنه تصرُّفٌ في ملكه.
بقي في المسألة شيْءٌ وهو كيفيَّة اليمين على اختلاف الأقوال.
قال في "الشامل": إن صدَّقنا الخيَّاط، حلف بالله؛ ما أذنت لي في قطعِهِ قميصاً، ولقد أذنت لي في قطْعه قِبَاءَ، وإن صدَّقنا المالك، قال: يكفي عنْدي أن يَحْلِف؛ ما أَذِنْتُ لي في قطْعه قِبَاءً، ولا حاجة إلى التعرُّض للْقَمِيص؛ لأنَّ وجوبَ الغُرْم وسقوط الأجرة كلاهما يلزم من نفي الإذْن في القِبَاء.
وإن فرَّعنا عَلَى قول التحالُفِ، جمع كُلُّ واحدٍ منهما في يمينه بين النَّفْيِ والإثبات، كما سبق في البيع، قال القاضِي ابْنُ كَجٍّ: والكلام في أنَّ البراءة بمن؟ على ما سبق هناك، والمالك هاهنا في رُتْبَة البائع (2). واعْلَمْ أنَّ اختلافَ المتعاقدَيْنِ في الأجرة أو في المدة، أو في قدْرِ المنْفَعَة بأَنْ قال المُكْرِي: أكْرَيْتُكَهَا إلَى خَمْسَةِ فراسِخَ، فقال: بل إلَى عشرَة أو في قدر المستأْجِرِ؛ بأن قال: أَكْرَيتُكَ هذَا البَيْتَ من هذه الدَّار، فقال: بلْ جميع الدار يوجِبَ التحالُفَ، كما في البيع، وإذا تحالَفَا، فُسِخَ العقْد، وعلى المستأجر أجرةُ المِثْلِ؛ لما استوفاه.

فرع

: قال للخيَّاط: إنْ كان يكْفي هذا الثوب لقميصي، فاقطعه، فقَطَعه، فلم يكْفِهِ، ضمن الأرش؛ لأن الإذن مشروطٌ بما لم يوجد، ولو قَالَ: هلْ يكْفِي لقميصي، فقال: نَعَمْ فقَالَ: اقْطَعْه، فقَطَعه، فلم يكْفِهِ، لم يضمن؛ لأنَّ الإذْنُ مُطْلَق.181182

الجزء: 6 - الصفحة: 161

قَالَ الغَزَالِي

ُّ: البَّابُ الثَّالِثُ فِي الطَّوَارِيءِ المُوْجِبَةِ للْفَسْخِ

وَهِيَ ثَلاثةُ أَقْسَامٍ: الأَوَّلُ: مَا يَنْقُصُ المَنْفَعَةَ نُقْصَاناً تَتَفَاوَتُ بِهِ الأُجْرَةُ فَهُوَ عَيْبٌ مُوجِبٌ لِلْفَسْخِ قَبْلَ قَبْضِ الدَّارِ وَبَعْدَهُ إِلاَّ إِذَا بَادَرَ المُكْرِي إلَى الإِصْلاِحِ إنْ قَبِلَ الإِصْلاَحِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: قد بان في أول الكتاب أنَّ غرَضَ البَاب الكلامُ فيما يقتضي فسْخَ الإجارة، أو انفساخَها، وإنما يثبت الفَسْخ، أو الانفساخُ؛ لخَللٍ يعْرضُ في المعْقُود علَيْه، والخلل إمَّا أن يوجِبَ نقصان المنْفعَة، أو فواتَهَا بالكلِّيَّة، وعلى التَّقْدِير الثاني، فالفواتُ، إما أن يكون حِسِّيّاً، أو شَرْعيّاً، فهذه ثلاثة أقسام: أحدها: ما ينقصُ المنفعَةَ، ومهما ظَهَر بالمستأجر نقصانٌ تتفاوت به الأجرة، فهو عيب مثبت للفَسْخِ، وذلك كمَرضِ العَبْد والدابَّة، وانقطاعِ ماء البئْر وتغيُّره؛ بحيثُ يمنع الشُّرْب، وانكسارِ دعائِمِ الدَّار، واعْوِجَاجِها، وانهدام بعْضِ جُدْرانِها, لكن لو بادَرَ المكْرِي إلى الإصْلاَحَ، وكان قابلاً للإصْلاحَ في الحال، سقَطَ خيارُ المكْتَرِي كما مَرَّ، ولا فرْقَ بيْن أن يكون لاَحِقاً حاصلاً في يد المسْتَأْجِر؛ لأنَّ المنافع في الزمان المستَقْبَل غَيْرُ مقبوضَةٍ، وإنْ كانتِ الدَّارُ مقبوضةً، فيكونُ العَيْب قد نما بالإضافة إلَيْهَا، وقياسُ هذا ألاَّ يتسلَّط على التصرُّف في المنافع المستقبلة، إلا أنَّهُ سلّط عليه للحاجة، ثم العيْبُ، إن ظهر قبل مضي مدةٍ لها أجرة، فإن شاء، فسخ، ولا شيْء عليه، وإن شاء أجاز تجميع الأجْرَة، وإن ظهر في أثناء المدة، فالوجْهُ مَا ذَكره صَاحِبُ "التتمة" وهو أنَّه، إن أراد أن يفسخ في جميع المدَّة، فهو كما لو اشتَرى عبدَيْن فَتَلِفَ أحدُهُما، ثم وَجَد بالباقي 183 عيباً، وأراد الفَسْخَ فيهما، وإن أراد الفَسْخ فيما بَقِيَ منَ المُدَّة فهو كما لو أراد الفَسْخَ في العبد الباقي وحده، وحكْمُها مذكورٌ في البيع، والجمهور أطلقوا القَوْل بأنَّ له الفَسْخَ، ولم يتعرَّضوا لهذا التفْصِيل، ومهما امتنع الفَسْخ، فله أخذ الأَرْش، فيُنْظر إلى أجرةٌ مثْلِهِ سليماً، وإلَى أجرة مثله مَعِيباً، وُيعرْفَ قدْرُ التفاوُت بينهما، وهذا كلُّه إجارة العَيْنِ أمَّا إذا كانَتِ الإجارةُ في الذمَّة, فوجد بالدابَّة المسلَّمة عيباً، لم يكن له فسخُ العقْد لكن يردَّها ويؤمَرُ المُكْرِي بالإبْدال والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ ظَهَرَ لِلْعَاقِدِ عُذْرٌ، بِأَنْ تَخَلَّفَ عَنِ السَّفَر وَقَدِ اسْتَأجَرَ الدَّابَّةَ أَوْ تَغَيَّرَ حِرْفته وَقَدِ اسْتَأجَرَ الحَانُوتَ أَوْ مَرِضَ لَمْ يَكُنْ لَهُ (ح) الفَسْخُ بِهَذِهِ الأَعْذَارِ لِأنَّهُ لاَ خَلَلَ في المَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلَوِ اكْتَرَى أَرْضًا لِلزِّرَاعَةِ فَفَسَدَ الزَّرْعُ بجَائِحَةٍ فَلاَ يُحَطُّ شَيْءٌ مِنَ الأُجْرَةِ، وَلَوْ فَسَدَ الأَرْضُ بِجَائِحَةٍ ثَبَتَ الرَّدُّ، فَمَهْمَا أَجَازَ أَجَازَ بِجَمِيعِ (و) الأُجْرَةِ كَمَا

الجزء: 6 - الصفحة: 162

فِي البَيعِ، وَإنْ فَسَخَ رَجَعَ إِلَى أُجْرَةِ البَاقِيَ واسْتَقَرَّ مَا اسْتَوْفَاهُ علَى الأَصَحِّ (و)، وَيُوَزَّعُ المُسُمَّى عَلَى المُدَّتَيْن بِاعْتِبَارِ القِيمَةِ لاَ باَعْتِبَارِ المُدَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه ثَلاَثُ مَسَائِلَ: إحْدَاها: الإجارةُ لا تُفْسَخ بالأعْذَار، سواءٌ كانت إجارة عيْن، أو في الذمَّة، وذلك كما إذا استأْجر دابَّةً لِلسَّفَر عليها، فمرض أو حانوتاً لحرفة فندم، أو هلكت آلاتُ تلك الحرْفة، أو حماماً فتعذَّر عليه الوَقُود، وبهذا قَالَ مَالِكُ وأحمد، وقال أبو حنيفة رضي الله عنهم يَثْبُت الفَسْخُ بهذه الأعذار وَنَحْوِها، وسلَّم أنَّه لو ظهر للمُكْرِي عذْرٌ كما لو مَرِض وعَجَزَ عن الخُرُوج مع الدوَابِّ التي آجرها، أو أكرى داره، وأهلُهُ مسافرون، فعادوا، أو لم يكنْ متأهِّلاً، فتأهَّلَ؛ أنَّه لا يثبت الفسخ، فيقاسَ عليه ما سلم، وأيضاً، فإنَّ الإجارة عَقْدٌ لا يفسخ بغَيْر عذْر، فلا يفسخ بعذْر من غير المعْقُود عَليْه؛ كالبيع 184. الثانية: إذا اكترى أرضاً للزِّراعة، فزَرَعها، فهلك الزَّرْع لجائِحةٍ مِنْ سيل، أو جَرَادٍ، أو شدَّة حَرٍّ، أو برْدٍ، أو كثرةِ مطَرٍ، لم يكن له الفسْخُ، ولا حطُّ شيْءٍ من الأجرة؛ لأن الجائحة لحِقَت مال المكْتَرِي لا منفَعَةَ الأرْض، فأشْبَه ما لو اكترى دُكَّاناً، لبَيْع البَزِّ، فاحترق بزُّه، لا تنفسخ الإجارة في الدُّكَّان.
ولو فسَدَتِ الأرضُ بجائحةٍ، أَبْطلَتْ قوَّةَ الإنبات في مدَّة الإجارة، قال في الكتاب: "يثبُتُ الردُّ" ومفهومه أنه عيْبٌ موجِبٌ للخيار، لكنَّ هذا الفساد مفوِّت للمنفعة بالكلِّية، فليكنْ كفوات الأرْضِ بغَرَقٍ، أو رمْلٍ، وسنذكُرُه في الفصْل الذي يلي هذا الفصْلَ، وقد بيَّن ذلك في "الوسيط" فقال: ينفسخُ العقْدُ في المدَّة الباقية، ثمَّ إنْ كان فسادُ الأرْض بعْد فساد الزَّرْع، فعين الإمام فيه احتَمَالاَن قال في "الوسيط" الظَّاهر أنَّه لا يستردُّ شَيْئاً؛ لأنَّه بقيتْ صلاحيَّةُ الأرض وقُوَّتها, لم يكنْ للمستأجر فيها فائدةٌ بعْد فوات الزرع.
والثّاني: يسترد؛ لأنَّ بقاء الأرض 185 عَلَى صنفتها مطلوبٌ، فهذا خرجَتْ عن أن

الجزء: 6 - الصفحة: 163

يكون منتَفَعاً بها، وجَبَ أنْ يثبُتَ الانْفِسَاخ، وبهذا قطَع بعْض أصحاب الإمام، وإن كان فساد الزَّرْع بعد فساد الأرْض، فأظهر الاحتمالَيْن بالاتفاق الاستردَادُ؛ لأن أوَّل الزراعة غَيْرُ مقصود، ولم يسلم الأخير.
وأمَّا المسألةُ الثالثةُ: وهي أنَّا إذا أثبَتْنَا الخيارَ، فيم يخيَّر إن أجاز وما الذي يستقر، إن فسخ؟ فنؤخِّرُها إلى الفصْل بعد هذا.
وقوله في الكتاب "وقد استأجر دكاناً أو حانوتاً" الوجه طرح أحد اللَّفْظَيْن 186، فإنَّ الدُّكَّان هو الحانوتُ قال في "الصِّحَاح" الدُّكَّانُ واحد الدَّكَاكِينَ، وهي الحوانيت.
قَالَ الغَزَالِيُّ: الثَّاني فَوَاتُ المَنْفَعَةِ بالكُلِّيَّةِ كَمَوْتِ الدَّابَّةِ وَالأَجِيرِ المُعَيَّنِ، وَانْهِدَامُ الدَّارِ مُوجبٌ لِلْفَسْخِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَنَصَّ أَنَّ انْقَطَاعَ شُرْبِ الأَرْضِ غَيْرُ مُوجِبٍ لُلْخِيَارِ لِأَنَّهَا بقَيَتْ أَرْضاً وَالدَّارُ لَمْ تَبقَ دَاراً، وَقَدْ قِيلَ فِبهِمَا قَوْلاَنِ بِالنَّقْل وَالتَّخْرِيج وَهُوَ الأَظْهَرُ، وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ المُتَعَاقِدَبنِ لَمْ يَنْفَسِخَ (حَ) العَقْدُ، وَلَوْ مَاتَ الصَّبيُّ المُتَعَلِّمُ أَوِ المُرْتَضِعُ أَوْ تَلِفَ الثَّوْبُ المَخِيْطُ فَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ تَلَفِ العَاقِدِ وَالدَّابَّةِ المُعَيَّنَةِ فَفِيه خِلاَفِ (و) أَنَّهُ هَلْ يَنْفَسِخُ بِهِ أَمْ يُبْدَلُ بِغَيْرِهِ؟ وَإذَا غَصَبَ الدَّار المُسْتَأجَرَةَ حَتَّى مَضَتَ المُدَّةُ انْفَسُخَتْ، وَفِيهِ قَوْلٌ أَنَّ لِلْمُسْتَأجِرِ الخِيَارَ، فَإِنْ شَاءَ طَالَبَ الغَاصِبَ بِأَجْرَةِ المِثْل، وَلَوْ أَقَرَّ المُكْرِيِ لِلْغَاصِب بالِرَّقَبَة قُبِل إِقْرَارُهُ في الرَّقَبَةِ، وَهَلْ يَفُوتُ حَقُّ المَنْفَعَةَ تَبَعاً علَى المُسْتَأْجِرِ؟ فِبهِ خِلاَفٌ (و)، وَالأَقْيَسُ: (و) أَنَّ لِلمُسْتَأْجِرِ أَيضْاً مُخَاصَمَةَ الغَاصِبِ لِأَجَلْ حَقِّهِ في المَنْفَعَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: نورد مسائلَ الفَصْل والتي يَسْلُكُ معها على ما يوجيه الشَّرْح، ولا نراعي ترتيب الكِتَاب، فنقول: القسْمُ الثانِي: فوات المنفعة بالكلِّيَّة حِسّاً: فَمِنْ صُوَرِهِ مَوْتُ الدابَّة، والأجيرِ المعيَّن، وذلك إنْ كان قبل القبض، انفسَخَ العقْدُ، وكذا، إن كان عَقِبَ القَبْض قَبْلَ مضيِّ مدةٍ لمثلها أجرةٌ، إن كان في خلالِ المدَّة، انفسخ العقدُ في الباقي، وفي الماضي يجيء الطريقان فيما إذا اشترَى عبديْن، وقبضَ أحدَهُمَا، وتلف الثَّاني قبْل القبض، هل ينفسخ البيع في المقبوض.
فإن قلْنا: ينفسخ في الماضي، سقَط المسمَّى، ووجب أُجْرَةُ المِثْل لما مضَى,.
وإن قلْنا: لا ينفسِخُ فيه، فهل له خياز الفَسْخ؟ فيه وجهان:

الجزء: 6 - الصفحة: 164

أصحُّهما، عند الإمام وصاحبِ "التهذيب": لا؛ لأن مَنَافِعَهُ قد صارَتْ مستوفاةً مستهلكة.
والثاني: وبه أجاب ابنُ الصبَّاغ وآخرون: نعم؛ لأن جميع المعْقُود علَيْه لم يُسلَّم له.
فإنْ قلْنا: له الفسْخُ، وفسخ، فالرجوع إلَى أُجْرة المثل.
وإنْ قلنا: لا، فسخ له، أو أجاز، وجَبَ قَسْطُ ما مضَى من المسمى، والتوزيعُ عَلَى قيمة المنفعة، وهِيَ أجرةُ المِثْل، لا عَلَى نفْس الزَّمان، وأجْرَةُ المثل تختلف، فربما تزيد أجرةُ شهرٍ على أجرةِ شهرَيْن؛ لكثرة الرغَبَات في ذلك الشَّهْر، فلو كان مدَّة الإجارة سنةً وقد مضَتْ منها ستةُ أَشْهُرِ، لكنَّ أجرة المثل فيها ضِعْفُ أجرة المثل في السنة الباقيَة، وجَبَ في المسمَّى ثُلْثَاه، وإن كان بالعكْسِ، فثلُثُه، وتفاوُتُ الأجرة في المدتَيْن كتفاوُت القيمة في العبْدَيْن، إذا قُبِض أحدهما، وتلف الآخرُ عنْد البائع، وإذا أثبَتْنَا الخيار بسبب عيْب، وانفسخ العقْدُ في المستقبل بفسخه، ففي انفساخه في الماضي الطريقان، فإنْ لم ينْفَسِخْ، فسبيل التوزيع ما بيَّنَّاه، وإنْ أجازه، فعليه الأجرةُ المسمَّاة بتمامها، كما لو رَضِيَ بعَيْبِ المبيع، يلزمه جميع 187 الثمن، وهذا ما ذكره صاحب الكتاب في الفَصْل السَّابق أنَّه مَهما أجاز، أجازَ بجميع الأُجْرة إلى آخره.
وأراد بقَوْله: "رجَع إلى أجرة الباقي" الأجرة المسماة.
وقوله: "واستقر ما [استوفاه] 188 على الأصح" يعن الأصح من القولين، وعلى القول الثاني، لا يستقر شيْءٌ من المسمَّى، لتعدِّي الانفساخ إلى الماضي، ولا فَرْق بين أن يحْصُل التلَفُ بآفة سماويةٍ، أو بفعل المكْتَرِي، بل لو قتل العبْد والدابَّة المعيَّنة، كان حكم الانفساخ والأجرةِ عَلَى ما ذكرناه، ويلزمه قيمةُ ما أتْلَف.
وعن ابن أبي هُرَيْرة؛ أنه يستقرُّ عليه الأجرة المسمَّاة بالإتلاف، كما يستقر الثمن علَى المُشْتَري بالاتْلاَف، والمذْهَب الأول؛ لأن البَيْع ورد على العيْنِ، فهذا أتلفها، جُعِل قابضاً، والأجارةُ وردتْ على المنافع 189 ومنافع الزمان المستقبل معدومةٌ، لا يُتصوَّر

الجزء: 6 - الصفحة: 165

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = مورد عقد الإجارة هذا والخلاف في هذه المسألة لا ثمرة له؛ لأن الفقهاء جميعاً يقررون أن عقد الإجارة لا ينقل ملك الحين المؤجرة، بل مقتضاه تمليك منفعتها للمستأجر مدة تعود بعدها إلى ملك رَبِّهَا.
وللمنفعة التي هي ركن من أركان عقد الإجارة شروط لا بد من توفرها؛ ليصح العقد عليها، وتكاد تكون المذاهب متفقة في هذه الشروط من جهة المعنى، وإن اختلفت في العبارة تارة، وفي التفاصيل تارة أخرى ولذا رأينا أن نسلك في الحديث عنها مسلك المالكية، وإذا كان هناك خلاف مهم في بعض التفاصيل عرضنا له مع الموازن والترجيح، ومجمل هذه الشروط ستة، عليها.
الأول: أن تكون المنفعة معلومة علماً يمنع من التنازع من المسلم به أن المنافع أموراً إضافية، لا تستقل بالوجود، حتى تمكن مشاهدتها، فهي لا توجد إلا تبعاً لمضافاتها، فمعرفتها تكون بمعرفة محلها، وقدرها وصفتها، وفي ذلك تفاصيل متشعبة في كتب المذاهب يحسن أن نلم بطرف مهم منها فيما بعد.
علم أن عقود المعاوضة، ومنها الإجارة مبنية على رضا المتعاقدين على ما قبلا التعاقد عليه، ولا يمكن أن يتوجه التراضي حقيقة إلا إلى المعلوم، وبهذا تظهر الحاجة إلى هذا الشرط، وقد استنبطه الفقهاء من عمومات الكتاب والسنة.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.
فقد جعل الله كل الأموال دون تراض من الجانبين أكلاً بالباطل، ومن ثمَّ وجب التراضي، والتراضي لا يمكن أن يتوجه إلا إلى معلوم.
وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "نهى عَنِ اسْتِئجَارِ الأِجِيرِ حَتَّى بَيْنَ لَهُ أَجْرُهُ".
فإن بدل بعبارته على أن العلم بالأجر شرط في صحة الإجارة نصحوا على اشتراط العلم بالمنفعة؛ لأنها المقصودة بالذات.
وللعلم بالمنفعة طرق مختلفة باختلاف ما تتعلق به.
وإليك أمثلة من ذلك.
لو استؤجر معلم للتعليم، فلا بد من تعيين المتعلم بالإشارة، أو بال العهدية، أو وصفه، فإن لم يعين أو يوصف فسدت الإجارة، ومثله استئجار المرضعة، فلا بد فيه من تعيين الرضيع أو وصفه، ولو بذكر السن لاختلاف حاله بكثرة الرضاع، وقلته.
لو استؤجرت دار للسكنى مثلاً، أو حانوت لنحو التجارة فلا بد من تعيينيهما، أو وصفهما بذكر الموضع والحدود، ونحر ذلك مما تختلف باختلافه الأجرة إذ لا يصح أن يكون العقار المستأجر في الذمة.
لو استؤجر جدار للبناه عليه وجب وصف البناء بأن يذكر طول ما يبنى وعرضه، وكونه من حَجَرٍ أو لبن، أو غير ذلك، بخلاف كراء الأرض للبناء عليها، فلا يشترط فيه ذلك؛ لأنه لا يتعلق به غرض، بل يكفي المساحة.
لو اكتريت دابة ونحرها لركوب أو غيره، فإن لم تكن في الذمة، فلا بد من تعيينها بالإشارة =

الجزء: 6 - الصفحة: 166

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الحسية، أو بأل العهدية، ولا يكفي الوصف، وإن كانت في الذمة بأن لم تقصد عينها وجب تعيين نوعها كإبل أو بغال، وصفتها كعراب، وبخت وذكورة، أو أنوثة، ويغني عن ذكر النوع وما بعده، وصفها كدابتك البيضاء، أو السوداء، لكن إن عينت بالإشارة، أو بالعهد انفسخت الإجارة بتلفها، إلا لم تنفسخ، وعلى ربها بدلها.
وعلم من هذا أن لو قال دابتك البيضاء مثلاً فهي من قبيل ما في الذمة، وإن لم يكن للمكري غيرها، فلا تنفسخ الإجارة تبلفها لاحتمال إبدالها.
يجوز في الإجارة على عمل من حرفة كالخياطة والبناء أو غيرها، كالحصاد، والدراس أن بقين بالزمن كيوم، أو جمعة، أو شهر، وأن تعين بمحل العمل دون الزمن ككتاب كتاب علم، أو بناء حائط، أو قنطرة، أو حفر بئر، أو خياطة ثوب إذا وُصِفَتْ هذه الأمور وَصْفاً رافعاً للنزاع، فهذا عينت بالزمن استحق العامل الأجرة على تسيمه نفسه في ذلك الزمن، وإن قل عليه، أو لم يتهيأ له عمل، وإذا عينته بمحل العمل استحق الأجرة على العمل طال الزمن أو قصر، فإن جمع الزمن والعمل، كان قال إنسان لآخر: خط هذا الثوب في هذا اليوم بكذا ففي ذلك تفصيل حاصله.
أنه إن كان الزمن مساوياً للعمل بأن كان يسعه لا يزيد، ولا ينقص، فهو فاسد اتِّفَاقاً عند المالكية، فيما حكاه ابن رشد.
وحكى ابن عبد السلام: أن أحد مشهورين، والآخر عدم الفساد، وإن كان الزمن أقل من العمل، فهو فاسد إتفاقاً عندهم، وإن كان الزمن أوسع من العمل جاز اتفاقاً على ما حكاه ابن عبد السلام، وفسد على المشهور على ما حكاه ابن رشد.
وطريقة ابن عبد السلام أظهر في النظر على ما قال الدردير في "الشرح الكبير".
وعلة الفساد فيما لو نقص الزمن عدم إمكان التسليم، وأما إذا ساوى أو زاد، فالعلة احتمال وجود طارئ يطرأ على الأجير يمنعه عن إتمام العمل في هذا الزمن فيؤدي ذلك إلى النزاع.
والشافعية أيضاً يمنعون تقدير المنفعة بالزمن، ومحل العمل مقاماً لم يكن ذكر الزمن بقصد التعجيل.
ولهم فيما لو زاد الزمن على العمل وجهان.
أحدهما: نص عليه البويطي وهو الصحة, لأن عروض عائق عن الإكمال في الزمان المتسع خلاف الأصل، فلا ينظر إليه.
وثانيهما: عدم الصحة، وهو الذي اعتمدوه.
والحنفية مختلفون أيضاً في الجمع بين الزمن والعمل.
فأبو حنيفة يقول فيه بفساد الإجارة، وأبو يوسف ومحمد يقولان: بجوازها.
وجه قول الصاحبين أن المعقود عليه هو العمل؛ لأن هو المقصود، والعمل معلوم، فأما ذكر المدة، فهو للتعجيل، فلم تكن المدة معقوداً عليها، فإن فرغ من العمل قبل تمام المدة فله كمال الأجر، وإلا فعليه أن يتمه بعد المدة، وله أجر مثله على ألا يزيد على ما شرطه.
ووجه قول أبي حنيفة: أن المقصود عليه مجهول؛ لأن ذكر أَمْرَ إنِ كل واحد منهما يجوز أن يكون معقوداً عليه، وهما العمل والمدة.
=

الجزء: 6 - الصفحة: 167

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .190191192 = أما العمل فظاهر، وأمَّا المدة؛ فلأن لو استأجره يوماً للخبز من غير بيان قدر ما يخبز جاز؛ لأن المعقود عليه المنفعة، وهي مقدرة بالوقت، ولا يمكن الجمع بينهما في كون كل واحد منهما معقوداً عليه؛ لأن حكمهما مختلف إذا العقد على المدة يقتضي وجوب الأجر من غير عمل؛ لأنه يكون أجيراً خالصاً، والعقد على العمل يقتضي وجوب الأجر بالعمل؛ لأنه يصير أجراً مشتركاً، فكان المعقود عليه أحدهما، وليس أحدهما بأولى من الآخر فكان مجهولاً، وجهالة المعقود عليه توجب فساد العقد، والخلاف بين أبي حنيفة، وصاحبيه إنما هو فيما لو قال استأجرتك لتخيط هذا الثوب اليوم، أو استأجرتك هذا اليوم لتخيط هذا الثوب.
وأما لو دفع إلى خياط ثوباً لتعطيه ويخيطه قميصاً على أن يفرغ منه في يومه هذا فالإجارة جائزة بين أبي حنيفة وصاحبيه، ثم إن وفي بالشرط أخذ المسمى، وإن لم يَفِ به فله أجر مثله على ألا يزيد على ما شرطه؛ لأنه لم يجعل الوقت معقوداً عليه، وإنما جعله بياناً لصفة العمل، فلا تأتي فيه علة المنع التي قال بها أبو حنيفة في المثالين السابقين.
والحنابلة مختلفون أيضاً والراجح عندهم أن لا يجوز الجمع بين المدة والعمل ورُوي عن أحمد الجواز كقول أبي يوسف ومحمد، وخلاصة هذا الخلاف كله ثلاثة أقوال:

الجزء: 6 - الصفحة: 168

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = وجهوا ما ذهبوا إليه بأنه لا خلاف في وجوب العلم بالمنفعة، وهي أمر إضافي إن أمكن انضباطه في الأعمال بالمدة تارة، وبمحل العمل تارة أخرى لم يمكن انضباطه في غير الأعمال إلا ببيان المدة، وترك البيان يقضي إلى النزاع والغرر، فقد يرغب أحد العاقدين في مدة طويلة، والآخر في مدة قصيرة.
وإذا قلتا بتقدير المدة فإن طولها وقصرها يتركان لحرية المتعاقدين حسبما يريانه محققاً لمصلحتيهما على ألاَّ تهلك فيها العين المؤجرة غالباً إلى هذا ذهب الجمهور، خلافاً للمالكية والظاهرية.
أما الظاهرية، فإنهم يشترطون في المدة أن تكون مما يمكن بقاء المؤجر والمستأجر، والشيء المستأجر إليها، فإن لم يمكن بقاء أحدهم إليها لَمْ يجز العقد، وكان مفسوخاً.
وحجتهم على ذلك: أن العقد على مدة لا يعيش إليها المتعاقدان باطل؛ لأنه لو كان صحيحاً، لكان عقداً منهما لغيرهما وقد تعاقدا لأنفسهما، فلا يصح، ومثله العقد على مدة لا تبقى إليها العين المستأجرة فهو باطلٌ؛ لأن عقد على معدوم لا يوجد.
ويناقش ما استدل به الظاهرية بأنا لا تسلم أن العقد على مدة لا يعين إليها المتعاقدان يعتبر عقداً أنهما لغيرهما.
فَإنْ عقد الإجارة ما هو إلا عقد معاوضة يفيد تمليك المنافع في مقابلة الأجرة، فالمنافع المعقود عليها كلها تملك للمستأجر والأجرة المقابلة لها كلها تملك للمؤجر، فإذا مات أحدهما ملك ورثته عنه ما كان يملكه من منفعة، أو أجرة، فالورثة لا شأن لهم بالعقد أصلاً، وإنما ورثوا آثار العقد من منفعة وأجرة، كما يرثون أثر البيع من ثمن أو منحه إذا بقي بيد المورث، حتى مات عنه، وبهذا تسقط حجة الظاهرية في إبطال التقدير بمدة لا يعين إليها المتعاقدان، وأما إبطالهم التقدير بمدة لا تبقى إليها العين المستأجرة فمسلم.
والجمهور يقولون به.
وَأَمَّا المالكية، فإنهم يفصلون في المدة بالنسبة للأعيان المؤجرة، فَيُحَدِّدُونَهَا في الأرض الزراعية المأمونة الري بخمسين عاماً، وإذا لم تكن مأمونة، فإلي هذه المدة أيضاً بشرط عدم قبض الكراء، وبالنسبة للعبد بخمْسَةَ عَشْرَ عَاماً، وبالنسبة لدور السكنى بثلاثين عاماً وبالنسبة لدواب الركوب بسنة، إلا أن تكون في سفر فشهر، وهذا في الدابة التي يكون فيها قبض الأجرة، وأما مع عدم القبض، فيجوز لأكثر من سنة، وقد فرقوا بين الدابة والعبد من جهة طول المدة وقصرها بأن العبد إذا حصلت له مشقة يخبر عن حال نفسه، والدابة ليست كذلك.
ولم أَرْ من استدلَّ على هذا التحديد، وغاية ما يستدل به عليه أن الأرض وإن لم تفن في الخمسين عاماً إلا أن قد تتغير فيها الأسعار، فالإجارة لأكثر منها تحتوي على الضرر، وأما الدار فإن يخش انهدامها لو استؤجرت لأكثر من تلك المدة، وكذا يقال في بقية التقادير عندهم.
ولا يخفى ضعف هذه الحجج، وعدم دلالتها على هذه التقادير المعينة المحددة، فالمانع من إطالة المدة إما الجهالة، وإما خوف هلاك أحد العاقدين، وإما خوف هلاك العين.
أما الجهالة فلا وجود لها, لأن الغرض أن العاقدين قدرا مدة معينة، وأما خوف هلاك أحد =

الجزء: 6 - الصفحة: 169

ورودُ الإتْلاف علَيْها، وعلَى هذا؛ فلو عَيَّب المكتري الدار، أو جرح العبد، كان كما لو تعيَّب بآفة سماويةٍ في ثُبُوت الخيار.
قال الإمام: وقد يختلج في الصَّدرْ خلافُة، لتضمُّن التَّعَيُّب الرِّضَا بالعيب.
ومنْها: انهدامُ الدار، والنصُّ أنه يقتضي الانفساخَ، ونصَّ فيما إذا اكتَرى أرضاً للزِّراعة، ولها ماءٌ معتادٌ، فانقطع أَنَّ له فسْخَ العقْد، واْختلفوا في النَّصَّيْن، فمنهم منْ نقَل وخَرَّج، وجعل المسأَلَتَيْنِ على قولَيْن: أحدُهُما: انفساخُ الإجارة؛ لفَوَات المقصود، وهو السكْنَى ههنا، والزراعة هناك، فكان كموت العبد.
والثاني: المنع؛ لأن الأرْضَ باقيةُ والانتفاغ ممكنٌ من وجْهٍ آخر، ولكن يثبت به الخيارُ.
ومنهم من قرر النصَّيْن، وفَرَق بأنَّ الدار لم تبعدَ داراً، والأرض بَقِيَتْ أَرْضاً، وأيضاً، فربما تُمْكِنُ الزراعةُ بالأمطار، وأشار بعضُهم إلى القَطْع بعدم الانفساخ، وحمل ما ذَكَره في الانهدام عَلَى ما إذا صارَتِ الدار تلاَّ غَيْرَ منتفع به بوجهٍ ما، وطريقةُ النَّقْل والتَّخريج أظهرُ عند الأصحاب، لكن الأظهر من القولَيْن في الانهدام الانْفِسَاخ، وفي انقطاع الماء ثُبُوت الخيارِ كما نصَّ عليه، وإنما يثبت الخيارُ، إِذا امتنعتِ الزراعة.
فأما إِذا قال المُكْرِي: أنا أسوقُ الماء إليها في موضَعٍ آخر، يسقط الخيار، كما لو بادر إلَى إصلاح الدار، فإن قلْنا: بالانفساخ، فالحكمُ على ما ذكرنا في مَوْتِ العبد، = العاقدين، فلا أثر له؛ لأنه لا ينفسخ العقد بمرت أحدهما عندهم وفاقاً للجمهور، فلم يبق إلا خوف هلاك العين، وهو لا يتقدر بالخمسين أو الثلاثين والخمسة عشر وغيرها، إذ الأرض قد تبقى مئات السنين، والدار قد تبقى أكثر من الثلاثين بكثير، وكذا العبد قد يعين أكثر من الخمسة عشر، والذي يظهر أن هذا التقدير إنما هو تقريب لا تحديد، والمراد استئجار العين إلى مدة تبقى فيها غالباً، كما يقول الجمهور.
وقد وجه الجمهور ما ذهبوا إليه من عدم تحديد المدة إلا بما تبقى فيه العين المستأجرة غالباً، بأن عقد الإجارة لازم لا ينفسخ بموت العاقدين أو أحدهما مع سلامة العين المؤجرة، وقد أعطاهما العقد حسن الانتفاع بما صار إليهما، فالمؤجر بالأجرة، والمستأجر بالعين، وما ثبت لهما من الحقوق يورث عنهما، فلا مانع من إطالة المدة، ولو لم يعن المتعاقدان إليها ما دامت العين تبقى فيها غالباً.
فإن قيل: إن الحنفية يقولون بانفساخ الإجارة بموت أحد العاقدين فكان عليهم أن يقولوا بما قال به الظاهرية عن التحديد بمدة يعين إليها العاقدان.
قلنا: لعلهم يلاحظون أن التقييد بالمدة يجعل العقد كأن عُقُودٌ ثمرة متعددة بتعدد المدة، فطرقها لا يؤثر، إذ غايته أن تبطل في المدة الزائدة، فلو أجر داراً مائة سَنَةٍ، فالإجارة صحيحة في المدة التي يعيشان إليها، فهذا مات أحدهما انفسخت، فلا داعي لإبطالها ابتداء.

الجزء: 6 - الصفحة: 170

وإن قلْنا بعدم الانْفِسَاخ، فله الفسْخ في المدة الباقية، وفي الماضية الوجْهَان، فإنْ منعناه، فعَلَيْه قسْطُ ما مضى من المسمَّى وإن أجاز، لزمه المسمى، كلُّه؛ وقيل: يحط للانهدام وانقطاع المَاءِ ما يخصه.
ومنها: إذا غصب العَبْدُ المستأجرُ، أو أَبق، أو نَدَّتِ الدابة، فإنْ كانتِ الإجارة في الذمَّة، فعلى المكْري الإبدالُ، فإن امتنع، استُؤْجر عليه، وإن كانتْ إجارةَ عَبيْدٍ، أو غصبتِ الدَّارُ المستأْجِرة، فللمكْتَرِي الخيار 193، فإنْ كان ذلك في أثناء المدَّة، فإنِ اختار الفسْخ فسخ في الباقي، وفي الماضِي ما مضى من الخلاف، وإنْ لم يفسخ، وكان قد استأْجر مدَّةً معلومةً فانقضت، فيبني على الخلاف فيما إذا أتلف أجنبيٌّ المبيعَ قبْل القبض، فيفسخ البيع أم لا؟ إن قلنا: ينفسخ، فكذلك الإجارةُ، ويستردُّ الأجرة، وإن قلْنا: لا ينفسخ، فكذلك الإجارة ويتخيَّر بين أن يفْسَخَ ويستردَّ الأجرة، وبيْن أن يجيز ويطالب الغاصب بأُجْرة المثل، والذي نصَّ عليه الشافعيُّ رضي الله عنه وأجاب به الأصحاب انفساخُ الإجَارة، وإن كان البناءُ المذكورُ يقتضي ترْجيحَ عَدَمِ الانفساخ وعلى هذا، فلو عاد إلى يده، وقد بَقِيَ بعْضُ المدة، فللمكْتَرِي أن ينتفع به في الباقي وتسقط حصَّة المدة الباقية، إلاَّ إذا قلْنا: إنَّ الانفساخ في بعْض المدَّة يوجِبُ الانفساخ في الباقي، فلَيْسَ له الانتفاع في بقيَّة المدَّة، وإن كان قَدِ استأجره لِعَملِ معلوم، فله أنه يستعملَهُ فيه متى حصلَتِ القدْرَة علَيْه، وإذا بادر المُكْرِي إلَى الانتزاع من الغاصب، ولم يتعطَّل منفعةٌ على المكتري، سقط خيارُه، كما سبق في إصْلاحِ الدَّار، ثم ذكر في غصب المستأجر صورتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: لو أَقر المكْترِي بما أكراه للغاصِبِ مِنَ المستأجر، أو لإنْسانٍ آخر، ففي قَبُول إقرارِهِ في الرقَبَة قولان، يُوَجَّه أحدهما؛ بأنه قولٌ يناقض العقد السابق، فلا يُلْتَفَتُ إلَيْه، كما لو أقرَّ بما باعه لغَيْر المُشْتَرِي، والآخر بأنَّه مالك في الظاهر غير مُتَّهم في الإقرار، ويخالف إقرار البائع؛ لأنَّه يصادف ملك الغير، وقد يبنى الخلاف على أن المكْرِي، هل له بيعُ المستأجر؟ إن قلْنا: نعم، صحَّ إقراره، وإلا، فهو علَى الخلاَفِ في إقرار الرَّاهن، وإذا قلْنا: يُقْبَلُ إقراره، ففي بطلان حقِّ المستأجر من المنفعة أوْجُه: أظهرُها: أنه لا يَبْطُل؛ لأنه بالإجارة أَثْبَت له الحق في المنفعة، فلا يُمَكَّن من رفعه كما، أن البائع لا يتمكَّن من رفْع ما أثبته بالبَيْع.

الجزء: 6 - الصفحة: 171

والثاني: يَبْطُل؛ تبعاً للرقَبَة كالعَبْد إذا أقرَّ على نفسه بالقَصَاص، يُقْبَل وَيبْطُلُ حَقُّ السيد تبعاً.
والثالث: إنْ كَانَ المَالُ في يَدِ المستأجر 194، فلا يزالُ يدُهُ إلى انقضاء مدَّة الإجارة، وإن كان في يَدِ المُقَرِّ له، فلا ينتزع من يده.
وإذا قلْنا: يَبْطُل حقُّ المكتري في المنفعة، فهلْ له تحليف المكْرِي؟ فيه الخلافُ المذكورُ في أن المرتهن، هل يُحَلِّفُ الراهن، إذا أقرَّ بالمرهون، وقبِلْناه؟ والأظهرُ من الخلاف في المسألة أنَّه يقبل إقراره في الرَقبةُ، ولا يَقْبَل في المنْفَعَة، ويُحْكَى هذا عن أبي بكرٍ الفارسيِّ، لكن الذي رواه عن النَّصِّ في "عيون المسائل" له أن الإقرار جائزٌ، والكراء باطلٌ.
الثانية: للمكْرِي مخاصمةُ من غَصَب العَيْن المكراةَ أو سرَقَها بحقٌ الملك، وهل للمكْتَرِي مخاصمَتُه؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم؛ لأنَّهُ يستحِقُّ المنفعة، فيطالبه ليستوفِيَ المنفعة.
وأظهرهما، وَيُحْكَى عن نصِّ الشافعيِّ رضي الله عنه لا؛ لأنه ليْسَ بمالِك، ولا نائبٍ عن مالك فأشبه المودع والمُسْتعير، والوجْهان جاريان في أنَّ المرتهن، هل يخاصم؛ لأن له حقَّاً في المرْهُون؟ ورأى الإمامُ وطائفةٌ الوَجْه الأول أقْرَبَ إلى القِياسِ، وعلَى ذلك؛ جرى صَاحِبُ الكتاب.
وقال: "والأقيس أن للمستأجر أيضاً مخاصمة الغاصِبِ" وقد يوجَّه بأن من ادَّعَى مِلْكاً، وقال اشترَيْتَهُ من فلان وكان مالكاً له إلَى أن اشتريتُهُ تُسْمَعُ بينته عَلَى ذلك، فكما سُمِعَتِ البينةُ على تملُّك البائع؛ لتوسُّله بها إلَى إثبات المِلْك لنفسه، وجب أن يكون الحُكْمُ في المنفعة كذلك.
ومنْها الثوبُ المعيَّن للخياطة، إذا تَلِفَ، هل ينفسخ العقد؟ فيه خلاف قدْ مرَّ ذكره.
والأصحُّ عند الإمام وجماعةٍ: أنه لا ينفسخ؛ لأنَّ المعقود عليه العمل، فلا فرْقَ بين أن يوقعه في ذلك المعيَّن، أو في مثله.
وعند العراقيين والشيخ أبي عَلِيٍّ: أنه يَنْفسخ؛ لتعلُّقه بذلك المعين فيه، أجاب ابْنُه الحداد فيما إذا اكترى منه دوَابَّ في الذمَّة؛ لحمل خمسة أعْبُدٍ معيَّنين، فمات اثنانِ، وحمل ثلاثة، فقال: له ثلاثةُ أخماسِ الكراء، ويسقط خمساه، والفرض فيما إذا تساوت أوزانهم، وبوافقه نصُّ الشافعيِّ -رضي الله عنه- فيما لو نَكَحها على خياطةَ ثَوْبٍ بعينه، فهَلَكَ قبْل أن يَخِيطَهُ؛ حيث قال: لها مَهْرُ المثل، ثم بيَّن الشَّيْخُ مَوْضِعَ الخلاف؛ فقال:

الجزء: 6 - الصفحة: 172

الخلاف فيما إذا لزم ذمَّته خياطةُ ثوبٍ بعينه، أو حمل عبْداً وقناعاً بعَيْنه، فإنَّ العقْدَ، وإن كان في الذِّمَّة، فهو متعلِّق بعينِ دلك الثَّوْب أو المتاع.
أما إذا استأجر دابَّةً بعينها مدة؛ لركوب، أو حمْل متاعٍ، فلا خلاف في جوازِ إبْدالِ الراكب والمتاع، وفي أن العَقْدَ لا ينفسخ بهلاكهما وَفَرَق بأن العقْدَ، والحالةُ هذه، تناول المدة؛ ألا تَرَى أنَّهُ لو سَلَّم الدابَّة، فلم يركْب، تستقِرُّ الأجرة، وفيما إذا استأجر؛ لخياطةِ الثَّوب المعيَّن العقْدُ يتناول العمل، ولهذا لو سلَّم نفْسه مدةً يُمْكِنُ فيها الخياطة، ولكنْ لمْ يَخطْ له لم تستقرَّ هكذا ذكره الشَّيْخُ، وفيه نزاعٌ ستعرفه من بعْدُ إن شاء الله تعالى.
فإن حكمنا بأنَّ الإجارة لا تَنْفَسِخ، فإن أتى المُسْتَأْجِر بثَوبْ مثله، فذاك، وإن لم يأْتِ إما لعجْزٍ، أو امتنع عنْ قدرةٍ، حتى مضت مدةٌ تسع لتوفيته 195 فتستقرُّ الأجرة، أو لا تستقرُّ؟ فيه وجهان 196، نقلهما الإمام: إنْ قلْنا: تستقرُّ، فللمستأجر فَسْخُ العَقْدِ؛ لأنَّه، ربَّما لا يَجدُ ثوباً آخرَ أو لا يريد قَطْعَهُ.
وفيه وجهٌ آخر: أنه ليسَ له فَسْخُ العقْد، فيخرَّج من هذا وجه أن المستأجر مخيَّر، إن شاء أبدل الثوب التالف، وإن شاء فسخ، وإليه، أشار صَاحِبُ الكتَاب في "الوسيط" حيْث قال بَعْد ذكر الخلاف في الانفساخ: و"فيه وجهٌ ثالِثٌ؛ وهو أنَّهما إن لم يتشاحا في الإبدال استمر العقد، ولا يثبت الفسخ.
وموت الصبيِّ المعيَّن للتعليم كتَلَفِ الثَّوْب المعيَّن للخياطة، وكذا الصبيُّ المعيَّنُ للارْضاع، إن لم يكُنْ وَلَد المرْضِعة، وإنْ كان وَلَدَهَا، فالخلاف فيه مرتَّبٌ، وأولَى بالانفساخ؛ لأنَّ دُرُورَ اللَّبَن على الولد فوق دُرُوره على الأجنبيِّ؛ لزيادة الشفقة على الوَلَد، فلا يُمْكِن إقامة غيرُه مُقَامه.
ولو بدأ له في قَطْع الثوب المعيَّن، وهو باقٍ، قال الإمام: المتَّجه أنَّهُ لا يجبُ عليه الإتيانُ به؛ لأنه قد نتج له غرض في الامتناع، لكن تستقرُّ عليه الأَجرة، إذا سلم الأجير نَفْسه، ومضَى مدَّة إمكان العمل، إن قلنا: استقرارُ الأجرة بتَسْلِيم الأجير نَفْسِه، ولَيْسَ للأجير فسْخُ الإجارة.
وإن قلنا: لا تستقرُّ، فله فَسْخُ الإجارة، وليْسَ للمستأجِر الفَسْخُ بحال؛ فإنَّ الإجارة عندنا لا تُفْسَخ بالأعذار، ولا يلتحقَ 197 بالأسْبَاب المذكورةِ في الفصْل موت

الجزء: 6 - الصفحة: 173

المتعاقدَيْن، فلا تنفسخ الإجارةُ بمَوْت المستأجِرِ، ولا مَوْتِ المؤَجِّر، وبه قال مَالِكٌ وَأَحْمَدُ رحمهما الله بل إن مات المستأْجر، قام وارثه مَقَامَهُ في استيفاءِ المَنْفَعة، وإن مات المؤَجِّر، نزل المال عند المستأْجِر إلى انتهاء مدَّة الإجارة، فإن كانَتِ الإجارةُ واردةً على الذمة، فما التزمه دَيْنٌ عليه، فإن كان في التركة وفَاءٌ، استُؤْجِرَ منها لِتَوْفِيَته، وإلاَّ، فالوارث بالخيار، إن شاء وفَّاه، واستحق الآجرة، وإن أعرض فللمستأْجِرِ فسخ الإجارةَ 198. وقال أبو حنيفةَ: ينفسخ العقد بموت كلِّ واحدٍ منهما.
لنا: القياسُ على البَيْع، وعَلى ما إذا زوج أَمَتَه، ثم مات، وانفساخُ الإجارة بموت الأجير كان من جهة أنَّه مورد العَقْد لا من جِهَة أنَّه عاقِدٌ.
ولو أوصَى لزيْدٍ بمنفعةِ دَارِه مدة عُمْرِ زَيْدٍ، فقَبِلَ الوصيَّةَ، وأجَّرها مدة، ثم مات في خلالِ المدَّة، تنفسخ الإجارة؛ لانتهاء حقه الذي هو مورِدُ الإجارة بمَوْتِه.
ومما ينتظم في الفصل.
مسألةُ هَرَبِ الجَمَالِ: فإذا أكْرَى جمَّالاً، وهَرَب، فإمَّا أن يذْهَب بها، أو يتركُهَا عند المكْتَرِي، فَإذا ذهَب بها، نُظِر؛ إن كانتِ الإجارةُ في الذمَّة، اكترى الحاكمُ علَيْه من ماله، فإن لم يَجِدْ له مالاً، اكْتَرَى عليه مِنْ بيت المَالِ، أو من المكتري، أو غيره، واكترى عليه.
قال في "الشَّامل": ولا يجوز أن يكل أمر الاكتراء إلى المُكْتَرِي؛ لأنه يصير وكيلاً في حقِّ نفسه فإن تعذَّر الاكتراءُ علَيْه؛ فللمكتَرِي فسْخُ العقد، كما لو انقطع المُسَلَّم فيه عند المحلِّ، فإن فَسَخ، فالأجرة دَيْنٌ في ذمَّة الجَمَّال فإن لم يفْسَخ، فله مطالبةُ الجمال، إذا عاد بما التزمه، وإن كانت الإجارةُ إجارة عيْن، فللمكتري فَسْخُ العقْد، كما إذا نَدَّت الدابَّةُ، وإن تركها عنْد المُكْتَرِي، فإن تَبرَّع المكتري بالإِنْفاقِ عليها، فذاك، وإلا، راجع الحاكمَ؛ لينفق علَيْها، وعلَى من يقوم بتعهُّدها من مال المكري، إن وجده، وإلاَّ، استقرْ مَن علَيْه كما ذكرنا، ثم إنْ وثق بالمكتري، سلَّم إليه ما اقترضه.
لينفق عليها، إِلاَّ، دفَعَه إلى مَنْ يثق به، وإذَا لم يجد مالاً آخَر، باع منها بقدر الحاجة؛ لينفِقَ علَيْها من ثَمَنِه، ولا يُخَرَّج على الخلاف في بيع المستأجر؛ لأنه محل الضرورة، ويبقى في يد المستأجر إلى انتهاء المدَّة، ولو لم يستقرِضِ الحاكِمُ من المكتري، ولكنْ أَذِنَ له في الإنْفَاقِ ليرجع، ففيه قولان: أَظهَرُهُمَا: الجواز، كما لو استقرض منه ودفَغ إلَيْه.

الجزء: 6 - الصفحة: 174

والثاني: المَنْعُ، وُيُجْعَل متبرِّعاً؛ لأنا، لو جوَّزناه، لاحتجنا إلى قبول قوله فيما يدَّعيه لنَفْسِه، وهو بعيدٌ، وإذا قلْنا بالأول، نُبَالِ به، وجعلَنا القول قوله، إذا اختلَفَا في قدر ما أنفق.
وعن صاحِب "التقريب" وَجْهٌ آخر: إن القَوْلَ قولُ المكْرِي؛ لأن الأصْل براءةُ ذمَّتِه، ولو أنفق المكْتَرِي بغَيْر إذْن الحاكم مع إمْكَان مراجعته، لم يرجع، وإن لم يكن حاكمٌ، فعلى ما ذكرنا في عاملِ المُسَاقاة، إذا هرب, قال الإمام: ولو كان في الموضِعِ حاكمٌ، وعُسَر إثبات الواقعة عنْدَه، فكما لو لَمْ يكُنْ حاكمٌ، فإذا أثبتنا الرجُوعَ فيما إذَا أنفق من غَيْر مراجعَةِ الحاكم فلو اختلفا، فالقَوْل قولُ الجَمَّال؛ لأن اتِّفاق المكتري لم يستند إلى ائتمانٍ من جهَةِ الحاكم.
قال: وفيه احتمالٌ؛ لأن الشَّرْعَ سَلَّطَهُ علَيْه، فإذا انقَضَتْ مدَّةُ الإجارة، ولم يعد الجمَّال، باع الحاكم منها ما يَقْضِي بثمنه ما اقْتَرَضَ، ويحْفَظُ سائرها، فإن رأَى بيعها لئلا يأكل بنفسها فعل.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَمَهْمَا حَبَسَ المُكْتَرِي الدَّابَّةَ حَتَّى مَضَتِ المُدَّةُ اسْتَقَرَّتِ الأُجْرَةُ سَوَاءٌ قُدِّرَتِ المُدَّةُ أَمْ لاَ، عُيِّنَتِ الدَّابَّةُ أَمْ لاَ، فَإنْ حَبَسَ المكْرِي وَقَدِّرَتِ المُدَّةُ انْفَسَخَتْ، وَإِنْ لَمْ تُقَدَّرْ فَوَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: وفيه مسألتان: الأُولَى: إِذا اكترَى دابَّةً، أو داراً مدَّةً وقبَضَها، وأمسَكهَا، حتَّى مضَتِ المدَّة، انتهت الإجارةُ، واستقرَّتِ الأجرة، سواءٌ انتفع بها في المدَّة أم لا, وليْسَ له الانتفاعُ بعد المُدَّة، ولو فعَل، لَزِمَه أجرةُ المثْل مع المسمَّى، ولو ضبطت المنفعةُ بالعمل دون المدَّة، كما إذا استأجر دابَّةً ليركبها إلَى بَلَدٍ، أو ليحمل عليها إلَى موضِعٍ معلومٍ، وقبضها وأمسكها عنْده، حتى مضَتْ مدَّة يُمْكِن فيها المسيرُ إلَيْه، فكذلك تستقرُّ عليه الأجرة؛ خلافاً لأبي حنيفة رضي الله عنه.
لنا: إن المُكْرِي مكَّنه من الانتفاع بأقْصَى المقدور عَلَيْه، فتستقر له الأجرةُ، كما لو كان الضبْطُ بالمدة، ولا فَرْق بين أن يكون تخلُّف المكتري لعُذْرٍ، أو من غيْر عذْرٍ، حتى لو تخلَّف؛ لخوفٍ في الطريق، أو لعدَم وُجْدانِ الرُّفقة، استقرَّت الأجرةُ عليه، وإن كان معذوراً من جهة أنَّه لو خرَجَ، والحالَة هذه، كان متعدِّياً ضامناً للدِّيَة، وإنما استقرَّت الأجرةُ عليه؛ لأن عِوَضها وهي منافعُ المدةِ تَلِفَتْ عنده على أنه متمكِّنٌ من السَّفَر عليها إلى بلدٍ آخَرَ، ومِنِ استعْمالها في البلد تلْكَ المدة، وليس للمكْتَرِي فَسْخُ العقد بهذا السبب، ولا أنْ يُلْزِمَ المكْرِيَ استردادَ الدابَّة إلى أن يتيسَّر الخروج، هذا في

الجزء: 6 - الصفحة: 175

إجارة العَيْن.
فلو كانت الاجارةُ في الذِّمَّة، وسلم دابَّةً بالوصف المشروط، فمضَتِ المدةُ عند المكتري، استقرت الأجرة أيضاً؛ لتعيُّن حقه بالتَّسْليم وحصول التَّمكُّن.
وقوله [في الكتاب] "عينت الدابة أم لا" عبارة عن النوعين إجارةِ العَيْن، والإجارةِ في الذِّمَّة.
وقوله قبله: "قدرت المدَّةُ أم لا" إشارةٌ إلى الضبط بالمدة، والضبط بالمنفعة.
ولو كانتِ الاجارةُ فاسدةً، استقرَّ فيها أجرةُ المثْل بما يستقرُّ بها المسمَّى في الإجارة الصَّحِيحة، سواءٌ انتفع بها أو لم يَنْتَفِع، وسواءٌ كانتْ أجرةُ المثْلِ أقلَّ من المسمَّى، أو أكثر.
وقال أبو حنيفة: إن لم ينتفعْ، فلا شيْءَ عليه، فإن انتفع، فعلَيْه أقلُّ الأمرَيْن من المسمَّى، وأجرة المثل.
ولو أجَّر الحرُّ نفْسَه مدَّةً لعمل معلومٍ، وسلَّم نفْسَه، فلَمْ يستعملْهُ المستأْجِرُ حتى مضَتِ المدة، أو مضت مدةٌ يُمْكِنُ فيها ذلك العمل، ففي استقرار الأجْرَةِ خلافٌ ذكرناه في الغَصْب.
والظَّاهر الاستقرارُ، ويجري الخلافُ فيما إذا ألزم ذمة الحرِّ عملاً، فسلَّم نفْسَه مدَّةَ إمكانِ ذلك العَمَل، ولم يستعملْهُ، وسبَبُ الخلاف أن الحرَّ لا يدْخُلُ تحت اليد على ما قدَّمناه.
وأجرَى صاحبُ "التتمة" الخلافَ فيما التزم الحُرُّ عملاً في الذِّمَّة، وسلَّم عبده؛ ليستعمله، فلم يستعمْلُه، فوجهه بما يقْتَضِي إثْباتَ الخِلاَفِ في كل إجارة على الذمَّة، ثم إذا قلْنا بعدم الاستقرار، فللأجيرِ أن يرفع الأمْرَ إلى الحكم؛ ليجبرَه على الاستعمال.
المسألة الثانية: أكْرَى عيناً مدةً، ولم يسلِّمْها حتى انقضتِ المدَّةُ انفسخت الإجارة، لقوات المعقُودِ عليه، ولو أنه استوفَى منفعَة المدَّة، حكَىَ المتولِّي فيه طريقَيْن: أحدهما: أنَّهُ كما لو أتْلَفَ البائعُ المبيع قبل القَبْضِ.
والثاني: القطْعُ بالانفساخ؛ فَرْقاً بأن الواجبَ هناك بالإتْلافِ القيمةُ، وأنها قابلةٌ للبيع، فجاز أن يتعدَّى حكْمُ البيع إلَيْها، وههنا ما تقدَّر وجوبه أجرةُ المثل، وأنها لا تَقْبَل الإجارة، فلا يتعدَّى حكْمُ الإجَارة إليْها.
ولو أمْسَكَهَا بعْضَ المدة، ثم سلَّم، انفسخت الإجارةُ في المدَّة التي تلِفَتْ منافعها، وفي الباقي الخلافُ فيما إذا تلِفَ بعضُ المبيع قبل القبْض، فإن قلْنا: لا تنفسخ الإجارةُ فللمستأجر الخيارُ، ولا يبدل زمانُ بزمان، ولو لم تكنِ المدةُ مقدَّرة، واستأجرَ دابَّةً للركوب إلَى بلدٍ، ثم لم يسلِّمْها، حتى مضتْ مدةً يمكن فيها المضيُّ إليه، ففيه وجهان يختار الإمام منهما أن الإجارةَ تنفسخ،

الجزء: 6 - الصفحة: 176

ووجَّهه بأن المدة، وإنْ ذُكِرَت، فليستْ معينةٌ، وإنما المطلوب المنفعةُ فيها، فليكن الاعتبارُ بمضيِّ زمان إمكان الانتفاع، وبأن المكتري حبسها هذه المدَّةَ، استقرَّت عليه الأجْرَةُ، كما لو حبسها إلى آخر المدَّة إذا كانتْ مذكورة في الإجارة، فإذا سوَّيْنا بيْن نوعَي الإجارة في حقِّ المكتري، وَجَب أن نسوِّيَ بينهما في حقِّ المكري.
وأظهرهما، وبه أجاب الأكثرون: أنها لا تنْفَسِخ؛ لأنَّ هذه الإجارةَ متعلَّقة بالمنفعة دون الزمان، ولم يتعذَّرِ استيفاؤُها، ويخالفُ حبْس المكتري بأنا لو لم نقرِّر به الأجرَةَ لضاعَتِ المنفعةُ على المكْرِي، وعلَى هذا، ففي "الوسيط" أنَّ للمكتري الخيار؛ لتأخُّر حقه، وروايةُ الأصحاب تخالِفُ ما رواه؛ فإنَّهم قالُوا لا خيار للمكتري، كما لا خيارَ للمشْتَرِي، إذا امتنع البائعُ من تسليم المَبِيع مدَّةَ، ثم سلَّمة، ولو كانتِ الإجارةُ في الذِّمَّة، ولم يسلِّم ما يستوفِيِ المنفعةَ منْه حتى مضَتْ مدة يمكنُ فيها تحصيلُ تلك المنفعة، فلا فسْخ ولا انفساخَ بحالٍ، فإنَّه دَيْنٌ تأخَّر إبقاؤه.
قَالَ الغَزَاليُّ: الثَّالثُ مَا يَمْنَعُ آسْتِيفَاءَ المَنْفَعَةِ شَرْعاً يُوَجِبُ الْفَسْخَ كَمَا لَوْ سَكَنَ أَلَمُ السِّنِّ الُمسْتَأجَرِ عَلَى قَلْعِهِ، أَوْ عَفَا عَمَّنْ عَلَيهِ القِصَاصُ وَقَدِ اسْتُؤْجِرَ (و) لِقَطعِهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: القسمُ الثالِثُ فواتُ المنفعةَ شَرْعاً، وهو كالفوات الحِسِّ في اقتضاء الانفساخ؛ لأنَّ تعذُّر الاستيفاء يَشْمُلُهُما، فإذا استأجَرَ لقلْع سنٍّ وجعه أو قطْعِ يد متآكلة، أو لاستيفاءِ قصاصٍ في نفْسٍ، أو طَرَفٍ، فالظاهرُ صحَّةُ اَلإجارة، لكِنْ فيه شيئان: أحدهُما: كما قدَّمناه، فإذا قلْنا به، فلو زال الوجْع، وعفا عمَّن علَيْه القصاص، فقد أطْلَق الأكثرون القَولَ بانفساخ الإجارَةِ، لكنْ فيه شيئان: أحدُهُما: أنَّ المنفعةَ في هذه الإجَارَة مضْبوطةٌ بالعَمَل دون المدَّة، وهو غير مأْيُوسٍ منه لاحتمال عَوْدِ الوجع، فليكن زوالُ الوجع كغصب العين المستأجرة؛ حتى يثبُتَ خيار الفسْحِ دون الانفساخ، ولفظ الكتاب حيث قال: "يوجِبُ الفسخ" ظاهرُهُ يوافِقُ مالكاً إلاَّ أنه أراد الانفساخ، عَلَى ما صرَّح به في "الوسيط".
والثاني: أن الشَّيْخ أبا محمَّدْ حَكَى وجْهاً أنَّ الإجارة لا تنْفَسِخ، بلْ يستعمل الأجير في قلع وتدٍ، أو مسْمَارٍ، ويراعَى تداني العمَليْن، وهذا ضعيفٌ، والقوي ما قيل؛ أنَّ الحكْمَ باَلانفساخ جوابٌ على أن المستَوْفَى به لا يُبْدَل، فإنْ جوَّزناه، أجبر بقلع سنٍّ وجعةٍ لغيره.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ مَاتَ البَطْنُ الأَوَّلُ مِنْ أَرْبَابِ الوَقْفِ بَعْدَ الإِجَارَةِ وَقَبْلَ مُضِيِّ المُدَّةِ فَالأَقيَسُ (و) الانْفِسَاخِ لِأَنَّهُ تَنَاوَلَ مَا لاَ يَمْلِكُهُ، وَلَوْ آجَرَ الوَلِيُّ الصَّبِيَّ أَوْ دَابَّتَهُ مُدَّةَ تَجَاوِزُ البُلُوغَ لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ قَصُرَتْ فَبَلَغَ بِالاحْتِلاَمِ عَلَى قُرْبٍ، فالأَقْيَسُ أَنَّهُ لاَ يَنْفَسِخُ إِذْ

الجزء: 6 - الصفحة: 177

بُنِيَ العَقْدُ لَهُ عَلَى المَصْلَحَةِ، وَإِنْ أُعْتِقَ العَبْدُ المُكْري لَمْ تَنْفَسِخِ (و) الإِجَارَةُ، وَلاَ خِيَارَ (و) لِلْعَبْدِ، وَلاَ يَرْجِعُ بالأُجْرَةِ عَلَى السَّيِّدِ في أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ، وَنَفَقَتُهُ عَلَى بَيْتِ المَالِ في هَذِهِ المُدَّةِ، وَقِيلَ: إِنَّها عَلَى السَّيِّدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الفصْلُ يشتملُ على ثلاث مسائل: الأُولى: إِجارةُ الوَقْف يُفْرَضُ تارة من الموقُوف عليه، وأخْرَى من المتولِّي، وبيان الحالَتَيْن موكول إلى "كتاب الوقْف" فإِذا أجَّر البَطْنَ الأوَّلَ من الموقوف علَيْهم، ثم مات في أثناء المدَّة، فأحد الوجهَيْن: أن الَإجارة تبْقى بحالها؛ لأنَّها لازمةٌ، فلا تتأثَّر بموْتِ العائد، كما لو أجَّر ملكه.
وأصحُّهما: المَنْعُ؛ لأنَّ المنافع بعْد موته لغيره، ولا ولايةَ له علَيْه، ولا نيابةَ عَنْه، فلا يمكِنُه التصرُّف في حقِّه، وسواء الوجهان على أن البطن الثانِيَ يتلقَّى الاستحقاق من الأوَّل، أو من الواقِف، إن قلْنا بالأول، فالإجارةُ بحالها، كما لو أجَّر ملكه، ومات في المدة، وإنْ قلْنا بالثاني، فلا ثُمَّ عبارة المعْظَم في المسْأَلة "الانْفِسَاخُ وعدمه" فقالوا: في وجْه: ينْفَسِخ الإجارَةُ وفي وجه لا تَنْفَسخ، ولم يستَحْسِنْها الصَّيْدَلاَنِيُّ والإمام وطائفةٌ؛ لأن الانفساخ يُشْعِر بسَبْق الانعقاد، وردُّوا الخلاف إلَى أنَّا، هل نبيَّن البطْلاَنَ؛ لأنا تبَينَّا أنه تصرُّف فيما لم يَمْلِكْه؟ وإذا حكَمْنا ببقاءِ الإجَارة، فحِصَّة المدَّة الباقيةِ منَ الأجْرة تكونُ للبَطْنِ الثَّاني، فإنْ أتْلَفَها الأوَّلُ، فهيَ دَيْن في تركته، وليْسَ هذا كما إذا أجَّر ملكه، ومات في المدَّة؛ حيث تكونُ جميع الأجرة تركةً له تقضي منْها ديونَهُ، وتنفِّذُ وصاياه، وفَرَقُوا بأنَّ التَّصَرُّفَ هناك ورَدَ على خالِصِ حَقِّه، والباقي له بعْد الإجارة رقبةٌ مسلوبةٌ المنفعةِ في تلْك المدة، فينتقلُ إلى الوارث كذلك.
وإن قلنا: إنَّها لا تبقَى، فهل تبطلُ فيما مضى؟ قال ابْنُ الصَّبَّاغ: يُبْنَى على الخِلاَفِ في تفْريق الصَّفْقة، إن قلنا: لا نُفَرِّق، كان للبطْنِ الأول أجرةُ المثْل؛ لما مَضَى.
وأما إذا أجَّر الوقف المتولّي، فموته لا يؤثِّر في الإجارة؛ لأنَّه ناظرٌ للكل، ولا يختصُّ تصرُّفه ببَعْض الموقُوف علَيْهم.
وحكى القاضي الرُّويانيُّ وجهاً آخر أنهَا تَبْطُل، فهو كالخِلافِ فيما إذا أجَّر الولِيُّ الصَبىَّ، فبلغ في المدة بالاحتلام 199. المسألة الثالثة: للوليِّ إجارة الطفلِ ومالِهِ، أباً كان أو وصيّاً، أو قَيِّماً، إذا رأى المصلحةَ فيها، لكن لا تجاوِزُ مدةَ بلوغِهِ بالسِّنِّ، فلو أجَّره مدَّةً، فبلغ 200 في أثنائها؛ بأن

الجزء: 6 - الصفحة: 178

كان ابن تسعٍ، فأجَّره عشْرَ سِنينَ، فطريقان: قال الأكثرون: يبطُلُ فيما يزيدُ عَلى مدة البلوغ، وفيما لا يزيدُ قولاَ تَفْرِيقِ الصَّفقة، وقطَع بعْضُهم بالبُطْلان، كما إذا أَجَّر الراهِنُ المرْهُون مدَّة يحل الدين قبْل انقضائها، وهذا أصحُّ عند صاحب "التهذيب" 201 ويجوزُ أنْ يؤجِّر مدةً لا يبلغ فيها بالسِّنِّ، وإِن احتمل أنْ يبلغ بالاحتلام؛ لأن الأصلَ دوامُ الصبا، فلو اتفَقَ الاحتلام في أثنائها، فوجهان: أَظْهَرُهُمَا: ما ذكره الشَّيْخ أبو إسحاق الشِّيرَازِيُّ والقاضي الرُّوَيانِيُّ في "الحلية": أن الإجارة تبْقَى؛ لأنَّه كان وليّاً حين تصرَّفَ، وقد بني تصرُّفُه على المصلحة فيلزم.
والثاني: لا يَبْقى؛ لأنا تبيَّنا أنَّه زاد علَى مُدَّة ولايته، وهذا أصحُّ عند الإمام والمتولِّي 202، ثم التعبير عن محل الخلاف بالانفساخ، أو تبيَّن البطلان كما ذكرنا في حكم المسألة.
وإذا قلْنا: لا تبْقَى الإجَارَة، فيجيءْ فيما مضَى خلافُ تَفْرِيقِ الصَّفْقة.
فإن قلْنا: تبقى، فهل له خيارُ الفَسْخ، إذا بلغ؟ فيه وجهان: أَظْهَرْهُمَا: لا كما لو زوَّج ابنته، ثم بلغت، لا خيار لها.
والثاني، وبه قال أبو حنيفة رضي الله عنه: يَثْبُتُ؛ لأنَّ التصرُّف كان لمصلحته، وهو أعرف بمصلَحَتِه عنْد البُلُوغ، ويخالِف النِّكاح، فإنَّه معقودٌ للدوام.
ولو أجَّر الوليُّ مال المجنون، فأفاق في أثْنَاء المدَّة، فهو في معْنى البلوغ بالاحتلام.
المسالةُ الثَّالِثَةُ: إذا أكرى عَبْدًا، ثم أعتقه، نفذ؛ لأنَّ إعتاق المغصُوب والآبِقِ نافذ، فهذا أولَى، وهل تَنْفَسِخ الإجَازَةُ؟ الصحيحُ، وهو المذكور في الكتاب: أنهَا لا تنْفَسِخ 203؛ لأن الذي السَّيِّد أزال ملكه 204 عن المنافع مدَّةَ الإجارة قبْل العتق، فالإعتاق يتناولُ ما بَقِيَ ملكًا له، وأيْضاً فإنه أجَّر

الجزء: 6 - الصفحة: 179

ملكه ثم طرأ ما يُزِيلُ المُلْكَ، فأشْبَه ما إذا أجَّر، ثم مات.
وعن صاحب "التقْريب" وَجْةٌ آخَرُ.
إنَّهَا تنْفَسِخ كما إذا مات البطْنُ الأوَّل، وإذا قلْنا بالصحيح، فهل له الخيارُ، إذا أعتق؟ فيه وجهان: أَحَدُهُمَا: نعم، كما لو أُعْتِقَتِ الأمَةُ تحت الزَّوْج الرَّقيق.
وأَصَحُّهُمَا: لا؛ لأنَّه تصرَّف لنفسه في خالِصِ مِلْكه، فلا وجْهِ للاعتراض علَيْه، وهذا هو المذكورُ في الكتاب، وعلَى هذا، ففي رجُوعه على السَّيِّد بأُجْرةِ المِثْل للمدَّة الواقِعَة بعْد العتْق وجهان في رواية بعْضهم، وقولان في رواية آخرين: أَحَدُهُمَا: يرجع؛ لأن المنافع تُسْتَوْفَى منْه بسببٍ من جهة السَّيِّد قَهْرًا فصار كما لو أكْرَهَهُ على العمل.
وأصحّهما، وهو الجديد في روايةِ مَنْ جعَلَهُما قولَيْن: أنه لا يرجع؛ لأنَّه تصرَّف في منافعه حين كانَتْ مستحَقَّةً له بعَقْدٍ لازم، فصار كما لو زوَّج أمته، واستقَرَّ مَهْرُها بالدُّخُول، ثم أعْتَقَها لا يرجع بشيْءٍ، لما يستوفيه الزَّوْج بعد العتق، فإِن قلْنا: يرجع، فنفقتُهُ في تلْك المدَّة على نَفْسِه؛ لأنه مالِكٌ لمنفعته، وإذا قلْنا: لا يرجع، فوجهان: أحدهما: أنهَّا على السَّيِّد لإدامته الحَبْسَ عليه، ولأنَّه كالباقى علَى ملكه من حيثُ إنَّ منافعه له.
وأشْبَهُهما: أنَّها في بيْتِ المَالِ؛ لأنَّ السيِّد قد زال مِلْكُه عنه، وهو عاجزٌ علَى تعهُّد نفْسه 205. وإذا ظهر بالعبْد عيْبٌ بعد العتق، وفسخ المستأجر الإجارة، فالمنافِعُ للعتيق 206 إنْ قلنا برجوعه على السَّيِّد بأجرة المِثْل، وإلاَّ، فهو له أو للسَّيِّد؟ فيه وجهان 207. ولو أجَّر عبده، ومات، وأعتقه الوارثُ في المدة، ففي انفساخ الإجَارَةِ ما سبَقَ منه الخِلاَف، لكن إذا قلْنا بعدم الانفساخ، فلا خلافَ هاهنا في أنه لا يرجِعُ على المُعْتق ههنا بشيْء.
ولو أجر أم ولده ومات في المدة عَتَقَتْ وفي بُطْلاَن الإِجَارَةِ الخلافُ المذكُور فيما إذا أجَّر البطْنَ الأوَّل، ومات، وكذا الحكم في إجارة المعلَّق عتقُهُ بصفةِ 208.

الجزء: 6 - الصفحة: 180

قال في "التَّهذيب": وإنمَّا يجوز إجارته مدَّة لا تتحقَّق وجود الصفة فيها، فإن تحقَّقَ، فهو كإجارة الصبىِّ مدةٌ يتحقق بلوغُه فيها 209. وكتابة العَبْدِ المأذون جائزةٌ عند ابن القَطَّان، وغيرُ جائزةٍ عند القاضي ابْنِ كج 210؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه التصرُّف لنفسه، فإن جوَّزناه، عاد الخلافُ في الخيار، وفي الرجُوع على السَّيِّد 211. وقوله في الكتاب في المسألة الأُولى "فالأقيس الانفساخ"، وفي المسألة الثانية "فالأقيس أنه لا ينفسخ" وجه افتراقِهِما في القياسِ أنَّ البطْنَ الأوَّل لا يلي أمر الثاني، وإنَّما هو متصرِّفٌ لنفسه، فإذا جاوَزَ حقَّه، فالقياسُ البُطْلان، وفيما إذا بلغ الصبيُّ بالاحتلام، فالوليُّ عاقد للصبىِّ مراعٍ لمصلحته، فالقياسُ إمضاء تصرُّفه، كما إذا أجر المتولِّي، وفي لقطة "الانفساخ" في المسألتين مناقشةٌ ذكرناها، وأمَّا في مسألة إعتاق العبد المكْري، فلا مناقشة فيها.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ بَاعَ الدَّارَ المُسْتَأْجَرَةَ مِنَ المُسْتَأْجِرِ صَحَّ وَلَمْ يَنْفَسِخِ الإِجَارَةُ عَلَى الأَصحِّ (و) فَيَسْتَوْفي المَنْفَعَةَ بحُكْم الإِجَارَةِ، وَكذَلِكَ يَصِحُّ لِلمُسْتَأْجِرِ إِجَارَةُ الدَّارِ مِنَ المَالِكِ كَمَا يَصِحُّ مِنَ الأَجْنَبيَ، وَقِيلَ: إنَّ الإِجَارَةَ وَالمِلْكَ لاَ يَجْتَمِعَانِ كَالنّكَاحِ والمِلكِ، وَلَوْ بَاعَ الدَّارَ مِنْ غَيْرِ المُسْتَأْجِرِ صَحَّ (و) البَيْعُ في أَقْيَسِ الوَجْهَيْنِ وَاسْتَمَرَّتِ الإِجَارَةُ إلَى آخِرِ المُدَّةِ، وَفِي اسْتِثْنَاءِ المَنْفَعَةِ عَنْ بَيْعِ الرَّقَبَةِ شَرْطاً خِلاَفٌ (و) مَأْخُوذٌ مِنْ جَوَازِ بَيْعِ المُسْتَأْجَرِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا باع العَيْن المستأجَرَةَ، فإمَّا أن يبيعَهَا من المُسْتأْجِرِ، أو غَيْرِهِ.
القِسْمُ الأَوَّلُ: البَيْعُ من المستأْجِرِ، وهو صحيحٌ؛ لأن الملْكَ في الرقبة خالصُ حقِّه، وعقْد الإجارة إنَّما ورد على المَنْفَعَة، فلا يُمْنَعُ منْ بيْع الرَّقَبة كما أن تزويجَ الأمة لا يَمْنَعُ من بَيْعها، ثم في الإجارة وجهان: أحدهما: وبه قال ابن الحَدَّادَ أنَّهَا تنْفَسِخ؛ لأنَّه إذا ملك الرَّقَبَة، حدَثَت المنافعُ عَلَى ملكه تابعةً للرقبة، وإذا كانَتِ المنافعُ مملوكةً له، لم يبْقَ عقد الإجارة علَيْها، كما

الجزء: 6 - الصفحة: 181

أنه لو كان مالِكًا في الابتداء، لم يصحَّ منه الاستئجار، وهذا كالنكاح، فإنَّه كما لا يجوزُ أن يتزوَّج أمته كذلك لو اشترى زوجته، ينفسخُ النكاح، ويعبر عن هذا الوجه بأنَّ الإجارة والملْكَ لا يجتمعان.
وأصحُّهما أنَّهَا لا تنفسخ؛ لأنه ملك المنافع أوَلاً ملكاً مستقراً فلا يبطل بما يطرأ مِنْ ملك الرَّقَبة، فإن كانتِ المنافعُ يتْبَعُها أولاً الملْكُ الأوَّل، كما أنه إذا مَلَك ثمرةَ غير مؤثَّرة، ثم اشترى الشَّجرة، لا يَبْطُل ملْك الثمرة، وإن كانتِ المنافع تدخُلُ في الشِّراء، لو لم يملكها أولاً، وفرَقُوا بين النِّكاحِ وما نحنُ فيه بأنَّ ملْكَ الرقَبة في النكاح يغْلِب ملك المنفعة؛ ألا تَرَى أن سَيِّدَ الأمة، إذا زوَّجها لا يجب عليه تسِلْيمها، وإنْ قَبَض الصداق، وفي الإجارةِ ملْكُ المنفعة، يَغْلِبُ ملْكَ الرقبة؛ فإنَّ المؤجِّر، إذا قبض الأجْرَةَ، يجب عليه تسليم العين، وأيضاً فإنَّ المؤجِّر، لم يكن مالكاً للمنفعة حين باع، فلا تصير تلْكَ المنافعُ ملكًا للمشتَرِي بالشِّراء، والسَّيِّد مالكٌ لمنفعة بُضْع الأمة المزوَّجة؛ ألا ترَى أنَّها، لو وُطِئَتْ بالشُّبهة، يكون المهرُ له لا للزَّوْج؟ فإذا باع تقع منافعُ البُضْع المملوكة له رقبتها، وملكها الزَّوْج بالشِّراء، فانفسخ النكاحُ، فإن قلْنا: بِالانفساخ، فهلْ يرجع المستأْجر على المؤجّر بأجْرةِ بقيَّة المدة؟ فيه وجهان: أحدُهُمَا: لا، وبه قال ابن الحدَّاد؛ لأن المنافع قائمة في يَدِه، وأيضاً، فإنَّه لو اشترَى زوْجَته، لا يسْقُطُ المَهْر.
وأَصَحُّهُما: أنه يرجع؛ لأنَّ الأجرةَ، إنما تستقر بسلامة المنفعة للمستأْجِرِ عَلَى موجِب الإجارة، فإذا انفسخَتِ الإجارة، سقَطَتِ الأجرةُ كسائر أسباب الانفساخِ، ويخالفُ المهْر، فإنَّ استقراره لا يتوقَّف على سلامة المنْفَعَة للزَّوْج، بدليلِ ما إذا ماتَتْ.
ولو فسخ المستأْجِرُ البَيْعَ بعَيْبٍ، لم يكُنْ له الإمساك بحُكْم الإجارة؛ لأنَّها قد انفسختْ بالشراء.
ولو تلفت العيْنُ لم يرجعْ على البائع بشيءْ؛ لأن الإجارة غَيْرُ باقية عنْد التَّلَف حتى تتأثَّر به.
وعلى الوَجْه الثَّاني: وهو أنَّ الإجارة لا تَنْفَسِخ بالشِّراء، ففي صورَةِ فسْخ البيع بالعيْبِ، له الإمسَاكُ بحُكْم الإجارة، ولو فسخ عقْد الإجارة، رجَع على البائع بأجرة بقيَّة المدَّة، وفي صورة التَّلَف تنْفَسِخ الإجارةُ بالتَّلَف، وحكْمُه ما سَبَقَ، وتتخرَّج على الخلاف في أنَّ الإجارة والمِلْك، هَلْ يجتمعان؟

مسائل

: منْها: إذا أوصَى لزيْدٍ برقبة دارٍ، ولعمْرٍو لمنفعتها، فأجَّرها عمروٌ من زَيْدٍ، ففي

الجزء: 6 - الصفحة: 182

صحَّة الإجارة الوجهان 212. ومنها: لو مات المستأْجر، وورثه المؤجّر، ففي انفساخ الإجارة الوجهان.
ومنها: لو أجر العيْنَ المستأجَرَة منَ المالِكِ، فأحد الوجهين المَنْعُ، ويُحْكَى عن ابن سُرَيْج؛ لاجتماع الإجارة والمِلْك، وأيْضاً، فإن المُكْرِيَ يطالَبُ بالتسليم مدَّة الإجارة، فإذا اكْتَرى ما أكْرَى، كان مُطَالِبَاً ومطَالَباً في عقْدٍ واحدٍ، وذلك لا يُحْتَمَل إلاَّ في حقِّ الأبِ والجَدِّ في مال الصغير وأصحُّهما، وهو المنصوصُ الجوازُ، كما يجوز أن يشْتَرِيَ شَيْئاً، ثم يبيعه مِنْ بائعه، وبهذا الوجه أجاب ابْنُ الحَدَّادِ في هذه المسأْلَةَ، وعُدَّ ذلك من مناقضاته؛ لأنَّه حكم بانْفِسَاخ الإجَارة، إذا اشتَرَى المستأجر ما استأْجَره لامتناع اجتماع الملك والإجَارة، وإنَّه لازمٌ هاهنا ولا فرْقَ بين أن يكتري ثم يَمْلِك، وبين أن يملك ثم يكْتَرِيَ.
قال الشيْخُ أبو عَلِيٍّ: فإنْ قال من نصره: الاسْتِئْجارُ السابقُ لم يَمْنَع صحَّة الشراءِ اللاحِقِ، كذلك المِلْكُ السابِقُ وجب ألاَّ يَمْنَع صحَّة الاستئجار اللاحق، لكنْ تنْفَسِخ الإجَارَة، إذا حَصَلَ الاجتماع، كما انْفَسَخَتْ هناك.
فالجوابُ أنَّ ما ينفسخ إذَا كانَ سابِقاً، وجب ألاَّ يصحَّ، إذا طرأ على ما لا ينقطع؛ أَلاَ تَرَى أن النكاح، لما انفسخ، إذا كَانَ سابِقاً.
لم يصحَّ، إذا طرأ على الملك؟ ومنها: إذا أجَّر داراً مِنِ ابْنه، ومات الأبُ في المدة، ولا وارِثَ له سوى الابن المستأجر، وعلَيْه ديونٌ مستغرقةٌ، فيبنى أولاً عَلَى أن الخلاف في أنَّ الوارث، هل، يملك التركةَ، وهناك دَيْنٌ مستغرِقٌ؟ إن قلْنا: لا يَمْلِكُ، بَقِيَتِ الإجارة بحالها، وإن قلْنا: يَمْلِكُ، وهو ظاهرُ المذهب، فعلَى أَظْهَرِ الوجْهَين؛ لا تنفسخ الإجارة، وعلى الثاني الذي إلَيْه ابْنُ الحَدَّادِ: تنفسخ؛ لأنَّ الملك طرأ على الإجارة، كما لو طرأ بطريقِ الشراء، وادَّعَى القاضي الرويانيُّ أَنَّ هذا ظاهرُ المذهَبِ، وإذا انفسخت الإجارةُ، قال ابن الحدَّاد: الابْنُ غريم يُضَارِب بأجرة بقيَّة المدة مع الغرماء، وهو خلاف قوله في الشِّراء، أنه لا يرجع، فمِنْهم من تكلَّف له فرقَيْن: أَحَدُهُمَا: أنَّ الانفساخَ في صُورة الشِّرَاء حَصَلَ باختيار المسْتَأْجر، وفي الميراث لا صُنْع للمستأجر، فلا يَسْقُط حقُّه.

الجزء: 6 - الصفحة: 183

والثاني: أن هناك، الإجارةُ، وإن انفسخت، فلا يَخْرُج البائع منْ يده، وههنا يخْرُج؛ لأن الدار تُبَاع في الدُّيُون، وهما ضعِيفانِ عنْد المُعْتَبَرِينَ.
أما الأوَّل: فلأنَّه، لا فَرْق في سقُوط الأجرة بيْن أن يَفُوت المنافع، ويحصل الانفساخُ بفِعْله أَوْ لا بِفِعْله؛ ألاَ تَرَى أَنَّ هدْم المستأجر الدارَ كانهدامها.
وأما الثاني: فلان بقاء المنافِعِ هناك ليس من مقتضى الإجارة، بل لأنَّها مملوكةٌ بالبَيْع والتملُّك بغير جهة الإجارة لا يقتضي استقرارَ عِوَض الإجارة، وهذا كما لو تقايلا البيع، ثم وهب البائعُ المَبِيعَ من المشتَرِي، لا يستقر عليه الثَّمَنُ.
ولو مات [الأبُ] المؤجِّر عن ابنَيْنِ؛ أحدهما المستأجر، فعلى أظهر الوجهين؛ لا تنفسخ الإجارَةُ في شيْءٍ من الدار، وَيسْكُنُها المستأجر إلى انقضاء المدة، ورقبتها بيْنَهُما بالإرْث.
وقال ابن الحَدَّاد: تنفسخُ الإجارة في النِّصْف الذي يملكه المُسْتَأْجِر، وله الرجوعُ بِنِصْف أجرةَ ما انفسخ العقْد فيه؛ لأنَّه قضيَّة الانفساخ في النِّصْف الرجوعُ بنصْف الأجْرَة، لكنه خلف ابنَيْن، والتركةُ في يدهما، والدَّيْن الذي يلحقها يوزَّع، فيخص الرَّاجِع الرُّبُع، ويرجع بالرُّبُع على أخيه فإن لم يترك الميت شيئاً سوى الدَّارِ، بيعَ من نصيب الأخ المرجُوعِ علَيْه بقَدْر ما يثبت به الرُّجُوع، وهذا مستبعدٌ عند الأئمة؛ لأن الابْنَ المستأجِرَ وَرِث نصيبَه بمنافِعِه، وأخوه وَرِثَ نصيبه مسلُوبَ المنفعة، ثم قد تكُون أجْرةُ مثْل الدار في تلْك المدَّة مِثْلَى ثمنها، فإذا رجَع علَى الأخ برُبُعِ الأجرة، احْتاج إِلَى جميع نصيبه، فيكونُ أحَدُهما قد فاز بجميع نَصِيبِهِ، وبِيعَ نصيبُ الآخر وحْده في دَيْنِ المَيِّت.
قال الشيخ أبو عَلِيٍّ: ولو لم يحلف إلاَ الابْنُ المستأجرُ، ولا دَيْنَ عليه، فلا فائدةَ فِي الانفساخ ولا أثر له؛ لأنَّ الكلَّ له، سواءٌ أخذ بالإرْث، أو مدَّة الإجارة بالإجَارة، وبعْدها بالإرْث، وسواءٌ أخذ بالدَّيْن أو بالإرْث.
وممَّا يلتحق بصُور الفَصْل ما لو أجَّر البطْن الأوَّل الوقْف من البطْن الثانِي، ومات المؤجّر في المدة، فإن قلْنا: لو أجَّر من الأجنبيِّ، ارتفعت الإجارةُ، فههنا أوَلى، وإلاَّ، فوجْهان من جهة أنَّه طرأ الاَستحقاق في دوامِ الإجَارَة، فأشْبَهَ ما إذا طَرَأ المِلْك.
قال الإمامُ: وهذه الصورةُ أَوَلى بارتفاع الإجارة؛ لأنَّ المالك يستحِقُّ المنفعة؛ تبعاً للرقبة، والموقوفُ علَيْه يستحقُّها؛ مقصوداً لا بالتبعيَّة، وليكن هذا الترتيبُ مبنيَّاً عَلَى أنَّ الموقوفَ عَلَيْه لا يملك الرَّقَبة.
أمَّا إذا قلْنا: إِنَّهُ يَمْلِكُها، فيمكن أن يُقَالَ: هو كالمالك في استحْقاق المنْفَعَة؛ تبعاً للرقبة.
وقوله في الكتاب: "وقيلَ إنَّ الإجَارَةَ والمِلْكَ لا يجتمعان" يصحّ ردُّه إلى الصورتين المذكورتَيْن قبله، يعني: فينفسخ الإجارةُ، إذا باع المستأْجر من المستأْجر، ولا تصحُّ إذا أَجَّرَ المستأْجرُ ما استأجر المالك.

الجزء: 6 - الصفحة: 184

القِسْمُ الثَّانِي: البيْعُ من غيْر المستأْجِر، وفيه قولان: أَصَحُّهُمَا عند الأكثرين: أنَّهُ صحيحٌ 213، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله لأن الإجارة إنَّما تردُّ على المنفعة، فلا تمنع بيْع الرقبة كالتَّزْويج.
وأصحُّهما عند الشيخ أبي عليٍّ بطلانُهُ؛ كبيع المرهون مِنْ غَيْر المرتهن؛ لأنَّ يد المستأجر حائلةٌ، وهما جاريان أذن المستأجر أو لم يأْذِن قاله في "التتمة".
وعند أبي حنيفةَ: ينعقد البيعُ؛ موقوفاً عَلَى إجازة المستأجر، فإن إجازة، نفذ، وبطلَت الإجارة، وإنْ ردَّ، بطل.
وإذا قلنا: بالصحة لم تَنْفَسِخ الإجارة كما لا ينفسخُ النكاحُ بِبَيْعِ الأمةِ المزوَّجة، ويترك في يد المُسْتَأْجر إلى انقضاءَ المُدَّة، وللمشتَرِي فسْخُ البيع، إن كان جاهلاً، وإن كان عالماً، فلا فَسْخ له، ولا أجرة لتلْكَ المدة، وكذا لو كان جَاهِلاً وأجاز، ذكره في "التهذيب" ويُشْبِه أن يكونَ على الخلاف في مدَّة بقاء الزرع، إذا باع أرضاً مزروعةً، ولو وَجَدَ المستأجر به عَيْباً، أو فَسَخ الإجارة أو عرض ما تنفسِخُ به الإجارةُ، فمنفعةُ بقيَّة المدَّة لمن تكون؟ فيه وجهان: أحدهما، وهو جواب ابن الحدَّاد، للمشتري؛ لأن الشراء يقْتَضِي استحقاق الرقبة والمنفعة جميعاً، إلاَّ أن الإجارة السابِقَةَ كانَتْ تمنع منْه، فإذا انفسخَتْ، خلُص المالُ له بحقِّ الشراء، وهذا كما إذا اشترى جارية مزوَّجة، وطلَّقها زوْجُها تكونُ منفعةُ البُضْعِ للمشتري، ولَيْسَ للبائع الاستمتاع بها، ولا تَزَوُّجها من الزَّوْج المُطَلَّق.
والثاني، وبه قال أبو زيد: للبائع لأنه لم يملك المشتري منافعَ تلْك المُدَّة، وبَنَى

الجزء: 6 - الصفحة: 185

أبو سعيد المتولِّي الوجهَيْن على أن الردَّ بالعيب يرفع العقْد منْ أصله، أو من حينه إن قلْنا: بالأول، فهو للمشتري، وكأنَّ الإجارَةَ، لم تكُنْ، وإن كان من حِينِهِ فللبائع؛ لانَّهُ لا يوجَدُ عنْد الردِّ ما يُوجِبُ الحقَّ للمشتري 214، قال: لو تَقَايَلاَ الإجارَةَ، فإن جعلْنا الإقالة عقْداً فَهِيَ للبائع، وإن جعْلناها فَسْخاً، فكذلك على الصَّحيح؛ لأنَّها ترفع العقُد من حينها لا محالة، وإذا حَصَلَ الانفساخُ رُجَع المستأجر بأجرةِ بقيَّة المدة على البائع.
قال القاضي ابْنُ كج: ويُحْتَمَلُ أنْ يقالَ: يرجعُ على المشتري، وليكنْ هذا مُفَرَّعاً على أنَّ المنفعةَ تَكُونُ للمشتري؛ لأنَّه رضي بالمبيع ناقصَ المَنْفعة، فإذا حَصَلَتْ له المنفعة، جاز أن يؤخَذَ منه بدَلُها، والقولان في بَيْع المُسْتأَجَر يجريان في هبته، وتجوزُ الوصيَّة به.
ولو باعَ عيْنَاً، واستثنى لنفسه منفعتَهَا شهْراً أو سنَةً، ففيه طريقان: أَحَدُهُما: ويُحْكَي عن ابن سُرَيْجٍ: أنَّه على القولَيْن في بَيْع الدَّار المُسْتأجرة؛ لأنه إذا جاز ألاَّ تكونَ المَنَافعُ للمشتري مدَّة بل يكونُ للمستأجر، كذلكَ جازَ أن تكون للبائع ويدُلُّ على الجواز أن جابراً -رضي الله عنه- باعَ في بَعْض الأسْفَارِ بَعِيراً مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى أَن يَكُونَ لَهُ ظَهْرَهُ إِلَى المَدِينةِ 215. والثاني: القَطْعُ بالمَنْع؛ لأن إطلاق البَيْع يقتضِي دخولَ المنافع الَّتي تَمَلَّكَهَا البائعُ في العقْد، والاستشناء غير مقتضاه، فيمنع منه، وفي بَيْع المستأجر لَيْسَت المنافع مملوكة للبائع، وأيضاً، فإِنَّ استشناء المنفعة اشتراطُ الامتناع من التَّسليم الذي هو مقتضَى العَقْد، فلا يُمْكِن أن يقدَّم كون البائع نائباً عن المُشْتَرِي في اليد والقبْض، لكنْ يجوز أن تُقَام يدُ المستأجر مُقَام يد المشْتَري، ويُقَال: إنَّهُ يملك المال لِنَفْسِه بالإجارة، وللمالك ملْكُ الرقبة.
والأظْهَر المَنْعُ، سواءٌ ثبت الخلاف أم لا.
ويجوزُ أنْ يُعْلم لفظُ الخلاف في الكتاب بالواو للطريقة الأُخْرَى.
وقوله: "مأخوذ من جواز بَيْع المستأجر" [صريحٌ في أنَّ الخلاف في جواز الاستثناء مبنيٌّ على الخلاف في صحَّة بيع المستأجر] 216 وكذلك ذكَره المعْظَم وزاد القاضي أبو الطَّيِّب في "شرح الفروع" فقال: تجويز الاستثناء مبنيٌّ على الوجه الذي يقول: إنَّ المنفعةَ عنْد الفَسْخِ تعُودُ إلى البائع.

الجزء: 6 - الصفحة: 186

وعَكَسَ الإمَامُ، فقال: الخلافُ في جوازِ بيع المُسْتَأْجر مأخوذٌ من جواز الاستثناءِ، وكأنَّهُ أراد نُزُوع المسألتَيْنِ إلَى أصلٍ واحدٍ، وإِلاَّ، فالظَّاهر الأوَّل وبالله التَّوفيق وكما افتتحنا [كتاب الإجارة] 217 بمقدمات -فإنَّا [نختم كتابَ الإجارة] 218 بمؤخِّرات: إحداها: في مَسَائِلَ، هي من شَرْط الباب الأَوَّلِ.
لو قال: ألزمت ذمتك نسج ثوْب صفَتُه كذا على أنْ تنسجه بنَفْسِك، لم يصحَّ؛ لأنَّ في هذا التعْيِين غررًا فإنَّه ربَّما يمُوتُ، ولهذا لم يجُزْ تعيينُ ما يؤدي منه 219 المسلم فيه، ويجوز أن يستأجر الأرْض بما يستأْجِر به العَبْد والثَّوْب، ولا فرْقَ بيْن الطعام وما ينبت في الأرض، إذا عيَّن، أو وصَفَ، وبين غيرها.
وعنْ مالكٍ: أنه لا يجوز استئجارُ الأرْضِ بالطَّعام وإنْ لم يكن مما ينبُتُ من الأرض، كاللَّحْم، والعَسَل ولا بما ينْبُت من الأرض، وإنْ لم يكن طعاماً؛ كالقطن.
وإذا استَأْجَرَ دابَّة؛ ليركبها إلى بلدة كذا بعَشَرة دنانير، فالواجِبُ نقْدُ بلد العقد.
وعن أبي حنيفة رضي الله عنه أن الواجب نقْدُ البَلَدِ المقصُودِ فلو كانَتْ الإجارةُ فاسدةً، فالاعتبار في أجرةِ المِثْل بموْضِع إتلافِ المنفعة، نقْدًا أو وزناً.
ويجوز إجارة المصْحَفِ والكتُبِ لمطالَعَتِها 220 والقراءة فيها خلافاً لأبي حنيفة.
ولا يجوز أن يسْتأجر برَكَةً ليأخذ منها السَّمَك، فإنه كاستئجار الأشْجار للثِّمار، ولو استأْجَرَها لِيَحْبِسَ فيها الماء حتَّى يجتمع فيها السمك جاز.
وفيه وجه آخر أيضاً، ويصحُّ من المستأجر إجارةُ ما استأجرهُ بعْد القبْض، سواءٌ أجَّر بمثل ما استأجَرَ أو أقَلَّ، أو أكثر.
وعند أبي حنيفةَ: إنْ أجَّره بأكثر ممَّا استأجر، لم يطلب له الربْحُ، وسبيلُه أن يتصدَّق به إلا أن يحدث فيه عمارة، فيقع ذلك في مقابلة الرِّبْح.
لنا،: القياسُ علَى ما إذا باع بأكثرَ ممَّا اشتراه يطيب له الربْحُ.
وفي إجارته قبْلَ القَبْض وجهان عن ابن سُرَيْج تجويزه؛ لأن القبض لا يوجبُ دُخُول المنَافِعِ في ضمانة، فلا معْنى لتوقيف العَقْد عليه، والأظهر: المنع، وعلَى هذا؛

الجزء: 6 - الصفحة: 187

ففي إجارته من المؤجّر وجهان، كما في البيع من البائع 221. والمسْتَعَارُ لا يؤاجر، فإنِ استعاره؛ ليؤجِّره، جاز في وجه، حكاه القاضي ابن كج، كما لو اسْتَعَاره؛ ليرهنه.
ولو أجَّر متولِّي المسجد حانوته الخراب؛ بشرط أن يعمره المُسْتَأْجر بماله، ويكون ما أنفقه مَحْسُوباً من أجْرته، لم تصح الإجارة؛ لأنه عند الإجارة غيْرُ منتفع به.
ولا يجوزُ إِجارةُ الحمَّام بشَرْط أن تكون مدة تعطيلها بسبب العِمَارة، ونحوها محسوبة على المكتري؛ لأنَّهُ تمكينٌ من الانتفاع في بعض المدَّة دون بعض، ولا يُشْتَرط أن تكون محسوبة على المكْرِي لا بمَعْنَى انحصار الإجارة في الباقي؛ لأن المدة تصير مجهولة، ولا بمعنى استيفاء مثلها بعد المدة؛ لأن نهاية المدة تصير مجهولة.
ولو استأجره ليبيع له شيئاً معيناً جاز؛ لأن الظاهر أنه يظفر براغب، ولو استأجره لشيء معين لا يجوزُ 222؛ لأنَّه رغبة مالكه في البَيْع غيرُ معلومة ولا ظاهرة ولشراء شيء موصوفٍ يجوز، ولبيع شيءٍ من معيَّن لا يجوز.
ولو استأجره للخروج إلى بلدِ السُّلطان والتظلُّم للمستأجر، وعرْضِ حالِهِ فِي المَظَالِم ففي فتاوى القَفَّال أنَّه يستأجره مدَّة كذا؛ ليخرج إلَى موضع كذا، ويذْكُر حالَهُ في المظالم، ويسْعَى في أمره عند من يحتاج إلَيْه، فتصحُّ الإجارة؛ لأنَّ المدة معلومةٌ، وإن كان في العَمْل جهالةٌ، كما لو استأجره يوماً؛ ليخاصم غرماءه جاز.
قال: ولو بَدا للمستأجر، فله أن يستعمله فيما ضَرَرهُ مثل ذلك.
وحَكَى القاضي ابنُ كجٍّ عن نصِّ الشافعيِّ رضي الله عنه أنَّهُ لا تجوز إجارة الأرْضُ حتَّى يُرى لا حائل دُونَها من زَرْعِ، وغَيْرِه، وفي هذا تصْرِيحٌ بأنَّ إجارة الأرْضِ المزْرُوعة لا تصحُّ توجيهاً بأن الزَّرْع يمنع رؤْيَتَها.
وفيها معْنًى آخرُ، وهو تأخُّر التسليم والانتفاع عن العَقْد، ومشابهته إجارة الزَّمان المستقبل، ويقرب منْه ما لو أجَّر داراً مشْحُونة بطعام وغيْرِه، وكأنَّ التفريع يستدعي مدَّة، ورأَيْتُ للأئمة فيما جُمِعَ من فتاوى القَفَّال فيه جوابَيْن: أَحَدُهُما: أنَّه إنْ أمكن التفْرِيعُ في مدَّةٍ ليس لمثلها أجرةٌ، صحَّ العقد، وإن لم يكنْ إلاَّ في مدة لمِثلهَا أجرةٌ، لم تصحَّ؛ لأنه إجارةُ مدَّةٍ مستقبلة.

الجزء: 6 - الصفحة: 188

والثاني: أنَّه، إن كان يذهب في التفْرِيع مدَّة الإجارة، لم يصحَّ، وإن كان يبقى منها شيءٌ، يصحَّ، ولَزِمَ قسْطه من الأُجْرة، إذا وُجِد فيه التَّسْليم، وخرَّجوا على الجوابَيْن ما إذا استأجر دارًا ببلدة أخرى، فإنَّه لا يتأتى، التسليم إلاَّ بقَطْع المسافة بيْن البلدَيْن، وما إذا باع جمدًا وزنًا، وكان ينماع بعضه إلى أن يُوزَن 223. ولو استأجر للخِدْمة، وذكر وقتها من اللَّيْل والنهار، وفصَّل أنواعها، فذاك، إنْ أطلق، فقد حُكِيَ عن النص المنع، والظاهر الجَوَازُ، ويلْزَمُ ما جرت العادةُ به، وفصَّل أنواعها القاضي أبو سعيد ابْنُ أبي يوسف فقال: يدْخُلُ في هذه الإجارةِ غُسْل الثوب، وخياطَتُه، والخُبْز، والعَجْنُ وإيقاد النارِ في التَّنُّور، وعلَف الدَّابَّة، وحلْب الحَلُوبة، وخِدْمة الزَّوْجة، والغَرْس في الدار وحمْل الماء إلى الدَّار للشُّرب، إلى المتوضئ للطَّهارة، وعن سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيِّ أن عَلَف الدَّابَّة، وحَلْب الحلوبة، وخدْمَة الزَّوْجة لا يلزم إلا بالتنصيص عليها، وينبغي أن يكونَ الحُكْمُ كذلك في خياطةِ الثَّوْب، وحَمْل الماء إلى الدار، ويجوزُ أن يختلف الحكْمُ فيه بالعادة.
وذكر بعضُ مَنْ شرح "المفتاح" أنه ليْسَ له إخراجُه من البلدة إلاَّ أن يشترط علَيْه مسافةً معلومةً منْ كلِّ جانب، وأن عليه المُكْثَ عنده إلى أن يَفْرَغَ من صلاة العشاء الآخرة 224. ولو استأجره للقيام على ضَيْعَةٍ قامَ علَيْها ليلاً ونهاراً علَى المعتاد.
وإنِ استأجر؛ للخُبْز، وجب أن يتبين أنَّهُ يخبر الأقْرَاضَ، أو غِلاَظَ الأرْغِفَةِ، أو رقَاقَها، وأنَّهُ يخبز في تَنُّورٍ، أو فُرُنٍ، وآلاتُ الخُبْزِ على الأجيرِ إنْ كانتِ الإجارةُ في الذِّمَّة، وإلاَّ، فعلى المستأجر، وليْسَ على الأجير إلاَّ تسليم نفْسِه، والقولُ فيمن عليه الحَطَبَ كما في الخبز في حق الورَّاق.
ولو أراد المستأجرُ أن يستبْدِلَ عنِ المنفعة شيئاً آخر، يقبضه، لم يَجُزْ، إن كانَتِ الإجارةُ في الذِّمَّة، وإن كانتْ إجارة عيْنٍ قال صَاحِبُ "التهذيب": هو كما لو أجَّر العيْن المستأجرة من المؤجّر، وفيه وجهان:

الجزء: 6 - الصفحة: 189

الأَصَحُّ: الجوازُ، إذا جَرَى ذلك بعد القبض، ولو ضَمِن رجل العهدة للمستأجر، ففي الفتاوَى: أنَّهُ يصحُّ، ويرجع علَيْه عنْد ظهور الاستحقاق.
وعن ابن سُرَيْجْ أنَّهُ لا يصحُّ ضمانُ العُهْدة، وذكر شارح "المِفْتاح" أنَّهُ لو اكترى دابَّةً ليركبها إلى فرْسَخَيْن، لم يجز حتى يبين شرقاً أو غرباً، ثم إذا بَيَّنَ جهة، فأراد العُدُول إلَى غيرها، فللمكري منْعُه؛ لأن المعيَّن قد يختص بسهولة أو أمن وبتقدير تساويهما، فقَدْ يكون للمُكْرِي غرضٌ فيه، وهذا يخالِفُ ما تقدَّم، فلْيُجْعَلْ وجهاً مُلْحَقاٌ.
مؤخرة ثانية في مسائل: مِنْ شَرْطِ الباب الثاني: إذا استأْجَرَ رَجُلاً؛ ليَعْمَل مَدَّةً، كان زمانُ الطَّهارةِ، والصلاةِ، وفرائِضِها وسُنِنها الرَّواتِبِ مستثنىً، فلا ينقص من الأجْرَةِ شيْءٌ، ولا فرْقَ بيْن صلاة الجمعة وغَيْرِها.
وعن ابْنِ سُرَيْج فيما رواه أبو الفَضْل بنُ عبْدَان: أنه يجوزُ له تَرْكُ الجمعة بهذا السَّبَب، والسُّبُوتُ 225 في استئجار اليهوديِّ تقع مستثناةٌ، إذا اطَّرَد عُرْفهم بذلك ذكره صَاحِبُ الكتاب في فتاويه 226. وفي "الزيادات" لأبِي عاصِمٍ العباديِّ أنه إذا أذا اسْتَأْجر حاضنة؛ لتعهُّدِ صبيِّ، فالدُّهْنُ على أبيه، فإن جرى عُرْفُ البلد بخلافه، فوجهان.
وأنَّه إذا استأْجر حمالاً لحمل شيء إلى داره، وهي ضيِّقَةُ الباب، هلْ علَيْه إدْخَاله الدار 227؟ فيه قولان للعُرْف، ولا يكلَّفُ أن يصْعَدَ به السطح.
وأنه إذا استأجر قَصَّاراً؛ لغَسْل ثيابٍ معلومةٍ، وحملها إلَيْه حمالٌ، فأجْرَتُه عَلَى من شرط من القصَّار والمالك، فإن لم يجُرِ شرطٌ، فعلى القَصَّار؛ لأنَّهُ من تمام الغسل.
وأنَّه لو استأجره لقطع أشجارٍ بقريةٍ، لم يجبْ عليه أجرة الذهاب، والمجيء لأنهما لَيْسَا من العمل.
وفي شرح "المفتاح" أنَّه لو اسْتَأْجر دابةً ليركبها، ويحمل عليها كذا مَنّاً، فركبها، وحمل علَيْها وأخذ في السَّيْر، فأراد المُكْري أنْ يعلِّق عليها مخلاة أو سفرة، إما من

الجزء: 6 - الصفحة: 190

قُدَّامِ القتب 228، أو من خَلْفِه، أو أراد أن يُرْدِفَه رديفاً، كان للمستأجر منْعُهُ.
ولو استأْجَرَ دابَّةً ليركبها إلَى موضَع معلوم، فركبها إلَيْه، فعن صاحب "التَّقْرِيب" أن له ردَّها إلى المَوْضِع الذي سارَ منْه إلاَّ أن ينْهَاه صاحِبُها، وقال الأكثرون: ليْسَ له الردُّ، ولكن يسلمها إلَى وكيل المالك، إنْ كان له وكيلٌ هناك، وإلاَّ، فإلى الحاكم، فإنْ لم يكنْ هناك حاكمُ فإلَى أمين، فإن لم يجدْ أميناً، ردَّها واستصْحَبَها إلَى حيث يذْهَب كالمودَعِ يُسَافِر بالوديعة؛ للضرورة، وإذا جاز له الردُّ لم يكن له الركوبُ، بل يسوقُها أو يقُودُها، إلا أن يكون بها جماحٌ لانتقاد إلاَّ بالركوب، وبمثله، لو استعار ليَرْكَب إليه قال العَبَّادِيُّ: لهُ الركوبُ [في الردِّ؛ لأنَّ الردَّ لازمٌ عليه، والإذن يتناوله بالعُرْف، والمستأْجر لا ردَّ عليه.
ولو استأْجَرَ دابَّةً للركوب] 229 إلى موضعٍ، فجاوزه، فعليه المسمى لما استأجر له، وأجرةُ المِثْلِ؛ لما زاد، ويصيرُ ضامِناً من وقت المجاوَزَة، حتَّى إذا ماتت، لَزِمَه أقْصَى القيمة منْ حينئذ، إنْ لم يكن صَاحِبُهَا معها، ولا يبرأ عن الضَّمان بردِّها إلَى ذلك المكان، وإن كان صاحبُها معها، فإن تلِفَتْ بعدما نَزَل، وسلَّمها إلى المَالِكِ، فلا ضمان عليه، وإنْ تَلِفَتْ، وهو راكبٌ، نُظِر؛ إن تلِفَتْ بالوقوع في بئْرٍ ونحوه، ضمِنَ جميع القيمة، فإنْ لم يحدُثْ سببٌ ظاهرٌ، فقد قيل: يلْزَمُه جميعُ القيمة أيضاً.
والأصحُّ: أنه لا يلزمُهُ الكلُّ؛ لأن الظاهرَ حُصُول التلف بكثرة التعب، وتعاقُب السير حتَّى لو أقام في المقْصِد قدر ما يزُولُ فيه التَّعَب، ثم خرَجَ منْ غير إذْن المالك، ضَمِن الكلَّ، وعلَى هذا؛ فالتَّلَف حَصَلَ من حقٍّ وعدوانٍ، فيلزمُه نصْفَ الضمان، أو ما يقتضيه التَّوْزِيع على المسافتين؟ فيه قولان، كما ذكرنا فيما إذا حَمَل فوق المشروط، وإنِ استأجرها؛ ليَرْكَب ويعود فلا يلزمُهُ؛ لما جاوز أجْرَةَ المثل؛ لأنَّه يستحقُّ أن يقْطَع قدْر تلْكَ المسافة ذهاباً وإياباً؛ بناءً على أنه يجوز العدُولُ إلَى مثل الطَّريق المعيَّن 230. ثمَّ إن قدر في هذه الإجارة مدَّة مقامه في المَقْصد، فذاك، وإلاَّ فإنْ لم يزدْ على مدة المسافِرِينَ، انتفع بما في الإياب فإن زاد حسبت 231 الزيادة عليه وإنْ إسْتأْجَر دابة إلى عَشَرة فَرَاسِخَ، فقطع نصْف المسافَةِ، ثم رَجَع لأخذ شيْءٍ نَسِيَه راكبًا، انتهتِ الإجارة،

الجزء: 6 - الصفحة: 191

واستقرَّت الأجرة؛ لأنَّ الطريق لا يتعيَّن، وكذا لو أخذ الدابَّة، وأمْسَكَها في البَيْتِ يَوْماً، ثُمَّ خَرَجَ، فإذا بَقِيَ بيْنَه وبين المقْصِدِ يوْمَ استقرَّت الأجْرةُ، ولم يكنْ له الركوبُ، وكذا لو ذَهَبَ في الطريق؛ لاِسْتِقَاء ماءٍ، أو شراء شيء يُمْنَة ويسرة كان محسوباً من المدَّة، ويترك الانتفاع إذا قرب من المقْصِد بقدره.
ولو دَفَع ثَوْباً إلَى قصَّار ليقصره بأجْرةٍ، ثم جاء، واسْتَرْجعه، فقال: لم أقصره بعْدُ، فلا أردّه وقال صاحبُ الثَّوْب: لا أريدُ أنْ تقصره، فارْدُدْه إلَيَّ فلم يردَّ وتَلِفَ الثوب عنده، فعلَيْه الضمان، فإنْ قصره وردَّه، فلا أُجرَةَ له، وعلى هذا قياسُ الغزل عنْد النَّسَّاج ونظائره 232، ولو اسْتَأجره، ليكتُب صَكَّاً على هذا البياض، فكتبه خطأً.
قال في العَبَّادِيُّ: عليْهِ نِقصانُ الكاغِدِ، وكذا لو أمَرَه أن يكتب بالعربيَّة، فكَتَبَ بالعجميَّة، أو بالعَكْس 233. وذكر العباديُّ في "الزيادات" أنه إذا استأجر دابَّةً، ليحمل الحنطة في موْضع كذا إلَى داره يوماً إلى الليل، فركبها في عَوْده، فعطبت الدابَّةُ، ضَمِن؛ لأنَّه اسْتأجرها للحَمْل لا للرُّكُوب، وقِيلَ: لا يضمن للعُرْفِ، وأنه الأكار لو تعمَّد ترْكَ السَّقْي، والمعاملةُ صحيحةٌ حتى فسد الزَّرْع، ضَمِن؛ لأنه في يده، وعَلَيه حفْظهُ.
وفي فتاوى القَفَّال: أنَّه إذا تَعدَّى المُسْتَأْجر بالحَمْل على الدابَّة، فقَرَّح ظَهْرَها، وهلَكَتْ منْه، لزمه الضمان، وإن كان الهلاكُ بَعْد الردِّ إلى المالك.
مؤخرةٌ ثالثةٌ في مسائل مِنْ شَرْط الباب الثالث من المنثور للمُزَنِيِّ أنَّه لَوِ استأْجَر لخياطةِ ثوْبٍ، فخاط بعْضَه، واحترق البعْض، استَحَقَّ الأجرة لما عَمَلْ.
وإنْ قلْنا: ينْفَسِخ العقد بتَلَفه، استحق أجرة المثل، وإلاَّ، فقِسْطُه من المُسَمَّى.
وأنه لَوِ استأْجَرَ لحَمْل حبٍّ إلَى موْضعٍ مَعْلُومٍ، فَزَلِقَتْ رِجْلُه في الطَّريق، وانكسر الحَبُّ لا يستحقُّ شَيئاً منَ الأُجْرة.
وفرق بينهما بأنَّ الخياطة تظْهَر على الثَّوْب، فوَقَعَ العملُ مُسَلَّماً بظهور أثَره، والحمل لا يظْهَر أثره على الحَبِّ 234.

الجزء: 6 - الصفحة: 192

ولو أَجَّر أرضاً إجارة صحيحةً، ثمَّ غَرِقَتْ بسيل، أو ماءٍ نَبَعَ منها، نُظِر؛ إنْ لم يتوقَّع الخسارة مدة الإجارة، فهُوَ كما لو انهدمَتِ الدار، وإن توقَّع فللمستأجر الخيارُ بيْن الفسخ والإجارة، أما لو غصبت العيْن المستَأْجَرة، فإنْ أجاز، سقَطَ عنه من الأجرة بقدر ما كان الماءُ مُسْتِوياً علَيْهَا، وإنْ غَرِق نِصْفها فقد مضى نصْفُ المدة، انفسخ العقْد فيه، والظاهرُ أنَّهُ لا ينفْسَخِ في الباقي، ولكنْ له الخيارُ فيه، وفي بقية المدة، فإنْ فسخ، وكانتْ أجرةُ المدَّة لا تتفَاوت، فعلَيْه نصفُ المسمَّى للمدة الماضية وإن أجاز، فعليه ثلاثةُ أرباعِ المسمَّى: النصْفُ للمدَّة الماشية، والربع لما بقي.
وتعطل الرحى؛ لانقطاع الماء، والحمَّام؛ لِخَلَلٍ في الأبنية، وانتقاص الماء في بئْره كانهدام الدَّار، وكذا إذا استأْجَر قناةً، فَانقطع ماؤُها، ولو انتقص، ثَبَت الخيار، ولم ينْفَسِخ العقْد، ذكره في شرح "المُفْتَاح"، ومهْما ثبَتَ الخيار بسَبَب يقتضيه، فأجاز ثم بدا له أنْ يفْسَخ، نُظِر إنْ كان السَّبَب بحيث لا يُرْجَى زواله؛ كما إذا انقطعَ الماءَ، ولم يتوقَّع عوده، فلَيْسَ له الفسخ؛ لأنه عيْبٌ واحدٌ، وقد رضي به، وإنْ كان بحَيْثُ يُرْجَى زواله، فله الفسخ ما لم يزل؛ لأنَّه يقدر كلّ ساعة زواله، فيتجدَّد الضرر، وهذا كما إذا تركت الزوجة المطالبة بعْد مضيِّ مدة الإيلاء، أو الفسخ بعد ثُبُوتِ الإعسار، فلها العَوْد إليه، وكذا لو اشترى عَبْداً، فأَبقَ قبل القَبْض، وأجاز ثم أراد الفَسْخ، فله ذلك ما لم يَعُد العَبْد.
ولو استأْجَر طاحونَتَيْنِ متقابلَتَيْن، فانتقص الماءُ، وبقي ماءَ تدُور به إحداهما، ولم يفسخ.
قال العبَّاديُّ: يلزمه أجرةُ أكثرهما وقال في "التتمة": إنَّه لو دَفَع غزلاً إلى نُسَّاجٍ، واستأْجره لنَسْج ثوب طوُلُه عشَرةُ أذْرُعٍ في عرض معْلُوم، فجاءه بالثَّوْب وطُوله أحدَ عَشَر لا يستحقُّ شَيْئاً من الأُجْرة؛ لأنَّه في آخر الطاقة الأولَى من الغزل، صار مخالفاً لأمره، فإِنَّه إذا بلغ طولُها عَشَرةً، كانَ من حَقَّه أَنْ يَقْطعها، لتعود إلى المَوْضع الَّذي بدَأَ منْهُ، فإذا لم يفْعَل، وقع ذلك وما بعْدَه في غَيْر الموْضِع المأْمُور، وإنْ جاءَ به، وطُوله تسعةً، فإن كان طُول السّدي عشرة، استحقَّ من الأُجْرَةِ بقَدْرِه؛ لأنَّه، لو أراد أَنْ ينسج عشرةً؛ لتمكن منْه، وإنْ كَانَ طُولُه تسعةً، لم يستحقَّ شَيْئاً؛ لمخالفته في الطَّاقة الأُولَى ولو كان الغَزْل المدْفُوع إلَيْه مسدى فأستأْجَره كما ذكَرْنا، ودَفَع إلَيْه من اللَّحْمة ما يَحْتَاج إلَيْه، فجاء به أطْوَل من العرْض المَشْروط، لم يستحقَّ للزَّيادة شَيْئاً، وإنْ جاءَ به أقْصَر مَن العَرْض المشْرُوط، اسْتحقَّ بقدره من الأجرة، وإن وَافَقَ في الطُّول، وخالف في العَرْض، فإن كان ناقصاً، نُظِر؛ إن كان ذلك لمجاوزته القدر المشروط من الصَّفَاقة، لم يستحقَّ من الأجرة شيئاً؛ لأنَّه مفرِطٌ بمخالفته أمره، وإنْ راعى المشْرُوط في صفة الثَّوْب رقَّةً وصفاقةً، فله الأجرة؛ لأن الخَلَلَ، والحالةُ هذِهِ، من السّدي فإن كان أزَيدَ، فإنْ أخلَّ بالصَّفاقة، لم يستحق شيئاً، وإلاَّ استحق الأجرةَ بتمامها؛ لأنه زاد خيراً.

الجزء: 6 - الصفحة: 193

فرع

: بَيْعُ الحديقة التي ساقَى علَيْها في المدَّة يشبه بيْعَ المستأجر، ولم أر له ذكراً نعم في فتاوى صاحبِ "التَّهْذِيب" أنَّ المالِكَ، إن باعها قَبْل خُرُوج الثمرة، لم يصحُّ؛ لأن للعامِلِ حقّاً في ثمارها، فكَأنَّه قد استثنى بعض الثَّمرَة، وإن كان بعد خروح الثَّمَرة، صح البيع في الأشجار، ونصيب المالِكِ منَ الثمار، ولا حاجة إلَى شَرْط القَطْع؛ لأنَّها مبيعة مع الأصول، ويكون العاملُ مع المشتري كما كان مع البائع، وإنْ باع نصيبه من الثمرة وحْدَهَا، لم تصحَّ للحاجة إلى شرط القطْع وتعذُّره في الشائع 235، واللهُ أَعْلَمُ.

الجزء: 6 - الصفحة: 194

فصول الكتاب · 70 فصل
فصول العزيز شرح الوجيز المعروف بالشرح الكبير ط العلمية
المقدمةكِتَابُ الطَّهَارَةِكِتَابُ التَّيَمُّمِكتَابُ الحَيْضِكتاب الصلاةكِتَابُ الصَّلاَةِ بِالجَمَاعَةِكِتَابُ صَلاَةِ المُسَافِرِينَكتَابُ الجُمُعَةِكِتَابُ صَلاَة العِيدَيْنِكِتَابُ صَلاَةِ الخُسُوفِكِتَابُ صَلاَةِ الاسْتِسْقَاءِكِتَابُ صَلاةِ الجَنَائِزِكِتَابُ الزَّكَاةِ، وفِيهِ سِتَّةُ أنْوَاعٍكِتَابُ الصِّيَامِكِتَابُ الاعْتِكَافِكِتَابُ الْحَجِّكِتَابُ البَيْعِكِتَابُ السَّلَم (1) وَالقَرْضِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الرَّهْنِكِتَابُ التَّفْلِيسِكِتَابُ الحَجْرِكِتَابُ الصُّلْحِكِتَابُ الحِوَالَةِكِتَابُ الضَّمَانِكِتَابُ الشَّرِكَةِكِتَابُ الوكَالةِكتَابُ العَارِيةِكتَابُ الغَصْبِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ القِرَاضِكِتابُ المُسَاقَاةِ، وَفِيهِ بَابَانِكِتَابُ الإِجَارَةِكِتَابُ الجعَالَةِكِتَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِكِتَابُ الوَقْفِ،كِتَابُ الهِبَةِ،كِتَابُ اللُّقَطَةِ،كِتَابُ اللَّقِيطِكِتَابُ الفَرَائِضِكِتَابُ الوَصَايَا،كِتَابُ الوَدِيعةِكِتَابُ قَسْمِ الفَيْءِ وَالغنَائِمِ،كِتَابُ قَسْمِ الصَّدَقَاتِكِتَابُ النِّكَاحِكِتَابُ الصَّدَاقِكِتَابُ القَسْمِ وَالنُّشُوزِكِتَابُ الخُلْعِكِتَابُ الطَّلاَقَكِتَابُ الإِيلاءِكِتَابُ الظِّهَارِكِتَابُ الكَفَّارَاتِكِتَابُ اللِّعَانِكِتَابِ العِدَّةِكِتَابُ الرَّضَاعكِتَابُ النَّفقَاتِكِتَابُ الجِرَاحِكِتَابُ الدِّيَاتِكِتَابُ دَعْوَى الدَّمِكِتَابُ الجِنَايَاتِ المُوجِبَةِ للْعقُوبَاتِكِتَابُ السِّيَرِ*كِتَابُ الأطْعِمَةِكِتَابُ السَّبْقِ وَالرَّمْيِ،كِتَابُ الأَيْمَانَ،كِتَابُ النُّذُورِكِتَابُ أدَبِ القُضَاةِكِتَابُ الشَّهَادَاتِ،كِتَابُ الدَّعَاوَى وَالبَيِّنَاتِكَتابُ العِتْقِكِتَابُ التَّدْبِيرِكِتَابُ الكِتَابَةِكِتَابُ عِتْقِ أُمَّهَاتِ الأَوْلاَدِ
جارٍ التحميل