كِتَابُ الأَيْمَانَ،
وَفِيهِ ثَلاَثَةُ أَبْوَابٍ
البَابُ الأَوَّلُ فِي نَفْسِ اليَمِينِ
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَحْقِيقِ مَا يَحْتَمِلُ المُخَالَفَةَ بِذِكْرِ اسْمِ اللهِ تَعَالَى أَوْ صِفَتِهِ مَاضِياً كَانَ أَوْ مُسْتَقْبَلاً إلاَّ فِي مَعْرِضِ اللَّغْوِ وَالمُنَاشدَةِ فَيجِبُ الكَفَّارَةُ فِي اليَمِينِ الغَمُوسِ وَإِنْ كَانَ الفِعْلُ مَاضِيًا، وَلاَ يَجِبُ فِي اللَّغْوِ وَهُوَ قَوْلُ العَرَبِ لاَ وَاللهِ وَبَلَى وَاللهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ تَحْقِيقٍ، وَلاَ يَجِبُ بِالْمُنَاشَدَةِ وَهُوَ أَنْ يُقْسِمَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ، وَلاَ يَجِبُ إِذَا قَالَ عَقِيبَهُ: إنْ شَاءَ اللهُ.
قَالَ الرَّافِعِي: الأصل في الأيمان آياتُ الكِتاب؛ كقوله تعالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 77] وقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: 22] وقوله ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89] والسنةُ؛ كما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "واللهِ، لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا" 1 وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- كان كَثِيرًا ما يَحْلِفُ، فيقول: "لاَ وَمُقلِّب الْقُلُوبِ" 2 ورُوِي أنه -صلى الله عليه وسلم- كان إذا اجتهد في يمينه قال "وَالَّذِي نَفْسُ أَبي الْقَاسِمِ بِيَدْهِ، أَوْ نَفْسُ مُحَمَّدٍ" 3 والإجماعُ؛ فإن الأَمَّةَ مطبقةٌ على انعقاد اليمين، وتعلُّق الكفَّارة بالحنث فيها, ولما كانت دلالة الكتاب والسنةِ والإِجماعِ متعاضدةً على أن لليمين انعقادًا، وأن لها، إذا انعقدت
الجزء: 12 - الصفحة: 227
براً أو حنثاً، ولحقتها كفارةٌ، فكان كلامُ الكتاب، دَائِرًا على ثلاثةِ أمورٍ؛ وهي اليمين والكفَّارة والحنث، عَقَدَ لكلِّ واحدٍ منْها بابًا وضمنها مقصود الكتاب.
الباب الأول في نفس اليمين، وللأئمة عباراتٌ في حقيقة 4 اليمين:
أحدُها: قال الإِمام: اليمينُ: تحقيق الشيء وتقريرُه بذكر الله تعالَى أو باسْم من أسمائه، أو بصفة من صفات ذاته نفيًا أو إثباتًا في الماضي وإقدامًا وإحجامًا في المستقبل، فقولُ الرجُل "والله، لا أدخلُ الدارَ" تقرر به نفْيُ الدخول، وقوله: "دَخَلْتُ" تقرر به الدخولُ.
وقوله: "والله، لأَدْخُلَنَّ" وقوله: "واللهِ، لا أدْخُلُ" تقرر به الإِقدام والإِحجام، وقد يعترض عليه من وجوه:
أحدُها: أن قولنا "الله" اسْمٌ من أسماء الله تعالى وقوله: "بذكر الله" يدخل في قوله "باسم من أسمائه".
والثاني: قوله "تحقيق الشيء وتقريره" يدخل فيه الماضي والمستقبل، فلا حاجة إلى ذكر الماضي والمستقبل بقوله: "نفيًا أو إثباتاً في الماضي" إلى آخره.
والثالث: إذا ذكر الماضي والمستقبل، فلا حاجة إلى يمين الماضي عن المستقبل بلفظتي النفي والإثبات في الماضي، والإقدام والاِحجام في المستقبل، بل كان بسبيل من الاقتصار على النَّفْي والإِثبات، في المَاضي والمستقبل جميعاً.
والرابع: الإقدام والإحجام يختصان بالأفعال الاختيارية، واليمينُ لا تختص بها مثْلُ أن يقول: والله، لا تَطْلُعُ الشمس غدًا، أو تطلع من المغرب.
والثانية: قال في الكتاب "وهي عبارة عن تحقيق ما يحتمل المخالفة بذكر اسم الله تعالَى أو صفته ماضيًا كان أو مستقبلاً إلا في معرض اللغو والمناشدة" ويرد عليه الوجه الثاني فإن قولَه "ما يحتمل المخالفة" يشمل الماضي والمستقبل، وأيضاً، فقوله: "في معرض اللغو والمناشدة" لا حاجةَ إليه، أمَّا اللغو: فلأنه يشبه أن يُقَال: لغو اليمين يمينٌ، لكن لا تتعلَّق به الكفَّارة، ويدل عليه قولُه تعالى: ﴿بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: 89] أثبت اليمين مع اللَّغْو، وأما المناشدة فلا تُحقَّق المناشدة بذكر اسم اللهِ تعالَى، وإنما يسأل من غير التحقيق، فيخرج بقوله "تحقيق ما يحتمل المخالفة" صورة المناشدة.
والثالثة: قال صاحبُ "التهذيب": "اليمين هي تحقيق الأمر أو توكيدُه بذكر اسم من أسماء الله تعالَى أو صفة من صفاته" وهذا سليم عن الوجوه السابقة، لكن يشبه أن
الجزء: 12 - الصفحة: 228
يُقَالَ: ذكر اسم الله أو صفة من صفاته لا يكونُ قَيْدًا في حقيقة اليمين؛ ألا ترى أنه يُقَالُ: حلَفْتُ باللهِ، وحلَفْتُ بغير الله، وفي الخَبَرِ "لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائكُمْ" 5.
وقوله في الكتاب على الأثر "فتجب الكفَّارة" إلى آخره يُشْعر بأن المقصودَ ضبطُ اليمين التي تتعلق بها الكفَّارة لا حقيقة مجرَّد اليمين.
ثم تتعلق بالضبط المذكور صورٌ يشتمل الفصْلُ عليها:
إحداها: تنعقد اليمينُ على الماضي، كما تنعقد على المستقبل، فإن كان كاذبًا، وهو عالم بالحال، فهي اليمين الغموس، سُمِّيت به لأنها تَغْمِس صاحِبُها في الإِثم أو في النار، وهي من الكبائر؛ رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "الْكَبَائِرُ: الشِّرْكُ بِاللهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتلُ النَّفسِ، وَالْيَمِينُ الغَمُوسُ" 6 وتجبُ الكفارةُ بها، وتعلُّق الإِثم لا يمنع وجوبَ الكفَّارة، كما أن الظِّهَارَ منْكَرٌ من القول وزور، ويتعلَّق به الكفَّارة، وإن كان جاهلاً، ففي وجوب الكفارةِ قولان، كما لو فعل المحلوف عليه ناسياً، وقال أبو حنيفة ومالكٌ وأحمدُ -رحمهم الله-: لا يجب الكفَّارة باليمين الغَمُوس.
لنا: قولهُ تعالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: 89] الآيةَ تعم الماضي والمستقبل؛ لأن لفظ اليمين يقع عليها؛ ألا تَرَى أن الحُكَّامَ يحلفون على الماضي أبداً، وقال -صلى الله عليه وسلم- "واليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ" 7 وأيْضاً، فإنَّه حَلِفٌ باللهِ تعالى، وهو مختار، لكنه كاذبٌ، فصار كما لو حلف على المستقبل.
الثانية: من سبق لسانه إلى كلمة اليمينِ بلا قصدٍ؛ كقوله في حالة غضبٍ، أو احتداد لَجَاج أو عجلةٍ أو صلَةِ كَلاَم: لا والله، وبلى والله، لم ينعقدْ يمينهُ، ولم تتعلَّق به الكفَّارة؛ لقوله تعالَى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ رُوِيَ عن عائشةَ -رضي
الجزء: 12 - الصفحة: 229
الله عنها- موقوفاً ومرفوعًا: "أنَّ لَغْوَ اليَمِينِ قَوْلُ الإِنْسَانِ: لاَ وَاللهِ، وَبَلَى وَاللهِ" 8 ولو كان يحلفُ بالله على شيء، فيسبق لسانه إلى غيره، فهو في معنى لَغْو اليمين أيضاً، وإذا حلف وقال: لم أقصد اليمين، صدِّق، وفي الطلاق والعَتَاق والإِيلاء، لا يصدَّق في الظاهر، لتعلُّق حق الغير به، وقال الإِمام -رحمه الله-: في الفرق جرت العادة بإجراء ألفاظ اليمين من غير قصْدٍ، وما جرت بإجراء ألفاظ الطلاق، فدعواه أنه لم يقصد يُخَالِفُ الظاهر، قال: وفي اليمين أيضاً، لو اقترن باللفظ ما يدل على قصده، لا يُقْبل قوله على خلاف الظاهر 9.
ويجوز أن يُعلَم قولهُ في الكتاب "وهو قول العرب" بالحاء؛ لأن عند أبي حنيفةَ: لَغْوُ اليمين هو أن يحلِفَ على أمرٍ ماضٍ يظنه كذلك، فيتبَّينُ، خلافه، وبالميم؛ لأن أصحابنا -رحمهم الله- رَوَوْا عن مالكِ: أن لغو اليمين هو اليمينُ الغَمُوسُ، وبالألف: لأن عند أحمدَ روايتين فيه:
أحدهُما: كقولنا.
والثانية: كقول أبي حنيفةَ.
الثالثة: إذا قال لغيره: أسألُكَ باللهِ، أو أقسم عليك باللهِ، أو أقسمت عليك بالله، لتَفَعْلَنَّ كذا، فإن قصد به الشفاعة والمناشدة تقريباً للغرض، لم يكنْ ذلك يمينًا، وإن قصد القائل عَقْد اليمين عليه، لم يكن ذلك يميناً، لا في حقه ولا في حق القائل، أَمَّا في حقِّه؛ فلأنه لم يوجَدْ منْه لفْظ ولا قصد، وأمَّا في حقِّ القائل؛ فلأن اللفظ ليس صريحًا في القسم، وهو قصد عقْد اليمين على غيره، لا على نفسه، وإن قصد عقد اليمين على نفسه، كان يمينًا، كأنه قال: أسألك، ثم حَلَف أنه يفعل، والإِنسانُ قد يحلف على فعْل نفسه، وقد يَحْلِفُ على فعْل غيره، لا على نفسه وفي كتاب القاضي ابن كج وجهٌ عن ابن أبي هريرة -رحمهما الله-: أنه لا يكونُ يميناً، وإن قصد وهو ضعيف، قال في "التهذيب": ويُستحبُّ للمخاطب إبراره في قسمه؛ لِمَا رُوِيَ عن البراء
الجزء: 12 - الصفحة: 230
ابن عازب -رضي الله عنه- أن النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمَرَ بِسَبْعٍ بِعِيَادَةِ المَرِيضِ، واتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَتَشَمِيتِ الْعَاطِسِ، وَرَدِّ السَّلامِ، وإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِبْرارِ الْقَسَم، وَنَصْرِ المَظْلُوَم" 10 فإن لم يفعل، وحنث الحالف، لزمته الكفَّارة، وعن أحمد -رحمه الله- أن الكفارة تكون على المُقْسَم عليه، وإن أطلق اللفظ ولم يقصد شيئاً، فهو محمولٌ على المناشدة 11.
الرابعة: يجوز تعقيب اليمين بكلمة الاستثناء، وهي "إن شَاءَ الله" رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "وَاللهِ، لأغْزُوَنَّ قُرَيْشًا ثَلاَثاً"، ثم قال في الثالثة "إِنْ شَاءَ اللهُ" 12 وإذا عقب اليمين بها, لم يَحْنَثْ بالفعل المحلوف عليه، ولم تلزمه الكفَّارة، لما رُوِيَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَقَالَ: إنْ شَاءَ اللهُ، لَمْ يَحْنَثْ" 13 لأنه علَّق الفعل على مشيئة الله تعالى، وهي غير معلومة، وهل نقول: اليمين منعقدة؟ منْهم من قال: نعم، لكن المشيئة غير معلومة، فلا يحكم بالحنث، وهكذا نقَلَ القاضي الرويانيُّ -رحمه الله- ومنْهم مَنْ يطلق القول بأنها غيْر منعقدةٍ، وهكذا نقل صاحِبُ "التهذيب".
ويُشترط أن يتلفَّظ بكلمة الاستثناء، فلو نوى بقلبه "إن شاء الله" لم تغنه نيته، ولم يندفع الحنث والكفارة، وأن يكون قاصدًا إلى التلفُّظ بها، فلو سبق لسانُه إليها عن غير قصد، لم يعتد بها، ووجه بأنَّ اليمين من أصلها يعتبر فيها القصدُ، فكذلك يعتبر في
الجزء: 12 - الصفحة: 231
الاستثناء الواقع فيها، وأن تكونَ كلمةُ الاستثناء متصلةً باليمين، لا يتخلَّلها كلام ولا سكوت، إلا أن يسكت سكتة تذكر أو تنفُّسٍ، عَلَى ما بَيَنَّاهُ في "الطلاق".
وعن أبي حنيفة: أن سكتة التنفس تمنع تأثير الاستثناء، رواه القاضي ابنُ كج، وأن يكون عازمًا على الكلمة من ابتداء اليمين، فلو حلف، ثم بدا له أن يستثني، فأتى بلفظ الاستثناء، لم يُعتدَّ به، وإن كان موصولاً باليمين، وإن قصد الاستثناء في خلال اليمين، واستثنى على الاتصال، ففيه وجهان، ذكرناهما في كتاب "الطلاق"، وممن صحَّح هذا الاستثناء الداركيُّ والقاضيان أبو الطَّيب والرويانيُّ -رحمهم الله- وممن لم يصحِّحه أبو الحسن بن المرزُبَان والقاضي ابن كج -رحمهم الله- ولو قال: إن شاء الله، واللهِ، لأَفْعَلَنَّ، أو لا أفعل كذا، صحَّ الاستثناء، وكذا لو قدَّم كلمة الاستثناء في الطلاق والعتاق، ولا فَرْق بين التقديم والتأخير، وكذا لو قال: لفلانٍ علي إلا عشرة دراهم مائةُ درهم، وفي هذه الصورة وجه آخر في كتاب القاضي ابن كج وعن القاضي أبي الطيب: أنه لو قال: إنْ شَاءَ اللهُ، أنْتِ طالقٌ، وعبدِي حُرٌّ، لا يقع الطلاق، ولم تحْصُل الحرية، وكذا لو قال: إن شاء الله، أنتِ طالقٌ، عبْدِي حرٌّ، من غير واو؛ لأن حرف العطف قد يحذف مع إرادة العطف، ومحمد من هذا القبيل قولُنا: "التَّحِيَّاتُ المُبَارَكَاتُ الصَّلَوَاتُ" وليكن هذا فيما إذا نوى صرفَ الاستثناء إليهما جميعاً، فإن أطلق، فيشبه أن يجيء خلاف في أنه يختص بالجملة الأولَى أو ينصرف إليهما جميعاً، ولو قال: أنت طالقٌ وعبدي حر إن شاء الله، فيجيء خلاف في أنه يختص بالجملة الثانية، أو ينْصَرف إليهما 14.
الجزء: 12 - الصفحة: 232
ولو قال 15 عبدي حُرٌّ إن شاء الله، وامرأَتِي طَالِقُ، ونوى صرفَ الاستثناء إليهما جميعاً قال القاضي ابنُ كج: يصح، وكما يجوز أن يكونَ الاستثناء متقدمًا، ومتأخرًا، يجوز أن يكون متوسِّطًا، ولو قال: والله، لأفعلن كذا، إن لم 16 يشأ الله أو إلا أن يشاء الله، ففيه خلافٌ كما سبق في قوله: "أنت طالقٌ، إن لم يشاء الله أو إلا أن يشاء الله" والأصحُّ عند القاضي ابن كج في قوله: "إلا أن يشاء الله" أنه استثناء كقوله "إن شاء الله" والذي ذكر إبراهيم المروزي فيما علَّق عنه: أنه إذا قال: واللهِ، لأفعلنَّ كذا، إلا أن يشاء الله، فإن فعل، بَرَّ في يمينه، وإن لم يفعل، حَنِثَ؛ لأن الحنث مُوجودٌ وشرطَ منع الحنث مشكوكٌ فيه، ولو قال: والله، لا أفعل كذا إلا أن يشاء الله، فإن فعل، بَرَّ في يمينه، وإن لم يفعَلْ حنث لما ذكرنا 17.
فَرْعٌ: إذا قال: واللهِ، لأدخلن هذه الدار اليوم، إلا أن يشاء زيد يعني إلا أن يشاء ألا أدخلها، فقد عقد اليمين على الدخول في الحال، وأثبت التخلُّص عنها بطريقين:
أحدُهما: أن يدخل.
والثاني: أن يشاء زيْدٌ أَلاَّ يدخلها، فإن دخلها في ذلك اليوم، بَرَّ، سواءٌ شاء زيد أم لا، وإن لم يدخلْها، فإن شاء زيد أَلاَّ يدخلها، بَرَّ أيضاً، وإن شاء أن يدخلها، حَنِث، وكذا لو لم يعرف مشيئته بأن مات أو أغمي عليه، حتى مضى اليوم، يحْنَث، هكذا نقله المُزَنِيُّ عن النص، لو قال: والله، لا أدخل إلا أن يشاء زيد أن أدخل، فان لم يدخُلْ، بَرَّ في يمينه، وإن دخل، وقد شاء فلان دخولَه قبل أن يدخل، فكذلك يَبَرُّ، وإن كان قد شاء أَلاَّ يدخل، حَنِث، ولا تغني مشيئة الدخُول بعد ذلك، وإن لم تعرف مشيئته، فرواية الربيع: أنه لا يحنث، والجوابان مختلفان والصورتان متشابهتان، لا فرق بينهما إلا أنَّ اليمينَّ في إحداهما معقودةٌ على الإِثبات، وفي الأخرَى على النفي، ومعلومٌ أن ذلك لا يقتضي اختلاف الجواب، وللأصحاب -رحمهم الله- فيهما طريقان: = إلى الجميع، ثم قال وأما الثاني مخالف لكلام الأصوليين فإنهم صوروا المسألة بالاستثناء المتعقب للجمل نعم صرح القفَّال في فتاويه بعود الصفة إلى الجميع مع المتقدم فكذا في الاستثناء.
وأما الثالث فمعلوم من قوله وهذا فيما إذا نوى صرف الاستثناء إليهما جميعاً فإن أطلق فيشبه تخريجه على الخلاف، ثم قال: وأما الرابع: فيمنع منه أن الإِمام فخر الدين نقل في المحصول الإجماع على عوده في الكل وأن الخلاف فيما عدا الاستثناء بالمشيئة.
انتهى.
الجزء: 12 - الصفحة: 233
أحدهُما: القطعُ بأنه يحنث، ثم من هؤلاء، مَنْ حمل مرويَّ الربيع على ما إذا لم يَحْصُل اليأس عن معرفة مشيئته، ومنهم مَنْ قال: إنَّه مرجوعٌ عنه، لكن الربيعَ لم يتحقَّقه.
والثاني: أن فيهما قَولَيْن بالنقل والتخريج:
أظهرهُما: أنه يحنث؛ لأن اليمين معقودةٌ على الدخول أو تركه، ومخالفة المحلوف عليه تقتضي الحنث إلا أن مشيئة زَيْد مخرجةٌ له عن الحنث، فإذا لم يعلم حصولها، ثبت الحنث.
والثاني: لا يحنث؛ لأن الأصل براءةُ الذمَّة، وقد شككنا في حصول الحنث، كشكنا في حُصُول المشيئة، فلا نوجب الكفَّارة بالشكِّ، واعلم أن الصورة الثانية مذكورةٌ في الكتاب في آخر "كتاب الإيمان" ونعودُ إليها -إن شاء الله تعالى-.
ولو قال: واللهِ، لأدخلن، إن شاء فلانٌ أن أدخلَها، فههنا اليمين معلَّقةٌ بالمشيئة، فلا ينعقد قبل المشيئة، ولا حكم للدخول، فإذا حصلت المشيئة، انعقدت اليمين، فإن دخل، بَرَّ، وإلا، حنث، ويُنْظر؛ أَقَيَّدَ الدخول بزمان أو أَطْلَق، وعند الإِطلاق عمره وقت الدخول، فإن مات، حكمنا بالحنث قبيل الموت، وإن شاء فلان ألا يدخل أو لم يشأ شيئاً أو لم تُعرفْ مشيئته، فلا حنث؛ لأن اليمين لم تنعقد، وكذلك لو قال: والله، لا أدخل هذه الدار إن شاء فلان ألا أدخلها، فإنما ينعقد يمينه، إذا شاء فلان ألا يدخلها، والله أعلم.
وقوله في الكتاب "وهو قول العرب" يجوز أن يعلم مع الحاء والميم والألف بالواو؛ لأن في كتاب ابنِ جج أنَّ ابنَ سُرَيْجٍ قال: يُحْتمِل أن يكونَ لغْوُ اليمين عند الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- عبارةً عما إذا حلف على شيْءٍ يظنه، فتبين خلافه؛ لأنه قال: وجماع اللغْوِ الخطأُ، ولا يخفى أن لَغْو اليمين لا يختص بالعرب.
وقوله: "وهو قول العرب" كان سببه أن لغْو اليمين في كلام العَرَب أكثر وقوعًا.
وقوله: "ولا يَجِبُ بالمناشدة" يُقال نَاشَدهُ أي: ذكره الله، ونَشَدتُّكَ الله، أي: سألتُك باللهِ، أَنْشُدُ نَشْدًا كأنك ذكرته إياه، فنشد أي تذكَّر، وقيل: نَشَدتُّكَ الله، أي: سألتك بالله ترفْعَ نَشِيدي أي صَوْتِي، ويسمى طالب الضالَّة ناشدًا؛ لرفعه الصوْتَ بالطَّلَب.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: بِاللهِ وَتَاللهِ وَوَاللهِ فَالْكُلُّ صَرِيحٌ، وَلَوْ قَالَ: اللهِ لأَفْعَلَنَّ كَانَ يَمِينًا، وَلَوْ قَالَ: اللهِ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، وَلَوْ حَلَفَ بِمَخْلُوقٍ كَالنَّبِيِّ وَالْكَعْبَةِ أَوْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ فَأَنَا يَهُودِيٌّ أَوْ بَريْءٌ مِنَ اللهِ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَقَوْلُهُ بِاللهِ وَبِالرَّحْمنِ
الجزء: 12 - الصفحة: 234
وَبِالْخَالِقِ وَالرَّازِقِ وَمَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ اللهِ صَرِيحٌ، وَلَوْ قَالَ: أَرَدتُّ باللهِ وَثَقْتُ بِاللهِ ثُمَّ ابْتَدَأْتُ لأَفْعَلَنَّ لَمْ يُقْبَلْ ظَاهِرًا، وَفِي التَّدَيّنِ خِلاَفٌ، وَلَوْ قَالَ: بِالجَبَّارِ وَالرَّحِيمِ وَالحَقِّ وَالعَلِيمِ وَالحَكِيمِ وَمَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ اللهِ أَيْضًا فَهُوَ كِنَايَةٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ: وَحَقّ اللهِ وَحُرمَةِ اللهِ، وَلَوْ قَالَ: وَقُدْرَةِ اللهِ وَعِلْمِهِ وَكَلاَمِهِ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ إِذْ يرَادُ بالقُدْرَةِ المَقْدُورُ، وَهَذَا الوَجْهُ فِي قَوْلِهِ وَجَلاَلِ اللهِ وَعَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ أَبْعَدُ، وَلَوْ قَالَ: بِلَّهِ عَلَى قَصْدِ التَّلْبِيسِ وَهِيَ الرُّطُوبَةُ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَإِنْ نَوَى اليَمِينَ انْعَقَدَ وَحُمِلَ حَذْفُ الأَلَفِ عَلَى اللَّحْنِ، وَلَوْ قَالَ: بِالشيءِ وَالمَوْجودِ وَأَرَادَ بِهِ الإلهَ سبْحَانَهُ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَكَذَا كُلُّ مَا لاَ تَعْظِيمَ فِيهِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: ومن القيود التي يشتمل الضابط المذكور عليها قولهُ: "بذكْرِ الله أو صِفَتِهِ" ويخرج به صورتان:
إحداهما: الحلف بالمخلوق مكروهٌ؛ كالنبيِّ والكعْبة وجبريل والصحابة والآل؛ رُوي أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لاَ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ وَلاَ بِأُمَّهَاتِكُمْ وَلاَ تَحْلِفُوا إِلاَّ بِاللهِ" 18 وأنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الخطَّاب -رضي الله عنه- وَهوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ فَسَمِعَهُ يَحْلِفُ بأبيهِ، فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا، فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ، أوْ لِيَصْمُتْ" 19 قال عمر -رضي الله عنه- "فَمَا حَلَفْتُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ ذَاكِرًا وَلاَ آثَرًا" أي: حاكيًا عن غيري، قال الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- وأخشَى أن يكونَ الحَلِفُ بغيْرِ اللهِ معصيةً، قال الأصحاب -رحمهم الله-: أي محرمًا مأثومًا به وأشار إلى التردُّد فيه، قال الإِمام: الأصح القطْعُ بأنه ليس بمحرم والاقتصار على الكراهية، ومن حَلَف بغير الله، لمَ ينعقد يمينه، ولم تتعلَّق الكفَّارة بالحنث فيه خلافاً لأحمدَ في الحَلِفِ بالنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- خاصةً.
لنا: القياسُ على ما سلمه، قال لأصحاب: ولو أن الحالف بغَيْر الله تعالَى اعتقد في المحْلُوف به من التعظيم ما يعتقده في الله تعالَى كَفَر، وعلى ذلك يحمل ما رُوي أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللهِ، فَقَدْ كَفَر" 20 ويُروَى "فَقَدْ أَشْرَكَ" 21 ولو سَبقَ لسانهُ
الجزء: 12 - الصفحة: 235
إليه من غير قصد، لم يوصف بالكراهة، ويكون بمثابة لَغْوِ اليمين؛ وعلى ذلك يُحْمَلُ ما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال للأعرابيِّ الذي قال: "لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلاَ أَنْقُصُ: أَفْلَحَ، وَأَبِيهِ، إنْ صَدَقَ" 22 وإلى هذا المعنى يرجع قول من قال: إنه وقع صلةً في الكلام.
الثانية: إذا قال: إن فعلتُ كذا، فأنا يهوديٌّ، أو نصرانيٌّ، أو بريءْ من الله تعالى، أو من رسوله، أو من الكعبة، أو من الإِسلام، أو مستحلِّ الخمر والميتة، لم يكن ذلك يميناً، ولم تجب الكفَّارة بالحنث فيه، خلافاً لأبي حنيفة وأحمدَ -رحمهما الله- واحتج الأصحاب بأنه قولٌ عَرِبِيٌّ عن اسم الله تعالى وصفته، فلا ينعقد اليمين به، كما لو قال والسماءِ والأرضِ، ولَعَمْرِي وأبي، وبأن المحلوف حرامٌ، فلا ينعقد به اليمينُ، كما لو قال: إن فعلتُ كذا، فأنا زانٍ أو سارقٌ، وربما خُرِّج الخلافُ على حقيقة اليمين، فعندنا يُعتبر فيه ذكر الله تعالَى، ولم يُوْجَدْ عند أبي حنيفة أنَّ اليمين هي تحقيقُ الوعيد بما يكفر بضده، فقول القائل: واللهِ، لأَفعلن كذا، يتضمن تَعْظيمَ الله تعالَى، والإنسانُ يَكْفُر بضدِّه، وقوله: إن فعلتُ كذا، فأنا يهوديٌّ، يتضمن تعظيمَ الإِسلام وإبعاد النفسِ عن التهوُّد، وضدُّه الرغبة في التهود والرضا به وهو كفر، هذا إذا قصدَ القائل تبعيد النفس عن ذلك، فأما من قال ذلك على قَصْد الرضا بالتهوُّد وما في معناه، إذا فعل ذلك الفعْل، فهو كافرٌ في الحال 23 , ثم الكلام في القيد المذكور يتعلَّق بفصلين: = كفر وأشرك، قال البيهقي: لم يسمعه سعد بن عبيدة من ابن عمر، قلت: قد رواه شعبة عن منصور عنه، قال كنت عند ابن عمر، ورواه الأعمش عن سعد عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن عمر.
الجزء: 12 - الصفحة: 236
أحدهُما: قال أهل اللسان: حُرُوفُ القَسَم ثلاثةٌ، وهي الباء والواو والتاء، قالوا: والأصل الباء، وهي من صِلَةِ الحلِف أو الإقسام، فكان الحالف يقول: حلَفْتُ، أو أقسمت، أو يآلَيْتُ بالله، ثم لما أكثر الاستعمال، وفُهِم المقصود، حُذِفَ الفعل، ويلي الباء الواوُ، وآية قُصُورها عن الباء أن الباء تدْخُل على المُضمَر، كما تدخل على المُظْهَر؛ نقول: بِكَ وَبِهِ، لأفْعَلَنَّ كذا، بخلاف الواو، ويلي الواوَ الباءُ، وقد تقام الباء مُقَام الواو، كما في تُخْمة، وهي من الوَخَامة، وتُرَاث، وهو من قولهم وَرِثَ، وآية قصورها: أنها لا تدخل من الأسماء إلا على الله 24، كما قال تعالَى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ﴾ [يوسف: 85] وقال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: 57] ولا تدخل على سائر الأسماء، فإذا قال: تَاللهِ، لأفعلن كذا، فإن نوى اليمين، فلا شك أنه يمين على ذلك الفعل، وإن أطلق، فكذلك؛ لاشتهار الصيغة في الحلف عرفاً وشرعاً، وإن نوى غير اليمين؛ بأن قال: أردتُّ وثِقْتُ بالله أو اعتصمت بالله، أو أستعين بالله، أو أُومِنُ، ثم ابتدأت: لأفْعَلَنَّ، فالذي أورده أصحابُنا العراقيون -رحمهم الله- وعليه جرى صاحب "التهذيب" والقاضي الرويانيُّ وغيرُهم -رحمهم الله- أنه لا يكون يمينًا، وتصير النية صارفةً إلى المحلِّ المذكور؛ لاحتماله، واستبعد الإِمامُ ما ذكروه، وعدَّه زللاً منهم، أو خللاً من ناسخ، ونُقِلَ أنه لو نوى غير اليمين، وادعى التورية 25، لم يُقبل ذلك فيما يتعلَّق بحق الآدميين، كما في صورة الإِيلاء، وهل يُقْبل فيما بينه وبين الله تعالَى؟.
عن القاضي الحُسَيْن: القطعُ بأنه لا يُقْبلُ أيضاً، وعن الشيخ أبي محمَّد الفوراني أن فيه وجهين:
أحدُهُمَا: القبولُ، كما لو قال لزوجته: أنتِ طالقٌ وزعم أنه أراد طلاقًا من وثاق، فإنه يَديَّنُ، وبل أولَى؛ لأن الطلاق أسرعُ نفوذًا.
والثاني: المنعُ؛ لأن الكفَّارة تتعلَّق باللفظ المحترم الذي أظهره ثم خالفه، وإظهار ما يخالف اللفظ لا يسقط ما ذكرناه من إظهار اللفظ ومخالفته، وحَكَى القاضي ابن كج:
الجزء: 12 - الصفحة: 237
أن من الأصحاب مَنْ لم يفرِّق بين قول الحالف: تالله، وبين قوله: بالله، هذا يقتضي إثباتَ الخلاف في كونه يميناً عند الإِطلاق، كما ستعْرِفه في قوله: تالله، والأكثرون جَرَوْا على ما قدَّمناه، وأشار جماعة في قوله: واللهِ، لأفْعَلَنَّ 26 إلى أنه يمين بكل حال، ولكن الأشبه أنه كقوله: بالله، وقد يقول المتلفِّظ به: أردت؛ واللهُ المستعان، ثم ابتدأت بـ"لأفعلن"، وليس في ذلك إلا لحنٌ في الإعراب، وسيأتي له نظائر، وأما إذا قال: تالله، لأفعلن، وليس في ذلك كذا، فالمنصوص هاهنا وفي "الإِيلاء": أنه يمين، وعن نصه في "القَسَامة": أنه ليس بيمين، وفيه طرق للأصحاب:
أحدها: إثبات قولين في المسألة:
أحدهما: أنه يمين؛ لأنَّه مستعمل في القرآن والعرف لليمين، فصار كقوله: باللهُ ووالله.
والثاني: المَنْعُ؛ لأنَّه لم يَشْتَهِر اشتهار الباء والواو، ولا يَعْرِفُ القسمَ به كثيرٌ من الناس.
والثاني: أنه ليس بيمين في "القسامة"، وهو يمين في غيرها، وفرقوا من وجهين:
أحدهِما: أنه يُثْبِت في القسامة حقًّا لنفسه من قصاص له ودية، فلا يُقْنَع منه إلا بلفظ قويٍّ مشهور في اليمين وفي الإيلاء وسائر الأيمان، وذكْرُهُ الامتناعَ من الفعل أو الإِقدام عليه يدلُّ على قصد اليمين.
والثالث: وهو الأظهر، وبه قال أبو الطَّيب وأبو حفص وأبو إسحاق -رحمهم الله- القطع بأنه يمينٌ، وذكرنا لما نقل عن القسامة تنزيلين:
أحدهما: أنه وقع في الرواية تصحيفٌ، وإنما ذكر الشَّافعي -رضي الله عنه- ذلك في الباء المنقوطة باثنتين من تحْتها يدل عليه؛ أنه علَّل، فقال: لأنَّهُ دعاء، ثم منْهم من ينزل إيراده على أنه أراد ما إذا قال: يالله على النداء، ومنهم مَنْ قال: أراد يَالَلَّهِ، بفتح اللام، وقال: أراد دعاء الاستغاثة، وهذا أشبهُ وأقرب إلى التصحيف.
والثاني: حمله على ما إذا قال القاضي: قل: بالله، فقال: تالله، فلا يُحسب ذلك؛ لأن الحَلِفَ ينبغي أن يكونَ على وفْق التحليف؛ ولذلك نقول: لو قال: قل: بالله، فقال: بالرحمن، لا يُحسب يمينُه، وعلى عكسه، لو قال: قل: تالله، فقال: بالله، فعن القَفَّال، أنه يكون يميناً؛ لأنه أبلغُ وأكثرُ استعمالاً في اليمين، ولو قال: قل: بالله، فقال: واللهِ، قال الإِمامُ؛ فيه تَرَدُّدٌ؛ لأن الباء والواو لا تكادان تتقاربان في مجرى
الجزء: 12 - الصفحة: 238
الكلام، ولا يمتنع ألا يحنث؛ للمخالفة، وهذا المعنى يجيء في الصورة المنقولة عن القفَّال، واعلم أن الخلافَ المذكورَ فيما إذا قال: تالله، ولم يقصد اليمين ولا غَيْرَ اليمين، فأمَّا إذا نوى به غير اليمين، فإنه لا يكونُ يميناً بلا خلاف، كذلك ذكره العراقيون، والقاضي الرويانيُّ وغيرهم -رحمهم الله- 27.
وعلى هذا، فقولُهُ في الكتاب "فالكلُّ صريح" معناه أنه يُؤثِّر من غير نية ويجوز إعلامه بالواو؛ لما تبين، وقد يفيد صريح الطلاق والعتاق بما يُؤثِّرُ فيهما، وان نوى غيرَهما, ولا يمكن أن في حمل لفظُ الصريحِ على مثله هاهنا.
ولو قال: واللهُ، بالرفع، فهو يمينٌ سواءٌ نغَّمَه، أو لَمْ ينغمه، والخطأ في الإعراب لا يمنعُ انعقادَ اليمينِ، وكذا لو قال: واللهَ، نصب الهاء، ذكره في "البيان" وحُكِيَ عن القفَّال في قوله "واللهُ" بالرفع: أنه لا يكون يميناً إلا أن ينوي به اليمين، ولو حذف حرف القسم، فقال: اللهِ، لأفعلنَّ كذا، ونوى اليمين، فهو يمين، وكذا لو نصب أو رفع، ويحتج له بما رُوِيَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال، في حديث رَكَانَةَ: "الله، مَا أَرَدَتِّ إِلاَّ وَاحِدةً" 28 رواه صاحبُ "البيانِ" بالرفع والقاضي الرُّويانيُّ بالجر، ورُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لابن مسعود -رضي الله عنه-: "اللهَ، قَتَلْتَ أَبَا جَهْلٍ" بالنصب، وإن أطلق، فالمشهور في الرفع أنه لا يكونُ يمينًا، وان كان يحتمل اليمين، فيحتمل ابتداء الكلام أيضاً، فلا يكونُ يميناً إلا بالنية، وفي "البيان" وجهٌ أنَّه لا يكون يميناً، كما سنذكر -إن شاء الله تعالى- في النصب والجر، وفي النصب والجرِّ وجهان:
أظهَرُهما: أنه لا يكونُ يمينًا، أيضاً، ووجِّه بأن العادة لم تستمر بالحلف، كذلك، ولا يعرفه إلا خواصّ الناس.
والثاني: أنه يمينٌ، وبه قال أحمدُ، وحكاه ابنُ الصَّبَّاغ عن أبي جعفرِ الاستراباذيِّ، ورواه القاضي الرويانيُّ في "البحر" عن أبي جعفر الترمذيِّ -رحمهم الله- ووجِّه بأن حروف القسم تظهر تارةً، وتحذف أخرَى ويقتصر على إضمارها، وبهذا أجاب صاحبُ الكتاب -رحمه الله- هاهنا وفي "الوسيط" في صورة الجرِّ، والأول أرجح عند المعظم، منهم صاحب الشامل وصاحب"التهذيب" وصاحب "التتمة" -رحمهم الله-، والخلافُ على ما تبيَّن حاصلٌ في الأحوال الثلاث، لكنَّ الجَرَّ أولاها بأن يكونَ يميناً؛ لإِشعاره
الجزء: 12 - الصفحة: 239
بالصلة الخافضة، ويليه النصب، وربما يقال: إنَّه نصب بنزع الخافض، ويليه الرفع، وبحَسَب هذه المراتب، قد يرتب الخلافُ على الخلافِ، ولو قال: "بلّه" 29 فشدد اللام وحذف الألف بعدها، فهو غَيْرُ ذاكر لاسم الله تعالَى، ولا حالفِ، فإن البلَّةَ هي الرطوبةُ، ولكن إن نوى بما ذكره اليمينَ بالله تعالَى؛ فعن الشيخ أبي محمد: أنه يكونُ يمينًا ويحمل حذف الألف على اللَّحْنِ 30، وبهذا أخذ صاحبُ الكتابِ والإمامُ -رحمهما الله- وعضَّده بأن الكلمة تجري كذلك على أَلْسِنَةِ العوامِّ والخواصِّ، وقد يَستجير العرب حذف الألف في الوقْف؛ لأن الوقف يقتضي إسكانَ الهاء، وإذا اجتمع ساكنان في الوقْف، جاز أن يحذف أحدُهُما، وقوله في الكتاب "على قصد التلبيس وهي الرطوبة" هذا التفسير غيرُ محتاج إليه بل إذا لم يقصد اليمين، لا يكونُ ما أتى به يمينًا، وإن لم يقصد التلبيس، ولم يرد الرطوية.
الفصل الثاني: للأصحاب في ضبط ما يُحْلَفُ به طريقان:
أحدهما: وهي أقرب إلى سياق "المختصر": أن اليمين لا ينعقد إلا إذا حَلَف باللهِ أو باسْمٍ من أسمائه أو صفة من صفاته، وأرادوا بالقسم الأولِ أن يذكر ما يفهم منْه ذاتُ الله تعالى فلا يَحْتَمِلُ غيره منْ غيْرِ أن يأتي باسمٍ مفردٍ أو مضافٍ من أسمائه الحسنَى؛
الجزء: 12 - الصفحة: 240
كقوله: والذي أعبده أو أسْجُدُ له أو أصلِّي له، أو الذي فالِقِ الحبة، أو نفْسِي بيده، أو مقلب القلوب، ينعقد يمينه، سواءٌ أطلق، وقصد البارئ تعالى أو غيره، وإذا قال: قصدت غيره، لم يقبل ظاهرًا، وكذا لا يُقْبل فيما بينه وبين الله تعالَى على المشهور، وذُكِر فيه وجهٌ ضعيفٌ.
وأما القسم الثاني: وهو الحَلِفُ بالأسماء، ثلاثة أنواع:
أحدها: ما يختص بالله تعالَى، ولا يُطْلقُ في حق غيره، كالله والإِلَهِ، والرَّحْمن، وربِّ العالمين، ومالك يوم الدين، وخالِقِ الخلْقِ، والحيِّ الذي لا يموت، والأولِ الذي ليس قبله شيءٌ، والواحدِ الذي ليس كمثله شيْء، فحكْمُ الحِلفِ به حكْمُ الحلف بالقِسْم الأول، وفي كتاب القاضي ابن كج: أن الحلف بالأسماء ليس بصريح إلاَّ باسم واحد، وهو الله، وهذا غريبٌ، ومحمد الإِمام -رحمه الله- الخالق، والرازق من هذا النوع، ألحقهما الأكثرون بالرحيم وسائر ما يذكر في النوع الثاني؛ لأنهما يُطْلَقَان في حق غير الله تعالَى، يُقال: فلان خالق الكَذِب، وقال تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ [العنكبوت: 17] ورازق الجيش وقال تعالَى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ﴾ [النساء: 5] وصاحب الكتاب اتبع فيه الإِمام، فليعلم الاسمان بالواو، وليعرفِ الحال فيهما.
والنوعُ الثاني: ما يُطلق في حقِّ الله تعالَى، وفي حق غَيْره، لكنَّ الغالبَ استعمالُه في حقِّ الله تعالَى، وأن يقيد في حق غيره بضَرْبٍ من التقييد، كالرحيم، والجهار، والحق، والرب، والمتكبر، والقادر، والقاهر فإنْ حلف باسم منها وأطلق وأراد به الله تعالَى، فهو يمين، وإن أراد به غيره، لم يكن يمينًا؛ لأنه قد يُسْتعملُ في حقِّ غيره، فيُقال: فلانٌ رحيمُ القلب، وجبَّارٌ، ورب إبل، ومتكبرٌ وقادرٌ على هذا، وقاهر لفلان، ويجوز أن يعلَم قولُه و"الرحيم" بالواو؛ لأن القاضي ابنْ كَج كأنه جعله كالرحمن، وعدَّه في النوع الأول، وكذلك حكاه القاضي الرويانيُّ عن القاضي الطبري، وغلط فيه.
وأن يعلم قوله "فهو كناية" لأن ابنَ كج رَوَى عن بعض التصانيف أن الحلِفَ بأي اسم كان من الأسماء التسْعة والتسعين التي ورد بها الخَبَرُ لا فرق بين بعضها وبعض.
والنوع الثالث: ما يطلق في حق الله تعالَى وفي حق غيره، ولا يَغْلِبُ استعمالُه في أحد الطرفين كالشيء، والموجود، والمؤمْن، والكريم 31 وما أشبهها، فلا يكون يمينًا، إن نوى به غير الله تعالَى، أو أطلق، فإن نوى الله تعالَى، فالذي أورده صاحبا "التهذيب"
الجزء: 12 - الصفحة: 241
و"المهذب" -رحمهما الله- وغيرهما: أنه يكونُ يمينًا؛ لاحتمال اللفظ، وضمَّنه النية، وفي شرح الموفَّق بن طاهر: أن صاحبَ "التقرِيب" وأبا يعقوب حكياه عن شيوخ الأصحاب -رحمهم الله- وقطَعُوا به، والأظهر، وبه أجاب الشيخ أبو حامد وابن الصبَّاغ والعراقيون وتابعهم الإِمام وصاحبُ الكتاب -رحمهم الله- أنه لا يكون يمينًا، ووجَّهوه بأن اليمين إنما تنعقد إذا حَلَف باسم معظَّم والأسامي التي تطلق في حق الخالق والمخلوق إطلاقًا واحداً ليس لها حرمةٌ ولا عظمة، فلا ينعقد بها اليمين 32، واعلم أن صاحبَ التهذيب عدَّ السميع، والبصير من النوع الثاني، ويشبه أن يكونا من هذا النوع، وأن صاحبَ الكَتاب عَدَّ الحكيم والعليم من النوع الثاني، ويشبه أن يُعَدَّا من هذا النوع أيضاً، ويدل عليه أن "العالِم" في "التهذيب" يندرج في هذا النوع، والله أعلم.
والقسم الثالث: الحلف بالصفات، ونتكلم في صور منها على الأثر، هذه طريقة في الضبط.
والثانية: وهي أقصدُ: أن اليمين، إنما تنعقد، إذا حلف الحالف بما مفهومه ذاتُ الله تعالَى أو صفةٌ من صفاته، ويندرج في الأول القسمانِ الأولان في ذلك القِسْم، وأما الكلام في الصورة المتعلقة بالصفات.
فمنها: إذا قال: وحق 33 اللهِ، لأفعلنَّ كذا، فقد حَكَى الإِمام فيه وجهين متصورة منهما، والمذكور في الكتاب: أنه كناية فلا يكونُ يميناً إلا إذا انضمَّت إليه النِّيَّةُ؛ لأن حق الله تعالى يُطْلق على العبادات التي أَمَرَ بها ويُطلَقُ بمعنى استحقاقه الألوهية والعَظمة، والتَّعَالي، فلا يصير يميناً إلا بالنية، ويُروَى هذا عن أبي حنيفة، وعن المُزنِّي في "مسائله المنثورة" ورواه شارح "مختصر الجويني" من أبي إسحاق:
وأظهرهما: وهو المنصوص، والذي يوجد للجمهور -رحمهم الله- أنه يمين، وإن أطلقه، ولم يكن له نيةٌ، وإنما ينصرف عن اليمين، إذا نوى فيه غير اليمين، وبه قال مالك وأحمدُ -رحمهما الله-، أما كونه يمينًا عند الإِطلاق، فقد وُجِّهَ بطريقين:
أشهَرُهُمَا: أنه غلب استعماله في اليمين، فتصير هذه الغلبة قرينةً صارفةً للفظ إلى معنى استحقاق الألوهية والعَظَمَة.
الجزء: 12 - الصفحة: 242
والثاني: في "البيان": أن أبا جعفر الاستراباذيَّ -رحمه الله- قال: حقُّ الله تعالَى هو القرآن، قال الله تعالَى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الحاقة: 51] يعني: القرآن، والحلِفُ بالقرآن يمينٌ في صورة الإِطلاق، فكذلك ما نحن فيه، وأما انصرافه عن اليمين، إذا نوى به غير اليمين؛ فلاحتمال اللفظ له، وفي "التتمة": أنه لو قال: وحقُّ اللهِ، بالرفع، ونوى اليمين، فهو يمين، وإن أطلق، فلا، وإن قاله بالنصب، وأطلق، فوجهان وقد سَبَق نظير هذا في الحلف باسم الله، والذي أجاب به في "التهذيب": المنع في صورة النصب أيضاً، ولو قال: وحرمة الله، ففي النهاية حكايةُ طريقَيْن فيه:
أحدهما: أنه، كما لو قال: وحقِّ الله، وحرمةِ اللهِ؛ خلافَ ما أجاب به في الكتاب.
ومنها: لو قال: وقدرةِ الله، وعلم اللهِ، ومشيئةِ اللهِ، وسَمْعِ اللهِ، وبصَرِ اللهِ، فهذه صفات قديمة، فإذا قصد الحالفُ بها اليمين أو أطلَقَ، انعقدت يمينه، ولو قال: أردتُّ بالعلم المعلومَ وبالقدرةِ المقدور، قُبِلَ، ولم يكن يمينًا؛ لأن اللفظَ مُحْتَمِلٌ، كذلك يُقال في الدعاء: اغفر عِلْمَكَ فينا، أَي: معلومك، ويُقال: انظر إلى قدرةِ اللهِ تعالَى أي مَقْدُورِهِ، فيكون كما لو قال: ومعلومِ اللهِ ومقدورِ اللهِ وخَلْقِ اللهِ ورزقِهِ، وذلك ليس بيمين، وبمثله أجاب الإمامُ في إحياءِ اللهِ، ولو قال: وعظمةِ الله، وكبرياءِ الله، وعزته، وجلالهِ، وبقائهِ، فالحكَمُ كما في العلّم والقدْرة، ولم يفرقوا بين الصفات المعنوية الزائدة على الذات وغيرها، هذا هو المذْهَبِ الظاهرُ، ونُقِلَ الإِمامُ وراءه وجهين:
أحدهُما: إن الحَلِفَ بهذه الصفاتَ نازِلٌ منزلةَ قوله "بالله" بالرحمن، ونحوهما حتى لو قال: أردت به غير اليمين، لا يقبل ظاهراً.
والثاني: إن أراد غير اليمين، يُقبل في العلْم والقدرة؛ للاحتمال المذكور، ولا يُقبل في الجلال والكبرياء والعظمة؛ إذ لا يتخيل فيها مثلُ ذلك الاحتمال، وضعف هذا الوجه الفارق، فقال: قد يقول الإنسان عاينت كبرياء الله وعظمته، ويريد مثل ذلك، وعند أبي حنيفة قولٌ القائلِ "وعلمَ الله" ليس يمينًا، وقوله "وقدرة الله" يمينٌ، ولو قال: أردتُّ غير اليمين، لم يُقْبَلُ، وعن أحمد: القدرة مثله.
ومنها: لو قال: وكلام وكتاب اللهِ، انعقدت اليمين، كما لو حلف بالعلْم والقدْرة وبمثله أجاب صاحبُ "التهذيب" فيما إذا قال: وكتاب الله وقرآنِ الله، وإبراهيم المَرُوْزي -رحمه الله- فيما لو قال: والقرآنِ، وإنما هو مثبتٌ في المصْحَف، وقال الشيخ أبو سعد المتوَلّي في "التتمة": إذا حلف بالمُصْحَف، فإن قال: وحرمةِ ما هو مكتوبٌ فيه، فهو يمين، وكذا لو قال: وحرمةِ هذا المصْحَف؛ لأن احترامه؛ لما هو مكتوب فيه،
الجزء: 12 - الصفحة: 243
وإن أراد الرّقَّ والجلْدَ، لم يكن يمينًا 34 وإذا قال: والقرآنِ، وأراد غير اليمين، لم يكن يمينًا وقد يراد بالقرآن الخُطْبة والصلاةُ، وعند أبي حنيفةَ: قولُ القائل "وكلام اللهِ" ليس بيمين بحال، وتكلَّموا في سببه، قيل؛ لأن القرآن عنده مخلوقٌ وقِيلَ: لم يقل بخلِق القرآن، لكن قال: لا نعهَدُ الحلف به.
وقوله في الكتاب "فهو كناية على أحد الوجهين" لم يكن تفسير الكناية هاهنا بما يتوقَّف تأثيره على النية، بخلاف قوله قبله "فهو كناية" لأن الحلف بالصفات يمينٌ عند الإِطلاق، ولا يَتوقَّف على النية، ولا يوجد فيه خلافٌ في كتب الأصحاب -رحمهم الله- ويصح تفسيرها هاهنا بأنه ينصرف عن اليمين بالنية، وهو الوجه المشهور ويجيء فيه ما رواه الإِمام -رحمه الله- وقولهُ "وهنا الوجه في قوله: وجلالِ اللهِ، وعظمتِهِ، وكبريائِهِ" يعد إشارةٌ إلى الوجه الفارق بينها وبين العلْم والقدرة، ويجوز أن يعلَمَ قوله: "فهو كناية" بالحاء والألف؛ لما حكينا من مذهب أبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله- أن اللفظ لا ينصرفُ عن اليمين بالنية في قوله: "وقدرة الله".
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: أُقْسِمُ أَوْ أَحْلِفُ بِاللهِ أَوْ أَقْسَمْتُ بِاللهِ وَنَوىَ الوَعْدَ أَوِ الإخْبَارَ قُبِلَ، وَمُطْلَقةُ يُنَزَّلُ عَلَى اليَمِينَ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: أَشْهَدُ، وَفِي لُزُومِ الكَفَّارَةِ بِهِ عَلَى المُلاَعِنِ وَجْهَانِ كَمَا فِي الإِيَلاءِ، وَكذَلِكَ قَوْلُهُ وَأيْمُ اللهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ صَرِيحٌ، وَقَوْلُهُ: لَعْمرُ اللهِ كِنَايَةٌ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصْلِ مسألتان:
إحداهما: إذا قال: أقسم بالله، أو أحلف بالله أو أقسمت بالله، أو حلفت بالله، فله أحوال:
أحداها: أن يقول أردتْ بالأولِ الوعدَ بالحَلِف، وبالثاني الإِخبارَ عن حلفٍ ماضٍ، فيُقْبل في الباطن، وأما في الظاهر، فإن علم أن له يمينًا ماضيةً، قُبل قولُه: إني أردتها بأقسَمْتُ بلا خلاف، وإلا، فالنص أنه يُقْبَلُ قوله أيضاً في إرادة الوعْد أو الإخبار عن الماضي، فقال في "الإِيلاء": إذا قال: أقسمتُ باللهِ، لا وَطِئْتُكِ، ثم قال أردتُّ يمينًا
الجزء: 12 - الصفحة: 244
في زمانٍ ماضٍ، لم يُقبل قوله، وفيها ثلاث طرقٍ للأصحاب -رحمهم الله-:
أشهرها: أن في الإِيلاء وسائر الأيمان قولَيْن بالنقل والتخريج:
أحدهما: أنه لا يُقْبل قولهُ؛ لأن قول القائل: أقسمت بالله أو أُقْسِم باللهِ إنشاء يمينِ في العُرْف، والشرع، فلا يُقبل منه صرْفُه إلى الماضي، كما أن قوله: "أنت طالق" لِمَا كان إنشاءَ طلاقٍ لم يُقْبَل قوله إذا قال: أردت طلاقًا سابقًا.
وأصحُّهُما: وهو المذكور في الكتاب: القبول؛ لظهور الاحتمال.
والثاني: القطعُ بالمنع، وحمل ما ذكر هاهنا على القبول الباطِنِ.
والثالث: تقرير النَصَّيْن، والفرق أن الإيلاء متعلِّق حقِّ المرأة، وحقوق الآدميين ممَّا يضايَقُ فيه، وسائر الأيمان الحكْمُ فيها بالكفارة، وهي حقُّ الله تعالَى.
والثانية: أن يقول: أردت اليمين؛ فيكون يمينًا لا محالة.
الثالثة: أن يطلِقَ، فلا ينوي شيئاً، وهل يكون يمينًا، والحالة هذه؟.
أطلق مطلقون؛ منْهم أبو يعقوب الأبيوردي فيه خلافاً، ثم منْهم من يقول: وجهان، ومنهم من يقول: قولان، ويوجَّه المنْعُ بأن صلاحية "أقسمْتُ" للماضي، "وأُقْسِم" للمستقبل ظاهرةٌ فلم يأت بلفظ صريح في الإِنشاء، ويوجه كونه يمينًا بأن العُرْف مُطَّرِدٌ باستعمال اللفظين في إنشاء اليمين، وذكر جماعة في كيفية تولُّد هذا الخلافٍ، منْهم القاضي ابنُ كج وأبو بكر الطوسيُّ -رحمهما الله- أن ظاهر نصه في "الأيمان" أنه ليس بيمين عند الإِطلاق، ونص في "الإيلاء" على أنه يمينٌ، فتصرف فيهما متصرِّفون بالنقل والتخريج، وفَرَق فارِقُون بمثَل ما سَبَقَ في الحالة الأُولَى، والأصحُّ من الخلاف عند الإِمام أنه ليس بيمين، وبه أجاب الصيدلانيُّ، وعند المعْظَمِ: أنه يمينٌ، ولم يتعرض كثيرون لحكاية الخلاف فيه، وعن بعض الأصحاب: أنه لا فرْقَ بين قوله: "أقسمت" فلم يجعله صريحاً عند الإِطلاق، وبين قوله: "أقسم" فجعله صريحًا، وهو ضعيف 35.
الثانية: إذا قال: أشهدُ بالله أو شهدِتُّ بالله، فإن نوى اليمين، فهو يمين، وقد ورد الشرع بهذه اللفظة بمعنى اليمين؛ قال تعالَى: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 1] والمراد نَحْلِفُ، ولذلك قال تعالى على الأَثَرِ: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: 2] وإن أراد غير اليمين، فلا يكون يمينًا، وهذا قد يكون لإِرادة غير القسم؛ بأن يريد الإِيمان بالله تعالَى والشهادة بوحدانيته، وقد يكون لإِرادة الوعد
الجزء: 12 - الصفحة: 245
والإخبار عن الماضِي مع إرادة القَسَم، كما ذكرنا في قوله: "أقسم باللهِ وأقسمت" وإن أطلَق، ففيه طُرقٌ:
أشهرها 36: أن في كونه يمينًا وجهين: وجهُ كونِهِ يمينًا ورود الشرع بالشهادة بمعنى القَسَم؛ قال تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 6] واللعان يمينٌ، ووجه المنع: أنَّه لم يطرد به عرف اللغة ولا الشَّرعِ، ويحتمل أن يريد؛ أشهد بوحدانية الله تعالَى، ثم يبتدئ؛ لأفعلَنَّ كذا، على هذا ينطبق كلامُ الكتاب؛ فإنه قال في "أقسم أو أقسمت": "إن مطلقه ينزل على اليمين على أحد الوجهين"، ثم قال: "وكذلك قوله: أشهد" فأشعر العطْفُ بطرد الوجهين، لكنهم رجَّحوا هاهنا الوجه المذاهب إلى أنه ليْس بيمين، لتردُّد الصيغة بخلاف صنيعهم في قوله: "أُقْسِم وأقسمْتُ".
والثاني: عن أبي إسحاق: القطع بأنه يمينٌ.
والثالث: عن أبي الطيب بن سلمة: القطْع بأنه ليس بيمين، ونسبه الإِمام إلى العراقيين.
ولو قال: أعزم بالله أو عزمت بالله، لأفعلن، لم يكن ذلك يميناً، ولا ورد الشرع به، لكن، إن نوى به اليمين، فهو يمين؛ لاحتمال أن يريد الإِخبار عن عزمه، والحَلِف على المعزوم عليه.
ولو قال: أُقْسِم، أو أقسمْتُ، أو أحلفُ، أو حلَفْتُ أو أَشْهَد أو شَهِدتُّ أو أعزِمُ أو عزمْتُ، لأفعلَنَّ كذا, ولم يقل: بالله، لم يكن يميناً سواء نوى اليمين أم لا؛ لأنه لم يحلفْ باسمِ الله تعالَى ولا صفة من صفاته، وعند أبي حنيفة: هو يمين، إذا نوى اليمين أو أطلَقَ، وعند مالك: إن نوى اليمين، فهو يمين، وإن أطلق، فلا، وعن أحمد روايتان كمذهبهما.
ثم في المسألة فروعٌ تتعلَّق باللعان؛ وهو أن الملاعن، إذا قال في لعانه: أشهد باللهِ، وكان كاذبًا، هل تلزمه الكفَّارةُ؟ فيه وجهان عن رواية صاحبِ "التقريب":
الأظْهَرُ: الوجُوبُ، وقرب الإِمام الخلافَ من الخلاف في أن المولَى هل تلزمه الكفَّارة إذا وطئ، ووجه الشبه أن الإيلاء لاقتضائه الفراقَ وإفضائه إليه جعل في قول خارجاً عن الأيمان المحضة، فكذلك اللعان؛ لاقتضائه الفراق، وذكر أن التصوير فيما إذا زعم أنه قصد اليمين أو أطْلَق، وجعل مطلقه يميناً، قال: ويمكن أن يجيء الخلاف، وإن قصد غير اليمين؛ لأن ألفاظ اللعان معروضةٌ عليه في مجْلسِ الحُكمٍ، ولا أثر للتورية في الأيمان الجارية في مجلس الحكم، ولك أن تقول: إنما لا يؤثِّر القصد والتورية في الأيمان المعروضة في مجْلس الحُكْم في الأحكامِ الظاهرةِ، والكفَّارةُ حكْمٌ
الجزء: 12 - الصفحة: 246
بينه وبين الله تعالَى، فيشبه أن يُقَال: لا يلزمه، إذا لم يقصد اليمين.
الثالثة: إذا قال: وَايْمُ الله، لأفعلنَّ كذا، أو وَايْمَنُ اللهِ، فإن نوى به اليمين، فهو يمين، وقد رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "وَايْمُ اللهِ، إِنَّهُ لَخَلِيقٌ بِالإِمَارَةِ" 37 وإنْ أطلق، ولم يَنْوِ 38 شيئاً، فوجهان:
أحدهما: أنه يمينُ، لكثرة استعماله في اللغة يميناً، وقد ذكر أن أصل "ايْمُ اللهِ" "ايْمُنُ اللهْ" وأن الأيمن جمع اليمين، وأن التقدير: وَايْمُنُ الله قسمي، فكأنه قال: حلفت بالله.
وأظهرُهما: المنعُ؛ لأنه لا يعرفه ولا يستعمله إلا خواصُّ الناس، ولذلك قال الأصحاب: لو قال: لاَهَا الله 39، ولم يُردِ اليمينَ، لا يكون يمينًا، وإن كان يستعمل يمينًا في اللُّغَة؛ لعدم اشتهاره 40 ويعبر عن الوجه الأول بأنه صريحٌ، وعن الثاني بأنه كنايةٌ.
فقوله في الكتاب وَقِيلَ: إنَّه صريحٌ كالمستغنى عنه: لأن الظاهر من قوله وكذلك قوله "وايمُ الله" رد العطف إلى الوجهين السابقين في قوله "ومطلقة يَنْزِل على اليمين على أحد الوجهين".
الرابعة: إذا قال: لعَمْرُ اللهِ، لأفعلنَّ كذا، فإن أراد به اليمينَ، فهو يمين، والمراد منه البقاءُ والحياةُ، وهو قريب من العُمر لكنه في هذا الموضع لم يجئْ إلا مفتوح العَيْن، ونذكر أن المعنى لَعَمْرُكَ قَسَمِي أو يَمِينِي أو ما أقسم به، وإن لم ينوِ شيئاً، وأطلق، ففيه وجهان:
الجزء: 12 - الصفحة: 247
أظهرهُما: أنه ليس بيمينٍ؛ لأنه كما يُطلق بمعنى البقاء، يُطْلِق بمعنى العبادات والمفروضات.
والثاني: أنه يمين؛ لاشتهاره في اليمين لغةً، وبهذا قال أبو حنيفةَ وأحمدُ، وبه قال ابن سُرَيْجٍ -رحمهم الله- في جوابات الجامع الصغير، وأبو الطيب بن سلمة، واختاره صاحبُ "الإفصاح" 41، ومما يناسب هذه الصورةَ، إذا قال: عليَّ عهدُ اللهِ وميثاقُه وأمانَتُه وكفالَتُه، لأفعلن كذا، فإن أراد اليمينَ، فهو يمين، والمراد من عهده استحقاقه لإيجاب ما أوجب علينا وتعبَّدنا به، وإن أراد غير اليمين، لم يكن يميناً، والمراد العبادات التي أُمرنا بها، وإذا أطلق، فعلى وجهين:
عن أبي إسحاق: أنه يمين؛ للعادة الغالبة، وبه قال أبو حنيفةَ ومالكٌ -رحمهما الله- والأظهر خُلافه؛ لِتردُّد اللفظ، وبالعبادات فُسِّرت الأمانة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: 72] وإذا أراد اليمين بهذه الألفاظ فتنعقد يمين واحدة، والجمع بين الألفاظ تأكيدٌ، كما لو قال: واللهِ الرحمنِ الرحيمِ، ولا يتعلَّق بالحنث إلا كفارةٌ واحدةٌ، وقال مالكٌ: يتعلق بكلِّ لفظٍ كفارةٌ، ولك أن تقول: إن قصد بكلِّ لفظٍ يمينًا، فليكن كما لو حلف على الفعْل الواحد مراراً 42.
ولو قال: وعهدِ الله وميثاقِ الله وأمانةِ اللهِ، قال في "التتمة" إن نوى به اليمين، فهو يمين، وإن أطلق فلا؛ خلافاً لأحمدَ، وعن أبي حنيفة -رحمه الله-: أن العهد والأمانة يمينٌ، بخلاف الميثاق.
قَالَ الغَزَالِيُّ: فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَلِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمٌ أَوْ صَلاَةٌ لَزِمَهُ الوَفَاءُ عَلَى قَوْلٍ كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ شَفِىَ اللهُ مَرِيضِي أَوْ ذَكرَ حُصُولَ نِعْمَةٍ أَوْ دَفعَ بَلِيَّةٍ، وَعَلَى قَوْلٍ يَلْزَمُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لأَنَّ مَقْصُودَهُ المَنْعُ وَيَجْرِي فِي كُلِّ مَا يُقْصَدُ امْتِنَاعُهُ، وَعَلَى قَوْلٍ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الوَفَاءِ وَالكَفَّارَةِ، وَلَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْتُ فَعَلَيَّ نَذْرٌ فَهُوَ كَقَوْلهِ عَلَيَّ عِبَادَةُ إِنْ أَوْجَبْنَا الوَفَاءَ وَعَلَيْهِ تَعِيْنُ عِبَادَة يَلْزَمُ مِثْلُهَا بِالنَّذْرِ، وَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى القَوْلِ الآخَرِ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ: فَعَلَيَّ يَمِينٌ فَهُوَ لَغْوٌ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَلَوْ قَالَ: مَالِي صَدَقَةٌ فَهُوَ لَغْوٌ، وَقِيلَ: هُوَ كَمَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ أَنْ أتصَدَّقَ، وَقِيلَ: هُوَ كَجَعْلِ الشَّاةِ ضَحِيَّةً فَتَصِيرُ صَدَقَةً وَالظَّاهِرُ أَنَّه لَغْوُ.
الجزء: 12 - الصفحة: 248
قَالَ الرَّافِعِيُّ: صورة الفرْع أن يمنع نفْسه مِن فعل أو يحثها عليه بتعليق التزام قربة بالفعل أو الترك، وهذا التصوير قد يُقالُ له: يمين الغضَب واللَّجَاج، ويُجْعل قسيمًا لسائر الأيمان، بصيغته المشهورة، وكذلك جعل صاحبُ الكتابِ الباب في "الوَسيط" فصْلين:
أحدهما: في صيغ الإيمانِ الصرائحِ منْها والكنايات.
والثاني: في يمين الغَضَب واللَّجَاج، وهو ما رسمه فرعًا هاهنا، وقد يُقال له: نذر الغَضَب واللَّجَاج، ويُجعل قسيمًا لنذر التبررة وهو التزام القربة، إما ابتداءً أو معلَّقًا بنعمة يبغيها أو بزوال نقمة يرجو كشْفَها, وله الكتاب المفردُ التالِي لـ"كِتَابِ الأيمان"، وربما سُمِّيَ يمين الغلق ونذر الغلق، إذا عرفت ذلك، فهذا قال: إن كلمتُ فلاناً أو أكلتُ كذا أو دخلت الدار أو إن لم أخرج من البلد، فلله عليَّ صوم شهر أو صلاةٌ أو حجٌ، أو إعتاق رقبة ثم إنَّه كَلَّمه أو أكل أو دخل، أو خرج، فقد رُوِيَ فيما يلزمه ثلاثةُ أقوال:
أحدها: أنه يلزمه الوفاء بما التزم؛ لأنه التزم عبادة في مقابلة شرط، فتلزمه عند وجود الشرط، كما لو قال: إن شَفَى اللهُ مَرِيضِي، أو رزقَنِي ولداً، فلله عليَّ كذا.
والثاني: أن عليه كفارةَ يمينٍ؛ لما رُوِيَ عن عقبة بنِ عامر -رضي الله عنه- أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيمِين" 43 وعن عائشة -رضي الله عنها- أنَّها سُئِلَتْ عمن جعل ماله في رتاج الكَعْبَة، إنَّ كَلَّمَ ذَا قَرَابَةِ لَهُ، فَقَالَتْ "يكَفِّرُ مَا يُكَفِّرُ اليَمِينَ" والمعنى فيه أن المقصود إذا قال: إنْ كلَّمتُ فلانًا، فعلَّي كذا، منع النفس منه، ومن قوله: إن لم أخرج من البلد، حمل النفس على الخروج، فكأن كاليمين في غرض المنع والحَمْلِ، فيكون موجبه موجب اليمين.
والثالث: وبه قال أحمد -رحمه الله-: إنه يتخيَّر بين الوفاء بما التزم وبين أن يُكفِّر كفارةً يمينٍ؛ لأنه يشبه النذْر من حيْثُ إنَّهُ التزم قربةً، واليمينُ من حيث إنَّ مقصودَه مقصودِ اليمين، فلا سبيل إلى الجَمْع بين موجبيهما, ولا إلى تعطيلهما، فوجب التخيير، هذا هو الطريق المعتد، والأقوال معزيَّةٌ إلى نصوص الشَّافعيِّ -رضي الله عنه- في مواضعَ وصور مختلفة، ويُقال: إن قول التخيير مخرَّجٌ غيرُ منصوص، ثم إيراد العراقيين من الأصحاب يقتضي أن يكونَ المذهبُ التخييرَ، لكن الأصحَّ على ما ذكر صاحبُ "التَهْذيب" وإبراهيمُ المروزي والموفَّق بن طاهر وغيرهم -رحمهم الله-: وجوبُ الكفارة، ووراء ذلك طُرُقٌ:
أحدها: القطعُ بالتخيير.
والثاني: عن العبَّادي: نفي التخيير، والاقتصار على القولَيْن الأَوَّلَيْن.
الجزء: 12 - الصفحة: 249
والثالث: الاقتصار على التخيير، ووجوبُ الكفَّارة، ونفْيُ القول الأول.
والرابع: الاقتصار على التخيير، ووجوب الوفاء، ونفي القول الثاني؛ وهو وجوب الكفارة، وهذا يوافق ما حكاه الصيدلانيُّ وغيرة عن القفَّال؛ وهو أنه كان يذكر قولَي الوفاء والتخيير، ولا يذكر قول وجوب الكفَّارة، ولكن رُوِيَ أن أبا الربيع لا يلاقي قال: سَمِعْتُ الحُلَيْمِيَّ -رحمه الله- يَقُوْلُ فِي نَذْرِ اللَّجَاج: يتعيَّن عليه كفَّارةُ اليمينِ، قلت: منصوصُ الشَّافعي -رضي الله عنه- هُوَ؟ قال: نعم، فلما رجعتُ إلى مرو حكيتُه للقَفَّال، فلم يصدِّقني، ثم إنه طالع الكتب تلْك الليلة، فلما جلس في الغدِ للدَّرْس قال: أسهرتْنِي البارحةَ، قد طالعت الكتب فالمسألة منصوصة، كما قال الحُلَيْمِيُّ فلعل ما يُنسب إلى القفَّال، كان قبل هذه الحكاية.
ويجوز أن يُعلَم لهذه الطرق قوله في الكتاب "علَى قول" أولاً وثانياً وثالثاً بالواو.
وعن أبي حنيفة ثلاثُ روايات كالأقوال، لكن الأشهر والمختار عند أصحابه قولُ وجوب الوفاءِ، فليعلَم الآخران بالحاء، وليعلَم الأولان بالألف: لما مرَّ.
التفريع: إن قلْنا بوجوب الكفَّارة، فلو وفَّى بما التزم، فهل تَسقط الكفَّارة؟ في "شرح مختصر الجُوَيْنِيِّ" -رحمه الله- ذكَرَ وجهين فيه، والظاهِرُ: المنعُ، فإن كان الملتَزَم من جنْس ما يتأذى به الكفارةُ، فالزيادة، على قدْر الكفَّارة تقع تطوُّعًا، وإنْ قلنا: يتخير، فلا فرق بين الحجِّ والعمرة وبين سائر العبادات، وخرج قول أنه يلزم الوفاء بهما، بخلاف سائر العباداتِ؛ لعظم أمرهما، كما يلزمان بالشرْع.
وإذا كان قد التزم على وجْه اللَّجَاجِ إعتاق عبد بعينه، فإن قلنا: عليه الوفاءُ بما التزم، أعتقه كيف كان، وإن قلْنا: عليه كفارةُ يمينٍ، فإن كانت بحيث تجزئ عن الكفَّارة، فله أن يعتق غيره، وأن يعتقه أو يُطْعِم أو يكْسُوَ، وإن كانت بحيث لا تجزئ، واختار الإعتاق، أعتق غيره وإن قلْنا: يتخير، فإن اختار الوفاء، أعتقه كيف كان، وإن اختار التكفير، اعتبر في إعتاقه صفاتُ الأجزاء، وإن كان قد التزم إعتاقَ عبيده، فإن أوجبنا الوفَاءَ أعتقهم، وإن أوجبْنا كفارةَ اليَمين، أعتق واحداً.
ولو قال: إن فعلتُ كذا، فعبدي حُرٌّ، نزل العتقُ إذا فعلَه بلا خلافٍ.
ولو قال: إن فعلتُ كذا، فعليَّ أو فلِلَّه عليَّ نذْرٌ، فالحكاية عن النص: أنه يلزمه كفارة يمين، وبهذا أجاب صاحبُ "التهذيب" وإبراهيمُ المروزي -رحمهم الله- واحتج له بما رُوِيَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ" 44 وعن القاضي الحُسَيْن
الجزء: 12 - الصفحة: 250
وغيرِه: أن هذا مفرَّعٌ على قول وجوب الكفارة؛ أما إذا أوجبنا الوفاءَ، فيلزمه قربة من القُرَب، والتعيين إليه، وليكن ما يعينه مما يلزم بالنذر، وعلى قول التخيير يتخير بين ما ذكرنا، وبين الكفَّارة.
وقوله في الكتاب "وإن فرعنا على القول الآخر" يعني قول وجوب الكفَّارة.
ولو قال: إن فعلْتُ كذا، فعليَّ كفارة يمين فالواجب كفارة يمين عَلى 45 الأقوال كلِّها.
ولو قال: فعلَيَّ يمين أو فللَّه عليَّ يمين، فالظاهر أنه لغو، فإنه لم يأتِ بنذر ولا بصيغة اليمين، وليست اليمينُ مما يلزم في الذمة، وفيه وجه؛ أنه يلزمه كفارةُ يمين، إذا فعله، ويُجْعل اليمين التي هي سببُ الكفارةِ عبارةً عن المسبب، قال الإِمام -رحمه الله-: وعلى هذا، فالوجه أن يُجْعل كنايةً، ويرجع إلى نيته.
ولو قال: نذرت لله، لأفعلن كذا، فإن نوى اليمين، فهو يمين، وإنْ أطلق، ففيه وجهان، أوردهما الفورانيُّ وصاحبُ "التهذيب" وأجريا فيما لو قال (ازخداى يزيرختم) 46، وينبغي أن يجعل هذا نَذْرًا، أو ينظر في الملتَزَم؛ أهو طاعةٌ أم لا؟ ويجري في كل قسم حكمه.
وعن الشيخ أبي محمد: أن صاحبَ الغَلَق، إذا ذكر أجناساً من القُرَب مثْل أن يقول: إن دخلْتُ الدار، فلله علي حَجٌّ وعتقٌ وصدقةٌ، فيحتمل أن يعدد ذلك الكفَّارة، إذا قلْنا تجب الكفَّارة، والظاهرُ الاتحاد، فإنا، إذا لم نوجب الوفاءَ، فلا نظر إلى الملتَزَم تعدَّد أو اتَّحَدَ.
وفي "التهذيب": أنه لو قال ابتداءً: للهِ عليَّ أن أدخل الدار اليوم، فالمذهب أنه يمين، وعليه كفارة اليمين إن لم يدخل، وكذا لو قال لامرأته: إن دخلتُ الدار، فلله عليَّ أن أطلقك، فهو كقوله: إن دخلتُ الدار فوالله لأطلقنَّك، حتَّى لو مات أحدهما قبل التطليق، يلزمه كفارة يمين، ولو قال: إن دخلتُ الدارَ، فلله عليَّ أن آكل الخبز، فدخل الدار، فالمذهب أن عليه كفارةَ اليمين، وفيه وجهٌ: أن ذلك لغْوٌ لا يجب به شيء، ولك أن تقول: الملتَزَمُ في هذه الصور فعلٌ مباحٌ، والصيغةُ صيغةُ نذرٍ، وسيأتي في "كتاب النذر" القولُ فيما إذا نَذَر مباحاً.
وإذا قال الرجل ابتداءً: مالِي صدقةٌ أو في سبيلِ اللهِ، فعن القاضي الحُسَيْن: أنه لغو؛ لأنه لم يَأْتِ بصيغة التزام، وهذا ما أورده صاحبُ الكتاب أظهر، وقال في "التتمة": إن كان المفهوم من اللفظ في عُرفْهم معنى النذر أو نواه، فهو كما لو قال:
الجزء: 12 - الصفحة: 251
عليَّ أن أتصدق بمالي، أو أنفقه في سبيل الله، وإلا، فلا حكْمَ له، وعن الشيخ أبي محمَّد -رحمه الله-: فيه وجهان:
أحدهما: أنه كما لو قال: عليَّ أن أتصدَّق بمالي، فيلزمه التصدُّق.
والثاني: أن ماله يصير بهذه اللفظة صدَقةً، كما لو قال: جعلت هذه الشاة ضحيَّةً وخرَّج الإمامُ وصاحبُ الكتاب -رحمهم الله- على هذا الوجْهِ ما إذا قال: إن فعلتُ كذا فما لي، صدقةٌ، والمعتمد الذي نقله الجمهورُ -رحمهم الله- ونص عليه الشَّافعيُّ -رضي الله عنه- أنه إذا قال: إن كلَّمتُ فلاناً أو فعلْتُ كذا، فمالي صدقةٌ، فهو بمثابة قوله: فعليَّ أن أتصدَّق بمالي أو بجميع مالٍ؛ لأنه الذي يسبق إلى الفَهْم من هذه اللفظة، وحينئذٍ، فطريق الوفاء أن يتصدَّق بجميع أمواله، وإذا قال: في سبيل اللهِ، يتصدَّق بجميع أمواله على الغُزَاة، كما لو قال: إن شفَى اللهُ مريضي، أو رجع غائِبِي، فلله عليَّ التصدُّق بجميع مالٍ، فشُفِي، وقال أبو حنيفة: عليه أن يتصدَّق بأمواله الزكاتية دون غيرها، فإن لم يكن له إلا المالُ الزكاتيُّ، أمسكَ قدْر النفقة، فإذا أيسر، أخرج بدَلَه، وقال مالكٌ: يلزمه أن يتصدَّق بثلث ماله، ويكفيه ذلك، وهذه رواية عن أحمد -رحمه الله-.
واعلمْ أن الصيغة قد تتردَّد، ويحتمل نذر التبرُّر ونذْر اللَّجَاجِ، والرجوع فيه إلى قصد الشخْص وإرادته، وفرَقُوا بينهما بأنه في نذْر التبرُّر يرغب في السبَبِ، وهو شفاء المريض مثلاً بالتزام المسبَّب، وهو القربة المسمَّاة، وفي نذْر اللَّجاج يرغب عن السبب؛ لكراهية الملتَزَم، وذكر الأصحاب في ضبطه: أن الفعل إما طاعةٌ أو معصيةٌ، أو مباحٌ، والالتزام في كل واحد منهما تارةً يعلَّق بالإِثبات، وأخرَى بالنفي، أمَّا في الطاعة، ففي طرف الإثبات يتصوَّر نذر التبرر؛ بأن يقول: إن صليتُ، فلله عليَّ صوم يوم، أي: إن وفقني الله للصلاةِ، صمْتُ، فإذا وفَّق لها, لزمه الصوم، ونذْرُ اللَّجاج؛ بأن يُقال له صلِّ، فيقول لا أصلِّي، وإن صلَّيتْ فعلي صومٌ أو عِتْقٌ، ففيما يلزمه، إذا صلى الأقوال، وفي طرف النفي لا يتصوَّر نذر التبرُّر؛ لأنه لا برَّ في ترك الطاعة ويدخُله نذْر اللَّجاج؛ بأن يمنع من الصلاة، فيقول: إن لم أصلِّ، فلله عليَّ كذا، فإذ لم يصلِّ، ففيما يلزمه الأقوال، وأما المعصيةُ، ففي طرف النْفِي يتصوَّر نذر التبرر؛ بأن يقول: إن لم أشرب الخمر، فعلَيَّ كذا، يريد؛ إن عصمني الله عنه ونذر اللجاج؛ بأن يمنع من شربها، فيقول: إن لم أشرْب، فلله عليَّ عتق أو صدقة وفي طرف الإِثبات، لا يتصوَّر إلا نذْر اللَّجاج؛ بأن يؤمر بالشرب، فيقول: إن شربت فلِلَّه عليَّ كَذا، وأما المباحُ فيُتصور في طرفي النفْي والإِثبات فيه النوعان معاً، فالتبرُّر في الإثبات مثل أن يقول: إن أكلتُ كذا، فلله على صوم، يريد إن يسَّره الله لِي، ونذر اللَجاج بأن يؤمر بأكله،
الجزء: 12 - الصفحة: 252
فيقول: إن أكلتُ، فلله عليَّ كذا، والتبرر بالنفّي؛ بأن يقول: إن لم اكُلُ كذا، فعليَّ صومٌ، يريد؛ إن أعانني الله على كَسْرِ شهوتي، فتركته، وهذا واللجاج؛ بأن يمنع من الأكل؛ فيقول: إن لم آكُلْ، فللَّهِ عليَّ كذا، وفي "الوسيط" أن من الأصحاب -رحمهم الله- من منع التبرُّر في المباحات، لماذا قال: إن رأيتُ فلانًا، فلله عليَّ صوم أو حجٌّ، فإن أراد؛ إن رزقني الله رؤيته، فهو نذْر تبرُّر وإن ذَكَرَهُ لكراهته رؤيته، فهو نذْر لجاج.
فرعان:
الأول: لا فرق في جميع ذلك بين أن يقول: فعلَّيَّ كذا، وبين أن يقول: فلله عليَّ، وفي وجه: إذا لم يذكر الله، لم يلزمه شيء.
والثاني: لو قال: أيمان البيعة لازمةٌ لي، فقد ذكر الأصحاب -رحمهم الله- أن البيعة في زمان رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- كانتْ بالمصافحةِ، فلما وُلِّيَ الحجاجُ، رتَّبها على أيمان تشتمل على ذكْر اسمِ الله تعالَى، وعلى الطلاق والعَتَاق والحَجِّ وصدقةِ المال، فإن لم يرد القائل الأيمان التي رتَّبها الحجَّاجُ، لم يلزمه شيء، وإن أرادها، نُظر؛ إن قال: فطلاقها وعتاقها، انعقدت يمينه بهما, ولا حاجة إلى النية، وإن لم يصرح بذكرهما ونواهما، فكذلك؛ لأنهما ينعقدان بالكناية مع النية، ولا تنعقد اليمين بالله تعالَى على ما بيَّنَّا نظائره.
البَابُ الثَّانِي فِي الكَفَّارَةِ
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَالنَّظَرُ فِي السَّبَبِ وَالكَيْفِيَّةِ وَالمُلْتَزَمِ، أَمَا السَّبَبُ فَهُوَ اليَمِينُ (ح) وَلَكِنْ يُوجَبُ عِنْدَ الحِنْثِ، وَفَائِدَتَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا (ح) بَعْدَ اليَمِينَ عَلَى الحِنْثِ إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الكَفَّارَةُ صَوْمًا أَوْ كَانَ الحِنْثُ مَحْظُورًا فَفِيهِمَا وَجْهَانِ، وَيَجُوزُ كَفَّارَةُ القَتْلَ بَيْنَ الجَرْحِ وَالمَوْتِ، وَكَفَّارَةُ الظِّهَارِ بَيْنَ الظِّهَارِ وَالعَوْدِ، وَالْحَنِثُ لاَ يَحْرُمُ بِاليَمِينِ لَكِنَّ الأوْلَى أَلاَّ يَحْنَثَ إلاَّ أَنْ يَكُونَ الخَيْرُ فِي الحِنْثِ، وَقِيْلَ: الأولَىَ أن يَحْنَثَ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: النظر في الكفَّارة في ثلاثَة أمورٍ، في سبب وجوبِها، وفي كيفيتِهَا في نَفْسها، وفيمن تَلْزَمُه.
أما الأول، فقد نقل جماعة من الأصحاب، منْهم القاضي الرويانيُّ وجهين في أن سبب الكفارة 47 ماذا؟ أحدهما: أن سبَبها اليمينُ، إلا أنها توجَبُ عند الحنث، كما
الجزء: 12 - الصفحة: 253
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} الآية.
بين الله سبحانه وتعالى أن اليمين اللغو لا مؤاخذة فيها وأن اليمين المنعقدة فيها المؤاخذة وهي الكفَّارة فكان ذلك دليلاً على مشروعية الكفَّارة عند الحنث في اليمين.
وأما السنة: فما روي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فأت الذي هو خير وكفِّر عن يمينك" فأنت تراه -صلى الله عليه وسلم- بين أن الحالف إذا أراد أن يفعل ما حلف على عدم فعله لأن المصلحة في فعله له ذلك وعليه أن يكفر عن يمينه.
فأفاد أن الكفارة في اليمين مشروعة عند الحنث فيها.
وأما الإِجماع: فقد اتفقت كلمة المسلمين سلفًا وخلفاً على أن الكفَّارة في اليمين بالله مشروعة ولا نعلم من يخالف في ذلك.
واختلفت كلمة العلماء في سبب كفارة اليمين.
فمنهم من قال: "إن السبب هو الحنث، وأما اليمين فسبب بعد الحنث، وشرط قبله للانعقاد وإلى هذا ذهب أصحاب الرأي، ومنهم أبو حنيفة وأصحابه وداود الظاهري.
ومنهم من قال: "إن السبب هو اليمين، وأما الحنث فشرط أو سبب، وعليه المالكية والشافعية والحنابلة وربيعة والأوزاعي".
ثم اختلفوا بعد ذلك في نوع اليمين التي هي سبب أو شرط في الكفارة ومن المتفق عليه بين العلماء: أن الكفارة لا تجب في كل يمين، فإن الأيمان منها ما هو يمين بالطلاق أو العتاق، ومنها ما هو يمين بالله -تعالى- وهي المشروعة؛ لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ اللهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفوا بِآبَائِكِمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمَتْ"
ويقول -صلى الله عليه وسلم- لعبد الرِحمن بن سمرة "إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غِيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينكَ ثُمَّ ائْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ".
من هذين الحديثين وأمثالهما: يعلم أن اليمين التي تشرع فيها الكفارة: هي اليمين بالله -تعالى-، لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- جعل اليمين المعتبرة هي اليمين بالله -تعالى- كما هو مقتضى الحديث الأول.
ثم قال لعبد الرحمن بن سمرة "إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ... الخ" فعلم من ذلك: أن الكفّارة إنَّمَا تكون في اليمين المشروعة له والمعتبرة عندهم، وهي اليمين بالله -تعالى- فلا كفّارة في غيرها، كاليمين بالطلاق أو العتاق، وإنما فيها تنفيذ ما حلف به، وهو الطلاق أو العتق، وهذا مذهب جمهور الفقهاء.
غير أن اليمين بالله -تعالى- منها ما هو يَمينُ لَغْوٍ، وما هو يمين منعقدة كما تقدم.
وذهب جمهور العلماء إلى أنه لا كفّارة، في يمين اللّغو، سواء تعلقت بالماضي أو بالحال أو بالاستقبال؛ لقوله -تعالى-: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ...﴾ الآية فقد فسر -سبحانه وتعالى- المؤاخذة بقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ .. الآية، فعلم من ذلك: أن المؤاخذة المنفية في اللغو هي الكفارة، وذلك يفيد بظاهره أن يمين اللغْوِ لا كفَّارة فيها من غير تفصيل.
وقالت المالكية: "إن تَعَلّقت بغير المستقبل، فلا كفَّارة فيها، وإن تعلّقت به، ففيها الكفَّارة، لشبهها باليمين المنعقدة من حيث إن فيها انتهاكًا لِحُرْمَةِ التعظيم بحلفه على ما يجهله من غير أن يتثبت في ذلك.
وقد اختلفوا في تفسير اللغو:
فمنهم من قال: هو ما جرى على لسان الحالف من غير قصد "كَلاَّ وَاللهِ، وَبَلَى وَاللهِ، وهم =
الجزء: 12 - الصفحة: 254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = الشافعية ورواية عن أبي حنيفة، وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس وعائشة -رضي الله عنهم- والشعبي وعكرمة وعطاء والقاسم وغيرهم، وسواء تعلق عندهم بالماضي أو بالمستقبل؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ...﴾ الآية يقال: "لَغَا يَلْغُو، وَلَغَا يَلْغَا إِذا تكلّم بما لا حقيقة له، ولا قصد له فيه، وقد ذكر في التفسير هو ما يسبق إليه اللسان من غير قصد، كقوله: "لاَ وَاللهِ، وَبَلَى وَالله" قال الأزهري: اللغو في كلام العرب على وجهين:
أحدهما: فضول الكلام، وباطله الذي يجري على غير عقد.
والثاني: ما كان فيه رفث وفحش ومأثم.
وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾: ما يؤثم.
وقالت عائشة -رضي الله عنها- إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "يَعْنِي فِي اللَّغْو في الْيَمِين"، هُوَ كَلاَمُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ: "لاَ وَاللهِ وَبَلَى وَاللهِ"، أخرجه أبو داود، ورواه الزهريّ وعبد الملك بن أبي سليمان ومالك بن مغول عن عطاء عن عائشة موقوفًا.
وقالت المالكية: هو الحلف على شيء يعتقده الحالف "أي: يغلب على ظنِّه فيظهر له خلافه"، وهو مذهب الحنفية.
وحجتهم في ذلك: "أن قوماً تَرَاجعوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وهم يرمون بحضرته، فحلف أحَدُهُمْ لقَدْ أَصَبْتَ وَأَخْطَأتَ يِا فلان، فهذا الأَمْرُ بخلاف ذلك.
فقال الرجل: حَنَثَ يَا رَسُولُ اللهِ.
فقال -صلى الله عليه وسلم-.
أَيْمَانُ الرَّمَاةَ لَغْوٌ لاَ حَنَثَ فِيهَا وَلاَ كَفَّارَةَ"، فقد جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يمين من حلف، وهو ظانه أن الأمر على ما حلف، فهذا هو بخلافه يمين لغو لا كفّارة فيها، وذلك مفيد أن لغو اليمين هو ما تقدم.
وقالت الحنابلة: هو ما جرى على اللسان من غير قصد أو الحلف على شيء يعتقده، فيظهر له خلافه، ودليلهم ما تقدم للشافعية والمالكية والحنفية.
وإذا نظرنا إلى دليل كل وجدنا أن اللغو الذي ينبغي أن يعتبر هو: ما جرى على اللِّسان من غير قصد فقط.
لأن هذا هو معنى اللغو في اللغة، والألفاظ تحمل على معانيها اللغوية، ما لم يرد عن الشرع ما يحملها على خلافه، ولم يرد عنه ما يُخَالِفُ ذلك، بل وَرَدَ ما يعضده فقد أَجَابَتْ عائشة -رضي الله عنها- حِينَمَا سُئِلَتْ عَنِ اللَّغْوِ في اليمين بأنه هو كلام الرجل في بيته.
"لاَ وَاللهِ وَبَلَى والله"، ووافقها على ذلك كثير من الصحابة والتابعين، فإن كان هذا القول قالته عن سماع من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فالحجة فيه واضحة، وإن كان قولاً منها، فهو تفسير لصحابي يعرف معاني الألفاظ اللغوية، والمعاني الشرعية، وقوله مقبول.
وأما حديث الرّماة: فقد قال الحافظ فيه: أنه لا يثبت؛ لأنه من مراسيل الحسن، وهو ممن لا تعتبر مراسيله؛ لأنه كان لا يتحرى الثقة.
اليمين المنعقدة: الناظر في الآية الكريمة ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ...﴾ الآية يرى أن اليمين قسمان لا ثالث لهما فما خرج من اللغو دخل في الانعقاد وتثبت فيه الكفَّارة سواء تعلق بالماضي أو بالحال أو بالاستقبال وإلى هذا ذهب الشافعي ولذا جعل اليمين الغموس يميناً منعقدة وأثبت فيها الكفارة من غير تفصيل.
ووجهته في ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد جعل الأيمان قسمين: لغوا ومنعقدة وما سوى اللغو منعقدة وفيها الكفارة بقوله سبحانه {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ =
الجزء: 12 - الصفحة: 255
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . =مَسَاكِينَ ...} الآية.
وبقول عائشة: أيمان اللغو ما كان في المراء والهزل والمزاح.
والحديث الذي لا يعقد عليه القلب.
وأيمان الكفارة كل يمين حلف على وجه من الأمر في غضب أو غيره ليفعلنَّ أو ليتركنَّ فذلك عقد الأيمان التي فرض الله فيها الكفارة فالآية الكريمة تعم الماضي والمستقبل وتعلق الإِثم لا يمنع الكفارة كما أن الظهار منكر من القول وزور وتتعلق به الكفَّارة.
وقالت الأئمة الثلاثة الأيمان ثلاثة: لغو ومنعقدة وهو الحلف على أمر مستقبل ليفعلنَّ أو ليتركن، وغموس، وهو ما كان الحالف بها عالماً بكذبه فيما حلف عليه.
فقالت الحنفية والحنابلة لا كفارة فيها سواء تعلقت بالماضي أو بالحال لقوله -صلى الله عليه وسلم- "خمس من الكبائر لا كفارة لهن.
الإِشراك بالله تعالى، والفرار من الزحف وبهت المؤمن، وقتل المسلم بغير حق، والحلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم".
وقالت المالكية اليمين الغموس إن تعلقت بالحال أو الاستقبال ففيها الكفارة ولعل وجهتهم في ذلك أن اليمين عند تعلقها بالماضي يكون الكذب فيها محققًا والذنب فيها عظيماً فتصير أكبر من أن تعمل فيها الكفَّارة.
أما عند تعلقها بالحال أو بالاستقبال فيكون الأمر على خلاف هذا فتصبح قريبة من اليمين المنعقدة وتأخذ حكمها فتعمل فيها الكفارة.
وبالنظر في أدلة كل نرى أن القول بعدم الكفارة من غير توبة في يمين الغموس هو الراجح لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أخبر بصريح العبارة بأنه لا كفارة فيها.
وأما استدلال الشافعية بشمول الآية لها مطلقاً لغير ظاهر لما تقدم من الحديث وأما تفرقة المالكية في اليمين الغموس بين الماضي والحال والمستقبل فدعوى يعوزها الدليل ويردها قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- "خمس من الكبائر لا كفارة فيها .. الخ" وعد منها اليمين الغموس لأنه -صلى الله عليه وسلم- لم يفرق في الغموس بين الماضي وغيره فالتوبة مسقطة لحق العبد والكفارة دمشق المولى سبحانه.
في اليمين هل هو اليمين فقط والحنث يكون شرطأ في وجوبها وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء منهم مالك والشافعي وأحمد وربيعة والأوزاعي وابن حزم.
أو السبب هو الحنث واليمين شرط لانعقاد السبب سببًا وإلى ذلك ذهب أصحاب الرأي منهم الإِمام الأعظم أبو حنيفة وأصحابه وداود الظاهري.
وقَد تفرع على هذا الخلاف جواز تقديم الكفارة على الحنث وعدم جواز ذلك، فجمهور العلماء لما قالوا إن اليمين سبب للكفارة والحنث شرط فيها أجازوا تقديم الكفَّارة على الحنث لأن تقديم الشيء على شرطه بعد حصول سببه أمر معروف في الشرع ومعهود فيه ألا ترى أن الزكاة يجوز تقويمها على الحول بعد وجود سببها وهو ملك النصاب.
وأما أصحاب الرأي الثاني القائلين بأن السبب هو الحنث واليمين شرط فلم يجيزوا تقديم الكفَّارة على الحنث لأن تقديم الشيء على سببه لا يجوز وهم يرون أن الحنث هو سبب الكفارة لا شرط فيها ولكل وجهة نذكرها فيما يأتي:
يرى الجمهور أن الكفَّارة أضيفت إلى اليمين في لسان الشرع وأهل اللغة والعرف فالله تعالى يقول: ﴿ذلك كفارة أيمانكم﴾.
وأهل اللغة والعرف يقولون كفارة اليمين لا كفارة الحنث والإضافة تقتضي أن يكون المضاف إليه سبباً للمضاف متى كان المضاف حكماً شرعيًا أو متعلق حكم شرعي ولا شك أن المضاف هاهنا =
الجزء: 12 - الصفحة: 256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = متعلق الحكم الشرعي لأن الكفارة متعلق الحكم الشرعي الذي هو الوجوب فتكون الإِضافة دليلاً على أن اليمين هي سبب الكفَّارة ومتى ثبت ذلك جاز تقويم الكفارة على الحنث لأن تقويم الشيء على شرطه بعد حصول سببه لا مانع منه شرعاً.
يويد ذلك ما رواه البخاري عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفِّر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير".
وبما رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إني إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفَّرت عن يميني وأتيت الذي هو خير" أو أتيت الذي هو خير وكفَّرت عن يميني فأنت ترى أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الأول يقول لعبد الرحمن: فكفِّر عن يمينك ثم أثبت الذي هو خير.
وهذا يفيد بظاهره أنه يجب تقديم الكفارة عن الحنث ولا يصح تأخيرها إلى ما بعد الحنث ولكن هذا الظاهر مصروف عن ظاهره بقوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي موسى الأشعري "إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير أو أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني، فإن قوله عليه الصلاة والسلام هذا يدل على جواز تقديم الكفارة على الحنث كما يدل على جواز تقديم الحنث على الكفَّارة.
ويؤخذ من الحديثين معاً أن الكفارة تجوز قبل الحنث ويعده، فمن منع تقديمها على الحنث يكون محجوجًا بهذه الأحاديث كما يكون مججوجًا بها من منع التكفير بالصوم وهم الشافعية لاستدلالهم بهذه الروايات في البعض دون البعض.
وجهة أصحاب الرأي.
ووجهة أصحاب الرأي ومن ذهب مذهبهم أن الكفارة قد أضيفت إلى اليمين وتلك الإضافة من إضافة الشيء إلى شرطه لا إلى سببه كإضافة الكفارة إلى الإِحرام في قولنا كفارة الإحرام، وإضافة الصدقة إلى الفطر في قولنا صدقة الفطر.
وإضافة الشيء إلى شرط وإن كانت مجازية لأن الأصل إضافة الشيء إلى سببه إلا أنه يجب المصير إلى المجاز هاهنا لأن القرينة تمنع من جعل اليمين سببًا للكفارة إذ لو كانت سببًا لها لكانت مفضية إليها إذ السبب ما أفضى إلى المسبب مع أن اليمين لم تفض إلى الكفَّارة لأنها منعقدة للبر مانعة من الحنث محرمة له فكيف تكون سببًا له ولهذا لا تجب الكفارة إلا بعد انتقاض تركيب اليمين بالحنث ويستحيل أن يقال في شيء إنه سبب لحكم لا يثبت ذلك الحكم إلا بعد انتقاضه فتعين أن يكون الحنث هو السبب ولو كانت اليمين هي السبب لأفضت إليها في كل يمين ولا قائل بذلك بخلاف الحنث.
ويؤيد ذلك أن الكفَّارة إنما شرعت لستر الجناية غالبًا والجناية لم تحصل باليمين وإنما حصلت بالحنث فناسب أن تقع بعده لتستر تلك الجناية التي حصلت به ويرد ذلك بأن اليمين سبب إذا لم يفقد الشرط وهو الحنث لأن فقد الشرط مانع ودعواهم أن السبب هو الحنث يتأتى فيه هذا لأنه ليس دائماً مفضيًا، وإذا كان الافضاء في الجملة كافيًا فهو موجود في اليمين.
ويرد أيضاً بأننا ما دمنا متفقين على أن تقديم الشيء على سببه لا يجوز، وأن تقديمه على شرطه بعد حصول سببه لا مانع منه شرعاً لا يصح بعد هذا أن يقال: إن إضافة الكفَّارة من إضافة الشيء إلى شرط حتى يكون الحنث سببًا وإلا لاقتضى منع تقديم الكفَّارة على الحنث مع أن الأحاديث المتقدمة ظاهرة وواضحة في جواز تقديمها عليه وقولهم إن الكفارة شرعت لستر الجناية الخ إن دل فإنما يدل على أفضلية تأخير الكفارة على الحنث لا على منع تقديمها عليه وفرق بين الأمرين.
=
الجزء: 12 - الصفحة: 257
يوجَب ملْك النصاب في الزكاة عند إنقضاء الحَوْل، كان من قال به جَعَل الحِنْث شرطاً، واحتج له بأن الكفارة منسوبة إلى اليمين؛ على ما قال تعالَى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: 89] فتكون اليمينُ سبباً لها، ككفارة الوقاع، وكما يُقال: حَدُّ الزنا وحدُّ الشرب، وهذا ما أورده في الكتاب.
وأظهُرهما: عند عامة الأصحاب -رحمهم الله-: أن السببَ اليمينُ والحِنْثُ جميعاً: لأنه لو كان السببُ مجرَّدَ اليمين، لوجبت الكفارة، وإن لم يوجد الحِنْث، وعن أبي حنيفةَ: أن السببَ الحِنْثُ، واليمينُ سببٌ لتحريم الحِنْث، وهذا كما أن الإحرام يُحَرِّم الوطء واللبس، والوطء يوجب الكفارة، فيجوز أن يُعلَم؛ لما ذكرنا قوله في الكتاب أما السبب فهو اليمين بالحاء والواو، وإذا تقرَّر ذلك، ففي الفصل مسألتان:
أحدهما: يجوز تقديم الكفارة على الحِنث، وبه قال مالك وأحمد؛ خلافاً لأبي حنيفةَ -رحمهم الله-.
لنا: ما رُوِيَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ لعبْدِ الرحْمن بْنِ سُمرَة: "إِذَا حَلَفْتَ عَلَىَ يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفُرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ ائْتَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" وأيضاً 48 فإن الكفارة حقٌّ مالي يتعلَّق بسببين، فجاز تعجيله بعْد وجود أحد السببين، كتعجيل الزكاة بعْد وجوب النِّصَاب، والأَوْلَى أن يُؤخِّر التكفير عن الحِنْث للخروج عن الخلاف، هذا إذا كان يكفر بغير الصوم ولم يكن الحِنْث بارتكاب محظور، فأما إن كان يكفر بالصوم، فظاهر المذهب: أنه لا يجوز قبل الحنث؛ لأن الصوم عبادة بدنية، والعبادات البدنية لا تقدَّم على الوقت، إذا لم يكن حاجة ماسَّةٌ؛ كالصلاة وصوم شهر رمضان، وأيضاً، فإن الصوم إنما يجوز التكفيرُ به عند العجْز عن جميع الخِصَال المالية، وإنما يتحقَّق العجْز بعد الوجوب، وفيه وجْهٌ: أنه يجوز التكفير به قبل الحِنْث كسائر الخصال، وفي "شرح مختصر الجويني": أن أبا زيدٍ حكاه قولاً عن القديم، وبه قال مالك، ويُروَى مثلُه عن أحمدَ -رحمهما الله- وقد يحتج له بظاهر قوله -صلى الله عليه وسلم- "فَلُيْكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ثُمْ ليَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" وان كان الحِنثُ بارتكاب محظور؛ بأن حلف ألاَّ يشرب الخمر، فهل يجزئه = على أننا نقول من قدم الكفارة على الحنث كان في فعله خلاف ما حلف عليه غير شارع في معصية.
إذ بالكفارة صار الفعل مباحاً له، ومن أخر الكفارة على الحنث كان شارعًا في معصية وقد يدركه الموت قبل أن يفعل الكفارة فلا يزول أثر المعصية عنه، وهذا مما يرجح جواز تقديم الكفارة على الحنث ولعل هذا هو السر في أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا ما يقدم في حديثه فعل الكفارة على الحنث وبذلك يترجح مذهب الجمهور القائلين بجواز تقديم الكفارة على الحنث.
وأن السبب هو اليمين.
الجزء: 12 - الصفحة: 258
التكفير قبل أن يشرب؟ فيه وجهان:
أحدهما: وبه قال ابنُ القاصِّ: المنعُ؛ لأنه يتطرَّق به إلى ارتكاب محظور، وهذا أرجح عند صاحب "التهذيب".
والثاني: يجوز؟ لوجود أحد السببين، والتكفيرُ لا يتعلَّق به استباحةٌ ولا تحريمٌ، بل المحلوف عليه محظورٌ قبل اليمين وبعدها، وقبل التكفير وبعده، ولا أثر لهما فيه، وهذا أقيس وأظهر عند الشيخ أبي حامد والإِمام الرويانيِّ وغيرهم -رحمهم الله-.
ولو قال: أعتقتُ هذا العبد عن كفارة يميني, إذا حنثتُ عُتِقَ العبْدُ عن كفارة؛ إذا حَنِثَ بخلاف ما إذا قال: أعتقته عن الكفَّارة، أو إذا حلفت، لا يجزئه عن الكفارة؛ لأنه قَدَّم التعليق على اليمين، وفي الصورة السابقة، قدَّمه على الحِنْث، ولو قال: إذا حَنِثْتُ في يمين غداً، فهو حرٌّ عن كفارتي، فإن حَنِث غدًا، عتق عن الكفَّارة، وإلا، لم يُعْتَق؛ لأن المعلَّق عليه لم يوجد.
ولو قال: أعتقته عن كفارة يميني، إن حنِثْت، ثم بان أنه حَنِث، عُتِق عن الكفَّارة، وإلا، لم يُعْتَق، ولو قال: أعتقته عن كفارة يميني، وإن حلَفْت، وحنِثْت، فبان حالفاً، قال صاحب "التهذيب": وجب أَلاَّ يجوز؛ لأنه شاكٌّ في اليمين، وفي الصورة السابقة الشكُّ في الحنث، والتكفيرُ قبل الحنث جائزٌ، وعلى قياسه؛ لو قال: هو حرٌّ عن ظهاري، إن ظاهرت، فبان أنه ظاهر وجب ألا يجوز.
ولو أعتق عبداً عن الكفَّارة قبل الحنث، ثم ارتد العبد، أو مات قبل الحنث، لم يُجْزِه عن الكفارة، كما لو عجَّل الزكاة، فارتد المدفوع إليه، قبل تمام الحول، وتغيُّر الحال في التكْفير قبل الحنث كهو في تعجيل الزكاة، قال صاحب "التهذيب": ويحتمل أن يجري في ارتداد 49 العتيق وموته، كما لو ماتت الشاةُ المعجَّلة قبل الحول.
ويتعلَّق بالمسألة صوَرٌ:
أحدها: الظاهر، وهو المذكور في الكتاب: أنه يجوز تقديم كفَّارة القتل على الزهوق بعْد حصول الجَرْح، وتقديم جزاء الصيد على الزُّهوق بعد جرح الصيد وعن الشيخ أبي عليٍّ وغيره -رحمهم الله-: أن من الأصحاب مَنْ خرَّجه على الخلاف في تقديم الكفارة على الحِنْث المحظور؛ لأن سراية فعْله بمنزلة فِعْله، وهو محظور، قال الإِمام -رحمه الله-: وهذا لا اتجاه له؛ لأن الزهوق ليس بفعل مقدورٍ له، حتى يوصَفَ بالحظْر، وقياس ما ذكره الشيخ: أن يُقال: لو حلَفَ، لا يَقْتُلُ فلاناً، فجَرحَه، وكفَّر عن
الجزء: 12 - الصفحة: 259
اليمين قبل حصول الزهوق، ففي الأجزاء الوجهان، قال: وهو بعيدٌ، وإذا قلنا بجواز التقديم، فذلك في الإِعتاق، وأما الصوم، فلا يقدَّم على الظاهر، كما سبق، وجوز أبو حنيفة -رحمه الله- تقديمَ كفَّارةِ القتْل وجزاء الصيد على الزهوق بالصوم وغير الصوم، ولا يجوز تقديم كفَّارة القتْل على الجرح بحال، وعن أبي الطيب بن سلمة إثباتُ احتمالٍ فيه تنزيلاً للعصمْة وتحريم القتْل منزلةَ أحد السببين، وحَكَى القاضي ابن كج في جزاء الصيْد أيضًا وجْهاً: أنه يجوز تقديمه على جرح الصيد، ووجهاً آخر أنه إن كان يقتله مختاراً بلا ضرورة، لم يجز التقديم، وإن اضطره الصيد إليه، فيجوز.
الثانية: التكفير عن الظِّهَار بالمالِ بعْد الظهار وقَبْل العَوْدِ جائز؛ لأن الظهار أحد السَّبَبَيْنِ، والكفارة منسوبة إليه، كما أنها منسوبة إلى اليمين، ومنْهم مَنْ جعله على الخلاف فيما إذا كان الحِنْثُ محظوراً، قال في "التتمة": لأن وطئها بعد الظهار حرامٌ، فهو بالتكفير يستبيح محظوراً والمذهب الأول؛ لأن العَوْد ليس بحرام؛ حتى يُقالَ يتطرَّق بالتكفير إلى الحرام، بخلاف ما إذا كان الحِنْثُ مَحظوراً، ويصور التكفير قبل العوْد وبعْد الظهار فيما إذا ظاهر عن الرجعية، ثم كفر ثم راجعها، وفيما إذا ظاهر عن امرأته، ثم طلَّقها طلاقاً رجعياً، ثم كفَّر، ثم راجع أو طلاقاً بائناً، وكفر، ثم نكحها، وقيل: يعود الحنث، وفيما إذا ظاهر ظهاراً مؤقتاً، وقلْنا: إنه يصح مؤقتاً، وكفَّر 50 ثم صار عائداً بالوطء، وفيما إذا ظاهر وارتدَّت الزوجة عقيب الظهار، فكَفَّر، ثم عاد إلى الإِسلام، وصار عائداً، فأَمَّا، إذا ظاهر وأعتق على الاتصال عن ظهاره، فليس هذا تكَفيراً قبل العَوْد، وإنما هو تكفير مع العَوْد؛ لأنه بالاشتغال بالإِعتاق عائد، والحكمُ الإِجزاء أيْضاً.
الثالث: لا يجوز تقديمُ الكفارة في شهْر رمضان وفي الحج على الوقاع، ووجه ذلك بان الصوم ليس سبباً لوجوب الكفارة، ولا الإِحرام؛ لأنهما يحرمان الوقاع 51 وما يحرم شيئاً لا يكون سبباً لما يحله بارتكاب ذلك المحرَّم، فالتكفير قبل الوقاع يكون تكفيراً قبل وجوب السبب، واليمينُ لا يحرِّم الحِنْثَ، وتحقيق الفرْق أن تلك الكفَّارة لا تُنْسَب إلى الصوم والإحرام، وهذه تنسب إلى اليمين، وفي، "النهاية" وجْهٌ في جواز التقديم غريبٌ، والظاهر الأول، وكذلك لا يجوز تقديم فدية الحَلْق والتطيب ولبس المَخِيط عليها، فإن وجد سببٌ يجوِّزها؛ بأن كان في رأسه أذىً، ويحتاج إلى التطيب؛ لمرض، أو إلى لُبْس المَخِيط لشدَّة البرد، ففي جواز التقديم وجهان، والظاهِرُ: الجواز.
الجزء: 12 - الصفحة: 260
الرابعة: يجوز تعْجيل المنذور، إذا كان مالياً، كما إذا قال: إن شفى الله مريضِي، أو رد غائبي، فلله عليَّ أن أعتق عبداً أو أتصدَّق بكذا يجوز تقديم الإِعتاق والصدَّقة على الشِّفَاء ورجوع الغائِبِ، وفي فتاوى القفَّال ما ينازع فيه.
الخامسة: الحامِلُ والمرضِعُ، إذا شرعتا في الصوم، ثم أرادتا الإِفْطار وأخرجتا الفدية قَبْل الإِفطار، ففي إجزائها وجهان:
أظهرهما: الإِجزاء؛ وعلى هذا، ففي جواز تعجيل الفدية لسائِر الأيام وجهان؛ بناءً على الخلاف في تعجيل زكاةِ عامَيْن.
وقولُه في الكتاب "وفائدته أنه يجوز تقديمها على الحِنْث بعد اليمين" إشارةٌ إلى ما ذكر الأصحاب أنَّ الخلافَ بَيْنَنَا وبين أبي حنيفة في جواز تقديم الكفَّارة على الحنث مبنيٌّ على أن اليمين عنْدنا سبب للكفارة، والحقُّ المالي يجوز إخراجه بعد وجوب سببه أو أحد سببيه، كما تُعجَّل الزكاة على الحَوْل بعد كمال النصاب، وعنده السببُ الحِنْث، والتقديمُ على السبَبِ لا يجوز، كما لا يجوز تقديم الزكاةِ على النصابِ، وكفارةِ الوقاعِ على الوِقَاع.
المسألة الثانية: الأيمانُ مكروهةٌ، إلا إذا كانت في طاعةٍ؛ كالبيعة على الجهاد، كما قال -صلى الله عليه وسلم -: "وَاللهِ لأغَزُوَنَّ, قرَيشاً" 52 ويستثنى أيضاً الأيمان الواقعةُ في الدعاوَى، إذا كانت صادقةً فإنها لا تكره 53.
والتفصيل أنه، إن حلَف على فعْلِ مفروضٍ، أو تركِ محظورٍ، فهذه يمينُ طاعةٍ، والإِقامة عليها واجبةٌ، والحِنْثُ معصية وإن حلف على تركِ مفروضٍ أو فعلِ محظورٍ، فهذه يمينُ معصية ويجب عليه أن يُحْنِثَ نفسه، ويُكفِّر، وإن حَلفَ على فعْل محبوب؛ كصلاةِ التطوُّع وصدقة التطوع، فالإقامة عليه الطاعةٌ والمخالفةِ مكروهةٌ إن حلف على ترْك محبُوب، فهو مكروه، والإقامةَ عليه مكروهةٌ، ويُستحبُّ أن يُحَنِّثَ نفسه، وفي مثله نَزَل قوله تعالَى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: 22] الآية وعدَّ الشيخ أبو حامد وجماعةٌ من هذا القبيل ما إذا حَلَف، إلاَّ يأكل طَيِّباً ولا يلبس ناعماً، وقال: اليمين عليه مكروهةٌ, لقوله تعالَى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32] وفيه وجة آخر اختاره أبو الطيب: أنَّهَا يمينُ طاعةٍ؛ لما
الجزء: 12 - الصفحة: 261
رُويَ عن عمر -رضي الله عنه- أنَّه قِيلَ لَهُ: لَو لَيَّنتْ طَعَامَكَ وَشَرَابَكَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: لأَقْوَام ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ في حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ 54 واختيارُ السلَفِ خشونةَ العيشِ معروفٌ، وقال صاحبُ "الشامل": يختلف ذلك باختلاف أحوال الناس، وقصودهم وفراغهم للعبادة، واشتغالهم بالضيق والسعة وهذا أصوب، وإن حَلَف على مباح لا يتعلَّق به مثل هذا الغرض؛ كدخول دار، وأكل طعام، ولبس ثوب، وتركها، فله أن يقيم عليه، وأن يُحَنِّثُ نفْسَه، وأيهما أولَى؟ فيه ثلاثة أوجه:
الأوْلَى: عند ابن الصباغ وغيره: أن الوفاء أولَى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91] وأيضاً، فلما فيه من تعظيم اسْمِ الله تعالَى، وهذا ما يقتضي نظمْ الكتابِ ترجيحه، وبه قال أبو علي الطبريُّ.
والثاني: أن الحنث أولَى؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ﴾ [البقرة: 57] ولينتفع المساكين بإخراج الكفارة.
والثالث: أنه يتخير بين الوفاء والحنِثْ، ولا ترجيح، كما كان قبل اليمين، وإذا تأملت هذا التفصيل عرفْتَ أن اليمين لا يغيِّر حال المحلوف عليه عما كان؛ وجوباً وحظْراً وإباحَةً، وعند أبي حنيفة: اليمين يحرِّم الحِنْث؛ فمن حلف إلاَّ يفعل، حَرُمَ عليه الفعل، ومن حَلَف أن يَفْعل، وجب عليه الفعل، قال الرويانيُّ وغيره: ووافَقَنا أن اليمين لا تبيح الشْيء الذي كان حراماً، وحَلَف أن يفعله، ولا يسقط الوجوب فيما كان واجباً، إذا حَلَف ألا يفعله، ومنهم مَنْ عمَّم تأثير اليمين أصله أصلْه، وقال: إذا حلف ألاَّ يصلِّي، تحرم الصلاة عليه بحُكْم اليمين مع وجُوبها شرعاً، واحتج الأصحابُ -رحمهم الله- بِمَا رُويَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ" ولو كان الحنث حرامًا؛ لَمَا أَمَرَ به، وعنْ أبي موسى الأشعريِّ -رضي الله عنه أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: "لاَ أحَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، إلاَّ أتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وتَحَلَلْتُ عَنْ يَمِينِي" 55
الجزء: 12 - الصفحة: 262
. . . . . . . . . . . . = الأنواع الثلاثة، وأيها فعل سقطت به الكفارة.
وواحد منها على الترتيب وهو صوم ثلاثة أيام بمعنى أن الحانث لا ينتقل إلى الصوم إلا بعد ثبوت عجزه عن الأمور الثلاثة قبله وهذا ما يفيده عطف الأنواع الثلاثة الأولى بعضها على بعض "بأو" التي تفيد التخيير وعطف النوع الرابع على الأنواع الثلاثة "بالفاء" المفيدة للترتيب وهذا قدر متفق عليه بين العلماء لانعلم فيهم من يخالف في ذلك.
النوع الأول: الإطعام: اتفقت كلمة الفقهاء على أن الإِطعام في هذه الكفارة مقدر، ولكنهم اختلفوا فيما بينهم، هل هو مقدَّر بالشرع أو بالعُرْفِ؟ ومن قال: إنه مقدر بالشَّرْع اختلفوا فيما بينهم في المقدار الذي يعطى للمسكين الواحد، فمنهم من قال: يعطى المسكين نصف صَاعٍ، أعني: مُدَّينِ من الْبُرِّ، أو صاعاً كاملاً، أعني: أربعة أمداد من غيره كصدقة الفطر، وهم أصحاب الرأي، ومنهم الإِمام أبو حنيفة، وأصحابه.
ومنهم من قال يعطى مُدّاً واحداً من أي صَنْفٍ كان لا فرق بين البُرِّ والشَّعِيرِ وغيرهما، وهو قول أبي هُرَيرَةَ وابن عمر، وزيد بن ثابت، والشَّافِعِىِّ وأصحابه، والإِمام مالك.
غير أن المالكية يقولون: ينبغي إذا كان المكفِّر بغير المدينة أن يزيد على المد ثلثه، أو نصفه، فيعطى المسكين مداً وثلث مُدٍّ، أو مداً ونصف مُدٍّ، وقالوا في كفارة الظهار: يزيد ثلثا مدٍّ.
ومنهم من قال: يعطى مداً إذا كان الطعام بُرَّاً، ومدَّين كاملين، إذا كان الطعام من غيره كالتمر، والشعير، وهو الإِمام أحمد.
منشأ الاختلاف:
ومنشأ اختلافهم هذا اختلاف الأحاديث الواردة في تقدير الكفارات الأخرى، وأخذ كل واحد منهم ما ثبت عنده منها، واطمانت إليه نَفْسُهُ.
الأدلة:
استدل الحنفية بما رواه الطبراني من حديث أوس بن الصامت أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: "فَأطْعِمْ سِتِّين مِسْكِيناً ثَلاَثِينَ صَاعَاً" قال: لا أملك ذلك إِلا أن تعينني، فاعأنه النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بخَمْسَةَ عَشْرَ صَاعاً، وأعانه الناس، حتى بلغ ذلك المقدار، وفي بعض الروايات أن هذا المقدار كان من الطعام "أي البر".
وروى أحمد وأبو داود من حديث سلمة بن صخر البياضي أن النبي -صلى لله عليه وسلم- له: "فَأَطْعِمْ وسْقاً مِنَ تَمْر بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكِيناً" قال: والذي بعثك بالحق لقد بتنا وحشين ما أملك لنا طعاماً، قَالَ: فَانْطَلِق إِلَى صَاحِبِ صَدَقَةٍ بَنِي زُرَيقٍ فليدفعها إِلَيْكَ، فَأَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِيناً وَسْقاً مِنْ تَمْرٍ، وَكُلْ أَنْتَ وَعِيَالُكَ بَقِيْتِهَا".
من هذين الحديثين أخذ الحنفية مذهبم المتقدم؛ لأن الإطعام في كفارة اليمين مقدر بالإطعام في غيره من الكفارات الأخرى، وقد ثبت في حديث أوس أنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمره بأن يطعَم الستين مسكيناً ثلاثين صاعاً، وثبت عندهم أن الطعام كان من البر، فاقتضى ذلك أن كل مسكين له نصف صاع، وذلك مقدر بمُدَّينِ.
وثبت في حديث سلمة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمره بأن يطعم ستين مسكياً وسقاً من التَّمْرِ وَالْوَسْقُ مِقْدَارَهُ: ستون صاعاً، فيكون للمسكين الواحد صاع أعني أربعة أمداد، وبذلك تم لهم أن =
الجزء: 12 - الصفحة: 263
. . . . . . . . . . . . = الواجب في كفارة اليمين من الطعام نصف صاع من البر لكل مسكين، وصاع من غيره كالتمر ونحوه؛ لأنها أقل منزلة من البر، ولا تفاوت بينها عندهم.
وروى أبو داود بإسناده من حديث أوس بن الصامت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- "أَعْطَاهُ خَمْسَةَ عَشْرَ صَاعاً مِنْ شَعِيرٍ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكيناً" فهذه الرواية تثبت أن الطعام كان من الشعير، وأن المقدار الذي أعطي للمساكين خمسة عشر صاعاً، فيكون للمسكين الواحد مد من الشعير، ومن هذا أخذ الشَّافِعِيُّ، ومالك -رضي الله عنهما- مذهبيهما؛ لأنه لا فرق عندهما بين الشعير وغيره من باقي الأصناف، والإِطعام في كفارة اليمين مقدر عندهما بالإِطعام في غيرها من الكفارات.
واستدل الحنابلة بما رواه الإِمام أحمد عن إسماعيل قال: حَدَّثَنَا أيوب عن أبي يزيد الْمَدَنِيِّ قال: جاءت امرَأَةٌ من بني بياضة بنصف وسقٍ من شعير، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لِلْمُظَاهِرِ: "أَطْعِمْ هَذَا فَإِنَّ مدَّى شَعِيرٍ مَكَانَ مُدّ بُرٍّ".
وورد في حديث أوس بن الصامت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: إني سأعينه بعرق من تمر، فقالت امرأته يا رسول الله إني سأعينه بعرق آخر قال: أحسنت اذهبي، فأطعمي بها عنه ستين مسكيناً، وارجعي إلى ابن عمك.
قال سلمة بن عبد الرحمن: والعرق: زنبيل يأخذ خمسة عشر صاعاً من هذين الحديثين أخذ الإِمام أحمد بن حنبل مَذْهَبَهُ وهو ظاهر، فإن الحديث الأول أمر فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- المُظَاهِرَ بأن يطعم نصف الوسق من الشعير أعني ثلاثين صاعاً منه ستين مسكيناً فيكون لكل مسكين نصف صاع من الشعير، أعني: مُدّين، وغير الشعير ما عدا البرَّ كالشعير، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث نفسه: "فَإِنَّ مُدَّيْ شَعِيرٍ مَكَانَ مُدّ بُرٍّ"، وهذا يقضي بان الواجب من البر مُدّ وَاحِدٍ، والحديث الثَّانِي يفيد أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر امرأة أوس بان تتصدق بمجموع ما أعطته، وما أعطاه -صلى الله عليه وسلم- وهما العرقان، ومقدارهما ثلاثون صاعاً من التمر على الستين مسكيناً، ثم ترجع إلى زوجها، وذلك يقضي بان المسكين الواحد له نصف صاع من هذا المقدار.
النوع الثاني: من الأنواع المخيَّر فيها في كفارة اليمين، هي كسوة عشرة مساكين، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾.
و"مقدار ما يعطى منها لكل مسكين".
اتفقت كلمة الفقهاء على أن المكفر إذا أعطى لكل مسكين من العشرة ثوبين فأكثر كفاه ذلك، وسقطت عنه الكفارة.
ولكنهم اختلفوا في أقل ما يعطاه المسكين الواحد فَذَهَبَ الشَّافعي -رضي الله عنه-، وجمهور أهل الظاهر إلى أن أقل ما يعطاه المسكين الواحد هو ما يطلق عليه اسم الكسوة، كالمنديل، أو العِمَامَةِ، أو الإِزار، ولا يشترط أن يكون صالحاً للمعطي، بل جائز أن يعطي ما يصلح للكبير للصغير، وما للرجل للمرأة وبالعكس، كما لا يشترط أن يكون جديداً.
وذهب الإِمام مالك، وأصحابه إلى أن المجزئ من ذلك ثوب تصح فيه الصَّلاَةُ، فإن كان المسكين رجلاً وجب أن يعطى ثوباً يستر جميع البدن، وإن كان امرأة وجب أن تعطى ثوباً تستر به جميع بدنها، وخماراً تغطي به رأسها، وفي ذلك يقول مالك في الموطأ: "أحسن ما سمعت في الذي يكفر عن يمينه بالكسوة أنه إن كسا الرجال كساهم ثوباً ثوباً، وإن كسا النساء كساهم ثوبين ثوبين درعاً وخماراً وذلك أدنى ما يجزئ كُلاً في صلاته" وليس بلازم أن يكون الثوب، أو =
الجزء: 12 - الصفحة: 264
. . . . . . . . . . . . = ما معه جديداً، بل يكفي أن يكون صالحاً للبس، كما أنه ليس بلازم أن يكون المسكين كبيراً.
بل الصغير والكبير في الكسرة سواء.
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أن المجزئ من ذلك هو ما يستر البدن، ويسمى به الشخص مكتسياً، وذلك كالقميص، أو الإزار السابخ، أو القباء، أو الكساء أو الملحفة، وخالفهما الإِمام مُحَمَّدُ حيث قال: يجزئ من ذلك ثوب تصح فيه الصلاة للرجل والمرأة، فيجوز عنده السراويل للرجل؛ لأنه يسمى لابساً شرعاً ولا يجزئ عندهما؛ لأن لابسه لا يسمى مكتسياً عُرْفاً.
وذهب الإِمام أحمد إلى أن المجزئ من ذلك ثوب يصح للرجل أن يُصَلِّيَ فيه، وللمرأة درع وخمار، وقال: لا يجزئ إزار وحده أو سروال.
ووجهة الشَّافِعِيُّ، ومن معه في ذلك أن النَّصِّ ورد مطلقاً "أَوْ كِسْوَتُهُمْ" من غير أن يقيد بشيء، فوجب أن يحمل على ما يسمى كسوة عرفاً، والعرف يطلق على ما ذكر كسوة، فكان معتبراً في إسقاط الكفارة، ويؤيد ذلك قول عمران بن حصين -رضي الله عنه- لمن سأله عن قوله تعالى: ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ لو أن وفداً قدموا على أميركم هذا، فكساهم قلنسوة قلنسوة قلتم قد كسوا.
ووجهه مالك: أن الآية وإن كانت مطلقة، ولم يرد فيها تقييد بشيء إلا أن ذلك يجب أن يعتبر بما عرف عن الشرع في الكساء، وأدلى ما تقدر به كساء الصلاة؛ لأن في ذلك سد الخلة المحتاج، ودفعاً لحاجتهم في الصلاة وزاد الحنابلة على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "لاَ يُصَلِّي أَحَدُكُمْ في الثَّوبِ الْوَاحِدِ لَيسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ".
وقالوا: لا يجزئ أقل ما يصدق عليه اسم الكسوة أن الكسوة أحد أنواع الكفارة، فلا يجزئ فيه الإقل، كالإطعام، والأعتاق؛ ولأن لابسى ما لا يستر العورة لا يسمى مكتسياً، وإنما يسمى عُرْيَاناً، وَأَثَرُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَينِ ضَعِيفٌ.
ونحن إذا نظرنا إلى أن المولى -سبحانه وتعالى- لم يقيد الكسرة بكونها من أوسط ما يكسوا به أهله، ولم يرد في السنة ما يفيد كساءً خاصاً رأينا أن ذلك يجب أن يوكل إلى العرف، كما هو رأي الحنفية، ولا شك أن العرف يختلف باختلاف الْبُلْدَانِ، والأزمان، والفصول، فَالْمُكَفِّرُ متى اختار أن يكفر بالكسوة، وَجَبَ عليه أن يراعي الوسط الذي هو فيه، ويفعل ما يناسب هذا الوسط، وما يتفق، والزمن الذي يعيش فيه، ولا يُقَالُ: إن ذلك يوجب تشديداً على المكفر؛ لأنا نقول: المكفر مخيَّر في هذا، وفي غيره، فاختياره هذا بخصوصه، دليل على أنه لا حَرَجَ عليهِ فيه.
و"الصفات المعتبرة فيمن يعطي من الإِطعام والكسوة".
اتفق الفقهاء على أن وصف المسكنة والاحتياج لا بدّ منه فيمن يعطي من الكفَّارة لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ كما اتفقوا على أن المعطي من الكفارة يجب ألا يكون قريباً للرسول -صلى الله عليه وسلم- قرابة خاصة بان يكون هاشمياً فقط، أو هاشمياً ومطلبياً على الخلاف في ذلك لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إن هذه الصدقات أوساخ الناس فلا تحل لمحمد ولا لآل محمد".
كما اتفقوا على أن من يعطى كذلك يجب ألا تكون نفقته واجبة على المكفر وإلا كان الدفع إليه عبثاً لأنه راجح إليه.
=
الجزء: 12 - الصفحة: 265
. . . . . . . . . . . . . . . . . = واختلفوا في صفات أخرى نذكرها فيما يأتي:
"الإِسلام".
جمهور الفقهاء ومنهم مالك والشافعي وأحمد وأبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة على اعتبار الإِسلام شرطاً في المعطي فلا يجوز دفعها لكافر.
وقال غيرهم وهم: الإِمام أبو حنيفة ومحمد بن الحسن وهو مذهب الحنفية وأهل الظاهر أن الإِسلام ليس شرطاً فيه، فالكافر عندهم يجوز أن يعطى من الكفارة طعاماً وكسوة.
ووجهة الجمهور:
أولاً: أن الكفَّارة شرعت للتقرب بها إلى الله تعالى فهي عبادة والعبادة يجب أن تختص باهلها وأهل العبادة هم المؤمنون لا الكافرون.
وثانياً: أن الحربيين لا يعطون من الكفَّارة اتفاقاً لقوله تعالى ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ الله عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ في الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
فغير الحربي لا يعطى منها كذلك لان صفة الكفر تجمع بينهم.
ووجهة أبي حنيفة ومن ذهب مذهبه أن الله تعالى أطلق المساكين في الآية ولم يقيدهم بوصف الإِسلام فوجب بقاء المطلق على إطلاقه لعدم ما يدل على التقييد ولولا أن الحربي خرج بالآية السابقة لقلنا إنه يعطى من الكفارة، وخروج أحد أنواع الكفار لوجود ما يخرجه لا يعتبر مخرجاً لغيره.
ونحن إذا نظرنا إلى أن الكفارة إنما شرعت لتكون قرباناً يتقرب به العبد إلى ربه رجاء أن يقبله ويغفر له ما فرط منه من الذنب، وأن ذلك إنما يكون بدفع تلك الأشياء المشروعة لمن يرجى منه خير وينتظر منه دعوة مقبولة عند الله، وأن ذلك إنما يتوفر في المسلم لا في الكافر.
رأينا أن قول من قال باشتراط الإِسلام فيمن يعطى من الكفارة قول له وجاهته.
ومن السهل أن يرد على وجهة المخالف بان الآية وإن كانت مطلقة إلا أنها مقيدة بما يقصده الشرع من تشريعه وبما عرف عن مال الزكاة، فإن الذي يعطى منه هو المسلم لا الكافر.
الحرية:
اتفقت كلمة الفقهاء على أن عبد المكفر لا يعطى من كفارة سيده لا طعاماً، ولا كسوة؛ لأن ذلك راجع إليه، فيكون الدفع إليه عبثاً.
واختلفوا في إعطاء رقيق الغير من الكفارة.
فذهب الجمهور، ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو يوسف في غير غيبة السيد، وعجز العبد عن الكسب، ومحمد، وأبو حنيفة في غير من أحاط الدين برقبته، وكسبه إلى أنه لا يعطى من الكفارة؛ لأن الحرية شرط في المعطي.
وذهب غيرهم إلى أنه يعطى منها، والحرية ليست شرطاً فيه إذا، وجدت صفة المسكنة، وهو قول الظاهرية.
وجهة الجمهور: أن المقصود من الإِطعام والكسوة سد خلَّة المحتاج، والرقيق خلَّة مسدودة بوجوب نفقته على سيده، فَدَفْعُ الكفارة إليه لا يحقق المقصود منها، فيكون غير مشروع.
=
الجزء: 12 - الصفحة: 266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . = ووجهة الظاهرية: أن الآية مطلقة، فهي شاملة للحر والعبد على السواء، فتقييدها بأحد النوعين بخصوصه تقييد بلا دليل، فيكون باطلاً.
ونحن إذا نظرنا إلى وجهة كل رأينا أن مذهب الجمهور الراجح، لما سبق من التعليل، وَأَمَّا قول المخالف: إن الآية مطلقة، الخ، فيجاب عنه: بأن المقيد هو ما قصده الشارع من شرع الكفارة، وذلك محقق في غير الرقيق، ويؤيد هذا قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لاَ تَحِلُّ صَدَقَةٌ لِغَنِيٍّ وَلاَ لِذِي مِرَّةٍ سِوَى" وهذا غني بكسبه، أَو بإنفاق سيده عليه، فهو خارج عن النص، ويرد على أبي حنيفة أنه في حالة إحاطة الدين برقبته وكسبه، إذا كان لمصلحة السيد كان السيد مخيَّراً بين سداده، أو بيع العبد لسداده، وأما إذا كان مَنْشَؤُهُ مصلحة الرفيق، فإن الدائن هو الذي أهمل في مصلحة نفسه، كما يرد على من قال: إنه يعطى في حال غيبة السيد، وعجزه عن الْكَسْبِ بأن نفقته كنفقة الزوجة تكون عن طريق القرض بأمر القاضي، حتى يحضر السيد.
"هل للزوجة دفع كفارتها لزوجها أو ولدها":
مَذْهَبُ الشَّافِعيَّةِ والمالكية، وأبي يُوسَفَ، ومحمد بن الحنفية: أنه يجوز للمرأة إعطاء كفارتها لزوجها، أو ولدها الفقيرين؛ لان النص، وهو قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ يشملهما؛ ولأن إعطاءها إياهما يجمع بين الصلة والصدقة، وذلك أفضل من إعطاء الغير.
يدل لذلك ما روي أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أمر امرأة ابن مسعود أن تدفع صدقتها لزوجها، وولدها لما أعلمته عليه الصلاة والسلام باستحقاقهما للصدقة، فأخبرها صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن لها أجرين.
والمشهور من مذهب الحنابلة، وقول أبي حنيفة: أن المرأة لا يجوز لها ذلك.
ووجهتهم في ذلك: أن بين الزوجين صلة في المنافع واشتراطاً في الانتفاع، فدفعها إليه يوجب انتفاعها بما دفعته بعوده إليها، فكأنها لم تكفر.
وبالنظر في وجهة كل نجد أن الْحَقَّ مع الجمهور؛ لان النص شامل لهما ,ولم يوجد ما يخصصه، كما أن إعطاء الزوج الفقير يصون عليه ماء وجهه عن الذُّلُّ بسؤال الغير، وأما القول بأن ما تعطيه الزوجة لزوجها يرجع إليها .. الخ، فلا يضر؛ لان ذلك عَادَ إليها بعد أن ملكه الزوج، وليست نفقة الزوج واجبة عليها، حتى يقال: إنها قد انتفعت بهذا الإِعطاء.
"النوع الثالث": تحرير الرقبة: هذا هو النوع الثالث من أنوع كفارة اليمين المخيَّر فيها، وهو الْمُشَارُ إليه بقوله تعالى عاطفاً على الإِطعام، والكسوة: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ والمقصود من تحرير الرقبة: جعل الرقيق المملوك حُرّاً طليقًا ولقد أطلق الله تعالى في هذه الآية الرقبة، ولم يقيدها بِوَصْفِ الايمَانِ، كما قيدها به في كفارة القتل، فكان ذلك منشأً لاختلاف الفقهاء في إجزاء عتق الرقبة الكافرة في كفارة اليمين.
المذاهب:
ذهب الجمهور، ومنهم مالك، والشافعي، وأحمد في مشهور مذهبه، والأوزاعي: إلى أن عتق الرقبة الكافرة في كفارة اليمين لا يجزئ، ولا تسقط الكفَّارة به.
وذهب الإِمام أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري، وعطاء، وأبو ثور إلى أن ذلك مجزئ، ومسقط للكفارة، وهو رواية عن الإمام أَحْمَدَ.
احتج الجمهور بما رواه مسلم، والنَّسَائِيُّ عن معاوية بن الحكم قال: كانت لي جارية فَأتيت النبيَّ =
الجزء: 12 - الصفحة: 267
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . = -صلى الله عليه وسلم- فَقُلْتُ: عليَّ رقبة.
أفأعتقها فَقَالَ لَهَا رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَينَ اللهُ؟ فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ فقال: مَنْ أَنَا؟ فَقَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ.
فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اعْتِقهَا فَإنَّهَا مُؤْمِنَةٌ".
ووجه الدلالة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَخَّرَ الجواب عن السائل، حتى علم ما عليه تلك الرقبة من الإِيمان أو الكفر، فلما تأكد له إيمانها أجابه -صلى الله عليه وسلم- بأن يعتقها، وقال له: "فَإنَّهَا مُؤمِنَةٌ"، فلو لم يكن وصف الإِيمان له دخل في إجزاء العتق، لما كان لهذا التأخير فائدة، ومثل ذلك يجلُّ عنه مقام الرسول -صلى الله عليه وسلم-.
وأيضاً فإنه عليه الصلاة والسلام علَّق عتقها على الإِيمان، وتعليق ذلك يدل على أن الإِيمان علَّة الإِجزاء؛ لأن تعلُّق الحكم بالمشتق مؤذن بأن مبدأ الاشتقاق علة فيه.
وقالوا: إن الرقبة في الآية، وان كانت مطلقة غير مقيدة بوصف الإِيمان إلا أن هذا الحديث يصلح أن يكون مقيداً لها، فيكون المقصود من الرقبة فيها: هي الرقبة المؤمنة أو يقال: إن كفارة اليمين قد اتحد الحكم فيها مع كفارة القتل، ففي كل وجب عتق رقبة، واختلف سببهما إذ كفارة اليمين سببها اليمين، وكفارة القتل سببها القتل، والمطلق والمقيد متى اتحد حكمهما حمل المطلق على المقيد، وان اختلف سببهما متى وجدت علَّة جامعة بينهما، فتكون الرقبة في كفارة اليمين، مَحْمُولَةً على الرقبة في كفارة القتل، فتقيد بالإِيمان، كما قيدت به في كفارة القتل؛ لأن العلة التي تجمعهما: هي حرمة السبب.
واحتج الإِمام أبو حنيفة، ومن معه بان الآية غير مقيدة، فهي شاملة للرقبة المؤمنة، وللرقبة الكافرة، والمطلق يجب بقاؤه على إطلاقه، حتى يرد من الشرع ما يقيده، ولم يرد ما يقيد الرقبة بالإِيمان هَاهُنَا، فكانت باقية على إطلاقها، فعتق الكافرة مجزئ كعتق المسلمة، وليس حمل المَطلق على المقيد عند اتحاد الحكم مع اختلاف السبب أمراً متفقاً عليه، بل نحن لا نقول به.
وبالنظر في وجهة كل نجد أن مذهب الجمهور هو الراجح؛ لأن الحديث المتقدم مقيد للآية، فلم تبق على إطلاقها؛ ولأن الكفَّارة عبادة يُتقرب بها إِلى الله عَزَّ وَجَلَّ، فوجب أن تكون خاصة بأهل عبادته من المؤمنين كمال الزكاة، وذبائح النُّسُكِ.
نعم، إن الإِسلام دين الرحمة العامة، والصدقة فيه، حتى على الكفار غير المحاربين مستحبة، ولكن فرقاً بين الصدقة المطلقة، وبين العبادات المحددة المقيدة، فتكفير الذين إنما تُرْجَى بما في العتق من إعانة العتيق على طاعته تعالى، حتى من قال بِإجْزَاءِ الكافِرَة لا يمكنه أن ينكر أن الاحتياط في إِبراء الذمة إِنما هو بإعتاق الرقبة المؤمنة، فتقديم "المجمع عليه المتيقن إجزاؤه أولى بالاعتبار من الظنون المختلف فيه.
ذهب جمهور الفقهاء، ومنهم الأئمة الأربعة إِلى اشتراط ذلك، وعدم إجزاء الرقبة المعيبة عيباً يضر بالعمل، والكسب ضرراً بيناً؛ لأن المقصود من عتق الرقبة تمليك العبد منافعه، وتمكينه من التصرف لنفسه في الحياة، وجعله غير عالة على غيره، وهذا إنما يتحقق في الرقبة السليمة دون المعيبة، إذ عتقها يوجب أن تكون عالة على المجتمع بعد أن كانت عالة على الفرد، ولا يصلح أن يكون ذلك مقصودًا للشارع.
وذهبت الظاهرية إلى إجزاء ذلك؛ لأن شرط السلامة من العيوب غير معتبر عندهم.
=
الجزء: 12 - الصفحة: 268
. . . . . . . . . . . . . . . . = ووجهتهم في ذلك ظاهر قوله تعالى: ﴿أَو تَحْرِيرُ رَقبَةٍ﴾ حيث إنها لم تفرق بين الرقبة المعيبة، والرقبة السليمة، ولم يوجد ما يقيد هذا الإطلاق من كتاب أو سنة.
وبالنظر في وجهة كل نجد أن قول الجمهور: هو الراجح لما تقدم؛ ولأن العتق نوع كفارة، فلا يجزئ فيه ما يقع عليه الاسم، كالإطعام، فإنه لا يجزئ أن يطعم مسوساً ولا عفناً، وإن كان يسمى إطعامًا، فالمراد من الرقبة الرقبة الكاملة والمعيب ليس بكامل، فيجب المصير إلى التقييد مراعاة للمصلحة العامة؛ لأن الفرض من إعتاقه، أن يكون عضواً عاملاً في المجتمع الإِنساني، فيكمل به بِنَاءُ الإِنْسَانيَّةِ.
واتفق الفقهاء جميعاً على أن عتق الرقبة يجب أن يكون خالصاً للكفارة، فلا يجزئ العتق عن الكفارة في مقابلة عوض يأخذه المكفر من العبد، كما لا يجزئ عتق الرقبة المشتراة على شرط العتق لأن ذلك عتق في مقابلة عوض إذ البائع لما تساهل في الثمن في نظير هذا العتق فكأنه ترك جزءاً منه في مقابلة.
ولا فرق في إجزاء عتق الرقبة بين أن تكون الرقبة مملوكة له أو مملوكة لغيره واشتراها بنية الكفارة.
غير أن للعلماء اختلافاً في إجزاء بعض الرقاب المملوكة أو المشتراة نذكرها فيما يأتي:
أم الولد:
جمهور الفقهاء ومنهم الأئمة الأربعة على عدم إجزاء عتقها في الكفارة.
لأن عتقها مستحق بسبب آخر فلم يكن العتق خالصاً للكفارة، بل كانت كالعبد المشترى بشرط العتق.
وذهب أهل الظاهر وعثمان البتي وأحمد في رواية عنه إلى أن عتقها مجزئ في الكفارة لأن الله تعالى يقول: ﴿أَو تَحْرِيرُ رَقبَةٍ﴾ وذلك شامل لأم الولد وغيرها.
ونحن إذا نظرنا إلى وجهة كل نرى أن الحق هو ما ذهب إليه الجمهور, لأن الشارع يريد أن تتخلص هذه الرقابة من ذل العبودية.
وما دام هناك سبب تتخلص به أم الولد من الرق غير سبب الكفارة فلا داعي لأن يضاف سبب آخر إليه ولنبحث عن رقبة أخرى ليس فيها ما يوجب تحريرها وبمنّ عليها بالعتق تكثيرا للنفوس المحررة.
المدبر:
ذهبت الشافعية، والحنابلة، والظاهرية، وجماعة من الفقهاء: إلى أن المدبر يصح عتقه في الكفارة؛ لأنه رقبة من الرقاب، وقد قال تعالى: ﴿أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾؛ ولأنه عبد كامل المنفعة لا عوض في عتقه، فجاز عتقه كالقنِّ.
وذهبت المالكية، والحنفية، والأوزاعي وجماعة من العلماء: إلى أن عتقه في الكفارة ليس بمجزئ؛ لأن عتقه مستحق بسبب آخر، فكان كأم الولد.
وبالنظر في وجهة كل نجد أن الحق مع من يقول بعدم الإجزاء؛ لأن إلحاقه بأم الولد أولى من إلحاقه بالقنِّ؛ لأن كلاً منهما استحق العتق بسبب غير سبب الكفارة، وجواز بيعه لا يلزم منه إجزاء التكفير به، على أن بعض العلماء يقول بصحة بيع أم الولد، ومع ذلك لا يجوز إعتاقها عن الكفارة.
"المكاتب": =
الجزء: 12 - الصفحة: 269
. . . . . . . . . . . . . . . = ذهبت الشافعية، والمالكية، وأحمد في رواية عنه إلى أن المكاتب لا يجزئ عتقه في الكفارة مطلقاً أدى شيئاً من نجوم الكتابة، أم لا؛ لأن الكتابة لازمة من جهة السيد، فلا يملك إبطالها، فكان عتقه كأم الولد؛ ولأن عتقه مستحق بسبب آخر، فكان كالعبد المشترى بشرط العتق.
وذهبت الحنفية، والأوزاعي، وأحمد في مشهور مذهبه: إِلى التفصيل فيقولون: "إِنْ أَدَّى شَيْئاً مِنْ نُجُومِ الكتَابةِ لَمْ يَجْزُ عِتْقُهُ فِي الْكَفَّارَةِ، وَإِنْ لَمْ يُؤَدِ شَيْئاً مِنْهَا أَجْزَأَ عِتقُهُ فِيْهَا".
ووجهتهم في ذلك: أنه عند أداء بعض النجوم يكون عتقه كعتق العبد الذي ثبتت حرية بعضه، وذلك لا يجوز.
أما في الحالة الثانية: فيكون رقبة كاملة الملك لم يحصل عوض في مقابلة عتقها، فيجوز عتقه، كالعبد القنِّ.
وذهب أبو ثور وأحمد في رواية ثالثة: إلى إجزاء عتقه في الكفَّارة مطلقاً أدى شيئاً من مال الكتابة أم لا؛ لأنه لم يخرج عن كونه رقيقاً مابقي عليه درهم.
لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "الْمَكَاتِبُ عَبْدُ، مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرهَمٌ" والله تعالى يقول: ﴿أَو تَحْرِيرُ رَقبَةٍ﴾ وهي شاملة له.
وبالنظر في وجهة.
كل نرى أن الحق مع من يقول: بعدم إجزاء عتقه في الكفارة مطلقاً؛ لأن المكاتب قد أحرز نفسه، وماله بالكتابة، فصار كالحر؛ ولأن عتقه قد وجد له سبب، وهو الكتابة، فهو بصدد أن يكون حُراً، فعلينا أن نبحث عن رقبة أخرى لا سبب للحرية فيها، فنعتقها لنكثر من الرقاب الأحرار، والقول بأنه عبد ما بقي عليه درهم: لا يقضي بجواز عتقه في الكفارة إذ غاية ما يفيده هذا القول إنه ما لم يسدد نجوم الكتابة لا يصير كامل الحرية، وفرق بين الأمرين.
النوع الرابع: الصيام:
الخصلة الرابعة من خصال كفارة اليمين: هي صيام ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، والعلماء متفقون على أن تلك الخَصْلَةَ لا ينتقل إليها المكفر إلا بعد العجز عن الخصال السابقة؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾.
لكنهم مختلفون في شيء آخر وراء هذا وهو: هل يجب التتابع في صوم تلك الأيام الثلاثة بحيث لا يتخللها فطر أو لا يجب ذلك فِيهِ خِلاَفٌ.
ذهبت الشافعية في الراجح من مذهبهم، والمالكية، والظاهرية، وأحمد في رواية عنه: إلى عدم اشتراط التتابع محتجين بأنه صوم نزل به القرآن غير مقيد بالتتابع، فجاز متفرقًا ومتتابعًا؛ لانه لم يوجد من السنّة دَلِيلٌ ثَابِتٌ يصح أن يقيد به هذا الاِطلاق، فالتقييد بالتتابع تَقْييدٌ.
بلا دليل.
وذهبت الحنفية، وأحمد في مشهور مذهبه، والثَّورِيُّ، وأبو عبيد: إلى اشتراط التتابع محتجين بقراءة أُبَيِّ، وابن مسعود "فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةٍ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَات" قائلين: إن ثبت القرآن بهذا كان حجة ووجب حمل المطلق على المقيد؛ لأن القرآن يفسِّر بعضه بعضاً، وإن لم تثبت القرآنية بهذا، فلا يخرج ذلك عن أن يكون رواية عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمعها ابن مسعود، وأبي منه، فلها حكم الحديث المرفوع، وهو حجة، فيقيد به مطلق الكتاب، وَأيَّاً ما كان، فالتتابع ثابت بهذا، فلا يصح التفريق في الصِّيَام.
ونحن إذا نظرنا إلى وجهة كل نجد أن القول بالتتابع هو الراجح؛ لأن القائلين بعدم التتابع قد =
الجزء: 12 - الصفحة: 270
قَال الغَزَالِيُّ: النَّظَرُ الثَّانِي فِي الكَفَّارَةِ: وَهُوَ عِتْقُ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامُ عَشَرَةَ أَمْدَادٍ لِعَشَرَةِ مَسَاكِينَ، أَوْ كِسْوَتُهُمْ، فَإِنْ عَجَزَ فَصَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، وَلاَ يَجِبُ التَّتَابُعُ.
قَالَ الرَّافِعيُّ: كفارة اليمين 56 تختصُّ باشتمالها على تخيير في الابتداء وترتيب في الانتهاء، فيخيَّر الحالِفُ أولاً بين أن يُطْعم عشرةَ مساكين، وبين أن يكْسُوهم وبين أن يُعْتِق رقبة؛ على ما قال تعالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشْرَةِ مَسَاكِينَ من أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُنمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَة﴾ [المائدة: 89] فإن اختار الطعام، أطعم كلَّ واحدٍ مُداً والقول في جنس الطعام وكيفية إخراجه ومَنْ يُصْرَف إلَيْه، وامتناع إخراج القيمة، وصرف الأمداد العشرة إلى بعْض العَشَرة، وسائر المسائل على ما سبق في "الكفارات"، وإن اختار الكِسْوة، كساهم على ما سنَذْكر، وإن اختار الإعتاق، فلتكن الرقبةُ بالصفات المذكررة في "الكفارات" ولو أطعم بعض العشرة، وكسَا البعض، فلا يجوز؛ خِلافاً لأبي حنيفة وأحمد، ويُروَى مثلُه عن مالك -رحمهم الله-.
لنا: أن التخيير للخِصالِ المذكورةِ ينفي التمكُّن من غيرها، والتفريقُ غيرها وأيضاً، فإنه لا يجوز أن يعتق نصف رقبة ويُطْعم أو يكسُو خمسةً، فكذلك هاهنا, ولو أطعم عشَرةً، وكسا عشرَةً، وأعتق رقبَةً، أو أطعم ثلاثين مسكيناً عن ثلاثِ كفاراتٍ، ولم يعيِّن، أجزأه, بناءً على ما مرَّ أن تعيين النية في الكفَّارات لا يشترط، فإن عجز عن الخصال الثلاث جميعاً، صام ثلاثةَ أيام عَلَى ما قال تعالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجدْ فَصِيَامُ ثَلَاثةِ أَيَّام﴾ [البقرة: 196]، والقول فيما يحصل به العجْز قد تبَّين في"كتاب الكفَّارات" ومن له أن يأخذ سهم الفقراء، أو المساكين من الزكوات أو من الكفارات يُكَفِّر بالصوم؛ لأنه من جملة الفقراء في الأخذ، فكذلك في الإِعطاء، وقد يملك نصابًا ولا يفي دخْلُه = حملوا المطلق في تحرير الرقبة على المقيد فيها في كفارة القتل، حتى أوجبوا اعتبار وصف الإيمان في الرقبة مع أن السبب فيهما مختلف، وليس لهم مستند في ذلك إلا أن كلا من الكفارتين تجمعهما علة واحدة هي: حرمة السبب، وهذه العلة بذاتها موجودة في الصوم في كفارة اليمين.
وقراءة أُبَيِّ، وابن مسعود: "فَصِيَامُ ثَلاثةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ".
فهذه القراءة، وِان لم تثبت قرآنية هذا اللفظ؛ لأن القرآن لا يثبت بالآحاد إلاَّ أنها رواية عن صحابي سمعها من الرسول -صلى الله عليه وسلم- فلا ينبغي أن يَتَقَوَّلَ عليه ما لم يقله؛ لأنه يعرف حَقَّ المعرفة معنى قوله عليه الصلاة والسلام: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتعَمِّداً، فَلْيَتَبَوأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" فتكون مقيدة للآية.
فقول من قال: إن الآية مطلقة، ولم يرد ما يقيدها لا يقبل بعد البيان السابق، وخصوصاً إذا أمكن حمل المطلق هَاهُنَا على المقيد في كفارة القتل، أو الظهار، ولا مانع منه.
الجزء: 12 - الصفحة: 271
بخَرْجِه، فعليه إخراج الزكاة وله أخذها، والفرق بين البابين أنا لو أسقطنا الزكاة لخلا النصاب عن الزكاة؛ بلا بدل، وللتكفيرُ بالمال بدلٌ، وهو الصوم، وهل يُشْترط التتابع في الأيام الثلاثة؟ فيه قولان:
أحدهما: لا؛ لأن الآية مطْلَقةً غير مقيَّدة بالتتابع، وبهذا قال مالكٌ.
والثاني: نعم؛ حملاً للمطْلَق على المقيَّد في آية الظهار والقتل، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمدُ واختاره المُزنيّ -رحمهم الله- ومن قال بالأوَّل، قال: هذه الكفارات بُنِيت على التخفيف؛ ألا ترى إلى قلة عدد الأمداد والأيَّام، وإلى إثبات التخيير، فلا يلزم من اعتبار التتابع هناك الاعتبار هاهنا، والقول الثاني أصحُّ عند صاحب "التهذيب" لكن المحامليّ في آخرين رجَّحوا الأول، وهو المذكور في الكتاب، وذكر الإِمام؛ أنه الجديد، وإذا قلْنا باعتبار التتابع، فالإِفطار في اليوم الثاني أو الثالثِ بعُذْر المرض، أو السَّفَر على الخلاف المذكور في كفارة الظهار، ولو أفطرت المرأة بعُذْر الحَيْض، فقد قيل: لا ينقطع التتابع، كما في صوم الشهرين، وقيل: يقطع بالانقطاع؛ لأن تبْعِيد الأيَّام الثلاثة عن الحيضِ ممكنٌ بخلاف الشهرين، وقيل: الحيض هاهنا كالمرض هناك، ففي قطعه التتابُعَ قولان:
والظاهر: أنه يَقْطع التتابعُ، وإذا كانت المرأةُ ممَّن لم يحضْ، فشرعت في الصوم، فابتدأها الحيضُ، اتجه التسوية بينه وبين المرض، وقال أحمدُ: الحيضُ لا يقطع التتابعَ، وقد ذكرنا طَرفاً من هذه المسألة في "الكفارات".
ويجوز أن يُعلَمَ قوله في الكتاب "عشرة أمداد لعشرة مساكين" بالحاء؛ لما ذكرنا في الكفارات أن عند أبي حنيفة: وظيفةُ كلِّ مسكين، إن أخرج البُرَّ، نصْفُ صاع، وإن أخرج التمْرَ والشعيرَ، فصاعٌ، وبالألف؛ لأن عند أحمد: لكُلِّ مسكين من البرِّ مُدٌّ ومن التمر والشعير مُدَّان.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيَكْفِي فِي الكِسْوَةِ ثَوْبٌ وَاحِدٌ إِزَارٌ أَوْ سَرَاوِيلُ أَوْ قَمِيصٌ، وَيَكْفِي مَا يُوَارِي الرَّضِيعَ إِذَا أَخذ الوَليُّ لَهُ، وَإِنْ أَخَذَهُ لِنَفْسِهِ فَهَلْ يَكْفِي ذَلِكَ القَدْرُ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ المَخِيطُ وَلاَ الجَدِيدُ بَلْ يُجْزِئُ المُسْتَعْمَل إِلاَّ إِذَا تَخَرَّقَ بِالاسْتِعْمَالِ أَوْ قَارَبَ الانْمِحَاقَ، وَيَجُوزُ مِنَ الصُّوفِ وَالكَتَّانِ وَالكِرْبَاسِ وَالإِبْرَيْسَمِ، وَفِي الدِّرْعِ وَجْهَانِ، وَفِي الشَّمْشَقِ وَالقَلَنْسُوَةِ والخُفِّ وَجْهَانِ فالظَّاهِرُ مِنَ الطَّريقَينِ أَنَّ النَّعْلَ كَالشَّمْشقَ لاَ كالمِنْطَقَةِ فَإنَّها لاَ تُجْزِئُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إِذا اختار المكفِّر الكِسْوةَ، وجب فيها التمليك، كما في الطعام، ولا يشترط أن يُعطِيَ كلَّ مسكين دست ثوب، بل يكفي ثوبٌ واحدٌ من قميصٍ، أو
الجزء: 12 - الصفحة: 272
سراويل، أو عمامة، أو جبة، أو قباء، أو مُقَنَّعة، أو إزار أو رداء، أو طَيْلَسَان؛ لأن الاسم يقع على جميع ذلك، وبهذا قال أبو حنيفة، فيما رَوَى بعض الأصحاب، وفي شرْح الصيدلانِّي؛ أن أبا حنيفة -رحمه الله- قال: لا بدَّ من ثوبٍ سابغٍ من دراعة أو جبة، أو إزار، مع رداءٍ، ولا يجزئ الإزار وحْده، والسراويل وحده، وحَكَى القاضي ابن كج: أن أبا حنيفة قال: يَجزئ السراويل، ولا تُجْزئ العمامة، وعند مالكٍ وأحمد: يشترط أن يكون المُعْطَى ساتراً للعورة، وتصح فيه الصلاةُ، فيختلف الحال بذكررة الأخْذ وأنوثته، حتى يجزئ الإزار الواحدُ، إن كان الآخذ ذكراً، ولا يجزئ إن كان أنثَى، ويُحْكَى هذا قولاً عن القديم 57، وعن رواية البويطِيِّ أيضاً، ويمكن أن يُعْلَم؛ لما بينا قوله في الكتاب "إزارٌ أو سراويلُ" بالحاء والميم والألف والواو.
ولو كان المأخوذ صغيراً يكفي للصغير والرضيع دون الكبير، نُظِر، إن أخذه الوليُّ للصغير، جاز، فإنَّ صَرْفَ طعام الكفارة وكسوتها للصغارِ جائزٌ، كما في الزكاة، ويتولَّى الوليُّ الأخذ، وإن أخذه الصغير لنفسه، فوجهان:
أحدهما: وهو اختيار الشيخ أبي محمد: أنه لا يجوز؛ لقوله تعالى: ﴿أو كِسْوَتُهُم﴾ [المائدة: 89] فأضاف الكسوة إلى مَنْ يَكْتَسِي، وأيضاً، فإن الخرقة الصغيرة تَوَارِي ابْنَ ساعةٍ، ويبعد كل البُعْد أن يكتفي المكفِّر بعَشْرِ خِرَقٍ يعطيها عَشَرةً من الرجال.
وأظهرهما: الجواز، وبه قال القاضي الحسين -رحمه الله- ولا يُشْترط أن يَكتسي الآخِذُ بما يتسلَّمه، ولذلك يجوز أن يعطِيَ الرجال كسوةَ النساء، وبالعكس، ولا يُشترط المَخِيط، بل يجوز إعطاء الكِرْبَاس، ويُسْتحب أن يكون جديدًا خامًا كان أو مقصوراً، فإن كان مستعملاً، نُظِر، إن تخرَّق أو ذهبَتْ قوته بمقاربة الانمحاق، لم يجز؛ لأنه مَعَيبٌ، كالطعام المُسَوِّس، وإن لم ينته إلى ذلك الحدِّ، فيجوز، كالطعام العتيق، كالمرقع لا يجزئ إن وقع للخَرْق والبِلَى، وإن خِيط في الابتداء مرقعاً للزينة وغيره، أجزأه ولو كسا مسكيناً ثوباً لطيفاً مهلهل النَّسْجِ غَيْرَ بالٍ في جنسه، لكنْ مثْلُه، إذا لُبس، لا يدوم إلا بقَدْر ما يدوم الثوب البالي، قال الإِمام: يظهر أن يقول: لا يُجْزئ لضعْف المنفعة فيه.
وأما الجنْس، فيجزئ المتَّخَذ من الصوف، والشَّعْر، والقطن، والكَتَّان والقَزِّ والإِبْرَيْسَم، ولا فرق بين أن يكونَ المدفوعُ إليه رجلاً، لا يحلُّ له لُبْسه، أو امرأةً لأنه
الجزء: 12 - الصفحة: 273
يجوز أن يدفع إلى الرجل كسوةَ المرأةِ، وفي "المهذب" وجهٌ: أنه لا يجزئ، إنْ كان المدفوعُ إليه رجلاً، ولا فرق في كل جنس بين الجيِّدِ والرديءْ، والمتوسِّط، ويتبع الاسم، وعن القاضي الحُسَين: أنه لو قِيلَ باعتبار الكسوة الغالبة في أهل البلدة، كالطعام، لم يَبْعُد، وفي الدرع وجهان:
أحدهما: أنه يجزئ؛ لأنها ملبوسةٌ محيطةٌ بالبدن، ولذلك تجب الفدية على المُحْرِم بلبسها.
وأظهرهما: المنع؛ لأن المتَّبَع فيما نحْن فيه اسمُ الكِسْوة، ولا يُسَمَّى الدرع كسوةً، وإن كانت ملبوسةً، وأُجْرِي الوجهان في الشَّمْشَق، وهو المكَعَّب، وفي القَلَنْسُوة، قال الإمامُ: وسبب الاختلاف إطلاق اسم اللبس وامتناع اسم الكسوة، ويُحْكَى عن أبي إسَحاق: إجزاء الْقَلَنْسُوة، واحتج له بما رُوِيَ أن عِمْرَانَ بن حصين -رضي الله عنه- سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِذَا قَدِمَ وَفْدٌ عَلَى الأَمِيرِ , فَأَعْطَاهُمْ قَلَنْسُوَة، قِيلَ: قَدْ كَسَاهُمْ 58 وأجريا أيضاً في الخف والتُّبَّانِ، وهو: سراويلٌ قصيرةٌ لا تبلغ الرُّكبة، والظاهر في الكلِّ المنْعُ، وقطع به بعضهُم في الخُفِّ، وفي النعل طريقان:
أشبههما: على ما ذكر الإِمام وصاحبُ الكتاب -رحمهما الله-: إجراء الخلاف.
والثاني: القطعُ بالمنع، كما في المِنْطَقَةِ والخَاتَم، وليكن الجَوْرَبُ كالنعْل، ولا تجزئ التِّكَّةُ وفي "جمع الجوامع" للرويانيِّ إجراء الخلاف فيها، وذكر الصيدلانيُّ، أن القميص من اللبد يجزئ في اللبد الذي جرت العادة بلْبِسهِ؛ لغالب الناس أو لِنَا دِرِهِمْ 59.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: النَّظَرُ الثَّالِثُ فِي المُلْتَزِمِ، وَهُوَ كُلُّ مُكَلَّفٍ حَنِثَ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْداً مُسْلماً كَانَ أَوْ كَافِرًا بَقِيَ حَيّاً أَوْ مَاتَ لَكِنَّ العَبْدَ لَيْسَ عَلَيْهِ إلاَّ الصَّوْمُ لأَنَّهُ لاَ يَمْلِكِ بِالتَّمْلِيكِ (و)، وَلِلسَّيِّدِ المَنْعُ مِنْهُ لأَنَّهُ عَلَى التَّرَاخِي إِلاَّ أَنْ يَكُونَ قَوِيّاً بِحَيْثُ لاَ تَمْتَنِعُ الخِدْمَةُ، وَلِلسَّيِّدِ أَنْ يُطْعِمَ عَنْهُ وَيَكْسُو بَعْدَ مَوْتِهِ إِذْ لاَ رِقَّ بَعْدَ المَوْتِ، وَفِي الإِعْتَاقِ عَنْهُ وَجْهَانِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 274
قَالَ الرافعِي: كل مكلَّف حنثَ في يمينه 60، لزمته الكفارة، يستوي فيه الحرُّ،
الجزء: 12 - الصفحة: 275
والعبدُ، والمسلِمُ، والكافِرُ، وعن أبي حنيفة: أن يمين الكافِرِ لا ينعقد، واحتج الأصحابُ -رحمهم الله- بأنه مكلَّف قاصدٌ إلى اليمين، فينعقد؛ كالمسلم، وكما أنَّ على الحالفِ الحانِثِ إخراجَ الكفَّارة في حياته، فلو مات قبل الإِخراج، تخرج من تركته، هذا هو القول الجُمَلِّي، وفي العبد والميّت مسائلُ تقع في فصلين:
أحدهما: في العبْد، ويكفر عن اليمين وغيْرها بالصوم؛ لأنه لا يملك على الصحيح، فلا يُتصوَّر منه الإعتاق والإطعام، وإعطاء الكسوة، وإن قلْنا: إنه يملك بتمليك السيد، فإن أطلق التمليك، لم يمكنه إخراج الكفارة بغَيْر إذن السيد، وإن ملكه الطعام أو الكسوة للإخراج في الكفَّارة أو ملَّكه ثم أذن له، فيكفر بالإِطعام أو بالكسوة، وقد ذكَرْنا ذلك، وبيَّنَّا أنه، لو ملكه عبداً ليعتقه عن الكفَّارة، لم يقع عن الكفارة، على الظاهر من المَذْهب، وبَنَاه الإِمام -رحمه الله- على أنَّه، لو ملَّكه عبداً فأذن له في إعتاقه مُتبرعاً لمن يكون الولاء، إذا أعتقه؟ وفيه قولان: = خامساً: ألا يكون الحالف على شخص بأنه لا يفعل -كذا هو المكره له على فعله.
سادسًا: ألا تكون يمينه لا أفعله طائعاً ولا مكرهاً وجهة الشافعية ومن معهم قوله -صلى الله عليه وسلم- "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "ليس على مقهور يمين".
وجه الدلالة من الحديثين ظاهر، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر في الحديث الأول بأن النسيان والإكراه قد وضعها عن الأمة.
أي أنه لا إثم فيهما على المكره، ونفي الإثم يوجب نفي الكفارة لأَن الشأن فيها أن تكون لذهاب الإِثم.
وأخبر في الحديث الثاني أن المقهور لي عليه يمين وهذا نص في المطلوب؛ لأن الكفارة إنما تكون عن وجود يمين معتبرة وحيث لا اعتبار ليمين المكره فلا كفارة فيها.
ووجهة الحنفية والمالكية ما روي من قوله -صلى الله عليه وسلم-: "ثلاث جدِّهنَّ جد وهزلهن جد .. الخ" وعدَّ من جملة الثلاث اليمين.
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اعتبر اليمين من الهازل وهو الذي لم يقصد ما حلف عليه وجعلها كيمين الجاد الذي وجد منه القصد فتكون يمين المكره والمخطئ أولى بالاعتبار لوجود القصد عندهما فتكون موجبة للكفارة كغيرهما.
وأيضاً فإن حقيقة فعل خلاف ما حلف عليه لم تنعدم بالإِكراه ولا بالنسيان بل توجد بها، وتحقق الفعل هو الشرط المعتبر في الكفارة وقد وجد فتوجد الكفارة.
ونحن إذا نظرنا إلى وجهة كل نجد أن قول الفريق الأول القائل بالاشتراط هو الراجح لأن استدلال الحنفية يضعفه ما صرح به في بعض الروايات من تفسير اليمين بأنها اليمين بالعتق أو الرجعة، فقد ورد في بعض روايات الحديث ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والعتق وفي بعضها "الرجعة" بدل العتق والمطلق يحمل على المقيد فيكون المعنى اليمين بالعتق.
كما أن قولهم إن الشرط في الكفارة هو حصول خلاف المحلوف عليه وقد تحقق استدلال بمحل النزاع، فإن الخصم يقول لهم: إن الشرط تحققه على وجه خاص ولم يوجد ذلك الوجه الخاص.
ويرد على الحنفية خاصة بأن هذا قياس في الأسباب وهم لا يقولون به.
الجزء: 12 - الصفحة: 276
أحدهما: أنه للسيد، فإن إثبات الولاء للعَبْد متعذِّر؛ لتعلُّق الولاءِ والإِرث به، وقصور حال العبْد عنهما.
والثاني: أنه يوقَفُ، إن عُتق العبد المعتِق، تبين أن الولاء له، وإن مات رقيقاً، فهو للسيد، وذكر صاحبُ "التقريب" قولاً أن الولاء للعَبْد وإذا لم يبعد ثبوت الملك، لم يبعد ثبوت الولاء، فعلى هذا القَوْل، إذا أذْن السيد له في الإِعتاق عن الكفارة، وقع عنْها وثبَت له الولاء، وقد ذكرنا ذلك في "الكفارات" ويُرْوَى ذلكَ عن أحمدَ -رحمه الله- وإن جعلْنا الولاء للسيِّد، فلمن يقع العتق؟ قال الإِمام: ينقدح فيه وجهان من كلام الأصحاب -رحمهم الله-.
أظهرُهما: أنه يقع للسيد, وكأن المِلْك يَنقَلِب إليه، لانصراف الولاء إليه.
والثاني: أنه يقع عن العبد، ويجزئه عن الكفارة، والتعذُّر يختص بالولاء، وهذا قول حكاه الشيخ أبو محمد -رحمه الله-، وإن قلْنا بالتوقف في الولاء، فقد قيل: يجزئ الإعتاف عن الكفارة، وهذا ما أسندناه إلى القفَّال هناك، ورأى الصيدلانيُّ أن يوقَفَ الوقَوع عن الكفارة؛ تبعاً للولاء، وهذا ما ذكره القاضي الحسين، وقَطَع به، وإذا قلْنا في هذه التفاريع: إن العتْق يقع عن الكفارة، فلو أَذِنَ السيد لعبده في الإعتاق في كفارة مرتَّبة، فهل للعَبْدِ ألاَّ يكفر بالمال، ويصوم؟ قال الإِمام -رحمه الله-: فيه احتمال عندنا من جهة أنَّ ملكه ضعيفٌ، والعبد ليس مُوسِراً به؛ ولذلك كانت نفقته على زوجته نفقةَ المُعْسِرِين، وإن ملَّكه السيد مالاً جمًّا، ويجوز أن يُقَالَ: ليس له ذلك؛ لتمكنه من الإِعتاق.
ولو أعتق الكاتَبُ عن كفارته بإذن السيد، ونفذنا تصرفاته، إذا صدر عن إذن السيد، قال الصيدلانيُّ: الذي ذكره الأصحاب -رحمهم الله- أَنَّ ذمته تبرأ عن الكفارة، والذي عندي فيه: أن الأمر موقوف؛ لأنه قد يعْجز، فيَرِقُّ، وحينئذ، فيكون الولاء موقوفاً، وإذا كان الولاء موقوفاً، وجب وقف الكفَّارة، ولو كفَّر السيد عنه بالإِطعام، أو الكسوة، أو الإِعتاق بإذنه، فهو على الخلاف في أنه، هل يملك بالتمليك بتفريعه وإذا كَفَّر بالصوم، فيستقل به، ولا يحتاج إلى إذْن السيد، وفيه تفصيلٌ وخلافٌ مذكوران في "الكفَّارات" وحيث يحتاج إلى الإِذْن، فللسيد منع الجارية من الصوم، لئلا يَفُوتَه الاستمتاعُ، والكفَّارة على التراخِي، وكذا له منع العبد، إذا كان يَضْعُف عن الخدمة بالصوم أو يناله ضَرَرٌ، وإلا، فوجهان:
أحدهما: أن له المَنْعَ أيضاً؛ لأنه ينقص نشاطه.
وأصحهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه ليس له ذلك؛ لأنه لا يتضرر به، وذكر على هذا أنه لا يمنعه من صَوْمِ التطوُّعِ في مثل هذه الحالة، ولا من صلاة التطوُّع في
الجزء: 12 - الصفحة: 277
غير زمان الخدْمة، كما لا يمنعه من الذِّكْر وقراءة القرآن في ترداده، وحيث يحتاج إلى الإذن، فلو صام من غير إذْنِ، اعتد به، كما لو صلَّى الجمعة من غيْر إذنه، هذا كلُّه في حياة العبد، أما إذا مات، وعليه كفارةُ يمين، فللسيد أن يكفِّر عنه بالإِطعام أو الكسوة، وإن قلْنا: إن العبد لا يملك بالتمليك؛ لأن التكفير عنه في الحياة يتضمَّن دخوله في مِلْكه، والتكفير بعد الموت لا يستدعي ذلك، وليس للسيد ملْكٌ محقَّق، وأيضاً، فإن الرقَّ لا يبقى بعد الموت، فهو والحرُّ سواء، هذا ظاهر المذْهَب قال الإِمام -رحمه الله-: ويتطرق إليه احتمالٌ؛ الوجه ذكرناه في "الكفارات" فيما إذا أعتق العبد، وعليه كفارة، فأراد أن يكفِّر بالمال، وقلْنا: إن الاعتبار بحالة الوجوب؛ أنه لا يجوز؛ لأنه لم يكن أهلاً للتكفيرِ بالمال، حينئذٍ، وإذا قلْنا: بالظاهر، فهل يجزئ إعتاقه عنه؟ فيه وجهان:
أصحُّهما: وهو المذكور في "التهذيب" المنع؛ لما ذكرنا من إشكال الولاء.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: والمَيِّتُ يَعْتِقُ عَنْهُ وَارِثُهُ مِنْ مَالِهِ فِي الكَفَّارَةِ المُرَتَّبَةِ، وَفِي المُخَيَّر يُطْعِمُ ويَكْسُو، وَفِي الإِعْتَاقِ وَجْهَانِ، وَالأَجْنَبِيُّ لاَ يُعْتِقُ عَنْهُ مُتَبَرِّعاً، وَفِي الإِطْعَامِ وَالكُسْوَةِ وَجْهَانِ، وَالوَارِثُ يَتَبَرَّعُ بِغَيْرِ الْعِتْقِ، وَفِي العِتْقِ وَجْهَانِ، وَفِي صَوْمِ الوَلِيِّ عَنْهُ خِلاَفٌ، وَصَوْمُ الأجْنَبِّي بِغَيْرِ إِذْنٍ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ، وَأَوْلَى بِالمَنْعِ، وَلَوْ أَوْصَى فِي الكَفَّارَةِ المُخَيَّرةِ بالعِتْقِ وَزَادَ قِيمَةُ العَبْدِ عَلَى الطَّعاِم فَفِي وَجْهٍ يُحْسَبُ مِنْ رَأْسِ المَالِ، وَفِي وَجْهٍ منَ الثُّلُثِ: وَفِي وَجْهٍ قُدِّرَ قِيمَةُ الطَّعَامِ مِنْ رَأْسِ المَالِ والزِّيَادَةُ مِنَ الثُّلُثِ.
قال الرَّاِفعِيُّ: الفْصلُ الثَّاني في الميِّت: مَنْ مات وعليه كفَّارة , أُخْرِجت من تركته، أوصى بها أو لم يوص، وسبيلُها سبيل الديون، هذا هو المذهب، وذكرنا في "كتاب الوصية" وجهاً آخر: أَنه، إن أوصى بها، أُخْرِجت من الثلث، وإلا، لم يُخْرَجَ ووجهاً أنَّها تَخْرُج من الثلث، وإن لم يوصِ، وعند أبي حنيفة: حقوق الله تعالَى تَسْقُط بالموت، وقد قدَّمناه، وعندنا: إذا وفَّت التركة بما على الميت من حقوق الله تعالَى وحقوق الاَدميين، قُضِيَتْ جميعاً، وإلا تعلَّق بعضُها بالعين، وبعضُها بالذمة، فيقدَّم ما يتعلَّق بالعين سواءٌ اجتمع النوعان أو تجرد أحدهما، وإن اجتمع النوعان، والكلُّ يتعلق بالعين أو بالذِّمَّة، فيقدم حقُّ الله تعالَى، أو حق الآدميّ أو يتساويان؟ فيه أقوال ذكرناهما في مواضعَ، ولا تجري هذه الأقوال ذي المحْجُور عليه بالفَلَس، إذا اجتمعت حقوقُ الله تعالَى وحقوق الآدميين بل تُقدَّم حقوق الآدميِّين وتؤخر حقوق الله تعالَى ما دام حيّاً، إذا عرفت ذلك، فإن كانت الكفارة مرتبةً، فيعتق الوارث خلافةً عن المورِّث، ويعتق الوصيُّ أيضاً بحق الإِيصاء، ويكونُ الولاء للميت، فإنْ تعذَّر الإِعتاق، فيُطْعِم من
الجزء: 12 - الصفحة: 278
التركة، وإن كانت كفارة تجير فيكفر بالإِطعام والكسوة من التركة وفي الإعتاق وجهان مذكوران في "كتاب الوصية".
والأَصَحُّ: الجواز أيضاً، واللازم ما هو أقلُّ قيمة من الخصال، وإذا لم تكن تركة، فيتبرع الأجنبيُّ بالإطعام أو الكسوة عنه مِنْ مال نفسه، ففيه وجهان ذكرناهما في "الوصية" أيضاً.
والأظهر: الجواز، وجوازه في حقِّ الوارث أظهرُ، وفيه وجه أيضاً؛ لبعد العادات عن النيابة، وفي تبرع الأجنبى بالإِعتاق في الكفارة المخيَّرة طريقان:
أحدهما: طرد الوجهين.
والثاني: القطْعُ بالمنع، والظاهرُ المنع، وهو المذكور في الكتاب هاهنا، ووجِّه بمعنيين:
أحدُهما: أن التكفير بغير الإعتاق متيَسِّر، فلا يُعْدَل إلى الإعتاق؛ لما فيه من عسر إثبات الولاء.
والثاني: أن فيه إضراراً بأقارب الميِّت من حيث إنَّهم يؤاخذون بجناية معتقه، فيمنع منه الأجنبيُّ وإن كان المعتق وارثاً، فوجهان بناء على المعيين، إن قلْنا بالأول، لم يجز، وإن قلنا بالثاني، فيجوز، وفي الكفارة المرتَّبة للوارث أن يتبرَّع بالإعتاق، وفي الأجنبي وجهان بناءً على المعنيين، إن قلْنا بالأول، فيجوز، وهو الأظهر، وإذ قلنا بالثاني، فلا، وهذه المسائل قد سبَقَتْ مشروحة في "الوصية" وقد أوردها أو أكثرَهَا في الكتاب هناك، وكرَّر بعضها هاهنا على زيادة أو نقصان فيها.
وقوله "وفي صوم الولِّي عنه خلاف" يعني إذا مات، وفي ذمته صومٌ عن كفارة وغيرها، هل يقضي الوليُّ عنه؟ فيه قولان: الجديدُ؛ المنعُ، والمسألة مذكورةٌ في "كتاب الصوم" ثم "الوصية" ثم في "الكفارات" ثم في هذا الكتاب.
ولو أمر أجنبياً يأن يصوم عنه صار بسبب الإذن كالوارث حتى يصوم عنه على القديم، ولو استقل به الأجنبيُّ، فوجهان؛ تفريعًا عليه، وقد ذكرناهما في "الصوم" والظاهرُ المنع، وإذا أوصَى بأن يعتق عنه في كفارةٍ مخيرَةٍ، وزادت قيمة العبْد على قيمة الطعام والكسوة، ففيه ثلاثة أوجه؛ أضعفها: أنه يتعيَّن الإعتاق، وتُحْسَب قيمة العبد من رأس المال؛ لأنه أخذ ما يجب الكفارة.
والثاني: أن قيمة العبد تُحْسَب من الثلث؛ لأن براءة الذمَّة تحْصُل بما دونها، فعلى هذا، إن وَفَّى الثلث بقيمة عبد يجزئ، أعتق عنه، وإلا بطَلت الوصية، وعُدِل إلى الإِطعام والكسوة.
والثالث: أن قدر قيمة أقلها قيمة تحسب من رأس المال، والزيادةُ إلى تمامِ قيمةِ
الجزء: 12 - الصفحة: 279
العبْد تُحْسَب من الثلث، فإن وفَّي ثلث الباقي مضموماً إلى الأقلِّ المحْسُوب من رأس المال بقيمة عبدٍ، أُعْتِقَ عنه، وإلا، بطَلت الوصية، وعُدِل إلى الإِطعام أوِ الكسوة، وذلك مثل أن تكونَ الترِكَة أربعين، وقيمةُ أقلِّها قيمةُ عشرةٍ، وهي مع ثلث الباقي عشرون، فإذا وجد بالعشرين رقبةً، نفذنا الوصية، ولو كانت التركةُ مائَتَيْن وثمانين، وقيمةُ الأقلِّ عشرةً، والعشرةُ مع ثلث الباقِي مائةٌ، ووجدنا بالمائة رقبةً مجزئيةً، تنفذ الوصية، وهذا الوجه أقيس عند الأئمة، وبه قال ابن سُرَيْج وأبو إسحاق، وشبَّهوا المسألة بما إذا أوصى أن يحُجَّ عنه من دويرة أهله، ولم يفِ الثلث به، لكن أمكن ضمُّ ما يجب من رأس المال، وهو قيمة حجِّة من الميقات إلى ثلثُ الباقي، وفي المبلغان بحجة من دويرة أهله، فإنه يُضَمُّ وينفذ الوصية، والأصحُّ، وظاهر النص: أن الثلث، إذا لم يَفِ بقيمة العبد بتمامها، تَبْطُل الوصية بالعتق، ووجَّهُوه بأن العتق، أو الإِطعام، أو الكسوة جنسان مختلفان، فلا يُعتبر أحدُهما من رأس المال، والآخر من الثلث؛ لما فيه من الجمع بين الجنسين؛ بخلاف الحج؛ فإنه عبادة واحدةٌ على أن في طريقة الصيدلانيِّ تخريجَ الوجهين، في مسألة الحج، واعلم أن الوصية بالعِتْق في الكفارة المخيَّرة، أوردها صاحبُ الكتابِ في "باب الوصية" على الاختصار، وأتَيْنا هناك بطَرَف من شرْحِها، وتامِه ما بيناه هاهنا والله الموفق.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَمَنْ نِصْفُهُ حُرٌّ ونِصْفُهُ عَبْدٌ يُكَفِّرُ بِالمَالِ، وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ أنَّهُ كَالعَبْدِ لاَ يُكَفِّرُ إلاَّ بِالصَّوْمِ.
قَالَ الرافِعِيُّ: من بعضه حرٌّ وبعْضُه رقيقٌ، إن كان مُعْسِراً يُكفِّر بالصوم، وإن كان له مالٌ، فوجهان، وإن شئت، قلتَ: قولان؛ منصوصٌ ومخرَّجٌ:
المنصوص، وهو الظاهر من المذهب: أنه لا يكفِّر بالصوم؛ لأنه واجِدٌ لما يتقدَّم على الصوم، وإنما يُكفِّر بالصوم العاجِزُ عنه، وهذا كما أنه إذا وجد ثمن الماء، لا يجوز أن يُصلِّي بالتيمم، وإذا وجد ثمن الثوب، لا يجوز له أن يُصلِّي عارياً، كالحر، وخرَّج المُزَنِيُّ: أنه يُكفِّر بالصوم، ويُقال: إن ابن سُرَيج -رحمه الله- صَوَّبَه، وساعده، ووُجِّه بأنه ناقصٌ بالرق، وبأن الأداء بحسب اللزوم، واللزومُ يكفي جملته، فكذا الأداء، وحينئذٍ فيكون مخرَّجاً عن بَعْضِيَّةِ الرقيق مالاً, فإن قلْنا بالأول، فيطعم ويكسو.
والمشهور: أنه لا يعتق 61؛ لأنه يَسْتَعْقِبُ الولاء المتضمِّن للولاية والإِرثِ، وهو
الجزء: 12 - الصفحة: 280
ليس من أهلْهما، ذكر الصيدلانيٌّ: أن في تكفيره بالعِتْق قولين كالقولين في المكاتَب، إذا أَعْتَقَ بإذْن السَّيِّد عن كفَّارته (1)، وظاهر لفْظ الكتاب، وهو قوله: "يُكَفِّرُ بالمَاَلِ" يوافق قول الجواز.
الْبَابُ الثَّالِثُ فِيمَا يَقَعَ به الحِنْثُ
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَيُتْبَعُ فِيهِ مُوجِبُ الألْفَاظِ، وَهِيَ أَنْوَاعٌ: النَّوْعُ الأَوَّلُ: مَا يتَعَلَّقُ بُدُخُولِ الدَّارِ، فَإِذَا حَلَفَ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ بِصُعُودِ السَّطْحِ، ولَوْ حَلَفَ عَلَى الخُرُوجَ لَمْ يَبَرَّ أَيْضاً بالصُّعُودِ (و)، وَيَحْنَثُ بِدُخُولَ الدِّهْلِيزِ (و)، وَلاَ يَحْنَثُ بِدُخُولِ (و) الطَّاقِ خَارجَ البَيْتِ، وَلَوْ قَالَ: لاَ أَدْخُلُ وَهُوَ فِي الدَّارِ لَمْ يَحْنَثْ بِالْمَقَامِ (ح)، وَلَوْ قَالَ: لاَ أَرْكَبُ وَهُوَ رَاكِبٌ أَوْ لاَ أَلْبَسُ وَهُوَ لاَبِسٌ حِنَثَ بِالاسْتِدَامَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الأصل المرجُوع إليه في البِرِّ والحِنْث اتِّبَاعُ موجِب اللفظ الذي تعلَّقت اليمين به، وقد يتطرَّق إليه التقييد والتخصيص بنيةٍ تقترن به أو باصطلاح خاصٍّ، أو قرينة أخرَى، على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- والصور التي تدخل في ترجمة الباب لا تتناهى، لكن الشافعيَّ -رضي الله عنه- والأصحاب -رضي الله عنهم- تكلَّموا في أنواعَ تَغْلِب ويكثر استعمالُها، وغيرها يُقاس عليها:
النوع الأول: الدخول والمساكنة وفيه مسائل:
إحداها: إذا حلف، لا يدخلُ الدار، فالكلام فيه من وجوه:
أحدها: يَحْنَثُ بالحصُول في عرصة الدار، وفي أبنيتها من البيوت والغُرَف وغيرها ,ولو صَعِد سطْحَها، إما بالتسلُّق أو بأن جاء من دار الجارِ، لم يَحْنَثْ، إن لم يكن السطح محوطاً، ولا عليه سترَةٌ، فإن كان، فوجهان:
أظهرهُما: وهو ظاهر النص: أن الجواب كذلك، ويؤيده أنه لو حَصل على بعْض جدران الدار، لم يَحْنَثْ.
والثاني: يحْنَثُ؛ لإِحاطة حيطان الدار بِه، ولهذا لو صَلَّى، على سطح الكعبة، وهو على هذه الهيئة، تصح صلاته، وقال أبو حنيفة وأحمدُ 63 يحنث سواءٌ كان محوطاً أو لم يكن، وسلم أبو حنيفة: أنه لو كان فوق الدار حُجرةٌ بابُهَا خارج الدار، فدخلها، لا يحنَثُ، وليعلَم؛ لما ذكرنا قوله في الكتاب "لم يحنث بصعود السطح" بالحاء والألف والواو؛ لإِطلاقه الجواب، وإذا قلْنا بالحنث فيما إذا كان محوطاً، فذلك، إذا كان62
الجزء: 12 - الصفحة: 281
التحويطُ من الجوانب الأربعة، فإن كان من جانبٍ واحدٍ، لم يؤثر، وإن كان من جانبَيْن أو ثلاثةٍ، فقد ذُكِر فيه خلافٌ مرتَّب لما ذكر في "الوسيط": أن الحالف على ألاَّ يدخل، لا يَحْنث برقِّي السطح، قال: إلا أن يكون مسقفاً، وهذا لأنه، إذا كان مسقفاً، كان طبقة أخرَى من الدار، وهكذا يحْنَث، مهْما كان التسقيف في البعْض، إذا كان يصعد إليه من الدار، فإنه من أبنية الدار، ولو حلف على الخروج من الدار، فهل يَبَرُّ بصعود السطح؟ حَكَى أبو الحسن العباديُّ وغيره -رحمهم الله- فيه وجهين:
أحدُهُما: وهو المذكور في الكتاب، وبه قال الشيخ أبو محمد: -أنه لا يُبَرُّ؛ لأنه لا يعد خارجاً أيضاً، حتى يفارق السطْح، ويجوز ألاَّ يُعَدَّ داخلاً ولا خارجاً، كما أن مَنْ دخل ببعض بدنه أو أخرج ببعْضه، لا يحْنَث في يمين الدخول أو الخروج.
وأشبههما: ويُحْكَى عن القاضي الحُسَيْن: أنه يَبَرُّ؛ لأنه يَصْدُق أن يُقَال: إنَّه ليس في الدار، وإذا لم يكن في الدار، كان خارجاً من الدار، ويؤيده أن ابن الصبَّاغ حَكَى عن الأصحاب -رحمهم الله- أنه، لو حلف أنه لا يخرج من الدار، فصَعِد السطح، يَحْنَث، ولا يخفى أنه يُنْظَر في طرف الخروج أيضاً إلى كون السَّطْح محوطاً أو غَيْرَ مَحُوطٍ، والحالف على ألا يدخل، هل يحنث بدخول الطاق المعقودِ خارجَ البَابِ؟ فيه وجهان:
أصحُّهما: وهو المذكور في الكتاب: المَنْعُ؛ لأنه لا يُقَالُ: إنه دخل الدار.
والثاني: يَحْنَثُ؛ لأنه من الدار؛ ألا ترى أنه يدخل في بيعها , ولو دخل في الدهليز خَلْف الباب أو بين البابين، حَنِث؛ لأنه من الدار، ومَنْ جاوز الباب، عُدَّ داخلاً، وحَكَى الفورانيُّ نصاً للشافعيِّ -رضي الله عنه- على أنَّ داخلَ الدهليزِ لا يحنث، وحملوه على الطاق خارج الباب، لكن أشار الإِمام إلى إثباته قولاً، وقال: لا يبعد أن يقال: دخل الدهليزَ، ولم يدخل الدارَ، فيجوز أَن يُعْلَم لذلك قوله في الكتاب "ويحنث بدخول الدهليز" ونزل صاحب "التتمة" الدرب المختصَّ بالدار أمام الباب، إذا كان داخلاً في حد الدار ولم يكن في أولها بابٌ منزلة الطَّاقِ، قال: فإن كان علَيْه بابٌ، فهو من الدار 64 مسقفاً كان أو لم يكُنْ.
الثاني: لو كان عند الحلف في الدار، فلم يخرج، لم يحنَثْ بالإِقامة؛ لأن ذلك لا يُسَمَّى دخولاً، وعن "الأم" قول آخرُ: إنه يحنَثُ؛ لأن استدامة الدخول في حكم الابتداء؛ ألا ترى أنه لو دخل دارًا مغصوبةً، ولم يَعْلَمْ بحالها، ثم علم، فلم يخرج أَثِمَ، وأنكر القاضي أبو الطيب في "المجرَّد"، أن يكون هذا قولاً للشافعيِّ -رضي الله عنه
الجزء: 12 - الصفحة: 282
- وقال: إنَّه حكاه في "الأم" عن مذهب غيره، نعم، هو وجه للأصْحاب، ويُحْكَى ذلك عن أبي إسحاق، واختيار أبي الحسين بن القَطَّان -رحمهم الله- وكيف ما كان، فالصحيح الأوَّلُ، وهو منصوص حرملة، والمذكرر في الكتاب وكذا لو حلف، لا يخرج، وهو خارجٌ، لا يحنث بترك الدخولُ 65، وإنما يحنث، إذا دَخَل، ثم خرج، ولو حَلف، لا يتزوَّج، وهو متزوِّج، أَوْ لاَ يتطهَّر، وهو متطهِّر، أو لا يَتوضَّأ، وهو متوضِّئ، فاستدام النكاحَ والطهارةَ والوضوءَ، لا يحنث، ولو حلَف، لا يلْبَس، وهو لابسٌ، فلم ينزع، أو لا يركَبُ، وهو راكبٌ، فلم ينْزِلْ، حَنِث بالاستدامة، والفرق أن استدامة اللبس والركوب تُسمى لُبْسًا وركوباً؛ ألا ترى أنه يصح أن يُقال: لَبسْتُ شهراً، وَرَكِبْتُ ليلةً، ولا يصح أن يُقال: دخلْتُ شهْراً، وتزوَّجتُ شهراً، وإنما يُقَالُ: سكنْتُ أو أقمتُ شهراً أو دخلْتُ منْذُ شهر، وأيضاً فإذا قِيلَ له: انْزَعِ الثوبَ، حَسُن أن يقول: حتى ألبسه ساعةً، وإذا قيل: أنزل الدابة، حسن أن يقول: حتى أركَبَ قدْر ما ركِبْتُ، وفي الدخول لا يصحُّ أن يقول: حتى أدخل ساعة، ولو حنِثَ باستدامة اللبس، ثم حَلَف أَلاَّ يلبس، فاستدام، لزمته كفارةٌ أخرَى؛ لأن اليمين الأوَّل، انحلت بالاستدامة الأولَى، وهذه يمين أخرَى، وقد حنِثَ فيها، واستدامة القيامِ والقعودِ قيامٌ وقعودٌ، وكذا استدامة استقبالِ القبلةِ واستدامةُ التطيُّبِ هل هو تطيُّبٌ؟ فيه وجهان: أصحُّهما: لا، وكذلكِ لو تطيَّب، ثم أحرم، واستدام، لم تلزم إلفدية وذُكِر وجهان أيضاً فيما لو حَلَف ألاَّ يطأ، وهو في خلال الوطء، فلم ينزع، أو ألاَّ يصوم، وهو شارع في الصوم، أو أَلاَّ يصلي، وهو في الصلاة، ويصوَّر ذلك فيما إذا حلَف ناسياً للصلاة، فإن اليمين ينعقد، قال في "التهذيب": لو حلف ألاَّ يغصب، لم يحنث باستدامة المغصوب في يده، ولو حلَف أَلاَّ يسافر، وهو في السفر، فوقف أو أخذ في العَود، في الحال، لم يَحْنَث، وإن سار على وجهه، حَنِثَ، وكان التصوير فيما إذا حَلَف على الامتناع عن ذلك السفَر، وإلا، فهو في العود مسافر أيضاً.
الجزء: 12 - الصفحة: 283
الثالث: الحالف على أَلاَّ يدخل الدار، يَحْنَث بالحُصول فيها، سواءٌ دخلها من الباب أو من ثقب في بعْض الجُدْران، أو كان في الدار نَهْرٌ جار، فطَرَح نفْسَه في الماء، حتى حمله أو سبح أو رَكِب سفينةً، فدخلت السفينةُ الدار ونزل من السطْحِ، وفيما إذا نزل من السطْح وجهٌ آخَرُ، والصورةُ مذكورةٌ في الكتاب من بعْدُ، وسواءٌ دخَلَها راكباً أو ماشياً، ولو أدخل في الدار يده أو رأسه أو إحْدَى رِجْلَيْه، لم يَحْنَث، وكذا لو مدَّ رجليه، فادخلها الدار، وهو قاعد خارجَها، وإنما يحنث، إذا وضعها في الدار، واعتمد عليها أو حَصَلَ في الدار، متعلِّقًا بشيْء، وإن حَلَف أَلاَّ يخرج، لم يحنث بإخراج اليد والرْجل، ولا بإخراج الرِّجْلَيْن، وهو قاعد في الدار، ولو كان في الدار شجرةٌ منتشرةُ الأغصان، فتعلق ببعضها، فإن حصل في محاذاة البنيان، حَنِث، وإن حَصَل في محاذاة سُتْرة السطْح، ففيه الوجهان، وإن كان أعلَى من ذلك، لم يحنث وعن أصحاب أبي حنيفةَ: أنه، لو كان بحيث، لو سقط، سَقَط في الدار، حَنِث.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: لاَ أَدْخُلُ بَيتاً حَنِثَ بَيْتِ الشَّعْرِ وَالجِلْدِ وَالخَيْمَةِ إِنْ كَانَ بَدَوِّياً، وَفِي البَلَدِيِّ وَجْهَانِ مَأْخَذُهُمَا أنَّه يُرَاعَى عُرْفُ وَاضِعِ اللِّسَانِ أَوْ عُرف الحَالِفِ وَفَهْمُهُ، وَلَوْ قَالَ: (درخانه نشوم) لَمْ يَحْنَثْ بَيْتِ الشِّعْرِ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ هَذَا العَرْفُ فِي الفَارِسِيَّةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسألة الثانية: إذا حَلَف، لا يدخلُ ولا يسْكُن بيتاً، قاسم البيت يقع على المبْنَى من الطين، والآجُرِّ، والمَدَرِ، والحَجَرِ، وعلى المتَّخَذ من الخَشَب، والشَّعْر، والصُّوف، والجِلْد، وأنواع الخيام، فيُنْظَرُ، إن نوى نوعًا منْها، حُمِلت اليمين عليه، وإن أطلق، حَنِث بأي بيت كان، إن كان الحالف بدويًا؛ لأن الكل بيتٌ عنده، وإن كان من أهل الأمصار والقرى، فوجهان:
أحدهما: يُنْسَب إلى ابن سُرَيْج: أنه لا يَحْنَثُ ببيت الشَّعْر وأنواع الخيام؛ لأن المتعارف عليها عندهم، والمفهوم من اسم البيت هو المبنَى، وبهذا قال أبو حنيفة.
وأصحهُّما: وهو ظاهر النص: أنه يحْنَثُ أيضاً، واختلف في تعليله، فقيل؛ إنما يحنث؛ لأن أهل البادية يُسَمُّون بيت الشَّعْر ونحوه بيتًا، وإذا تبين هذا العُرْف عندهم، ثَبَت عنْد سائر الناس، ولذلك يقول: مَنْ حَلَف، لا يأكُل الخبز، يحنث بالمُتَّخَذ من الأرز، وإن كان الحالف مما لا يتعارفه، واعترض عليه بأنَّ منْ حَلَف ببغداد وغيرها أَلاَّ يركب دابة، لا يحنث بركوب الجمل 66، وإن كان أهل مصر يسمونه دابةً، ولو كان
الجزء: 12 - الصفحة: 284
ثبوت العُرْف عند قوم يقتضي التعميم، لَحَنِثَ وفي مسألة الخبز، لم يكن الحِنْثُ بهذا السبب، بل المتَّخَذ مَن الأرز يُسمَّى خبزاً في جميع البلاد ثم أهل بلد يطْلِقون اسم الخبز على ما يجدونه عندهم، وقيل: إنما يحنث؛ لأن المتَّخَذ من الشَّعْر والجِلّد يُسمَّى بيتاً في الشَرْع، قال الله تعالَى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَام بُيُوتاً﴾ [النحل: 80] واعتُرِضَ علَيْه بأنه لا يَحْنَثُ بدخول المساجِدِ على ما سيأتي -إن شاء الله تعالى- مع أن الله تعالَى سماها بيوتاً، فقال عزَّ اسْمُهُ ﴿في بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: 36] والأصح أنه، إنما يحنث؛ لأن اسم البيت يقع على جميعها في اللغة، فحُمِلَ اللفظ على حقيقته، واعترض عليه بأنا ترَكْنا الحقيقة للعُرْف فيما إذا حَلَف لا يأكل البيض، فقْلنا لا يحنَثُ 67 يَأْكل بَيْض السَّمكَّ؛ لأن العرْف خصَّص اللفظ بما يزايل بائِضُهُ في حياته، وفيما إذا حلف لا يأكل الرؤوس، فقلنا: لا يحنث بأكل رؤوس العصافير والسموك؛ للعُرْفُ، وأجيب عنه بأن هناك عَرَفَنْا عُرْفًا مستمراً على خلاف اللغة، فإنهم لا يطلقون اسم البيض على بَيْض السَّمَك، وإن كثرت عنْدهم، ولا اسم الرؤوس المشوية على رؤوس الطير والسمك مع كثرتها، وأما اسم البيت، فلا يستعملونه في المُتَّخَذِ من الشَّعْر والجلْد ونحوهما , ولا يفهمونها، من اللفظ عند إلاستعمال؛ لِفَقْدها أو قلتها عنْدهم، فلم يتحقَّق عُرْفاً على خلافِ اللغةِ، وكان ذلك كمسألة خُبْز الأرز، وفي المسألة وجهٌ ثالثٌ؛ وهو أن القرويَّ، إن كانت قريته قريبةً من البادية، يَحْنَث بدخول بيت الشعر والخيام؛ لاختلاط بعضهم ببَعْض، وفهمهم، معنى اللفظ عند الاستعمال وإن كانت بعيدةً، لم يحْنَث.
وقوله في الكتاب "مأخذهما أنه يُرَاعَى عُرْفُ واضِع اللسانِ أو عرف الحالِفِ وفهْمُه" قد يسلم أن في اللفْظ عرفاً بخلاف وضع اللغة، وكَلامُ الأئمة ينازعُ فيه على ما بيَّناه، ولو قال بالفارسية: (درخانه نشوم) 68 فعن القفَّال: إنه لا يحنَثُ بيت الشَّعْر والخيام؛ لأن العَجَم لا يِطْلِقون هذا الاسم عليها، بل على المبنى، وعلى هذا أجْرَى الإِمام وصَاحبُ الكتاب والرويانيُّ وغيرهم -رحمهم الله-، وقد يُقال بالفارسية: (خانه توكَمان) 69 لكن يعني به الجلد لا فَرْدٌ من الأفراد، وفي "التتمة" وجهٌ آخر: أنه لا فرْق فيه بين العربية والفارسيةِ، ويكون الحكم على ما سبق، ولا يحنث بدخول الكعبة، والمساجد، والبِيَع، والكَنَائِسِ، وبيوت الحَمَّام، والمغارة في الجبل؛ لأنها ليست للإيواء والسُّكْنَى، واسمُ البيت لا يقع عليها، إلا بضَرْب تقييد، كما يُقال: الكعبةُ بيت اللهَ أو البيتُ الحرامُ، وحَكَى صاحِبُ "التتمة" وجهَاً: إنه يَحْنَث بدخول الكعبة
الجزء: 12 - الصفحة: 285
والمساجد؛ لقوله تعالَى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: 26] وقوله تعالَى: {في بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ) [النور: 36]، وفي "الرقم": أن ابن سُرَيْج خرَّج في جميع ذلك لنفسْه قولاً، وعن أحمد -رحمه الله- أنه يحْنَث بالمسجد وبيْت الحمَّام، ولو دخل دهليز دارٍ أو صَحْنها أو صُفَتَها، فالأظهر عند الأصحاب: أنَّه لا يحْنَث؛ لأنه لا يُقال: دخَل البيت، وإنما وقَفَ في الدِّهْليز والصُّفَّةِ، وعن القاضي أبي الطيب: والميلُ إلى أنه يَحْنَثُ، وهو قول أبي حنيفة؛ لأن جميع الدار بيت للإِيواء 70.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: لاَ أَسْكُنُ هَذِه الدَّارَ فَمَكَثَ سَاعَةً حَنِثَ (ح) وَإِنْ كَانَ دُونَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَكَذَا لَوْ أَخْرَجَ أَهْلَهُ وَمَكَثَ، وَلَوْ خَرَجَ وَتَرَكَ أَهْلَهُ بُرّ، وَلَوْ انْتَهَض لِنَقْلِ الأَمْتِعَةِ كَمَا يَعْتَادُ فَفِيهِ وَجْهَان.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الثَالثَة: إذا حلف على أَلاَّ يسكن في هذه الدار أو لا يقيم فيها، وهو عند الحَلِف في الدار، فمكث فيها ساعةً فصاعداً من غير عُذْر، حَنِث 71 , لأن استدامة السُّكْنَى بمثابة الابتداء؛ ولذلك يُقال: سكنتُ الدارَ شهراً كما يقال: لبستُ شهرًا 72 وعن مالكٍ: أنه لا يَحْنَث، إذا أقام دون يوم وليلة، ونسب الإِمام هذا المذهب إلى أبي حنيفة، ولا يكاد يثبت، ولا فرق إذا مكث بين أن يُخْرِجَ أَهْلَه، وَيبْعَث متاعَه، وبين أَلاَّ يفعل ذلك؛ لأنه حلَف عَلَى سكنى نفْسِه، لا على أهله ومتاعه، وعند أبي حنيفة: إذا نقل متاعه، لم يحْنَث بالمُكْث، ولو خرج وترك أهله هناك ومتاعه، لم يحنَث، وعند أبي حنيفة وأحمَدَ -رحمهما الله- يحنث، وعند مالكٍ: يُعْتَبَر نقل العيال دون المال، قال الرويانيُّ: وعلى هذا، إذا حلف لا يَسْكُن داراً، فانتقل إليه بنفسه، ولم ينقل أهله وماله، يحنث عنْدنا، وعند مالك: لا يحنث حتى ينتقل إلَيْها مع أهله وعياله، وعند أبي حنيفَة: حتى ينتقل إليه ابن فسه وأهله وماله، واحتج الشافعيُّ -رضي الله عنه- لاعتبار الانتقال بالبدن بان المسافر يَقْصُر، وإن خلَّف أهله ومتاعه في بَلَدٍ، وبأنَّ من انتقل إلى مكة، وخلّف أهله وماله ببلد آخر، كان من حاضِرِي المسجدِ الحرامِ، حتى لا يلزمَهُ الدمُ، إذا تمتَّع، وعلى ضده، من أقام بغير مكة، وخلَّف بها أهله وماله، لم يكن من الحاضرين، حتى يلزمه الدمُ، إذا تمتَّع، ثم قال في "الأم" أنا منتقل من مكة إلى مصر ببدني، وبها أهلي وولدي ومالي وكتبي.
الجزء: 12 - الصفحة: 286
ولو مكث بعُذْر؛ بأن أُغْلِق عليه الباب أَو مُنِعَ من الخروج أو خَافَ على نَفْسِه أو ماله لو خرج، أو كان مريضاً أو زَمِناً، لا يقدر على الخروج، ولم يجد من يخرجه، لم يحنث، وإن مرض، وعجز بعد الحَلِف، من الحنث الخلافُ في حِنْث المُكْرَه، وقد تخرج سائر الصوَرِ على ذلك الخلافِ، وإن وجد المريضُ من يُخرِجُه، فينبغي أن يأمره بإخراجه، فإن لم يفعل، حَنِث، وإن مكث الحالف مشتغلاً بأسباب الخروج، بأن انتهض لجمع المتاع ويأمر أهله بالخروج، وبلُبْس ثوب الخروج، فهل يحنث؟ فيه وجهان:
أحدهما: ويُنْسَب إلى العراقيين: نعم؛ لأنه أقام فيها مع التمكُّن من الخروج.
وأرجحُّهما: عند كثير من المعتبرين -رحمهم الله- وربما لم يذْكُروا سواه: المنع، وبه قال أبو حنيفةَ والقَفَّال -رحمهما الله-؛ لأن المشتغل بأسباب الخروج لا يُعَدُّ ساكناً في الدار، ويؤيده ما ذكروا؛ أنه لو خَرَج في الحال، ثم عاد، لِنَقْل متاع، أو زيارةٍ، أو عيادة مريض، أو عمارةٍ، لا يَحْنَث؛ لأنه فارقها في الحال وبمجرَّد العَوْد، لا يصير ساكنًا ولو احتاج إلى أن يبيت فيها ليلةً لحفْظ المتاع، ففيه احتمالان للقاضي ابن كج:
والأصح: عنده: أنه لا يَحْنثَ، ولو خرج في الحال، ثم اجتاز بها بأن دخل من باب، وخرجَ من باب، فعن تعليقة القاضي الحُسَيْن: أن الصحيح أنه لا يَحْنَث؛ لأن الذي وجد عبورٌ لا سُكْنَى، فإن تردَّد فيها ساعةً بلا غرض حَنِث.
ولك أن تقول: قوله: "لا أسكن" إن كان المرادُ؛ لا أمكث، فهذا ظاهرٌ، وإن كان المرادُ؛ لا أتخذها مَسْكناً، فإذا دخلها مجتازاً أو تردَّد فيها ساعةً، فينبغي ألاَّ يحنث؛ لاْنها لا تصير مسكناً بذلك، وقد يخطر مثل هذا التفصيل في أول المسألة، ويُقال: إن أراد ألاَّ يتخذها مسكناً، فهَّلا قيل، إذا قصد التحوُّل عنها: خرجَتْ عن كَوْنِها مسكناً فينبغي ألاَّ يحنث بالمُكْث ساعةً، لكن يجوز أن يُقال: إنها، إذا كانت مسكناً، لا، يخرج بمجرَّد النية عن المسكينة، كما أن المقيم لا يصيرُ مسافراً بمجرَّد النية، وفي "التَهذيب": أنه لو عاد مريضاً مارًّا، يعني في خروجه، لم يحنث، وإن قَعَد عنْده، حَنِث، ولو خرج في الحال، ثم دخل أو كان خارجاً حين حلف، ثم دخل، لا يحنث بالدخول، ما لم يمْكُث، فإن مكث حنث، إلا أن يشتغل بحَمْل متاع كما في الابتداء.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: لاَ أُسَاكِنُ فُلاَناً وَفَارَقَهُ فُلاَنٌ لَمْ يحْنَثْ، وَإِنْ كَانَا فِي خَانٍ وَانْفَرَدَ بِبَيْتٍ لَمْ يَحْنَثْ عَلَى أَحَدِ الوَجْهَيْنِ، وَلَوِ انْفَرَدَ بِبَيْتِ فِي دَارٍ يَحْنَثُ، وَلَوِ انْفَرَدَ بِحُجْرَةٍ مِنْ دَارِ طَرِيقُهَا عَلَى الدَّارِ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ كَانَا فِي دَارٍ فَانْتَهَضَ لِبِنَاءِ الجِدَارِ حَنِثِ بِالْمُكْثِ عَلَى الصَّحِيحِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 287
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسألة الرابعة: في الحلف علَى المساكنة، وأول ما نذْكُره فيها بيان المُسَاكنة؛ قال الشافعيُّ -رضي الله عنه-: المساكنة أن يكُونَا في بيت أو بيتَيْن حجْرَتُهما واحدةٌ، ومدخَلُهما واحدٌ، قال الشيخ أبو حامد: أراد بالحجرة الصَّحْن، فإن أقام كلُّ واحد في دارٍ، فلا مساكنة، سواءٌ كانت الداران كبيرتَيْن أو صغيرتَيْن أو إحداهما كبيرةً والأخرَى صغيرةً؛ كحجرة لطيفة بجنب دارٍ سواء كانتا في دربٍ نافذٍ أو غيرِ نافذٍ، ولو سكنا في بيتَينْ من خانٍ واحدٍ كبيرٍ أو صغيرٍ، فالذي ذكره أكثر الأصحاب من العِراقِيين وغيرهم -رحمهم الله- أنه لا مساكنة أيضاً، سواء كان البيتان متلاصفين أو متفرقين؛ لأنَّ الخان مبنيٌّ لسكنَى قوم، وبيوتُها تفْرَد بأبوابٍ ومغاليقَ، فهو كالدرب، وهي كالدور في الدَّرب، وحَكَى الإِمامُ وصاحِبُ "التهذيب" وغيرُهما فيه وجهاً آخرَ: أن الخان بناءٌ واحدٌ، وفي البيتين من الدرب الكبير 73 وجهان أيضاً.
والأظهرُ: أنه لا مساكنة، وينبغي أن يرتَّب الوجهان في الدار الكبيرة على الوجهين في الخان؛ لأن الدار تُعدُّ مسكنا واحداً لواحد، والخان يُبنَى لسكْنَى جماعة ويُرْوَى نحو من هذا عن الحسين الطبري في "عدته" ويشبه ألا يشترط في الخان أن يكون على كل بيت منها بابٌ وغَلَقٌ، كالدور في الدَّرْب، ويشترط في بيوت الدار الكبيرة أن يكون على كل بيت منها بابٌ وغَلَق، فإن لم يكونا أو سَكَنَا في صفتين منْها أو في بيت وصُفَّة، فهما مساكنان في العادة، وكان اشتراكهما في الصَّحْن الجامِعِ للبيتين في الباب المدخولِ منْه مع تمكُّن كل واحدٍ منهما من دُخول بيْت الآخر، جُعِل كالاشتراك في المَسْكَن.
ولو أقاما في بيتين من دار صغيرة، فهما مساكنان، وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بابٌ وغَلَقٌ لمقارنتهما وكونهما في الأصل مسكناً واحداً، بخلاف الخان الصغير، هكذا فَصَّل أكثرهم، ومنهم من أطلق وجهَيْن في بيتي الدار من غَيْر نَظَرِ إلى الصِّغَر والكِبَر، والرأي الأصحِّ حصول المساكنة، وبهذا أجاب في الكتاب، إذا قِيلَ به، فلو كان أحدهما في الدار، والآخَرُ في حجْرة منفردة المرافق، وبابُها في الدارِ، فوجهان والأصح: أنه لا مساكنة، وهو الذي أورده صاحبُ "التهذيب" في حجرتين منفردَتَي المرافق في الدار، والمرافقُ المُسْتَحَمُّ والمَطْبَخ والمرقَى وغيرها، والحُجْرة في الخان لَم يذكر فيها خلافٌ، وإن كان الممرُّ في الخان، إذا تقرَّر ذلك، فإذا قال: والله، لا أساكن فلاناً، فإما أن يقيد المساكنة ببَعْض المواضع لفظاً بأن يقول في هذا البيت أو في هذه الدار أو لا يقيِّد:
الحالة الأُولَى: أن يقيد، فيحنث بمساكنتهما في ذلك الموضع، وإن كانا فيه عند الحَلِف، ففارقه فلان أو فارق الحالفُ فلاناً، لم يحْنَث، الحالف، وإن مَكَثا فيه بلا
الجزء: 12 - الصفحة: 288
عذر، حَنِث، فإنَّ استدامِة المساكنةِ مساكنةٌ؛ ألا ترى أنه يَصِحُّ أن يُقال: ساكنتُ فلاناً شهراً، وإن بُنِيَ بينهما حائلٌ من طين، أو غيره، ولكل واحد من الجانبين مدخَلٌ أو أحدثا مدخلاً، فوجهان:
أحدهما: لا يحنَثْ؛ لاشتغاله برفع المساكنة، وهذا ما رجحه في "التهذيب".
وأصحهما: عند الجمهور: الحنث؛ لحصول المساكنة إلى أن يتم البناء من غَيْر ضرورة، فإن خرج أحدهما في الحال، فبنى الجدارَ، ثم عاد، لم يحنَثِ الحالفُ، ولا يخفى أنه لا بأسَ، والحالة هذه، بالمساكنة في موضع آخر.
والثانية: ألاَّ يقيِّدها لفظاً، فيُنظر؛ إن نوى موضعاً معيناً من البَيْت أو الدار أو الدرب أو المحلَّة، أو البلَّد، فالمشهور أن اليمين محمولةٌ على ما نَوَى، وفي طريقة الصيدلانيِّ: أنهما إنْ كانا يسْكُنان بيتاً واحداً من دار متَّحِدة المرافِقِ، فأراد أنه لا يساكنه في ذلك البيتِ، حملت اليمين على ما أراد، أما إذا لم يكن كذلك ولا جرى ذكْرُ تلْك المساكنة مثْل أن يقول صاحبه: سَاكنِّي في هذا البيت، فلا يُقبل قولُه، وتحمل اليمينُ على الدار، وحَكَى الفورانيُّ في البلد وجهاً: أن اللَّفْظَ لا ينزل عليه؛ لأن ذلك لا يُسَمَّى مساكنةً، وقيل: يجيء ذلك الوجه في المحلَّة، وإن لم يَنْوِ موضعاً معيناً، وأطلق المساكنة إطلاقاً، حَنِثَ بالمساكنة في أي موضع كان، وقد بيَّنَّا أن المساكنة أين تحْصُل وفي "التتمة" رواية قولٍ ضعيفٍ: أنه إذا حلَف ألاَّ يساكن فلاناً، وأطلق، وكلُّ واحد منهما في دارٍ وحجرةٍ مفردةٍ، فيحمل اليمين على الاجتماع الحاصل، فإن كانتا في دَرْبٍ واحدٍ، فلا بدّ من مفارقة أحدهما الدَّرْب، وإن كانتا في محلَّة، فلا بدّ من مفارقة أحدهما المحلَّةَ، وإن كانا عند الحَلِف في بيتين من خَانٍ، فعلى الصحيح؛ لا مساكنة ولا حاجة إلى مفارقة أحدهما الخان، وعلى الوجه الآخر: لا بدّ وأن يفارقه أحدهما، وإن كانا في بيتٍ واحدٍ من الخانِ، فيكفي أن يفارق أحدُهما ذلك البيتَ أو يَجب مفارقةُ الخان؟ فيه هذا الخلافُ، ثم سواء نوى موضعاً معيناً، أو نزل اللفظ على إطلاقه، فالقول في أن استدامة المساكنةِ كالمساكنةِ، وفيما إذ بُنَي بينهما حائلٌ؛ على ما مَرَّ في الحالة الأولَى، والاعتبار بالانتقال بالبَدَنِ دون الأهْلِ والمالِ؛ على ما مَرَّ في المسألة السابقة.
قَالَ الغَزَالِيُّ: النَّوْعُ الثَّانِي: أَلْفَاظُ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ: فَإِذَا قَالَ: لاَ أَشْرَبُ مَاءَ هَذِهِ الإِدَاوَاتِ لَمْ يَحْنَثْ إِلاَّ بِالْجَمِيعِ، وَلَوْ قَالَ: لأَشْرَبَنَّ لَمْ يَبَرَّ إِلاَّ بِالْجَمِيعِ، وَلَوْ قَالَ: لأَشْرِبَنَّ مَاءَ هَذَا النَّهْرِ لِزَمَتْهُ الكَفَّارَةُ فِي الحَالِ لِعُسْرِ البِرِّ، وَقِيلَ: يَبِرُّ بُشُربِ البَعْضِ هَهُنَا، وَلَوْ قَالَ: لأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ غَداً فَفِي لُزُومِ الكَفَّارَةِ قَبْلَ الغَدِ وَجْهَانِ، وَلَوْ قَالَ:
الجزء: 12 - الصفحة: 289
لأَشْرِبَنَّ مِنْ مَاءِ هذِهِ الإِدَاوَةِ وَلاَ مَاءَ فِيهَا لِزَمَتْهُ الكَفَّارَةُ فِي الحَالِ كَقَوْلِهِ: لأَقْتُلَنَّ فُلاَناً وَعَلِمَ أنَّهُ مَيِّتٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في النوْعِ مسائلٌ:
إحداها: إذا حلَف، وقال: لا أشرب من ماءِ هذه الإدَاوَة أو الجَرَّة، حَنِث بما شرِبَ من مائها من قليل وكثير، ولو قال: لأشربَنْ من ماء هذه الإداوة، بَرَّ بما شرب من قليل وكثير، ولو قال: لا أشرب من ماء هذا النهر، أو لأشربَنَّ منْه، فالحكم كما في الإدَاوَة، ولو قال: لا أشربُ ماءَ هذه الإِدَاوَةِ، أو الجَرَّة، أو الجُبِّ، أو المصنع، أو غيرهَما مما يمكن استقاء مائه، وإن احتاج إلى مدة طويلة، فلا يحنث إلا بشُرْبِ جميعه، وما دام يبقى منْه شيءٌ، فلا حَنِث، قال في "شرح مختصر الجويني": سوَى البلل الذي يبقى في العادة، وقال مالك: يحنث بشُرْب البعْض، وبه قال أحمدُ -قدَّس اللهُ روحَه- في إحدى الروايتَيْن.
لنا: أن الماءَ معروفٌ بالإِضافة إلى الإِداوة، فتناول الجميع كما في طرف الإثبات، ولو قال: لأشربَنَّ ماء هذه الإداوة أو الجُبِّ، لم يبرَّ إلا بشرب الجميع، ولو قاَل: أشرب ماء هذا النَّهر، أو البَحْر أَو البئر العظيمة، فهل يحنث بشرب بعضه؟ فيه وجهان:
أحدهما: ويُنْسَب إِلى ابن سريج، وابن أبي هريرة: نعم، وبه قال أبو حنيفة وأحمدُ -رحمهم الله- لأنه لا يمكن شُرْب الجميع، فينصرف اليمين إلى البعْض؛ ولأن مَنْ شرب من ماء دِجْلة، يُقال، في العرف: إنه شرب ماءِ دِجْلَةَ.
وأصحهُّما: المنع؛ على ما ذكره الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطَّيب والرويانيُّ، ونسبوه إلى عامة الأصحاب -رحمهم الله- ومنهم أبو إسحاق؛ لأن الحَلِف على الجميع، فصار كما لو قال: لا أشرب ماء هذه الإِدَاوَة، وقال القاضي أبو الطيب: يَنْبَغِي أن يُقالَ، على هذا: لا ينعقد يمينه، كما لو حَلَفَ، لا يصعد السماء؛ لأن الحِنْث فيه غير مُتصوَّر، ولو حلف، ليشربَنَّ ماء هذا النهْر أو البحْر، ففيه وجهان أيضاً:
أحدهما: أن اليمين محمولةٌ على البعْضِ، فيبَرُّ بشرب بعْضه، وإن قلَّ.
وأظهرهما: أنه لا يبرُّ بشرب البعض، وهو حانثٌ؛ لعجزه عن شرب الجميع؛ وعلى هذا، فيلزمه الكفارة في الحال أو قبيل الموت؟ فيه وجهان:
أحدهما: قُبَيْل الموت؛ لأن وقْت الشُّرْب غيرُ معيَّن.
الجزء: 12 - الصفحة: 290
وأشبهُّهما: وهو الذي أورده صاحبُ الكتاب والرويانيُّ -رحمهما الله-: في الحال؛ لأن العجز متحقِّق في الحال، والانتظار إنما يحْسُن فيما يُتوقَّع حصُولُه، وفي المسألة وجهٌ آخرُ: أن اليمين لا ينعقد أصلاً؛ لأن البِرَّ فيه غير متصوَّر، ولو حلف ليصعدَنَّ السماء، ففي انعقاد يمينه وجهان:
أظهرهما: الانعقاد، وعلى هذا، فيحكم بالحِنْث في الحال أو قُبَيل الموت فيه الوجهان:
ولو قال: لأصعدن السماء غداً، وفرَّعْنا على انعقاد اليمين، فيحصل الحنْث، ويجب الكفارة في الحال أو بعد مجْيء الغَدِ؟ فيه الوجهان، فيشبه أن يرجح هاهنا الثاني؛ لأن اليمين معقودة على الصُّعود غداً وعَلى هذا فهل يحنث قبيل غروب الشمس من الغد أو قبيل ذلك؟ فيه خلاف سيأتي في نظيره.
ولو حلف لا يصعد السماء، ففي انعقاد يمينه وجهان:
أحدُهما: ينعقد، وإن لم يُتصوَّر الحنث، كما لو حَلَف، لقد فعل كذا أمس، وهو صادق.
وأصحُّهُما: على ما نقل في "التهذيب" المنْعُ؛ لأن الحنْثَ غير متصوَّر، بخلاف صورة الاستشهاد، فإن الحَلِفَ هناك يحتمل الكذب.
ولو قال: لأشربَنَّ ماء هذه الإِداوة، ولا ماء فيها، أو لأَقْتُلَنَّ فلاناً وهو ميت، ففي انعقاد اليمين وجهان:
أحدهما: لا ينعقد؛ لأن البرَّ فيه غير متصوَّر.
وأشبهُّهما: الانعقاد، كما لو قال: فعلتُ أمسِ كذا، وهو كاذبٌ، فإنه ينعقد يمينه، وإن لم يتصوَّر فيها البِرُّ، وقد يُفْرَق بين ما لا يتصور فيه الحِنْثُ، فيرجَّح عدم الانعقاد، وبين ما لا يتصوَّر فيه البر، فيرجَّح فيه الانعقاد؛ بان امتناع الحِنْث لا يُخِلُّ بتعظيم اسم الله تعالَى وامتناع البِرِّ يخِلُّ ويهتك الحرمة، فيخرج إلى التكفير، وعلى الوجه الثاني، ينطق قولُه في الكتاب "لَزِمَتْهُ الكفار" وعلى هذا، فيلزم في الحال أو قبيل الموت؟ فيه الوجهان:
الأشبه الأول: وهو المذكور في الكتاب، وأشار بعضُهم إلى تخصيص الخلافِ بما إذا قال: لأشربَنَّ ماء هذه الإِداوة، ولا ماء فيها، والقطعِ بوجوب الكفارة فيما إذا قال: لأقتلنَّ فلاناً، وهو يدري أنه ميِّتٌ، وفَرَقُوا بأنَّ شرب الماء، ولا ماء مُحَالٌ الذي نفسْه، فيلغو ذكْره، وفي قوله: لأقتلنَّ فلاناً، إحياؤُه مقدورٌ لله تعالَى ولو أُحْيِيَ، يُمكَّن من قتله، فليس المذكور محالاً في نفسه، وقد يُشْعِر بهذا سياق الكتاب، ولو قال:
الجزء: 12 - الصفحة: 291
لأقتلنَّ فلاناً، وهو يظنه حياً، فكان ميتاً ففي الكفارة خلافٌ؛ بناء على أن النسيان، هل يَدْفَع الحنث.
فروع: في "المجرَّد" للقاضي أبي الطيب: أن الأصحاب -رحمهم الله- قالوا: لو قال: واللهِ، لا آكُلُ خُبْزَ الكُوفة أو خُبْزَ بغدادَ، لا يحنث بأكل بعْضِهِ، إلا أن ينوي غير ذلك.
ولو قال: لأشربَنَّ ماء هذه الإِداوة، فانصبَّ قبل أن يشرب أو مات الحالفُ، نُظِر؛ إن كان بعد الإِمكان، حنث، وإن كان قبله، فعلى القولَيْن في أن المكْرَه، هل يَحْنَث ولو قال: لأشربَنَّ منه، فصبه في حوض، ثُم شرب منه من موضعٍ يُعلَمُ أنه وصَل إلَيْه بَرَّ، وإن حلف لا يشرب منْه، فصبه في حوض، ثُمَّ شرب منْه حَنِثَ، وكذا لو حَلَف , لا يشرب مِنْ لبِن هذه البقرة، فخلطه بلَبَنِ غيرها؛ بخلاف ما لو حَلَف؛ لا يأكل هذه التَّمْرة، فخلَطَها بُصْبَرَةٍ، لا يحنث، إلاَّ بأكْل جميع الصُّبْرَةِ، والفرق ظاهِرٌ.
ولو حلف؛ لا يَشْرَب ماءً فراتاً، أو من ماءٍ فراتٍ، فهو محمولٌ على المَاءِ العَذْبِ من أيِّ موضع كان ولو قال: مِنْ ماءِ الفراتِ، فهو محمولٌ على النهْرِ المَعْرُوفِ، ولو قال: لا أشرب ماء الفراتِ، أو لا أشرب مِنَ الفُرَاتِ، فسواء أخذ الماء بيَدِهِ، أو في إنَاءٍ فشَرِبَ أو كرع منه، يحنث.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله-: إذا قال: لا أشرب من الفُرَاتِ، لم يحْنَث، إلا بأن يَكْرَع فيه، ولو قال: لا أشرب مِنْ هذه الجَرَّة، وغيرها مما يُعْتَادُ الشُّرْب، فجعل الماء منه في كوز، وشربه، لا يحنث، ولو قال: لا أشربُ مِنْ ماءِ نهرِ كذا، فشَرِبَ من ساقِيَةٍ كأخذ الماء من ذلك النَّهْر، أو شرب من بئْرٍ محفُورٍ بقُرْب النهر، بحيث يعلم أن ماءَهَا منْهُ، يحنث.
ولو قال: لا أشْرَبُ من نَهْرِ كذا , ولم يذْكُرِ الماء، فشرب من ساقيةٍ، تأخذ المَاءَ منه، ففيه وجهان:
أشبهُّهما: أنَّه يحنَثُ، كَمَا لو أخَذَ في إناءٍ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ لاَ آكُلُ اللَّحْمَ وَالْعِنَبَ لَمْ يَحْنَثْ إِلاَّ بِجَمْعِهِمَا، وَالوَاوُ العَاطِفَةُ تَجْعَلُ الْجَمِيعَ كَالشَّىْءِ الوَاحِدِ.
قَالَ الرَّافِعيُّ: الثانية: إذا قال: لا آكل هذَيْن الرغيفَيْن، أو لا ألبس هذَيْن الثوبَيْن، لم يحْنَثُ إلاَّ بأكلهما، أو لُبْسِهِما , ولا فرق بين أن يلبسهما معاً، أو يلبس أحدهما وينزعه، ثم يلبس الآخر، وكذا، لو قال: لأَكُلَنَّ هذَيْن الرغيفَيْن، أو لألبَسنَّ هذَيْن الثوبَيْن، لم يَبَرَّ إلاَّ بأكلهما ولُبْسِهِما.
الجزء: 12 - الصفحة: 292
وقال مالك في طرف النفْي: يَحْنَثُ بأكْل أحَدِ الرغيفَيْن، ولُبْس أحد الثوبي، وهو رواية عن أحمد، وساعَدَنا في طَرَف الإِثبات.
ولو قال: لا أُكلِّمُ زَيداً وعَمْراً ولا آكل اللَّحْم والعِنَب، فلا يحْنَثُ إلا إذا أكلهما، أو آكلهما، إلا إذا نوى غيْرَ ذلك؛ لأنَّ الواوَ العاطفةَ تجْعَل الجميعَ كالشَّيْءِ الواحد، فكأنه قال: لا أكلهما ولا آكلهما.
ويعود فيه خلافُ مالك وأحْمَدَ، ولو قال: لا أُكَلِّم زيداً ولاَ عَمْراً، ولا آكُلُ اللَّحْم ولا العنب، فَيَحْنَث بكُلِّ واحدٍ منْهما، وهما يمينان، وبالحَنِث في أحدهما، لا تنحل الأخْرَى، كما لو قال واللهِ، لا أكلِّم زَيداً واللهِ لا أكلِّم عَمْراً، قال الصَّيْدَلاَنِيُّ -رحمه الله- بمثله، لو قال: لا أُكلِّم أحدهما، أو واحداً منهما , ولم يقصد واحداً بعَيْنه، فيحْنَث إذا كلَّم أحَدَهُما، وتنحلُّ اليمين، فلا يَحْنَث بأن يكلِّم الآخر، قال في "التتمة": وهكذا في الإثبات، لو قال: لألْبَسَنَّ هذا الثَّوْب، وهذا الثوب، فهما يمينان لوجود حرف العطفَ، ولكل واحد حكمهما وفي هذا توقُّف، ولو أوجب حرف العطف كوْنَهُما يمينَيْن، لا كما إذا قال: لا ألبسهما، لأوجب في قوله: لا أكلِّم زيداً وعمراً، ولا آكل اللَّحْم والعنب كَوْنَهُما يمينين، لا كما إذا قال: لا أكلِّم هذَيْن الرجلَيْن، أو لا آكل هذَيْن الطعامَيْن.
وقوله في الكتاب: "لا بجميعهما" يعْنِي جميع الأكْلِ لهما، لا أنْ يأكلهما معاً.
فَرْعٌ: إذا قال: لا آكل هذا الرغيفَ، لم يحْنَث بأكْلِ بعْضِه، وأُجْرِيَ فيه خلاف مالك وأحمد -رحمهما الله- ولو قال: لاَكُلَنَّهُ، لم يَبَرَّ إِلاَّ يأكْل الجميع، فحكَى الصيدلانيُّ أن أبا حنيفة قال في الصورة الأُولَى: إِذَا بَقِيَ فُتَاتُ جرت العادة بأن الناس يَدَعُونَه، ولا يتكلَّفون التقاطه، حَنِث، وعندنا: إذا بقي ما يمكن التقاطُه وأكله، لا يِحْنَث، كما لو قال: لا آكلُ ما عَلَى هذا الطبَقِ من التَّمْر، فأكل ما عليه إلا تمرةً، لا يَحْنَث.
وإنْ جرَتِ العادةُ باستبقاء بعضِ الطعامِ للاحتشام من استيفائه، أو لغير ذلك، ولو قال: لاَكُلَنَّ هذِه الرُّمَّانَة، فترك حبَّةً، لم يبرَّ، ولو قال: لا آكُلُها، فَتَرَك حَبَّةً، لم يحْنَث، وفي "التتمة": أن عند أبي حنيفة: إذا كان المتْرُوك أقلَّ من الثلث، كان كما لو أكل الكُلَّ في طرفَي النفي والإِثبات جميعاً، وقد ذَكْرنا التصوير في الطَّلاَق، لكن لم نذْكُر خلافَ أبي حنيفةَ -رحمه الله-.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: لاَ آكُلُ الرَّأْسَ لَمْ يَحْنَثْ بِرَأْسِ الطَّيْرِ وَالسَّمَكِ، وَيحْنَثُ بِرَأْسِ الإِبِلِ وَالبَقَّرِ، وَلاَ يَحْنَثُ بِرَأْسِ الظِّبَاءِ إِلاَّ إِذَا اعْتِيدَ أَكْلُهُ فِي مَوضِعِ فَيَحْنَثُ مَنْ
الجزء: 12 - الصفحة: 293
حَلَفَ مِنْ أَهلِ ذَلِكَ المَوْضِعِ، وَفِي غَيْرِ أَهْلِ ذَلِكَ المَوْضِعِ وَجْهَانِ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى البَيْضِ لَمْ يَحْنِثَ بِبَيْضِ السَّمَكِ وَالعُصْفُورِ، وَيحْنَثُ بِبَيْضِ النَّعَامِ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى الخَبْزِ لَمْ يَحْنَثْ بِخُبْزِ الأُرْزِ إِلاَّ بَطَبَرِسْتَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الثالثة: إذا حَلَف لا يأكل الرأس أو الرؤوس أو لا يَشْترَيِها، حُمِلَتِ اليمينُ على التي تُميَّز عن الأبدان وتشوى وتباع بانفرادها، وهي رؤوس الإِبل والبقر والغنم، وقال أبو حنيفة في رواية: لا يحنث برؤوس الإِبل، ورواه شارح "مختصر الجويني" قولاً لابن سُرَيْجٍ، واحتج الأصحاب -رحمهم الله- بأن أهل البادية الذين يعتادون أكل لحوم الإِبل، يفردون رؤوسهما أيضاً، وذكروا: أن ذلك يُعتَاد بالحجاز، وفي "أمالي" أبي الفرج السرخسي: أن ابن أبي هريرة ذهب إلى أنه لا يحنث إلا بأكل رؤوس الغنم.
وفي "الرَّقْم" للعبَّادِّي: في البلد الذي لا يُبَاعُ فيه إلا رؤوس الغنم، لا يحنث إلا بها، والظاهر الأول، وعن القفال: أنه لو قال بالفارسية (سربريان بخورم) 74 يحنث إلا برؤوس الغنم، ولا يكاد يتضح هذا، وإن أكل رأس طير، أو حوت أو ظبي أو صيد آخَرَ، لم يحنث؛ لأنها لا تُباَعُ مفردة، ولا يُفهَم من اللفظ عند الإِطلاق.
وفيه قول عن رواية صاحب "التقريب" والمذهب الأول، نعم، لو كان يُبَاعُ رؤوس الحيتان أو الصيود مفردةً في بلد، حصل الحنث بأكلها هناك، وفي غيرها من البلاد وجهان:
في وجه: لا يحنث؛ لأن أهلها يعتادون أكلها، وبيعها مفردةً ولا يفهمونها عند الإِطلاق، ووُجِّه الثاني، بأَنَّ ما ثبت به العرف في موضع، ثبت في سائر المواضع؛ كما مر في مسألة خبز الأرز، وأيضاً: فالاسم شاملٌ، والعرف مختلف، والأول أرجح عند الشيخ أبي حامد والرويانيِّ.
والثاني: أقوى، وأقرب إلى ظاهر النص ويؤيده: أن رأس الإِبل لا يُعْتاد بيعه وأكله إلا في بعض المواضع والحنث يحصل به.
وذكر الشيخ أبو الفرج وجْهَيْنِ في أن الناحية التي ثبت فيها العرف، يعتبر نفس تلك الناحية، أو كون الحالف من أهل تلك الناحية؟ هذا عند الإِطلاق، قال في "التتمة": فإن كان مقصوده أَلاَّ يأكل ما يسمى رأساً، حَنِثَ بأكل رأس السمك والطير وغيرهما، وإن كان مقصوده نوعًا خاصاً، لم يحنث بأكل غيره.
الجزء: 12 - الصفحة: 294
ولو حلف؛ لا يأكل البيض، حُمِلَتِ اليمينُ على ما يزايل بائضه، وهي حية؛ لأنه الذي يفهم من البيض، فلا يحنث بأكل بيض الجراد والسمك؛ لأنه يخرج بعد الموت بشق البطن، ويدخل فيه بيض الدجاج والنعام والأوز، والعصافير.
وعن رواية المحاملي وجهُ: أنه لا يحنث إلا بيض الدجاج، وعن أبي إسحاق وجهٌ مخصص بالدجاج والأوز، قال الإِمام -رحمه الله-: الطريقةُ المَرْضِيَّة أنه لا يحنث إلا بما يُفْرَدُ بالأكل في العادة دون بيضَ العصافير والحمام ونحوها, ولا يحنث بأكل خصية الشاة، وإن حلف بالعجمية، وتسمى الخصية بالعجمية، "خاية"؛ لأنها لا تُفْهَمُ منه عند الإِطلاق 75.
ذكره المتولِّي: ولو أُخْرِجَتِ البيضةُ، وهي منعقدةٌ من جوف الدجاجة، فأكلها، يحنث، ولو أُخْرِجَتْ بعد موتها، فأكلها، ففي "تعليقة المروزبين" -رحمهم الله- ذكر وجهين- 76 فيه.
وقوله في الكتاب "لم يحنث برأس الطير والسمك" مُعْلَمٌ بالواو؛ لما سبق ويجوز أن يُعْلَم بالألف؛ لأن عند أحمد؛ يحنث بأكل الرؤوس كلها، وبالميم؛ لأن بعض أصحاب أحمد حكى عن مالك -رحمه الله- مثله.
ولفظ "البقر" بالواو، "والإِبل" بالحاء والواو.
وقوله: "ولا يحنث برأس الظَّبْي إلى آخره"؛ يوهم تخصيص الاستثناء برأس الظبي، ولا يختص، بل الحكم في الظباء، والطيور والحيتان واحدٌ.
وكان الأحسن أن يجمع بينهما مقدمة على ذكر البقر، والإِبل أو مؤخرة.
وقوله: "وفي غير أهل ذلك الموضع" -في بعض النسخ- "وفي أهل غير ذلك الموضع" وهما صحيحان.
وقوله: "والعصفور" مُعْلَمُ، بالواو، وليُعَلَمْ أن الظاهر في المذهب خلافُ ما ذكره، لكنه جرى على ما ارتضاه الإِمام -رحمه الله-.
ولو حلف لا يأكل الخبز، حنِثَ بأكل أي خبز، كان يستوي فيه خبز البر والشعير والذرة والأرز والباقلاء؛ لأن الكل خبز، وإن لم يكن بعضها معهود بلده، كما لو
الجزء: 12 - الصفحة: 295
حلف: لا يلبس ثوباً، حنث بلُبْسِ أي ثوب كان، وإن لم يكن معهود بلده.
قال في "التتمة": ويحنث بخبز البلوط أيضاً، ويحنث بأكل الأقراص والرغفان، وخبز الملة والمشحم وغيره وسواءٌ أكله على هيئته أو جعله ثريداً، نعم، لو صار في المرقة كالحسو، فتحساه، لم يحنث وسواء ابتلعه [بعد المضغ، أو ابتلعه] على هيئته، ولو لم يبلعه لم يحنث، وسواء أدرك طعمه، أو لم يدركه، ولو أكل جوزينقا 77، ففيه وجهان في "التهذيب".
أحدهما: يحنث؛ لأنه لو نزع الحشو كان خبزاً.
والأشبه: خلافه 78 هذا على ما يوجد لعامة الأصحاب -رحمهم الله- على طبقاتهم، فيما إذا حلف؛ لا يأكل الخبز، ولم يفرقوا بين جنس وجنس، وهو المذهب، وقوله في الكتاب "لم يحنث، بخبز الأرز إلا بطبرستان" يخالف ذلك، وأحسبه قلّدَ فيه الإِمام -رحمه الله- ولم يحضرني الباب في كتابه فأراجعه، ونقل في "الوسيط" ما ذكره
الجزء: 12 - الصفحة: 296
عن الصَّيدلانيِّ، فقد راجعت طريقته، فلم أجد ما ادعاه، بل استشهد بالمسألة فيما إذا قال: لا أدخل بيتًا، وحكم فيها بحنث الطبريِّ والعراقيِّ، كما ذكره سائر الأصحاب -رحمهم الله- على ما تقدَّم، نعم في "تعليقة" أبي الفرج السرخسي ذِكْرُ وجهين في المسألة، ثم ينبغي أن تكون جيلان كطبرستان.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ حَلَفَ عَلَى اللَّحْمِ لَمْ يَحْنَث بِالشَّحْمِ، وَيَحْنَثُ بِالسَّمِينِ، وَفِي الألِيَّةِ وَالسَّنَامِ وَجْهَانِ، وَلاَ يَحْنَثُ بَالأَمْعَاءِ وَالكَبِدِ وَالكِرْشِ، وَفِي القَلْبِ وَجْهَانَ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى الزُّبْدِ لَمْ يَحْنَثْ بِالسَّمْنِ، وَفِي عَكْسِهِ خِلاَفٌ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى السَّمْنِ لَمْ يَحْنَثْ بِالأَدْهَانِ، وَفِي عَكْسِهِ خِلاَفٌ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى الجَوْزَ حَنِثَ بِالهِنْدِيِّ، وَعَلَى التَّمْرِ لاَ يَحْنَثُ بِالهِنْدِيِّ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صور؛ منها -إذا حلف-: لا يأكلَ اللَّحم أو لا يشتريه، لم يحنث بأكل شحم البطن، ولا يأكل شحم العين؛ لأنهما يخالفان اللحم اسمًا وصفةً، وهل يحنث بأكل شحم الظهر والجنب، وهو الأبيض الذي لا يخالطه الأحمر؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يحنث؛ لأنه شحم؛ لقوله تعالَى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: 146] وإذا كان شحمًا، كان كشحم البطن.
وأصحُّهما: وهو المذكور في الكتاب: أنَّه يحنث؛ لأنه لحم سمين، ألا تراه يحمر عند الهزال؟ ويجوز أن يُعْلَمَ قوله في الكتاب "لم يحنث بالشحم" بالحاء؛ لأن في "تعليقة" أبي حامد أن عند أبي حنيفة يَحْنَثُ بأكل الشحم؛ لأنه يُؤكل مع اللحم، ويقام مقامه، وبالميم؛ لأن بعض أصحاب أحمد -رحمه الله- حكى عن مالك -رحمه الله- مثله، وعلى عكسه لو حلف ألا بأكل الشحم، يحنث بأكل شحم البطن، ولا يحنث بأكل اللحم، وأكل شحم الظهر على الوجهين:
الأصح: أنه لا يحنث، وبه قال أبو حنيفة، وعن أبي زيد: أن الحالف، إن كان عربيًا، فشحم الظهر شحم في حقه؛ لأنهم يعدونه شحمًا، وإن كان عجميَّاً، فهو لحم في حقِّه، وذكر في أكل شحم العين وجهان أيضًا.
ويتناول اليمينُ على اللحومِ لحومَ النعم والوحوش، والطيور المأكولة، وفيما لا يُؤْكل لحمه؛ كلحم الميتة والخنزير والذئب والحمار وغيرها وجهان عن ابن سُرَيْجٍ:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة: أنه يحنث بأكلها؛ لوقوع الاسم عليها، وإن كانت محرمة، كاللحم المغصوب.
والثاني: لا يحنث؛ لأن الحالف يقصد بيمينه الامتناع عما يُعْتَاد أكله؛ وأيضًا
الجزء: 12 - الصفحة: 297
قاسم اللحم يقع على المأكول شرعًا، كما أن البيع والنكاح يقعان على المشروع.
ورجَّح الشيخ أبو حامد والرويانيُّ الثاني، والقفالُ وغيره -رحمهم الله- الأوَّل 79.
ولا يحنث بأكل السمك، خلافًا لمالك وأحمد -رحمهما الله-.
وفي "البيان": أن بعض أصحابنا الخراسانيين قال به، ووجه ظاهر المذهب بأن السَّمَك لا يُفْهَمُ من إطلاق لفظ اللحم، ولا يُسْتَعْمَلُ فيه في العرف، وإن سماه الله تعالَى لحمًا بقوله: ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: 12] وشبه ذلك بما إِذا حلف لا يجلس في ضوء السراج، فجلس في ضوء الشمس، لا يحنث وإن سماها الله تعالَى سراجًا، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ [النبأ: 13] وبما إذا حلف: لا يعلق على وتد، فعلق على جبل، لا يحنث، وإن قال الله تعالَى: ﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ [النبأ: 7] أو حلف: لا يجلس على بساط، فجلس على الأرض، لا يحنث، وإن قال الله تعالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا﴾ [نوح: 19] وهل يتناول اللحم الألْيَةَ؟ فيه وجهان:
أحدهما: نعم؛ لأنه نابت في اللحم، قريب من اللحم السمين.
وأصحُّهما: المنع؛ لمخالفته اللحم اسمًا وصفةً ولو حلف على الشحم، فوجهان أيضًا في تناول الألْيَةِ:
أحدهما: نعم؛ لأنها تذوب كالشحم.
وأصحُّهما: المنع؛ لمخالفته اللحم اسمًا وصفةً، فعلى الظاهر، وليست الألية بلحم ولا شحم وسنام الإِبل كالألية، ولو حلف على الألية، لم يحنث بأكل السنام، وكذا بالعكس؛ ولو حلف على الدسم، تناول شحم الظهر والبطن والألية والسنام والأدهان كلها، وهل يتناول اللحمُ الأمعاءَ والطِّحَالَ والكرش والكبد والرئة، حتى يحنث بأكلها، وإذا حلف ألا يأكل اللحم؟ فيه وجهان:
أصحُّهما: لا، وهو المذكور في الكتاب.
والثاني: نعم؛ لأنها في حكم اللحم، وقد تُقام مقامه، وبه قال أبو حنيفة، ومنهم من قطع بالأول، ونفي الخلاف، وفي القلب وَجْهَان مذكوران في الكتاب:
أصحُّهما: أنه لا يحنث أيضًا.
والثاني: يحنث، ووجه بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً ... " 80 الحديث، والمضغةُ: القطعة من اللحم.
الجزء: 12 - الصفحة: 298
وإلى هذا مال الصيدلانيُّ بأكل المخ، وقد يطرد فيه الخلاف، وفي لحم الرأس والخد واللسان والأكارع طريقان:
أصحُّهما: أنه يحنث باكلها.
والثاني: طرد الوجهَيْن.
ولو حلف: لا يأكل ميتة، لم يحنث بأكل المذكاة، وإن حلها الموت؛ للعرف وإن أكل السَّمَك، فوجهان:
في أحدهما: يحنث لقوله -صلى الله عليه وسلم- "أُحُلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ" 81.
وفي الثاني: لا؛ للعُرْفِ.
قال في "التهذيب" لا يحنث، وهو المذهب، كما لو حلف؛ لا يأكل دمًا، لا يحنث بأكل الكبد والطحال.
ولو حلف: لا يأكل لحم البقر حنث بأكل الجاموس، ويحنث بأكل البقر الوحشيِّ على الأشهر، ونقل في "التهذيب" فيه وجهين، بناءً على الخلاف في أنه هل يُجْعَلُ جنسًا في الربا؟ ولو حلف: لا يركب الحمار، فركب حمارًا وحشيًا ففيه وجهان يتعلَّقان بالأصل المذكور، وأيضًا فالمعهود ركوب الحمارِ الأهليِّ؛ بخلاف الأكل، وقد سبق في "الربويات" ذكر وجهين في أن الجراد، هل هو من جنس اللحوم؟ ويمكن أن يخرج عليها؛ أنه هل يحنث بأكل الجراد إذا حلف: أَلاَّ يأكل اللحم؟.
ومنها: لو حلف: لا يأكل الزبد، لم يحنث بأكل السمن، ولو حلف: لا يأكل السمن، ففي أكل الزبد وجهان:
أصحُّهما: أنه لا يحنث به أيضًا؛ لتفاوتهما في الاسم والصفات.
والثاني: أن الزبد سمن؛ لاشتماله عليه، وليس السمن زبدًا؛ لأن الزبد عبارة عن مجموع السمن وباقي المخيض.
وسواء حلف على الزبد أو السمن، فلا يحنث بأكل اللبن، واسم اللبن يتناول لبن الأنعام والصيد ويدخل فيه الحليب والرائب واللباء، والماست 82 والشيراز 83 والمخيض.
الجزء: 12 - الصفحة: 299
قال القاضي أبو الطَّيِّبِ: وتوقف بعضهم في الشيراز، ولا معنى له، وفي المخيض وجه، قال القاضي الرُّويانيُّ: يُحْتَمَلُ ألا يحنث إلا بالحليب؛ لأن الاسم في العُرْف لا يقع إلا عليه، لكن العرب تسمي الجميع لبنًا، والعرف مضطرب، ولو أكل الزبد، ففيه ثلاثة أوجه:
أشبههما: وهو المذكور في "الشامل": أنه إن كان اللبن ظاهرًا فيه يحنث، وإن كان مُسْتَهْلَكًا فلا، ولا يحنث بأكل السمن؛ لأنه لا لبن فيه، ولا بالجبن والأقط والمصل.
وعن أبَوَيْ علي بن أبي هريرة والطبري: أنه يحنث بجميع ما يُسِتَخْرَجُ من اللبن، وذكر: أن الجامد منْها لبن مجمَّدٌ، والظاهر الأول.
ومنها: لو حلف: لا يأكل السمن، لم يحنث بالأَدْهَان، ولو حلف؛ لا يأكل الدهن، فهل يحنث بأكل السمن؟ فيه وجهان:
أصحُّهما: أنه لا يحنث أيضًا، وقد يوجه الثاني؛ بأن الدهن قد يعبر بها عن الدسومة ويقام مقامها؛ ألا ترى أنَّهُ يُقَالُ: في حب كذا دهنية؟ ولا توضع السمينة موضعها.
ولو قال بالفارسية: (روغن نخورم) 84، فعن القاضي الحسين وغيره: أنه يحنث بالأكل من كلِّ واحدٍ منهما.
ومنها: ذُكِرَ في الكتاب: أنه لو حلف؛ لا يأكل الجوز، يحنث بالجوز الهندي، ولو حلف؛ لا يأكل التمر، لا يحنث بالتمر الهندي، ويمكن أن يُفْرَقَ بأن الجوز الهنديَّ، وإن خالف الجوز المعروفَ في الشَّكْل، والصورة، ولكنه قريب منه في الطبع والطعم، والتمر الهندي يخالف التمر المعروف صورةً ولونًا وطبعًا وطعمًا، والذي ذكره في "التهذيب": أنه لا فرق بين الصورتَيْن، ولا يحنث بالهندي منهما، وكذا لو حلف؛ لا يأكل البطيخ، لا يحنث بالهنديِّ، أو لا يأكل الخيار، لا يحنث بهذا الذي يقال له خيار شنبر.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ حَلَفَ لاَ يَأْكُلُ لَمْ يَحْنَثْ بالشُّرْبِ، وَكَذَا عَكْسُهُ، وَلَوْ حَلَف لاَ يَأْكُلُ السُّكَّرَ فَوُضِعَ فِي فِيهِ حَتَّى ذَابَ فَفِيهِ خِلاَفٌ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى العِنَبِ لَمْ يَحْنَثْ بِعَصِيرِهِ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى السَّمْنِ لَمْ يَحْنَثْ إِذَا جَعَلَهُ فِي عَصِيدَةٍ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ أَثَرٌ، وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ أَثَرٌ فَفِيهِ خِلاَفٌ، وَفِي الخَلَّ إِذا جَعَلَهُ فِي السِّكْبَاجِ وَجْهَانِ، وَالنَّصْ أنَّهُ لاَ يَحْنَثُ، وَلَوْ حَلَفَ لاَ يَذُوقُ فَأَدْرَكَ طَعْمَهُ وَمَجَّهُ فَوَجْهَانِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 300
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صور أيضًا:
منها: كما أن بأكل أجناس مختلفة الأسماء والصفات والآثار، كذلك الأفعال أجناسٌ مختلفةٌ لا يتناول بعضها بعضًا؛ فالشرب ليس، وكذا العكس، فإذا حلف لا يشرب، فأكل طعامًا، لم يحنث، أو لا يأكل، فشرب ماءً أو غيره، لم يحنث.
واللبن والخل وسائر المائعات، إذا حلف ألا يأكلها، فأكلها بخبز، حنث، ولو شربها، لم يحنث، وإن حلف ألا يشربها، فالحكم على العكس، ولو حلف: لا يأكل سويقًا، فاستقه أو تناوله بالملعقة أو بإصبع مبلولة، حنث، ولو ماثه في الماء، فشرب، حنث.
ولو حلف، لا يشرب السويق، فالحكم بالعكس، ولو كان السويق خاثرًا بحيث يُؤخَذُ منه بالملاعق، فتحسَّاه، فقد ذُكِرَ فيه اختلافُ وجْهٍ، والأشبه أنه ليس بِشُرْب، ولو قال: لا أطعم أو لا أتناول، دخل في اليمين الأكل والشرب معًا.
وبمثله حكموا فيما إذا قال بالفارسية (نخورم) 85 على أنه يُفْرَق بينهما، فيُقال: (طعام نخورد) 86 و (شراب بازخورد) 87.
ومنها: إذا حلف لا يأكل السكر، انعقدت اليمين على عين السكر دون ما يُتَّخَذ منه، إلا إذا نوى، وكذا الحكم في العسل والتمر، ثم إن ابتلع السكر من غير مضغ، فقد أكله، كما لو ابتلع الخبز على هيئته، وإن مضغه، وازدرده ممضوغًا فكذلك، وإن وضعه في فمه، فذاب ونزل، ففيه وجهان:
أحدهما: يحنث، كما لو مضغه.
وأظهرهما: وهو المذكور في "التهذيب" "والتتمة": المنع لأنه لا يُسَمَّى ذلك أكلاً للسكر.
ومنها: إذا حلف ألا يأكل العنب أو الرمان، لم يحنث بأكل عصيرها وشربه، ولو امتصهما، ورمى بالتفل، فكذلك؛ لأنه ليس يأكل.
ومنها: لو حلف، لا يأكل السمن، فأكله، وهو جامد، حنث، وإن كان ذائبًا، فشربه، لم يحنث، وفي "شرح مختصر الجوينيِّ" فيه وجه ضعيف، وإن أكله بخبز، وهو جامد، أو ذائب حنث، وقال الإِصطخريُّ: لا يحنث؛ لأنه لم يأكله وحده، بل أكله مع غيره، وشبهه بما إذا قال: لا آكل مما اشتراه زيد قال: يأكل مما اشتراه زيد
الجزء: 12 - الصفحة: 301
وعمرو، وإن جعله في عصيدة أو سويق، فعن نص الشَّافعيِّ -رضي الله عنه-: أنه يحنث، وعنه فيما إذا حلف؛ لا يأكل خلاًّ؛ فأكل السكباج 88، أنه لا يحنث.
فقال عامة الأصحاب: ليس ذلك باختلاف قول، ولكن إن كان السمن ظاهرًا في العصيدة والسويق؛ يُرَى جرمه، فيحنث، إذا أكله، وهذه الحالة هي التي أرادها بنصه في السمن، وكذا الحكم في الخل، إذا كان ظاهرًا بلونه وطعمه؛ بان أكل المرقة، وهي حامضة.
وإن كان السمن مستهلكًا في العصيدة، فأكلها، يحنث، وكذا الخل إذا كان مُسْتَهْلَكًا، وهذه الحالة هي التي أرادها بنصه في الخَلِّ.
فصور ذلك فيما إذا أكل لحم السِّكْبَاج أو ما كان فيه من السلق ونحوه، ومنهم من أثبت وجهين أو قولين؛ وعلى ذلك جرَى في الكتاب، ووجه المنع أن يُقَالَ: أكل العصيدة لا السمن، والسكباج لا الخل، ويجوز إعلام لفظ "الخلاف فيِ مسألة السمن" "والقولين في مسألة السكباج" بالواو.
ومنها: إذا حلف؛ لا يأكل أو لا يشرب، لم يحنث بالذوق بمجرده إن حلف: لا يذوق، فأكل أو شرب، حنث؛ لتضمنهما الذوق، وفيه وجه ضعيف.
وإن أدرك طعم الشيء بالمضغ والإِمساك في الفم، ثم مجه، ولم ينزل إلى حلقه، فهل يحنث؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا، كما لا يفطر الصائم به.
وأصحُّهما: الحنث؛ لأن الذوق عبارةٌ عن إدراك الطعم، وقد حصل.
ولو حلف: لا يأكل ولا يشرب ولا يذوق، فأوجره في حلقه، حتى حصل في جوفه، لم يحنث.
قال في "البيان": لو قال: لا أطعم كذا، ثم أوجره نفسه، حنث لأن معناه لا جعلته لي طعامًا.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ حَلَفَ عَلَى الفاكِهَةِ حَنِثَ بِالْعِنَبِ (ح) وَالرُّمَّانِ (ح)، وَلاَ يَحْنَثُ بِالقِثَّاءِ، وَفِي البِطِّيخِ تَرَدُّدٌ، وَيحْنَثُ بِيَابِسِ الفَوَاكِهِ، وَفِي اللَّبُوبِ تَرَدُّدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا حلف؛ لا يأكل الفاكهة، حنث بأكل العنب والرطب والرمان؛ لوقوع اسم الفاكهة عليها، والعطف في قوله تعالَى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: 68] لتخصيصهما وتمييزهما كما في قوله تعالَى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: 98] وقال أبو حنيفة: لا يحنث بها، ويحنث أيضًا بأكل التفاح
الجزء: 12 - الصفحة: 302
والسَّفَرْجَل والكُمَّثْرَى والمشمش والخوخ والإِجِّاص 89 والأترج والنارنج 90 والليمون والنبق والموز والتين.
ولا يحنث بالقِثَّاء، والخيار؛ فهي من الخضراوات؛ كالباذنجان والجزر، وفي البِطِّيخ وجهان:
أحدهما: أن الجواب كذلك.
وأصحُّهما: أنه يحنث؛ لأن لها نضحًا وإدراكًا؛ كالفواكه، وبهذا قال ابن سُرَيْجٍ.
ويتناول اسم الفاكهة الرَّطْب واليابس، كالتمر والزبيب والتين اليابس، ومعلق الخوخ والمشمش، وفي اللبوب كَلُبِّ الفستق والبندق وجهان:
أقربهما: الحنث؛ فإنها تُعَدُّ من يابس الفواكه، هذا هو المشهور.
وذُكِرَ: أنه لو حلف، لا يأكل الثمار، اختصت اليمين بالرطب، ولم يتناول الثمرة الفواكه اليابس، وسَوَّى في "التتمة" بينهما؛ وقال: الفاكهة لا تتناول اليابسة كالثمرة، فإن كان هذا عن تحقيق، أحوج إلى إعلام قوله في الكتاب "ويحنث بيابس الفواكه" بالواو.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ حَلَفَ لاَ يَأْكُلُ الْبَيْضَ ثُمَّ حَلَفَ أَنْ يَأْكُلَ مَمَّا فِي كُمِّ فُلاَنِ فَإِذَا هُوَ بَيْض فَاتَّخَذَ مِنْهُ النَّاطِفَ فَأَكَلَ مِنْهُ فَقَدْ أَكَلَ مِمَّا فِي كُمِّهِ وَلَمْ يَأْكُلِ البَيْضَ فَيَبَرَّ فِي اليَمينَيْنِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: حلف رجل؛ لا يأكل البيض، ثم استقبله رجل عرف أن في كمه مأكولاً، فحلف؛ ليأكلن ما في كمه، وكان ما فيه كمه بيضًا وأراد البر في اليمنَيْنِ، فيُقَالُ: إن القفال سُئِلَ عن هذه الصورة، وهو على المنبر، وطُلِبَتْ منه حيلة للبرِّ، فلم يحْضُرْه الجواب، فقال المسعوديُّ، وهو من أصحابه -رحمهم الله-: يُجْعَلُ ذلك البَيْضُ في الناطف 91، فيأكله الحالفُ، فيكون قد أكل ما في كمه، ولم يأكل البيض، فاستُحْسِنَ منه ذلك.
الجزء: 12 - الصفحة: 303
وقوله: "فاتخذ منه الناطف قد لا تُسْتَحْسَنُ هذه اللفظة، وإن كان المقصود معلومًا؛ لأن الناطف لا يتُخَّذ من البيض، بل منه ومن غيره، بل من غيره، ويُجْعَلُ البيض فيه، وقوله: "فأكل منه" هذا لا يكفي لحصول البِرِّ، بل ينبغي أن يأكله كلَّه.
فُرُوعٌ: يتعلَّق بهذا النوع، نذكر مقصودها على الإِيجاز: الرُّطَب ليس بثمر والعنب ليس بزبيب، وعصير التمر ليس بتمر، وكذا دبسه والسمسم ليس بشيرج، وكذا العكوس، والرطب ليس ببسر ولا بلح، والبسر ليس برطب ولا بلح، والبسر أعظم من البلح.
ولو حلف؛ لا يأكل الرطب، فأكل المنصف، نُظِرَ؛ إن كان النصف الذي أرطب حنث، وكذا لو كل الجميع، خلافًا للإِصطخريِّ، وأبي علي الطبرِّي -رحمهما الله- وإن أكل النصف الذي لم يرطب، لم يحنث.
ولو حلف؛ لا يأكل البسر، فأكل المنصف، ففيه هذا التفصيل، والحكم على العكس.
وان حلف؛ لا يأكل بسرة ولا رطبة، فأكل منصفة لم يحنث.
ولو حلف؛ لا يأكل طعامًا؛ تناول اللفظ القوت والأدم والفاكهة والحلوى، وفي الدواء 92 وجهان:
ولو حلف؛ لا يأكل قوتًا، حنث بأكل ما يقتات من الحبوب، ويحنث بأكل التمر والزبيب واللحم، إن كان ممن يقتاتها، وفي غيرهم وجهان.
ولو حلف لا يأكل إدامًا، حنث بأكل ما يُؤتَدَمُ به، سواء كان مما يُصْطَبَغُ به؛ كالخل والدبس والشيرج والسمن والمربى، أو لا يُصْطبَغُ به؛ كاللحم والجبن والبقول والبصل والفجل والثمار.
وفي التمر وجْه، والملح أيضًا أدم، وفيه وجه، وعند أبي حنيفة، لا يحنث إلا بما يُصْطَبَغُ به واسم الماء يتناول العذب والملح ومياه الآبار، والأنهار، وعن الشيخ أبي حامد: في ماء البحر احتمالان، والظاهر: التناول، ولو حلف؛ لا يشرب الماء، لا يحنث بأكل الجمد والثلج، ويحنث إذا شرب من مائيهما، ولو حلف لا يأكل الجمد والثلج، لم يحنث بشرب مائهما، والثلج ليس بجمد، وكذا العكس، ولو حلف؛ لا يأكل مما طبخه فلان، فالاعتبار بالإيقاد إلى الإِدراك، بوضع القِدْر في التنوُّر بعد التسجير، فإن أوقد فلانٌ النار تَحْت القِدْرِ حتى أدرك، أو وضع القِدْر في التَّنُّور، فأكل منه، حنث، سواء وجد نَصْب القدر وتقطيع اللحم وصب الماء عليه وجمع التوابل وتسجير التنور منه أو من غيره.
الجزء: 12 - الصفحة: 304
ولو أوقد فلان تحته أو وضعها في التنور مع آخر، لم يحنث؛ لأنه لم ينفرد بالطبخ، وكذا لو أوقد هذا ساعةً وهذا ساعة، قال الإِمام -رحمه الله-: ولو جلس الحاذقُ بالطبخ على القرب، وكان يستخدم صَبِيًّا في الإيقاد ويستقل ويستكثر، فهذا فيه تردُّد؛ إذ يعزى الطبخ، والحالة هذه إلى الأستاذ، ولو قال: [لا] آكل مما خبزه فلان، فالاعتبار فيه بالإِلصاق بالتَّنُّور دون العجين وتسجير التَّنّور وتقطيع الرغفان وبسطها 93.
قَالَ الغَزَالِيُّ: النَّوْعُ الثَّالِثُ فِي العُقُودِ: فَإِذَا حَلَفَ عَلَى مَا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ لاَ يَحْنَثُ بِمَا مَلَكَهُ بِهِبَةٍ أَوْ رَجَعَ إِلَيهِ بِإقَالَةٍ أَوْ رَدّ بِعَيْبٍ أَوْ قِسْمَةٍ، وَمَا مَلَكَهُ بِالسَّلَم أَوِ الصُّلْحِ عَن الدَّيْنِ فَهُوَ كَالمُشْتَرَى، وَالمَأَخُوذُ بِالشُّفْعَةِ لَيْسَ بِمُشْتَرَى، وَلَوْ اشتَرَى زَيْدٌ وَعَمْرو فَأَكَلَ مِنْهُ لَمْ يَحْنَثْ عَلَى الأَظْهَرِ، وَلَوْ خَلَطَ مَا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ بِمَا اشْتَرَاهُ عَمْرُو حَنِثَ إِذَا أَكَلَ مِنَ المُخْتَلِطِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في النوع مسائل:
أحدها: إذا حلف؛ لا يأكل طعامًا اشتراه زيْدٌ، أو مِنْ طعام اشتراه زيدٌ، أو لا يلبسُ ثوبًا اشتراه زيد، لم يَحْنَثْ بما ملكه بهبةٍ، أو إرثٍ، أو وصيةٍ، أوَ رجَعَ إلَيْهِ بردِّ عيب، أو إقالةٍ، وإن جعلْنا الإِقالة بيعًا؛ لأنها لا تُسمَّى بيعًا في العُرْف والإِطْلاق، وكذا لا يحنث بما خلُص له بالقسمة مما كان بيْنَهُ وبين غيره، وإن جعلْنا القسمة بيعًا، ويحْنَثُ بما ملكه بالتولية والإشراك، وبما ملكه بالسَّلم؛ لأنها شراءٌ في الحقيقة والإِطْلاق يُقال: اشترى كذا في عقد التَّوْلِيَةِ، واشتراه سَلَمًا، وما صالح عليه زيدٌ، عن دَيْن، حكى الإِمام عن الصيدلانيِّ -رحمهما الله- أنه لا يحنثُ به، ورأى؛ أنه يحنث، وبه أجاب صاحبُ الكتاب -رحمه الله- والظَّاهر الأولُ؛ لما ذكرنا؛ أنه لا يُسمَّى شراءً في العُرف، وهو الذي أورده صاحب "التهذيب" و"التتمة" والرويانيُّ وغيرهم -رحمهم الله-.
ولو قال: لا أدخل دارًا اشتراها زيْدٌ، فلا يحنث بالدار التي ملَكَ بعْضَها بالشُّفْعة،
الجزء: 12 - الصفحة: 305
ولا يحْنَثُ بما اشتراه لزَيْدٍ وكيلُهُ، ويحْنَثُ بما اشتراه زيْدٌ لغيره، بوكالةٍ أو ولايةٍ، ولو اشتراه، ثم باعه من غيره، حَنِث؛ لأنه موصوفٌ بأنه اشتراه زيد؛ وكذا لو باع بعضه، فأكل منه الحالف، ولو أكل طعامًا اشتراه زيد وعمرو، لم يحنث؛ خلافًا لأبي حنيفة؛ وسلَّم أبو حنيفة أنه لو حلف؛ لا يلبس ما اشتراه زيد، فليس ثوبًا اشتراه زيْدٌ وعمرو؛ أنه لا يحنث.
أو حلف؛ لا يأكل من قِدْرٍ طبخها زيد، فأكل من قِدْرٍ طبخها زيد وعمرو، هذا ظاهر المذْهَب، وفيه وجهان آخران:
أحدهما: موافقة أبي حَنِيْفَةَ؛ لأنه ما مِنْ جزءٍ منه إلا، وقَدْ ورَدَ علَيْه شراءُ زيدٍ، وهذا ما اختاره القاضي أبو الطيب.
والثاني: أنه إنْ أكل منه النصْفَ، فما دونه، لم يحْنَثْ، وإن أكل أكثر من الصف، حنث؛ لأنا نتحقق حيئنذٍ؛ أنه أكل مما اشتراه زيد.
ولم يَفْرِقِ الأكثرون -رحمهم الله- بين أن يقول: لا آكل من طعامٍ اشتراهُ زيد، وبين أن يقول: طعامًا اشتراه زيْدٌ وخصَّص في "التهذيب" حكاية الوجْهِ بما إذا قَالَ: مِنْ طعامٍ اشتراه زيْدٌ وأطلق القول بعَدَمِ الحِنْث، فيما إذا قال: طعامًا اشتراه زيْدٌ، قال: إلا أنْ يريد ألاَّ يأكل طعامه، أو مِنْ طعامه، فيحنث بالمشترك، ولو اشترى زيد طعامًا وغيره طعامًا، وخلَطَ أحدهما بالآخر، فأكل الحالِفُ من المخلوط، ففيه وجوه:
أحدها: عن الإِصطخرِّي: أنه إن أكل النصْفَ فما دونه، لم يحنث وإن أكَلَ أكثر من النصف، حَنِثَ، وهذا عند استواء القدْرَينِ؛ لأنا حينئذ نتَحقَّق؛ أنه أكل ما اشتراه زيد، ويشبه ذلك بما إذا خلطت تمرة، وحلف ألاَّ ياكلها بتَمْرٍ كبيرٍ، فإنه لا يَحْنَثُ ما أبقى تمرة؛ فإنْ أكل الجميع، حَنِث؛ لأنا نتحقق حينئذٍ؛ أنه أكل المحْلُوف عليه.
وفي "الشَّامل" أن القاضي أبا الطيِّب اختار هذا الوجه.
وثانيهما: وبه قال ابن أبي هريرة: أنه لا يَحْنَث، وإنْ أكل الجميع؛ لأنه لا يمكن الإِشَارَةُ إلى شيء منْه بأنه اشتراه زيد، فصار كما اشتراه زيْدٌ مع غيره.
وأصحُّهما: وبه قال أبو إسحاق: أنه، إن أكل من المخلوط قليلاً، يمكن أن يكون ممَّا اشتراه الآخر، كالحبة، والحبتين من الحنطة والعشرة، والعشرين، لم يَحْنَثُ، وإن أكل قدرًا صالحًا، كالكف، والكفين، يحْنَث؛ لأنا نتحقَّق؛ أن فيه ما اشتراه زيد وإن لم يتعيَّن لنا.
وقوله في الكتاب "حنث، إذا أكل المخلوط" يقع ظاهره على الجميع، وإذا أكل جميع المختلط، يحنث باتفاق الوجه الأول والثالث الأصح، وينبغي أن يُعْلَمَ بالواو
الجزء: 12 - الصفحة: 306
للوجه الثاني، ولفظ "الوسيط": "إذا أكل من المختلط"، فظاهره الحكم بالحنث، بأي قَدْرِ أَكَلَ من المختلط، وهذا يخالف الوجوه الثلاثة، وهو بعيدٌ في نفسه فيحسن أن يؤول فينزل على الوجْهِ الأصحِّ.
فرع: عن نصِّه في "الأم": أنه لو قال: لا أسْكُنُ دَارًا لفلانِ، فسكن دارًا لغيره، فيها شرك قليل أو كثير، لا يحنث.
فرع: في تعليقة إبراهيم المروزي: أنه لو حلف؛ لا يأكل طعام زيد، فأكل طعامًا مشتركًا بينه وبين غيره، حنث، وقد حكينا عن "التهذيب" في الفصل ما يوافقه قال: ولو حلف، لا يلبس ثوب فلان، أو لا يركب دابته، فليس ثوبًا مشتركًا، أو دابَّةً مشتركةً بينه وبين غيره، لا يحنث.
وفرق بأنَّ في مسألة الطعامِ انعقدِ اليمينُ عَلَى ألاَّ يطعم طعامًا مملوكًا له، وقد يطعم طعامًا مملوكًا له، لكنه لم يلبس مملوكًا له، ولم يركب دابة مملوكةً له، وهذا ينزع إلَى مذهب أبي حنيفة، حيث، قال: إذا حلف، لا يأكل طعامًا اشتراه زيد، فأكل طعامًا اشتراه زيد وعمرو، لا يحنث، وإذا حلف، لا يلبس قميصًا اشتراه زيد، أو لا أسكن دارًا اشتراها، يحنث بما اشتراه مع غَيْرِهِ، وفرق بينهما، بأنَّ بعض القميص ليس بقَمِيصٍ، وبعض الدار ليس بدارٍ، ولم يَشْتَرِ زَيْدٌ جميعَ القميص والدار.
واسْمُ الطعام يقع على القليل والكثير، ففي المأكُولِ طعامٌ اشتَرَاهُ زيْدٌ، وأما نحن: فإذا قلْنا: الطعامُ الذي اشتركَا في شرائِهِ ليس ولا بعْضُه المعيَّنَ مشْتَرَى زيْدٍ جاز أن يقول: الطعام المشترَكُ ليس ولا بعْضُه المعيَّنُ مالَ زيد، ولا يبعد التسويةُ بينهما.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: لاَ أَشْتَرِي وَلاَ أَتَزَوَّجُ فَوَكَّل وَعَقَدَ الوَكِيلُ لَمِ يَحْنَثُ (م و)، وَكَذَا لَوْ قَالَ الأَمِيرُ: لاَ أَضْرِبُ فَأَمَر الجَلاَّدَ، وَإِنْ تَوَكَّلَ فِي هَذِهِ العُقُودِ لَمْ يَحْنَثْ فِيمَا أَضَافَهُ إِلَى المُوَكِّلِ، وَفِيمَا نَوَى لِمُوَكِّلِهِ يَحْنَثُ عَلَى الأَظْهَرَ، وَلَوْ قَالَ: لاَ أُكَلِّمُ عَبْدًا اشْتَرَاهُ زَيْدٌ فَاشْتَرَى وَكِيلُ زَيْدٍ لَمْ يَحْنَثُ إِنْ كَلَّمَهُ، وَكَذَا فِي امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا زَيْدٌ لاَ يَحْنَثُ إِذَا قَبِلَ وَكِيلُ زَيْدٍ، وَلَوْ قَالَ: لاَ أكُلِّمُ زَوْجَةَ زَيْدٍ حَنِثَ بِهَذَا.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسألة الثانية: إذا حلف؛ لا يشتري أو لا يبيع فوكَّل غيره، حتى باع أو اشترى، أو حلف؛ لا يضرب عبْدَهُ، فأمر غيره حتى ضربه، أو حلف الأمير والقاضي، فأمر الجلاَّد، حتى ضرب؛ لم يحْنَثْ 94؛ خلافًا لمالكٍ فيما رواه القاضي ابن كج، وعن الربيع: أنه يحْنَثُ، إن كان الحالفُ من لا يتولَّى البيع والشراء والضرب
الجزء: 12 - الصفحة: 307
بنفسه، كالسلطان أو كان الفعل المحُلُوفُ علَيْه مما لا يَعْتَاد الحالفُ فعْلَهُ أو لا يجيءُ منه ذلك كالبناء، والتطيين إذا حلف عليهما، فأمر بهما غيره، واختلف الأصحاب، فمنهم من أثبت ما ذكره قولاً للشافعيِّ -رضي الله عنه- وبه قال أبو إسحاق، وقد يوجَّه بأنه المفهوم من قوْلنا: قتل السلطان فلانًا، وضرب فلانًا، ومنهم من امتنع منه وقال: إنَّه من عند الربيع.
وبهذه الطريقة قال صاحب "التقريب" وظاهر المذهب الأول، وإن أثْبَتَ ما ذكره قولاً، ووجَّهُوه، بأنَّه حَلَفَ عَلى فعْلِ نفسه حقيقةً، فلا يحْنَثُ بغيره، ولا نظر إلى العادة؛ ألا ترى أن الأمير إذا حَلَف؛ لا يلبس، أو لا يأكل، فلبس أو أكل ما لا يعتاده.
يَحْنَثُ؟ ولو حلف لا يزوِّج ابنته، أو لا يطلِّق، أو لا يعتق، فوكَّل، وعقد الوكيل، فالحكم كما في البيع والشراء، ولو فوض الطلاق إلَى زوجته، فطلقت نفسها، فهو كما لو وكَّل فيه أجنبيًا، حتى لا يحْنَثَ، على الظاهر، وفيه قول، إنه يحنث، وإن قلْنا في الصورة السابقة: إنه لا يحنث لأنه فوَّض الطلاق إلَى من لا يملكه، فكأنه هو المطلِّق، ولو قال: إنْ فعلْتِ كذا، أو إنْ شِئْتِ فأنتِ طالقٌ، ففعلَتْ أو شاءَتْ، حنِث؛ لأن الموجود مجرَّدُ الصفة، وهو الموقع.
ولو حلف؛ لا ينْكَحُ، أو لا يتزوج، فوكَّل به، فقَبِلَ له الوكيلُ نكاحَ امرأة، فهل يحنث؟ نقل صاحب "التتمة" فيه وجهين:
أحدهما: لا، كما في الييع والشراء؛ لأنه يصْدُق أن يُقَالَ: ما نكح فلان، إنَّما نكح له، أو قَبِلَ لَهُ النكاحَ، فلان، وهذا ما أورده الصَّيْدلانيُّ، وصاحب الكتاب.
والثاني: أنه يحْنَثُ؛ لأن النكاح لا يتعلَّق بالوكيل، بل هو سفيرٌ محضٌ؛ ولذلك يشترط فيه تسميةُ الموكِّل، وهذا ما أورده صاحب "التهذيب" ولو قَبِلَ لغيره، نِكَاحِ امرأة، فقضية الوجه الأول؛ أن يحنث وقضية الثاني ألا يحنث.
وفيما إذا حلف، ألا يبيع ولا يشتري فتوكل عن غَيْره في البيع الشراء.
حكى صاحب الكتاب وغيره -رحمهم الله- أنه إذا أضاف العقْدَ إلى الموكِّل، لم يحنث، لوإن اقتصر على النية، ولم يضف لفظًا، فوجهان:
أظهرهما: الحِنْثُ.
والثاني: عن تخريج القاضي الحُسَين: المنع؛ لانصراف العَقْد إلى غيره، ويوافق هذا أن جماعة من الأصحاب أطْلَقوا القول؛ بأنه لو توكَّل في البيع أو الشراء، يَحْنَثْ، ولم يُفَصِّلُوا، ويوضِّحه، ما ذكرنا وجْهًا؛ أن الحالف عَلَى ألاَّ ينكح، يَحْنَثْ، إذا قَبِلَ النكاحَ ولايةً عن غيره، مع أنه لا بدَّ هناك من الإِضافة إلى الموكِّل، ويشبه أن يرجح ما
الجزء: 12 - الصفحة: 308
أطلقوه، ويجاب به كما فَعَلْنَا في الفصل، قبل هذا الفَصْلِ.
ولو قال: لا أكلِّم عبدًا اشتراه زَيْدٌ، لا يحنث يتكلُّم عبدٍ اشتراه له وكيلُهُ وبمثله أجاب في الكِتاب، فيما إذا قال: لا أكلِّم امرأة تزوَّجها زيْدٌ، فكلَّم امرأة قِبَلَ نكاحَها لزيدٍ وكيلُهُ، لكن هذا مبنى على جوابه فيما إذا قال: لا أتزوج، فَقبِلَ وكيلُه نكاحَ امرأةٍ له أنه لا يحنث، فإن قلْنا: يحنث فكذلك يحنث هاهنا.
ولو قال: لا أكلم زوجةَ زيدٍ، حنث بتكلُّم التي نكحها بنفسه، والتي قَبِلَ نكاحَها وكيلُهُ بلا خلاف
ولْيُعْلَمْ؛ لما بيَّنَّا قولُه في الصورة الأولَى من الكتاب "لم يحنث" بالميم والواو، لما حكَيْنا عن الربيع.
وقوله "ولا أتزوج" بالواو وبالحاء؛ لأن عند أبي حنيفة في النكاح والطلاق والضرب، يحنث، إذا أمر غيره ففَعَل، وساعدنا في البيع والشراء.
قوله "وكذا لو قال الأمير" يُعلم بالواو.
ويجوز أن يُعْلَمَ قوله "لم يحنث، فيما إذا أضافه" بالواو.
وكذا قوله "وكذا في امرأة تزوجها".
واعلم أن صور الفَصْل جميعًا مفروضةٌ فيما إذا أطلق، ولم يَنْوِ شيئًا، أما إذا نوى ألا يفعل، ولا يفعل بإذنه، أو لا يفعل، ولا يأمر به، حنث، إذا أمر به غيره، هكذا أطلقوه مع قولهم: إن اللفظ لفعْلِ نفسه حقيقةٌ، واستعماله في المعنَى الآخر يجوز، وذلك استعمال اللفظ في الحقيقة والمجاز جميعًا، وهو مستبعد عنْد أهل الأصول وأحسن من هذا أن يوجد معنًى مشتركٌ بين الحقيقة والمجاز، فيُقَالُ: إذا نوى ألا يسعى في تحقيق ذلك الفعْل، حنث بمباشرته، وبالأمر به؛ لشمول لمعنى وإرادة هذا المعنى إرادة المجاز وحده 95.
فروع: إذا حلف لا يَحْلِقُ رأسه، فأمر غيره بحلقه، ففيه طريقان:
أحدهما: أنه كما لو قال: لا أبيع، فأمر غيره بالبيع، ففيه الخلاف 96.
والثاني: القطْعُ بأنه يحَّنث؛ لاطراد العُرْف في الحلف بذلك، ولو حلف لا يبيع
الجزء: 12 - الصفحة: 309
من زيد، فباع من وكيله، أو وكَّل وكيلاً حتى باع من زيد، لا يحنث.
ولو حلف، لا في بيع لزيد مالاً، فباع بإذنه، أو بإذْن الحاكم لحجر، أو امتناع حنث، وإن باع بغير إذنه، لم يحنث؛ لفساد العَقْد على ما سنذكر، فلو وكل زيدٌ وكيلاً ببيع ماله، وأذِنَ له في الوكيل، فوكَّل الوكيلَ الحالف فباعه، وهو لا يَعْلَم، فعن نصه -رضي الله عنه- في "الأم": أنه لا يحنث، وهو جوابٌ على أحد القولَيْن في حِنْثِ الناسِي.
ولو حلَف؛ لا يبيع لي زيدٌ مالاً، فوكَّل الحالفُ رجلاً بالبيع وأذن له في التوكيل، فوكَّل الوكيل زيدًا حتى باعه، حَنِثَ الحالفُ سواءٌ علم زيد أم لم يعلم؛ لأن اليمين منعقدةٌ على نفي فعل زيد، وقد فعل زيدٌ باختياره، وزاد صاحب "التتمة" في الصورة السابقة، فقال: إن كان قد أذِنَ لوكيله أن يوكِّلَ عنه، حَنِثَ في يمينه؛ لأنه باع لزيَدِ؛ يعني إذا علم، أو إذا قلنا بأن الناسِيَ يَحْنَثُ، وإن كان قد أذِنَ له في التوكيلِ عن نَفْسِه، فباع، لا يَحْنَث؛ لأنه ما باع لزيد، وإنما باع لوكيله، وإن أطلق الإِذْنَ في التوكيل، فعلى الخلاف في أن مَنْ يوكِّلُه وكيلُ الوكيل، أو وكيلُ الموكِّل.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: لاَ أَبِيعُ الْخَمْرَ فَبَاعَ، أَوْ لاَ أَبِيعُ مَالَ امْرَأَتِي بَغَيْرِ إِذْنِهَا فَبَاعَ لَمْ يَحْنَثْ (ح وز م) لأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبَيْعٍ حَقِيقَةً، وَالفَسادُ لَيْسَ بِعَقْدِ إلاَّ إِذَا حَلَفَ ألا يَحُجَّ يَحْنَثُ بِالفَاسِدِ لأَنَّهُ مْنَعْقِدٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: المسألةُ الثالثةُ: إذا حلف، لا يبيع، فباع بيعًا فاسدًا، أو لا يهبُ، فوهب هبةً فاسدةً، لم يحنثْ، وبه قال أحمد، وتنزل ألفاظ العقود على الصحيح، وكذلك من أقربها يُؤخَذُ بموجَبِها، ولو تلفَّظ المتعاقدان بالإيجاب والقَبُولُ، ثم قال أحدهما: أردتُّ الفاسد، لم يُقْبَلْ، وعن أبي حنيفة ومالكٍ -رحمهما الله- فيما رواه بعض أصحاب أحمد، أنه يحنث بالصحيح والفاسد، هذا إذا أطلق اليمين، أما إذا أضافَ في اليَمِينِ لفْظَ العقد إلَى ما لا يقبله؛ بأن حَلَف، لا يبيع الخَمْر أو المستولدة، أو مالَ امرأتِي وغيرها بغَيْر إذن، ثم أتى بصورة البيع، فإن كان مقصودهُ ألا يتلفظ بِلَفْظِ العَقْد مضافًا إلَى ما ذكره، فلا يخفَى أنه يحنث، وإن أطلق، لم يحنث؛ لأن البيع عبارةٌ عن السبب المملك، وذلك لا يتُصَوَّر في الخَمْر، فتلْغُو إضافته إلَيْهَا.
وكذا لو قال: لأبيعَنَّ الخمر، لا يَبُّر في صورة البيع، وذهب المزنيُّ إلى أنه يحنث؛ لأنه لما أضاف البيع إليها، وهي غيرُ قابلةٍ له، كان اللفظُ محمولاً عَلَى صورة البيع، وذكر الإِمام؛ أن صاحب "التقريب" حكَى وجهًا للأصحاب، كما ذكره المزنيُّ.
وشبه مُشَبِّهون قوله إن بعتِ الخَمْرَ، فأنتِ طالقٌ، بقوله: إنْ صَعَدَتِّ السماءَ،
الجزء: 12 - الصفحة: 310
وذلك يقتضي مجيء الخلاف فيه، فيمكن أن يُعْلَمَ؛ لما بينا قوله في الكتاب "فلا يحنث" بالحاء والميم والزاي والواو.
وقوله: "ليس بعقد" بالحاء والميم، وهذا في ألفاظ المعاملات، وسيأتي خلاف في أنه، هَلْ يُحْمَلُ لفظ العبادات على الصحيح كما إذا حلف، لا يصوم، ولا يصلي؟ ولا خلاف أنه إذا حلف، لا يحج، يحنث بالفاسد؛ لأنه منعقدٌ، يجب المضيُّ فيه كالصحيح.
ومن صور ما نَحْنُ فيه ما إذا حَلَف؛ لا يبيع بيعًا فاسدًا، فلا يحنث، إذا باع بيعًا فاسدًا، ذكره أبو بكر الصيدلانيُّ، والرويانيُّ، وقال الإِمام: الوجْهُ عندنا بأنَّه يحْنَثُ بصورة البيع والشراء، وعن أبي حنيفة: إذا باع بيعًا فاسدًا، وأقبض، حَنِث عند الأقباض، وفي التزويج والتزوج سَلَّم أنه لا يَحْنَثُ بالفاسد، إذا حلَفَ لعقد في المستقبل، فأما إذا قال: ما تزوَّجْتُ أو ما زوَّجْتُ، وكان قد تزوَّج، أو زوَّج فاسدًا قال: يحْنث، ونحن نقيس الماضي على المستقبل.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: لا أَهَبُ مِنْهُ حَنِثَ بِالتَّصَدَّقَ عَلَيْهِ بِالرُّقْبَى وَالعُمْرَى، وَبِالوَقْفِ أَيْضًا إِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُهُ المَوْقُوفُ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ: لا أَتَّصَدَّقُ لَمْ يَحْنَثْ بِالهِبَةِ، وَلَوْ قَالَ: لا مَالَ لِي حَنِثَ بِكُلِّ مَالٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَكَوِيًّا (ح)، وَيَحْنَثُ إنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى مُعْسِرٍ مُؤَجَّلاً أَوْ مُعَجَّلاً، وَيَحْنَثُ إنْ كَانَ لَهُ عبد آبِقٌ أَوْ مُدَبِرٌ، وَفِي المُكَاتَبِ وَأُمِّ الوَلَدِ خِلاَفٌ، وَلا يَحْنَثُ إنْ كَانَ يَمْلِكُ مَنْفَعَةً دَارٍ بِالإِجَارَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: هذه البقيَّةُ تجمع صورًا.
منها: إذا حلف، لا يهب، فيحنث بكلِّ تمليك في الحياة خالٍ عن العوض؛ كالصدقة، والعُمْرَى والرُّقْبَى؛ لأنها أنواعٌ خاصَّةٌ من الهبة، كما لو حلف، لا يشتري، يحنث بقبول التولية، والإِشراك، والسَّلَم، وحكى القاضي ابن كج وجْهًا ضعيفًا: أنه لا يحنث بها، وخصص في "التتمة" هذا الوجه بالصدقة ووجهه بأنَّ الهبة، والصدقة يختلفان اسمًا ومقصودًا وحكمًا.
أما الاسم، فمَنْ تصدَّق على فقير، لا يُقَالُ: وهبَ منه، وأما المقصودُ بالصدقة التقرُّب إلى الله تعالَى، والهبةُ لاكتساب الموَدَّة.
وأما الحُكْم، فلأنه -صلى الله عليه وسلم- كان لا يأكُلُ الصدقة، ويأكل الهدية والهبة 97 وأيضًا،
الجزء: 12 - الصفحة: 311
فلو تصدَّق على ابنه، ففي الرجوع خلافٌ، وفي الهبة يرجع، ويُحْكَى هذا عن أبي حنيفة، واختار القاضي الحُسَيْنُ، ويُروَى عن أبي حنيفة أنه يحنث بالتصدُّق على الغَنِيِّ دون الفقير، هذا في صدقة التطوع، أما إذا أدَّى الزكاة، أو صدقةَ الفُطْر، لم يحْنَث، كما لو قضى دينًا، وعن القفَّال مع هذا الجواب، جواب آخر، لا يحنث بالإِعارة إذ لا تمليك فيها، وعن مالك، أنه يحنث، ولا بالوصية؛ لأنه تمليكٌ بعد الموت، والميِّت لا يَحْنَث.
وعن أبي الحُسَيْن بن القَطَّان؛ أنه لا يحنث بالوصية، ولا بالضيافة؛ لأنه لا تمليكَ فيها على الصحيح، قال في "التتمة": وفيها وجهٌ بعيدٌ، بناءً على أنه يملك الضيف الطعامَ الذي يأكله، ولا بالوقف، إن قلْنا: الملْكُ فيه للواقفِ، أو لله تعالَى، وهو الصحيح، فإن قلنا: للموقوف عليه، فيحنث.
وأشير إلَى خلاف فيه، وإن قال الحالف لرجل: وَهَبْتُ منك كذا، فلم يَقْبَلْ، لم يحنث؛ لأن العَقْدَ، لم يتمَّ، ولم يصحَّ وعن ابن سُرَيْج: أنه يحنث، وبه قال أبو حنيفة، لأنه يُقال: وهَبَ من فلانٍ، فلم يَقْبَل ويخرَّج على هذا الخلافِ ما إذا أعمر الحالفُ، أو أرقب ولم نصحح العقدين، ولو تَمَّ الإِيجاب والقبول، لكنه لم يقبض، فوجهان:
أظهرهما: عند المتولِّي أنه يحْنَثُ، لأنَّ الهبة قد تحقَّقت، والمتخلِّف الملْكُ وعند صاحب "التهذيب" أنه لا يَحْنَث؛ لأن مقصود الهبة لم يحْصُل 98.
ولو حلف لا يتصدق فتصدَّق فرضًا أو تطوعًا، حَنِثَ، لشمول الاسم القسمين جميعًا، ولا فرق بين أن يتصدق على غنيٍّ أو فقيرٍ، خلافًا لأبي حنيفة في الغَنِيِّ، وذكر في "التَّتِمَّة": أنه لو دفع إلى ذِمِّيِّ، لا يحنث؛ لأنه لا قُربَة فيه، وهذا ممنوعٌ، كما في عكسه.
وأصحُّهما: المنع، وهو المذكور في الكتاب، والهبة مع الصدقةِ لا يتداخلان تداخُلَ العمُومُ والخصوص، وكلُّ صدقيةٍ هبةٌ، ولا ينعكس، ولو وقف، ففي "التتمة" إطلاقُ القول، بأنه يحنث؛ لأن الوقف صدقةٌ، وبناه غيره على الأقوال في أن المِلْكِ لمن؟ إن قلْنا للواقف لم يحْنَثْ وإن قلْنا: لله تعالى، حَنِثَ، وإن قلنا: للموقوف عليه، ففيه وجهان، كما في الهبة.
ولو حلف، لا يَبَرُّ فلانًا، تناولَتِ اليمينُ جميع التبرُّعات من الهبة، والهدية، والإِعارة، والضيافة والوقف وصدقة التطوع، يحنث بأيِّهَا وجَدَ ولو كان المحلوفُ عليَه عَبْدَهُ، فأعتقه حنث، وكذا لو كان عليه دَيْن، فأبرأه، ولا يحنث بأن يدفع إليه الصدقة المفروضة، ولو حلف لا يعتق عبدًا فكاتب عبدًا، وعتَقَ بأداء النجوم، فعن أبي الحُسَيْن، أنه لا يحنث.
الجزء: 12 - الصفحة: 312
ولو حلف، لا يضمن لفلان مالاً، فتكفل ببدن مديونه، لم يحنث، خلافًا لأحمد -رحمه الله- بناءً على أنه إذا تعذَّر عليه تسليمهُ، ضمن المال.
ومنها: لو حلف، لا مال لي، حَنِث بأيِّ مال كان له، حتى ثيابِ بدنه ودارِهِ الَّتي يسْكُنُها، وعبدِهِ، الذي يَخْدُمه، ولا يختصُّ بنوع من المال إلا أن ينويه، وعند أبي حنيفة: لا يحنث إلا بالأموال الزكاتية، ومطلقُ المال محمولٌ عليها، ولو كان له دينٌ حالَ على مليء حنث؛ لأنه متى شاء أخذه، فهو كوديعةٍ له عند إنسان، قال في "التتمة": خُرِّج فيه وجْهٌ من قوله القديم، أنه لا زكاة في الدَّيْن، وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- وجهٌ بأنه ليس بمالٍ في الحقيقة، وإنما له التمكُّن من تحصيل مالٍ، والمذهبُ الأول، وإنْ كان مؤجلاً، فوجهان:
أحدهما: ويُنْسَبُ إلى ابْن أبي هريرة: أنه لا يحنث؛ لأنه ليس بشيْء حاصلٍ، ولا بمتيسَّر التحصيل.
وأصحُّهما: وينسب إلى أبي إسحاق: أنه يَحْنَثُ؛ لأنَّه مستحقٌّ يملك التصرف فيه بالإِبراء، والحوالةِ، إذا كان مَنْ عليه مليًا فإن كان معسرًا، ففيه وجهان:
أقواهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه يحْنَثُ، كما في المُوسِر، لثبوت المال في ذمَّته.
والثاني: المنع؛ لأنه لا وصولَ إلَيْه، ولا منفعةَ فيه، وهذا ما رجَّحه في "التتمة" وأجرى الوجْهان في الدَّيْن على الجاحد، وفي "تعليقة" إبراهيم المروزيِّ، أنه، إنْ كانت له بيِّنةٌ، حنث، وإلا، فلا، وفي العبد الآبِقِ، والمالِ الضَّالِ، والمغصوبِ، والمسروقِ، والمنقطع خبرُهُما وجهان:
أحدهما: يحنث؛ لبقاء المِلْكِ فيها، وبهذا أجاب في الكتاب في الآبِقِ.
والثاني: المنع؛ لأن بقاءها غير معلوم، ولا يحْنَثُ بالشكِّ.
ولو كان الغاصِبُ حاضرًا، والمالكُ قادرًا على الانتزاع منه، أو عَلَى بيعه ممَّنْ يقَدْرُ على الانتزاع فيحنث قال في "التتمة" ولو كان له عَبْدٌ مُدَبَّرٌ، حَنِثٌ؛ لأنه يملكه، وكذا المُعَلَّق، عِتْقُهُ بصفةٍ، والمالُ الذي أوصى به لغيره، فإنه يُعَدُّ على ملكه.
وفي العبد المكاتِبَ وجهان، ويُقال: قولان:
أحدهما: يحنث، لِمَا رُوُيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمُ" 99.
الجزء: 12 - الصفحة: 313
وأصحُّهما: المنع؛ لأنه كالخارج عن ملكه، بدليل أنه لا يملك منافِعَه، وأرْشُ الجناية عليه، وقد بني الخلافُ على الخَلاف فيما إذا قال: مماليكي أحرارٌ، هل يدْخُلُ المكاتَبُ فيه؟ وفي "البيان" طريقةٌ قاطعةٌ: بأنه لا يَحْنَثُ بالمكاتب، وذُكِر في الحِنْث بأمِّ الولد وجهان أيضًا.
والأصحُّ: الحِنْث؛ لأن رقبتها مملوكة، ولسيِّدها منافِعُها، وأَرْشُ الجنايةِ عَلْيها، ولو كان يَمْلِكُ منفعةً بوصية، أو إجارةٍ، فهلْ يَحْنَثُ؟ فيه وجهان:
أظهرهما: وهو المذكور في الكتاب: أنه يحْنَث؛ لأن المفهوم من لَفْظ المالِ عند الإِطْلاقَ الأعيان، ولا يحنث بالموقوف عَلَيْه، إنْ قلنا: الملْك في الوقْف لله تعالَى، أو يبقى للواقف.
وإن جعلناه للموقوف عليه، ففيه وجهان، كما في المستولدة، ولو كان قد جنَى عليه خطأ، أو عمْدًا أو عفا على مال، فيحنث، وإن كانتِ الجنايةُ عمدًا، ولم يقتص، ولم يَعْفُ، قال في "البيان" يُحتمل أن يُبْنَى عَلَى أن موجب العَمْدِ، ماذا؟ إن قلْنا: القَوَدُ، لم يحنث، وإن قلنا: القود، أو المالُ، حَنِثَ.
وقد يُتوَقَّفُ في هذا 100.
وكون المال مرهونًا لا يمنع الحِنْث، وكذا عدم استقرار المِلْك، وعن أبي الحُسَيْن: أنه لا حِنْثَ بالأجرة المأخوذة، إذا لم تنتقض مدة الإِجَارة.
لاحتمال أن يطرأ ما يوجِبُ فسخ العقد، وردَّ الأجرة، وغلَّطه القاضي ابن كج فيه، ولو حلَف؛ لا مِلْكَ لَهُ حَنِثَ بالعَبْد الآبق، والمغْصُوب وبأم الوَلَدِ، وبالوقْف، إن قلْنا: يملكه بالمنفعة المستَحَقَّة وبالدَّيْن، وقياسُ ما سبق مجيءُ الخلاف في الآبِقِ والمَغْصُوبُ وإن كان في نكاحِ الحالفِ امرأةٌ، ففي "التتمة": أن الحِنْثَ يُبْنَى على أن النكاح، هل فيه ملك أم هو عِقْدُ حِلٍّ؟ فإن قلْنا: فيه ملْكٌ، حَنِثَ 101.
قَالَ الغَزَالِيُّ: النَّوْعُ الرَّابعُ فِي الإِضَافَاتِ وَالصِّفَاتِ: وَلَوْ حَلَفَ لا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ لَمْ يَحْنَثْ بِدُخُولِ مَسْكَنِهِ الَّذِي لا يَمْلِكُهُ، وَيَحْنَثُ بِدُخُولِ دَارِهِ الَّذِي لا يَسْكُنُ، وَمُطْلَقُ الإِضَافَةِ لِلِمَلْكِ، وَلَوْ حَلَفَ لاَ يَدْخُلُ مَسْكِنَهُ حَنِثَ بِدُخُولِ مَسْكَنِهِ المُسْتَعَارِ وَالمُسْتَأْجَرِ،
الجزء: 12 - الصفحة: 314
وَفِي المَغْصُوبِ وَجْهَانِ، وَفِي مِلْكِهِ الَّذِي لا يَسْكُنُهُ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ، وَفِي الثَّالِثِ يَحْنَثُ إِنْ كَانَ قَدْ سَكَنَهُ يَوْمًا وَإِلاَّ فَلاَ، وَلَوْ قَالَ: لاَ أَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ هَذِهِ فَبَاعَهَا زَيْدٌ ثُمَّ دَخَلَ حَنِثَ تَغْلِيبًا لِلإِشَارَةِ، وَلَوْ قَالَ: لاَ آكُلُ لَحْمَ هَذِهِ البَقَرَةِ وَأَشَارَ إِلَى سَخْلَةٍ حَنِثَ بِلَحْمِهَا تَغْلِيبًا للإِشَارَةَ، وَلَوْ قَالَ: لا أَدْخُلُ هَذَا البَابَ فَحَوَّلَ الْبَابَ إِلَى مَنْفَذٍ آخَرَ فَثَلاثَةُ أَوْجُهٍ، في وَجْهٍ لا يَحْنَثُ بِدُخُولِ وَاحِدٍ مِنَ المَنْفَذَيْنِ حَتَّى يَجْتَمِعَ البَابُ وَالمَنْفَذُ المُشَارُ إِلَيهِ، وَفِي وَجْهٍ يَحْنَثُ بِالْمَنْفَذِ الأَوَّلِ، وَفِي وَجْهٍ يَحْنَثُ بِالبَابِ المَنْفُوذِ، وَلَوْ قَالَ: لا أَدْخُلُ بَابَ هَذِهِ الدَّارِ وَلَمْ يُعَيَّنِ البَابَ فَفَتِحَ بَابٌ جَدِيدٌ فَفِي حِنْثِهِ بِدُخُولِ البَابِ الجَدِيدِ وَجْهَانِ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى الدُّخُولِ فَنَزَلَ إِلَى الدَّارِ مِنَ السَّطْحِ فَفِيهِ وَجْهَانِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صورٌ:
إحداها: حلف، ألا يدخل دار زيد، أو بيته، أو لا يَلْبَسُ ثوبه، أو لا يَرْكَبُ دابته، قال الأصحاب -رحمهم الله- مطلق الإضافة إلَى من يملك بمقتضى الملك؛ ألا ترى أنه إذا قال: هذه الدارُ لزَيْدٍ، كان إقرارًا لَه بالمِلْك؟ حتى لو قَالَ: أردت بذلك أنَّها مسكنه، لا يُقْبَلُ منه.
وقول الشاهِدَيْنِ: هذه الدارُ لزَيْدِ شهادةٌ له بالملك، وقد تُضَافُ الدار والبيتُ إلى الإنْسَان بجهةِ أنه يسْكُنُها لكنَّه مجازٌ؛ ألا ترى أنه يصح نفْيُ الإضافة مع إثبات السُكْنَى؛ بأن يقال: هذه الدار لَيْسَتْ لفلان، لكنه يسْكُنها، أو يُسْأَلُ؛ أَهذه الدار لفلانٍ؟ فَيُقَالُ: لا، لكنه يسْكُنُها، إذا عُرِفَ ذلك، فلا يحنث الحالفُ بدخول الدار التي يسكنُها فلان بإجارة، أو إعارةٍ، أو غصبٍ؛ إلا أن يقول: أردتُّ المسكن، وعن أبي حنيفة -رحمه الله- ومالك وأحمد أنه يَحْنَثُ بدخول الدارِ الَّتي يسكنها بكراءٍ، أو إعارةٍ والدار التي يملكها، فلان يحنث الحالف بدخولها، وإنْ كان لا يَسْكُنُها فلانٌ، إلا أن يقول: أردت مسكنه، ووافق أبو حنيفة على الحِنْثِ هاهنا، وعن القاضي الحُسَيْن: أنه، إن حلف عَلَى ذلك بالفارسية، حُمِلَ على المِسْكَن، ولا يكاد يظهر فرق في ذلك بين الفارسية والعربية، ولو حلف؛ لا يدخل مسْكَنَ فلانٍ، فيحنث بدخول مسكنه المملوكِ، والمستعارِ، والمستأجرِ.
وفي المغصوب وجهان 102:
أحدهما: لا يحنث؛ لأنه لا يسكنه، حكَى الإِمامُ فيه ثلاثة أوجه:
الجزء: 12 - الصفحة: 315
أحدها: يحْنَثُ؛ لأنه المستحِقُّ لسكناه.
وأصحُّها: وبه أجاب الصيدلانيُّ: المنع؛ لأنه لَيْسَ يسكنه حقيقةً.
وثالثها: أنه، إنْ سكنه يومًا، أو ساعةً، حنِثَ؛ لأنه اتخذه سكنًا، وهو على استحقاقه، وإلا، فلا، فإن أراد بيمينه مسكنه المملوك، لم يحْنَثْ بغيره بحالٍ.
فُرُوعٌ: لو حلف، لا يدخل دار زَيْدِ، وقد وقف زيدٌ دارًا على إنسان، قال في "التتمة": إن قلْنا: إن المِلكَ في الوقْفِ يبقى للواقِفِ، يحنث الحالف بدخولها، وإلا فلا، ولو دخل دارًا، وقفت عليه، فإن قلْنا: إن الملك في الوْقف 103 للموقوف علَيْهِ، حنث، وإلا، فلا، ولو دخل دارًا لمكاتب زيد؛ لم يَحْنَثْ؛ لخروج المكاتَب وأكسابه عن حكم الملك، ولو حلف، لا يدخل دارًا لمكاتَبِ، حنِث بدخول دارِه، لأنه مالِكٌ نافذُ التَّصرُّف، وفيه وجه آخر.
الثانية: إذا حلف؛ لا يدخل دار زيدٍ، فباعها زيْدٌ، ثم دخَلَها الحالِفُ، لم يحنث؛ لأنه لم يدْخُلْ دار زيْدٍ، وكذا، لو قال: لا أُكلِّمُ عبد فلانِ، أو أجيره، أو زوجته، وكَلَّم بعدما زال ملْكُه عن العبد، أو انْقَضَتْ مُدَّةُ الإِجارةِ، أو انقطَعَ النِّكَاحُ، أو قَالَ: لا أكلِّمُ سَيِّد هذا العبد، أو زوج هذه المرأة، فكلم بعد زوال المِلْك، وانقطاع النكاح.
ولو اشترَى زيدٌ بعْدما باع داره دارًا أخرَى، قال الصيدلانيُّ: إنْ قال: أردتُّ الأُولَى بعَيْنها، لم يحْنَثْ بدخول الثانية وإن قال: أردتُّ أيَّ دار تكونُ في مِلْكِهِ، حنث بالثانية، ولم يحنث بالأولَى، وإن قال: أردتُّ أنَّ دار جرَى عليها ملْكُه، حنث بأيَّتِهَا كانت، هذا إذا قال: دارَ زَيْدٍ، ولم يعيِّن، أما إذا قال: لا أدخل دار زيد، هذه، فباعها زيد، ثم دخلَهَا، حنث؛ لأنه عقد اليمين عَلَى عين تلك الدار ووَصفْها بإضافة تطرأ وتزول، فيغلب التعْيِينُ على الإِضَافَة.
وعند أبي حنيفة: لا يحنث، وهو وجه للأصْحَاب -رحمهم الله- لأن الإضافة المذكورة لم تَنْضَمَّ إلى العَيْن، والظاهر الأول، وسلم أبوَ حنيفة؛ أنه لو قال: لا أكلِّم زوجةَ فلان هذه، فكلَّمها بعد الطلاق، أنه يحنث، رَوَى بعض أصحابنا موافقته، فيما إذا قال: لا أكلِّم عبْدَ فلانِ هذا، فكلمه بعْد ما باعه، على الحنث، وإلا ثبت عنه خلافه، كما ذُكِرَ في مسألة الدار، واحْتَجَّ لتغليب التَّعْيين والإشارةِ؛ على الوصْفِ والإضافة بأنَّه لو قال: لا آكُلُ لحم هذه البقرة، وأَشَارَ إلَى سخلة، يحنث بأكْلِ لحمها، ولذَلك أورد الصُّورة في الكتاب هاهنا ولا يجيءْ فيها الخلافُ المذكورُ، فيما إذا قال:
الجزء: 12 - الصفحة: 316
بعْتُ هذه البقرة، وهي سخْلَةٌ: لأن العقُودَ يُرْعَى فيها شرائطُ وتعبداتٌ لا يعتبر مثلها في الأيمان.
ولو حَلَف؛ لا يكلم زيدًا هذا، فبدَّلَ اسْمه، واشتهر بالاسم المُبَدَّلِ، ثم كلَّمه، حنث؛ اعتبارًا بالتعيين.
الثالثة: إذا حلف، لا يدخل هذه الدار، من هذا الباب، فدخَلَها، وذلك الموضِعُ بحاله، من موضع آخر قديم أو محْدَثٍ، لم يحْنَثْ وإن قلع الباب وحَوَّل إلَى منفذ آخر في تلْك الدار، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن اليمين يُجْعَلُ على المَنْفَذِ، والباب الخشبيِّ جميعًا؛ لأن الإِشارةَ وَقَعَتْ إلَيهما جميعًا، فلا يحنث بدخول منفَذٍ آخَرَ إن نصب علَيْه الباب، ولا بدخول ذلك المنفذ، إذا لم يبقَ علَيْه الباب.
وأصحُّهما: حمْلُ اليمينِ على ذلك المنفذ؛ لأنه المحتاجُ إلَيْه في الدخول، دُون البَاب المنْصُوب عليه، فإن دَخَل مِنْ ذلك المَنْفَذ، حنث، وإن دَخَل من المَنْفَذِ المحوَّل إليه، لم يحْنَثْ.
والثالث: أنَّها تُحْمَلُ على البَابِ المتخذ من الخَشَب ونحوه؛ لأن اللَّفْظ له حقيقةٌ، فيحنث بدخول المَنْفَذِ المحوَّل إليه، ولا يَحْنَث بالأوَّل.
هذا عند الإِطلاق، أمَّا إذا قال: أردت بعض هذه المحامل، حُمِلَتِ اليمين عليه، وارتفع الخلافُ، ولو قلع الباب، ولم يحوّل إلَى موضع آخر، فهل يحْنَثُ بدخولِ ذَلِكَ المَنْفَذِ؟ فيه وجهان:
أظهرهما: نعم، ويُعْبَرُ عن الخلافِ بأنَّ الاعتبار بالمَنْفَذِ، أو الباب المنصوب عليه، وفي "التتمة" بنى عليه، أنه لو قال: لا أدخل هذا البَابَ، وقلنا: ينعقد اليمينُ عَلَى البابِ المَنْصُوبِ عَلَى المنفذ، فلو نقل البابُ إلَى دار أُخَرى، فدخلها منْه، يَحْنَثُ.
والظاهر: خلافُه، إلا أنْ يريد الحَالِفُ أنه لا يدْخُلُ منه، حيث نُصِبَ، ولو قال: لا أدخل بابَ هذه الدَّار، ولا أدخل هذه الدار مِنْ بابها، فَفُتِحَ لها بابٌ جديدٌ، فدخلها منه، ففيه وجهان:
أحدهما: وبه قال ابن أبي هُرَيرة: لا يحنث؛ لأن اليمين انعقدَتْ علَى الباب الموجُودِ حِينَئِذٍ، فَصَارَ كمَا لَوْ حلَف لا يدْخُل دَارَ زيْدٍ، فباعها زيْدٌ ثم دخَلَها.
وأظهرهما: وبه قال أبو إسحاق أنه يحنث، لأنَّه عقد اليمين عَلَى بَابِها، وهذا المفتوحُ بابها، ولا يُشترَط؛ لما تناوله اللفظ أن يكون موجودًا عند اليمين؛ ألا ترَى أنه إذا قال: لا أدخُلُ دارَ زيدٍ، فدخل دارًا ملَكَها بعْدَ اليمينِ، يحْنَثُ، ولو قال: لا أدخُلُ هذه الدارِ مِنْ بابها، فتسلق، وَنَزَلَ من السَطْح لم يحنث، وإن اقتصر على قوله: "لا
الجزء: 12 - الصفحة: 317
أدْخُلُ هذه الدار" 104 ففيه وجهان والظاهر، الحِنْث، وقد تقدَّم ذكرهما.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ حَلَفَ لا يَرْكَبُ دَابَّةَ العَبْدِ لَمْ يَحْنَث إِلاَّ بِمَا يَمْلِكُهُ بَعْدَ العِتْقِ إلاَّ إِذَا قُلْنَا: إِنَّه يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ، وَلَوْ حَلَفَ لا يَرْكَبُ سَرْجَ دَابَّةٍ حَنِثَ بِمَا هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَيْهَا بِخِلافِ العَبْدِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: الحالفُ عَلَى دابَّةِ عبدِ فلانٍ، ودارِهِ، لا يحنث بالدابَّة والدار المجعُولَيْنِ باسم العبد؛ إلاَّ أن يريده؛ لأن الإضافة للمِلْك، ولا مِلْكَ للعبد، وقال أبو حنيفة: يحنث بالإِضافة العرفية، فإن ملكَّهَ السَّيِّدُ دابة أو دارًا، بَنَى على أنَّه هلْ يملك؟ إنْ قلنا: نعم، حَنِثَ، وإلا، فلا، هكذا قاله الجمهور.
وقال القاضي ابن كج: لا يَحْنَث، وإنْ قلنا: إنَّه يَمْلِك؛ لأنَّ ملكه ناقصٌ، والسيد متمكِّنٌ من منعه من التصرُّف، وكأنه بينه وبين سيده.
وصار كما لو حلف؛ لا يركَبُ دابَّة فلان، فركب دابَّةً مشتركةً بينه وبين غيره والحالفُ عَلَى دابَّة زيْدٍ، لا يحْنَثُ بما ملَّك زيدٌ عبْدَهُ 105 إن قلْنا: إنه لا يملك لم يحنث وإن قلنا: يملك، حنث؛ خلافًا لأبي حنيفة، وقوله في الكتاب "إلا بما يَمْلِكُهُ بعد العتق"، يريد به أنَّه إذا أعتق، وملك دابة، فركبها الحالف، يحنث.
وفي كتاب القاضي ابن كج: أنه إذا أطْلَقَ ولايته له لم يحنث في هذه الصورة؛ لأنَّه لم يَرْكَبْ دابَّة العَبْدِ، وإنَّمَا ركبَ دابَّة حُرٍّ وينبَغِي أن يُقَالَ: إنَّ قال: لا أرْكَبُ دابَّةَ هذا، ولم يزيد عليه، فيحنث في هذه الصُّورة، وإن قال: لا أَرْكَبُ دابَّة عَبْدٍ، فلا يحنث، وإنْ قال: لا أركَب دابَّةَ هذا العبدْ، فليكنْ على الخلاف فيما إذا حَلَف؛ لا يكلم هذا العبد، فَعَتَقَ ثم كلمه، وسيأتي ذلك.
ولفظ الكتاب حيث قال "لا أركب دابة العبد" إلى هذا التصوير الثالثِ أقربُ وإلا فلا يحْسُن إدْخَال الألف واللام، وحينئذٍ فيجوز أن يُعْلَمَ قوله "إلا بما يملكه بعد العِتْق" بالواو، ويجوز أن يعلم أيضًا قوله: "إلا إذا قلنا: إنَّه يملك" لما حكينا عن القاضي ابن كج.
ولو قال: لا أركب سرج هذه الدابة، فركب السَّرْجَ المعروف بها، حنث وإن كان على دابَّة أخرَى، وإنما كان كذلك؛ لأَنَّ الإضافة هاهنا لا تكون للتعريف إذ المِلْكُ غيْرُ متوقَّع، ويقْرُب من هذا ما إذا حلَفَ علَى سوق، أو خانٍ كان منسوبِ لخانِ القابِضِ كخان أبي يعلى عندنا فيُحْمَلُ علَى التَّعْرِيفِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 318
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: لا أَلْبَسُ مَا مَنَّ بِهِ فُلانٌ عَلَيَّ أَوْ مَا غَزَلَتْ فُلانَةٌ يُحْمَلُ عَلَى المَوْهُوب وَالمَغْزُولِ فِي المَاضِي، وَلَوْ قَالَ لا أَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا حُمِلَ عَلَى المَاضِي وَالمُسْتَقْبَلِ، وَلَوْ لَبِسَ مَا خِيطَ بِغَزْلِهَا لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَبِسَ مَا سُدَاهُ مِنْ غَزْلِهَا دُونَ اللُّحْمَةِ لَمْ يَحْنَثْ إِذَا ذَكَرَ الثَّوْبَ فِي اليَمِينِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا قال لا ألبس ما مَنَّ به عليَّ فلان، أو ثوبًا مَنَّ به عليَّ، فلبس مما وهبه منه، أو أوصَى له به، حَنِثَ، ولو باع منه ثوبًا بمحاباة، فلبسه، لم يحنث، ووُجِّهَ بأن المنة في حظِّ الثمن لا بالثوب، وكذا لو باع منه ثوبًا، ثم أبرأه عن الثمن، ولو أبدل الثوب الموهوب، أو المُوصَى به بغيره، أو باعه أو اشترى بثمنه ثوبًا آخر، فلبسه، لم يحنث، خلافُ المالك -رحمه الله- لأن الأيمان تُبْنَى على الألفاظ، لا على القصود التي يحتملها اللفظ؛ ولذلك نقول: إذا منَّ عليه رجلٌ، فحلف؛ لا يشرب له ماءً من عطش، لا يحنث بأكل طعامه، ولُبْسِ ثيابه، وشرب الماء من غير عطش؛ لأن اللفظة تحتملها.
وإن كان يقصد في مثل هذا المَوْضِع الامتناعَ منْهَا جميعًا، ولو قال، لا ألبس من غزل فلانة، أو ثوبًا من غزلها، فلبس ثوبًا خِيطَ بغزلها، لم يَحْنَثْ؛ إذْ لا يُوصَفِ، الخَيْطُ بأنه ملبوسٌ ولو لَبسَ ثوبًا سُدَاه من غزلها، واللُّحْمَةُ من غيره، فإن كان قد قال: لا ألبس ثوبًا من غزلها، لم يحنث؛ لأنه ليس من غزلها، بل منه ومن غيره، وإن اقتصر على قوله: لا ألبس من غزلها، فيحنث، وإلى هذا أشار في الكتاب بقوله: "يحنث، إذا ذَكَرَ الثوْبَ في اليَمِينِ".
ثم يرعى قضية اللفظ في الصورتين ونظائرهما في التناول للماضي والمستقبل أو أحدهما، فإذا قال: لا ألبسَ ما مُنَّ به عليَّ؛ فإنما يحنث بلبس ما مضت المنة به؛ بالهبة وغيرها، ولا يحنث بما منَّ به من بعد، ولو قال: لا ألبس ما غزلته فلانةٌ، فإنما يحنث بما غزلته منْ قبلُ دون ما تَغْزِلُه مِنْ بعدُ، وترجمته بالفارسية (أزرشته تودر نيوشم) 106 هكذا ذكر إبراهيم المروزيُّ -رحمه الله- لكن هذه اللفظة قد تجعل ترجمة قوله "مِنْ غزل فلانة" واْوضح منه (آزآنج تورشتى اى بارشتى درنيوشم) 107 ولو قال: لا ألبس ما يَمُنُّ عليَّ به فلانٌ، فلا يحنث بما وهبه من قبل، إنما يحنث بما وهبه من بعد، ولو قال: مما تغزله فلانة، يحنث بما تغزله بعد اليمين دون ما غزلت قبلها وترجمته (آزآنج تورشتى درنيوشم) 108.
الجزء: 12 - الصفحة: 319
ولو قال: لا ألبس من غزلها، فهذا يدخل فيه الماضي والمستقبل، وترجمته فيما ذكر المروزيُّ (أزرشت تود نيوشم) 109.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ قَالَ: لا أَلْبَسُ ثَوْبًا فَارْتَدَى بِقَمِيصٍ أَوِ اتْزَرَ حَنِثَ، وَلَوْ فَرَشَ وَرَقَدَ عَلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ تَدَثَّرَ فَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَوْ قَالَ: لا أَلْبَسُ قَمِيصًا فَارْتَدَى بِقَمِيصٍ فَوَجْهَانِ، وَلَوْ فَتَقَهُ وَاتَّزَرَ بِهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَوْ قَالَ: هَذَ القَمِيصَ ثُمَّ اتَّزَرَ بِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَأَوْلَى بِأَنْ يَحْنَثَ، وَيَجْرَيانِ فِيمَا لَوْ فَتقَهُ تَغْلِيبًا للإِشَارَةِ، وَلَو قَالَ: لا آكُل لَحْمَ هَذِهِ السَّخْلَةِ فَكبِرَتْ، أَوْ لا أُكَلِّمُ هَذَا العَبْدَ فَعَتِقَ، أَوْ هذَا الرُّطَبَ فَتَتَمَّرَ، أَوْ هذِهِ الحِنْطَةَ فَطُحِنَتْ فَفِيهَا وَجهَانِ لِتَقَابُلِ الإِشَارَةِ وَالصِّفَةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا حَلَف؛ لا يلبس ثوبًا، حَنِثَ بلُبْس الرداء والإِزار والقميص والسراويل والجبة والقباء ونحوها، ولا فرق بين المَخِيطِ وغيره، ولا بين أن يكون من القطن أو الكتان أو الصوف أو الإِبريسم، ولا بين أن يلبس الثوب على الهيئة المعتادة، أو على خلاف تلك الهيئة، كما لو ارتدى أو اتَّزَرَ بالقميص، أو تعمم بالسراويل؛ لتحقَّق اسم اللبس والثوب.
ولا يَحْنَثُ بلبس الجلود وما يتخذ منها، ولا بلبس العلي والقلنسوة؛ لأن لابسها غير لابس للثوب، ولا يحنث بوضع الثوب على الرأْس، ولا بأن يفرشه ويرقد عليه، فإن ذلك ليس بلبس، ولو تَدَثَّرَ به، قال في الكتاب: فيه نظر، وأراد به تردّد وجه أحد الوجهين؛ أنه يحنث؛ لأن التلفف في الدثار قريبٌ من الارتداء.
وأظهرهما: المنع، فإنه لا يُسَمَّى لبسًا 110، ولو حلف؛ لا يلبس حليًا، حَنِثَ
الجزء: 12 - الصفحة: 320
بالسوار والخلخال والطوق والدملج 111 وخاتم الذهب والفضة، دون المُتَّخَذِ من الشبه 112 والحديد، خلافًا لأبي حنيفة في الخاتم.
وبالمخنقة من اللؤلؤ والجواهر، وإن لم يكن فيها ذهب، خلافًا لأبي حنيفة، ولا يحنث بتقلُّد السيف المُحَلَّى؛ لأنه ليس بِحُلِيٍّ، وفي المنطقة المحلاَّة وجهان:
أظهرهما: أنها من حلي الرجال، ويحنث لبس الخرز والسبح، إن كان الحالفُ من قَوْمٍ يعتادون التحلِّي بهما؛ كأهل السواد، وإن كان من غيرهم، فوجهان، كما إذا حلف غَير البَدَوِيِّ؛ لا يدخل بيتًا فدخل بيت الشعر، ولو حلف؛ لا يلبس شيئًا، حَنِثَ بلبس الثياب والحلي والقلنسوة والجلود.
وفي الدرع والخُفِّ والنعْل وجهان: لانصراف اللبس ظاهرًا إلى الثياب، والأظهر أنه يحنث أيضًا، وقد يطرد الخلاف في الحُلِيِّ والقلنسوة، ولو قال: لا ألبس قميصًا فارتدى أو اتزر، ففي الحنث وجهان.
وجه المنع: أن ذكْر القميص يُشْعِر بلبسه كما يلبس القميص، والأظهر على ما ذكر القاضي أبو الطيِّب وغيره: الحِنْث، لتحقُّق اسم اللبس، والقميص، كما لو قال: لا ألبس ثوبًا، فارتدى بقميص ولو فتقه وقطعه وارتدى أو اتزر به، لم يحنث؛ لفوات اسم القميص، ولو قال: لا ألبس هذا القميص، فارتدى به أو اتَّزَرَ، ففيه الحنث الوجهان، والحنث في هذه الصورة أظهر وأولَى، لتعلُّق اليمين بعَيْن ذلك القميص.
وكذا الحكم لو قال: لا ألبس هذا الرداء، فاتَّزَرَ به، أو تعمَّم، ولو قال: لا ألبس هذا الثوب، والثوبُ المحلوفُ عليه قميصٌ أو رداءٌ، ففتقه، واتخذ منه نوعًا آخر، كالقميص فجعله رداء أو الرداء فجعله حبة أو بقطعة تككا والخفّ، فجعله نعلًا، ثم لبس ما اتخذه منه، ففي الحنث وجهان:
أظهرهما: حصوله؛ للإشارة، وتعلق اليمين بغير ذلك الثوب إلا أن ينوي أنَّه لا يلبسه ما دام على تلْكَ الهيئة.
والثاني: المنع؛ لأن قوله: لا ألبس هذا الثوب يقتضي لُبْسَه عَلَى صفته وهيئته الحاصلة حينئذٍ، وقد تغيَّرت، ولو لم يَذْكُرِ الثوب، ولكن قال: لا ألبس هذا القميص، أو هذا الرداء، ففتقه، واتخذ منه نوعًا آخر، ثم لبسه، جرى الوجهان، لكن يشبه أن يرجح هذا الوجه الذاهب إلى أنه لا يَحْنَثُ عَلَى ما سيأتي في نظائر المسألة وقد يفرق
الجزء: 12 - الصفحة: 321
بين هذه الصورة وبين ما إذا ذُكِرَ لَفظُ الثوب بأن اسم الثوب هناك بأقٍ في المغيَّر، واسم القميص غير باقٍ هاهنا، فصار كما إذا قال: لا أدخل هذه الدار، فصارت فضاءً.
وإذا قلنا: إنه لا يحنث، فلو أعاد الهيئة الأولَى، ففي الحنث وجهان، كالوجهين في الدار؛ تُعَادُ بعد الانهدام بذلك النقص، ولو أن الحالف قال في يمينه: لا ألبس هذا الثوب، أو القميص قميصًا أو هذا الثوب أو الرداء رداءً، فتقمص بالقميص، أو ارتدَى الرداء، حنِثَ، وإن اتَّزَرَ بالقميص أو تعمم بالرداء، لم يحنث، وكذا لو اتَّخذ من القميص غير القميص، ومن الرداء غير الرداء، ثم لبسهما.
ولو قال: لا ألبسه وهو قميص فارتدى به، أو تعمم، أو اتزر، حَنِثَ؛ لأنه لبسه، وهو قميص وإن اتخذ منْه غير القميص، ولبسه، لم يَحْنَثْ؛ لأنه لم يلبسه، وهو قميص واعلم أن الشَّافعيَّ -رضي الله عنه- قال في "المختصر": ولو حلف ألا يلبس ثوبًا، وهو رداء، فقطعه قميصًا، أو اتزر به، أو حلف؛ لا يلبس سراويل، فاتزر به، أو قميصًا، فارتدى به، فهذا كلّه ليس يحنث به، واختلفوا في التصوير؛ فقال أكثرهم: أراد ما إذا قال: لا ألبس هذا الثوب، وكان المشار إليه رداءً، وقوله: "وهو رداء" ليس من كلام الحالف، ثم اختلف هؤلاءِ في قراءة قوله: "فهذا كلُّه ليس بِحَنِثٍ به" أي يقع اسم اللبس على جميع ذلك.
ومن قرأ: "لا يَحْنَثُ" قال: فهذا كلُّه ليس يحنث وزعم: أن الأول تصحيفٌ، وقال آخرون -رحمهم الله-؛ أراد ما إذا قال: "لا ألبس هذا الثوب، وهو رداء" وجعلوا قوله 113 "وهو رداء" من تمام كلام الحالف، وحينئذٍ، فإذا اتخذ منه قميصًا لم يحنث.
كما ذكرنا فيما إذا قال: لا ألبسه، وهو قميص، فاتخذ منه غير القميص، ولبسه وقرأ هؤلاء الكلمة على النفي أيضًا، والصحيح التنزيل الأول، والقراءة الأولَى؛ لأنه قال في "الأم": "فهذا كله لُبْسٌ، وهو يَحْنَثُ به" ويروى، "ويحنث به" وذلك يبطل ما سوى التنزيل الأول، والقراءة الأولَى، ثم الوجهان فيما إذا قال: لا ألبس هذا القميص، فاتخذ منه، غيره ولبسه، يجريان في صور نذكرها، وما يتعلَّق بها مفصلة.
ولا تبال بما تجد فيها من تقديم وتأخير.
ومنْها: لو أشار إلى صُبْرَةِ حنطةٍ، وقال: لا آكل هذه، حَنِثَ بأكلها على هيئتها، وبأكلها بعد الطحن والخَبْزِ والطَّبْخ، ولو قال: لا آكل حنطة، لم يحنث بأكل الخبز، والعجين والدقيق والسويق، ويحنث بأكل الحنطة، نيّئة ومقلية ومطبوخة ومبلولة، ولو
الجزء: 12 - الصفحة: 322
قال: لا آكل هذه الحنطة، حَنِثَ بأكلها، نَيَّئةً ومطبوخة، وهل يحنث بأكل دقيقها، وسويقها، وعجينها، وخُبْزَها؟ فيه وجهان:
أحدهما: وينسب إلى ابن سُرَيْجٍ، وأبي جعفر الأَسْتَرابَاذِي -رحمهما الله- أنه يحنث للإِشارة إلى العين وكذلك تُؤْكَل الحنطة غالبًا، فصار كما إذا قال: لا آكل هذا الكبش، فذبحه وأكله.
وأصحُّهما: وبه قال أبو حنيفة: لا يحنث؛ لأنَّ اسم الحنطة قد زال بالطحن، وصورته قد تغيَّرت، فصار كما لو زَرَعَها، فنبتت، فأكل حشيشها، أو قال: لا آكل هذا البيض، فصار فرخًا فأكله، ومنهم من قطع بهذا، ولم يثبتِ الخلافُ، ولو قال: لا آكل من هذه الحِنْطَة، فكذلك الحكم، إلا أن هاهنا، يحنث بأكل بَعْضها.
وفي طريقة الصيدلانِّي وبه، أنه إذا قال: مِنْ هذه الحنطة، حنث بأكل كل ما يُتَّخَذُ منها، ولو قال: لا أكل هذا الدقيق، فأكل عجينه أو خبزه أو هذا العجين، فأكل الخبز، فعلَى هذا الخلاف، وعن أبي حنيفة أنه إذا حلف على الدقيق، حنث بأكل الخُبْزِ.
ومنْها: إذا قال: لا آكل هذا الحيوان، فذبحه وأكله، حنث؛ لأن الحيوان كذلك يُؤْكَلُ، واليمين عليه تعقد، وهو كما لو حلف، لا يلبس هذا الغزل، فنسج منه ثوبًا، فلبسه، يحنث، ولو قال: لا آكل لحم هذه السخلة أو الحمل، فصار كبشًا، فذبحه، وأكله، فمن قال: يحنث في مسألة الحنطة، قال: يحنث هاهنا واختلف الذين قالوا: لا يحنث هناك على وجهين:
أظهرهما: أنه لا يحنث أيضًا؛ لزوال الاسم كما في الحنطة.
والثاني: يحنث؛ لأن الصورة ما تبدَّلَتْ هاهنا، إنما تغيَّرت الصفة، فصار كما لو قال: لا آكل هذا اللحم، فجعله شواء، وأكله، ويُرْوَى هذا عن أبي حنيفة، ويجري الوجهان فيما إذا قال: لا أكلِّم هذا الصبيَّ، وكلَّمه بعد ما صار شابًّا، وهذا الشابَّ، فكلمه بعد ما صَارَ شَيْخًا 114، وعن أبي حنيفة أنه لا يحنث هاهنا.
ومنها: لو قال لا أكلم هذا، وأشار إلى عبد، فعَتَقَ، وكلَّمه، حنث، ولو قال لا أكلم هذا العبد، فعتق، فيجيء فيه ما ذكرنا من اختلاف الأصحابِ -رحمهم الله- في مسألة السخلة.
ومنها: لو قال: لا آكل هذا الرطب، فصار تمرًا، أو هذا البسر، فصار رطبًا، أو العنب، فصار زبيبًا، أو لا أشرب هذا العصير، فصار خمرًا، أو هذه الخمر، فصار
الجزء: 12 - الصفحة: 323
خلاًّ، أو لا آكل هذا التمر، فاتخذ منه عصيدةً، ثم فرض الأكل والشرب، ففيه الخلاف.
وذكر الصيدلانيُّ؛ أن الشافعيَّ -رضي الله عنه- نص على عدم الحنث في الحنطة والتمر، وعلى الحنث في السخلة والصبي، وأنَّ من الأصحاب من جعلها على قولَيْن: منهم من فرق بفَرْقَيْنِ:
أحدهما: أن في مسألة الحنطة والتمر تَبَدَّلَ الاسم، وفي السخلة والصبيِّ تَبَدَّلَ الصِّفَة، وتبدل الصفة لا يسقط الحنث.
والثاني: أن الحنطة تفسير خبزًا، والتمر يصير عصيدةً؛ بفعلٍ ومعالجةٍ، وكبر السخلة والصبي بمضي الزمان، لا بصنعةٍ ومعالجة، ويجوز أن يُعْلَمَ؛ لما بيَّنَّا قوله في الكتاب في هذه الصورة "ففيه وجهان" بالواو، وقوله "لا ألبس قميصًا، فارتدى بقميص فوجهان، ولو فتقه واتَّزَرَ به، لم يحنث" وقد يُوهِمُ فرقًا بين الارتداء والاتِّزَار، ولا فرق بين الاتزار بالقميص والارتداء بعد الفتق، كالاتزار، وكان الأحسن أن يجري على مثال واحد.
فَرْعٌ: لو حلف؛ لا يلبس الخاتم، فجعله في غير الخِنْصِرِ من أصابعه، فعن المُزَنِيِّ في "الجامع الكبير": أنه لا يحنث؛ لأن الخاتم في العادة لا يُلْبَسُ في غير الخنصر، وعلى هذا الجواب جرى صاحب "التهذيب" وقاسه على ما إذا حلف ألا يلبس القَلَنْسُوَةَ، فجعلها في رِجْلِه، والذي حكاه الرويانيُّ عن الأصحابِ -رحمهم الله- أنه يحنث، والله أعلم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ حَلَفَ لا يَخْرُجُ بَغَيْرِ إِذْنِهِ فَأَذِنَ بِحَيْثُ يَسْمَعُ المَأْذُونُ فَوَجْهَانِ، وَإِنْ خَرَجَتْ مَرَّةً بِإذْنِهِ انْحَلَّ (ح و) اليَمِينُ فَلا يَحْنَثُ بَعْدَهُ، وَلَوْ قَالَ: لا تَخْرُجْ بَغَيْرِ خُفٍّ فَخَرجَتْ بِخُفٍّ لَمْ يَنْحَلَّ اليَمِينُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: إذا حلف؛ لا يخرج فلانٌ إلا بإذنه، فأذن بحيث لم يسمع المأذونُ، ولم يعلم، وخرج فقد أطلق صاحب الكتاب فيه وجهين:
أحدهما: وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد -رحمهم الله- أنه يحنث، ويُشْتَرطُ في حصول الإذن سماعه وعلمه، كما لو حلف، لا يكلم فلانًا، فكلمه بحيث لم يسمع، ولأن المقصود ألا يخرج مخالفًا له، وإذا خرج، ولم يعلم إذْنَه، كان مخالفًا.
وأظهرهما: وهو المنصوص، والذي أورده عامة الأصحاب -رحمهم الله- أنه لا يحنث، لأن الإِذن والرضا قد حصل، وفي شرح "مختصر الجويني" التعبير عن هذا الخلافِ بقولَيْنِ منصوصٍ ومخرَّج، وأن التخريج من مسألة عزل الوكيل، وعلى هذا الخلاف ما إذا قال لزوجته إن خرجت بغير إذني، فأنتِ طالقٌ، ثم أذن، فخرجت،
الجزء: 12 - الصفحة: 324
وهي لا تعلم أنه أذن، وينبغي أن تشهد على الإِذن، ليثبته عند التنازع، وإذا لم تكن بينة، فهي المصدَّقة بيمينها في إِنكار الإِذْنِ.
وفي كتاب القاضي ابن كج: أن المصدَّق الزوج، كما لو أنكر أصل التعليق، ثم قال الشَّافعيُّ -رضي الله عنه-: "الوَرَعُ أن يُحْنِثَ نَفْسَهُ، وإن لم يَحْنَثُ" وليس معناه أن يعدها مطلقةً، من غير أن يطلقها؛ لأنا حكمنا بأنها زوجته فكيف يتركها تنكح غيره؟ ولكن إنْ علق الطلاق الثلاث، فالورع أن يطلَّقها ثلاثًا؛ وإن كان المعلَّق طلقة رجعية، وأراد إمساكها، راجعها، وإلا طلقها؛ لتحل للأزواج، فإن راجعها، ثم طلقها طلقتين، فالورع ألا ينكحها إلا بعد زوج آخر، وإذا نكحها بعد زوج آخر تكون عنده بطلقة؛ فإن طلَّقها لم تحل إلا بعد زوج آخر؛ لأنه لم يقعْ عليها بالخروج شيءٌ، وقد طلقها بعد ذلك ثلاثًا، والزوج الثاني قبل استيفاء الطلقات لا أثر له.
الثانية: إذا حلف؛ لا يخرح فلانٌ بغير إذنه، أو إلا بإذنه، فخرج بغير إذنه، حَنِثَ، وإن خرج بإذنه، لم يَحْنَثْ، وعلى التقديرين تنحل اليمين حتى لو خرج بعد ذلك بإذن، أو بغير إِذن، لم يحنث، وكذا لو قال لزوجته: إن خرجت بغير إذْنِي، أو إلا بإذني، فأنتِ طالقٌ، فإن خرجت بغير إذْنه، طُلِّقَتْ وإن خرجت بالإِذن، لم تطلق، وتنحل اليمين على التقديرين وكذا الحكم لو قال إن خرجت حتى آذن لك أو إلى أن آذن لك، أو إلا أن آذَنَ لك، فأنتِ طالقٌ.
وعن أبي حنيفة: المساعدة في هذه الألفاظ الثلاثة، وقال فيما إذا قال: إن خرجت بغير إذني، أو إلا بإذْنِي، لا تنحل اليمين بخروجها بالإِذْن، حتى لو خرجت بعد ذلك، طُلِّقت؛ لأن المحلوف عليه الخروجُ بغير إذن، ولم يوجد، فلا تنحل اليمين كما إذا قال: إِنْ خرجْتِ لابسةً الحَرِيرَ، فأنتِ طالقٌ، فخرجتَ غيْر لابسة، لا تنحل اليمين حتى تطلَّق لو خرجت بَعْد ذلك لابسةً للحرير، وعن "المنهاج" للجُوَيْنِيِّ: أن هذا قولٌ للشافعيِّ -رضي الله عنه- ونقله بعضُهُمْ وجهًا للأصحاب، ويُرْوَى ذلك عن المُزَنِيِّ واختيار القفَّال -رحمهم الله- ولم يتعرَّضوا للفرق على ذلك القول أو الوجْه بين الألفاظ المذكورة على ما صار إليه أبو حنيفة، وقال أحمدُ: لا ينحل اليمين في شيء من هذه الصيغ، ووُجِّه ظاهرُ المذهَبِ بوجهين:
أحدهما: أن اليمين تعلقت بخرجةٍ واحدةٍ وهي الأولَى، وتلك الخرجة، إذا كانت بغير إذن توجب الحنث، فإذا كانت بإذْنٍ، حصل البر وارتفعت اليمين، يؤيده أنه قال: إن كان خرُوجكِ الأوَّلُ بغَيْر إذن، فأنتِ طالقٌ، فخرجت أولاً بإذنه ثم خرجت بغير إذن، لا يقع الطلاق.
والثاني: ذكر أبو الحَسَنِ العبَّاديّ؛ أن القاضي الحُسَيْن -رحمهما الله- قال:
الجزء: 12 - الصفحة: 325
راجْعَتُ غَيْرَ واحدٍ مِنْ عِلْيَةِ أصحابنا في تعْلِيلِ هذه المسألة، فلَمْ أظفرْ بمَقْنَعٍ، وعلَّل مِنْ عنده بأنَّ هذه اليمين لها جهةُ برٍّ، وهي الخروج بالإِذن، وجهة حنثٍ، وهي الخروج بغير إذن؛ لأن الاستثناء يقتضي النفي والإِثبات جميعًا، وإذا كانت لليمين جهتان، ووجدت إحداهما تنحل اليمين؛ ألا ترى أنَّه لو حلف، لا يدخل الدار أو ليأكلَنَّ هذا الرغيف، فإنه، إن لم يدخُلِ الدار في ذلك اليوم، يَبرُّ، وإن لم يأكلِ الرغيفَ، وإن أكل الرغيف ينحل اليمين، حتى لا يحنث، وإن دخل الدار في ذلك اليوم، ثم مَنْ وجَّه بالوجه الأول، عذر عن مسألة الحرير، بأن هناك المقصود أن يمنعها لُبْس الحرير في وقْتِ الخُرُوج، والخُروج الأول والثاني في ذلك سَوَاءٌ، وهذا عذْرٌ ضعيفٌ ومَنْ وجَّهه بالثاني، قال: اليمين في تلك الصورة لم تشتمل على جهتين، وإنما عُلِّقَ الطلاقُ بخروجٍ مقيَّدٍ، فإذا وجد وقع الطلاق، وذكر صاحب "التهذيب": أن قضيَّة هذا أنه لو قال: إن خرجْتِ من الدَّارِ غير لابسة للحرير أو إلاَّ لابسةً، فأنتِ طالقٌ، فخرجت لابسة تُحلُّ اليمين، وهذا ينازع فيما حَكَى صاحبُ الكتاب أنه لو قال: إن خرجْتِ بغير خُفٍّ، فأنتِ طالقٌ، فخرجَتْ بخُفٍّ، لا ينحل اليمين؛ لأنه اجتمع فيه النفي والإِثبات، وفرق في "الوسيط" بين مسألة الإذْنِ ومسألة الخُفِّ؛ بأن مقصود الزوج إلزامُهَا التَّخَدُّر، وإذا أَذِنَ لها في الخروجِ مرةً، فقد دفع ذلك التخدُّرَ بنَفسه، فالخروجُ بعد ذلك لا يتناولُهُ اليَمينُ، ولا يخفى أن هذا الفرْقَ ضعيفٌ، وأن التسوية بين الصورتين قويةٌ كما في "التهذيب".
وليعلم لذلك قوله "لم ينحل اليمين" بالواو.
ولو قال "كلما خرجت أو كلَّ وقتٍ خرجْتِ بغير إذْنِي، فأنتِ طالقٌ، فخرجتْ مرةً بالإِذْنِ، لم ينحل اليمين" لأن هذه الصيغةَ تقتضي التَّكْرارَ، فلو قال: أذنْتُ لكِ في الخروج، كلما أردتِّ، أغناه ذلك عن تجديد الإِذن لكل خَرْجَةٍ، ولو قال: متى خرجْتِ أو متَى ما أو مَهْما أو أيَّ وقتٍ أو أيَّ حينٍ، فالحكم كما لو قال: إن خرجْتِ، وهذه الصيغ لا تقتضي التَّكْرَارَ، وفي "الرقْم" للعباديِّ: إلحاق "متى" و"ما" و"مهما" بـ"كلما" نصه في "الأم"، ولو قال: إن خرجت أبدًا 115 إلاَّ بإذني، فأنتِ طالق، لم يلزم التَّكْرار أيضًا والمعنى في أيِّ وقتٍ خرجْتِ قريبٍ أو بعيدٍ، وإذا علَّق الطلاق، كما صورنا، ثم إنه أذِنَ لها في الخروج، ثم رجع عن الإِذن، وخرجَتْ بعده، فعن نصِّه في "الأم" أنَّها لا تُطلَّق؛ لأن الإِذْنَ قد وُجد فزال حكم اليمين، ثم المنع بعد ذلك لا يفيده، ورأى أبو بكر الفارسيُّ والمحقِّقُون -رحمهم الله- تَنْزِيلَ النصِّ عَلَى ما إذا قال
الجزء: 12 - الصفحة: 326
في التعليق: حتى آذَنَ لكِ؛ لأنه جعل إذنه غاية اليمين، وقد حَصَلَ الإِذن، فأما إذا قال: بغير إذني أو إلا بإذني، فإذا رجع، ثم خرجَتْ، فهذا خروجٌ بغَيْر إذن، وهو أول ما وُجِدَ، بعد اليمين، فينبغي أن يقع الطلاق، ومنهم من قال: قوله "إلا بإذني" محتمل للغاية أيضًا، فيحمل عليها.
ولو قال: إن خرجت بغير إذني لغير عبادةٍ فأنتِ طالقٌ، فخرجتْ لعبادةٍ، ثم عرضَتْ حاجةٌ، فاشتغلت بِهَا، لم تطلَّق، وإنْ خرجَتْ لعبادة وغيرها، فالمذكور في "الشامل" والمنسوب إلى نصِّه في "الأم": أنه لا يحنث، وذكر صاحب "التهذيب" أنه الأصح، ويشبه أن يُقَالَ: إن كان المقصودُ من قوله "لغير عبادة" ما هو بمَعْزِلٍ عن العبادة، فلا يحنث، وهذا هو السابق إلى الأفهام منه، وإن كان المقصود ما يغايرُهُ في الحقيقة، فمجموعُ العيادة والحاجة الأخرَى يغاير مجرَّد العبادة، ولو قال: إن خرجْتِ لا لعيادةٍ، فينبغي أن يحنث؛ لأنه يصْدُقُ أن يُقَالَ: لم تخرج للعيادة، وإنما خرجتْ لها ولغَيْرِها 116.
قَالَ الغَزَالِيُّ: النَّوْعُ الخَامِسُ فِي الكَلامِ: وَلَوْ قَالَ: وَاللهِ لاَ أُكُلِّمْكَ فَتَنَحَّ عَنِّي حَنِثَ بِقَوْلِهِ: تَنَّحَ عَنِّي، وَكَذَا لَوْ شَتَمَهُ، وَلَوْ كَاتَبَهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَلا يَحْنَثُ بِالإِشَارَةِ المُفْهِمَةِ، وَلَوْ حَلَف عَلَى المُهَاجَرَةِ فَفِي المُكَاتَبَةِ تَرَدُّدٌ، وَلَوْ حَلَفَ لا يَتَكَلَّمْ حَنِثَ بَتَرْدِيدِ الشِّعْرِ مَعَ نَفْسِهِ، وَلا يَحْنَثُ بِالتَّهْلِيلِ وَقِرَاءَةِ القُرآن، وَلَوْ قَالَ لأُثْنَيَّنَ عَلَى اللهِ تَعَالَى بِأَحْسَنِ الثَّنَاءِ فَلْيَقُلْ: لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ، وَلَو حَلَفَ لا يُصَلَّي ثمَّ تَحَرَّمَ بِالصَّلَاةِ حَنِثَ وَإِنْ أَفْسَدَهَا بَعدَ ذَلِكَ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ لا يَحْنَثُ إلاَّ بِصَلَاةٍ تَامَّةٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسائل:
إحدَاها: إذا قال: واللهِ، لا أكلمك، فتنح عني، أو قم أو اخرج، أو شتمه، أو زجره، حَنِثَ، سواءٌ عقَّب اليمين بشيء منها على الاتصال أو لا على الاتصال؛ لأنه قد كلمه بها، وقال أبو حنيفة: لا يحنث بها، إذا وصلها باليمين؛ لأن المقصود من مثله تأكيدُ اليمين، وهو وجه للأصحاب، قال صاحِبُ "البيان": الوجهان كوجهين ذكرناهما
الجزء: 12 - الصفحة: 327
فيما إذا قال لامرأته: إن كَلَّمْتُكِ، فأنْتِ طالقٌ، فاعلمي ذلك، ولو كتب إليه كتابًا أو أرسل رسولاً، ففيه قولان:
الجديد، وبه قال أبو حنيفة واختاره المُزنِيُّ أنه لا يحنث؛ لأنه لا تُنَسَّى المكاتبةُ والمراسلةُ كلامًا، بل يصح أن يُقَالَ: ما كلمه، وإنَّما كاتبه وراسله.
والقديم، وبه قال مالكٌ وأحمدُ: أنه يحنث لقوله تعالَى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: 51] استثنى الرسالة من التكليم، ومنهم مَنْ قطع بالقول الأول، وحمل ما نقل عن القديم علَى ما إذا نوى في يمينه المكاتبة والمراسلة، ومن خصَّص الخلاف بحال الغَيْبَةَ، وقال: إذا كان معه في المجْلِس، لم يحنث، إذا كتب إليه رقْعةً، والظاهر إثباتُ الخلاف عَلى الاِطلاق، وأحرى القولان في الإِشارة بالرأس والعين، واستدل للقديم بقولِهِ تعالَى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41] من التكليم، وللجديدِ بقوله تعالَى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: 26] ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ فلو كانت الإِشارةُ كلامًا، لامتنعتْ منها، ولا فَرْق على الجديد بين اختياره إشارة الناطق والأخرس، إنما أُقِيمَتْ إشارة الأخرس في المعاملات مُقَام عبارة الناطق للضرورة 117 واحتج المُزِنيُّ للقول الذي اختاره بأن إثْمَ المهاجرة المحرَّمة بين المسلمين على ما قال -صلى الله عليه وسلم- "لا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ" 118 لا يرتفع بالكتابة، ولو كان ذلك كلامًا، لارتفع، وأُجِيبَ عنه بأن مواصلتهما قبل الهجرة إن كانت بالكتابة والرسالة، فيرتفع الإِثم بها، وإلا، فإنْ تعذَّر الكلام لغيبة أحدهما عن الآخر، فكذلك، وإلاَّ، ففيه وجهان: بناءً على القولَيْن القديم والجديد، حتى لو حلف على أن يهاجر فلانًا، فهل يحنث بالمكَاتَبةِ والمراسلة؟ فيه هذا الخلاف، وإلى هذا يرجع قوله في الكتاب ولو حلف على المهاجرة ففي المكاتبة تردد وعن ابن أبي هريرة إطلاقُ القَوْلِ؛ بأن إثم المهاجرة يرتفعُ بالمكاتبة والمراسلة، ولا يَخْفَى أن المكاتبة، إنَّما ترفع الإِثم، إذا خلت
الجزء: 12 - الصفحة: 328
عن الإِيذاء والإِيحَاشِ، وإلا، فهو كما لو كلَّمه بالشتم والإِيذاء، ففيه زيادة الوحشة وتأكيد الهجرة، ولا يحْنَثُ بمثل هذه المكاتبة، إذا حَلَفَ عَلى المُهَاجَرَةِ 119، ولو سَلَّم الحالف على الذي حَلَف أنه لا يكلمه، حَنِثَ، فإنَّ السلام نوعٌ من الكلام، وإن سلم عَلَى قوم هو فيهم وقصده بالسَّلاَمِ، فهو فكذلك، قال في "البيان" ويجيْءُ ألا يحنث على قول من قال: إذا حلف لا يأكل السمن، فأكله مع غيره لا يحنث، وإن استثناه لفظًا، لم يَحْنَث، وإن استثناه بالنية، فكذلك، لأن اللفظ العام يحتمل التخصيص، وذُكِرَ فيه قول آخر، وإن أطلق، ففيه قولان منقول المُزنِيِّ، أنه لا يحنث ووُجِّهَ، بأن اللفظ يصْلُح للجميع، وللبعض، فلا يحنث بالشكِّ، والثاني يحنث، رواه الربيع، وهذا أظهر على ما ذكره الشيخ أبو حامد؛ لأن ظاهر اللفظ مخاطبةُ الجَمِيعِ، ولو سلم عن صلاته، وفلان المحلوف عليه من المؤتمين به، ففيه هذا التفصيل، وعند أبي حنيفَة؛ لا يحنث، ولو صلَّى الحالفُ خلْفَ فلان، فسبَّح به لسهْوِه أو فتَحَ عليه القراءة، لم يحنث، ولو قرأ آيةً، فَهِمَ فلانٌ منها مقصوده، لا يحنث، إن قصد القراءة، وإلاَّ، حنث.
الثانية: إذا حلَفَ لا يتكلَّم، حنِث بترديد الشِّعْر مع نفسه؛ لأن الشِّعْر كلامٌ، ولا يحنث بالتهليل والتسبيح والتكبير؛ لأن اسم الكلام عنْد الإِطلاق ينْصَرِفَ إِلَى كلام الآدميين في محاوراتهم، وفيه وجه أنه يحنث؛ لأن الحِنْثَ عيْرُ ممنوع منها، فهي كسائر الكلام، والدعاء في معنى التسبيح، ولا يحنث بقراءة القرآن، وبه قال أحمد، وعن أبي حنيفة أن جميع ذلك، إن كان في الصلاة، لم يقتض الحِنْث، لأن كان خارجَ الصلاة، حنث.
الثالثة: إذا حلف؛ لَيُثْنِيَنَّ على الله بأحسن الثناء، فطريق البر أن يقول: لا أُحْصِي ثناءً عليك؛ أنْتَ كما أثنَيْتَ عَلَى نفسك، وزاد إبراهيم المَرْوَزِيُّ في آخره: ولك الحمدُ حتَّى ترضى وصور في "التتمة" فيما إذا قال: لأُثنِيَّنَّ على الله بأجلِّ الثناء وأَعْظَمِهِ، وزاد في أول الذكر "سبحانَكَ" ثم وجهه بأن أجل الثناء ثناءُ الله تعالَى على نفسه، ويحسن أن يُقَالَ: الاعتراف بالعَجْز والقصور عن الثناء، والحوالةُ عَلَى ثنائه على نفسه أحْسَنُ الثناء وأبلغُه، ولو قال: لأَحْمَدَنَّ الله بمجامعِ الحمْدِ، وقال في "التتمة": بأجل التحاميد، فطريق البر أن يقول: الحمْدُ لله حَمْدًا يوافِي نعَمَهُ، ويكافئُ مزيدُهُ، يُرْوَى أن جبريل -
الجزء: 12 - الصفحة: 329
عليه السلام- علَّم آدم.
هذه الكلماتِ، وقال: قد علَّمتك مجامع الحَمْد 120، ولو قال: لأُصَلِّيَنَّ علَى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- أفْضَلَ الصلاة عليه، فطريق البر أن يقول: اللهم، صلِّ على محمد، وعلى آلِ محمدٍ كلَّما ذكَره الذاكِرُون، وكُلَّما سها عنه الغافِلُون، ذكره إبراهيم المَرْوَزِيُّ 121.
الرابعة: وليْسَتْ منْ شرط النوع: إذا حلف؛ لا يصلِّي فمتى يحنث؟ فيه ثلاثَةُ أوجه:
أحدُها: أنه يحنث بالتحرُّم بالصلاة؛ لأنه يُسَمَّى حينئذٍ مصليًا، والشروع هو المراد من قوله -صلى الله عليه وسلم- في حديث إمامَةِ جبريلَ -عليه السلام- "صَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ" 122.
والثاني: ويُحْكَى عن ابن سُرَيْج، أنه لا يحْنَثُ حتَّى يركع، فقد أتَى، بمعظم الركعة، فيقام مقام الجميع.
والثالث: لا يحكم بالحِنْثِ، ما لم يَفْرَغ؛ لأنَّهَا قد تفسد قبل الفراغ، فيخرج عن أن يكون مصلِّيًا، ولذلك قلنا في ألفاظ العقود: إنَّها تقع على الصحيح دون الفَاسِد، وعلى هذا؛ فلَوْ أفسدها بعْد الشروع لم يحنث، وعلى الأول؛ حَنِث، وإن أفسد، وعلى الثاني كذلك، إن كان الإِفساد بعد الركوع، ولا نقول: إن اللفظ يقع على الصحيح والفاسد، ولكن ذكرنا أن الشارع في الصلاة يُسَمَّى مصليًا، فيعتبر أن يكونَ الشروعُ
الجزء: 12 - الصفحة: 330
صحيحًا، حتى لو أحرم مع الإِخلال بِبَعْضِ الشروط، لا يحكم بالحنث، ولو قال ما صليت، وقد أتى بصورة الصلاة الفاسدةِ، لا نقول بالحنث، ولا يجيء الوجه الثاني، إذا صلَّى عَلَى جنازة ولو لم يجدْ ماءً ولا ترابًا، وصلَّى، حنث؛ لأنها تعدُّ صلاة، وإن وجب القضاءُ إلاَّ أن يريد الصلاةَ المجْزِئَةَ، ولو قال: لا أصلِّي صلاةً، لم يحنث حتى يفرغ، ولو حلف لا يصوم، فيحنث بأن يصح صائمًا أو ينوي صَوْمَ التطوّع ضُحى، أو لا يحنث حتَّى يتم؟ فيه الخلاف، وإذ قلْنا: لا يحنث حتى يفرغ، فقَدْ ذكر وجهان في أنَّا، هل نتبين استناد الحنث إلى الأول، وقوله في الكتاب "ثم يحرم بالصلاة، حنث" معلم بالحاء؛ لأن عنده لا يحنث حتى يَسْجُدَ 123.
قَالَ الغَزَالِيُّ: النَّوْعُ السَّادِسُ فِي تَأْخِيرِ الحِنْثِ وَتَقْدِيمِهِ: وَلَوْ قَالَ: لآكُلَنَّ هَذا الطَّعَامَ غدًا وَأَخَّرَ حَنِثَ، وَإِنْ تَلِفَ الطَّعَامُ قَبْلَ الغَدِ أَوْ مَاتَ الحَالِفُ فَقَدْ تَعَذَّرَ البِرُّ لا بِاخْتِيَارِهِ فَيُخَرَّجُ عَلَى قَوْلِيَ الإِكْرَاهِ، وَلَوْ تَلِفَ في أثْنَاءِ الغَدِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنَ الأَكْلِ فَلُزُومُ الكَفَّارَةِ يُلْتَفَتُ عَلَى الخِلافِ فِي أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يُصَلِّ فِي أَثْنَاءِ الوَقْتِ هَلْ يَعْصِي؟ وَلَوْ قَالَ: لأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ غدًا فَأَبْرَأَهُ المُسْتَحِقُّ فَقَدْ فَاتَ الِبرُّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، وَإِنْ مَاتَ المُسْتَحِقُّ وَفِيَّ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الوَرَثَةِ، وَإِنْ مَاتَ الحَالِفُ فَقَدْ فَاتَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَعَلَى القَوْلَيْنِ، وَلاَ يَنْفُدُ حُكْمُ الحِنْثَ بَعْدَ المَوْتِ إِذَا سَبَقَ اليَمِينُ فِي الحَيَاةِ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصل صورتان متقاربتا المَدْرَكِ:
إحداهما: حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الطَّعام غدًا، فلا يخفي البرُّ إِن أكله غدًا، والحِنْث، إن أخَّر أكله عن الغد مع الإِمكان، وإن تَلِفَ الطعام قبل مجيء الغدِ بنفسه أو بإِتلاف أجنبيٍّ، فقد فات البر بغير اختياره، فيخرَّج الحِنْث عَلَى قولي الإِكراه، وعن القاضي أبي حامد أن الأظهرَ أنه لا يحنث، ويُقال: إنه المنصوص، فإِن قلنا: يحنث، فيحنث في الحال؛ لحصول اليأس عن البر أو بعد مجيء الغد؛ لأنه وقت البر والحنث؟ فيه قولان أو وجهان، والذي أورده القاضي ابْنُ كج هو الثاني، والخلاف كالخلاف فيما لو حلف؛ لَيَصْعَدَنَّ السماءَ غدًا، وقد سبق قال في "التتمة": وفائدة الخلاف أنه لو كان مُعْسِرًا كفر بالصوم، فيجوز أن ينوي صوم الغد عن كفارته، إن قلنا: يحنث قبل مجيء الغد 124، وإن قلنا يحنث بعد مجيء الغد، فلا يجوز؛ لأن التكفير بالصوم لا يقدَّم على
الجزء: 12 - الصفحة: 331
الحنث، وإذا قلنا: يحنث بعد مجيء الغد، فيحنث، إذا مضى من أول الغد وقت إمكان الأكْل، وقُبيل غروب الشمس؟ فيه وجهان:
أصحُّهُما: عند صاحبِ "التهذيبِ": الأول، ولو مات الحالف قَبْل مجيء الغد، ففي الكتاب تنزيله منزلة تَلَفِ الطعام، حتى يَكُونَ على الخلافِ المذكورِ، وسجيء وجْهٌ في الصورة الثانية من الفَصْل، والذي يقتضيه إيرادُ صاحب "التهذيب" والقاضي ابن كج وغيرهما: القطْع بأنه لا يحنث؛ لأنه لم يبلغ زمانَ البِرِّ والحِنْثِ، وقضية هذا: أنه يفرق بين موته، وبين تلف الطعام بعْد مجيء الغد وقبل التمكن من الأكل، ووَفَّى بهذه القضيَّة صاحب "التتمة"، لكن في "التهذيب" وغيرِهِ إِلحاقُ موت الحالف بعد مجيء الغَدِ بتلف الطعام في التفصيل الذي نذكره 125 فلو تلف الطعام أو بعضُهُ بعد مجيء الغد، نُظِرَ، إن كان ذلك قبلَ التَّمَكُّن من الأكل، فهو على الخلاف المذكور في تلف الطعام قبل الغد، وإن تلف بَعْد التَّمَكُّن من الأكل أو مات الحَالِف، فطريقان:
أحدهُما: القطع بالحِنْث؛ لأنه تمكن من البر، ولم يفعل، فصار كما لو قال: لآكُلَنَّ هذا الطعام، وتمكن من أكله، ولم يأكل، حتى تلف، فإنه يَحْنَث.
والثاني: وَيُحْكَى عن ابن سُرَيْجٍ طرد الخلاف؛ لأن جميع الغد وقْت للأكل، وليس هو مقصرًا بالتأخير، وربما خُرِّج ذلك على الخلاف في أن من مات أثناء الوقت، ولم يصلِّ، هل يكون عاصيًا؛ لأن التأخير عن أول الوقت، كتأخير الصلاة عن أول الوقت؛ واعتذر من قال بهذا الطريق عن الحنث فيما إذا قال: لآكلَنَّ هذا الطعام، وأطلق ثم أخَّر مع التمكُّن، حتى تلف الطعام بأنه ليس هناك لجواز التأخير وقتٌ مضبوطٌ، والأمر فيه إلى اجتهاد الحالف، فإذا مات، بان خطَؤُهُ وَتَقْصِيرُهُ، وهاهنا الوقت مقدَّر مضبوطٌ، وهو في مهلة من التأخير إلى تلك الغاية، ولهذا نقول: من مات في أثناء الوقت، قُبَيْلَ أن يُصَلِّيَ لا يَعْصِي على الأظْهَر ومن أخَّر الحجَّ عن أول الإِمكان، ومات قُبيل أن يَحُجَّ يعْصِي على الأظهر، والطريقة الثانية أشبه عند الرويانيِّ، لكنَّ الأظهرَ، وإن ثبت الخلاف: أنه يحنث هاهنا؛ لتفويته البر بالاختيار، كذلك ذكر صاحبُ الكتابِ في "الوسيط" وإليه ميل الأكثرين -رحمهم الله- وهو الجواب في "التهذيب" وإذا قلْنا به، يحَنث في الحال أو قُبَيْلَ غروب الشمس؟ فيه الوجهان، وعن أبي حنيفَة أنه لا يحنث ما لم يَمْضِ جميع الغد، وفي اليمين المطْلَقَة، قال: يحنث، وإن تلف الطعام قبل الإِمكان، وإن أتلف الحالفُ الطعامَ قبل مجيء الغد بالأكل وغيره، أو أتلف بعضه،
الجزء: 12 - الصفحة: 332
حَنِثَ؛ لأنه فوَّت البر بنفسه مختارًا، وقال مالك وأبو حنيفةَ وأحمدُ -رحمهم الله-: إذا أكله، لم يَحْنَث، والقول عندنا في أنَّه يحْنَثُ في الحال أو بعد مجيء الغد على ما مَرَّ في التلف، ولو قال: لآكُلَنَّ هذا الطعام إلى الغد، فتلف قبل الغد وبعد التمكُّن، يحْنَثُ، ومتى يحْنَثُ، أيحنث إذا تلف أو إذا جاء أول الغد قال الصيدلانيُّ: فيه وجهان، ولو قال: لآكلن هذا الطعام اليوم فيُقاسُ الحكمُ بما ذكرنا فيما إذا قال غدًا.
الصورة الثانية: إذا قال: واللهِ، لأقْضِيَنَّ حقَّكَ، ومات قبل القضاء، نُظِرَ، إن تمكَّن من قضائه، فلم يفعل، فهو حانث، وإن مات قبل التمكُّن، فهو على قولَي الإِكراه، كذلك نقل صاحبُ "التهذيبِ" وإبراهيم المروزيُّ وغيرهما، وجزم أبو سَعْدٍ المتولِّي بأنه لا يحنث، إذا مات قبل التمكن؛ لأن الحقوق الشرعيَّة لا تثبت في الذمة ولا تستقر إلا بعد التمكن، فكذلك التي تستحق بحكم اليمين تستدعي التمكن، ولو قال: لأقضِيَنَّ حقَّكَ، ومات قبل دخول الغد أو بعده، وقبل التمكن، فمن أثبت القولين فيما إذا أطلق، ولم يقيِّد بالغد، أثبتهما هاهنا، ومَنْ جزَمَ بالمنع، جزم هاهنا أيضًا، وإن مات بعد التمكُّن، فيجيء فيه الطريقان المذكوران في الصورة الأولَى، وموت الحالف لا يقتضي الحِنْث لا عند الإِطلاق ولا عند التقييد بالغد؛ لأنَّه يمْكِنُ قضاؤه بالدفع إلى الورثة، هكذا أطلق.
ويجوز أن يُقَالَ: قوله "لأقضيَنَّ حقَّكَ" يقتضي أن يكون المقضيُّ حقه، والمقضيُّ بعد موته حتى الورثة لا حقُّه، فليكنْ هذا كما لو قال: لأقضيَنَّ حقك، ولو قال: لأقضين حقَّك، فهو كما لو قال: لآكلن هذا الطعام غدًا، فطريق البِرِّ والحِنْثِ ظاهر، وموت صاحب الحق هاهنا كتلف الطعام، فإن مات قبل مجيء الغد أو بعده وقبل أن يتمكن من القضاء، فهو على القولَيْن في الإِكراه، وإن مات بعد التمكُّن، ففيه الطريقان السابقان، وإذا قلنا بالحنث، فيحنث في الحَال أو بَعْدَ مجيء الغد فيه القولان، وموتُ الحالفِ، والصورةُ هذه، قبل مجيء الغد وبعْده عَلَى ما بيناه في الصورة الأولى وقوله في الكتاب "ولا يبعد حكم الحنث" أراد أنه إذا مات قبل مجيء الغد، فيدخل وقت الحنث، وهو ميِّتٌ، لكنه إذا سبق اليمين في الحياة، وهي السبب الأول، لم يبعد أن يحنث، وهو ميِّتٌ كما لو حفر بئرًا متعدِّيًا فتعدَّى فيها إنسانٌ بعْد موته، يلزمه الضمان والكفارةُ في ماله، وإن قضاه قبل مجيء الغَدِ، فقد فَوَّت البر على نفسه، فيحنث إلا أن يريد أنه لا يؤَخِّر القضاء عن الغد، وهذا بمثابة إتلاف الطعام قَبْل الغَدِ، ويعود فيه خلافُ أبي حنيفة ومَنْ وافقه، ولو أبرأه صاحبُ الحقِّ في هذه التصويرات، فإن قلنا يحتاج الإِبراء إلَى القبول، فقيل: حنث لتفويته البِرَّ باختياره، إلا أن يريد باليمين؛ أنه لا يمضي الغد، وحقُّه باقٍ عليه، وإن لم يقل، لم يحنث؛ لبقاء الدَّيْن وإمكان قضائه، وإن قلْنا؛ لا يحاج الإِبراء إلى القبول، سقَطَ الدَّيْن، وفي الحِنْث قولا الإِكراه؛ لفوات البِرِّ
الجزء: 12 - الصفحة: 333
بغير اختياره والهبة في العَيْن والصلح عن الدَّيْن، كالإِبراء إذا قلْنا: إنه يَحْتاجُ إلى القبول، ولو قال لأَقْضِيَنَّ حقك غدًا، إلا أن تشاء أؤَخِّرَهُ، فإن قضى من الغد برَّ شاء صاحب الحق أو لم يشأ، وإن لم يقْضِ، فإن شاء صاحبُ الحقِّ تأخيره قبل مضي الغدِ، لم يحنَثْ، وإن لم يشأ، حنث، وكذا لو قال: إلا أن يشاء زْيدٌ أن أؤخره، إلا أنه إذا مات صاحبُ الحقِّ قبل مجيء الغد، يكون الحنث على قولَي الإِكراه، وإن مات بعده وبعد التمكُّن يجيء فيه الطريقان، وإن مات زَيْدٌ قبل مجيء الغد، أو في أثنائه ولم يعلم بمشيئته، فلا حنث في الحال؛ لإِمكان قضاء الحق بعد موته، فإذا غربت الشمس، ولم يقض، فحينئذٍ يحنث، ولو قال: لأقضينك حقَّك إلى الغَدِ، إلا أن تشاء تأخيره، فينبغي أن يقدم القضاء على طُلُوع الفجر من الغد، فإن لم يفعل، ولم يشأ صاحبُ الحقِّ تأخيره، يَحْنَثُ.
فرع: لو حلف؛ لَيُطَلَّقَنَّ امرأته غدًا، فطلَّقها اليوم، نُظِر، إن لم يستَوْفِ الثلاث، فالبر ممكن وإن، استوفَى فقد فوَّت البر على نفسه، فيحنث، وكذا، لو كانَتْ عليه صلاةٌ عن نَذْرٍ، فحلف ليصلينها غدًا، ثم صلاها اليوم.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَإِنْ قَالَ: لأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ عِنْدَ رَأسِ الهِلاَلِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْضِرَ المَالَ وَيَتَرَصَّدَ، فَإِنْ سَلَّمَ قَبْلَ الهِلاَلِ أوْ بَعْدَه حَنِثَ، وَقِيلَ: لَه فُسْحَةٌ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَيَوْمِهَا، وَلَوْ قَالَ: لأقْضِيَنَّ حَقَّكَ إِلَى حِينَ لَمْ يَحْنَثْ بِالتَّأْخِيرِ إِلَى أَنْ يَفُوتَ بِمَوْتِ أحَدِهِمَا فَعَنْدَ ذَلِكَ يَتَحَقَّقُ الحِنْثُ، وَلَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ بَعْدَ حِينٍ حَنِثَ بَعْدَ لَحْظَةٍ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه مسألتان:
إحداهما: إذا قال: لأَقْضِيَنَّ حقَّك عند رأس الهلال، أو، مع رأس الهلال، أو عند الاستهلال، أو مع رأْس الشهْر، فهذه الألفاظ تقع عَلَى أول جزء من الليلة الأولَى من الشهر، وكلمتا "عند" ومع يقتضيان المقارنةَ، فإن قضاه قبل ذلك، فقد فوَّت البر على نفسه وإن أخَّر القضاء عنْهُ، حنث أيضًا، فينبغي أن يُعِدَّ المال ويترصَّدَ، فيقضيه حينئذٍ، وذكر الإِمام وصاحبُ الكتاب في "الوسيط" أن هذا لا يكاد يُقْدَرُ عليه، فأما أن يتسامح فيه ويقنع بالممكن، أو يُقَالَ؟ التزم محالاً، فيحْنَثُ بكل حال، وهذا لا ذاهبَ إلَيْه، لكن ذَكَر بعض الأصحاب أنَّ له فُسْحَةً في الليلة الأولَى وفي يومها؛ لأن اسم رأس الهلال ورأس الشهر يقع عليهما وَيُرْوَى هذا عن مالكٍ، وعنه أيضًا قَصْرُ الفسحة على الليلة، وحكاه صاحبُ "التهذيب" عن أبي حنيفةَ أيضًا، وإذا أخذ في الكيل أو الوزن عن رؤية الهلال وتأخر الفراغ لكثرة المال لم يحنث، وبمثله أجِيبَ فيما إذا ابتدأ حينئذٍ بأسباب القضاء ومقدماته، كحَمل الميزان، ولو أخَّر القضاء عن الليلة الأولَى
الجزء: 12 - الصفحة: 334
للشكِّ في الهلال، فبان أنها كانت من الشهر، ففي الحِنْثِ قولاً حِنْثِ الناسي والجاهل.
ولو قال: لأقضيَنَّ حقَّك أول الشهْرِ، فهو كقوله: "عند رأس الشهر" أو عند استهلال الهلال ولو قال: أول اليوم، فينبغي أن يشتغل بالقضاء عند طلوع الفَجْر، وفي طريقة الصيدلانيِّ، أن أبا حنيفةَ قال: هو في مهلة إِلَى وقت الزَّوَالِ، وأنه قال في الشهر: هو في مهلة إلَى تمام الخامس عشر، ولو قال: لأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ إلَى رأس الشهرِ، فالأظهر، وإليه ذهب المُزنيُّ، أنه ينبغي أن يقضيه قبل الاستهْلاَلِ؛ لأن "إلى" للغاية ولبيان الحد، كما ذكرنا أنه لو قال: لأقضينَّه إلى الغَدِ، فينبغي أن يقضيه قبل الغد، ولو قال: "إلى رمضانَ" ينبغي أن يقدم القضاء على رمضان، ومن الأصحاب من قال إنَّهُ كما لو قال: عند رأس الهلال، وهو ظاهر ما نقله المُزنيُّ؛ لأن "إلى" قد تكون للتحديد، وقد تكون بمعنى مع كقوله تعالَى ﴿من أَنْصَارِي إِلَى اللهِ﴾ [الصف: 14] أي مع الله، فلا يحنث بالشك، ويخالف ما إذا قال: إلى الغَدِ أو إِلَى رمضان؛ لأن جميع الغد، وجميع رمضان لا يقاربهما القضاء لحمل اللفظ بهذه القرينة على الغاية.
المسألةُ الثانية: لو قال: لأقضيَنَّ حقَّك إلى حِينٍ، لم يخْتصَّ ذلك بزمانٍ معينٍ، بل يقع لفظ الحين على القليل والكثير، كما بيَّنَّا في الطلاق، فيكونُ بمثابة قوله: "لأقضيَنَّ حقَّك" فمتى قضاه بَرَّ، وإنما يحكم بالحنث، إذا مات قبل أن يقضيه لا مع التمكُّن، ولو قال: إلى زمان أو دَهْرٍ أو حقب أو أحقاب فكذلك جميعُ العمر مهْلَتُه، وعن أبي حنيفةَ: تقدير الحقب ثمانين سنةً، وعن مالكٍ بأربعين، ولو قال: لا أكلِّمُكَ دهراً، أو حيناً أو زماناً أو حقباً، بَرَّ بأدنى زمان، ولو قال: أنتِ طالق بعد حين، حَنِثَ إذ مضتْ لحظةٌ، وفرق بينهما بأن قوله "بعد حين" تعليق، فيتعلق الطلاق بأول ما يُسَمَّى حيناً، وقوله: "لأقضيَنَّ حقَّك إلَى حين" وعْدٌ، والوعد لا يختص بأول ما يقع عليه الاسم، ولو قال: لأقضيَنَّ حقَّك إلَى مدة قريبة أو بعيدةٍ، فلا يتقدَّر أيضاً، فيكون الحكم كما في الحين، وعن أبي حنيفة: أن القريب ما دون شهر، والبعيد شهر فما فوقه، ولو قال: إلى أيامٍ، ففي المجرَّد للقاضي أبي الطَّيِّب: أنه يُحْمَلُ علَى ثلاثة أيامٍ، إذا لم يكن له نية؛ لأنه لفظُ جمعٍ.
وعلى هذا جرى الصيدلانيُّ صاحبُ "التهذيب" وغيرُهُما، وقال آخرون، منهم المحامليُّ: الحكم كما ذكرنا في الحين والمدة القريبة والبعيدة، لوقوعها على القليلِ والكَثيرِ، يُقال: أيام العدل، وأيام الفتنة، فلا يتقدَّر بأقلَّ ما يقَعُ عَلَيْه الاسم، وعن أبي حنيفةَ: أنه يحمل على عَشَرةِ أيامٍ.
وقوله في الكتاب "لم يحنث بالتأخير إلا أن يفوت بموت أحدهما" ليُعْلَمْ بالحاء والميم والألف؛ لما ذكرنا من مذاهبهم في كتاب الطلاق، ثم ينبغي أن يُعْرَفَ فيه شيئان:
الجزء: 12 - الصفحة: 335
أحدهُما: أن في لفظ "التأخير" إشارةٌ إلَى أنه لو مات في الحال، لا يحنث، بل لا بُدَّ من مضى مدة التَّمكُّن.
والثاني: أنَّ قوله "يموت أحدُهما" يقتضي حصولَ الحِنْث بموت المقضى إليه كحصوله بموت الحالف لكنه صور فيما إذا قال: لأقضيَّن حقَّكَ، وقد سبق أن البرَّ في هذه الصورة يحصل بالدفع إلَى الوارث، فقضيَّة ما ذكره أن يكون التصْوير فيما إذا قال: لأقضينَّكَ حقَّك، أو لأقضيَّن حقَّكَ إلَيْك.
قَالَ الغَزَالِيُّ: النَّوْعُ السَّابعُ فِي الخُصُومَاتِ: فَلَوْ قَالَ: لاَ أَرَى مُنْكَراً إِلاَّ رَفَعْتُهُ إِلَى القَاضِي، فَلَيْسَ عَلَيْهِ البَدارُ بَلْ عُمْرُهُ وَعُمْرُ القَاضِي مُهْلَتُهُ، وَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى القَاضِي المَوْجُودِ فِي الوَقْتِ أَوْ عَلَى الجْنِسْ؟ وَجْهَانِ، وَلَوْ عَيَّنَ الْقَاضِيَ فَعُزِلَ فَفِي الرَّفْعِ إِلَيْهِ بَعْدَهُ خِلاَفٌ، وَلَوْ بَادَرَ فَمَاتَ القَاضِي قَبْلَ الانْتِهَاءِ إِلَى مَجْلِسِهِ قِيلَ: لاَ يَحْنَثُ، وَقِيلَ: يُخَرَّجُ عَلَى القَوْلَيْنِ فِي فَوَاتِ البِرِّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِه، وَلَوْ رَأَى المُنْكرَ بَعْدَ اطَّلاَعَ القَاضِي فَقَدْ قِيلَ: فَاتَ البِرُّ بِغَيْرِ اخْتِيَارِه، وَقِيلَ يَبِرُّ بِالرَّفْعِ إِلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِعْلاَمٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا حلف لا يرى منكراً إلا رَفَعَهُ إلى القاضي، فله أحوالٌ:
أحدهُمَا: أن يعيِّن القاضي فيقول: إلى القاضي فلانٍ، فإذا رأى منكراً، لا يلزمه المبادرة إلَى الرفع بل له مهلةٌ مدَّةَ عَمْرِه وعمر القاضي، فمتَى رفعه إلَيْه برَّ، ولا يشترط في الرفع أن يذهب إلَيْه مع صاحب المنْكَر، بل يكفي أن يحضر عند القاضي وحده، فيخبره أو يكتب إليه بذلك أو يُرْسِلَ رسولاً فيُخْبِرَهُ، وإن لم يرْفَعْه إلَيْه حتى مات أحدُهُمَا بعد التمكُّن، حنث، وإن لم يتمكَّنْ من الرفع لحنسٍ أو مرضٍ، أو جاء إلَى باب القاضي، فحجب، ففيه القولان في حنث المكره، ولو بادر إلى الرفع إِلَيْه، فمات القاضي قبل أن يصل إلَيْه، فطريقان عن الشيخ أبي حامد أنه على القولَيْنِ أيضاً، لفوات البِرِّ بغير اختياره، والأصحُّ، وبه قال أبو إسْحَاق والقاضي أبو الطيِّب القطع بأنه لا يَحْنَث؛ لأنه تبيَّن أنه لم يتمكَّن من الرفع، وأن الزمان لم يتَّسِع له أيضاً فإن الاشتغال بمقدِّمات الرفع كالاشْتِغال بالرَّفع، ولو عُزِلَ ذلك القاضي، فإن كانت نيته أنه يرفعه إليه، وهو قاضٍ أو تلفَّظ به، فلا يبَرُّ بالرفع إليه بعْد عزله، قال ابنُ الصَّبَّاغ، ولا يحنث، وإن كان بعد التمكُّن من الرفع إلَيْه؛ لأنه ربما يولَّى، واليمين على التراخي، فإن مات أحدهما, ولم يولَّ، فحينئذٍ يتبين الحِنْث، وإن نوى عنْ الشخْص، وذكر القضاء، تعريفاً له، بَرَّ بالرفع إليه بعْد العزل، وإن أطلق فوجهان في أنَّه، هل يبَرُّ بالرفع إليه بعْد العزل؛ ليقابل النظر إلى العين والصفة، وبالمنع قال أبو حنيفة، وأُلْحِق الوجهان بالوجهين فيما إذا قال لا أكلَّم هذا الصبي، فصار شيخاً، وفي نظائره، لكن رجَّح
الجزء: 12 - الصفحة: 336
القاضي الرويانيُّ وصاحب "البيان" وغيرُهما -رحمهما الله- أنه يبَرُّ كما لو قال: ألا أدخل دارَ زَيْدٍ هذه، فباعها، حَنِث تغليباً للعين.
والثانية: إذا نَكَّر، فقال: إلا رفعته إلَى قاضٍ، فيبَرُّ بالرفع إلَى أي قاضٍ كان في تلْك البلدة وغيرها.
والثالثة: إذا قال: رفعته إلى القاضي، ولم يعيَّن أحداً بلفظه ولا بنيته، ففي كتاب القاضي ابن كج وغيره: وجه أنه لا يختص بقاضي البَلَدِ؛ حملاً للَّفْظِ على المعهود، وهل يتعيَّن قاضي البلد في الحال، فإنه المعهود أو من ينصب بعده في البلد يقوم مقامه؟ فيه وجهان ويُقالُ: قولان:
أشبههُما: ويُنْسَبُ إلَى أبي حامد، وهو الذي أورده صاحبُ "التهذيب": الثاني حتى لو عزل من كان قاضياً وولّى غيره، يَبَرُّ بالرفع إلَى الثاني، ولا يبَرُّ بالرفع إلى المعزول، فإن قلْنا: يتعيَّن قاضي البلد، فالحكم على ما ذكرنا في الحالة الأولَى، والاعتبار بحال اليمين علَى هذا الوجه أو بحال رؤية المنكر؟ حَكَى في "التتمة" فيه وجهين، والأقوَى الأول، ولو كان في البلد قاضيان وجوَّزْناه، فرفع إلَى من شاء منهما، ولو رأى المنكر بين يدَي القاضي المرفوع إليه، ذكر في "الوسيط" أنه لا معنى للرفْع إليه، وهو يشاهده، ولو رأى المنْكَر بعد اطلاع القاضي، فوجهان:
أحدهما: أنه فات البرُّ بغير اختياره، كما لو رآه معه، فيكون على القولَيْنِ.
والثاني: أنه يَبَرُّ بالإِخبار وصورة الرفع، وهذا أظهر، وبه أجاب صاحب "التهذيب" وهو الذي أوردهَ المتولِّي -رحمهما الله- فيما إذا رأى المنكَر، والقاضي يشاهده، وفي الأحوال جميعاً، لو لم يَرَ الحالف الرفع إليه في حالَةِ القضاء، فلا شيء عليه، وإن قصد عينه، فَلْيخْبِرْه، ولو حلف لا يَرْفَعُ منكراً إلى القاضِي فلانٍ، حَنِثَ بالرفع إليه، وهو قاضٍ، وبعد العزل يعود فيه التفصيل المذكور، وإن قال: إلى القاضي، فيحمل على قاضي البلد حينئذٍ، أو يحنث بالرفع إلَى من ينصب بعد عزله؟ فيه الخلاف السابق، ثم يتكلَّم في لفظ الكتاب ففيه التباس قوله لا أرى منكراً إلا رفعتُه إلى القاضي أراد به ما إذا عيَّن القاضي وإن لم يتعرَّض اللفظ له؛ ألا تَرَى أنه قال: بل عمره وعمر القاضي مهلته، وإنما يتوجَّه هذا اللفظ، إذا كان القاضي معيناً، وقوله "عَقَيبَهُ" "وهل يحمل على القاضي الموجود في الوقت أو على الجنس وجهان" موضع الوجهين ما إذا أطْلَقَ القاضِيَ، ولم يعيِّن، وأراد بالجنس جنْسَ قضاة البلد.
وقوله: "ولو بادر، فمات القاضي" يعني في صورة تعيُّن القاضي، وإلا، فموت القاضي الذي قصده لا يؤثر لإِمكان الرَّفْع إلَى قاضٍ آخر، فلو مات الحالِفُ في صورة المبادرة قَبْل أن يصل إلى القاضي، قال في "التتمة" لا كفارة عليه؛ لأنه لم يجدِ
الجزء: 12 - الصفحة: 337
التمكُّنَ، ولا يخرج فيه الخلاف، وقوله: "ولو رأى المنكر بعد اطَّلاَعِ القاضي" إلى آخره، هذه المسألة إنَّما تتوجَّه أيضاً في صُورة التعْيين، وهذه التنزيلاتُ مبنيَّةٌ من لفْظ "الوسيط" وترتيبه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ حَلَفَ لاَ يُفَارِقُ غَرِيمَهُ فَفَارقَهُ الغَرِيمُ فَلَم يَتْبَعْهُ لَمْ يَحْنَثُ، وَكَذَا لَوْ كَانَا يَتَمَاشَيَانِ فَمَشَى الغَرِيمُ وَوَقَفَ لأَنَّ المفَارِقَ هُوَ الغَرِيمُ إِلاَّ أَنْ يَقُولَ: لاَ يَفْتَرِقُ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا حلف، لا يفارق غريمه حتَّى يستوفِيَ حقَّه منه، ففي المسألة نظرات:
أحدُهُما: في المفارقةِ، والقولُ فيها على ما مَرَّ في افتراق المتبايعَيْن عن المجْلِس، والرجوعُ إلى العادة، فإنْ فارقه الحالف قبل أن يستوفي حقَّه مختاراً، حَنِث وإن كان ناسياً أو مُكْرَهاً، فعلى القولين المعروفين في النسيان والإِكراه، ولو فارقه الغريم أو فَرَّ منه، فعن أبي علي بن أبي هريرة والطَّبريِّ أن بعض الأصحاب -رحمهم الله- حكى خروجه على قولي الإِكراه؛ لحُصُول المفارقة من غير اختياره، والظاهرُ فيها أنَّه لا يَحْنَثُ الحالِفُ، سواءٌ تمكَّن من التعلُّق به ومنعه أو من متابعته أو لم يتمكَّن؛ لأنه حَلَف على فِعْلِ نفْسِه، فلا يحنث بفعل الغريم، وعلى هذا؛ فلو كانَتْ مفارقته بإذْنِ الحالف وأمْرِهْ لم يحْنَثْ بها أيْضاً وقال القاضي ابْنُ كج: إذا أذن له في المفارقة، ففارقه، كانَ حَانِثاً وزاد الصيدلانيُّ؛ فقال: إن أمكنه منعه من الذهاب، فلم يفعل حَنِث، ويقرُبُ منه ما حَكَى صاحبُ "التهذيبِ" عن شيخه أنَّه، إذا أمكنه متابعته، فلم يتابعه، حَنِث؛ لأنه بالقيام مفارقٌ له، والمشهَورُ ما تقدَّم، ولو كانا يتماشَيَان، فمشى الغريم، ووقَفَ الحالف، قال في الكتاب: "لا يحنث" لأن المفارقة حصلَتْ بحركة الغريم لا بسُكُونِ الحَالِفِ، والأظهر، وهو الجواب في "التتمة" و"التهذيب" ويُنْسَبُ إلى القاضي الحُسَيْن: أنه إذا مضى أحدهما في مشيه، ووقف الآخر يحنث الحالف؛ لأنه إن وقف الحالف، فقد فارقه بالوقوف؛ لأن الحادث هو الوقوف فتنسب المفارقة إلَيْهِ، بخلاف ما إذا كانا ساكنَيْنِ فابتدأ الغريم بالمشي لأن الحادث هناك المشْيُ، وإن وقف الغريم فقد فارقه الحالف حين مشَى مع العلم بوقوفه، وحيث قلْنا: لا يحنث الحالفُ بمفارقة الغرِيم، فلو فارق المكان بعد ذلك، لم يحنث، ولو قال: لا تفارقني حتى أَستوفِيَ حقِّي منكَ أو حتَّى توفِّيَنِي حقِّي، فاليمين ههنا منعقدة على فعْل الغريم، فإن فارقه الغريمُ مختاراً، حَنِثَ الحالف سواءٌ كانَتْ مفارقته بإِذنه أو دون إذْنه، وعن صاحب "التهذيب" أنه إنْ فرَّ منْه، ففي حِنْثِه القولان في الإِكراه، والظاهرُ الأول؛ لأن الحلف على فِعْله، وهو مختار في القرار، فإن فارقه ناسياً أوَ مُكْرَهاً، خرج الحِنْث على القولين، ونقل صاحِبُ "التهذيبِ" طريقةً أخرَى قاطعةً بأنه يحنث، والاختيار يعتبر في
الجزء: 12 - الصفحة: 338
فعل الحالف، لا في فعل غيره، والمذهبْ الأول، فر الحالف من، الغريم لم يحنث، ويجيء وجه؛ أنه إن تمكَّن الغريم من متابعته، فلم يفعل، يحنث ولو قال: لا أفترق أنا وأنت حتى أستوفي حَقِّي، أو لا نَفْتَرِقَ لا أنا ولا أنت، فاليمين منعقدةٌ علَى فعل كل واحدٍ منهما، فأيهما فارق الآخر مختاراً، حَنِث الحالف لحُصُول الافتراق، وإن فارق مكرهاً أو ناسياً، ففيه الخلافُ، ولو قال: لا افترقنا حتى أستوفيَ أو لا نَفْتَرِقُ، فوجهان:
أحدُهُما: أنه لا يحنث حتَّى يفارق كلُّ واحدٍ منهما صاحبَه، ولا يكفي وجود المفارقة من أحَدِهِمَا.
وأظهَرُهُمَا: وهو المذكور في الكتاب: أنه يحنث الحالِفُ مهما فارق أحدهما الآخر؛ لأنه يصدق القولُ بأنهما افْتَرَقَا.
النظر الثاني: في استيفاء الحَقِّ، فإذا قال: لا أفارقك حتَّى أستوفِيَ حقِّي منك، ثم أبرأه وفارقه، حَنِث؛ لأنه فوَّت البِرَّ على نفسه، وهل يحكم بالحِنْث عند الإِبراء أو بعد المفارقة يجيء فيه خلافٌ مرَّ في نظائره، ولو أفلس الغريمُ، فمنعه الحاكمُ من ملازمته، ففارقه فعَلَى قولَي المكره، وإن فارقه باختياره، حَنِث، وإن وجب تركه وإِنظارُهُ شرعاً، كما لو قال: لا أصلي الفَرْضَ، ثم صلَّى، حَنِثَ، وإن وجبت الصلاة عليه شَرْعاً، وإن أحاله الغريمُ عَلَى إنسان أو أحَالَ غَرِيماً له عليه، ثم فارقه فطريقان:
أحدهُما: البناء على أن الحوالة استيفاءٌ أو اعتياضٌ، إن قلنا: الأول، لم يحنث.
وأصحُهما: أنه يحنث بكل حال؛ لأنه ليس باستيفاءٍ حقيقةً، وحيث جعلْناه استيفاءً فمعناه أنه كالاستيفاءِ فِي الحُكْم، نعمْ، إن أراد أنه لا يفارقه، وعليه حقُّه، لا يحنث، ولو أخذ عوضاً عن حقه وفارقه، يحنث إلا أن يريد ما ذكرنا, ولا فرق بين أن يكون قيمةُ العِوَض مثلَ حقِّه أو أقل أو أكثر؛ لأنه لم يستَوْفِ حقَّه، وإنما استوفَى بدله وعند أبي حنيفة، لا يَحْنَثُ وبه قال مالكٌ، إذا لم يكن قيمته أقلَّ من حقه، ولو استوفَى حقه من وكيل الغريم، أو من أجنبيٍّ تبرَّع به عليه، ثم فارقه، حَنِث، إن قال: حتى أستوفِيَ حقِّي منك، ولم يحْنَثْ، إن اقتصر على قوله "حتى استوفي حقي"، وإن فارقه بعد الاستيفاء، ثمَّ وجَدَ ما استوفاه ناقِصاً، لم يحْنَثْ، إن كان من جنْسِ 126 حقِّه، لكنه
الجزء: 12 - الصفحة: 339
أراد، وإنْ لم يكُنْ من جنسه بأنْ كان حقُّه الدراهم، فخَرَج ما أخذه نُحَاساً أو مغشوشاً، فإن كان عالماً بالحَالِ، حَنِث، وإلا، فعلَى قولَي الناسِي والجاهِل.
فَرْع: لو حلف الغريم؛ لَتَقْضِيَنَّ حقه قبل أن يفارقه أو حَلَف لا يفارقُهُ حتَّى يقضي حقَّه، فالقول في مفارقته مخْتاراً أو مُكْرَهاً، وفي الحوالة والمصالَحَةِ وغيرها علَى قياس ما سَبَق، ولو حَلَف، لا يعطيه حقَّه، فأعطاه مُكْرَهاً أو ناسياً فهو على الخلاف، ولو قال: لا يأخذ أو لا يَسْتَوْفِي، فأخذ حَنِث، سواءٌ كان المعطِي مُكْرَهاً أو مختاراً، ولو كان الآخذ مُكْرَهاً، ففيه الخلاف.
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ حَلَفَ لَيَضْرَبَنَّهُ مَائَةَ خَشَبَةَ حَصَلَ البَرُّ بَأَنْ يُضْرَبَ بعِثْكَالٍ عَلَيْهِ مِائَةُ شِمْرَاخِ وَإِنْ قَلَّ الأَلَمُ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَنْكَبِسَ جَمِيعُ الشَّمَارِيخَ، وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَمِسَّ آحَادُهَا بَدَنَهُ، وَلاَ بَأْسَ بِحَائِلٍ لاَ يَمْنَعُ أَصْلَهَا مِنَ الضَّرْبِ، وَلَوْ شَكَّ فِي التَّثْقِيلَ وَالانْكِبَاسِ لاَ يَحْنَثُ لأَنَّ الضَّرْبَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ فِي الانْكِبَاسِ، وَلَوْ قَالَ: لاَ أَدْخُلُ الدَّارَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ زَيدٌ فَدَخَلَ وَمَاتَ زَيْدٌ وَلَمْ يَعْرِفْ مَشِيئَتَهُ حَنِثَ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ المَشِيئَةِ وَلَيْسَ لَهَا سَبَبٌ ظَاهِرٌ، وَقِيلَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ قَوْلاَنِ بِالنَّقْلِ وَالتَّخْرِيجِ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى مِائَةِ سَوْطٍ بَدَلَ الْخَشْبَةِ لَمْ يَكْفِهِ الشَّمَارِيخُ بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مِائَةَ سَوْطٍ وَيَضْرِبَ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَلْنَقْتَصِرْ: عَلَى هَذَا القَدْرِ فَإِنَّ أَمْثَالَ هَذِهِ الصُّورَةِ لاَ تَنْحَصِرُ أَلْبَتَّةَ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا حلف على الضرْب، تعلَّقت اليمين بما يُسمَّى ضرباً، ولا يكفي فيه وضع اليد والسَّوْطِ ورفْعُهما، والعَضُّ والقرص والخنق ونتف الشَّعْر ليس بضَرْبٍ، خلافاً لأبي حنيفة وأحمد -رحمهما الله- وفي الوكز واللكز واللطم وجهان:
أصحُّهُما: أنه ضرْبٌ، وهو الذي أوردناه في "كتاب الطلاق" ولا يُشْترطُ فيه الإِيلام؛ ألا ترى أنه يُقَالُ: ضربه، ولم يُؤْلِمْه، ويخالف الحدَّ والتعزيرَ يعتبر فيهما الإِيلام؛ لأن الغرض هناك الزجر، وإنما يحصل ذلك بالإِيلام، واليمين يتعلق بالاسم، وقَال مالكٌ: يُشترطُ الإِيلام، وللأصحاب وجه مثله، وقد ذكرنا، في الطلاق 127، ولو حلف؛ لَيَضْرِبَنَّ عبده مِائَةَ خَشَبَةٍ، أو لَيَجْلِدَنَّهُ مائَةً، فضربه بِعِثْكَالٍ عليه مائةُ شِمراخ ضَرْبَةً واحدةً، حصل البر، إِذا تيقَّنَ أن الكل أصاب بدنه، واعْتُمِدَ فيه قولُهُ تعالَى في قصة أَيُّوبَ -عليه السلام- ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بهِ وَلاَ تَحْنِثْ﴾ [ص: 44] وفيه عدول عن موجب اللفظ، فإنه لم يضربه بمائة خشبة، فإن شد مائة سوط، فضربه، فقد
الجزء: 12 - الصفحة: 340
وفَّي بموجب اللفظ، وما معنى إصابةِ الكلِّ؟ الظاهرُ أنه لا يشترط أن تُلاَقِيَ القضبانُ بدنه أو ملْبُوسَهُ، بل يكفي أن ينكبس وينكسر بعْضُها علَى بعض بحيث يناله ثقلُ الكُلِّ، ولا يضر كون البعض حائلاً بين بدنه وبين البَعْض، كالثيابِ وغَيْرِها، مما لا يمنع تأثُّر البَشَرَةِ بالضرب، وفيه وجه أنَّه لا يكفي الانكباس، بل لا بدّ من مُلاَقَاة الجميع بدنه أو ملبوسه، وإن تَيَقَّن أنه لم يصبْه الكلُّ، لم يَحْصُلِ البِرُّ، وإن شك في أنه، هل أصابه الكل فالنص أنه لا يحنث ونقل المُزنيُّ عن نصِّه، فيما إذا حلف، لَيَدْخُلَنَّ الدارَ اليوم إلا أن يشاء زيْدٌ، فلم يدخل ومات زيد ولم يعلم هل شاء أم لا؛ أنه يحنث.
وفيهما طريقان للأصحاب:
أحدُهُما: تقرير النصَّيْن، والفرق أن الضَّرْب سَبَبٌ ظاهرٌ في الانكباسِ والتثقيل، فيُكْتَفَى به، فههنا لا أمارة تدُلُّ علَى أن فلاناً شاء والأصلُ عدم المشيئة.
والثاني: أن في الصورتين قولَيْنِ بالنقْلِ والتخْريج:
أحدهُما: لا يحنث؛ لأنَّا لم نتحقَّقْ مخالفة اليمين، والأصلُ عدم الحنث وبراءة الذمة.
والثاني: وبه قال أبو حنيفةَ والمُزنيُّ -رحمهما الله- يحنث؛ لأن الأصلَ عدم الإِصابة للمشيئة، وشُبِّهَ القولان بالقولَيْنِ في إعتاقِ العَبْد المنقَطِع الخَبرَ عن الكفارة، والظاهرُ ههنا أنه لا يحنث، وإن أثبت الخلاف، وفي مسألة المشيئة أنه يحنث 128.
ولو حلف؛ لَيَضْرِبَنَّهُ مائة مرةٍ، فضربه مرةً بالعِثْكَالِ أو بالمائةِ المشدُودة، لِم يَبَرَّ، لأنه لم يضربْه إلا مرَّةً، ولو حلف؛ لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ، ففيه وجهان:
أظهرُهما: وهو الذي أورده الصيدلانيُّ: أن الجواب كذلك؛ لأنَّه لم يضربْهُ إلاَّ ضربةً واحدةً.
والثاني: يَبَرُّ؛ لأنه يحْصُلُ بكلِّ واحدٍ ضربةً، ولهذا يسقط به حدُّ الزنا, ولو حلف لَيَضْرِبَنَّهُ بالسوط، لم يَبَرَّ بالعصا والشماريخ؛ لأنه لا يقع عليهما اسم السوط، وإذا قال: مائةً سَوْطٍ، فالظاهر أنه لا يحْصَلُ البِرُّ بأن يضربه بعِثْكال عليه مائةُ شِمراخٍ، ولكن يبر بأن يجمع مائةَ سَوْطٍ ويشدَّها، ويضربَه بها دفعةً واحدةً، أو خمسين وَيضْرِبُه بها دفعتَيْنِ
الجزء: 12 - الصفحة: 341
أو سوطَيْنِ، ويضربه بهما خمسين مرةً بشرط أن يعلم إصابَة الكلِّ على ما سبق، وفيه وجه: أنه إن ذكر السوط، يبَرُّ بالعِثْكال كما في لفظ الخشبة، وهذا ما أورده صاحبُ "التهذيب".
وقوله في الكتاب "حصل البر" يجوز أن يعلم بالميم والألف؛ لأن عن مالكٍ وأحمَدَ أنَّه لا بِرَّ من مائة ضربة متفرقة، وحَكَى ذلك عنهما فيما إذا قال؛ لأَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ سَوْطٍ، وفيما إذا قال: لأجلَدَّنَّهُ مائةً، ويُشْبِه أن يكونَ الحُكْمُ في صورة الكتاب كذلك.
وقوله "ولا يشترط أن يمَسَّ آحادها بدنه" معلم بالواو.
وقوله "ولو شكَّ في التثقيل والانكباس لا يحنث" معلم بالحاء والزاي وقوله "ولو قال: لا أدخل الدَّار إلا أن يشاء زيد" جعل صاحبُ الكتاب ههنا وفي "الوسيط" هذه الصورةَ محَلَّ تصرُّف الأصحاب في حكمها، وحكم مسألةَ الضرب بالطريقين، ولعلَّه أَتبع فيه الإِمامَ -رحمهما الله- والذي أورده المُزَنِيُّ، ونقله جمهورُ الأئمَّة -رحمهم الله- ما قدَّمنا، وهو ما إذا قال: لأدخلَنَّ الدارَ اليوم إلا أن يشاء زيْدٌ، فأما طرف النفْي، فقد ذكرناه في الباب الأوَّلِ، وبيَّنَّا ما نقل فيه الربيعُ وما تكلَّم لأصحاب عليه.
قَالَ الغَزَالِيُّ: خَاتِمَةُ: كُلُّ مَا عَلَقَّهُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ فَإذَا حَصَلَ بغَيْرِ اخْتِيَارِهِ إِمَّا بِالإِكْرَاهِ أَوْ بِالنِّسْيَانِ وَإِمَّا بالجَهْلِ فَفِيهِ قَوْلاَنِ، وَصُورَةُ الجَهْلِ أَنْ يَقُولَ: لاَ أَسَلَّمُ عَلَى زَيْدُ ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِ فِي ظُلْمَةٍ وَهُوَ لاَ يَعْرِفُهُ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى الدُّخُولِ فَحُمِلَ قَهْراً وأُدْخِلَ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ حُمِلَ بِإِذْنِهِ حَنِثَ، وَإِنْ سَكَتَ مَعَ القُدْرَةِ فَفِيهِ خِلاَفٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: إذا وجد القول أو الفعْلَ المحلوف علَيْهِ علَى وجْهِ الإِكْرَاه، هل يحْنَثُ الحالِفُ؟ فيه قولان منصوصان جاريان في تعْلِيق الطلاق علَى ما قدَّمنا:
أحدُهُما: وبه قال أبو حنيفةَ ومالكٌ -رحمهما الله- أنه يحنث؛ لأن صورة المحلوف عليه قَدْ وُجِدت، والكفارةُ لا تسقط بالأعذار، ألا ترى أنه قد يَجِبُ عليه أن يُحْنِث نفسه، ومع ذلك يلزمه الكفارة، وأيضاً، فإن ما تعلَّقت به الكفارةُ، إذا وُجِدَ بالاختيار، تعلَّقت، وإن وُجِدَ لا بالاختيار كقتل الصيد.
وأصحُّهُمَا: على ما ذكر أبو حامد والقاضي والشيخ والقاضي ابن كج والرويانيُّ وغيرهم -رحمهم الله-: أنه لا يحنث، ولا يلزمُه الكفارةُ: لما رُوِيَ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ والنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" 129 وأيضاً، فإنَّه لو حلف مُكْرَهاً، لا تنعقد يمينه، فكذلك الْمَعْنَى الذي يتعلَّق به الحِنْث، إذا وجد على وجه الإِكراه ينبغي أن
الجزء: 12 - الصفحة: 342
يَلْغُوَ والجامع أنه أحد سبببي وجوبِ الكفارة، وأيضاً، فالإِكراه معنى، لو قارن كلمةَ الكُفْر لا يتعلَّق بها حكْمُها، فكذلك إذا قارنَ سبَبَ الكفَّارة قيَاساً على الجنون، وعن أبي الطيِّب بن سلمة القَطْعُ بأنه لا يَحْنَث؛ لأن الشافعيَّ -رضي الله عنه- اختاره وأبْطَلَ القَوْلَ الآخر، والمشهورُ إثباتُ القولَيْنِ، ويجريان فيما لو وجد المحْلُوفُ علَيْه علَى وجه النسيان، وقد ترتَّب النسيان على الإِكراه، ثم تارةً يجعل الناسي أولَى بألاَّ يحنث؛ لأن النسيان أكثر وقوعاً، فهو أولَى بأن يُجْعلَ عذراً، وتارة يجعل الناسي أولَى بأنْ يحنث؛ لأنه قد ينسب إلى التقصير بترك التحفظ، ويدل عليه أن من أكره علَى إتلاف مال الغير، لا يستقر عليه الضمان، ومن أتلفه ناسياً يَسْتَقِرُّ عليه الضمان، ويَخْرُجُ ومن الترتيب طريقتان؛ تقطع إحداهما بالحِنْث، والأخرى، تمنع الحنث، ويجري الخلاف في صورة الجهل مثل أن يدخل الدَّارَ، وهو لا يعرف أنها الدَّار التي حلف ألا يدخلها، ومثل أن يحلف لا يُسلِّم على زَيْدٍ، ثم سلَّم عليه في ظلمة، وهو لا يدري أنه زيد، وقد يرتب الجاهلُ على الناسِي، ويجعل الجاهل أولَى بالحنث؛ لأنَّ الجاهل الغالِطَ في غروب الشمْسِ يُفْطِر، والناسي لا يفطر، وعن أحمد -رحمه الله- في الصور روايتان كالقولين، ورواية ثالثة أن الحنث لا يحصل، لكن لا يقع الطلاق إذا وجد الفعْلُ المعلَّق عليه على أحَدِ هذه الوجوه، وردَّ الأصحابُ ذلك ونَفَوُا الفَرْق، وفيه دليل على أنهم لا يرتضون مَا يُحْكَى عن اختيار القفَّال من وقوع الطلاق ونَفْيِ الحِنْث؛ لأن اليمين والمحافظة عليها أشبه بالعبادات، فيؤثر فيها النسيان، وإذا حكَمْنا بعدم الحِنْث، فهل ينحل اليمين فيه وجهان:
أحدهُما: نعم؛ لأن الفعل موجودٌ حقيقةً، وإنَّما لم يثبت حكْمُ الحِنْث للعُذْر.
وأشبهُّهما: وبه أجاب الصيدلاني: أنه لا ينحل اليمين؛ لأنا إذا لم نُحَنِّثْه، لم نجعل يمينه متناولةً لما وجد، إذ لو تناوله يحنث كما لو قال: لا أفعل طائعاً ولا مُكْرَهاً، إذا لم يتناوْلُه, ثم وجد ما يتناوله، لِزَمَ الحنث، وإذا حلَف؛ لا يدخل الدَّارَ، فانقلب في نوْمِه، وحصل في الدار، لم يحْنَث، وإن حُمِلَ قهراً، وأُدْخِلَ، فقد قيلَ هو على الخلاف فيما لو أُكُرِهَ حتَّى دخل لأنه حصل في الصورتَيْنِ الدخول بغَيْر اختياره، والصحيحُ وهو المذكور في الكتاب: أنه لا يحنث؛ لأن اليمين انعقدتْ علَى دخوله، ولم يوجد منه الدخولُ لا طائعاً ولا مُكْرَهاً، وإنما الموجود إدخالُهُ الدار، ولذلك نقول: لا ينحل به اليمين، والحالة هذه، بلا خلاف، ولو حُمِلَ بغير إذنه لكنه كان قادراً على الامتناع، فلم يمتنع، فالظاهر أنه لا يحنث أيضاً؛ لأنه لم يوجد منه الدخول، ومنْهم مَنْ جعل سكوته بمثابةِ الإِذْن في الدخول، وبه قال مالكٌ -رحمه الله- ولو حُمِلَ بأمره, حَنِث، وكان كما لو ركب دابة ودخلها، ويَصْدُقُ، أن يُقَالَ، والحالة هذه: دخلها على ظَهْرِ فلانٍ كما يَصْدُق أن يقال: دخلها راكباً.
الجزء: 12 - الصفحة: 343
وقوله في الكتاب "كل ما علقه على فعل نفسه" الحُكْمُ لا يختص بفعل نفسه، بل سواءٌ كان فعلَهُ أو فعْلَ غيره، فإذا وجد بالإِكراه أو النسيانِ، ففيه الخلافُ، هذا هو الظاهر، وفيه شيء قدَّمناه في "مسألة الحلف" على مفارقة الغريم.
وقوله "ففيه قولان" معلم بالواو، للطرق المذكورة 130، وكذا قولهُ "لم يحنث".
قَالَ الغَزَالِيُّ: وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ زَيْدٌ وَاسْتَثْنَاهُ بِقَلْبِهِ أَوْ بِلَفْظِهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَثْنِ حَنِثَ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ قَالَ: لاَ أَدْخُلُ عَلَى زَيْدٍ فَدَخَلَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ وَاسْتَثْنَى بِقَلْبِهِ دُخُولَهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ، وَإِنْ دَخَلَ وَلَمْ يَعْلَمُ فَقَوْلاَنِ مُرَتَّبَانِ عَلَى مَا إِذَا كَانَ وَحْدَهُ وَهُوَ جَاهِلُ وَأَوْلَى بِأَلاَّ يَحْنَثَ، وَإِنْ دَخَلَ لِشُغْلِ آخَرَ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ فِيهِ وَكَانَ وَحْدَهُ فَالنَّصُّ أنَّهُ لاَ يَحْنَثُ لانْضِمَامِ الجَهْلِ إِلَى صَارِفٍ عَنْهِ إِلَى الشُّغْلِ، وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: فيه صورتان:
إحداهما: إذا حَلَف؛ لا يُسلم على زيد، فسلَّم على قوم فيهم زيدٌ، ولم يعلَمْ أنه فيهم ففي الحنث قولاً حنث الناسي والجاهل، وإن علم أنه فيهم ونوى السلامَّ عليه معهم، حَنِث، وفيه ما حكينا عن "البيان" فيما إذا حلف لا يكلَّم فلاناً، ثم سلم على قوم، هو فيهم، وقصده بالسلام، وإن استثناه بلفظه فقال: إلا على فلان، لم يَحْنَث، وإنْ عزله واستثناه بنيته، فكذلك، وقد أراد، بالعامَّ الخاصَّ، ومنهم من أثبت فيه خلافاً يذكر في الصورة الثانية، وإن أطلق، ولم يقصد شيئاً، فعلى قولَيْن ذكرنَاهُما فيما إذا حَلَف لا يكلِّم فلاناً، فسلَّم على قومٍ، هو فيهم، وأطلق، وقد يوجه المنع أيضاً بأنه لم يسلِّم عليه خاصَّةً، وهو المفهوم من مطْلَق لفْظه، والظاهِرُ الحِنْث، وقوله في الكتاب "ولو سلم على قوم فيهم زيدٌ" يعني: فيما إذا حلف لا يسلِّم على زيد، ولم يستكمل ذكر الصورة اكتفاءً بما تقدَّم في قوله وصورة الجهل أن يقول: لا أسلِّم على زيد.
الثانية: لو قال: لا أدخُلُ على زيْدٍ، فدخل على قوم هو فيهم، فاستثناه بقلبه، وقصد الدخول على غيره، ففيه طريقان:
أحدُهُما: وهو المذكور في الكتاب، وفي "التهذيب" أنَّ فيه قولَيْنِ أو وجهَيْنِ:
أحدهما: أنه لا يَحْنَث؛ لأنَّ مقصُودَه الدُّخُول على غيره.
والثاني: يحْنَثُ؛ لوجود صورة الدخول على الجميع، وأشار ابنُ الصَّبَّاغ وعَيْرُه إلَى أحد القولَيْن من قولَيْن للشافعيِّ -رضي الله عنه- فيما إذا حلف لا يكلِّم فلاناً،
الجزء: 12 - الصفحة: 344
فسلم على قوم هو فيهم واستثناه بقلبه، هل يحنث؟ هكذا ذكره، وإذا تأمَّلْتَ كلامهم في تلْك المسألة, وجدتَّهم مشيرين إلى القطع بأنه لا يَحْنَث أو مصرِّحين به، ومنْهم مَنْ يجعل الخلاف ههنا أصْلاً، ثم يجريه في مسألة السَّلام، وكيف ما قدر، فالظاهر في الدخول أنه يَحْنَث وفي مسألتي الكلام والسلام؛ أنه لا يحنث، والفرق أن الدُّخُولِ فِعْلٌ لا يدخله الاستثناء، فلا ينتظم أن يقول: دخلْتُ عليكم إلا علَى فلانٍ، ويصح أن يقولَ: سلَّمْتُ عليكُمْ إلا علَى فلان.
ولو دخَلَ بيتاً، فيه زيد، ولم يعلم أنه فيه، فالْحِنْثُ على القولين في الجاهل والناسي، ولو كان في جماعة، ولم يعلم، فقد رتَّب في الكتاب هذه الصورة علَى الصُّورَ السابقة، وجعلها أولَى بألا يحنث؛ لأنه إذا لَمْ يَعْلَمْ به كان قصده الدخولَ علَى غيره، فينضمُّ ذلك إلى الجهل، ولو كان زيدٌ في البيت، ولم يعلم به، ودخل لشُغْل آخَرَ من نقلِ متاع وغيره، فهذه الصورة أولَى بعدم الحِنْث لانضمام قصْدِ الشغل إلى الجهل، وذكر الإِمام -رحمه الله- أن الشافعيَّ -رضي الله عنه- نصَّ في هذه الصورة علَى أنه لاَ يَحْنَثُ، وأن الرَّبيع خرَّج قولاً آخر، وجعله على الخلاف في النسيان والجهل.
وقوله "لانضمام الجهل إلى صارفٍ عنه إلى الشغل" كأنه يعني عنه إلى صارف الدخول على أنه زيد إلى الشغل، والصارفُ هو قصْدُ الشغل، وإن علم أنه فيه، وقصد الدخول؛ لشغل آخر، ففيه طريقان:
أحدُهُمَا: أنه كما لو كان مَعَه غيره، فقَصَدَ الدخُولَ على غيره.
والثاني: القطْعُ بأنه يحْنَثُ؛ لأن هناك غيْره مدخول عليه، فأمكن صرْفُ الدخول إلَيْه بالنية، والمتاعُ لا يمكن أن يكونَ مدخولاً عليه وللأول أن يقول: نعم، ولكن إذا دخل لنقل المَتَاع، أمكن أن يُقال: لم يدخل علَى أحدكما، إذا دخل لنَقْلِ المتاع، لم يكُنْ فيه زيدٌ ولا غيره، وإنْ كان الحالِفُ في بَيْتٍ، فدخل عليه زيْدٌ، نظر؛ إنْ خرج الحالفُ في الحال، لم يَحْنَث، وإن أقام، فقد بُنِيَ الحِنْثُ على الخلاف في أن استدامة الدُّخُول، هل هي دخولٌ؟ إن قلْنا: نعم، حنث، وإلا فلا، وأُشِيرَ إلى طريقة أخْرَى قاطعةٍ بأنه لا يَحْنَثُ، ووجَّهها ابنُ الصبَّاغ بأنا إذا جعلنا استدامة الدخول كابتدائه، كانا كالداخلَيْن معاً، فلا يكون أحدُهما داخلاً على الآخر 131. هذا ما اشتمل عليه الكتاب من أبواب "الأيْمَانِ" بشرحها ونختمه بأصول مأثورةٍ وفروعٍ منثورةٍ في فصْلَيْنِ.
الجزء: 12 - الصفحة: 345
الأول: "في الأصول".
لا ينعقد يمينُ الصبيِّ والمجنون، ولا يمين المكْرَهِ، رُوِيَ أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "لَيْسَ عَلَى مَقْهُورٍ يَمِينٌ" 132 وفي يمين السكران الخلافُ المذكور في الطلاق، وينعقد يمين الكافر.
حلَف؛ لا يدخل الدَّار، ثم قال: أردتُّ شهراً أو يوماً، فإِن كانَتِ اليمينُ بالطلاق أو العَتَاقِ، لم يقبل في الحكم، ويُدَيَّنُ فيما بينه وبيْن الله تعالَى، ويلحق بهما الإِيلاء، لتعلُّقه بحق الآدميِّ، وإن كانتِ اليمينُ بالله تعالَى، ولم يتعلَّق بحق الآدمي، قُبِل ظاهراً وباطناً؛ لأنه أمِن حقوق الله تعالَى، وعن أبي حنيفة: أنه تَلْغُو نية التأقيت ولو حلف لا يكلِّم أحداً، ثم قال: أردتُّ زيداً أو مَنْ سِوَى زيد أو لا يأكل طعاماً، ونوى طعاماً بعينه، تخصَّصت اليمين، ورُوِيَ عن أصحاب أبي حنيفة خلافُهُ عن القَفَّال، قال: سمعت الشيخَ أبا زَيْدِ يقول: لا أدري علَى ماذا بَنَى الشافِعيُّ -رضي الله عنه- مسائِلَ الإِيْمَانِ، إن كان يَتَّبعُ اللُّغَة فمن حلف لا يأكل الرؤوس، ينبغي أن يحنث برأْسِ الطير والحيتان، وإن أَتبع العُرْف والعادَةَ، فأصحاب القُرَى لاَ يَعُدُّون الخيام، بيوتاً، وقد قال الشافعيُّ -رضي الله عنه- الفرق بين القَرَوِيِّ والبَدَوِيِّ، وقد قدَّمنا ما يتمهد به الفرق بين هاتَيْن المسألتين، وفيهما ما يتبين أنه يتبع قضيَّة اللغة تارةً، وذلك عند ظهورها وشمولها، وهو الأصلْ، والعُرْفِ عنْد الاستمرار والإِطَّرَاد أخْرَى.
اللفظ الخاص في اليمين لا يتعمَّم بالسبب والنية، والعامُّ قد يتخصَّص:
مثال الأول: إذا مَنَّ على غيره بما نَالَ منه، فقال: والله أشرب لك بعد هذا ماءً منْ عطَشٍ، ينعقد اليمين على المَاءِ خاصةً، ولا يحنث بأكل طعامِهِ، ولبس ثيابه، وإن نوى أنه لا ينتفع بشيء منه فالمنازعة الجارية بينهما تقتضي ما نواه، وإنما تؤثِّر النية، إذا احتمل اللفظُ المنويُّ بجهة يتجوَّز بها، وعند مالكٍ، يحْنَث بكل ما ينتفع به من ماله، قال الشيخ أبو حامدٍ، وأصل الخلاف أن الاعتبار عَنْدنا باللفْظ ويُرَاعَى عمومُه، وإنْ كان السبب خاصّاً، وخصوصه وإنْ كان السبب عاماً، وعنده الاعتبار بالسبب دون اللفظ، وأما تخصيص العام، فتارةً يكون بالنية، كما ذكرنا فيما إذا قال: لا أكلِّم أحداً، وتارةً يعرف الاستعمال، كما مرَّ في قول: لا آكل الرؤوس وتارةً يعرف بالشرع، كما يحمل قولُه "لا أصلي" على الصلاة الشرعية.
الجزء: 12 - الصفحة: 346
اللفظ بحقيقته، ويُصْرَف إلى المَجَاز تارةً بالنية، كما إذا قال: لا أدخل دار زيْدٍ، وقال: أردتُّ ما يسكنه، فيُقْبَلُ في الحلف بالله، ولا يقبل في الحُكْم، إذا حلف بالطلاق والعتاق، وذكر ابنُ الصَّبَّاغ وغيره -رحمهم الله- تارةً يكون المجاز متَعارفاً، وكون الحقيقةِ بعيدةً، ومثَّله القاضي الحُسَيْن بما إذا حلَف، لا يأكل من هذه الشجرة، تُحْمَل اليمينُ على الأكْل من ثمرتها, ولا تُحْمَلُ على الأوراق والأغصان، فإن كانتِ الحقيقةُ متعارفَةً، حُمِلَت اليمين علَيْها كما إذا قال: لا اَكل من هذه الشاة، تحمل اليمين على الأكل مِنْ لحمها، فلا يحنث بالأكْلِ من لبنها ومن لحم نتاجها.
ذكر القاضي ابنُ كج -رحمه الله- أنه إذا قال: والله لا دخلْتُ الدار، واللهِ لا دخلْتُ الدارَ، ونوى التأكيد، فهو يمين واحد، وإن نوى بالثاني يميناً أخرَى، وأطلق، فيلزمه بالحِنْث كفارةٌ أو كفارتانِ؟ فيه وجهان، وأنه لو قال: واللهِ، لا دخلْتُ الدارَ، لا دخلْتُ الدار، ولم يُعِدِ اسم الله، فهو يمين واحدةٌ، إن نوى التأكيد، وكذا إن أطلق على الظاهر، وإن نوى الاستئناف، قال: عندي أن الجواب كذلك، وجعله أبو الحُسَيْن علَى وجهين عن الحُلَيْمَّي: أن اليمين المعقودة على المملِوكِ المضافِ يعتمد المالك دون المملوك، والمعقودُ علَى غير المملوك المضافِ دُونَ المضاف إليه، فإذا حلف، لا يكلِّم عَبيدَ فلان، ولا عَبْدَ له، ثم ملك عبيداً فكلمهم، يحنث، ولو حلف؛ لا يكلِّم بنيه، ولا ابن له، ثم ولد له بنونَ، فكلَّمهم، لا يحنث؛ لأنهم لم يكونوا موجودِيَن يوم حلَفَ، حلف لا يكلم الناس ذكر ابنُ الصَّبَّاغ وغيرُه -رحمهم الله- أنه يحنث إذا كلَّم واحداٌ، كما إذا قال: لا آكل الخُبْزَ، يحنث بما أكل من الخبز.
ولو حلف لا يكلِّم ناساً ذكر بعض الأصحاب -رحمهم الله- أن اليمين ينصرف إلى ثلاثة، ويوافق الأوَّلُ ما في كتب أصحاب أبي حنيفة أنَّ لفظ الجمع، إذا دخله لامُ التَّعْرِيف، كان للجِنْس حتَّى إذا قال: إن تزَّوجْتُ النساء أو اشترَيْتُ العبيد، فامرأتي طالقٌ، وقع الطلاق بتزوُّج امراة واحدةٍ وشراءِ عَبْدٍ واحدٍ، ولفظ "الناس" لفظ جمعٌ ويوافق الثاني ما ذكروا أنه لو قال: إن تزوجْتُ نساءً أو اشتريت عبيداً، حُمِل على ثلاثة.
في كتب أصحاب أبي حنيفةَ -رحمهم الله- أن المَعْرِفَةَ لا تدْخُل تحت النكرة لمغايرتها، فإذا قال: لا يدخُلُ داري واحدٌ أو لا يَلْبَسُ قميصي، دخل فيه غَيْرُ الحالف، ولم يدخل الحالف؛ لأنه صار مُعْتَرِفاً بإضافة الدار والقميص إلَى نفسه، وذكر؛ لو عرف نفسه بإضافة الفعْل، كما إذا قال: لا أُلْبِسُ هذا القميصَ أحداً أو عرف غيره بإضافة الفعل إليه، فقال: لا يدخل دارَ فلانٍ أحدٌ، ولا يلبس قميصَه، لم يدخلِ المضافُ إليه؛ لأنه صارُ معَرَّفاً، وكذا لو قَالَ: لا يقطع هذه اليد أحدٌ، وأشار إلَى يده، لم يدخل هو؛
الجزء: 12 - الصفحة: 347
لأنه متصلٌ به، فصارُ معرفاً، وقد يتوقَّف في هذه الصور الأخيرة، والسابق إلى الفَهْم مما قبلها ما ذكروه، ويجوز أن يخرج الصور الأولَى على الخلاف في أنَّ المخاطب، هل يندرج تحت الخطاب؟.
وفيها أن كلمة "أو" إذا دخلت بين نفيين، اقتضت انتفاءهما، كما قال تعالَى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمَاً أَوْ كَفُوراً﴾ [الإنسان: 24] وإذا دخلَتْ بين إثباتين، اقتضت ثبوت أحدهما، فإذا قال: لا أدخل هذه الدار أو حذف "لا" أدخل هذه الدار، فأيتهما دخل، حنث، ولو قال: لأدخلن هذه الدار أو هذه الدار الأخْرَى، يَبَرُّ بدخول واحدةٍ منهما، ولو قال: لا أدْخُلُ هذه الدار أبداً أو لا أدخل هذه الأخْرَى اليوم, فمضى اليوم، ولم يدخل واحدةً منهما، يحنث؛ لأن عدَم دخول الأولَى أبداً شرْطٌ للبِرِّ، وعدم دخول الثانية في ذلك اليَوْمِ شرطُ الحِنْثِ، فإذا وُجِدَ شرطُ الحنث، حنث، ويشبه أن يُقالَ: إذا دخلَتْ بين نفيين، كَفَى للبر ألا يدخل واحدةً منهما, ولا يضرُّ دخول الأخرَى كما أنها إذا دخلَتْ بين إِثباتين، كفي للبر أن يدخل واحدةً منهما, ولا يضر ألا يدخل الأخرَى، وإذا قال: لا أدخل هذه الدار أبداً أو لأدخلَنَّ الدار الأخْرَى اليوم، فإنْ دخل الأخرَى اليوم، بَرَّ، وإن لم يدخلها اليوم، ولم يدخُلِ الأخرى أبداً يبَرَّ أيضاً، وفي "الإِقْناع" للماوردِيِّ أنه إذا قال: أكلْتُ خبزاً أو لحماً يرجع إلَى إرادته منهما، فيتعلق اليمين به.
والفصُل الثاني: "في الفُرُوع".
حلف؛ لا يدخل هذه، وأشار إلى دارٍ، فانهدمت، حَنِث بدخول عَرْصَتِها, ولو قال: لا أدخل هذه الدار، فانهدمت، يُنْظر؛ إن بقي أصولُ الحيطان والرسُوم، حَنِثَ بدخولها، وإن صارتْ فضاءً، فدخلها, لم يحْنَثْ على المشهور، وجعله الإِمامُ على الوجهين، فيما إذا قال: لا آكُلُ هذه الحنطة، فأكل دقيقَها أو خبزها، وكذا لو قال: لا أدخل داراً، فدخل عرصة كانت داراً، وكذا لو حلف على لَفْظِ البيت، وقال أبو حنيفة في الدار المعينة: يحنث، إذا دخل عرصتها، ووافقَنا في الدار المطْلَقَة في البيت، وقال أحمد: يحنث في الدار والبيت، إذا كانا معينَيْنِ، ولو جعلت الدار مسجداً أو بستاناً أو حماماً، لم يحنث بدخوله، ولو أُعِيدَتِ الدارُ بغير الآلة الأولَى، فدخلها, لم يَحْنَث، وإن أُعِيدَتْ بتلك الآلة، فوجهان.
حلف لاَ يَشَمُّ الريحانِ، يحنث بشم الضيمران 133 دون الورد والبنفسج والْيَاسَمِينِ والنرجس والمرزنجوش والزعفران، ويُمكن أن يُقَالَ: هذا فيما إذا عرف الريحان، أما إذا قال: لا أَشَمُّ ريحاناً، فيحنث بها جميعاً، فلا يستبعد إطلاق اسم الرياحِينِ عليها،
الجزء: 12 - الصفحة: 348
ولو حلف؛ لا يَشَمُّ مشموماً، حَنِثَ بشم جميع ذلك، ولا يحْنَث بشم المسك والكافور والعُودِ والصَّنْدَل 134، ولو حلف؛ لا يَشُمُّ الوردَ والبِنَفْسَج، فشمهما بعد الجفاف، ففيه وجهان، ولا يحنث بشم دهنهما، خلافاً لأبي حنيفَة في دُهْنِ البنفسج، ولأحمد فيهما جميعاً.
حلف لا يستخدم فلاناً، فخدمه من غير أن يَطْلُبَ الحالفُ، لا يحنث؛ خلافاً لأبي حنيفةَ في عبْدِ نفسه.
حلف لا يتسرَّى ففيه ثلاثة أوجه عن ابنِ سُرَيْجٍ:
أظهُرهما: وَيُحْكَى عن نصه في "الأم" أن التَسرِّيَ يَحْصُلُ بثلاثةِ أمورٍ: بسَتْرِ الجارية عن أعين الناس، والوطءِ والإِنزال.
والثاني: يكفي التستُّر والوطءُ وبه قال أبو حنيفة.
والثالث: يكفي الوطءُ، وبه قال أحمدُ.
حلف؛ لا يقرأ القرآن، فقرأ جُنُباً، حنث، وإن حلف؛ ليقرأنَّ، فقرأه جُنُباً بَرَّ، بخلافِ ما لو نذر أن يقرأ، فقرأ جنباً؛ لأن المقصود من النذر التقرُّبُ، والمعصية لا يَتقرَّب بها وإن حلف أن يقرأ، برَّ بالقراءة جُنُباً وإن عصى، وإن نذر أن يقرأ جنباً، لغا نذره.
في "فتاوى القَفَّال" وغيره -رحمهم الله- أنه إذا قال (بخدائي سوكَند خوردم كه با فلان سخن نكَويم) 135 فهو يمين؛ لأنه إذا اقتصر على قوله (بخداى) 136 كان يميناً، وقولُه (سوكَند بخداى اكَربخانه اندر شوم) 137 ولم يكن يميناً فإنه ترجمة قول القائل: بالله، إنْ دخلْتَ الدار، وليس هذا كلاماً تاماً في نفسه بخلاف ما إذا قال: (بخداى كى من بخانه اندر شوم) 138 وأنه لو قال: لا أصلِّي علَى هذا المصلى، ففرش عليه ثوباً، وصلى فوقه، فإن نوى أنه لا يباشره بقدميه وجبهته وثيابه، لم يحنث، وإلا، حَنث، كما لو قال: لا أصلِّي في هذا المسجد، فوقف على حصيرة وصلَّى، ولو علَّق به الطلاق، ثم قال:
الجزء: 12 - الصفحة: 349
أردتّ أني لا أباشره، دُيِّنَ، ولم يقبل في الحكم، وأنه إذا حلف؛ لا يكلم فلاناً شهراً، وهو في خلال شهر هلاليِّ، يحنث بثلاثين يوماً، وإن لم يَبْقَ منه إلا يومٌ، وإن حلف في خلال اليوم الأخير، وخرج الشهر بعده ناقصاً كفاه ذلك، وأنَّه إذا حلَفَ لا يكلِّم فلاناً، فولاَّه ظهره، وقال: يا فلانُ، افعل كذا، حَنِث، ولو أقبل على الجِدار، وقال: يا جدارُ، افعل كذا، لم يَحْنَث، وإن كان غَرَضُه إفهامَ ذلك الرَّجُل، وكذا لو أقبل عَلَى الجِدَارِ، ولم يقل: يا جدارُ، ولا يا فلانُ، وأنه لو حلف، لا يلبس ثوباً من غزلها، فرقع برقعة كِرْباس من غزلها، حنث، وعن أبي عاصم العبَّاديِّ: أنه لا يحنث، وتلك الرقعةُ تتبع الثوب 139.
ولو تكوَّر بعمامة نسجت من غزلها، حَنِث، إن حلف بالعربية، وإن حلف بالفارسية، فلا، وإن الْتَحَفَ بلحاف من غزلها, لم يحنث 140، وأنه لو حَلَف؛ لا يفعل كذا، فجُنَّ، وفعله في حال جنونه، ففي الحنث قولان، وفي "المبتدأ" في الفقه للقاضي الرويانيِّ: أنه لو قال: لا أدخل حانوتَ فلانٍ، فدخل الحانوت الذي يعمل فيه، وهو مِلْكٌ لغيره، لا يحنث، هكذا قال الشافعيُّ -رضي الله عنه- قال: والفتْوَى أنه يحنث؛ لأنه لا يراد به إلاَّ الذي يسْكُنُه، ويَعْمَلُ فيه.
إذا قِيلَ له: كلَّم زيْداً اليوم، فقال: والله لا كلمته، فاليمين على الأبد إلا أن ينْوِيَ اليوم، فإن كان ذلك في الطلاق، وقال: أردت اليوم، لم يُقْبَلْ في الحكم 141.
وعن أصحاب أبي حنيفة -رحمهم الله- أن اليمين ينعقِدُ على اليَوْم، وفي كتبهم: أنه لو قال: وسلطانِ اللهِ، فهو يمينٌ، إن أراد به القدرة، وإن أراد به المقَدور، فلا، وبه نقول، وأنه لو قال: ورحمةِ اللهِ وغَضَبِهِ، لم يكن يميناً، ويشبه أن يُقَالَ: إن أراد إرادةَ النِّعْمة، وإرادةَ العقوبة، فهو يمين، وإن أراد الفعل، فلا، وأنه لو حلف؛ ليَضْرِبَنَّ امرأته حتى يُغْشَى عليها، أو تبول، فهذا على الحقيقة، ولو قال: حتى أقتلها أو ترفع ميتةً، حمل على أشد الضرْبِ ويظهر علَى أصلنا الحَمْلُ على الحقيقة أيضاً، ولو حلف؛
الجزء: 12 - الصفحة: 350
ليضْرِبَنَّها في كلِّ حقٍّ وباطلٍ، فهذا على الشكاية بحق أو باطل، ويمكن أن يحمل على ما يوجد منها من حق وباطل، ولا يعتبر الشكاية، وأنه لو حَلَف، لا يدخل هَذه الخيمة، فقلعت، وضربت في موضع آخر، فدخلها، حنِث، ولو حلف؛ لا يجلس على هذه الأسطوانة أو الحائط فأعيد بناؤُهُمَا بعْد النقض، وجلس على المُعَاد، لم يحنث، وكذا لو حلف على مقص أو سكِّين أو سيف، فكسر وأُعِيدَتِ الصنعة، ولو نزع مسماراً لِمقَصّ ونصاب السكين، وأُعيدَ نصابٌ آخر، ومسمارٌ آخر، يحنث، ولو حلف لا يقرأ في هذا المُصْحَف، فحطه، ثم قلبت أوراقه، فقرأ فيه، حَنِث، ولو حلف، لا يدخل هذا المسجد، فزيد فيه، فدخل موضع الزيادة، لم يحْنَث، ولو حلَف؛ لايدخل مسْجِدَ بني فلان، فزِيدَ فيه، فدخل موضع الزيادة، حنث، ولو حلَفَ؛ لا يكتب بهذا القلم، فكسره، ثم براه، وكتب به لم يَحْنَث، وبأجوبتهم نُجِيب إلاَّ في هذه الصورة الأخِيرَة 142. وأنه لو حلف؛ لا يأكل من كسب فلان، فكسبه ما يمتلَّكه من المباحات، وبالعقود دون ما يرثه، ولو اكتسب فلانٌ شيئاً، ومات، فوَرِثَ منه، ثم أكل منه الحالِفُ، حنِث، ولو انتقل إلَى غيره بشراءٍ أو وصيةٍ، لم يحنث؛ لأن ما قبله غيره ولم يصر مكتسباً له، فيبقى مكتسباً للأوَّل، ويكونُ كما إذا قَالَ: مما زرع، فأكل مما زَرَعه، وباعه من غيره، يحنث، ولك ألاَّ تفرق بينهما، ويُشْترطُ لمكتسبه أن يكون باقياً في ملكه، وقد يتردَّد فيما يدْخُل في ملكه باحتطاب عبده 143 وقبوله الهبة والوصية، فيجوز أن يلْحق بما يدخل في ملكه إرثاً، ويجوز أن يُقَالَ: يملك العبد أو إمساكه اكتساب لما يستفيده، ويجوز أن يفرق بين أن يكون العبدُ مُكْتَسَباً أو موروثاً، وأن الحلواء كل حلو ليس في جنسه حامضٌ نحو الخبيص، والعسل والسكر، دون العنب والإِجّاص 144 والرُّمَّان، والأشبه أن يشترط في إطلاق الحلو أن يكون معمولاً، وأن يخرج معه العسل
الجزء: 12 - الصفحة: 351
والسكر، فالحلو غير الحلواء 145، وأن الشواء يقع على اللحم خاصَّةً ولا يدخل فيه السَّمك المَشْوِيُّ، وهذا كما أن اسْمَ اللحم لا يقع على السَّمك، وأن الطبيخ يَقَع على اللحم، يجعل في الماء، ويطبخ، وعلَى مرقته، وعن بعضهم أنَّه يقع علَى الشحم أيضاً، ولو طبخ أرز أو عدس بودك 146، فهو طبيخ، ولو طبخ بزَيْتٍ أو سمنٍ، فليس بطبيخ 147، وذكر أبو الحسنِ العباديُّ في "الرقم": أنه إذا حلف؛ لا يأكُل المرق، فهو ما يطبخ باللحم أيَّ لحم كان، لا ما يطبخ بالكَرِش والبطون، والشحم على وجهين، وإنْ حلف؛ لا يأكل المطبوخ، يَحْنَث بما يطبخ بالنار، أو أعلى، ولا يحنث بالمشوِيِّ الطباهجة 148 مشوية، ويحتمل غيره.
وأن الغداء من طلوع الفجر إلى الزوال، والعشاء من الزوال إلَى نصف الليل، والسحور ما بين نصف الليل إلَى طلوع الفجر، ومقدار الغداء والعشاء أن يأكل أكثر من نصف الشبع، ولو حلف لَيَأْتِيَنَّهُ غدوَةً، فهذا بعد طلوع الفجر إلَى نصف النهار، والضحوة بعد طلوع الشمس من الساعة التي يحلُّ فيها الصلاة إلَى نصف النهار، والصباح ما بعد طلوع الشمْسِ إلى ارتفاع الضحى، وقد يتوقف في كون العشاء من الزَّوَال وفي مقْدَار الغداء والعشاء، وفي امتداد الغدوة إلَى نصف النهار، وفي أن الضَّحْوة من الساعة الَّتي تَحِلُّ فيها لا صلاة.
وأنه، لو حلف؛ لا يكلم فلاناً، فنبهه من النوم، حنث، وينبغي أن يُفْرَقَ بين أن يكون عالماً أو جاهلاً، وأنه لو قال: لا أكلمه اليومَ ولا غداً، لم تدخل الليلة المتخلِّلة في اليمين، ولو قال: لا أُكَلِّمُه اليوم وغداً، دخلت، والوجه التسوية بينهما, ولو قال: لا أُكَلِّمُه اليوم وسنة أو شهراً فعليه أن يدع الكلام في ذلك اليوم، كلَّما دار في السنة أو الشهر.
ولو قال في يوم السبت لا أُكلِّمُه اليوم، يعني في السبت عشرة أيام، فاليمين على سبتين، وكذا لو قال: ولا أكلِّمُه يوم السبت يومين، ولو حلف؛ لا يكلِّم فلاناً الشتاء، فأوَّلُ ذلك إذا لَبِسَ الناسُ الحشْوَ والفراء، وآخره إذا ألقوها في البلد الذي حلف فيه، والصيف على خلاف ذلك، والربيعُ آخر الشتاء ومستقبل الصيف إلى أن ييبس العشب،
الجزء: 12 - الصفحة: 352
والخريفُ فصلٌ بين الشتاء والصيف، والظاهرُ عنْدنا حَمْلُهَا عَلَى المُدَدِ المعلومة، ولو قال: أُكَلِّمُه يوماً ولا يومَيْنِ، فاليمين على يومين، فلو كلمه في اليوم الثالث لا يحنث، وهذا ما أورده أبو الحَسَنِ العباديُّ؛ قال: ولو قال يوماً ويومين، فاليمين على ثلاثة أيام؛ لأنه عطف مبتدأ، وأنه لو حلف؛ لا يكلِّم فلاناً وفلاناً أو فلاناً يحنث بكلامِ الثالث، أو كلام الأولَيْنِ، ولكن يجوز أن يريد ألاَّ يكلَم الأول، ولا أحد الآخرين، وحينئذٍ، فيَحْنَثُ بكلام الأول، أو بكلام أحد الآخَرْينِ، وينبغي أن يراجَعَ.
ولو قال: لا أكلم فلاناً أو فلاناً، وفلاناً يحنث بكلام الأول أو كلام الآخرين، لكن يجوز أن يريد أنه لا يكلِّم الثالث، ولا يكلِّم أحدَ الآخرين، وحينئذٍ، فيحنث بكلام الثالث، أو بكلام أحد الأولين، وأنه لو حلف؛ لا يساكنُهُ في الدنيا، ذكر أصحابنا وجهَيْنِ في أنه إذا نوى ألا يسكن هو، والمحلوفُ عليه في البلدة، هل يُحْمَلُ اليمين علَى ما نوى؟ وجه المنع أن ذلك ليس 149 بمساكنة، وإذا نوَى مَا لاَ يُطَابِقُ اللفظ، لم تعمل النية بمجرَّدها، وقاسُوهُ علَى ما إذا قال: لا أساكِنُهُ، وزعم أنه أراد المساكنة في إقليم، وأنه لو حلف ليهدِمَنَّ هذه الدار، فهدم سُقُوفَهَا، بَرَّ، ويجوز أن يُقَالَ: ينبغي أَلاَّ يبقى ما يسمَّى داراً، ولو حلف ليهدِمَنَّ هذا الحائط، أو لينقضنَّه فهذا علَى أن يهدمَ حتى لا يبقَى منه شيء يُسمَّى حائطاً، والكسر لا يعتبر فيه ما يزيل اسم الحائط، وأنه لو حلَفَ، لا يرتكب حراماً، فهو الزنَا، فإن كان الحالف خَصِيّاً أو مجْبِوباً، فعلى القُبْلَةِ الحَرَامِ ونحوها, ولو حلَفَ، لا يطأ امرأةً وطئاً حراماً، فوطئ امرأته، وهي حائضٌ أو مظاهرٌ منها, لا يحنث، ولا نساعدهم في المسألتَيْنِ.
في فتاوى الفقيه أبي اللَّيْث: أن قوله "حقاً أفعل كذا" ليس بيمين عند بعضهم، كقوله"صدْقاً" وقال آخرون: هو يمين، فإنَّ الحقَّ هو الله تعالَى، فكأنه قال الله أفعل كذا، وينبغي أن يجعل كنايةً، ويُراجع، وأن بعضَهم سُئِلَ عن قَصَّار ذهب من حانوته ثَوْبٌ، فَتَّهَم أجيراً له، وقال: (تومر ازيان كردى) 150 فقال (من ترا زيان كردم) 151 وحلف عليه، وكان قد أخذ الثوب، وهو لغير القصار، فقال: أخشى أن يحنث؛ لأن مراد القصار الخيانة فيما في يده لا حَقِيقَةُ المِلْك، وقد يوجَّه أيضاً بأنَّ أخذ الثوْب من حانوته إِضرارٌ به؛ لأنه يسوء الظن به، ويقع في معرض التهم، واللفْظُ مطلَقٌ للإِضرار لا الاِضرار في المملوك، وأن بعضهم قال: إذا حلف؛ ألاَّ يأكل من مالِ فلانٍ، ثم تناهدا هذا، فأكل الحالفُ من ذلك، قال: لا يحنث؛ لأنه أكل في عرف الناس من مالِ نفسه، ولينظر، أكان مالُ فلان مخلوطاً بماله، فأكل منه أو أكل من مال فلانٍ خاصَّةً،
الجزء: 12 - الصفحة: 353
فالمشاهدان تارةً يخلطان، وتارةً يتناوبان على احتضار الطعام، وينجَزُّ النظر إلَى أن الضيف يأكُلُ مالَ الُمضِيفِ أو يملك ما يتناوله.
وأنه لو حلف؛ لا يزور فلاناً حيّاً وميِّتاً، فشيع جنازته، لا يحنث، وبه نقول.
وأنه لو حلف لا يصطاد، ما دَامَ الأمير في البلد، فخرج الأميرُ منْها، فاصطاد، ثُمَّ رجع الأمير، فاصطاد، لم يحنث؛ لأنه لَمَّا خرج من البلدة، سقَطَتِ اليمين، وأنَّ بعضهم قال: لو قال: بسم الله، لأفعلن كذا، فهو يمين، ولو قال: بصفة الله تعالَى، فلا؛ لأن الأول من أيمان الناس؛ ألا ترى أن القائل يقول: "بِسْمِ الَّذِي أُنْزِلَتِ مَنْ عِنْدِه السُّوَرُ ولك أن تقول: إذا قلنا الاسم هو المسمَّى، فالحلف بالله تعالَى، وكذا إن جَعَلَ الاسمَ صلةً، وإن أراد بالاسم التسميةَ، لم يكن يميناً، وقوله: "بصفة الله" يشبه أن يكون يميناً إلا أن يريد الوصف، وأنه لو حلف؛ لا يركب، فركب ظَهْرَ إنسانٍ، فعَبَرَ على النهر، يحنث، وأنه لو حلف؛ لا يفتح سراويله على امرأته، فإن أراد جِمَاعَها، فقد حلف على ترك المجامعة، فهو مولٍ، وإن لم يرد ذلك، فينبغي أن يفتح سراويله لبَوْلٍ أو غائطٍ، ثم يجامعها إن شاء، فإن فتحه للجماع، فلا يؤمن أن يحنث، وفي "الرقْم" لأبي الحسن العباديِّ: أنه لو حلف؛ لا يأكل الحلواء، حنث بالمتخذ من الفانيذ والسكر والعسل والدبس والقند 152، وفي اللوزينج والجوزينح 153 وجهان، وفي فتاوى صاحبِ الكتابِ: أنه لو حلف، لا يُدْخِلُ داره الصُّوفَ، فأدخل كبشاً عليه صوف، لم يَحْنَثْ، وكذا لو حلف؛ لا يُدْخِلَ بَيْضاً، فأدخل دجاجةً، فباضت في الحال وأنه لو حلف لا يدخل معه تحت سقف، فقعد تحت أزج 154، حَنِث، وأنه لو حلف؛ لا يفطر، فمطلق هذا ينصرف إلى الأكل والوقاع ونحوهما, ولا يحنث بالردَّة والجنون والحيض ودخول الليل، وعن القفَّال: أنه لو قال لغيره (بخداى كه من نكَدارم باتو ازاين، خانه بيرون فقام) شون 155 ذلك الغير؛ ليخرج، فإن لم يتعلَّق به، ولم يمنعه من الخروج حتَّى خرج، حَنِث، وإن تعلَّق به، فغلبه، وخرج، لم يحْنَث.
وإن في نذْرِ اللِّجَاج؛ لو كان الملْتَزَمُ صوْمَ ثلاثة أيام، وقلنا: الواجب عليه كفارةُ يمينٍ، وكان مُعْسِراً، فصامها بنيَّة ما التزم، لا بنية الكفَّارة، لا يجزئه عن الكفَّارة.
الجزء: 12 - الصفحة: 354