من هم الأولياء؟:
هذه نبذة من ذم أهل الحق له3، وهم الأولياء حقيقة، لما شاع لهم من الأنوار التي ملأت الأقطار بمصنفاتهم التي أحيوا بها الدين، وأيدوا سنة سيد المرسلين، فقد قال الشيخ محيي الدين النووي4في مقدمة شرح المهذب "فصل في النهي الأكيد, والوعيد الشديد لمن يؤذي، أو يبغض الفقهاء، والمتفقهين".
وروى الخطيب البغدادي5عن الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما أنهما قالا: "إن لم يكن الفقهاء6أولياء الله، فليس لله ولي" وعن ابن عباس رضي الله
عنهما1: "من آذى فقيها, فقد آذى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ومن آذى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد آذى الله عز وجل" ا. هـ. ومن نابذ كلامهم، فقد عاداهم.
وقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قال الله: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب 2 " ومن رد أقوالهم3لأجل توهم أن من حكموا بكفره ولي لشهرة باطلة، وكلام مزوق يراد به الإضلال والغرور، فمن كمن 4 أصابه داء، فوصف له الأطباء العارفون دواء، فقال له عامي: لا تسمع منهم وخذ هذا فقد قال لي فلان وفلان, وعد جماعة مثله: أنه نافع، فاعتمد على مجرب، ولا تعتمد على طبيب.
وأمثال هذا من الخرافات، فقبل كلامه، لكونه قريب الطبع من طبعه، فأعطاه سما، فتحساه، فهلك إلى لعنة الله، فإنه لا عبرة بشهرة أصلا إلا شهرة كانت بين أهل العلم [60] الموثوق بهم، لأن الاستفاضة والشهرة من العامة، لا يوثق بها، وقد يكون أصلها التلبيس، وأما التواتر فلا يفيد العلم، إذا لم ينتبه إلى معلوم محسوس، وأما من مدحه، فهو أحد رجلين كما مضى عن الفاسي وغيره: رجل بلغه زهده وانقطاعه عن الناس، ولم يبلغه ما في كلامه من المصائب فالجرح5مقدم على ثنائه، أو رجل كان يعتقده في الباطن، فهو يناضل
من نفسه، فلا عبرة به1## رأي ابن أيوب في الحلاج وابن عربي: وحدثني الفاضل جمال الدين عبد الله بن الشيخ القدوة زاهد زمانه، والمشار إليه بالصلاح والمعارف والورع، وحفظ اللسان في أوانه بدمشق الشيخ علي بن أيوب2: أن أباه -الشيخ عليا المذكور- كان يجلس في الجامع مطرقا يقيم إحدى رجليه هيئة المستوفز، ويضع ذقنه على ركبته، فلا يكلم لهيئته، فإذا رفع رأسه، علم أنه أذن في الكلام، فسأله من أراد عما شاء، ففعل ذلك يوما، فلما رفع رأسه، سأله شخص عن ابن عربي هذا، فأطرق زمانا طويلا، ثم رفع رأسه، فقال: إنه كفر كفرا، ما وافق فيه كفر ملة من الملل، بل خرق بكفره إجماع الملل3، وزاد عليهم.
قال الشيخ جمال الدين: فحكيت ذلك لبعض من يشار إليه بالعلم والميل إلى ابن عربي، فقال: والله لو سمع ابن عربي هذا الكلام لقال: ما عرفني أحد غير هذا الرجل.
قال: وسئل والدي أيضا عن الحلاج، فقال: لا شك أن الحجاج قتل من العلماء خلائق يتعسر حصرهم، وشتت شملهم
وأبادهم، وقتل سعيد بن جبير1، وأهل الأرض محتاجون إلى علمه، وخلعه العلماء وخرجوا عليه، وقاتلوه، ومع هذا كله لم يقل أحد منهم، إنه كافر، بل قالوا: إنه من عصاة المسلمين، لا تحل امرأته لذلك.
والحلاج ما تعرض لأحد من أهل العلم بأذى في دنياه، وأجمع جميع أهل زمانه منهم على كفره واستباحة دمه، فلو كان العلماء يقولون بالهوى، لقالوا في الحجاج الذي ما ترك نوعا من الأذى حتى رماهم به، فثبت أنهم لا يقولون بالهوى، فوجب على الناس اتباعهم2وقبول كلامهم" وهذا غاية في البيان، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ الضابط المتقن المتفنن أستاذ المفسرين نادرة المحدثين، برهان دين العالمين، أبو الحسن إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط ابن علي بن أبي بكر البقاعي الشافعي، نزيل القاهرة المحروسة: فرغت من مسودة هذا الكتاب بحمد الهادي للصواب في شوال سنة أربع وستين وثمانمائة.
والحمد لله وحده.
وفرغ من نسخ هذه النسخة المباركة في وقت العصر من يوم الأربعاء من شهر ربيع الآخر من شهور سنة سبع وأربعين وتسعمائة.
تحذير العباد من أهل العناد ببدعة الاتحاد