لكن مسألة الوعيد -يعني التي قال فيها ابن عربي: وما لوعيد الحق عين تعاين-3لا بد فيها من نبذة لطيفة للضرورة.
اعلم [45] أنه ثبت بالدلائل العقلية والسمعية، وإجماع المسلمين أن قول الله حق، وخبره صدق، وذلك واجب له لذاته سبحانه وتعالى، ومن أنكر أن خبر الله حق، أو أن وعده ووعيده صدق فهو كافر بإجماع المسلمين، وإنما قال بعض الناس من الأصوليين: إنه لا يجب وقوع الوعيد بتأويل مقرر في الأصول، وحقيقته ترجع إلى أن كلام الله تعالى منزل على عادة العرب في تخاطبها، وعادتها إذا أوعدت بالعقوبة -وإن كانت
صورتها الوعيد الجازم- فإنما تريد: إذ لم تعف, وأصرت على الانتقام، وادعي أن ذلك مركوز في طباعها، وأن حقيقة اللفظ الحمل عليه، سواء أراده حالة التخاطب، أو لم يرده.
وقال فيه آخرون: إن الرب سبحانه وتعالى علق الأشياء بمشيئته في غير موضع, وأن الوعد المطلق مقيد بالمشيئة، فجوز أن يقع الوعيد بشيء، فلا يحصل المتوعد: إما لأن حقيقة اللفظ مقيدة بعدم العفو، وإما لأن مطلق اللفظ مقيد بنصوص أخر مع أمور أخرى يحتملها اللفظ مطلقا من غير دليل خاص: من تقييد المطلق، وتخصيص العام، واحتمال الإضمار والمجاز.
وجوز أن يضع الله تعالى اللفظ وضعا جديدا لمعنى آخر لا تفهمه العرب عند بعض الناس إلى غير ذلك.
ومع هذا كله، فإنما هو كلام في أصل الوعيد من حيث الجملة.
وأما خصوص مسألة وعيد الكافرين، فلا خلاف أن المراد به قد علم، وأن من ادعى أن الكفار لا يعذبون أصلا، فهو كافر، إلا أن يكون ممن لم تبلغهم الدعوة, أو في معناه، والمراد في وعيد الكافرين المعلوم: هو أنهم يعذبون في النار العذاب الشديد، ولا يغفر كفرهم المغفرة المزيلة للعقوبة بعد بلوغ الدعوة، على الوجه الذي تقوم به الحجة.
والعلم بالمراد في هذه القضية متلقى بوجهين: أحدهما: أخبار التواتر.
الثاني: فهم الصحابة لذلك عن المعصوم فهما قطعيا منقولا إلينا بالتواتر المعنوي1، وإنما تكلموا في مسألة الخلود دون أصل.
التعذيب، فمن حاك1الخلاف عن السلف، ومن 2 حاك الإجماع "............" ففيها نظر.
والله أعلم"