البساطي وشرحه للتائية
وقد قام في زماننا ناس حدثان الأسنان سفهاء الأحلام، أرادوا [50] إظهار هذا المذهب، ثم أخزاهم الله تعالى، فقلقلوا كل مقلقل, وكان مما قالوه: أن الشمس البساطي هذا منهم، وأنه شرح تائية ابن الفارض، فاستبعد هذا منه.
وإن كان ما قالوه صحيحا، فقد قضى على نفسه في كلامه هذا، بأنه خرج من دائرة العقل، ثم يسر الله -وله الحمد- الاطلاع على الشرح المنسوب إليه, فإذا هو بريء مما فرقوه به كما كنت أظن، فرأيته قال في أوله: "أما بعد: فهذا كتاب شرح قصيدة ابن الفارض، ولباب فتح، وصيد لحن [ابن] الفارض على وجه أنا نبين مراده من كلامه بقدر فهمنا لمقصوده منه، ولا يلزمنا صحة ما قاله في العربية لفظا، أو في الشريعة معنى، أو استحسانا، عقلا أو شرعا أو عرفا" ثم تكلم على الأبيات على وجه يظهر منها حملها على موافقة الشرع ما أمكنه، فإذا عجز صرح في ذلك الموضع بما يليق به من الحكم عليه من غير
ثم قرر1أمر التسخير، وأن منه ما هو بالمال، ومنه ما هو با لحال، وأن ما هو بالحال مثل تسخير الطفل لأبيه بالقيام في مصالحه، وتسخير الرعايا للملك بقيامه في مصالحهم, قال: "وهذا كله تسخير بالحال من الرعايا يسخرون [في ذلك] مليكهم، ويسمى على الحقيقة تسخير المرتبة، فالمرتبة حكمت عليه بذلك، فالعالم كله يسخر بالحال من لا يمكن أن يطلق عليه اسم مسخر.
قال الله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ [فِي] شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29] فكان عدم قوة إرداع هارون بالفعل أن ينفذ في أصحاب العجل بالتسليط على العجل، كما سلط موسى [عليه] حكمة من الله ظاهرة في الوجود؛ ليعيد في كل صورة2، وإن ذهبت تلك الصورة بعد ذلك, فما ذهبت إلا بعد ما تلبست عند عابدها بالألوهية، ولهذا ما بقي نوع من الأنواع إلا وعبد, إما عبادة تأله، وإما عبادة تسخير، فلا بد من ذلك لمن عقل، وما عبد شيء من العالم إلا بعد التلبس بالرفعة عند العابد، والظهور بالدرجة في قلبه، ولذلك تسمى الحق لنا برفيع الدرجات، ولم يقل: رفيع الدرجة، فكثر الدرجات في عين واحدة، فإنه قضى أن لا يعبد إلا إياه في درجات كثيرة مختلفة، أعطت كل درجة مجلى إلهيا عبد فيها.