(بَابُ صِفَةِ النُّسُكِ)
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الجمل
- الكتاب
- فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهج الطلاب المعروف بحاشية الجمل (منهج الطلاب اختصره زكريا الأنصاري من منهاج الطالبين للنووي ثم شرحه في شرح منهج الطلاب)
- المؤلف
- سليمان بن عمر بن منصور العجيلي الأزهري، المعروف بالجمل (المتوفى: 1204هـ)
- الناشر
- دار الفكر
- الطبعة
- بدون طبعة وبدون تاريخ
- عدد الأجزاء
- 5 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] «شرح منهج الطلاب» لزكريا الأنصاري، بأعلى الصفحة يليه - مفصولا بفاصل - «حاشية الجمل» عليه
(بَيْنَ زَوَالٍ وَفَجْرٍ) يَوْمَ (نَحْرٍ) لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي خَبَرِهِ «وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» وَلِخَبَرِ «الْحَجُّ عَرَفَةَ مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَلَيْلَةُ جَمْعٍ هِيَ لَيْلَةُ الْمُزْدَلِفَةِ وَخَرَجَ بِالْأَهْلِ غَيْرُهُ كَمُغْمًى عَلَيْهِ وَسَكْرَانَ وَمَجْنُونٍ فَلَا يُجْزِئُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ لَكِنْ يَقَعُ حَجُّهُمْ نَفْلًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ فِي الْمَجْنُونِ كَحَجِّ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَاتَهُ الْحَجُّ لِصِحَّةِ حَمْلِهِ عَلَى فَوَاتِ الْحَجِّ الْوَاجِبِ.
(وَلَوْ فَارَقَهَا) أَيْ عَرَفَةَ (قَبْلَ غُرُوبٍ وَلَمْ يَعُدْ) إلَيْهَا (سُنَّ) لَهُ (دَمٌ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ لَا إنْ عَادَ إلَيْهَا وَلَوْ لَيْلًا؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا يُسَنُّ لَهُ وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الْمَوْقِفِ.
(وَلَوْ وَقَفُوا) الْيَوْمَ (الْعَاشِرَ غَلَطًا وَلَمْ يَقِلُّوا) عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ فِي الْحَجِيجِ لِظَنِّهِمْ أَنَّهُ التَّاسِعُ بِأَنْ غُمَّ عَلَيْهِمْ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فَأَكْمَلُوا ذَا الْقِعْدَةِ ثَلَاثِينَ ثُمَّ بَانَ لَهُمْ أَنَّ الْهِلَالَ أَهَلَّ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ
[حاشية الجمل]
لَا يُجْزِئُ، وَأَمَّا هَوَاهَا كَنَحْوِ سَحَابٍ أَوْ غُصْنِ شَجَرَةٍ أَصْلُهَا خَارِجٌ عَنْهَا أَوْ عَكْسُهُ فَلَا يَكْفِي وَلَوْ كَانَ وَلِيًّا وَمَرَّ عَلَيْهَا فِي الْهَوَاءِ فَإِنْ وَقَفَ عَلَى غُصْنٍ فِي هَوَائِهَا وَأَصْلُهُ فِي أَرْضِهَا كَفَى؛ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ هُنَا بِالْأَرْضِ وَبِذَلِكَ فَارَقَ مَا فِي الِاعْتِكَافِ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ كُلِّهِ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: بَيْنَ زَوَالٍ وَفَجْرِ نَحْرٍ) قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ يَحْرُمُ تَأْخِيرُ الْوُقُوفِ إلَى اللَّيْلِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ نَهَارًا، وَالرَّاجِحُ خِلَافُهُ وَعَلَى هَذَا هَلْ يُشْتَرَطُ لِلْجَوَازِ الْعَزْمُ عَلَى الْفِعْلِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ إذَا دَخَلَ وَقْتُهَا لَا يَبْعُدُ عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ؛ لِأَنَّ تَلَبُّسَهُ بِالْإِحْرَامِ كَافٍ إذْ هُوَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْأَرْكَانِ وَبِهَذَا فَارَقَ نَحْوَ الصَّلَاةِ وَأَيْضًا هُوَ جُزْءُ عِبَادَةٍ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. شَوْبَرِيٌّ وَإِنَّمَا لَمْ يُعْتَبَرْ هُنَا مُضِيُّ قَدْرِ الْخُطْبَتَيْنِ وَالصَّلَاةِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى اعْتِبَارِ الزَّوَالِ، بَلْ جَوَّزَهُ أَحْمَدُ قَبْلَهُ فَالْوَجْهُ الْقَائِلُ بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ كَمَا فِي الْأُضْحِيَّةِ شَاذٌّ وَلَعَلَّ الْفَرْقَ التَّسْهِيلُ عَلَى الْحَاجِّ لِكَثْرَةِ أَعْمَالِهِ فَوُسِّعَ لَهُ الْوَقْتُ وَلَمْ يُضَيَّقْ عَلَيْهِ بِاشْتِرَاطِ تَوَقُّفِهِ عَلَى شَيْءٍ آخَرَ بَعْدَ الزَّوَالِ بِخِلَافِ الْمُضَحِّي اهـ. شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ: وَفِي خَبَرِهِ وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ) عِبَارَةُ شَرْحِ م ر لِخَبَرِ «وَقَفْت هَا هُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ) أَيْ مَنْ جَاءَ عَرَفَةَ كَمَا يَدُلُّ لَهُ أَوَّلُ الْحَدِيثِ اهـ.
(قَوْلُهُ: هِيَ لَيْلَةُ الْمُزْدَلِفَةِ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِاجْتِمَاعِ الْحُجَّاجِ بِهَا أَوْ لِلْجَمْعِ فِيهَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ أَوْ لِاجْتِمَاعِ آدَمَ وَحَوَّاءَ بِهَا وَفِي تَسْمِيَتِهَا لَيْلَةَ جَمْعٍ رَدٌّ لِمَا قِيلَ إنَّهَا تُسَمَّى لَيْلَةَ عَرَفَةَ وَأَنَّ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ كَوْنِ اللَّيْلِ يَسْبِقُ النَّهَارَ وَكَأَنَّ قَائِلَهُ تَوَهَّمَهُ مِنْ إعْطَائِهَا حُكْمَ يَوْمِ عَرَفَةَ فِي إدْرَاكِ الْوُقُوفِ وَهُوَ فَاسِدٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ اهـ. حَجّ.
(قَوْلُهُ: لَكِنْ يَقَعُ حَجُّهُمْ نَفْلًا) الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمَجْنُونَ يَقَعُ حَجُّهُ نَفْلًا بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالسَّكْرَانِ فَإِنَّ حَجَّهُمَا لَا يَقَعُ نَفْلًا وَلَا فَرْضًا وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَهُ وَلِيٌّ يُحْرِمُ عَنْهُ وَلَا كَذَلِكَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالسَّكْرَانُ فَإِنَّهُ لَا وَلِيَّ لَهُمَا فَهُمَا وَإِنْ أَحْرَمَا عَنْ أَنْفُسِهِمَا قَبْلَ الْإِغْمَاءِ وَالسُّكْرِ لَيْسَ لَهُمَا مَنْ يَأْتِي عَنْهُمَا بِأَعْمَالِ الْحَجِّ اهـ. ز ي اهـ ع ش وَاعْتَمَدَ ح ل فِي السَّكْرَانِ تَفْصِيلًا فَقَالَ إنْ زَالَ عَقْلُهُ فَهُوَ كَالْمَجْنُونِ وَإِنْ لَمْ يَزُلْ انْتَظَرَتْ إفَاقَتَهُ وَيَقَعُ حَجُّهُ فَرْضًا وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ سُلْطَانُ اهـ شَيْخُنَا وَفِي شَرْحِ م ر مَا يَقْتَضِي هَذَا التَّفْصِيلَ.
وَعِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ وَالْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ جَمِيعَ الْوَقْتِ لَا يَقَعُ حَجَّةُ لَا فَرْضًا وَلَا نَفْلًا لِعَدَمِ أَهْلِيَّتِهِ بِخِلَافِ الْمَجْنُونِ وَالسَّكْرَانِ إذَا زَالَ عَقْلُهُ فَيَقَعُ حَجُّهُمَا نَفْلًا بِخِلَافِ السَّكْرَانِ إذَا لَمْ يَزُلْ عَقْلُهُ فَيَقَعُ حَجُّهُ فَرْضًا وَسَوَاءٌ تَعَدَّى السَّكْرَانُ وَالْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ بِمَا فَعَلُوهُ أَوْ لَا انْتَهَتْ.
وَفِي الرَّشِيدِيِّ مَا نَصُّهُ وَصُورَتُهُ فِي الْمَجْنُونِ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ وَلِيُّهُ عَلَى إحْرَامِهِ السَّابِقِ فَلَا يَكْفِي حُضُورُ الْمَجْنُونِ بِنَفْسِهِ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَيْضًا لَكِنْ يَقَعُ حَجُّهُمْ نَفْلًا) هَذَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَهُوَ أَهْلٌ لِلْعِبَادَةِ فِي الْفَرْضِ لَا مُطْلَقًا اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: سُنَّ دَمٌ) أَيْ كَدَمِ التَّمَتُّعِ اهـ. شَرْحُ م ر وَهُوَ دَمُ تَرْتِيبٍ وَتَقْدِيرٍ اهـ. حَجّ.
(قَوْلُهُ: خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ) وَهُوَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ لَيْلًا) غَايَةٌ لِلرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ عَوْدُهُ فِي اللَّيْلِ لَا يُسْقِطُ وُجُوبَ الدَّمِ؛ لِأَنَّ النُّسُكَ الْوَارِدَ الْجَمْعُ بَيْنَ آخِرِ النَّهَارِ وَأَوَّلِ اللَّيْلِ وَقَدْ فَوَّتَهُ اهـ. شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ وَقَفُوا الْعَاشِرَ إلَخْ) مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْوُقُوفُ لَيْلَةَ الْحَادِيَ عَشَرَ وَهُوَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَخَالَفَهُ ابْنُ الْمُقْرِي فِي إرْشَادِهِ فَصَرَّحَ بِصِحَّةِ الْوُقُوفِ لَيْلَةَ الْحَادِيَ عَشَرَ حَيْثُ قَالَ بَيْنَ زَوَالِ يَوْمٍ أَوْ ثَانِيهِ لِغَلَطِ الْجَمْعِ وَفَجْرِ غَدِهِ وَعَلَيْهِ فَلَا يُجْزِئُ قَبْلَ الزَّوَالِ وَيَكُونُ أَدَاءً وَلَا يَصِحُّ نَحْوُ رَمْيٍ إلَّا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَتَقَدَّمَ الْوُقُوفُ وَلَا ذَبْحَ إلَّا بَعْدَ طُلُوعِ شَمْسِ الْحَادِيَ عَشَرَ وَمُضِيِّ قَدْرِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ وَتَمْتَدُّ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ عَلَى حِسَابِ وُقُوفِهِمْ وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَأَعْرَبَ بَعْضُهُمْ غَلَطًا مَفْعُولًا لَهُ لِيَشْمَلَ مَسْأَلَةَ الرَّافِعِيِّ وَهِيَ مَا لَوْ تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَالُ قَبْلَ الزَّوَالِ فَوَقَفُوا عَالِمِينَ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يُجْزِيهِمْ إذْ لَوْ أُعْرِبَ مَصْدَرًا فِي مَوْضِعِ الْحَالِ بِمَعْنَى غَالِطِينَ خَرَجَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ وَدَخَلَ غَلَطُ الْحَاسِبِ الَّذِي يَعْتَمِدُ مَنَازِلَ الْقَمَرِ وَتَقْدِيرَ سَيْرِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْلُ عِبَارَةِ الْأَصْلِ عَلَى الْحَالِ لِتَخَرُّجِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّ فِيهَا خِلَافًا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْجَلَالُ الْمَحَلِّيُّ إذْ لَوْ دَخَلَتْ فِي عِبَارَتِهِ لَزِمَ الْقَطْعُ فِيهَا بِالْإِجْزَاءِ مَعَ أَنَّ فِيهَا خِلَافًا اهـ. بِرْمَاوِيٌّ وَفِي سم عَلَى حَجّ مَا نَصُّهُ (فَرْعٌ) الْوَجْهُ أَنَّهُ إذَا حَصَلَ الْغَلَطُ صَارَ الْعَاشِرُ هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ شَرْعًا وَالْحَادِيَ عَشَرَ هُوَ الْعِيدُ شَرْعًا فِي حَقِّ كُلِّ مَنْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ أَوْ أَحْرَمَ بِهِ فِي ذَلِكَ فَلَا تُجْزِئُ تَضْحِيَتُهُ فِي الْيَوْمِ التَّاسِعِ وَلَا الْعَاشِرِ وَقَضِيَّةُ ذَلِكَ صِحَّةُ صَوْمِهِ الْعَاشِرَ
(أَجْزَأَهُمْ) وُقُوفُهُمْ سَوَاءٌ أَبَانَ لَهُمْ ذَلِكَ فِي الْعَاشِرِ أَمْ بَعْدَهُ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِمْ إذْ لَوْ كُلِّفُوا بِهِ لَمْ يَأْمَنُوا وُقُوعَ مِثْلِ ذَلِكَ فِيهِ وَلِأَنَّ فِيهِ مَشَقَّةً عَامَّةً بِخِلَافِ مَا إذَا قَلُّوا وَلَيْسَ مِنْ الْغَلَطِ الْمُرَادِ لَهُمْ مَا إذَا وَقَعَ ذَلِكَ بِسَبَبِ حِسَابٍ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَخَرَجَ بِالْعَاشِرِ مَا لَوْ وَقَفُوا الْحَادِيَ عَشَرَ أَوْ الثَّامِنَ غَلَطًا فَلَا يُجْزِيهِمْ لِنُدْرَةِ الْغَلَطِ فِيهِمَا؛ وَلِأَنَّ تَأْخِيرَ الْعِبَادَةِ عَنْ وَقْتِهَا أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِسَابِ مِنْ تَقْدِيمِهَا عَلَيْهِ فِي الثَّانِي.
(فَصْلٌ) فِي الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَالدَّفْعِ مِنْهَا وَفِيمَا يُذْكَرُ مَعَهُمَا (يَجِبُ) بَعْدَ الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ (مَبِيتٌ) أَيْ مُكْثٌ (لَحْظَةٍ) وَلَوْ بِلَا نَوْمٍ (بِمُزْدَلِفَةَ) لِلِاتِّبَاعِ الْمَعْلُومِ مِنْ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ وَالتَّصْرِيحُ بِالْوُجُوبِ وَبِالِاكْتِفَاءِ بِلَحْظَةٍ مِنْ زِيَادَتِي فَالْمُعْتَبَرُ الْحُصُولُ فِيهَا لَحْظَةً (مِنْ نِصْفٍ ثَانٍ) مِنْ اللَّيْلِ
[حاشية الجمل]
اهـ. م ر، ثُمَّ قَالَ أَعْنِي سم وَهَلْ يَثْبُتُ كَوْنُ الْحَادِيَ عَشَرَ هُوَ الْعِيدُ وَالثَّلَاثَةِ بَعْدَهُ هِيَ التَّشْرِيقُ فِي حَقِّ غَيْرِ الْحَجِيجِ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ لِصَلَاةِ الْعِيدِ وَذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فِيهِ نَظَرٌ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي فِي غَيْرِهِمْ أَنَّ مَنْ سَلِمَ مِنْ الْغَلَطِ وَثَبَتَتْ الرُّؤْيَةُ فِي حَقِّهِ كَأَنْ كَانَ هُوَ الرَّائِيَ أَوْ لَا لَمْ يَثْبُتْ مَا ذُكِرَ فِي حَقِّهِ بَلْ يَعْمَلُ بِمُقْتَضَى تِلْكَ الرُّؤْيَةِ وَمِمَّا يُعَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الْحَجِيجِ لَوْ انْفَرَدَ بِالرُّؤْيَةِ لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِالرُّؤْيَةِ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ مُوَافَقَةُ الْغَالِطِينَ وَإِنْ كَثُرُوا وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي بَعْضِ الْحَجِيجِ فَفِي غَيْرِهِمْ أَوْلَى.
وَعِبَارَةُ الْعُبَابِ وَمَنْ رَأَى الْهِلَالَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ مَرْدُودِ الشَّهَادَةِ وَقَفَ فِي التَّاسِعِ عِنْدَهُ وَإِنْ وَقَفَ النَّاسُ بَعْدَهُ اهـ. وَمَنْ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ الْغَلَطِ بِأَنْ لَمْ يَرَهُ هُوَ وَلَا مَنْ يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِرُؤْيَتِهِ فَيُحْتَمَلُ ثُبُوتُ مَا ذُكِرَ فِي حَقِّهِ تَبَعًا لِلْحَجِيجِ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ؛ لِأَنَّ هَذَا مِنْ خَصَائِصِ الْحَجِّ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ لَوْ تَرَكُوا الْحَجَّ وَوَقَفُوا فِي هَذَا الْغَلَطِ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِمْ هَذَا الْحُكْمُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، بَلْ الْعِبْرَةُ فِي حَقِّهِمْ بِمَا تَبَيَّنَ وَهَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ لِأَهْلِ مَكَّةَ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي الْمَطْلَعِ أَمَّا مَنْ خَالَفَهُمْ فِيهِ فَلَا تَوَقُّفَ فِي عَدَمِ ثُبُوتِ مَا ذُكِرَ فِي حَقِّهِمْ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَجْزَأَهُمْ وُقُوفُهُمْ) وَيَكُونُ أَدَاءً لَا قَضَاءً؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ الْقَضَاءُ أَصْلًا وَقَدْ قَالُوا لَيْسَ يَوْمُ الْفِطْرِ أَوَّلَ شَوَّالٍ مُطْلَقًا، بَلْ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَكَذَا يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ وَيَوْمُ عَرَفَةَ الَّذِي يَظْهَرُ لَهُمْ أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ سَوَاءٌ التَّاسِعُ وَالْعَاشِرُ لِخَبَرِ «الْفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ وَالْأَضْحَى يَوْمَ يُضَحِّي النَّاسُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّافِعِيِّ «وَعَرَفَةُ يَوْمَ يَعْرِفُ النَّاسُ» ، وَمَنْ رَأَى الْهِلَالَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ وَشَهِدَ بِهِ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ يَقِفُ قَبْلَهُمْ لَا مَعَهُمْ وَيُجْزِيهِ إذْ الْعِبْرَةُ فِي دُخُولِ وَقْتِ عَرَفَةَ وَخُرُوجِهِ بِاعْتِقَادِهِ، وَهَذَا كَمَنْ شَهِدَ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ، وَقِيَاسُهُ وُجُوبُ الْوُقُوفِ عَلَى مَنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ وَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ صِدْقُهُ اهـ. شَرْحُ م ر، وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُهُ الْقَضَاءُ أَصْلًا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِي غَيْرِ يَوْمِهِ الْمَخْصُوصِ فِي غَيْرِ الْغَلَطِ الْمَارِّ وَإِلَّا فَهُوَ يَقْضِي بِالْإِفْسَادِ كَمَا يَأْتِي وَقَوْلُهُ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ لَيْسَ بِقَيْدٍ فَالْمَدَارُ عَلَى أَنَّهُ رَآهُ، وَقَوْلُهُ وَقِيَاسُهُ وُجُوبُ الْوُقُوفِ عَلَى مَنْ أَخْبَرَهُ وَانْظُرْ هَلْ يُجْزِئُ هُنَا مَا مَرَّ فِي الصَّوْمِ مِنْ الْعَمَلِ بِالْحِسَابِ اهـ. رَشِيدِيٌّ وَلَا فَرْقَ فِي إجْزَاءِ الْوُقُوفِ غَلَطًا فِي الْعَاشِرِ بَيْنَ وُقُوفِهِمْ فِيهِ مَعًا أَوْ مُرَتَّبِينَ وَاحِدًا وَاحِدًا مَثَلًا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَإِنْ تَوَهَّمَ بَعْضُ الطَّلَبَةِ خِلَافَهُ اهـ. سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: مَا إذَا وَقَعَ ذَلِكَ بِسَبَبِ حِسَابٍ) أَيْ فَلَا يُجْزِيهِمْ وَوَجْهُهُ نِسْبَتُهُمْ إلَى التَّقْصِيرِ فِي الْحِسَابِ اهـ. رَشِيدِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَخَرَجَ بِالْعَاشِرِ إلَخْ) عِبَارَةُ أَصْلِهِ مَعَ شَرْحِ م ر وَإِنْ وَقَفُوا فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ غَلَطًا بِأَنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ ذِي الْقِعْدَةِ ثُمَّ بَانَا كَافِرَيْنِ أَوْ فَاسِقَيْنِ وَعَلِمُوا قَبْلَ فَوَاتِ الْوُقُوفِ وَجَبَ الْوُقُوفُ فِي الْوَقْتِ تَدَارُكًا لَهُ وَإِنْ عَلِمُوا بَعْدَهُ أَيْ بَعْدَ فَوَاتِ وَقْتِ الْوُقُوفِ وَجَبَ الْقَضَاءُ لِهَذِهِ الْحِجَّةِ فِي عَامٍ آخَرَ فِي الْأَصَحِّ لِنُدْرَةِ الْغَلَطِ وَفَارَقَ الْعَاشِرُ بِأَنَّ تَأْخِيرَ الْعِبَادَةِ عَنْ وَقْتِهَا أَقْرَبُ إلَى الِاحْتِسَابِ مِنْ تَقْدِيمِهَا عَلَيْهِ وَبِأَنَّ الْغَلَطَ بِالتَّقْدِيمِ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقَعُ لِغَلَطٍ فِي الْحِسَابِ أَوْ خَلَلٍ فِي الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِتَقْدِيمِ الْهِلَالِ وَالْغَلَطُ بِالتَّأْخِيرِ قَدْ يَكُونُ بِالْغَيْمِ الَّذِي لَا حِيلَةَ فِي دَفْعِهِ وَالثَّانِي لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِمْ قِيَاسًا عَلَى مَا إذَا غَلِطُوا بِالتَّأْخِيرِ وَفُرِّقَ الْأَوَّلُ بِمَا مَرَّ وَلَوْ غَلِطُوا بِيَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ أَوْ فِي الْمَكَانِ لَمْ يَصِحَّ جَزْمًا لِنُدْرَةِ ذَلِكَ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يُجْزِيهِمْ) وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - بِإِجْزَائِهِ لَهُمْ وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ اهـ بِرْمَاوِيٌّ.
[فَصْلٌ فِي الْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ]
وَيَنْقَضِي بِقَوْلِهِ لَزِمَهُ دَمٌ وَاَلَّذِي يُذْكَرُ مَعَهُ هُوَ قَوْلُهُ وَسُنَّ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهَا إلَى قَوْلِهِ إلَى أَسْفَارٍ، وَقَوْلُهُ وَالدَّفْعُ مِنْهَا هُوَ الْمَذْكُورُ بِقَوْلِهِ، ثُمَّ يَسِيرُوا فَيَدْخُلُوا مِنًى بَعْدَ طُلُوعِ شَمْسٍ وَاَلَّذِي يُذْكَرُ مَعَهُ هُوَ قَوْلُهُ فَيَرْمِي كُلٌّ إلَخْ الْفَصْلُ.
(قَوْلُهُ: يَجِبُ مَبِيتُ لَحْظَةٍ إلَخْ) وَقِيلَ الْمَبِيتُ سُنَّةٌ وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ، وَقِيلَ رُكْنٌ وَعَلَيْهِ كَثِيرُونَ وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ وَعَلَى كُلٍّ يَكْفِي فِيهِ لَحْظَةٌ مِنْ النِّصْفِ الثَّانِي اهـ. حَجّ.
(قَوْلُهُ: أَيْ مُكْثُ لَحْظَةٍ) عِبَارَةُ حَجّ وَيَحْصُلُ بِلَحْظَةٍ مِنْ النِّصْفِ الثَّانِي وَلَوْ بِالْمُرُورِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ أَخْذًا مِنْ الْأُمِّ وَالْإِمْلَاءِ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ تَعْبِيرُ الشَّارِحِ وَغَيْرِهِ بِمُكْثِ لَحْظَةٍ انْتَهَتْ، وَعِبَارَتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ، بَلْ قَالَ السُّبْكِيُّ يُجْزِئُ الْمُرُورُ كَمَا فِي عَرَفَاتٍ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ انْتَهَتْ وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ كَمَا فِي عَرَفَاتٍ أَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ بِالصَّرْفِ وَأَنَّهُ يُجْزِئُ وَإِنْ قَصَدَ آبِقًا وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا مُزْدَلِفَةُ
لَا لِكَوْنِهِ يُسَمَّى مَبِيتًا إذْ الْأَمْرُ بِالْمَبِيتِ لَمْ يَرِدْ هُنَا، بَلْ لِأَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَهَا حَتَّى يَمْضِيَ نَحْوُ رُبُعِ اللَّيْلِ وَيَجُوزُ الدَّفْعُ مِنْهَا بَعْدَ نِصْفِهِ وَبَقِيَّةُ الْمَنَاسِكِ كَثِيرَةٌ شَاقَّةٌ فَسُومِحَ فِي التَّخْفِيفِ لِأَجْلِهَا (فَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا فِيهِ) أَيْ فِي النِّصْفِ الثَّانِي بِأَنْ لَمْ يَبِتْ بِهَا (أَوْ) بَاتَ لَكِنْ (نَفَرَ قَبْلَهُ) أَيْ النِّصْفِ (وَلَمْ يَعُدْ) إلَيْهَا (فِيهِ لَزِمَهُ دَمٌ) كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا لِتَرْكِهِ الْوَاجِبَ وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ الْأَصْلِ عَدَمَ لُزُومِهِ نَعَمْ إنْ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ كَأَنْ خَافَ أَوْ انْتَهَى إلَى عَرَفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ وَاشْتَغَلَ بِالْوُقُوفِ عَنْ الْمَبِيتِ أَوْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ إلَى مَكَّةَ وَطَافَ لِلرُّكْنِ فَفَاتَهُ الْمَبِيتُ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ
[حاشية الجمل]
وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْزِئَ ذَلِكَ فِي مِنًى فَيَحْصُلُ الْمَبِيتُ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا مِنًى وَقَصَدَ غَيْرَ الْوَاجِبِ اهـ. م ر وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ مُغْمًى عَلَيْهِ جَمِيعَ النِّصْفِ الثَّانِي كَمَا فِي وُقُوفِ عَرَفَةَ وَعَلَيْهِ فَلَوْ بَقِيَ مُغْمًى عَلَيْهِ جَمِيعَ النِّصْفِ الثَّانِي هَلْ يَسْقُطُ الدَّمُ؛ لِأَنَّ الْإِغْمَاءَ عُذْرٌ وَالْمَبِيتَ يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ بِخِلَافِ وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ مَجْنُونًا وَعَلَيْهِ فَلَوْ بَقِيَ مَجْنُونًا فِي جَمِيعِ النِّصْفِ الثَّانِي فَهَلْ يَسْقُطُ الدَّمُ وَيُجْعَلُ الْجُنُونُ عُذْرًا وَالْمَبِيتُ يَسْقُطُ بِالْعُذْرِ وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجْعَلَ عُذْرًا لِعَدَمِ تَمْكِينِهِ مِنْهُ نَعَمْ إنْ كَانَ لَهُ وَلِيٌّ أَحْرَمَ عَنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ إحْضَارُهُ وَإِلَّا فَعَلَى الْوَلِيِّ الدَّمُ هـ. سم عَلَى حَجّ وَقَوْلُهُ أَحْرَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ إلَخْ يَخْرُجُ مَا لَوْ أَحْرَمَ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْجُنُونُ أَوْ الْإِغْمَاءُ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا دَمَ عَلَى الْوَلِيِّ إذَا لَمْ يَحْضُرْهُ وَعَلَيْهِ فَيُفَرَّقُ بَيْنَ مَا لَوْ أَحْرَمَ عَنْهُ وَلَمْ يَحْضُرْهُ وَبَيْنَ هَذِهِ بِأَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ عَنْهُ عَرَّضَهُ لِمُوجِبِ الدَّمِ فَيَلْزَمُهُ إنْ قَصَّرَ فِيهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ الْجُنُونُ فَلْيُرَاجَعْ اهـ. ع ش عَلَى م ر.
وَعِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ وَلَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النِّصْفِ الثَّانِي لَمْ يَضُرَّ فِي حَجِّهِ وَلَيْسَ هُوَ كَعَرَفَةَ كَمَا لَا يَخْفَى انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: لَا لِكَوْنِهِ يُسَمَّى مَبِيتًا) عِبَارَةُ حَجّ، وَقِيلَ يُشْتَرَطُ مُعْظَمُ اللَّيْلِ وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ، ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ بِأَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَهَا إلَّا قَرِيبًا مِنْ رُبُعِ اللَّيْلِ مَعَ جَوَازِ الدَّفْعِ مِنْهَا عَقِبَ نِصْفِهِ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَارَقَ هَذَا مَا يَأْتِي فِي مَبِيتِ مِنًى بِأَنَّهُ وَرَدَ ثَمَّ لَفْظُ الْمَبِيتِ وَهُوَ إنَّمَا يَنْصَرِفُ لِلْمُعْظَمِ وَلَمْ يَرِدْ هُنَا مَعَ أَنَّ تَعْجِيلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلضَّعَفَةِ بَعْدَ النِّصْفِ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الْمُعْظَمِ عَلَى أَنَّهُمْ ثَمَّ مُسْتَقِرُّونَ وَهُنَا عَلَيْهِمْ أَعْمَالٌ كَثِيرَةٌ شَاقَّةٌ فَخُفِّفَ عَلَيْهِمْ لِأَجْلِهَا انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: إذْ الْأَمْرُ بِالْمَبِيتِ) أَيْ بِلَفْظِهِ لَمْ يَرِدْ هُنَا حَتَّى يُعْتَبَرَ مُسَمَّاهُ وَهُوَ مُكْثُ غَالِبِ اللَّيْلِ اهـ. ح ل.
(قَوْلُهُ: كَثِيرَةٌ شَاقَّةٌ) أَيْ وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا بِنِصْفِ اللَّيْلِ هَكَذَا زَادَ م ر هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي التَّعْلِيلِ فِيمَا سَيَأْتِي.
(قَوْلُهُ: نَعَمْ إنْ تَرَكَهُ لِعُذْرٍ إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَيَسْقُطُ الْمَبِيتُ بِهَا فَلَا إثْمَ بِتَرْكِهِ وَلَا دَمَ لِعُذْرٍ مِمَّا يَأْتِي فِي الْمَبِيتِ بِمِنًى قِيَاسًا عَلَيْهِ وَمِنْ الْعُذْرِ هُنَا الِاشْتِغَالُ بِالْوُقُوفِ إلَخْ انْتَهَتْ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ الْجَمَّالِ فِي شَرْحِ نَظْمِ ابْنِ الْمُقْرِي لِلدِّمَاءِ نَصُّهَا: وَإِنَّمَا يَجِبُ هَذَا الدَّمُ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْحُصُولَ بِمُزْدَلِفَةَ فِي لَحْظَةٍ مِنْ النِّصْفِ الثَّانِي بِغَيْرِ عُذْرٍ مِنْ أَعْذَارِ الْمَبِيتِ بِمِنَى وَيُرِيدُ هَذَا بِأَنَّهُ يَسْقُطُ عَمَّنْ اشْتَغَلَ بِتَحْصِيلِ الْوُقُوفِ وَعَمَّنْ أَفَاضَ إلَى مَكَّةَ لِيَطُوفَ لِلرُّكْنِ انْتَهَتْ وَقَالَ فِي بَحْثِ الْمَبِيتِ بِمِنَى، أَمَّا أَصْحَابُ الْأَعْذَارِ فَلَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِمْ كَرِعَاءِ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا وَلَوْ غَيْرَ دَوَابِّ الْحَاجِّ أَوْ أُجَرَاءَ أَوْ مُتَبَرِّعِينَ وَكَأَهْلِ السِّقَايَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ السِّقَايَةُ قَدِيمَةً كَسِقَايَةِ الْعَبَّاسِ أَوْ مُحْدَثَةً بِمَكَّةَ أَوْ بِطَرِيقِهَا وَلَوْ لِلْبَيْعِ فِيمَا يَظْهَرُ قِيَاسًا عَلَى مَا إذَا كَانَ الرِّعَاءُ أُجَرَاءَ وَكَمَنْ خَافَ عَلَى نَحْوِ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ ضَيَاعِ مَرِيضٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْذَارِ الْجَمَاعَةِ مِمَّا يُمْكِنُ مَجِيئُهُ هُنَا كَمَا اسْتَظْهَرَهُ فِي مَتْنِ مُخْتَصَرِ الْإِيضَاحِ كَخَوْفِ حَبْسِ غَرِيمٍ وَعُقُوبَةِ مَنْ يَرْجُو بِغَيْبَتِهِ الْعَفْوَ إلَخْ اهـ. بِتَصَرُّفٍ، وَسَيَأْتِي نَقْلُ الْعِبَارَةِ بِتَمَامِهَا فِي الْمَبِيتِ بِمِنًى فَتَلَخَّصَ أَنَّ أَعْذَارَ الْمَبِيتِ بِمِنًى كُلُّهَا تَأْتِي هُنَا وَيَزِيدُ مَا هُنَا بِعُذْرَيْنِ آخَرَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ أَوْ انْتَهَى إلَى عَرَفَةَ إلَخْ تَأَمَّلْ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَمِنْ الْعُذْرِ هُنَا الِاشْتِغَالُ بِالْوُقُوفِ بِأَنْ انْتَهَى إلَى عَرَفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ وَاشْتَغَلَ بِالْوُقُوفِ بِهَا لِاشْتِغَالِهِ بِالْأَهَمِّ، وَقَيَّدَهُ الزَّرْكَشِيُّ بِمَا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الدَّفْعُ إلَى مُزْدَلِفَةَ لَيْلًا وَالْأَوْجَبُ جَمْعًا بَيْنَ الْوَاجِبَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَلَوْ أَفَاضَ مِنْ عَرَفَةَ إلَى مَكَّةَ لِطَوَافِ الرُّكْنِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَفَاتَ الْمَبِيتُ لِأَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ لِاشْتِغَالِهِ بِالطَّوَافِ كَاشْتِغَالِهِ بِالْوُقُوفِ وَنَظَرَ فِيهِ الْإِمَامُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْوُقُوفِ وَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ عَنْ الزَّرْكَشِيّ وَإِنْ رُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ كَثْرَةَ الْأَعْمَالِ عَلَيْهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَيَوْمِهَا اقْتَضَتْ مُسَامَحَتَهُ بِذَلِكَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ وَظَاهِرُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَمُرَّ بِطَرِيقِهِ بِمُزْدَلِفَةَ أَوْ لَا أَيْ قَبْلَ النِّصْفِ وَإِلَّا فَمُرُورُهُ بِهَا بَعْدَهُ يَحْصُلُ الْمَبِيتُ، وَبَحَثَ أَنَّ الْأَعْذَارَ هُنَا تُحَصِّلُ ثَوَابَ الْحُضُورِ كَمَا مَرَّ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَاَلَّذِي مَرَّ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَدَمُ الْحُصُولِ، وَالْمُخْتَارُ الْحُصُولُ عَلَى أَنَّ الْفَرْقَ أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ أَوْ السُّنَّةَ يُسَامَحُ فِيهِ مَا لَا يُسَامَحُ فِي فَرْضِ الْعَيْنِ فَلَا قِيَاسَ، وَمِنْ ثَمَّ كَثُرَتْ الْأَعْذَارُ ثَمَّ لَا هُنَا انْتَهَتْ.
وَقَوْلُهُ وَيَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ إلَخْ أَيْ فَيُقَيَّدُ مَا هُنَا مِنْ عَدَمِ لُزُومِ الدَّمِ بِمَا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الْعَوْدُ لِمُزْدَلِفَةَ بَعْدَ الطَّوَافِ اهـ ع ش عَلَيْهِ.
وَعِبَارَةُ حَجّ وَمِنْ الْعُذْرِ هُنَا اشْتِغَالُهُ بِالْوُقُوفِ أَوْ بِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ بِأَنْ وَقَفَ، ثُمَّ ذَهَبَ إلَيْهِ قَبْلَ النِّصْفِ أَوْ بَعْدَهُ وَلَمْ يَمُرَّ بِمُزْدَلِفَةَ وَإِنْ لَمْ يُضْطَرَّ إلَيْهِ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ قَصْدَهُ تَحْصِيلَ الرُّكْنِ يَنْفِي تَقْصِيرَهُ
(وَسُنَّ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهَا حَصَى رَمْيٍ) يَوْمَ (نَحْرٍ) قَالَ الْجُمْهُورُ لَيْلًا وَقَالَ الْبَغَوِيّ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، رَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ «عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهُ غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ الْتَقِطْ لِي حَصًى قَالَ الْتَقَطْت لَهُ حَصَيَاتٍ مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ» وَالتَّصْرِيحُ يُسَنُّ أَخْذُهَا مَعَ التَّقْيِيدِ بِرَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ مِنْ زِيَادَتِي فَالْمَأْخُوذُ سَبْعُ حَصَيَاتٍ لَا سَبْعُونَ (وَ) أَنْ (يُقَدَّمَ نِسَاءٌ وَضَعَفَةٌ بَعْدَ نِصْفٍ) مِنْ اللَّيْلِ (إلَى مِنًى) لِيَرْمُوا قَبْلَ الزَّحْمَةِ وَلِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ سَوْدَةَ أَفَاضَتْ فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ بِإِذْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالدَّمِ وَلَا النَّفَرَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهَا» وَفِيهِمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ (وَ) أَنْ (يَبْقَى غَيْرُهُمْ حَتَّى يُصَلُّوا الصُّبْحَ بِغَلَسٍ) بِهَا لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَيَتَأَكَّدُ طَلَبُ التَّغْلِيسِ هُنَا عَلَى بَقِيَّةِ الْأَيَّامِ لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ «وَلِيَتَّسِعَ الْوَقْتُ لِمَا بَيْنَ أَيْدِيهمْ مِنْ أَعْمَالِ يَوْمِ النَّحْرِ» .
(ثُمَّ يَقْصِدُوا مِنًى) وَشِعَارُهُمْ مَعَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ النِّسَاءِ وَالضَّعَفَةِ التَّلْبِيَةُ قَالَ الْقَفَّالُ مَعَ التَّكْبِيرِ
[حاشية الجمل]
نَظِيرَ مَا مَرَّ فِي تَعَمُّدِ الْمَأْمُومِ تَرْكَ الْجُلُوسِ مَعَ الْإِمَامِ لِلتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ نَعَمْ يَنْبَغِي لَهُ أَنَّهُ لَوْ فَرَغَ مِنْهُ وَأَمْكَنَهُ الْعَوْدُ لِمُزْدَلِفَةَ قَبْلَ الْعَجْزِ لَزِمَهُ ذَلِكَ انْتَهَتْ
. (قَوْلُهُ: وَسُنَّ أَنْ يَأْخُذُوا مِنْهَا إلَخْ) أَيْ لِأَنَّ بِهَا جَبَلًا فِي أَحْجَارِهِ رَخَاوَةٌ وَلِأَنَّ السُّنَّةَ أَنْ لَا يُعَرِّجَ عِنْدَ دُخُولِهِ مِنًى عَلَى غَيْرِ الرَّمْيِ فَأُمِرَ بِذَلِكَ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ عَنْهُ اهـ. م ر وَأَخْذُهَا مِنْ غَيْرِ الْمُزْدَلِفَةِ مِنْ بَقِيَّةِ الْحَرَمِ خِلَافُ السُّنَّةِ وَأَخْذُهَا مِنْ الْمَسْجِدِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَجْزَائِهِ مَكْرُوهٌ وَيُكْرَهُ أَخْذُهَا مِنْ الْمَرْمَى وَالْحِلِّ اهـ. ح ل وَيُكْرَهُ أَخْذُهَا مِنْ مَحَلٍّ نَجِسٍ كَالْمِرْحَاضِ مَا لَمْ يَغْسِلْهَا وَإِنَّمَا لَمْ تَزُلْ كَرَاهَةُ الْأَكْلِ فِي إنَاءِ بَوْلٍ وَالرَّمْيِ بِحَجَرٍ خَشِنٍ غَسْلًا لِبَقَاءِ اسْتِقْذَارِهِمَا بَعْدَ غَسْلِهِمَا وَيُسَنُّ غَسْلُ الْحَصَى حَيْثُ قَرُبَ احْتِمَالُ تَنَجُّسِهِ اهـ. حَجّ قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ: وَمُقْتَضَى إطْلَاقِهِمْ بَقَاءَ الْكَرَاهَةِ وَلَوْ غُسِلَ الْمَأْخُوذُ مِنْ الْمَوْضِعِ النَّجِسِ قَالَهُ فِي شَرَحَ الْعُبَابِ نَعَمْ الْمُتَنَجِّسُ الَّذِي لَمْ يُؤْخَذْ مِنْ مَحَلٍّ مُتَنَجِّسٍ تَزُولُ كَرَاهَتُهُ بِالْغَسْلِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِنَدْبِهِ فَائِدَةٌ بِخِلَافِ الْمَأْخُوذِ مِنْ مَحَلٍّ نَجِسٍ فَإِنَّهُ وَإِنْ زَالَتْ كَرَاهَتُهُ مِنْ حَيْثُ النَّجَاسَةُ، لَكِنَّهَا تَبْقَى مِنْ حَيْثُ الِاسْتِقْذَارُ كَمَا يُكْرَهُ الْأَكْلُ فِي إنَاءِ الْبَوْلِ بَعْدَ غَسْلِهِ اهـ. سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: حَصَى رَمْيِ نَحْرٍ) سَكَتَ الْجُمْهُورُ عَنْ مَوْضِعِ أَخْذِ حَصَى الْجِمَارِ لِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ إذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ إنَّهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ مُزْدَلِفَةَ فَقَالَ ابْنُ كَجٍّ تُؤْخَذُ مِنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ وَارْتَضَاهُ الْأَذْرَعِيُّ وَقَالَ السُّبْكِيُّ لَا يُؤْخَذُ لِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ إلَّا مِنْ مِنًى نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ.
اهـ. وَالْأَوْجَهُ حُصُولُ السُّنَّةِ بِالْأَخْذِ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا اهـ. شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ: قَالَ الْجُمْهُورُ لَيْلًا) اعْتَمَدَهُ م ر وحج وَوَجَّهَاهُ بِأَنَّهُ الَّذِي يَطَّرِدُ فِي حَقِّ كُلِّ النَّاسِ حَتَّى النِّسَاءِ وَالضَّعَفَةِ الَّذِينَ يَسِيرُونَ مِنْهَا لَيْلًا انْتَهَى.
وَعِبَارَةُ الْإِيضَاحِ وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ لِئَلَّا يَشْتَغِلَ بِهِ عَنْ وَظَائِفِهِ بَعْدَ الصُّبْحِ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: مِثْلُ حَصَى الْخَذْفِ) أَيْ لَا أَكْبَرُ مِنْهُ وَلَا أَصْغَرُ وَهُوَ دُونَ أُنْمُلَةٍ وَدُونَ حَبَّةِ الْبَاقِلَا، وَقِيلَ نَحْوُ النَّوَاةِ وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ وَيُكْرَهُ كَسْرُ الْحِجَارَةِ لَهُ إلَّا لِعُذْرٍ، بَلْ يَلْتَقِطُهُمَا صِغَارًا وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ كَسْرِهَا هُنَا وَهُوَ أَيْضًا يُفْضِي إلَى الْأَذَى اهـ. إيضَاحٌ.
(قَوْلُهُ: فَالْمَأْخُوذُ سَبْعُ حَصَيَاتٍ) وَالِاحْتِيَاطُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنْ يَزِيدَ عَلَى السَّبْعِ فَرُبَّمَا سَقَطَ مِنْهَا شَيْءٌ اهـ شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ: وَأَنْ يُقَدَّمَ نِسَاءٌ إِلَخْ) وَيُسَنُّ لَهُمْ التَّقَدُّمُ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرُوا عَلَى الْأَرْجَحِ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ لِيَرْمُوا قَبْلَ الزَّحْمَةِ) أَيْ إنْ أَرَادُوا تَعْجِيلَ الرَّمْيِ وَإِلَّا فَالسُّنَّةُ لَهُمْ تَأْخِيرُهُ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ كَغَيْرِهِمْ اهـ. حَجّ أَيْ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ قَبْلَ زَحْمَةِ النَّاسِ فِي سَيْرِهِمْ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إلَى مِنًى أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ كَانُوا مُتَمَكِّنِينَ مِنْ الرَّمْيِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ قَبْلَ مَجِيءِ غَيْرِهِمْ وَازْدِحَامِهِمْ مَعَهُ اهـ. ع ش عَلَى م ر.
(قَوْلُهُ: وَلِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ م ر لِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ سَوْدَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ - أَفَاضَتَا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ بِإِذْنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ يَأْمُرْهُمَا وَلَا مَنْ كَانَ مَعَهُمَا بِدَمٍ» انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ إنَّ سَوْدَةَ) هِيَ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسٍ أَسْلَمَتْ قَدِيمًا وَبَايَعَتْ وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ عَمِّهَا السَّكْرَانِ بْنِ عَمْرٍو فَلَمَّا مَاتَ تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُتَوَفَّاةُ بِالْمَدِينَةِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَلَا النَّفَرَ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهَا) النَّفَرُ بِفَتْحَتَيْنِ عِدَّةُ رِجَالٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ إلَى عَشَرَةٍ اهـ مُخْتَارٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ سَوْدَةَ يَزِيدُونَ عَلَى هَذَا، فَإِطْلَاقُ النَّفَرِ عَلَيْهِمْ مَجَازٌ اهـ. ع ش.
(قَوْلُهُ: حَتَّى يُصَلُّوا الصُّبْحَ بِغَلَسٍ) قِيلَ وَتَتَأَكَّدُ صَلَاةُ الصُّبْحِ بِمُزْدَلِفَةَ مَعَ الْإِمَامِ لِجَرَيَانِ قَوْلٍ بِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الْحَجِّ عَلَى ذَلِكَ اهـ. حَجّ.
(قَوْلُهُ: بِغَلَسٍ) هُوَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ اسْمٌ لِشِدَّةِ الظَّلَامِ وَالْبَاءُ بِمَعْنَى فِي أَيْ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَقَوْلُهُ بِهَا مُتَعَلِّقٌ بِيُصَلُّونَ أَيْ يُصَلُّونَ بِهَا أَيْ بِمُزْدَلِفَةَ.
(قَوْلُهُ أَيْضًا بِغَلَسٍ) بِأَنْ يُصَلُّوا عَقِبَ ظُهُورِ الْفَجْرِ فَوْرًا اهـ. ع ش عَلَى م ر
. (قَوْلُهُ: مَعَ التَّكْبِيرِ) أَيْ الَّذِي يَقُولُ الرَّامِي مِنْ قَوْلِهِ اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ اهـ. م ر وَبِهِ تَعْلَمُ أَنَّ مَا بِبَعْضِ الْهَوَامِشِ عَنْ ح ل نَقْلًا عَنْ ز ي أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ مَعَ التَّكْبِيرِ ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ وَقْتَ التَّكْبِيرِ مِنْ الزَّوَالِ اشْتِبَاهٌ مِنْ الْكَاتِبِ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ الَّذِي يَدْخُلُ وَقْتُهُ بِالزَّوَالِ هُوَ التَّكْبِيرُ الَّذِي خَلْفَ الصَّلَوَاتِ لَا هَذَا التَّكْبِيرُ.
اهـ. ع ش.
وَعِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ قَوْلُهُ مَعَ التَّكْبِيرِ أَيْ تَأَسِّيًا بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَقَلَ الْعَلَّامَةُ ز ي تَضْعِيفَهُ وَأَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ؛ لِأَنَّ وَقْتَ التَّكْبِيرِ مِنْ الزَّوَالِ قَالَ شَيْخُنَا الشبراملسي وَهَذَا
(فَإِذَا بَلَغُوا الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ) وَهُوَ جَبَلٌ فِي آخِرِ مُزْدَلِفَةَ يُقَالُ لَهُ قُزَحٌ (اسْتَقْبَلُوا) الْقِبْلَةَ؛ لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْجِهَاتِ وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِي (وَوَقَفُوا) عِنْدَهُ (وَهُوَ) أَيْ وُقُوفُهُمْ بِهِ (أَفْضَلُ) مِنْ وُقُوفِهِمْ بِغَيْرِهِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ وَمِنْ مُرُورِهِمْ بِهِ بِلَا وُقُوفٍ وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِي (وَذَكَرُوا) اللَّهَ تَعَالَى (وَدَعَوْا إلَى أَسْفَارٍ) لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَوْلِي وَذَكَرُوا مِنْ زِيَادَتِي كَأَنْ يَقُولُوا اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ (ثُمَّ يَسِيرُوا) بِسَكِينَةٍ فَإِذَا وَجَدُوا فُرْجَةً أَسْرَعُوا وَإِذَا بَلَغُوا وَادِيَ مُحَسِّرٍ أَسْرَعَ الْمَاشِي وَحَرَّكَ الرَّاكِبُ دَابَّتَهُ وَذَلِكَ قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ حَتَّى يَقْطَعُوا عَرْضَ الْوَادِي (وَيَدْخُلُونَ مِنًى بَعْدَ طُلُوعِ شَمْسٍ
[حاشية الجمل]
اشْتِبَاهٌ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ الَّذِي يَتَوَقَّفُ عَلَى الزَّوَالِ هُوَ الَّذِي يُطْلَبُ عَقِبَ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ هَذَا التَّكْبِيرِ فَإِنَّهُ يُطْلَبُ مَعَ الرَّمْيِ وَهُوَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا بَلَغُوا الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ) بِفَتْحِ الْمِيمِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا وَهُوَ شَاذٌّ مَأْخُوذٌ مِنْ الشَّعِيرَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّعَائِرِ وَهِيَ مَعَالِمُ الدِّينِ، وَالْحَرَامُ هُوَ الَّذِي يَحْرُمُ فِيهِ الصَّيْدُ وَغَيْرُهُ فَإِنَّهُ مِنْ الْحَرَمِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ ذَا الْحُرْمَةِ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَهُوَ جَبَلٌ إلَخْ) أَيْ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْمُفَسِّرِينَ فَهُوَ جَمِيعُ مُزْدَلِفَةَ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: أَيْضًا وَهُوَ جَبَلٌ فِي آخِرِ مُزْدَلِفَةَ) وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْآنَ الْبِنَاءُ وَالْمَنَارَةُ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَهُ اهـ. حَجّ.
(قَوْلُهُ: يُقَالُ لَهُ قُزَحٌ) بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الزَّايِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ بِوَزْنِ عُمَرَ مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعَدْلِ كَجُشَمٍ اهـ. شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: وَوَقَفُوا عِنْدَهُ) وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ حَيْثُ لَا تَأَذِّي وَلَا إيذَاءَ لِلزَّحْمَةِ وَإِلَّا فَتَحْته اهـ. حَجّ.
(قَوْلُهُ: كَأَنْ يَقُولُوا اللَّهُ أَكْبَرُ إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَيُكْثِرُونَ مِنْ قَوْلِهِمْ ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201] وَيَكُونُ مِنْ جُمْلَةِ دُعَائِهِمْ اللَّهُمَّ كَمَا أَوْقَفْتنَا فِيهِ وَأَرَيْتنَا إيَّاهُ فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِك كَمَا هَدَيْتنَا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا كَمَا وَعَدْتنَا بِقَوْلِك وَقَوْلُك الْحَقُّ ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 199] ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذِكْرِهِ اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ انْتَهَتْ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَخْطُبُ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ كَانَ النَّاسُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إذَا وَقَفُوا فِي الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ يَبْتَهِلُ أَحَدُهُمْ اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي إبِلًا اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي غَنَمًا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ - وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾ [البقرة: 200 - 201] إلَى آخِرِ الْآيَةِ اللَّهُمَّ رَبَّ الْمَشْرِقِ بَلِّغْ رُوحَ رَسُولِك مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَزْكَى تَحِيَّةٍ وَأَفْضَلَ سَلَامٍ وَاجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي دَارِ السَّلَامِ بِرَحْمَتِك يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ اللَّهُمَّ احْفَظْ عَلَيَّ دِينِي وَاجْعَلْ خَشْيَتَك نُصْبَ عَيْنِي وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا خَيْرَ مَقْصُودٍ يَا خَيْرَ مَرْجُوٍّ يَا خَيْرَ مَسْئُولٍ يَا خَيْرَ مُعْطٍ اللَّهُمَّ ذَلِّلْ نَفْسِي حَتَّى تَنْقَادَ لِطَاعَتِك وَيَسِّرْ عَلَيْهَا الْعَمَلَ بِمَا يُقَرِّبُهَا إلَى رِضَاك وَاجْعَلْهَا مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِك وَسُكَّانِ جَنَّتِك، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يَسِيرُوا) أَيْ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَيُكْرَهُ التَّأْخِيرُ إلَى طُلُوعِهَا اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَإِذَا بَلَغُوا وَادِيَ مُحَسِّرٍ إلَخْ) عِبَارَةُ حَجّ وَإِذَا بَلَغُوا بَطْنَ مُحَسِّرٍ وَهُوَ أَعْنِي مُحَسِّرًا مَا بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَبَطْنُهُ مَسِيلٌ فِيهِ أَسْرَعَ الْمَاشِي جَهْدَهُ وَحَرَّكَ الرَّاكِبُ دَابَّتَهُ كَذَلِكَ حَيْثُ لَا ضَرَرَ حَتَّى يَقْطَعَ عَرْضَ ذَلِكَ الْمَسِيلِ وَهُوَ قَدْرُ رِمْيَةِ حَجَرٍ لِلِاتِّبَاعِ، وَحِكْمَتُهُ أَنَّ أَصْحَابَ الْفِيلِ أُهْلِكُوا ثَمَّ عَلَى قَوْلٍ الْأَصَحُّ خِلَافُهُ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَدْخُلُوا الْحَرَمَ وَإِنَّمَا أُهْلِكُوا قُرْبَ أَوَّلِهِ أَوْ أَنَّ رَجُلًا اصْطَادَ فَنَزَلَتْ نَارٌ حَرَقَتْهُ وَمِنْ ثَمَّ تُسَمِّيهِ أَهْلُ مَكَّةَ وَادِي النَّارِ فَهُوَ لِكَوْنِهِ مَحَلَّ نُزُولِ الْعَذَابِ كَدِيَارِ ثَمُودَ الَّتِي صَحَّ أَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمَارِّينَ بِهَا أَنْ يُسْرِعُوا لِئَلَّا يُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَ أَهْلَهَا وَمِنْ ثَمَّ يَنْبَغِي الْإِسْرَاعُ فِيهِ لِغَيْرِ الْحَاجِّ أَيْضًا أَوْ أَنَّ النَّصَارَى كَانَتْ تَقِفُ ثَمَّ فَأُمِرْنَا بِالْمُبَالَغَةِ فِي مُخَالَفَتِهِمْ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: رِمْيَةِ حَجَرٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ اهـ بِرْمَاوِيٌّ أَيْ هَيْئَةِ رَمْيِهِ مِنْ انْتِهَاءِ بُعْدِهِ وَالْفَتْحُ لَا يُنَاسِبُ هُنَا كَمَا لَا يَخْفَى.
(قَوْلُهُ: حَتَّى يَقْطَعُوا عَرْضَ الْوَادِي) فَإِذَا قَطَعُوهُ سَارُوا بِسَكِينَةٍ اهـ. شَرْحُ م ر وَيَدْخُلُوا مِنًى وَحْدَهَا طُولًا مِنْ وَادِي مُحَسِّرٍ إلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَهِيَ شِعْبٌ طُولُهُ نَحْوُ مِيلَيْنِ وَعَرْضُهُ يَسِيرٌ وَالْجِبَالُ الْمُحِيطَةُ بِهِ مَا أَقْبَلَ مِنْهَا عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ مِنًى وَمَا أَدْبَرَ مِنْهَا فَلَيْسَ مِنْ مِنًى وَمَسْجِدِ الْخَيْفِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ مِيلٍ مِمَّا يَلِي مَكَّةَ وَجَمْرَةُ الْعَقَبَةِ فِي آخِرِ مِنًى مِمَّا يَلِي مَكَّةَ وَلَيْسَتْ الْعَقَبَةُ الَّتِي تُنْسَبُ إلَيْهَا الْجَمْرَةُ مِنْ مِنًى وَهِيَ الَّتِي بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْأَنْصَارَ عِنْدَهَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ اهـ. إيضَاحٌ، لَكِنَّ الْمُشَاهَدَ الْآنَ خِلَافُهُ وَهُوَ أَنَّ مَسْجِدَ الْعَقَبَةِ الَّذِي وُضِعَ فِي مَكَانِ الْمُبَايَعَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَمْرَة الْعَقَبَةِ نَحْوُ نِصْفِ مِيلٍ.
(قَوْلُهُ: بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ) أَيْ وَارْتِفَاعِهَا كَرُمْحٍ وَهَذَا وَقْتُ فَضِيلَةٍ إلَى الزَّوَالِ وَيُنْدَبُ لِدَاخِلِهَا أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ هَذِهِ مِنًى قَدْ أَتَيْتهَا وَأَنَا عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك أَسْأَلُك أَنْ تَمُنَّ عَلَيَّ بِمَا مَنَنْت بِهِ عَلَى أَوْلِيَائِك اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْحِرْمَانِ وَالْمُصِيبَةِ فِي دِينِي يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ اهـ.
فَيَرْمِي كُلٌّ) مِنْهُمْ حِينَئِذٍ (سَبْعَ حَصَيَاتٍ إلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ) لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ نَحْوِ رَمْيٍ) مِمَّا لَهُ دَخْلٌ فِي التَّحَلُّلِ لِأَخْذِهِ فِي أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ كَمَا أَنَّ الْمُعْتَمِرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ عِنْدَ ابْتِدَاءِ طَوَافِهِ وَنَحْوُ مِنْ زِيَادَتِي (وَيُكَبِّرُ) بَدَلَ التَّلْبِيَةِ (مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ) لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَهَذَا الرَّمْيُ تَحْتَهُ مِنًى فَلَا يَبْدَأُ فِيهَا بِغَيْرِهِ وَيُبَادِرُ بِالرَّمْيِ كَمَا أَفَادَتْهُ الْفَاءُ حَتَّى إنَّ السُّنَّةَ لِلرَّاكِبِ أَنْ لَا يَنْزِلَ لِلرَّمْيِ، وَالسُّنَّةُ لِلرَّامِي إلَى الْجَمْرَةِ أَنْ يَسْتَقْبِلَهَا (وَ) مَعَ (حَلْقٍ وَعَقِبَهُ) لِفِعْلِ السَّلَفِ وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِي (وَيَذْبَحُ مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ) تَقَرُّبًا
[حاشية الجمل]
بِرْمَاوِيٌّ وَمَنْ وَصَلَ قَبْلَ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ هَلْ يَغْلِبُ كَوْنُ الرَّمْيِ تَحْتَهُ فَيَرْمِي أَوْ يُرَاعِي الْوَقْتَ الْفَاضِلَ فَيُؤَخِّرُ إلَيْهِ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَقَضِيَّةُ مَا مَرَّ فِي الضَّعَفَةِ الثَّانِي اهـ. حَجّ.
(قَوْلُهُ: فَيَرْمِي كُلٌّ إلَخْ) السُّنَّةُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ الْعَطْفِ عَلَى الْمَنْصُوبَاتِ إنَّمَا هِيَ مِنْ حَيْثُ الْفَوْرِيَّةُ الْمُسْتَفَادَةُ مِنْ الْفَاءِ وَإِلَّا فَالرَّمْيُ فِي حَدِّ ذَاتِهِ وَاجِبٌ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الشَّارِحُ فِيمَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: إلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ) وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الرَّمْيُ فِي بَطْنِ الْوَادِي وَإِنْ كَانَ الرَّامِي فِي غَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فِي أَعْلَى الْجَبَلِ وَكَثِيرٌ مِنْ الْعَامَّةِ يَفْعَلُونَهُ فَيَرْجِعُونَ بِلَا رَمْيٍ مَا لَمْ يُقَلِّدُوا الْقَائِلَ بِهِ وَيُسَنُّ أَنْ يَجْعَلَ مَكَّةَ عَنْ يَسَارِهِ وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ وَيَسْتَقْبِلَهَا حَالَةَ الرَّمْيِ لِلِاتِّبَاعِ وَيَخْتَصُّ هَذَا بِيَوْمِ النَّحْرِ لِتَمَيُّزِهَا فِيهِ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَإِنَّ السُّنَّةَ اسْتِقْبَالُهُ لِلْقِبْلَةِ فِي رَمْيِ الْكُلِّ (تَنْبِيهٌ)
هَذِهِ الْجَمْرَةُ لَيْسَتْ مِنْ مِنًى بَلْ وَلَا عَقَبَتُهَا كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ خِلَافًا لِجَمْعٍ كَمَا بَيَّنْته فِي الْحَاشِيَةِ اهـ. حَجّ وَمِثْلُهُ شَرْحُ م ر، ثُمَّ قَالَ وَلَا يَقِفُ الرَّامِي لِلدُّعَاءِ عِنْدَ هَذِهِ الْجَمْرَةِ، ثُمَّ بَعْدَ الرَّمْيِ يَنْصَرِفُونَ فَيَنْزِلُونَ مَوْضِعًا بِمِنًى وَالْأَفْضَلُ مِنْهَا مَنْزِلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا قَارَبَهُ قَالَ الْأَزْرَقِيُّ وَمَنْزِلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِمِنًى عَنْ يَسَارِ مُصَلَّى الْإِمَامِ اهـ. شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ: أَيْضًا إلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ) وَتُسَمَّى الْجَمْرَةَ الْكُبْرَى أَيْضًا اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَيَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ) أَيْ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِإِجَابَةِ الدَّاعِي إلَى أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ وَقَدْ شَرَعَ فِي الْخُرُوجِ مِنْهَا اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: مِمَّا لَهُ دَخْلٌ فِي التَّحَلُّلِ) أَيْ مِنْ الطَّوَافِ وَالرَّمْيِ وَالْحَلْقِ فَإِنَّ التَّحَلُّلَ الْأَوَّلَ يَحْصُلُ بِاثْنَيْنِ مِنْهَا اهـ. ع ش فَإِذَا قَدَّمَ الطَّوَافَ أَوْ الْحَلْقَ عَلَى الرَّمْيِ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ عِنْدَهُ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَيُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ) أَيْ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ فَيَقُولُ بِسْمِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَاَللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَتِجَارَةً لَنْ تَبُورَ يَا عَزِيزُ يَا غَفُورُ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ تَكْرِيرِ التَّكْبِيرِ ثَلَاثًا تَبِعَ فِيهِ م ر فِي شَرْحِهِ.
وَعِبَارَةُ حَجّ وَقَضِيَّةُ الْأَحَادِيثِ وَكَلَامُهُمْ أَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى تَكْبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَهُ الْمُصَنِّفُ رَادًّا بِهِ نَقْلَ الْمَاوَرْدِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ تَكْرِيرَةَ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا مَعَ تَوَالِي كَلِمَاتٍ بَيْنَهَا انْتَهَتْ.
1 -
(قَوْلُهُ: مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ) وَيَرْمِي بِالْيَمِينِ وَيَرْفَعُ الرَّجُلُ يَدَهُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبْطِهِ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى فَلَا يَرْفَعَانِ اهـ. شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ: وَمَعَ حَلْقٍ وَعَقِبَهُ) وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ أَخْطَأْت فِي حَلْقِ رَأْسِي فِي خَمْسَةِ أَحْكَامٍ عَلَّمَنِيهَا حَجَّامٌ وَذَلِكَ أَنِّي أَتَيْت إلَى حَجَّامٍ بِمِنًى فَقُلْت لَهُ بِكَمْ تَحْلِقُ رَأْسِي؟ فَقَالَ أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ قُلْت نَعَمْ، قَالَ النُّسُكُ لَا يُشَارَطُ عَلَيْهِ قَالَ فَجَلَسْت مُنْحَرِفًا عَنْ الْقِبْلَةِ فَقَالَ لِي حَوِّلْ وَجْهَك إلَى الْقِبْلَةِ فَحَوَّلْته، وَأَدَرْتُهُ أَنْ يَحْلِقَ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ فَقَالَ فَأَدِرْ الْيَمِينَ فَأَدَرْته فَجَعَلَ يَحْلِقُ وَأَنَا سَاكِتٌ فَقَالَ كَبِّرْ فَكَبَّرْت فَلَمَّا فَرَغْت قُمْت لِأَذْهَبَ فَقَالَ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ امْضِ فَقُلْت لَهُ مِنْ أَيْنَ مَا أَمَرْتنِي بِهِ قَالَ رَأَيْت عَطَاءَ بْنَ أَبِي رَبَاحٍ يَفْعَلُهُ اهـ. شَرْحُ الرَّوْضِ اهـ. ع ش عَلَى م ر.
(قَوْلُهُ: مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ) أَيْ نَذْرًا كَانَ أَوْ تَطَوُّعًا اهـ. حَجّ وم ر وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا مَعَ تَخْفِيفِ الْيَاءِ فِي الْأُولَى وَتَشْدِيدِهَا فِي الثَّانِيَةِ، قَالَ الرُّويَانِيُّ وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى لِمَكَّةَ وَحَرَمِهَا تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ نَعَمٍ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَمْوَالِ، لَكِنَّهُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ اسْمٌ لِلْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ.
(فَائِدَةٌ)
قَالَ جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِائَةَ بَدَنَةٍ ذَبَحَ بِيَدِهِ مِنْهَا ثَلَاثًا وَسِتِّينَ وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَاقِيَهَا قَالَ بَعْضُهُمْ وَفِي ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى مُدَّةِ عُمُرِهِ الشَّرِيفِ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ وَفِي الْإِيضَاحِ مَا نَصُّهُ وَسَوْقُ الْهَدْيِ لِمَنْ قَصَدَ مَكَّةَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ أَعْرَضَ أَكْثَرُ النَّاسِ أَوْ كُلُّهُمْ عَنْهَا فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ هَدْيُهُ مَعَهُ مِنْ الْمِيقَاتِ مُشْعِرًا مُقَلِّدًا وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ إلَّا بِالنَّذْرِ وَإِذَا سَاقَ هَدْيًا تَطَوُّعًا أَوْ مَنْذُورًا فَإِنْ كَانَ بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً اُسْتُحِبَّ أَنْ يُقَلِّدَهَا نَعْلَيْنِ وَلْيَكُنْ لَهُمَا قِيمَةٌ لِيَتَصَدَّقَ بِهِمَا وَأَنْ يُشْعِرَهَا أَيْضًا وَالْإِشْعَارُ الْإِعْلَامُ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا أَنْ يَضْرِبَ صَفْحَةَ سَنَامِهَا الْيُمْنَى بِحَدِيدَةٍ فِيهَا دَمٌ وَيُلَطِّخَهَا بِالدَّمِ لِيَعْلَمَ مَنْ رَآهَا أَنَّهَا هَدْيٌ فَلَا يَتَعَرَّضَ لَهَا وَإِنْ سَاقَ غَنَمًا اُسْتُحِبَّ أَنْ يُقَلِّدَهَا عُرَى الْقُرَبِ وَآذَانِهَا وَلَا يُقَلِّدُهَا وَلَا
(وَيَحْلِقُ) لِلْآيَةِ الْآتِيَةِ وَلِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (أَوْ يُقَصِّرُ) لِلْآيَةِ وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْحَلْقِ (وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ لِلذَّكَرِ) (
[حاشية الجمل]
يُشْعِرُهَا؛ لِأَنَّهَا ضَعِيفَةٌ وَيَكُونُ تَقْلِيدُ الْجَمِيعِ وَالْإِشْعَارُ وَهِيَ مُسْتَقْبِلَةُ الْقِبْلَةِ وَالْبَدَنَةُ بَارِكَةٌ وَهَلْ الْأَفْضَلُ أَنْ يُقَدِّمَ الْإِشْعَارَ عَلَى التَّقْلِيدِ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يُقَدِّمُ الْإِشْعَارَ فَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَالثَّانِي وَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُقَدِّمُ التَّقْلِيدَ وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ فِعْلِهِ وَالْأَمْرُ فِي هَذَا قَرِيبٌ وَإِذَا قَلَّدَ النَّعَمَ وَأَشْعَرَهَا لَمْ تَصِرْ هَدْيًا وَاجِبًا عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ كَمَا لَوْ كَتَبَ الْوَقْفَ عَلَى بَابِ دَارِهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَفْضَلَ سَوْقُ الْهَدْيِ مِنْ بَلَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَمِنْ طَرِيقِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ مَكَّةَ أَوْ مِنًى وَصِفَاتُ الْهَدْيِ الْمُطْلَقِ كَصِفَاتِ الْأُضْحِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَلَا يُجْزِئُ فِيهِمَا جَمِيعًا إلَّا الْجَذَعُ مِنْ الضَّأْنِ أَوْ الثَّنِيُّ مِنْ الْمَعْزِ أَوْ الْإِبِلِ أَوْ الْبَقَرِ.
(فَرْعٌ)
وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَوَلَّى ذَبْحَ هَدْيِهِ وَأُضْحِيَّتِهِ بِنَفْسِهِ وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَسْتَنِيبَ رَجُلًا لِيَذْبَحَ عَنْهَا وَيَنْوِيَ عِنْدَ ذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ أَوْ الْهَدْيِ الْمَنْذُورَيْنِ أَنَّهَا ذَبِيحَةٌ عَنْ هَدْيِهِ الْمَنْذُورِ أَوْ أُضْحِيَّتِهِ الْمَنْذُورَةِ وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا نَوَى التَّقَرُّبَ بِهَا وَلَوْ اسْتَنَابَ فِي ذَبْحِ هَدْيِهِ أَوْ أُضْحِيَّتِهِ جَازَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْضُرَهَا صَاحِبُهَا عِنْدَ الذَّبْحِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ النَّائِبُ مُسْلِمًا ذَكَرًا فَإِنْ اسْتَنَابَ كَافِرًا كِتَابِيًّا أَوْ امْرَأَةً صَحَّ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ، وَالْمَرْأَةُ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ أَوْلَى مِنْ الْكَافِرِ وَيَنْوِي صَاحِبُ الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ عِنْدَ الدَّفْعِ إلَى الْوَكِيلِ أَوْ عِنْدَ ذَبْحِهِ فَإِنْ فَوَّضَ إلَى الْوَكِيلِ النِّيَّةَ أَيْضًا جَازَ إنْ كَانَ مُسْلِمًا فَإِنْ كَانَ كَافِرًا لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ، بَلْ يَنْوِي صَاحِبُهَا عِنْدَ دَفْعِهَا إلَيْهِ أَوْ عِنْدَ ذَبْحِهِ.
(فَرْعٌ)
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْأُضْحِيَّةِ وَلَا الْهَدْيِ سَوَاءٌ كَانَ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا فَيَحْرُمُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ لَحْمِهَا وَجِلْدِهَا وَشَحْمِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَجْزَائِهَا وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا جَازَ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِهَا وَالِادِّخَارُ مِنْ شَحْمِهَا وَبَعْضِ لَحْمِهَا لِلْأَكْلِ وَالْهَدِيَّةِ.
(فَرْعٌ)
فِي وَقْتِ ذَبْحِ الْأُضْحِيَّةِ وَالْهَدْيِ الْمُتَطَوَّعِ بِهِمَا وَالْمَنْذُورَيْنِ فَيَدْخُلُ وَقْتُهَا إذَا مَضَى قَدْرُ صَلَاةِ الْعِيدِ وَخُطْبَتَيْنِ مُعْتَدِلَتَيْنِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَوْمَ النَّحْرِ سَوَاءٌ صَلَّى الْإِمَامُ أَمْ لَمْ يُصَلِّ وَسَوَاءٌ أَصَلَّى الْمُضَحِّي أَمْ لَمْ يُصَلِّ وَيَبْقَى إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَيَجُوزُ فِي اللَّيْلِ، لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَذْبَحَ عَقِيبَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ قَبْلَ الْحَلْقِ فَإِنْ فَاتَ الْوَقْتُ الْمَذْكُورُ فَإِنْ كَانَتْ الْأُضْحِيَّةُ أَوْ الْهَدْيُ مَنْذُورَيْنِ لَزِمَهُ ذَبْحُهُمَا وَإِنْ كَانَا تَطَوُّعًا فَقَدْ فَاتَ الْهَدْيُ وَالْأُضْحِيَّةُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَأَمَّا الدِّمَاءُ الْوَاجِبَةُ فِي الْحَجِّ بِسَبَبِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ أَوْ اللُّبْسِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ مَحْظُورٍ أَوْ تَرْكِ مَأْمُورٍ فَوَقْتُهَا مِنْ حِينِ وُجُوبِهَا بِوُجُودِ سَبَبِهَا وَلَا يَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ وَلَا غَيْرِهِ، لَكِنَّ الْأَفْضَلَ فِيمَا يَجِبُ مِنْهَا فِي الْحَجِّ أَنْ يَذْبَحَهُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى فِي وَقْتِ الْأُضْحِيَّةِ.
(فَرْعٌ)
لَوْ عَطِبَ الْهَدْيُ فِي الطَّرِيقِ فَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَعَلَ بِهِ مَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ وَأَكْلٍ وَغَيْرِهِمَا وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا لَزِمَهُ ذَبْحُهُ فَإِنْ تَرَكَهُ فَمَاتَ ضَمِنَهُ وَإِذَا ذَبَحَهُ غَمَسَ النَّعْلَ الَّتِي قَلَّدَهُ فِي دَمِهِ وَضَرَبَ بِهَا سَنَامَهُ وَتَرَكَهُ لِيَعْلَمَ مَنْ مَرَّ بِهِ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيَأْكُلَ مِنْهُ، وَلَا تَتَوَقَّفُ إبَاحَةُ الْأَكْلِ مِنْهُ عَلَى قَوْلِهِ أَبَحْته عَلَى الْأَصَحِّ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُهْدِي وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ رُفْقَتِهِ الْأَغْنِيَاءِ وَلَا الْفُقَرَاءِ الْأَكْلُ مِنْهُ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ) وَإِذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْحَلْقُ صَبَرَ إلَى إمْكَانِهِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ وَلَا تَكْفِيهِ الْفِدْيَةُ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: أَفْضَلُ لِلذَّكَرِ) وَيَنْعَقِدُ نَذْرُهُ لَهُ وَيَكْفِيهِ عَنْ النَّذْرِ حَلْقُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ فَأَكْثَرَ إلَّا إنْ صَرَّحَ بِاسْتِيعَابِ رَأْسِهِ فَيَلْزَمُهُ اسْتِيعَابُهُ وَلَا يَكْفِي عَنْ النَّذْرِ مَا لَا يُسَمَّى حَلْقًا كَقَصٍّ وَنَتْفٍ وَإِحْرَاقٍ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَزِمَهُ دَمٌ كَنَذْرِ الْمَشْيِ، وَقَوْلُهُ مِنْ أُنْثَى وَخُنْثَى وَيَنْعَقِدُ نَذْرُهُمَا لَهُ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ هُنَا أَنَّ الرَّجُلَ لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ التَّقْصِيرَ وَعَلَيْهِ فَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ الدُّعَاءَ لِلْمُقَصِّرَيْنِ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَطْلُوبٌ مِنْهُ فَهُوَ كَنَذْرِ الْمَشْيِ اهـ. حَجّ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ انْضَمَّ لِكَوْنِهِ مَفْضُولًا كَوْنُهُ شِعَارَ النِّسَاءِ عُرْفًا بِخِلَافِ نَحْوِ الْمَشْيِ اهـ حَجّ.
قَالَ فِي الرَّوْضِ فَإِنْ نَذَرَهُ وَجَبَ أَيْ وَلَمْ يَجُزْ الْقَصُّ أَيْ وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا يُسَمَّى حَلْقًا، قَالَ فِي شَرْحِهِ وَإِذَا اسْتَأْصَلَهُ بِمَا لَا يُسَمَّى حَلْقًا هَلْ يَبْقَى الْحَلْقُ فِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يَتَعَلَّقَ بِالشَّعْرِ الْمُسْتَخْلَفِ تَدَارُكًا الْتَزَمَهُ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ النُّسُكَ أَنَّمَا هُوَ إزَالَةُ شَعْرٍ اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ الْمُتَّجَهُ الثَّانِي لَكِنْ لَزِمَهُ لِفَوَاتِ الْوَصْفِ دَمٌ إلَخْ اهـ. بَقِيَ مَا لَوْ نَذَرَ نَحْوَ الْإِحْرَاقِ أَوْ النَّتْفِ هَلْ يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ لِكَوْنِهِ مَطْلُوبًا مِنْ حَيْثُ عُمُومُهُ وَيُجْزِيهِ نَحْوُ الْحَلْقِ وَمَا لَوْ نَذَرَ حَلْقَ بَعْضِ الرَّأْسِ وَقَدْ يُتَّجَهُ عَدَمُ الِانْعِقَادِ؛ لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَقَدْ يُقَالُ كَرَاهَتُهُ
وَالتَّقْصِيرُ) أَفْضَلُ (لِغَيْرِهِ) مِنْ أُنْثَى وَخُنْثَى، قَالَ تَعَالَى ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: 27] إذْ الْعَرَبُ تَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ وَالْأَفْضَلِ، وَرَوَى الشَّيْخَانِ خَبَرَ «اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالْمُقَصِّرِينَ، فَقَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ وَالْمُقَصِّرِينَ» وَرَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ إنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ» وَفِي الْمَجْمُوعِ عَنْ جَمَاعَةٍ يُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ الْحَلْقُ وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى وَذِكْرُ حُكْمِهِ مِنْ زِيَادَتِي وَالْمُرَادُ مِنْ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ إزَالَةُ الشَّعْرِ فِي وَقْتِهِ وَهِيَ نُسُكٌ لَا اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ كَمَا عُلِمَ مِنْ الْأَفْضَلِيَّةِ هُنَا وَمِنْ عَدِّهِ رُكْنًا فِيمَا يَأْتِي وَيَدُلُّ لَهُ الدُّعَاءُ لِفَاعِلِهِ بِالرَّحْمَةِ فِي الْخَبَرِ السَّابِقِ فَيُثَابُ عَلَيْهِ (تَنْبِيهٌ) يُسْتَثْنَى مِنْ أَفْضَلِيَّةِ الْحَلْقِ مَا لَوْ اعْتَمَرَ قَبْلَ الْحَجِّ فِي وَقْتٍ لَوْ حَلَقَ فِيهِ جَاءَ يَوْمَ النَّحْرِ وَلَمْ يَسْوَدَّ رَأْسُهُ مِنْ الشَّعْرِ فَالتَّقْصِيرُ لَهُ أَفْضَلُ (وَأَقَلُّهُ) أَيْ كُلٍّ مِنْ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ (ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ)
[حاشية الجمل]
لِخَارِجٍ فَلَا تَمْنَعُ الِانْعِقَادَ فَلْيُرَاجَعْ اهـ. سم عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَالتَّقْصِيرُ لِغَيْرِهِ) فَسَّرَهُ فِي الْقَامُوسِ بِأَنَّهُ كَفُّ الشَّعْرِ وَالْقَصُّ الْأَخْذُ مِنْ الشَّعْرِ بِالْمِقَصِّ أَيْ الْمِقْرَاضِ فَعَطْفُهُ عَلَيْهِ مِنْ عَطْفِ الْأَخَصِّ تَأْكِيدًا وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ التَّقْصِيرَ حَيْثُ أُطْلِقَ فِي كَلَامِهِمْ أُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ وَهُوَ الْأَخْذُ مِنْ الشَّعْرِ بِمِقَصٍّ أَوْ غَيْرِهِ، وَالْأَوْلَى كَوْنُ التَّقْصِيرِ بِقَدْرِ أُنْمُلَةٍ مِنْ جَمِيعِ الرَّأْسِ اهـ بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: مِنْ أُنْثَى) أَيْ وَلَوْ صَغِيرَةً وَاسْتِثْنَاءُ الْإِسْنَوِيِّ لَهَا غَلَّطَهُ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ إذْ لَا يُشْرَعُ الْحَلْقُ لِأُنْثَى مُطْلَقًا إلَّا يَوْمَ سَابِعِ وِلَادَتِهَا لِلتَّصَدُّقِ بِوَزْنِهِ وَإِلَّا لِتَدَاوٍ أَوْ اسْتِخْفَاءٍ مِنْ فَاسِقٍ يُرِيدُ سُوءً بِهَا وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى وَيُكْرَهُ لَهُمَا الْحَلْقُ، بَلْ بَحَثَ الْأَذْرَعِيُّ الْجَزْمَ بِحُرْمَتِهِ عَلَى زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ وَيُنْدَبُ لَهَا أَنْ تَعُمَّ الرَّأْسَ بِالتَّقْصِيرِ وَأَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ أُنْمُلَةٍ، قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ إلَّا الذَّوَائِبَ؛ لِأَنَّ قَطْعَ بَعْضِهَا يَشِينُهَا اهـ. حَجّ وَقَوْلُهُ وَاسْتِثْنَاءُ الْإِسْنَوِيِّ لَهَا غَلَّطَهُ فِيهِ الْأَذْرَعِيُّ إلَخْ فَلَوْ مَنَعَ السَّيِّدُ الْأَمَةَ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْحَلْقِ حَرُمَ وَكَذَا لَوْ لَمْ يَمْنَعْ وَلَمْ يَأْذَنْ كَمَا بَحَثَ أَيْضًا قِيلَ وَهُوَ مُتَّجَهٌ إنْ لَزِمَ مِنْهُ فَوَاتُ تَمَتُّعٍ أَوْ نَقْصِ قِيمَةٍ وَإِلَّا فَالْإِذْنُ لَهَا فِي النُّسُكِ إذْنٌ فِي فِعْلِ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ التَّحَلُّلُ وَإِنْ كَانَ مَفْضُولًا وَيَرِدُ بِأَنَّ الْإِذْنَ الْمُطْلَقَ يُنَزَّلُ عَلَى حَالَةِ نَفْيِ النَّهْيِ، وَالْحَلْقُ فِي حَقِّهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَيَحْرُمُ عَلَى الْحُرَّةِ الْمُزَوَّجَةِ إنْ مَنَعَهَا الزَّوْجُ وَكَانَ فِيهِ فَوَاتُ اسْتِمْتَاعٍ أَيْضًا فِيمَا يَظْهَرُ بَلْ يَنْبَغِي الْحُرْمَةُ أَيْضًا إذَا لَمْ يَمْنَعْ وَكَانَ فِيهِ فَوَاتُ اسْتِمْتَاعٍ اهـ. ر وَبَحَثَ أَيْضًا أَنَّهُ يَمْتَنِعُ بِمَنْعِ الْوَالِدِ لَهَا وَفِيهِ وَقْفُهُ، بَلْ الْأَوْجَهُ خِلَافُهُ إلَّا أَنْ يَقْتَضِيَ نَهْيُهُ مَصْلَحَتَهَا اهـ. سم عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ إذْ الْعَرَبُ تَبْدَأُ بِالْأَهَمِّ) أَيْ وَالْقُرْآنُ نَزَلَ عَلَى لُغَتِهِمْ وَبُدِئَ فِيهِ بِالْحَلْقِ اهـ. ع ش.
(قَوْلُهُ: قَالَ فِي الرَّابِعَةِ) أَيْ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الثَّالِثَةِ اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ اهـ. ع ش عَلَى م ر.
(قَوْلُهُ: وَرَوَى أَبُو دَاوُد إلَخْ) دَلِيلٌ لِقَوْلِهِ وَالتَّقْصِيرُ أَفْضَلُ لِغَيْرِهِ اهـ. شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: انَمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ) لَمْ يَقُلْ إنَّمَا عَلَيْهِنَّ التَّقْصِيرُ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْإِضْمَارِ إذَا كَانَ الضَّمِيرُ وَمَرْجِعُهُ فِي جُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ بِخِلَافِ مَا هُنَا فَإِنَّ الضَّمِيرَ وَمَرْجِعَهُ فِي جُمْلَتَيْنِ اهـ. ع ش.
(قَوْلُهُ: فِي وَقْتِهِ) نَعْتٌ لِلشَّعْرِ، وَالضَّمِيرُ لِلْإِحْرَامِ أَيْ إزَالَةُ الشَّعْرِ الْكَائِنِ فِي وَقْتِ الْإِحْرَامِ.
وَعِبَارَةُ حَجّ أَيْ إزَالَةُ الشَّعْرِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهِ الْإِحْرَامُ بِأَنْ وُجِدَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ التَّحَلُّلِ انْتَهَتْ وَقَوْلُهُ بِأَنْ وُجِدَ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِ التَّحَلُّلِ خَرَجَ مَا وُجِدَ بَعْدَ دُخُولِهِ فَلَا أَثَرَ لَهُ قَالَ فِي الرَّوْضِ وَلَا أَثَرَ لِمَا نَبَتَ بَعْدُ، قَالَ فِي شَرْحِهِ أَيْ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْحَلْقِ فَلَا يُؤْمَرُ بِحَلْقِهِ لِعَدَمِ اشْتِمَالِ الْإِحْرَامِ عَلَيْهِ اهـ.
وَعِبَارَةُ الْعُبَابِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَيْ مَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ انْتِظَارُ إنْبَاتِهِ، بَلْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَلْقُ مَا نَبَتَ إذْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْإِحْرَامُ اهـ.
وَقَوْلُهُ: بَلْ لَا يَجِبُ إلَخْ قَدْ يُفْهَمُ الِاسْتِحْبَابُ وَهُوَ مُتَّجَهٌ إذْ لَا يَنْقُصُ عَمَّنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ حَيْثُ يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَيْهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بَعِيدٌ جِدًّا فَلْيُتَأَمَّلْ.
اهـ. سم عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ نُسُكٌ إلَخْ) عِبَارَةُ أَصْلِهِ مَعَ شَرْحِ م ر وَالْحَلْقُ نُسُكٌ عَلَى الْمَشْهُورِ فَيُثَابُ عَلَيْهِ إذْ هُوَ لِلذَّكَرِ أَفْضَلُ مِنْ التَّقْصِيرِ، وَالتَّفْضِيلُ إنَّمَا يَقَعُ فِي الْعِبَادَاتِ دُونَ الْمُبَاحَاتِ وَعَلَى هَذَا فَهُوَ رُكْنٌ كَمَا سَيَأْتِي، وَقِيلَ وَاجِبٌ وَالثَّانِي هُوَ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ فَلَا يُثَابُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ فِي الْإِحْرَامِ فَلَمْ يَكُنْ نُسُكًا كَلُبْسِ الْمَخِيطِ انْتَهَتْ وَيَنْبَنِي عَلَى الْخِلَافِ مَا سَيَأْتِي آخِرَ الْفَصْلِ مِنْ أَنَّهُ إنْ قُلْنَا إنَّهَا نُسُكٌ كَانَ لَهَا دَخْلٌ فِي التَّحَلُّلِ وَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِفِعْلِ اثْنَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَهِيَ رَمْيُ يَوْمِ النَّحْرِ وَطَوَافُ الرُّكْنِ وَإِزَالَةُ الشَّعْرِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ لَمْ يَكُنْ لَهَا دَخْلٌ فِي التَّحَلُّلِ وَيَحْصُلُ بِوَاحِدٍ مِنْ اثْنَيْنِ وَهُمَا الرَّمْيُ وَالطَّوَافُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمَحَلِّيُّ هُنَاكَ اهـ. وَعِبَارَتُهُ وَإِذَا قُلْنَا الْحَلْقُ لَيْسَ بِنُسُكٍ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِوَاحِدٍ مِنْ الرَّمْيِ وَالطَّوَافِ وَالتَّحَلُّلُ الثَّانِي بِالْآخَرِ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: كَمَا عُلِمَ مِنْ الْأَفْضَلِيَّةِ هُنَا) أَيْ لِأَنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْعِبَادَاتِ لَا فِي اسْتِبَاحَةِ الْمَحْظُورَاتِ.
(قَوْلُهُ: فَيُثَابُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ الْإِزَالَةِ وَهَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ وَهِيَ نُسُكٌ اهـ. شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: تَنْبِيهٌ يُسْتَثْنَى إلَخْ) عِبَارَةُ حَجّ وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ غَالِبًا وَخَرَجَ بِغَالِبًا الْمُتَمَتِّعُ فَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يُقَصِّرَ فِي الْعُمْرَةِ وَيَحْلِقَ فِي الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ الْأَكْمَلُ وَمَحَلُّهُ كَمَا فِي الْإِمْلَاءِ إنْ لَمْ يَسْوَدَّ رَأْسَهُ أَيْ لَمْ يَكُنْ بِهِ شَعْرٌ يُزَالُ وَإِلَّا فَالْحَلْقُ وَكَذَا لَوْ قَدَّمَ الْحَجَّ وَأَخَّرَ الْعُمْرَةَ فَإِنْ كَانَ لَا يَسْوَدُّ رَأْسَهُ عِنْدَهَا قَصَّرَ فِي الْحَجِّ لِيَحْصُلَ لَهُ ثَوَابُ رُكْنِ التَّقْصِيرِ فِيهِ وَالْحَلْقِ فِيهَا إذْ لَوْ عَكَسَ فَاتَهُ الرُّكْنُ فِيهَا مِنْ أَصْلِهِ وَإِنْ كَانَ يَسْوَدُّ فِيهَا حَلَقَ فِيهِمَا وَلَمْ يَحْلِقْ بَعْضَ الرَّأْسِ الْوَاحِدِ فِي أَحَدِهِمَا وَبَاقِيهِ فِي الْآخَرِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْقَزَعِ الْمَكْرُوهِ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ) أَيْ إنْ كَانَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثٌ فَأَكْثَرَ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِرَأْسِهِ شَعْرَةٌ أَوْ شَعْرَتَانِ فَقَطْ كَانَ الرُّكْنُ فِي حَقِّهِ إزَالَةَ ذَلِكَ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ اهـ. وَأَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ
أَيْ إزَالَتُهَا (مِنْ) شَعْرِ (رَأْسٍ) وَلَوْ مُسْتَرْسِلَةً عَنْهُ أَوْ مُتَفَرِّقَةً لِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ بِإِزَالَتِهَا الْمُحَرَّمَةِ وَاكْتِفَاءً بِمُسَمَّى الْجَمْعِ الْمَأْخُوذِ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: 27] أَيْ شَعْرَهَا، وَقَوْلِي مِنْ رَأْسٍ مِنْ زِيَادَتِي (وَسُنَّ لِمَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ إمْرَارُ مُوسًى عَلَيْهِ) تَشْبِيهًا بِالْحَالِقِينَ (وَيَدْخُلُ مَكَّةَ وَيَطُوفُ لِلرُّكْنِ) لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَكَمَا يُسَمَّى طَوَافَ الرُّكْنِ يُسَمَّى طَوَافَ الْإِفَاضَةِ
[حاشية الجمل]
أَخْذُ شَعْرَةٍ عَلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ وَهُوَ كَذَلِكَ فَقَدْ نَقَلَ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ اهـ بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ أَيْضًا ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ) أَيْ أَوْ ثَلَاثَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ كُلٍّ مِنْ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ اهـ. ابْنُ حَجَرٍ.
(قَوْلُهُ: أَيْ إزَالَتُهَا) بَيَّنَ بِهِ أَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى هَذَا الْإِضْمَارِ لِصِحَّةِ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ فِعْلٌ وَلَيْسَ هُوَ الثَّلَاثَ فَالْمُرَادُ الْإِزَالَةُ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: مِنْ شَعْرِ رَأْسٍ) فَلَا يُجْزِئُ شَعْرُ غَيْرِهِ وَإِنْ وَجَبَتْ فِيهِ الْفِدْيَةُ أَيْضًا لِوُرُودِ لَفْظِ الْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ فِيهِ وَاخْتِصَاصُ كُلٍّ مِنْهُمَا عَادَةً بِشَعْرِ الرَّأْسِ اهـ. شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مُسْتَرْسِلَةً إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَشَمِلَ ذَلِكَ الْمُسْتَرْسَلَ عَنْهُ وَمَا لَوْ أَخَذَهَا مُتَفَرِّقَةً كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ وَالْمَنَاسِكِ وَإِنْ اقْتَضَى كَلَامُ الرَّوْضَةِ خِلَافَهُ حَيْثُ بَنَاهُ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ عَدَمِ تَكْمِيلِ الدَّمِ بِإِزَالَتِهَا الْمُحَرَّمَةِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الْبِنَاءِ الِاتِّحَادُ فِي التَّصْحِيحِ نَعَمْ يَزُولُ بِالتَّفْرِيقِ الْفَضِيلَةُ وَالْأَحْوَطُ تَوَالِيهَا انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: بِمُسَمَّى الْجَمْعِ) أَيْ الْمُقَدَّرِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْدُ وَتَسْمِيَتُهُ جَمْعًا نَظَرًا لِلْمَعْنَى وَإِلَّا فَهُوَ اصْطِلَاحًا اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٌّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدِهِ بِالتَّاءِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا» ، وَإِطْلَاقُهُ يَقْتَضِي الِاكْتِفَاءَ بِحُصُولِ أَقَلِّ مُسَمَّى اسْمِ الْجِنْسِ الْجَمْعِيِّ الْمُقَدَّرِ فِي ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ [الفتح: 27] أَيْ شَعْرَ رُءُوسِكُمْ إذْ هِيَ لَا تُحْلَقُ وَأَقَلُّ مُسَمَّاهُ ثَلَاثًا انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: وَسُنَّ لِمَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَمَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ نَعَمْ يُسْتَحَبُّ لَهُ إمْرَارُ إلَخْ انْتَهَتْ فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ عَدَّهُمْ أَرْكَانَ الْحَجِّ فِيمَا سَيَأْتِي سِتَّةً مَخْصُوصٌ بِمَنْ بِرَأْسِهِ شَعْرٌ إمَّا غَيْرُهُ فَهِيَ فِي حَقِّهِ خَمْسَةٌ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ أَيْضًا وَسُنَّ لِمَنْ لَا شَعْرَ بِرَأْسِهِ) أَيْ أَوْ بِبَعْضِهِ بِأَنْ حَلَقَ كَذَلِكَ أَوْ كَانَ قَدْ حَلَقَ وَاعْتَمَرَ مِنْ سَاعَتِهِ كَمَا مَثَّلَهُ الْعِمْرَانِيُّ.
اهـ. شَرْحُ م ر.
وَعِبَارَةُ حَجّ وَبَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِبَعْضِ رَأْسِهِ شَعْرٌ سُنَّ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى الْبَاقِي أَيْ سَوَاءٌ حَلَقَ ذَلِكَ الْبَعْضَ أَمْ قَصَّرَهُ عَلَى الْأَوْجَهِ لِلتَّشْبِيهِ الْمَذْكُورِ أَيْ إذْ هُوَ كَمَا يَكُونُ فِي الْكُلِّ يَكُونُ فِي الْبَعْضِ وَلَيْسَ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ أَصْلٍ وَبَدَلٍ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ لِاخْتِلَافِ مَحَلِّهِمَا عَلَى أَنَّ هَذَا الْإِمْرَارَ لَيْسَ بَدَلًا وَإِلَّا لَوَجَبَ فِي الْبَعْضِ حَيْثُ لَا شَعْرَ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا يَلْزَمُهُ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى التَّقْصِيرِ أَنَّهُ يُمِرُّ الْمُوسَى عَلَى بَقِيَّةِ رَأْسِهِ انْتَهَتْ، قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَلَوْ أَخَذَ مِنْ لِحْيَتِهِ أَوْ شَارِبِهِ شَيْئًا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ لِئَلَّا يَخْلُوَ عَنْ أَخْذِ الشَّعْرِ وَصَرَّحَ الْقَاضِي أَيْضًا بِأَنَّهُ يُنْدَبُ لِلْمُقَصِّرِ مَا ذُكِرَ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَصَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ قَصَّ أَظْفَارَهُ» أَيْ فَيُسَنُّ لِلْحَالِقِ أَيْضًا وَإِنَّمَا وَجَبَ مَسْحُ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ عِنْدَ فَقْدِ شَعْرِهِ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ ثَمَّ تَعَلَّقَ بِالرَّأْسِ وَهُنَا بِشَعْرِهِ وَيُسَنُّ لِلْحَالِقِ الْبُدَاءَةُ بِشِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَيَسْتَوْعِبُهُ بِالْحَلْقِ ثُمَّ الْأَيْسَرِ وَأَنْ يَسْتَقْبِلَ الْمَحْلُوقُ الْقِبْلَةَ وَأَنْ يُكَبِّرَ بَعْدَ فَرَاغِهِ وَأَنْ يَدْفِنَ شَعْرَهُ لَا سِيَّمَا الْحَسَنَ لِئَلَّا يُؤْخَذَ لِلْوَصْلِ وَأَنْ يَسْتَوْعِبَ الْحَلْقَ أَوْ التَّقْصِيرَ وَأَنْ يَكُونَ بَعْدَ كَمَالِ الرَّمْيِ وَغَيْرُ الْمُحْرِمِ مِثْلُهُ فِيمَا ذُكِرَ غَيْرَ التَّكْبِيرِ وَالرَّمْيِ وَأَنْ يَبْلُغَ بِالْحَلْقِ إلَى الْعَظْمَيْنِ مِنْ الْأَصْدَاغِ؛ لِأَنَّهُمَا مَنْبَتُ شَعْرِ الرَّأْسِ وَأَنْ لَا يُشَارِطَ عَلَيْهِ وَأَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْ ظُفُرِهِ عِنْدَ فَرَاغِهِ وَأَنْ يَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ اللَّهُمَّ آتِنِي بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةً وَامْحُ عَنِّي بِهَا سَيِّئَةً وَارْفَعْ لِي بِهَا دَرَجَةً وَاغْفِرْ لِي وَلِلْمُحَلِّقَيْنِ وَالْمُقَصِّرِينَ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ اهـ. شَرْحُ م ر وَقَوْلُهُ وَأَنْ لَا يُشَارِطَ عَلَيْهِ أَيْ أَنْ لَا يُشَارِطَ عَلَيْهِ لِلْحَالِقِ أُجْرَةً مَعْلُومَةً.
وَعِبَارَةُ حَجّ كَذَا أَطْلَقُوهُ وَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُمْ أَنَّهُ يُعْطِيهِ ابْتِدَاءً مَا تَطِيبُ بِهِ نَفْسُهُ فَإِنْ رَضِيَ وَإِلَّا زَادَهُ لَا أَنَّهُ يَسْكُتُ إلَى فَرَاغِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رُبَّمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ نِزَاعٌ إذَا لَمْ يَرْضَ الْحَلَّاقُ بِمَا يُعْطِيهِ لَهُ اهـ. ع ش عَلَى م ر.
(فَائِدَةٌ)
صَحَّ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَلَقَ رَأْسَهُ الْمُقَدَّسَ وَقَسَمَ شَعْرَهُ فَأَعْطَى نِصْفَهُ النَّاسَ الشَّعْرَةَ وَالشَّعْرَتَيْنِ وَأَعْطَى نِصْفَهُ الْبَاقِيَ أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ» وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ سَتَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِرَأْسِهِ يَوْمَ أُحُدٍ مِنْ النَّبْلِ وَكَانَ يَتَطَاوَلُ بِصَدْرِهِ لِيَقِيَهُ وَيَقُولُ نَحْرِي دُونَ نَحْرِك وَنَفْسِي دُونَ نَفْسِك وَاَلَّذِي حَلَقَ رَأْسَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ خِرَاشُ بْنُ أُمَيَّةَ الْخُزَاعِيُّ وَاَلَّذِي حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ وَصَحَّ أَنَّهُ «دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً» اهـ.
مِنْ هَوَامِشِ بَعْضِ نُسَخِ م ر وَيَنْبَغِي اسْتِحْبَابُ إمْرَارِ آلَةِ الْقَصِّ فِيمَنْ يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّهِ التَّقْصِيرُ تَشْبِيهًا بِالْمُقَصِّرِينَ، قَالَهُ الشَّيْخُ اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
(قَوْلُهُ: إمْرَارُ مُوسًى عَلَيْهِ) مُوسًى بِالتَّنْوِينِ
وَطَوَافَ الزِّيَارَةِ وَطَوَافَ الْفَرْضِ وَطَوَافَ الصَّدَرِ بِفَتْحِ الدَّالِ (فَيَسْعَى إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى) بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ كَمَا مَرَّ وَسَيَأْتِي أَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ وَتَعْبِيرِي بِالْفَاءِ أَوْلَى مِنْ تَعْبِيرِهِ بِالْوَاوِ (فَيَعُودُ إلَى مِنًى) لِيَبِيتَ بِهَا.
(وَسُنَّ تَرْتِيبُ أَعْمَالِ) يَوْمِ (نَحْرٍ) بِلَيْلَتِهِ مِنْ رَمْيٍ وَذَبْحٍ وَحَلْقٍ أَوْ تَقْصِيرٍ وَطَوَافٍ (كَمَا ذَكَرَ) وَلَا يَجِبُ، رَوَى مُسْلِمٌ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي حَلَقْت قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ فَقَالَ ارْمِ وَلَا حَرَجَ وَأَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ إنِّي أَفَضْت إلَى الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ فَقَالَ ارْمِ وَلَا حَرَجَ» ، وَرَوَى الشَّيْخَانِ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ يَوْمَئِذٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إلَّا قَالَ افْعَلْ وَلَا حَرَجَ» (وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا لَا الذَّبْحُ) لِلْهَدْيِ تَقَرُّبًا (بِنِصْفِ لَيْلَةِ نَحْرٍ) بِقَيْدٍ زِدْته بِقَوْلِي (لِمَنْ وَقَفَ قَبْلَهُ) رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَرْسَلَ أُمَّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ فَرَمَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَفَاضَتْ وَقِيسَ بِذَلِكَ الْبَاقِي مِنْهَا» (وَيَبْقَى وَقْتُ الرَّمْيِ الِاخْتِيَارِيِّ) (إلَى آخِرِ يَوْمِهِ) أَيْ النَّحْرِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنِّي رَمَيْت بَعْدَمَا أَمْسَيْت قَالَ لَا حَرَجَ» وَالْمَسَاءُ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ وَخَرَجَ بِزِيَادَتِي الِاخْتِيَارِيَّ وَقْتُ الْجَوَازِ فَيَمْتَدُّ إلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا سَيَأْتِي، وَقَدْ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ وَقْتَ الْفَضِيلَةِ بِالرَّمْيِ يَوْمَ النَّحْرِ يَنْتَهِي بِالزَّوَالِ فَيَكُونُ لِرَمْيِهِ ثَلَاثَةُ أَوْقَاتٍ وَقْتُ فَضِيلَةٍ وَوَقْتُ اخْتِيَارٍ وَوَقْتُ جَوَازٍ (وَلَا آخِرَ لِوَقْتِ الْحَلْقِ) أَوْ التَّقْصِيرِ (وَالطَّوَافُ) الْمَتْبُوعُ بِالسَّعْيِ
[حاشية الجمل]
كَفَتًى إذَا كَانَ مِنْ الْحَدِيدِ بِخِلَافِ الْعَلَمِ فَإِنَّهُ بِالْأَلِفِ وَيُمْنَعُ مِنْ الصَّرْفِ اهـ. شَيْخُنَا وَفِي الْمُخْتَارِ يُقَالُ أَوْسَى رَأْسَهُ حَلَقَهُ وَالْمُوسَى مَا يُحْلَقُ بِهِ قَالَ الْفَاءُ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَقَالَ الْأُمَوِيُّ هُوَ مُذَكَّرٌ لَا غَيْرُ وَقَالَ أَبُو عَبِيدٍ لَمْ يُسْمَعْ التَّذْكِيرُ فِيهِ إلَّا مِنْ الْأُمَوِيِّ وَمُوسَى اسْمٌ قَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ وَهُوَ مُفْعِلٌ بِدَلِيلِ انْصِرَافِهِ فِي النَّكِرَةِ وَفُعْلَى لَا يَنْصَرِفُ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَلِأَنَّ مُفْعِلًا أَكْثَرُ مِنْ فُعْلَى؛ لِأَنَّهُ يُبْنَى مِنْ كُلِّ أَفَعَلَتْ وَقَالَ الْكِسَائِيُّ هُوَ فُعْلَى وَالنِّسْبَةُ إلَيْهِ مُوسَوِيُّ وَمُوسَى وَأَوْسَاهُ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ فِي أَأُسَاهُ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ) أَيْ لِأَنَّهُمْ يَأْتُونَ مِنْ مِنًى لِزِيَارَةِ الْبَيْتِ وَيَرْجِعُونَ حَالًا اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: فَيَعُودُ إلَى مِنًى) أَيْ وُجُوبًا فَهُوَ بِالرَّفْعِ اهـ. شَيْخُنَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَصِحُّ فِيهِ النَّصْبُ وَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ وَيَحْلِقُ أَوْ يُقَصِّرُ وَهَذَا لَا يُنَافِي كَوْنَهُ فِي ذَاتِهِ وَاجِبًا كَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ وَتَكُونُ السُّنِّيَّةُ مِنْ حَيْثُ فَوْرِيَّةُ الْعَوْدِ إلَى مِنًى الْمَأْخُوذَةُ مِنْ الْفَاءِ.
وَعِبَارَةُ حَجّ، ثُمَّ يَعُودُ إلَى مِنًى بِحَيْثُ يُدْرِكُ أَوَّلَ وَقْتِ الظُّهْرِ حَيْثُ يُصَلِّيهَا بِهَا لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فَهِيَ بِهَا أَفْضَلُ مِنْهَا بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنْ فَاتَتْهُ مُضَاعَفَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ فِي فَضِيلَةِ الِاتِّبَاعِ مَا يَزِيدُ عَلَى الْمُضَاعَفَةِ وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ أَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّةَ» مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا فِي الْمَجْمُوعِ وَفِيهِ إشْكَالٌ بَيَّنْتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ عَلَى أَنَّهُ صَلَّاهَا بِهَا أَوَّلَ وَقْتِهَا، ثُمَّ ثَانِيًا بِمِنًى إمَامًا لِأَصْحَابِهِ كَمَا صَلَّى بِهِمْ فِي بَطْنِ نَخْلٍ مَرَّتَيْنِ، وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ «أَخَّرَ طَوَافَ يَوْمِ النَّحْرِ إلَى اللَّيْلِ» مَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ أَخَّرَ طَوَافَ نِسَائِهِ وَذَهَبَ مَعَهُنَّ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَجِبُ) ذِكْرُهُ وَإِنْ كَانَ مَعْلُومًا مِمَّا قَبْلَهُ تَوْطِئَةً لِلِاسْتِدْلَالِ الَّذِي سَاقَهُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يَنْتِجُ عَدَمُ الْوُجُوبِ لَا النَّدْبُ الَّذِي هُوَ مُدَّعَى الْمَتْنِ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ بِالْمَعْنَى.
(قَوْلُهُ: وَيَدْخُلُ وَقْتُهَا إلَخْ) وَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا إلَى بَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ اهـ. شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ: بِنِصْفِ لَيْلَةِ نَحْرٍ) أَيْ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا كَمَا فِي الْغَلَطِ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: لِمَنْ وَقَفَ) أَيْ بِعَرَفَةَ وَلَا عِبْرَةَ بِالْوُقُوفِ بِمُزْدَلِفَةَ وَإِنْ كَانَ مَا ذَكَرَ يَتَأَخَّرُ عَنْ اللَّحْظَةِ الَّتِي لَهَا؛ لِأَنَّهُ لِضَرُورَةِ الزَّمَنِ لَا أَنَّهُ شَرْطٌ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ النِّصْفِ فَلَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَلَوْ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ وَجَبَتْ إعَادَتُهُ بَعْدُ وَلَوْ فَاتَ الْوُقُوفُ فَاتَتْ وَلِذَلِكَ قَالَ الرَّافِعِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ التَّرْتِيبُ هُنَا رُكْنًا كَمَا فِي الْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ بِأَنْ يُقَدِّمَ الْإِحْرَامَ عَلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ الْوُقُوفَ، ثُمَّ الطَّوَافَ وَإِزَالَةَ الشَّعْرِ، ثُمَّ الطَّوَافَ عَلَى السَّعْيِ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَخْ) وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْ الْخَبَرِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّقَ الرَّمْيَ بِمَا قَبْلَ الْفَجْرِ وَهُوَ صَالِحٌ لِجَمِيعِ اللَّيْلِ وَلَا ضَابِطَ لَهُ فَجَعَلَ النِّصْفَ ضَابِطًا؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْحَقِيقَةِ مِمَّا قَبْلَهُ؛ وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ لِلدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ وَلِأَذَانِ الصُّبْحِ فَكَانَ وَقْتًا لِلرَّمْيِ كَمَا بَعْدَ الْفَجْرِ اهـ. شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ: فَرَمَتْ قَبْلَ الْفَجْرِ) أَيْ بِأَمْرٍ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ. ع ش عَلَى م ر.
(قَوْلُهُ: يَنْتَهِي بِالزَّوَالِ) وَتَقَدَّمَ أَنَّ أَوَّلَهُ مِنْ بَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ حَيْثُ قَالَ م ر وَالْأَفْضَلُ تَأْخِيرُهَا إلَى بَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَالَ الشَّوْبَرِيُّ وَانْظُرْ مَا قَبْلَهُ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ هَلْ هُوَ مِنْ وَقْتِ الْفَضِيلَةِ أَوْ لَا حَرِّرْ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَلَا آخِرَ لِوَقْتِ الْحَلْقِ وَالطَّوَافِ إلَخْ) وَحِينَئِذٍ يَبْقَى مُحْرِمًا حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ وَلَوْ آخِرَ عُمُرِهِ فَضْلًا عَنْ السَّنَةِ الْقَابِلَةِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَحَلَّلَ التَّحَلُّلَ الْأَوَّلَ أَمَّا غَيْرُهُ فَلَيْسَ لَهُ تَأْخِيرُهُ إلَى السَّنَةِ الْقَابِلَةِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ وَرَدَّهُ السُّبْكِيُّ بِأَنَّ الْوُقُوفَ مُعْظَمُ الْحَجِّ وَمَا بَعْدَهُ تَبَعٌ لَهُ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ كُلَّ وَقْتٍ فَكَأَنَّهُ غَيْرُ مُحْرِمٍ بِخِلَافِ مَنْ فَاتَهُ الْوُقُوفُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مُصَابَرَةُ الْإِحْرَامِ فَإِنَّ مُعْظَمَ حَجِّهِ فَاتَ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أُحْصِرَ بَعْدَ الْوُقُوفِ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّحَلُّلُ اهـ. ح ل.
(قَوْلُهُ: أَيْضًا وَلَا آخِرَ لِوَقْتِ الْحَلْقِ وَالطَّوَافِ الْمَتْبُوعِ بِالسَّعْيِ) وَحِينَئِذٍ يَبْقَى مَنْ عَلَيْهِ ذَلِكَ مُحْرِمًا حَتَّى يَأْتِيَ بِهَا كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، نَعَمْ الْأَفْضَلُ فِعْلُهَا فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا عَنْ يَوْمِهِ وَعَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَشَدُّ كَرَاهَةً وَعَنْ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ أَشَدُّ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي جَوَازِ تَأْخِيرِهَا عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لَا يُقَالُ بَقَاؤُهُ عَلَى إحْرَامِهِ مُشْكِلٌ بِقَوْلِهِمْ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْفَوَاتِ مُصَابَرَةُ الْإِحْرَامِ إلَى قَابِلٍ إذْ اسْتِدَامَةُ الْإِحْرَامِ كَابْتِدَائِهِ وَابْتِدَاؤُهُ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ غَيْرُ مُسْتَفِيدٍ فِي تِلْكَ بِبَقَائِهِ عَلَى إحْرَامِهِ شَيْئًا سِوَى مَحْضِ تَعْذِيبِ نَفْسِهِ لِخُرُوجِ وَقْتِ الْوُقُوفِ فَحَرُمَ بَقَاؤُهُ عَلَى إحْرَامِهِ وَأُمِرَ بِالتَّحَلُّلِ وَأَمَّا هُنَا فَوَقْتُ مَا أَخَّرَهُ بَاقٍ فَلَا يَحْرُمُ بَقَاؤُهُ عَلَى إحْرَامِهِ وَلَا يُؤْمَرُ بِالتَّحَلُّلِ وَهُوَ بِمَثَابَةِ مَنْ أَحْرَمَ بِالصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا ثُمَّ مَدَّهَا
إنْ لَمْ يُفْعَلْ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّوَقُّفِ (وَسَيَأْتِي وَقْتُ الذَّبْحِ) لِلْهَدْيِ تَقَرُّبًا وَغَيْرُهُ فِي بَابِ مَا حَرُمَ بِالْإِحْرَامِ (وَحَلَّ بِاثْنَيْنِ مِنْ رَمْيٍ) يَوْمَ (نَحْرٍ وَحَلْقٍ) أَوْ تَقْصِيرٍ (وَطَوَافٍ) مَتْبُوعٍ بِسَعْيٍ إنْ لَمْ يَفْعَلْ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ (غَيْرَ نِكَاحٍ وَوَطْءٍ وَمُقَدِّمَاتِهِ) مِنْ لُبْسٍ وَحَلْقٍ أَوْ تَقْصِيرٍ وَقَلْمٍ وَصَيْدٍ وَطِيبٍ وَدُهْنٍ وَسَتْرِ رَأْسِ الذَّكَرِ وَوَجْهِ غَيْرِهِ كَمَا سَيَأْتِي بِخِلَافِ الثَّلَاثَةِ لِخَبَرِ «إذَا رَمَيْتُمْ الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ» ، وَرُوِيَ «إذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ» وَلِخَبَرِ الصَّحِيحَيْنِ «لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ» فَتَعْبِيرِي بِذَلِكَ أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ وَحَلَّ بِهِ اللُّبْسُ وَالْحَلْقُ وَالْقَلْمُ وَكَذَا الصَّيْدُ (وَ) حَلَّ (بِالثَّالِثِ الْبَاقِي) مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَهُوَ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ وَمَنْ فَاتَهُ الرَّمْيُ وَلَزِمَهُ بَدَلُهُ مِنْ دَمٍ أَوْ صَوْمٍ تَوَقَّفَ التَّحَلُّلُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِبَدَلِهِ هَذَا فِي تَحَلُّلِ الْحَجِّ، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَلَهَا تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ يَطُولُ زَمَنُهُ وَتَكْثُرُ أَفْعَالُهُ بِخِلَافِ الْعُمْرَةِ فَأُبِيحَ بَعْضُ مُحَرَّمَاتِهِ فِي وَقْتٍ وَبَعْضُهَا فِي آخَرَ.
(فَصْلٌ) فِي الْمَبِيتِ بِمِنًى لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ الَّتِي عَقِبَ يَوْمِ الْعِيدِ
[حاشية الجمل]
بِالْقِرَاءَةِ إلَى خُرُوجِ وَقْتِهَا فَإِنْ كَانَ طَافَ لِلْوَدَاعِ وَخَرَجَ وَقَعَ عَنْ طَوَافِ الْفَرْضِ وَإِنْ لَمْ يَطُفْ لِوَدَاعٍ وَلَا غَيْرِهِ لَمْ يَسْتَبِحْ النِّسَاءَ وَإِنْ طَالَ الزَّمَانُ لِبَقَائِهِ مُحْرِمًا اهـ. شَرْحُ م ر، وَقَوْلُهُ لِبَقَائِهِ مُحْرِمًا وَهَلْ لَهُ إذَا تَعَذَّرَ عَوْدُهُ إلَى مَكَّةَ التَّحَلُّلُ كَالْمُحْصَرِ أَوْ لَا لِتَقْصِيرِهِ بِتَرْكِ الطَّوَافِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَلَا يَبْعُدُ الْأَوَّلُ قِيَاسًا عَلَى مَا مَرَّ فِي الْحَائِضِ وَإِنْ كَانَتْ مَعْذُورَةً وَتَقْصِيرُهُ بِتَرْكِ الطَّوَافِ مَعَ الْقُدْرَةِ لَا يَمْنَعُ لِقِيَامِ الْعُذْرِ بِهِ الْآنَ كَمَنْ كَسَرَ رِجْلَيْهِ عَمْدًا فَعَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ حَيْثُ يُصَلِّي جَالِسًا وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ لَوْ شُفِيَ بَعْدَ ذَلِكَ اهـ. ع ش عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّوْقِيتِ) أَيْ الْأَصْلُ فِيمَا أَمَرَنَا بِهِ الشَّارِعُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُؤَقَّتٍ فَمَا كَانَ مُوَقَّتًا فَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ أَيْ الْكَثِيرِ اهـ. شَيْخُنَا وَالْمُرَادُ مِنْ كَوْنِهِ غَيْرَ مُؤَقَّتٍ أَيْ بِوَقْتٍ مَحْدُودِ الطَّرَفَيْنِ وَإِلَّا فَهَذِهِ يَدْخُلُ وَقْتُهَا بِنِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ لَكِنْ لَا آخِرَ لَهُ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَحَلَّ بِاثْنَيْنِ إلَخْ) وَأَمَّا الذَّبْحُ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَعْمَالِ يَوْمِ النَّحْرِ كَالثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ لَكِنْ لَا دَخْلَ لَهُ فِي التَّحَلُّلِ وَإِنَّمَا هُوَ سُنَّةٌ.
اهـ. عَمِيرَةُ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: أَيْضًا وَحَلَّ بِاثْنَيْنِ إلَخْ) أَيْ إنْ كَانَ بِرَأْسِهِ شَعْرٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا شَعْرٌ فَالتَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ يَحْصُلُ بِوَاحِدٍ مِنْ اثْنَيْنِ الرَّمْيِ وَالطَّوَافِ اهـ. حَجّ.
(قَوْلُهُ: مِنْ لُبْسٍ وَحَلْقٍ إلَخْ) بَيَانٌ لِلْغَيْرِ وَتَنْحَلُّ عِبَارَتُهُ إلَى هَكَذَا وَحَلَّ الْحَلْقُ بِالْحَلْقِ وَهَذَا نَظِيرُ مَا سَبَقَ لَهُ فِي بَابِ الْحَيْضِ مِنْ قَوْلِهِ وَإِذَا انْقَطَعَ لَمْ يَحِلَّ قَبْلَ طُهْرِ غَيْرِ صَوْمٍ وَطَلَاقٍ وَطُهْرٍ وَقَدْ أَشَارَ م ر إلَى إصْلَاحِ الْعِبَارَةِ بِقَوْلِهِ وَحَلَّ بِهِ اللُّبْسُ وَالْحَلْقُ إنْ لَمْ يَفْعَلْ اهـ أَيْ لَمْ يَفْعَلْ الْحَلْقَ يَعْنِي أَنَّ حِلَّ الْحَلْقِ وَجَوَازَهُ مُتَرَتِّبٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الثَّلَاثَةِ يَعْنِي إذَا فَعَلَ الرَّمْيَ وَالطَّوَافَ حَلَّتْ لَهُ الْمَحْظُورَاتُ حَتَّى الْحَلْقُ، وَأَمَّا لَوْ فَعَلَ الرَّمْيَ وَالْحَلْقَ أَوْ الطَّوَافَ وَالْحَلْقَ فَلَا يُقَالُ حَلَّ لَهُ مَا يَشْمَلُ الْحَلْقَ بَلْ يُقَالُ حَلَّ لَهُ مَا عَدَا الْحَلْقَ إذْ الشَّيْءُ لَا يَحِلُّ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ رَأَيْت فِي الشَّوْبَرِيِّ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ وَحَلْقٌ أَوْ تَقْصِيرٌ أَيْ فِي بَاقِي الْبَدَنِ غَيْرِ الرَّأْسِ وَإِلَّا فَحَلْقُهَا وَتَقْصِيرُهَا لَا يَتَوَقَّفُ حِلُّهُ عَلَى تَحَلُّلٍ أَوَّلَ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ بِانْتِصَافِ اللَّيْلِ اهـ.
(قَوْلُهُ: إلَّا النِّسَاءَ) أَيْ أَمْرُهُنَّ عَقْدًا وَتَمَتُّعًا اهـ. سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ أَيْ لَا يَتَزَوَّجُ فَيَشْمَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، وَقَوْلُهُ وَلَا يُنْكِحُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْكَافِ أَيْ لَا يُزَوِّجُ غَيْرَهُ اهـ. ح ل.
(قَوْلُهُ: أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ وَحَلَّ بِهِ إلَخْ) الضَّمِيرُ فِي كَلَامِ الْأَصْلِ رَاجِعٌ لِلتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ وَعِبَارَتُهُ وَإِذَا قُلْنَا الْحَلْقُ نُسُكٌ فَفِعْلُ اثْنَيْنِ مِنْ الرَّمْيِ لِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْحَلْقِ وَالطَّوَافِ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ وَحَلَّ بِهِ اللُّبْسُ إلَخْ انْتَهَتْ، وَأَمَّا لَوْ قُلْنَا إنَّهُ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ فَيَحْصُلُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِوَاحِدٍ مِنْ اثْنَيْنِ الرَّمْيِ وَالطَّوَافِ اهـ. مَحَلِّيٌّ وَلَا دَخْلَ لِلْحَلْقِ عَلَى هَذَا فِي التَّحَلُّلِ.
(قَوْلُهُ: وَحَلَّ بِالثَّالِثِ الْبَاقِي) وَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِتْيَانُ بِمَا بَقِيَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ وَهُوَ الرَّمْيُ وَالْمَبِيتُ مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ مُحْرِمٍ كَمَا يَخْرُجُ الْمُصَلِّي مِنْ صَلَاتِهِ بِالتَّسْلِيمَةِ الْأُولَى وَيُطْلَبُ مِنْهُ الثَّانِيَةُ وَإِنْ كَانَ الْمَطْلُوبُ هُنَا وَاجِبًا وَثَمَّ مَنْدُوبًا وَيُسَنُّ تَأْخِيرُ الْوَطْءِ عَنْ بَاقِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِيَزُولَ عَنْهُ أَثَرُ الْإِحْرَامِ وَلَا يُعَارِضُهُ خَبَرُ «أَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبِعَالٍ» أَيْ جِمَاعٍ لِجَوَازِ ذَلِكَ فِيهَا وَإِنَّمَا اُسْتُحِبَّ لِلْحَاجِّ تَرْكُ الْجِمَاعِ لِمَا ذُكِرَ اهـ. شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ: وَمَنْ فَاتَهُ الرَّمْيُ إلَخْ) عِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَمَنْ فَاتَهُ رَمْيُ يَوْمِ النَّحْرِ بِأَنْ أَخَّرَهُ عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَلَزِمَهُ بَدَلُهُ تَوَقَّفَ التَّحَلُّلُ عَلَى الْبَدَلِ وَلَوْ صَوْمًا لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ وَيُفَارِقُ الْمُحْصَرُ الْعَادِمُ لِلْهَدْيِ حَيْثُ لَمْ يَتَوَقَّفْ تَحَلُّلُهُ عَلَى بَدَلِهِ وَهُوَ الصَّوْمُ بِأَنَّ الْمُحْصَرَ لَيْسَ لَهُ إلَّا تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ فَلَوْ تَوَقَّفَ تَحَلُّلُهُ عَلَى الْبَدَلِ لَشَقَّ عَلَيْهِ الْمَقَامُ عَلَى سَائِرِ مُحَرَّمَاتِ الْحَجِّ إلَى الْإِتْيَانِ بِالْبَدَلِ وَاَلَّذِي يَفُوتُهُ الرَّمْيُ يُمْكِنُهُ الشُّرُوعُ فِي التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فَإِذَا أَتَى بِهِ حَلَّ لَهُ مَا عَدَا النِّكَاحَ وَمُقَدَّمَاتِهِ وَعَقْدَهُ فَلَا مَشَقَّةَ عَلَيْهِ فِي الْإِقَامَةِ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِالْبَدَلِ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: هَذَا) أَيْ قَوْلُ الْمَتْنِ وَحَلَّ بِاثْنَيْنِ إلَخْ أَيْ جَعْلُهُ التَّحَلُّلَ قِسْمَيْنِ أَوَّلًا وَثَانِيًا فِي الْحَجِّ أَمَّا الْعُمْرَةُ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ إلَخْ) وَنَظِيرُ ذَلِكَ الْحَيْضُ وَالْجَنَابَةُ لَمَّا طَالَ زَمَنُ الْحَيْضِ جُعِلَ لِارْتِفَاعِ مَحْظُورَاتِهِ مَحِلَّانِ انْقِطَاعُ الدَّمِ وَالِاغْتِسَالُ وَالْجَنَابَةُ لَمَّا قَصُرَ زَمَنُهَا جُعِلَ لِارْتِفَاعِ مَحْظُورَاتِهَا مَحَلٌّ وَاحِدٌ اهـ. شَرْحُ م ر.
[فَصْلٌ فِي الْمَبِيتِ بِمِنًى]
(قَوْلُهُ: أَيَّامَ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةَ إلَخْ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِشْرَاقِ نَهَارِهَا بِنُورِ الشَّمْسِ وَلَيَالِيهَا بِنُورِ الْقَمَرِ وَحِكْمَةُ التَّسْمِيَةِ لَا يَلْزَمُ اطِّرَادُهَا اهـ. حَجّ أَوْ لِأَنَّ النَّاسَ يُشْرِقُونَ فِيهَا لُحُومَ الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا أَيْ
وَفِيمَا يُذْكَرُ مَعَهُ (يَجِبُ مَبِيتٌ بِمِنًى لَيَالِيَ) أَيَّامِ (تَشْرِيقٍ) لِلِاتِّبَاعِ الْمَعْلُومِ مِنْ الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ مَعَ خَبَرِ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (مُعْظَمَ لَيْلٍ) كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَبِيتُ بِمَكَانٍ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِمَبِيتِ مُعْظَمِ اللَّيْلِ وَإِنَّمَا اُكْتُفِيَ بِلَحْظَةٍ مِنْ نِصْفِهِ الثَّانِي بِمُزْدَلِفَةَ كَمَا مَرَّ لِمَا تَقَدَّمَ ثَمَّ، وَالتَّصْرِيحُ بِمَبِيتِ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ وَبِالْوُجُوبِ مَعَ قَوْلِي مُعْظَمَ لَيْلٍ مِنْ زِيَادَتِي (وَ) يَجِبُ (رَمْيٌ كُلَّ يَوْمٍ) مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (بَعْدَ زَوَالٍ إلَى الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ) وَإِنْ كَانَ الرَّامِي فِيهَا وَالْأُولَى مِنْهَا تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ وَهِيَ الْكُبْرَى وَالثَّانِيَةُ الْوُسْطَى وَالثَّالِثَةُ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ وَلَيْسَتْ مِنْ مِنًى بَلْ مِنًى تَنْتَهِي إلَيْهَا (فَإِنْ نَفَرَ) وَلَوْ انْفَصَلَ مِنْ مِنًى بَعْدَ الْغُرُوبِ أَوْ عَادَ لِشُغْلٍ
[حاشية الجمل]
يَنْشُرُونَهَا فِي الشَّمْسِ وَيُقَدِّدُونَهَا اهـ. إيضَاحٌ وَهَذِهِ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ هِيَ الْمَعْدُودَاتُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203] ، وَأَمَّا الْمَعْلُومَاتُ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ الْحَجِّ فِي قَوْلِهِ ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28] فَهِيَ الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.
اهـ. شَرْحُ م ر فَيَوْمُ النَّحْرِ مِنْهَا وَهُوَ آخِرُهَا وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ هُوَ أَيْ يَوْمُ النَّحْرِ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ أَعْمَالِ النُّسُكِ يَقَعُ فِيهِ، وَقِيلَ هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَإِنَّمَا قِيلَ الْحَجُّ الْأَكْبَرُ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ النَّاسِ فِي الْعُمْرَةِ هِيَ الْحَجُّ الْأَصْغَرُ اهـ. إيضَاحٌ.
(قَوْلُهُ: وَفِيمَا يُذْكَرُ مَعَهُ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ وَرَمَى كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ زَوَالٍ إلَى آخِرِ الْفَصْلِ.
وَعِبَارَةُ حَجّ فِي الْمَبِيتِ بِمِنًى وَسُقُوطِهِ وَرَمْيِهَا وَشُرُوطِ الرَّمْيِ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: يَجِبُ مَبِيتٌ إلَخْ) أَيْ عَلَى الْأَصَحِّ، وَكَذَا قَوْلُهُ مُعْظَمَ لَيْلٍ.
وَعِبَارَةُ الْإِيضَاحِ وَهَلْ الْمَبِيتُ وَاجِبٌ أَمْ سُنَّةٌ فِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ، أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ وَاجِبٌ وَالثَّانِي أَنَّهُ سُنَّةٌ فَإِنْ تَرَكَهُ جَبَرَهُ بِدَمٍ فَإِنْ قُلْنَا الْمَبِيتُ وَاجِبٌ كَانَ الدَّمُ وَاجِبًا وَإِنْ قُلْنَا سُنَّةٌ كَانَ سُنَّةً وَفِي قَدْرِ الْوَاجِبِ مِنْ هَذَا الْمَبِيتِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا مُعْظَمُ اللَّيْلِ وَالثَّانِي الْمُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ حَاضِرًا بِهَا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: لَيَالِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) فِي تَقْدِيرِ الْإِيَامِ إشَارَةً إلَى أَنَّ اللَّيَالِيَ لَا تُسَمَّى لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ إلَّا تَوَسُّعًا وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَا فِي الْإِيضَاحِ مِنْ أَنَّ وَجْهَ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ تَقْدِيدُ اللَّحْمِ فِيهَا بِالشَّرْقَةِ أَيْ الشَّمْسِ إذْ ذَاكَ خَاصٌّ بِالنَّهَارِ كَمَا لَا يَخْفَى اهـ. شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: مُعْظَمِ لَيْلٍ) هَذَا يَتَحَقَّقُ بِمَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ وَلَوْ بِلَحْظَةٍ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ مَا يُسَمَّى مُعْظَمًا عُرْفًا فَلَا يَكْفِي ذَلِكَ اهـ. ع ش وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمُعْتَمَدُ اهـ. شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ أَيْضًا مُعْظَمُ لَيْلٍ) بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ.
اهـ. شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: لَا يَبِيتُ بِمَكَانٍ) أَيْ وَأَطْلَقَ أَمَّا لَوْ قَالَ لَا أَبِيت اللَّيْلَةَ فَإِنَّمَا يَحْنَثُ بِجَمِيعِهَا لَا بِمُعْظَمِهَا كَمَا قَرَّرَهُ شَيْخُنَا ز ي فَلْيُرَاجَعْ اهـ. بِشَوْبَرِيٍّ.
(قَوْلُهُ: لِمَا تَقَدَّمَ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ إذْ الْأَمْرُ بِالْمَبِيتِ لَمْ يَرِدْ هُنَا، بَلْ لِأَنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَهَا حَتَّى يَمْضِيَ نَحْوُ رُبُعِ اللَّيْلِ إلَخْ أَيْ وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِلَفْظِ الْمَبِيتِ هُنَا فَالْفَارِقُ الْأَمْرُ بِلَفْظِهِ هُنَا وَعَدَمُهُ هُنَاكَ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَالتَّصْرِيحُ بِمَبِيتِ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ إلَخْ) فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَبِيتَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْأَصْلِ حَيْثُ قَالَ إنْ لَمْ يَنْفِرْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَجَبَ مَبِيتُهَا أَيْ الثَّالِثَةِ وَمِنْ ثَمَّ أَسْقَطَ هَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَقَوْلُهُ وَبِالْوُجُوبِ أَيْ فِي عُمُومِ لَيَالِيِ التَّشْرِيقِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ صَرَّحَ بِالْوُجُوبِ فِي الثَّالِثَةِ اهـ. ح ل.
(قَوْلُهُ: وَرَمْيٌ كُلَّ يَوْمٍ) الْأَحْسَنُ أَنْ يُقْرَأَ رَمْيٌ بِالتَّنْوِينِ لِيَكُونَ فِيهِ الْإِخْبَارُ بِأَصْلِ الرَّمْيِ وَبِوَقْتِهِ، وَأَمَّا عَلَى الْإِضَافَةِ فَيُفِيدُ الْإِخْبَارَ بِوَقْتِهِ وَيُشْعِرُ بِأَنَّ الرَّمْيَ سَبَقَ لَهُ عِلْمٌ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي وَقْتِهِ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ اهـ. شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: بَعْدَ زَوَالٍ إلَخْ) عِبَارَةُ أَصْلِهِ مَعَ شَرْحِ م ر وَيَدْخُلُ رَمْيُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِلِاتِّبَاعِ وَيُسَنُّ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ تَقْدِيمُهُ عَلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ إنْ لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ وَإِلَّا قَدَّمَ الصَّلَاةَ مَا لَمْ يَكُنْ مُسَافِرًا فَيُؤَخِّرُهَا بِنِيَّةِ الْجَمْعِ وَيَخْرُجُ أَيْ وَقْتُهُ الِاخْتِيَارِيُّ بِغُرُوبِهَا مِنْ كُلِّ يَوْمٍ أَمَّا وَقْتُ الْجَوَازِ فَيَبْقَى إلَى غُرُوبِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: إلَى الْجَمَرَاتِ) حَقِيقَةُ الْجَمْرَةِ مَجْمَعُ الْحَصَى الْمُقَدَّرِ بِثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ إلَّا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهَا إلَّا جَانِبٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَسْفَلُ الْوَادِي فَرَمْيُ كَثِيرٍ مِنْ أَعْلَاهَا بَاطِلٌ اهـ. أُجْهُورِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ، وَمِثْلُهُ حَجّ وَيُؤْخَذُ مِنْ الْمُخْتَارِ وَالْمِصْبَاحِ أَنَّ جَمَرَاتٍ بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ جَمْرَةٍ بِإِسْكَانِ الْمِيمِ وَأَنَّ الْجَمْرَةَ الَّتِي هِيَ الْمُفْرَدُ تُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْحَصَاةِ وَمَكَانِ الرَّمْيِ وَتُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى جِمَارٍ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الرَّامِي فِيهَا) عِبَارَةُ أَصْلِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الرَّامِي خَارِجًا عَنْ الْجَمْرَةِ فَلَوْ وَقَفَ فِي بَعْضِهَا وَرَمَى إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْهَا صَحَّ لِمَا مَرَّ مِنْ حُصُولِ اسْمِ الرَّمْيِ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: مَسْجِدَ الْخَيْفِ) نِسْبَةً إلَى مَحِلِّهِ؛ لِأَنَّ الْخَيْفَ اسْمٌ لِمَكَانٍ ارْتَفَعَ عَنْ السَّيْلِ وَانْحَطَّ عَنْ غِلَظِ الْجَبَلِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ اهـ بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَهِيَ الْكُبْرَى) وَتَقَدَّمَ أَنَّ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ تُسَمَّى الْكُبْرَى فَلَفْظُ الْكُبْرَى مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ وَجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ اهـ. ع ش عَلَى م ر.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ نَفَرَ) أَيْ سَارَ بَعْدَ التَّحْمِيلِ فَصَحَّ قَوْلُهُ وَلَوْ انْفَصَلَ مِنْ مِنًى بَعْدَ الْغُرُوبِ اهـ. ح ل.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَلَوْ غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَهُوَ فِي شُغْلِ الِارْتِحَالِ فَلَهُ النَّفْرُ؛ لِأَنَّ فِي تَكْلِيفِهِ حَلَّ الرَّحْلِ وَالْمَتَاعِ مَشَقَّةً عَلَيْهِ، كَذَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْمُقْرِي تَبَعًا لِأَصْلِ الرَّوْضَةِ وَنَقَلَهُ فِي الْمَجْمُوعِ عَنْ الرَّافِعِيِّ وَهُوَ غَلَطٌ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَغَيْرُهُ سَبَبُهُ سُقُوطُ شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ
(فِي) الْيَوْمِ (الثَّانِي بَعْدَ رَمْيِهِ) وَبَاتَ اللَّيْلَتَيْنِ قَبْلَهُ أَوْ تَرَكَ مَبِيتَهُمَا لِعُذْرٍ (جَازَ وَسَقَطَ مَبِيتُ) اللَّيْلَةِ (الثَّالِثَةِ وَرَمْيُ يَوْمِهَا) قَالَ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203]
[حاشية الجمل]
الْعَزِيزِ وَالْمُصَحَّحِ فِيهِ وَفِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَمَنَاسِكِ الْمُصَنِّفِ امْتِنَاعُ النَّفْرِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ ارْتَحَلَ وَغَرَبَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ انْفِصَالِهِ مِنْ مِنًى فَإِنَّ لَهُ النَّفْرَ انْتَهَتْ.
وَعِبَارَةُ حَجّ وَإِذَا نَفَر أَيْ تَحَرَّكَ لِلذَّهَابِ إذْ حَقِيقَةُ النَّفْرِ الِانْزِعَاجُ فَيَشْمَلُ مَنْ أَخَذَ فِي شُغْلِ الِارْتِحَالِ وَيُوَافِقُ الْأَصَحَّ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ أَنَّ غُرُوبَهَا وَهُوَ فِي شُغْلِ الِارْتِحَالِ لَا يَلْزَمُهُ الْمَبِيتُ وَإِنْ اعْتَرَضَهُ كَثِيرُونَ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: أَيْضًا فَإِنْ نَفَرَ فِي الثَّانِي إلَخْ) يُقَالُ فِي مُضَارِعِهِ يَنْفِرُ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَضَمِّهَا اهـ. مِنْ شَرْحِ م ر وَفِي الْمُخْتَارِ نَفَرَتْ الدَّابَّةُ تَنْفِرُ بِالْكَسْرِ نِفَارًا وَتَنْفُرُ بِالضَّمِّ نُفُورًا وَنَفَرَ الْحَاجُّ مِنْ مِنًى مِنْ بَابِ ضَرَبَ.
اهـ. وَبِهِ يُعْلَمُ مَا فِي كَلَامِ الشَّارِحِ كحج إلَّا أَنْ يُقَالَ مَا ذَكَرَاهُ طَرِيقَةٌ أُخْرَى فَلْيُرَاجَعْ اهـ. ع ش عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: أَيْضًا فَإِنْ نَفَرَ فِي الثَّانِي إلَخْ) أَمَّا لَوْ نَفَرَ فِي الثَّالِثِ قَبْلَ رَمْيِهِ كَأَنْ نَفَرَ ضَحْوَةَ النَّهَارِ فَلَا يَجُوزُ وَتَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ بِتَرْكِ رَمْيِهِ وَالْحِيلَةُ فِي الْجَوَازِ وَسُقُوطِ الْفِدْيَةِ أَنْ يَخْرُجَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بَعْدَ رَمْيِهِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ مِنًى، ثُمَّ يَرْجِعَ إلَيْهَا فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ مُتَبَرِّعًا بِمَبِيتِ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، وَالْمُتَبَرِّعُ بِهِ لَا يَلْزَمُهُ رَمْيُ يَوْمِهَا فَيَجُوزُ لَهُ النَّفْرُ فِي يَوْمِهَا قَبْلَ الرَّمْيِ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ اهـ مِنْ شَرْحِ م ر وَالرَّشِيدِيُّ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: أَيْضًا فَإِنْ نَفَرَ فِي الثَّانِي إلَخْ) عِبَارَةُ أَصْلِهِ وَإِذَا رَمَى الْيَوْمَ الثَّانِيَ فَأَرَادَ النَّفْرَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ جَازَ قَالَ حَجّ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ أَرَادَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ النَّفْرِ مُقَارِنَةً لَهُ وَإِلَّا لَمْ يُعْتَدَّ بِخُرُوجِهِ فَيَلْزَمُهُ الْعَوْدُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ مَبِيتٍ وَرَمْيِ الْكُلِّ مَا لَمْ يَتَعَجَّلْ، ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ نِيَّةِ النَّفْرِ اهـ. وَيُوَجَّهُ بِمَا ذَكَرْته اهـ. حَجّ، ثُمَّ قَالَ أَيْ حَجّ فِي مَحَلٍّ آخَرَ مَا مُحَصِّلُهُ إنَّ شَرْطَ جَوَازِ النَّفْرِ أَنْ لَا يَعْزِمَ عَلَى الْعَوْدِ فَإِنْ عَزَمَ عَلَيْهِ عِنْدَ النَّفْرِ لَمْ يَجُزْ النَّفْرُ وَيَلْزَمُهُ الْعَوْدُ وَلَا تَنْفَعُهُ نِيَّةُ النَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ مَعَ نِيَّةِ الْعَوْدِ لَا يُسَمَّى نَفْرًا اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ عَادَ لِشُغْلٍ) عِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَلَوْ نَفَرَ قَبْلَ الْغُرُوبِ ثُمَّ عَادَ إلَى مِنًى لِحَاجَةٍ كَزِيَارَةٍ فَغَرَبَتْ الشَّمْسُ أَوْ غَرَبَتْ فَعَادَ كَمَا فُهِمَ بِالْأَوْلَى فَلَهُ النَّفْرُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْمَبِيتُ وَالرَّمْيُ بَلْ لَوْ بَاتَ هَذَا مُتَبَرِّعًا سَقَطَ عَنْهُ الرَّمْيُ وَإِنْ بَقِيَ لِلزَّوَالِ لِحُصُولِ الرُّخْصَةِ لَهُ بِالرَّمْيِ وَلَوْ عَادَ لِلْمَبِيتِ وَالرَّمْيِ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّا جَعَلْنَا عَوْدَهُ لِذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِنًى وَالثَّانِي لَا يَلْزَمُ؛ لِأَنَّا نَجْعَلُهُ كَالْمُسْتَدِيمِ لِلْفِرَاقِ وَنَجْعَلُ عَوْدَهُ كَعَدَمِهِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّمْيُ وَلَا الْمَبِيتُ انْتَهَتْ، وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ اهـ. ع ش عَلَى م ر وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ لِشُغْلٍ لَيْسَ بِقَيْدٍ.
اهـ. شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: بَعْدَ رَمْيِهِ) فَإِنْ نَفَرَ فِيهِ قَبْلَ رَمْيِهِ لَمْ يَجُزْ وَبِهِ صَرَّحَ الْعِمْرَانِيُّ عَنْ الشَّرِيفِ الْعُثْمَانِيِّ قَالَ لِأَنَّ هَذَا النَّفْرَ غَيْرُ جَائِزٍ، قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَهُوَ صَحِيحٌ مُتَّجَهٌ وَاسْتَظْهَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَقَوْلُهُ وَبَاتَ اللَّيْلَتَيْنِ قَبْلَهُ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ فَإِنْ تَرَكَ مَبِيتَهُمَا بِلَا عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ النَّفْرُ فِي الثَّانِي وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ مَبِيتُ الثَّالِثَةِ وَلَا رَمْيُ يَوْمِهَا اهـ. مِنْ شَرْحِ م ر.
وَعِبَارَةُ حَجّ أَمَّا إذَا لَمْ يَبِتْهُمَا وَلَا عُذْرَ لَهُ أَوْ نَفَرَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الرَّمْيِ فَلَا يَجُوزُ لَهُ النَّفْرُ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ مَبِيتُ الثَّالِثَةِ وَلَا رَمْيُ يَوْمِهَا عَلَى الْمُعْتَمَدِ نَعَمْ يَنْفَعُهُ فِي غَيْرِ الْأُولَى الْعَوْدُ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَيَرْمِي وَيَنْفِرُ حِينَئِذٍ، وَبَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ طَرْدَ مَا ذُكِرَ فِي الْأُولَى فِي الرَّمْيِ فَمَنْ تَرَكَهُ لَا لِعُذْرٍ امْتَنَعَ عَلَيْهِ النَّفْرُ أَوْ لِعُذْرٍ يُمْكِنُ مَعَهُ تَدَارُكُهُ وَلَوْ بِالنَّائِبِ فَكَذَلِكَ أَوْ لَا يُمْكِنُ جَازَ انْتَهَتْ.
وَقَوْلُهُ أَمَّا إذَا لَمْ يَبِتْهُمَا إلَخْ صَادِقٌ بِمَا إذَا بَاتَ إحْدَاهُمَا فَقَطْ وَهُوَ ظَاهِرٌ ثُمَّ رَأَيْت السَّيِّدَ صَرَّحَ بِهِ فَقَالَ عَقِبَ عِبَارَةٍ سَاقَهَا عَنْ الْمُصَنِّفِ قُلْت وَهُوَ مُقْتَضٍ لِامْتِنَاعِ التَّعْجِيلِ فِيمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ إذَا تَرَكَ مَبِيتَ اللَّيْلَتَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَبِتْ الْمُعْظَمَ وَهُوَ اللَّيْلَتَانِ اهـ. سم عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ تَرَكَ مَبِيتَهُمَا لِعُذْرٍ) أَيْ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ التَّرْكُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مَبِيتُ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَيُتَّجَهُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الرَّمْيِ فِي الْمَاضِي كَتَرْكِ الْمَبِيتِ، ثُمَّ قَالَ نَعَمْ إذَا كَانَ الْمُتَعَدَّى بِتَرْكِهِ أَحَدَهُمَا فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ مَبِيتُ الثَّالِثَةِ وَرَمْيُهَا أَمْ يَجِبُ نَظِيرُ مَا تَعَدَّى بِهِ فَقَطْ أَمْ يَفْصِلُ، فَيُقَالُ إنْ كَانَ الِاخْتِلَالُ بِتَرْكِ الْمَبِيتِ لَمْ يَلْزَمُهُ الرَّمْيُ؛ لِأَنَّ الْمَبِيتَ إنَّمَا وَجَبَ لِأَجْلِ الرَّمْيِ فَيَكُونُ تَابِعًا وَالتَّابِعُ لَا يُوجِبُ الْمَتْبُوعَ وَإِنْ حَصَلَ الْإِخْلَالُ بِتَرْكِ الرَّمْيِ وَجَبَ الْمَبِيتُ فِي كُلِّ ذَلِكَ نَظَرٌ.
اهـ. أَقُولُ وَلَك أَنْ تَمْنَعَ أَوَّلًا إلْحَاقَ تَرْكِ الرَّمْيِ بِتَرْكِ الْمَبِيتِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَبِيتَ وَاجِبٌ وَوَقْتُ الرَّمْيِ فِيمَا مَضَى اخْتِيَارِيٌّ فَمَتَى تَدَارَكَ ذَلِكَ الْيَوْمَ الثَّانِيَ قَبْلَ الْغُرُوبِ سَاغَ لَهُ النَّفْرُ بِخِلَافِ تَرْكِ الْمَبِيتِ فِي الْمَاضِي لَا سَبِيلَ إلَى تَدَارُكِهِ.
اهـ. عَمِيرَةُ اهـ. سم.
(قَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [البقرة: 203] أَيْ فِي ثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ رَمْيِهِ اهـ. جَلَالَيْنِ وَيُشِيرُ بِهَذَا
وَيَخْطُبُ الْإِمَامُ بِمِنًى بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ خُطْبَةً يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا رَمْيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَحُكْمَ الْمَبِيتِ وَغَيْرَهُمَا وَثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ خُطْبَةً يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا جَوَازَ النَّفْرِ فِيهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَيُوَدِّعُهُمْ.
(وَشَرْطٌ لِلرَّمْيِ) أَيْ لِصِحَّتِهِ (تَرْتِيبٌ) لِلْجَمَرَاتِ بِأَنْ يَرْمِيَ أَوَّلًا إلَى الْجَمْرَةِ الَّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ ثُمَّ إلَى الْوُسْطَى ثُمَّ إلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَكَوْنُهُ سَبْعًا) مِنْ الْمَرَّاتِ لِذَلِكَ فَلَوْ رَمَى سَبْعَ حَصَيَاتٍ مَرَّةً وَاحِدَةً أَوْ حَصَاتَيْنِ كَذَلِكَ إحْدَاهُمَا بِيَمِينِهِ وَالْأُخْرَى بِيَسَارِهِ لَمْ يُحْسَبْ إلَّا وَاحِدَةٌ وَلَوْ رَمَى حَصَاةً وَاحِدَةً سَبْعًا كَفَى
[حاشية الجمل]
إلَى أَنَّ الْكَلَامَ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ دَفْعًا لِمَا يُوهِمُهُ ظَاهِرُ النَّظْمِ مِنْ أَنَّ النَّفْرَ وَاقِعٌ فِي كُلٍّ مِنْ الْيَوْمَيْنِ وَلَيْسَ مُرَادًا.
اهـ. وَقَدْ صَرَّحَتْ الْآيَةُ بِنَفْيِ الْحَرَجِ رَدًّا عَلَى الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِئَتَيْنِ: فِئَةٌ تَعْتَقِدُ أَنَّ فِي التَّأْخِيرِ إثْمًا، وَفِئَةٌ أُخْرَى تَعْتَقِدُ أَنَّ فِي التَّقْدِيمِ إثْمًا اهـ. شَرْحُ الْمِشْكَاةِ وَفِيهِ أَيْضًا وَلَعَلَّ وَجْهَ نَفْيِ الْأَثِمِ عَمَّنْ تَأَخَّرَ تَطْيِيبُ قَلْبِ مَنْ تَعَجَّلَ حَيْثُ سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ تَأَخَّرَ فِي نَفْيِ الْأَثِمِ فَدَلَّ عَلَى تَسَاوِيهِمَا فِي مُوَافَقَةِ فِعْلِ كُلٍّ مِنْهُمَا لِلسُّنَّةِ اهـ. شَوْبَرِيٌّ عَلَى التَّحْرِيرِ اهـ. م ر.
(قَوْلُهُ: وَيَخْطُبُ الْإِمَامُ بِمِنًى إلَخْ) حَاصِلُ مَا قَرَّرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ خُطَبَ الْحَجِّ أَرْبَعٌ الْأُولَى يَوْمُ السَّابِعِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَتَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِهِ سُنَّ لِلْإِمَامِ إنْ يَخْطُبَ بِمَكَّةَ سَابِعَ ذِي الْحِجَّةِ وَالثَّانِيَةُ يَوْمَ التَّاسِعِ بِمَسْجِدِ إبْرَاهِيمَ وَتَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِهِ، ثُمَّ يَذْهَبُ بِهِمْ إلَى مَسْجِدِ إبْرَاهِيمَ فَيَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ وَالثَّالِثَةُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، وَالرَّابِعَةُ فِي ثَانِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِمِنًى وَكُلُّهَا فُرَادَى وَبَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ إلَّا الَّتِي يَوْمَ التَّاسِعِ فَإِنَّهَا ثِنْتَانِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ اهـ. ز ي.
(قَوْلُهُ: وَيُوَدِّعُهُمْ) أَيْ يُعَلِّمُهُمْ طَوَافَ الْوَدَاعِ اهـ شَيْخُنَا، لَكِنَّ عِبَارَةَ شَرْحِ م ر يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا جَوَازَ النَّفْرِ فِيهِ وَفِيمَا بَعْدَهُ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَغَيْرِهِ وَيُوَدِّعُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ بِخَتْمِ الْحَجِّ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى اهـ. فَقَدْ جَمَعَ فِيهَا بَيْنَ تَعْلِيمِهِمْ طَوَافَ الْوَدَاعِ وَبَيْنَ تَوْدِيعِهِمْ فَلْيُنْظَرْ مَا مَعْنَى التَّوْدِيعِ.
(قَوْلُهُ: وَشُرِطَ لِلرَّمْيِ إلَخْ) الْأَوْجَهُ أَنَّ الرَّمْيَ كَالطَّوَافِ فَيَقْبَلُ الصَّرْفَ وَأَنَّ السَّعْيَ كَالْوُقُوفِ فَلَا يَقْبَلُ الصَّرْفَ، كَذَا فِي شَرْحِ م ر وَقَرَّرَهُ فِي دَرْسِهِ وَنَازَعَ سم شَيْخُنَا الزِّيَادِيُّ فِي عَدَمِ قَبُولِ السَّعْيِ لِلصَّرْفِ وَقَرَّرَ عَنْ الشَّيْخِ حَجّ أَنَّهُ يَقْبَلُ كَالطَّوَافِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ إلَّا الْوُقُوفَ فَقَطْ اهـ. شَوْبَرِيٌّ وَحَاصِلُ الشُّرُوطِ سِتَّةٌ الْأَوَّلُ مِنْهَا مُخْتَصٌّ بِرَمْيِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالْخَمْسَةُ بَعْدَهُ تَجْرِي فِيهِ وَفِي رَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الشَّارِحُ اهـ. وَبَقِيَ سَابِعٌ وَهُوَ فَقْدُ الصَّارِفِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَصَرْفُ الرَّمْيِ بِالنِّيَّةِ لِغَيْرِ الْحَجِّ كَأَنْ رَمَى إلَى شَخْصٍ أَوْ دَابَّةٍ فِي الْجَمْرَةِ كَصَرْفِ الطَّوَافِ بِهَا إلَى غَيْرِهِ وَإِنْ بَحَثَ فِي الْمُهِّمَّاتِ إلْحَاقَ الرَّمْيِ بِالْوُقُوفِ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ وَحْدَهُ كَرَمْيِ الْعَدُوِّ فَأَشْبَهَ الطَّوَافَ بِخِلَافِ الْوُقُوفِ، وَأَمَّا السَّعْيُ فَالظَّاهِرُ كَمَا أَفَادَهُ الشَّيْخُ آخِذًا مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَالْوُقُوفِ انْتَهَتْ.
وَفِي سم عَلَى حَجّ مَا نَصُّهُ وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ عَلَيْهِ طَوَافٌ دَخَلَ وَقْتُهُ إذَا طَافَ نَاوِيًا طَوَافًا آخَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَطُوفَ حَامِلًا مُحْرِمًا وَيَنْوِيَهُ عَنْ ذَلِكَ الْمَحْمُولِ فَيَقَعُ لِذَلِكَ الْمَحْمُولِ أَوْ نَاوِيًا غَيْرَ الطَّوَافِ كَلُحُوقِ غَرِيمٍ انْصَرَفَ عَنْ الطَّوَافِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا صَرَفَ الطَّوَافَ إلَى طَوَافٍ آخَرَ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ لَمْ يَنْصَرِفْ إلَّا فِي مَسْأَلَةِ الْمَحْمُولِ فَيُصْرَفُ لَهُ أَوْ إلَى غَيْرِ طَوَافٍ انْصَرَفَ فَالرَّمْيُ كَالطَّوَافِ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ فَإِنْ صَرَفَهُ إلَى رَمْيٍ آخَرَ لَمْ يَنْصَرِفْ كَأَنْ قَصَدَ بِهِ مُسْتَنِيبَهُ أَوْ إلَى غَيْرِ الرَّمْيِ كَأَنْ قَصَدَ إصَابَةَ الدَّابَّةِ فِي الرَّمْيِ انْصَرَفَ وَلَا يَظْهَرُ فِي الرَّمْيِ نَظِيرُ الْمَحْمُولِ فِي الطَّوَافِ لِيَتَأَتَّى اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ الشِّقِّ الْأَوَّلِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ.
(قَوْلُهُ: تَرْتِيبٌ لِلْجَمَرَاتِ) جَمْعُ جَمْرَةٍ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِرَمْيِ الْجَمَرَاتِ أَيْ الْحَصَيَاتِ فِيهَا وَمَسَافَةُ بُعْدِ الْأُولَى عَنْ مَسْجِدِ الْخَيْفِ أَلْفُ ذِرَاعٍ وَمِائَتَا ذِرَاعٍ وَأَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا وَعَنْ الْوُسْطَى مِائَتَا ذِرَاعٍ وَخَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ ذِرَاعًا وَبَيْنَ الْوُسْطَى وَجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ مِائَتَا ذِرَاعٍ وَثَمَانِيَةُ أَذْرُعٍ وَبَيْنَ هَذِهِ وَبَابِ السَّلَامِ أَحَدَ عَشَرَ أَلْفَ ذِرَاعٍ وَمِائَتَا ذِرَاعٍ وَأَحَدٌ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا كُلُّ ذَلِكَ بِذِرَاعِ الْيَدِ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يَرْمِيَ أَوَّلًا إلَخْ) أَيْ فَلَا يَعْتَدُّ بِرَمْيِ الثَّانِي قَبْلَ تَمَامِ الْأُولَى وَلَا بِالثَّالِثَةِ قَبْلَ تَمَامِ الْأُولَيَيْنِ وَلَوْ تَرَكَ حَصَاةً وَشَكَّ فِي مَحَلِّهَا مِنْ الثَّلَاثِ جَعَلَهَا مِنْ الْأُولَى احْتِيَاطًا فَيَرْمِي بِهَا إلَيْهَا وَيُعِيدُ رَمْيَ الْجَمْرَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ إذْ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الرَّمْيِ فِي الْجَمَرَاتِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَإِنَّمَا تُسَنُّ فَقَطْ كَمَا فِي الطَّوَافِ وَلَوْ تَرَكَ حَصَاتَيْنِ وَلَمْ يَعْلَمْ مَحَلَّهُمَا جَعَلَ وَاحِدَةً مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَوَاحِدَةً مِنْ ثَالِثَةٍ وَهُوَ يَوْمُ النَّفْرِ الْأُولَى مِنْ أَيِّ جَمْرَةٍ كَانَتْ أَخْذًا بِالْأَسْوَأِ وَحَصَلَ رَمْيُ يَوْمِ النَّحْرِ وَأَحَدِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ اهـ. شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ: مِنْ الْمَرَّاتِ) أَيْ مَرَّاتِ الرَّمْيِ أَيْ لَا مِنْ الْحَصَيَاتِ فَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهَا سَبْعًا كَمَا سَيَذْكُرُهُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ رَمَى حَصَاةً وَاحِدَةً إلَخْ، وَقَوْلُهُ فَلَوْ رَمَى سَبْعَ حَصَيَاتٍ إلَخْ مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ مِنْ الْمَرَّاتِ اهـ.
(قَوْلُهُ: أَوْ حَصَاتَيْنِ كَذَلِكَ) أَيْ مَرَّةً وَاحِدَةً أَيْ دُفْعَةً وَاحِدَةً وَقَوْلُهُ لَمْ يُحْسَبْ إلَّا وَاحِدَةً أَيْ وَإِنْ تَرَتَّبَ الْحَصَاتَانِ فِي الْوُقُوعِ أَمَّا لَوْ رَمَاهُمَا مُتَرَتِّبَتَيْنِ فَيُحْسَبُ لَهُ ثِنْتَانِ سَوَاءٌ وَقَعَتَا مَعًا أَوْ مَرْتَبَتَيْنِ كَمَا رَمَى أَوْ الثَّانِيَةُ قَبْلَ الْأُولَى اهـ. مِنْ شَرْحِ م ر
وَلَا يَكْفِي وَضْعُ الْحَصَاةِ فِي الْمَرْمِيِّ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى رَمْيًا؛ وَلِأَنَّهُ خِلَافُ الْوَارِدِ (وَ) كَوْنُهُ (بِيَدٍ) لِأَنَّهُ الْوَارِدُ وَهَذَا مِنْ زِيَادَتِي فَلَا يَكْفِي الرَّمْيُ بِغَيْرِهَا كَقَوْسٍ وَرِجْلٍ (وَ) كَوْنُهُ (بِحَجَرٍ) لِذِكْرِ الْحَصَى فِي الْأَخْبَارِ وَهُوَ مِنْ الْحَجَرِ فَيُجْزِئُ بِأَنْوَاعِهِ وَلَوْ مِمَّا يُتَّخَذُ مِنْهُ الْفُصُوصُ كَيَاقُوتٍ وَعَقِيقٍ وَبَلُّورٍ لَا غَيْرُهُ كَلُؤْلُؤٍ وَإِثْمِدٍ وَجِصٍّ وَجَوْهَرٍ مُنْطَبِعٍ كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحَدِيدٍ (وَقَصْدُ الْمَرْمِيِّ) مِنْ زِيَادَتِي فَلَوْ رَمَى إلَى غَيْرِهِ كَأَنْ رَمَى فِي الْهَوَاءِ فَسَقَطَ فِي الْمَرْمِيِّ لَمْ يُحْسَبْ (وَتَحَقُّقُ إصَابَتِهِ) بِالْحَجَرِ وَإِنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ كَأَنْ تَدَحْرَجَ وَخَرَجَ مِنْهُ
[حاشية الجمل]
(قَوْلُهُ: وَلَا يَكْفِي وَضْعُ الْحَصَاةِ فِي الْمَرْمِيِّ) عِبَارَةُ أَصْلِهِ مَعَ شَرْحِ م ر وَشُرِطَ أَنْ يُسَمِّيَ رَمِيًّا فَلَا يَكْفِي الْوَضْعُ فِي الْمَرْمِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ الرَّمْيُ فَلَا بُدَّ مِنْ صِدْقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ وَيُفَارِقُ مَا مَرَّ فِي الْوُضُوءِ مِنْ الِاكْتِفَاءِ بِوَضْعِ الْيَدِ مَبْلُولَةً عَلَى الرَّأْسِ بِأَنَّ مَبْنَى الْحَجِّ عَلَى التَّعَبُّدِ وَبِأَنَّ الْوَاضِعَ هُنَا لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الرَّمْيِ بِخِلَافِ مَا هُنَاكَ فِيهِمَا انْتَهَتْ.
وَعِبَارَةُ حَجّ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إجْزَاءِ وَضْعِ الْيَدِ عَلَى الرَّأْسِ مَعَ أَنَّهُ يُسَمَّى مَسْحًا بِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ وُصُولُ الْبَلَلِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِذَلِكَ وَهُنَا مُجَاهَدَةُ الشَّيْطَانِ بِالْإِشَارَةِ إلَيْهِ بِالرَّمْيِ عَلَى الَّذِي يُجَاهَدُ بِهِ الْعَدُوُّ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ «لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْجِمَارِ اللَّهَ رَبَّكُمْ تُكَبِّرُونَ وَمِلَّةَ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ تَتْبَعُونَ وَوَجْهَ الشَّيْطَانِ تَرْمُونَ» انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: وَبِيَدٍ) فَلَوْ عَجَزَ عَنْهُ بِيَدِهِ قَدَّمَ الْقَوْسَ، ثُمَّ الرِّجْلَ، ثُمَّ الْفَمَ وَإِلَّا اسْتَنَابَ اهـ. حَجّ شَوْبَرِيٌّ.
(قَوْلُهُ: فَلَا يَكْفِي الرَّمْيُ بِغَيْرِهَا كَقَوْسٍ وَرِجْلٍ وَمِقْلَاعٍ إلَخْ) هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْيَدِ أَمَّا إذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْهَا فَإِنَّهُ يُجْزِئُ وَلَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاسْتِنَابَةِ كَمَا ذَكَرَهُ حَجّ.
اهـ. ع ش.
(قَوْلُهُ: فَيُجْزِئُ بِأَنْوَاعِهِ) مِنْهُ الْكَذَّانُ بِفَتْحٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ مُشَدَّدَةٍ حِجَارَةٌ رَخْوَةٌ؛ لِأَنَّهَا مَدَرٌ نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ عَنْ الْجَوْهَرِيِّ اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ مِمَّا يُتَّخَذُ مِنْهُ الْفُصُوصُ) وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْإِجْزَاءِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلْجَوَازِ فَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَى الرَّمْيِ بِالْيَاقُوتِ وَنَحْوِهِ كَسْرٌ أَوْ إضَاعَةُ مَالٍ حَرُمَ وَإِنْ أَجْزَأَ اهـ. رَمْلِيٌّ اهـ. زِيَادِيٌّ وَلَا يُقَالُ هَذَا الْغَرَضُ صَحِيحٌ فَلَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هَذَا لَهُ عَنْهُ مَنْدُوحَةً؛ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ غَيْرُهُ يَقُومُ مَقَامَهُ كَانَ عُدُولُهُ إلَيْهِ حَرَامًا مِنْ حَيْثُ إضَاعَةُ الْمَالِ أَوْ كَسْرُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لَا يَحْرُمُ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ وَيُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّهُ يُكْرَهُ رَشُّ الْقَبْرِ بِمَاءِ الْوَرْدِ وَلَا يَحْرُمُ؛ لِأَنَّهُ لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ التَّعَيُّنِ وَعَدَمِهِ وَأُجِيبَ عَنْ عَدَمِ التَّحْرِيمِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إضَاعَةُ مَالٍ بِأَنَّهُ خَلْفَنَا شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ إكْرَامُ الْمَيِّتِ وَحُصُولُ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ لِلْحَاضِرِينَ وَحُضُورُ الْمَلَائِكَةِ بِسَبَبِ ذَلِكَ وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ لَا يُكْرَهُ الْقَلِيلُ مِنْهُ اهـ. ع ش.
(قَوْلُهُ: وَجِصٍّ) أَيْ بَعْدَ الطَّبْخِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى حِينَئِذٍ حَجَرًا بَلْ نَوْرَةً أَمَّا قَبْلَهُ فَيُجْزِئُ اهـ. شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ: وَجَوْهَرٌ مُنْطَبِعٌ) أَشَارَ بِهِ دُونَ تَعْبِيرِ الْمَحَلِّيِّ بِيَنْطَبِعُ إلَيَّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ انْطِبَاعِهِ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْحَجَرِيَّةِ إلَّا بِذَلِكَ بِخِلَافِ الْمُشَمَّسِ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ ثَمَّ مُطْلَقًا تَأَمَّلْ اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
وَعِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ قَوْلُهُ مُنْطَبِعٌ أَيْ بِالْفِعْلِ وَإِلَّا كَفَى؛ لِأَنَّ فِيهِ الْحَجَرَ كَامِنًا وَمِنْهُ يُعْلَمُ صِحَّةُ رَمْيِ خَاتَمِ فِضَّةٍ فِيهِ فَصٌّ مِنْ حَجَرٍ كَيَاقُوتٍ مَثَلًا خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: وَقَصْدُ الْمَرْمِيِّ) أَيْ أَنْ لَا يَقْصِدَ غَيْرَ الرَّمْيِ فِيهِ وَهُوَ مُجْتَمَعُ الْحَصَاةِ الْمُقَدَّرِ بِثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ حَوْلَ الشَّاخِصِ الْمَشْهُورِ مِنْ سَائِرِ جِهَاتِهِ إلَّا فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ؛ لِأَنَّ لَهَا وَجْهًا وَاحِدًا فَلَوْ قَصَدَ الشَّاخِصَ وَرَمَى لَمْ يَكْفِ وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَرْمِيِّ وَإِنْ قَصَدَ الْمَرْمِيَّ وَرَمَى إلَى الشَّاخِصِ فَوَقَعَ بَعْدَ إصَابَتِهِ فِي الْمَرْمِيِّ كَفَى وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ التَّنَاقُضِ فِي كَلَامِهِمْ وَلَوْ أَصَابَتْ الْحَصَاةُ شَيْئًا كَمَحْمَلٍ فَعَادَتْ إلَى الْمَرْمِيِّ فَإِنْ كَانَ عَوْدُهَا بِحَرَكَةٍ مَا أَصَابَتْهُ لَمْ يَكْفِ وَإِلَّا كَفَى كَمَا لَوْ رَدَّتْهُ الرِّيحُ وَقَدْ خَرَجَ إلَى الْمَرْمِيِّ مِنْ الْأَرْضِ لَا مِنْ نَحْوِ ظَهْرِ بَعِيرٍ لِاحْتِمَالِهَا بِحَرَكَتِهِ فَإِنْ تَحَقَّقَ عَدَمُ الْحَرَكَةِ كَفَى اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: أَيْضًا وَقَصَدَ الْمَرْمِيَّ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ النُّسُكَ اهـ. حَجّ.
(قَوْلُهُ: فَلَوْ رَمَى إلَى غَيْرِهِ إلَخْ) قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَوْ رَمَى إلَى الْعَلَمِ الْمَنْصُوبِ فِي الْجَمْرَةِ أَوْ الْحَائِطِ الَّتِي بِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَأَصَابَهُ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْمَرْمِيِّ لَا يُجْزِئُ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدِي وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ فِيهِ بِفِعْلِهِ مَعَ قَصْدِ الرَّمْيِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ اهـ. وَالثَّانِي مِنْ احْتِمَالَيْهِ أَقْرَبُ كَمَا قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ بَعْضُهُمْ مُدَّعِيًا أَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَى تَعْلِيلِ الْإِجْزَاءِ فِيهِ كَمَا ذُكِرَ أَنَّهُ لَوْ رَمَى إلَى غَيْرِ الْمَرْمِيِّ فَوَقَعَ فِيهِ يُجْزِئُ وَقَدْ صَرَّحُوا بِخِلَافِهِ فَالْأَوْجَهُ عَدَمُ الْإِجْزَاءِ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي الْمَرْمِيِّ حَدًّا مَعْلُومًا، غَيْرَ أَنَّ كُلَّ جَمْرَةٍ عَلَيْهَا عَلَمٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْمِيَ تَحْتَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَلَا يَبْعُدَ عَنْهُ احْتِيَاطًا، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ الْجَمْرَةُ مُجْتَمَعُ الْحَصَى لَا مَا سَالَ مِنْ الْحَصَى فَمَنْ أَصَابَ مُجْتَمَعَهُ أَجْزَأَهُ وَمَنْ أَصَابَ سَائِلَهُ لَمْ يُجْزِهِ وَمَا حَدَّدَ بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَنَّ مَوْضِعَ الرَّمْيِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ مِنْ سَائِرِ الْجَوَانِبِ إلَّا فِي جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَلَيْسَ لَهَا إلَّا وَجْهٌ وَاحِدٌ، وَرَمْيُ كَثِيرٍ مِنْ أَعْلَاهَا بَاطِلٌ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا اهـ. شَرْحُ م ر وَفِي كَلَامِ حَجّ أَنَّ الشَّاخِصَ لَيْسَ مِنْ الْمَرْمِيِّ فَلَوْ أُزِيلَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَ فِي مَحَلِّهِ اهـ. ح ل، وَالْوَجْهُ الْوَجِيهُ خِلَافُهُ لِلْقَطْعِ بِحُدُوثِ الشَّاخِصِ وَأَنَّهُ لَمْ
فَلَوْ شَكَّ فِي إصَابَتِهِ لَمْ يُحْسَبْ (سُنَّ أَنْ يَرْمِيَ بِقَدْرِ حَصَى الْخَذْفِ) بِمُعْجَمَتَيْنِ لِخَبَرِ مُسْلِمٍ «عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ» وَهُوَ دُونَ الْأُنْمُلَةِ طُولًا وَعَرْضًا بِقَدْرِ الْبَاقِلَّا (وَمَنْ عَجَزَ) عَنْ الرَّمْيِ لِعِلَّةٍ لَا يُرْجَى زَوَالُهَا
[حاشية الجمل]
يَكُنْ فِي زَمَنِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الظَّاهِرَ ظُهُورًا تَامًّا أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَالنَّاسُ فِي زَمَنِهِ لَمْ يَكُونُوا يَرْمُونَ إلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ وَيَتْرُكُونَ مَحَلَّهُ وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ لَنُقِلَ فَإِنَّهُ غَرِيبٌ اهـ. سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: فَلَوْ شَكَّ فِي إصَابَتِهِ لَمْ يُحْسَبْ) أَيْ وَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ إصَابَتُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُقُوعِ فِيهِ وَبَقَاءُ الرَّمْيِ عَلَيْهِ، كَذَا فِي الْإِيعَابِ اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَسُنَّ أَنْ يَرْمِيَ بِقَدْرِ حَصَى الْخَذْفِ) وَيُكْرَهُ بِأَكْبَرَ وَبِأَصْغَرَ مِنْهُ وَبِهَيْئَةِ الْخَذْفِ لِلنَّهْيِ الصَّحِيحِ عَنْهَا الشَّامِلِ لِلْحَجِّ وَغَيْرِهِ اهـ. حَجّ.
اهـ. رَشِيدِيٌّ عَلَى م ر، وَهَيْئَةُ الْخَذْفِ كَمَا فِي شَرْحِ م ر أَنْ يَضَعَ الْحَصَى عَلَى بَطْنِ إبْهَامِهِ وَيَرْمِيَهُ بِرَأْسِ السَّبَّابَةِ.
اهـ.
وَفِي الْإِيضَاحِ مَا نَصُّهُ وَيَتَعَلَّقُ بِأَيَّامِ التَّشْرِيقِ مَسَائِلُ إلَى أَنْ قَالَ الثَّانِيَةُ السُّنَّةُ أَنْ يَأْتِيَ الْجَمْرَةَ الْأُولَى مِنْ أَسْفَلَ وَيَصْعَدَ إلَيْهَا وَيَعْلُوَهَا حَتَّى يَكُونَ مَا عَنْ يَسَارِهِ أَقَلَّ مِمَّا عَنْ يَمِينِهِ وَيَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ، ثُمَّ يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَاحِدَةً وَاحِدَةً يُكَبِّرُ عَقِبَ كُلِّ حَصَاةٍ كَمَا سَبَقَ فِي رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ عَنْهَا وَيَنْحَرِفُ قَلِيلًا وَيَجْعَلُهَا فِي قَفَاهُ وَيَقِفُ فِي مَوْضِعٍ لَا يُصِيبُهُ الْمُتَطَايِرُ مِنْ الْحَصَى الَّذِي يُرْمَى وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ وَيُسَبِّحُ وَيَدْعُو مَعَ حُضُورِ الْقَلْبِ وَخُشُوعِ الْجَوَارِحِ وَيَمْكُثُ كَذَلِكَ قَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ وَهِيَ الْوُسْطَى وَيَصْنَعُ فِيهَا كَمَا صَنَعَ فِي الْأُولَى وَيَقِفُ لِلدُّعَاءِ كَمَا وَقَفَ فِي الْأُولَى إلَّا أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُ عَنْ يَسَارِهَا كَمَا فَعَلَ فِي الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ فِيهَا، بَلْ يَتْرُكُهَا بِيَمِينٍ وَيَقِفُ فِي بَطْنِ الْمَسِيلِ مُنْقَطِعًا عَنْ أَنْ يُصِيبَهُ الْحَصَى، ثُمَّ يَأْتِي الْجَمْرَةَ الثَّالِثَةَ وَهِيَ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ الَّتِي رَمَاهَا يَوْمَ النَّحْرِ فَيَرْمِيهَا مِنْ بَطْنِ الْوَادِي وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا لِلدُّعَاءِ إلَى أَنْ قَالَ الثَّامِنَةُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ رَمْيِ الْجَمَرَاتِ وَرَمَيَاتِ الْجَمْرَةِ الْوَاحِدَةِ سُنَّةٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ وَاجِبَةٌ إلَى أَنْ قَالَ الْحَادِيَةَ عَشَرَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْمِيَ فِي الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ مَاشِيًا وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ رَاكِبًا؛ لِأَنَّهُ يَنْفِرُ فِي الثَّالِثِ عَقِبَ رَمْيِهِ فَيَسْتَمِرُّ عَلَى رُكُوبِهِ، الثَّانِيَةَ عَشَرَ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْإِكْثَارُ مِنْ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ وَأَنْ يُصَلِّيَ أَمَامَ الْمَنَارَةِ عِنْدَ الْأَحْجَارِ الَّتِي أَمَامَهَا فَقَدْ رَوَى الْأَزْرَقِيُّ أَنَّهُ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى حُضُورِ الْجَمَاعَةِ فِيهِ مَعَ الْإِمَامِ فِي الْفَرَائِضِ فَقَدْ رَوَى الْأَزْرَقِيُّ فِي فَضْلِ مَسْجِدِ الْخَيْفِ وَالصَّلَاةَ فِيهِ آثَارًا إلَى أَنْ قَالَ الْخَامِسَةَ عَشَرَ فِي حِكْمَةِ الرَّمْيِ اعْلَمْ أَنَّ أَصْلَ الْعِبَادَةِ الطَّاعَةُ وَالْعِبَادَةُ كُلُّهَا لَهَا مَعَانٍ قَطْعًا فَإِنَّ الشَّرْعَ لَا يَأْمُرُ بِالْعَبَثِ، ثُمَّ إنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ قَدْ يَفْهَمُهُ الْمُكَلَّفُ وَقَدْ لَا يَفْهَمُهُ، فَالْحِكْمَةُ فِي الصَّلَاةِ التَّوَاضُعُ وَالْخُضُوعُ وَإِظْهَارُ الِافْتِقَارِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْحِكْمَةُ فِي الصَّوْمِ كَسْرُ النَّفْسِ وَفِي الزَّكَاةِ مُوَاسَاةُ الْمُحْتَاجِ وَفِي الْحَجِّ إقْبَالُ الْعَبْدِ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مِنْ مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ إلَى بَيْتٍ فَضَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَشَرَّفَهُ كَإِقْبَالِ الْعَبْدِ إلَى مَوْلَاهُ ذَلِيلًا وَمِنْ الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَا تُفْهَمُ مَعَانِيهَا السَّعْيُ وَالرَّمْيُ فَكُلِّفَ الْعَبْدُ بِهِمَا لِيَتِمَّ انْقِيَادُهُ فَهَذَا النَّوْعُ لَا حَظَّ لِلنَّفْسِ فِيهِ وَلَا أُنْسَ لِلْعَقْلِ بِهِ فَلَا يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ إلَّا مُجَرَّدُ امْتِثَالِ الْأَمْرِ وَكَمَالُ الِانْقِيَادِ فَهَذِهِ إشَارَةٌ مُخْتَصَرَةٌ تُعْرَفُ فِيهَا الْحِكْمَةُ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، السَّادِسَةَ عَشَرَ إذَا نَفَرَ مِنْ مِنًى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي أَوْ الثَّالِثِ انْصَرَفَ مِنْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ رَاكِبًا كَمَا هُوَ يُكَبِّرُ وَيُهَلِّلُ وَلَا يُصَلِّي الظُّهْرَ بِمِنًى، بَلْ يُصَلِّيهَا بِالْمَنْزِلِ الْمُحَصَّبِ أَوْ غَيْرِهِ وَلَوْ صَلَّاهَا بِمِنًى جَازَ وَكَانَ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ وَلَيْسَ عَلَى الْحَاجِّ بَعْدَ نَفْرِهِ مِنْ مِنًى عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ إلَّا طَوَافُ الْوَدَاعِ.
السَّابِعَةَ عَشَرَ صَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَتَى الْمُحَصَّبَ فَصَلَّى بِهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَهَجَعَ هَجْعَةً، ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ وَطَافَ» وَهَذَا التَّحْصِيبُ مُسْتَحَبٌّ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَيْسَ هُوَ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ وَمَنَاسِكِهِ وَهَذَا مَعْنَى مَا صَحَّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ لَيْسَ التَّحْصِيبُ سُنَّةً إنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا الْمُحَصَّبُ بِالْأَبْطَحِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْجَبَلِ الَّذِي عِنْدَهُ مَقَابِرُ مَكَّةَ وَالْجَبَلِ الَّذِي يُقَابِلُ مُصَعِّدًا فِي الشِّقِّ الْأَيْسَرِ وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إلَى مِنًى مُرْتَفِعًا عَنْ بَطْنِ الْوَادِي وَلَيْسَتْ الْمَقْبَرَةُ مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
(قَوْلُهُ: الْبَاقِلَاءُ) بِالتَّشْدِيدِ مَعَ الْقَصْرِ وَبِالتَّخْفِيفِ مَعَ الْمَدِّ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ اهـ. شَيْخُنَا.
1 -
(قَوْلُهُ: وَمَنْ عَجَزَ) أَيْ وَلَوْ كَانَ أَجِيرَ عَيْنٍ عَلَى الْأَوْجَهِ وَقَوْلُهُ أَنَابَ أَيْ وُجُوبًا فِي وَقْتِ الرَّمْيِ وَجَوَازًا قَبْلَهُ اهـ. حَجّ وسم عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: لِعِلَّةٍ لَا يُرْجَى زَوَالُهَا إلَخْ) عِبَارَةُ حَجّ لِنَحْوِ مَرَضٍ وَيُتَّجَهُ ضَبْطُهُ بِمَا مَرَّ فِي إسْقَاطِهِ لِلْقِيَامِ فِي الْفَرْضِ أَوْ جُنُونٍ أَوْ إغْمَاءٍ بِأَنْ أَيِسَ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ وَقْتَهُ وَلَوْ ظَنًّا وَلَا
قَبْلَ فَوَاتِ وَقْتِ الرَّمْيِ (أَنَابَ) مَنْ يَرْمِي عَنْهُ وَلَا يَمْنَعُ زَوَالُهَا بَعْدَهُ مِنْ الِاعْتِدَادِ بِهِ وَلَا يَصِحُّ رَمْيُهُ عَنْهُ إلَّا بَعْدَ رَمْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَإِلَّا وَقَعَ عَنْهَا.
وَظَاهِرٌ أَنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ اشْتِرَاطِ كَوْنِهِ سَبْعًا إلَى هُنَا يَأْتِي فِي رَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ (وَلَوْ تَرَكَ رَمْيًا) مِنْ رَمْيِ يَوْمِ النَّحْرِ أَوْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا وَهَذَا أَعَمُّ مِنْ قَوْلِهِ وَإِذَا تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ (تَدَارَكَهُ فِي بَاقِي تَشْرِيقٍ) أَيْ أَيَّامِهِ وَلَيَالِيِهِ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ تَعْبِيرِهِ بِبَاقِي الْأَيَّامِ (أَدَاءً) بِالنَّضِّ فِي الرِّعَاءِ وَأَهْلِ السِّقَايَةِ وَبِالْقِيَاسِ فِي غَيْرِهِمْ وَقَوْلِي أَدَاءً مِنْ زِيَادَتِي وَإِنَّمَا وَقَعَ أَدَاءً؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ قَضَاءً لَمَا دَخَلَهُ التَّدَارُكُ كَالْوُقُوفِ بَعْدَ فَوْتِهِ وَيَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَمْيِ مَا بَعْدَهُ فَإِنْ خَالَفَ فِي رَمْيِ الْأَيَّامِ وَقَعَ عَنْ الْمَتْرُوكِ، وَيَجُوزُ رَمْيُ الْمَتْرُوكِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَلَيْلًا كَمَا عُلِمَ فَقَوْلُ الْأَصْلِ أَوَّلَ الْفَصْلِ وَيَدْخُلُ رَمْيُ التَّشْرِيقِ بِزَوَالِ الشَّمْسِ وَيَخْرُجُ بِغُرُوبِهَا اقْتِصَارٌ عَلَى وَقْتِ الِاخْتِيَارِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ (لَزِمَهُ دَمٌ بِ) تَرْكِ رَمْيِ (ثَلَاثِ رَمَيَاتٍ) فَأَكْثَرَ وَلَوْ فِي الْأَيَّامِ الْأَرْبَعَةِ
[حاشية الجمل]
يَنْعَزِلُ النَّائِبُ بِطُرُوِّ إغْمَاءِ الْمُنِيبِ أَوْ جُنُونِهِ بَعْدَ إذْنِهِ لِمَنْ يَرْمِي عَنْهُ وَهُوَ عَاجِزٌ آيِسٌ اهـ.
(قَوْلُهُ أَيْضًا لَا يُرْجَى زَوَالُهَا) أَيْ يَقِينًا أَوْ ظَنًّا فِيمَا يَظْهَرُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْعَجْزَ الَّذِي يَنْتَهِي إلَى الْيَأْسِ كَمَا فِي اسْتِنَابَةِ الْحَجِّ اهـ. شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ: قَبْلَ فَوَاتِ) ظَرْفٌ لِلزَّوَالِ لَا لِقَوْلِهِ لَا يُرْجَى اهـ. شَيْخُنَا، وَالْمُرَادُ بِوَقْتِ الرَّمْيِ وَقْتُ جَوَازِهِ وَهُوَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثُ اهـ شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ: أَنَابَ) أَيْ وُجُوبًا وَلَوْ بِأُجْرَةٍ فَاضِلَةٍ عَمَّا يُعْتَبَرُ فِي الْفِطْرَةِ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ وَإِذَا اسْتَنَابَ عَنْهُ مَنْ رَمَى أَوْ حَلَالًا سُنَّ لَهُ أَنْ يُنَاوِلَهُ الْحَصَى وَيُكَبِّرَ كَذَلِكَ إنْ أَمْكَنَهُ وَإِلَّا تَنَاوَلَهَا النَّائِبُ وَكَبَّرَ بِنَفْسِهِ وَلَوْ عَجَزَ الْأَجِيرُ عَلَى عَيْنِهِ عَنْ الرَّمْيِ هَلْ يَسْتَنِيبُ هُنَا لِلضَّرُورَةِ أَوْ لَا كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ، وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ الْأَقْرَبَ الثَّانِي وَيُرِيقُ دَمًا اهـ. شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَمْنَعُ زَوَالُهَا بَعْدَهُ إلَخْ) أَيْ فَلَا تَلْزَمُهُ إعَادَتُهُ لَكِنْ تُسَنُّ وَيُفَارِقُ نَظِيرَهُ فِي الْحَجِّ بِأَنَّ الرَّمْيَ تَابِعٌ وَيَجْبُرُ بِدَمٍ اهـ. سم عَلَى حَجّ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَلَوْ بَرِئَ مِنْ عُذْرِهِ فِي الْوَقْتِ بَعْدَ الرَّمْيِ لَمْ تَلْزَمْهُ إعَادَتُهُ، لَكِنَّهَا تُسَنُّ وَيُفَارِقُ نَظِيرَهُ فِي الْحَجِّ بِأَنَّ الرَّمْيَ تَابِعٌ وَيُجْبَرُ تَرْكُهُ بِدَمٍ بِخِلَافِ الْحَجِّ فِيهِمَا وَبِأَنَّ الرَّمْيَ عَلَى الْفَوْرِ وَقَدْ ظَنَّ الْعَجْزَ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ وَالْحَجُّ عَلَى التَّرَاخِي انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: وَلَا يَصِحُّ رَمْيُهُ) أَيْ النَّائِبِ عَنْهُ أَيْ الْمُنِيبِ إلَّا بَعْدَ رَمْيِهِ أَيْ النَّائِبِ عَنْ نَفْسِهِ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ رَمَى الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ عَنْ نَفْسِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ رَمَى الْجَمْرَةَ الْأُولَى مَثَلًا عَنْ نَفْسِهِ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَرْمِيَهَا عَنْ الْمُسْتَنِيبِ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ؛ لِأَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ كَالْيَوْمِ الْوَاحِدِ اهـ. ح ل.
(قَوْلُهُ: إلَّا بَعْدَ رَمْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ) حَتَّى لَوْ رَمَى النَّائِبُ الَّذِي لَمْ يَرْمِ عَنْ نَفْسِهِ وَقَصَدَ الْمُسْتَنِيبَ فَإِنَّهُ يَقَعُ لَهُ هُوَ لَكِنْ يُخَالِفُهُ مَا مَرَّ فِي الطَّوَافِ عَنْ الْغَيْرِ إذَا كَانَ مُحْرِمًا فَإِنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْغَيْرِ إذَا نَوَاهُ وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ الطَّوَافَ لَمَّا كَانَ مِثْلَ الصَّلَاةِ أَثَّرَتْ فِيهِ نِيَّةُ الصَّرْفِ إلَى غَيْرِهِ بِخِلَافِ الرَّمْيِ فَإِنَّهُ لَيْسَ شَبِيهًا بِالصَّلَاةِ اهـ. شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ أَيْضًا إلَّا بَعْدَ رَمْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ) أَيْ لِلْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ وَيُعْتَبَرُ كُلُّ يَوْمٍ عَلَى حِدَتِهِ فَإِذَا رَمَى عَنْ نَفْسِهِ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثَ أَوَّلَ يَوْمٍ رَمَى عَنْ الْمُسْتَنِيبِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ النَّائِبُ رَمَى بَعْضَ الْجَمَرَاتِ وَبَقِيَ عَلَيْهِ الْبَعْضُ وَلَوْ حَصَاةً وَاحِدَةً لَا يَصِحُّ أَنْ يَرْمِيَ عَنْ الْمُنِيبِ لِذَلِكَ الْيَوْمِ اهـ. مِنْ شَرْحِ م ر وَحَجّ، ثُمَّ قَالَ حَجّ.
(فَرْعٌ)
لَوْ أَنَابَهُ جَمَاعَةٌ فِي الرَّمْيِ عَنْهُمْ جَازَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لَكِنْ هَلْ يَلْزَمُهُ التَّرْتِيبُ بِأَنْ لَا يَرْمِيَ عَنْ الثَّانِي مَثَلًا إلَّا بَعْدَ اسْتِكْمَالِ رَمْيِ الْأَوَّلِ أَوْ لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يَرْمِيَ إلَى الْأُولَى عَنْ الْكُلِّ، ثُمَّ الْوُسْطَى كَذَلِكَ، ثُمَّ الْأَخِيرَةِ كَذَلِكَ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ اُسْتُنِيبَ عَنْ آخَرَ وَعَلَيْهِ رَمْيٌ سَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَ عَنْ مُسْتَنِيبِهِ إلَّا بَعْدَ كَمَالِ رَمْيِهِ عَنْ نَفْسِهِ كَمَا تَقَرَّرَ فَإِنْ قُلْت مَا عَلَيْهِ لَازِمٌ لَهُ فَوَجَبَ التَّرْتِيبُ فِيهِ بِخِلَافِ مَا عَلَى الْأَوَّلِ فِي مَسْأَلَتِنَا، قُلْت قَصْدُهُ الرَّمْيَ لَهُ صَيَّرَهُ كَأَنَّهُ مَلْزُومٌ بِهِ فَلَزِمَهُ التَّرْتِيبُ رِعَايَةً لِذَلِكَ اهـ.
(قَوْلُهُ: بِالنَّصِّ فِي الرِّعَاءِ) بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ لَا غَيْرُ جَمْعُ رَاعٍ وَتَجْوِيزُ الشَّوْبَرِيِّ الضَّمَّ خَطَأٌ إذْ الضَّمُّ إنَّمَا هُوَ فِي الرُّعَاةِ بِالتَّاءِ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا جَمْعًا لِرَاعٍ اهـ. مِنْ ابْنِ شَرَفٍ وق ل.
(قَوْلُهُ: لَمَّا دَخَلَهُ التَّدَارُكُ) كَالْوُقُوفِ بَعْدَ فَوْتِهِ؛ لِأَنَّ أَعْمَالَ الْحَجِّ إذَا فَاتَتْ لَا تُتَدَارَكُ أَيْ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ إنْ تَدَارَكَهُ وَاجِبٌ هَذَا مُرَادُهُ وَمَعَ ذَلِكَ فِي الْمُلَازَمَةِ شَيْءٌ اهـ. شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: وَيَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُ) أَيْ بَيْنَ الْمَتْرُوكِ أَيْ بِأَنْ لَا يَنْوِيَ بِالرَّمْيِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ مَا لَمْ يَفْعَلْهُ اهـ. ع ش، وَقَوْلُهُ فَإِنْ خَالَفَ إلَخْ أَيْ بِأَنْ قَصَدَ أَنْ يَرْمِيَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَنْهُ وَالْحَالُ أَنَّ عَلَيْهِ رَمْيَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ اهـ. شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ لَزِمَهُ دَمٌ أَيْ وَلَوْ بِعُذْرٍ خِلَافًا لحج حَيْثُ قَاسَهُ عَلَى الْمَبِيتِ فِي أَنَّهُ يَسْقُطُ بِالْأَعْذَارِ وَهُوَ تَابِعٌ فِي ذَلِكَ لِلْأَذْرَعِيِّ اهـ. ح ل،
(قَوْلُهُ: وَلَوْ فِي الْأَيَّامِ الْأَرْبَعَةِ) الْغَايَةُ رَاجِعَةٌ لِقَوْلِهِ فَأَكْثَرَ فِي بَعْضِ أَفْرَادِهِ كَتَرْكِ وَاحِدَةٍ مِنْ الْيَوْمِ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ أَوْ مِنْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَمَا بَعْدَهُ أَوْ مِنْ يَوْمِ الْعِيدِ وَمَا بَعْدَهُ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ تَرْكُ عِشْرِينَ رَمْيَةً فَأَقَلَّ فِي أَكْثَرِ مِنْ يَوْمٍ فَتَأَمَّلْ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: أَيْضًا وَلَوْ فِي الْأَيَّامِ الْأَرْبَعَةِ) قَدْ يَقْتَضِي هَذَا أَنَّهُ يُمْكِنُ تَصَوُّرُ تَرْكِ أَرْبَعِ رَمَيَاتٍ مِنْ الْأَيَّامِ الْأَرْبَعِ بِأَنْ يَتْرُكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَاحِدَةً فَيُعْتَدُّ لَهُ بِمَا رَمَاهُ وَيَكُونُ الدَّمُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَتْرُوكَةِ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ وُجُوبِ التَّرْتِيبِ حَتَّى لَوْ تَرَكَ رَمْيَةً فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْأُولَى مَثَلًا لَمْ يُحْسَبْ لَهُ مَا بَعْدَهَا وَتُجْبَرُ بِوَاحِدَةٍ مِنْ الْأُولَى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَهَكَذَا فَلَعَلَّ الْمُرَادَ أَنَّ الدَّمَ يَتَحَقَّقُ وُجُوبُهُ بِتَرْكِ ثَلَاثَةٍ وَإِنْ لَزِمَ مِنْ تَرْكِهَا تَرْكُ كَثِيرٍ مِنْ الرَّمْيِ فَلَا تَجِبُ
لِأَنَّ الرَّمْيَ فِيهَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ وَإِنْ كَانَ رَمْيُ كُلِّ يَوْمٍ عِبَادَةً بِرَأْسِهَا وَفِي الرَّمْيَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مُدُّ طَعَامٍ وَفِي الْأَخِيرَتَيْنِ مِنْهُ مُدَّانِ وَفِي تَرْكِ مَبِيتِ لَيَالِي التَّشْرِيقِ كُلِّهَا دَمٌ وَاحِدٌ وَفِي لَيْلَةٍ مُدٌّ وَفِي لَيْلَتَيْنِ مُدَّانِ إنْ لَمْ يَنْفِرْ قَبْلَ الثَّالِثَةِ وَإِلَّا وَجَبَ دَمٌ لِتَرْكِهِ جِنْسَ الْمَبِيتِ
[حاشية الجمل]
زِيَادَةٌ عَلَى الدَّمِ، بَلْ يَكُونُ فِي جَمِيعِ الْمَتْرُوكِ سَوَاءٌ مَا تَرَكَهُ بِالْفِعْلِ وَمَا فَعَلَهُ وَلَمْ يُحْسَبْ لَهُ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ جَمِيعَ الرَّمْيِ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا دَمٌ وَاحِدٌ اهـ. ع ش.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الرَّمْيَ فِيهَا كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ) أَيْ فَلَا يُقَالُ يَجِبُ أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ فِي تَرْكِ الرَّمْيِ رَأْسًا كُلُّ دَمٍ عَنْ رَمْيِ يَوْمٍ.
(قَوْلُهُ: وَفِي الرَّمْيَةِ الْأَخِيرَةِ إلَخْ) قَيَّدَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ تَرْكُ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَ غَيْرَ الْأَخِيرِ وَقَعَ رَمْيُ مَا بَعْدَهَا عَنْهَا وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْهُ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ اهـ. ق ل.
وَعِبَارَةُ ابْنِ الْجَمَّالِ وَفِي تَرْكِ رَمْيَةٍ مُدُّ طَعَامٍ وَفِي اثْنَيْنِ مُدَّانِ، وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بِتَرْكِهِمَا مِنْ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَوْ مِمَّا قَبْلَهُ إنْ صَحَّ نَفْرُهُ فِيهِ وَذَلِكَ لِعُسْرِ تَبْعِيضِ الدَّمِ وَبَحَثَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّءُوفِ إجْزَاءَ الدَّمِ الْكَامِلِ عَنْ الْمُدِّ وَالْمُدَّيْنِ أَخْذًا مِنْ التَّعْلِيلِ إذْ هُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْوَاجِبَ أَصَالَةً إنَّمَا هُوَ الدَّمُ اهـ. وَمُقْتَضَاهُ أَيْضًا إجْزَاءُ ثُلُثِ الدَّمِ فِي الْوَاحِدَةِ وَثُلُثَيْهِ فِي اثْنَتَيْنِ وَاعْلَمْ أَنَّ وُجُوبَ الْمُدِّ فِي الْحَصَاةِ وَالْمُدَّيْنِ فِي الْحَصَاتَيْنِ يُشْكِلُ عَلَى قَوْلِهِمْ إنَّ دَمَ تَرْكِ الرَّمْيِ دَمُ تَرْتِيبٍ وَتَقْدِيرٍ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ لَا إطْعَامَ فِيهِ وَجَوَابُهُ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ الْعَلَّامَةِ عَبْدِ الرَّءُوفِ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْإِيضَاحِ كَانَ الْقِيَاسُ عَدَمَ إجْزَاءِ الْمُدِّ لِلْقَادِرِ عَلَى ثُلُثِ الدَّمِ لَكِنْ لَمَّا عَسُرَ تَبْعِيضُ الدَّمِ وَكَذَا الصَّوْمُ إذْ يَلْزَمُ مِنْ وُجُوبِهِ تَكْمِيلُ الْمُنْكَسِرِ عُدِلَ إلَى جِنْسٍ آخَرَ أَخَفَّ مِنْهُمَا قَصْدًا إلَى السُّهُولَةِ وَنُزِّلَ الْمَعْدُولُ إلَيْهِ مَنْزِلَةَ أَصْلِ الْمَعْدُولِ عَنْهُ حَتَّى إنَّهُ لَيْسَ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ بَدَلُهُ وَهُوَ صَوْمُ ثُلُثِ الْعَشَرَةِ بِخِلَافِ الْعَاجِزِ اهـ.
وَتَوْضِيحُهُ أَنْ يُقَالَ لَا شُبْهَةَ أَنَّ الْوَاجِبَ أَصَالَةً ثُلُثُ الدَّمِ فِي الْحَصَاةِ وَثُلُثَاهُ فِي الْحَصَاتَيْنِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ فَمُقْتَضَى الْقِيَاسِ أَنْ يَكُونَ وَاجِبُهُ صَوْمَ ثُلُثِ الْعَشَرَةِ فِي الْأَوَّلِ وَثُلُثَيْهَا فِي الثَّانِي لَكِنْ أُقِيمَ الْمُدُّ أَوْ الْمُدَّانِ مَقَامَ ثُلُثِ الدَّمِ أَوْ ثُلُثَيْهِ لِعُسْرِ تَبْعِيضِ الدَّمِ لَا أَنَّهُ جُعِلَ بَعْدَهُ فِي الرُّتْبَةِ لِيُخَالِفَ دَمَ التَّرْتِيبِ وَالتَّعْدِيلِ الْآتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
فَإِذَا عَجَزَ عَنْ نَحْوِ الْمُدِّ الَّذِي هُوَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الدَّمِ فَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ الدَّمِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ حِينَئِذٍ وَلَا يُخْرِجُهُ هَذَا عَنْ كَوْنِهِ دَمَ تَرْتِيبٍ وَتَقْدِيرٍ إذْ لَيْسَ الصَّوْمُ بَدَلًا عَنْ الْمُدِّ وَالْمُدَّيْنِ، بَلْ عَنْ الدَّمِ الْقَائِمِ هُوَ مَقَامَهُ لِلتَّخْفِيفِ، وَأَمَّا مَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ وَكَذَا الصَّوْمُ إذْ يَلْزَمُ إلَخْ مِنْ أَنَّ الْمُدَّ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الصَّوْمِ أَيْضًا وَأَنَّهُ عِنْدَ الْعَجْزِ يُرْجَعُ إلَيْهِ فَلَيْسَ بِمُرَادٍ، بَلْ إنَّمَا هُوَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الدَّمِ فَقَطْ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ ثُلُثَ الدَّمِ فِي الْحَصَاةِ أَوْ ثُلُثَيْهِ فِي الْحَصَاتَيْنِ أَجْزَأَ، وَهُوَ الظَّاهِرُ كَمَا تَقَدَّمَ وَعَلَيْهِ فَلَا يُقَالُ يَنْبَغِي الصَّوْمُ إذَا عَجَزَ عَنْهُ وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَجْزُ عَنْ الْمُدِّ وَالْمُدَّيْنِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُدَّ إنَّمَا هُوَ قَائِمٌ مَقَامَهُ سَوَاءٌ فِي حَقِّ مُرِيدِ إخْرَاجِ نَحْوِ ثُلُثِ الدَّمِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يَجُوزُ الصَّوْمُ إلَّا بَعْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمُدِّ وَأَجْزَأَ نَحْوُ ثُلُثِ الدَّمِ؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ أَصَالَةً فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: مُدُّ طَعَامٍ) فَلَوْ عَجَزَ عَنْ الْمُدِّ مَثَلًا لَزِمَهُ الصَّوْمُ الَّذِي هُوَ بَدَلٌ عَنْ الْمُدِّ وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَثُلُثٌ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فَقِيلَ تُكَمَّلُ أَرْبَعَةً جَبْرًا لِلْكَسْرِ، ثُمَّ تُفَرَّقُ الْأَرْبَعَةُ بِنِسْبَةِ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ لِلْعَشَرَةِ فَيَصُومُ ثَلَاثَةَ أَعْشَارِهَا، ثُمَّ سَبْعَةَ أَعْشَارِهَا وَذَلِكَ مَعَ الْجَبْرِ خَمْسَةٌ يَوْمَانِ ثُمَّ ثَلَاثَةٌ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَرْبَعَةَ تُبْسَطُ أَعْشَارًا بِأَرْبَعِينَ وَثَلَاثَةُ أَعْشَارِهَا اثْنَيْ عَشَرَ عُشْرًا فَتُكَمَّلُ عِشْرِينَ عُشْرًا بِيَوْمَيْنِ وَسَبْعَةُ أَعْشَارِهَا ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ عُشْرًا فَتُكَمَّلُ ثَلَاثِينَ عُشْرًا بِثَلَاثَةٍ وَإِنَّمَا جُبِرَ الْكَسْرُ بِتَكْمِيلِهِ أَرْبَعَةً قَبْلَ الْقِسْمَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ إيجَابُ بَعْضِ الصَّوْمِ فَيَلْزَمُهُ أَرْبَعَةٌ بِجَبْرِ الثُّلُثِ، ثُمَّ قِسْمَتِهَا وَجَبْرِ كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ أَعْشَارِ وَالسَّبْعَةِ فَهُنَا جَبْرَانِ، وَقِيلَ لَا يُجْبَرُ الثُّلُثُ قَبْلَ الْقِسْمَةِ، بَلْ يُبْسَطُ مِنْ جِنْسِ كَسْرِهِ وَهُوَ ثُلُثٌ فَتَكُونُ عَشَرَةً بِالنِّسْبَةِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ جَبْرِ الْمُنْكَسِرِ فَيَصُومُ يَوْمًا؛ لِأَنَّ ثَلَاثَةَ أَعْشَارِ الْعَشَرَةِ ثَلَاثَةُ أَثْلَاثٍ بِوَاحِدٍ ثُمَّ ثَلَاثَةً إذَا رَجَعَ؛ لِأَنَّ سَبْعَةَ أَعْشَارِهَا سَبْعَةُ أَثْلَاثٍ بِثُلُثَيْنِ حَتَّى تَكُونَ ثَلَاثَةً فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ جَبْرٌ وَاحِدٌ فِي أَحَدِ الشِّقَّيْنِ وَفِي الَّذِي قَبْلَهُ جَبْرَانِ فِي الشِّقَّيْنِ مَعًا اهـ. سم عَلَى الْغَايَةِ بِإِيضَاحٍ.
(قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَنْفِرْ قَبْلَ الثَّالِثَةِ) الضَّمِيرُ فِي " يَنْفِرْ " رَاجِعٌ لِمَنْ تَرَكَهَا وَتَرَكَ اللَّيْلَتَيْنِ قَبْلَهَا، وَقَوْلُهُ وَإِلَّا أَيْ بِأَنْ نَفَرَ قَبْلَ مَبِيتِ الثَّالِثَةِ وَالْفَرْضُ أَنَّهُ تَرَكَ مَا قَبْلَهَا فَيَكُونُ تَارِكًا لِلثَّلَاثَةِ فَيَكُونُ هَذَا الشِّقُّ مُكَرَّرًا وَأَيْضًا التَّقْيِيدُ مِنْ أَصْلِهِ مُسْتَدْرَكٌ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ الْجَمَّالِ، وَفِي تَرْكِ لَيْلَةٍ مُدٌّ وَلَيْلَتَيْنِ مُدَّانِ إنْ لَمْ يَنْفِرْ النَّفْرَ الْأَوَّلَ بَلْ بَاتَ الثَّالِثَةَ وَرَمَى يَوْمَهَا أَوْ تَرَكَ مَبِيتَهَا لِعُذْرٍ؛ لِأَنَّ الْمَتْرُوكَ لِعُذْرٍ كَالْمَأْتِيِّ بِهِ فَإِنْ نَفَرَ مَعَ تَرْكِهِمَا بِلَا عُذْرٍ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَإِنْ رَمَى بَعْدَ الزَّوَالِ فَنَفْرُهُ غَيْرُ صَحِيحٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدُ لِمَبِيتِ الثَّالِثَةِ حَيْثُ لَا عُذْرَ وَرَمَى يَوْمَهَا، وَكَذَا الْحُكْمُ فِيمَنْ نَفَرَ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فَإِنْ لَمْ يَعُدْ فِي الصُّورَتَيْنِ فَدَمٌ لِتَرْكِهِ جِنْسَ الْمَبِيتِ
هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِينَ أَمَّا هُمْ كَأَهْلِ السِّقَايَةِ وَرِعَاءِ الْإِبِلِ أَوْ غَيْرِهِمَا فَلَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ لَيَالِيَ مِنًى بِلَا دَمٍ.
(وَيَجِبُ عَلَى غَيْرِ نَحْوِ حَائِضٍ)
[حاشية الجمل]
بِلَا عُذْرٍ وَوَقَعَ فِي مَتْنِ مُخْتَصَرِ الْإِيضَاحِ وَشَرْحِ الشَّارِحِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ فِي تَرْكِ مَبِيتِ لَيْلَتَيْ التَّشْرِيقِ إذَا نَفَرَ النَّفْرَ الْأَوَّلَ دَمًا، وَانْتَقَدَهُ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّءُوفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّهُ مَتَى فَوَّتَ مَبِيتَهُمَا بِلَا عُذْرٍ فَإِنْ فَوَّتَ مَبِيتَ الثَّالِثَةِ أَيْضًا كَذَلِكَ لَزِمَهُ الدَّمُ لَكِنْ لِتَرْكِ الثَّلَاثِ لَا لِتَفْوِيتِهِ مَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ فَقَطْ وَإِنْ لَمْ يُفَوِّتْ مَبِيتَ الثَّالِثَةِ فَالْوَاجِبُ مُدَّانِ لَا دَمٌ، قَالَ فَتَلَخَّصَ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُوبُ الدَّمِ فِيهِمَا اهـ. وَهُوَ وَاضِحٌ مُتَّجَهٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَإِنْ صُنِّفَ فِي رَدِّهِ فَتَأَمَّلْهُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِشْكَالَ الْمَارَّ فِي وُجُوبِ الْإِطْعَامِ فِي تَرْكِ الرَّمْيَةِ وَالرَّمْيَتَيْنِ مَعَ كَوْنِ هَذَا الدَّمِ لَا يَدْخُلُهُ الْإِطْعَامُ وَجَوَابُهُ يَأْتِي هُنَا أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوهُ إلَّا هُنَاكَ فَإِنْ عَجَزَ صَامَ فِي تَرْكِ اللَّيْلَةِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَفِي تَرْكِ اللَّيْلَتَيْنِ ثَمَانِيَةً بِتَفْصِيلِهِمَا السَّابِقِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: هَذَا) أَيْ قَوْلُهُ يَجِبُ مَبِيتٌ بِمِنًى لَيَالِيَ تَشْرِيقٍ فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِينَ إلَخْ أَمَّا هُمْ فَكَانَ الْأَوْلَى ذِكْرُهُ هُنَاكَ كَمَا صَنَعَ شُرَّاحُ الْمِنْهَاجِ.
وَعِبَارَةُ الْإِيضَاحِ فِي بَحْثِ الْمَبِيتِ نَصُّهَا هَذَا فِيمَنْ لَا عُذْرَ لَهُ أَمَّا مَنْ تَرَكَ مَبِيتَ مُزْدَلِفَةَ أَوْ مِنًى لِعُذْرٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالْعُذْرُ أَقْسَامٌ أَحَدُهَا أَهْلُ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ يَجُوزُ لَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ بِمِنًى وَيَسِيرُونَ إلَى مَكَّةَ لِاشْتِغَالِهِمْ بِالسِّقَايَةِ وَسَوَاءٌ تَوَلَّى السِّقَايَةَ بَنُو الْعَبَّاسِ أَوْ غَيْرُهُمْ وَلَوْ أُحْدِثَتْ سِقَايَةٌ لِلْحَاجِّ فَلِلْمُقِيمِ بِشَأْنِهَا تَرْكُ الْمَبِيتِ كَسِقَايَةِ الْعَبَّاسِ، الثَّانِي رِعَاءُ الْإِبِلِ يَجُوزُ لَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ لِعُذْرِ الْمَرْعَى فَإِذَا رَمَى الرِّعَاءُ وَأَهْلُ السِّقَايَةِ يَوْمَ النَّحْرِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَلَهُمْ الْخُرُوجُ إلَى الرَّعْيِ وَالسِّقَايَةِ وَتَرْكُ الْمَبِيتِ فِي لَيَالِي مِنًى جَمِيعًا وَلَهُمْ تَرْكُ الرَّمْيِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ التَّشْرِيقِ وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَأْتُوا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَيَرْمُوا عَنْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ عَنْ الثَّانِي ثُمَّ يَنْفِرُوا فَيَسْقُطُ عَنْهُمْ رَمْيُ الْيَوْمِ الثَّالِثِ كَمَا يَسْقُطُ عَنْ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَنْفِرُ وَمَتَى أَقَامَ الرِّعَاءُ بِمِنًى حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ لَزِمَهُمْ الْمَبِيتُ بِهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَلَوْ أَقَامَ أَهْلُ السِّقَايَةِ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَلَهُمْ الذَّهَابُ إلَى السِّقَايَةِ بَعْدَ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّ شُغْلَهُمْ يَكُونُ لَيْلًا وَنَهَارًا الثَّالِثُ مَنْ لَهُ عُذْرٌ بِسَبَبٍ آخَرَ كَمَنْ لَهُ مَالٌ يَخَافُ ضَيَاعَهُ لَوْ اشْتَغَلَ بِالْمَبِيتِ أَوْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالٍ مَعَهُ أَوْ لَهُ مَرِيضٌ يَحْتَاجُ إلَى تَعَهُّدِهِ أَوْ يَطْلُبُ عَبْدًا آبِقًا أَوْ يَكُونُ بِهِ مَرَضٌ يَشُقُّ مَعَهُ الْمَبِيتُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ وَلَهُمْ أَنْ يَنْفِرُوا بَعْدَ الْغُرُوبِ وَلَا شَيْءَ عَلِيم انْتَهَتْ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ الْجَمَّالِ فِي شَرْحِ نَظْمِ ابْنِ الْمُقْرِي وَإِنَّمَا يَجِبُ هَذَا أَيْ دَمُ تَرْكِ الْمَبِيتِ بِمِنًى عَلَى حَاجٍّ تَرَكَ الْمَبِيتَ لِغَيْرِ عُذْرٍ أَمَّا أَصْحَابُ الْأَعْذَارِ فَلَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ وَلَا دَمَ عَلَيْهِمْ كَرِعَاءِ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا وَلَوْ لِغَيْرِ دَوَابِّ الْحَاجِّ وَأُجَرَاءَ وَمُتَبَرِّعِينَ قِيَاسًا عَلَى فِطْرِ الْمُرْضِعَةِ الْمُتَبَرِّعَةِ بِالْإِرْضَاعِ فِي رَمَضَانَ بِشَرْطِهِ وَإِنَّمَا يَجُوزُ لَهُمْ ذَلِكَ وَيَسْقُطُ عَنْهُمْ الدَّمُ إنْ عَسُرَ عَلَيْهِمْ الْإِتْيَانُ بِهَا إلَى مِنًى لَيْلًا وَخَشُوا مِنْ تَرْكِهَا ضَيَاعًا أَوْ جُوعًا لَا صَبْرَ عَلَيْهِ عَادَةً كَمَا اسْتَظْهَرَهُ حَجّ فِي مَتْنِ مُخْتَصَرِ الْإِيضَاحِ وَخَرَجُوا قَبْلَ الْغُرُوبِ؛ لِأَنَّ الرَّعْيَ لَا يَكُونُ لَيْلًا بِخِلَافِ السِّقَايَةِ قَالَ شَيْخُنَا وَمَوْلَانَا السَّيِّدُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَيْ مِنْ شَأْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا ذَلِكَ فَلَوْ فُرِضَ الِاحْتِيَاجُ لَيْلًا إلَى الرَّعْيِ انْعَكَسَ الْحُكْمُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِهِ يَعْنِي الشِّهَابَ حَجّ فِي الْحَاشِيَةِ أَيْ وَصَرَّحَ بِهِ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّءُوفِ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْإِيضَاحِ وَقَدْ يُصَوَّرُ الِاحْتِيَاجُ إلَى الْخُرُوجِ لَيْلًا بِبُعْدِ الْمَرْعَى اهـ. وَكَأَهْلِ السِّقَايَةِ وَإِنْ خَرَجُوا لَيْلًا وَخَالَفُوا الرِّعَاءَ بِأَنَّ عَمَلَهُمْ فِي النَّهَارِ فَقَطْ وَفِيهِ نَحْوُ مَا تَقَدَّمَ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ السِّقَايَةُ قَدِيمَةً أَوْ مُحْدَثَةً بِمَكَّةَ وَبِطَرِيقِهَا كَمَا هُوَ قَضِيَّةُ كَلَامِهِمْ وَلَوْ لِلْبَيْعِ فِيمَا يَظْهَرُ قِيَاسًا عَلَى مَا إذَا كَانَ الرِّعَاءُ أُجَرَاءَ وَكَمَنْ خَافَ وَلَوْ بَعْدَ الْغُرُوبِ عَلَى نَحْوِ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ أَوْ ضَيَاعِ مَرِيضٍ وَلَوْ أَجْنَبِيًّا لَا مُتَعَهِّدَ لَهُ أَوْ لَهُ مُتَعَهِّدٌ مَشْغُولٌ بِتَحْصِيلِ نَحْوِ الْأَدْوِيَةِ أَوْ لَمْ يَضَعْ، لَكِنَّهُ يَأْنَسُ بِهِ لِنَحْوِ صَدَاقَةٍ أَوْ إشْرَافٍ عَلَى مَوْتٍ وَإِنْ تَعَهَّدَهُ غَيْرُهُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْذَارِ الْجَمَاعَةِ مِمَّا يُمْكِنُ مَجِيئُهُ هُنَا كَمَا اسْتَظْهَرَهُ فِي مَتْنِ مُخْتَصَرِ الْإِيضَاحِ كَخَوْفِ حَبْسِ غَرِيمٍ وَلَا بَيِّنَةَ تَشْهَدُ بِإِعْسَارِهِ أَوْ ثَمَّ قَاضٍ لَا يَسْمَعُهَا إلَّا بَعْدَ الْحَبْسِ وَكَعُقُوبَةِ مَنْ يَرْجُو بِغَيْبَتِهِ الْعَفْوَ.
وَمِنْ الْأَعْذَارِ غَلَبَةُ النَّوْمِ لِمَنْ نَزَلَ لِطَوَافِ الرُّكْنِ وَأَمْكَنَهُ إدْرَاكُهُ وَإِدْرَاكُ الْمُعْظَمِ بِمِنًى أَفْتَى بِهِ الشِّهَابُ حَجّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: فَلَهُمْ تَرْكُ الْمَبِيتِ) وَأَمَّا الرَّمْيُ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِمْ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ بِالنَّصِّ فِي الرِّعَاءِ وَأَهْلِ السِّقَايَةِ اهـ. ح ل، فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَعْذُورِينَ يَسْقُطُ عَنْهُمْ الْمَبِيتُ وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ تَدَارُكُ الرَّمْيِ تَأَمَّلْ اهـ. شَيْخُنَا أَيْ بِالطَّرِيقِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي عِبَارَةِ الْإِيضَاحِ.
(قَوْلُهُ: وَيَجِبُ عَلَى غَيْرِ نَحْوِ حَائِضٍ إلَخْ) أَيْ عَلَى الرَّاجِحِ، وَقِيلَ إنَّهُ سُنَّةٌ وَجَبْرُ
كَنُفَسَاءَ (طَوَافُ وَدَاعٍ) وَيُسَمَّى بِالصَّدَرِ أَيْضًا
[حاشية الجمل]
تَرْكِهِ بِالدَّمِ سُنَّةٌ أَيْضًا اهـ. إيضَاحٌ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ أَتَى بِنُسُكٍ إذَا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ أَعْمَالِ نُسُكِهِ فَمَتَى بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا وَأَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ طَوَافُ الْوَدَاعِ اهـ. شَرْحُ م ر.
(فَائِدَةٌ)
قَالَ مَوْلَانَا وَشَيْخُنَا السَّيِّدُ الْمَرْحُومُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَعَنَّا بِهِ يَتَرَدَّدُ النَّظَرُ فِي الصَّغِيرِ هَلْ يَلْزَمُ وَلِيَّهُ أَنْ يَطُوفَ بِهِ طَوَافَ الْوَدَاعِ أَمْ لَا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ إنْ قُلْنَا إنَّهُ مِنْ الْمَنَاسِكِ أَوْ لَيْسَ مِنْهَا وَلَكِنَّهُ خَرَجَ بِهِ إثْرَ نُسُكٍ وَجَبَ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَوَاضِحٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا فَهُوَ مِنْ تَوَابِعِهَا كَالتَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ وَيُحْتَمَلُ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ نَظَرًا لِكَوْنِهِ لَيْسَ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ إثْرَ نُسُكٍ فَلَا وُجُوبَ هَذَا مَا ظَهَرَ الْآنَ وَلَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ نَصًّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، ثُمَّ رَأَيْت الْفَاضِلَ الْمُحَشِّيَ يَعْنِي سم - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَكَرَ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْغَايَةِ مَا نَصُّهُ قَالَ الْعِزُّ بْنُ جَمَاعَةَ لَمْ نَرَ فِيهِ نَقْلًا وَعِنْدِي يَجِبُ إنْ قُلْنَا إنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ مِنْ الْمَنَاسِكِ وَإِلَّا فَلَا اهـ. ابْنُ الْجَمَّالِ.
(قَوْلُهُ: كَنُفَسَاءَ) أَيْ وَكَمُسْتَحَاضَةٍ نَفَرَتْ فِي نَوْبَةِ حَيْضِهَا وَذِي جُرْحٍ نَضَّاحٍ يُخْشَى مِنْهُ تَلْوِيثُ الْمَسْجِدِ اهـ. حَجّ وَقَوْلُهُ نَفَرَتْ فِي نَوْبَةِ حَيْضِهَا بِخِلَافِ فِي نَوْبَةِ طُهْرِهَا قَالَ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَفِي الْجَوَاهِرِ وَغَيْرِهَا كَالْمَجْمُوعِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ وَجَرَى عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ إذَا نَفَرَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ فَإِنْ كَانَ يَوْمَ حَيْضِهَا فَلَا طَوَافَ عَلَيْهَا، أَوْ طُهْرِهَا لَزِمَهَا وَلَوْ رَأَتْ امْرَأَةٌ دَمًا فَانْصَرَفَتْ بِلَا وَدَاعٍ، ثُمَّ جَاوَزَ خَمْسَةَ عَشَرَ نُظِرَ إلَى مَرَدِّهَا السَّابِقِ فِي الْحَيْضِ فَإِنْ بَانَ أَنَّهَا تَرَكَتْهُ فِي طُهْرِهَا وَجَبَ الدَّمُ أَوْ فِي حَيْضِهَا فَلَا دَمَ اهـ. سم عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: طَوَافُ وَدَاعٍ) وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَطْوِفَةِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ طَوَافٍ يَخُصُّهُ حَتَّى لَوْ أَخَّرَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَفَعَلَهُ بَعْدَ أَيَّامٍ وَأَرَادَ الْخُرُوجَ عَقِبَهُ لَمْ يَكْفِ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي أَثْنَاءِ التَّعْلِيلِ اهـ. شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ أَيْضًا طَوَافُ وَدَاعٍ) وَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ صَلَّى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ خَلْفَ الْمَقَامِ، ثُمَّ أَتَى الْمُلْتَزَمَ فَيَلْصَقُ بَطْنَهُ وَصَدْرَهُ بِحَائِطِ الْبَيْتِ وَيَبْسُطُ يَدَيْهِ عَلَى الْجِدَارِ فَيَجْعَلُ الْيُمْنَى مِمَّا يَلِي الْبَابَ وَالْيُسْرَى مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ الْبَيْتُ بَيْتُك وَالْعَبْدُ عَبْدُك وَابْنُ عَبْدِك وَابْنُ أَمَتِك حَمَلْتنِي عَلَى مَا سَخَّرْت لِي مِنْ خَلْقِك حَتَّى سَيَّرْتنِي فِي بِلَادِك وَبَلَّغْتنِي بِنِعْمَتِك حَتَّى أَعَنْتنِي عَلَى قَضَاءِ مَنَاسِكِك فَإِنْ كُنْت رَضِيت عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رِضًى وَإِلَّا فَمِنْ الْآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى عَنْ بَيْتِك دَارِي وَيَبْعُدَ عَنْهُ مَزَارِي وَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِي إنْ أَذِنْت لِي غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِك وَلَا بِبَيْتِك وَلَا رَاغِبٍ عَنْك وَلَا عَنْ بَيْتِك اللَّهُمَّ فَاصْحَبْنِي الْعَافِيَةَ فِي بَدَنِي وَالْعِصْمَةَ فِي دِينِي وَأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي وَارْزُقْنِي طَاعَتَك مَا أَبْقَيْتنِي وَاجْمَعْ لِي خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إنَّك عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَيَأْتِي بِآدَابِ الدُّعَاءِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا فِي آدَابِ عَرَفَاتٍ وَيَتَعَلَّقُ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فِي تَضَرُّعِهِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الدُّعَاءِ أَتَى إلَى زَمْزَمَ فَشَرِبَ مِنْهَا مُتَزَوِّدًا، ثُمَّ عَادَ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَاسْتَلَمَهُ وَقَبَّلَهُ وَمَضَى وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً حَائِضًا اُسْتُحِبَّ لَهَا أَنْ تَأْتِيَ بِهَذَا الدُّعَاءِ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ وَتَمْضِيَ اهـ. إيضَاحٌ وَفِي حَجّ أَنَّ الْمُكْثَ لَمَّا ذُكِرَ بَلْ وَلِلْإِطَالَةِ فِي الدُّعَاءِ بِغَيْرِ الْوَارِدِ لَا يُوجِبُ إعَادَةَ الطَّوَافِ اهـ. وَإِذَا فَارَقَ الْبَيْتَ مُوَدِّعًا فَقَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا يَخْرُجُ وَبَصَرُهُ إلَى الْبَيْتِ لِيَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ، وَقِيلَ يَلْتَفِتُ إلَيْهِ فِي انْصِرَافِهِ كَالْمُتَحَزِّنِ عَلَى مُفَارَقَتِهِ.
وَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الَّذِي جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ وَآخَرُونَ أَنَّهُ يَخْرُجُ وَيُوَلِّي ظَهْرَهُ إلَى الْكَعْبَةِ وَلَا يَمْشِي الْقَهْقَرَى كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ قَالُوا، بَلْ الْمَشْيُ قَهْقَرَى مَكْرُوهٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ سُنَّةٌ مَرْوِيَّةٌ وَلَا أَثَرٌ مَحْكِيٌّ وَمَا لَا أَصْلَ لَهُ لَا يُعَرَّجُ عَلَيْهِ وَقَدْ جَاءَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ كَرَاهَةُ قِيَامِ الرَّجُلِ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ نَاظِرًا إلَى الْكَعْبَةِ إذَا أَرَادَ الِانْصِرَافَ إلَى وَطَنِهِ بَلْ يَكُونُ آخِرُ عَهْدِهِ الطَّوَافَ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. إيضَاحٌ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ الْمَتْبُوعِ بِرَكْعَتَيْهِ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ مَا لَمْ يُؤْذِ أَوْ يَتَأَذَّ بِزِحَامٍ أَوْ غَيْرِهِ وَأَنْ يَكُونَ حَافِيًا وَأَنْ لَا يَرْفَعَ بَصَرَهُ إلَى سَقْفِهِ وَلَا يَنْظُرَ إلَى أَرْضِهِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعَالَى وَحَيَاءً مِنْهُ وَأَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ وَلَوْ رَكْعَتَيْنِ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقْصِدَ مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ يَمْشِيَ بَعْدَ دُخُولِهِ الْبَابَ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ وَأَنْ يَدْعُوَ فِي جَوَانِبِهِ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَالَ الشَّافِعِيُّ يُسَنُّ لِمَنْ فَرَغَ مِنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ أَنْ يَأْتِيَ الْمُلْتَزَمَ إلَخْ إلَى أَنْ قَالَ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا كَلَامًا فِي أَنَّ الْمُوَدِّعَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ يَخْرُجُ وَقَالَ بَعْضُ الْعَصْرِيِّينَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَابِ بَنِي
(بِفِرَاقِ مَكَّةَ) وَلَوْ مَكِّيًّا أَوْ غَيْرَ حَاجٍّ وَمُعْتَمِرٍ أَوْ فَارَقَهَا لِسَفَرٍ قَصِيرٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ لِلِاتِّبَاعِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ» أَيْ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَمَا ذَكَرْته مِنْ وُجُوبِ طَوَافِ الْوَدَاعِ عَلَى غَيْرِ الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ هُوَ مَا رَجَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَنَاسِكِ وَالْمُعْتَمَدُ مَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الرَّوْضِ أَنَّهُ مِنْهَا فَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ ذُكِرَ
[حاشية الجمل]
سَهْمٍ
وَيُسَنُّ الْإِكْثَارُ مِنْ الِاعْتِمَارِ وَالطَّوَافِ تَطَوُّعًا وَأَنْ يَزُورَ الْأَمَاكِنَ الْمَشْهُورَةَ بِالْفَضْلِ بِمَكَّةَ وَهِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا وَأَنْ يُكْثِرَ النَّظَرَ إلَى الْبَيْتِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا لِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ «أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ عِشْرِينَ وَمِائَةَ رَحْمَةٍ تَنْزِلُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ سِتُّونَ لِلطَّائِفِينَ وَأَرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ وَعِشْرُونَ لِلنَّاظِرِينَ» ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ كَمَا أَفَادَهُ السَّرَّاجُ الْبُلْقِينِيُّ ظَاهِرَةٌ إذْ الطَّائِفُونَ جَمَعُوا بَيْنَ ثَلَاثٍ: طَوَافٌ وَصَلَاةٌ وَنَظَرٌ فَصَارَ لَهُمْ بِذَلِكَ سِتُّونَ وَالْمُصَلُّونَ فَاتَهُمْ الطَّوَافُ فَصَارَ لَهُمْ أَرْبَعُونَ وَالنَّاظِرُونَ فَاتَهُمْ الطَّوَافُ وَالصَّلَاةُ فَصَارَ لَهُمْ عِشْرُونَ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ الصَّدَقَةِ وَأَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالْقُرُبَاتِ فَإِنَّ الْحَسَنَةَ هُنَاكَ بِمِائَةِ أَلْفِ حَسَنَةٍ وَنُقِلَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ يُسْتَجَابُ الدُّعَاءُ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا بِمَكَّةَ فِي الطَّوَافِ وَالْمُلْتَزَمِ وَتَحْتَ الْمِيزَابِ وَفِي الْبَيْتِ وَعِنْدَ زَمْزَمَ وَعَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَفِي الْمَسْعَى وَخَلْفَ الْمَقَامِ وَفِي عَرَفَاتٍ وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى وَعِنْدَ الْجَمَرَاتِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الدَّاعِي فِي نُسُكٍ أَوْ لَا انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: وَيُسَمَّى بِالصَّدَرِ أَيْضًا) أَيْ كَمَا يُسَمَّى بِهِ أَيْ بِالصَّدَرِ طَوَافُ الرُّكْنِ اهـ. ح ل وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ يَنْصَرِفُونَ عَنْهُ إلَى مَكَّةَ وَيَرْجِعُونَ إلَى أَوْطَانِهِمْ.
(قَوْلُهُ: بِفِرَاقِ مَكَّةَ) أَيْ بِإِرَادَةِ فِرَاقِ مَكَّةَ.
وَعِبَارَةُ أَصْلِهِ وَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ طَافَ لِلْوَدَاعِ قَالَ حَجّ وَأَفْهَمَ الْمَتْنُ أَنَّهُ لَوْ خَرَجَ مِنْ عُمْرَانِ مَكَّةَ لِحَاجَةٍ فَطَرَأَ لَهُ السَّفَرُ لَمْ يَلْزَمْهُ دُخُولُهَا لِأَجْلِ طَوَافِ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخَاطَبْ بِهِ حَالَ خُرُوجِهِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ اهـ. وَإِذَا طَافَ لِلْوَدَاعِ وَفَارَقَهَا إلَى مَحَلٍّ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهَا لِشَيْءٍ مِنْ حَوَائِجِ السَّفَرِ أَوْ لِغَيْرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَهَلْ يَحْتَاجُ هَذَا الْخُرُوجُ لِوَدَاعٍ؛ لِأَنَّهُ خُرُوجٌ جَدِيدٌ أَوْ لِبُطْلَانِ الْوَدَاعِ السَّابِقِ بِعَوْدِهِ إلَى مَكَّةَ أَوْ يُفْصَلُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَوْدُهُ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّفَرِ كَأَخْذِ حَاجَةٍ لِلسَّفَرِ فَلَا يَحْتَاجُ لِإِعَادَتِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَاكِثِ لِحَاجَةِ السَّفَرِ أَوْ لِغَيْرِهِ فَيَحْتَاجُ فِيهِ نَظَرٌ فَلْيُرَاجَعْ وَأَطْلَقَ م ر فِي تَقْرِيرِهِ جَوَابَ سَائِلِ وُجُوبِ الْإِعَادَةِ اهـ. سم عَلَيْهِ.
(فَائِدَةٌ)
هَلْ وَجَبَ طَوَافُ الْوَدَاعِ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ كَمَا أَنَّ سَائِرَ الْوَاجِبَاتِ كَالْمَبِيتِ وَالرَّمْيِ تَجِبُ بِالْإِحْرَامِ وَإِنْ كَانَ لِكُلٍّ مِنْهَا وَقْتٌ مَخْصُوصٌ وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَنَاسِكِ؛ لِأَنَّهُ تَبَعٌ فَوُجُوبُهُ تَابِعٌ لِوُجُوبِهَا أَوْ وَجَبَ وُجُوبًا مُبْتَدَأً بِفِرَاقِ مَكَّةَ لَا بِالْإِحْرَامِ أَوْ يُفَصَّلُ فَيُقَالُ وَجَبَ بِالْإِحْرَامِ مَعَ فِرَاقِ مَكَّةَ إنْ كَانَ مِنْ الْمَنَاسِكِ وَبِفِرَاقِهَا فَقَطْ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا جَزَمَ فِي مُخْتَصَرِ الْإِيضَاحِ بِالْأَوَّلِ، قَالَ وَقَوْلُهُمْ بَعْدَ فَرَاغِ أَعْمَالِهِ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ قَيْدًا لِلصِّحَّةِ وَقَالَ شَارِحُهُ إنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ الثَّانِي قَالَ وَلَا يَبْعُدُ التَّفْصِيلُ أَيْ الْقَوْلُ الثَّالِثُ وَلَا يُنَافِي هَذَا مَا مَرَّ أَنَّ دَلِيلَ الْوُجُوبِ الْخَبَرُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ مُوجِبُهُ عِنْدَ الْفِرَاقِ سَوَاءٌ أَسُبِقَ بِالْإِحْرَامِ أَمْ لَا اهـ وَمَحَلُّ مَا ذَكَرَ كَمَا قَالَ فِيمَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُحْرِمًا، أَمَّا إذَا دَخَلَهَا غَيْرَ مُحْرِمٍ وَأَرَادَ السَّفَرَ مِنْهَا أَوْ أَرَادَهُ مَكِّيٌّ فَيَتَعَيَّنُ فِيهِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ حِينَئِذٍ غَيْرُ تَابِعٍ، بَلْ مُبْتَدَأٌ بِفِرَاقِ مَكَّةَ لِلْخَبَرِ وَتَعْظِيمًا لِلْبَيْتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. ابْنُ الْجَمَّالِ.
(قَوْلُهُ: أَوْ فَارَقَهَا لِسَفَرٍ قَصِيرٍ) أَيْ سَوَاءٌ فَارَقَهَا لِسَفَرٍ طَوِيلٍ أَوْ قَصِيرٍ لَكِنْ سَيَأْتِي فِي كَلَامِهِ تَقْيِيدُ الْقَصِيرِ بِمَا إذَا لَمْ يَنْوِ الرُّجُوعَ مِنْهُ.
وَعِبَارَةُ حَجّ وَإِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ مُطْلَقًا أَوْ دُونَهَا وَهُوَ وَطَنُهُ أَوْ لِيَتَوَطَّنَهُ وَإِلَّا فَلَا طَوَافَ عَلَيْهِ وَلَا فَرْقَ فِي الْقِسْمَيْنِ أَيْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَالدُّونِ بَيْنَ مَنْ نَوَى الْعَوْدَ وَغَيْرَهُ خِلَافًا لِمَا يُوهِمُهُ بَعْضُ الْعِبَارَاتِ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: لِلِاتِّبَاعِ إلَخْ) عِبَارَةُ حَجّ لِثُبُوتِهِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلًا وَفِعْلًا وَلِيَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بَيْتَ رَبِّهِ كَمَا أَنَّهُ أَوَّلُ مَقْصُودٍ لَهُ عِنْدَ قُدُومِهِ عَلَيْهِ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: آخِرُ عَهْدِهِ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وَقَوْلُهُ أَيْ الطَّوَافُ بَيَانٌ لِمُتَعَلِّقِ الْجَارِّ وَهُوَ إمَّا اسْمُ كَانَ أَوْ خَبَرُهَا اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَنَاسِكِ) وَمَنْ قَالَ إنَّهُ مِنْهَا أَرَادَ أَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِهَا كَالتَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ تَوَابِعِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَتْ مِنْهَا وَمِنْ ثَمَّ لَزِمَ الْأَجِيرَ فِعْلُهُ وَاتَّجَهَ أَنَّهُ حَيْثُ وَقَعَ إثْرَ نُسُكٍ لَمْ تَجِبْ لَهُ نِيَّةٌ نَظَرًا لِلتَّبَعِيَّةِ وَإِلَّا وَجَبَتْ لِانْتِفَائِهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ طَلَبِهِ فِي النُّسُكِ عَدَمُ طَلَبِهِ فِي غَيْرِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ السِّوَاكَ سُنَّةٌ فِي مَحْوِ الْوُضُوءِ وَهُوَ سُنَّةٌ مُطْلَقًا اهـ. حَجّ.
(قَوْلُهُ: وَالْمُعْتَمَدُ مَا بَيَّنْته فِي شَرْحِ الرَّوْضِ إلَخْ) هَذَا الْمُعْتَمَدُ ضَعِيفٌ عِنْدَ م ر وحج وَنَصُّ عِبَارَةِ شَرْحِ الرَّوْضِ وَلَيْسَ طَوَافُ الْوَدَاعِ مِنْ الْمَنَاسِكِ أَيْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، بَلْ هُوَ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فَمَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ أَوْ دُونَهَا عَلَى الصَّحِيحِ وَدَّعَ مَكِّيًّا كَانَ أَوْ آفَاقِيًّا تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ وَتَشْبِيهًا لِاقْتِضَاءِ
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا وَدَاعَ عَلَى مَنْ خَرَجَ لِغَيْرِ مَنْزِلِهِ بِقَصْدِ الرُّجُوعِ وَكَانَ سَفَرُهُ قَصِيرًا كَمَنْ خَرَجَ لِلْعُمْرَةِ وَلَا عَلَى مُحْرِمٍ خَرَجَ إلَى مِنًى وَأَنَّ الْحَاجَّ إذَا أَرَادَ الِانْصِرَافَ مِنْ مِنًى فَعَلَيْهِ الْوَدَاعُ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ
[حاشية الجمل]
خُرُوجِهِ الْوَدَاعَ بِاقْتِضَاءِ دُخُولِهِ الْإِحْرَامَ وَلِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ قَاصِدَ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ لَا يُؤْمَرُ بِهِ وَلَوْ كَانَ مِنْ الْمَنَاسِكِ لَأُمِرَ بِهِ هَذَا مَا صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ وَنَقَلَاهُ عَنْ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ وَالتَّهْذِيبِ وَغَيْرِهِمَا وَنَقْلًا عَنْ الْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ أَنَّهُ مِنْهَا وَيَخْتَصُّ بِمَنْ يُرِيدُ الْخُرُوجَ مِنْ ذَوِي النُّسُكِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ قَالَ إنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا إلَّا الْمُتَوَلِّي فَجَعَلَهُ تَحِيَّةً لِلْبُقْعَةِ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ تَأْوِيلُ كَلَامِهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا رُكْنًا، كَمَا قَالَ غَيْرُهُ إنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ وَلَا شَرْطٍ قَالَ وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ الشَّيْخَيْنِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِنْهَا لَأُمِرَ بِهِ قَاصِدُ الْإِقَامَةِ بِمَكَّةَ فَمَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ لِلْمُفَارَقَةِ وَلَمْ تَحْصُلْ كَمَا أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ لَا يُشْرَعُ لِلْمُحْرِمِ مِنْ مَكَّةَ وَيَلْزَمُهُمَا الْقَوْلُ بِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ بِدَمٍ وَلَا قَائِلَ بِهِ وَذَكَرَ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ ذَكَرْتهَا فِي شَرْحِ الْبَهْجَةِ، وَذَكَرَ نَحْوَهُ الْإِسْنَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَهُوَ مَا جَرَى عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ وَفِي مَجْمُوعِهِ فِي كَلَامِهِ عَلَى أَعْمَالِ الْحَجِّ وَاقْتَضَاهُ كَلَامُ الْأَصْلِ آخِرَ الْبَابِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَمَا نُقِلَ عَنْ التَّهْذِيبِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا لَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِهِ فِيهِ، بَلْ فِيهِ أَنَّهُ نُسُكٌ حَيْثُ قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَوَافِ الْقُدُومِ حَيْثُ لَا يَجِبُ أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ تَحِيَّةُ الْبَيْتِ وَهُوَ يَسْقُطُ بِطَوَافِ الْعُمْرَةِ وَطَوَافُ الْوَدَاعِ نُسُكٌ لَا يَسْقُطُ بِطَوَافٍ آخَرَ وَاجِبٍ اهـ.
وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ أَوَّلًا وَفِي أَنَّهُ يَلْزَمُ الْأَجِيرَ فِعْلُهُ أَوْ لَا وَفِي أَنَّهُ يُحَطُّ شَيْءٌ مِنْ أُجْرَةِ الْأَجِيرِ عِنْدَ تَرْكِهِ أَوْ لَا اهـ. بِحُرُوفِهِ، قَالَ ابْنُ الْجَمَّالِ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ هَلْ يَلْزَمُ الْأَجِيرَ فِعْلُهُ أَوْ لَا وَأَنَّهُ هَلْ يَحْتَاجُ لِنِيَّةٍ أَوْ لَا، لَكِنَّ الَّذِي اسْتَوْجَهَهُ فِي التُّحْفَةِ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْأَجِيرَ فِعْلُهُ وَأَنَّهُ حَيْثُ وَقَعَ إثْرَ نُسُكٍ لَمْ يَحْتَجْ لِنِيَّةٍ وَإِلَّا وَجَبَتْ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا فَهُوَ مِنْ تَوَابِعِهَا كَالتَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ تَوَابِعِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَتْ مِنْهَا وَجَرَى عَلَيْهِ فِي الْفَتْحِ وَزَادَ أَنَّهُ يُحَطُّ عِنْدَ تَرْكِهِ مِنْ الْأُجْرَةِ مَا يُقَابِلُهُ قَالَ مَوْلَانَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَفِي مَبْحَثِ الطَّوَافِ مِنْ التُّحْفَةِ مَا يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ النِّيَّةِ إذَا وَقَعَ إثْرَ نُسُكٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَنَاسِكِ وَجَرَى فِي الْحَاشِيَةِ عَلَى اشْتِرَاطِهَا، وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ مِنْ الْمَنَاسِكِ وَعَلَّلَهُ بِوُقُوعِهِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ التَّامِّ فَتَحَرَّرَ أَنَّ لَهُ أَيْ لحج ثَلَاثَةَ آرَاءٍ اهـ. وَجَزَمَ بِمَا فِي الْحَاشِيَةِ فِي مَتْنِ مُخْتَصَرِ الْإِيضَاحِ فِي مَبْحَثِ الطَّوَافِ وَاسْتَوْجَهَهُ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّءُوفِ قَالَ وَلَيْسَ كَالتَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهُ عَلَى صُورَةِ الْعِبَادَةِ الْمُسْتَقِلَّةِ وَإِنْ فُعِلَ إثْرَ الْمَنَاسِكِ فَاحْتَاجَ إلَى نِيَّةٍ لِضَعْفِ التَّبَعِيَّةِ بِخِلَافِ التَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ الْمَسْنُونَ مِنْ طَوَافِ النَّفْلِ فَتَجِبُ نِيَّتُهُ وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ.
اهـ. أَيْ نَظَرًا لِشَمُولِ نِيَّةِ الْحَجِّ لَهُ إذْ هُوَ مِنْ سُنَنِهِ لِمَنْ سُنَّ فِي حَقِّهِ كَمَا أَنَّ سَائِرَ السُّنَنِ سُنَّتْ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ فَكَذَلِكَ هَذَا وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْقَدِحُ فَتَأَمَّلْ اهـ. بِحُرُوفِهِ.
(قَوْلُهُ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا وَدَاعَ إلَخْ) أَيْ لَا وَدَاعَ وَاجِبَ وَإِلَّا فَهُوَ يُسَنُّ لِكُلِّ مَنْ خَرَجَ لِسَفَرٍ قَصِيرٍ نَاوِيًا الْعَوْدَ اهـ. شَيْخُنَا وَفِي ع ش مَا نَصُّهُ قَوْلَهُ وَكَانَ سَفَرُهُ قَصِيرًا قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا وَدَاعَ عَلَى مَنْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ إلَى مَسَافَةٍ قَصِيرَةٍ بِنِيَّةِ الْعَوْدِ لَكِنْ ذَكَرَ م ر فِي شَرْحِهِ فِي بَابِ الْمَوَاقِيتِ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْمِيقَاتُ الْمَكَانِيُّ إلَخْ مَا نَصُّهُ وَالْأَفْضَلُ لِلْمَكِّيِّ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْمَسْجِدِ سُنَّةَ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ يَأْتِي إلَى بَابِ دَارِهِ وَيُحْرِمُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ عَقِبَ الصَّلَاةِ، بَلْ عِنْدَ الْخُرُوجِ إلَى عَرَفَاتٍ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ فَانْدَفَعَ اسْتِشْكَالُ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ بِالْإِحْرَامِ مِنْ بَابِ دَارِهِ وَتَقَدَّمَ لَك التَّنْبِيهُ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ فِي قَوْلِهِ بَعْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ وَيُعَلِّمُهُمْ الْمَنَاسِكَ إلَخْ وَيَأْمُرُ فِيهَا أَيْضًا الْمُتَمَتِّعِينَ وَالْمَكِّيِّينَ بِطَوَافِ الْوَدَاعِ، ثُمَّ قَالَ وَهَذَا الطَّوَافُ مَسْنُونٌ وَيُمْكِنُ حَمْلُ قَوْلِهِ هُنَا لَا وَدَاعَ عَلَى مَنْ خَرَجَ إلَى عَرَفَةَ إلَخْ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ فَلَا يُنَافِي مَا مَرَّ لَهُ مِنْ اسْتِحْبَابِهِ اهـ بِحُرُوفِهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنْ فَارَقَ مَكَّةَ لِمَسَافَةِ قَصْرٍ لَزِمَهُ طَوَافُ الْوَدَاعِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ قَصَدَ الْإِقَامَةَ أَوْ لَا بِخِلَافِ مَنْ فَارَقَهَا لِدُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَإِنْ قَصَدَ الْإِقَامَةَ فِيمَا خَرَجَ لَهُ لَزِمَهُ طَوَافُ الْوَدَاعِ وَإِلَّا فَلَا وَهَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ حَيْثُ أَطْلَقَ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَفَصَّلَ فِيمَا دُونَهَا حَيْثُ قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا وَدَاعَ عَلَى مَنْ خَرَجَ لِغَيْرِ مَنْزِلِهِ بِقَصْدِ الرُّجُوعِ وَكَانَ سَفَرُهُ قَصْرًا.
اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: إذَا أَرَادَ الِانْصِرَافَ مِنْ مِنًى) أَيْ أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ إلَى بَلَدِهِ مِنْ مِنًى وَلَا يَرْجِعُ إلَى مَكَّةَ فَعَلَيْهِ الْوَدَاعُ أَيْ وَإِنْ كَانَ طَافَ لِلْوَدَاعِ عَقِبَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ عِنْدَ عَوْدِهِ إلَيْهَا كَمَا صَحَّحَهُ فِي الْمَجْمُوعِ وَنَقَلَهُ عَنْ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَمَنْ أَفْتَى بِخِلَافِهِ فَقَدْ وَهِمَ إذْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَلَا يُسَمَّى طَوَافَ وَدَاعٍ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ جَمِيعِ الْمَنَاسِكِ
أَمَّا نَحْوُ الْحَائِضِ فَلَا طَوَافَ عَلَيْهَا لِخَبَرِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ «أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنْ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ» وَقِيسَ بِهَا النُّفَسَاءُ فَلَوْ طَهُرَتْ قَبْلَ مُفَارَقَةِ مَكَّةَ لَزِمَهَا الْعَوْدُ وَالطَّوَافُ أَوْ بَعْدَهَا فَلَا وَنَحْوُ مِنْ زِيَادَتِي.
(وَيُجْبَرُ تَرْكُهُ) مِمَّنْ وَجَبَ عَلَيْهِ (بِدَمٍ) لِتَرْكِهِ نُسُكًا وَاجِبًا وَاسْتَثْنَى مِنْهُ الْبُلْقِينِيُّ تَبَعًا لِلرُّويَانِيِّ الْمُتَحَيِّرَةَ (فَإِنْ عَادَ) بَعْدَ فِرَاقِهِ بِلَا طَوَافٍ (قَبْلَ مَسَافَةِ قَصْرٍ
[حاشية الجمل]
اهـ. شَرْحُ حَجّ وَقَوْلُهُ إلَّا بَعْدَ فَرَاغِ جَمِيعِ الْمَنَاسِكِ لَوْ فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ الْمَنَاسِكِ لَكِنْ فَاتَهُ الرَّمْيُ وَلَزِمَهُ الصَّوْمُ بَدَلَهُ فَصَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ عَقِبَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَأَرَادَ السَّفَرَ إلَى بَلَدِهِ وَأَنْ يَصُومَ السَّبْعَةَ فِيهَا يَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَهُ طَوَافُ الْوَدَاعِ وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ السَّبْعَةِ الَّتِي هِيَ جُمْلَةُ الْبَدَلِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مَحَلَّهَا بَلَدُهُ وَلَوْ تَوَقَّفَ لُزُومُ الْوَدَاعِ عَلَيْهَا لَزِمَ سُقُوطُهُ عَنْهُ وَهُوَ بَعِيدٌ فَلَوْ أَرَادَ السَّفَرَ قَبْلَ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ وَأَنْ يَصُومَهَا أَيْضًا بِبَلَدِهِ أَوْ فِي سَفَرِهِ فَهَلْ يَصِحُّ طَوَافُ الْوَدَاعِ وَيَلْزَمُهُ وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ وَإِنْ كَانَ بَدَلًا أَوْ لَا فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَوَّلُ غَيْرُ بَعِيدٍ فَلْيُرَاجَعْ وَهَلْ مِثْلُ الْفَرَاغِ تَفْوِيتُ الْمَبِيتِ وَالرَّمْيُ مَعَ مُكْثِهِ بِمَكَّةَ أَوْ مِنًى حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ اهـ. سم عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا نَحْوُ الْحَائِضِ إلَخْ) مِثْلُ الْحَائِضِ الْمَعْذُورِ لِخَوْفِ ظَالِمٍ أَوْ فَوْتِ رُفْقَةً عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ طَوَافُ الْوَدَاعِ وَلَا تَلْزَمُهُ الْفِدْيَةُ اهـ. مِنْ شَرْحِ م ر.
(قَوْلُهُ: فَلَا طَوَافَ عَلَيْهَا) أَيْ وَلَا دَمَ أَيْضًا.
اهـ. ع ش وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِطَوَافِ الْوَدَاعِ أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِطَوَافِ الرُّكْنِ فَلَوْ حَاضَتْ قَبْلَهُ فَإِنَّهَا تَسْتَمِرُّ مُحْرِمَةً حَتَّى تَرْجِعَ لِمَكَّةَ فَتَطُوفَ وَلَوْ طَالَ ذَلِكَ سِنِينَ، وَبَحَثَ السَّرَّاجُ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّهَا إذَا وَصَلَتْ بَلَدَهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ عَادِمَةٌ لِلنَّفَقَةِ وَلَمْ يُمْكِنْهَا الْوُصُولُ لِلْبَيْتِ الْحَرَامِ يَكُونُ حُكْمُهَا كَالْمُحْصَرِ فَتَتَحَلَّلُ بِذَبْحِ شَاةٍ وَحَلْقٍ وَنِيَّةِ تَحَلُّلٍ وَأَيَّدَ ذَلِكَ بِكَلَامٍ فِي الْمَجْمُوعِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ وَالْكَلَامُ مَفْرُوضٌ حَيْثُ لَمْ تَعْلَمْ بِالْحُكْمِ حَتَّى وَصَلَتْ بَلَدَهَا فَلَوْ فُرِضَ أَنَّهَا وَصَلَتْ لِمَحَلٍّ وَعَجَزَتْ عَنْ الْوُصُولِ لِمَكَّةَ وَهِيَ عَارِفَةٌ بِالْحُكْمِ فَتُحْلِلُ الْآنَ بِذَبْحٍ وَتَقْصِيرٍ مَعَ نِيَّةٍ فِيهِمَا وَبَحَثَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا أَنَّهَا إذَا كَانَتْ شَافِعِيَّةً تُقَلِّدُ الْإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَوْ الْإِمَامَ أَحْمَدَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ فِي أَنَّهَا تَهْجُمُ وَتَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَيَلْزَمُهَا بَدَنَةٌ وَتَأْثَمُ بِدُخُولِهَا الْمَسْجِدَ حَائِضًا وَيُجْزِيهَا هَذَا الطَّوَافُ عَنْ الْفَرْضِ لِمَا فِي بَقَائِهَا عَلَى الْإِحْرَامِ مِنْ الْمَشَقَّةِ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: أُمِرَ النَّاسُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالسِّينِ هَكَذَا ضَبَطَهُ بِالْقَلَمِ اهـ شَوْبَرِيٌّ.
(قَوْلُهُ: قَبْلَ مُفَارَقَةِ مَكَّةَ) أَيْ قَبْلَ مُفَارَقَةِ مَا لَا يَجُوزُ قَصْرُ الصَّلَاةِ فِيهِ اهـ. حَجّ.
(قَوْلُهُ: وَيُجْبَرُ تَرْكُهُ بِدَمٍ) وَفِي طَوْفَةٍ مِنْهُ أَوْ بَعْضِهَا دَمٌ كَامِلٌ وَغَلِطَ مَنْ قَالَ مُدٌّ كَتَرْكِ مَبِيتِ لَيْلَةٍ أَوْ حَصَاةٍ وَعَلَى الْأَوَّلِ يُفَرَّقُ بِأَنَّ الطَّوَافَ لَمَّا أَشْبَهَ الصَّلَاةَ فِي أَكْثَرِ أَحْكَامِهِ كَانَ كَالْخَصْلَةِ الْوَاحِدَةِ فَأُلْحِقَ تَرْكُ بَعْضِهِ بِتَرْكِ كُلِّهِ وَلَا كَذَلِكَ ذَلِكَ هـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: لِتَرْكِهِ نُسُكًا وَاجِبًا) أَيْ عِبَادَةً وَاجِبَةً وَهَذَا جَارٍ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَيْ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مِنْ الْمَنَاسِكِ وَالْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْقَوْلَيْنِ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّهُ فِي ذَاتِهِ نُسُكٌ أَيْ عِبَادَةٌ وَكَوْنُهُ نُسُكًا فِي ذَاتِهِ لَا يُنَافِي الْقَوْلَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَنَاسِكِ أَيْ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَسَقَطَ مَا لِلْحَلَبِيِّ هُنَا.
(قَوْلُهُ: وَاسْتَثْنَى مِنْهُ) أَيْ مِنْ جَبْرِ تَرْكِهِ بِدَمٍ.
وَعِبَارَةُ حَجّ نَعَمْ الْمُتَحَيِّرَةُ لَا دَمَ عَلَيْهَا لِلشَّكِّ فِي وُجُوبِهِ عَلَيْهَا بِاحْتِمَالِ كُلِّ زَمَنٍ يَمُرُّ عَلَيْهَا لِلْحَيْضِ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: الْبُلْقِينِيُّ) هُوَ أَبُو حَفْصٍ سِرَاجُ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ رَسْلَانَ الْبُلْقِينِيُّ نِسْبَةً إلَى بُلْقِينَةَ بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْقَافِ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى مِصْرَ قُرْبَ الْمَحَلَّةِ الْكُبْرَى الْإِمَامُ الْمُجْتَهِدُ عَالِمُ عَصْرِهِ وُلِدَ ثَانِيَ عَشَرَ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ وَتَفَقَّهَ عَلَى التَّقِيِّ السُّبْكِيّ وَغَيْرِهِ الْمُتَوَفَّى عَاشِرَ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِمِائَةٍ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ عَادَ قَبْلَ مَسَافَةِ قَصْرٍ إلَخْ) وَالْعَوْدُ وَاجِبٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إنْ أَمْكَنَهُ، أَمَّا إذَا عَادَ بَعْدَ بُلُوغِهِ مَسَافَةَ الْقَصْرِ، سَوَاءٌ عَادَ مِنْهَا أَوْ بَعْدَهَا وَإِنْ فَعَلَهُ أَيْ الطَّوَافَ فَلَا يَسْقُطُ الدَّمُ عَلَى الصَّحِيحِ لِاسْتِقْرَارِهِ بِمَا ذُكِرَ وَالْعَوْدُ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي هَذِهِ الْحَالِ اهـ. حَجّ وَكَذَا إنْ عَادَ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَطَنَهُ وَلَوْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ مَا يُرِيدُ تَوَطُّنَهُ فِيهِ لَا يَسْقُطُ الدَّمُ، وَفِي شَرْحِ الْعُبَابِ وَيَظْهَرُ فِيمَنْ خَرَجَ تَارِكًا لَهُ عَامِدًا عَالِمًا، وَقَدْ لَزِمَهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ عَازِمًا عَلَى الْعَوْدِ لَهُ قَبْلَ مَرْحَلَتَيْنِ أَيْ قَبْلَ وُصُولِ وَطَنِهِ لَمْ يَأْثَمْ وَإِلَّا أَثِمَ وَإِنْ عَادَ فَالْعَوْدُ مُسْقِطٌ لِلدَّمِ لَا لِلْإِثْمِ اهـ. سم عَلَى حَجّ وَيَظْهَرُ أَيْضًا أَنَّهُ يَأْتِي هُنَا فِي الْعَامِدِ الْعَالِمِ مَا بَحَثَهُ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّءُوفِ فِي تَرْكِ الْمِيقَاتِ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ بِالْعَوْدِ التَّدَارُكَ لِأَجْلِ الْوَاجِبِ بِخِلَافِ مَا إذَا عَادَ لِشُغْلٍ آخَرَ أَوَّلًا بِقَصْدِ شَيْءٍ بِخِلَافِ النَّاسِي وَالْجَاهِلِ اهـ. ابْنُ الْجَمَّالِ.
(قَوْلُهُ: بَعْدَ فِرَاقِهِ بِلَا طَوَافٍ) أَيْ سَوَاءٌ كَانَ وَقْتُ الْمُفَارَقَةِ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِوُجُوبِ الطَّوَافِ اهـ. شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ: قَبْلَ مَسَافَةِ قَصْرٍ) أَيْ فِيمَا إذَا كَانَ مُرَادُهُ السَّفَرَ الطَّوِيلَ وَقَبْلَ بُلُوغِ نَحْوِ وَطَنِهِ فِيمَا إذَا كَانَ وَطَنُهُ أَوْ الَّذِي يُرِيدُ تَوَطُّنَهُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ
وَطَافَ فَلَا دَمَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُقِيمِ وَكَمَا لَوْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ وَقَوْلِي وَطَافَ مِنْ زِيَادَتِي وَقَوْلِي فَلَا دَمَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ سَقَطَ الدَّمُ (وَإِنْ مَكَثَ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الطَّوَافِ وَلَوْ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا بِقَيْدٍ زِدْته بِقَوْلِي (لَا لِصَلَاةٍ أُقِيمَتْ أَوْ شُغْلِ سَفَرٍ) كَشِرَاءِ زَادٍ وَشَدِّ رَحْلٍ (أَعَادَ) الطَّوَافَ بِخِلَافِ مَا إذَا مَكَثَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
(وَسُنَّ شُرْبُ مَاءِ زَمْزَمَ) وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجٍّ وَمُعْتَمِرٍ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأَنْ يَتَضَلَّعَ مِنْهُ وَأَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ عِنْدَ شُرْبِهِ.
[حاشية الجمل]
مَكَّةَ وَتُعْتَبَرُ مَسَافَةُ الْقَصْرِ مِنْ مَكَّةَ لَا مِنْ آخِرِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ الْوَدَاعَ لِلْبَيْتِ فَنَاسَبَ اعْتِبَارَ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ نِسْبَةً إلَيْهِ مِنْ الْحَرَمِ، وَقِيلَ مِنْ الْحَرَمِ نَظِيرُ مَا يَأْتِي وَيَرُدُّهُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْفَرْقِ.
اهـ. حَجّ.
(قَوْلُهُ: وَطَافَ) أَمَّا لَوْ عَادَ لِلطَّوَافِ فَمَاتَ قَبْلَ الطَّوَافِ لَمْ يَسْقُطْ الدَّمُ عَنْهُ اهـ. شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ:؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمُقِيمِ) لَا يُنَافِي التَّعْلِيلَ بِكَوْنِهِ فِي حُكْمِ الْمُقِيمِ تَسْوِيَتُهُمْ بَيْنَ السَّفَرِ الطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ فِي وُجُوبِ الْوَدَاعِ لِأَنَّ سَفَرَهُ هُنَا لَمْ يَتِمَّ لِعَوْدِهِ بِخِلَافِ هُنَاكَ اهـ. شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ مَكَثَ بَعْدَهُ) أَيْ فِي مَحَلٍّ لَا تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ نَاسِيًا) أَيْ لِوُجُوبِ الْخُرُوجِ عَقِبَ الطَّوَافِ وَقَوْلُهُ أَوْ جَاهِلًا أَيْ بِمَا ذُكِرَ وَمِثْلُهَا الْمُكْرَهُ عَلَى الْمُكْثِ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَلَوْ مَكَثَ مُكْرَهًا بِأَنْ ضُبِطَ وَهُدِّدَ بِمَا يَكُونُ إكْرَاهًا فَهَلْ الْحُكْمُ كَمَا لَوْ مَكَثَ مُخْتَارًا فَيَبْطُلُ الْوَدَاعُ أَوْ نَقُولُ الْإِكْرَاهُ يُسْقِطُ أَثَرَ هَذَا اللُّبْثِ فَإِذَا أُطْلِقَ وَانْصَرَفَ فِي الْحَالِ جَازَ وَلَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ وَمِثْلُهُ لَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ عَقِبَ الْوَدَاعِ أَوْ جُنَّ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ وَالْأَوْجَهُ لُزُومُ الْإِعَادَةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ إنْ تَمَكَّنَ مِنْهَا وَإِلَّا فَلَا انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: لَا لِصَلَاةٍ أُقِيمَتْ) أَيْ صَلَاةِ جَمَاعَةٍ كَمَا فِي شَرْحِ حَجّ وَكَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ الْمَتْنِ أُقِيمَتْ.
(قَوْلُهُ: أَيْضًا لَا لِصَلَاةٍ أُقِيمَتْ إلَخْ) أَيْ لِغَيْرِ صَلَاةٍ أُقِيمَتْ وَغَيْرِ شُغْلِ سَفَرٍ وَذَلِكَ الْغَيْرُ كَعِبَادَةٍ وَإِنْ قَلَّتْ وَقَضَاءِ دَيْنٍ وَصَلَاةِ جِنَازَةٍ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ، لَكِنَّ الْأَوْجَهَ بَلْ الْمَنْصُوصَ اغْتِفَارُ مَا بِقَدْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ أَيْ أَقَلِّ مُمْكِنٍ مِنْهَا فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ سَائِرِ الْأَغْرَاضِ إذَا لَمْ يُعَرِّجْ لَهَا أَيْ الْأَغْرَاضِ اهـ. حَجّ.
(قَوْلُهُ: وَسُنَّ شُرْبُ مَاءِ زَمْزَمَ) أَيْ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ؛ لِأَنَّهَا مُبَارَكَةٌ وَتُقَوِّي الْقَلْبَ وَهِيَ اسْمٌ لِلْبِئْرِ الْمَشْهُورَةِ قَرِيبًا مِنْ الْبَيْتِ وَأَصْلُهَا مِنْ ضَرْبِ جِبْرِيلَ الْأَرْضَ بِجَنَاحِهِ حِينَ عَطِشَتْ هَاجَرُ وَوَلَدُهَا إسْمَاعِيلُ لَمَّا وَضَعَهَا إبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - هُنَاكَ بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَمَّا فَاضَ مِنْهَا الْمَاءُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ قَالَتْ لَهُ هَاجَرُ زُمَّ زُمَّ أَيْ اجْتَمِعْ يَا مُبَارَكُ فَاجْتَمَعَ فَسُمِّيَتْ زَمْزَمَ، وَيُقَالُ لَهَا زُمَازِمُ وَقِيلَ لِأَنَّ الْمَاءَ حِينَ خَرَجَ مِنْهَا سَاحَ يَمِينًا وَشِمَالًا فَزُمَّ أَيْ مُنِعَ بِجَمْعِ التُّرَابِ حَوْلَهُ، وَرُوِيَ لَوْلَا أُمُّكُمْ هَاجَرُ حَوَّطَتْ عَلَيْهَا لَمَلَأَتْ أَوْدِيَةَ مَكَّةَ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ سُمِعَ مِنْهَا حِينَئِذٍ صَوْتٌ يُشْبِهُ صَوْتَ الْفَرَسِ عِنْدَ شُرْبِهَا الْمُسَمَّى بِذَلِكَ وَلَهَا أَسْمَاءٌ كَثِيرَةٌ زَمْزَمُ وَهِزْمَةُ جِبْرِيلَ وَسُقْيَا اللَّهِ إسْمَاعِيلَ وَبَرَكَةٌ وَسَيِّدَةٌ وَنَافِعَةٌ وَمَصُونَةٌ وَعَوْنَةٌ وَبُشْرَى وَصَاحِبَةٌ وَبَرَّةٌ وَعِصْمَةٌ وَسَالِمَةٌ وَمَيْمُومَةٌ وَمُعْذِبَةٌ وَكَافِيَةٌ وَطَاهِرَةٌ وَحَرَمِيَّةٌ وَمُرُورِيَّةٌ وَمُؤْنِسَةٌ وَطَيِّبَةٌ وَشَبَّاعَةُ الْعِيَالِ وَطَعَامُ طُعْمٍ وَشِفَاءُ سَقَمٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يُغْنِي عَنْ الْمَطْعُومَاتِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُشْبِعُ وَشِفَاءُ سَقَمٍ أَيْ شُرْبُ مَائِهَا يَشْفِي مِنْ السَّقَامِ وَهُوَ مِنْ مَاءِ الْجَنَّةِ وَأَفْضَلُ الْمِيَاهِ بَعْدَمَا نَبَعَ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
وَعِبَارَةُ حَجّ وَسُنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ شُرْبُ مَاءِ زَمْزَمَ لِمَا فِي خَبَرِ مُسْلِمٍ «أَنَّهَا مُبَارَكَةٌ وَأَنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ» أَيْ فِيهَا قُوَّةُ الِاغْتِذَاءِ الْأَيَّامَ الْكَثِيرَةَ لَكِنْ مَعَ الصِّدْقِ كَمَا وَقَعَ لِأَبِي ذَرٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَلْ نَمَا لَحْمُهُ وَزَادَ سِمَنُهُ زَادَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ وَشِفَاءُ سَقَمٍ أَيْ حِسِّيٍّ أَوْ مَعْنَوِيٍّ، وَمِنْ ثَمَّ سُنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ شُرْبُهُ وَأَنْ يَقْصِدَ بِهِ نَيْلَ مَطْلُوبَاتِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ لِخَبَرِ «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» سَنَدُهُ حَسَنٌ، بَلْ صَحِيحٌ كَمَا قَالَهُ أَئِمَّةٌ وَبِهِ يُرَدُّ عَلَى مَنْ طَعَنَ فِيهِ بِمَا لَا يُجْدِي وَيُسَنُّ عِنْدَ إرَادَةِ شُرْبِهِ الِاسْتِقْبَالُ وَالْجُلُوسُ وَقِيَامُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبَيَانِ الْجَوَازِ، ثُمَّ اللَّهُمَّ إنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَك مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» اللَّهُمَّ إنِّي أَشْرَبُهُ لِكَذَا اللَّهُمَّ فَافْعَلْ بِي ذَلِكَ بِفَضْلِك، ثُمَّ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى وَيُسِرُّ بِهِ وَيَتَنَفَّسُ ثَلَاثًا وَأَنْ يَتَضَلَّعَ أَيْ يَمْتَلِئَ وَيُكْرَهُ تَنَفُّسُهُ عَلَيْهِ لِخَبَرِ ابْنِ مَاجَهْ «آيَةُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ» وَأَنْ يَنْقُلَهُ إلَى وَطَنِهِ اسْتِشْفَاءً وَتَبَرُّكًا لَهُ وَلِغَيْرِهِ انْتَهَتْ.
وَقَوْلُهُ لِمَا شُرِبَ لَهُ هُوَ شَامِلٌ لِمَا لَوْ شَرِبَهُ بِغَيْرِ مَحَلِّهِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالشَّارِبِ نَفْسِهِ فَلَا يَتَعَدَّاهُ إلَى غَيْرِهِ وَيُحْتَمَلُ تَعَدِّي ذَلِكَ إلَى الْغَيْرِ فَإِذَا شَرِبَهُ إنْسَانٌ بِقَصْدِ وَلَدِهِ وَأَخِيهِ مَثَلًا حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ الْمَطْلُوبُ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ إذَا شَرِبَ بِنِيَّةٍ صَادِقَةٍ وَنُقِلَ عَنْ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ الشَّوْبَرِيِّ مَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرْنَاهُ فَلْيُرَاجَعْ وَعِبَارَتُهُ فِي هَوَامِشِ فَتَاوَى حَجّ الْفِقْهِيَّةِ الْكُبْرَى نَصُّهَا قَوْلُهُ «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» إلَخْ هَلْ وَلَوْ كَانَ طَلَبُ التَّحْصِيلِ بِهِ لِغَيْرِ شَارِبِهِ بِأَنْ شَرِبَ لِيَحْصُلَ لِوَلَدِهِ الْعِلْمُ أَوْ الشِّفَاءُ أَوْ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَنْ يَكُونُ لَهُ وِلَايَةٌ أَوْ وَكَالَةٌ بِأَنْ وَكَّلَ فِي ذَلِكَ وَبَيْنَ غَيْرِ مَنْ ذُكِرَ وَلَيْسَ مُوَافِقًا لِمَا نُقِلَ عَنْهُ اهـ. ع ش عَلَى م ر.
وَعِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ وَيُسَنُّ أَنْ يَنْوِيَ حَالَ
(وَزِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) وَلَوْ لِغَيْرِ حَاجٍّ وَمُعْتَمِرٍ وَإِنْ أَوْهَمَ كَلَامُ الْأَصْلِ فِيهِ وَفِيمَا قَبْلَهُ خِلَافَهُ وَذَلِكَ لِخَبَرِ «مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَمِنْبَرِي
[حاشية الجمل]
شُرْبِهِ مَا شَاءَ مِنْ جَلْبِ نَفْعٍ أَوْ زَوَالِ مَرَضٍ وَأَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» وَأَنَا أَشْرَبُهُ لِكَذَا وَيَذْكُرَ مَا يُرِيدُ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللَّهُمَّ فَافْعَلْ، ثُمَّ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى وَيَشْرَبُ وَيَتَنَفَّسُ ثَلَاثًا كُلَّمَا شَرِبَ وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - إذَا شَرِبَهُ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك عِلْمًا نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَقَدْ شَرِبَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَنَالُوا مَطْلُوبَهُمْ وَيُسَنُّ الدُّخُولُ إلَى الْبِئْرِ وَالنَّظَرُ فِيهَا وَأَنْ يَنْزِعَ بِالدَّلْوِ الَّذِي عَلَيْهَا وَيَشْرَبَ وَأَنْ يَنْضَحَ مِنْهُ عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وَصَدْرِهِ وَأَنْ يَتَزَوَّدَ مِنْ مَائِهَا وَيَسْتَصْحِبَ مِنْهُ مَا أَمْكَنَهُ بَلْ يُنْدَبُ ذَلِكَ، وَمَا قِيلَ إنَّهُ يُبَدَّلُ فَمِنْ خُرَافَاتِ الْعَوَامّ وَيُسَنُّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ نَبِيذِ سِقَايَةِ الْعَبَّاسِ مَا لَمْ يُسْكِرْ وَأَنْ يَخْتِمَ الْقُرْآنَ بِمَكَّةَ وَأَنْ يَنْصَرِفَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ مُسْتَدْبِرَ الْبَيْتِ وَيُكْثِرَ الِالْتِفَاتَ إلَى أَنْ يَغِيبَ عَنْهُ كَالْمُتَحَزِّنِ الْمُتَأَسِّفِ عَلَى فِرَاقِهِ، وَيَقُولُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكَّةَ اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ عَابِدُونَ سَائِحُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَأَعَزَّ جُنْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: وَزِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -) أَيْ لِأَنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ، بَلْ قَالَ الْعَبْدَرِيُّ الْمَالِكِيُّ إنَّ قَصْدَ زِيَارَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَفْضَلُ مِنْ قَصْدِ الْكَعْبَةِ وَمِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ وَيُسَنُّ أَنْ يَأْتِيَ سَائِرَ الْمَشَاهِدِ بِالْمَدِينَةِ وَهِيَ نَحْوُ ثَلَاثِينَ مَوْضِعًا يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَيُسَنُّ زِيَارَةُ الْبَقِيعِ وَقُبَاءَ وَأَنْ يَأْتِيَ بِئْرَ أَرِيسٍ فَيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَتَوَضَّأَ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةَ الْآبَارِ السَّبْعَةِ وَقَدْ نَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
أَرِيسٌ وَغَرْسٌ رُومَةٌ وَبُضَاعَةٌ ... كَذَا بَضَّهْ قُلْ بِئْرُ جَامِعِ الْعِهْنِ
وَيَنْبَغِي الْمُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِهِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِهِ فَالصَّلَاةُ فِيهِ بِأَلْفِ صَلَاةٍ وَلْيَحْذَرْ مِنْ الطَّوَافِ بِقَبْرِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمِنْ الصَّلَاةِ دَاخِلَ الْحُجْرَةِ بِقَصْدِ تَعْظِيمِهِ وَيُكْرَهُ إلْصَاقُ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ بِجِدَارِ الْقَبْرِ كَرَاهَةً شَدِيدَةً وَمَسْحُهُ بِالْيَدِ وَتَقْبِيلُهُ بَلْ الْأَدَبُ أَنْ يَبْعُدَ عَنْهُ كَمَا لَوْ كَانَ بِحَضْرَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَيَاتِهِ وَيُسَنُّ أَنْ يَصُومَ بِالْمَدِينَةِ مَا أَمْكَنَهُ وَأَنْ يَتَصَدَّقَ عَلَى جِيرَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمُقِيمِينَ وَالْغُرَبَاءِ بِمَا أَمْكَنَهُ اهـ. شَرْحُ م ر، وَقَوْلُهُ وَتَقْبِيلُهُ ظَاهِرَهُ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ التَّعْظِيمَ لَكِنْ مَرَّ فِي الْجَنَائِزِ بَعْدَ نَقْلِ كَرَاهَةِ تَقْبِيلِ التَّابُوتِ مَا نَصُّهُ نَعَمْ إنْ قَصَدَ بِتَقْبِيلِ أَضْرِحَتِهِمْ التَّبَرُّكَ لَمْ يُكْرَهْ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْوَالِدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَيُحْتَمَلُ مَجِيءُ ذَلِكَ هُنَا وَيُحْتَمَلُ الْفَرْقُ بِأَنَّهُمْ حَافَظُوا عَلَى التَّبَاعُدِ عَنْ التَّشَبُّهِ بِالنَّصَارَى هُنَا حَيْثُ بَالَغُوا فِي تَعْظِيمِ عِيسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - حَتَّى ادَّعَوْا فِيهِ مَا ادَّعَوْا وَمِنْ ثَمَّ حَذَّرُوا كُلَّ التَّحْذِيرِ مِنْ الصَّلَاةِ دَاخِلَ الْحُجْرَةِ بِقَصْدِ التَّعْظِيمِ اهـ. ع ش عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ أَوْهَمَ كَلَامُ الْأَصْلِ فِيهِ) أَيْ فِي غَيْرِ الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ وَفِيمَا قَبْلَهُ أَيْ قَبْلَ الْغَيْرِ الْمَذْكُورِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ هُوَ الْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَكَوْنُهُمَا قَبْلَهُ بِمُقْتَضَى الْفَهْمِ مِنْ الْغَايَةِ إذْ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ لِلْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ وَغَيْرِهِمَا وَاَلَّذِي أَوْهَمَهُ كَلَامُ الْأَصْلِ فِي الْغَيْرِ عَدَمُ سَنِّهَا لَهُ وَفِي الْمُعْتَمِرِ عَدَمُ سَنِّهَا لَهُ أَيْضًا وَأَوْهَمَ فِي الْحَاجِّ أَنَّهَا لَا تُسَنُّ لَهُ قَبْلَ فَرَاغِ حَجِّهِ؛ لِأَنَّهُ قَيْدٌ فَقَالَ وَزِيَارَةُ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجِّ فَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهَا لَا تُسَنُّ قَبْلَ فَرَاغِهِ مَعَ أَنَّهَا تُسَنُّ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهَا لَا تُسَنُّ لِلْمُعْتَمِرِ وَلَا لِغَيْرِ الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ مِنْ أَنَّهَا تُسَنُّ لَهُمَا أَيْضًا.
وَعِبَارَةُ الْأَصْلِ وَسُنَّ شُرْبُ مَاءِ زَمْزَمَ وَزِيَارَةُ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعْدَ فَرَاغِ الْحَجِّ انْتَهَتْ وَأَجَابَ عَنْهُ حَجّ بِقَوْلِهِ وَمَا أَوْهَمَتْهُ عِبَارَتُهُ مِنْ قَصْرِ نَدْبِ الزِّيَارَةِ وَالشُّرْبِ عَلَى الْحَاجِّ غَيْرُ مُرَادٍ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهَا لِلْحَجِيجِ آكَدُ؛ لِأَنَّ تَرْكَهُمْ لَهَا وَقَدْ أَتَوْا مِنْ أَقْطَارٍ بَعِيدَةٍ وَقَرُبُوا مِنْ الْمَدِينَةِ قَبِيحٌ جِدًّا كَمَا يَدُلُّ لَهُ خَبَرُ «مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَزُرْنِي فَقَدْ جَفَانِي» وَإِنْ كَانَ فِي سَنَدِهِ مَقَالٌ اهـ بِحُرُوفِهِ.
(قَوْلُهُ: مَا بَيْنَ قَبْرِي وَمِنْبَرِي إلَخْ) فِي دَلَالَةِ هَذَا وَمَا بَعْدَهُ عَلَى الْمُدَّعَى نَوْعُ خَفَاءٍ وَقَدْ اسْتَدَلَّ م ر بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» اهـ. شَيْخُنَا وَالْمُرَادُ مِنْ تَسْمِيَةِ تِلْكَ الْبُقْعَةِ رَوْضَةً أَنَّ تِلْكَ الْبُقْعَةِ تُنْقَلُ إلَى الْجَنَّةِ فَتَكُونُ مِنْ رِيَاضِهَا أَوْ أَنَّهُ عَلَى الْمَجَازِ لِكَوْنِ الْعِبَادَةِ فِيهِ تَؤَوَّلُ إلَى دُخُولِ الْعَابِدِ رَوْضَةَ الْجَنَّةِ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا اخْتِصَاصَ لِذَلِكَ بِتِلْكَ الْبُقْعَةِ وَالْخَبَرُ مَسُوقٌ لِمَزِيدِ شَرَفِهَا عَلَى غَيْرِهَا، وَقِيلَ فِيهِ تَشْبِيهٌ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ أَيْ كَرَوْضَةٍ؛ لِأَنَّ مَنْ يَقْعُدُ فِيهَا مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَمُؤْمِنِي الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُكْثِرُونَ الذِّكْرَ وَسَائِرَ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ اهـ. فَتْحُ الْبَارِي اهـ. شَوْبَرِيٌّ
عَلَى حَوْضِي» وَخَبَرِ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا» ، رَوَاهُمَا الشَّيْخَانِ وَسُنَّ لِمَنْ قَصَدَ الْمَدِينَةَ الشَّرِيفَةَ لِزِيَارَتِهِ أَنْ يُكْثِرَ فِي طَرِيقِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا رَأَى حَرَمَ الْمَدِينَةِ وَأَشْجَارَهَا زَادَ فِي ذَلِكَ وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَنْفَعَهُ بِهَذِهِ الزِّيَارَةِ وَيَتَقَبَّلَهَا مِنْهُ، وَيَغْتَسِلُ قَبْلَ دُخُولِهِ وَيَلْبَسُ أَنْظَفَ ثِيَابِهِ فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَصَدَ الرَّوْضَةِ وَهِيَ بَيْنَ قَبْرِهِ وَمِنْبَرِهِ كَمَا مَرَّ وَصَلَّى تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ بِجَانِبِ الْمِنْبَرِ وَشَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى بَعْدَ فَرَاغِهَا عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ ثُمَّ وَقَفَ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ رَأْسِ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ وَيَبْعُدُ مِنْهُ نَحْوَ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ نَاظِرًا لِأَسْفَلَ مَا يَسْتَقْبِلُهُ فَارِغَ الْقَلْبِ مِنْ عُلَقِ الدُّنْيَا وَيُسَلِّمُ بِلَا رَفْعِ صَوْتٍ
[حاشية الجمل]
وَعِبَارَةُ الْبِرْمَاوِيِّ قَوْلُهُ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَيْ قِطْعَةٌ مِنْ أَرْضِ الْجَنَّةِ أَوْ الْعَمَلُ فِيهَا كَالْعَمَلِ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ مُوصِلٌ إلَى رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ أَنَّهَا سَتَكُونُ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ الْجَالِسُ فِيهَا يَرَى مِنْ الرَّاحَةِ مَا يَرَاهُ الْجَالِسُ فِي رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَحْنَثُ مَنْ جَلَسَ فِيهَا وَحَلَفَ أَنَّهُ جَالِسٌ فِي الْجَنَّةِ انْتَهَتْ وَهَذَا الْمُبَيَّنُ أَرْبَعُ أُسْطُوَانَاتٍ مِنْ عِنْدِ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ وَيَنْتَهِي إلَى الْمِنْبَرِ فَيَكُونُ قَدْرَ أُسْطُوَانَةٍ وَشَيْءٍ يَسِيرٍ فَالرَّوْضَةُ قَرِيبَةٌ مِنْ شَكْلِ الْمُثَلَّثِ كَمَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ السَّمْهُودِيُّ فِي تَارِيخِ الْمَدِينَةِ.
(قَوْلُهُ: عَلَى حَوْضِي) يَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الْآنَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُنْقَلُ إلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْكَوْثَرُ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: فَإِذَا رَأَى حَرَمَ الْمَدِينَةِ إلَخْ) وَحَدُّ حَرَمِ الْمَدِينَةِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ «عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ الْمَدِينَةُ حَرَمُ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلَى ثَوْرٍ» ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَيْرٌ جَبَلٌ بِالْمَدِينَةِ، وَأَمَّا ثَوْرٌ فَلَا يَعْلَمُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ بِهَا جَبَلًا يُقَالُ لَهُ ثَوْرٌ وَإِنَّمَا ثَوْرٌ بِمَكَّةَ قَالَ فَيُرَى أَنَّ أَصْلَ الْحَدِيثِ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلَى أُحُدٍ، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْحَازِمِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُؤَلَّفِ فِي أَسْمَاءِ الْأَمَاكِنِ فِي الْحَدِيثِ «حَرَمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا بَيْنَ عَيْرٍ إلَى أُحُدٍ» قَالَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ، وَقِيلَ إلَى ثَوْرٍ قَالَ وَلَيْسَ لَهُ مَعْنَى وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ لَوْ رَأَيْت الظِّبَاءَ بِالْمَدِينَةِ تَرْتَعُ مَا دَعَوْتهَا قَالَ «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ» وَكَذَا رَوَاهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي الصَّحِيحِ وَاللَّابَتَانِ الْحَرَّتَانِ.
اهـ. إيضَاحٌ وَقَالَ الدَّمِيرِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَحَدُّ حَرَمِهَا عَرْضًا مَا بَيْنَ حَرَّتَيْهَا السُّودِ وَطُولًا مَا بَيْنَ عَيْرٍ وَثَوْرٍ وَهُوَ جَبَلٌ صَغِيرٌ مِنْ وَرَاءِ أُحُدٍ يَعْرِفُهُ أَهْلُهَا اهـ. بِحُرُوفِهِ.
(قَوْلُهُ: وَيَغْتَسِلُ قَبْلَ دُخُولِهِ) وَاَلَّذِي يُتَّجَهُ أَنَّ هَذَا الْغُسْلَ لَا يَفُوتُ بِالدُّخُولِ، بَلْ يُنْدَبُ لَهُ تَدَارُكُهُ بَعْدَهُ اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَيَلْبَسُ أَنْظَفَ ثِيَابِهِ) وَهَلْ الْأَوْلَى هُنَا الْأَعْلَى قِيمَةً كَالْعِيدِ أَوْ الْأَبْيَضِ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ، وَالْأَقْرَبُ الثَّانِي إذْ هُوَ أَلْيَقُ بِالتَّوَاضُعِ الْمَطْلُوبِ ثُمَّ رَأَيْت التَّصْرِيحَ بِأَنَّهُ يُنْدَبُ الْبَيَاضُ لِلذَّهَابِ إلَى أَيِّ مَسْجِدٍ كَانَ وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْته؛ لِأَنَّ هَذَا اللُّبْسَ إنَّمَا طُلِبَ لِيَكُونَ دُخُولُهُ الْمَسْجِدَ الشَّرِيفَ وَوُقُوفُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ اهـ. حَجّ فِي الْجَوْهَرِ الْمُنَظَّمِ اهـ. شَوْبَرِيٌّ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ وَقَفَ إلَخْ) أَيْ ثُمَّ ذَهَبَ إلَى مَحَلِّ الْمُوَاجَهَةِ وَوَقَفَ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: وَيَبْعُدُ مِنْهُ نَحْوَ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ) وَيُكْرَهُ إلْصَاقُ الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ بِجُدْرَانِ الْقَبْرِ قَالَهُ الْحَلِيمِيُّ وَغَيْرُهُ قَالُوا وَيُكْرَهُ مَسْحُهُ بِالْيَدِ وَتَقْبِيلُهُ بَلْ الْأَدَبُ أَنْ يَبْعُدَ عَنْهُ كَمَا يَبْعُدُ مِنْهُ لَوْ حَضَرَ فِي حَيَاتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ الَّذِي قَالَهُ الْعُلَمَاءُ وَأَطْبَقُوا عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُغْتَرَّ بِكَثِيرٍ مِنْ الْعَوَامّ فِي مُخَالَفَتِهِمْ ذَلِكَ فَإِنَّ الِاقْتِدَاءَ وَالْعَمَلَ إنَّمَا يَكُونُ بِأَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مُحْدَثَاتِ الْعَوَامّ وَجَهَالَاتِهِمْ وَلَقَدْ أَحْسَنَ السَّيِّدُ الْجَلِيلُ أَبُو عَلِيٍّ الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ فِي قَوْلِهِ مَا مَعْنَاهُ اتَّبِعْ طُرُقَ الْهُدَى وَلَا يَضُرَّك قِلَّةُ السَّالِكِينَ وَإِيَّاكَ وَطُرُقَ الضَّلَالَةِ وَلَا تَغْتَرَّ بِكَثْرَةِ الْهَالِكِينَ وَمَنْ خَطَرَ بِبَالِهِ أَنَّ الْمَسْحَ بِالْيَدِ وَنَحْوِهِ أَبْلَغُ فِي الْبَرَكَةِ فَهُوَ مِنْ جَهَالَتِهِ وَغَفْلَتِهِ؛ لِأَنَّ الْبَرَكَةَ إنَّمَا هِيَ فِيمَا وَافَقَ الشَّرْعَ وَأَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ وَكَيْفَ يَنْبَغِي الْفَضْلُ فِي مُخَالَفَةِ الصَّوَابِ اهـ. إيضَاحٌ.
(قَوْلُهُ: وَيُسَلِّمُ) أَيْ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِخَبَرِ «مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ» وَلِخَبَرِ «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي وَكَّلَ اللَّهُ بِي مَلَكًا يُبَلِّغُنِي وَكُفِيَ أَمْرَ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ وَكُنْت لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» اهـ. شَرْحُ م ر وَقَوْلُهُ وَكَّلَ اللَّهُ بِي مَلَكًا إلَخْ قَضِيَّةُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ بِلَا وَاسِطَةِ الْمَلَكِ وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَنَّهُ يَسْمَعُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَبْرِ بِلَا وَاسِطَةٍ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرُهَا فَيُمْكِنُ حَمْلُ مَا هُنَا عَلَى أَنَّهُ يُبَلَّغُ ذَلِكَ مَعَ السَّمَاعِ ثُمَّ رَأَيْت فِي حَجّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْجَوْهَرِ الْمُنَظَّمِ فِي زِيَارَةِ الْقَبْرِ الْمُعَظَّمِ مَا نَصُّهُ (تَنْبِيهٌ)
يُجْمَعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الظَّاهِرَةِ التَّعَارُضِ بِبَادِئِ الرَّأْيِ وَأَحَادِيثَ أُخَرَ وَرَدَتْ بِمَعْنَاهَا أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ بِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُبَلَّغُ الصَّلَاةَ وَالسَّلَامَ إذَا صَدَرَا مِنْ بُعْدٍ وَيَسْمَعُهُمَا إذَا كَانَا عِنْدَ قَبْرِهِ الشَّرِيفِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَإِنْ وَرَدَ أَنَّهُ يُبَلَّغُهُمَا هُنَا أَيْضًا كَمَا مَرَّ إذْ لَا مَانِعَ أَنَّ مَنْ عِنْدَ قَبْرِهِ يُخَصُّ بِأَنَّ الْمَلَكَ يُبَلِّغُ صَلَاتَهُ وَسَلَامَهُ مَعَ سَمَاعِهِ لَهُمَا إشْعَارًا بِمَزِيدِ خُصُوصِيَّتِهِ وَالِاعْتِنَاءِ بِشَأْنِهِ وَالِاسْتِمْدَادِ لَهُ بِذَلِكَ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ وَغَيْرُهَا إذْ الْمُقَيَّدُ يُقْضَى بِهِ عَلَى الْمُطْلَقِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ وَاجِبٌ حَيْثُ أَمْكَنَ وَأَفْتَى النَّوَوِيُّ فِيمَنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
وَأَقَلُّهُ السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْك وَسَلَّمَ ثُمَّ يَتَأَخَّرُ صَوْبَ يَمِينِهِ قَدْرَ ذِرَاعٍ فَيُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ يَتَأَخَّرُ قَدْرَ ذِرَاعٍ فَيُسَلِّمُ عَلَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى مَوْقِفِهِ الْأَوَّلِ قُبَالَةَ وَجْهِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيَتَوَسَّلُ بِهِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَيَسْتَشْفِعُ بِهِ إلَى رَبِّهِ ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَدْعُو بِمَا شَاءَ لِنَفْسِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ وَإِذَا أَرَادَ السَّفَرَ وَدَّعَ الْمَسْجِدَ بِرَكْعَتَيْنِ وَأَتَى الْقَبْرَ الشَّرِيفَ وَأَعَادَ نَحْوَ السَّلَامِ الْأَوَّلِ.
[حاشية الجمل]
يَسْمَعُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ هَلْ يَحْنَثُ أَوْ لَا بِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْحِنْثِ لِلشَّكِّ فِي ذَلِكَ وَالْوَرَعُ أَنَّهُ يَلْتَزِمُ.
اهـ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ اهـ. ع ش عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَأَقَلُّهُ السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ) وَأَكْمَلُهُ السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْك يَا نَبِيَّ اللَّهِ السَّلَامُ عَلَيْك يَا حَبِيبَ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولَ اللَّهِ حَقًّا بَلَّغْت الرِّسَالَةَ وَأَدَّيْت الْأَمَانَةَ وَنَصَحْت الْأُمَّةَ وَكَشَفْت الْغُمَّةَ وَجَلَوْت الظُّلْمَةَ وَجَاهَدْت فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ جَزَاك اللَّهُ عَنَّا أَفْضَلَ مَا جُوزِيَ نَبِيٌّ عَنْ أُمَّتِهِ وَعَلَى آلِكَ وَأَصْحَابِك وَأَزْوَاجِك وَأَهْلِ بَيْتِك أَجْمَعِينَ وَيَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ: السَّلَامُ عَلَيْك مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ إنْ كَانَ قَدْ حَمَّلَهُ السَّلَامَ عَلَيْهِ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ، وَلَوْ قَالَ لَهُ إنْسَانٌ سَلِّمْ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ كَمَا يَجِبُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَى مَنْ قَالَ لَهُ سَلِّمْ لِي عَلَى فُلَانٍ أَوْ يُفَرَّقُ، وَالْفَرْقُ أَقْرَبُ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّلَامِ مَا بَيْنَ النَّاسِ التَّوَدُّدُ وَالْمَحَبَّةُ وَالْمُرَادُ بِالسَّلَامِ عَلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الشَّفَاعَةُ وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُرِيدِ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ عِنْدَهُ اهـ. كَذَا بِهَامِشٍ عَنْ حَجّ فِي كُتُبِهِ وَعِبَارَتُهُ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالدُّرِّ الْمُنَظَّمِ فِي زِيَارَةِ الْقَبْرِ الْمُعَظَّمِ نَصُّهَا: وَأَمَّا إرْسَالُ السَّلَامِ إلَيْهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَالْقَصْدُ مِنْهُ الِاسْتِمْدَادُ مِنْهُ وَعَوْدُ الْبَرَكَةِ عَلَى الْمُسَلِّمِ فَتَرْكُهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا عَدَمُ اكْتِسَابِ فَضِيلَةٍ لِلْغَيْرِ فَلَمْ يَكُنْ لِتَحْرِيمِهِ سَبَبٌ يَقْتَضِيهِ فَاتَّجَهَ أَنَّ ذَلِكَ التَّبْلِيغَ سُنَّةٌ لَا وَاجِبٌ فَإِنْ قُلْت صَرَّحُوا بِأَنَّ تَفْوِيتَ الْفَضَائِلِ عَلَى الْغَيْرِ حَرَامٌ كَإِزَالَةِ دَمِ الشَّهِيدِ قُلْت هَذَا اشْتِبَاهٌ إذْ فَرْقٌ وَاضِحٌ بَيْنَ عَدَمِ اكْتِسَابِ الْفَضِيلَةِ لِلْغَيْرِ وَتَفْوِيتِ الْفَضِيلَةِ الْحَاصِلَةِ عَلَى الْغَيْرِ فَمِنْ ثَمَّ جَازَ هَذَا التَّفْوِيتُ وَلَمْ يَحْرُمْ بِتَرْكِ ذَلِكَ الِاكْتِسَابِ فَافْهَمْ اهـ.
وَفِيمَا عَلَّلَ بِهِ وَقْفَةٌ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُورَ لَيْسَ شَافِعًا، بَلْ مَأْمُورٌ بِالتَّبْلِيغِ لِمَنْ يَشْفَعُ فَحَيْثُ الْتَزَمَ ذَلِكَ وَلَمْ يَرُدَّهُ، فَالْقِيَاسُ وُجُوبُ التَّبْلِيغِ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ الْتَزَمَ إيصَالَهَا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ. ع ش عَلَى م ر.
(قَوْلُهُ: فَيُسَلِّمُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ) أَيْ فَيَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا بَكْرٍ جَزَاك اللَّهُ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْرًا وَرَأْسُهُ عِنْدَ مَنْكِبِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي مُقَابَلَتِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: عَلَى عُمَرَ) أَيْ فَيَقُولُ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ وَرَأْسُهُ عِنْدَ مَنْكِبِ أَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى مِثْلِ مَا ذَكَرَ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَيَسْتَشْفِعُ بِهِ إلَى رَبِّهِ) وَمِنْ أَحْسَنِ مَا يَقُولُ مَا حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنْ الْعُتْبِيِّ مُسْتَحْسِنِينَ لَهُ قَالَ كُنْت جَالِسًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْت قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 64] ، وَقَدْ جِئْتُك مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذَنْبِي مُسْتَشْفِعًا بِك إلَى رَبِّي، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنْتَ فِي الْقَاعِ أَعْظَمُهُ ... فَطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ الْقَاعُ وَالْأَكَمُ
نَفْسِي الْفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ ... فِيهِ الْعَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرْمُ
قَالَ ثُمَّ انْصَرَفَ فَحَمَلَتْنِي عَيْنَايَ فَرَأَيْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّوْمِ، فَقَالَ يَا عُتْبِيُّ الْحَقْ الْأَعْرَابِيَّ فَبَشِّرْهُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ غَفَرَ لَهُ اهـ. إيضَاحٌ.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ) أَيْ بِحَيْثُ لَا يَصِيرُ مُسْتَدْبِرًا لِلْقَبْرِ الشَّرِيفِ بِأَنْ يَبْعُدَ عَنْ الْمَقْصُورَةِ نَحْوَ الرَّوْضَةِ مُرَاعَاةً لِلْأَدَبِ أَخْذًا مِمَّا قِيلَ فِي الْإِمَامِ إذَا صَلَّى فِي مِحْرَابِهِ لَا يَجْعَلُ يَسَارَهُ لِلْمِحْرَابِ لِئَلَّا يَكُونَ مُسْتَدْبِرًا لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اهـ بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَأَعَادَ نَحْوَ السَّلَامِ الْأَوَّلِ) أَيْ ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ حَرَمِ رَسُولِك وَيَسِّرْ لَنَا لِلْعَوْدِ إلَى الْحَرَمَيْنِ سَبِيلًا سَهْلًا اُرْزُقْنَا الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَرُدَّنَا إلَى أَهْلِنَا سَالِمِينَ غَانِمِينَ وَيَنْصَرِفُ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَلَا يَمْشِي الْقَهْقَرَى كَمَا يَفْعَلُهُ الْعَوَامُّ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ اسْتِصْحَابُ شَيْءٍ مِنْ الْأُكَرِ الْمَعْمُولَةِ مِنْ تُرَابِ الْحَرَمَيْنِ وَلَا مِنْ الْأَبَارِيقِ وَالْكِيزَانِ الْمَعْمُولَةِ مِنْهُ، وَأَمَّا الْقُلَلُ الطَّبَاشِيرِيُّ وَالدَّوَارِقُ، فَقَالَ شَيْخُنَا سَأَلْت عَنْهَا بِمَكَّةَ فَقِيلَ لِي إنَّ طِينَهَا يُؤْخَذُ مِنْ خَارِجِ الْحَرَمِ وَمِنْ الْبِدَعِ تَقَرُّبُ الْعَوَامّ بِأَكْلِ التَّمْرِ الصَّيْحَانِيِّ فِي الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
1 -
(خَاتِمَةٌ)
فِي الْإِيضَاحِ مَا نَصُّهُ الْبَابُ السَّادِسُ فِي زِيَارَةِ قَبْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ اعْلَمْ أَنَّ لِمَدِينَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْمَاءً: الْمَدِينَةُ وَطَابَةُ وَطَيْبَةُ وَالدَّارُ وَيَثْرِبُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ [التوبة: 120] ، الْآيَةَ وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى الْمَدِينَةَ طَابَةَ» قِيلَ سُمِّيَتْ طَابَةَ وَطَيْبَةَ لِخُلُوصِهَا عَنْ الشِّرْكِ وَطَهَارَتِهَا مِنْهُ، وَقِيلَ لِطِيبِهَا لِسَاكِنِهَا لِأَمْنِهِمْ
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[حاشية الجمل]
وَدِعَتِهِمْ، وَقِيلَ لِطِيبِ الْعَيْشِ بِهَا وَأَمَّا تَسْمِيَتُهَا الدَّارَ فَلِلِاسْتِقْرَارِ بِهَا لِأَمْنِهَا، وَأَمَّا الْمَدِينَةُ فَقَالَ كَثِيرُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْهُمْ قُطْرُبٌ وَابْنُ فَارِسٍ هِيَ مِنْ دَانَ أَيْ أَطَاعَ وَالدِّينُ الطَّاعَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يُطَاعُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَفِي الْبَابِ مَسَائِلُ إلَى أَنْ قَالَ الثَّانِيَةُ يُسْتَحَبُّ لِلزَّائِرِ أَنْ يَنْوِيَ مَعَ زِيَارَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التَّقَرُّبَ بِالْمُسَافَرِ إلَى مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالصَّلَاةِ فِيهِ إلَى أَنْ قَالَ الْخَامِسَةُ لِيَسْتَحْضِرَ فِي قَلْبِهِ حِينَئِذٍ شَرَفَ الْمَدِينَةِ وَأَنَّهَا أَفْضَلُ الدُّنْيَا بَعْدَ مَكَّةَ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَفْضَلُهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَنَّ الَّذِي شَرُفَتْ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْرُ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ وَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قُدُومِهِ إلَى أَنْ يَرْجِعَ مُسْتَشْعِرَ التَّعْظِيمَةِ مُمْتَلِئَ الْقَلْبِ مِنْ هَيْبَتِهِ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، السَّادِسَةُ إذَا وَصَلَ بَابَ مَسْجِدِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلْيَقُلْ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَيُقَدِّمُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى فِي الدُّخُولِ وَالْيُسْرَى فِي الْخُرُوجِ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ فِي جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ فَيَقْصِدُ الرَّوْضَةَ الْكَرِيمَةَ وَهِيَ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ فَيُصَلِّي تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ تَحْتَ الْمِنْبَرِ، وَفِي إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ أَنَّهُ يَجْعَلُ عَمُودَ الْمِنْبَرِ حِذَاءَ مَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ وَيَسْتَقْبِلُ السَّارِيَةَ الَّتِي إلَى جَانِبِهَا الصُّنْدُوقُ وَتَكُونُ الدَّائِرَةُ الَّتِي فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَكَذَلِكَ مَوْقِفُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ وُسِّعَ الْمَسْجِدُ بَعْدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَفِي كِتَابِ الْمَدِينَةِ أَنَّ ذَرْعَ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَمَقَامِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ حَتَّى تُوُفِّيَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا وَشِبْرٌ وَأَنَّ ذَرْعَ مَا بَيْنَ الْمِنْبَرِ وَالْقَبْرِ ثَلَاثٌ وَخَمْسُونَ ذِرَاعًا وَشِبْرٌ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانُ سِعَةِ الْمَسْجِدِ وَكَيْفِيَّةِ حَالِهِ فِي آخِرِ هَذَا الْكِتَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَى أَنْ قَالَ الْعَاشِرَةُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْرُجَ كُلَّ يَوْمٍ إلَى الْبَقِيعِ خُصُوصًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِذَا انْتَهَى إلَيْهِ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّا إنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْفَرْقَدِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ وَيَزُورُ الْقُبُورَ الظَّاهِرَةَ فِيهِ كَقَبْرِ إبْرَاهِيمَ بْنِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعُثْمَانَ وَالْعَبَّاسِ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِمْ وَيَخْتِمُ بِقَبْرِ صَفِيَّةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ فِي فَضْلِ قُبُورِ الْبَقِيعِ وَزِيَارَتِهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ وَفِي الْمُخْتَارِ الْفَرْقَدُ مَقْبَرَةٌ بِالْمَدِينَةِ الْحَادِيَةَ عَشَرَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ قُبُورَ الشُّهَدَاءِ بِأُحُدٍ وَأَفْضَلُهُ يَوْمُ الْخَمِيسِ وَيَبْدَأُ بِحَمْزَةَ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُكَبِّرُ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ بِمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى يَعُودَ وَيُدْرِكَ جَمَاعَةَ الظُّهْرِ فِيهِ.
الثَّانِيَةَ عَشَرَ يُسْتَحَبُّ اسْتِحْبَابًا مُؤَكَّدًا أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَ قَبَاءَ وَهُوَ فِي يَوْمِ السَّبْتِ أَوْلَى نَاوِيًا التَّقَرُّبَ بِزِيَارَتِهِ وَالصَّلَاةَ فِيهِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي كِتَابِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أُسَيْدَ بْنِ ظُهَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ كَعُمْرَةٍ» وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَأْتِي مَسْجِدَ قُبَاءَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ كَانَ يَأْتِيهِ كُلَّ سَبْتٍ» وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ بِئْرَ أَرِيسٍ الَّتِي رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَفَلَ فِيهَا وَهِيَ عِنْدَ مَسْجِدِ قُبَاءَ فَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا وَيَتَوَضَّأُ مِنْهُ إلَى أَنْ قَالَ السَّادِسَةَ عَشَرَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُلَاحِظَ بِقَلْبِهِ فِي مُدَّةِ مُقَامِهِ بِالْمَدِينَةِ جَلَالَتَهَا وَأَنَّهَا الْبَلْدَةُ الَّتِي اخْتَارَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِهِجْرَةِ نَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاسْتِيطَانِهِ وَمَدْفِنِهِ وَلْيَسْتَحْضِرْ تَرَدُّدَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا وَمَشْيَهُ فِي بِقَاعِهَا، السَّابِعَةَ عَشَرَ تُسْتَحَبُّ الْمُجَاوَرَةُ بِالْمَدِينَةِ بِالشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنْ صَبَرَ عَلَى لَأْوَاءِ الْمَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا كُنْت لَهُ شَهِيدًا أَوْ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» إلَى أَنْ قَالَ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ فِي أَشْيَاءَ مُهِمَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَوَيْنَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ كَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - شَيْئًا وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَبَنَاهُ عَلَى بُنْيَانِهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، ثُمَّ غَيَّرَهُ عُثْمَانُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ وَسَقْفَهُ بِالسَّاجِ هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ.
وَقَوْلُهُ الْقَصَّةِ هِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ
(فَصْلٌ) : فِي أَرْكَانِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَبَيَانِ أَوْجُهِ أَدَائِهِمَا مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ
[حاشية الجمل]
وَتَشْدِيدِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَهِيَ الْجِصُّ، وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ أَحَدِ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ قَالَ بَنَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسْجِدَهُ سَبْعِينَ ذِرَاعًا فِي سِتِّينَ ذِرَاعًا أَوْ يَزِيدُ قَالَ أَهْلُ السِّيَرِ جَعَلَ عُثْمَانُ طُولَ الْمَسْجِدِ مِائَةً وَسِتِّينَ ذِرَاعًا وَعَرْضَهُ مِائَةً وَخَمْسِينَ ذِرَاعًا وَجَعَلَ أَبْوَابَهُ سِتَّةً كَمَا كَانَتْ فِي زَمَنِ عُمَرَ، ثُمَّ زَادَ فِيهِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَجَعَلَ طُولَهُ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ وَعَرْضَهُ فِي مُقَدَّمِهِ مِائَتَيْنِ وَفِي مُؤَخَّرِهِ مِائَةً وَثَمَانِينَ ثُمَّ زَادَ فِيهِ الْمَهْدِيُّ مِائَةَ ذِرَاعٍ مِنْ جِهَةِ الشَّامِ فَقَطْ دُونَ الْجِهَاتِ الثَّلَاثِ فَإِذَا عَرَفْت حَالَ الْمَسْجِدِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْتَنِيَ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَاةِ فِيمَا كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ» إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَا كَانَ فِي زَمَنِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لَكِنْ إذَا صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ فَلْيَتَقَدَّمْ إلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ مَا يَلِيهِ أَفْضَلُ فَلْيُتَفَطَّنْ لِمَا نَبَّهْت عَلَيْهِ إلَى أَنْ قَالَ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ مِنْ الْعَامَّةِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ مَنْ زَارَنِي وَزَارَ أَبِي إبْرَاهِيمَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ ضَمِنْت لَهُ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةَ وَهَذَا بَاطِلٌ لَيْسَ هُوَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا يُعْرَفُ فِي كِتَابٍ، بَلْ وَضَعَهُ بَعْضُ الْفَجَرَةِ وَزِيَارَةُ الْخَلِيلِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - غَيْرُ مُنْكَرَةٍ وَإِنَّمَا الْمُنْكَرُ مَا رَوَوْهُ وَلَا تَعَلُّقَ لِزِيَارَةِ الْخَلِيلِ بِالْحَجِّ، بَلْ تِلْكَ قُرْبَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَمِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الْعَامَّةِ إذَا حَجَّ أُقَدِّسُ حَجَّتِي وَيَذْهَبُ فَيَزُورُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَيَرَى ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ الْحَجِّ وَهَذَا بَاطِلٌ أَيْضًا.
وَزِيَارَةُ الْقُدْسِ مُسْتَحَبَّةٌ، لَكِنَّهَا غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِالْحَجِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ لَوْ نَذَرَ الذَّهَابَ إلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فَفِيهِ الْقَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الذَّهَابُ وَلَا يَجِبُ وَالثَّانِي يَجِبُ فَعَلَى هَذَا إذَا أَتَاهُ وَجَبَ عَلَيْهِ فِعْلُ عِبَادَةٍ فِيهِ إمَّا صَلَاةٌ وَإِمَّا اعْتِكَافٌ هَذَا هُوَ الْأَصَحُّ، وَقِيلَ تَتَعَيَّنُ الصَّلَاةُ، وَقِيلَ يَتَعَيَّنُ الِاعْتِكَافُ وَالْمُرَادُ اعْتِكَافُ سَاعَةٍ وَالْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ رَكْعَتَانِ، وَقِيلَ رَكْعَةٌ وَالْمُرَادُ نَافِلَةٌ، وَقِيلَ تَكْفِي الْفَرِيضَةُ اهـ. ثُمَّ قَالَ فِي الْبَابِ الثَّامِنِ فَصْلٌ فِي آدَابِ رُجُوعِهِ مِنْ سَفَرِ حَجِّهِ أَحَدُهَا السُّنَّةُ أَنْ يَقُولَ مَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا قَفَلَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ كَبَّرَ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَائِحُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ لِرَبِّنَا صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ «عَنْ أَنَسٍ قَالَ أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى إذَا كُنَّا بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ قَالَ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ حَتَّى قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ» ، الثَّانِي يُسْتَحَبُّ إذَا قَرُبَ مِنْ وَطَنِهِ أَنْ يَبْعَثَ قُدَّامَهُ مَنْ يُخْبِرُ أَهْلَهُ كَيْ لَا يَقْدُمَ عَلَيْهِمْ بَغْتَةً فَهَذَا هُوَ السُّنَّةُ، الثَّالِثُ إذَا أَشْرَفَ عَلَى بَلْدَةٍ فَيَحْسُنُ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك خَيْرَهَا وَخَيْرَ أَهْلِهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَنَا بِهَا قَرَارًا وَرِزْقًا حَسَنًا اللَّهُمَّ اُرْزُقْنَا حِبَاهَا وَأَعِذْنَا مِنْ وَبَاهَا وَحَبِّبْنَا إلَى أَهْلِهَا وَحَبِّبْ صَالِحِي أَهْلِهَا إلَيْنَا فَقَدْ رَوَيْنَا هَذَا كُلَّهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَقَدْ أَوْضَحْته فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ، الرَّابِعُ إذَا قَدِمَ فَلَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ بِاللَّيْلِ، بَلْ يَدْخُلُ الْبَلَدَ غَدْوَةً وَإِلَّا فَفِي آخِرِ النَّهَارِ، الْخَامِسُ إذَا وَصَلَ مَنْزِلَهُ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَإِذَا دَخَلَ مَنْزِلَهُ صَلَّى فِيهِ أَيْضًا رَكْعَتَيْنِ وَدَعَا وَشَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى، السَّادِسُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يُسَلِّمُ عَلَى الْقَادِمِ مِنْ الْحَجِّ أَنْ يَقُولَ قَبِلَ اللَّهُ حَجَّك وَغَفَرَ ذَنْبَك وَأَخْلَفَ نَفَقَتَك رَوَيْنَا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ، «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْحَاجِّ وَلِمَنْ اسْتَغْفَرَ لَهُ الْحَاجُّ» قَالَ الْحَاكِمُ هُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، السَّابِعُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ مَا رَوَيْنَاهُ فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا رَجَعَ مِنْ سَفَرِهِ فَدَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ قَالَ تَوْبًا تَوْبًا لِرَبِّنَا أَوْبًا لَا يُغَادِرُ حَوْبًا» قُلْت تَوْبًا تَوْبًا سُؤَالُ التَّوْبَةِ أَيْ نَسْأَلُك تَوْبَةً كَامِلَةً وَلَا يُغَادِرُ حُوبًا أَيْ لَا يَتْرُكُ إثْمًا، الثَّامِنُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ رُجُوعِهِ خَيْرًا مِمَّا كَانَ فَهَذَا مِنْ عَلَامَاتِ قَبُولِ الْحَجِّ وَأَنْ يَكُونَ خَيْرُهُ مُسْتَمِرًّا فِي ازْدِيَادٍ اهـ بِحُرُوفِهِ.
[فَصْلٌ فِي أَرْكَانِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَبَيَانِ أَوْجُهِ أَدَائِهِمَا مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ]
(فَصْلٌ فِي أَرْكَانِ الْحَجِّ) (قَوْلُهُ: مَعَ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ) أَيْ بَيَانُ أَوْجُهِ أَدَائِهِمَا مِنْ قَوْلِهِ وَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ دَمٌ
(أَرْكَانُ الْحَجِّ) سِتَّةٌ (إحْرَامٌ) بِهِ أَيْ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِيهِ لِخَبَرِ «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (وَوُقُوفٌ) بِعَرَفَةَ لِخَبَرِ «الْحَجُّ عَرَفَةَ» (وَطَوَافٌ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29] (وَسَعْيٌ) لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ أَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فِي الْمَسْعَى وَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْعَوْا فَإِنَّ السَّعْيَ قَدْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ» (وَحَلْقٌ أَوْ تَقْصِيرٌ) لِتَوَقُّفِ التَّحَلُّلِ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ جَبْرِهِ بِدَمٍ كَالطَّوَافِ، وَالْمُرَادُ إزَالَةُ الشَّعْرِ كَمَا مَرَّ (وَتَرْتِيبُ الْمُعَظَّمِ) بِأَنْ يُقَدِّمَ الْإِحْرَامَ عَلَى الْجَمِيعِ وَالْوُقُوفَ عَلَى طَوَافِ الرُّكْنِ وَالْحَلْقَ أَوْ التَّقْصِيرَ وَالطَّوَافَ عَلَى السَّعْيِ إنْ لَمْ يَفْعَلْ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَدَلِيلُهُ الِاتِّبَاعُ مَعَ خَبَرِ «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَقَدْ عَدَّهُ فِي الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا رُكْنًا وَفِي الْمَجْمُوعِ شَرْطًا، وَالْأَوَّلُ أَنْسَبُ بِمَا فِي الصَّلَاةِ وَقَوْلُهُ أَوْ تَقْصِيرٌ إلَى آخِرِهِ مِنْ زِيَادَتِي (وَلَا تُجْبَرُ) أَيْ الْأَرْكَانُ أَيْ لَا دَخْلَ لِلْجَبْرِ فِيهَا وَتَقَدَّمَ مَا يُجْبَرُ بِدَمٍ وَيُسَمَّى بَعْضًا وَغَيْرُهُمَا يُسَمَّى هَيْئَةً (وَغَيْرُ الْوُقُوفِ) مِنْ السِّتَّةِ (أَرْكَانُ الْعُمْرَةِ) لِشُمُولِ الْأَدِلَّةِ لَهَا، وَظَاهِرٌ أَنَّ الْحَلْقَ أَوْ التَّقْصِيرَ يَجِبُ تَأْخِيرُهُ عَنْ سَعْيِهَا فَالتَّرْتِيبُ فِيهَا مُطْلَقٌ.
(وَيُؤَدَّيَانِ)
[حاشية الجمل]
إلَخْ الْفَصْلِ وَانْظُرْ لِمَ أَخَّرَ الْأَرْكَانَ إلَى هُنَا مَعَ أَنَّهُ كَانَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمَهَا أَوَّلَ الْبَابِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: أَرْكَانُ الْحَجِّ سِتَّةٌ) وَأَفْضَلُهَا الطَّوَافُ ثُمَّ الْوُقُوفُ ثُمَّ السَّعْيُ ثُمَّ الْحَلْقُ، وَأَمَّا النِّيَّةُ فَهِيَ وَسِيلَةٌ لِلْجَمِيعِ وَهَلَّا قَدَّمَ الطَّوَافَ عَلَى الْوُقُوفِ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ وَيُجَابُ بِأَنَّهُ رَاعَى التَّرْتِيبَ الْخَارِجِيَّ.
اهـ. شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: أَيْ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِيهِ) وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الدُّخُولِ فِي النُّسُكِ بِنِيَّةٍ وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا اهـ. ح ل.
(قَوْلُهُ: وَحَلْقٌ) فَإِنْ قُلْت لِمَ جُعِلَ رُكْنًا وَكَانَ لَهُ دَخْلٌ فِي التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، قُلْت أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ فِيهِ وَضْعَ زِينَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَأَشْبَهَ الطَّوَافَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ أَعْمَالُ النَّفْسِ فِي الْمَشْيِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ التَّحَلُّلَ مِنْ الْعِبَادَةِ إمَّا بِالْإِعْلَامِ بِغَايَتِهَا كَالسَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ الْمُعْلَمِ بِحُصُولِهِ أَمْنُ الْآفَاتِ لِلْمُصَلِّي وَإِمَّا بِتَعَاطِي ضِدِّهَا كَتَعَاطِي الْمُفْطِرِ فِي الصَّوْمِ أَوْ دُخُولِ وَقْتِهِ وَالْحَلْقُ مِنْ جِهَةِ مَا فِيهِ مِنْ التَّرَفُّهِ ضِدُّ الْإِحْرَامِ الْمُوجِبِ لِكَوْنِ الْمُحْرِمِ أَشْعَثَ أَغْبَرَ فَكَانَ لَهُ دَخْلٌ فِي تَحَلُّلِهِ اهـ. حَجّ فِي مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ.
(قَوْلُهُ: مَعَ عَدَمِ جَبْرِهِ بِدَمٍ) أَخْرَجَ بِهَذَا الْقَيْدِ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَإِنَّ التَّحَلُّلَ مُتَوَقِّفٌ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ يُجْبَرُ بِدَمٍ فَلَيْسَ رُكْنًا فَالْعِلَّةُ مُرَكَّبَةٌ اهـ. شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: وَتَرْتِيبُ الْمُعَظَّمِ) عَدَّ التَّرْتِيبَ رُكْنًا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِمَا قَدَّمَهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَقَوْلُهُ بِأَنْ يُقَدَّمَ إلَخْ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ قُدِّمَ الْحَلْقُ عَلَى الْوُقُوفِ لَا يُكْتَفَى بِذَلِكَ اهـ. ح ل، أَقُولُ لِي هُنَا شُبْهَةٌ وَهِيَ أَنَّ شَأْنَ رُكْنِ الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ انْعَدَمَ انْعَدَمَ ذَلِكَ الشَّيْءُ وَلَا شُبْهَةَ فِي أَنَّهُ إذَا حَلَقَ قَبْلَ الْوُقُوفِ ثُمَّ وَقَفَ وَأَتَى بِبَقِيَّةِ الْأَعْمَالِ حَصَلَ الْحَجُّ وَكَانَ الْحَلْقُ سَاقِطًا لِعَدَمِ إمْكَانِهِ وَإِنْ أَثِمَ بِفِعْلِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَتَفْوِيتِهِ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْحَجُّ مَعَ انْتِفَاءِ التَّرْتِيبِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. سَمِّ عَلَى الْمَنْهَجِ أَقُولُ وَيُمْكِنُ انْدِفَاعُ هَذِهِ الشُّبْهَةِ بِأَنْ يُقَالَ الْحَلْقُ إنَّمَا سَقَطَ لِعَدَمِ شَعْرٍ بِرَأْسِهِ لَا لِتَقْدِيمِهِ عَلَى الْوُقُوفِ؛ لِأَنَّ حَلْقَهُ قَبْلَهُ لَمْ يَقَعْ رُكْنًا وَالْإِثْمُ إنَّمَا هُوَ لِتَرَفُّهِهِ بِإِزَالَةِ الشَّعْرِ قَبْلَ الْوُقُوفِ وَهَذَا كَمَا لَوْ اعْتَمَرَ وَحَلَقَ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ عَقِبَهُ فَلَمْ يَكُنْ بِرَأْسِهِ شَعْرٌ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْحَلْقِ فَإِنَّ الْحَلْقَ سَاقِطٌ عَنْهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ اكْتِفَاءً بِحَلْقِ الْعُمْرَةِ بَلْ لِعَدَمِ شَعْرٍ يُزِيلُهُ اهـ. ع ش عَلَى م ر.
(قَوْلُهُ: بِأَنْ يُقَدَّمَ الْإِحْرَامُ إلَخْ) اُسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْحَلْقَ لَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّعْيِ وَلَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي خَرَجَ بِالْمُعَظَّمِ، فَالْمُرَادُ بِالْمُعَظَّمِ مَا عَدَا الْحَلْقَ، بَلْ وَمَا عَدَا السَّعْيَ مَعَ الطَّوَافِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ اهـ. شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: أَيْ لَا دَخْلَ لِلْجَبْرِ فِيهَا) أَيْ لِانْعِدَامِ الْمَاهِيَّةِ بِانْعِدَامِهَا اهـ. حَجّ أَيْ وَلَوْ جُبِرَتْ بِالدَّمِ مَعَ عَدَمِ فِعْلِهَا لَلَزِمَ عَلَيْهِ وُجُودُ الْمَاهِيَّةِ بِدُونِ أَجْزَائِهَا وَأَرْكَانِهَا وَهُوَ مُحَالٌ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَتَقَدَّمَ مَا يُجْبَرُ بِدَمٍ) وَهُوَ تَرْكُ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَتَرْكُ الْمَبِيتِ بِمِنًى وَتَرْكُهُ بِمُزْدَلِفَةَ وَتَرْكُ رَمْيِ الْجِمَارِ وَتَرْكُ طَوَافِ الْوَدَاعِ اهـ. ح ل.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَأَمَّا وَاجِبَاتُهُ فَخَمْسَةٌ أَيْضًا الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَالرَّمْيُ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَأَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَالْمَبِيتُ لَيَالِيَ مِنًى وَاجْتِنَابُ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ، وَأَمَّا طَوَافُ الْوَدَاعِ فَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْمَنَاسِكِ فَعَلَى هَذَا لَا يُعَدُّ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فَهَذِهِ تُجْبَرُ بِدَمٍ وَتُسَمَّى بَعْضًا وَغَيْرُهَا يُسَمَّى هَيْئَةً انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: وَغَيْرُهُمَا يُسَمَّى هَيْئَةً) عِبَارَةُ الْإِيضَاحِ وَأَمَّا السُّنَنُ فَجَمِيعُ مَا سَبَقَ مِمَّا يُؤْمَرُ بِهِ الْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ سِوَى الْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ وَذَلِكَ كَطَوَافِ الْقُدُومِ وَالْأَذْكَارِ وَالْأَدْعِيَةِ وَاسْتِلَامِ الْحَجَرِ وَالرَّمَلِ وَالِاضْطِبَاعِ وَسَائِرِ مَا نُدِبَ إلَيْهِ مِنْ الْهَيْئَاتِ السَّابِقَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ إيضَاحُ هَذَا كُلِّهِ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: لِشُمُولِ الْأَدِلَّةِ) أَيْ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالْحَلْقِ، وَقَوْلُهُ: لَهَا أَيْ لِلْعُمْرَةِ أَيْ لِوُجُوبِهَا فِيهَا اهـ. شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: فَالتَّرْتِيبُ فِيهَا) أَيْ فِي الْعُمْرَةِ مُطْلَقٌ أَيْ فِي جَمِيعِ أَرْكَانِهَا لَا فِي مُعْظَمِهَا كَالْحَجِّ بِأَنْ يُقَدَّمَ الْإِحْرَامُ ثُمَّ الطَّوَافُ ثُمَّ السَّعْيُ ثُمَّ الْحَلْقُ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر نَعَمْ التَّرْتِيبُ مُعْتَبَرٌ فِي جَمِيعِ أَرْكَانِهَا انْتَهَتْ
(قَوْلُهُ: وَيُؤَدَّيَانِ إلَخْ) احْتَرَزَ بِالتَّثْنِيَةِ عَنْ أَدَاءِ أَحَدِهِمَا فَقَطْ وَلَهُ صُورَتَانِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ إمَّا حَجٌّ أَوْ عُمْرَةٌ هَكَذَا أَشَارَ إلَيْهِ حَجّ وَاحْتَرَزَ بِالتَّثْنِيَةِ أَيْضًا عَنْ أَدَاءِ النُّسُكِ مِنْ حَيْثُ هُوَ أَيْ الْأَعَمُّ مِنْ التَّثْنِيَةِ وَالْإِفْرَادِ فَأَدَاؤُهُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِنُسُكٍ عَلَى حِدَتِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ النُّسُكَانِ بِالتَّثْنِيَةِ أَمَّا أَدَاءُ النُّسُكِ مِنْ حَيْثُ هُوَ فَعَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ وَأَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ فَقَطْ أَوْ عُمْرَةٍ فَقَطْ انْتَهَتْ، وَقَوْلُهُ وَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِنُسُكٍ عَلَى حِدَتِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا إلَخْ أَيْ حَقِيقَةً وَإِلَّا فَهُوَ إفْرَادٌ مَجَازِيٌّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الشِّهَابُ حَجّ كَغَيْرِهِ وَسَيُعْلَمُ مِنْ قَوْلِ الشَّارِحِ
أَيْ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مَعًا أَوْ يَبْدَأَ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ، «قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ» ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ.
أَحَدُهَا أَنْ يُؤَدَّيَا (بِإِفْرَادٍ بِأَنْ يَحُجَّ ثُمَّ يَعْتَمِرَ) بِأَنْ يُحْرِمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْحَجِّ بِالْعُمْرَةِ وَيَأْتِيَ بِعَمَلِهَا (وَ) ثَانِيهَا (بِتَمَتُّعٍ بِأَنْ يَعْكِسَ) بِأَنْ يَعْتَمِرَ، وَلَوْ مِنْ غَيْرِ مِيقَاتِ بَلَدِهِ ثُمَّ يَحُجَّ سَوَاءٌ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ أَمْ مِنْ مِيقَاتٍ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْهُ أَمْ مِنْ مِثْلِ مَسَافَتِهِ أَمْ مِنْ مِيقَاتٍ أَقْرَبَ مِنْهُ، وَإِنْ أَوْهَمَ كَلَامُ الْأَصْلِ اشْتِرَاطَ كَوْنِهِ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ مِيقَاتِ عُمْرَتِهِ وَكَوْنُ الْعُمْرَةِ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ وَيُسَمَّى الْآتِي بِذَلِكَ مُتَمَتِّعًا لِتَمَتُّعِهِ بِمَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ أَوْ لِتَمَتُّعِهِ بِسُقُوطِ الْعَوْدِ لِلْمِيقَاتِ عَنْهُ
[حاشية الجمل]
أَمَّا غَيْرُ الْأَفْضَلِ إلَخْ وَقَوْلُهُ: وَأَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ فَقَطْ أَوْ عُمْرَةٍ فَقَطْ أَيْ وَلَا يَأْتِي بِالْآخَرِ مِنْ عَامِهِ اهـ. رَشِيدِيّ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مَعًا إلَخْ) فَإِنْ قُلْت يَرِدُ عَلَى الْحَصْرِ مَا لَوْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا قُلْت هُوَ غَيْرُ خَارِجٍ عَنْ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِصَرْفِهِ لِوَاحِدٍ مِنْهَا فَالْإِحْرَامُ مُطْلَقًا مَعَ الصَّرْفِ إلَى وَاحِدٍ مِنْهَا فِي مَعْنَى الْإِحْرَامِ ابْتِدَاءً بِذَلِكَ الْوَاحِدِ وَكَذَا يُقَالُ فِيمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ حَيْثُ يَنْعَقِدُ عُمْرَةً مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى صَرْفٍ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. سَمِّ.
(قَوْلُهُ: قَالَتْ عَائِشَةُ إلَخْ) اسْتِدْلَالٌ عَلَى الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْحَصْرِ وَكَانَ الْمُنَاسِبُ تَأْخِيرَ هَذَا الدَّلِيلِ عَنْ كَلَامِ الْمَتْنِ عَلَى عَادَتِهِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: بِإِفْرَادِ) الْبَاءِ لِلْمُلَابَسَةِ أَيْ حَالَ كَوْنِهِمَا مُلَابِسَيْنِ لِوَاحِدٍ مِنْ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ أَوْ بِمَعْنَى مَعَ اهـ. شَيْخُنَا.
وَعِبَارَةُ أَصْلِهِ مَعَ شَرْحِ م ر أَحَدُهَا لِإِفْرَادِ الْأَفْضَلِ وَيَحْصُلُ بِأَنْ يَحُجَّ أَيْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ مِيقَاتِهِ وَيَفْرَغَ مِنْهُ ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ عَامِهِ كَإِحْرَامِ الْمَكِّيِّ بِأَنْ يَخْرُجَ إلَى أَدْنَى الْحِلِّ فَيُحْرِمَ بِهَا وَيَأْتِيَ بِعَمَلِهَا، أَمَّا غَيْرُ الْأَفْضَلِ فَلَهُ صُورَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَأْتِيَ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ فِي سَنَةٍ، الثَّانِيَةُ أَنْ يَعْتَمِرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ يَحُجَّ مِنْ الْمِيقَاتِ عَلَى مَا يَأْتِي ثُمَّ قَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ وَأَفْضَلُهَا إفْرَادٌ شَمِلَ كَلَامُهُ مَا لَوْ اعْتَمَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَيُسَمَّى إفْرَادًا أَيْضًا وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَالسُّبْكِيُّ وَكَانَ مُرَادُهُمَا بِأَنَّهُ يُسَمَّى بِذَلِكَ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ التَّمَتُّعِ الْمُوجِبِ لِلدَّمِ وَإِلَّا فَمُطْلَقُ التَّمَتُّعِ يَشْمَلُ ذَلِكَ كَمَا يُصَرِّحُ بِهِ كَلَامُ الشَّيْخَيْنِ بَلْ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ يُسَمَّى تَمَتُّعًا انْتَهَتْ.
وَعِبَارَةُ حَجّ وَقَدْ يُطْلَقُ الْإِفْرَادُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ وَعَلَى مَا إذَا اعْتَمَرَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ حَجَّ فَحَصَرَهُ فِيمَا فِي الْمَتْنِ بِاعْتِبَارِ الْأَشْهُرِ أَوْ الْأَصْلِ وَوَاضِحٌ أَنَّ تَسْمِيَةَ الْأَوَّلِ إفْرَادٌ الْمُرَادُ بِهِ مُجَرَّدُ التَّسْمِيَةِ الْمَجَازِيَّةِ لَا غَيْرُ إذْ لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَتَسْمِيَتُهُ إفْرَادًا حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَهُوَ مِنْ صُوَرِ الْإِفْرَادِ الْأَفْضَلِ قَالَ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ بِلَا خِلَافٍ وَأَقَرَّهُمْ مُحَقِّقُو الْمُتَأَخِّرِينَ وَلَا يُنَافِيهِ تَقْيِيدُ الْمَجْمُوعِ وَغَيْرِهِ أَفْضَلِيَّتَهُ بِأَنْ يَحُجَّ ثُمَّ يَعْتَمِرَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ أَنَّهُ الْأَفْضَلُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَيْضًا مَا يَأْتِي أَنَّ الشُّرُوطَ الْآتِيَةَ إنَّمَا هِيَ شُرُوطٌ لِوُجُوبِ الدَّمِ لَا لِتَسْمِيَتِهِ تَمَتُّعًا، وَمِنْ ثَمَّ أَطْلَقَ غَيْرُ وَاحِدٍ كَالشَّيْخَيْنِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ تَمَتُّعٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُسَمَّى تَمَتُّعًا لُغَوِيًّا أَوْ شَرْعِيًّا لَكِنْ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الْإِفْرَادِ الْحَقِيقِيِّ وَالتَّمَتُّعِ الْحَقِيقِيِّ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ فَتَأَمَّلْ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَنْبَغِي لِمَنْ بِمَكَّةَ يُرِيدُ الْإِفْرَادَ الْأَفْضَلَ عَلَى الْإِطْلَاقِ تَرْكُ الِاعْتِمَارِ فِي رَمَضَانَ مَثَلًا لِئَلَّا يَفُوتَهُ؛ لِأَنَّ الْفَضْلَ الْحَاضِرَ لَا يُتْرَكُ لِمُتَرَقِّبٍ وَنَظِيرُهُ مَا يَأْتِي أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادُهُمْ بِنُدِبَ تَحَرِّي مَكَان أَوْ زَمَانٍ فَاضِلٍ لِلصَّدَقَةِ تَأْخِيرُهَا إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَيُدْرِكُهُ أَوْ لَا بَلْ الْإِكْثَارُ مِنْهَا إذَا أَدْرَكَهُ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: أَمْ مِنْ مِيقَاتٍ أَقْرَبَ مِنْهُ) أَيْ أَقْرَبَ إلَى مَكَّةَ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْمِيقَاتِ الَّذِي أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْهُ وَالتَّقْيِيدُ بِالْأَقْرَبِيَّةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي حَقِيقَةِ التَّمَتُّعِ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ الْآنَ وَلَا فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَيْهِ الْآتِي ذِكْرُهُ فَإِنَّهُ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ الْأَقْرَبِ إلَى مَكَّةَ مِنْ مِيقَاتِ عُمْرَتِهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّمُ كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ وَلَمْ يُعَدَّ لِإِحْرَامِ الْحَجِّ إلَى مِيقَاتٍ وَلَوْ أَقْرَبَ لِمَكَّةَ مِنْ مِيقَاتِ عُمْرَتِهِ فَكَانَ عَلَيْهِ تَرْكُ التَّقْيِيدِ بِالْأَقْرَبِيَّةِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ) أَيْ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ إيهَامُ هَذَا ظَاهِرٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَوْ مِنْ مِيقَاتِ عُمْرَتِهِ فَإِيهَامُ عِبَارَةِ الْأَصْلِ لَهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ، بَلْ لَيْسَ فِيهَا تَعَرُّضٌ لَهُ أَصْلًا وَنَصُّهَا بِأَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ وَيَفْرَغَ مِنْهَا ثُمَّ يُنْشِئَ حَجًّا مِنْ مَكَّةَ انْتَهَتْ، فَأَنْتَ تَرَى عِبَارَةَ الْأَصْلِ فِيهَا تَقْيِيدُ إحْرَامِ الْحَجِّ بِكَوْنِهِ مِنْ مَكَّةَ وَلَيْسَ فِيهَا تَعَرُّضٌ لِكَوْنِهِ مِنْ مِيقَاتِ عُمْرَتِهِ فَأَيْنَ الْإِيهَامُ الْمَذْكُورُ فَلْيُتَأَمَّلْ، وَلَعَلَّ الشَّيْخَ وَقَعَ لَهُ نُسْخَةٌ مِنْ نُسَخِ الْمِنْهَاجِ نَصُّهَا ثُمَّ يُنْشِئُ حَجًّا مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ مِيقَاتِ عُمْرَتِهِ لَكِنَّ الَّتِي شَرَحَ عَلَيْهَا م ر وَالْمُحَلَّى بَلْ وَحَجَّ النُّسْخَةُ الَّتِي سَمِعْتهَا وَفِي حَاشِيَةِ الشَّوْبَرِيِّ مَا نَصُّهُ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يُوهِمُ كَلَامُ الْأَصْلِ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ ثُمَّ يُنْشِئُ حَجًّا مِنْ مَكَّةَ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي الْإِحْرَامِ مِنْ مَكَّةَ لَا يَحْتَمِلُ الْإِحْرَامَ مِنْ مِيقَاتِ الْعُمْرَةِ بِوَجْهٍ قُلْت قَوْلُهُ: فِي شُرُوطِ الدَّمِ وَأَنْ لَا يَعُودَ لِإِحْرَامِ الْحَجِّ إلَى الْمِيقَاتِ يُفِيدُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ أَعَمُّ مِنْ كَوْنِ الْإِحْرَامِ مِنْ مَكَّةَ أَوْ مِنْ الْمِيقَاتِ فَأَوْهَمَ أَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ شَرْطٌ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. سَمِّ.
(قَوْلُهُ: بِمَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ) فِيهِ أَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِي الْإِفْرَادِ لَكِنَّ عِلَّةَ التَّسْمِيَةِ لَا تَقْتَضِي التَّسْمِيَةَ اهـ. سَمِّ عَلَى حَجّ، وَقَوْلُهُ: أَوْ لِتَمَتُّعِهِ بِسُقُوطِ الْعَوْدِ إلَخْ هَذَا لَا يُنَافِي وُجُوبَ الدَّمِ عَلَيْهِ اهـ. شَيْخُنَا.
وَفِي سَمِّ مَا نَصُّهُ قَالَ الطَّبَلَاوِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّ عِلَّةَ وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ كَوْنُهُ رَبِحَ مِيقَاتًا وَلِهَذَا إذَا عَادَ
وَ) ثَالِثُهَا (بِقِرَانٍ بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مَعًا) فِي أَشْهُرِ حَجٍّ (أَوْ بِعُمْرَةٍ) وَلَوْ قَبْلَ أَشْهُرِهِ (ثُمَّ يَحُجَّ) فِي أَشْهُرِهِ (قَبْلَ شُرُوعٍ فِي طَوَافٍ ثُمَّ يَعْمَلَ عَمَلَهُ) أَيْ الْحَجِّ فِيهِمَا فَيَحْصُلَانِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِخَبَرِ عَائِشَةَ السَّابِقِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِمَا رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ «عَائِشَةَ أَحْرَمَتْ بِعُمْرَةٍ فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَوَجَدَهَا تَبْكِي فَقَالَ مَا شَأْنُك؟ قَالَتْ حِضْت وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحْلُلْ وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهِلِّي بِالْحَجِّ فَفَعَلَتْ وَوَقَفَتْ الْمَوَاقِفَ حَتَّى إذَا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ حَلَلْت مِنْ حَجَّتِك وَعُمْرَتِك جَمِيعًا» وَخَرَجَ بِزِيَادَتِي قَبْلَ الشُّرُوعِ مَا إذَا شَرَعَ فِي الطَّوَافِ فَلَا يَصِحُّ إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ لِاتِّصَالِ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ بِمَقْصُودِهِ وَهُوَ أَعْظَمُ أَفْعَالِهَا فَيَقَعُ عَنْهَا وَلَا يَنْصَرِفُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى غَيْرِهَا وَتَقْيِيدُ الْأَصْلِ الْإِحْرَامَ بِهِمَا بِكَوْنِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَالْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ بِكَوْنِهِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ اقْتِصَارٌ عَلَى الْأَفْضَلِ (وَيَمْتَنِعُ عَكْسُهُ) بِأَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ وَلَوْ فِي
[حاشية الجمل]
إلَى الْمِيقَاتِ يُسْقِطُ الدَّمَ لَا تَمَتُّعُهُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ اهـ.
(قَوْلُهُ: وَبِقِرَانٍ) وَيَجُوزُ الْقِرَانُ لِلْمَكِّيِّ بِأَنْ يُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ مَكَّةَ تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْحَجِّ لَا الْعُمْرَةِ فَلَا يَلْزَمُ الْخُرُوجُ لِأَدْنَى الْحِلِّ اهـ. حَجّ وم ر.
(قَوْلُهُ: أَوْ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ بِحَجٍّ) قَدْ شَمِلَ الْمَتْنُ مَا لَوْ أَفْسَدَ الْعُمْرَةَ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ فَيَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ بِهِ فَاسِدٌ أَوْ يَلْزَمُهُ الْمُضِيُّ وَقَضَاءُ النُّسُكَيْنِ اهـ. حَجّ وَقَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّءُوفِ وَيَنْبَغِي حُرْمَةُ إدْخَالِهِ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ لِجَعْلِهِ فَاسِدًا مَعَ تَيَسُّرِ جَعْلِهِ صَحِيحًا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَسَاوِي فَاسِدِ الْحَجِّ وَصَحِيحِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ جَوَازُ جَعْلِهِ فَاسِدًا وَيَكْفِي فِي مَنْعِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّلَبُّسُ بِعِبَادَةٍ فَاسِدَةٍ اهـ. ابْنُ الْجَمَّالِ.
(قَوْلُهُ: قَبْلَ شُرُوعٍ فِي طَوَافٍ) أَيْ وَلَوْ احْتِمَالًا.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَوْ شَكَّ هَلْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ أَوْ بَعْدَهُ صَحَّ إحْرَامُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ إدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ الْمَنْعُ فَصَارَ كَمَنْ أَحْرَمَ وَتَزَوَّجَ وَلَمْ يَدْرِ أَكَانَ إحْرَامُهُ قَبْلَ تَزَوُّجِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ تَزَوُّجُهُ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: فَيَحْصُلَانِ) أَيْ وَيَدْخُلُ عَمَلُ الْعُمْرَةِ فِي عَمَلِ الْحَجِّ فَيَكْفِيهِ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ.
اهـ. شَرْحِ م ر وَهَلْ هُمَا أَيْ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مَعًا أَوْ لِلْحَجِّ فَقَطْ وَالْعُمْرَةُ لَا حُكْمَ لَهَا أَيْ لِانْغِمَارِهَا أَيْ فِي الْحَجِّ لَمْ يُصَرِّحْ الْأَصْحَابُ بِذَلِكَ لَكِنَّ الْأَقْرَبَ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ الثَّانِي اهـ. سَمِّ اهـ. ع ش عَلَى م ر وَفِي الْعُبَابِ يُنْدَبُ لِلْقَارِنِ أَنْ يَطُوفَ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
اهـ. ح ل.
(قَوْلُهُ: أَيْضًا فَيَحْصُلَانِ) أَيْ وَيَكْفِيَانِهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ وَعُمْرَتِهِ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: مَا شَأْنُك) أَيْ أَيُّ شَيْءٍ شَأْنُك فَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ اهـ. ع ش.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ أَحْلُلْ) بِضَمِّ اللَّامِ الْأُولَى وَحُكِيَ كَسْرُهَا؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ ثُلَاثِيٌّ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ) عَطْفُ عِلَّةٍ عَلَى مَعْلُولٍ وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ جَعْلِهِ عَطْفَ تَفْسِيرٍ.
(قَوْلُهُ: وَعُمْرَتُك) أَيْ الَّتِي أَحْرَمْت بِهَا أَوَّلًا لِصَيْرُورَتِهَا قَارِنَةً وَعَلَيْهِ فَالْعُمْرَةُ الَّتِي أَتَتْ بِهَا بَعْدُ مِنْ التَّنْعِيمِ تَطَوُّعٌ اهـ. ع ش وَاَلَّذِي تَلَخَّصَ مِنْ الْبُخَارِيِّ وَشَرْحِهِ أَنَّ إحْرَامَهَا كَانَ أَوَّلًا بِحَجٍّ ثُمَّ فَسَخَتْهُ إلَى الْعُمْرَةِ بِأَمْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَحُثُّهُمْ عَلَى الْعُمْرَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ امْتِنَاعَ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَرَوْنَ أَنَّ فِعْلَهَا فِيهَا مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ ثُمَّ لَمَّا اسْتَمَرَّ عَلَيْهَا الْحَيْضُ وَلَمْ تَتَمَكَّنْ مِنْ أَعْمَالِ الْعُمْرَةِ إلَى لَيْلَةِ عَرَفَةَ أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَنْ تُحْرِمَ بِالْحَجِّ إدْخَالًا لَهُ عَلَى الْعُمْرَةِ لِتَكُونَ قَارِنَةً أَوْ إبْطَالًا لِلْعُمْرَةِ وَخُرُوجًا مِنْهَا مِنْ غَيْرِ الْإِتْيَانِ بِأَعْمَالِهَا لِيَكُونَ حَجُّهَا إفْرَادًا فَلَمَّا أَتَمَّتْ الْحَجَّ أَمَرَهَا بَعْدَهُ بِالْعُمْرَةِ فَاعْتَمَرَتْ مِنْ التَّنْعِيمِ وَقَالَتْ هَذَا مَكَانُ عُمْرَتِي الَّتِي اعْتَمَرْتهَا قَبْلُ وَيُحْمَلُ قَوْلُهَا هَذَا عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ فَسْخِ إحْرَامِ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ وَإِلَّا فَإِحْرَامُهَا الْأَوَّلُ كَانَ قَبْلَ التَّنْعِيمِ فَعَلَى هَذَا عُمْرَتُهَا الثَّانِيَةُ نَفْلٌ عَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ مِنْ كَوْنِ إحْرَامِهَا الْأَخِيرِ بِالْحَجِّ كَانَ قِرَانًا، وَأَمَّا عَلَى كَوْنِهِ إفْرَادًا وَأَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ الْعُمْرَةِ الَّتِي فَسَخَتْ الْحَجَّ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَعْمَالٍ فَتَكُونُ عُمْرَتُهَا الْأَخِيرَةُ وَاجِبَةً هَذَا مَا تَحَرَّرَ هُنَاكَ وَفِيهِ خُصُوصِيَّاتٌ لِعَائِشَةَ مِنْ جِهَاتٍ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: مَا إذَا شَرَعَ فِي الطَّوَافِ) أَيْ وَلَوْ بِنَحْوِ خُطْوَةٍ وَلَا يُؤَثِّرُ نَحْوُ اسْتِلَامِهِ الْحَجَرَ بِنِيَّةِ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّهُ مُقَدَّمَتُهُ وَلَيْسَ مِنْهُ، ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ اهـ. حَجّ.
(قَوْلُهُ: لِاتِّصَالِ إحْرَامِ الْعُمْرَةِ إلَخْ) أَيْ وَلِأَنَّهُ أَخَذَ فِي التَّحَلُّلِ الْمُقْتَضِي لِنُقْصَانِ الْإِحْرَامِ فَلَا يَلِيقُ بِهِ إدْخَالُ الْإِحْرَامِ الْمُقْتَضِي لِفَوْتِهِ اهـ. شَرْحُ م ر، وَقَوْلُهُ وَهُوَ أَعْظَمُ أَفْعَالِهَا لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْأَعْظَمِ الْأَفْضَلُ اهـ.
(قَوْلُهُ: اقْتِصَارًا عَلَى الْأَفْضَلِ) أَيْ مِنْ صُوَرِ الْقِرَانِ أَيْ فَالصُّورَتَانِ اللَّتَانِ ذَكَرَهُمَا الْأَصْلُ لِلْقِرَانِ أَفْضَلُ مِنْ اللَّتَيْنِ لَمْ يَذْكُرْهُمَا وَهُمَا إحْرَامُهُ بِهِمَا مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ وَإِحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ وَالصُّورَةُ الْأُولَى مِنْ الصُّورَتَيْنِ الْمَفْضُولَتَيْنِ فِيهَا دَمٌ لِتَرْكِ الْمِيقَاتِ غَيْرَ دَمِ الْقِرَانِ هَذَا ظَاهِرُ عِبَارَتِهِ وَاَلَّذِي يُفْهَمُ مِنْ شُرُوحِ الْمِنْهَاجِ أَنَّ الْأَفْضَلِيَّةَ إنَّمَا هِيَ فِي إحْدَى الصُّورَتَيْنِ وَأَنَّ الصُّورَةَ الْأُخْرَى فِيهَا خِلَافٌ.
وَعِبَارَةُ شَرْحِ م ر وَغَيْرُ الْأَكْمَلِ يُحْرِمُ بِهِمَا مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ وَإِنْ لَزِمَهُ دَمٌ فَتَقْيِيدُهُ بِالْمِيقَاتِ لِكَوْنِهِ الْأَكْمَلَ لَا لِكَوْنِ الثَّانِي لَا يُسَمَّى قِرَانًا انْتَهَتْ.
وَعِبَارَةُ الْمَحَلِّيِّ وَلَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَهُ عَلَيْهَا فِي أَشْهُرِهِ، فَقِيلَ لَا يَصِحُّ هَذَا الْإِدْخَالُ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى صِحَّةِ الْإِحْرَامِ بِالْحَدِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ وَقِيلَ يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ وَقْتَ إدْخَالِهِ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ الثَّانِي أَصَحُّ أَيْ فَيَكُونُ قَارِنًا انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ فِي
أَشْهُرِهِ ثُمَّ بِعُمْرَةٍ قَبْلَ طَوَافٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِهِ شَيْئًا بِخِلَافِ إدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ فَإِنَّهُ يَسْتَفِيدُ بِهِ الْوُقُوفَ وَالرَّمْيَ وَالْبَيْتَ.
(وَأَفْضَلُهَا) أَيْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ (إفْرَادٌ) بِقَيْدٍ زِدْته بِقَوْلِي (إنْ اعْتَمَرَ عَامَهُ) فَلَوْ أُخِّرَتْ عَنْهُ الْعُمْرَةُ كَانَ الْإِفْرَادُ مَفْضُولًا؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهَا عَنْهُ مَكْرُوهٌ (ثُمَّ تَمَتُّعٌ) أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَانِ عَلَى خِلَافٍ فِي أَفْضَلِيَّةِ مَا ذُكِرَ وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ اخْتِلَافُ الرُّوَاةِ فِي إحْرَامِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، رَوَى الشَّيْخَانِ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إفْرَادُ الْحَجِّ» وَرَوَيَا أَيْضًا أَنَّهُ «أَحْرَمَ مُتَمَتِّعًا» وَرَجَحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ رُوَاتَهُ أَكْثَرُ وَبِأَنَّ جَابِرًا مِنْهُمْ أَقْدَمُ صُحْبَةً وَأَشَدُّ عِنَايَةً بِضَبْطِ الْمَنَاسِكِ وَبِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اخْتَارَهُ أَوَّلًا كَمَا بَيَّنْته مَعَ فَوَائِدَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ
[حاشية الجمل]
أَشْهُرِهِ) كَانَ الْأَوْلَى إسْقَاطَ الْغَايَةِ؛ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ يَنْعَقِدُ عُمْرَةً كَمَا تَقَدَّمَ اهـ. ح ل وَجَوَابُهُ أَنَّ الْوَاوَ لِلْحَالِ كَمَا ذَكَرَهُ الْبِرْمَاوِيُّ لَا لِلْغَايَةِ كَمَا فُهِمَ اهـ. شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِهِ شَيْئًا) غَرَضُهُ بِهَذَا الرَّدِّ عَلَى الْقَدِيمِ الْقَائِلِ بِجَوَازِ الْعَكْسِ وَيَكُونُ قِرَانًا.
وَعِبَارَةُ أَصْلِهِ مِنْ شَرْحِ الْمَحَلِّيِّ وَلَا يَجُوزُ عَكْسُهُ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ ثُمَّ بِعُمْرَةٍ قَبْلَ الطَّوَافِ لِلْقُدُومِ وَجَوَّزَهُ الْقَدِيمُ قِيَاسًا عَلَى الْعَكْسِ فَيَكُونُ قِرَانًا أَيْضًا وَفَرَّقَ الْأَوَّلَ بِأَنَّ إدْخَالَ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ يُفِيدُ زِيَادَةً عَلَى أَعْمَالِهَا بِالْوُقُوفِ وَالرَّمْيِ وَالْمَبِيتِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: وَأَفْضَلُهَا إفْرَادٌ) وَبَحَثَ الْإِسْنَوِيُّ تَبَعًا لِلْبَارِزِيِّ أَنَّ الْقَارِنَ الَّذِي اعْتَمَرَ قَبْلَ قِرَانِهِ أَوْ بَعْدَهُ يَكُونُ قِرَانُهُ أَفْضَلَ مِنْ الْإِفْرَادِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَقْصُودِهِ مَعَ زِيَادَةِ عُمْرَةٍ أُخْرَى كَمُتَيَمِّمٍ يَرْجُو الْمَاءَ آخِرَ الْوَقْتِ صَلَّى بِالتَّيَمُّمِ أَوَّلَهُ ثُمَّ بِالْوُضُوءِ آخِرَهُ وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يُلَاقِي مَا نَحْنُ فِيهِ إذْ الْكَلَامُ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ كَيْفِيَّاتِ أَدَاءِ النُّسُكَيْنِ الْمُسْقِطِ لِطَلَبِهِمَا لَا بَيْنَ أَدَاءِ النُّسُكَيْنِ فَقَطْ أَوْ أَدَائِهِمَا مَعَ زِيَادَةِ نُسُكٍ مُتَطَوَّعٍ بِهِ وَيُرَدُّ أَيْضًا بِأَنَّا لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ كَلَامٌ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ نَقُولُ الْإِفْرَادُ أَفْضَلُ حَتَّى مِنْ الْقِرَانِ مَعَ الْعُمْرَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّ فِي فَضِيلَةِ الِاتِّبَاعِ مَا يَرْبُو عَلَى زِيَادَةِ الْعَمَلِ كَمَا لَا يَخْفَى مِنْ فُرُوعٍ ذَكَرَهَا وَبِمَا تَقَرَّرَ يُعْلَمُ أَنَّ مَنْ اسْتَنَابَ وَاحِدًا لِلْحَجِّ وَآخَرَ لِلْعُمْرَةِ لَا تَحْصُلُ لَهُ كَيْفِيَّةُ الْإِفْرَادِ الْفَاضِلِ؛ لِأَنَّ كَيْفِيَّةَ الْإِفْرَادِ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ اهـ شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ: إنْ اعْتَمَرَ عَامَهُ) أَيْ وَهُوَ آخِرُ ذِي الْحِجَّةِ اهـ ح ل وَهُوَ الْعِشْرُونَ يَوْمًا الْبَاقِيَةُ مِنْهُ فَلَوْ اعْتَمَرَ فِي الْمُحَرَّمِ كَانَ مَفْضُولًا اهـ. شَيْخُنَا ثُمَّ رَأَيْت فِي شَرْحِ م ر مَا نَصُّهُ: وَالْمُرَادُ بِالْعَامِ مَا بَقِيَ مِنْ الْحَجَّةِ الَّذِي هُوَ شَهْرُ حَجِّهِ كَمَا يُفِيدُهُ كَلَامُ السُّبْكِيّ اهـ.
وَلَوْ حَجَّ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَأَتَى بِبَقِيَّةِ أَعْمَالِهَا فِي الْمُحَرَّمِ فَإِنَّهُ يَكُونُ آتِيًا بِالْإِفْرَادِ الْأَفْضَلِ صَرَّحَ بِهِ الْعَلَّامَةُ سَمِّ وَمَعْلُومٌ أَنَّ ثَوَابَهُ دُونَ ثَوَابِ مَنْ أَتَى بِهَا كَامِلَةً فِي ذِي الْحِجَّةِ.
اهـ. ابْنُ الْجَمَّالِ.
(قَوْلُهُ: كَانَ الْإِفْرَادُ مَفْضُولًا) أَيْ عَنْ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ فَهُمَا الْأَفْضَلُ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِلتَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمَحَلِّيُّ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْعُمْرَةِ عَنْ سَنَةِ الْحَجِّ مَكْرُوهٌ اهـ. وَقَدْ ذَكَرَهُ الشَّارِحُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ لِأَنَّ تَأْخِيرَهَا عَنْهُ مَكْرُوهٌ.
(قَوْلُهُ: عَلَى خِلَافٍ إلَخْ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَأَفْضَلُهَا إفْرَادٌ ثُمَّ تَمَتُّعٌ فَقَوْلُهُ: مَا ذَكَرَ أَيْ مِنْ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ يَعْنِي أَنَّ أَفْضَلِيَّةَ الْإِفْرَادِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِيهَا خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرَهُ وَأَفْضَلِيَّةُ التَّمَتُّعِ عَلَى الْقِرَانِ فِيهَا خِلَافٌ وَالْأَصَحُّ مَا ذَكَرَهُ وَبَقِيَ خِلَافٌ آخَرُ لَمْ يَذْكُرْهُ وَهُوَ أَفْضَلِيَّةُ الْقِرَانِ عَلَى الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ.
وَعِبَارَةُ أَصْلِهِ مَعَ شَرْحِ حَجّ وَأَفْضَلُهَا الْإِفْرَادُ وَبَعْدَهُ التَّمَتُّعُ وَفِي قَوْلِ: التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ وَأَطَالُوا فِي الِانْتِصَارِ لَهُ وَفِي قَوْلٍ: الْقِرَانُ أَفْضَلُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: رَوَى الشَّيْخَانِ إلَخْ) أَتَى بِدَلِيلَيْنِ الْأَوَّلُ يُفِيدُ أَفْضَلِيَّةَ الْإِفْرَادِ وَالثَّانِي يُفِيدُ أَفْضَلِيَّةَ التَّمَتُّعِ وَلَمْ يَذْكُرْ دَلِيلًا لِلْقَوْلِ الثَّالِثِ الَّذِي عَلِمْته مِنْ عِبَارَةِ حَجّ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمَحَلِّيُّ بِقَوْلِهِ رَوَى الشَّيْخَانِ «عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ لَبَّيْكَ عُمْرَةً وَحَجًّا» اهـ.
(قَوْلُهُ: وَرَوَيَا أَنَّهُ أَحْرَمَ مُتَمَتِّعًا) وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّهُ قَرَنَ» وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ الْإِفْرَادُ هُوَ الْأَرْجَحَ بِأَنْ يُقَالَ إنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ أَوَّلًا مُطْلَقًا ثُمَّ صَرَفَهُ لِلْعُمْرَةِ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ فَمَنْ قَالَ إنَّهُ مُطْلَقٌ نَظَرَ إلَى أَوَّلِ إحْرَامِهِ وَمَنْ قَالَ إنَّهُ مُتَمَتِّعٌ نَظَرَ إلَى أَوَّلِ صَرْفِهِ، وَمَنْ قَالَ إنَّهُ قَارِنٌ نَظَرَ إلَى مَا بَعْدَ إدْخَالِ الْحَجِّ، وَمَنْ قَالَ إنَّهُ مُفْرِدٌ نَظَرَ إلَى أَنَّهُ أَتَى بِأَعْمَالِ الْحَجِّ وَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَجْمُوعِ فِي الْجَمْعِ غَيْرُ مُتَّجَهٍ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: بِأَنَّ رُوَاتَهُ) بِفَتْحِ التَّاءِ؛ لِأَنَّ أَلِفَهُ أَصْلِيَّةٌ لِانْقِلَابِهَا عَنْ أَصْلٍ كَقُضَاةٍ.
اهـ. شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: بِضَبْطِ الْمَنَاسِكِ) أَيْ مِنْ لَدُنْ خُرُوجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى أَنْ تَحَلَّلَ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: اخْتَارَهُ) أَيْ الْإِفْرَادَ أَوَّلًا أَيْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوَّلًا ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لِغَيْرِهِ لَكِنَّهُ فَعَلَهُ خُصُوصِيَّةً لَهُ لِلْحَاجَةِ إلَى بَيَانِ جَوَازِهَا فِي هَذَا الْمَجْمَعِ الْعَظِيمِ وَإِنْ سَبَقَ بَيَانُهَا مِنْهُ قُبِلَ مُتَعَدِّدًا.
اهـ. حَجّ وَإِنَّمَا احْتَاجَ إلَى بَيَانِ جَوَازِهَا فِي هَذَا الْمَجْمَعِ الْعَظِيمِ؛ لِأَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فَلَا يُزَاحِمُونَ بِهَا الْحَجَّ فِي وَقْتِ إمْكَانِهِ اهـ. مِنْ ع ش عَلَى م ر.
(قَوْلُهُ: كَمَا بَيَّنْته مَعَ فَوَائِدَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ) عِبَارَتُهُ هُنَاكَ قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ وَالصَّوَابُ الَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ وَخَصَّ بِجَوَازِهِ فِي
وَأَمَّا تَرْجِيحُ التَّمَتُّعِ عَلَى الْقِرَانِ؛ فَلِأَنَّ أَفْعَالَ النُّسُكَيْنِ فِيهِ أَكْمَلُ مِنْهَا فِي الْقِرَانِ.
(وَعَلَى) كُلٍّ مِنْ (الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ دَمٌ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] ، وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّهُ «- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَبَحَ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ يَوْمَ النَّحْرِ» قَالَتْ وَكُنَّ قَارِنَاتٍ (إنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ حَاضِرِي الْحَرَمِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْمُتَمَتِّعِ
[حاشية الجمل]
تِلْكَ السَّنَةِ لِلْحَاجَةِ وَأَمَرَ فِي قَوْلِهِ عُمْرَةً لَبَّيْكَ وَحَجًّا وَبِهَذَا يَسْهُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ فَعُمْدَةُ رُوَاةِ الْإِفْرَادِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ أَوَّلَ الْإِحْرَامِ وَعُمْدَةُ رُوَاةِ الْقِرَانِ آخِرَهُ مَنْ رَوَى التَّمَتُّعَ أَرَادَ التَّمَتُّعَ اللُّغَوِيَّ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ وَقَدْ انْتَفَعَ بِالِاكْتِفَاءِ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَعْتَمِرْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ عُمْرَةً مُفْرَدَةً وَلَوْ جُعِلَتْ حَجَّةً مُفْرَدَةً لَكَانَ غَيْرَ مُعْتَمِرٍ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ الْحَجَّ وَحْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَانِ فَانْتَظَمَتْ الرِّوَايَاتُ فِي حَجَّتِهِ فِي نَفْسِهِ، وَأَمَّا الصَّحَابَةُ فَكَانُوا ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ قِسْمٌ أَحْرَمَ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَمَعَهُمْ هَدْيٌ وَقِسْمٌ بِعُمْرَةٍ فَفَرَغُوا مِنْهَا ثُمَّ أَحْرَمُوا بِحَجٍّ وَقِسْمٌ بِحَجٍّ وَلَا هَدْيَ مَعَهُمْ فَأَمَرَهُمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَقْلَبُوهُ عُمْرَةً وَهُوَ مَعْنَى فَسْخِ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ وَهُوَ خَاصٌّ بِالصَّحَابَةِ أَمَرَهُمْ بِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِبَيَانِ مُخَالَفَةِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْجَاهِلِيَّةُ مِنْ تَحْرِيمِ الْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَاعْتِقَادُهُمْ أَنَّ إيقَاعَهَا فِيهِ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ كَمَا أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ» لِذَلِكَ، وَدَلِيلُ التَّخْصِيصِ خَبَرُ أَبِي دَاوُد عَنْ «الْحَارِثِ بْنِ بِلَالٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت فَسْخَ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً، فَقَالَ بَلْ لَكُمْ خَاصَّةً» فَانْتَظَمَتْ الرِّوَايَاتُ فِي إحْرَامِهِمْ أَيْضًا فَمَنْ رَوَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَارِنِينَ أَوْ مُتَمَتِّعِينَ أَوْ مُفْرِدِينَ أَرَادَ بَعْضَهُمْ وَهُمْ الَّذِينَ عُلِمَ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَظَنَّ أَنَّ الْبَقِيَّةَ مِثْلُهُمْ، وَأَمَّا تَفْضِيلُ التَّمَتُّعِ عَلَى الْقِرَانِ فَلِأَنَّهُ أَكْثَرُ عَمَلًا انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا تَرْجِيحُ التَّمَتُّعِ إلَخْ) لَعَلَّهُ مُقَابِلٌ لِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ مَا تَقَدَّمَ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا أَيْ الْإِفْرَادِ وَالتَّمَتُّعِ عَلَى الْآخَرِ، وَأَمَّا تَرْجِيحُ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: أَكْمَلُ مِنْهَا فِي الْقِرَانِ) أَيْ لِأَنَّ الْمُتَمَتِّعَ يَأْتِي بِعَمَلَيْنِ كَامِلَيْنِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُنْشِئُ لَهُمَا مِيقَاتَيْنِ، وَأَمَّا الْقَارِنُ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِعَمَلٍ وَاحِدٍ مِنْ مِيقَاتٍ وَاحِدٍ اهـ. شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ: وَعَلَى كُلٍّ مِنْ الْمُتَمَتِّعِ إلَخْ) الْمَعْنَى فِي إيجَابِ الدَّمِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ كَوْنُهُ رَبِحَ مِيقَاتًا إذْ لَوْ كَانَ أَحْرَمَ أَوَّلًا بِالْحَجِّ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ لَكَانَ يَحْتَاجُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْحَجِّ إلَى خُرُوجِهِ لِأَدْنَى الْحِلِّ لِيُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ وَإِذَا تَمَتَّعَ اسْتَغْنَى عَنْ الْخُرُوجِ لِكَوْنِهِ يُحْرِمُ بِالْحَجِّ مِنْ جَوْفِ مَكَّةَ اهـ. شَرْحُ م ر وَمِثْلُهُ حَجّ ثُمَّ قَالَ حَجّ وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ الْوَجْهَ فِيمَنْ كَرَّرَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَخْرَجَ الدَّمَ قَبْلَ التَّكَرُّرِ؛ لِأَنَّ رِبْحَهُ الْمِيقَاتَ بِالْمَعْنَى الَّذِي تَقَرَّرَ لَمْ يَتَكَرَّرْ وَلَوْ تَمَتَّعَ ثُمَّ قَرَنَ مِنْ عَامِهِ لَزِمَهُ دَمَانِ عَلَى الْمَنْقُولِ الْمُعْتَمَدِ خِلَافًا لِجَمْعٍ لِاخْتِلَافِ مُوجِبَيْ الدَّمَيْنِ فَلَمْ يُمْكِنْ التَّدَاخُلُ اهـ.
وَأَمَّا وُجُوبُهُ عَلَى الْقَارِنِ فَلِوُجُوبِهِ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ بِالنَّصِّ، وَفِعْلُ الْمُتَمَتِّعِ أَكْثَرُ مِنْ فِعْلِ الْقَارِنِ فَإِذَا لَزِمَهُ الدَّمُ فَالْقَارِنُ أَوْلَى وَيَلْزَمُ الدَّمُ آفَاقِيًّا تَمَتَّعَ نَاوِيًا الِاسْتِيطَانَ بِمَكَّةَ وَلَوْ بَعْدَ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيطَانَ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ وَعَلَّلَهُ فِي الذَّخَائِرِ بِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِمُجَاوَزَتِهِ الْمِيقَاتَ، أَمَّا الْعَوْدُ أَوْ الدَّمُ فِي إحْرَامِ سَنَتِهِ فَلَا يَسْقُطُ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ اهـ. شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ أَيْضًا وَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ دَمٌ إلَخْ) وَهَذَا الدَّمُ دَمُ تَرْتِيبٍ وَتَقْدِيرٍ كَمَا سَيَأْتِي وَسَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ مَا نَصُّهُ وَدَمُ تَرْكِ مَأْمُورٍ كَدَمِ تَمَتُّعٍ، وَكَذَا دَمُ فَوَاتٍ اهـ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَأْمُورَ أَيْ الْوَاجِبَ فِي الْحَجِّ خَمْسَةٌ الْإِحْرَامُ مِنْ الْمِيقَاتِ وَطَوَافُ الْوَدَاعِ وَالرَّمْيُ وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَالْمَبِيتُ بِمِنًى وَمِثْلُهَا الْمَشْيُ الْمَنْذُورُ إذَا أَخْلَفَهُ فَهَذِهِ سِتَّةٌ تُضَمُّ لِلْفَوَاتِ تَكُونُ سَبْعَةً تُضَمُّ لِلتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ تَكُونُ تِسْعَةً،
وَقَدْ نَظَمَهَا ابْنُ الْمُقْرِي فِي قَوْلِهِ:
تَمَتُّعٌ فَوْتٌ وَحَجٌّ قَرْنًا ... وَتَرْكُ رَمْيٍ وَالْمَبِيتُ
بِمِنًى وَتَرْكُهُ الْمِيقَاتَ وَالْمُزْدَلِفَهْ ... أَوْ لَمْ يُوَدِّعْ أَوْ كَمَشْيٍ أَخْلَفَهْ
نَاذِرُهُ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: فَمَنْ تَمَتَّعَ) أَيْ بِمَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ أَيْ سَبَبِ الْعُمْرَةِ أَيْ بِسَبَبِ الْفَرَاغِ مِنْهَا فَالْبَاءُ سَبَبِيَّةٌ وَفِي الْكَلَامِ حَذْفٌ كَمَا عَلِمْت وَقَوْلُهُ: إلَى الْحَجِّ أَيْ وَاسْتَمَرَّ تَمَتُّعُهُ بِالْمَحْظُورَاتِ إلَى الْحَجِّ وَقَوْلُهُ: فَمَا اسْتَيْسَرَ السِّينُ زَائِدَةٌ أَيْ فَمَا تَيَسَّرَ وَمَا اسْمٌ مَوْصُولٌ مُبْتَدَأٌ وَاسْتَيْسَرَ صِلَتُهُ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ عَلَيْهِ أَيْ فَاَلَّذِي تَيَسَّرَ كَائِنٌ عَلَيْهِ وَقَوْلُهُ: مِنْ الْهَدْيِ بَيَانٌ لِمَا اهـ. مِنْ الْجَلَالَيْنِ بِتَصَرُّفٍ.
(قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ حَاضِرِي الْحَرَمِ) أَفْهَمَ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الدَّمِ نِيَّةُ التَّمَتُّعِ وَلَا وُقُوعُ النُّسُكَيْنِ عَنْ شَخْصٍ وَاحِدٍ وَلَا بَقَاؤُهُ حَيًّا وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَوْ اسْتَأْجَرَ اثْنَانِ آخَرَانِ أَحَدُهُمَا لِحَجٍّ وَالْآخَرُ لِعُمْرَةٍ فَتَمَتَّعَ عَنْهُمَا أَوْ اعْتَمَرَ أَجِيرٌ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ حَجَّ عَنْ الْمُسْتَأْجِرِ فَإِنْ كَانَ قَدْ تَمَتَّعَ بِالْإِذْنِ مِنْ الْمُسْتَأْجَرِينَ أَوْ أَحَدِهِمَا فِي الْأُولَى أَوْ مِنْ الْمُسْتَأْجَرِ فِي الثَّانِيَةِ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْآذِنَيْنِ أَوْ الْآذِنِ وَالْأَجِيرِ
﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 196] ، وَقِيسَ بِهِ الْقَارِنُ فَلَا دَمَ عَلَى حَاضِرِيهِ (وَهُمْ مِنْ) مَسَاكِنِهِمْ (دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْحَرَمِ لِقُرْبِهِمْ مِنْهُ، وَالْقَرِيبُ مِنْ الشَّيْءِ يُقَالُ إنَّهُ حَاضِرُهُ، قَالَ تَعَالَى ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف: 163] أَيْ قَرِيبَةً مِنْهُ وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَرْبَحُوا مِيقَاتًا كَمَا أَوْضَحْته فِي شَرْحِ الرَّوْضِ
[حاشية الجمل]
نِصْفُ الدَّمِ إنْ أَيْسَرَ وَإِنْ أَعْسَرَا أَوْ أَحَدُهُمَا فِيمَا يَظْهَرُ فَالصَّوْمُ عَلَى الْأَجِيرِ أَوْ تَمَتَّعَ بِلَا إذْنٍ مِمَّنْ ذُكِرَ لَزِمَهُ دَمَانِ دَمٌ لِلتَّمَتُّعِ وَدَمٌ لِأَجْلِ الْإِسَاءَةِ لِمُجَاوَزَتِهِ الْمِيقَاتَ اهـ. شَرْحُ م ر وَقَدْ يَجِبُ الدَّمُ عَلَى غَيْرِ مُحْرِمٍ كَمُسْتَأْجِرٍ أَمَرَ أَجِيرَهُ بِتَمَتُّعِهِ كَالْوَلِيِّ بِسَبَبِ تَمَتُّعِ مُوَلِّيهِ أَوْ قِرَانِهِ أَوْ إحْصَارِهِ وَارْتِكَابِ الْمُمَيِّزِ الْمُحْرِمِ مَحْظُورًا بِخِلَافِهِ إذَا كَانَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ فَلَا فِدْيَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَ إتْلَافًا بِخِلَافِ إتْلَافِهِ مَالَ الْآدَمِيِّ وَكَالْأَجْنَبِيِّ إذَا طَيَّبَ غَيْرَ مُمَيِّزٍ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ مُمَيِّزًا فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى اهـ. ابْنُ الْجَمَّالِ.
(قَوْلُهُ: ذَلِكَ) أَيْ الْهَدْيُ وَالصَّوْمُ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَيْ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: وَهُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ إلَخْ) عِبَارَةُ حَجّ وَحَاضِرُوهُ مَنْ اسْتَوْطَنُوا بِالْفِعْلِ لَا بِالنِّيَّةِ حَالَةَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ مَحَلًّا دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ إلَى أَنْ قَالَ وَمَنْ لَهُ مَسْكَنَانِ قَرِيبٌ مِنْ الْحَرَمِ وَبَعِيدٌ مِنْهُ اُعْتُبِرَ مَا مُقَامُهُ بِهِ أَكْثَرُ ثُمَّ مَا بِهِ أَهْلُهُ وَمَالُهُ دَائِمًا أَكْثَرُ ثُمَّ مَا بِهِ أَهْلُهُ كَذَلِكَ ثُمَّ مَا بِهِ مَالُهُ كَذَلِكَ ثُمَّ مَا قَصَدَ الرُّجُوعَ إلَيْهِ ثُمَّ مَا خَرَجَ مِنْهُ ثُمَّ مَا أَحْرَمَ مِنْهُ وَأَهْلُهُ حَلِيلَتُهُ وَمَحَاجِيرُهُ دُونَ نَحْوِ أَبٍ وَأَخٍ انْتَهَتْ وَقَوْلُهُ: مَا مُقَامُهُ بِهِ أَكْثَرُ فَإِنْ كَانَ مُقَامُهُ بِالْقَرِيبِ أَكْثَرَ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ أَيْ وَإِنْ أَحْرَمَ مِنْ الْبَعِيدِ كَمَا هُوَ صَرِيحُ هَذَا الْكَلَامِ وَوَافَقَ م ر عَلَى أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرْته قَضِيَّةُ عِبَارَتِهِمْ فَإِنَّهُ أَخَّرَ اعْتِبَارَ رُتْبَةِ الْإِحْرَامِ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ وَمَا بَعْدَهَا كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْعِبَارَةُ وَبِالْأَوْلَى لَا دَمَ إذَا كَانَ لَهُ مَسْكَنٌ وَاحِدٌ قَرِيبٌ وَأَحْرَمَ مِنْ مَكَان بَعِيدٍ ذَهَبَ إلَيْهِ لِحَاجَةٍ، وَعَلَى هَذَا فَالْمَكِّيُّ إذَا ذَهَبَ إلَى الْمَدِينَةِ لِحَاجَةٍ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ لَا يَلْزَمُهُ دَمُ التَّمَتُّعِ فَسُقُوطُ الدَّمِ عَنْ الْحَاضِرِ يَكْفِي فِيهِ اسْتِيطَانُهُ مَكَانًا حَاضِرًا وَلَا يَقْدَحُ فِيهِ خُرُوجُهُ عَنْ الْحُضُورِ وَالْإِحْرَامِ مِنْ مَكَان بَعِيدٍ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ. سَمِّ عَلَيْهِ وَمَنْ لِوَطَنِهِ طَرِيقَانِ أَحَدُهُمَا عَلَى دُونِ مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ الْحَرَمِ وَالْأُخْرَى عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْهُ فَهُوَ حَاضِرٌ كَمَا اسْتَوْجَهَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ فَعَلَيْهِ أَهْلُ السَّلَامَةِ مِنْ الْحَاضِرِينَ اهـ.
وَكَلَامُهُمْ يَقْتَضِيهِ لَكِنْ فِي التُّحْفَةِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرُ مَا هُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَمِ أَوْ مَكَّةَ عَلَى خِلَافِ الْمُرَجَّحِ مَرْحَلَتَانِ وَلَوْ مِنْ إحْدَى الطُّرُقِ لَا يُعَدُّ مِنْ الْحَاضِرِينَ جَوَابًا عَنْ عَدَمِ الْمُنَافَاةِ بَيْنَ قَوْلِهِمْ فِي نَحْوِ قَرْنِ الْمَنَازِلِ أَنَّهَا عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ مَعَ أَنَّ لَهَا طَرِيقَيْنِ طَوِيلًا وَقَصِيرًا وَبَيْنَ مَا قَالُوهُ فِيمَا لَهُ طَرِيقَانِ طَوِيلٌ وَقَصِيرٌ تُعْتَبَرُ الْمَسْلُوكَةُ فَلْيُتَأَمَّلْ، فَإِنَّ الْأَوْجَهَ هُوَ الْأَوَّلُ إذْ الْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ الدَّمِ وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِهِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّ مَنْزِلَهُ عَلَى أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الطَّرِيقِ لِمَا عَلِمْت أَنَّ الْأَصْلَ يُرَجِّحُ الْأَوَّلَ ثُمَّ رَأَيْت عَنْ بَعْضِهِمْ تَفْصِيلًا وَهُوَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ مَا يَكُونُ سُلُوكُهُ بِهِ أَكْثَرَ أَخْذًا مِمَّا إذَا كَانَ لَهُ مَسْكَنَانِ وَكَانَتْ إقَامَتُهُ بِأَحَدِهِمَا أَكْثَرَ اهـ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْ اعْتِبَارِهِمْ فِيمَنْ لَهُ مَسْكَنَانِ فِي الْحَاشِيَةِ، ثُمَّ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ حَاضِرٌ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ مَنْزِلَهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ عَلَى دُونِ مَرْحَلَتَيْنِ وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِهِ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ مِنْ الدَّمِ اهـ. وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْته أَوَّلًا ثُمَّ رَأَيْت عِبَارَةَ التُّحْفَةِ فِي بَابِ صَلَاةِ الْمُسَافِرُ وَهِيَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - نَصَّا عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ جُدَّةَ وَالطَّائِفِ وَعُسْفَانَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ قَالَ نَعَمْ قَدْ يُعَارِضُ ذِكْرُ الطَّائِفِ قَوْلَهُمْ فِي قَرْنِ الْمَنَازِلِ أَنَّهُ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ أَيْضًا مَعَ كَوْنِهِ أَقْرَبَ إلَى مَكَّةَ بِنَحْوِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالطَّائِفِ هُوَ وَمَا قَرُبَ إلَيْهِ فَيَشْمَلُ قَرْنًا اهـ.
وَإِذَا تَأَمَّلْت أُنْتِجَ لَك أَنَّ أَهْلَ السَّلَامَةِ مِنْ الْحَاضِرِينَ قَطْعًا بِنَصِّ كَلَامِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَلَوْ مَعَ النَّظَرِ لِقَوْلِهِمْ إنَّ قَرْنًا عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ إذْ حَدُّ الْحَرَمِ مِنْ أَيِّ طَرِيقٍ كَانَ لِلسَّلَامَةِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ وَحِينَئِذٍ فَالْبَحْثُ فِيمَنْ عَدَا الْمَذْكُورِينَ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ وَجُدَّةَ وَعُسْفَانَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ. ابْنُ الْجَمَّالِ.
(قَوْلُهُ: لِقُرْبِهِمْ مِنْهُ) تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ مَنْ دُونَ الْمَرْحَلَتَيْنِ مِنْ الْحَرَمِ يُسَمَّى حَاضِرًا.
(قَوْلُهُ: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ [الأعراف: 163] وَهِيَ أَيْلَةُ الَّتِي عِنْدَ عَقَبَةِ الْحَاجِّ الْمِصْرِيِّ؛ لِأَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبَحْرِ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: لَمْ يَرْبَحُوا مِيقَاتًا) أَيْ لَمْ يَسْتَفِيدُوا تَرْكَ مِيقَاتٍ أَيْ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُمْ مِيقَاتُ عَامٍ كَانَ يَلْزَمُهُمْ الْإِحْرَامُ مِنْهُ بِخِلَافِ الْآفَاقِيِّ فَإِنَّهُ رَبِحَ مِيقَاتًا أَيْ اكْتَسَبَ رَاحَةً بِسُقُوطِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَاكْتَفَى مِنْهُ بِالْإِحْرَامِ مِنْ مَكَّةَ فَمَتَى رَبِحَ الْمِيقَاتَ رَبِحَ الرَّاحَةَ بِتَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْهُ وَالِاكْتِفَاءُ بِالْإِحْرَامِ مِنْ مَكَّةَ اهـ. عَزِيزِي.
(قَوْلُهُ: كَمَا أَوْضَحْته فِي شَرْحِ الرَّوْضِ) عِبَارَتُهُ هُنَاكَ وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَرْبَحُوا مِيقَاتًا أَيْ عَامًا لِأَهْلِهِ وَلِمَنْ مَرَّ بِهِ فَلَا يُشْكِلُ
فَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مِنْ الْآفَاقِيِّينَ وَلَوْ غَيْرَ مُرِيدٍ نُسُكًا ثُمَّ بَدَا لَهُ فَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ أَوْ عَقِبَ دُخُولِهَا لَزِمَهُ دَمُ التَّمَتُّعِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحَاضِرِينَ لِعَدَمِ الِاسْتِيطَانِ وَقَوْلُ الرَّوْضَةِ كَأَصْلِهَا فِي دُونِ الْمَرْحَلَتَيْنِ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ لَا يَلْزَمُهُ دَمُ التَّمَتُّعِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ اسْتَوْطَنَ وَلَا يَضُرُّ التَّقْيِيدُ بِالْمُرِيدِ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ مَفْهُومٌ بِالْمُوَافَقَةِ وَمِنْ إطْلَاقِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى جَمِيعِ الْحَرَمِ كَمَا هُنَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: 28] وَعَبَّرَ فِي الْمُحَرَّرِ بَدَلَ الْحَرَمِ بِمَكَّةَ
[حاشية الجمل]
بِمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ إذَا عَنَّ لَهُ النُّسُكُ ثُمَّ فَاتَهُ وَإِنْ رَبِحَ مِيقَاتًا بِتَمَتُّعِهِ لَكِنْ لَيْسَ مِيقَاتًا عَامًّا وَلَا يُشْكِلُ أَيْضًا بِأَنَّهُمْ جَعَلُوا مَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ كَالْمَوْضِعِ الْوَاحِدِ فِي هَذَا وَلَمْ يَجْعَلُوهُ فِي مَسْأَلَةِ الْإِسَاءَةِ وَهُوَ إذَا كَانَ مَسْكَنُهُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ الْحَرَمِ وَجَاوَزَهُ وَأَحْرَمَ كَالْمَوْضِعِ الْوَاحِدِ حَتَّى لَا يَلْزَمَهُ الدَّمُ كَالْمَكِّيِّ إذَا أَحْرَمَ مِنْ سَائِرِ بِقَاعِ مَكَّةَ بَلْ أَلْزَمُوهُ الدَّمَ وَجَعَلُوهُ مُسِيئًا كَالْآفَاقِيِّ؛ لِأَنَّ مَا خَرَجَ عَنْ مَكَّةَ مِمَّا ذُكِرَ تَابِعٌ لَهَا، وَالتَّابِعُ لَا يُعْطَى حُكْمَ الْمَتْبُوعِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ وَلِأَنَّهُمْ عَمِلُوا بِمُقْتَضَى الدَّلِيلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَهُنَا لَا يَلْزَمُهُ دَمٌ لِعَدَمِ إسَاءَتِهِ بِعَدَمِ عَوْدِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْحَاضِرِينَ بِمُقْتَضَى الْآيَةِ وَهُنَاكَ يَلْزَمُهُ دَمٌ لِإِسَاءَتِهِ بِمُجَاوَزَتِهِ مَا عَيَّنَ لَهُ بِقَوْلِهِ فِي الْخَبَرِ وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ عَلَى أَنَّ الْمَسْكَنَ الْمَذْكُورَ كَالْقَرْيَةِ بِمَنْزِلَةِ مَكَّةَ فِي جَوَازِ الْإِحْرَامِ مِنْ سَائِرِ بِقَاعِهِ وَعَدَمِ جَوَازِ مُجَاوَزَتِهِ بِلَا إحْرَامٍ لِمُرِيدِ النُّسُكِ انْتَهَتْ وَذَكَرَ سَمِّ الْإِشْكَالَ بِعِبَارَةٍ أَوْضَحَ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ فَقَالَ، قَالَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي نُكَتِ التَّنْبِيهِ جَعَلُوا مَكَّةَ وَمَا جَاوَرَهَا مِنْ الْأَمْكِنَةِ مَعْدُودَةً مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ حَتَّى لَا يَجِبَ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ الدَّمُ عِنْدَ عَدَمِ عَوْدِهِ إلَى الْمِيقَاتِ وَلَمْ يَجْعَلُوا ذَلِكَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِيمَا إذَا جَاوَزَهُ الْمُرِيدُ لِلنُّسُكِ غَيْرَ مُحْرِمٍ بَلْ أَوْجَبُوا عَلَيْهِ الدَّمَ إذَا لَمْ يَعُدُّ، وَلَوْ جَعَلُوهُ شَيْئًا وَاحِدًا لَكَانَ يُحْرِمُ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ كَمَا يُحْرِمُ مِنْ أَيِّ بِقَاعِ مَكَّةَ شَاءَ مَعَ أَنَّ الدَّمَ وَجَبَ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ بِسَبَبِ تَرْكِ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ اهـ. كَلَامُ النَّوَوِيِّ، وَأَجَابَ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ اهـ. بِحُرُوفِهِ.
(قَوْلُهُ: فَمَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتَ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى النَّفْيِ فِي قَوْلِهِ إنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ حَاضِرِي الْحَرَمِ الَّذِي هُوَ مَنْطُوقُ الشَّرْطِ اهـ. شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: لَزِمَهُ دَمُ التَّمَتُّعِ) أَيْ وَيَلْزَمُهُ دَمُ الْمُجَاوَزَةِ أَيْضًا إذَا جَاوَزَهُ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ اهـ. ح ل.
(قَوْلُهُ: وَقَوْلُ الرَّوْضَةِ إلَخْ) وَارِدٌ عَلَى الصُّورَةِ الْمَطْوِيَّةِ فِي الْغَايَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا بِقَوْلِهِ، وَلَوْ غَيْرَ مُرِيدٍ لِلنُّسُكِ إلَخْ أَيْ سَوَاءٌ كَانَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ أَوْ غَيْرَ مُرِيدٍ لَهُ وَقَوْلُهُ: وَلَا يَضُرُّ التَّقْيِيدُ بِالْمُرِيدِ إلَخْ أَيْ لَا يَضُرُّ فِي كَلَامِ الرَّوْضَةِ التَّقْيِيدُ بِالْمُرِيدِ مَعَ أَنَّهُ فِيمَنْ اسْتَوْطَنَ فِي دُونِ الْمَرْحَلَتَيْنِ وَهُوَ لَا فَرْقَ فِيهِ عِنْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ قَبْلَ الِاسْتِيطَانِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ أَوْ لَا يَكُونُ، وَحَاصِلُ دَفْعِ هَذَا الضَّرَرِ أَنَّ غَيْرَ الْمُرِيدِ يُفْهَمُ مِمَّا فِيهَا بِالْأَوْلَى، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا انْتَفَى الْوُجُوبُ عَنْ مُرِيدِ النُّسُكِ عِنْدَ الْمُجَاوَزَةِ فَعَنْ غَيْرِهِ أَوْلَى تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: كَأَصْلِهَا) وَهُوَ الْعَزِيزُ شَرْحُ الْوَجِيزِ لِلْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ اهـ مِنْ الرَّوْضِ وَشَرْحِهِ.
(قَوْلُهُ: فِي دُونِ مَرْحَلَتَيْنِ) أَيْ فِي شَأْنِ مَنْ دُونَ مَرْحَلَتَيْنِ أَيْ فِي شَأْنِ مَنْ أَحْرَمَ مِنْ دُونِ الْمَرْحَلَتَيْنِ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ اسْتَوْطَنَ) أَيْ بَعْدَ مُجَاوَزَتِهِ وَقَبْلَ إحْرَامِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ عِبَارَةِ التُّحْفَةِ وَبِهِ يُعْلَمُ مَا لِلْفَهَّامَةِ فِي الْحَاشِيَةِ اهـ. شَوْبَرِيٌّ وَعِبَارَتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ قَوْلُهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ اسْتَوْطَنَ، هَذَا الْحَمْلُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَرَادَ الْحَمْلَ عَلَى آفَاقِيٍّ دَخَلَ مَكَّةَ عَلَى قَصْدِ الِاسْتِيطَانِ فَقَدْ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي صُورَةِ التَّمَتُّعِ الْأَصْلِيَّةِ بِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِهَذَا الْقَصْدِ وَيَلْزَمُهُ دَمُ التَّمَتُّعِ وَإِنْ أَرَادَ مَنْ كَانَ مُسْتَوْطِنًا بِهَا فَعَنْ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مَا يُخَالِفُهُ حَيْثُ فَرَضَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي حُكِمَ فِيهَا بِعَدَمِ اللُّزُومِ فِي الْآفَاقِيِّ، وَعِبَارَتُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَعَالَى تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ: الثَّالِثُ وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ إلَخْ، ثُمَّ قَالَ وَإِنَّمَا يَجِبُ الدَّمُ بِشُرُوطٍ الْأَوَّلُ أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ وَسَاقَ الْبَاقِيَ إلَى أَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الشَّرْطِ السَّابِعِ فَذَكَرَ مَسْأَلَةَ مَنْ جَاوَزَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ وَحَكَمَ فِيهَا بِعَدَمِ وُجُوبِ دَمِ التَّمَتُّعِ بِقَوْلِهِ وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدِهِ تَعْلَمُ مِنْهُ قَطْعًا أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَوْطِنٍ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْآنِ وَذَكَرَ لَهُ شُرُوطًا إلَى أَنْ ذَكَرَ الْمَسْأَلَةَ فِي الشَّرْطِ السَّابِعِ فَكَيْفَ يَقُولُ الشَّارِحُ إنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ اسْتَوْطَنَ بِمَعْنَى كَانَ مُسْتَوْطِنًا بِهَا عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ مُسْتَوْطِنًا بِمَكَّةَ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ مِيقَاتِ بَلَدٍ قَدِمَ مِنْهَا ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ لَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا وَطَنُهُ فَلَا يَصِحُّ الْحَمْلُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا، قَالَ السُّبْكِيُّ لَوْ خَرَجَ الْمَكِّيُّ إلَى بَعْضِ الْآفَاقِ لِحَاجَةٍ ثُمَّ رَجَعَ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ فِي عَامِهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ قَالَ النَّوَوِيُّ بِلَا خِلَافٍ انْتَهَتْ اهـ. ع ش.
(قَوْلُهُ: بِالْمُوَافَقَةِ) أَيْ الْمَفْهُومُ الْأَوْلَى.
(قَوْلُهُ: وَمِنْ إطْلَاقِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَخْ) وَكَذَا جَمِيعُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الْمُرَادُ بِهِ جَمِيعُ الْحَرَمِ إلَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] ، فَالْمُرَادُ بِهِ الْكَعْبَةُ فَقَطْ، كَذَا أَطْلَقُوهُ وَالْوَجْهُ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْهُ أَيْضًا آيَةُ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ حَقِيقَةُ
قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالْفَتْوَى عَلَى مَا فِيهِ فَقَدْ نَقَلَهُ صَاحِبُ التَّقْرِيبِ عَنْ نَصِّ الْإِمْلَاءِ ثُمَّ قَالَ وَأَيَّدَهُ الشَّافِعِيُّ بِأَنَّ اعْتِبَارَ ذَلِكَ مِنْ الْحَرَمِ يُؤَدِّي إلَى إدْخَالِ الْبَعِيدِ عَنْ مَكَّةَ وَإِخْرَاجُ الْقَرِيبِ لِاخْتِلَافِ الْمَوَاقِيتِ وَعَطَفْت عَلَى مَدْخُولِ إنْ قَوْلِي (وَاعْتَمَرَ الْمُتَمَتِّعُ فِي أَشْهُرِ حَجِّ عَامِهِ) فَلَوْ وَقَعَتْ الْعُمْرَةُ قَبْلَ أَشْهُرِهِ أَوْ فِيهَا وَالْحَجُّ فِي عَامَ قَابِلٍ فَلَا دَمَ، وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ بِهَا فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ وَأَتَى بِجَمِيعِ أَفْعَالِهَا فِي أَشْهُرِهِ ثُمَّ حَجَّ (وَلَمْ يَعُدْ لِإِحْرَامِ الْحَجِّ إلَى مِيقَاتٍ)
[حاشية الجمل]
الْمَسْجِدِ فَقَطْ اهـ. بِرْمَاوِيٌّ.
(قَوْلُهُ: فِي دُونِ الْمَرْحَلَتَيْنِ) أَيْ فِي شَأْنِ مَنْ دُونَ الْمَرْحَلَتَيْنِ أَيْ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ عِبَارَتِهِمْ أَنَّهُ مِنْ الْآفَاقِيِّينَ حَتَّى يُنَاقِضَ مَا قَبْلَهُ وَقَوْلُ الشَّارِحِ عَلَى مَنْ اسْتَوْطَنَ أَيْ اتَّخَذَ لَهُ وَطَنًا فِي دُونِ الْمَرْحَلَتَيْنِ فَيَكُونُ مِنْ الْحَاضِرِينَ وَالْمُرَادُ التَّوَطُّنُ أَيْ بَعْدَ الْمُجَاوَزَةِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فَسَقَطَ مَا لِلْحَوَاشِي هُنَا اهـ. شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَالْفَتْوَى عَلَى مَا فِيهِ) ضَعِيفٌ اهـ. ح ل.
(قَوْلُهُ: يُؤَدِّي إلَى إدْخَالِ الْبَعِيدِ عَنْ مَكَّةَ) أَيْ إدْخَالُهُ فِي حَاضِرِي الْحَرَمِ، وَالْمُرَادُ الْبَعِيدُ عَنْ مَكَّةَ الْقَرِيبُ مِنْ الْحَرَمِ كَأَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَمِ سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا وَبَيْنَ طَرَفِ الْحَرَمِ الَّذِي يَلِيهِ وَبَيْنَ مَكَّةَ عَشْرَةُ أَمْيَالٍ فَهَذَا مِنْ حَاضِرِي الْحَرَمِ مَعَ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ سِتَّةً وَخَمْسُونَ مِيلًا وَقَوْلُهُ: وَإِخْرَاجُ الْقَرِيبِ أَيْ مِنْ مَكَّةَ أَيْ إخْرَاجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مِنْ حَاضِرِي الْحَرَمِ كَأَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَمِ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا وَبَيْنَ طَرَفِ الْحَرَمِ الَّذِي يَلِيهِ وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ فَجُمْلَةُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ وَاحِدٌ وَخَمْسُونَ مِيلًا فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ بِالنِّسْبَةِ لِلَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا سِتَّةٌ وَخَمْسُونَ مِيلًا كَمَا عَلِمْت اهـ. سُلْطَانٌ وَقَوْلُهُ: لِاخْتِلَافِ الْمَوَاقِيتِ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ لِاخْتِلَافِ جِهَاتِ الْحَرَمِ إذْ لَا عِلَاقَةَ لِخُصُوصِ الْمَوَاقِيتِ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ لِاخْتِلَافِ حُدُودِ الْحَرَمِ.
اهـ.
(قَوْلُهُ: أَيْضًا يُؤَدِّي إلَى إدْخَالِ الْبَعِيدِ إلَخْ) زَادَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَيُؤَدِّي أَيْضًا إلَى أَنَّ مَنْ بِذَاتِ عِرْقٍ مِنْ الْحَاضِرِينَ؛ لِأَنَّهَا عَلَى دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ الْحَرَمِ وَلَمْ يَسْتَثْنِهَا أَحَدٌ مِنْ حُكْمِ الْمَوَاقِيتِ اهـ. سَمِّ.
(قَوْلُهُ: وَعَطَفَ عَلَى مَدْخُولِ إنْ) أَيْ لَا عَلَى مَدْخُولِ لَمْ وَهُوَ الْمَنْفِيُّ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: فِي أَشْهُرِ حَجِّ عَامِهِ) لِأَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانُوا يَعُدُّونَهَا فِيهَا مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ فَرَخَّصَ الشَّارِعُ وُقُوعَهَا فِيهَا دَفْعًا لِلْمَشَقَّةِ عَنْ نَحْوِ غَرِيبٍ قَدِمَ قَبْلَ عَرَفَةَ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ بِعَدَمِ اسْتِدَامَتِهِ إحْرَامَهُ بَلْ يَتَحَلَّلُ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ مِنْ الدَّمِ وَمِنْ ثَمَّ لَوْ نَوَى الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ مَعَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ وَأَتَى بِأَعْمَالِهَا كُلِّهَا فِي شَوَّالٍ لَمْ يَلْزَمْهُ دَمٌ مَعَ أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ كَمَنْ أَتَى بِهَا كُلَّهَا قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ عَلَى الْمَشْهُورِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ اهـ. حَجّ.
(قَوْلُهُ: فَلَوْ وَقَعَتْ الْعُمْرَةُ إلَخْ) هَذَا مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ فِي أَشْهُرِ حَجٍّ، وَقَوْلُهُ أَوْ فِيهَا إلَخْ مُحْتَرَزُ الْإِضَافَةِ فِي قَوْلِهِ: حَجِّ عَامِهِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ إلَخْ فَيَبْعُدُ كَوْنُهُ مُحْتَرَزَ الْمَتْنِ وَلِذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَصَلَهُ بِكَذَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُحْتَرِزًا بِجَعْلِ الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ وَاعْتَمَرَ إلَخْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَحْرَمَ بِهَا وَأَتَى بِأَعْمَالِهَا فِي أَشْهُرِ حَجِّ عَامِهِ فَيَخْرُجُ مَا لَوْ أَحْرَمَ بِهَا قَبْلَ أَشْهُرِهِ وَأَتَى بِأَعْمَالِهَا فِي أَشْهُرِهِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَلَمْ يَعُدْ لِإِحْرَامِ الْحَجِّ إلَخْ) هَذَا الشَّرْطُ جَارٍ فِي كُلٍّ مِنْ الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ م ر فِي شَرْحِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ وَقَدَّمَهُ فِيهِ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي قَبْلَهُ فَكَانَ الْأَوْلَى هُنَا تَقْدِيمَهُ أَيْضًا وَقَوْلُهُ: لِإِحْرَامِ الْحَجِّ فِيهِ قُصُورٌ إذْ لَا يَتَأَتَّى الْعَوْدُ لِإِحْرَامِهِ إلَّا لِلْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ الَّذِي أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ بِالْحَجِّ، وَأَمَّا الْقَارِنُ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِمَا مَعًا فَلَا يَتَأَتَّى عَوْدُهُ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ مُحْرِمٌ بِهِ مِنْ قَبْلُ مَعَ أَنَّهُ لَوْ عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ قَبْلَ الِاشْتِغَالِ بِالْأَعْمَالِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الدَّمُ كَمَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ بَعْدُ أَوْ دَخَلَهَا الْقَارِنُ إلَخْ فَيُعْلَمُ مِنْ كَلَامِهِ فِي الشَّارِحِ حَيْثُ قَالَ أَوْ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا الْقَارِنُ أَنَّ قَوْلَهُ لِإِحْرَامِ الْحَجِّ لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ الْمَدَارُ فِي عَدَمِ وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى الْعَوْدِ إلَى الْمِيقَاتِ، سَوَاءٌ كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ أَوْ لِيُحْرِمَ بِهِ مِنْهُ فَقَوْلُهُ: فَلَوْ عَادَ إلَيْهِ أَيْ الْمُتَمَتِّعُ وَالْقَارِنُ الَّذِي أَحْرَمَ بِهَا أَوَّلًا وَأَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ أَوْ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ أَيْ الْمُتَمَتِّعُ وَالْقَارِنُ الْمَذْكُورُ فَقَوْلُهُ: أَوْ دَخَلَهَا الْقَارِنُ إلَخْ أَيْ الَّذِي أَحْرَمَ بِهِمَا مَعًا وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ قَبْلَ الْوُقُوفِ لِيَكُونَ الْعَوْدُ لِلْمِيقَاتِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْأَعْمَالِ حَتَّى لَا يَجِبَ الدَّمُ تَأَمَّلْ، ثُمَّ رَأَيْت فِي حَوَاشِي التَّحْرِيرِ لِلْقَلْيُوبِيِّ مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ لِإِحْرَامِ الْحَجِّ مِنْ الْمِيقَاتِ الْأَوْلَى إسْقَاطُ هَذَا وَيَقُولُ وَلَمْ يَعُدْ إلَى مِيقَاتٍ لِيَشْمَلَ مَنْ أَحْرَمَ بِهِمَا مَعًا ثُمَّ عَادَ وَمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ بَعْدَ الْعُمْرَةِ ثُمَّ عَادَ أَوْ أَدْخَلَهُ عَلَيْهَا ثُمَّ عَادَ اهـ. وَلِلشَّيْخِ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْضًا مَا نَصُّهُ: قَوْلُهُ وَلَمْ يَعُدْ إلَخْ وَصُورَتُهُ فِي الْقَارِنِ أَنْ يُحْرِمَ أَوَّلًا بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ فَهَذَا هُوَ الَّذِي الْكَلَامُ فِيهِ، وَأَمَّا لَوْ أَحْرَمَ بِهِمَا مَعًا فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي حَقِّهِ الْعَوْدُ لَكِنْ لَهُ أَنْ يَعُودَ وَإِنْ لَمْ يُحْرِمْ بِشَيْءٍ لِسُقُوطِ الدَّمِ عَنْهُ فَقَوْلُهُ: هُنَا لِإِحْرَامِ الْحَجِّ لَيْسَ بِقَيْدٍ فَالدَّارُ عَلَى قَطْعِ الْمَسَافَةِ فَقَطْ انْتَهَى.
وَعِبَارَةُ الْعُبَابِ: الرَّابِعُ أَنْ لَا يَعُودَ لِلْحَجِّ إلَى مِيقَاتِ عُمْرَتِهِ أَوْ مِثْلِ مَسَافَتِهِ أَوْ إلَى مِيقَاتٍ عَلَى دُونِهَا كَمَنْ مِيقَاتُهُ الْجُحْفَةُ فَعَادَ لِذَاتِ عِرْقٍ أَوْ إلَى مَرْحَلَتَيْنِ قَالَ
وَلَوْ أَقْرَبَ إلَى مَكَّةَ مِنْ مِيقَاتِ عُمْرَتِهِ أَوْ إلَى مِثْلِ مَسَافَةِ مِيقَاتِهَا فَلَوْ عَادَ إلَيْهِ وَأَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ لِانْتِفَاءِ تَمَتُّعِهِ وَتَرَفُّهِهِ، وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ أَوْ دَخَلَهَا الْقَارِنُ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ ثُمَّ عَادَ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى مِيقَاتِ.
(وَوَقْتِ وُجُوبِ الدَّمِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُتَمَتِّعِ (إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ) لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَصِيرُ مُتَمَتِّعًا بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ وَوَقْتُ جَوَازِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعُمْرَةِ وَقَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَلَا يَتَأَقَّتُ ذَبْحُهُ كَسَائِرِ دِمَاءِ الْجُبْرَانَاتِ بِوَقْتٍ (وَ) لَكِنْ (الْأَفْضَلُ ذَبْحُهُ يَوْمَ نَحْرٍ) لِلِاتِّبَاعِ وَخُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ أَوْجَبَهُ فِيهِ (فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ) حِسًّا أَوْ شَرْعًا (بِحَرَمٍ
[حاشية الجمل]
فِي شَرْحِهِ مِنْ مَكَّةَ وَزَعَمَ أَنَّ هَذَا إنَّمَا يَأْتِي عَلَى الضَّعِيفِ السَّابِقِ لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ الْمُلْحَظَ هُنَا غَيْرُهُ وَهُوَ عَدَمُ رِبْحِ مِيقَاتٍ وَمَنْ عَادَ لِمِثْلِ مَسَافَةِ أَدْنَى الْمَوَاقِيتِ لَمْ يَرْبَحْ مِيقَاتًا إلَخْ اهـ. اهـ. سَمِّ عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: وَلَوْ أَقْرَبَ إلَى مَكَّةَ مِنْ مِيقَاتِ عُمْرَتِهِ) أَيْ الَّذِي اعْتَمَرَ مِنْهُ وَفِيهِ أَنَّهُ مُتَمَتِّعٌ الْآنَ بِمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمَسَافَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ هُوَ الْآنَ لَمْ يَرْبَحْ مِيقَاتًا وَقَوْلُهُ: ثُمَّ عَادَ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى مِيقَاتٍ أَيْ مِنْ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ كَيَلَمْلَمَ اهـ. ح ل قَالَ فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَاكْتَفَى هُنَا بِالْمِيقَاتِ الْأَقْرَبِ بِخِلَافِهِ فِيمَا مَرَّ فِي عَوْدِهِ إلَى الْمِيقَاتِ بَعْدَ مُجَاوَزَتِهِ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ ثُمَّ لِأَنَّهُ هُنَاكَ قَضَاءٌ لِمَا فَوَّتَهُ بِإِسَاءَتِهِ؛ لِأَنَّهُ دَمُ إسَاءَةٍ بِخِلَافِهِ هُنَا اهـ. سَمِّ.
(قَوْلُهُ: فَلَوْ عَادَ إلَيْهِ) أَيْ الْمَذْكُورُ مِنْ قَوْلِهِ إلَى الْمِيقَاتِ، وَقَوْلُهُ أَوْ إلَى مِثْلِ مَسَافَةِ مِيقَاتِهَا.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ عَادَ كُلٌّ مِنْهُمَا إلَى مِيقَاتٍ) أَيْ قَبْلَ تَلَبُّسِهِ بِنُسُكٍ فَخَرَجَ مَا إذَا عَادَ بَعْدَ تَلَبُّسِهِ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ الْعَوْدُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ النُّسُكُ وُقُوفًا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَطَوَافَ قُدُومٍ كَأَنْ خَرَجَ الْمُتَمَتِّعُ إلَى مَحَلٍّ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ مَكَّةَ وَيُحْرِمُ مِنْهُ بِالْحَجِّ ثُمَّ يَدْخُلُهَا وَيَطُوفُ لِلْقُدُومِ أَوْ كَانَ طَوَافَ وَدَاعٍ مَسْنُونًا بِأَنْ يُحْرِمَ مِنْهَا بِالْحَجِّ ثُمَّ يَطُوفُ لِلْوَدَاعِ عِنْدَ خُرُوجِهِ لِعَرَفَةَ وَاعْلَمْ أَنَّهُ عَبَّرَ فِي التُّحْفَةِ بَدَلَ التَّعْبِيرِ بِنُسُكٍ بِقَبْلِ الْوُقُوفِ فَكَتَبَ عَلَيْهِ مَوْلَانَا وَسَيِّدُنَا وَشَيْخُنَا مُحَقِّقُ عَصْرِهِ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مُقْتَضَاهُ نَفَعَ الْعَوْدُ قَبْلَهُ أَيْ الْوُقُوفِ وَلَوْ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ فِيمَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ خَارِجَ مَكَّةَ أَوْ بَعْدَ طَوَافِ الْوَدَاعِ الْمَسْنُونِ عِنْدَ الذَّهَابِ إلَى عَرَفَةَ وَقَدْ جَزَمَ فِي فَتْحِ الْجَوَّادِ بِأَنَّ الْعَوْدَ حِينَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الْمُتَمَتِّعَ وَلَا الْقَارِنَ وَهُوَ مُقْتَضَى مَا فِي شَرْحِ الرَّوْضِ وَخَصَّ فِي الْحَاشِيَةِ تَعْمِيمَ النُّسُكِ الَّذِي يَمْنَعُ التَّلَبُّسَ بِهِ نَفْعَ الْعَوْدِ بِالْمُتَمَتِّعِ، وَأَمَّا الْقَارِنُ فَيُجْزِيهِ الْعَوْدُ قَبْلَ الْوَقْفِ وَإِنْ سَبَقَهُ نَحْوُ طَوَافِ قُدُومٍ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِمَا لَا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ وَهُوَ مُقْتَضَى مَتْنِ الرَّوْضِ فَإِنَّهُ عَبَّرَ فِي الْمُتَمَتِّعِ بِقَبْلِ النُّسُكِ وَفِي الْقَارِنِ بِقَبْلِ الْوُقُوفِ لَكِنْ زَادَ شَارِحُهُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ قَوْلَهُ أَوْ نُسُكٌ آخَرُ كَمَا أَشَرْت إلَيْهِ آنِفًا، وَأَمَّا صَاحِبُ الْمُغْنِي وَالنِّهَايَةِ فَلَمْ يَتَعَرَّضَا لِهَذَا الْقَيْدِ فِي الْمُتَمَتِّعِ وَقَيَّدَاهُ فِي الْقَارِنِ بِقَبْلِ الْوُقُوفِ تَبَعًا لِمَتْنِ الرَّوْضِ اهـ. وَحَاصِلُ الْفَرْقِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْحَاشِيَةِ أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ فَرْعٌ مِنْ تَحَلُّلِ بَعْضِ النُّسُكَيْنِ فَأَثَّرَ فِعْلُهُ لِشَبَهِ مَا يَقَعُ بِهِ التَّحَلُّلُ وَهُوَ الطَّوَافَانِ الْمَذْكُورَانِ، وَأَمَّا الْقَارِنُ فَلَا يَأْخُذُ فِي أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ إلَّا بِالْوُقُوفِ قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّءُوفِ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ وَقَدْ يُقَالُ مِثْلُ الطَّوَافَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُتَمَتِّعِ الْمَبِيتُ بِمِنًى لَيْلَةَ التَّاسِعِ فَلَا يَنْفَعُهُ الْعَوْدُ بَعْدَهُ حِينَئِذٍ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَيْسَ الْمَبِيتُ الْمَذْكُورُ عَلَى صُورَةِ رُكْنٍ بَلْ عَلَى صُورَةِ وَاجِبٍ وَلَا دَخْلَ لَهُ فِي التَّحَلُّلِ فَيَنْفَعُهُ الْعَوْدُ حِينَئِذٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ كَمَا بَيَّنْته فِي حَاشِيَتِي عَلَى شَرْحِ أَبْيَاتِ الدِّمَاءِ اهـ. ابْنُ الْجَمَّالِ.
(قَوْلُهُ: عَلَيْهِ) أَيْ الْمُتَمَتِّعِ اُنْظُرْ مَا وَقْتُ وُجُوبِهِ عَلَى الْقَارِنِ بِصُورَتَيْهِ فَإِنِّي لَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ) أَيْ فَلَا يَسْتَقِرُّ قَبْلَهُ فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ ع ش عَلَى م ر.
(قَوْلُهُ: لِلِاتِّبَاعِ وَخُرُوجًا إلَخْ) وَلَوْلَا هَذَانِ لَكَانَ الْقِيَاسُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ وَالْإِمْكَانِ كَالزَّكَاةِ اهـ. شَرْحُ م ر.
(قَوْلُهُ: مَنْ أَوْجَبَهُ فِيهِ) وَهُوَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - اهـ. بِرْمَاوِيٌّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
(قَوْلُهُ: فَإِنْ عَجَزَ إلَخْ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَعَلَى كُلٍّ مِنْ الْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ دَمٌ إلَخْ تَأَمَّلْ.
اهـ. شَيْخُنَا.
(قَوْلُهُ: أَيْضًا فَإِنْ عَجَزَ بِحَرَمٍ إلَخْ) أَيْ وَقْتَ الْأَدَاءِ لَا وَقْتَ الْوُجُوبِ اهـ. حَجّ فَالْعِبْرَةُ فِي مَكَانِ الْعَجْزِ بِالْحَرَمِ وَفِي زَمَانِهِ بِوَقْتِ الْأَدَاءِ أَيْ الْوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُ أَدَاءَ الدَّمِ فِيهِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: أَيْضًا فَإِنْ عَجَزَ بِحَرَمٍ إلَخْ) أَيْ سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَيْهِ بِبَلَدِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ أَمْ لَا بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ يَخْتَصُّ ذَبْحُهُ بِالْحَرَمِ دُونَ الْكَفَّارَةِ فَلَوْ عَدِمَ الْهَدْيَ فِي الْحَالِ وَعَلِمَ وُجُودَهُ قَبْلَ فَرَاغِ الصَّوْمِ فَلَهُ الصَّوْمُ فِي الْأَظْهَرِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَعْجِزْ فِي مَوْضِعِهِ وَلَوْ رُجِيَ وُجُودُهُ جَازَ لَهُ الصَّوْمُ وَفِي اسْتِحْبَابِ انْتِظَارِهِ مَا مَرَّ فِي التَّيَمُّمِ وَلَوْ وَجَدَ الْمُتَمَتِّعُ الْفَاقِدُ لِلْهَدْيِ الْهَدْيَ بَيْنَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَالصَّوْمِ لَزِمَهُ الْهَدْيُ لَا إنْ وَجَدَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الصَّوْمِ فَلَا يَلْزَمُهُ وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ خُرُوجًا مِنْ الْخِلَافِ اهـ. شَرْحُ م ر وَقَوْلُهُ: لَا إنْ وَجَدَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الصَّوْمِ وَإِذَا فَعَلَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي الصَّوْمِ فَهَلْ تَسْقُطُ بَقِيَّتُهُ لِفِعْلِهِ مَا هُوَ الْأَصْلُ وَيَقَعُ مَا فَعَلَ لَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا أَمْ لَا فِيهِ نَظَرٌ وَالْأَقْرَبُ الْأَوَّلُ قِيَاسًا عَلَى مَا لَوْ عَجَزَ عَنْ الْإِعْتَاقِ فِي كَفَّارَةِ الْوِقَاعِ وَالظِّهَارِ وَشَرَعَ فِي الصَّوْمِ ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْإِعْتَاقِ فَفَعَلَهُ فَإِنَّ مَا صَامَهُ يَقَعُ نَفْلًا مُطْلَقًا اهـ. عِ ش عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: حِسًّا) بِأَنْ لَمْ يَجِدْهُ
صَامَ) بَدَلَهُ وُجُوبًا (قَبْلَ) يَوْمِ (نَحْرٍ) مِنْ زِيَادَتِي
[حاشية الجمل]
أَوْ شَرْعًا بِأَنْ وَجَدَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَلَوْ بِمَا يُتَغَابَنُ بِهِ أَوْ بِثَمَنِ الْمِثْلِ لَكِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ لِمُؤَنِ سَفَرِهِ الْجَائِزِ أَوْ لِدَيْنِهِ وَلَوْ مُؤَجَّلًا كَمَا اسْتَظْهَرَهُ فِي الْإِمْدَادِ فِي الْأَوْلَى وَجَزَمَ بِهِ فِيهَا فِي مَتْنِ الْمُخْتَصَرِ وَقِيَاسًا عَلَى أَصْلِ النُّسُكِ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ غَابَ مَالُهُ قَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّءُوفِ وَلَوْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ؛ لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْفَقْدِ حَالَ الْأَدَاءِ بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي قِسْمِ الصَّدَقَاتِ حَيْثُ كَانَ فَقِيرًا بِغَيْبَتِهِ مَرْحَلَتَيْنِ وَغَنِيًّا بِدُونِهِمَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ عُرْفًا إلَّا كَذَلِكَ اهـ. وَاسْتَوْجَهَ ذَلِكَ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الشَّرْحِ لَكِنْ قَالَ يَنْبَغِي تَقْيِيدُ مَا دُونَهُمَا بِمَا إذَا كَانَ فِي إحْضَارِهِ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً انْتَهَى أَوْ وَمُحْتَاجٌ إلَى ثَمَنِهِ وَاسْتَظْهَرَ فِي التُّحْفَةِ أَنَّهُ يَأْتِي هُنَا مَا ذَكَرُوهُ فِي الْكَفَّارَةِ مِنْ ضَابِطِ الْحَاجَةِ وَمِنْ اعْتِبَارِ سِنِّهِ أَوْ الْعُمُرِ الْغَالِبِ أَيْ وَهُوَ الْمُرَجَّحُ عِنْدَ عَامَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَمَنْقُولُ الْجُمْهُورِ وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ وَمِنْ اعْتِبَارِ وَقْتِ الْأَدَاءِ الْوُجُوبُ قَالَ وَقِيَاسُ مَا تَقَرَّرَ أَنَّ مَنْ عَلَى دُونِ مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَحَلٍّ يُسَمَّى حَاضِرًا فِيهِ وَمَا يَأْتِي فِي الدِّيَاتِ أَنَّهُ يَجِبُ نَقْلُهَا مِنْ دُونِ مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَنْ يُلْحَقَ بِمَوْضِعِهِ هُنَا كُلُّ مَا كَانَ عَلَى دُونِ مَرْحَلَتَيْنِ مِنْهُ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ وَلَوْ أَمْكَنَهُ الِاقْتِرَاضُ قَبْلَ حُضُورِ مَالِهِ الْغَائِبِ يَأْتِي هُنَا مَا يَأْتِي فِي قِسْمِ الصَّدَقَاتِ فِيمَا يَظْهَرُ قَالَهُ فِي التُّحْفَةِ قَالَ مَوْلَانَا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهَذَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الِاقْتِرَاضِ لَكِنْ فِي فَتْحِ الْجَوَّادِ أَيْ وَأَصْلُهُ وَإِنْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ فِيمَا يَظْهَرُ كَالتَّيَمُّمِ اهـ. وَيَظْهَرُ أَنَّ هَذَا أَوْجَهُ مِمَّا فِي التُّحْفَةِ وَيُؤَيِّدُهُ تَصْرِيحُهُمْ هُنَا بِأَنَّهُ يُقَدَّمُ الدَّيْنُ وَلَوْ مُؤَجَّلًا عَلَى الدَّمِ اهـ. وَبِهِ جَزَمَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّءُوفِ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الشَّارِحِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى اهـ. ابْنُ الْجَمَّالِ.
(قَوْلُهُ: صَامَ بَدَلَهُ وُجُوبًا قَبْلَ يَوْمِ نَحْرٍ) هَذَانِ كَانَ الصَّوْمُ مُتَعَلِّقًا بِالْحَجِّ كَمَا هُوَ سِيَاقُ الْكَلَامِ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالْعُمْرَةِ كَأَنْ جَاوَزَ مِيقَاتَهَا بِلَا إحْرَامٍ فَإِنَّ الثَّلَاثَةَ تَكُونُ أَدَاءً قَبْلَ التَّحَلُّلِ مِنْهَا وَعَقِبَهُ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ السَّبْعَةِ بِيَوْمٍ إنْ كَانَ مَكِّيًّا وَبِمُدَّةِ السَّيْرِ إنْ كَانَ آفَاقِيًّا اهـ. ابْنُ الْجَمَّالِ.
(قَوْلُهُ: أَيْضًا صَامَ بَدَلَهُ وُجُوبًا قَبْلَ يَوْمِ نَحْرٍ) هَذَا لَا يَتَأَتَّى إلَّا فِي الصَّوْمِ الَّذِي سَبَبُهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى يَوْمِ النَّحْرِ وَذَلِكَ خَمْسَةُ أَسْبَابٍ التَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ وَتَرْكُ الْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَتَرْكُ الْمَشْيِ الْمَنْذُورِ وَفَوَاتُ الْحَجِّ؛ لِأَنَّ وَقْتَ الصَّوْمِ فِيهِ مِنْ حِينِ الْإِحْرَامِ بِالْقَضَاءِ فَيُوقَعُ الثَّلَاثَةُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَأَمَّا فِي الصَّوْمِ الَّذِي سَبَبُهُ مُتَأَخِّرٌ فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ صَوْمُ الثَّلَاثَةِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَإِنَّمَا وَقْتُ أَدَائِهَا عَقِبَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ هَكَذَا أَشَارَ حَجّ لِهَذَا التَّفْصِيلِ.
وَعِبَارَةُ ابْنِ الْجَمَّالِ بَعْدَ قَوْلِ النَّظْمِ يَصُومُ إنْ دَمًا فَقَدَ، أَيْ يَصُومُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالنِّسْبَةِ لِلتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَالْفَوَاتِ وَمُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ فِي الْحَجِّ وَالْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ الْمَنْذُورَيْنِ وَعَقِبَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّمْيِ وَالْمَبِيتَيْنِ وَبَعْدَ اسْتِقْرَارِ الدَّمِ عَلَيْهِ فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ إمَّا بِوُصُولِهِ لِمَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ لِنَحْوِ وَطَنِهِ كَمَا مَرَّ وَبَعْدَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِمُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ فِيهَا وَالْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ الْمَنْذُورَيْنِ فِيهَا انْتَهَتْ وَمَحَلُّ وُجُوبِ الصَّوْمِ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْهَدْيِ قَبْلَ فَرَاغِ الصَّوْمِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ جَاءَ فِيهِ مَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ مِنْ وُجُوبِ الْمُدِّ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْإِمْدَادِ بَقِيَ الْوَاجِبُ فِي ذِمَّتِهِ فَإِذَا قَدَرَ عَلَى أَيِّ وَاحِدٍ فَعَلَهُ وَلَا يُنَافِي هَذَا قَوْلَهُمْ إنَّ هَذَا الدَّمَ مُرَتَّبٌ مُقَدَّرٌ؛ لِأَنَّ الْإِطْعَامَ إنَّمَا هُوَ بَدَلٌ عَنْ الصَّوْمِ الَّذِي عَجَزَ عَنْهُ فَالتَّرْتِيبُ وَاقِعٌ بَيْنَ الدَّمِ وَبَدَلِهِ الَّذِي هُوَ الصَّوْمُ، وَلَوْ مَاتَ الْمُتَمَتِّعُ قَبْلَ فَرَاغِ أَعْمَالِ الْحَجِّ أَيْ أَرْكَانِهِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الدَّمُ وَيَخْرُجْ مِنْ تَرِكَتِهِ، قَالَهُ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّءُوفِ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الدَّمُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ حَجٌّ، قُلْت لِأَنَّهُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ الْتَزَمَ جَمِيعَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ أُثِيبَ عَلَى مَا فَعَلَهُ فَاحْتَاجَ لِجَبْرِ نَقْصِهِ اهـ. أَوْ بَعْدَ فَرَاغِهِ قَطْعًا أَوْ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الصَّوْمِ سَقَطَ بِخِلَافِهِ بَعْدَهُ فَيُصَامُ عَنْهُ أَوْ يُطْعَمُ مِنْ تَرِكَتِهِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ وَلَا يَتَعَيَّنُ صَرْفُهُ إلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ بَدَلُ الصَّوْمِ وَهُوَ لَا يَجِبُ إيقَاعُهُ فِي الْحَرَمِ بِخِلَافِ طَعَامِ نَحْوِ الصَّيْدِ نَعَمْ يُسْتَحَبُّ صَرْفُهُ فِيهِ قَالَ الشَّارِحُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، قُلْت وَالظَّاهِرُ جَرَيَانُ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الدِّمَاءِ الْمُلْحَقَةِ بِدَمِ التَّمَتُّعِ اهـ. وَإِذَا أَطْعَمَ عَنْهُ الْوَلِيُّ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مُدًّا تَعَيَّنَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُدٍّ بَدَلٌ عَنْ يَوْمٍ، قَالَ فِي التُّحْفَةِ وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ عَنْ التَّمَتُّعِ مِمَّا يَتَعَيَّنُ فِي طَعَامِهِ الْمُدُّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ.
اهـ. اهـ ابْنُ الْجَمَّالِ.
(فَرْعٌ)
وَجَدَ الْهَدْيَ بَيْنَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَالصَّوْمِ لَزِمَهُ لَا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ بَلْ يُسْتَحَبُّ، وَإِذَا مَاتَ الْمُتَمَتِّعُ قَبْلَ فَرَاغِ الْحَجِّ، وَالْوَاجِبُ هَدْيٌ لَمْ يَسْقُطْ أَيْ بَلْ يُخْرَجُ مِنْ تَرِكَتِهِ
(ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تُسَنُّ قَبْلَ) يَوْمِ (عَرَفَةَ) ؛ لِأَنَّهُ يُسَنُّ لِلْحَاجِّ فِطْرُهُ وَلَا يَجُوزُ صَوْمُ شَيْءٍ مِنْهَا فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَلَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كَمَا مَرَّ ذَلِكَ فِي بَابِهِ وَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ فَلَا تُقَدَّمُ عَلَى وَقْتِهَا (وَسَبْعَةً فِي وَطَنِهِ) قَالَ تَعَالَى:
[حاشية الجمل]
أَوْ صَوْمٌ سَقَطَ إنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ وَإِلَّا فَكَرَمَضَانَ فَيُصَامُ عَنْهُ أَوْ يُطْعَمُ اهـ. رَوْضٌ اهـ. سم عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ تُسَنُّ إلَخْ) وَيَجِبُ فِي هَذَا الصَّوْمِ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ وَهَلْ يَجِبُ تَعْيِينُ الصَّوْمِ كَأَنْ يَنْوِيَ صَوْمَ التَّمَتُّعِ إنْ تَمَتَّعَ أَوْ الْقِرَانِ إنْ قَرَنَ صَرَّحَ الْمُتَوَلِّي وَغَيْرُهُ بِالْأَوَّلِ وَجَرَى عَلَيْهِ الشَّارِحُ، قَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّءُوفِ لَكِنْ يُنَافِيهِ عَدَمُ وُجُوبِ التَّعْيِينِ فِي الْكَفَّارَاتِ بَلْ تَكْفِيهِ نِيَّةُ الْوَاجِبِ بِلَا تَعْيِينٍ فَقِيَاسُهُ هُنَا كَذَلِكَ وَبِهِ صَرَّحَ الْقَفَّالُ وَاسْتِظْهَارُ شَيْخِنَا الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ اهـ. ابْنُ الْجَمَّالِ.
(قَوْلُهُ: تُسَنُّ قَبْلَ عَرَفَةَ) أَيْ فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْرِمَ قَبْلَ سَادِسِ الْحِجَّةِ وَيَصُومَهُ وَتَالِيَيْهِ وَإِذَا أَحْرَمَ فِي زَمَنٍ يَسَعُ الثَّلَاثَةَ وَجَبَ عَلَيْهِ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ فَإِنْ لَمْ يَسَعْ إلَّا بَعْضَهَا وَجَبَ، فَإِنْ أَخَّرَهَا أَوْ بَعْضَهَا عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَصَى وَصَارَتْ قَضَاءً، وَإِنْ أَخَّرَ الطَّوَافَ وَالْحَلْقَ وَصَدَقَ عَلَيْهِ أَنَّهُ فِي الْحَجِّ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَهُمَا عَنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ نَادِرٌ فَلَا يَكُونُ مُرَادًا مِنْ الْآيَةِ وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فَوْرًا كَمَا هُوَ قِيَاسُ نَظَائِرِهِ لِتَعَدِّيهِ بِالتَّأْخِيرِ وَلَيْسَ السَّفَرُ عُذْرًا فِي تَأْخِيرِ صَوْمِهَا؛ لِأَنَّ صَوْمَهَا يَتَعَيَّنُ إيقَاعُهُ فِي الْحَجِّ بِالنَّصِّ وَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا فَلَا يَكُونُ السَّفَرُ عُذْرًا بِخِلَافِ رَمَضَانَ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُ الْإِحْرَامِ بِزَمَنٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، إذْ لَا يَجِبُ تَحْصِيلُ سَبَبِ الْوُجُوبِ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَحُجَّ فِي هَذَا الْعَامِ وَيُسَنُّ لِلْمُوسِرِ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَهُوَ ثَامِنُ ذِي الْحِجَّةِ لِلِاتِّبَاعِ اهـ. شَرْحُ م ر وحج.
وَعِبَارَةُ ابْنِ الْجَمَّالِ.
(فَائِدَةٌ)
لَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ صَوْمِ الثَّلَاثَةِ أَدَاءً بَيْنَ السَّفَرِ وَغَيْرِهِ بِخِلَافِ قَضَاءِ رَمَضَانَ وَفَرَّقَ فِي الْمَجْمُوعِ بَيْنَ أَدَائِهَا وَأَدَاءِ رَمَضَانَ الَّذِي هُوَ عُذْرٌ فِيهِ بِأَنَّ صَوْمَ الثَّلَاثَةِ تَعَيَّنَ إيقَاعُهُ فِي الْحَجِّ بِالنَّصِّ، قَالَ الْعَلَّامَةُ عَبْدُ الرَّءُوفِ أَقُولُ وَكَانَ حُكْمُهُ النَّصَّ عَلَى إيقَاعِهَا فِي الْحَجِّ أَنَّ السَّفَرَ شَرْطٌ أَوْ شَطْرٌ لِحَجِّ التَّمَتُّعِ بَلْ مُطْلَقُ السَّفَرِ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي مُطْلَقِ الْحَجِّ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ بِخِلَافِ رَمَضَانَ فَالسَّفَرُ فِيهِ غَيْرُ غَالِبٍ فَكَانَ عُذْرًا فِيهِ تَحْقِيقًا مَعَ أَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِأَنَّهُ عُذْرٌ فِيهِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] . اهـ. انْتَهَتْ.
(قَوْلُهُ: لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ) أَيْ بِخِلَافِ الدَّمِ فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعُمْرَةِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ وَهُوَ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى ثَانِي سَبَبَيْهِ لَكِنْ لَوْ بَانَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنَّهُ مِمَّنْ لَا يَلْزَمُهُ الدَّمُ فَهَلْ يَجْرِي فِيهِ تَفْصِيلُ الزَّكَاةِ الْمُعَجَّلَةِ فَيُقَالُ إنْ شَرَطَ أَوْ قَالَ هَذَا دَمِي الْمُعَجَّلُ أَوْ عَلِمَ الْمُسْتَحِقُّ الْقَابِضُ بِالتَّعْجِيلِ لَهُ الرُّجُوعُ وَإِلَّا فَلَا أَوْ يَخْتَصُّ مَا ذَكَرُوهُ بِالزَّكَاةِ، قَالَ فِي التُّحْفَةِ فِي فَصْلِ تَعْجِيلِ الزَّكَاةِ كُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَفَرْضُهُمْ ذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِغَيْرِهَا يَمِيلُ لِلثَّانِي وَالْمُدْرِكُ يَمِيلُ لِلْأَوَّلِ فَتَأَمَّلْ اهـ.
وَفَرَّقَ قَبْلُ بِأَنَّ الزَّكَاةَ مُوَاسَاةٌ فَرَفَقَ بِمَخْرَجِهَا بِتَوْسِيعِ طَرَفِ الرُّجُوعِ لَهُ بِخِلَافِ نَحْوِ الدَّمِ وَالْكَفَّارَةِ فَإِنَّهُ فِي أَصْلِهِ بَدَلُ جِنَايَةٍ فَضَيَّقَ عَلَيْهِ بِعَدَمِ رُجُوعِهِ فِي تَعْجِيلِهِ مُطْلَقًا اهـ. أَمَّا قَبْلَ فَرَاغِ الْعُمْرَةِ فَلَا يَصِحُّ التَّقْدِيمُ وَلَا يَجُوزُ لِامْتِنَاعِ تَقْدِيمِ الْعِبَادَةِ الْمَالِيَّةِ عَلَى سَبَبِهَا اهـ. ابْنُ الْجَمَّالِ.
(قَوْلُهُ: وَسَبْعَةً فِي وَطَنِهِ) أَيْ أَوْ مَا يُرِيدُ تَوَطُّنَهُ وَلَوْ مَكَّةَ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَطَنٌ أَوْ أَعْرَضَ عَنْ وَطَنِهِ وَمَحَلُّ الِاعْتِدَادِ بِصَوْمِهَا فِي وَطَنِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ طَوَافُ إفَاضَةٍ أَوْ سَعْيٌ أَوْ حَلْقٌ؛ لِأَنَّهُ إلَى الْآنَ لَمْ يَفْرَغْ مِنْ الْحَجِّ نَعَمْ لَوْ وَصَلَ لِوَطَنِهِ قَبْلَ الْحَلْقِ ثُمَّ حَلَقَ فِيهِ جَازَ لَهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ صَوْمِهَا عَقِبَ الْحَلْقِ وَلَمْ يَحْتَجْ لِاسْتِئْنَافِ مُدَّةِ الرُّجُوعِ اهـ. حَجّ وَلَا أَثَرَ لِتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَالْفَرْقُ أَنَّ الرُّكْنَ لِتَوَقُّفِ صِحَّةِ الْحَجِّ عَلَيْهِ آكَدُ مِنْهَا اهـ ابْنُ الْجَمَّالِ وَالْوَجْهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ أَنَّهُ يَكْفِي تَفْرِيقٌ وَاحِدٌ لِدِمَاءٍ مُتَعَدِّدَةٍ كَمَا لَوْ لَزِمَهُ دَمُ تَمَتُّعٍ وَدَمُ إسَاءَةٍ فَصَامَ سِتَّةً مُتَوَالِيَةً فِي الْحَجِّ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ مُتَوَالِيَةً إذَا رَجَعَ إلَى وَطَنِهِ فَيُجْزِيهِ وَلَوْ لَمْ يَصُمْ شَيْئًا حَتَّى رَجَعَ مَثَلًا فَقَضَى سِتًّا مُتَوَالِيَةً ثُمَّ بَعْدَ مُضِيِّ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ وَقَدْرِ مُدَّةِ السَّيْرِ صَامَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَجْزَأَ أَيْضًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَصِحُّ صَوْمُ السَّبْعَةِ بِوُصُولِهِ وَطَنَهُ وَإِنْ أَعْرَضَ عَنْ اسْتِيطَانِهِ قَبْلَ صَوْمِهَا وَأَرَادَ اسْتِيطَانَ مَحَلٍّ آخَرَ وَتَرَكَ الِاسْتِيطَانَ مُطْلَقًا، وَلَوْ أَرَادَ اسْتِيطَانَ مَحَلٍّ آخَرَ فَهَلْ يَصِحُّ صَوْمُهَا بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ وَإِنْ أَعْرَضَ عَنْ اسْتِيطَانِهِ قَبْلَ صَوْمِهَا فِيهِ نَظَرٌ وَلَا يَبْعُدُ الصِّحَّةُ اهـ. سَمِّ عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: أَيْضًا وَسَبْعَةً فِي وَطَنِهِ) قَالَ فِي الْعُبَابِ مَتَى شَاءَ فَلَا تَفُوتُ قَالَ فِي شَرْحِهِ، وَقَوْلُ الْمَاوَرْدِيِّ يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَهَا عَقِبَ دُخُولِهِ فَإِنْ أَخَّرَهَا أَسَاءَ وَأَجْزَأَ يَنْبَغِي حَمْلُ أَسَاءَ فِيهِ عَلَى الْكَرَاهَةِ اهـ.
وَفِي حَاشِيَةِ الْإِيضَاحِ أَمَّا السَّبْعَةُ فَوَقْتُهَا مُوَسَّعٌ إلَى آخِرِ الْعُمُرِ فَلَا تَصِيرُ قَضَاءً بِالتَّأْخِيرِ وَلَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهَا خِلَافًا لِلْمَاوَرْدِيِّ اهـ. سَمِّ عَلَى حَجّ.
(قَوْلُهُ: أَيْضًا وَسَبْعَةً فِي وَطَنِهِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَا يَكْفِي الْإِقَامَةُ