بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 80-119

كتابُ قَسْم الفيء والغنيمة

صفحات 80-119

بابُ ما يحرُم من النِّكاح تَحْرُمُ الأُمَّهَاتُ، وَكُلُّ مَنْ وَلَدَتْكَ أَوْ وَلَدَتْ مَنْ وَلَدَكَ فَهِيَ أُمُّكَ. وَالْبَنَاتُ، وَكُلُّ مَنْ وَلَدْتَهَا أَوْ وَلَدْتَ مَنْ وَلَدَهَا فَهِيَ بِنْتُكَ. قُلْتُ: وَالْمَخْلُوقَةُ مِنْ زِنَاهُ تَحِلُّ لَهُ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلَدُهَا مِنْ زِنًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالأَخَوَاتُ، وَبَنَاتُ الإِخْوَةِ وَالأَخَوَاتِ، وَالْعَمَّاتُ، وَالْخَالَاتُ، وَكُلُّ مَنْ هِيَ أُخْتُ ذَكَرٍ وَلَدَكَ

﴿باب ما يحرم من النكاح﴾ يطلق التحريم في العقد بمعنى التأثيم وعدم الصحة، وهو المراد هنا، ويطلق بمعنى التأثيم مع الصحة؛ كما في نكاح المخطوبة على خطبة الغير.
(تحرم الأمهات) للنص والإجماع، (وكل من ولدتك أو ولدت من ولدك) وهي الجدة من الجهتين وإن علت (.. فهي أمك) وفي إطلاق الأم على الجدة وجهان مذكوران في (كتاب الوقف والوصية) أصحهما: أنه مجاز، فعلى هذا: يكون التحريم ثابتًا لها بالإلحاق؛ لمشاركتها الأم في المعنى وهي الولادة، وعلى الأول: فيكون ثابتًا لها بالنص؛ لشمول الاسم.
(والبنات) للآية، (وكل من ولدتَها أو ولدت من ولدها) وهي بنات الأولاد وإن سفلن (.. فهي بنتك) وهل ذلك بطريق الحقيقة أو المجاز؟ فيه الخلاف المارّ.
(قلت: والمخلوقة من زناه تحل له) لأنها أجنبية عنه، بدليل انتفاء سائر أحكام النسب، وسواء طاوعته على الزنا أو أكرهها، وقيل: تحرم قطعًا، وقيل: تحرم إن تحقق أنها من مائه بأن أخبره نبيّ أنها منه، وعلى الأول: تكره، نص عليه؛ للخروج من الخلاف 1. (ويحرم على المرأة ولدها من زنًا، والله أعلم) بالإجماع؛ لأنه جزء منها، وقد أجمعوا على أنه يرثها.
(والأخوات) من كل جهة (وبنات الإخوة والأخوات) وإن سفلن.
(والعمات) من كل جهة، (والخالات) للآية (وكل من هي أخت ذكر ولدك

فَعَمَّتُكَ، أَوْ أُخْتُ أُنْثَى وَلَدَتْكَ فَخَالَتُكَ. وَتَحْرُمُ هَؤُلَاءِ السَّبعُ بِالرَّضَاعِ أَيْضًا. وَكُلُّ مَنْ أَرْضَعَتْكَ، أَوْ أَرْضعَتْ مَنْ أَرْضَعَتْكَ، أَوْ مَنْ وَلَدَكَ، أَوْ وَلَدَتْ مُرْضِعَتَكَ، أَوْ ذَا لَبَنِهَا فَأُمُّ رَضَاعٍ، وَقِسِ الْبَاقِي. وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْكَ مَنْ أَرْضَعَتْ أَخَاكَ وَنَافِلَتَكَ،

فعمتك، أو أخت أنثى ولدتك فخالتك) كان ينبغي أن يقول: بواسطة أو بغير واسطة؛ ليشمل عمات الأب والأم، وعمات الأجداد والجدات ولو من جهة الأم؛ كأخت أبي الأم، وخالات الأب والجد والجدة ولو من جهة الأب؛ كأخت أم الأب.
(وتحرم هؤلاء السبع بالرضاع أيضًا) لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ فنص سبحانه على الأم، وقسنا الباقي عليها، وفي "الصحيحين" من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ" 1، وفي رواية لهما: "مِنَ النَّسَبِ" 2. (وكلّ من أرضعتك، أو أرضعت من أرضعتك، أو من ولدك) بواسطة أو غيرها (أو ولدت مرضعتك، أو ذا لبنها) يعني: الفحل الذي لبن المرضعة منه (.. فأم رضاع) لما سبق.
(وقس الباقي) أي: باقي الأصناف المتقدمة، فكل امرأة ارتضعت بلبنك أو بلبن فرعك ولو من الرضاع.. فهي بنتك.
ومن ارتضع من أمك أو بلبن أبيك أو ولدته مرضعتك، أو فحلها.. فهو أخوك وأختك، وأخوات الفحل والمرضعة وأخوات من ولدهما من نسب أو رضاع.. عماتك وخالاتك، وبنات أولاد المرضعة والفحل من النسب والرضاع.. بنات أخيك وأختك.
(ولا يحرم عليك من أرضعت أخاك) أو أختك (و) من أرضعت (نافلتك) وهو ولد ولدك.

وَلَا أُمُّ مُرْضِعَةِ وَلَدِكَ وَبِنْتُهَا، وَلَا أُخْتُ أَخِيكَ بِنَسَبٍ وَلَا رَضَاعٍ، وَهِيَ: أُخْتُ أَخِيكَ لِأبِيكَ لِأمِّهِ وَعَكْسُهُ

(ولا أمّ مرضعة ولدك وبنتُها، ولا أخت أخيك بنسب ولا رضاع، وهي: أخت أخيك لأبيك لأمه وعكسه) أي: لا تحرم أخت الأخ من النسب ولا من الرضاع، وصورته في النسب -كما ذكره المصنف-: أن يكون لك أخ من أب وأخت من أم.. فله أن ينكح أختك من الأم.
وفي الرضاع: أن ترضعك امرأة، وترضع صغيرة أجنبية منك.. فلأخيك نكاحها، وهي أختك من الرضاع، وإذا ولدت هذه ولدًا.. كنت أنت عمًّا له وخالًا، هذه الصورة استثنيت من قوله: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" 1 فإن هؤلاء يحرمن في النسب، وفي الرضاع قد لا يحرمن.
وقد نظمها بعضهم فقال: [من الخفيف] أَرْبَعٌ هُنَّ فِي الرَّضَاع حَلَالٌ... وَإِذَا مَا نَاسَبْتَهُنَّ حَرَامُ جَدَّةُ ابْنٍ وَأُخْتُهُ ثُمَّ أمٌّ... لأَخِيهِ وَحَافِدٌ وَالسَّلَامُ قال في "زيادة الروضة": قال المحققون: لا حاجة إلى استثنائها؛ لأنها ليست داخلة في الضابط؛ ولهذا لم يستثنها الشافعي والجمهور، ولا استثنيت في الحديث؛ لأن أم الأخ لم تحرم لكونها أم أخ بل لكونها أمًّا أو حليلة أب، وفي الرضاع قد لا يكون كذلك، بأن ترضع أجنبية أخاك وأختك 2. وكذلك أم نافلتك لم تحرم، لكونها أم نافلتك بل لكونها إما بنتًا، أو موطوءة ولد وطئًا محترمًا، بخلاف الرضاع؛ فإنه قد لا يكون كذلك؛ بأن ترضع أجنبية نافلتك.
وكذلك أم مرضعة الولد إنما حرمت في النسب؛ لكونها إمّا أم أمك أو أم موطوءتك، وفي الرضاع قد لا يكون كذلك؛ كما إذا أرضعت أجنبية ولدك.. فإن أمها جدته وليست بأمك ولا أم موطوءتك.
وكذلك بنت مرضعة الولد إنما حرمت في النسب؛ لكونها بنتًا أو ربيبة، وفي

وَتَحْرُمُ زَوْجَةُ مَنْ وَلَدْتَ أَوْ وَلَدَكَ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، وَأُمَّهَاتُ زَوْجَتِكَ مِنْهُمَا، وَكَذَا بَنَاتُهَا إِنْ دَخَلْتَ بِهَا.

الرضاع لا تكون كذلك.
(وتحرم زوجة من ولدت) بواسطة أو بغير واسطة؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾, والتقييد بـ (الأصلاب) مخرج للتبني؛ إذ لا يحرم على المرء زوجة من تبنّاه.
(أو ولدك) بواسطة أو غيرها من قبل الأب، والأم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، قال في "الأم": أي: في الجاهلية قبل علمكم بتحريمه؛ فإنه كان أكبر ولد الرجل يخلف على امرأة أبيه 1. (من نسب أو رضاع) راجع للأمرين معًا، أما النسب.. فللآية، وأما الرضاع.. فللحديث المار 2. (وأمهات زوجتك منهما) أي: من النسب والرضاع، وسواء دخلت بها أم لا؛ لإطلاق قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾.
(وكذا بناتها) أي: بنات زوجتك (إن دخلت بها) للآية، وذكر الحجور خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له، وإنما لم يعتبر الدخول في أصول الزوجة؛ لأن الحاجة تدعو إلى مكالمة الزوج لأم المرأة عقب العقد؛ لترتيب أمر الزوجة، فاحتيج إلى الخلوة بها، بخلاف بنت الزوجة.
واعلم: أن الثلاث الأولى؛ أعني: زوجة الأب والابن وأم الزوجة يحرمن بمجرد العقد الصحيح، أما الفاسد.. فلا يتعلق به حرمة المصاهرة؛ كما لا يتعلق به حل المنكوحة؛ كما صرّح به في "المحرر"، و"الشرحين"، و"الروضة"، وقال في "الدقائق": الصواب: حذف لفظة: (الصحيح) كما حذفها "المنهاج"؛ فإن حرمة المصاهرة تثبت بالنكاح الفاسد، قال في "المهمات" تبعًا للشيخ برهان الدين: وهو غلط، وتقييد "المحرر" هنا صحيح، لكنه قال بعده: (ويحرم بالدخول في

وَمَنْ وَطِئَ امْرَأَةً بِمِلْكٍ.. حَرُمَ عَلَيْهِ أُمَّهَاتُهَا وَبَنَاتُهَا، وَحَرُمَتْ عَلَى آبَائِهِ وَأَبْنَائِهِ، وَكَذَا الْمَوْطُوءَةُ بِشُبْهَةٍ فِي حَقِّهِ - قِيلَ: أَوْ حَقِّهَا -.

النكاح الصحيح بنات الزوجة... ) إلى آخره، والتقييد هناك غير صحيح، فلا فرق في التحريم بالدخول بين الصحيح والفاسد، فأراد النووي التنبيه على الثاني فانتقل نظره إلى الأول 1. انتهى.
والحاصل: أن من حرم بالوطء.. لا تعتبر فيه صحة العقد؛ كالربيبة، ومن حرم بالعقد وهي الثلاث الأولى.. فلا بد من صحة العقد.
وقول المصنف: و (بناتها) ينبغي أن تحمل البنات على الحقيقة والمجاز؛ ليشمل بنت الزوجة وبناتها، وبنت ابن الزوجة وبناتها؛ فإن بنت الربيبة والربيب وإن سفلت حرام؛ كما صرح به القاضي أبو الطيب في "تعليقه"، والشيخ في "التنبيه" 2، وصاحب "الذخائر".
(ومن وطئ امرأة بملك.. حرم عليه أمهاتها وبناتها، وحرمت على آبائه وأبنائه) بالإجماع، (وكذا الموطوءة بشبهة) بنكاح أو شراء فاسدين، أو وطئها ظنًّا أنها زوجته أو أمته أو وطئ مشتركة أو أمة فرعه؛ لأنه وطء تصير به المرأة فراشًا يثبت النسب، ويوجب العدة، فيتعلق به حرمة المصاهرة؛ كالنكاح (في حقه) كأن وطئها يظنها زوجته وهي عالمة؛ كما أن ثبوت النسب والعدة يختص بما إذا كانت الشبهة من جانبه.
(قيل: أو حقها) كأن وطئها عالمًا، وهي جاهلة أو نائمة أو مكرهة؛ يعني: فبأيهما قامت الشبهة.. أثّرت، فعلى هذا: هل تؤثر في الطرفين أو في من قامت به؟ وجهان بلا ترجيح، فعلى الثاني: إن اشتبهت عليه.. حرمت عليه أمها وبنتها، ولا تحرم هي على أبيه وابنه، وإن اشتبه عليها.. فبالعكس.
واقتصار المصنف على التحريم قد يفهم أنه لا يثبت به المحرمية، وهو الصحيح،

لَا الْمَزنيُّ بِهَا. وَلَيْسَتْ مُبَاشَرَةٌ بِشَهْوَةٍ كَوَطْءٍ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوِ اخْتَلَطَتْ مَحْرَمٌ بِنِسْوَةِ قَرْيَةٍ كَبِيرَةٍ.. نَكَحَ مِنْهُنَّ،

وما رجحه من أنه لا أثر للشبهة في حقها صحيح بالنسبة إلى التحريم لا إلى المهر؛ ولهذا قال في "الوسيط": لكن يرجع في وجوب المهر إلى الاشتباه عليها فقط، وفي "الحاوي الصغير": وفي المهر بشبهتها 1. (لا المزنيُّ بها) أي: فلا يثبت لها حرمة المصاهرة؛ لأن الله تعالى قرن بين النسب والصهر فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ فلما انتفى عن الزنا حكم النسب.. انتفى عنه حكم المصاهرة.
(وليست مباشرةٌ) كمفاخذة وقبلة ولمس (بشهوةٍ كوطء في الأظهر) لأنه لا يوجب العدة، فكذا لا يوجب الحرمة، وقد قال تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾, فشرط الدخول في التحريم، والثاني: هي كالوطء؛ لأنه استمتاع يوجب الفدية على المحرم فكان كالوطء، وبه قال جمهور العلماء، وقال الرافعي في (أحكام إتيان الدبر): إنه قوي 2. والتقييد بالشهوة: من زوائده على "المحرر"، قال في "الدقائق" ولا بد منه 3. أما اللمس بغيرها.. فلا أثر له في التحريم عند المعظم، قال الإمام: ومنهم من أرسل الملامسة ولم يقيد بالشهوة، فيجوز أن يقال: تكفي صورة الملامسة؛ كما في نقض الطهارة 4. انتهى، قال السبكي: وإطلاق النص يقتضيه.
وخرج بالمباشرة: النظر بشهوة؛ فإنه لا يثبت حرمة المصاهرة على المذهب، واستدخال المني المحترم؛ كماء الزوج والأجنبي بشبهة يثبت حرمة المصاهرة أيضًا.
(ولو اختلطت مَحْرم بنسوة قرية كبيرة.. نكح منهن) وإلا.. انحسم عليه باب

لَا بِمَحْصُورَاتٍ. وَلَوْ طَرَأَ مُؤَبِّدُ تَحْرِيمٍ عَلَى نِكَاحٍ.. قَطَعَهُ كَوَطْءِ زَوْجَةِ ابْنِهِ بِشُبْهَةٍ. وَيَحْرُمُ جَمْعُ الْمَرْأَةِ وَأُخْتِهَا أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا مِنْ رَضَاعٍ أَوْ نَسَبٍ،

النكاح؛ فإنه وإن سافر إلى بلدة أخرى.. لم يؤمن مسافرتها إليها، (لا بمحصورات) أي: فلا ينكح واحدة منهن؛ احتياطًا للأبضاع مع انتفاء المشقة باجتنابهن، بخلاف الأولى، ولا مدخل للتحري في هذا الباب.
قال الإمام: والمحصور: ما سهل على الآحاد حصره، وفي "الإحياء": كل عدد لو اجتمع في صعيد واحد لعسر على الناظر عده بمجرد النظر؛ كالألف والألفين.. فغير محصور، وإن سهل؛ كالعشرة والعشرين.. فمحصور، وبين الطرفين أوساط تلحق بأحدهما بالظن، وما وقع فيه الشك فليستفت فيه القلب 1، قال الأَذْرَعي: وينبغي التحريم عند الشك عملًا بالأصل.
(ولو طرأ مؤبِّد تحريم على نكاح.. قطعه؛ كوطء زوجة ابنه بشبهة) لأنه معنى يوجب تحريمًا مؤبدًا، فإذا طرأ على النكاح.. أبطله؛ كالرضاع.
وقوله: (ابنه) هو بالنون وبالياء أيضًا، وقد ضبطه بهما المصنف بخطه، وقال: معًا.
(ويحرم جمع المرأة وأختها) من الأبوين أو أحدهما، ابتداءً ودوامًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾، (أو عمتها) أو عمة أحد أبويها، (أو خالتها) أو خالة أحد أبويها وإن علون؛ للنهي عنه في "الصحيحين" 2، ولما فيه من قطيعة الرحم (من رضاع أو نسب) لما سبق.
وضبط تحريم الجمع بكل امرأتين بينهما قرابة أو رضاع: لو كانت إحداهما ذكرًا.. حرمت المناكحة بينهما.
واحترز بالقرابة والرضاع: عن المصاهرة؛ فإنه يجوز الجمع بين المرأة وأم زوجها أو زوجة ولدها، وكذا يجوز الجمع بين بنت الرجل وربيبته، وبين المرأة وربيبة زوجها من امرأة أخرى، وبين أخت الرجل من أمه وأخته من أبيه.

فَإِنْ جَمَعَ بِعَقْدٍ.. بَطَلَ، أَوْ مُرَتِّبًا.. فَالثَّانِي. وَمَنْ حَرُمَ جَمْعُهُمَا بِنِكَاحٍ.. حَرُمَ فِي الْوَطْءِ بِمِلْكٍ، لَا مِلْكُهُمَا، فَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً.. حَرُمَتِ الأُخْرَى حَتَّى يُحَرِّمَ الأَولَى بِبَيعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ كِتَابَةٍ لَا حَيْضٍ وَإِحْرَامٍ، وَكَذَا رَهْنٌ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ مَلَكَهَا ثُمَّ نَكَحَ أُخْتَهَا أَوْ عَكَسَ.. حَلَّتِ الْمَنْكُوحَةُ دُونهَا

(فإن جمع بعقد.. بطل) النكاحان؛ إذ ليس تخصيص أحدهما بالبطلان أولى من الآخر، (أو مرتبًا.. فالثاني) لأن الجمع به حصل.
(ومن حرم جمعهما بنكاح.. حرم في الوطء بملك) لأنه إذا حرم العقد.. فلأن يحرم الوطء، وهو المقصود أولى، ولأن ذلك يؤدي إلى التباغض والتقاطع؛ كما يوجد بين الزوجات.
(لا ملكهما) بالإجماع؛ لأن الملك قد يقصد به غير الوطء، ولهذا يجوز له أن يشتري أخته ونحوها ممن لا يجوز له وطؤها.
(فإن وطئ واحدة) ولو مكرهًا أو جاهلًا أو في دبر (.. حرمت الأخرى حتى يحرم الأولى) كيلا يحصل الجمع المنهي عنه؛ فإن وطئ الثانية قبل تحريم الأولى.. أثم ولا حدّ، والأولى مستمرة على حلها، ولا يحرم الحرام الحلال (ببيع) لإزالة الملك، هذا إذا لزم، أما مع الخيار؛ فإن كان للبائع.. لم يكف؛ لأنه يحل له الوطء، وبيع بعضها وهبته مع قبضه، ووقفه كاف.
(أو نكاح أو كتابة) صحيحة؛ لارتفاع الحل، (لا حيض وإحرام) وعدة شبهة وردة، لأنها أسباب عارضة لم تُزل الملك ولا الاستحقاق.
(وكذا رهن) المقبوض (في الأصح) لأنه يملك الوطء بإذن المرتهن، فدل على بقاء الحل، والثاني: يكفي؛ كالكتابة، ولو ملك أمًّا وبنتها، ووطئ إحداهما.. حرمت الأخرى أبدًا، فلو وطئ الأخرى بعد ذلك جاهلًا بالتحريم.. حرمت الأولى أيضًا أبدًا، وإن كان عالمًا.. ففي وجوب الحدِّ قولان؛ إن قلنا: لا.. حرمت الأولى أيضًا أبدًا، وإلا.. فلا.
(ولو ملكها ثم نكح أختها أو عكس) أي: نكح امرأة ثم ملك أختها (.. حلت المنكوحة دونها) إذ فراش النكاح أقوى؛ للحوق الولد فيه، وإن لم يقر بالوطء.

وَلِلْعَبْدِ امْرَأَتَانِ، وَلِلْحُرِّ أَرْبَعٌ فَقَطْ، فَإِنْ نَكَحَ خَمْسًا مَعًا.. بَطَلْنَ، أَوْ مُرَتِّبًا.. فَالْخَامِسَةُ. وَتَحِلُّ الأُخْتُ وَالْخَامِسَةُ فِي عِدَّةِ بَائِنٍ لَا رَجْعِيَّةٍ

ولو عبر: بمن يحرم الجمع بينهما؛ ليشمل العمة ونحوها.. كان أحسن.
(وللعبد امرأتان) بإجماع الصحابة، كما نقله الحَكَم بن عُيَينة، ولأن النكاح من باب الفضائل، فلم يلحق العبد بالحر؛ كما لم يلحق الحر فيه منصب النبوة في الزيادة على الأربع، والمبعض كالقن؛ كما صرح به أبو حامد في "الرونق"، والمَحاملي في "اللباب" وغيرهما 1. (وللحر أربع فقط) لقوله صلى الله عليه وسلم لغيلان: "أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِق سَائِرَهُنَّ" صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما 2. وإذا منع في الدوام.. ففي الابتداء أولى، هذا في غير من يتوقف نكاحه على الحاجة، أما من يتوقف نكاحه عليها؛ كالسفيه والمجنون والحر الناكح للأمة.. فلا يجوز له غير واحدة، وذكر الشيخ عز الدين: أنه كان في شريعة موسى صلى الله عليه وسلم جواز التزويج من غير حصر؛ تغليبًا لمصلحة الرجال، وفي شريعة عيسى صلى الله عليه وسلم لا يجوز أكثر من واحدة، تغليبًا لمصلحة النساء، وراعت شريعتنا مصلحة النوعين 3. (فإن نكح خمسًا معًا.. بطلن) وكذلك العبد إذا نكح ثلاثًا، لأنه ليس إبطال نكاح واحدة بأولى من الأخرى، فبطل الجميع.
نعم؛ لو كان فيهن من يحرم الجمع بينهما؛ كأختين.. بطل فيهما وصح في الباقي على الأظهر، وقيل: قطعًا، وقياسه: ما لو كان فيهن من لا تحل له؛ كمجوسية أو وثنية البطلان فيها لا في الباقي، ولو نكح سبعًا فيهن أختان.. بطل الجميع.
(أو مرتبًا.. فالخامسة) لأن الزيادة على العدد الشرعي حصلت بها.
(وتحل الأخت والخامسة في عدة بائن) لأنها أجنبية منه، (لا رجعية) لأنها في

وَإِذَا طَلَّقَ الْحُرُّ ثَلَاثًا، وَالْعَبْدُ طَلْقَتَيْنِ.. لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تنكِحَ، وَتَغِيبَ بِقُبُلِهَا حَشَفَتُهُ أَوْ قَدْرُهَا،

حكم الزوجات، وكذا ليس له أن يطأ أختها بملك اليمين.
قاله القفال في "فتاويه"، ولو وطئ امرأة بشبهة.. فله نكاح أربع في عدتها.
(وإذا طلق الحر ثلاثًا، والعبد طلقتين) ولو قبل وطء (.. لم تحل له حتى تنكح، وتغيب بقبلها حشفته أو قدرها) من فاقدها، ويطلّقها وتنقضي عدتها؛ كما صرح به في "المحرر" 1، أما في الحر.. فلقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ أي: الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ أي: ويطأها؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لامرأة رفاعة: "لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ، وَيَذُوق عُسَيْلَتَكِ" متفق عليه 2، والمراد بالعسيلة: الجماع.
وأما في العبد.. فلأنه استوفى ما يملكه من الطلاق، فأشبه الحر.
وأما الاكتفاء بالحشفة.. فلأن بها تناط الأحكام، وهذا في الثيب، أما البكر.. فقد نقلا عن البغوي وأقراه: اشتراط الافتضاض بآلته، قال في "الكفاية": وحكاه المَحاملي عن "الأم" 3؛ لأن التقاء الختانين لا يحصل إلا بعد الافتضاض، وقال في "المطلب": هذا النص ليس يجري على إطلاقه، بل هو محمول على أن ذلك في الغالب يحصل بتغييب الحشفة.
وأما الاكتفاء بقدرها من مقطوعها.. فلقيامه مقامها.
قال الإمام: والمعتبر: الحشفة التي كانت لهذا العضو المخصوص.
وخرج بقوله: (حتى تنكح): ما لو كانت أمة فوطئها السيد بالملك.. فلا تحل بذلك، وكذا لو اشتراها المطلق.. لا تحل له بالملك، وفيه وجه.
وبقوله: (بقبلها): وطء الدبر فلا يحلل، وهو من زياداته على "المحرر" 4 من غير تمييز.

بِشَرْطِ الانْتِشَارِ، وَصحَّةِ النِّكاحِ، وَكَوْنهِ مِمَّنْ يُمْكِنُ جِمَاعُهُ، لَا طِفْلًا عَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِنَّ

وقضية إطلاقه: أنه لو لف على ذكره خرقة وأولج في القبل.. حلل، وهو الصحيح في "الروضة" 1. (بشرط الانتشار)، ولو قل واستعان بإصبع؛ فإن لم يكن انتشار أصلًا لتعنين أو شلل أو غيرهما.. لم يحلل على الصحيح؛ لعدم ذوق العسيلة، وليس لنا وطء يتوقف تأثيره على الانتشار سوى هذا، وأما غيره.. فيترتب على مجرد الاستدخال من غير انتشار.
(وصحة النكاح) فلا يحلل النكاح الفاسد؛ كما لا يحصل التحصين به، وكذا لا يحلل وطء الشبهة.
(وكونِه ممّن يمكن جماعه) سواء كان حرًّا أو عبدًا، عاقلًا أو مجنونًا، بالغًا أو مراهقًا، مسلمًا أو كافرًا، إذا كانت كافرة ووطئ في وقت لو ترافعوا إلينا.. لقررناهم على ذلك النكاح، قال في "زيادة الروضة": (ولا يشترط في تحليل الذمية للمسلم وطء ذمي، بل المجوسي والوثني يحللانها له أيضًا، كما يحصنانها، صرح به إبراهيم المروذي) 2. (لا طفلًا) لعدم الغيرة به (على المذهب فيهن) أي: في شرط الانتشار وما بعده، لما ذكرناه.
ووجه الاكتفاء بالنكاح الفاسد: القياس على المهر والنسب وغيرهما، ووجه الاكتفاء في الباقي: حصول صورة الوطء.
وقوله: (لا طفلًا) قد يفهم: أنه لا يشترط في الزوجة شيء بل وطؤها محلل وإن كانت طفلة لا يمكن جماعها، وبه صرح في "أصل الروضة" فقال: إنه يحللها قطعًا 3، وقال الأَذْرَعي: إن المذهب المنصوص في "الأم": أنه لا يحللها؛ كوطء الطفل.

وَلَوْ نَكَحَ بشَرْطِ إِذَا وَطِئَ طَلَّقَ أَوْ بَانَتْ أَوْ فَلَا نِكَاحَ.. بَطَلَ، وَفِي التَّطْلِيقِ قَوْلٌ.

فصلٌ [في نكاح من فيها رق وتوابعه]

لَا يَنْكِحُ مَنْ يَمْلِكُهَا أَوْ بَعْضَهَا، وَلَوْ مَلَكَ زَوْجَتَهُ أَوْ بَعْضَهَا.. بَطَلَ نِكَاحُهُ. وَلَا تنكِحُ مَنْ تَمْلِكُهُ أَوْ بَعْضَهُ

(ولو نكح بشرط إذا وطئ طلّق، أو بانت أو فلا نكاح.. بطل) أما في الأولى.. فلأنه شرط لمنع دوام النكاح، فأشبه التأقيت، وأما في الباقي.. فلأنه ضرب من نكاح المتعة، وعليه حمل لعن المحلل والمحلل له.
(وفي التطليق قولٌ) أنه يصح، ويبطل الشرط، ويجب مهر المثل، لأنه شرط فاسد قارن العقد، فلا يبطل به؛ كما لو نكحها بشرط ألّا يتزوج عليها أو لا يسافر بها، فإذا وطئ.. حصل التحليل، وعلى الأوّل: إذا وطئ.. ففي تحليلها القولان في الوطء في النكاح الفاسد، ولو لم يجر شرط ولكن في عزمه أن يطلقها إذا وطئها.. كره وصح العقد، خلافًا لمالك وأحمد.

(فصل: لا ينكح من يملكها) ولو مستولدة ومكاتبة (أو بعضها) لتناقض أحكام الملك والنكاح؛ إذ الملك لا يوجب القسم، ولا يقتضي الطلاق ونحوه، وعند التناقض يثبت الأقوى ويسقط الأضعف، وملك اليمين أقوى؛ لأنه يملك به الرقبة والمنفعة، والنكاح لا يُملك به إلا ضرب من المنفعة.
(ولو ملك زوجته أو بعضها.. بطل نكاحه) وبقي ملك اليمين؛ لقوَّته.
(ولا تنكح من تملكه أو بعضه) 1 لتضاد الأحكام؛ لأنها تطالبه بالسفر إلى الشرق؛ لأنه ملكها، وهو يطالبها بالسفر معه إلى الغرب؛ لأنها زوجته، فلو ملكت زوجها أو

وَلَا الْحُرُّ أَمَةَ غَيْرِهِ إِلَّا بِشُرُوطٍ: أَلَّا تَكُونَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ تَصْلُحُ لِلاسْتِمْتَاعِ، قِيلَ: وَلَا غَيْرُ صَالِحَةٍ

بعضه.. انفسخ النكاح إذا تم البيع؛ فإن فسخ في زمن الخيار.. فالنكاح بحاله إلا إذا قلنا: إن الملك للمشتري.. ففيه خلاف، وظاهر النص على مقتضى كلام الماوردي: عدم الانفساخ، ومقتضى كلام الإمام والغزالي: أن المشهور: خلافه 1. (ولا الحر أمة غيره إلا بشروط: ألا تكون تحته حرة تصلح للاستمتاع) ولو كتابية على الصحيح؛ لأنه إذا كان تحته حرة تصلح للاستمتاع.. لا يخشى العنت، ولأن وجودها أعظم من استطاعة طولها، واستطاعة الطول وعدم خشية العنت مانعان من نكاح الأمة بالآية الكريمة، وقد روى البيهقي عن الحسن مرسلًا: أنه صلى الله عليه وسلم: نهى أن تنكح الأمة على الحرة، ولهذا المرسل ما يؤكده 2. والتقييد بـ (المؤمنة) في الآية خرج مخرج الغالب؛ فإن الغالب أن المسلم إنما يرغب في المؤمنات.
وكان ينبغي أن يقول: (منكوحة) بدل (حرة) فإن الحرة والرقيقة في ذلك سواء.
واحترز بـ (الحر): عن العبد، فله نكاح الأمة، لقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ فإنه خطاب للأحرار، كما قاله الشافعي 3، ولأن إرقاق ولده ليس عيبًا عليه.
(قيل: ولا غيرُ صالحة) للاستمتاع بها؛ كعيب يثبت الخيار، أو صغر أو هرم، ونحوها؛ لعموم النهي عن أن تنكح الأمة على الحرة؛ ولأنه يمكنه الجماع فيما دون الفرج، وبه تندفع الشهوة، فيأمن العنت، وكلام "المحرر" يقتضي ترجيحه؛ فإنه قال: (والأحوط: المنع)، وخالفه المصنف، فصحح الجواز من غير تمييز، قال

وَأَنْ يَعْجَزَ عَنْ حُرَّةٍ تَصْلُحُ، قِيلَ: أَوْ لَا تَصْلُحُ، فَلَوْ قَدَرَ عَلَى غَائِبَةٍ.. حَلَّتْ أَمَةٌ إِنْ لَحِقَهُ مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ فِي قَصْدِهَا، أَوْ خَافَ زِنًا مُدَّتهُ،

في "المهمات"، وهو عجيب، ولم يصرحا في "الشرحين"، و"الروضة" بترجيح.
انتهى 1. ونسب ابن يونس في "شرح التعجيز" الجواز لاختيار الجمهور، قال السبكي: ولا شك أن المعنى يعضده؛ لأن وجود من لا تصلح للاستمتاع كعدمها.
(وأن يعجز عن حرّة) إما لفقدها، أو لفقد صداقها، أو لم ترض إلا بزيادة على مهر مثلها على الأصح في "زيادة الروضة" 2، أو لم ترض بنكاحه لقصور نسبه ونحوه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية.
و(الطول): السعة والفضل؛ كما فسره ابن عباس 3. ولا يمنع ماله الغائب نكاح الأمة؛ كما لا يمنع ابن السبيل الزكاة.
(تصلح، قيل: أو لا تصلح) أحال في "المحرر" الخلاف هنا على الخلاف السابق، وقد علمت ما فيه، لكن الأصحّ في "الروضة" و"الشرح الصغير" هنا: اشتراط صلاحيتها؛ كما أفهمه كلام الكتاب، وأفهمه إيراد "الكبير" أيضًا؛ لأنه لم يحصل منها ما هو المقصود الأصلي 4. (فلو قدر على غائبة.. حلّت أمةٌ إن لحقه مشقة ظاهرة في قصدها، أو خاف زنًا مدَّته) أي: مدة قصدها، وإلا.. فلا يحل، ويجب عليه السفر لها، هذا إذا كانت الحرة تنتقل معه إلى بلده؛ فإن لم تسمح إلا بأن يقيم ببلدها.. فهي كالعدم فيما يظهر؛ لأن في تكليفه التغريب أعظم مشقة.
وضبط الإمام المشقة: بأن ينسب متحملها في طلب زوجة إلى الإسراف ومجاوزة الحد 5.

وَلَوْ وَجَدَ حُرَّةً بِمُؤَجَّلٍ أَوْ بِدُونِ مَهْرِ الْمِثْلِ.. فَالأَصَحُّ: حِلُّ أَمَةٍ فِي الأَولَى دُونَ الثَّانِيَةِ. وَأَنْ يَخَافَ زِنًا، فَلَوْ أَمْكَنَهُ تَسَرٍّ.. فَلَا خَوْفَ فِي الأَصَحِّ. وَإِسْلَامُهَا،

(ولو وجد حرة بمؤجل) أو من يبيعه بنسيئة ما يفي بصداقها، أو وجد من يستأجره بأجرة معجلة، (أو بدون مهر مثل) وهو يجده (فالأصح: حلُّ أمةٍ في الأولى) لما فيه من شغل الذمة في الحال، وقد لا يظفر بما يتوقعه، والثاني: لا؛ للقدرة على نكاح حرة، وقيّدا في "الشرح" و"الروضة" الخلاف بمن يتوقع القدرة على الوفاء عند المحل، وقضيته: أنه إن لم يتوقعه.. يحل له قطعًا 1، وإطلاق الكتاب يقتضي جريان الخلاف فيه.
(دون الثانية) لقدرته على نكاح حرة، ولا عبرة بالمنة؛ إذ العادة المسامحة في المهور، والثاني: تحل؛ لما فيه من المنة، ولو رضيت بلا مهر.. حلّت أيضًا على الأصحِّ، ولو أُقرض مهر الحرة.. لم يجب القبول على المذهب؛ لاحتمال المطالبة في الحال، ولو وهب له مال أو جارية.. لم يلزمه القبول، وحلّت الأمة.
(وأن يخاف زنًا) لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾, والمراد به: الزنا، وأصل (العنت): المشقة الشديدة، وهذا الشرط يقتضي: أن المجبوب لا تحل له الأمة مطلقًا؛ إذ لا يمكنه زنًا، وهو الجواب في "الإبانة" و"العمد" و"النهاية" و"التتمة" و"البيان"، لكن في "تجربة الروياني": الجواز عند خوف الوقوع في الفعل المأثوم، وقال الشيخ عز الدين: ينبغي جوازه للممسوح مطلقًا وإن لم يخف إثمًا؛ لانتفاء محذور رق الولد؛ لأنه لا يلحقه 2، وفي "فتاوى القاضي الحسين": أنه ليس للعنين نكاح الأمة 3. (فلو أمكنه تسرٍّ.. فلا خوف في الأصح) لأمنه العنت مع وجودها، فلا ضرورة به إلى إرقاق ولده، والثاني: نعم؛ لأنها دون الحرة، ولهذا لا تستحق القسم.
(وإسلامها) فلا يحل له نكاح الأمة الكتابية، لقوله تعالى: {مِنْ فَتَيَاتِكُمُ

وَتَحِلُّ لِحُرٍّ وَعَبْدٍ كِتَابِيَّيْنِ أَمَةٌ كِتَابِيّةٌ عَلَى الصَّحِيح، لَا لِعَبْدٍ مُسْلِمٍ فِي الْمَشْهُورِ. وَمَنْ بَعْضُهَا رَقِيقٌ كَرَقِيقَةٍ. وَلوْ نَكَحَ حُرٌّ أَمَةً بِشَرْطِهِ ثُمَّ أَيْسَرَ، أَوْ نَكَحَ حُرَّةً.. لَمْ تنفَسِخِ الأَمَةُ. وَلَوْ جَمَعَ مَنْ لَا تَحِلُّ لَهُ أَمَةٌ حُرَّةٌ وَأَمَةً بِعَقْدٍ.. بَطَلَتِ الأَمَةُ، لَا الْحُرَّةُ فِي الأَظْهَرِ

الْمُؤْمِنَاتِ}, ولاجتماع نقصين: الكفر والرق، وكل منهما له مدخل في منع النكاح، ولا يشترط كونها لمسلم في الأصحِّ.
(وتحل لحرٍّ وعبد كتابيين أمةٌ كتابيةٌ على الصحيح) لتكافئهما في الدين، والثاني: المنع؛ كما لا ينكحها الحر المسلم، ومجوسي في أمة مجوسية، ووثني في أمة وثنية.. كذلك.
فإن قيل: أنكحة الكفار صحيحة، فما صورة منع نكاح الحر الكتابي الأمة الكتابية؟ قيل: إذا طلبوا من قاضينا تزويجها منه، قاله في "شرح التعجيز".
(لا لعبد مسلم في المشهور) لأن مدرك المنع فيها كفرها، فاستوى فيه الحرُّ والعبد؛ كالمرتدة والمجوسية، والثاني: له نكاحها؛ لتساويهما في الرق، وإنما تفاوتا في الدين، وهو لا يمنع النكاح؛ بدليل نكاح الحر المسلم الحرة الكتابية.
(ومن بعضها رقيق كرقيقة) فلا ينكحها الحرّ إلا بالشروط السابقة؛ لأن إرقاق بعض الولد محذور أيضًا.
وإطلاقه يفهم: أنه لو قدر على مبعضة صالحة.. حلت فيه، وفيه تردد للإمام هما وجهان في "البحر": أحدهما: لا يجوز 1، إذ إرقاق بعض الولد أهون من إرقاق كله لا سيما إذا قلّ الجزء، ورجحه بعضهم؛ لأن تخفيف الرق مطلوب.
(ولو نكح حرٌّ أمة بشرطه ثم أيسر، أو نكح حرة.. لم تنفسخ الأمة) لقوة الدوام؛ ولهذا الإحرام والعدة والردة تمنع ابتداء النكاح دون دوامه.
(ولو جمع من لا تحل له أمةٌ حرةً وأمةً بعقد.. بطلت الأمة) لأن شرط نكاحها فقد الحرة، (لا الحرة في الأظهر) هما قولا تفريق الصفقة، وقيل: لا يبطل نكاح الحرة قطعًا.

فصلٌ [في حل نكاح الكافرة وتوابعه]

يَحْرُمُ نِكَاحُ مَنْ لَا كِتَابَ لَهَا كَوَثنَيَّةٍ وَمَجُوسِيَّةٍ. وَتَحِلُّ كِتَابِيَّةٌ، لكِنْ تكرَهُ حَرْبِيَّةٌ،

وأشار بقوله: (بعقد) إلى التصوير بقوله: (زوجتك بنتي وأمتي بكذا)، فيقول: (قبلت نكاحهما)، فلو قال: (زوجتك بنتي بألف وزوجتك أمتي بمئة)، فقبل البنت ثم الأمة، أو قبل البنت فقط.. صح نكاحها قطعًا، ولو قدمت الأمة في تفصيلهما إيجابًا وقبولًا.. صحتا حيث جازت الأمة؛ لقبول الحرة بعد صحة نكاح الأمة، ولو فصل الإيجاب فجمع القبول أو عكسه.. فكتفصيلهما، وقيل: كجمعهما، ولو تزوج أمتين في عقد.. بطل نكاحهما قطعًا؛ كالأختين.

(فصل: يحرم نكاح من لا كتاب لها؛ كوثنية ومجوسية) لقوله تعالى ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾, واستثنى أهل الكتاب؛ لأنهم مقرون بالجزية، فبقي ما سواهم على الأصل، ولقوله صلى الله عليه وسلم في المجوس: "سَنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ، وَلَا نَاكِحِي نِسَائِهِمْ" رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة في "مصنفيهما" مرسلًا، قال البيهقي: ويؤكده إجماع الجمهور 1. وظاهر كلام المصنف: أن المجوس لا كتاب لهم، والمرجح في "الروضة" و"أصلها": أنه كان لهم كتاب، لكن بدلوه فأصبحوا وقد أسري به 2، فيحمل كلام المصنف على أنه لا كتاب لهم الآن.
(وتحل كتابية) لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.
(لكن تكره حربية) لما في الميل إليها من خوف الفتنة، وقد تسترق وهي حامل منه، فلا تصدق في أنها حامل من مسلم أو لا تقر به، وكذا يكره نكاح المسلمة في دار الحرب، نص عليه في "الأم"؛ خوفًا من استرقاق ولده 3.

وَكَذَا ذِمِّيَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَالْكِتَابِيَّةُ: يَهُودِيَّةٌ أَوْ نَصْرَانِيَّةٌ، لَا مُتَمَسِّكَةٌ بِالزَّبُورِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْكِتَابِيَّةُ إِسْرَائِيلِيَّةً.. فَالأَظْهَرُ: حِلُّهَا إِنْ عُلِمَ دُخُولُ قَوْمِهَا فِي ذَلِكَ الدِّينِ قَبْلَ نَسْخِهِ وَتَحْرِيفِهِ، وَقِيلَ: يَكْفِي قَبْلَ نَسْخِهِ

(وكذا ذمية على الصحيح) لئلا تفتنه أو ولده، والثاني: لا يكره؛ لأن الاستفراش إهانة، والكافرة جديرة بذلك، قال الجويني: لكن الأولى: ألا يفعله 1. (والكتابية: يهودية أو نصرانية) لقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
(لا متمسكة بالزبور وغيره) كصحف شيث وإدريس وإبراهيم عليهم السلام وإن قلنا: إنهم يقرون بالجزية؛ كما هو الأصحُّ، واختلف في سبب ذلك، فقيل: لأنها لم تنزل عليهم بنظم تدرس وتتلى، وإنما أوحي إليهم معانيها، وقيل: لأنها حكم ومواعظ، ولم تتضمن أحكامًا وشرائع.
(فإن لم تكن الكتابية إسرائيلية) أي: لم تكن من بني إسرائيل، وهو يعقوب صلى الله عليه وسلم، ومعناه: عبد الله، (.. فالأظهر: حلها إن علم دخول قومها في ذلك الدين قبل نسخه وتحريفه) اكتفاء بتمسكهم بذلك الدين حين كان حقًّا، ومنهم: من قطع بهذا؛ كما يقرون بالجزية قطعًا، والثاني: المنع؛ لفقد النسب، والخلاف مبني على أن الإسرائيليات ينكحن لفضيلتي الدين والنسب جميعًا، أو لفضيلة الدين وحدها، قال السبكي: والأظهر: الثاني.
(وقيل: يكفي قبل نسخه) وبعد تحريفه؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم تزوجوا منهم ولم يبحثوا، والأصحُّ: المنع؛ لبطلان الفضيلة بالتحريف، والخلاف حيث دخلوا في المحرف، فأما إذا تمسكوا بغير المحرف.. فكما قبل التحريف.
واحترز بقوله: (فإن لم تكن الكتابية إسرائيلية): عما إذا كانت إسرائيلية؛ فإنه يجوز نكاحها مطلقًا؛ لشرف النسب، وهذا فيمن دخل قبل بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم، أما الداخلون بعد بعثته صلى الله عليه وسلم.. فلا تفارق فيه الإسرائيلية

وَالْكِتَابِيَّةُ الْمَنْكُوحَةُ كَمُسْلِمَةٍ فِي نَفَقَةٍ وَقَسْمٍ وَطَلَاقٍ، وَتُجْبَرُ عَلَى غُسْلِ حَيْضٍ وَنفَاسٍ، وَكَذَا جَنَابَةٌ وَتَرْكُ أَكْلِ خِنْزِيرٍ فِي الأَظْهَرِ،

غيرها؛ كما في "الروضة" و"أصلها" أي: فلا تحل مناكحتهم 1. وقضية كلامه: التحريم إذا شككنا في غير الإسرائيلية هل دخل الآباء قبل التحريف أو بعده وهو كذلك، وكذلك تحرم ذبائحهم لكن يقرون بالجزية.
وقال السبكي: ينبغي الحل فيمن علم أصل دخولهم، وجهل وقته، وإلا.. فما من كتابي اليوم لا يعلم أنه إسرائيلي إلا ويحتمل فيه ذلك، فيؤدي إلى ألا تحل ذبائح أحد منهم اليوم ولا مناكحتهم، بل ولا في زمن الصحابة، كبني قريظة والنضير وقينقاع، قال: وطلب مني بالشام منعهم من الذبائح فأبيت؛ لأن تحريم ما أحل الله صعب، ويدهم على ذبيحتهم دليل شرعي، فالحكم بخلافه مخالف لدلالة اليد الشرعية، وهو في الذبيحة أشد منه في المناكحة؛ لما أشرنا إليه من اليد، قال: ومنعهم قبلي محتسب بفتوى بعضهم، ولا بأس بالمنع إن رآه مصلحة، وأما الفتوى به.. فجهل.
(والكتابية المنكوحة كمسلمة في نفقة وقَسْم وطلاق) وعامة أحكام النكاح؛ لاشتراكهما في الزوجية المقتضية لذلك إلا التوارث والحد بقذفها.
(وتجبر على غسل حيض ونفاس) إذا طهرت؛ لتوقف حل الوطء عليه، فإن لم تفعل.. غسلها الزوج، واستفاد الحل وإن لم تنو للضرورة، وقيل: ينوي عنها، ولا يختص هذا بالكتابية بل المسلمة كذلك، ولا يختص بالزوجة أيضًا، بل الأمة كذلك 2. (وكذا جنابة وترك أكل خنزير) ونحوهما مما يتوقف كمال الاستمتاع على زواله (في الأظهر) كما يجبرها على إزالة النجاسة، والثاني: لا إجبار؛ لأنه لا يمنع الاستمتاع.

وَتُجْبَرُ هِيَ وَمُسْلِمَةٌ عَلَى غَسْلِ مَا نَجُسَ مِنْ أَعْضَائِهَا. وَتَحْرُمُ مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ وَثنَيٍّ وَكِتَابِيَّةٍ،

وظاهر تخصيصه الخلاف في غسل الجنابة بالذمية: أن له إجبار المسلمة عليه قطعًا، وجرى عليه الرافعي تبعًا للبغوي، وقال في "الروضة": وليس هو على إطلاقه، بل هو فيما إذا طال بحيث حضر وقت صلاة، فأما إذا لم تحضر صلاة.. ففي إجبارها القولان، وأظهرهما: الإجبار 1. ومحل ما ذكره في الخنزير: إذا كانت تعتقد حله؛ كالنصرانية، فإن كانت ترى تحريمه؛ كاليهودية.. منعها منه قطعًا؛ كالمسلمة، كذا جزم به الماوردي والروياني وغيرهما 2، وصوّبه الأَذْرَعي وقال: إنه قضية كلام الأصحاب، وتعليلهم المنع باعتقادها الإباحة.
(وتجبر هي ومسلمة على غسل ما نجس من أعضائها) قطعًا؛ ليتمكن من الاستمتاع بها، ويجبرها أيضًا على التنظيف بالاستحداد، وقلم الأظفار، وإزالة شعر الإبط، والأوساخ إذا تفاحش شيء من ذلك بحيث ينفّر، فإن كان لا يمنع أصل الاستمتاع لكن يمنع كماله.. فقولان كما في غسل الجنابة.
وله منعها من أكل ما يتأذى برائحته؛ كالثوم والكراث على الأظهر، وقيل: قطعًا، ومن لبس جلود الميتة قبل الدباغ، ولبس ما له رائحة كريهة.
وله منع الكتابية من شرب ما يسكر، وفي القدر الذي لا يسكر قولان، وفي وجه: ليس له منعها من شرب القدر الذي يرونه عبادة في أعيادهم، وله منعها من الزيادة عليه وإن لم يسكر، ويجري القولان في منع المسلمة من القدر الذي لا يسكر من النبيذ إذا كانت تعتقد إباحته، وقيل: يمنعها قطعًا؛ لأن ذلك القدر لا ينضبط، ويختلف باختلاف الأشخاص، وله منعها أيضًا من البِيَع والكنائس؛ كما يمنع المسلمة من الجماعات والمساجد.
(وتحرم متولِّدة من وثني وكتابية) لأن الانتساب إلى الأب، وهو لا تحل مناكحته، وكذا بين مجوسي وكتابية.

وَكَذَا عَكْسُهُ فِي الأَظْهَرِ. وَإِنْ خَالَفَتِ السَّامِرَةُ الْيَهُودَ، وَالصَّابِئُونَ النَّصَارَى فِي أَصلِ دِينِهِمْ.. حَرُمْنَ، وَإِلَّا.. فَلَا

(وكذا عكسه في الأظهر) تغليبًا للتحريم، والثاني: تحل؛ لأن الولد ينتسب إلى أبيه، والأب كتابي.
هذا في صغر المتولد منهما، فأما إذا بلغ وتدين بدين الكتابي منهما.. فقال الشافعي: تحل مناكحته وذبيحته، فمنهم من أثبت هذا قولًا، ومنهم من قال: لا أثر لبلوغه، وحمل النص على ما إذا كان أحد أبويه يهوديًّا والآخر نصرانيًّا، فبلغ واختار دين أحدهما، ولم يرجحا شيئًا هنا، لكن رجح الرافعي في أول كتاب (الصيد) عدم الحل، وحذف المسألة من "الروضة" هناك، فلزم خلو "الروضة" عن هذا الترجيح، وقال في "الكفاية" هنا: المذهب: أنها لا تحل؛ كالمجوسية تدين اليهودية بعد البلوغ 1. (وإن خالفت السامرة اليهود، والصابئون النصارى في أصل دينهم) ولا يبالون بنص كتابهم (.. حَرُمن) كالمجوس، (وإلا.. فلا) أي: وإن لم يخالفوهم في ذلك وخالفوهم في الفروع.. فلا يحرمن؛ لأنهم مبتدعة؛ كما في أهل القبلة من الصنفين.
هذا هو المنصوص 2، وأطلق بعضهم حكاية قولين في مناكحتهم، قال الإمام: ولا مجال للخلاف فيمن يكفرهم اليهود والنصارى، ويخرجونهم عنهم لكن يمكن الخلاف فيمن جعلوه كالمبتدع فينا 3. ولو شككنا هل يخالفونهم في الأصول أو في الفروع.. لم يناكحوا، كذا جزما به 4، وقال البُلْقيني: ظاهر كلام الشافعي في "المختصر": الحل؛ حيث قال:

وَلَوْ تَهَوَّدَ نَصْرَانِيٌّ أَوْ عَكْسُهُ.. لَمْ يُقَرَّ فِي الأَظْهَرِ -فَإِنْ كَانَتِ أمْرَأَةً.. لَمْ تَحِلَّ لِمُسْلِمٍ، فَإنْ كَانَتْ مَنْكُوحَةً.. فَكَرِدَّةِ مُسْلِمَةٍ- وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا الإِسْلَامُ، وَفِي قَوْلٍ: أَوْ دِينُهُ الأَوَلُ،

والصابئون والسامرة من اليهود والنصارى إلا أن يعلم أنهم يخالفونهم في أصل ما يحلون من الكتاب ويحرمون فيحرمون كالمجوس 1. انتهى.
واعلم: أن الصابئة -على ما قيل- قسمان: قسم من النصارى؛ لأنهم صبؤوا إلى معتقدهم، وهم المرادون هنا، والثاني: وهو المشهور بهذا الاسم، يعبدون الكواكب، كانوا في زمن إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وهم بعيدون من النصارى جدًّا، وهم الذين أفتى الإصطخري بقتلهم.
(ولو تهود نصراني أو عكسه) أي: تنصّر يهودي (.. لم يقر في الأظهر) لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ولأنه أحدث دينًا باطلًا بعد اعترافه ببطلانه، وهذا ما رجحه المصنف في كتبه 2. والثاني: يقر؛ لتساويهما في التقرير بالجزية، وكلام الرافعي يفهم ترجيحه، بل صرح بترجيحه في "الشرح الصغير"، وبناهما المتولي وغيره على أن الكفر ملة واحدة أو ملل، ورده الرافعي 3، وقال ابن الرفعة: منع الشافعي في كتاب (الجزية) من "الأم" الانتقال مع تصريحه بأن الكفر ملة واحدة، وهو يضعف البناء.
(فإن كانت امرأة.. لم تحل لمسلم) بناءً على أنها لا تقر؛ كالمسلمة ترتد.
(فإن كانت منكوحة) لمسلم (.. فكردة مسلمة) فتتخير الفرقة قبل الدخول، ويتوقف على انقضاء العدة بعده.
(ولا يقبل منه إلا الإسلام) للآية المتقدمة، ولأنه أقر ببطلان المنتقل عنه، وكان مقرًّا ببطلان ما انتقل إليه، (وفي قول: أو دينه الأول) لأنه كان مقرًّا عليه، ومعنى

وَلَوْ تَوَثَّنَ.. لَمْ يُقَرَّ، وَفِيمَا يُقْبَلُ الْقَوْلَانِ. وَلَوْ تَهَوَّدَ وَثنِيٌّ أَوْ تنَصَّرَ.. لَمْ يُقَرَّ، وَيَتَعَيَّنُ الإِسْلَامُ كَمُسْلِمٍ ارْتَدَّ. وَلَا تَحِلُّ مُرْتَدَّةٌ لِأحَدٍ، وَلَوِ ارْتَدَّ زَوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا قَبْلَ دُخُولٍ.. تنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ، أَوْ بَعْدَهُ.. وُقِفَتْ؛ فَإِنْ جَمَعَهُمَا الإِسْلَامُ فِي الْعِدَّةِ.. دَامَ النِّكاحُ، وَإِلَّا.. فَالْفُرْقَةُ مِنَ الرِّدَّةِ، وَيَحْرُمُ الْوَطْءُ فِي التَّوَقُّفِ وَلَا حَدَّ.

هذا القول: أنا نأمره بالإسلام عينًا، فإن لم يسلم وعاد إلى الأول.. ترك؛ إذ الباطل لا يؤمر به، فإن امتنع مما يُقْبَلُ منه.. بلغ مأمنه على الأشبه عند الشيخين، ونص عليه في "الأم"، وقيل: يقبل في الحال، وصححه جمع، وقواه السبكي وغيره.
(ولو توثن) يهودي أو نصراني (.. لم يقر) لأن أهله لا يقرون عليه، (وفيما يُقْبَلُ القولان) المذكوران (ولو تهود وثني أو تنصّر.. لم يقر) لأنه كان لا يقر، فلا يستفيد فضيلة لم تكن بدين باطل.
(ويتعين الإسلام كمسلم ارتد) فإن امتنع من الإسلام.. قتل، قال الأَذْرَعي: والوجه: أن يكون حاله كما قبل الانتقال، حتى لو كان له أمان.. لم يتغير حكمه بذلك.
(ولا تحل مرتدة لأحد) لا لمسلم؛ لأنها كافرة لا تقرّ، ولا لكافر؛ لبقاء علقة الإسلام فيها، ولا لمرتد؛ لأن القصد من النكاح الدوام.
وأورد على هذه العلة: من تحتم قتله في المحاربة؛ فإنه يصح نكاحه.
(ولو ارتد زوجان) معًا أو على التعاقب (أو أحدهما قبل دخولٍ) حيث لا عدة باستدخال ماء أو غيره (.. تنجزت الفرقة) لعدم تأكده.
(أو بعده.. وقفت؛ فإن جمعهما الإسلام في العدة.. دام النكاح، وإلا.. فالفرقة من الردة) لأنه اختلاف دين طرأ بعد المسيس، فلا يوجب الفسخ في الحال؛ كإسلام أحد الزوجين الكافرين، ولو طلقها في مدة التوقف أو ظاهر منها أو آلى.. توقفنا؛ فإن جمعهما الإسلام قبل انقضاء العدة.. تبينَّا صحته، وإلا.. فلا.
(ويحرم الوطء في التوقف) لتزلزل ملك النكاح (ولا حدّ) للشبهة، وهي بقاء

..................................

أحكام النكاح، ولكن يعزر وتجب العدة، وهما عدتان من شخص، فهو كوطء مطلقته في عدته، واجتماعها في الإسلام هنا كرجعته هناك، فيستمر النكاح إذا جمعهما الإسلام في الحالات التي يحكم فيها بثبوت الرجعة هناك.

بابُ نكاح المشرك أَسْلَمَ كِتَابِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ وَتَحْتَهُ كِتَابِيَّةٌ.. دَامَ نِكَاحُهُ، أَوْ وَثنَيَّةٌ أَوْ مَجُوسِيَّةٌ فَتَخَلَّفَتْ قَبْلَ دُخُولٍ.. تنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ، أَوْ بَعْدَهُ وَأَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ.. دَامَ نِكَاحُهُ، وَإِلَّا.. فَالْفُرْقَةُ مِنْ إِسْلَامِهِ. وَلَوْ أَسْلَمَتْ وَأَصَرَّ.. فَكَعَكْسِهِ. وَلَوْ أَسْلَمَا مَعًا.. دَامَ النِّكاحُ،

﴿باب نكاح المشرك﴾ وهو الكافر على أيِّ ملةٍ كان.
(أسلم كتابي أو غيره) كمجوسي ووثني ولو تبعًا لأحد أبويه (وتحته كتابية) يحل ابتداء نكاحها لمسلم (.. دام نكاحه) إذ له الآن أن ينكحها، فدوامه أولى.
(أو وثنية أو مجوسية) أو غيرهما ممن لا يحل لمسلم نكاحها من الكافرات (فتخلَّفت قبل دخولٍ) واستدخال ماء (.. تنجّزت الفرقة) لأن النكاح غير متأكد؛ بدليل أنه يرتفع بالطلقة الواحدة، (أو بعده وأسلمت في العدة.. دام نكاحه) بالإجماع إلا من شذ.
(وإلا) أي: وإن أصرت حتى انقضت العدة (.. فالفرقة من إسلامه) بالإجماع؛ كما أشار إليه في "الأم" وهي فرقة فسخ لا طلاق 1. (ولو أسلمت) المرأة (وأصرّ) الزوج على كفره (.. فكعكسه) أي: يكون كما لو أسلم هو وأصرت هي، ولا فرق هنا بين الكتابي وغيره؛ ولهذا لم يقيده، بخلاف الزوجة.
(ولو أسلما معًا.. دام النكاح) بالإجماع؛ كما نقله ابن عبد البر 2. ولو نكح كافر لابنه الصغير صغيرة.. فإسلام الأبوين أو أحدهما قبل بلوغهما كإسلام الزوجين أو أحدهما.
ولو نكح لطفله بالغة وأسلم أبو الطفل والمرأة معًا.. قال البغوي: يبطل النكاح؛ لأن إسلام الولد يحصل عقب إسلام الأب، فيقدم إسلامها على إسلام الزوج، قال

وَالْمَعِيَّةُ بِآخِرِ اللَّفْظِ. وَحَيْثُ أَدَمْنَا.. لَا تَضُرُّ مُقَارَنَةُ الْعَقْدِ لِمُفْسِدٍ هُوَ زَائِلٌ عِنْدَ الإِسْلَامِ وَكَانَتْ بِحَيْثُ تَحِلُّ لَهُ الآنَ. وَإِنْ بَقِيَ الْمُفْسِدُ.. فَلَا نِكَاحَ؛ فَيُقَرُّ عَلَى نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ وَشُهُودٍ، وَفِي عِدَّةٍ هِيَ مُنْقَضِيَة عِنْدَ الإِسْلَامِ،

الرافعي: لكن ترتُّب إسلام الولد على إسلام الأب لا يقتضي تقدمًا ولا تأخرًا بالزمان، فلا يظهر تقدم إسلامها على إسلام الزوج، قال السبكي: وهذا مبني على ما صححوه من كون العلة الشرعية مع المعلول، والمختار عندي: تقدمها، فيتجه قول البغوي.
انتهى.
وإن أسلمت عقب إسلام الأب.. بطل النكاح أيضًا؛ لأن إسلام الولد يحصل حكمًا، وإسلامهما يحصل بالقول، والحكمي يسبق القولي، فلا تتحقق المعية 1. (والمعيّة بآخر اللفظ) لا بأوله؛ إذ به يحصل الإسلام (وحيث أدمنا.. لا تضر مقارنة العقد) الواقع في الكفر (لمفسد هو زائل عند الإسلام وكانت بحيث تحل له الآن) تنزيلًا لحال الإسلام حال ابتداء العقد، هذا إذا لم يعتقدوا فساد المقارن للعقد، فإن اعتقدوا فساده وانقطاعه.. فلا تقرير، بل يرتفع النكاح في "الروضة" و"أصلها" 2. وإنما حكمنا بالاستمرار مع اقتران المفسد بالعقد على سبيل الرخصة والتخفيف، وقد أقرّ صلى الله عليه وسلم من أسلم من غير بحث وأمر 3. (وإن بقي المفسد) الذي قارن العقد في الكفر إلى وقت الإسلام كنكاح محرم أو مطلقته ثلاثًا قبل تحليل أو ملاعنة (.. فلا نكاح) لأنه لا يجوز ابتداؤه في الإسلام (فيُقَرُّ على نكاح بلا ولي وشهود) إذ لا مفسد عند الإسلام، ونكاحها الآن جائز، وكذا إذا أجبر البكر غير الأب والجد، أو أجبرت الثيب، أو راجع في القرء الرابع وهم يعتقدون امتداد الرجعة إليه.
(وفي عدة) ولو بشبهة (هي منقضية عند الإسلام) لأنها إذا كانت منقضية.. جاز

وَمُؤَقَّتٍ إِنِ اعْتَقَدُوهُ مُؤَبَّدًا، وَكَذَا لَوْ قَارَنَ الإِسْلَامَ عِدَّةُ شُبْهَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَا نِكَاحُ مَحْرَمٍ. وَلَوْ أَسْلَمَ ثُمَّ أَحْرَمَ ثُمَّ أَسْلَمَتْ وَهُوَ مُحْرِمٌ.. أُقِرَّ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ نَكَحَ حُرَّةً وَأَمَةً وَأَسْلَمُوا.. تَعَيَّنَتِ الْحُرَّةُ،

ابتداء نكاحها، فجاز التقرير، بخلاف ما إذا كانت باقية.
(ومؤقت إن اعتقدوه مؤبدًا) فإن اعتقدوه مؤقتًا.. فلا، صرّح به في "المحرر" 1، سواء أسلما بعد تمام المدة أو قبلها؛ لأن بعد المدة لا نكاح في اعتقادهم، وقبلها يعتقدونه مؤقتًا، ومثله لا يجوز ابتداؤه.
(وكذا لو قارن الإسلامَ عدّةُ شبهة على المذهب) وإن كان لا يجوز ابتداء نكاح المعتدة؛ لأن عدة الشبهة لا تقطع نكاح المسلم، فهنا أولى؛ لأنا نحتمل في أنكحة الكفار ما لا نحتمله في أنكحة المسلمين.
وتعبيره بـ (المذهب): هو ما عبر به في "الروضة"، وهو يقتضى نقل طريقين، والذي في "الرافعي": إنما هو نصٌّ مقابلُه وجه، وعبارته: المشهور: الاستمرار، وقيل: يندفع 2. (لا نكاح مَحْرم) كبنته وأمه وزوجة أبيه أو ابنه.. فإنه لا يقر عليه؛ لأنه لا يجوز ابتداؤه، فاندفع عند الإسلام، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع 3، وكذا لو نكح مطلقته ثلاثًا قبل التحليل.
(ولو أسلم ثم أحرم ثم أسلمت) في العدة (وهو مُحْرِم.. أُقرّ على المذهب) لأن طروّ، الإحرام لا يؤثر في نكاح المسلم، فههنا أولى، وفي قول: لا يقر؛ إلحاقًا للدوام بالابتداء، والطريق الثاني: القطع بهذا؛ كما لو أسلم وتحته أمة وهو موسر لا يجوز إمساكها.
(ولو نكح حرة وأمة) معًا أو مرتبًا (وأسلموا) أي: الزوج والحرة والأمة (.. تعيَّنت الحرة) إذا كانت صالحة للاستمتاع، والزوج ممن لا يحل له نكاح الأمة

وَانْدَفَعَتِ الأَمَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَنكَاحُ الْكُفَّار صَحِيحٌ عَلَى الصَّحِيحِ، وَقِيلَ: فَاسِدٌ، وَقِيلَ: إِنْ أَسْلَمُوا وَقُرِّرَ.. تبَيَّنَّا صِحَّتَهُ، وَإِلَّا.. فَلَا

(واندفعت الأمة على المذهب) لأنا لا ننظر في نكاح الأختين إلى التقدم والتأخر، فكذلك في نكاح الحرة والأمة، ومنهم: من خرج اندفاع نكاح الأمة على قولين؛ بناء على أن الاختيار والإمساك كابتداء العقد أو كاستدامته، وهو المقابل للمذهب في كلامه.
اعلم: أن ترجيح الاندفاع مخالف لما مرّ من تجويز الإمساك في عدة الشبهة والإحرام الطارئين؛ فإن ذلك على الاستدامة، وهذا على الابتداء، وفرق الرافعي بينهما: بأن نكاح الأمة بدل يعدل إليه عند تعذر الحرة، والأبدال أضيق حكمًا من الأصول، فجرينا على التضييق اللائق به 1. (ونكاح الكفار صحيح على الصحيح) لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾, ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾, ولأنا لا نبطله بالترافع إلينا، ونقرره بالإسلام، والفاسد لا ينقلب صحيحًا ولا يقرر عليه.
وقوله: (صحيح) منتقد؛ إذ الصحة حكم شرعي ولم يَرِد به، وعبارة "الروضة" محكوم بصحته 2، قال السبكي: ونعمّا هي، والمختار عندي: أنه صحيح إن وقع على وفق الشرع، وإلا.. فمحكوم بصحته رخصة.
(وقيل: فاسد) لعدم مراعاتهم الشروط لكن لا يفرق بينهم لو ترافعوا إلينا؛ رعاية للعهد والذمة، ونقرهم بعد الإسلام رخصة وخشية من التنفير.
(وقيل: إن أسلموا وقُرِّر.. تبينّا صحته، وإلا.. فلا) 3 إذ لا يمكن القول بصحتها؛ لمخالفتها الشرع، ولا بالفساد؛ لأنه يقرّ عليها بعد الإسلام، والصواب في "الروضة": تخصيص الخلاف بالعقود التي يحكم بفساد مثلها في الإسلام لا في كل عقودهم، فلو عقدوا على وفق الشرع.. صح بلا خلاف 4.

فَعَلَى الصَّحِيحِ: لَوْ طَلَّقَ ثَلَاثًا ثُمَّ أَسْلَمَا.. لَمْ تَحِلَّ إِلَّا بِمُحَلِّلٍ. وَمَنْ قُرِّرَتْ.. فَلَهَا الْمُسَمَّى الصَّحِيحُ، وَأَمَّا الْفَاسِدُ كَخَمْرٍ؛ فَإِنْ قَبَضَتْهُ قَبْلَ الإِسْلَامِ.. فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَإِلَّا.. فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَإِنْ قَبَضَتْ بَعْضَهُ.. فَلَهَا قِسْطُ مَا بَقِيَ مِنْ مَهْرِ مِثْلٍ. وَمَنِ انْدَفَعَتْ بِإِسْلَامٍ بَعْدَ دُخُولٍ.. فَلَهَا الْمُسَمَّى الصَّحِيحُ إِنْ صُحِّحَ نِكَاحُهُمْ، وَإِلَّا.. فَمَهْرُ مِثْلٍ، أَوْ قَبْلَهُ وَصُحِّحَ؛ فَإِنْ كَانَ الانْدِفَاعُ بِإِسْلَامِهَا.. فَلَا شَيْءَ لَهَا،

(فعلى الصحيح) وهو صحة أنكحتهم (لو طلق ثلاثًا ثم أسلما.. لم تحل إلا بمحلل) لظهور أثر الصحة، وإن قلنا بفساد أنكحتهم.. لم يحتج إلى محلل؛ لأن الطلاق في النكاح الفاسد لا يقع.
(ومن قُرِّرت.. فلها المسمى الصحيح) لأنه كما.. ثبتت الصحة للنكاح.. ثبتت للمُسمَّى.
(وأما الفاسد كخمر؛ فإن قبضته قبل الإسلام.. فلا شيء لها) لانفصال الأمر بينهما، ويستثنى من الفاسد: ما لو أصدقها حرًّا مسلمًا استرقوه ثم أسلما بعد قبضه.. فإنه لا يقر بيدها، ولها مهر المثل.
(وإلا) أي: وإن لم تقبضه قبل الإسلام (.. فمهر مثل) لأنها لم ترض إلا بالمهر، والمطالبة بالخمر في الإسلام ممتنعة، ولا فرق بين أن يكون المُسمَّى خمرًا في الذمة، أو خمرًا معينة.
(وإن قبضت بعضه.. فلها قسط ما بقي من مهر مثل) لا ما بقي من المُسمَّى؛ لتعذره بالإسلام إلحاقًا للجزء بالكل في القبض وعدمه.
(ومن اندفعت بإسلام) منها أو من زوجها (بعد دخول.. فلها المسمى الصحيح إن صُحِّح نكاحهم) لاستقراره بالدخول، (وإلا) أي: وإن لم نصححه أو كان قد سمي فاسدًا (.. فمهر مثل) عملًا بالقاعدة.
نعم؛ لو نكحها تفويضًا وعندهم لا مهر للمفوضة بحال ثم أسلما.. فلا مهر وإن كان قبل المسيس؛ لأنه سبقه استحقاق وطء بلا مهر.
(أو قبله) أي: قبل الدخول (وصحِّح) أي: نكاحهم (فإن كان الاندفاع بإسلامها.. فلا شيء لها) لأن الفراق جاء من جهتها، وقيل: لها النصف؛ لأنها

أَوْ بِإِسْلَامِهِ.. فَنِصْفُ مُسَمَّى إِنْ كَانَ صَحِيحًا، وَإِلَّا.. فَنِصْفُ مَهْرِ مِثْلٍ. وَلَوْ تَرَافَعَ إِلَيْنَا ذِمِّيٌّ وَمُسْلِمٌ.. وَجَبَ الْحُكْمُ، أَوْ ذِمِّيَّانِ.. وَجَبَ فِي الأَظْهَرِ،

محسنة بإسلامها، والتخلف منه.
وأفهم قوله: (وصحح): أنه إذا قلنا بفساده.. لا مهر لها من طريق الأولى؛ إذ المهر لا يجب في النكاح الفاسد، وهذا أولى من جعله قيدًا في عدم الوجوب؛ لأنه لا شيء لها على كل قول.
(أو بإسلامه.. فنصفُ مسمى إن كان صحيحًا) لأن الفرقة جاءت من قبله، (وإلا) أي: وإن لم يكن صحيحًا؛ كنحو خمر (.. فنصف مهر مثل) عملًا بالقاعدة في التسمية الفاسدة.
(ولو ترافع إلينا ذمي ومسلم.. وجب الحكم) قطعًا؛ لأن المسلم لا يمكنه التحاكم لحكام الكفار، والمعاهد كالذمي.
(أو ذمّيان.. وجب في الأظهر) لقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، والثاني: لا يجب، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾, لكن صحّ عن ابن عباس أن هذه منسوخة بالأولى 1. ومنهم من حمل الآية الثانية على المعاهدين؛ ولذا قيد المصنف بالذميين؛ ليخرج المعاهدين، فلا يجب على المذهب؛ لعدم التزامهم الأحكام.
ومحل الخلاف: إذا اتفقت ملّتهما؛ فإن اختلفت، كيهودي ونصراني.. وجب قطعًا، وقيل: بالقولين.
ولو ترافع ذمي ومعاهد.. فكالذميين، وقيل: يجب قطعًا.
ويستثنى من إطلاق المصنف: ما لو ترافعوا إلينا في شرب بالخمر.. فإنهم لا يحدون وإن رضوا بحكمنا؛ لأنهم لا يعتقدون تحريمه، كذا قاله الرافعي في (باب حد الزنا)، وأسقطه من "الروضة" 2. وحيث يجب الحكم.. فقضية كلام الغزالي: اعتبار رضا الخصمين، وعامة

وَنُقِرُّهُمْ عَلَى مَا نُقِرُّ لَوْ أَسْلَمُوا، وَنُبْطِلُ مَا لَا نُقِرُّ.

فصلٌ [في أحكام زوجات الكافر إذا أسلم على أكثر من مباحة]

أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ فِي الْعِدَّةِ أَوْ كُنَّ كِتَابِيَّاتٍ.. لَزِمَهُ اخْتِيَارُ أَرْبَعٍ، وَيَنْدَفِعُ مَنْ زَادَ

الأصحاب على اعتبار رضا أحدهما 1. (ونقرهم على ما نقر لو أسلموا، ونبطل ما لا نقر) هذا ضابط سبق كثير من صوره، فنقرهم على نكاح بلا ولي ولا شهود، بخلاف نكاح المحرم ونحوه؛ لأن عقدهم قد مضى في الشرك قبل تحاكمهم إلينا، فأجريناه، بخلاف ما لا يجوز بحال، وقال الماوردي: نقر المجوسي على نكاح المحرم، لاعتقاده إباحته، بخلاف اليهودي، والأصحُّ: خلافه 2.

(فصل: أسلم) حرّ (وتحته أكثر من أربع وأسلمن معه أو في العدة أو كُنَّ كتابيات.. لزمه اختيار أربع، ويندفع من زاد) من حين الإسلام والعدة منه، لا من الاختيار على الأصحِّ، لأن غيلان أسلم وتحته عشر نسوة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: "أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِق سَائِرَهُنَّ" صححه ابن حبان والحاكم 3. ولا فرق بين أن ينكحن معًا أو مرتبًا؛ فإن له أن يختار الأخيرات لترك الاستفصال في الحديث، وترك الاستفصال في حكاية الأحوال مع قيام الاحتمال.. ينزّل منزلة العموم في المقال؛ كما قاله الشافعي؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لم يستفصل عن ذلك، ولولا الحكم يعم الحالتين.. لما أطلق.
وتعبيره بلزوم اختيار أربع: يوهم إيجاب العدد، لكن المقصود منه لزوم

وَإِنْ أَسْلَمَ مَعَهُ قَبْلَ دُخُولٍ أَوْ فِي الْعِدَّةِ أَرْبَعٌ فَقَطْ.. تَعَيَّنَّ. وَلَوْ أَسْلَمَ وَتَحْتهُ أُمٌّ وَبِنْتُهَا كِتَابِيَّتَانِ، أَوْ أَسْلَمَتَا، فَإِنْ دَخَلَ بِهِمَا.. حَرُمَتَا أَبَدًا، أَوْ لَا بِوَاحِدَةٍ.. تَعَيَّنَتِ الْبِنْتُ -وَفِي قَوْلٍ: يَتَخَيَّرُ- أَوْ بِالْبِنْتِ.. تَعَيَّنَتْ، أَوْ بِالأُمِّ.. حَرُمَتَا أَبَدًا،

الاختيار؛ لئلا يستديم ما حظره الشرع، لا أنه يلزمه إمساك أربع، وقد سلم في "المحرر" و"الشرح" و"الروضة" من هذا حيث قالوا: اختار أربعًا 1. (وإن أسلم معه قبل دخول أو في العدة أربع فقط) أي: وكان الباقيات ممن يحرم نكاحهن (.. تعيَّنَّ) واندفع نكاح من زاد؛ لتأخر إسلامهن عن إسلامه قبل الدخول، وعن العدة بعده، ولو كان دخل بهن فاجتمع إسلامه وإسلام أربع فقط في العدة.. تعيَّنَّ للنكاح، حتى لو أسلم أربع من ثمان، وانقضت عدتهن أو مُتْن في الإسلام، ثم أسلم الزوج وأسلم الباقيات في عدتهن.. تعيّنت الأخيرات.
ولو أسلم أربع، ثم أسلم الزوج قبل انقضاء عدتهن، ثم أسلمن الباقيات قبل انقضاء عدتهن من وقت إسلام الزوج 2.. اختار أربعًا من الأوليات والأخيرات كيف شاء، فإن مات الأوليات أو بعضهن.. جاز له اختيار الميتات، ويرث منهن.
(ولو أسلم وتحته أمٌّ وبنتها كتابيتان، أو أسلمتا؛ فإن دخل بهما.. حرمتا أبدًا) قطعًا؛ لأن وطء كلٍّ بشبهة يحرّم الأخرى، فبنكاح أولى.
(أو لا بواحدة.. تعيّنت البنت) واندفع نكاح الأم؛ بناء على تصحيح أنكحتهم؛ لأن العقد على البنت يحرم الأم، ولا ينعكس، (وفي قول: يتخير) بناء على فساد أنكحتهم؛ فإنه يصير كأنه لم يعقد على واحدة منهما؛ كما لو أسلم وتحته أختان.
(أو بالبنت.. تعينت) لأنه لم يدخل بالأم، والعقد عليها لا يحرم البنت، ويحرم نكاح الأم على التأبيد.
(أو بالأم.. حرمتا أبدًا) أما البنت.. فللدخول بالأم، وأما الأم.. فللعقد على البنت، وهذا بناء على صحة أنكحتهم، وللأم مهر المثل بالدخول، نقله الرافعي عن البغوي، وجزم به في "الروضة"، قال في "المهمات": وفيه نظر؛ لأن تحريمها

وَفِي قَوْلٍ: تبقَى الأُمُّ. أَوْ وَتَحْتَهُ أَمَةٌ أَسْلَمَتْ مَعَهُ أَوْ فِي الْعِدَّةِ.. أُقِرَّ إِنْ حَلَّتْ لَهُ الأَمَةُ، وَإنْ تَخَلَّفَتْ قَبْلَ دُخُولٍ.. تنَجَّزَتِ الْفُرْقَةُ. أَوْ إِمَاءٌ وَأسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ فِي الْعِدَّةِ.. اخْتَارَ أَمَةً إِنْ حَلَّتْ لَهُ عِنْدَ اجْتِمَاعِ إِسْلَامِهِ وَإِسْلَامِهِنَّ، وَإِلَّا.. انْدَفَعْنَ. أَوْ حُرَّةٌ وَإِمَاءٌ وَأَسْلَمْنَ مَعَهُ أَوْ فِي الْعِدَّةِ.. تَعَيَّنَتْ وَانْدَفَعْنَ، وَإِنْ أَصَرَّتْ فَانْقَضَتْ عِدَّتُهَا.. اخْتَارَ أَمَةً، وَلَوْ أَسْلَمَتْ وَعَتَقْنَ ثُمَّ أَسْلَمْنَ فِي الْعِدَّةِ.. فَكَحَرَائِرَ؛ فَيَخْتَارُ أَرْبَعًا

مبني على صحة أنكحتهم، وحينئذ فيجب المُسمَّى الصحيح 1. (وفي قول: تبقى الأم) وتندفع البنت بوطء الأم، وهذا بناء على فساد أنكحتهم.
(أو وتحته أمة أسلمت معه أو في العدة.. أُقرَّ إن حلَّت له الأمة) لأنه يجوز أن يبتدئ نكاحها، فيقر عليها.
(وإن تخلفت قبل دخولٍ.. تنجزت الفرقة) لأن المسلم لا ينكح الأمة الكتابية.
(أو إماء وأسلمن معه أو في العدة.. اختار أمة إن حلّت له عند اجتماع إسلامه وإسلامهن) لأنه يجوز أن يبتدئ نكاحها؛ لوجود شرطه، فجاز اختيارها كالحرة، وينفسخ نكاح البواقي، هذا إذا كان الزوج حرًّا، فإن كان عبدًا.. فله أن يختار أمتين؛ لأن له أن يبتدئ نكاحهما.
(وإلا) أي: وإن لم تحل له الأمة عند اجتماع إسلامه وإسلامهن (.. اندفعن) لأنه لا يجوز له ابتداء نكاح واحدة منهن؛ فلا يجوز له اختيارها؛ كالمعتدة عن غيره وذوات المحارم.
(أو حرة وإماء وأسلمن معه) أي: الحرة والإماء، (أو في العدة.. تعيّنت واندفعن) لأنه لا يجوز أن يبتدئ نكاح أمة مع وجود حرة، فلا يجوز أن يختارها.
(وإن أصرّت) الحرة على الكفر ولم تكن كتابية (فانقضت عدَّتها.. اختار أمة) إذ ظهر أنها بانت باختلاف الدين، فأشبه ما إذا تمحضت الإماء.
(ولو أسلمت وعتقن، ثم أسلمن في العدة.. فكحرائر؛ فيختار أربعًا) لالتحاقهن بالحرائر الأصليات.

وَالاخْتِيَارُ: (اخْتَرْتُكِ)، أَوْ (قَرَّرْتُ نِكَاحَكِ)، أَوْ (أَمْسَكْتُكِ)، أَوْ (ثَبَّتُّكِ). وَالطَّلَاقُ اخْتِيَارٌ، لَا الظِّهَارُ وَالإِيلَاءُ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ اخْتِيَارٍ وَلَا فَسْخٍ. وَلَوْ حَصَرَ الاخْتِيَارَ فِي خَمْسٍ.. انْدَفَعَ مَنْ زَادَ، وَعَلَيْهِ التَّعْيِينُ وَنَفَقَتُهُنَّ حَتَّى يَخْتَارَ، فَإِنْ تَرَكَ الاخْتِيَارَ.. حُبِسَ،

(والاختيار: "اخترتُك"، أو "قررت نكاحك"، أو "أمسكتُكِ"، أو "ثبَّتُّك") لمجيء لفظ الاختيار والإمساك في الحديث، والباقي في معناه.
وقضية كلام الأئمة: صراحة هذه الألفاظ، قال الرافعي: والأقرب: أن يجعل قوله: (اخترتك)، و (أمسكتك) من غير تعرض للنكاح كناية 1. ولو اختار الفسخ فيما زاد على الأربع.. تعينت الأربع وإن لم يتلفظ بشيء، وهو وارد على ما يفهمه كلام المصنف من اعتبار التصريح بالاختيار.
(والطلاق اختيار) للنكاح؛ لتوقف الطلاق على ثبوت النكاح، وسواء المعلق والمنجز على الأصحِّ، (لا الظهار والإيلاء في الأصح) إذ معناهما بالأجنبية أليق؛ إذ حاصلهما الامتناع من الوطء، والثاني: نعم؛ لأنهما تصرفان مختصان بالنكاح، فأشبها الطلاق.
(ولا يصح تعليق اختيار ولا فسخ) بدخول الدار ونحوه؛ لأن الاختيار منزل منزلة الابتداء أو الاستدامة، وأيهما كان.. لا يقبل التعليق؛ لأن النكاح والرجعة لا يقبلانه.
(ولو حصر الاختيار في خمس.. اندفع من زاد) وإن لم يكن تعيينًا تامًّا؛ فإن به يخف الإبهام (وعليه التعيين) لحبسه أكثر من العدد الشرعي، ولدفع الضرر عنهن؛ فإن كلًّا لا تعلم أنها منكوحة أو مفارقة، (ونفقتهن حتى يختار) لأنهن محبوسات بحكم النكاح.
(فإن ترك الاختيار.. حبس) لأنه امتنع من واجب لا يقوم غيره مقامه فيه، وظاهره: أنها لا يزاد على الحبس، وليس كذلك، بل إذا أصر ولم يُفِد الحبس.. عزر بما يراه الحاكم من الضرب وغيره، ولا يختار الحاكم، بخلاف الإيلاء حيث

فَإِنْ مَاتَ قَبْلَهُ.. اعْتَدَّتْ حَامِلٌ بِهِ، وَذَاتُ أَشْهُرٍ وَغَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَذَاتُ أَقْرَاءٍ بِالأَكْثَرِ مِنَ الأَقْرَاءِ وَأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ، وَيُوقَفُ نَصِيبُ زَوْجَاتٍ حَتَّى يَصْطَلِحْنَ.

يطلق؛ لأن هذا اختيار شهوة، ولا تجري فيه النيابة، وهذا في المكلف.
فلو أسلم صغير بالتبعية أو بلغ ثم جن.. أخّر الاختيار إلى الكمال، وعليه نفقتهن، ولو مات بعد إسلامهن.. وجب عليه مهورهن، وهذا يلغز به فيقال: صغير مسلم يجب عليه مهور مئة امرأة ونفقتهن بسبب نكاح صحيح سبق عليهن.
(فإن مات قبله) أي: قبل الاختيار (.. اعتَدَّت حامل به) أي: بوضع الحمل؛ لما سيأتي في بابه.
(وذات أشهر وغيرُ مدخول بها بأربعة أشهر وعشر) إذ تحتمل الزوجية في كل منهن، وهو الأقصى في حقها، (وذات أقراء بالأكثر من الأقراء وأربعة أشهر وعشر) لأن كل واحدة تحتمل أن تكون زوجة.. فعليها عدة الوفاة، أو مفارقة في الحياة.. فعليها أن تعتد بالأقراء، فوجب الاحتياط؛ لتحل للأزواج بيقين.
وابتداء الأشهر من الموت، والأقراء من حين إسلامهما إن أسلما معًا، وإلا.. فمن إسلام السابق منهما على الأصحِّ.
(ويوقف نصيب زوجات حتى يصطلحن) ولا يوزع بينهن؛ لأنا نعلم أن فيهن أربع زوجات، وقد جهلنا عينهن فوجب التوقف، ولا فرق بين أن يصطلحن على التساوي أو التفاضل إلا أن يكون فيهن غير مكلفة؛ فإن وليها لا يصالح عنها على أقل ما تقتضيه القسمة؛ كالثمن إذا كنّ ثمانية، أو السدس إذا كنّ ستة، وقيل: ليس له أن يصالح على أقل من ربع الموقوف، والأصحُّ: الأول.
هذا إذا علم استحقاق الزوجات للإرث، أما إذا أسلم على ثمان كتابيات وأسلم منهن أربع أو كان تحته أربع كتابيات وأربع وثنيات، فأسلم معه الوثنيات ومات قبل الاختيار.. فلا يوقف للزوجات شيء على الأصحِّ المنصوص، بل يقسم كل التركة بين باقي الورثة؛ لأن استحقاق الزوجات الإرث غير معلوم؛ لاحتمال أنهن الكتابيات.

فصلٌ [في مؤنة المسلمة أو المرتدة]

أَسْلَمَا مَعًا.. اسْتَمَرَّتِ النَّفَقَةُ. وَلَوْ أَسْلَمَ وَأَصَرَّتْ حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ.. فَلَا، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِيهَا.. لَمْ تَسْتَحِقَّ لِمُدَّةِ التَّخَلُّفِ فِي الْجَدِيدِ. وَلَوْ أَسْلَمَتْ أَوَّلًا فَأَسْلَمَ فِي الْعِدَّةِ أَوْ أَصَرَّ.. فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِنِ ارْتَدَّتْ.. فَلَا نَفَقَةَ وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِي الْعِدَّةِ، وَإِنِ ارْتَدَّ.. فَلَهَا نَفَقَةُ الْعِدَّةِ.

(فصل: أسلما معًا.. استمرت النفقة) لدوام النكاح والتمكين.
(ولو أسلم وأصرّت) وهي غير كتابية (حتى انقضت العدة.. فلا) لأنها ناشزة بالتخلف عن الإسلام.
(وإن أسلمت فيها.. لم تستحق لمدَّة التخلف في الجديد) لإساءتها بالتخلف والامتناع عما هو فرض عليها، فصار كما لو سافر الزوج وأراد استصحابها، فتخلفت، والقديم: أنها تستحق؛ لأنها ما أحدثت شيئًا، والزوج هو الذي بدَّل الدِّين.
(ولو أسلمت أوّلًا فأسلم في العدة أو أصرَّ.. فلها نفقة العدة على الصحيح) المنصوص 1؛ أما في الأولى.. فلأنها أدّت فرضًا مضيقًا عليها فلم يمنع النفقة؛ كصوم رمضان، وأما في الثانية.. فلأنها أحسنت، والزوج قادر على تقرير النكاح بأن يسلم فتنزل منزلة الرجعية، والثاني: لا تستحق فيهما؛ أما في الأولى.. فلأنه استمر على دينه وهي التي أحدثت المانع من الاستمتاع، وأما في الثانية.. فلأنها بائن حائل؛ ولهذا لو طلّقها.. لم يقع الطلاق.
(وإن ارتدت.. فلا نفقة وإن أسلمت في العدة) لنشوزها، (وإن ارتد.. فلها نفقة العدة) لأنها لم تحدث شيئًا، وهو الذي أحدث الردة، ولو ارتدا معًا.. فلا نفقة.

باب الخيار والإعفاف ونكاح العبد

وَجَدَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ بِالآخَرِ جُنُونًا أَوْ جُذَامًا أَوْ بَرَصًا، أَوْ وَجَدَهَا رَتْقَاءَ أَوْ قَرْنَاءَ، أَوْ وَجَدَتْهُ عِنِّينًا أَوْ مَجْبُوبًا.. ثبَتَ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكاحِ،

(باب الخيار والإعفاف ونكاح العبد) (وجد أحد الزوجين بالآخر جنونًا) مطبقًا أو متقطعًا (أو جذامًا أو برصًا) مستحكمين والاستحكام في الجذام يكون: بالتقطع، وقال الإمام: يجوز أن يكتفى باسوداد العضو وحكم أهل البصائر باستحكام العلة، وفي البرص: بعدم قبول العلاج، وعلامته: أن يعصر فلا يحمرّ.
(أو وجدها رتقاء) وهي منسدة محل الجماع بلحم، (أو قرناء) وهي المنسدة بعظم، ويقال: إن القَرْن لحم ينبت في الفرج.
(أو وجدته عنينًا) وهو العاجز عن الوطء في القبل، (أو مجبوبًا) وهو مقطوع جميع الذكر (.. ثبت الخيار في فسخ النكاح) لأن الخيار في البيع يثبت بهذه العيوب إجماعًا؛ لفوات مالية يسيرة، فإثباته لفوات الجماع الذي هو مقصود النكاح.. أولى، وحكى الماوردي: إجماع الصحابة على ثبوته بالجَبّ والعنة 1. وصحّ عن عمر رضي الله عنه في الثلاثة الأُوَل المشتركة، رواه عنه الشافعي وعوّل عليه؛ لأن مثله لا يكون إلا توقيفًا 2. فلو بقي من الذكر قدر الحشفة.. فلا خيار في الأظهر، ولو زال العيب قبل الفسخ.. فلا خيار، وكذا إذا علم به بعد الموت على الأصحِّ؛ لانتهاء النكاح بالموت.
وقوله: (وجد) يقتضي أنه لو علم أحدهما بعيب صاحبه قبل العقد.. لا خيار له، وليس على إطلاقه، بل لو علمت بعنّته.. فلها الخيار بعده، ولو زاد العيب الذي به.. فلا خيار في الأصحِّ.

وَقِيلَ: إِنْ وَجَدَ بِهِ مِثْلَ عَيْبِهِ.. فَلَا.

واستثنى في "الكفاية": ما إذا حدث بموضع آخر، ونقله عن " التتمة" 1، قال في "التوشيح": ولا يستثنى؛ لأن ذاك عيب آخر.
واقتصار المصنف على ما ذكره من العيوب يقتضي: أنه لا خيار بغيرها، قال في "الروضة": وهو الصحيح الذي قطع به الجمهور، لكن في كلامه على العنين قال: وفي معناه: المرض المزمن الذي لا يتوقع زواله، ولا يمكن معه الجماع؛ كذا ذكره الشيخ أبو محمد وغيره، وظاهر كلامه: الموافقة عليه، وجزم به في "الكفاية" وقال: إنه أولى بثبوت الخيار من البرص؛ لأن البرص لا يمنعه بالكلية بل ينفر منه، وهذا لا يتصور معه 2. ونقلا في (باب النفقات) عن الماوردي: أنه إذا وجد الزوجة مستأجرة.. يثبت الخيار وأقرّاه 3. ويثبت الخيار فيما إذا أعسر الزوج كما سيأتي في بابه، وفيما إذا وجد أحدهما الآخر رقيقًا على ما جزم به المصنف كما سيأتي.
والإغماء الدائم الميؤوس من زواله كالجنون، قاله المتولي.
وألحق الشافعي الخبل بالجنون 4. (وقيل: إن وجد به مثل عيبه.. فلا) لتساويهما في النقص، والأصحُّ: نعم؛ لأن الإنسان يعاف من غيره ما لا يعاف من نفسه.
قال الرافعي: وهذا في غير الجنون، أما إذا كانا مجنونين.. فلا يمكن إثبات الخيار لواحد منهما.
انتهى 5. والمراد: الجنون المطبق؛ لأن المنقطع جنونه لا يوصف حال الإفاقة بالجنون، ويجري مثل هذا الخلاف فيما لو كان مجبوبًا وهي رتقاء، وقطع بعضهم بالمنع؛ لعدم الطريق إلى الوطء.

وَلَوْ وَجَدَهُ خُنْثَى وَاضِحًا.. فَلَا فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ.. تَخَيَّرَتْ إِلَّا عُنَّةً بَعْدَ دُخُولٍ، أَوْ بِهَا.. تَخَيَّرَ فِي الْجَدِيدِ. وَلَا خِيَارَ لِوَليٍّ بِحَادِثٍ، وَكَذَا

وقوله: (مثل عيبه): يفهم أنه لو كان عيب أحدهما أفحش أو أكثر.. يثبت الخيار قطعًا، وهو كذلك؛ كما بحثه الرافعي 1، ونقله ابن الرفعة عن القاضي الحسين.
(ولو وجده خنثى واضحًا.. فلا في الأظهر) لأنه لا يفوت مقصود النكاح؛ إذ ليس فيه إلا زيادة ثقبة في الرجل، وسِلْعة في المرأة، والثاني: نعم؛ لنفرة الطبع منه.
وفي محل القولين: طرق: أصحها: أن محلهما إذا اختار الذكورة بغير علامة، فتزوج امرأة أو عكسه؛ لأنه قد يخرج بخلافه، فإن اتضح بعلامة.. فلا خيار قطعًا.
واحترز بالواضح: عن المُشكل؛ فإنه لا يصح نكاحه وهو من زياداته على "المحرر" 2. (ولو حدث به عيب.. تخيّرت) قبل دخول وبعده؛ دفعًا للضرر عنها، ودخل في إطلاقه: ما لو جبّت ذكر زوجها.. فإن الخيار يثبت لها على الأصحِّ، بخلاف المشتري إذا عيّب المبيع؛ لأنها بالجب لا تصير قابضة لحقها؛ كالمستأجر، والمشتري بالعيب قابض لحقه، (إلا عُنّة بعد دخول) لحصول مقصود النكاح لها في المهر وثبوت الحضانة، وقد عرفَتْ قدرتَه ولم يبق إلا التلذذ، وهو شهوة لا يجبر الزوج عليها، وفي الجب قول: أنه كذلك.
والفرق على المذهب: حصول اليأس، بخلاف العنة؛ لأنه يرجى زوالها.
(أو بها.. تخير في الجديد) قبل دخول وبعده؛ كما لو حدث به، والقديم: لا؛ لتمكنه من الخلاص بالطلاق، بخلافها.
وأجاب الأول: بأن الفسخ يدفع عنه التشطير قبل الدخول، بخلاف الطلاق.
(ولا خيار لولي بحادث) إذ لا عار عليه في العرف، بخلاف الابتداء، (وكذا

بِمُقَارِنٍ جَبٍّ وَعُنَّةٍ، وَيَتَخَيَّرُ بِمُقَارِنٍ جُنُونٍ، وَكَذَا جُذَامٌ وَبَرَصٌ فِي الأَصَحِّ. وَالْخِيَارُ عَلَى الْفَوْرِ. وَالْفَسْخُ قَبْلَ دُخُولٍ يُسْقِطُ الْمَهْرَ، وَبَعْدَهُ.. الأَصَحُّ: أَنَّهُ يَجِبُ مَهْرُ مِثْلٍ إِنْ فُسِخَ بِمُقَارِنٍ، أَوْ بِحَادِثٍ بَيْنَ الْعَقْدِ وَالْوَطْءِ جَهِلَهُ الْوَاطِئُ،

بمقارن جب وعُنة) لاختصاصها بالضرر، ولا عار عليه، وفي تصوير ثبوت مقارنة العُنة للنكاح عسر؛ إذ العُنة لا تثبت إلا بعد العقد؛ فإن صور بما إذا تزوجها وعرف الولي عُنته ثم أبانها وأراد تجديد نكاحها.. ردّ بأنه قد يُعن في نكاح دون نكاح؛ كما هو الأصحُّ.
(ويتخير بمقارن جنون) وإن رضيت؛ لتعيره بذلك، (وكذا جذام وبرص في الأصح) للعار وخوف العدوى للنسل، والثاني: المنع؛ لأن الضرر مختص بها، وهذا التفصيل يجري في ابتداء التزويج، فتجب إجابتها إلى العنين والمجبوب -بالباء- لا إلى المجنون -بالنون- ولا إلى المجذوم والأبرص على الأصحِّ 1. (والخيار على الفور) لأنه خيار عيب، فكان على الفور؛ كما في البيع، ولا ينافي كونه على الفور ضرب المدة في العنة؛ فإنها حينئذ تتحقق، وإنما تؤمر بالمبادرة إلى الفسخ بعد تحقيق العيب.
والمعنى بكونه على الفور: أن المطالبة والرفع إلى الحاكم يكون على الفور.
(والفسخ قبل دخول يُسقِط المهر) سواء كان بعيبه أو بعيبها؛ إذ مقتضى الفسخ: ترادّ العوضين.
(وبعده) أي: بعد الدخول (.. الأصح: أنه يجب مهر مثل إن فُسخ بمقارن) لأنه قد استمتع بمعيبة، وهو إنما بذل المُسمَّى على ظن السلامة ولم يحصل، فكأن العقد جرى بلا تسمية، والثاني: يجب المُسمَّى؛ لأن الدخول جرى في عقد صحيح مشتمل على تسمية صحيحة، فأشبه الردة بعد الدخول، والثالث: إن فسخ بعيبهما.. فمهر المثل، وإن فسخت بعيبه.. فالمُسمَّى.
(أو بحادث بين العقد والوطء جَهِله الواطئ) ويجعل اقترانه بالوطء المقرر للمهر كالاقتران بالعقد.

جارٍ التحميل