بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 149-175

كتابُ دعوى الدَّم والقسامة يُشْتَرَطُ أَنْ يُفَصِّلَ مَا يَدَّعِيهِ مِنْ عَمْدٍ وَخَطَأٍ وَانْفِرَادٍ وَشرْكَةٍ - فَإِنْ أَطْلَقَ.. اسْتَفْصَلَهُ الْقَاضِي، وَقِيلَ: يُعْرِضُ عَنْهُ - وَأَنْ يُعَيِّنَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَوْ قَالَ: (قَتَلَهُ أَحَدُهُمْ).. لَمْ يُحَلِّفْهُمُ الْقَاضِي فِي الأَصَحِّ،

﴿كتاب دعوى الدم والقسامة﴾ 1 والشهادة على الدم؛ إذ الباب مشتمل على الأمور الثلاثة.
واستفتحه في "المحرر" بحديث: "الْبيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ" 2، وفي إسناده لين 3. والقسامة بفتح القاف: اسم للأيمان، وقيل: اسم للأولياء، وأول من قضى بها الوليد بن المغيرة في الجاهلية فأقرها الشارع في الإسلام.
(يشترط) لصحة دعوى الدم (أن يفصل ما يدعيه من عمد وخطأ) (وشبه عمد (وانفراد وشركة) وبيان عدد الشركاء إنْ كان المدعى به المال دون القصاص؛ لاختلاف الأحكام بذلك.
وقد يفهم: أنه يكفي قوله: عمدًا أو خطأ، من غير بيان صفته، وليس كذلك.
(فإن أطلق.. استفصله القاضي) ندبًا، وقيل: حتمًا، (وقيل: يعرض عنه) ولا يستفصله؛ لأنه ضرب من التلقين، ومنع الأول كونه تلقينًا، بل التلقين أن يقول له: (قل: قتله عمدًا أو خطأً).
(وأن يعين المدعى عليه، فلو قال: "قتله أحدهم") أي أحد المدعى عليهم (.. لم يحلفهم القاضي في الأصح) للإبهام، كما لو ادعى دينًا على أحد رجلين، والثاني: يحلفهم، للحاجة، لأن القاتل يخفي القتل، ويعسر على الولي معرفته، ولا ضرر عليهم في يمين صادقة.

وَيَجْرِيَانِ فِي دَعْوَى غَصْبٍ وَسَرِقَةٍ وَإِتْلَافٍ، وَإِنَّمَا تُسْمَعُ مِنْ مُكَلَّفٍ مُلْتَزِمٍ عَلَى مِثْلِهِ. وَلَوِ ادَّعَى انْفِرَادَهُ بِالْقَتْلِ ثُمَّ ادَّعَى عَلَى آخَرَ.. لَمْ تسمَعِ الثَّانِيَةُ، أَوْ عَمْدًا وَوَصَفَهُ بِغَيْرِهِ.. لَمْ يَبْطُلْ أَصْلُ الدَّعْوَى فِي الأَظْهَرِ

(ويجريان في دعوى غصب وسرقة وإتلاف) ونحوها؛ كما إذا ضل ماله.. فيدعي على جمع حاضرين أن أحدهم أخذه؛ إذ السبب ليس لصاحب الحق فيه اختيار، والمباشر له يقصد الكتمان، فأشبه الدم.
وضابط محل الخلاف: أن يكون سبب الدعوى ينفرد به المدعى عليه، فيجهل تعيينه، بخلاف دعوى القرض والبيع وسائر المعاملات؛ لأنها تنشأ باختيار المتعاقدين، وشأنها أن يضبط كل واحد منهما صاحبه.
(وإنما تسمع) الدعوى بالدم وغيره (من مكلف) فلا تسمع من صبي ومجنون؛ لإلغاء عبارتهما (ملتزم) فلا تسمع من حربي؛ لأنه لا يستحق قصاصًا ولا غيره (على مثله) فلا تسمع الدعوى على صبي ولا مجنون ولا حربي.
ودخل في المكلف: المحجور عليه بالسفه والفلس والرق؛ لأن المقصود من الدعوى الإقرار، ولو وجد.. لترتب عليه مقتضاه، فتسمع الدعوى على العبد فيما يقبل إقراره به، وكذا على السفيه بحد القذف والقصاص.
(ولو ادعى انفراده بالقتل ثم ادعى على آخر) أنه شريكه أو منفرد (.. لم تسمع الثانية) لما فيه من تكذيب الأولى ومناقضتها.
نعم؛ لو صدقه الثاني.. ووخذ بها على الأصحِّ؛ لأن الحق لا يعدوهما، ويحتمل كذبه في الأولى وصدقه في الثانية.
وقد يفهم كلامه: بقاء الدعوى الأولى بحالها، وليس كذلك، فلو لم يقسم على الأولى، ولم يمض حكم.. لم يمكن من العود إليه.
(أو عمدًا، ووصفه بغيره) أي: بالخطأ أو شبه العمد (.. لم يبطل أصل الدعوى في الأظهر) لأنه قد يظن الخطأ عمدًا، وحينئذ يعتمد تفسيره، ويمضي حكمه، وقال ابن داوود في "شرح المختصر": لا بد من تجديد الدعوى بالخطأ، والثاني: تبطل؛ لأن في دعوى العمد اعترافًا بأنه ليس بمخطئ، فلا يقبل رجوعه عنه.

وَتَثْبُتُ الْقَسَامَةُ فِي الْقَتْلِ بِمَحَلِّ لَوْثٍ، وَهُوَ: قَرِينَةٌ لِصِدْقِ الْمُدَّعِي؛ بِأَنْ وُجِدَ قَتِيلٌ فِي مَحِلَّةٍ أَوْ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ لِأعْدَائِهِ، أَوْ تَفَرَّقَ عَنْهُ جَمْعٌ

(وتثبت القسامة في القتل بمحل لوث) لقصة عبد الله بن سهل في "الصحيحين" 1. (وهو) أي: اللوث (قرينة لصدق المدعي) سمي بذلك؛ لأن أصل اللوث في اللغة: هو القوة، وقيل: الضعف، فكأنه حجة ضعيفة (بأن وجد قتيل في محلة) منفصلة عن البلد الكبيرة، (أو قرية صغيرة لأعدائه) لأن قصة عبد الله بن سهل هكذا كانت، فإن أهل خيبر أعداء الأنصار، ووجوده بقرب المحلة أو القرية كوجوده بها.
ويشترط: ألا يساكن الأعداء غيرهم؛ لاحتمال أن الغير قتله، وهل يشترط: ألا يخالطهم غيرهم حتى لو كانت القرية على قارعة الطريق وكان يطرقها المارة والمجتازون، فلا لوث أو لا يشترط؟ وجهان، أصحهما في "الروضة" و"أصلها": الثاني 2، فإن خيبر يطرقها الأنصار، ولكن حكى في "شرح مسلم" عن الشافعي: الاشتراط، وقال في "المهمات": إنه الصواب الذي عليه الفتوى، فقد نص عليه الشافعي، وذهب إليه جمهور الأصحاب، بل جميعهم إلا الشاذ 3. (أو تفرق عنه جمع) في دار دخلها عليهم ضيفًا، أو دخلها معهم لحاجة، أو في مسجد، أو طريق، أو ازدحم قوم على بئر، ثم تفرقوا عن قتيل؛ لقوة الظن هنا أيضًا، ولا يشترط هنا كونهم أعداءه.

وَلَوْ تَقَابَلَ صَفَّانِ لِقِتَالٍ وَانْكَشَفُوا عَنْ قَتِيلٍ، فَإِنِ الْتَحَمَ قِتَالٌ.. فَلَوْثٌ فِي حَقِّ الصَّفِّ الآخَرِ، وَإِلَّا.. فِي حَقِّ صَفِّهِ. وَشَهَادَةُ الْعَدْلِ لَوْثٌ، وَكَذَا عَبِيدٌ وَنسَاءٌ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ تَفَرُّقُهُمْ

نعم؛ يشترط كونهم محصورين بحيث يتصور اجتماعهم على القتيل، وإلا.. لم تسمع الدعوى، ولم يقسم.
(ولو تقابل صفان لقتال، وانكشفوا عن قتيل، فإن التحم قتال) أي: اختلط بعضهم ببعض، أو كان سلاح أحد الصفين يصل إلى الآخر برمي أو غيره (.. فلوث في حق الصف الآخر) لأن الظاهر: أن أهل صفه لا يقتلونه، (وإلا) أي: وإن لم يلتحم، ولا كان يصل السلاح.. فاللوث (في حق صفه) لأن الظاهر: أنهم قتلوه.
(وشهادة العدل) الواحد بأن فلانًا قتله (لوث) لحصول الظن بصدقه، وسواء تقدمت شهادته على الدعوى أو تأخرت؛ كما جزم به في "أصل الروضة" والرافعي أبداه بحثًا، وهو رأي الإمام بعد أن نقل عن الأصحاب: أن سبيلها سبيل سائر الشهادات 1، هذا في قتل العمد، أما قتل الخطأ وشبه العمد.. فلا يكون لوثًا، بل يحلف معه يمينًا واحدة، ويستحق المال، صرح به الماوردي 2. (وكذا عبيد ونساء) ممن تقبل روايتهم؛ لأنه يثير ظنًّا، (وقيل: يشترط تفرقهم) لاحتمال التواطؤ في حالة الاجتماع، والأصحُّ: المنع، واحتمال التواطؤ، كاحتمال الكذب في شهادة الواحد، وما صححه من عدم اشتراط تفرقهم جرى عليه في "أصل الروضةٌ، واعترض: بأن الرافعي قال: إنه الأقوى، وأراد من جهة البحث لا النقل، وصرح بأن المشهور: أنه لا يكون لوثًا، ونقله في "المطلب" عن النص، وقال: إنه الذي أورده سليم، وحكاه ابن الصباغ عن الأصحاب، قال في "المهمات": فتعين أن تكون الفتوى عليه 3. وتعبيره بالجمع: يخرج الاثنين، والذي في "الشرح" و"الروضة" عن

وَقَوْلُ فَسَقَةٍ وَصِبْيَانٍ وَكُفَّارٍ لَوْثٌ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ ظَهَرَ لَوْثٌ فَقَالَ أَحَدُ ابْنَيْهِ: (قَتَلَهُ فُلَانٌ) وَكَذَّبَهُ الآخَرُ.. بَطَلَ اللَّوْثُ، وَفِي قَوْلٍ: لَا، وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ بِتكذِيبِ فَاسِقٍ، وَلَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: (قَتَلَهُ زَيْدٌ وَمَجْهُولٌ)، وَقَالَ الآخَرُ: (عَمْرٌو وَمَجْهُولٌ).. حَلَفَ كُلٌّ عَلَى مَنْ عَيَّنَهُ

"التهذيب": أن شهادة عبدين أو امرأتين كشهادة الجمع، واعتمده في "المهمات"، ونقله عن جزم الماوردي، قال: وحكاه عنه في "البحر" وارتضاه، وجزم به الخوارزمي في "الكافي"، ومحمد بن يحيى في "المحيط" 1. (وقول فسقة وصبيان وكفار لوث في الأصح) لأن الغالب أن اتفاق الجمع الكثير على الإخبار عن الشيء كيف كان.. لا يكون إلا عن حقيقة، والثاني: لا؛ لأنه لا عمل على قولهم في الشرع، والثالث: لوث من غير الكفار، ومن أقسام اللوث لهج الخاص والعام؛ بأن فلانًا قتل فلانًا، نقلاه عن البغوي وأقراه 2. (ولو ظهر لوث فقال أحد ابنيه: ) مثلًا ("قتله فلان"، وكذبه الآخر.. بطل اللوث) لأن الله تعالى أجرى العادة بحرص القريب على التشفي من قاتل قريبه، وأنه لا يبرئه، فعارض هذا اللوث مسقط، (وفي قول: لا) يبطل؛ لأن في سائر الدعاوى لا يسقط بتكذيب أحد الوارثين حق الثاني، فيحلف المدعي خمسين يمينًا، ويأخذ حقه من الدية، (وقيل: لا يبطل بتكذيب فاسق) لأن قوله غير معتبر في الشرع، والأصحُّ: أنه لا فرق بينهما، فإن قول الفاسق فيما يسقط حقه مقبول؛ لانتفاء التهمة.
ومحل الخلاف: بالنسبة إلى المدعي، أما بطلانه بالنسبة إلى المكذب.. فلا خلاف فيه، كما صرح به في "البيان" وغيره 3. (ولو قال أحدهما: "قتله زيد ومجهول"، وقال الآخر: "عمرو ومجهول".. حلف كل على من عينه) لاحتمال أن الذي أبهم ذكره هو الذي عينه الآخر، وكذلك

وَلَهُ رُبُعُ دِيَةٍ. وَلَوْ أَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ اللَّوْثَ فِي حَقِّهِ فَقَالَ: (لَمْ أَكُنْ مَعَ الْمُتَفَرِّقِينَ عَنْهُ).. صُدِّقَ بِيَمِينهِ. وَلَوْ ظَهَرَ لَوْثٌ بِأَصْلِ قَتْلٍ دُونَ عَمْدٍ وَخَطَأٍ.. فَلَا قَسَامَةَ فِي الأَصحِّ. وَلَا يُقْسَمُ فِي طَرَفٍ وَإِتْلَافِ مَالٍ، إِلَّا فِي عَبْدٍ فِي الأَظْهَرِ. وَهِيَ: أَنْ يَحْلِفَ الْمُدَّعِي عَلَى قَتْلٍ ادَّعَاهُ خَمْسِينَ يَمِينًا،

بالعكس، (وله ربع دية) لاعترافه على أن الواجب على من عينه نصف الدية، وحصته منه النصف.
(ولو أنكر المدعى عليه اللوث في حقه، فقال: "لم أكن مع المتفرقين عنه") أي: القتيل (.. صدق بيمينه) لاحتماله، والأصل براءة ذمته من القتل، وعلى المدعي البينة على قيام الأمارة التي يدعيها.
(ولو ظهر لوث بأصل قتل دون عمد وخطأ.. فلا قسامة في الأصح) لأن مطلق القتل لا يفيد مطالبة القاتل، بل لا بد من ثبوت العمدية، ولا مطالبة العاقلة، بل لا بد أن يثبت كونه خطأً، أو شبه عمد، والثاني: نعم؛ لأنه إذا ظهر القاتل.. خرج الدم عن كونه باطلًا مهدرًا.
(ولا يقسم في طرف وإتلاف مال) لأن النص ورد في النفس، وهي أعظم من غيرها، ولهذا اختصت بالكفارة، فلا يلحق بها ما دونها.
ولو قال المصنف: (ولا يقسم فيما دون النفس).. لكان أخصر وأعم؛ لشموله الجراحات.
(إلا في عبد في الأظهر) هذا الخلاف مبني على الخلاف في أن بدل العبد تحمله العاقلة أو لا، والأظهر: أنها تحمله، ولا فرق في العبد بين القن والمدبر وأم الولد والمكاتب.
(وهي) أي: القسامة (أن يحلف المدعي على قتل ادعاه خمسين يمينًا) لحديث سهل بن أبي حَثْمة 1، وهو مخصص لعموم حديث: "الْبيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" 2.

وَلَا يُشْتَرَطُ مُوَالَاتُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَوْ تَخَلَّلَهَا جُنُونٌ أَوْ إِغْمَاءٌ.. بَنَى، وَلَوْ مَاتَ.. لَمْ يَبْنِ وَارِثُهُ عَلَى الصَّحِيحِ

وقد جاء استثناء القسامة أول الباب؛ لأن جانب المدعي قوي باللوث، فتحولت اليمين إليه؛ كما لو أقام شاهدًا في غير القسامة، وسواء النفس الكاملة والناقصة؛ كالمرأة والكافر، فيحلف لكل دية خمسين يمينًا على الأصحِّ؛ لخطر النفس.
وقيل: إن الخمسين تقسط على الدية الكاملة، فيحلف في المرأة خمسة وعشرين يمينًا، وفي اليهودي سبعة عشر، ويقول في يمينه في كل مرة: (لقد قتله هذا)، ويشير إليه، ويرفع في نسبه عند غيبته، أو يعرفه بما يمتاز به من قبيلة أو ضيعة أو لقب 1، ويتعرض لكونه عمدًا أو خطأً أو شبه عمد.
(ولا يشترط موالاتها على المذهب) لأن الأيمان من جنس الحجج، والتفريق في الحجج لا يقدح، كما إذا شهد الشهود متفرقين، وهذا ما عزياه لإيراد الأكثرين 2، وقيل: يشترط؛ لأن للموالاة وقعًا في النفوس، وأثرًا في الزجر والردع، وهذا هو الأشبه في اللعان.
وفرق بينهما: بأن اللعان أولى بالاحتياط؛ لأنه تتعلق به العقوبة البدنية، ويختل به النسب، وتشيع الفاحشة.
(ولو تخللها) أي: الأيمان (جنون أو إغماء.. بنى) إذا أفاق، ولا يجب الاستئناف، أما إذا لم نشترط الموالاة.. فظاهر، وأما إذا اشترطناها.. فلقيام العذر، بخلاف ما لو عزل القاضي، أو مات في أثنائها، فإن القاضي الثاني يستأنف على الأصحِّ، قالا: وحكي عن نص "الأم" أنه يبني، وصححه الروياني 3. (ولو مات) قبل تمام القسامة (.. لم يبن وارثه على الصحيح) المنصوص؛ لأن الأيمان كالحجة الواحدة، ولا يجوز أن يستحق أحد شيئًا بيمين غيره، والثاني: = عنهما، والشطر الثاني من الحديث أخرجه البخاري (2514)، ومسلم (1711) عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وَلَوْ كَانَ لِلْقَتِيلِ وَرَثَةٌ وُزِّعَتْ بِحَسَبِ الإِرْثِ وَجُبِرَ الْكَسْرُ، وَفِي قَوْلٍ: يَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ. وَلَوْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا.. حَلَفَ الآخَرُ خَمْسِينَ، وَلَوْ غَابَ.. حَلَفَ الآخَرُ خَمْسِينَ وَأَخَذَ حِصَّتَهُ، وَإِلَّا.. صبَرَ لِلْغَائِبِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ يَمِينَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِلَا لَوْثٍ وَالْمَرْدُودَةَ عَلَى الْمُدَّعِي أَوْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَعَ لَوْثٍ وَالْيَمِينَ مَعَ شَاهِدٍ.. خَمْسُونَ.

يبني؛ لأنا إذا كنا نبني يمين بعض الورثة على بعض في توزيع الخمسين عليهم.. فبناء الوارث على يمين المورث أولى.
(ولو كان للقتيل ورثة.. وزعت بحسب الإرث) لأن ما يثبت بأيمانهم يقسم عليهم كذلك، (وجبر الكسر) لأن اليمين الواحدة لا تتبعض، فإذا كان الورثة ثلاثة بنين.. حلف كل واحد سبعة عشر، (وفي قول: يحلف كل خمسين) لأن العدد في القسامة كاليمين الواحدة في غيرها.
وفرق الأول: بأن اليمين الواحدة لا يمكن قسمتها، بخلاف أيمان القسامة، وهذا القول مبني على أن الدية تثبت للوارث ابتداءً، والأول مبني على أنها تثبت للمقتول ابتداءً.
(ولو نكل أحدهما.. حلف الآخر خمسين، ولو غاب.. حلف الآخر خمسين، وأخذ حصته) وكذا لو كان صغيرًا؛ لأن الدية لا تستحق بأقل منها، (وإلا) أي: وإن لم يحلف (.. صبر للغائب) فإذا حضر.. حلف ما يخصه.
(والمذهب: أن يمين المدعى عليه بلا لوث، والمردودة على المدعي أو على المدعى عليه مع لوث واليمين مع شاهد.. خمسون) أما في الأولى: وهي ما إذا ادعى القتل بغير لوث، وتوجهت اليمين على المدعى عليه؛ فلأنها يمين مسموعة في دعوى القتل؛ لعدم البينة، فوجب أن تغلظ بزيادة العدد؛ كما إذا كان ثَمَّ لوث، فإن التعدد ليس للوث، بل لحرمة الدم، واللوث إنما يفيد البداءة بالمدعي، بدليل أنه لو نكل.. حلف المدعى عليه خمسين يمينًا، ومنهم من قطع به، والطريق الثاني: يحكي قولين: وجه التغليظ 1: ما قلناه، ووجه

وَتَجِبُ بِالْقَسَامَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ دِيَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَفِي الْعَمْدِ عَلَى الْمُقْسَمِ عَلَيْهِ، وَفِي الْقَدِيمِ: قِصَاصٌ

مقابله: أنها يمين في جانب المدعى عليه؛ لقطع الخصومة، فلا تغلظ بالعدد؛ كسائر الدعاوى.
وأما في الثانية: وهي ما إذا نكل المدعى عليه فردت اليمين عليه، ولم يكن ثم لوث، فليس فيها طريقة، بل قولان، وهي أولى بالتعدد من الذي قبلها؛ لأن جانب المدعى عليه معتضد بالأصل: وهو البراءة، وجانب المدعي بالعكس؛ لأنه يريد بيمينه إثبات خلاف الأصل.
وأما في الثالثة: فالأصحُّ: القطع فيها بما ذكره؛ لقوله عليه السلام: "فَتُبرِيكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا" 1، جعل أيمان المدعى عليهم بعدد أيمان المدعين.
وأما الرابعة: فليس فيها طريقان أيضًا بل قولان، والأظهر: التعدد، وأطلق الشيخان تعدد اليمين مع الشاهد 2، وينبغي أن يقيد بالعمد، أما قتل الخطأ وشبه العمد.. فيحلف مع الشاهد يمينًا واحدة؛ كما قدمناه عن تصريح الماوردي في الكلام على أن شهادة العدل لوث.
(وتجب بالقسامة في قتل الخطأ وشبه العمد دية على العاقلة) لقيام الحجة بذلك؛ كما لو قامت بينة، (وفي العمد على المقسم عليه) (ولا قصاص؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "إِمَّا أَنْ تَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ تُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ" 3، فأطلق إيجاب الدية ولم يفصل، ولو صلحت الأيمان للقصاص.. لذكره، (وفي القديم: قصاص) لقوله عليه السلام: "أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبكُمْ؟ " 4، وأجاب الأول: بأن التقدير: (بدل دم صاحبكم)، وعبر بالدم عن الدية؛ لأنهم يأخذونها بسبب الدم.

وَلَوِ ادَّعَى عَمْدًا بِلَوْثٍ عَلَى ثَلَاثَةٍ حَضَرَ أَحَدُهُمْ.. أَقْسَمَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ وَأَخَذَ ثُلُثَ الدِّيَةِ، فَإِنْ حَضَرَ آخَرُ.. أَقْسَمَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ، وَفِي قَوْلٍ: خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِنْ لَمْ يَكُنْ ذَكَرَهُ فِي الأَيْمَانِ، وَإِلَّا.. فَيَنْبَغِي الاكْتِفَاءُ بِهَا بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْقَسَامَةِ فِي غَيْبَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَهُوَ الأَصَحُّ. وَمَنِ اسْتَحَقَّ بَدَلَ الدَّمِ.. أَقْسَمَ وَلَوْ مُكَاتَبٌ لِقَتْلِ عَبْدِهِ، وَمَنِ ارْتَدَّ.. فَالأَفْضَلُ تَأْخِيرُ أَقْسَامِهِ لِيُسْلِمَ، فَإِنْ أَقْسَمَ فِي الرِّدَّةِ.. صَحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ،

(ولو ادعى عمدًا بلوث على ثلاثة حضر أحدهم.. أقسم عليه خمسين، وأخذ ثلث الدية) من ماله على الجديد، وعلى القديم: له القصاص منه.
(فإن حضر آخر) (وأنكر (.. أقسم عليه خمسين) لأن الأيمان السابقة لم تتناوله، أما إذا أقر.. فإنه منه بإقراره إن كان القتل عمدًا بشرطه ولا قسامة، (وفي قول: خمسًا وعشرين) كما لو حضرا معًا، فإنه يقسم خمسين عليهما، فيخص الواحد من الخمسين النصف (إن لم يكن ذكره في الأيمان، وإلا.. فينبغي الأتفاء بها) ولا يحلف (بناء على صحة القسامة في غيبة المدعى عليه، وهو الأصح) (وجه الصحة في القسامة في الغيبة: القياس على البينة، ووجه مقابله: ضعف القسامة، وهذا بحث للرافعي 1. (ومن استحق بدل الدم.. أقسم) فالسيد يقسم في قتل عبده على الأظهر (ولو مكاتب لقتل عبده) لأنه استحق بدله، ويستعين بالقيمة على أداء النجوم، ولا يقسم سيده، بخلاف ما إذا قتل عبد المأذون له، فإن السيد يقسم دون المأذون له؛ لأنه لا حق له، بخلاف المكاتب.
(ومن ارتد.. فالأفضل: تأخير أقسامه ليسلم) لأنه لا يتورع، في حال ردته عن الأيمان الكاذبة، (فإن أقسم في الردة.. صح على المذهب) لأنه عليه السلام اعتد بأيمان اليهود، فدل على أن يمين المشرك صحيحة، والقسامة نوع اكتساب للمال، فلا تمنع منه الردة؛ كالاحتطاب والاصطياد ونحوهما، هذا هو الظاهر المشهور؛ كما قاله الرافعي، وقال المزني: لا تصح القسامة، ولا يثبت شيء 2، وحكاه غيره

وَمَنْ لَا وَارثَ لَهُ.. لَا قَسَامَةَ فِيهِ.

فَصْلٌ [فيما يثبت به موجب القود وموجب المال بسبب الجناية من إقرار وشهادة]

إِنَّمَا يَثْبُتُ مُوجِبُ الْقِصَاصِ بِإِقْرَارٍ أَوْ عَدْلَيْنِ، وَالْمَالِ بِذَلِكَ أَوْ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتينِ أَوْ وَيَمِينٍ. وَلَوْ عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ لِيُقْبَلَ لِلْمَالِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ.. لَمْ يُقْبَلْ فِي الأَصَحِّ

قولًا، ثم قيل: تصحيحها مبني على أقوال الملك، فإن قلنا بالبقاء.. فيصح، أو بالزوال.. فلا، أو بالتوقف.. فنعم في الأصحِّ.
وصورة المسألة: أن يرتد بعد استحقاقه؛ بأن يموت المجروح، ثم يرتد وليه، فأما لو ارتد قبل موته.. فإنه لا يقسم وإن أسلم؛ لأنه لا يرث.
ولو عبر بالأولى كـ "الروضة" و"أصلها" بدل الأفضل.. لكان أولى 1. (ومن لا وارث له.. لا قسامة فيه) وإن كان هناك لوث؛ لأنه ليس مستحق الدية معينًا، وإنما هي لعامة المسلمين، وتحليفهم غير ممكن، لكن ينصب القاضي من يدعي عليه، ويحلفه، فإن نكل.. فهل يقضي عليه بالنكول؛ فيه خلاف.

(فصل: إنما يثبت موجب القصاص) في نفس أو طرف (بإقرار أو عدلين) لما سيأتي في الشهادات، ويثبت أيضًا بعلم القاضي، ونكول المدعى عليه، وحلف المدعي، ويَرِدُ عليه: السحر، فإنه يوجب القصاص، ومع ذلك لا يثبت بالبينة، بل بالإقرار فقط؛ كما سيأتي، (والمال بذلك، أو برجل وامرأتين أو ويمين) لما سيأتي في بابه أيضًا.
وقوله: (والمال) هو بالجر عطفًا على القصاص.
(ولو عفا) المستحق (عن القصاص ليقبل للمال رجل وامرأتان.. لم يقبل في الأصح) لأنه لا يثبت المال إلا بثبوت القود، والثاني: يقبل؛ لأنه لا قصاص، والمقصود المال.

وَلَوْ شَهِدَ هُوَ وَهُمَا بِهَاشِمَةٍ قَبْلَهَا إِيضَاحٌ.. لَمْ يَجِبْ أَرْشُهَا عَلَى الْمَذْهَبِ وَلْيُصَرِّحِ الشَّاهِدُ بِالْمُدَّعَى، فَلَوْ قَالَ: (ضرَبَهُ بِسَيْفٍ فَجَرَحَهُ فَمَاتَ).. لَمْ يَثْبُتْ حَتَّى يَقُولَ: (فَمَاتَ مِنْهُ) أَوْ (فَقَتَلَهُ)، وَلَوْ قَالَ: (ضَرَبَ رَأْسَهُ فَأَدْمَاهُ) أَوْ (فَأَسَالَ دَمَهُ).. ثَبَتَتْ دَامِيَةٌ. وَيُشْتَرَطُ لِمُوضِحَةٍ: (ضَرَبَهُ فَأَوْضَحَ عَظْمَ رَأْسِهِ)، وَقِيلَ: يَكْفِي: (فَأَوْضَحَ رَأْسَهُ)،

(ولو شهد هو وهما) أي: رجل وامرأتان (بهاشمة قبلها إيضاح.. لم يجب أرشها على المذهب) المنصوص؛ كما لا يثبت الإيضاح الموجب للقصاص 1، ونص فيما لو رمى سهمًا إلى زيد فمرق منه إلى غيره: أنه يثبت الخطأ الوارد على الثاني برجل وامرأتين، وبشاهد ويمين، فقيل: قولان فيهما، والمذهب: تقرير النصين.
والفرق: أن الهشم المشتمل على الإيضاح جناية واحدة، فإذا اشتملت الجناية على ما يوجب القصاص احتيط لها، ولم يثبت إلَّا بحجة كاملة، وفي صورة مروق السهم حصل جنايتان لا تتعلق إحداهما بالأخرى.
(وليصرح الشاهد بالمدعى، فلو قال: "ضربه بسيف، فجرحه فمات".. لم يثبت) المدعى به، وهو الموت (حتى يقول: "فمات منه") أي: من جراحته (أو "فقتله") لاحتمال أن يكون مات بسبب آخر لا بجراحته.
نعم؛ يثبت الجرح.
(ولو قال: "ضرب رأسه فأدماه" أو "فأسال دمه".. ثبتت دامية) للتصريح بمقصودها، بخلاف ما لو قال: (فسال دمه) لاحتمال سيلانه بغيره.
(ويشترط لموضحة: "ضربه فأوضح عظم رأسه") لأنه لا شيء يحتمل بعده، (وقيل: يكفي "فأوضح رأسه") لفهم المقصود بذلك، وترجيح الأول تبع فيه "المحرر"، فإنه جعله أقوى 2، لكن ظاهر ما في "الروضة" و"أصلها" ترجيح الثاني، فإنهما قالا: ولو قال: (ضربه بسيف فأوضح رأسه)، أو (اتضح من ضربه)، أو (بجراحته).. ثبتت الموضحة، وحكى الإمام والغزالي أنه يشترط:

وَيَجِبُ بَيَانُ مَحَلِّهَا وَقَدْرِهَا لِيُمْكِنَ قِصَاصٌ. وَيَثْبُتُ الْقَتْلُ بِالسِّحْرِ بِإِقْرَارٍ لَا بِبيِّنَةٍ. وَلَوْ شَهِدَ لِمُوَرِّثهِ بِجُرْحٍ قَبْلَ الانْدِمَالِ.. لَمْ يُقْبَلْ، وَبَعْدَهُ يُقْبَلُ، وَكَذَا

التعرض لوضوح العظم، ولا يكفي إطلاق الموضحة؛ فإنه من الإيضاح، وليست مخصوصة بإيضاح العظم، وتنزيل ألفاظ الشاهد على الفاظ اصطلح عليها الفقهاء لا وجه له.
نعم؛ لو كان الشاهد فقيهًا، وعلم القاضي أنه لا يطلقها إلَّا على ما يوضح العظم.. ففيه تردد للإمام.
انتهى 1، وحكى البُلْقيني الثاني: عن نص "الأم" و"المختصر" قال: وعليه جرى الجمهور.
(ويجب بيان محلها وقدرها) أي: الموضحة (ليمكن قصاص) فلو شهدوا أنه أوضح عظم رأسه، وعجزوا عن تعيينها.. وجب الأرش في الأصحِّ.
(ويثبت القتل بالسحر بإقرار لاببينة) لأن الشاهد لا يعلم قصد الساحر، ولا يشاهد تأثير السحر، قال في "الكفاية": إلا أن يقول الساحر: (سحرته بنوع كذا)، فيشهد عدلان بأن هذا النوع يقتل غالبًا، أو نادرًا.. فيثبت ما يشهدان به، ويتصور معرفة العدلين بذلك فيما إذا كانا ساحرين وقد تابا، أو فرعنا على القول بجواز تعلم السحر، والأصحُّ: خلافه، وقد يرد على حصره في الإقرار: ما لو ادعى عليه القتل بالسحر.. فأنكر ونكل، فإن قلنا: بالأصح: أن اليمين المردودة كالإقرار.. حلف المدعي استدلالًا بنكوله، فإذا حلف.. ثبت، وإن قلنا: إنها كالبينة قال في "المطلب": فله أن يحلف اعتمادًا على قرينة نكوله أو غيرها، فقد ثبت القتل به لا بالإقرار، وهذا غريب أن يثبت الشيء بما هو بمنزلة البينة وإن لم يثبت بالبينة.
(ولو شهد لمورثه) غير أصل وفرع (بجرح قبل الاندمال.. لم يقبل) لتهمة إرثه؛ لاحتمال أن يسري، فكأنه شهد لنفسه وأطلق الجرح، وقيده الإمام بجرح يمكن أن يفضي إلى الهلاك 2، (وبعده.. يقبل) لانتفاء التهمة حينئذ (وكذا) تقبل شهادته

بِمَالٍ فِي مَرَضِ مَوْتهِ فِي الأَصَحِّ. وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْعَاقِلَةِ بِفِسْقِ شُهُودِ قَتْلٍ يَحْمِلُونَهُ، وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ عَلَى اثْنَيْنِ بِقَتْلِهِ فَشَهِدَا عَلَى الأَوَّلَيْنِ بِقَتْلِهِ؛ فَإِنْ صَدَّقَ الْوَليُّ الأَوَّلَيْنِ.. حُكِمَ بِهِمَا، أَوِ الآخَرَيْنِ أَوِ الْجَمِيعَ أَوْ كَذَّبَ الْجَمِيعَ.. بَطَلَتَا

لمورثه (بمال في مرض موته في الأصح) بخلاف الجرح.
والفرق: أن شهادة المال لم يحصل للشاهد بها نفع حال وجوبه؛ لأن الملك يحصل للمشهود له، وينفذ تصرفه فيه في ملاذه وشهواته، وشهادته بالجرح النفع حال الوجوب له؛ لأن الدية قبل الموت لم تجب، وبعده تجب له.
والثاني: لا تقبل؛ لأنه محجور عليه لحق الورثة، وذلك يوجب التهمة.
(ولا تقبل شهادة العاقلة بفسق شهود قتل يحملونه) (وهو الخطأ وشبه العمد؛ لأنهم يدفعون عن أنفسهم الغرم، هذا فيمن يتحمل، فلو كان الشاهدان من فقراء العاقلة.. فالنص: ردها، أو من أباعدهم وفي الأقربين وفاء بالواجب.. فالنص: قبولها، فقيل: قولان فيهما، والمذهب: تقرير النصين.
والفرق: أن المال غاد ورائح، وكل يحدث نفسه به، ويتمنى الأماني، وموت القريب المقتضي لتحمل البعيد بعيد في الاعتقادات، فلا تتحقق التهمة بمثله.
واحترز بقوله: (يحملونه) عما لو شهدوا بفسق بينة القتل العمد، أو بينة الإقرار بالقتل الخطأ، فإنها مقبولة؛ لعدم التهمة؛ إذ لا تحمل.
وكان الأحسن: أن يقول: (ولا تقبل شهادة العاقلة بفسق شهود ما تحمله) ليدخل القتل وغيره مما تحمله.
(ولو شهد اثنان على اثنين بقتله، فشهدا على الأولين بقتله، فإن صدق الولي الأولين.. حكم بهما) لسلامة شهادتهما عن التهمة، وتسقط شهادة الآخرين؛ لأنهما صارا عدوين للأولين، لكون الأولين شهدا عليهما بالقتل، ولأنهما يدفعان عن أنفسهما القتل، (أو الآخرين، أو الجميع، أو كذب الجميع.. بطلتا) ووجهه في الثالثة: ظاهر، وفي الثانية: أن في تصديق كل منهما تكذيب الأخرى؛ لأن من شهدا بأن القاتل الآخران اقتضت شهادتهما أن لا قاتل غيرهما، وكذلك بالعكس، وفي الأولى: أنه بتكذيب الأولين سقطت شهادتهما، وشهادة الآخرين مردودة وإن وقعت

وَلَوْ أَقَرَّ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بِعَفْوِ بَعْضٍ.. سَقَطَ الْقِصَاصُ، وَلَوِ اخْتَلَفَ شَاهِدَانِ فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ أَوْ آلَةٍ أَوْ هَيْئَةٍ.. لَغَتْ، وَقِيلَ: لَوْثٌ.

حسبة؛ لأنهما صارا عدوي الأولين ومتهمين.
إذا تحرر ذلك.. فقد اعترض على تصوير المسألة: بأن الشهادة على القتل لا تسمع إلا بعد تقديم الدعوى على الصحيح، ولا بد في الدعوى من تعيين القاتل، فكيف يُسأل المدعي بعد شهادة الفريقين؟ وأجيب عنه بوجوه: أصحها: أن يدعي الولي القتل على اثنين، ويشهد له بذلك شاهدان، فيبادر المشهود عليهما، ويشهدان على الشاهدين بأنهما القاتلان، وذلك يورث ريبة للحاكم، فيراجع الولي، ويسأله احتياطًا، وينظر هل يستمر على الدعوى، أو يعود إلى تصديق الآخرين، أو الجميع؟ (ولو أدر بعض الورثة بعفو بعض.. سقط القصاص) لأنه لا يتبعض، ولا فرق بين أن يعين العافي أم لا؛ لحصول المقصود مع الإبهام والتعيين.
(ولو اختلف شاهدان في زمان أو مكان أو آلة أو هيئة.. لغت) للتناقض، (وقيل: لوث) لاتفاقهما على أصل القتل، والاختلاف في الصفة ربما يكون غلطًا أو نسيانًا.
والهيئة: من زياداته على "المحرر".
وقوله: (وقيل) صوابه: وفي قول؛ كما صرح به الرافعي 1.

كتابُ البُغاة هُمْ مُخَالِفُو الإِمَامِ بِخُرُوجٍ عَلَيْهِ وَتَرْكِ الانْقِيَادِ أَوْ مَنع حَقٍّ تَوَجَّهَ عَلَيْهِمْ بِشَرْطِ شَوْكَةٍ لَهُمْ، وَتَأْوِيلٍ، وَمُطَاعٍ فِيهِمْ،

﴿كتاب البغاة﴾ (هم مخالفو الإمام بخروج عليه، وترك الانقياد، أو منع حق توجه عليهم) هذا حد البغاة في الاصطلاح، سموا بذلك؛ لمجاوزتهم الحد؛ كما يقال: بغت المرأة، وقيل: لطلب الاستعلاء، وقيل: للظلم، والبغي: الظلم، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ أي: ظلم.
والإجماع قائم على قتالهم، وأطلق المصنف الإمام، وقيداه في "الشرح" و"الروضة" بالعادل، وكذا هو في "الأم" و"المختصر"، لكن في "الكفاية" عن القفال: أنه لا فرق في ذلك بين العادل والجائر، وجزم به في "العجالة" 1. (بشرط شوكة لهم) أي: قوة وعدد بحيث لا يندفعون إلا بجمع الجيش والقتال لهم، فإن كانوا فرادى وسهل ضبطهم.. فليسوا ببغاة، (وتأويل) لأن من خالف من غير تأويل.. كان معاندًا للحق.
وقضية إطلاقه: أنه لا فرق بين التأويل المقطوع ببطلانه والمظنون، وقال البُلْقيني: إنه الذي يظهر من كلام الشافعي، وهو الأرجح، وقيداه في "الشرحين" و"الروضة": بالمظنون، فان كان مقطوعًا ببطلانه.. فوجهان: أوفقهما لإطلاق الأكثرين: أنه لا يعتبر 2، كتأويل أهل الردة حيث قالوا: (أمرنا بدفع الزكاة إلى من صلاته سكن لنا، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلاة غيره ليست سكنًا لنا)، قال الأَذْرَعي: وهو قضية قول الجمهور، أن يكون لهم تأويل محتمل.
(ومطاع فيهم) لأن رجال النجدة وإن كثروا لا قوة لهم ولا شوكة إذا لم يصدروا

قِيلَ: وَإِمَامٍ مَنْصُوبٍ. وَلَوْ أَظْهَرَ قَوْمٌ رَأْيَ الْخَوَارِجِ - كَتَرْكِ الْجَمَاعَاتِ وَتَكْفِيرِ ذِي كَبِيرَةٍ - وَلَمْ يُقَاتِلُوا.. تُرِكُوا،

ولم يجتمعوا على رأي.
وقضية كلامه: أن هذا شرط ثالث، وقضية كلام الرافعي: أن المطاع شرط لحصول الشوكة، وليس شرطًا آخر غير الشوكة.
(قيل: وإمام منصوب) وإلا.. فلا يكون بينهم قاض ووال، فتتعطل الأحكام، وهذا ما نقله الرافعي عن الجديد، ونسبه الإمام إلى المعظم، لكن في الرافعي عن الأكثرين: المنع 1، لأن عليًّا رضي الله عنه قاتل أهل الجمل ولا إمام لهم، وأهل صفين قبل نصب إمامهم، قال في "المطلب": وأثر الخلاف في نصبهم الإمام: إنما هو لأجل تنفيذ الأحكام، لا لعدم الضمان، كما أشار إليه الغزالي، وقال الماوردي: هذه الأمور كلها إنما تشترط في جواز قتالهم، واعتبر الجويني أمرين آخرين: أن يمتنعوا من حكم الإمام وأن يظهروا لأنفسهم حكمًا.
(ولو أظهر قوم رأي الخوارج) وهم صنف من المبتدعة (كترك الجماعات، وتكفير ذي كبيرة، ولم يقاتلوا.. تركوا) بناء على الصحيح: أنهم لا يكفرون بذلك، لأن عليًّا رضي الله عنه سمع رجلًا من الخوارج يقول: لا حكم إلا لله ولرسوله، ويعرض بتخطئته في التحكيم، فقال علي رضي الله عنه: (كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ولا نبدأكم بقتال) 2. والمراد بتكفير ذي كبيرة: أن اعتقادهم أن من أتى كبيرة من الكبائر.. فقد كفر وحبط عمله، وخلد في النار، وأن دار الإسلام صارت بظهور الكبائر فيها دار كفر وإباحة، فلذلك طعنوا في الأئمة، ولم يصلوا خلفهم، وتجنبوا الجمعة والجماعات، وما أطلقه من تركهم إذا لم يقاتلوا شَرَطَ له في "المحرر" و"الشرح"

وَإِلَّا.. فَقُطَّاعُ طَرِيقٍ. وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبُغَاةِ وَقَضَاءُ قَاضِيهِمْ فِيمَا يُقْبَلُ قَضَاءُ قَاضِينَا إِلَّا أَنْ يَسْتَحِلَّ دِمَاءَنَا، وَيُنَفَّذُ كِتَابُهُ بِالْحُكْمِ، وَيُحْكَمُ بِكِتَابِهِ بِسَمَاعِ الْبيِّنَةِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أَقَامُوا حَدًّا وَأَخَذُوا زَكَاةً وَجِزْيَةً وَخَرَاجًا وَفَرَّقُوا سَهْمَ الْمُرْتَزِقَةِ عَلَى جُنْدِهِمْ.. صَحَّ، وَفِي الأَخِيرِ وَجْهٌ

و"الروضة": كونهم في قبضة الإمام 1، وقال القاضي الحسين: قال أصحابنا: هذا إذا لم يكن على المسلمين ضرر منهم، وإلا.. فيتعرض لهم حتى يزول ذلك عن المسلمين.
(وإلا) أي: وإن قاتلوا (.. فقطاع طريق) أي: حكمهم حكم قطاع الطريق.
(وتقبل شهادة البغاة) لأن البغي لا يفسقهم وإن عصيناهم لأجل شبهة التأويل، (وقضاء قاضيهم فيما يقبل قضاء قاضينا) لأن لهم تأويلًا يسوغ فيه الاجتهاد (إلا أن يستحل دماءنا) وأموالنا، فلا ينفذ حينئذ؛ لفسقه، وهذا الاستثناء عائد إلى مسألتي الشاهد والقاضي.
(وينفذ كتابه بالحكم) أي: إذا كتب بما حكم به إلى قاضي أهل العدل.. جاز له قبوله وتنفيذه؛ لأنا نفرع على تنفيذ قضاء قاضيهم، لكن يستحب ألا ينفذه؛ استخفافًا بهم.
(ويحكم بكتابه بسماع البينة في الأصح) أي: إذا كتب بما يثبت عنده، ولم يحكم به فهل يحكم به قاضينا؟ وجهان: أحدهما: لا؛ لما فيه من معونة أهل البغي، وإقامة مناصبهم، والأصحُّ: نعم، لأن الكتاب الوارد له تعلق برعايانا، وإذا نفذنا حكم قاضيهم لمصلحة رعاياهم.. فلأن نراعي مصالح رعايانا أولى.
(ولو أقاموا حدًّا، وأخذوا زكاة وجزية وخراجًا، وفرقوا سهم المرتزقة على جندهم.. صح) لأن في إعادة المطالبة إضرارًا بأهل البلد، (وفي الأخير وجه) لئلا يتقووا به على أهل العدل، والأصحُّ: الصحة؛ لأنهم من جند الإسلام، وإرعاب الكفار حاصل بهم، وفي الجزية أيضًا: وجه، حكاه الرافعي 2، وفي الزكاة:

وَمَا أَتْلَفَهُ بَاغٍ عَلَى عَادِلٍ وَعَكْسُهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قِتَالٍ.. ضَمِنَ، وَإِلَّا.. فَلَا، وَفِي قَوْلٍ: يَضْمَنُ الْبَاغِي. وَالْمُتَأَوِّلُ بِلَا شَوْكَةٍ يَضمَنُ، وَعَكْسُهُ كَبَاغٍ. وَلَا يُقَاتِلُ الْبُغَاةَ حَتَّى يَبْعَثَ إِلَيْهِمْ أَمِينًا فَطِنًا نَاصِحًا يَسْأَلُهُمْ مَا يَنْقِمُونَ، فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلِمَةً أَوْ شُبْهَةً.. أَزَالَهَا،

وجه، حكاه القاضي أنهم إن أعطوها اختيارًا من غير إجبار.. لم يسقط عنهم، قال ابن الرفعة: وقياسه: الطرد في غيرها 1. (وما أتلفه باغ على عادل وعكسه إن لم يكن في قتال.. ضمن) سواء النفس والمال جريًا على الأصل الممهد في قصاص النفس وغرامات الأموال، (وإلا) أي: وإن كان في قتال (.. فلا) ضمان، أما فيما يتلفه العادل على الباغي.. فلأنه مأمور بالقتال، فلا يضمن ما يتولد منه، وأما فيما يتلفه الباغي على العادل.. فلأن في الوقائع التي جرت في عصر الصحابة؛ كوقعة الجمل وصفين.. لم يطالب بعضهم بعضًا بضمان نفس ولا مال، (وفي قول: يضمن الباغي) لأنهما فرقتان من المسلمين: محقة ومبطلة، فلا يستويان في سقوط الغرم؛ كقطاع الطريق والمرتدين.
ومحل القولين: فيما أتلف بسبب القتال، وتولد منه هلاك، فإن أتلفوا في القتال ما ليس من ضرورة القتال.. ضمن قطعًا قاله الإمام، وأقراه 2. (والمتأول بلا شوكة يضمن) مطلقًا وإن أتلف في القتال؛ كقطاع الطريق، ولأنا لو أسقطنا الضمان.. لم تعجز كل شرذمة تريد إتلاف نفس ومال أن تبدي تأويلًا وتفعل من الفساد ما تشاء، وفي ذلك بطلان السياسات، (وعكسه) وهو من له شوكة بلا تأويل (كباغ) ففي ضمانه القولان؛ لأن سقوط الضمان عن الباغي ترغيبهم في الطاعة، ليجتمع الشمل، وهو موجود هنا.
(ولا يقاتل البغاة حتى يبعث إليهم أمينًا فطنًا ناصحًا يسألهم ما ينقمون) أي: يكرهون، كما فعل علي رضي الله عنه حين بعث ابن عباس إلى الخوارج 3، (فإن ذكروا مظلمة أو شبهة.. أزالها) لأن المقصود بقتالهم ردهم إلى الطاعة ودفع شرهم،

فَإِنْ أَصَرُّوا.. نَصَحَهُمْ ثُمَّ آذَنَهُمْ بالْقِتَالِ، فَإِنِ اسْتَمْهَلُوا.. اجْتَهَدَ وَفَعَلَ مَا رَآهُ صَوَابًا. وَلَا يُقَاتِلُ مُدْبِرَهُمْ وَلَا مُثْخَنَهُمْ وَأَسِيرَهُمْ، وَلَا يُطْلَقُ وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا وَامْرَأَةً حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَرْبُ وَيَتَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ،

وظاهر كلام الشيخين: وجوب البعث 1، قال في "المطلب": وهو ظاهر كلام الشافعي، وصرح به الأصحاب، وقال القاضي أبو الطيب: إنه مستحب.
(فإن أصروا) بعد إزالة المظلمة وكشف الشبهة (.. نصحهم) ووعظهم؛ لأن ذلك أقرب إلى حصول المقصود (ثم) إن أصروا.. دعاهم إلى المناظرة، فإن لم يجيبوا أو أجابوا فغلبوا وأصروا مكابرين.. (آذنهم بالقتال) أي: أعلمهم به (فإن استمهلوا.. اجتهد) في الإمهال (وفعل ما رآه صوابًا) فإن ظهر له عزمهم على الطاعة، وهم ينتظرون كشف الشبهة أو التأمل.. أنظرهم، أو أنهم يقصدون الاجتماع، أو ينتظرون مددًا.. فلا.
(ولا يقاتل مدبرهم ولا مثخنهم وأسيرهم) لنهي علي رضي الله عنه عن ذلك 2، ولأن قتالهم شرع للدفع عن منع الطاعة، وقد زال.
نعم؛ إن انهزم متحيزًا إلى فئة قريبة.. اتبع، أو بعيدة.. فلا، ولو ولَّوا ظهورهم مجتمعين تحت راية زعيمهم.. اتبعوا، وقوتلوا حتى يرجعوا إلى الطاعة، وقد عبر في "المحرر" في المدبر بالقتال، وفي الأخيرين بالقتل 3، وهي أحسن؛ لأن المثخن والأسير لا يقاتلان.
(ولا يطلق) أسيرهم، بل يحبسه (وإن كان صبيًّا وامرأة حتى تنقضي الحرب ويتفرق جمعهم) لينكف شره.
وأفهم: أنه لا يطلق إلا باجتماع الأمرين: انقضاء الحرب، وتفرق جمعهم، وهذا غاية في الرجل البالغ الذي هو أهل للقتال، أما الصبي غير المراهق والمرأة.. فيطلقان بمجرد انقضاء القتال على الأصحِّ في "أصل الروضة" 4.

إِلَّا أَنْ يُطِيعَ بِاخْتِيَارِهِ. وَيَرُدُّ سِلَاحَهُمْ وَخَيْلَهُمْ إِلَيْهِمْ إِذَا انْقَضَتِ الْحَرْبُ وَأُمِنَتْ غَائِلَتُهُمْ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ فِي قِتَالٍ إِلَّا لِضَرُورَةٍ. وَلَا يُقَاتلونَ بِعَظِيمٍ - كَنَارٍ وَمَنْجَنِيقٍ - إِلَّا لِضَرُورَةٍ؛ بِأَنْ قَاتَلُوا بِهِ أَوْ أَحَاطُوا بِنَا. وَلَا يُسْتَعَانُ عَلَيْهِمْ بِكَافِرٍ، وَلَا بِمَنْ يَرَى قَتْلَهُمْ مُدْبِرِينَ،

(إلا أن يطيع باختياره) بمبايعة الإمام، والرجوع عن البغي إلى الطاعة، فيطلق ولو قبل انقضاء الحرب، وتفرق الجمع، وهذا الاستثناء خاص بالرجل المتأهل للقتال، أما النساء والعبيد والصبيان.. فلا بيعة عليهم.
(ويرد) وجوبًا (سلاحهم وخيلهم إليهم إذا انقضت الحرب وأمنت غائلتهم) بعودهم إلى الطاعة، أو تفرق شملهم، قال الرافعي: وهو وقت إطلاق الأسرى 1. (ولا يستعمل) خيولهم وأسلحتهم (في قتال) كما لا يجوز الانتفاع بسائر أموالهم (إلا لضرورة) بأن لم يجد أحدنا ما يدفع به عن نفسه إلا سلاحهم، أو ما يركبه - وقد وقعت هزيمة - إلا خيولهم، فإنه يجوز الاستعمال والركوب؛ كما يجوز أكل مال الغير للضرورة.
وذكر الخيل والسلاح مثال، فإن غيرهما من أموالهم كذلك.
(ولا يقاتلون بعظيم؛ كنار ومنجنيق) (وتغريق وإلقاء الحيات ونحوها من المهلكات؛ لأن المقصود من قتالهم ردهم إلى الطاعة، وقد يرجعون فلا يجدون للنجاة سبيلًا، وفي الحديث الصحيح: "لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّهَا" 2، (إلا لضرورة؛ بأن قاتلوا به، أو أحاطوا بنا) واضطررنا إلى الرمي بالنار ونحوها؛ للدفع.
(ولا يستعان عليهم بكافر) لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.
(ولا بمن يرى قتلهم مدبرين) كالحنفية؛ لأنهم لا يحترمون قتلهم بعد الانهزام، ولا يحل ذلك عندنا، هذا إذا كان الإمام يرى مذهبنا فيهم؛ كما قيده الإمام 3،

وَلَوِ اسْتَعَانُوا عَلَيْنَا بِأَهْلِ حَرْبٍ وَآمَنُوهُمْ.. لَمْ يَنْفُذْ أَمَانُهُمْ عَلَيْنَا، وَنَفَذَ عَلَيْهِمْ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ أَعَانَهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَالِمِينَ بِتَحْرِيمِ قِتَالِنَا.. انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، أَوْ مُكْرَهِينَ.. فَلَا،..

وإلا.. فلا اعتراض عليه فيما يراه مذهبًا هنا، وفي كل موضع.
ويستثنى: ما إذا دعت الحاجة إلى الاستعانة بهم، فيجوز بشرطين: أحدهما: أن يكون فيهم جرأة وحسن إقدام، والثاني: أن يتمكن من دفعهم لو اتبعوا أهل البغي بعد الانهزام؛ كما نقلاه عن حكاية ابن الصباغ والروياني وغيرهما عن اتفاق الأصحاب، وزاد الماوردي ثالثًا: وهو أن يثق بوفائهم، والا يتبعوا مدبرًا، ولا يذففوا على جريح 1. (ولو استعانوا علينا بأهل الحرب وآمنوهم.. لم ينفذ أمانهم علينا) لأن الأمان لترك قتال المسلمين، فلا ينعقد على شرط القتال، فيجوز لنا أن نغنم أموالهم، وأن نسترقهم ونقتلهم إذا وقعوا في الأسر، ونقتل مدبرهم، ونذفف على جريحهم.
نعم؛ لو قالوا: ظَنَنَّا أنه يجوز لنا أن نعين بعض المسلمين على بعض، أو أنهم المحقون، أو أنهم استعانوا بنا في قتال كفار.. بلغوا المأمن وقوتلوا مقاتلة البغاة، ولا يتعرض لمدبرهم على الأصحِّ.
(ونفذ) أمان أهل البغي (عليهم في الأصح) لأنهم أمنوهم، وأمنوا منهم، والثاني: لا ينفذ عليهم؛ كما لا ينفذ علينا.
(ولو أعانهم أهل الذمة) مختارين (عالمين بتحريم قتالنا.. انتقض عهدهم) كما لو انفردوا بالقتال، وصار حكمهم حكم أهل الحرب، (أو مكرهين.. فلا) ولا بد من ثبوت كونهم مكرهين عند الإمام؛ كما قاله المتولي والبَنْدَنيجي 2.

وَكَذَا إِنْ قَالُوا: (ظَنَنَّا جَوَازَهُ) أَوْ (أَنَّهُمْ مُحِقُّونَ) عَلَى الْمَذْهَب، وَيُقَاتَلُونَ كَبُغَاةٍ.

فَصْلٌ [في شروط الإمام الأعظم وبيان طرق الإمامة]

شَرْطُ الإِمَامِ: كَوْنُهُ مُسْلِمًا مُكَلَّفًا حُرًّا ذَكَرًا قُرَشِيًّا

(وكذا إن قالوا: "ظَنَنَّا جوازه") أي: ظَنَنَّا أنه يجوز لنا إعانة بعض المسلمين على بعض، أو أنهم يستعينون بنا على الكفار، (أو "أنهم محقون") (وأن لنا إعانة المحق، وأمكن صدقهم (على المذهب) إلحاقًا لهذه الأعذار بالإكراه (ويقاتلون) حيث لا ينتقض عهدهم، (كبغاة)؛ أي: كما يقاتل البغاة، أما إذا انتقض عهدهم.. فحكمهم مذكور في الجزية.

(فصل) لما كان البغي عبارة عن الخروج على الإمام.. احتاج إلى تعريف الإمام، ويجب نصب الإمام، كيلا يبقى الناس فوضى.
(شرط الإمام) الأعظم (.. كونه مسلمًا) ليراعي مصلحة الإسلام والمسلمين (مكلفًا)، لأن المولى عليه في حضانة غيره، فكيف يلي أمر الأمة؟.
(حرًّا ذكرًا) ليكمل، ويهاب، ويتفرغ، ويتمكن من مخالطة الرجال (قرشيًّا) لحديث: "الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ" رواه النسائي بإسناد جيد من رواية أنس 1. فإن عدم قرشي بالصفات.. فكناني، فإن فقد كناني بالصفات.. فرجل من ولد إسماعيل صلى الله عليه وسلم، فإن فقد.. ففي "التهذيب" أنه يولى من العجم، وفي "التتمة" أنه يولى جرهمي، وجرهم من أصل العرب، فإن فقد.. فرجل من ولد إسحاق صلى الله عليه وسلم 2. وأفهم كلامه: أنه لا يشترط كونه هاشميًّا، وهو كذلك، فإن الصديق وعمر

مُجْتَهِدًا شُجَاعًا ذَا رَأْيٍ وَسَمْعٍ وَبَصَرٍ وَنُطْقٍ. وَتَنْعَقِدُ الإِمَامَةُ بالْبَيْعَةِ، وَالأَصَحُّ: بَيْعَةُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالرُّؤَسَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ الَّذِينَ يَتَيَسَّرُ اجْتِمَاعُهُمْ، وَشَرْطُهُمْ صِفَةُ الشُّهُودِ. وَباسْتِخْلَافِ الإِمَامِ،

وعثمان رضي الله عنهم لم يكونوا من بني هاشم.
(مجتهدًا) بحيث لا يحتاج إلى استفتاء غيره في الحوادث، (شجاعًا) ليغزو بنفسه، ويدير الجيوش، ويقهر الأعداء، ويفتح الحصون، (ذا رأي) لأن الرأي ملاك الأمور، فالرأي قبل شجاعة الشجعان، وعبارة "الروضة": ذا رأي وكفاية 1، ولا شك أن الكفاية تجمع الرأي وغيره، (وسمع وبصر ونطق) ليتأتى منه فصل الأمور، ولا يضر ثقل السمع، قال الماوردي: وضعف البصر إن كان يمنع معرفة الأشخاص.. منع انعقاد الإمامة واستدامتها، وعدَّ في "الروضة" من الشروط: العدالة؛ إذ لا يوثق بالفاسق في الشهادة على فلس، فكيف يُولى الأمر العام؟ وسلامته من نقص يمنع استيفاء الحركة وسرعة النهوض 2. (وتنعقد الإمامة بالبيعة) كما بايع الصحابة الصديق رضي الله عنه وعنهم، (والأصح: بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين يتيسر اجتماعهم) لأنه ينتظم الأمر بهم، ويتبعهم سائر الناس، ولا يشترط على هذا عدد، بل لو تعلق الحل والعقد بواحد مطاع.. كفت بيعته.
(وشرطهم) أي: الذي يبايعون (صفة الشهود) من العدالة وغيرها، مما سيأتي.
وأفهم: أنه لا يشترط حضور شاهدين للبيعة، وهو الأصحُّ في "زيادة الروضة" إن كان المبايعون جمعًا، فإن كان واحدًا.. اشترط 3. (وباستخلاف الإمام) من بعده؛ كما عهد الصديق رضي الله عنه إلى عمر رضي الله عنه، وانعقد الإجماع على جوازه.

فَلَوْ جَعَلَ الأَمْرَ شُورَى بَيْنَ جَمْعٍ.. فَكَاسْتِخْلَافٍ، فَيَرْتَضُونَ أَحَدَهُمْ. وَبِاسْتِيلَاءِ جَامِعِ الشُّرُوطِ، وَكَذَا فَاسِقٌ وَجَاهِلٌ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: لَوِ ادَّعَى دَفْعَ زَكَاةٍ إِلَى الْبُغَاةِ.. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، أَوْ جِزْيَةٍ.. فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَكَذَا خَرَاجٌ فِي الأَصَحِّ،

وصورته: أن يعقد له الخلافة - في حياته - بعده، فإن أوصى له بها.. فوجهان؛ لأنه بالموت يخرج عن الولاية، فلا تصح منه تولية الغير، وفيه بحث للرافعي 1. (فلو جعل الأمر شورى بين جمع.. فكاستخلافٍ، فيرتضون أحدهم) كما أن عمر رضي الله عنه جعل الأمر شورى بين ستة: عثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، فاتفقوا بعد موته على عثمان رضي الله عنه.
(وباستيلاء جامع الشروط) بالقهر والشوكة تنعقد الإمامة به أيضًا؛ لينتظم شمل المسلمين، (وكذا فاسق وجاهل في الأصح) لما ذكرناه وإن كان عاصيًا بفعله، ولا يصير الشخص إمامًا بتفرده بشروط الإمامة في وقته، بل لا بد من أحد الطرق، وقيل: يصير من غير عقد، حكاه القمولي، قال: ومن الفقهاء من الحق القاضي بالإمام في ذلك.
(قلت: لو ادعى دفع زكاة إلى البغاة.. صدق بيمينه) لبنائها على المواساة، واليمين مستحبة، وقيل: مستحقة، وصححه في "تصحيح التنبيه" 2، (أو جزية.. فلا على الصحيح) لأن الجزية عوض عن المسكن، فأشبه ما لو ادعى المستأجر دفع الأجرة، والثاني: يصدق؛ كالزكاة.
(وكذا خراج في الأصح) لأنه أجرة أو ثمن، والثاني: يصدق؛ كالزكاة.

وَيُصَدَّقُ فِي حَدٍّ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ بِبَيِّنَةٍ، وَلَا أَثَرَ لَهُ فِي الْبَدَنِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

(ويصدق في) إقامة (حد) عليه (إلا أن يثبت) وجوب الحد (ببينة، ولا أثر له في البدن، والله أعلم) فلا يصدق، فإن ثبت بالإقرار.. صدق؛ لأن المقر بالحد إذا رجع.. يقبل رجوعه، وقد أنكر بما يدعيه بقاء الحد عليه، فيجعل كالرجوع، وكذا إذا كان أثره باقيًا.
ولو ذكر المصنف هذه الزيادة قبل الكلام في أحكام الإمامة.. لكان أنسب.

جارٍ التحميل