وَلَوْ قَال: (اقْتَسَمْنَا وَصارَ لِي).. صُدِّقَ الْمُنْكِرُ، وَلَوِ اشْتَرَى وَقَالَ: (اشْتَرَيْتُهُ لِلشَّرِكَةِ أَوْ لِنَفْسِي)، وَكَذَّبَهُ الآخَرُ.. صُدِّقَ الْمُشْتَرِي.
(ولو قال: "اقتسمنا وصار لي".. صدق المنكِر)؛ لأن الأصل عدمُ القسمة.
(ولو اشترى وقال: "اشتريته للشركة أو لنفسي"، وكذبه الآخر.. صدق المشتري)؛ لأنه أعرف بقصده، وسواء ادعى أنه صرح بالشراء للشركة أو نواه، والغالب وقوع ذلك في الأولى حالةَ ظهور الخسران، وفي الثانية حالةَ ظهور الربح.
كتابُ الوكالة شَرْطُ الْمُوَكِّلِ: صِحَّةُ مُبَاشَرَتِهِ مَا وَكَّلَ فِيهِ بِمِلْكٍ أَوْ وِلَايَةٍ، فَلَا يَصِحُّ تَوْكِيلُ صَبِيٍّ وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا الْمَرْأَةِ وَالْمُحْرِمِ فِي النِّكِاحِ،
﴿كتاب الوكالة﴾
هي بفتح الواو وكسرها.
وهي في اللغة: التفويض، وفي الاصطلاح: تفويض ما له فعله مما يقبل النيابة إلى غيره ليفعله في حال حياته.
والأصل فيها: الإجماع، والسنة الصحيحة الشهيرة؛ كقصة عروة البارقي وغيره، وفي القرآن ما يدلُّ عليها، وهو قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ الآية، بل قال القاضي الحسين وغيره: إنه مندوب إليها.
(شرط الموكِّل: صحة مباشرته ما وكل فيه بملك أو ولاية، فلا يصحُّ توكيل صبي ولا مجنون) لأن الوكيل فرع ونائب عن الموكل، فإذا لم يقدر الأصلُ على تعاطي الشيء.. فنائبه أولى ألا يقدر، والمغمى عليه كالمجنون، وكذا النائم.
واحترز بالملك والولاية: عن الوكيل فإنه لا يوكل عند الإطلاق؛ كما سيأتي؛ لأنه ليس بمالك ولا ولي، وعن العبد المأذون؛ لأنه إنما يتصرف بالإذن فقط، وهذا الضابط ذكره الغزالي 1، وأورد عليه الرافعي الوكيل؛ فإنه قد يوكل عنه لا عن الموكل؛ كما سيأتي، وحينئذ فلا يصحُّ اشتراط كون الموكِّل مالكًا للتصرف بملك أو ولاية 2.
وقوله: (ما وكل) هو بفتح الواو.
(ولا المرأة والمحرم في النكاح) أما المرأة.. فلأنها لا تزوج نفسها، والمراد: أنها لا توكل أجنبيًّا في تزويجها، فأما لو أذنت للولي بصيغة الوكالة.. فإنه يصحُّ؛ كما نقله في "البيان" عن النصِّ 3.
وَيَصِحُّ تَوْكِيلُ الْوَلِيِّ فِي حَقِّ الطِّفْلِ، وَيُسْتَثْنَى تَوْكِيلُ الأَعْمَى فِي الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.. فَيَصِحُّ
وأما المحرم.. فللنهي عنه في "صحيح مسلم" 1، وهذا محمول على ما إذا وكَّله ليعقد عنه في حال الإحرام، فإن وكَّله ليعقد له بعد التحلل، أو أطلق.. صحَّ، وكذا لو وكَّل حلالٌ محرمًا ليوكِّل حلالًا بالتزويج على الأصح؛ لأنه سفير محض.
(ويصحُّ توكيل الولي في حقِّ الطفل) في النكاح وغيره؛ لولايته عليه.
وتعبيره بالطفل تبع فيه "المحرر" 2، والصواب: حذفه؛ كما هو في "الشرح" و"الروضة"؛ ليدخل المجنون والسفيه.
(ويستثنى) مما ذكرناه (توكيل الأعمى في البيع والشراء) وكذا سائر العقود المتوقفة على الرؤية؛ كالإجارة والأخذ بالشفعة (فيصحُّ) وإن لم يَقدر على مباشرته؛ للضرورة.
ويستثنى من هذا الضابط: مسائل كثيرة؛ بعضُها من طرده، وبعضها من عكسه؛ فمما يستثنى من طرده: الولي غير المجبر، إذا أذنت له في النكاح ونهته عن التوكيل، فلا يوكل قطعًا، ومنها: إذا جوزنا لصاحب الدين أن يكسر الباب ويأخذ ما يجده، فإنه لا يجوز له التوكيل فيه، كما صرح به جماعة، ومنها: التوكيل في الإقرار ممتنع على الصحيح، ومنها: إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة له أن يختار أربعًا، ولا يوكل في ذلك، إلا إذا عين الموكل المختارات للنكاح، فيجوز في الأصح.
ومما يستثنى من العكس: توكيل المشتري البائع، أو المسلم المسلم إليه في أن يوكل من يقبض عنه، فإنه يصحُّ مع استحالة مباشرته القبضَ من نفسه، ومنها: إذا قال: (إن طلقتك.. فأنت طالق قبله ثلاثًا) وقلنا: لا يقع الطلاق، فوكل.. فإنه يصحُّ، كما قاله الرافعي، ومنها: التوكيل في استيفاء قصاص الطرف وحدِّ القذف، فإنه جائز مع امتناع الموكل من مباشرته، ومنها: مسألة توكيل الحلال محرمًا، ليوكل حلالًا في التزويج؛ كما مرَّ.
وَشَرْطُ الْوَكِيلِ: صِحَّةُ مُبَاشَرَتِهِ التَّصَرُّفَ لِنَفْسِهِ، لَا صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ، وَكَذَا الْمَرْأَةُ وَالْمُحْرِمُ فِي النِّكَاحِ، لَكِنِ الصَّحِيحُ: اعْتِمَادُ قَوْلِ صَبِيٍّ فِي الإِذْنِ فِي دُخُولِ دَارٍ وَإِيصَالِ هَدِيَّةٍ، وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ تَوْكِيلِ عَبْدٍ فِي قَبُولِ نِكَاحٍ،
(وشرط الوكيل: صحة مباشرته التصرفَ لنفسه) كما في الموكل.
ويستثنى توكيل الولي فاسقًا في بيع مال محجوره، فإنه لا يجوز.
(لا صبيٍّ ومجنون) لسلب عبارتهما، والمغمى عليه كالمجنون، وكذا النائم.
ومحلُّ عدم صحة توكيل الصبي: فيما لا يصحُّ منه مباشرته، فيجوز توكيله في حجِّ التطوع والذبح ولو في أضحية، وفي تفرقة الزكاة؛ كما مرَّ في بابه.
(وكذا المرأة والمُحرم في النكاح) لسلب عبارتهما فيه إيجابًا وقبولًا.
و(المحرم) بضم الميم، أما مفتوحها.. فيجوز أن يكون وكيلًا في القبول وإن كان لا يصحُّ تعاطيه لنفسه، وألحق بعضهم الخنثى بالمرأة؛ للشك في أهليته.
(لكن الصحيح: اعتماد قول صبي في الإذن في دخول دار وإيصال هدية) لتسامح السلف في مثل ذلك، وهو توكيل من جهة الآذن والمهدي، والثاني: لا؛ كغيره من التصرفات.
ومحل الخلاف: إذا كان مأمونًا، وإلا.. فلا يعتمد قطعًا، وما إذا لم تكن قرينة؛ فإن احتفت به قرينة أفادت العلم.. اعتُمد قطعًا، والكافر والفاسق كالصبي في ذلك.
(والأصحُّ: صحة توكيل عبد في قبول نكاح) إذ لا ضرر على السيد فيه، والثاني: لا؛ إذ لا يستقل فيه بنفسه.
ومحل الخلاف: إذا لم يأذن فيه، فإن أذن.. صحَّ قطعًا؛ كذا ذكره في "الروضة" في النكاح، وقال هنا بعد أن حكى الخلاف مع الإذن: (المختار: الجواز مطلقًا) 1.
وهذه المسألة مستثناة من عكس القاعدة، وهو أن من لا تصحُّ مباشرتُه لنفسه.. لا تصحُّ وكالته.
وَمَنْعُهُ فِي الإِيجَابِ. وَشَرْطُ الْمُوَكَّلِ فِيهِ: أَنْ يَمْلِكَهُ الْمُوَكِّلُ، فَلَوْ وَكَّلَهُ بِبَيْع عَبْدٍ سَيَمْلِكُهُ، وَطَلاقِ مَنْ سَيَنْكِحُهَا.. بَطَلَ فِي الأَصَحِّ. وَأَنْ يَكُونَ قَابِلًا لِلنِّيَابَةِ، فَلَا يَصِحُّ فِي عِبَادَةٍ إِلَّا الْحَجَّ، وَتَفْرِقَةَ زَكَاةٍ، وَذَبْحَ أُضْحِيَةٍ، وَلَا فِي شَهَادَةٍ، وَإِيلَاءٍ، وَلِعَانٍ، وَسَائِرِ الأَيْمَانِ،
(ومنعه في الإيجاب) لأنه إذا لم يزوج بنت نفسه.. فبنت غيره أولى، والثاني: يصحُّ؛ لصحة عبارته في الجملة، والمبعض أولى بالصحة منه فيما يصحُّ توكيلُه فيه.
(وشرط الموكل فيه: أن يملكه الموكِّل، فلو وكله ببيع عبد سيملكه، وطلاق من سينكحها.. بطل في الأصحِّ) لأنه لا يتمكن من مباشرته بنفسه عند التوكيل، فكيف يستنيب فيه غيره؟ والثاني: يصحُّ؛ لأن الملك حاصلٌ عند المقصود من التوكيل وهو التصرف.
ويستثنى من إطلاق المصنف: عامل القراض؛ فإن إذن المالك في بيع ما سيملكه من العروض نافذ؛ إذ لا تتم مصالح العقد إلا به، ولو قال: (وكلتك في بيع كذا، وأن تشتري بثمنه كذا).. فأشهر القولين: صحة التوكيل بالشراء؛ كما ذكره صاحب "المطلب".
(وأن يكون قابلًا للنيابة) لأن التوكيل تفويض وإنابة، فما لا يقبلها؛ كاستيفاء حقِّ القسم من الزوجات ونحوه مما سيأتي.. لا يقبل التوكيل (فلا يصحُّ في عبادة) لأن المقصود منها ابتلاءُ الشخص وامتحانه بإتعابه نفسه، وذلك لا يحصل بالتوكيل، (إلا الحج، وتفرقةَ زكاة، وذبحَ أضحية) للأدلة المذكورة في أبوابها.
ويندرج في التوكيل بالحج ركعتا الطواف، والعمرةُ كالحج.
والكفارة، والنذر، وصدقة التطوع كالزكاة.
والعقيقة، والهدايا، وشاة الوليمة كالأضحية.
والعاجز يأمر من يوضئه، أو ييممه، والتوكيل في إزالة النجاسة جائز، وعنه احترز بقوله: (عبادة)؛ لأنه من باب التروك، ولذلك لا تشترط فيها النية على الأصحِّ.
(ولا في شهادة، وإيلاء، ولعان، وسائر الأيمان) أي: باقيها؛ إلحاقًا لها بالعبادات.
وَلَا فِي ظِهَارٍ فِي الأَصَحِّ، وَيَصِحُّ فِي طَرَفَيْ بَيْعٍ، وَهِبَةٍ، وَسَلَمٍ، وَرَهْنٍ، وَنِكَاحٍ، وَطَلَاقٍ، وَسَائِرِ الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ، وَقَبْضِ الدُّيُونِ وَإِقْبَاضِهَا، وَالدَّعْوَى وَالْجَوَابِ، وَكَذَا فِي تَمَلُّكِ الْمُبَاحَاتِ كَالإِحْيَاءِ وَالاصْطِيَادِ وَالاحْتِطَابِ فِي الأَظْهَرِ، لَا فِي إِقْرَارٍ فِي الأَصَحِّ،
والنذر، وتعليق الطلاق، والعتق في معنى الأيمان، قاله الرافعي 1، ولا ترد صحة الشهادة على الشهادة؛ إذ ليست بتوكيل.
(ولا في ظهار في الأصحِّ) الوجهان مبنيان على أن المغلب فيه معنى اليمين أو الطلاق، والأرجح: تغليب شائبة الطلاق، وقضيته: ترجيح الصحة، لكن لمنعه معنى آخر، وهو أنه منكر من القول وزور، فلا تشرع فيه الإعانة بالتوكيل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وإذا صححناه قال في "المطلب": الأشبه: أن يقول: (موكلي يقول: أنت عليه كظهر أمه).
(ويصحُّ في طرفي بيع، وهبة، وسلم، ورهن، ونكاح) أما النكاح.. فبالنصِّ، وأما الباقي.. فبالقياس، (وطلاق) منجز؛ لأنه إذا جاز في العقد.. ففي حَلِّهِ أولى، أما المعلق.. فيمتنع على الأصح، (وسائرِ العقود) كالصلح والحوالة والضمان، ونحو ذلك، (والفسوخ) المتراخية، أما التي على الفور.. فلا؛ للتقصير.
(وقبض الديون وإقباضها، والدعوى والجواب) لعموم الحاجة.
ويستثنى من جواز التوكيل في القبض: قبض العوض في الصرف في غيبة الموكل؛ لأنه بغيبته فسد العقد، وفي استثنائه نظر؛ لأنه بعد فساد العقد لا دين.
(وكذا في تملك المباحات؛ كالإحياء، والاصطياد، والاحتطاب في الأظهر)؛ لأنها أحد أسباب الملك، فأشبه الشراء، فيحصل الملك للموكل إذا قصده الوكيل له، والثاني: المنع؛ قياسًا على الاغتنام.
(لا في إقرار) بأن يقول: (وكلتك لتقر عني لفلان بكذا) (في الأصحِّ) لأنه إخبار عن حقٍّ، فلم يقبل التوكيل؛ كالشهادة، والثاني: يصحُّ؛ لأنه قول يلزم به
وَيَصِحُّ فِي اسْتِيفَاءِ عُقُوبَةِ آدَمِيٍّ؛ كَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِحَضْرَةِ الْمُوَكِّلِ. وَلْيَكُنِ الْمُوَكَّلُ فِيهِ مَعْلُومًا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، فَلَوْ قَالَ: (وَكَّلْتُكَ فِي كُلِّ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ)، أَوْ (فِي كُلِّ أُمُورِي)، أَوْ (فَوَّضْتُ إِلَيْكَ كُلَّ شَيْءٍ).. لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ قَالَ: (فِي بَيْعِ أَمْوَالِي وَعِتْقِ أَرِقَّائِي).. صَحَّ،
الحقُّ، فأشبه الشراء، فعلى هذا: لم يكن بنفس التوكيل مقرًّا على ما صححه في "زيادة الروضة"، إلا أن يقول: (أقر عني لزيد بألف له علي) فيكون مقرًا جزمًا، وعلى الأول: يكون مقرًّا؛ كما نقله في "زيادة الروضة" عن الأكثرين، وجزم في "الحاوي الصغير" بخلافه 1.
وصورة لفظ الوكيل: (أقررت عنه بكذا)، كما اقتضاه كلام البَنْدَنيجي، واختار السبكي أن يقول: (موكلي مقر لك بكذا).
(ويصحُّ في استيفاء عقوبة آدمي؛ كقصاص، وحدِّ قذف) كسائر الحقوق، بل يتعين ذلك في حدِّ القذف، وكذا في قطع الطرف في الأصح؛ كما ذكره المصنف في موضعه، ويجوز أيضًا التوكيل في استيفاء حدود الله تعالى من الإمام والسيد.
نعم؛ يمتنع التوكيل في إثباتها؛ لأنها مبنية على الدرء، إلا في القاذف، فإنه يجوز له أن يوكل في إثبات زنا المقذوف؛ لسقوط حدِّ القذف عنه بذلك.
(وقيل: لا يجوز إلا بحضرة الموكل) لاحتمال العفو في الغيبة، قال صاحب "المعين" تبعًا لابن الصباغ: ومحل الخلاف: في تمكين الحاكم الوكيل من الاستيفاء، أما استيفاء الوكيل.. فصحيح قطعًا.
(وليكن الموكَّل فيه معلومًا من بعض الوجوه) لئلا يعظم الغرر.
(ولا يشترط علمه من كلِّ وجه) لأنها جوزت للحاجة، فسومح فيها.
(فلو قال: "وكلتك في كلِّ قليل وكثير"، أو "في كلِّ أموري"، أو "فوضت إليك كلَّ شيء".. لم يصحَّ) لأنه غرر عظيم، فإنه يدخل فيه أمور لو عرض تفصيلها على الموكل؛ كطلاق زوجاته، والصدقة بجميع ماله.. لاستنكره.
(وإن قال: "في بيع أموالي، وعتق أرقائي".. صحَّ) لأن الغرر فيه قليل.
وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي شِرَاءَ عَبْدٍ.. وَجَبَ بَيَانُ نَوْعِهِ، أَوْ دَارٍ.. وَجَبَ بَيَانُ الْمَحِلَّةِ وَالسِّكَّةِ، لَا قَدْرِ الثَّمَنِ فِي الأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ مِنَ الْمُوَكِّلِ لَفْظٌ يَقْتَضِي رِضَاهُ؛ كـ (وَكَّلْتُكَ فِي كَذَا)، أَوْ (فَوَّضْتُهُ إِلَيْكَ)، أَوْ (أَنْتَ وَكِيلِي فِيهِ)،
(وإن وكله في شراء عبد.. وجب بيان نوعه) كتركي، أو هندي ونحوهما؛ لاختلاف الأغراض فيها، ولا يشترط استقصاء الأوصاف التي في السلم، ولا ما يقرب منها اتفاقًا، قاله الإمام والغزالي، وجرى عليه الشيخان 1، لكن اعتبر القاضي ذكر الصفات التي يختلف الثمن باختلافها، ولو اختلفت أصناف نوع اختلافًا ظاهرًا.. اشترط التعرض للصنف، قاله الجويني، وأقراه 2.
(أو دار.. وجب بيان المحلة) وهي الحارة (والسكة) بكسر السين: وهي الزقاق؛ لاختلاف الغرض بذلك اختلافًا ظاهرًا، ويتعرض في الحانوت للسوق.
(لا قدرِ الثمن في الأصحِّ) في هذه المسألة والتي قبلها؛ لأن غرضه قد يتعلق بواحد ما، نفيسًا كان أو خسيسًا، والثاني: لا بدّ من تقديره؛ كمئة، أو بيان غايته؛ كمئة إلى ألف؛ لظهور التفاوت.
هذا كلُّه إذا قصد بالشراء القنية، فإن قصد التجارة.. لم يشترط بيان شيء من ذلك، بل يجوز أن يقول: (وكلتك في أن تشتري بهذا الدينار ما شئت من العروض، أو ما رأيت المصلحة في شرائه) قياسًا على القراض؛ كما نقله في "الكفاية" عن الماوردي والمتولي، وأقره، وجزم به القفال، وهو مقتضى كلام الرافعي 3.
(ويشترط من الموكِّل لفظ يقتضي رضاه؛ كـ "وكلتك في كذا"، أو "فوضته إليك"، أو "أنت وكيلي فيه") ونحوها كـ (أنبتك فيه)، كما يشترط الإيجاب في سائر العقود.
فَلَوْ قَالَ: (بِعْ)، أَوْ (أَعْتِقْ).. حَصَلَ الإِذْنُ. وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لَفْظًا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي صِيَغِ الْعُقُودِ؛ كـ (وَكَّلْتُكَ)، دُونَ صِيَغِ الأَمْرِ؛ كـ (بع) وَ (أَعْتِقْ). وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهَا بِشَرْطٍ فِي الأَصَحِّ،
وقوله: (لفظ) يوهم أنه لا تكفي الكتابة وإشارة الأخرس وكتابته، وليس كذلك، بل هو كالبيع وأولى.
وقوله: (كوكلتك) قد يفهم أن تعيين الوكيل شرطٌ فلا يصحُّ: (وكلت كلَّ من أراد بيع داري هذه) في بيعها، وبه صرح الإمام، والغزالي، وكذا الرافعي في (كتاب الحج) في الكلام على الجعالة فيه 1، ونقله المصنف في "فتاويه" عن الأصحاب 2.
(فلو قال: "بع" أو "أعتق".. حصل الإذن) لأنه أبلغ مما سبق.
(ولا يشترط القبول لفظًا) لأن التوكيل إباحة ورفع حَجْرٍ، فأشبه إباحةَ الطعام، وعلى هذا لو وكله والوكيل لا يعلم.. ثبتت وكالتُه في الأصح، فلو تصرف قبل علمه.. فكبيع مال مورثه ظانًّا حياتَه.
(وقيل: يشترط) لأنه تمليك للتصرف فليقبل؛ كسائر التمليكات، (وقيل: يشترط في صيغ العقود؛ كـ "وكلتك"، دون صيغ الأمر، كـ "بع" و"أعتق") إلحاقًا لصيغة العقد بالعقود، وللأمر بالإباحة.
واحترز بقوله: (لفظًا) عن القبول معنى، فإنه لا بدَّ منه في دوام الوكالة قطعًا، حتى لو رد.. بطلت، قال المنكت: وهو ينافي عدم اشتراط العلم، فإن الرضا يستلزم العلم، فالمشروط إذًا في دوام الوكالة: عدمُ الردِّ لا الرضا، فإنه لو أكرهه على التصرف.. صحَّ في الأصحِّ 3.
(ولا يصحُّ تعليقها بشرط) من صفة، أو وقت (في الأصحِّ) كسائر العقود، والثاني: يصحُّ؛ كالوصية.
فَإِنْ نَجَّزَهَا وَشَرَطَ لِلتَّصَرُّفِ شَرْطًا.. جَازَ، وَلَوْ قَال: (وَكَّلْتُكَ وَمَتَى عَزَلْتُكَ فَأَنْتَ وَكِيلِي).. صَحَّتْ فِي الْحَالِ فِي الأَصَحِّ، وَفِي عَوْدِهِ وَكِيلًا بَعْدَ الْعَزْلِ الْوَجْهَانِ فِي تَعْلِيقِهَا، وَيَجْرِيانِ فِي تَعْلِيقِ الْعَزْلِ.
وفرق الأول: بأن الوصية تقبل الجهالة، فتقبل التعليق، أما تأقيتها؛ كوكلتك إلى شهر.. فجائز.
(فإن نجزها وشرط للتصرف شرطًا.. جاز) بالاتفاق؛ لأنه إنما علق التصرف فقط.
(ولو قال: "وكلتك ومتى عزلتك فأنت وكيلي".. صحت في الحال في الأصحِّ)؛ لوجود الإذن، والثاني: لا تصحُّ؛ لأنه أبَّدها، وهو إلزام للعقد الجائز.
ومحلُّ الخلاف: ما إذا قال ذلك متصلًا بالتوكيل بصيغة الشرط، وبكلَّما، وعمَّ نفسه وغيره؛ كذا قاله في "المطلب"، واقتضاه تعليل الرافعي بإلزام العقد الجائز 1، وكلام المصنف ظاهر في جريان الخلاف مطلقًا.
(وفي عوده وكيلًا بعد العزل الوجهان في تعليقها) لأنه علق الوكالةَ ثانيًا على العزل، والأصحُّ: عدم العود؛ لأن الأصحَّ: فساد التعليق، والثاني: يعود، بناء على صحته.
(ويجريان في تعليق العزل) بطلوع الشمس ونحوه.
وقضية كلامه: تصحيح عدم الانعزال، والذي في "الروضة" و"أصلها: أنهما يجريان بالترتيب، والعزل أولى؛ لأنه لا يشترط فيه قبولٌ قطعًا 2، واشتراطه في الوكالة مختلف فيه، قال الإسنوي: وتصحيح عدم العزل بعيد، وكيف ننفذ التصرفات والمالك مانع منها 3.
فصَلٌ [في أحكام الوكالة بعد صحتها]
الْوَكِيلُ بِالْبَيْع مُطْلَقًا لَيْسَ لَهُ الْبَيْعُ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَلَا بِنَسِيئَةٍ، وَلَا بِغَبْنٍ فَاحِشٍ - وَهُوَ: مَا لَا يُحْتَمَلُ غَالِبًا - فَلَوْ بَاعَ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الأَنْوَاعِ وَسَلَّمَ الْمَبِيعَ.. ضَمِنَ، فَإِنْ وَكَّلَهُ لِيَبِيعَ مُؤَجَّلًا وَقَدَّرَ الأَجَلَ.. فَذَاكَ،
(فصل: الوكيل بالبيع مطلقًا ليس له البيع بغير نقد البلد) لدلالة القرينة العرفية عليه، فلو كان في البلد نقدان.. باع بالأغلب، فإن استويا.. فبالأنفع، فإن استويا.. تخير.
(ولا بنسيئة) وإن كان قدر ثمن المثل؛ لأن الإطلاق في البيع يقتضي الحلول، فكذلك في التوكيل في البيع.
(ولا بغَبْن فاحش، وهو: ما لا يحتمل غالبًا) كالوصي، أما اليسير؛ كدرهم في عشرة.. فيغتفر، بخلاف درهمين، كذا قالاه 1، وقال ابن أبي الدم: العشرة إن سومح بها في المئة.. فلا يتسامح بالمئة في الألف، فالصواب: الرجوع للعادة، وذكر الروياني: أن اليسير يختلف باختلاف أجناس الأموال، فربع العشر كثير في النقد والطعام، ونصفه ليس كثيرًا في الجواهر والرقيق ونحوهما 2.
واحترز بقوله: (مطلقًا) عما إذا نصّ على البيع بشيء من ذلك.. فإنه يجوز.
وقوله: (ليس له) صريح في المنع، فلو فعل.. فالمذهب: بطلان تصرفه، وفي قول: إنه موقوف على إجازة الموكل.
(فلو باع على أحد هذه الأنواع وسلَّم المبيع.. ضمن) لتعديه، ولو باع بثمن المثل، ثم وجد راغب بزيادة في زمن الخيار.. انفسخ العقد في الأصح إن لم يفسخه.
(فإن وكله ليبيع مؤجلًا وقدَّر الأجلَ.. فذاك) أي: فيجوز أن يبيعه إلى ذلك الأجل من غير زيادة عليه، ولا ينقص أيضًا إن نقص من الثمن شيئًا، أو كان خوفٌ،
وَإِنْ أَطْلَقَ.. صَحَّ فِي الأَصَحِّ، وَحُمِلَ عَلَى الْمُتَعَارَفِ فِي مِثْلِهِ. وَلَا يَبِيعُ لِنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ الصَّغِيرِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَبِيعُ لِأبِيهِ وَابْنِهِ الْبَالِغِ،
أو للحفظ مؤنة ونحوهما من الأغراض، وإلا.. جاز في الأصحِّ إن لم يعين المشتري، فإن عينه.. قال الإسنوي: فيظهر المنع؛ لظهور قصد المحاباة؛ كزيادة الثمن 1.
(وإن أطلق.. صحَّ في الأصحَّ، وحُمل على المتعارف في مثله) حملًا للمطلق على المعهود؛ كما تقدم في النقود، فإن لم يكن.. راعى الأنفع للموكل، والثاني: لا يصحُّ؛ لاختلاف الغرض بتفاوت الآجال طولًا وقصرًا.
وقيل: يصحُّ، وله التأجيل إلى ما شاء؛ لإطلاق اللفظ، وقيل: لا يزيد على سنة؛ كتقدير الديون المؤجلة بها شرعًا؛ كالجزية.
(ولا يبيع لنفسه وولده الصغير) لتضاد الغرضين؛ لأنه حريص بطبعه على الاسترخاص لهما، وغرض الموكل الاجتهاد في الزيادة.
نعم؛ لو أذن له في البيع من نفسه، وقَدَّر الثمن، ونهاه عن الزيادة.. فينبغي الجواز؛ كما قاله ابن الرفعة، والشراء في ذلك كالبيع.
(والأصحُّ: أنه يبيع لأبيه وابنه البالغ)، وكذا سائر أصوله وفروعه؛ لأنه باع بالثمن الذي لو باع به من أجنبي.. صحَّ، والثاني: لا؛ لأنه متهم بالمَيْل إليهم.
وتعبيره بـ (البالغ) يَرِد عليه المجنون والسفيه فإنهما كالصغير، ولهذا عبرا في "الشرح" و"الروضة" بقولهما، والوجهان في الأصول والفرع المستقلين 2.
ثم محلُّ الخلاف: إذا لم يأذن له في البيع منهم، فإن أذن.. جاز قطعًا.
ومحلُّه أيضًا: إذا لم يعين الثمن، فإن عينه.. جاز قطعًا؛ كما نقله في "المهمات" عن "فتاوى القفال"، وأقره، لكن حكى ابن الملقن عن القاضي الحسين فيه وجهين مرتبين وأولى بالصحة؛ لانتفاء التهمة 3.
وَأَنَّ الْوَكِيلَ بِالْبَيْعِ لَهُ قَبْضُ الثَّمَنِ وَتَسْلِيمُ الْمَبِيعِ، وَلَا يُسَلِّمُهُ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ، فَإِنْ خَالَفَ.. ضَمِنَ. وَإِذَا وَكَّلَهُ فِي شِرَاءٍ.. لَا يَشْتَرِي مَعِيبًا، فَإِنِ اشْتَرَاهُ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ يُسَاوِي مَعَ الْعَيْبِ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ.. وَقَعَ عَنِ الْمُوَكِّلِ إِنْ جَهِلَ الْعَيْبَ، وَإِنْ عَلِمَهُ.. فَلَا فِي الأَصَحِّ،
(وأن الوكيل بالبيع له قبض الثمن وتسليمُ المبيع) إذا كان مسلمًا إليه؛ لأنه من توابع البيع ومقتضياته، والثاني: لا؛ لعدم الإذن فيهما، وقد يرضاه للبيع دون القبض.
ومحل الخلاف: إذا لم يكن القبض شرطًا، فإن كان؛ كالصرف ونحوه.. فله القبض والإقباض قطعًا.
ومحله أيضًا؛ كما قاله صاحب "المعين": إذا عين له الموكل المشتري، أو لم يعينه ولكن الموكل حاضرٌ، وإلا.. فيقبض الثمن قطعًا؛ لئلا يضيع.
ولو باع بثمن مؤجل فحلَّ.. لم يملك قبض الثمن قطعًا، وكذا لو نهاه عن قبض الثمن.
(ولا يسلمه حتى يقبض الثمنَ) الحالَّ؛ لما في التسليم قبله من الخطر، (فإن خالف.. ضمن) لتعديه.
(وإذا وكَّله في شراء.. لا يشتري معيبًا) أي: لا ينبغي له ذلك، لأن الإطلاق يقتضي السلامةَ، (فإن اشتراه في الذمة وهو يساوي مع العيب ما اشتراه به.. وقع عن الموكِّل إن جهل العيبَ) لأنه يمكن استدراكه بالردِّ، فلا ضرورة فيه، ولا ينسب الوكيل إلى مخالفة؛ لجهله.
وقوله: (في الذمة) يوهم أنه إذا اشترى بعين مال الموكل.. لا يقع له وليس كذلك، بل يقع له أيضًا إذا قلنا: يقع له بالشراء في الذمة، لكن ليس للوكيل الردُّ في الأصحِّ؛ لأنه لا يمكن انقلاب العقد له، فلا يتضرر، بخلاف الشراء في الذمة، ففائدة التقييد بالذمة: إخراج المذكور آخرًا، وهو ردُّ الوكيل، فلو قيد الأخير فقط، فقال: (للموكل الردُّ، وكذا للوكيل إن اشترى في الذمة).. لكان أحسن.
(وإن علمه.. فلا في الأصحِّ) سواء ساوى ما اشتراه به أم زاد؛ لأن الإطلاق
وَإِنْ لَمْ يُسَاوِهِ.. لَمْ يَقَعْ عَنْهُ إِنْ عَلِمَهُ، وَإِنْ جَهِلَهُ.. وَقَعَ فِي الأَصَحِّ، وَإِذَا وقَعَ لِلْمُوَكِّلِ.. فَلِكُلٍّ مِنَ الْوَكِيلِ وَالْمُوَكِّلِ الرَّدُّ. وَلَيْسَ لِوَكِيلٍ أَنْ يُوَكِّلَ بلَا إِذْنٍ إِنْ تَأَتَّى مِنْهُ مَا وُكِّلَ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَتَأَتَّ لِكَوْنِهِ لَا يُحْسِنُهُ أَوْ لَا يَلِيقُ بِهِ.. فَلَهُ التَّوْكِيلُ، وَلَوْ كَثُرَ وَعَجَزَ عَنِ الإِتْيَانِ بِكُلِّهِ.. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُوَكِّلُ فِيمَا زَادَ عَلَى الْمُمْكِنِ.
يقتضي سليمًا، والثاني: يقع له؛ لأن الصيغة مطلقة، ولا نقص في المالية، والثالث: إن كان يشتريه للتجارة.. وقع له، أو للقنية.. فلا، واستحسنه الإمام.
(وإن لم يساوه) أي: لم يساو ما اشتراه به (.. لم يقع عنه) أي: الموكل (إن عَلِمه) للمخالفة المورِّطة في الغرامة.
(وإن جهله.. وقع في الأصحِّ) كما لو اشتراه لنفسه جاهلًا، والثاني: لا؛ لأن الغبن يمنع الوقوعَ عنه مع السلامة، فعند العيب أولى.
(وإذا وقع للموكِّل.. فلكلٍّ من الوكيل والموكِّل الردُّ) أما الموكل.. فلأنه المالك، والضرر به لاحق، وأما الوكيل.. فلأنا لو لم نجوز له ذلك.. لكان المالك ربما لا يرضى به، وحينئذ فيتعذر الردُّ؛ لكونه على الفور، ويقع العقد للوكيل فيتضرر، ولو رضي به الوكيل.. لم يتمكن بعد ذلك من الردِّ، لكن للموكل الردُّ إن ثبتت الوكالة، أو صدّق البائع عليها، وإلا.. فالأصحُّ في "زيادة الروضة": أنه يردُّه على الوكيل 1.
(وليس لوكيل أن يوكل بلا إذن إن تأتى منه ما وُكِّل فيه) لأن الموكل لم يرض بتصرف غيره.
نعم؛ قال الجُوري: لو وكله في قبض دين فقبضه، وأرسله مع بعض عياله إلى الموكل.. لم يضمن، أو مع غيره.. ضمن.
(وإن لم يتأت لكونه لا يحسنه، أو لا يليق به) مع كونه يحسنه (.. فله التوكيل) لأن التفويض لمن هذا حالُه لا يُقصد منه غيرُ الاستنابة.
(ولو كثر وعجز عن الإتيان بكلِّه.. فالمذهب: أنه يوكِّل فيما زاد على الممكن) دون غيره؛ لأن الضرورة دعت إليه دون غيره، وقيل: لا يوكل في شيء؛ لعدم
وَلَوْ أَذِنَ فِي التَّوْكِيلِ وَقَالَ: (وَكِّلْ عَنْ نَفْسِكَ)، فَفَعَلَ.. فَالثَّانِي وَكِيلُ الْوَكِيلِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَنْعَزِلُ بِعَزْلِهِ وَانْعِزَالِهِ، وَإِنْ قَالَ: (عَنِّي).. فَالثَّانِي وَكِيلُ الْمُوَكِّلِ، وَكَذَا لَوْ أَطْلَقَ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: وَفِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ لَا يَعْزِلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِانْعِزَالِهِ، وَحَيْثُ جَوَّزْنَا لِلْوَكِيلِ التَّوْكِيلَ.. يُشْتَرَطُ أَنْ يُوَكِّلَ أَمِينًا
الإذن، وقيل: يوكل في الجميع؛ لأنه مَلك التوكيل في البعض فيوكل في الكلِّ؛ كما لو أذن صريحًا، وحيث وكل في هذه الأقسام فإنما يوكل عن موكله، فلو وكل عن نفسه.. فالأصحُّ في "زيادة الروضة": المنع 1.
(ولو أذن في التوكيل وقال: "وكِّل عن نفسك"، ففعل.. فالثاني وكيل الوكيل) لتصريح الموكل في إذنه بذلك، وقيل: إنه وكيل الموكل.
وعلى الأول: للموكل عزله في الأصحِّ؛ لأنه فرع فرعه.
(والأصحُّ: أنه ينعزل بعزله) أي: بعزل الأول له (وانعزالِه) بموته وجنونه؛ لأنه نائبه، وهذا بناء على أن الثاني وكيل الوكيل، ومقابله: وجه مبني على أنه وكيل الموكل.
(وإن قال: ) وكِّل ("عني".. فالثاني وكيل الموكِّل) لأن الموكل أذن بهذا الشرط، (وكذا لو أطلق) بأن قال: (وكِّل)، ولم يقل: (عني)، ولا (عنك) (في الأصحِّ) لأن توكيله الثاني تصرفٌ تعاطاه بإذن الموكل، فوجب أن يقع عنه، والثاني: أنه وكيل الوكيل؛ لأن المقصود من الإذن تسهيلُ الأمر عليه.
وهذا هو الأصحُّ في نظيره في القضاء، إذا قال له الإمام: (استخلف)، وأطلق.
وفُرِّق: بأن الوكيل ناظر في حقِّ الموكل، فحمل الإطلاق على إرادته، وفي القضاء الغرض: معاونته، وهو راجع للمستنيب.
(قلت: وفي هاتين الصورتين لا يَعزل أحدُهما الآخر، ولا ينعزل بانعزاله) لأنه ليس وكيلًا عنه.
(وحيث جوزنا للوكيل التوكيلَ.. يشترط أن يوكل أمينًا) رعايةً لمصلحة الموكل، فلو وكل خائنًا.. لم يصحَّ؛ لأنه خلاف المصلحة.
إِلَّا أَنْ يُعَيِّنَ الْمُوَكِّلُ غَيْرَهُ، وَلَوْ وَكَّلَ أَمِينًا فَفَسَقَ.. لَمْ يَمْلِكِ الْوَكِيلُ عَزْلَهُ فِي الأَصَحِّ، والله أَعْلَمُ.
فصَلٌ [فيما يجب على الوكيل في الوكالة المقيدة]
قَالَ: (بِعْ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ)، أَوْ (فِي
وظاهر إطلاقه: أنه لا يجوز توكيل الخائن وإن كان الموكل عيَّن الثمن والمبيع منه؛ لأنها استنابة عن الغير، وهو أحد احتمالي صاحب "المطلب".
(إلا أن يعين الموكِّل غيرَه) أي: غير الأمين، فيتبع تعيينه لإذنه فيه.
(ولو وكل أمينًا ففسق.. لم يملك الوكيل عزلَه في الأصحِّ، والله أعلم) لأنه أذن له في التوكيل دون العزل، وهذا أقيس الوجهين في "زيادة الروضة" 1، ولا ترجيح في "الشرحين"، ولم يصور المسألة 2.
وقد صورها في "الوسيط" بما إذا قال: (وكِّل عني) 3، وفي معناه: الإطلاق، وحينئذ فمنع العزل واضح؛ لأنه ليس وكيلًا له.
واستشكل في "الكفاية" مقابلَه ولم يعلِّله 4، وعلَّله في "المطلب" بأنه من توابع ما وكَّل فيه، فأشبه الردَّ بالعيب عند التصريح بالسفارة، وعلَّله غيرُه بأن الإذن اقتضى توكيلَ أمين، فإذا فسق.. لم يجز استعماله، فملك عزلَه.
قال السبكي: والذي أقوله: أنا حيث جعلناه وكيلَ الوكيل.. فله عزله بكلِّ حال، وحيث جعلناه وكيلَ الموكل.. فالقول بأن للوكيل عزلَه لا وجه له، بل ينبغي أن يكون الوجهان في انعزاله بالفسق، ويُصحَّح الانعزال؛ كالقاضي، وعدلِ الرهن.
(فصل: قال: "بع لشخص معين") أي: قال له: (بع لزيد) مثلًا (أو "في
زَمَنٍ أَوْ مَكَانٍ مُعَيَّنٍ).. تَعَيَّنَ، وَفِي الْمَكَانِ وَجْهٌ إِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ غَرَضٌ. وَإِنْ قَالَ: (بِعْ بِمِئَةٍ).. لَمْ يَبِعْ بِأَقَلَّ، وَلَهُ أَنْ يَزِيدَ إِلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِالنَّهْيِ.
زمن أو مكان معين".. تعين) تبعًا لتخصيصه، ومحلُّ تعيين المكان: إذا لم يقدر الثمن، فإن قدره فباع في غيره.. صحَّ؛ كما نقله المصنف عن ابن الصباغ والمتولي وغيرهما 1.
(وفي المكان وجه إذا لم يتعلق به غرض) أنه لا يتعين؛ لاتفاق الغرض فيها، وهذا هو المنصوص؛ كما نقله في "المطلب"، واختاره السبكي.
فإن تعلق به غرض؛ بأن كان الراغبون فيه أكثر والنقد أجود.. فإنه لا يجوز البيع في غيره جزمًا إذا لم يقدر الثمن، وإن نهاه عن البيع في غيره.. امتنع مطلقًا.
(وإن قال: "بع بمئة".. لم يبع بأقلَّ) ولو بقيراط؛ لأنه مخالف للإذن، (وله أن يزيد) لأن ذلك زيادةُ خير.
وقوله: (وله) يشعر بجواز البيع بالمئة وهناك راغب بزيادة، والأشبه في "الشرح الصغير"، والأصح في "زيادة الروضة": المنع، ولا ترجيح في "الكبير" 2.
(إلا أن يصرح بالنهي) لأن النطق أبطل حكم العرف.
ويَرِد على حصره الاستثناء: ما لو قال: (بعه لزيد بمئة)، فإنه ليس له الزيادة قطعًا؛ لأنه ربما قصد محاباته، قال الغزالي: إلا إذا علم خلافه بالقرينة 3.
ولو قال: (اشتر عبد فلان بمئة) فاشتراه بأقلَّ منها.. صحَّ، وفرق الماوردي: بأنه في البيع ممنوع من قبض ما زاد على المئة، وفي الشراء مأمور بدفع مئة، ودفع الوكيل بعضَ المأمور جائز، كذا نقله في "زيادة الروضة" وأقره 4.
ونقضه في "الكفاية" بما إذا كان وكيلًا في البيع دون القبض فإنه لا يجوز البيع بالزيادة، مع أنه لا قبض له، ثم قال: والذي يظهر في الفرق: أن البيع لما كان ممكنًا
وَلَوْ قَالَ: (اشْتَرِ بِهَذَا الدِّينَارِ شَاةً) وَوَصَفَهَا، فَاشْتَرَى بِهِ شَاتَيْنِ بِالصِّفَةِ، فَإِنْ لَمْ تُسَاوِ وَاحِدَةٌ دِينَارًا.. لَمْ يَصِحَّ الشِّرَاءُ لِلْمُوَكِّلِ، وَإِنْ سَاوَتْهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ.. فَالأَظْهَرُ: الصِّحَّةُ وَحُصُولُ الْمِلْكِ فِيهِمَا لِلْمُوَكِّلِ.
من المعين ومن غيره.. كان التنصيص عليه دالًّا على مراعاته، ولما لم يمكن شراء العبد المعين من غير المذكور.. ضعف أن يكون التنصيص دالًّا على مراعاته، فإنه كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكون لأجل التعريف 1.
(ولو قال: "اشتر بهذا الدينار شاة"، ووصفها، فاشترى به شاتين بالصفة، فإن لم تساو واحدةٌ دينارًا.. لم يصحَّ الشراء للموكِّل) 2 وإن زادت قيمتهما على الدينار لفوات ما وكل فيه.
واحترز بقوله: (ووصفها) عما إذا لم يصفها، فإن التوكيل لا يصحُّ.
(وإن ساوته كلُّ واحدة.. فالأظهر: الصحة وحصول الملك فيهما للموكِّل) لأن عُروة البارقي فعل هذا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعا له 3، ولأن مقصود الموكِّل قد حصل بزيادة، فأشبه ما إذا أمره بأن يبيع بخمسة، فباع بعشرة، والثاني: لا تقع الشاتان معًا للموكل؛ لأنه لم يأذن إلا في واحدة، بل ينظر إن اشترى في الذمة.. فللموكل واحدة بنصف دينار، والأخرى للوكيل، وللموكل أن ينتزع الثانية منه، ويقرر العقد فيهما له على الأصحِّ؛ لأنه عقد العقد له، وإن اشتراهما بعين الدينار؛ فإن قلنا: بوقف العقود.. فإن شاء.. أخذهما، وإن شاء.. أخذ واحدة بنصفه وردَّ الأخرى على البائع، وإن قلنا بعدم الوقف.. بطل في واحدة، وفي الأخرى قولا تفريقِ الصفقةِ، لكن صحح المتولي هنا البطلان 4.
وقوله: (وإن ساوته كلُّ واحدة) هو طريقة، والأصحُّ في "زيادة الروضة": أن الشرط: أن تكون إحداهما فقط مساوية للدينار 5.
وَلَوْ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ بِمُعَيَّنٍ فَاشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ.. لَمْ يَقَعْ لِلْمُوَكِّلِ، وَكَذَا عَكْسُهُ فِي الأَصَحِّ. وَمَتَى خَالَفَ الْمُوَكِّلَ فِي بَيْعِ مَالِهِ أَوِ الشِّرَاءِ بِعَيْنِهِ.. فَتَصَرُّفُهُ بَاطِلٌ. وَلَوِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَلَمْ يُسَمِّ الْمُوَكِّلَ.. وَقَعَ لِلْوَكِيلِ، وَإِنْ سَمَّاهُ فَقَالَ الْبَائِعُ: (بِعْتُكَ)، فَقَالَ: (اشْتَرَيْتُ لِفُلَانٍ).. فَكَذَا فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ قَالَ: (بِعْتُ مُوَكِّلَكَ زَيْدًا)، فَقَالَ: (اشْتَرَيْتُ لَهُ).. فَالْمَذْهَبُ: بُطْلَانُهُ.
(ولو أمره بالشراء بمعين فاشترى في الذمة.. لم يقع للموكِّل) لمخالفته؛ لأنه أمره بعقد ينفسخ بتلف المدفوع، حتى لا يطالب الموكل بغيره، وقد خالفه، ويقع العقد للوكيل، وإن صرح بالسفارة على الأصحِّ.
(وكذا عكسه في الأصحِّ) للمخالفة، فإنه أمره بعقد لا ينفسخ بتلف المدفوع، فأتى بخلافه، وقد يكون غرض الموكل تحصيلَ المبيع على كلِّ حال، وعلى هذا لا يقع لواحد منهما، والثاني: يقع للموكل؛ لأنه زاد خيرًا حيث لم يلزم ذمتَه شيئًا.
(ومتى خالف الموكِّل في بيع ماله) أي: باع ماله على غير الوجه المأذون فيه (أو الشراءِ بعينه) أي: اشترى له بعين ماله على وجه لم يأذن فيه (فتصرفه باطل) لأن المالك لم يرض بخروج ملكه على ذلك الوجه.
(ولو اشترى في الذمة) مع المخالفة (ولم يسمِّ الموكِّل.. وقع للوكيل) دون الموكل وإن نواه؛ لأن الخطاب وقع معه، وإنما ينصرف بالنية إلى الموكل إذا كان موافقًا لإذنه، فإذا خالف.. لغت نيته، وصار كأجنبي يشتري لغيره في ذمته.
(وإن سماه فقال البائع: "بعتك"، فقال: "اشتريت لفلان".. فكذا في الأصحِّ) لأن تسمية الموكل في الشراء ليست شرطًا، فإذا سماه ولم يمكن صرفُ العقد إليه.. صار كأنه لم يسمه، والثاني: لا يصحُّ العقد بالكلية؛ لأنه صرح بإضافته إلى الموكل، وقد امتنع إيقاعه له، فألغي.
وأصل الوجهين: الخلاف في أن الخصوص إذا بطل هل يبطل العموم؟
(ولو قال: "بعت موكِّلك زيدًا"، فقال: "اشتريت له".. فالمذهب: بطلانه) وإن وقع التصرف على وفق الإذن؛ لأن الأحكام المتعلقة بمجلس العقد إنما يمكن الاعتبار فيها بالمتعاقدين، فاعتبرنا جريان المخاطبة بينهما، والمخاطبةُ هنا
وَيَدُ الْوَكِيلِ يَدُ أَمَانَةٍ وَإِنْ كَانَ بِجُعْلٍ، فَإِنْ تَعَدَّى.. ضَمِنَ وَلَا يَنْعَزِلُ فِي الأَصَحِّ. وَأَحْكَامُ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ دُونَ الْمُوَكِّلِ، فَيُعْتَبَرُ فِي الرُّؤْيَةِ، وَلُزُومِ الْعَقْدِ بِمُفَارَقَةِ الْمَجْلِسِ وَالتَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ، حَيْثُ يُشْتَرَطُ الْوَكِيلُ دُونَ الْمُوَكِّلِ.
مفقودة، بخلاف النكاح فإنه لا يصحُّ إلا على هذه الصورة، وهو ترك الخطاب؛ لأنه سفير محض.
وتعبيره بـ (المذهب) تبع فيه "المحرر"، وكذا عبر في "الروضة"، وعبارة الرافعي في "الشرحين": أنه ظاهر المذهب 1، وهي لا تشعر بحكاية خلاف ألبتة، ولم يذكر في "الروضة" ما يقابل المذهب.
نعم؛ حكى في "الكفاية" وجهين في ذلك عن الجويني، فكان ينبغي التعبير بالأصحِّ 2.
(ويد الوكيل يد أمانة وإن كان بجُعل) لأن الوكالة عقد إرفاق ومعونة، والضمان مناف لذلك ومنفر عنه.
(فإن تعدى.. ضمن) كغيره من الأمناء.
(ولا ينعزل في الأصحِّ) لأن حقيقة الوكالة الإذنُ في التصرف، والأمانة حكم يترتب عليه، فلا يلزم من ارتفاع هذا الحكم بطلانُ أصل العقد؛ كما لا يرتفع مقصود الرهن، وهو التوثق ببطلان حكمه وهو الأمانة، والثاني: ينعزل؛ لأنها أمانة فترتفع بالتعدي؛ كالوديعة، وهذا إذا تعدى بالفعل، فإن تعدى بالقول؛ كما لو باع بغبن فاحش ولم يسلم.. لا ينعزل جزمًا؛ لأنه لم يتعد فيما وكل فيه، ذكره في "الكفاية" عن "البحر" 3.
(وأحكام العقد تتعلق بالوكيل دون الموكِّل، فيُعتبر في الرؤية، ولزومِ العقد بمفارقة المجلس، والتقابضِ في المجلس، حيث يشترط الوكيل دون الموكِّل) لأن الوكيل هو العاقد حقيقة.
فَإِذَا اشْتَرَى الْوَكِيلُ.. طَالَبَهُ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ إِنْ كَانَ دَفَعَهُ إِلَيْهِ الْمُوَكِّلُ، وَإِلَّا.. فَلَا إِنْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا، وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ.. طَالَبَهُ إِنْ أَنْكَرَ وَكَالَتَهُ، أَوْ قَالَ: (لَا أَعْلَمُهَا)، وَإِنِ اعْتَرَفَ بِهَا.. طَالَبَهُ أَيْضًا فِي الأَصَحِّ كَمَا يُطَالِبُ الْمُوَكِّلَ، وَيَكُونُ الْوَكِيلُ كَضَامِنٍ وَالْمُوَكِّلُ كَأَصِيلٍ. وَإِذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ بِالْبَيْع الثَّمَنَ وَتَلِفَ فِي يَدِهِ وَخَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا.. رَجَعَ عَلَيْهِ الْمُشْتَرِي وَإِنِ اعْتَرَفَ بِوَكَالَتِهِ فِي الأَصَحِّ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ
(فإذا اشترى الوكيل.. طالبه البائع بالثمن إن كان دَفَعه إليه الموكِّل) 1 لاقتضاء العرف ذلك، (وإلا) أي: وإن لم يكن دفعه إليه (.. فلا إن كان الثمن مُعيَّنًا) لأنه ليس في يده، وحقّ البائع مقصور عليه.
(وإن كان في الذمة.. طالبه إن أنكر وكالته، أو قال: "لا أعلمها") لأن الظاهر: أنه يشتري لنفسه، والعقد وقع معه.
(وإن اعترف بها.. طالبه أيضًا في الأصحِّ؛ كما يطالب الموكِّل، ويكون الوكيل كضامن، والموكِّل كأصيل) لأن العقد وإن وقع للموكِّل لكن الوكيل فرعُه ونائبه، فلذلك جوزنا مطالبتهما، فعلى هذا يرجع الوكيل إذا غرم، والثاني: لا يطالب الوكيل؛ لأنه سفير محض؛ كالوكيل في النكاح لا يطالب بالمهر، والثالث: أنه يطالب الوكيل فقط؛ لأن الالتزام وجد منه، ورجحه الرافعي في مسألة خلع الأجنبي 2.
(وإذا قبض الوكيل بالبيع الثمنَ وتلف في يده وخرج المبيع مستحقًّا.. رجع عليه المشتري وإن اعترف بوكالته في الأصحِّ) لأنه الذي تولّى القبض، وحصل التلف في يده، والثاني: يرجع به على الموكِّل؛ لأن الوكيل سفيره، ويده كيده، ونسبه القاضي حسين إلى عامة الأصحاب، والثالث: يرجع على من شاء منهما؛ للمعنيين.
(ثم يرجع الوكيل على الموكِّل) لأنه غره.
قُلْتُ: وَلِلْمُشْتَرِي الرُّجُوعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ ابْتِدَاءً فِي الأَصَحِّ، وَالله أَعْلَمُ.
فصَلٌ [في بيان جواز الوكالة وما تنفسخ به]
الْوَكَالَةُ جَائِزَةٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، فَإِذَا عَزَلَهُ الْمُوَكِّلُ فِي حُضُورِهِ، أَوْ قَالَ: (رَفَعْتُ الْوَكَالَةَ)، أَوْ (أَبْطَلْتُهَا)، أَوْ (أَخْرَجْتُكَ مِنْهَا).. انْعَزَلَ. فَإِنْ عَزَلَهُ وَهُوَ غَائِبٌ.. انْعَزَلَ فِي الْحَالِ، وَفِي قَوْلٍ: لَا حَتَّى يَبْلُغَهُ الْخَبَرُ.
(قلت: وللمشتري الرجوع على الموكِّل ابتداء في الأصحِّ، والله أعلم) لأن الوكيل مأمورٌ من جهته، والثاني: لا؛ لتلفه تحت يد الوكيل.
وجزم المصنف في نظيره من الرهن بتخيير المشتري بين رجوعه على العدل وبين رجوعه على الراهن، والقرارُ عليه.
(فصل: الوكالة جائزة من الجانبين) لضرر الإلزام؛ فإنه قد يبدو للموكِّل ترك ما وكل فيه، أو توكيلُ آخرَ، والوكيل قد لا يتفرغ.
هذا إذا لم يُذكر جُعل، فإن ذكر جُعل معلوم، ووجدت شروط الإجارة؛ فإن عُقد بلفظ الإجارة.. فهو لازم، أو بلفظ الوكالة.. قال الرافعي: فيمكن تخريجه على أن العبرة بصيغ العقود أم بمعانيها، والأصح في "البحر": أنه يكون جائزًا؛ لأن الإجارة لا تنعفد بلفظ الوكالة 1، وجزم به الجويني في "مختصره".
(فإذا عزله الموكِّل في حضوره) أي: أتى بلفظ العزل خاصة، (أو قال) في حضوره: ("رفعت الوكالة"، أو "أبطلتُها"، أو "أخرجتك منها".. انعزل) لدلالة كلٍّ من الألفاظ المذكورة عليه.
(فإن عزله وهو غائب.. انعزل في الحال) لأنه رفعُ عقد لا يُحتاج فيه إلى الرضا، فلا يحتاج إلى العلم؛ كالطلاق، (وفي قول: لا حتى يَبلغه الخبر) ممن تُقبل روايتُه؛ لئلا يرتفع الوثوق عن تصرفه، وقياسًا على القاضي.
وَلَوْ قَالَ: (عَزَلْتُ نَفْسِي)، أَوْ (رَدَدْتُ الْوَكَالَةَ).. انْعَزَلَ. وَيَنْعَزِلُ بِخُرُوجِ أَحَدِهِمَا عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ بِمَوْتٍ أَوْ جُنُونٍ، وَكَذَا إِغْمَاءٌ فِي الأَصَحِّ، وَبِخُرُوجِ مَحَلِّ التَّصَرُّفِ عَنْ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ.
وفرق الرافعي: بأن عمل القاضي تتعلق به المصالح الكلية 1، قال الإسنوي: ومقتضاه: أن الحاكم في واقعة خاصة حكمُه حكم الوكيل.
(ولو قال: "عزلت نفسي"، أو "رددت الوكالة".. انعزل) للدلالة عليه، وسواء كان الموكِّل حاضرًا أو غائبًا؛ لأنه قطعٌ للعقد، فلا يفتقر إلى حضور من لا يُعتبر رضاه؛ كالطلاق، وقيل: إن كانت صيغةُ الموكِّل أمرًا؛ كـ (بع)، و (أعتق).. لم ينعزل بذلك؛ لأن ذلك إذن وإباحة، فأشبه ما إذا أباح الطعام لغيره.. فإنه لا يرتدُّ بردِّ المباح له.
(وينعزل بخروج أحدهما عن أهلية التصرف بموت أو جنون) لأنه لو قارن.. منع الانعقاد، فإذا طرأ.. قطعه، والصواب كما قاله في "المطلب": أن الموت ليس بعزل، بل انتهت الوكالة به؛ كما قلنا في النكاح.
(وكذا إغماء في الأصحِّ) كالجنون، والثاني: لا؛ لأنه لم يلتحق بمن يولَّى عليه، واختاره السبكي تبعًا للإمام وغيره، وقال القاضي الحسين: إنه ظاهر المذهب.
ويستثنى على الأول: الوكيل في رمي الجمار، فإنه لا ينعزل بإغماء الموكِّل على الأصحِّ؛ كما ذكراه في الحجِّ 2، ومن الواضح أنه لا ينعزل بالنوم وإن خرج به عن أهلية التصرف.
(وبخروج محلِّ التصرف عن ملك الموكِّل) كبيعه أو إعتاقه ما وكله في بيعه؛ لاستحالة بقاء الولاية والحالة هذه.
وينعزل أيضًا بتزويج من وكله في بيعها، وكذا بإيجارها وإن جوزنا بيع المستأجر؛
وَإِنْكَارُ الْوَكِيلِ الْوَكَالَةَ لِنِسْيَانٍ أَوْ لِغَرَضٍ فِي الإِخْفَاءِ لَيْسَ بِعَزْلٍ، فَإِنْ تَعَمَّدَ وَلَا غَرَضَ.. انْعَزَلَ. وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِهَا، أَوْ صِفَتِهَا؛ بِأَنْ قَالَ: (وَكَّلْتَنِي فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً، أَوِ الشِّرَاءِ بِعِشْرِينَ)، فَقَالَ: (بَلْ نَقْدًا أَوْ بِعَشَرَةٍ).. صُدِّقَ الْمُوَكِّلُ بِيَمِينِهِ. وَلَوِ اشْتَرَى جَارِيَةً بعِشْرِينَ وَزَعَمَ أَنَّ الْمُوَكِّلَ أَمَرَهُ، فَقَالَ: (بَلْ بِعَشَرَةٍ) وَحَلَفَ؛ فَإِنِ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِ الْمُوَكِّلِ وَسَمَّاهُ فِي الْعَقْدِ أَوْ قَالَ بَعْدَهُ: (اشْتَرَيْتُهُ لِفُلَانٍ وَالْمَالُ لَهُ) وَصَدَّقَهُ الْبَائِعُ.. فَالْبَيعُ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَذَّبَهُ.. حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالْوَكَالَةِ
لأن مريد البيع لا يؤجر غالبًا؛ كذا نقلاه عن "التتمة" وأقراه 1.
(وإنكار الوكيل الوكالةَ لنسيان أو لغرض في الإخفاء ليس بعزل، فإن تعمد ولا غرض.. انعزل) لأنه معذور في القسم الأول دون الثاني، وقيل: ينعزل مطلقًا، وقيل: لا مطلقًا، ولو أنكر وقد ادعي عليه بحقٍّ على موكِّله، فقامت البينة بقبوله.. فإنه لا ينعزل، ولا تندفع عنه الخصومة، إلا أن يعزل نفسه، ذكره الجُوري.
(وإذا اختلفا في أصلها) بأن قال: (وكلتني في كذا)، فقال: (ما وكلتك)، (أو صفتها؛ بأن قال: "وكلتني في البيع نسيئة، أو الشراء بعشرين"، فقال: "بل نقدًا أو بعشرة".. صدق الموكِّل بيمينه) أما في الأولى.. فلأن الأصل عدمُ التوكيل، وأما في الثانية.. فلأن من قُبل قولُه في شيء.. كان القول قولَه في صفته.
(ولو اشترى جاريةً بعشرين، وزعم أن الموكِّل أمره، فقال) الموكِّل: ("بل بعشرة ") أي: أذنت في عشرة، (وحلف؛ فإن اشترى بعين مال الموكِّل وسماه في العقد، أو قال بعده) أي: العقد ("اشتريته لفلان والمال له"، وصدقه البائع) على ذلك، أو قامت به بينة (.. فالبيع باطل) لأنه قد ثبت بتسميته في الأولى، وتصديق البائع في الثانية أن المال والشراء لغير العاقد، وثبت بيمين من له المال أنه لم يأذن في الشراء الذي باشره الوكيل فيلغو؛ لأن الشراء بعين مال الغير بغير إذنه باطلٌ، وإذا بطل.. فالجارية للبائع، وعليه ردُّ ما أخذ.
(وإن كذبه) البائع في الصورة الثانية بأن قال: (إنما اشتريت لنفسك، والمال لك)، ولا بينة (.. حلف على نفي العلم بالوكالة) إن ادعى الوكيل علمَه بها،
وَوَقَعَ الشِّرَاءُ لِلْوَكِيلِ، وَكَذَا إِنِ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ وَلَمْ يُسَمِّ الْمُوَكِّلَ، وَكَذَا إِنْ سَمَّاهُ وَكَذَّبَهُ الْبَائِعُ فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ صَدَّقَهُ.. بَطَلَ الشِّرَاءُ. وَحَيْثُ حُكِمَ بِالشِّرَاءِ لِلْوَكِيلِ.. يُسْتَحَبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يَرْفُقَ بِالْمُوَكِّلِ لِيَقُولَ لِلْوَكِيلِ: (إِنْ كُنْتُ أَمَرْتُكَ بعِشْرِينَ.. فَقَدْ بعْتُكَهَا بِهَا)، وَيَقُولُ هُوَ: (اشْتَرَيْتُ، لِتَحِلَّ لَهُ). وَلَوْ قَالَ: (أَتَيْتُ بِالتَّصَرُّفِ الْمَأْذُونِ فِيهِ)، وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ.. صُدِّقَ الْمُوَكِّلُ، وَفِي قَوْلٍ: الْوَكِيلُ. وَقَوْلُ الْوَكِيلِ فِي تَلَفِ الْمَالِ مَقْبُولٌ بِيَمِينِهِ،
(ووقع الشراء للوكيل) في الظاهر، وحينئذ فيسلم الثمن المعين إلى البائع، ويغرم بدله للموكِّل.
(وكذا إن اشترى في الذمة، ولم يسمِّ الموكِّل) ولكن نواه.. فإن الشراء يقع للوكيل ظاهرًا، (وكذا إن سماه، وكذبه البائع في الأصحِّ) أي: كذبه في الوكالة؛ بأن قال: (سميته ولم تكن وكيله)، والوجهان هنا: هما الوجهان المتقدمان في قول المصنف، (فإن سماه)، فقال البائع: (بعتك)، فقال: (اشتريت لفلان)، فكذا في الأصح، وقد مرَّ تعليلهما.
(وإن صدقه.. بطل الشراء) لاتفاقهما على وقوع العقد للموكِّل، وثبوت كونه بغير إذنه بيمينه.
(وحيث حكم بالشراء للوكيل.. يستحب للقاضي أن يرفُق بالموكِّل) أي: يتلطف به (ليقول للوكيل: "إن كنت أمرتك بعشرين.. فقد بعتكها بها"، ويقول هو: "اشتريت" لتحل له) باطنًا، ولا يضرُّ التعليق المذكور في صحة البيع؛ للضرورة إليه.
(ولو قال) الوكيل: ("أتيتُ بالتصرف المأذون فيه"، وأنكر الموكِّل.. صدق الموكِّل) لأن الأصل عدمُ التصرف وبقاء الملك، (وفي قول: الوكيل) لأن الموكِّل قد ائتمنه، فعليه تصديقه، ولأنه مالك لإنشاء التصرف، فيملك الإقرار به؛ كالولي المجبر إذا أقر بنكاح موليته.
ومحلُّ الخلاف: إذا وقع النزاع قبل العزل، فإن وقع بعده.. فالمصدق الموكِّل قطعًا؛ لأن الوكيل غيرُ مالك لإنشاء التصرف حينئذ.
(وقول الوكيل في تلف المال مقبول بيمينه) من غير ضمان؛ لأنه أمين؛
وَكَذَا فِي الرَّدِّ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ بِجُعْلٍ.. فَلَا. وَلَوِ ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى رَسُولِ الْمُوَكِّلِ وَأَنْكَرَ الرَّسُولُ.. صُدِّقَ الرَّسُولُ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ تَصْدِيقُ الْوَكِيلِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ قَالَ: (قَبَضْتُ الثَّمَنَ وَتَلِفَ)، وَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ.. صُدِّقَ الْمُوَكِّلُ إِنْ كَانَ قَبْلَ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَإِلَّا.. فَالْوَكِيلُ عَلَى الْمَذْهَبِ.
كالمودع وغيره من الأمناء.
ومحلُّ القبول: إذا أطلق التلف، فإن أسنده إلى سبب.. فلا بدَّ فيه من التفصيل المذكور في الوديعة؛ كما أشار إليه الرافعي في (كتاب الرهن) 1.
(وكذا في الردِّ) على موكِّله؛ لأنه إن كان بغير جُعل.. فقد أخذ العين لمحض غرض المالك فأشبه المودع، وإن كان بجُعل.. فلأنه إنما أخذ العين لنفع المالك، وانتفاعُه هو إنما هو بالعمل في العين لا بالعين نفسها.
وقضية إطلاق الشيخين: أنه لا فرق بين ما قبل العزل أو بعده، لكن قال في "المطلب": إن محلَّه: في حال قيام الوكالة، فإن كان بعد العزل.. لم يقبل.
(وقيل: إن كان بجُعل.. فلا) لأنه أخذه لغرض نفسه في الأجرة، فأشبه المرتهن.
(ولو ادعى الردَّ على رسول الموكِّل، وأنكر الرسول.. صدق الرسول) لأنه لم يأتمنه فلا يُقبل قولُه عليه.
(ولا يلزم الموكلَ تصديقُ الوكيل على الصحيح) لأنه يدعي الردَّ على من لم يأتمنه، فليُقم البينة عليه، والثاني: يلزمه التصديق، وبه أفتى ابن الصلاح؛ لأنه معترف بالرسالة، ويدُ رسوله كيده، فكأنه يدعي الردَّ عليه، قال ابن الصلاح: وإذا ادعى أنه أشهد وضاعت الحجة.. فلا ضمان 2.
(ولو قال: "قبضت الثمن وتَلِف"، وأنكر الموكِّل.. صدق الموكِّل إن كان قبل تسليم المبيع) لأن الأصل بقاءُ حقِّه، (وإلا) أي: وإن كان بعد تسليم المبيع (.. فالوكيل على المذهب) لأن الموكِّل يدعي تقصيره وخيانته بالتسليم بلا قبض،
وَلَوْ وَكَّلَهُ بِقَضَاءِ دَيْنٍ، فَقَالَ: (قَضَيْتُهُ) (وَأَنْكَرَ الْمُسْتَحِقُّ.. صُدِّقَ الْمُسْتَحِقُّ بِيَمِينِهِ، والأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُوَكِّلِ إِلَّا بِبيِّنَةٍ. وَقَيِّمُ الْيَتِيمِ إِذَا ادَّعَى دَفْعَ الْمَالِ إِلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ.. يَحْتَاجُ إِلَى بَيِّنَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ
والأصل عدمه، وقيل: القول قولُ الموكِّل؛ لأن الأصل بقاءُ حقِّه.
(ولو وكله بقضاء دين، فقال: "قضيته"، وأنكر المستحق.. صدق المستحق بيمينه) لأن الأصل عدمُ القضاء.
(والأظهر: أنه لا يصدَّق الوكيل على الموكِّل إلا ببينة) لأنه أمره بالدفع إلى من لم يأتمنه، فكان من حقِّه الإشهادُ عليه.
وعلى هذا يأتي ما في رجوع الضامن من الاكتفاء بالمستور وبالواحد.
والثاني: يصدق عليه؛ لأنه ائتمنه، فأشبه ما لو ادعى الردَّ عليه.. فعلى الأظهر: إذا ترك الإشهاد على الدفع، فإن دفع بحضرة الموكل.. فلا رجوع للموكل عليه في الأصح.
وإن دفع في غيبته.. رجع، سواء صدقه الموكِّل بالدفع أم لا على الصحيح؛ لتقصيره.
فلو قال: (دفعت بحضرتك).. صدق الموكِّل بيمينه، جزم به الرافعي 1؛ لأن الأصل عدمُ الحضور عند الدفع.
(وقَيِّم اليتيم إذا ادعى دفعَ المال إليه بعد البلوغ (والرشد (يحتاج إلى بينة على الصحيح" لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾.
فدلَّ على أنهم لو جحدوا.. لا بدَّ من البينة؛ ولأنه لم يأتمنه حتى يكلف تصديقه، ويخالف الإنفاقَ فإنه يعسر إقامة البينة عليه.
والثاني: يقبل قوله بيمينه؛ لأنه أمين فأشبه المودع، وتحمل الآية على الإرشاد.
قال ابن الملقن: (ومراده بالقيم: من يقوم بأمره أبًا كان أو جدًّا، أو وصيًّا، أو حاكمًا) انتهى 2.
وَلَيْسَ لِوَكِيلٍ وَلَا مُودعٍ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ طَلَبِ الْمَالِكِ: (لا أَرُدُّ الْمَالَ إِلَّا بِإِشْهَادٍ) فِي الأَصَحِّ، وَلِلْغَاصِبِ وَمَنْ لا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ ذَلِكَ
وهو مردود فإن المصنف قال: (وقيم اليتيم) والأب لا يتم معه، والجد في معناه لا سيما إذا قلنا: بأنه يُطلق عليه اسمُ الأب حقيقةً، والوصي قد ذكره المصنف في آخر (الوصية)، وجزم فيه بأنه لا يصدق 1.
والظاهر: أن مراده بالقيم: منصوب القاضي فقط، وهو اصطلاح الإمام والرافعي وغيرهما، ولم يتعرض الشيخان للأب والجد، والمشهور فيهما؛ كما قاله في "المطلب": عدم القبول أيضًا.
لكن جزم السبكي بقبول قولهما، وبه صرح الماوردي 2.
(وليس لوكيل ولا مودَع أن يقول بعد طلب المالك: "لا أردُّ المال إلا بإشهاد" في الأصحِّ) لأن قوله في الردِّ مقبولٌ، فلا حاجة إليه.
والثاني: له ذلك؛ كيلا يحتاج إلى اليمين، فإن الأمناء يحترزون عنها ما أمكنهم.
والثالث: إن اقتضى الإشهاد تأخيرًا وتعويقًا للتسليم.. فليس له، وإلّا.. فله.
والرابع: إن كان قبضها بإشهاد.. فله، وإلّا.. فلا.
(وللغاصب ومن لا يُقبل قوله في الردِّ ذلك) أي: التأخير إلى الإشهاد؛ لما أشار إليه المصنف من عدم قبول قوله.
هذا إذا كان عليه بينة بالأخذ؛ لأنه يحتاج إلى بينة الأداء، فإن لم يكن عليه بينة.. فوجهان، أصحهما عند البغوي: أنه كما لو كان عليه بينة 3، وهو ما أورده أكثر المراوزة والماوردي 4.
والثاني: وبه قال العراقيون: أنه ليس له ذلك؛ لأنه يمكنه أن يقول: "ليس عندي شيء) ويحلف.
وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ: (وَكَّلَنِي الْمُسْتَحِقُّ بِقَبْضِ مَا لَهُ عِنْدَكَ مِنْ دَيْنٍ أَوْ عَيْنٍ (وَصَدَّقَهُ.. فَلَهُ دَفْعُهُ إِلَيْهِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا بِبيَّنَةٍ عَلَى وَكَالَتِهِ، وَلَوْ قَالَ: (أَحَالَنِي عَلَيْكَ) وَصَدَّقَهُ.. وَجَبَ الدَّفْعُ فِي الأَصَحِّ.
واقتضى إيراد الرافعي ترجيحه 1، ورجح الإسنوي الأول، فإنه ربما رفعه إلى قاض يرى الاستفصال؛ كالمالكي فيسأله هل غصبت أم لا؟
واستشكل في "المطلب" جوازَ التأخير للغاصب؛ لأن التوبة واجبة على الفور، وهي متوقفة على الردِّ.
وتعبير المصنف بـ (الردِّ) لا يشمل الدين، وحكمُه حكم من لا يقبل قوله في الردِّ، فلو عبر بالدفع.. لشمله.
(ولو قال رجل: "وكلني المستحق بقبض ما له عندك من دين أو عين"، وصدقه) الذي عنده (.. فله دفعه إليه) لأنه محق بزعمه.
(والمذهب) المنصوص (أنه لا يلزمه) الدفع (إلا ببينة على وكالته) لاحتمال إنكار الموكِّل الوكالة.
وقيل: يلزمه؛ كما إذا ادعى أنه وارثه وصدقه.. فإن المنصوص: أنه يلزمه، والصحيح: تقرير النصين.
والفرق: أن في اعترافه بالإرث صار الحقُّ للوارث، وحصل اليأس من التكذيب، بخلاف الوكالة.
واحترز بقوله: (وصدقه) عما إذا لم يصدقه، فإنه لا يكلف الدفع إليه قطعًا.
(ولو قال: "أحالني عليك" (وقبلت الحوالة) وصدقه.. وجب الدفع في الأصحِّ) لاعترافه بانتقال الحقِّ إليه، فأشبه الوارث.
والثاني: لا؛ لاحتمال إنكار صاحب الحقِّ الحوالةَ.
واحترز بقوله: (وصدقه) عما إذا كذبه ولم تكن بينة؛ فله تحليفه إن الزمناه الدفعَ إذا صدقه.
قُلْتُ: وَإِنْ قَالَ: (أَنَا وَارِثُهُ) وَصَدَّقَهُ.. وَجَبَ الدَّفْعُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وإلا.. فينبني على أن النكول وردَّ اليمين كإقامة البينة من المدعي، أو كالإقرار من المدعى عليه.
إن قلنا بالأول.. فله تحليفه؛ طمعًا في أن ينكل، فيحلف المحتال.
وإن قلنا بالثاني.. فلا.
(قلت: وإن قال: "أنا وارثه") الحائز (وصدقه.. وجب الدفع على المذهب، واللَّه أعلم) لاعترافه بانتقال الحقِّ إليه، ويأسه عن الإنكار، وفيه قول مُخرَّج من دعوى الوكالة، كما مرَّ قريبًا، وقد سبق الفرق.
كتابُ الإقرار يَصِحُّ مِنْ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ، وَإِقْرَارُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَاغٍ، فَإِنِ ادَّعَى الْبُلُوغَ بِالاحْتِلَامِ مَعَ الإِمْكَانِ.. صُدِّقَ
﴿كتاب الإقرار﴾
هو في اللغة: الإثبات، وفي الشرع: إخبار عن حقٍّ سابق على المخبر.
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾، وقوله عليه الصلاة والسلام: "اغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ.. فَارْجُمْهَا" 1، والإجماع قائم على المؤاخذة به.
(يصح من مطلق التصرف) بالاتفاق.
نعم؛ يشترط فيه: الاختيار، وإلا يكذّبه حسّ ولا شرع كما سيأتي.
(وإقرار الصبي والمجنون لاغ) كتصرفهما، وسواء المراهق وغيره، أذن الولي أو لم يأذن.
ويستثنى: إقرار المميّز بالتدبير والوصية إذا صححنا ذلك منه.
وقضيته: أن يلتحق بهما إقراره بالإسلام إذا صححناه منه؛ كما قاله ابن الرفعة 2.
وفي معنى المجنون: من أغمي عليه، ومن لم يعص بسكره، ومن زال عقله بسبب لا يعذر فيه؛ كالسكران، والأظهر: قبول إقراره.
(فإن ادعى البلوغ بالاحتلام مع الإمكان) بأن يكون في سنٍّ يحتمل البلوغ (.. صُدّق) لأن ذلك لا يعرف إلا من جهته.
والمراد: الإنزال في يقظة أو منام، ودعوى الجارية الحيضَ كدعوى الاحتلام.
وَلَا يُحَلَّفُ، وَإِنِ ادَّعَاهُ بِالسِّنِّ... طُولبَ بِبَيِّنَةٍ. وَالسَّفِيهُ وَالْمُفْلِسُ سَبَقَ حُكْمُ إِقْرَارِهِمَا. وَيُقْبَلُ إِقْرَارُ الرَّقِيقِ بِمُوجِبِ عُقُوبَةٍ، وَلَوْ أَقَرَّ بِدَيْنِ جِنَايَةٍ لَا تُوجِبُ عُقُوبَةً فَكَذَّبَهُ السَّيِّدُ.. تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ دُونَ رَقَبَتِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِدَيْنِ مُعَامَلَةٍ.. لَمْ يُقْبَلْ عَلَى السَّيِّدِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ،
(ولا يُحلّف) لأنه إن كان صادقًا.. فلا حاجة إلى اليمين، وإن كان كاذبًا.. فلا فائدة في يمينه؛ لأن يمين الصبي غيرُ منعقدة.
وما جزم به: من أنه لا يحلف.. كذا في "الروضة" و "أصلها" هنا، وفي (الدعاوى) في (باب اليمين) 1، لكن صححا في (باب النكول): أن ولد المرتزق إذا ادّعى البلوغ بالاحتلام وطلب إثبات اسمه في الديوان.. أنه يحتاج إلى اليمين إن اتهم.
ومثلُه: إذا حضر المراهق الوقعةَ فادعى الاحتلام وطلب السهم.. فيعطى إن حلف، وإلا.. فوجهان؛ أصحُّهما: لا يعطى 2.
(وإن ادعاه بالسن.. طولب ببينة) لإمكان إقامتها.
(والسفيه والمفلس سبق حكم إقرارهما) في بابهما.
(ويُقبَل إقرارُ الرقيق بموجِب) أي: بكسر الجيم (عقوبة) كالزنا، والقصاص والسرقة بالنسبة إلى القطع لا في المال في الأظهر؛ لبعد التهمة.
(ولو أقرّ بدينِ جناية لا توجب عقوبة) كجناية الخطأ والغصب والإتلاف (فكذبه السيد.. لعلّق بذمته دون رقبته) للتهمة، فيتبع به إذا عتق.
واحترز بقوله: (فكذبه): عما إذا صدّقه السيد ولم يكن مرهونًا ولا جانيًا.. فإنه يتعلق برقبته ويباع، إلا أن يفديه بأقلِّ الأمرين من قيمته وقدر الدين، وإذا بيع فبقي شيء من الدين.. فالأظهر: أنه لا يُتبَع به إذا عَتَق.
(وإن أقرّ بدين معاملة.. لم يُقبل على السيد إن لم يكن مأذونًا له في التجارة)، بل يتعلق بذمته يُتبَع به إذا عَتَق، سواء صدَّقه السيد أم لا؛ لتقصير من عامله، بخلاف الجناية.
ويُقْبَلُ إِنْ كَانَ، وَيُؤَدِّي مِنْ كَسْبهِ وَمَا فِي يَدِهِ. وَيَصِحُّ إِقْرَارُ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ لِأجْنَبِيٍّ، وَكَذَا لِوَارِثٍ عَلَى الْمَذهَبِ. وَلَوْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ بِدَيْنٍ، وَفِي مَرَضِهِ لآخَرَ.. لَمْ يُقَدَّمِ الأَوَّلُ.
(ويُقبل إن كان) مأذونًا له؛ لقدرته على الإنشاء، ومحلُّه: إذا لم يحجر عليه السيد، فإن حجر.. فلا في الأصحِّ، لعجزه عن الإنشاء حينئذ، ومحلُّه أيضًا: إذا كان متعلقًا بالتجارة، فإن كان مما لا يتعلق بها؛ كالقرض.. فلا يقبل الإقرار به على السيد.
(ويؤدي من كسبه وما في يده) 1 لما مرَّ في (باب العبد المأذون).
(ويصحّ إقرار المريض مرضَ الموت لأجنبي) بالمال، عينًا كان أو دينًا بالإجماع؛ كما ذكره الغزالي 2.
قال القفال: ولو أراد الورثة تحليف المقَر له على الاستحقاق.. لم يكن لهم ذلك.
(وكذا لوارث على المذهب) كالأجنبي؛ لأنه انتهى إلى حالة يَصدُق فيها الكاذب ويتوب الفاجر، فالظاهر: أنه لا يُقِرُّ إلا عن تحقيق، ولا يَقصِد حرمانًا، وفي قول: لا يصحُّ؛ لأنه متهم بحرمان بعض الورثة، والطريق الثاني: القطع بالقبول.
واختار الروياني مذهب مالك: وهو أن الحاكم يجتهد فيه؛ فإن كان متهمًا.. لم يقبل إقراره، وإلا.. فيقبل؛ لفساد الزمان 3، وقوَّاه أبو علي الفارقي.
ولو ادّعى باقي الورثة على المُقَرِّ له: أنه لا حقيقة لذلك، فاحلف أنه أقر لك بحق لازم كان يلزمه الإقرارُ به.. فعليه أن يحلف، فإن نكل.. حلف باقي الورثة وقاسموه، قاله السنجي في "شرح التلخيص".
والاعتبار في كونه وارثًا: بحال الموت لا بحال الإقرار على الأصحِّ.
(ولو أقر في صحته بدين، وفي مرضه لآخر.. لم يُقدَّم الأول)، بل يقسم بينهما؛ كما لو ثبتا بالبينة.
وَلَوْ أَقَرَّ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ وَأَقَرَّ وَارِثُهُ بَعْدَ مَوْتهِ لآخَرَ.. لَمْ يُقَدَّمِ الأَوَّلُ فِي الأَصحِّ. وَلَا يَصِحُّ إِقْرَارُ مُكْرَهٍ. وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُقَرِّ لَهُ أَهْلِيَّةُ اسْتِحْقَاقِ الْمُقَرِّ بِهِ، فَلَوْ قَالَ: (لِهَذِهِ الدَّابَّةِ عَلَيَّ) كَذَا.. فَلَغْوٌ، فَلَوْ قَالَ: (بِسَبَبِهَا لِمَالِكِهَا).. وَجَبَ، وَلَوْ قَالَ: (لِحَمْلِ هِنْدٍ كَذَا بِإِرْثٍ أَوْ وَصِيَّةٍ).. لَزِمَهُ
(ولو أقر في صحته أو مرضه) بدين (وأقر وارثُه بعد موته لآخر.. لم يقدم الأول في الأصحِّ) لأن الوارث خليفةُ المورث، فإقراره كإقراره، والثاني: يقدم؛ لأنه بالموت تعلق بالتركة، فلا يتمكن الوارث من صرفها عنه.
(ولا يصحُّ إقرار مُكرَه) بما أُكرِه عليه؛ كسائر تصرفاته.
وإقرار المرتد في بدنه لازم، وكذا في ماله قبل الحجر عليه، وبعده إن قلنا: حجرُه كحجر المرض، فإن قلنا: كحجر السفه.. ففي صحة إقراره وجهان.
(ويشترط في المُقَر له: أهلية استحقاق المُقَر به) لأن الإقرار بدونه كذب، فلو أقرّ بدين للغير عَقِب ثبوته بحيت لا يحتمل جريان ناقل.. لم يصحَّ.
ولو أعتق عبده ثم أقر هو أو غيره له بمال في الحال.. لم يصحَّ؛ للعلم بأنه لا يملك قبل العتق.
(فلو قال: "لهذه الدابة عليّ كذا".. فلغو) لأنها لا تملك شيئًا ولا تستحقّه.
(فلو قال: "بسببها) 1 عليّ (لمالكها") كذا (.. وجب) لأنه إقرار للمالك لا لها، وهي السبب؛ إما بجناية عليها، وإما باستيفاء منافعها بإجارة أو غصب.
وقول المقِر: (لمالكها): محمول على مالكها الآن، لأنه الظاهر وإن احتمل أنه يريد مالكًا آخر قبله.
فلو اقتصر على قوله: (بسببها (ولم يقل: (لمالكها).. لم يلزم أن يكون المال لمالكها في الحال، ولكن يسال ويحكم بموجب بيانه؛ كما قاله الرافعي 2.
(ولو قال: "لحَمْل هند) عليّ أو عندي (كذا بإرث أو وصية".. لزمه)
وَإِنْ أَسْنَدَهُ إِلَى جِهَةٍ لَا تُمْكِنُ فِي حَقِّهِ.. فَلَغْو، وَإِنْ أَطْلَقَ.. صَحَّ فِي الأَظْهَرِ. وَإِذَا كَذَّبَ الْمُقَرُّ لَهُ الْمُقِرَّ.. تُرِكَ الْمَالُ فِي يَدِهِ فِي الأَصَحِّ،
لإمكانه، والخصم في ذلك ولي الحمل، كما نصَّ عليه في "الأم" 1.
(وإن أسنده إلى جهة لا تمكن في حقِّه) كقوله: (له عليّ الفٌ ثمن عين باعها مني) (.. فلغو) للقطع بكذبه فيما قاله.
وما جزم به تبع فيه "المحرر" 2، وصحح الرافعي في "الشرحين": القطع بالصحة، لأنه عقّبه بما هو غير معقول ولا منتظم، فأشبه ما إذا قال: (لفلان عليّ ألف لا يلزمني)، قال في "زيادة الروضة": الأصح: البطلان، كما في "المحرر" 3.
قال السبكي: وما رجحه الرافعي في "الشرح" أقوى، لكن إطلاق "الأم" يشهد لما في "المحرر" و"المنهاج" انتهى.
وقال في "الأنوار": إسناد الفساد إلى "المحرر" وَهَمٌ، بل معنى كلامه: أن الإسنادَ نفسه لغو والإقرارَ نفسه صحيح.
انتهى 4، وذكر الأَذْرَعي نحوه ثم قال: وأما القطع بإلغاء الإقرار.. فلم أره لأحد ممن يقول بصحة الإقرار المطلق.
(وإن أطلق) الإقرار فلم يسنده إلى شيء (.. صحَّ في الأظهر) حملًا للكلام على الجهة الممكنة في حقه، لأن كلام المكلف يحمل على الصحة في الأقارير ما أمكن، وهو ممكن هنا؛ لجواز ملكه بطريق صحيح من وصية أو إرث، والثاني: لا يصحُّ؛ لأن المال في الغالب إنما يجب بمعاملة أو جناية، ولا مَسَاغَ للمعاملة مع الحمل ولا للجناية عليه، فيُحمَلُ إطلاقه على الوعد.
(وإذا كذّب المقَر له المقِر.. تُرِك المال في يده في الأصحِّ) لأنا لا نعرف مالكه، فذو اليد أولى الناس بحفظه، ولأن يده تشعر بالملك ظاهرًا، والإقرار الطارئ عَارَضَه إنكارُ المقَر له، فسقط.
فَإِنْ رَجَعَ الْمُقِرُّ فِي حَالِ تكذِيبِهِ وَقَالَ: (غَلَطٌ).. قُبِلَ قَوْلُهُ فِي الأَصَحِّ.
وقضية التعليل الأول: أن تكون يدُه يدَ استحفاظ، وهو قضية كلام الإمام والغزالي وغيرهما 1، وقال في "المطلب": إنه الأشبه.
وقضية التعليل الثاني: أن تكون يدَ ملك، وهو قضية كلام "المهذب"، وصرح به المتولي، وجزم به الشيخان عند رجوع المقَر له عن التكذيب 2.
ومقابل الأصحِّ: وجهان: أحدهما: ينزعه الحاكم ويتولى حفظه إلى أن يظهر مالكه؛ كالمال الضائع، فإن رأى استحفاظ صاحب اليد.. جاز؛ كغيره، والثاني: يُجبَر المقَر له على القبول والقبض، واستبعده الرافعي 3.
والخلاف جارٍ في العين والدين؛ كما صرّحا به بعد هذه بقليل قبيل الركن الثاني 4، وقولُ ابن الرفعة في "المطلب": إن محلَّ الخلاف: في العين، وأجراه ابن يونس في الدين أيضًا، ولم أره لغيره.. مستغربٌ.
(فإن رجع المقِر في حال تكذيبه وقال: "غلطٌ") أو (تعمدُ الكذب) 5 (.. قبل قوله في الأصحِّ) هذه المسألة مبنية على الخلاف السابق؛ فإن قلنا: بالأصحِّ -وهو أنه يترك المال في يد المقِر -.. فقد أبطلنا حكم الإقرار، وحينئذ يقبل رجوعه في مسألتنا، وإن قلنا: يحفظه القاضي.. فلا يُقبل رجوعه؛ لأنا لم نبطل حكمَ إقراره.
وقوله: (في حال تكذيبه) يعني: تكذيب المقَر له، وهو يوهم: أنه لو رجع المقَر له وصدّقه على الإقرار.. أنه لا يكون كذلك، وليس كذلك؛ فإن الأصحَّ: أن رجوع المقَر له غير مقبول، ولا يُصرفَ إليه إلا بإقرار جديد.
فَصْلٌ [في الصيغة]
قَوْلُهُ: (لِزَيْدٍ كَذَا).. صِيغَةُ إِقْرَارٍ، وَقَوْلُهُ: (عَلَيَّ) وَ (فِي ذِمَّتِي).. لِلدَّيْنِ، وَ (مَعِي) وَ (عِنْدِي).. لِلْعَيْنِ. وَلَوْ قَال: (لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ)، فَقَال: (زِنْ)، أَوْ (خُذْ)، أَوْ (زِنْهُ)، أَوْ (خُذْهُ)، أَوِ (اخْتِمْ عَلَيْهِ)، أَوِ (اجْعَلْهُ فِي كِيسِكَ).. فَلَيْسَ بِإِقْرَار، وَلَوْ قَال: (بَلَى)، أَوْ (نَعَمْ)، أَوْ (صَدَقْتَ)، أَوْ (أَبْرَأْتَنِي مِنْهُ)، أَوْ (قَضَيْتُهُ)، أَوْ (أَنَا مُقِرٌّ بِهِ).. فَهُوَ إِقْرَارٌ،
(فصل: قوله: "لزيد كذا".. صيغة الإقرار) لأن اللام تدل على الملك، قال السبكي: هذا إذا وُصِل به شيء من الألفاظ الآتية؛ أي: (عليّ)، و (عندي)، ونحوهما، وإلا.. فهو خبر لا يقتضي ثبوتَ حقٍّ على المُخبِر، ولا عنده.
(وقوله: "عليّ" و"في ذمتي".. للدين) الملتزم في الذمة؛ لأنه المتبادر منه عرفًا.
ولو عبّر بـ (أو) بدلَ (الواو).. لكان أحسن، وكذا قوله: (معي وعندي) لئلا يوهم أن المراد: الهيئة الاجتماعية.
(و"معي" و"عندي".. للعين) لأنهما ظرفان، فيحمل عند الإطلاق على أدنى المراتب، وهي الوديعة، فإذا ادعى تلفها بعد الإقرار، أو ردَّها.. قبل قولُه بيمينه، بخلاف الدين.
(ولو قال: "لي عليك ألف"، فقال: "زِنْ"، أو "خذ"، أو "زنه"، أو "خذه"، أو "اختم عليه"، أو "اجعله في كيسك".. فليس بإقرار) لأنه ليس بالتزام، وإنما يُذكَر للاستهزاء.
(ولو قال: "بلى"، أو "نعم"، أو "صدقتَ"، أو "أبرأتني منه"، أو "قضيتُه"، أو "أنا مقرّ به".. فهو إقرار)، أما الثلاثة الأوائل.. فلأنها ألفاظ موضوعة للتصديق والموافقة، وفي معناها: (أَجَلْ) و (جَيْرِ).
وأما دعوى الإبراء والقضاء.. فلأنه قد اعترف بالشغل وادعى الإسقاط، والأصلُ عدمه.
وَلَوْ قَالَ: (أَنَا مُقِرٌّ)، أَوْ (أَنَا أُقِرُّ بِهِ).. فَلَيْسَ بِإِقْرَارٍ. وَلَوْ قَالَ: (أَلَيْسَ لِي عَلَيْكَ كَذَا؟ ) فَقَالَ: (بَلَى)، أَوْ (نَعَمْ).. فَإِقْرَار، وَفِي (نَعَمْ) وَجْهٌ. وَلَوْ قَالَ: (اقْضِ الأَلْفَ الَّذِي لِي عَلَيْكَ)، فَقَالَ: (نَعَمْ)، أَوْ (أَقْضِي غَدًا)، أَوْ (أَمْهِلْنِي يَوْمًا)، أَوْ (حَتَّى أَقْعُدَ)، أَوْ (أَفْتَحَ الْكِيسَ)، أَوْ (أَجِدَ).. فَإِقْرَارٌ فِي الأَصحِّ.
وأما قوله: (أنا مقرّ به).. فلأن المفهوم منه: الاعتراف.
قال الرافعي: وكلامهم يدل: على أن الحكم بكونه إقرارًا.. محله: ما إذا خاطبه فقال: (أنا مقر به لك)، وإلا.. فيحتمل الإقرار به لغيره 1.
(ولو قال: "أنا مقر") ولم يقل: (به)، (أو "أنا أقر به".. فليس بإقرار) أما الأول: فلجواز أن يريد الإقرار بالوحدانية، أو ببطلان دعواه، وأما الثاني: فلاحتمال الوعد بالإقرار في ثاني الحال.
(ولو قال: "أليس لي عليك كذا؟ " فقال: "بلى"، أو "نعم".. فإقرار، وفي "نعم": وجه).
اعلم: أن أهل اللغة قالوا: إن (بلى) تكذيبٌ للنفي الذي دخل عليه الاستفهام، و (نعم) تصديقٌ له؛ فإذا قيل بعد (ألم يقم زيد؟ ): نعم.. فمعناه: لم يقم، وإن قيل: (بلى).. فمعناه: أنه قام؛ لأن نفيَ النفيِ إثبات.
إذا تقرر هذا.. فالجزم في مسألتنا بأن بلى إقرار.. قد اجتمع عليه العرف واللغة، ومنشأ الخلاف في (نعم): تعارُض العرف واللغة، فوجه الأصحِّ: أن الإقرار يُحمَل على مفهوم أهل العرف لا على دقائق العربية، ووجه مقابله: أن ذلك مقتضاه في اللغة، ورجحه ابن الرفعة 2.
(ولو قال: "اقضِ الألف الذي لي عليك"، فقال: "نعم"، أو "أقضي غدًا"، أو "أمهلني يومًا"، أو "حتى أقعد"، أو "أفتح الكيس"، أو "أجد".. فإقرارٌ في الأصحِّ) لأنه المفهوم من هذه الألفاظ عرفًا، والثاني: لا، لأنه ليس بصريح في الالتزام.
فَصْلٌ [في شروط المُقَرِّ به]
يُشْتَرَطُ فِي الْمُقَرِّ بِهِ أَلَّا يَكُونَ مِلْكًا لِلْمُقِرِّ، فَلَوْ قَالَ: (دَارِي)، أَوْ (ثَوْبِي)، أَوْ (دَيْنِي الَّذِي لِي عَلَى زَيْدٍ لِعَمْرٍو).. فَهُوَ لَغْوٌ، وَلَوْ قَالَ: (هَذَا لِفُلَانٍ وَكَانَ مِلْكِي إِلَى أَنْ أَقْرَرْتُ).. فَأَوَّلُ كَلَامِهِ إِقْرَارٌ وَآخِرُهُ لَغْوٌ. وَلْيَكُنِ الْمُقَرُّ بِهِ فِي يَدِ الْمُقِرِّ لِيُسَلَّمَ بِالإِقْرَارِ لِلْمُقَرِّ لَهُ. فَلَوْ أَقَرَّ وَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ ثُمَّ صَارَ.. عُمِلَ بِمُقْتَضَى الإِقْرَارِ،...
(فصل: يُشثرَط في المقَر به: ألا يكون ملكًا للمقِر) لأن الإقرار ليس إزالة عن الملك، وإنما هو: إخبار عن كونه مملوكًا للمقَر له، فلا بدَّ من تقدّم المُخبَر عنه على الخبر.
(فلو قال: "داري"، أو "ثوبي"، أو "دَيني الذي لي على زيد لعمرو".. فهو لغو) 1 لأن الإضافة إليه تقتضي الملك حقيقة، فينافي إقراره به لغيره، فحمل على الوعد بالهبة.
(ولو قال: "هذا لفلان، وكان ملكي إلى أن أقررتُ".. فأول كلامه إقرار وآخره لغو) فيُطرَح آخره ويؤاخذ بأوله؛ لأنه مشتمِل على جملتين مستقلتين، ولو عكس فقال: (هذا ملكي هذا لفلان).. صحَّ الإقرار أيضًا؛ كما صرح به الإمام 2.
(وليكن المقَر به) من الأعيان (في يد المقِر) حسًّا أو حكمًا (ليُسلَّم بالإقرار للمقَر له) لأنه إذا لم يكن كذلك.. كان كلامه إما دعوى عن الغير بغير إذنه، أو شهادةً بغير لفظها، فلم ينظر إليه.
(فلو أقر ولم يكن في يده ثم صار.. عُمل بمقتضى الإقرار) لأن الشرط قد وجد فواخذناه 3.
ويشترط في اليد: الاستقلال، فإن كانت يده نائبةً عن غيره؛ بأن أقر بمال تحت
فَلَوْ أَقَرَّ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ فِي يَدِ غَيْرِهِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ.. حُكِمَ بِحُرِّيَّتِهِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ قَالَ: (هُوَ حُرُّ الأَصْلِ).. فَشِرَاؤُهُ افْتِدَاءٌ، وَإِنْ قَال: (أَعْتَقَهُ).. فافْتِدَاءٌ مِنْ جِهَتِهِ وَبَيعٌ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ عَلَى الْمَذْهَبِ، فَيَثْبُتُ فِيهِ الْخِيَارَانِ لِلْبَائِعِ فَقَطْ. وَيَصِحُّ الإِقْرَارُ بِالْمَجْهُولِ،
يده ليتيم أو جهةِ وقف وهو ناظره.. لم يصحَّ إقراره، قاله ابن الصلاح في "فتاويه" 1.
(فلو أقر بحرية عبد في يد غيره ثم اشتراه.. حكم بحريته) وترتفع يده عنه؛ لوجود شرط العمل بالإقرار، ويصحُّ الشراء والحالة هذه؛ تنزيلًا للعقد على قول من صدقه الشارع -وهو البائع- وإن اعتقد المشتري حريته؛ استنقاذًا له من رقٍّ ظالم؛ لما ذكرناه من وجود الشرط.
ولو قال: (بحرية شخص) بدل" (عبد).. لكان أولى، لئلا تتناقض الحرية.
(ثم إن كان قال: "هو حر الأصل".. فشراؤه افتداء) من جهة المشتري؛ كما صرح به في "المحرر" 2، لأن اعترافه بحريته مانعٌ من جعله بيعًا من جهته، أما من جهة البائع.. ففيه الخلاف الآتي؛ كما صرح به في "المطلب".
(وإن قال: "أَعْتَقَه") البائع ويسترقه ظلمًا (.. فافتداء من جهته) لتعذر شراء الحرِّ بزعمه، (وبيع من جهة البائع على المذهب) بناء على اعتقاده، وقيل: إنه بيع من جهتهما؛ تغليبًا لجانب البائع، وقيل: فداء من جهتهما؛ تغليبًا لجانب المشتري.
(فيثبت فيه الخياران للبائع فقط) بناء على المذهب المفصّل، ولو خرج العبد معيبًا.. فلا ردّ للمشتري، وفي الأرش وجهان مبنيان على أنه بيع أو فداء.
(ويصحُّ الإقرار بالمجهول) للحاجة، ولأن الإقرار إخبار عن حقٍّ سابق، والشيء يُخبَر عنه مفصلًا تارة ومجملًا أخرى، إما للجهل به، وإما لثبوته مجهولًا بوصية ونحوها، قال السبكي: والمبهم، كأحد العبدين في معنى المجهول.