بابُ الإحرام يَنْعَقِدُ مُعَيَّنًا؛ بِأَنْ يَنْوِيَ حَجًّا أَوْ عُمْرَةً أَوْ كِلَيْهِمَا، وَمُطْلَقًا؛ بِأَلَّا يَزِيدَ عَلَى نَفْسِ الإِحْرَامِ، وَالتَّعْيِينُ أَفْضَلُ، وَفِي قَوْلٍ: الإِطْلَاقُ. فَإِنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ.. صَرَفَهُ بِالنِّيَّةِ إِلَى مَا شَاءَ مِنَ النُّسُكَيْنِ أَوْ إِلَيْهِمَا ثُمَّ اشْتَغَلَ بِالأَعْمَالِ، وَإِنْ أَطْلَقَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِهِ.. فَالأَصَحُّ: انْعِقَادُهُ عُمْرَةً، فَلَا يَصْرِفُهُ إِلَى الْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ. وَلَهُ أَنْ يُحْرِمَ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ،
﴿باب الإحرام﴾
الإحرام: هو الدخول في حجّ أو عمرة، أو فيهما، أو فيما يصلح لهما، ولأحدهما، وهو المطلق.
(ينعقد معينًا؛ بأن ينوي حجًّا أو عمرة أو كليهما) بالإجماع (ومطلقًا؛ بألا يزيد على نفس الإحرام) لأنه أحد ما قيل في إحرامه صلى الله عليه وسلم.
(والتعيين أفضل) لأنه أقرب إلى الإخلاص، وليعرف ما يدخل عليه، (وفي قول: الإطلاق) ليتمكن من صرفه إلى ما يخاف فوته.
(فإن أحرم مطلقًا في أشهر الحجّ.. صرفه بالنية) لا باللفظ (إلى ما شاء من النسكين أو إليهما ثمَّ اشتغل بالأعمال) ولا يجزئ العمل قبل الصرف بالنية، ومحل صرفه لما شاء منهما: إذا صلح الوقت لهما، فلو ضاق الوقت، وخاف فوت الحج، أو فات.. صرفه إلى العمرة، قاله الروياني 1.
(وإن أطلق في غير أشهره.. فالأصح: انعقاده عمرة، فلا يصرفه إلى الحجّ في أشهره) لأن الوقت لا يقبل غير العمرة، والثاني: ينعقد مبهمًا، فله صرفه إلى حجّ أو قران في أشهره، فإن صرفه إلى الحجّ قبل أشهره.. كان كمن أحرم بالحج قبل أشهره، فينعقد عمرةً.
(وله أن يحرم كإحرام زيد) لأن أبا موسى أهلّ بإهلال كإهلال رسول الله صلى الله
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ زَيْدٌ مُحْرِمًا.. انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ مُطْلَقًا - وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ عَدَمَ إِحْرَامِ زَيْدٍ.. لَمْ يَنْعَقِدْ - وَإِنْ كَانَ زَيْدٌ مُحْرِمًا.. انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ كَإِحْرَامِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ إِحْرَامِهِ بِمَوْتهِ.. جَعَلَ نَفْسَهُ قَارِنًا وَعَمِلَ أَعْمَالَ النُّسُكَيْنِ.
عليه وسلم فلما قدم أخبره، فقال: "أَحْسَنْتَ، طُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَحِلَّ"، وكذا فعل علي رضي الله عنه، وكلاهما في "الصحيحين" 1.
نعم؛ لو علق على إحرام زيد في المستقبل، أو على طلوع الشمس، ونحوه.. ففيه وجهان، وميل الرافعي إلى الجواز 2.
(فإن لم يكن زيد محرمًا.. انعقد إحرامه مطلقًا) لأنه قصدُ الإحرام بصفة خاصة، فإذا بطلت الصفة.. بقي أصلُ الإحرام، (وقيل: إن علم عدمَ إحرام زيد.. لم ينعقد) كما لو علَّق، فقال: إن كان محرمًا.. فقد أحرمت، فلم يكن محرمًا، والفرق على الأول: أنه هنا جازم بالإحرام، بخلاف ما إذا علَّق.
(وإن كان زيد محرمًا.. انعقد إحرامُه كإحرامه) من حجّ، أو قران، أو عمرة، أو إطلاق؛ لحديث أبي موسى المارّ، وقد يوهم كلامه: أنه لو أحرم زيد بعمرة بنية التمتع أنه يلزم عمرًا التمتع وليس كذلك، بل تلزمه العمرة فقط.
ويستثنى من إطلاقه: ما إذا كان إحرام زيد فاسدًا.. فإنه ينعقد إحرامه مطلقًا على الأصحِّ في "زيادة الروضة" و"شرح المهذب" 3.
(فإن تعذر معرفةُ إحرامه بموته) أو جنونه، أو غيبته (.. جعل نفسه قارنًا) بأن ينوي القران (وعمل أعمالَ النسكين) ولا يتحرى على المذهب؛ لأنه لا سبيل إلى الاطلاع على نية الغير.
فَصْلٌ [في ركن الإحرام]
الْمُحْرِمُ يَنْوِي وَيُلَبِّي، فَإِنْ لَبَّى بِلَا نِيَّةٍ.. لَمْ يَنْعَقِدْ إِحْرَامُهُ، وَإِنْ نَوَى وَلَمْ يُلَبِّ.. انْعَقَدَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيُسَنُّ: الْغُسْلُ لِلإِحْرَامِ، فَإنْ عَجَزَ.. تَيَمَّمَ،
(فَصْلٌ: المحرم ينوي) لحديث: "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" 1، (ويلبي) مقترنًا بنيته؛ لنقل الخلف عن السلف لها، والنية محلّها القلب، وكيفيتها المستحبة: أن يقول بقلبه ولسانه: (نويت الحجّ، وأحرمت به لله عز وجل، لبيك اللهم لبيك... ) إلى آخر التلبية، ولا تجب هنا نيةُ الفرضية جزمًا؛ لأنه لو نوى النفل.. لوقع عن الفرض، فلا فائدة في الإيجاب، ويستحب: استقبال القبلة عند الإحرام.
(فإن لبَّى بلا نية.. لم ينعقد إحرامُه) لأن الأعمال بالنيات، (وإن نوى ولم يلبِّ.. انعقد على الصحيح) كالطهارة والصوم في عدم اشتراط اللفظ مع النية، والثاني: لا ينعقد؛ لإطباق الأمة عليها عند الإحرام، وكالصلاة لا تنعقد إلا بالنية والتكبير.
(ويسن الغسل للإحرام) تأسيًا به عليه السلام؛ كما رواه الترمذي وحسنه 2.
بل يكره تركه؛ كما نصَّ عليه في "الأم" 3، وسواء في ذلك الحاجّ والمعتمر، والرجل والمرأة، والبالغ والصبي، والحائض والنفساء؛ لأن حكمته: التنظيف.
ويندب أيضًا: أن يتنظف للإحرام بإزالة الشعور، والأظفار، والأوساخ، وغسل الرأس بسِدْر ونحوه، قال الإسنوي: والقياس: تقديم هذه الأمور على الغسل؛ كما في غسل الميت 4.
ويندب أيضًا: أن يُلبِّد الرجل شعره بصبغ ونحوه؛ لئلا يتولد فيه القمل، ويكون ذلك بعد الغسل.
(فإن عَجَز.. تيمم) لأن الغسل يراد للقربة والنظافة، فاذا تعذر أحدهما.. بقي
وَلِدُخُول مَكَّةَ، وَلِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَبِمُزْدَلِفَةَ غَدَاةَ النَّحْرِ، وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ لِلرَّمْيِ، وَأَنْ يُطَيِّبَ بَدَنَهُ لِلإِحْرَامِ،
الآخر، ولأنه ينوب عن الغسل الواجب؛ فالمندوب أولى.
ولو ذكر المصنف هذه المسألة عقب جميع الأغسال الآتية.. لكان أولى؛ لشمول الحكم لكلّها.
(ولدخول مكة) حلالًا كان أو محرمًا؛ للاتباع؛ أما في حال الإحرام.. فهو في "البخاري" 1، وأما حال كونه حلالًا.. فذكره الشافعي في "الأم"، وقال: كان ذلك عام الفتح 2.
نعم؛ يستثنى: ما إذا خرج من مكة، فأحرم بالعمرة من مكان قريب؛ كالتنعيم، واغتسل لإحرامه، ثم أراد دخول مكة.. فلا يستحب الغسل، بخلاف ما إذا أحرم من مكان بعيد؛ كالجعرانة والحديبية، قاله الماوردي 3، وذكر الخفاف في "الخصال": أنه يستحب أيضًا: الغسل لدخول الحرم.
(وللوقوف بعرفة، وبمزدلفة) على المشعر الحرام (غداةَ النحر، وفي أيام التشريق للرمي) لأنها مواضع اجتماع، فأشبه غسل الجمعة، ولا يستحب لرمي جمرة العقبة؛ اكتفاءً بما قبله 4.
(وأن يطيب بدنه للإحرام) للاتباع، متفق عليه 5، وسواء في استحبابه الذكر والأنثى، وفي قول: لا يستحب للمرأة؛ كذهابها إلى الجمعة، والفرق على الأول: أن زمان الجمعة ومكانها ضيقان، فلا يمكنها تجنب الرجال، بخلاف الإحرام.
وتستثنى: المُحِدَّة؛ فلا يجوز لها أن تتطيب، وفي تحريم الطيب على المبتوتة وجهان؛ فعلى الجواز: ينبغي ألا يستحب لها.
وَكَذَا ثَوْبُهُ فِي الأَصَحِّ، وَلَا بَأْسَ بِاسْتِدَامَتِهِ بَعْدَ الإِحْرَامِ، وَلَا بِطِيبٍ لَهُ جِرْمٌ، لكِنْ لَوْ نَزَعَ ثَوْبَهُ الْمُطَيَّبَ ثُمَّ لَبِسَهُ.. لَزِمَهُ الْفِدْيَةُ فِي الأَصَحِّ،
(وكذا ثوبُه في الأصح) كالبدن، والثاني: المنع؛ لأن الثوب ينزع ويلبس، وإذا نزعه ثم أعاده.. كان كما لو استأنف لبسَ ثوب مطيب، فليحترز من ذلك على الوجه المصحح.
وقضية كلامه: أن الخلاف في الاستحباب، والذي في "الشرحين"، و"الروضة" أنه في الجواز، وقال في "شرح المهذب": أنه لا يندب جزمًا، وأغرب المتولي فحكى فيه خلافًا، قال ابن الرفعة: وسبق المتولي القاضي الحسين، وصححه الإمام 1.
وقال المصنف في "مناسكه الكبرى": الأولى: أن يقتصر على تطييب بدنه دون ثيابه، وأن يكون بالمسك، والأفضل: أن يخلطه بماء الورد أو نحوه؛ ليذهب جرْمه، وهذا الخلاف فيمن قصد تطييب الثوب، أما مَنْ طيب بدنه فتعطر ثوبُه.. فلا بأَس به قطعًا" 2.
(ولا بأس باستدامته بعد الإحرام) كما في البدن، وفي "الصحيحين": عن عائشة رضي الله عنها: كأني أنظر إلى وَبِيص الطيب في مَفرِق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو محرم 3، والوبيص: بـ (الصاد) المهملة: البريق.
ويستثنى: ما إذا لزمها الإحدادُ بعد الإحرام.
(ولا بطيب له جِرْم) للحديث المذكور (لكن لو نزع ثوبه المطيبَ ثم لبسه.. لزمه الفدية في الأصح) كما لو أخذ الطيب من بدنه ثم رده إليه، والثاني: لا؛ لأن العادة في الثوب أن يخلع ويلبس، فجعل عفوًا.
وَأَنْ تَخْضِبَ الْمَرْأَةُ لِلإِحْرَامِ يَدَيْهَا - وَيَتَجَرَّدُ الرَّجُلُ لإِحْرَامِهِ عَنْ مَخِيطِ الثِّيَابِ - وَيَلْبَسَ إِزَارًا وَرِدَاءً أَبْيَضَيْنِ
(وأن تَخْضِب المرأة للإحرام يديها) إلى الكوعين بالحِنَّاء، وكذلك وجهها، خليةً كانت أو مزوجة، شابة أو عجوزًا، لما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن ذلك من السنة 1، والمعنى فيه: ستر لونها، وإنما يستحب التعميم دون التطريف والتنقيش، والتسويد.
واحترز بالمرأة: عن الرجل؛ فإنه يحرم عليه ذلك إلا لضرورة؛ كما قاله في (باب العقيقة) من "الروضة": والخنثى كالرجل؛ كما قاله في "شرح المهذب" هنا 2؛ للاحتياط.
(ويتجردُ الرجل لإحرامه عن مخيط الثياب (وغيرها؛ كالنعال والخفاف، إذ ليس للمحرم لبس المخيط؛ كما سيأتي، وهذا التجرد واجب؛ كما جزم به الرافعي في "الشرح الكبير"، والمصنف في "شرح المهذب" 3، لكن قضية كلام "الشرح الصغير" و"المحرر" و"الروضة": أنه مندوب، وصرح به في "المناسك" 4.
ولفظة: (يتجرد) في كلام "الكتاب": إن قرئت بفتح (الدال).. وافق أصلَه، وإن قرئت بضمها.. وافق الأولَ، ونقل عن أصل المصنف الضمّ، وفي الوجوب نظر؛ لأنه قبل الإحرام لم يحصل سبب الوجوب، وإنما إذا أحرم.. وجب عليه النزع، فلا يكون عاصيًا في نزعه، ويؤيده: جواز الإيلاج على المذهب لمن علَّق الطلاق بالوطئ، وقد ذكر الرافعي (في الصيد) أنه لا خلاف في أنه لا يجب عليه إزالتُه عن ملكه قبل الإحرام، ووافقه المصنف عليه 5، مع أن المدرك في المسألتين واحد.
(ويلبسَ إزارًا ورداء) للاتباع 6 (أبيضين) ندبًا؛ لما مرّ في الكفن، ويستحب:
وَنَعْلَيْنِ، ويُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ الأَفْضَلُ: أَنْ يُحْرِمَ إِذَا انْبَعَثَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ أَوْ تَوَجَّهَ لِطَرِيقِهِ مَاشِيًا، وَفِي قَوْلٍ: يُحْرِمُ عَقِبَ الصَّلَاةِ
أن يكونا جديدين؛ فإن لم يكونا.. فنظيفين، ويكره المصبوغ، (ونعلين) للأمر به 1، وهما التاسومة.
(ويصليَ ركعتين) للاتباع متفق عليه 2، ويقرأ في الأولى: (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثانية: (الإخلاص).
قالا: ولو كان إحرامه في وقت فريضة.. أغنت عنهما، وفي "الكفاية" عن القاضي: أن السنة الراتبة كذلك 3.
(ثم الأفضل: أن يُحرم إذا انبعثت به راحلته أو توجَّه لطريقه ماشيًا) لأنه عليه السلام كان إذا وضع رجله في الغَرْز، وانبعثت به راحلتُه قائمةً.. أهلَّ من ذي الحليفة، متفق عليه 4.
ومعنى (انبعثت): استوت قائمة، وفي "مسلم" من حديث جابر: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا أهللنا أن نحرم إذا توجهنا 5.
(وفي قول: يحرم عقب الصلاة) جالسًا؛ لحديث ابن عباس: أنه عليه السلام أهل في دُبُر الصلاة، رواه أبو داود، وصححه الحاكم على شرط مسلم 6، وفي قول: إنهما سواء.
ويستثنى: الإمام؛ فإنه يستحب له أن يخطب يوم السابع بمكة، ويستحب: أن يحرم قبل الخطبة، قاله الماوردي 7، مع أن سيره لأداء النسك إنما يكون في اليوم
وَيُسْتَحَبُّ إِكْثَارُ التَّلْبِيَةِ وَرَفْعُ صوْتهِ بِهَا فِي دَوَامِ إِحْرَامِهِ، وَخَاصَّةً عِنْدَ تَغَايُرِ الأَحْوَالِ كَرُكُوبٍ وَنُزُولٍ وَصعُودٍ وَهُبُوطٍ وَاخْتِلَاطِ رُفْقَةٍ، وَلَا تُسْتَحَبُّ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ، وَفِي الْقَدِيمِ: تسْتَحَبُّ فِيهِ بِلَا جَهْرٍ،
الذي بعده، قال الأَذْرَعي: لكن إطلاق غيره ينازعه، وقال في "شرح المهذب": ما قاله الماوري غريب، ومحتمل 1.
(ويستحب إكثار التلبية) لأنه عليه السلام لزم تلبيته: (لبيك اللهم لبيك... ) إلى آخره، رواها مسلم 2، ولأنها شعار الحج.
(ورفع صوته بها) بحيث لا يجهد نفسه، ولا يقطع صوته (في دوام إحرامه) للأمر به، صححه الترمذي وابن حبان 3.
واستثنى الشيخ أبو محمد: التلبيةَ المقترنة بالإحرام، فإنه لا يجهر بها، ونقله عنه في "شرح المهذب" وأقره 4، وقول المصنف: (في دوام إحرامه) قد يشير إليه.
ويستحب للملبي: إدخال إصبعيه في أذنيه عند التلبية، ذكره ابن حبان في "صحيحه" 5، واستدل له بفعل موسى عليه السلام، وهذا كلّه في الرجل، أما المرأة.. فتخفض صوتها بحيث تقتصر على إسماع نفسها، والخنثى كالمرأة.
(وخاصةً عند تغاير الأحوال، كركوب ونزول، وصعود وهبوط، واختلاط رِفْقة) ونحوها؛ كإقبال الليل والنهار، والفراغ من الصلاة؛ اقتداءً بالسلف الصالح في ذلك.
(ولا تستحب في طواف القدوم) لأنه جاء فيه أدعية وأذكار خاصة، فصار كطواف الإفاضة والوداع، (وفي القديم: تستحب فيه بلا جَهْر) لإطلاق الأدلة، والخلاف فيه جارٍ في السعي بعده.
وَلَفْظُهَا: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ)، وَإِذَا رَأَى مَا يُعْجِبُهُ.. قَالَ: (لَبَّيْكَ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَةِ).. وَإِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ.. صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
واحترز بـ (طواف القدوم): عن طواف الإفاضة والوداع، فلا يستحب فيهما قطعًا.
(ولفظها: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك") للاتباع، متفق عليه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما 1.
ويستحب: ألا يزيد على هذه الكلمات، وأن يكررها، فإن زاد.. لم يكره، كذا قالاه 2، لكن نصَّ في "الأم" على أنه يستحب مع ما سلف: (لبيك إله الحقّ)، وهذه الزيادة أخرجها النسائي، وصححها ابن حبان 3.
ويستحب: أن يقف وقفةً لطيفة عند قوله: (والملك).
والأفصح: كسر الهمزة من (إن) على الاستئناف، ويجوز فتحها على معنى لأن.
والمشهور: نصب (النعمة)، ويجوز رفعها.
(وإذا رأى ما يعجبه) أو يهمه (.. قال: "لبيك إن العيش عيش الآخرة") للاتباع، كما رواه الشافعي في "الأم" بسند صحيح 4، والمعنى: أن الحياة المطلوبة الهنية الدائمة هي حياة الدار الآخرة.
ومن لا يحسن التلبيةَ بالعربية يلبي بلسانه.
(وإذا فرغ من تلبيته.. صلَّى على النبي صلى الله عليه وسلم) لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ معناه: لا أُذكَر إلا تُذكَر معي.
وَسَأَلَ اللهَ تَعَالَى الْجَنَّةَ وَرِضْوَانَهُ، وَاسْتَعَاذَ بِهِ مِنَ النَّارِ.
(وسأل الله تعالى الجنةَ ورضوانه، واستعاذ به من النار) للاتباع؛ كما رواه الدارقطني والبيهقي 1، لكن الجمهور - كما قاله في "شرح المهذب" - ضعفوا الحديث 2.
بابُ دخول مكة الأَفْضَلُ: دُخُولُهَا قَبْلَ الْوُقُوفِ، وَأَنْ يَغْتَسِلَ دَاخِلُهَا مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ بِذِي طَوىً، وَيَدْخُلَهَا مِنْ ثَنِيَّةِ كَدَاءٍ،
﴿باب دخول مكة﴾ زادها الله شرفًا
مكة أفضل الأرض عندنا خلافًا لمالك في تفضيل المدينة.
ومحل الخلاف: في غير موضع قبر النبي صلى الله عليه وسلم، أما هو.. فهو أفضلُ الأرض بالإجماع؛ كما نقله القاضي عياض 1، وبيت خديجة الذي بمكة أفضل موضع منها بعد المسجد الحرام، قاله المحب الطبري 2.
(الأفضل: دخولها قبل الوقوف) للاتباع 3، ومحله: ما لم يخش فوتَ الوقوف.
(وأن يغتسل داخلُها من طريق المدينة بذي طَوىً) للاتباع، متفق عليه 4، والداخل من غير طريق المدينة يغتسل من نحو مسافته.
وطوى: مثلث الطاء، والفتح أجود، وسمي بذلك: لاشتماله على بئر مطوية بالحجارة؛ يعني: مبنية بها، والطّيُّ: البناء.
(ويدخلها من ثنية كَداء) بفتح الكاف والمد، وإذا خرج.. خرج من ثنية كُدىً بالضم والقصر؛ للاتباع 5.
وقضيته: اختصاصُ استحباب الدخول منها بالداخل من طريق المدينة، وهو ما جزم به في "المحرر"، ونقله في "الشرح الكبير" عن الأصحاب، قالوا: وإنما
وَيَقُولَ إِذَا أَبْصَرَ الْبَيْتَ: (اللَّهُمَّ؛ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَعَظَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا وَبِرًّا، اللَّهُمَّ؛ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ، فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ). ثُمَّ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ
دخلها عليه السلام منها؛ لكونها في طريقه، لكن صحح المصنف في "زيادة الروضة"، و"شرح المهذب" استحبابَ ذلك لكلّ أحد، ومنع كون الثنية على طريقه 1، قال السبكي: وهو الحق.
(ويقول إذا أبصر البيتَ: "اللهم؛ زِدْ هذا البيتَ تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابة 2، وزد من شرَّفه وعظَّمه ممن حجَّه أو اعتمره تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًّا) هكذا رواه الشافعي عن ابن جريج عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن إسناده مرسل ومعضل؛ كما قاله في "شرح المهذب" 3.
(اللهم؛ أنت السلام ومنك السلام، فحيِّنا ربنا بالسلام) رواه البيهقي عن عمر بإسناد ليس بقوي؛ كما قاله في "شرح المهذب" أيضًا) 4.
وقضية تعبيره تبعًا للشافعي والأصحاب: أن هذا الدعاء لا يستحب للأعمى، ولا لمن دخل في ظلمة، لكن عبارة "الحاوي الصغير" تفهم استحبابَه؛ فإنه قال: ودعا للقاء البيت 5، ولا نَقْل في المسألة.
ويستحب: رفع اليدين عند رؤية البيت دون التكبير، وقيل: يستحب أيضًا.
(ثم يدخل المسجدَ من باب بني شيبة) لأنه عليه السلام دخل منه في عمرة القضاء، رواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس؛ كما قاله في "شرح المهذب" 6، والمعنى فيه: أنَّ باب الكعبة في جهة ذلك الباب، والبيوت تؤتى من أبوابها، ولأن جهة باب الكعبة أشرفُ الجهات الأربع؛ كما قاله ابن عبد السلام في
وَيَبْدَأُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ. وَيَخْتَصُّ طَوَافُ الْقُدُومِ بِحَاجٍّ دَخَلَ مَكَّةَ قَبْلَ الْوُقُوفِ،
"القواعد" 1، فكان الدخول من الباب الذي تشُاهَد منه تلك الجهةُ أولى.
(ويبدأ بطواف القدوم) للاتباع، متفق عليه 2، والمعنى فيه: أن الطواف تحية البيت لا المسجد.
ويستثنى: ما لو خاف فوت مكتوبة أو سنة مؤكدة، أو وجد جماعةً قائمة، وكذا لو تذكر فائتةً مكتوبةً.. فإنه يبدأ بذلك، ويقدم على الطواف؛ كما ذكره في "شرح المهذب" عن الأصحاب 3.
والمرأة الجميلة أو الشريفة التي لا تبرز للرجال إذا قدمت نهارًا.. فإنها تؤخره إلى الليل، والخنثى كالأنثى.
ويستثنى أيضًا: ما إذا كان له عذر؛ فيبدأ بإزالته قبل الطواف، حكاه في "الكفاية" عن الماوردي، وفي "الأم": أنه لو دخل وقد مُنع الناس من الطواف.. صلى تحيةَ المسجد 4.
(ويختص طواف القدوم بحاجّ دخل مكة قبل الوقوف) لأن الحاجّ بعد الوقوف، والمعتمرَ قد دخل وقت طوافهما المفروض وخوطبا به؛ فلا يصحّ قبل أدائه أن يتطوعا بطواف؛ قياسًا على أصل الحجّ والعمرة.
وقضيته: أن غير المحرم إذا دخل مكة.. لا يُشرع له طواف قدوم، والذي في "الروضة" و"أصلها": أنه يأتي به كلّ من دخلها، سواء أكان تاجرًا أم حاجًّا أم غيرهما 5.
قال المنكت: وتعبير المصنف مقلوب، وصوابه: (ويختص حاجّ دخل مكة به)، فإن (الباء) تدخل على المقصود 6.
وَمَنْ قَصَدَ مَكَّةَ لَا لِنُسُكٍ.. اسْتُحِبَّ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ، إِلَّا أَنْ يَتكرَّرَ دُخُولُهُ كَحَطَّابٍ وَصَيَّادٍ.
فصلٌ [فيما يطلب في الطواف من واجبات وسنن]
لِلطَّوَافِ بِأَنْوَاعِهِ وَاجِبَاتٌ وَسُنَنٌ: أَمَّا الْوَاجبُ.. فَيُشْتَرَطُ: سَتْرُ الْعَوْرَةِ. وَطَهَارَةُ الْحَدَثِ وَالنَّجَسِ،
(ومن قصد مكة لا لنسك.. استُحب أن يُحرم بحجّ) إن كان في أشهره، ويمكنه إدراكه (أو عمرة) قياسًا على التحية، ولا يجب؛ لحديث المواقيت المارّ في بابه: " هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتىَ عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ" 1، فلو وجب بمجرد الدخول.. لما علق على الإرادة.
(وفي قول: يجب) لإطباق الناس عليه، والسنن يندر الاتفاق على العمل بها، وصححه جمع؛ منهم: المصنف في "نكت التنبيه".
(إلا أن يتكرر دخولُه، كحطّاب وصيّاد) ونحوهما؛ كبريدي، وراع، فلا يجب عليهم جزمًا؛ للمشقة، وقيل: على القولين، وقيل: إن قلنا: لا يجب على الحطّاب والصيّاد.. ففي البريدي وجهان.
ويستثنى من الوجوب أيضًا: العبد وإن أذن له سيدُه، والداخل من الحرم، والخائف من ظالم أو غريم يحبسه وهو معسر.
وحكمُ دخول الحرم كحكم دخول مكة.
(فصل: للطواف بأنواعه) وهي: طواف القدوم، وطواف الركن، وطواف الوداع، والطواف المنذور، والمتطوَّع به (واجباتٌ وسنن؛ أما الواجب 2.. فيشترط ستر العورة، وطهارة الحدث والنجَس) في الثوب والبدن والمكان؛ لأن
فَلَوْ أَحْدَثَ فِيهِ.. تَوَضَّأَ وَبَنَى، وَفِي قَوْلٍ: يَسْتَأْنِفُ. وَأَنْ يَجْعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، مُبْتَدِئًا بِالْحَجَرِ الأَسْوَدِ مُحَاذِيًا لَهُ فِي مُرُورِهِ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ،
الطواف بالبيت صلاة؛ كما نطق به الخبر، وفي "الصحيحين": (ولا يطوف بالبيت عُرْيان) 1.
قال في "شرح المهذب": (ومما عمت به البلوى غلبةُ النجاسة في موضع الطواف من الطير وغيره، واختار جماعة من المتأخرين المحققين المطلعين العفوَ عنها، قال: وينبغي أن يقال: يُعفى عمّا يشقّ الاحتراز عنه من ذلك) 2.
(فلو أحدث فيه.. توضأ وبنى، وفي قول: يَستأنف) وجه هذا: القياس على الصلاة، ووجه الأولى: أن الطواف يحتمل فيه ما لا يحتمل في الصلاة؛ كالفعل الكثير والكلام.
وكان الأحسن أن يقول: (تطهر) بدل (توضأ)؛ ليشمل الحدثين.
(وأن يجعل البيتَ عن يساره، مبتدئًا بالحجر الأسود مُحاذيًا له في مرورهِ بجميع بدنه) للاتباع؛ كما أخرجه مسلم 3.
قال في "شرح المهذب": وصفة المحاذاة: أن يَمرّ بجميع بدنه على جميع الحجر، وذلك بأن يستقبل البيتَ، ويقف على جانب الحجر الذي إلى جهة الركن اليماني، بحيث يصير جميعُ الحجر عن يمينه، ويصير منكبه الأيمنُ عند طرف الحجر الأيمن، ثم ينوي الطوافَ، ثم يمشي وهو مستقبل الحجر مارًّا إلى جهة يمينه حتى يجاوز الحجر، فإذا جاوزه.. انفتل وجعل يساره إلى البيت ويمينه إلى خارج، ولو فعل هذا من الأول، وترك استقبال الحجر.. جاز، ولكن فاتته الفضيلة 4.
واعلم: أن المحاذاة الواجبةَ تتعلق بالركن الذي فيه الحجر الأسودُ، لا بالحجر نفسه حتى لو نُحّي الحجر -والعياذ بالله- عن مكانه.. وجبت محاذاةُ الركن؛ كما قاله القاضي أبو الطيب.
فَلَوْ بَدَأَ بِغَيْرِ الْحَجَرِ.. لَمْ يُحْسَبْ، فَإِذَا انْتَهَى إِلَيْهِ.. ابْتَدَأَ مِنْهُ، وَلَوْ مَشَى عَلَى الشَّاذَرْوَانِ أَوْ مَسَّ الْجِدَارَ فِي مُوَازَاتِهِ، أَوْ دَخَلَ مِنْ إِحْدَى فَتْحَتَيِ الْحِجْرِ وَخَرَجَ مِنَ الأُخْرَى.. لَمْ تَصِحَّ طَوْفَتُهُ،
(فلو بدأ بغير الحجر) كما لو بدأ بالباب مثلًا (.. لم يُحسب) ما فعله حتى ينتهي إلى الحجر؛ لأن الترتيب قد فات، (فإذا انتهى إليه.. ابتدأ منه) وحسب له الطواف من حينئذ؛ كما لو قدم المتوضئ على غسل الوجه غسل عضو آخر.. فإنه يجعل الوجه ابتداء وضوئه.
(ولو مشى على الشاذَرْوان، أو مسَّ الجدار) أي: جدار البيت (في مُوازاته) أي: في موازاة الشاذَرْوان، (أو دخل من إحدى فتحتي الحِجر، وخرج من الأخرى.. لم تصحّ طَوْفته) لأن الطائف والحالة هذه طائفٌ في البيت لا بالبيت، والله تعالى يقول: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
واحترز بقيد الموازاة: عما لو مسَّ الجدار الذي في جهة الباب.
واعلم: أن للبيت أربعةَ أركان: اثنان يمانيان، أحدهما فيه الحَجَر بفتح (الحاء).
واثنان شاميان، والحِجر - بكسر (الحاء) - عندهما.
وسبب إخراج الشاذَرْوان والحجر عن بناء البيت: أن قريشًا لما أعادت بناءه.. قصرت بهم النفقة عن ذلك فتركوهما كذلك، لكن صحَّ أن ابن الزبير لمَّا بلغه حديث عائشة في إعادتها على ما كانت عليه: "لَوْلَا قُرْبُ عَهْدِهِمْ بِجَاهِلِيَّةٍ" 1.. قال: أنا اليوم أجد ما أنفق، ولست أخاف الناس، فهدمها وبناها على قواعد إبراهيم، وأدخل فيها الحِجر، وجعل لها بابين، ثم هدم الحجاج الشقّ الذي من ناحية الحِجر فقط؛ كما قاله الأزرقي وغيره 2، وأعاده على ما كان عليه في زمن قريش، والشقّ الآخر بناء ابن الزبير، قيل: إنه يظهر للرائي عند رفع الأستار، وقال بعضهم: فينبغي الصحة في الطواف على الشاذَرْوان، لا كما قال الأصحاب.
وَفِي مَسْأَلةِ الْمَسِّ وَجْهٌ. وَأَنْ يَطُوفَ سَبْعًا دَاخِلَ الْمَسْجدِ. وَأَمَّا السُّنَنُ: فَأَنْ يَطُوفَ مَاشِيًا. وَيَسْتَلِمَ الْحَجَرَ أَوَّلَ طَوَافِهِ وَيُقَبِّلَهُ، ويَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ،
(وفي مسألة المسِّ وجهٌ) أن طوافه يصحّ؛ لأن معظم بدنه خارجٌ، فيصدق أن يقال: إنه طائف بالبيت، ولأن العبرة بالقدمين لا باليد والرأس، ولهذا نفوا التحريمَ عن الجنب، ووجوب الكفارة على الحالف بفعله.
(وأن يطوف سبعًا داخلَ المسجد) للاتباع 1، فلا يصحّ حوله بالإجماع؛ كما نقله في "شرح المهذب" 2، ولو اتسع المسجد.. اتسع المطاف.
(وأما السنن: فأن يطوف ماشيًا) لا محمولًا على آدمي أو بهيمة أو نحوها؛ لمنافاته الخضوعَ، ولأن البهيمة قد تؤذي الناس، وتُلوِّث المسجدَ.
نعم؛ إن كان له عذر؛ من مرضٍ ونحوه.. فلا بأس، وكذلك إذا كان ممن يحتاج إلى ظهوره ليستفتى.
فإن طاف راكبًا بلا عذر.. جاز بلا كراهة؛ كما في "الشرح"، و"الروضة" عن الأصحاب، لكن في "الكفاية" عن الماوردي وغيره: الجزمُ بالكراهة، ونقله الرافعي في "شرح مسند الشافعي" عن نص "الأم"، وقال في "المهمات" إنه المعروف لأئمة المذهب، منهم: المصنف في "شرح المهذب"، وإن ما نقله الرافعي عن الأصحاب مردود 3، وقال الأَذْرَعي: إن المذهب: الكراهة بلا شك.
(ويستلمَ الحجر) أي: يلمسه بيده (أول طوافه ويُقبِّله) للاتباع، متفق عليه 4، ولا يستحب ذلك للنساء إلا عند خلو المطاف، (ويضعَ جبهته عليه) للاتباع؛ كما رواه البيهقي 5.
فَإِنْ عَجَزَ.. اسْتَلَمَ، فَإِنْ عَجَزَ.. أَشَارَ بِيَدِهِ،
وهذا الحكم إنما هو للركن حتى لو نُحّي الحجر -والعياذ بالله- استلم الركن الذي كان فيه، وقبله، وسجد عليه، حكاه في "شرح المهذب" عن الدارمي، وأقره 1.
وقضية كلام المصنف: اقتصار فعل ذلك على الحجر دون الركن الذي فيه، وهو ظاهر كلام الجمهور؛ كما قاله في "شرح المهذب" 2، وقال القاضي أبو الطيب: يستلم، ويقبل الركن الذي فيه الحجر أيضًا.
(فإن عَجَز) عن التقبيل؛ لمنع الزحمة منه (.. استلم) الحجر بيده أو بعصًا، ثم قبل ما استلم به؛ لما روى مسلم عن نافع قال: (رأيت ابن عمر يستلم الحجر بيده، ثم يقبل يده، ويقول: ما تركته منذ رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله) 3، وتقبيل ما استلم به صرَّح به ابن الصلاح في "مناسكه"، والمصنف في "شرح المهذب"، وهو ظاهر نصّ "الأم" 4.
وقضيته: استحباب ذلك، وإن آذى غيره بالزحام، وقد أطلق الأصحاب أنه لا يأتي به حينئذ، لكن قال الشافعي في "الأم": أحب الاستلام ما لم يؤذ غيره بالزحام إلا في ابتداء الطواف فأستحب له الاستلام وإن كان بالزحام، أو في آخر الطواف، ذكره في "شرح المهذب" 5.
(فإن عَجَز) عن الاستلام (.. أشار بيده) لما رواه البخاري عن ابن عباس، قال: (طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - بالبيت على بعير، كلّما أتى الركن.. أشار إليه بشيء عنده، وكبر) 6.
ولا يشير إلى القبلة بالفم؛ لأنه لم يُنقَل، وعنه احترز بقوله: (بيده) لكنه يوهم أنه لا يشير بما في يده، مع أنه يشير به؛ كما صرح به في "شرح المهذب"، ثم نبه
وَيُرَاعِي ذَلِكَ فِي كُلِّ طَوْفَةٍ، وَلَا يُقَبِّلُ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ وَلَا يَسْتَلِمُهُمَا. وَيَسْتَلِمَ الْيَمَانِيَّ وَلَا يُقَبِّلَهُ، وَأَنْ يَقُولَ أَوَّلَ طَوَافِهِ: (بِاسْمِ اللهِ وَاللهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ؛ إِيمَانًا بِكَ، وَتَصْدِيقًا بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمدٍ - صلى الله عليه وسلم -)،
على أنه يقبل ما أشار به 1.
(ويراعي ذلك في كلّ طَوْفة) لحديث ابن عباس المذكور 2.
(ولا يُقبِّل الركنين الشاميين، ولا يستلمُهما) لما في "الصحيحين" عن ابن عمر: (أنه عليه السلام كان لا يستلم إلا الحجر، والركن اليماني) 3.
(ويستلمَ اليماني) للحديث المذكور، وإذا لم يمكنه استلامُه.. فقال ابن أبي الصيف اليمني: لا يشير إليه، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: يشير إليه، قال المحب الطبري: وهو أوجه؛ لأنها بدل عنه؛ لترتبها عليه عند العجز في الحجر الأسود، فكذا هنا، (ولا يُقبلَه) لأنه لم ينقل.
نعم؛ يندب إذا استلم أن يقبل يده.
والسبب في اختلاف الأركان في هذه الأحكام: أن الركن الأسود فيه فضيلتان: كون الحجر فيه، وكونه على قواعد إبراهيم، ولليماني فضيلة واحدة، وهو كونه على قواعد إبراهيم، وأما الشاميان.. فليس لهما شيء من الفضيلتين.
والمراد بعدم تقبيل الأركان الثلاثة: إنما هو نفي كونه سنة؛ فإن قبلهن أو قبل غيرهن من البيت.. لم يكن مكروهًا، ولا خلاف الأولى، بل يكون حسنًا؛ كذا نقله في "الاستقصاء" عن نصِّ الشافعي، فقال: وأي البيت قبَّل.. فحسن، غير أنا نأمر بالاتباع.
(وأن يقول أول طوافه: "باسم الله والله أكبر، اللهم؛ إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -") قال الرافعي: روي ذلك عن عبد الله بن السائب - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه
وَلْيَقُلْ قُبَالَةَ الْبَابِ: (اللَّهُمَّ؛ الْبَيْتُ بَيْتُكَ، وَالْحَرَمُ حَرَمُكَ، وَالأَمْنُ أَمْنُكَ، وَهَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ النَّارِ)، وَبَيْنَ الْيَمَانِيَّيْنِ: (اللَّهُمَّ؛ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَة وَفِي الآخِرَةِ حَسَنةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)، وَلْيَدْعُ بِمَا شَاءَ، وَمَأْثُورُ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَهِيَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ مَأْثُورِهِ
وسلم، قال في "شرح المهذب": ويستحب هذا الدعاء في كلّ طوفة، لكنه في الأولى آكد 1.
وقوله: (اللهم؛ إيمانًا بك... ) إلى آخره؛ معناه: أفعله للإيمان، فهو مفعول له، والمراد بالعهد هنا: الميثاق الذي أخذه علينا؛ بامتثال أمره واجتناب نهيه.
(وليقل قُبالة الباب) أي: جهته ("اللهم؛ البيتُ بيتك، والحرمُ حرمك، والأمنُ أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار") هذا الدعاء ذكره الجويني، وقال: يشير بلفظه (هذا) إلى مقام إبراهيم، وقال غيره: يشير إلى نفسه؛ أي: هذا مقام الملتجئ المستعيذ بك من النار، قال الأَذْرَعي: وهذا أحسن.
(وبين اليمانيين: "اللهم؛ آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخره حسنة، وقنا عذاب النار") رواه أبو داوود، والنسائي، وابن حبان عن عبد الله بن السائب عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكن بلفظ: (ربنا) بدلًا عن (اللهم) 2، وبه عبر الرافعي في كتبه 3، فأبدله المصنف في "الروضة" و"المنهاج" بلفظ: (اللهم) 4، وهو غريب.
(وليدع بما شاء) قياسًا على الصلاة، ومحله: حيث لا إثم، (ومأثورُ الدعاء أفضلُ من القراءة) للتأسي، والمأثور: هو المنقول (وهي أفضل من غير مأثوره) لأن الموضع موضعُ ذكر، والقرآن أفضلُ الذكر؛ كما نقله الشيخ أبو حامد عن النصِّ.
وَأَنْ يَرْمُلَ فِي الأَشْوَاطِ الثَّلَاثَةِ الأُولَى؛ بِأنْ يُسْرِعَ مَشْيَهُ مُقَارِبًا خُطَاهُ، وَيَمْشِيَ فِي الْبَاقِي، وَيَخْتَصُّ الرَّمَلُ بِطَوَافٍ يَعْقُبُهُ سَعْيٌ، وَفِي قَوْلٍ: بِطَوَافِ الْقُدُومِ، وَلْيَقُلْ فِيهِ: (اللَّهُمَّ؛ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَسَعْيًا
(وأن يَرمُل في الأشواط الثلاثة الأولى) 1 مستوعبًا لها (بأن يُسرع مشيَه مقاربًا خطاه، ويمشيَ في الباقي) على هينته؛ للاتباع؛ كما رواه مسلم 2، ويكره تركه؛ كما نقله صاحب "التقريب" عن النصّ، ولو كان محمولًا أو راكبًا.. رَمَل به الحامل، وحرك هو الدابة على الأصحِّ.
ولو قال: (في الطوفات) بدل (الأشواط).. لكان أحسن؛ لأن الشافعي والأصحابَ كرهوا تسميته شوطًا؛ لأن الشوط هو الهلاك وإن كان المصنف اختار في "شرح المهذب" عدمَ الكراهة 3، لتعبير ابن عباس به في الصحيح 4.
(ويختص الرَّمَل بطواف يَعقُبه سعي، وفي قول: بطواف القدوم) أصل الخلاف: أن الطواف الذي رَمَلَ فيه - النبي صلى الله عليه وسلم - وجد فيه المعنيان: السعي بعده، وكونه للقدوم، فالقول الأول: ينظر إلى السعي، والثاني: ينظر إلى القدوم؛ لأنه أول العهد بالبيت، فيليق به النشاط والاهتزاز، وعلى القولين: لا يَرمُل في طواف الوداع؛ لانتفاء المعنيين، ويَرمُل من قدم مكة معتمرًا؛ لوجود المعنيين، وأما الحاج: فإن كان مكيًّا.. فيَرمُل على الأول دون الثاني، وإن كان آفاقيًّا.. فيَرمُل إن دخل مكة بعد الوقوف، وإن دخل قبله.. نظر؛ إن أراد السعي بعده.. رَمَل قطعًا، وإن أراد تأخيره.. رَمَل على الثاني دون الأول، بل يؤخره إلى طواف الإفاضة، وإذا طاف للقدوم وسعى بعده، ولم يَرمُل.. لم يقض الرَّمَل في طواف الإفاضة على الأصح.
(وليقل فيه) أي: في رَمَله ("اللهم؛ اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا
مَشْكُورًا). وَأَنْ يَضْطَبِعَ فِي جَمِيعِ كُلِّ طَوَافٍ يَرْمُلُ فِيهِ، وَكَذَا فِي السَّعْيِ عَلَى الصَّحِيحِ -وَهُوَ جَعْلُ وَسَطِ رِدَائِهِ تحْتَ مَنْكِبِهِ الأَيْمَنِ، وَطَرَفَيْهِ عَلَى الأَيْسَرِ-
مشكورًا") للاتباع؛ كما ذكره الرافعي 1، ولم يذكره البيهقي مع كثرة اطلاعه إلا من كلام الشافعي 2.
قال الإسنوي: وهذا إذا كان حاجًّا؛ أما المعتمر.. فالمناسب: أن يقول: (اللهم؛ اجعلها عمرةً مبرورة، أو نسكًا) ونحوه 3.
والمبرور: هو الذي لا تخالطه معصية، مأخوذ من البرّ، وهو الطاعة، وقيل: هو المتقبل.
وقوله: (وذنبًا مغفورًا) أي: اجعل ذنبي ذنبًا مغفورًا.
والسعي هو: العمل.
والمشكور: المتقبل.
وقيل: الذي يشكر عليه.
وسكت المصنف والرافعي عما يقول في الأربعة الأخيرة، ونصَّ الشافعي والأصحاب على أنه يستحب: أن يقول فيها: (رب؛ اغفر وارحم، وتجاوز عمّا تعلم؛ إنك أنت الأعزّ الأكرم، اللهم ربنا؛ آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار).
(وأن يضطبع في جميع كلّ طوافٍ يَرمُل فيه) للاتباع؛ كما رواه أبو داوود 4.
وقوله: (في جميع) أي: لا يختص بالثلاثة الأشواط الأُوَل؛ كالرمل، بل يسن في جميع السبعة.
(وكذا في السعي على الصحيح) لأنه قطع مسافة مأمور بتكررها سبعًا، فاستحب فيه الاضطباع؛ قياسًا على الطواف، والثاني: لا؛ لعدم وروده، ولا يندب الاضطباع في ركعتي الطواف على الأصحِّ؛ لأنه مكروه في الصلاة.
(وهو) أي: الاضطباع (جعلُ وَسَط ردائه تحت منكبه الأيمن، وطرفيه على الأيسر) ويدع منكبه الأيمن مكشوفًا؛ كدأب أهل الشطارة.
وَلَا تَرْمُلُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَضْطَبِعُ. وَأَنْ يَقْرُبَ مِنَ الْبَيْتِ، فَلَوْ فَاتَ الرَّمَلُ بالْقُرْبِ لِزَحْمَةٍ.. فالرَّمَلُ مَعَ بُعْدٍ أَوْلَى، إِلَّا أَنْ يَخَافَ صَدْمَ النِّسَاءِ.. فَالْقُرْبُ بِلَا رَمَل أوْلَى. وَأَنْ يُوَالِيَ طَوَافَهُ، وَيُصَلِّيَ بَعْدَهُ رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ،
والاضطباع: افتعال؛ مشتق من الضَّبْع -بإسكان الباء- وهو العضد.
و(وَسَط) هنا مفتوح (السين) على الأفصح.
(ولا تَرمُل المرأة ولا تضطبع) لأن بالرَّمَل تتبين أعضاؤها، وبالاضطباع ينكشف ما هو عورة منها، وليست من أهل الجلد، والخنثى فيه كالأنثى.
(وأن يقرب من البيت) قال أبو الحسن الزَّعْفَراني: والأفضل: أن يجعل بينه وبين البيت ثلاثَ خُطُوات؛ ليأمن الطواف على الشاذَرْوان، وقال المحب الطبري: كان الشاذَرْوان مُسطّحًا فاجتهدتُ في تسنيمه وفي تتميمه ذراعًا، فالأولى للطائف: الاحتياط، والإبعاد من البيت بقدر ذلك، وهذا كلّه خاصّ بالرجال، أما المرأة والخنثى.. فيكونان في حاشية المطاف، فإن طافا خاليين.. فكالرجل في استحباب القرب.
(فلو فات الرَّمَل بالقرب لزحمة.. فالرَّمَل مع بُعدٍ أولى) لأن القرب فضيلة تتعلق بموضع العبادة، والرملَ فضيلة تتعلق بنفس العبادة، والفضيلة المتعلقة بنفس العبادة أولى بالمحافظة، ألا ترى أن الصلاة بالجماعة في البيت أفضل من الانفراد بها في المسجد.
ومحل ما ذكره: إذا كان لا يرجو فرجة، فإن رجاها.. وقف ليَرمُل فيها؛ كما قيداه في "الروضة" و"أصلها" 1.
(إلا أن يخاف صَدْم النساء) بأن كُنَّ في حاشية المطاف (.. فالقرب بلا رَمَل أولى) محافظةً على الطهارة.
(وأن يوالي طوافه) خروجًا من الخلاف في وجوبه، (ويصليَ بعده ركعتين خلف المقام) للاتباع، متفق عليه 2.
يَقْرَأُ فِي الأُولَى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ: (الإِخْلَاصَ)، وَيَجْهَرُ لَيْلًا، وَفِي قَوْلٍ: تَجِبُ الْمُوَالَاةُ وَالصَّلَاةُ
قالا: فإن لم يصلّهما خلفه.. ففي الحجر، وإلا.. ففي المسجد، وإلا.. ففي أي موضع شاء من الحرم وغيره، ولو صلّى فريضة.. أجزأت عنهما؛ كتحية المسجد 1.
وكلام المصنف يشعر بأن فعلهما خلف المقام أفضلُ من فعلهما في الكعبة، قال الإسنوي: وفيه نظر يحتاج إلى نقل، وقد جزم المصنف وغيره في (أبواب الصلاة): بأن فعل النافلة في الكعبة أولى من فعلها في المسجد الحرام، وقال الشيخ عز الدين في "القواعد": بأن الصلاة عند البيت إلى وجهه أفضلُ من سائر الجهات.
انتهى 2.
ويمكن أن يقال: البابُ بابُ اتباع، وقد صحّ أنه - صلى الله عليه وسلم - صلاهما خلفه، وقال: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" 3.
(يقرأ في الأولى: " ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ "، وفي الثانية: "الإخلاص") للاتباع، كما رواه مسلم 4.
(ويجهرُ ليلًا) دون النهار؛ كالكسوف وغيره؛ كذا قاسه في "شرح المهذب" 5 تبعًا لغيره، وفيه نظر؛ لأن الجهر في الكسوف ونحوه؛ لتأكد الجماعة فيه؛ لمشابهته الفرض، بخلاف مسألتنا، وقد صحح المصنف في "الروضة" وغيرها: أن الأفضل في النوافل المفعولة ليلًا: التوسط بين الجهر والإسرار 6، وقد تقدم أن وقت الصبح وقت جهر، وإن كان من النهار.. فينبغي استثناؤه، وقال المحب الطبري: محل الجهر ليلًا: إذا خلا بنفسه، وإلا.. فالإسرار أولى؛ لئلا يشوش على غيره.
(وفي قول: تجب الموالاة والصلاة) لأنه عليه السلام أتى بهما، وقال: "خُذُوا
وَلَوْ حَمَلَ الْحَلَالُ مُحْرِمًا وَطَافَ بِهِ.. حُسِبَ لِلْمَحْمُولِ،
عنِّي مَنَاسِكَكُمْ" 1، والأصحُّ: استحبابهما.
أما الموالاة.. فقياسًا على الوضوء، والخلاف هنا هو الخلاف المذكور هناك؛ لأن كلّ واحد منهما عبادة يجوز أن يتخللها ما ليس منها، بخلاف الصلاة.
ومحل الخلاف: في التفريق الكثير بلا عذر، فإن فرَّق يسيرًا أو كثيرًا بعذر.. لم يضرّ؛ كالوضوء، قال الإمام: والكثير: هو ما يغلب على الظنّ بتركه ترك الطواف إما بالإضراب عنه، أو يظنّ أنه أتمه 2.
وأما الصلاة.. فللحديث المشهور: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ" 3، والقولان في وجوب ركعتي الطواف إذا كان الطواف فرضًا، فإن كان سنة.. فسنة قطعًا، وقيل: على القولين، وإذا قلنا بوجوبها.. فليست بركن، ولا شرط للطواف، فيصح بدونها.
وكلام المصنف قد يقتضي أن نيةَ الطواف لا تشترط، وهو الأصحُّ.
نعم؛ يشترط عدم الصارف إلى قصد آخر؛ كطلب غريم على الأصحِّ.
(ولو حمل الحلالُ مُحرمًا، وطاف به.. حُسب للمحمول) حيث يحسب له لو طاف بنفسه؛ كما لو طاف على بهيمة.
وإنما قيدت كلامه بقولي: (حيث يحسب له) ليتناول دخول وقته، واجتماع شرائطه.
قال ابن الرفعة: وهذا إذا لم ينو الحامل شيئًا، أو نواه للمحمول، أما لو نواه لنفسه.. فإما أن يقال: إنه يقع له فقط أو لهما، على الخلاف الآتي فيما إذا قصده المحرم لنفسه أو لهما 4.
قال السبكي: ومحله أيضًا: إذا لم يصرفه المحمول عن نفسه، أما لو صرفه أو لم ينوه، واشترطنا النيةَ.. وقع للحامل إذا نواه، ولو كان الحامل محدثًا.. فكالبهيمة.
وَكَذَا لَوْ حَمَلَهُ مُحْرِمٌ قَدْ طَافَ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِلَّا.. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ قَصَدَهُ لِلْمَحْمُولِ.. فَلَهُ، وَإِنْ قَصَدَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لَهُمَا.. فَلِلْحَامِلِ فَقَطْ.
فصلٌ [فيما يختم به الطواف]
يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بَعْدَ الطَّوَافِ وَصَلَاتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَابِ الصَّفَا
(وكذا لو حمله مُحرم قد طاف عن نفسه) الطواف الذي تضمنه الإحرام، وهو طواف القدوم والركن؛ لأنه لا طواف عليه إذن، فصار كالحلال، ويأتي فيه ما ذكرناه في الحلال.
ويلتحق بالحلال والطائف عن نفسه ما إذا لم يكن دخل وقت طوافه؛ كمحرم بحجّ حمل محرمًا بعمرة قبل انتصاف ليلة النحر.. فيكون الطواف هنا للمحمول؛ لأنه كالحلال.
(وإلا) أي: وإن لم يكن قد طاف عن نفسه وقد دخل وقت طوافه (.. فالأصح: أنه إن قصده للمحمول.. فله) خاصةً، ويكون الحامل كالدابة، وهذا مبني على ما مرَّ من اشتراط عدم صرف الطواف إلى غرض آخر، والثاني: للحامل خاصة؛ كما إذا أحرم عن غيره وعليه فرضه، وهو مبني على أنه لا يضرّ الصارف، والثالث: يقع لهما جميعًا؛ لأن أحدهما قد دار، والآخر قد دير به.
(وإن قصده لنفسه أو لهما.. فللحامل فقط) لأن الفعل صدر منه، ولم يصرفه عن نفسه، وقيل: يحصل لهما؛ لما ذكرناه من أن أحدهما قد دار، والآخر قد دير به، ولو لم يقصد شيئًا.. فكقصده نفسه أو كليهما.
ولو نوى كلّ واحد الطواف لنفسه.. ففيه ثلاثة أقوال: أصحها: يقع للحامل، والثاني: للمحمول، والثالث: لهما، ذكره في "شرح المهذب" 1.
(فصل: يستلم الحجر) ويقبله (بعد الطواف وصلاته، ثم يخرج من باب الصفا
لِلسَّعْيِ. وَشَرْطُهُ: أَنْ يَبْدَأَ بِالصَّفَا، وَأَنْ يَسْعَى سَبْعًا، ذَهَابُهُ مِنَ الصَّفَا إِلَى المَرْوَةِ مَرَّةٌ، وَعَوْدُهُ مِنْها إِلَيْهِ أُخْرَى، وَأَنْ يَسْعَى بَعْدَ طَوَافِ رُكْنٍ أَوْ قُدُومٍ بِحَيْثُ لَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُمَا الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ،
للسعي) للاتباع؛ كما رواه مسلم 1.
(وشرطه: أن يبدأ بالصفا) لأنه - صلى الله عليه وسلم - بدأ به، وقال: "ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ الله بِهِ" رواه النسائي عن جابر على شرط مسلم 2، وهو في "مسلم" لكن بلفظ: "أَبْدَأُ": على الخبر لا الأمر 3، فلو بدأ بالمروة وأكمل سبعًا.. بطلت المرة الأولى، ويكمل بأخرى.
(وأن يسعى سبعًا) للاتباع، متفق عليه 4، (ذهابُه من الصفا إلى المروة مرةٌ، وعودُه منها إليه أخرى) لأنه عليه السلام بدأ بالصفا، وختم بالمروة، ولا بدّ من استيعاب المسافة في كلّ مرة؛ بأن يلصق عقبه بأصل ما يذهب منه، ورؤوس أصابع رجليه بما يذهب إليه، والراكب يلصق حافر دابته، وروي عن أنس -رضي الله عنه- أنه -صلى الله عليه وسلم -قال: "إِنَّ الطَّوَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَعْدِلُ عِتْقَ سَبْعِينَ رَقَبَةً" 5.
ويشترط أيضًا: الترتيب بين السبع، فيبدأ في الثانية بالمروة، وفي الثالثة بالصفا، وهكذا إلى آخره، فلو عدل في عوده من المروة عن موضع السعي، وجعل طريقَه في المسجد أو غيره، وابتدأ المرةَ الثانية من الصفا أيضًا.. لم تُحسب له تلك المرة على الصحيح، قاله في "زيادة الروضة"، و"شرح المهذب" 6.
(وأن يسعى بعد طوافِ ركنٍ أو قدوم، بحيث لا يتخلل بينهما) أي: بين السعي وطواف القدوم (الوقوفُ بعرفة) لأنه الوارد من فعله عليه السلام.
وخرج: طواف الوداع، وطواف النفل؛ أما الوداع.. فلعدم تصور وقوعِ السعي
وَمَنْ سَعَى بَعْدَ قُدُومٍ.. لَمْ يُعِدْهُ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرْقَى عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَدْرَ قَامَةٍ، فَإِذَا رَقِيَ قَال: (اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ
بعده؛ لأنه إذا بقي السعي.. لم يكن المأتي به طوافَ وداع؛ كذا قاله الشيخان، ورده في "المهمات" بما فيه طول 1، وأما النفل فيما إذا أحرم المكي بالحجّ من مكة، ثم تنفل بالطواف، وأراد السعي بعده.. فصرح في "شرح المهذب" بمنعه 2، لكن جزم الطبري شارح "التنبيه" فيه بالإجزاء، ويوافقه قول ابن الرفعة: اتفقوا على أن مِنْ شرطه: أن يقع بعد طواف ولو نفلًا، إلا طواف الوداع.
(ومن سعى بعد قدوم.. لم يُعده) أي: لا يستحب له إعادتُه بعد طواف الإفاضة؛ لأن السعي ليس قربةً في نفسه؛ كالوقوف، بخلاف الطواف؛ فإنه عبادة يتقرب بها وحدَها، فإن أعاده.. فخلاف الأولى، وقيل: مكروه 3.
ويستثنى: ما لو سعى الصبي بعد القدوم، ثم بلغ بعرفة.. فإنه يعيده وجوبًا، وكذا إذا عَتَقَ العبد.
(ويستحب: أن يرقى على الصفا والمروة قدر قامة) للاتباع؛ كما رواه مسلم 4.
قال في "شرح المهذب": واعلم: أن بعض الدَّرَج مستحدث، فليحذر من تركها؛ فلا يصحّ سعيه 5.
واستحباب الرُّقِي خاصّ بالرجل، أما المرأة.. فلا تَرْقى؛ كذا ذكره في "التنبيه"، وأقره في "التصحيح"، و"الكفاية"، ولم يذكراه في "الشرح"، و"الروضة"، ولا في "شرح المهذب"، قال في "المهمات": ولا شكّ أن الخنثى كالمرأة 6.
(فإذا رقي.. قال) بعد استقبال القبلة؛ كما نصّ عليه ("الله أكبر الله أكبر الله
أَكْبَرُ وَللهِ الْحَمْدُ، اللهُ أَكْبَرُ عَلَى مَا هَدَانَا، وَالْحَمْدُ للهِ عَلَى مَا أَوْلَانَا، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيي وَيُمِيتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، ثُمَّ يَدْعُو بمَا شَاءَ دِينًا وَدُنْيَا. قُلْتُ: وَيُعِيدُ الذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ ثَانِيًا وَثَالِثًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَأَنْ يَمْشِيَ أَوَّلَ الْمَسْعَى وَآخِرَهُ وَيَعْدُوَ فِي الْوَسَطِ، وَمَوْضِعُ النَّوْعَيْنِ مَعْرُوفٌ
أكبر، ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كلّ شيء قدير") كذا رواه مسلم 1، لكن بزيادة فيه ونقص.
وقوله: (بيده الخير) لم يوجد في كتب الحديث، لكن ذكرها الشافعي في "الأم"، و"البويطي" 2.
(ثم يدعو بما شاء دينًا ودنيا، قلت: ويعيد الذكر والدعاءَ ثانيًا وثالثًا، والله أعلم) للاتباع 3، وقيل: لا يعيد الدعاءَ في المرة الثالثة، وبه جزم الرافعي 4، قال الأَذْرَعي: وينبغي أن يكون الدعاء بأمر الدين مندوبًا متأكدًا؛ للتأسي، وبأمر الدنيا مباحًا؛ كما سبق في (الصلاة).
(وأن يمشي أولَ المسعى وآخره) على هِينَته وسجيته (ويعدوَ في الوسط) أي: يسعى سعيًا شديدًا فوق الرَّمَل؛ كما قاله في "شرح المهذب" للاتباع 5.
(وموضعُ النوعين معروف) فالعَدْو يكون قبل وصوله إلى المِيل الأخضر المعلّق بركن المسجد بقدر ستة أذرع إلى أن يتوسط بين الميلين الأخضرين اللذين أحدهما في ركن المسجد، والآخر متصل بدار العباس -رضي الله عنه-، وما عدا ذلك فهو محلّ المشي، وهذا كلّه في الرجل، أما المرأة.. فتمشي في الكلّ، والخنثى كالأنثى.
وسكوت المصنف عن اشتراط الستر والطهارة يقتضي عدمَ وجوبهما في السعي،
فصلٌ [في الوقوف بعرفة]
يُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ أَوْ مَنْصُوبِهِ أَنْ يَخْطُبَ بِمَكَّةَ فِي سَابِعِ ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ خُطْبَةً فَرْدَةً، يَأْمُرُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ إِلَى مِنىً، وَيُعَلِّمُهُمْ مَا أَمَامَهُمْ مِنَ الْمَنَاسِكِ،
وهو الأصحُّ، قال في "شرح المهذب": بل ذلك مستحب 1، وظاهره: أن ستر العورة ليس بواجب، وفيه نظر.
(فصل: يستحب للإمام أو منصوبه: أن يَخطُب بمكة في سابع ذي الحجة بعد صلاة الظهر خطبةً فَردة، يأمر فيها بالغُدوّ إلى منىً، ويُعلّمهم ما أمامهم من المناسك) للاتباع؛ كما رواه البيهقي عن ابن عمر -رضي الله عنهما- بإسناد جيد 2.
وأفهم: أنهم لو توجهوا إلى الموقف قبلَ دخول مكة.. لا يستحب ذلك، وقال المحب الطبري: إنه يستحب لإمامهم أن يفعل كما يفعل بمكة، وهو غريب.
وذِكْر (الظهر) جريٌ على الغالب، فلو كان يوم جمعة.. خطب بعد صلاة الجمعة، ولا تكفي عنها خطبة الجمعة.
وتعبيره (بالغدوّ) يقتضي أن يكون خروجهم إلى منىً بكرةَ النهار قبل الزوال، فإن العرب تقول: الغدوّ لما قبل الزوال، والرواح لما بعده، وهو المرجّح في "الشرح"، و"الروضة" هنا، فقالا: المشهور: استحباب الخروج بعد الصبح بحيث يصلون الظهر بمنى 3، وقالا في الباب قبله في المتمتع الواجد للهدي: يستحب أن يحرم بالحجّ يوم التروية، وهو الثامن، ويتوجه بعد الزوال إلى منىً 4، قال في "المهمات": والفتوى على ما قالاه هنا؛ لتصريحهما بأنه المشهور 5.
وَيَخْرُجَ بِهِمْ مِنْ غَدٍ إِلَى مِنىً وَيَبِيتُوا بِهَا، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ.. قَصَدُوا عَرَفَاتٍ. قُلْتُ: وَلَا يَدْخُلُونَهَا بَلْ يُقِيمُونَ بِنَمِرَةَ بِقُرْبِ عَرَفَاتٍ حَتَّى تزولَ الشَّمْسُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ يَخْطُبَ الإِمَامُ بَعْدَ الزَّوَالِ خُطْبَتَيْنِ،
نعم؛ يستثنى من خروجهم بعد الصبح: ما إذا كان يوم جمعة؛ فإنهم يخرجون قبل الفجر على المشهور، كذا أطلقوه، قال السبكي: وهو محمول على من تلزمه الجمعة؛ كالمكي، والمقيم إقامة مؤثرة، أما حاجّ لم يقم بها الإقامة المؤثرة.. فله الخروج بعد الفجر.
قالا: ويأمر المتمتعين أن يطوفوا للوداع قبل الخروج 1، ولا معنى لتخصيص المتمتعين؛ فإن المكيَّ كالمتمتع، وقد نقل في "شرح المهذب" بعد ذلك أن الشافعي والأصحاب اتفقوا على أن من أحرم.. استُحب له طوافُ الوداع، قال: وهذا الطواف مستحب، وليس بواجب 2.
ولو توجهوا إلى الموقف قبل دخول مكة.. استُحب لإمامهم أن يفعل كما يفعل بمكة لو دخلها، قاله المحب الطبري.
(ويخرجَ بهم من غد إلى منىً ويبيتوا بها) ندبًا (فإذا طلعت الشمس) على ثبَير، وهو جبل هناك (.. قصدوا عرفات، قلت: ولا يدخلونها، بل يقيمون بنَمِرَةَ بقرب عرفات حتى تزول الشمس، والله أعلم) للاتباع؛ كما رواه مسلم في حديث جابر 3.
(ثم يخطبَ الإمام بعد الزوال خطبتين) بمسجد إبراهيم؛ للاتباع؛ كما رواه الشافعي من حديث جابر 4.
واقتصر المصنف على هذه الخطبة، والخطبة التي بمكة، ويستحب أيضًا ثالثة في يوم النحر بمنىً، ورابعة في الثاني من أيام التشريق بمنىً أيضًا، والكلّ فرادى بعد الصلاة إلا التي بنَمِرَةَ.
ثُمَّ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعًا، وَيَقِفُوا بعَرَفَةَ إِلَى الْغُرُوب، وَيَذْكُرُوا اللهَ تَعَالَى وَيَدْعُوهُ، وَيُكْثِرُوا التَّهْلِيلَ،
(ثم يصليَ بالناس الظهر والعصر جمعًا) للاتباع؛ كما رواه مسلم في حديث جابر 1، ويسرّ بالقراءة؛ لأن الأصل الإسرارُ، ولم يُنقل خلافُه، وهو جمع سفر لا نسك على الأصح، فلا يجوز للمقيم.
(ويقفوا) أي: الإمام والناس (بعرفة إلى الغروب) للاتباع 2، وعطف الوقوف على المستحبات؛ لقصد إدامةِ الوقوفِ إلى الغروب، ووجوبُ أصلِ الوقوف معلومٌ 3.
(ويذكروا الله تعالى، ويدعوه، ويكثروا التهليل) لقوله عليه السلام: "خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْم عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" رواه الترمذي، وحسنه مع الغرابة 4.
وفي "كتاب الدعوات" للمستغفري من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفوعًا: "مَنْ قَرَأَ (قل هو الله أحد) أَلْفَ مَرَّةٍ يَوْمَ عَرَفَةَ.. أُعْطِيَ مَا سَأَلَ" 5.
ويستحب: رفع اليدين في الدعاء، وأن يقف مستقبلَ القبلة، متطهرًا راكبًا عند الصخرات إلا المرأة، فقال الماوردي: تجلس في حاشية الموقف 6.
وليحسن الواقف الظنّ بالله تعالى، فقد نظر الفضيل بن عياض إلى بكاء الناس بعرفة، فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل، فسألوه دانقًا، أكان يردهم؟ فقالوا: لا والله، فقال: والله؛ لَلمغفرة عند الله أهونُ من إجابة رجل بدانق.
فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ.. قَصَدُوا مُزْدَلِفَةَ وَأَخَّرُوا الْمَغْرِبَ لِيُصَلُّوهَا مَعَ الْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ جَمْعًا. وَوَاجِبُ الْوُقُوفِ: حُضُورُهُ بِجُزْءٍ مِنْ أَرْضِ عَرَفَاتٍ، وَإِنْ كَانَ مَارًّا فِي طَلَبِ آبِقٍ وَنَحْوِهِ
(فإذا غربت الشمس.. قصدوا مزدلفة، وأخّروا المغربَ ليصلّوها مع العشاء بمزدلفة جمعًا) للاتباع، متفق عليه 1.
ويكون قبل حطّ الرحال إن تيسر؛ كما فعلت الصحابة -رضي الله عنهم-، وأطلق ذلك تبعًا للأكثرين، لكن نصّ الشافعي في "الأم"، و"الإملاء": على أنه لو خاف فوتَ وقت اختيار العشاء.. جمع بالناس في الطريق 2، وتابعه جماعات، قال في "شرح المهذب": ولعل إطلاق الأكثرين محمول عليه؛ ليتفق قولهم مع النصّ، وهذه الطائفة الكثيرة الكبيرة 3.
قال في "المهمات": ولا اعتبار مع نصّ صاحبنا بمخالفة غيره فضلًا عن إطلاقه 4، وهذا الجمع بسبب السفر لا النسك؛ كما تقدم في عرفة.
قال صاحب "الخصال": ويقول عند منصرفه من عرفة: (اللهم؛ إليك أقبلت، ومن عذابك أشفقت، اللهم؛ اقبل نسكي، وأعظم أجري)، وقال الإمام أحمد: إذا أفضت من عرفة.. فهلّل وكبّر ولبِّ، وقل: (اللهم؛ إليك أفضت، وإليك رغبت، ومنك رهبت؛ فاقبل نسكي، وأعظم أجري، وتقبل توبتي، وارحم تضرّعي، واستجب دعائي، وأعطني سؤلي).
(وواجب الوقوف: حضورُه بجزء من أرض عرفات) لقوله عليه السلام: "وَقَفْتُ ههنَا، وَعَرَفَاتٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ" رواه مسلم 5، وأما الدليل على وجوب الوقوف.
فسيأتي.
(وإن كان مارًّا في طلب آبق ونحوه) ولا يشترط المكث، ولا معرفة كونه بعرفة على الصحيح.
بِشَرْطِ كَوْنِهِ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ لَا مُغْمَىً عَلَيْهِ، وَلَا بَأْسَ بِالنَّوْمِ. وَوَقْتُ الْوُقُوفِ: مِنَ الزَّوَالِ يَوْمَ عَرَفَةَ،
وأشار بقوله: (في طلب آبق ونحوه) إلى أن صرفه إلى جهة أخرى لا يقدح، قال الإمام: ولم يذكروا فيه الخلافَ في صرف الطواف إلى جهة أخرى، ولعل الفرق: أن الطواف قربة مستقلة، بخلاف الوقوف، قال: ولا يمتنع طرد الخلاف فيه إذا صرف قصدًا عن جهة النسك، ولكن الظاهر: أنه لا يجزئ.
انتهى 1.
(بشرط كونه أهلًا للعبادة، لا مغمى عليه) لعدم أهليته لها، ولهذا لا يجزئه الصوم إذا أغمي عليه جميعَ النهار، وقيل: يجزئه؛ اكتفاءً بالحضور، ووقع في "الروضة"، و"شرح المهذب" أن الرافعي صحح هذا، ثم اعترض عليه، وصحح المنع، وتبعه ابن الرفعة 2 والقمولي، وهو سهو، والذي في الرافعي الجزم بعدم الإجزاء، ثم حكى وجهًا بأنه يجزئه 3، وكذا هو في "الشرح الصغير" أيضًا.
والسكران كالمغمى عليه، وقيل: إن تعدى بسكره.. لم يصحّ، وإلا.. فيصحّ، قاله في "شرح المهذب" 4، والمجنون أولى بعدم الإجزاء من المغمى عليه، وصرح به في "المحرر" 5.
ويشترط: الإفاقة أيضًا عند الإحرام، والطواف، والسعي، ولم يتعرضوا لحالة الحلق، قال الشيخان: وقياس كونه نسكًا: اشتراطُ الإفاقة عنده 6.
(ولا بأس بالنوم) المستغرق على الصحيح؛ لحضوره، وكما في (الصوم).
(ووقت الوقوف: من الزوال يوم عرفة) لأنه عليه السلام وقف بعده وقال: "خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ" 7، ولنا وجه: أنه يشترط كونه بعد الزوال، وبعد
والصَّحِيحُ: بَقَاؤُهُ إِلَى الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَلَوْ وَقَفَ نَهَارًا ثُمَّ فَارَقَ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَلَمْ يَعُدْ.. أَرَاقَ دَمًا اسْتِحْبابًا، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ،
مُضيّ إمكان صلاة الظهر.
قال ابن الملقن: وينبغي اعتبار مُضيّ الظهر والعصر جمعًا، وإمكان الخطبتين؛ تأسيًا؛ كما قالوا بمثله في دخول وقت الأضحية.
انتهى 1، وفيه نظر، فقد نقل ابن المنذر وابن عبد البر الإجماع على اعتبار الزوال لا غير؛ كما حكاه الأَذْرَعي.
(والصحيح: بقاؤه إلى الفجر يوم النحر) لقوله عليه السلام حين خرج للصلاة بمزدلفة: "مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذه الصلَاةَ، وَأَتىَ عَرَفَاتٍ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا.. فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تفثَهُ" رواه أصحاب السنن الأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان 2.
وقوله عليه السلام: "الْحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ جَاءَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ.. فَقَدْ أَدْرَكَ حَجَّهُ" صححه ابن حبان والحاكم 3.
والثاني: يخرج بالغروب؛ لعمل النبي -صلى الله عليه وسلم- والناس قاطبة على عدم الاقتصار على الليل، والثالث: إن أحرم نهارًا.. جاز الوقوف ليلًا، وإلا.. فلا.
(ولو وقف نهارًا، ثم فارق عرفة قبل الغروب، ولم يَعُد.. أراق دمًا استحبابًا) للحديث السالف: "فَقَدْ تمَّ حَجُّهُ" فلو وجب الدم.. لكان حجه ناقصًا محتاجًا إلى الجبر، (وفي قول: يجب) لأنه ترك نسكًا، وقد صحّ عن ابن عباس: (من ترك نسكًا.. فعليه دم) 4.
وَإِنْ عَادَ فَكَانَ بِهَا عِنْدَ الغُرُوبِ.. فَلَا دَمَ، وَكَذَا إِنْ عَادَ لَيْلًا فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ وَقَفُوا الْيَوْمَ الْعَاشِرَ غَلَطًا.. أَجْزَأَهُمْ، إِلَّا أَنْ يَقِلُّوا عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ فَيَقْضُون فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ وَقَفُوا فِي الثَّامِنِ وَعَلِمُوا قَبْلَ فوْتِ الْوَقْتِ.. وَجَبَ الْوُقُوفُ فِي الْوَقْتِ،
وأصل هذا الخلاف: أنه هل يجب الجمع بين الليل والنهار على من تمكن منه أم لا؟ فيه خلاف، وصحح ابنُ الصلاح الوجوبَ.
(وإن عاد فكان بها عند الغروب.. فلا دم) لأنه جمع بين الليل والنهار (وكذا إن عاد ليلًا في الأصح) لما قلناه، وصحح في "شرح المهذب" القطعَ به 1، والثاني: يجب؛ لأن الوارد هو الجمعُ بين آخر النهار وأول الليل، ولم يؤخر.
(ولو وقفوا اليوم العاشر غلطًا.. أجزأهم) بالإجماع؛ كما قاله في "شرح المهذب" 2؛ لأن في تكليف أهلِ الموقفِ القضاءَ مشقةً عظيمةً، ولأنهم لا يأمنون من وقوع مثله في القضاء.
وصور الرافعي المسألة بما إذا غمّ هلال ذي الحجة، فأكملوا عدة ذي القعدة ثلاثين، ثم قامت بينة إما بعد وقوفهم في العاشر، أو فيه على رؤيته ليلة الثلاثين 3، قال الإسنوي: وفي إطلاق الغلط على هذا التصوير نظرٌ، إنما هو جهل.
نعم؛ التعبير بالغلط يدخل فيه ما إذا وقع ذلك بسبب الحساب، مع أنه لا يجزئه بلا شك، وقد صرح الرافعي بذلك في الكلام على الغلط بالتقديم، فما اقتضاه كلام المصنف ليس الحكم فيه ذلك، وما الحكم فيه ذلك لا يقتضيه كلامه.
(إلا أن يَقِلُّوا على خلاف العادة، فيقضون في الأصح) لعدم المشقة العامة، والثاني: لا قضاء؛ لأنهم لا يأمنون مثلَه في القضاء.
(وإن وقفوا في الثامن، وعلموا قبل فوت الوقت.. وجب الوقوف في الوقت) تداركًا له.
وَإِنْ عَلِمُوا بَعْدَهُ.. وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي الأَصَحِّ.
فصلٌ [في المبيت بالمزدلفة والدفع منها]
وَيَبيتُونَ بِمُزْدَلِفَةَ، وَمَنْ دَفَعَ مِنْهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ أَوْ قَبْلَهُ وَعَادَ قَبْلَ الْفَجْرِ.. فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،
(وإن علموا بعده.. وجب القضاءُ في الأصح) أي: قضاء هذه الحجة في عام آخر، بخلاف الغلط في التأخير؛ لأن تأخير العبادة عن الوقت أقربُ إلى الاحتساب من تقديمها عليه، وأيضًا الغلط بالتقديم يمكن الاحترازُ عنه؛ فإنه إنما يقع لغلط في الحساب، أو لخلل في الشهود الذين شهدوا بتقديم الهلال، والغلطُ بالتأخير قد يكون بالغيم المانع من الرؤية، ومثل ذلك لا يمكن الاحترازُ عنه، والثاني: لا قضاء؛ كالغلط بالتأخير.
(فصل: ويبينون بمزدلفة) للاتباع؛ كما رواه مسلم 1، وهو واجب وليس بركن على الأصح فيهما، واختار السبكي أنه ركن، والمراد بالمبيت: المكث بها وإن لم ينم، ويحصل ذلك بساعة من النصف الثاني؛ كما نصّ عليه في "الأم"، ورجحه المصنف في كتبه، وفي قول: أنه لا بدّ من معظم الليل، وقال الرافعي: إنه الأظهر في الكلام على مبيت منى 2.
ويستحب: الإكثار في هذه الليلة من التلاوة والذكر والدعاء والصلاة.
(ومن دفع منها بعد نصف الليل أو قبله) بعذر أو غيره (وعاد قبل الفجر.. فلا شيء عليه) أما في الحالة الأولى.. فلأن سودة وأم سلمة أفاضتا في النصف الأخير بإذنه -صلى الله عليه وسلم-، ولم يأمرهما ولا من كان معهما بالدم 3، وأما في
وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا فِي النِّصْفِ الثَّانِي.. أَرَاقَ دَمًا، وَفِي وُجُوبِهِ الْقَوْلَانِ. وَيُسَنُّ تقدِيمُ النِّسَاءِ وَالضَّعَفَةِ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ إِلَى مِنىً، وَيَبْقَى غَيْرُهُمْ حَتَّى يُصَلُّوا الصُّبْحَ مُغَلِّسِينَ، ثُمَّ يَدْفَعُونَ إِلَى مِنىً
الثانية.. فكما لو دفع من عرفة قبل الغروب ثم عاد إليها قبل الفجر.
(ومن لم يكن بها في النصف الثاني.. أراق دمًا) سواء أكان بها في النصف الأول أم لا.
(وفي وجوبه القولان) المتقدمان في الفصل قبله فيما إذا فارق عرفة قبل الغروب ولم يعد؛ كذا قاله الرافعي، ومقتضاه: الاستحباب، لكن رجح المصنف فيما عدا "المنهاج" من كتبه الوجوب 1، وقال السبكي: إنه المنصوص والصحيح من جهة المذهب.
ومحل القولين: عند عدم العذر، أما المعذور بما سيأتي في مبيت منىً.. فلا دم عليه.
ومن المعذورين: مَنْ انتهى إلى عرفة ليلة النحر واشتغل بالوقوف عن مزدلفة.. فلا شيء عليه، وإنما يؤمر بالمبيت المتفرغون.
ولو أفاض من عرفة إلى مكة، وطاف للإفاضة بعد نصف الليل، وفات المبيت لذلك.. فعن القفال وصاحب "التقريب": أنه لا يلزمه شيء؛ تنزيلًا لاشتغاله بالطواف منزلةَ اشتغاله بالوقوف، وفيه احتمال للإمام؛ لعدم الضرورة إلى ذلك، قال ابن الملقن: وفي معناهم: المرأة تخاف أن تحيض، وهو متجه 2.
(ويسن تقديم النساء والضعفة بعد نصف الليل إلى منىً) ليرموا جمرة العقبة قبل زحمة الناس؛ لقول ابن عباس: (أنا ممن قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة المزدلفة في ضعفة أهله) متفق عليه 3.
(ويبقى غيرُهم حتى يصلّوا الصبح مُغَلِّسين، ثم يدفعون إلى منىً) للاتباع 4.
ويأْخُذُونَ مِن مُزْدَلِفة حَصَى الرَّمْيِ،
والتغليس هنا أشد استحبابًا من سائر الأيام، وينبغي الحرص على صلاة الصبح هناك؛ للخروج من الخلاف، فقد قال ابن حزم: فرض على الرجال أن يصلوا الصبح مع الإمام الذي يقيم الحجّ بمزدلفة، قال: ومن لم يفعل ذلك.. فلا حجّ له 1.
(ويأخذون من مزدلفة حصى الرمي) لأن بها جبلًا في أحجاره رَخاوة، وفي "صحيح مسلم": أنه -صلى الله عليه وسلم- لما دخل مُحسِّرًا.. قال: "عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ" 2، وهذا يدلّ على الأخذ من وادي مُحسِّر، وهو أول منىً.
وقضية كلامه: أخذ جميع ما يرمي به في الحجّ، وهو سبعون حصاة، وهو وجه جزم به في "التنبيه"، وأقرّه في "التصحيح"، وجرى عليه في منسكه المسمى بـ "الإيضاح" 3، لكن الأصح: استحباب الأخذ ليوم النحر خاصة، ونقله الرافعي عن الأكثرين، وقال في "شرح المهذب": إنه المشهور، والمنصوص في "الأم"، و"البويطي"، وبه أجاب الجمهور، قال: والأحوط: أن يزيد عليها، فربما سقط بعضها، قال الجمهور: ويأخذ الحصى ليلًا قبل أن يصلي الصبحَ، وقال البغوي: يؤخر أخذَها عن الصلاة، قال في "المهمات": وهو الصواب نقلًا ودليلًا؛ فقد رأيته منصوصًا عليه في "الأم"، و"الإملاء" 4.
ولو أخذ الحصى من غير مزدلفة.. جاز، لكن يكره من المسجد؛ لأنه فرشه، ومن الحُشِّ؛ لغلبة نجاسته، ومن المرمى؛ لما قيل: "إِنَّ مَنْ تُقُبِّلَ حَجُّهُ.. رُفِعَ حَجَرُهُ، وَمَا تَبَقَّى فَهُوَ مَرْدُودٌ" 5. كذا في "الشرح"، و"الروضة"، وزاد في
فَإِذَا بَلَغُوا الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ.. وَقَفُوا وَدَعَوْا إِلَى الإِسْفَارِ، ثُمَّ يَسِيرُونَ فَيَصِلُونَ مِنىً بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَيَرْمِي كُلُّ شَخْصٍ حِينَئِذٍ سَبع حَصَيَاتٍ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ،
"شرح المهذب": أنه يكره أخذه من الحلّ أيضًا 1.
وما ذكراه في كراهة أخذ حصى المسجد خالفه في "شرح المهذب" في (باب الغسل) فجزم بتحريم إخراج الحصى من المسجد، وهو الظاهر 2.
(فإذا بلغوا المشعر الحرامَ) وهو جبل صغير آخرَ مزدلفة، اسمه: قزح بضم القاف، وقيل: هو جميع مزدلفة، (.. وقفوا ودعوا إلى الإسفار) لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾، وليكثر من الدعاء والعتق والتقرب إلى الله تعالى، ذكره صاحب "الخصال"، قال: ويقول (هذا جمع، وأسألك أن ترزقني جوامعَ الخير كلّه إنك على كلّ شيء قدير، وأسألك الخير كلّه عاجله وآجله، اللهم، إن هذا المشعر الحرام فأغنني وأوسع علي من رزقك الحلال).
وهذا الوقوف مستحب، ولو وقف في موضع آخر من مزدلفة.. تأدى أصلُ السنة، وكذلك لو مرّ ولم يقف؛ كما حكاه في "شرح المهذب" عن القاضي الحسين 3.
(ثم يسيرون) بسكينة ووقار، وشعارهم التلبية والذكر، فإذا وجدوا فرجة.. أسرعوا، فإذا بلغوا وادي مُحسِّر -وهو مسيل ماء فاصل بين مزدلفة ومنى-.. أسرع الماشي، وحرك الراكبُ دابتَه حتى يقطعوا عرض الوادي؛ للاتباع 4.
وسببه: أن النصارى كانت تقف فيه، فأمرنا بمخالفتهم، ويُسمَّى وادي النار أيضًا، يقال: إن رجلًا صاد فيه صيدًا، فنزلت عليه نار فأحرقته.
(فيَصِلون منىً بعد طلوع الشمس، فيرمي كلّ شخص حينئذ سبع حصيات إلى جمرة العقبة) للاتباع؛ كما رواه مسلم 5، وهو تحية منىً، ولا يبدأ فيها بغيره.