بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 203-243

وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا وَقَالَ الأَجْنَبِيُّ: (هُوَ مُبْطِلٌ فِي إِنْكَارِهِ).. فَهُوَ شِرَاءُ مَغْصُوبٍ، فَيُفَرَّقُ بَيْنَ قُدْرَتهِ عَلَى انْتِزَاعِهِ وَعَدَمِهَا، وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: (هُوَ مُبْطِلٌ).. لَغَا الصُّلْحُ.

فَصْلٌ [في التزاحم على الحقوق المشتركة]

الطَّرِيقُ النَّافِذُ لَا يُتَصَرَّفُ فِيهِ بِمَا يَضُرُّ الْمَارَّةَ، وَلَا يُشْرَعُ فِيهِ جَنَاح وَلَا سَابَاطٌ يَضُرُّهُمْ، بَلْ يُشْتَرَطُ ارْتِفَاعُهُ بِحَيْثُ يَمُرُّ تَحْتة مُنْتَصِبًا.

(وإن كان منكرًا وقال الأجنبي: "هو مبطل في إنكاره".. فهو شعراء مغصوب، فيُفرَّق بين قدرته على انتزاعه وعدمها) أي: عدم القدرة؛ لما سبق في البيع، وصورة المسألة في العين كما مرَّ.
(وإن لم يقل: "هو مبطل".. لغا الصلح) لأنه اشترى منه ما لم يثبت ملكه له.

(فصل: الطريق النافذ لا يُتصرف فيه بما يضرُّ المارة) لأن الحق فيه ليس للمتصرف خاصة بل للمسلمين كافة.
(ولا يُشرع فيه جناحٌ، ولا ساباطٌ يضرُّهم) لما تقدم، قال في "زيادة الروضة": فإن فعله.. هدم 1، والجناح: هو الخارج من الخشب، والساباط: سقيفة بين حائطين تحتها طريق.
(بل يشترط ارتفاعُه بحيت يمر تحته) الماشي (منتنصبًا) واعتبر الماوردي مع هذا أن يكون على رأسه الحمولة العالية 2، وقال في "المطلب": إنه الأشبه.
ويشترط أيضًا: ألا يؤثر في إظلام الموضع على الأصح.
ومحل الجواز: للمسلم، أما الكافر: فليس له الإشراع إلى شوارع المسلمين على الصحيح في زوائد "الروضة"؛ لأنه كإعلاء البناء على المسلم وأبلغ 3.

وَإِنْ كَانَ مَمَرَّ الْفُرْسَانِ وَالْقَوَافِلِ.. فَلْيَرْفَعْهُ بِحَيْثُ يَمُرُّ تَحْتَهُ الْمَحْمِلُ عَلَى الْبَعِيرِ مَعَ أَخْشَابِ الْمِظَلَّةِ. وَيَحْرُمُ الصُّلْحُ عَلَى إِشْرَاعِ الْجَنَاحِ، وَأَنْ يَبْنِيَ فِي الطَّرِيقِ دَكَّةً، أَوْ يَغْرِسَ شَجَرَةً، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَضُّرَّ.. جَازَ. وَغَيْرُ النَّافِذِ يَحْرُمُ الإِشْرَاعُ إِلَيْهِ لِغَيْرِ أَهْلِهِ، وَكَذَا لِبَعْضِ أَهْلِهِ فِي الأَصَحِّ إِلَّا بِرِضَا الْبَاقِينَ، وَأَهْلُهُ: مَنْ نَفَذَ بَابُ دَارهِ إِلَيْهِ، لَا مَنْ لَاصقَهُ جِدَارُهُ، وَهَلِ الاسْتِحْقَاقُ فِي كُلِّهَا لِكُلِّهِمْ، أَمْ تَخْتَصُّ شِرْكَةُ كُلِّ وَاحِدٍ بِمَا بَيْنَ رَأْسِ الدَّرْبِ وَبَابِ دَارِهِ؟ وَجْهَانِ، أَصحُّهُمَا: الثَّانِي

(وإن كان ممرَّ الفرسان والقوافل.. فليرفعه بحيث يمرُّ تحته المَحمِل على البعير مع أخشاب المظلَّة) لأنه قد يتفق ذلك وإن كان نادرًا.
(ويحرم الصلح على إشراع الجناح) لأن الهواء تابعٌ لا يُفرَد بالعقد؛ كالحمل مع الأم.
(وأن يبني في الطريق دَكَّة، أو يَغرِس شجرة) لمنع الطروق في ذلك المحلِّ، (وقيل: إن لم يضرَّ.. جاز) كإشراع الجناح، والدكة بفتح الدال: المسطبة.
(وغير النافذ يحرم الإشراع) أي: إشراع الجناح (إليه لغير أهله) جبرًا وإن لم يضرهم؛ لأنه ملكهم فأشبه الإشراع إلى الدور.
(وكذا لبعض أهله في الأصحِّ) كسائر الأملاك المشتركة، والثاني: يجوز إذا لم يضرَّ؛ لأن كلَّ واحد منهم يجوز له الانتفاع بقراره، فيجوز بهوائه؛ كالشارع.
(إلا برضا الباقين) فيجوز ضرَّ أم لا؛ لأنه ملكهم، هذا إذا رضوا مجانًا، ولا يجوز بأجرة؛ لما مرَّ في الشارع، ويشترط مع إذن أهله: إذن المستأجر إن تضرر؛ كما نقله في "الكفاية" عن أبي الفضل التميمي 1. (وأهلُه) أي: أهل غير النافذ (مَنْ نفذ باب داره إليه، لا من لاصقه جدارُه) من غير باب؛ لأنه العرف.
(وهل الاستحقاق في كلِّها لكلِّهم، أم تختص شِرْكة كلِّ واحد بما بين رأس الدَّرْب وباب داره؟ وجهان، أصحهما: الثاني) لأن هذا القدر محلُّ تردده ومروره، وما عداه حكمُه فيه حكمُ غير أهل السكة.

وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمْ فَتْحُ بَابٍ إِلَيْهِ للاسْتِطْرَاقِ، وَلَهُ فَتْحُهُ إِذَا سَمَّرَهُ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ لَهُ فِيهِ بَابٌ فَفَتَحَ آخَرَ أَبْعَدَ مِنْ رَأْسِ الدَّرْبِ.. فَلِشُرَكَائِهِ مَنْعُهُ،

ووجه الأول: أنهم ربما احتاجوا إلى التردد، والارتفاق بجميعه لطرح الأثقال عند الإدخال والإخراج.
وكان ينبغي أن يقول: (في كله) كما في غيره مما قدمه؛ فإنه عائد على غير النافذ وهو مذكر، وقد أتى في "المحرر" بجميع الضمائر مؤنثة؛ لكونه عبر أولًا بالسكة 1. ولما عبر المصنف بغير النافذ.. عدل عن تأنيث الضمائر إلى تذكيرها، إلا أنه لم يذكر هذه اللفظة، فتابع "المحرر" عليها.
وقوله: (لكلهم) كان الأولى أن يقول: (لكل منهم) فإنه لا نزاع في استحقاق كلِّها لكلِّهم؛ يعني: مجموعهم؛ فإن الكلَّ يطلق على الكلِّ المجموعي والكلِّ التفصيلي.
(وليس لغيرهم فتح باب إليه للاستطراق) لتضررهم، فإن أذنوا.. جاز ولهم الرجوع ولو بعد الفتح.
(وله فتحه إذا سَمَّره في الأصحِّ) لأن له رفعَ الجدار فبعضه أولى، والثاني: لا؛ لأنه يستدل به فيما بعد على استحقاق المرور، وقال في "زيادة الروضة": إنه الأفقه، ولم يصرح الرافعي في "الشرحين" بترجيح 2. (ومن له فيه باب ففتح آخر أبعدَ من رأس الدرب) من بابه الأصلي (.. فلشركائه منعُه) أي: لكلٍّ منهم ذلك؛ لتضررهم، وسواء سدَّ الأول أم أبقاه.
وكلامه يوهم: أن للجميع المنعَ؛ لأنهم شركاؤه، وليس كذلك، بل المنع لمن بابه أبعدُ من الباب الأول الذي للفاتح، ولا يثبت لمن بابه أقربُ على الأصح؛ بناء على كيفية الشركة.

وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى رَأْسِهِ وَلَمْ يَسُدَّ الْبَابَ الْقَدِيمَ.. فَكَذَلِكَ، وَإِنْ سَدَّهُ.. فَلَا مَنع. وَمَنْ لَهُ دَارَانِ تُفْتَحَانِ إِلَى دَرْبَيْنِ مَسْدُودَيْنِ، أَوْ مَسْدُودٍ وَشَارِعٍ، فَفَتَحَ بَابًا بَيْنَهُمَا.. لَمْ يُمْنَعْ فِي الأَصحِّ. وَحَيْثُ مُنِعَ فَتْحَ الْبَابِ فَصَالَحَهُ أَهْلُ الدَّرْبِ بِمَالٍ.. صحَّ. وَيَجُوزُ فَتْحُ الْكَوَّاتِ.

(وإن كان أقرب إلى رأسه، ولم يسدَّ الباب القديم.. فكذلك) لأن انضمام الثاني إلى الأول يورث زحمةَ الناس، وكثرة وقوف الدواب، فيتضررون به، (وإن سدَّه.. فلا منع) لأنه ترك بعض حقه.
(ومن له داران تُفتحان إلى دربين مسدودين، أو مسدودٍ وشارع، ففتح بابًا بينهما.. لم يُمنع في الأصحِّ) لأنه يستحق المرور في السكة، ورفع الحائل بين الدارين تصرف مصادف للملك فلم يُمنع منه، والثاني: يمنع، ونقله في "زيادة الروضة" عن الجمهور 1؛ لإحداث ما لم يكن، وسواء في جريان الخلاف سدّ باب أحدهما أم لا.
نعم؛ محله: إذا قصد بالفتح الاستطراق، فإن قصد به اتساعَ ملكه أو نحوه.. فلا منع قطعًا.
وقوله: (مسدودين، أو مسدود وشارع) كان الأولى أن يقول: (مملوكين، أو مملوك وشارع)؛ لأنه لا يلزم من السدِّ الملك؛ بدليل ما لو كان في أقصاه مسجد أو نحوه.
(وحيث مُنع فتح الباب فصالحه أهل الدرب بمال.. صحَّ) لأنه انتفاع بالأرض، بخلاف إشراع الجناح؛ لأنه هناك بذل مال في مقابلة الهواء المجرد.
ومحل الجواز: إذا صالحوا على الاستطراق، أما مجرد الفتح بلا استطراق.. فلا يصحُّ الصلح عنه بمال قطعًا.
(ويجوز فتح الكَوَّات) لأنه تصرف في ملكه، وقيد صاحب "الشافي" ذلك بما إذا كانت عالية لا يقع النظر فيها على دار جاره؛ لكن صرح الشيخ أبو حامد بخلافه، وهو قضية إطلاق الشيخين.

وَالْجِدَارُ بَيْنَ الْمَالِكَيْنِ قَدْ يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدُهُمَا، وَقَدْ يَشْتَرِكَانِ فِيهِ: فَالْمُخْتَصُّ: لَيْسَ لِلآخَرِ وَضْعُ الجُذُوعِ عَلَيْهِ فِي الْجَدِيدِ، وَلَا يُجْبَرُ الْمَالِكُ،

والكوات: بفتح الكاف، وقيل: بضمها، وتشديد الواو جمع كوة، وهي فتح في الحائط لأجل الضوء غالبًا.
(والجدار بين المالكين قد يختصُّ به أحدهما، وقد يشتركان فيه، فالمختصُّ ليس للآخر وضعُ الجذوع عليه) بغير إذن (في الجديد، ولا يُجبَر المالك) على الجديد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَا يَحِلُّ لامْرِئٍ مِنْ مَالِ أَخِيهِ إِلَّا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ" رواه الحاكم من حديث ابن عباس بإسناد على شرط الصحيح 1. وقياسًا على سائر أمواله، ونقله البغوي في "شرح السنة" عن أكثر أهل العلم 2. والقديم -ونصّ عليه في "البويطي" أيضًا-: أنه يجوز له وضعها من غير إذنه، وليس له منعه؛ لحديث أبي هريرة: "لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَهُ فِي جدَارِهِ"، ثم يقول أبو هريرة: (ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم) أي: لأضعن هذه السنة بين أظهركم، متفق عليه 3. وقال البيهقي: (لم نجد في السنن ما يعارض هذا الحديث، ولا تصحُّ معارضتُه بالعمومات، ولا عذر لأحد في مخالفته، وقد نصَّ الشافعي في القديم والجديد على القول به) 4. وأجاب الأصحاب عن الحديث: بأن الضمير في (جداره) لصاحب الخشب؛ أي: لا يمنعه الجار أن يضع خشبه على جدار نفسه وإن تضرر به من جهة منع الضوء والهواء، ورؤية الأماكن المستطرفة والمُنِيرة على خلاف ما يقوله مالك من المنع في كثير من هذه الحالات، قال الإسنوي: ويتأيد بأنه القياس الفقهي، والقاعدة النحوية؛ فإنه أقرب من الأول، فوجب عود الضمير إليه 5.

فَلَوْ رَضِيَ بِلَا عِوَضٍ.. فَهُوَ إِعَارَةٌ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْبنَاءِ عَلَيْهِ، وَكَذَا بَعْدَهُ فِي الأَصحِّ، وَفَائِدَةُ الرُّجُوع: تَخْيِيرُهُ بَيْنَ أَنْ يُبْقِيَهُ بِأُجْرَةٍ أَوْ يَقْلَعَ وَيَغْرَمَ أَرْشَ نَقْصِهِ، وَقِيلَ: فَائِدَتُهُ: طَلَبُ الأُجْرَةِ فَقَطْ. وَلَوْ رَضِيَ بِوَضْعِ الْجُذُوعِ وَالْبنَاءِ عَلَيْهَا بِعِوَضٍ، فَإِنْ أَجَّرَ رَأْسَ الْجِدَارِ لِلْبنَاءِ.. فَهُوَ إِجَارَةٌ، وَإِنْ قَالَ: (بِعْثُهُ لِلْبِنَاءِ عَلَيْهِ)، أَوْ (بِعْتُ حَقَّ الْبِنَاءِ عَلَيْهِ).. فَالأَصحُّ: أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ فِيهِ شَوْبُ بَيعٍ وَإِجَارَةٍ،

وللقديم شروط: ألا يحتاج مالكه إلى وضع جذوعه عليه، وألا يزيد في ارتفاع الجدار، ولا يبني عليه أزَجًا، ولا يضع عليه ما يضره، وأن تكون الأرض له، نصّ عليه، وألا يملك شيئًا من جُدران البقعة التي يسقفها، أو لا يملك إلا جدارًا واحدًا، فإن ملك جدارين.. فليسقف عليهما، ولا فرق على القديم بين أن يحتاج إلى فتح شيء في الحائط ليدخل فيه الجذوع أم لا، صرح به الماوردي، وابن الصباغ، وغيرهما.
(فلو رضي) على الجديد (بلا عوض.. فهو إعارة) لصدق حدِّها عليه (له الرجوعُ قبل البناء عليه، وكذا بعده في الأصحِّ) كسائر العواري، والثاني: لا؛ كما لو أعار للدفن.
(وفائدة الرجوع: تخييره بين أن يُبقيه بأجرة أو تقلع ويَغرم أرش نقصه) أي: ما بين قيمته قائمًا ومقلوعًا؛ كما لو أعار أرضًا للبناء، (وقيل: فائدته: طلب الأجرة فقط) لأن ضرر القلع يصل إلى ما هو خالص ملك المستعير، فإن الجذوع إذا ارتفعت أطرافُها من جدار.. لا تبقى على الجدار الآخر.
(ولو رضي بوضح الجذوع والبناء عليها بعوض، فإن أَجَّر رأس الجدار للبناء.. فهو إجارة) كسائر الأعيان التي تستأجر للمنافع، لكن لا يشترط فيها بيانُ المدة في الأصح؛ لأنه عقد يَرِدُ على منفعة، وتدعو الحاجة إلى دوامه، فلم يشترط فيه التأقيت، كالنكاح 1. (وإن قال: "بعته للبناء عليه"، أو "بعت حقَّ البناء عليه".. فالأصحُّ: أن هذا العقد فيه شَوْب بيع) لكونه مؤبدًا (وإجارةٍ) لكونه على منفعة، إذ لا يملك المشتري

فَإِذَا بَنَى.. فَلَيْسَ لِمَالِكِ الْجِدَارِ نَقْضُهُ بِحَالٍ. وَلَوِ انْهَدَمَ الْجِدَارُ فَأَعَادَهُ مَالِكُهُ.. فَلِلْمُشْتَرِي إِعَادَةُ الْبنَاءِ. وَسَوَاءٌ كَانَ الإِذْنُ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِهِ يُشْتَرَطُ بَيَانُ قَدْرِ الْمَوْضِعِ الْمَبْنِيِّ عَلَيْهِ طُولًا وَعَرْضًا، وَسَمْكِ الْجُدْرَانِ، وَكَيْفِيَّتِهَا، وَكَيْفِيَّةِ السَّقْفِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا

فيها عينًا، والثاني: أنه إجارة، واغتفر فيها التأبيد للحاجة، والثالث: أنه بيع يملك به المشتري رأسَ الجدار، حتى لو انهدم الجدار ثم أعيد.. عاد حقُّه.
واحترز بقوله: (للبناء عليه) عما إذا باعه وشرط ألا يبني عليه.. فإنه جائز قطعًا، وينتفع به بما عدا البناء من المكث عليه وغيره، وكذا إذا باعه ولم يتعرض للبناء بالكلية على الأصح، ذكره الماوردي.
(فإذا بنى) بعد قوله: (بعته للبناء)، أو (بعت حقَّ البناء عليه) (.. فليس لمالك الجدار نقضُه بحال) أي: نقض بناء المشتري، لا مجانًا ولا مع إعطاء الأرش؛ لأنه استحق دوام البناء بعقد لازم، وسكت الشيخان عن تمكين البائع من هدم حائط نفسه، ومن منع المشتري أن يبني إذا لم يكن قد بنى، قال الإسنوي: ولا شك أنه لا يُمكَّن منهما.
(ولو انهدم الجدار فأعاده مالكه.. فللمشتري إعادة البناء) بتلك الآلات وبمثلها؛ لأنه حقٌّ ثبت له.
(وسواء كان الإذن) في وضع البناء (بعوض أو بغيره يشترط بيان قدر الموضع المبني عليه، طولًا وعرضًا، وسمكِ الجُدران، وكيفيتِها) أهي مجوفة أو منضدة، من حجر أو غيره.
(وكيفيةِ السقف المحمول عليها) هل هو من خشب أو أزج، وهو العقد؛ لأن الغرض يختلف بذلك، ولا يشترط ذكر الوزن في الأصح، ولو حضرت الآلات.. كفى عن وصفها.
والسمك بفتح السين: الارتفاع إذا أخذت من أسفل فصاعدًا، فإن عكست.. سمي عُمقًا بضم العين المهملة.
والطول: عبارة عن امتداده من زاوية البيت إلى زاوية أخرى مثلًا، والعَرْض: هو البعد الثالث.

وَلَوْ أَذِنَ فِي الْبِنَاءِ عَلَى أَرْضهِ.. كَفَى بَيَانُ قَدْرِ مَحَلِّ الْبِنَاءِ. وَأَمَّا الْجِدَارُ الْمُشْتَرَكُ: فَلَيْسَ لأحَدِهِمَا وَضْعُ جُذُوعِهِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ إِذْنٍ فِي الْجَدِيدِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتِدَ فِيهِ وَتِدًا أَوْ يَفْتَحَ كُوَّةً بِلَا إِذْنٍ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَيْهِ وَيَسْنِدَ مَتَاعًا لَا يَضُرُّ، وَلَهُ ذَلِكَ فِي جِدَارِ الأَجْنَبِيِّ، وَلَيْسَ لَهُ إِجْبَارُ شَرِيكِهِ عَلَى الْعِمَارَةِ فِي الْجَدِيدِ. فَإِنْ أَرَادَ إِعَادَةَ مُنْهَدِمٍ بِآلَةٍ لِنَفْسِهِ.. لَمْ يُمْنَعْ، وَيَكُونُ الْمُعَادُ مِلْكَهُ؛ يَضَحُ عَلَيْهِ مَا شَاءَ وَيَنْقُضُهُ إِذَا شَاءَ.

(ولو أذن في البناء على أرضه.. كفى بيان قدر محلِّ البناء) لأن الأرض تحمل كلَّ شيء، فلا يختلف الغرض إلا بقدر محلِّ البناء، قال السبكي: وينبغي اشتراط بيان قدر ما يحفر من الأساس؛ لأن الغرض يختلف به.
(وأما الجدار المشترك.. فليس لأحدهما وضعُ جذوعه عليه بغير إذن في الجديد) هذان القولان هما السابقان في جدار الأجنبي، وقد سبق توجيههما.
(وليس له أن يَتِدَ فيه وَتدًا، أو يَفتح كُوَّة بلا إذن) ولا أن يَتْرَب الكتابَ بترابه؛ كغيره من المشتركات.
(وله أن يستند إليه، ويَسند متاعًا لا يضرُّ، وله ذلك في جدار الأجنبي) لأنه لا ضرر فيه.
وقوله: (لا يضر) ليس في "المحرر" 1، ولا بدَّ منه.
(وليس له إجبارُ شريكه على العمارة في الجديد) كما لا يجبر على زراعة الأرض المشتركة، والقديم -ونصّ عليه في "البويطي"-: الإجبار؛ صيانةً للأملاك المشتركة عن التعطيل، وصححه جماعة، وأفتى به ابن الصلاح، واختار الغزالي في "الفتاوى": أن القاضي يلاحظ أحوالَ المتخاصمين، فإن ظهر له أن الامتناع لغرض صحيح، أو شكّ في أمره.. لم يجبره، وإن علم أنه عناد.. أجبره 2. (فإن أراد) الشريك (إعادةَ منهدمٍ بآلة لنفسه.. لم يُمنع) ليصل إلى حقِّه.
(ويكون المعاد ملكَه؛ يضع عليه ما شاء، ويَنُقضه إذا شاء) لأنه لا حقَّ لغيره فيه.

وَلَوْ قَالَ الآخَرُ: (لَا تنقُضْهُ وَأَغْرَمُ لَكَ حِصَّتِي).. لَمْ تلزَمْهُ إِجَابَتُهُ. وَإِنْ أَرَادَ إِعَادَتَهُ بِنُقْضِهِ الْمُشْتَرَكِ.. فَلِلآخَرِ مَنْعُهُ. وَلَوْ تَعَاوَنَا عَلَى إِعَادَتِهِ بِنُقْضِهِ.. عَادَ مُشْتَرَكًا كَمَا كَانَ. وَلَوِ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا وَشَرَطَ لَهُ الآخَرُ زِيَادَةً.. جَازَ وَكَانَتْ فِي مُقَابَلَةِ عَمَلِهِ فِي نَصِيبِ الآخَرِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُصَالِحَ عَلَى إِجْرَاءِ الْمَاءِ وَإِلْقَاءِ الثَّلْجِ فِي مِلْكِهِ عَلَى مَالٍ. وَلَوْ تنَازَعَا جِدَارًا بَيْنَ مِلْكَيْهِمَا؛ فَإِنِ اتَّصَلَ بِبِنَاءِ أَحَدِهِمَا بِحَيْثُ يُعْلَمُ أَنَّهُمَا بَنَيَا

(ولو قال الآخر: "لا تَنقُضه وأَغرم لك حصتي".. لم تلزمه إجابتُه) على الجديد؛ كما لا يلزمه ابتداءُ العمارة.
(وإن أراد إعادته بنقْضِه المشترك.. فللآخر منعه) كسائر الأعيان المشتركة، وقيل: ليس له المنع، وادعى الإمام اتفاق الأصحاب عليه، وجزم به في "التنبيه" 1، وقال في "المطلب": إنه الأشبه.
(ولو تعاونا على إعادته بنُقْضه.. عاد مشتركًا كما كان) لتساويهما في العمل والجدار، فلو شرط لأحدهما زيادة.. لم يصحَّ على الصحيح.
(ولو انفرد أحدهما) بإعادته بالنقض المشترك (وشرط له الآخرُ زيادة.. جاز، وكانت في مقابلة عمله في نصيب الآخر) هذا إذا جعل له الزيادة في الحال، فإن شرطها بعد البناء.. لم يصحَّ؛ لأن الأعيان لا تؤجل، قاله الإمام وتبعاه 2. (ويجوز أن يصالح على إجراء الماء، وإلقاء الثلج في ملكه على مال) كحقِّ البناء، وقد أطلق الماء، والمراد به: الحاصل على سطحه من المطر إذا لم يكن له مصرفٌ إلى الطريق إلا بمروره على سطح جاره، أو المجلوب من نهر ونحوه إلى أرضه.
فأما غسالة الثياب والأواني.. فلا يجوز الصلح على إجرائها على مال؛ كما في "الشرح"، و"الروضة" لأنه مجهول، والحاجة لا تدعو إلى تجويزه 3. (ولو تنازعا جدارًا بين ملكيهما؛ فإن اتصل ببناء أحدهما لحيث يُعلم أنهما بنيا

مَعًا.. فَلَهُ الْيَدُ، وَإِلَّا.. فَلَهُمَا. فَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا بَيِّنَةً.. قُضِيَ لَهُ، وَإِلَّا.. حَلَفَا، فَإِنْ حَلَفَا أَوْ نَكَلَا.. جُعِلَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا.. قُضِيَ لَهُ،

معًا) كما لو كان عليه أزج لا يتصور إحداثُه بعد تمام الجدار؛ بأن أُميل من مبتدأ ارتفاعه عن الأرض (.. فله اليد) لأن اتصاله أمارة ظاهرة على يده، فيحلف ويحكم له به، إلا أن تقوم بينة بخلافه.
(وإلا.. فلهما) أي: وإن لم يحصل الاتصالُ المذكور؛ بأن كان منفصلًا عنهما، أو متصلًا بهما مطلقًا، أو بأحدهما اتصالًا يمكن إحداثُه.. فاليد لهما؛ لعدم المرجح.
وأفهم: أنه لا يحصل الترجيح بغير ذلك.
قال الشافعي: (ولا أنظر إلى من إليه الدواخل والخوارج، وأنصاف اللَّبن ولا معاقد القُمُط) 1. (فإن أقام أحدهما بينة.. قُضي له) لأن البينة مقدمة على اليد.
(وإلا) أي: وإن لم يُقم أحدُهما بينة، أو أقامها كلٌّ منهما (.. حلفا) أي: حلف كلٌّ لصاحبه على النصف الذي يسلم له على الأصح؛ لأن كلَّ واحد منهما مدعى عليه، ويده على النصف فالقول قوله فيه؛ كالعين الكاملة، وقيل: يحلف على الجميع؛ لأنه يدعيه.
(فإن حلفا أو نكلا.. جُعل بينهما) لظاهر اليد (وإن حلف أحدهما) ونكل الآخر (.. قضي له) بالكلِّ إذا حلف يمينَ الردِّ.

وَلَوْ كَانَ لِأحَدِهِمَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ.. لَمْ يُرَجَّحْ. وَالسَّقْفُ بَيْنَ عُلْوِهِ وَسُفْلِ غَيْرِهِ كَجِدَارٍ بَيْنَ مِلْكَيْنِ، فَيُنْظَرُ: أَيُمْكِنُ إِحْدَاثُهُ بَعْدَ الْعُلْوِ.. فَيَكُونَ فِي يَدِهِمَا، أَوْ لَا.. فَلِصَاحِبِ السُّفْلِ؟

(ولو كان لأحدهما عليه جذوع.. لم يُرجَّح) لأن وضعها قد يكون بإعارة أو إجارة أو بيع، أو بقضاء قاض يرى الإجبارَ على الوضع، فلا يُترَك المُحقَّق بالمحتمل.
(والسقف بين عُلْوه وسفل غيره كجدار بين مِلكين، فينظر: أيمكن إحداثُه بعد العلو) بأن يكون السقف عاليًا، فينقب وسط الحائط، ويوضع رأس الجذوع في النقب، ويوضع عليها ألواح أو غيرها، فيصير البيت الواحد بيتين (.. فيكونَ في يدهما) لاشتراكهما في الانتفاع به، فإنه أرض لصاحب العلو، وساتر لصاحب السفل.
(أو لا) يمكن إحداثه؛ كالأزج الذي لا يمكن عقده على وسط الجدار بعد امتداده في العلو (.. فلصاحب السفل) لاتصاله ببنائه.

بابُ الحَوالة يُشْتَرَطُ لَهَا: رِضَا الْمُحِيلِ وَالْمُحْتَالِ، لَا الْمُحَالِ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ. وَلَا تَصحُّ عَلَى مَنْ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: تَصحُّ بِرِضَاهُ.

﴿باب الحوالة﴾ هي بفتح الحاء، وحكي كسرُها، وهي في اللغة: الانتقال؛ من قولهم: (حال عن العهد) إذا انتقل عنه، وفي الاصطلاح: تطلق على شيئين: أحدهما: انتقال الدين من ذمة إلى ذمة، الثاني: العقد الذي يحصل به الانتقالُ، وهذا هو غالب استعمال الفقهاء، وهي مجمع عليها.
والأصح: أنها بيع، فكأن المحيل باع المحتال مالَه في ذمة المحال عليه بما للمحتال في ذمته، وقيل: هي استيفاء، وصححه السبكي، وفسر الشيخان الاستيفاء: بأن المحتال كأنه استوفى ما على المحيل، وأقرضه المحال عليه 1. وإذا قلنا: إنها بيع.. فالأصح: أنها بيع دين بدين جوز للحاجة، وقيل: بيع عين بعين، وقيل: بيع عين بدين.
(يشترط لها رضا المحيل) لأن الحقَّ في ذمته مرسل، فلا يتعين قضاؤه في محلٍّ معين؛ كما لو طلب منه الوفاء من كيس بعينه.
(والمحتال) لأن حقَّه في ذمة المحيل، فلا ينتقل إلى غيره إلا برضاه، لأن الذمم تتفاوت، وطريق الوقوف على تراضيهما إنما هو الإيجاب والقبول على ما مرَّ في البيع، ويعتبر في المحيل والمحتال أهلية التصرف كسائر المعاملات.
(لا المحال عليه في الأصحِّ) لأن الحقَّ للمحيل، فله أن يستوفي بنفسه وبغيره؛ كما له أن يوكل، ولأن المحال عليه محلُّ التصرف فأشبه العبد المبيع، والثاني: يشترط؛ لأنه أحدُ أركان الحوالة؛ كالمحيل والمحتال.
(ولا تصحُّ على من لا دين عليه) بناء على أنها بيع؛ لأنه ليس على المحال عليه شيء يجعله عوضًا عن حقِّ المحتال، (وقيل: تصحُّ برضاه) بناء على أنها استيفاء؛

وَتَصِحُّ بِالدَّيْنِ اللَّازِمِ، وَعَلَيْهِ الْمِثْلِيُّ، وَكَذَا الْمُتَقَوِّمُ فِي الأَصَحِّ، وَبِالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَعَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ.

فكأن المحتال أخذ حقَّه ممن عليه، وأقرضه من المحال عليه.
(وتصحُّ بالدين اللازم، وعليه) سواء اتفق الدينان في سبب الوجوب أو اختلفا؛ كأن كان أحدهما ثمنًا، والآخر قرضًا؛ لما سلف من الأدلة.
قال في "الروضة": وكان ينبغي وصف الدين بالاستقرار؛ ليخرج دين السلم فإنه لازم، ولا تصحُّ الحوالة به، ولا عليه في الأصحِّ 1. قال الإسنوي: لكن الأجرة قبل مضي المدة غيرُ مستقرة، وكذلك الصداق قبل الدخول، والموت، والثمن قبل قبض المبيع، ومع ذلك تصحُّ الحوالة بها وعليها، فضرر هذه الزيادة أكثر من نفعها، قال: فالأحسن: التعبير باللزوم، ويزاد لإخراج السلم: يصحُّ الاستبدال عنه؛ كما عبر به في "الكفاية" 2. (المثلي) كالنقدين والحبوب، (وكذا المتقوم) بكسر الواو (في الأصحِّ) كالثياب والعبيد؛ لثبوتهما في الذمة بعقد السلم، والثاني: لا تصحُّ في المتقوم؛ لأن المقصود من الحوالة إيصال الحقِّ إلى مستحقه من غير تفاوت، ولا يتحقق فيما لا مثل له.
(وبالثمن في مدة الخيار) أي: بأن يُحيل المشتري البائعَ على إنسان، (وعليه) أي: بأن يُحيل البائع إنسانًا على المشتري (في الأصحِّ) لأنه صائر إلى اللزوم، والجواز عارض فيه، والثاني: لا تصحُّ به، ولا عليه؛ لعدم اللزوم.
ويستثنى من الثمن: الربويات ورأس مال السلم، فلا تصحُّ الحوالة به، ولا عليه على الصحيح.
واحترز بقوله: (في مدة الخيار) عما إذا أحال به بعد انقضائه، وقبل قبض المبيع.. فإنها جائزة قطعًا؛ كما هو المشهور.

والأَصَحُّ: صِحَّةُ حَوَالَةِ الْمُكَاتَبِ سَيِّدَهُ بَالنُّجُومِ، دُونَ حَوَالَةِ السَّيِّدِ عَلَيْهِ. وَيُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِمَا يُحَالُ بِهِ وَعَلَيْهِ قَدْرًا وَصِفَةً، وَفِي قَوْلٍ: تَصِحُّ بِإِبلِ الدِّيَةِ وَعَلَيْهَا.

(والأصحُّ: صحة حوالة المكاتب سيدَه بالنجوم، دون حوالة السيد عليه) لاستقرار ما أحال به المكاتب دون عكسه، إذ له إسقاطها متى شاء، فلا يمكن إلزامُه الدفعَ للمحتال، والثاني: المنع فيهما، أما عليه.. فلما مرَّ، وأما منه.. فبناء على أنها بيع، والاعتياض عن نجوم الكتابة غير صحيح، والثالث: الصحة فيهما، أما منه.. فلما مرَّ، وأما عليه.. فبناء على أنها استيفاء.
وإطلاق الشيخين يقتضي: أنه لا فرق بين النجوم الحالة والمؤجلة، وفي "الكفاية" عن المَحاملي والجرجاني: تخصيص الجواز بما بعد الحلول دون ما قبله 1. واحترز المصنف بالنجوم: عما إذا كان للسيد عليه دين معاملة، وأحال عليه.. فإن الأصحَّ في "أصل الروضة": الصحة، ولا نظر إلى سقوطه بالتعجيز 2. (ويشترط العلم) من كلٍّ منهما (بما يحال به وعليه قدرًا وصفة) أي: الصفة المعتبرة في السلم؛ كما قاله في "الكفاية" 3؛ لأن المجهول لا يصحُّ بيعه ولا استيفاؤه، وسكت عن الجنس، لأنه يستغنى عنه بالصفة.
(وفي قول: تصحُّ بإبل الدية وعليها) الخلاف مبني على جواز الاعتياض عنها، والأصحُّ: المنع؛ للجهل بصفاتها، وصور المصنف في "نكت التنبيه" المسألة: بأن يجني رجل على رجل مُوضحةً، ثم يجني المجني عليه على آخر مُوضحةً، فيجب عليه خمس من الإبل، فيحيل المجني عليه أولًا، وهو الجاني ثانيًا المجنيَّ عليه ثانيًا على الجاني أولًا بالخمس من الإبل.

وَيُشْتَرَطُ تَسَاوِيهِمَا جِنْسًا وَقَدْرًا، وَكَذَا حُلُولًا وَأَجَلًا وَصِحَّةً وَكَسْرًا فِي الأَصَحِّ. وَيَبْرَأُ بالْحَوَالَةِ الْمُحِيلُ عَنْ دَيْنِ الْمُحْتَالِ، وَالْمُحَالُ عَلَيْهِ عَنْ دَيْنِ الْمُحِيلِ، وَيَتَحَوَّلُ حَقُّ الْمُحْتَالِ إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَالِ عَلَيْهِ. فَإِنْ تَعَذَّرَ بِفَلَسٍ أَوْ جَحْدٍ وَحَلِفٍ وَنَحْوِهِمَا.. لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُحِيلِ،

(ويشترط تساويهما جنسًا وقدرًا) فلا تصحُّ بالدراهم على الدنانير وعكسه، ولا بخمسة على عشرة وعكسه، لأنها معاوضة إرفاق ومسامحة للحاجة، فاشترط فيها التجانس والتساوي؛ كالقرض، ولو جوزت.. لصار المطلوب منها الفضل، فتخرج عن موضوعها.
(وكذا حلولًا وأجلًا وصحة وكسرًا في الأصحِّ) إلحاقًا لتفاوت الوصف بتفاوت القدر، والثاني: إن كان النفع فيه للمحتال.. جاز، وإلا.. فلا.
فيحيل بالمؤجل والمكسر على الحالّ والصحيح، وبأبعد الأجلين على الأقرب، بخلاف العكس في الجميع، وكأنه تبرع بالزيادة، وانقلب في "الروضة" بعض هذه الأمثلة، فقال: بالصحيح على المكسر، وبالجيد على الرديء 1، والصواب: ما ذكرناه.
(ويبرأ بالحوالة المحيل عن دين المحتال، والمحال عليه عن دين المحيل، ويتحول حقُّ المحتال إلى ذمة المحال عليه) بالإجماع؛ كما قاله الماوردي 2؛ لأن هذا كلَّه فائدة الحوالة.
وقوله: (ويتحول) قد يفهم أن الدين لا ينتقل بصفته من رهن أو كفيل، بل مجردًا عنهما، ويبرأ الكفيل، وينفك الرهن، لأن الرهن والكفيل ليسا من حقِّ المحتال، وهو كذلك، فقد صرح الرافعي في (باب الضمان) في أول الباب الثاني في حكم الضمان الصحيح ببراءة الضامن 3، وصرح المتولي بانفكاك الرهن؛ كما نقله عنه السبكي وأقره، وأفتى البارزي با لانتقال فيهما، واعتُرض.
(فإن تعذر بفَلَس أو جَحْد وحَلِف ونحوهما.. لم يرجع على المحيل) كما لو

فَلَوْ كَانَ مُفْلِسًا عِنْدَ الْحَوَالَةِ وَجَهِلَهُ الْمُحْتَالُ.. فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَقِيلَ: لَهُ الرُّجُوعُ إِنْ شَرَطَا يَسَارَهُ. وَلَوْ أَحَالَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، فَرُدَّ الْمَبِيعُ بِعَيْبٍ.. بَطَلَتْ فِي الأَظْهَرِ، أَوِ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ فَوُجِدَ الرَّدُّ.. لَمْ تبطُلْ عَلَى الْمَذْهَبِ.

اعتاض عن دينه شيئًا وقبضه فتلف في يده، فلو شرط الرجوع عليه بذلك.. فثلاثة أوجه بلا ترجيح في "الرافعي".
ثالثها: تصحُّ الحوالة دون الشرط 1. وقوله: (ونحوهما) هو من زيادات "الكتاب" على كتب الرافعي، وعلى "الروضة" أيضًا، وأشار به إلى التعذر بامتناعه وشوكته، أو بموته موسرًا بعد موت البينة.
(فلو كان مفلسًا عند الحوالة وجهله المحتال.. فلا رجوع له) لأنه مقصر بترك الفحص.
(وقيل: له الرجوع إن شرطا يساره) كما لو شرط كون العبد كاتبًا فأخلف.
ورُدَّ: بأنه لو ثبت الرجوع عند الشرط.. لثبت عند عدمه؛ لأنه نقص.
(ولو أحال المشتري) البائع (بالثمن، فرُدَّ المبيع بعيب) أو بإقالة، أو تحالف (.. بطلت في الأظهر) لأنه إحالة بالثمن.
فإذا انفسخ العقد.. خرج المحال به عن أن يكون ثمنًا، وسقط حقُّ العاقد، فبطلت.
والثاني: لا تبطل؛ كما لو استبدل عن الثمن ثوبًا، ثم ردَّ المبيع بعيب.. فإنه يرجع بمثل الثمن، ولا يبطل الاستبدال على الأصح.
والخلاف جار سواء ردَّ بعد قبض المبيع أم قبله، وسواء كان الردُّ بعد قبض المحتال مالَ الحوالة، أم قبله على الأصح.
(أو) أحال (البائع بالثمن) رجلًا على المشتري (فوجد الردُ.. لم تبطل على المذهب) لتعلق الحقِّ بثالث، وهو الذي انتقل إليه الثمن فلم يبطل حقُّه بفسخ

وَلَوْ بَاعَ عَبْدًا وَأَحَالَ بِثَمَنِهِ، ثُمَّ اتَّفَقَ الْمُتبَايِعَانِ وَالْمُحْتَالُ عَلَى حُرِّيَّتِهِ، أَوْ ثَبَتَتْ بِبيِّنَةٍ.. بَطَلَتِ الْحَوَالَةُ،

المتعاقدين؛ كما لو تصرف البائع في الثمن ثم ردَّ المشتري ما اشتراه بعيب.. فإن تصرفه لا يبطل.
والطريق الثاني: طرد القولين في المسألة قبلها.
وعلى الأول: إن كان قبض المحتال من المشتري.. رجع المشتري على البائع، وإلا فهل يرجع عليه أم لا يرجع إلا بعد القبض؟ فيه وجهان.
وقضية كلامهما: ترجيح عدم الرجوع، والأصحُّ في "الكفاية": مقابله 1. (ولو باع عبدًا وأحال بتمنه، ثم اتفق المتبايعان والمحتال على حريته، أو ثبتت ببينة.. بطلت الحوالة) لأنه بأن أن لا ثمن حتى يحال به، وكذا كلّ ما يمنع صحة البيع؛ ككونه مستحقًا.
والمراد بالبطلان هنا: عدم الصحة؛ لأن الحوالة لم تتقدمها صحة، بخلاف البطلان في الردِّ بالعيب ونحوه؛ فإنه بطريق الانفساخ، وهذه البينة قد تشَهد حسبةً، وقد يقيمها العبد، ولا يتصور أن يقيمها واحد من المتبايعين؛ لأنهما كذّباها بالدخول في البيع، كذا جزما به في "الشرح الصغير"، و"الروضة" هنا، ونقله في "الكبير" عن البغوي والروياني" وأقره 2. وهو صريح في أن الإقدام على البيع مانعٌ من سماع الدعوى والبينة، وقد ذكرا في (كتاب الدعاوى) ما يخالفه 3.

وَإِنْ كَذَّبَهُمَا الْمُحْتَالُ وَلَا بَيِّنَةَ.. حَلَّفَاهُ عَلَى نَفْي الْعِلْمِ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَالَ مِنَ الْمُشْتَرِي. وَلَوْ قَالَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ: (وَكَّلْتُكَ لِتَقْبضَ لِي)، وَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ: (أَحَلْتَنِي)، أَوْ قَالَ: (أَرَدْتُ بِقَوْلِي: "أَحَلْتُكَ" الْوَكَالَةَ)، وَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ: (بَلْ أَرَدْتَ الْحَوَالَةَ).. صُدِّقَ الْمُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ بِيَمِينِهِ، وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ وَجْهٌ.

(وإن كذبهما المحتال ولا بينة.. حلَّفاه على نفي العلم) بحريته؛ لأن هذه قاعدةُ الحلف على النفي الذي لا يتعلق به.
(ثم يأخذ المالَ من المشتري) لبقاء الحوالة.
وهل يرجع المشتري على البائع؟ فيه وجهان.
وقضية كلام الشيخين: ترجيح الرجوع، وقال في "المطلب": إنه الحقُّ.
(ولو قال المستحَق عليه: "وكلتك لتقبض لي"، وقال المستحِق: "أحلتني"، أو قال: "أردت بقولي: أحلتك الوكالةَ"، وقال المستحِق: "بل أردتَ الحوالة".. صدق المستحَق عليه بيمينه).
صورة المسألة الأولى: ألا يتفقا على لفظ، بل قال المستحق عليه: (صدر مني لفظ الوكالة)، فقال المستحق: (إنما صدر منك لفظ الحوالة).
أو يتفقا على لفظ محتمل، ويختلفا في المراد منه؛ كقوله: (اقبض)، وإنما صدقنا المستحق عليه؛ لأن الأصل: استمرارُ حقِّه على من عليه، وأيضًا فهو في التصوير الثاني: أعرف بنيته.
وصورة الثانية: أن يتفقا على لفظ الحوالة، ويختلفا في المراد تفريعًا على المشهور في صحة الوكالة بلفظ الحوالة.
ووجه تصديق المستحق عليه: ما مرَّ من العمل بالأصل، ومن كونه أعرف بقصده.
قال في "المطلب": وعلى التعليلين يتخرج ما إذا لم تكن له نية، ولم أر فيه نقلًا.
(وفي الصورة الثانية وجه) أن المصدق المستحق؛ لأن ظاهر اللفظ يوافقه.

وَإِنْ قَالَ: (أَحَلْتُكَ)، فَقَالَ: (وَكَّلْتَنِي).. صُدِّقَ الثَّانِي بِيَمِينِهِ.

ومحل الخلاف: ما إذا قال: (أحلتك بمئة على زيد)، ونحو ذلك.
فلو قال: (أحلتك بالمئة التي لك بالمئة التي لي على زيد).. فالقول قول المستحق قطعًا، قاله الشيخان؛ لأنه لا يحتمل غير الحوالة 1. (وإن قال: "أحلتك"، فقال: "وكلتني".. صدق الثاني بيمينه) لأن الأصل بقاءُ حقِّ المستحق في ذمته، ويظهر هذا عند إفلاس المحال عليه 2.

بابُ الضَّمان شَرْطُ الضَّامِنِ: الرُّشْدُ، وَضَمَانُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ كَشِرَائِهِ. وَضَمَانُ عَبْدٍ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ بَاطِلٌ في الأَصحِّ،

﴿باب الضمان﴾ هو عبارة عن الالتزام إما لما ثبت في ذمة الغير من المال، وإما لإحضار من عليه حقٌّ لآدمي، ويطلق أيضًا: على العقد الذي يحصل به الالتزام.
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الزَّعِيُم غَارِمٌ" صححه ابن حبان 1، وانعقد الإجماع عليه في الجملة.
(شرط الضامن: الرشد) لأنه تصرف في المال؛ فلا يصحُّ ضمان صبي ومجنون وسفيه؛ لعدم رشدهم.
ويرد على طرده: المكره والمكاتب بغير إذن سيده.. فلا يصحُّ ضمانهما مع كونهما رشيدين؛ لأن الرشد صلاح الدين والمال، فكان ينبغي أن يزيد الاختيار وأهلية التبرع.
ويرد على عكسه: السكران المتعدي بسكره، ومن سفه بعد رشده ولم يحجر عليه.. فإنه يصحُّ ضمانهما، وليسا برشيدين.
(وضمان محجور عليه بفَلَس كشرائه) بثمن في الذمة، والأصح: صحته، كما سبق، ويطالب به إذا انفك الحجر وأيسر.
(وضمان عبد بغير إذن سيّده باطلٌ في الأصحِّ) ولو كان مأذونًا؛ كنكاحه، والتاني: يصحُّ، ويتبع به إذا عتق وأيسر؛ إذ لا ضرر على سيده؛ كما لو أقر بإتلاف مال وكذّبه السيد.
وقوله: (عبد): قد يخرج المبعض إذا كان بينه وبين السيد مهايأة؛ فإن ضمانه

وَيَصحُّ بِإِذْنِهِ، فَإِنْ عَيَّنَ لِلأَدَاءِ كَسْبَهُ أَوْ غَيْرَهُ.. قُضِيَ مِنْهُ، وَإِلَّا.. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ.. تَعَلَّقَ بِمَا فِي يَدِهِ وَمَا يَكْسِبُهُ بَعْدَ الإِذْنِ، وَإِلَّا.. فَبِمَا يَكْسِبُهُ. وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ مَعْرِفَةِ الْمَضْمُونِ لَهُ،

صحيح قطعًا إذا وقع في نوبته.
(ويصحُّ بإذنه) كالنكاح، وهل يشترط معرفة السيد لقدر الدين؟ قال الإسنوي: المتجه: أنا إن علقناه بشيء مما للسيد.. اشترط، وإن علقناه بالذمة.. فلا.
(فإن عين للأداء كسبَه أو غيره.. قُضي منه) لتصريحه بذلك.
(وإلا) أي: وإن اقتصر على الإذن في الضمان ولم يعين له طريقًا (.. فالأصحُّ: أنه إن كان مأذونًا له في التجارة.. تعلّق بما في يده) ربحًا ورأس مال، (وما يكسبه بعد الإذن) كما في نكاحه، والثاني: لا يتعلق برأس المال، بل بالربح الحاصل والمستقبل، والثالث: بالمستقبل خاصة، والرابع: يتعلق بذمته فقط؛ لأنه إنما أذن له في الالتزام دون الأداء.
وحيث قلنا: يؤدي ما في يده.. فمحله: ما إذا لم يكن على المأذون دين، فإن كان.. فالأصحُّ في "زيادة الروضة": أنه لا يؤدي إلا ما يفضل عن حقوقهم؛ رعايةً للجانبين 1، هذا إذا لم يحجر عليه، فإن حجر عليه بطلب الغرماء.. لم يتعلق الضمان بما في يده قطعًا.
(وإلا) أي: وإن كان غيرَ مأذون له في التجارة (.. فبما يكسبه) بعد الإذن؛ كالمهر، وقيل: يتعلق بذمته، وقيل: برقبته، وفي قول قديم: يتعلق بذمة السيد؛ كما قيل به أيضًا في النكاح.
(والأصحُّ: اشتراط معرفة المضمون له) لتفاوت الناس في الاستيفاء، والغرض يختلف به، فأشبه معرفة قدر الدين، قال في "المطلب": والمراد: معرفته بالعين لا النسب؛ كما دل عليه كلام الماوردي.
انتهى، وصرح به ابن كَجٍّ، وصاحب "المعين"، وعبارته: المراد: معرفة العين لا معرفة المعاملة، والثاني:

وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ وَرِضَاهُ. وَلَا يُشْتَرَطُ رِضَا الْمَضْمُونِ عَنْهُ قَطْعًا، وَلَا مَعْرِفَتُهُ فِي الأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَضْمُونِ: كَوْنُهُ ثَابِتًا وَصَحَّحَ الْقَدِيمُ ضَمَانَ مَا سَيَجِبُ. وَالْمَذْهَبُ: صِحَّةُ ضَمَانِ الدَّرَكِ.

لا يشترط؛ لظاهر الآية، وحديثِ أبي قتادة المشهور في "صحيح البخاري" 1، فإنه ضمن لمن لا يعرف، أو لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يسأله هل يعرفه أم لا؟ فكان على عمومه.
(وأنه لا يشترط قبوله ورضاه) لعدم التعرض لذلك في حديث أبي قتادة المذكور، والثاني: يشترط القبول في الحال؛ كالرهن، والثالث: يشترط رضاه دون قبوله لفظًا.
وكان الأحسن أن يقول: (ولا رضاه) كما في "المحرر" 2؛ فإن المقصود نفي كلٍّ منهما، ومع حذفها لا يستفيد إلا نفي الهيئة الاجتماعية، وحينئذ: فيصدق الكلام بالوجه الثالث.
(ولا يشترط رضا المضمون عنه قطعًا) لضمان أبى قتادة دين الميت، ودعوى القطع تبعا فيها الإمامَ 3، وفيه وجه في "تعليق" القاضي الحسين، وبه قال الجُوري، ذكره في "المطلب".
(ولا معرفته في الأصحِّ) إذ ليس ثم معاملة، ولهذا لا يشترط رضاه، والثاني: نعم؛ ليعرف حاله، وأنه هل يستحق اصطناع المعروف إليه أم لا.
(ويشترط في المضمون: كونه ثابتًا) حال العقد؛ فلا يصحُّ ضمان ما لم يجب وإن جرى سبب وجوبه؛ كنفقة الزوجة في الغد؛ لأن الضمان وثيقة بالحقِّ، فلا يسبقه؛ كالشهادة.
(وصحح القديم ضمانَ ما سيجب) وإن لم يجر سبب وجوبه، كضمان ما يبيعه لفلان أو يقرضه؛ لأن الحاجة قد تمس إليه.
(والمذهب: صحة ضمان الدّرَك) لأن الحاجة تدعو إلى معاملة الغريب، ويخاف

بَعْدَ قَبْضِ الثَّمَنِ، وَهُوَ: أَنْ يَضْمَنَ لِلْمُشْتَرِي الثَّمَنَ إِنْ خَرَجَ الْمَبِيعُ مُسْتَحَقًّا أَوْ مَعِيبًا أَوْ نَاقِصًا لِنَقْصِ الصَّنْجَةِ.

أن يخرج ما يبيعه مستحقًّا ولا يظفر به، فاحتيج إلى التوثق، وقيل: لا يصحُّ؛ لأنه ضمان ما لم يجب، وضمان مجهول؛ فإنه قد يخرج البعض مستحقًّا، والطريق الثاني: القطع بالأول.
و(الدرك): بفتح الراء وسكونها هو: التبعة؛ أي: المطالبة والمؤاخذة، ويُسمَّى أيضًا: (ضمان العهدة).
(بعد قبض الثمن) لأنه إنما يضمن ما دخل في ضمان البائع، ولا يدخل الثمن في ضمانه إلا بقبضه، وقيل: يصحُّ قبله.
وادعى الإمام والغزالي: أنه المذهب، وصححه ابن أبي عصرون، وعزاه في "الذخائر" للأكثرين 1. (وهو) أي: ضمان الدرك (أن يضمن للمشتري الثمنَ إن خرج المبيع مستحَقًّا أو معيبًا) وردَّه المشتري، (أو ناقصًا لنقص الصَّنجة) قال الرافعي: صورة هذه المسألة: أن يبيع شيئًا بشرط أن وزنه كذا، فإذا خرج دونه.. بطل البيع على قول، ويثبت للمشتري الخيار في قول آخر.
انتهى 2، وألجأه إلى ذلك كون المسألة في ضمان الثمن عند نقص المبيع.
واعترض عليه: بأنه لا يطابق قوله: (نقص لنقص الصنجة)، وإنما: نقص عنها.
وصور ابن الملقن ذلك في كلام المصنف؛ بأن جاء المشتري بصنجة وزن بها، فاتهمه البائع فيها، فيضمن ضامنٌ نقصَها إن نقصت 3، وهذا لا يطابق قول المصنف: (أن يضمن للمشتري الثمن) لأنه في هذا التصوير إنما يكون ضامنًا لما نقص من الثمن للبائع.

وَكَوْنُهُ لَازِمًا، لَا كَنُجُومِ كِتَابَةٍ، وَيَصِحُّ ضَمَانُ الثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ فِي الأَصَحِّ، وَضَمَانُ الْجُعْلِ كَالرَّهْنِ بِهِ.

وأورد على المصنف: ضمان الدرك للبائع.. فإنه يصحُّ، وهو: أن يضمن له المبيع إن خرج الثمن المعين مستحقًّا أو معيبًا أو ناقصًا لنقص الصنجة، وشرطه: أن يكون المبيع مقبوضًا.
(وكونه لازمًا، لا كنجوم كتابة) 1 لأن المكاتب قادر على إسقاطها بالفسخ، فلم يحصل المقصود من الضمان وهو التوثق.
والمراد باللازم: ما وضعه على اللزوم وإن كان الآن جائزًا؛ كما سيأتي في ضمان الثمن في مدة الخيار، وسواء كان مستقرًا، كعوض الخلع أو غير مستقر؛ كثمن المبيع قبل قبضه.
(ويصحُّ ضمان الثمن في مدة الخيار في الأصحِّ) لأنه آيل إلى اللزوم بنفسه، فألحق به، والثاني: لا؛ لعدم لزومه في الحال.
ومحل الخلاف: إذا كان الخيار للمشتري، أو لهما، أما إذا كان للبائع وحده.. فيصحُّ قطعًا؛ لأن الدين لازم في حقِّ من عليه، كذا نقلاه عن المتولي وأقراه، وجزم به في "الشرح الصغير"، واستشكله في "المهمات" تبعًا للسبكي بأنه إذا كان الخيار للبائع.. فالملك في المبيع له بلا خلاف، أو على الصحيح.. فلا ثمن حينئذ على المشتري فضلًا عن كونه لازمًا، فكيف يصحُّ ضمانه بلا خلاف مع حكاية الخلاف في عكسه.
انتهى 2. وأشار الإمام إلى أن تصحيح الضمان مفرع على أن الخيار لا يمنع نقل الملك في الثمن إلى البائع، وإلا.. فهو ضمان ما لم يجب، كذا نقلاه عنه وأقراه 3، ولعل ما قاله المتولي مفرع على ذلك.
(وضمان الجُعل كالرهن به) لأن كلًّا منهما للتوثق، وقد مرّ أنه يصحُّ الرهن به بعد الفراغ لا قبله.

وَكَوْنُهُ مَعْلُومًا فِي الْجَدِيدِ، وَالإِبْرَاءُ مِنَ الْمَجْهُولِ بَاطِلٌ فِي الْجَدِيدِ إِلَّا مِنْ إِبلِ الدِّيَةِ، وَيَصِحُّ ضَمَانُهَا فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (ضَمِنْتُ مِمَّا لَكَ عَلَى زَيْدٍ مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ).. فَالأَصَحُّ: صِحَّتُهُ، وَأَنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا لِعَشَرَةٍ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: لِتِسْعَةٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

والفرق بين الجعل والثمن في مدة الخيار: أنه لا يصير إلى اللزوم إلا بالعمل، بخلاف الثمن.
(وكونه معلومًا) جنسًا وقدرًا وصفةً (في الجديد) لأنه إثباتُ مال في الذمة لآدمي بعقد، فلم يصحَّ مع الجهالة؛ كالثمن، والقديم: صحته؛ لأن معرفته متيسرة.
ومحل الخلاف: في مجهول تُمكن الإحاطةُ به؛ مثل: أنا ضامن لثمن ما بعت من زيد؛ كما مثّل به في "المحرر" 1، فإن قال: لشيء منه.. بطل جزمًا.
وبقي للضمان شرط رابع ذكره الغزالي، وهو: كونه قابلًا لأن يتبرع الإنسان به على غيره، فيخرج القصاص، وحدّ القذف، والأخذ بالشفعة.
(والإبراء من المجهول) جنسًا أو صفة أو قدرًا (باطل في الجديد) لأن البراءة متوقفة على الرضا، ولا يعقل مع الجهالة، والقديم: أنه صحيح؛ لأنه إسقاط محض؛ كالإعتاق.
(إلا من إبل الدية) فإنه يصحُّ الإبراء منها على القولين وإن كانت مجهولةَ الصفة؛ لأنا أثبتناها في ذمة الجاني مع اعتقاد هذه الجهالة 2، فكذا هنا.
(ويصحُّ ضمانها في الأصحِّ) كالإبراء، والثاني: لا؛ لجهالة وصفها، والإبراء مطلوب فوسعنا فيه، بخلاف الضمان.
(ولو قال: "ضمنت ممّا لك على زيد من درهم إلى عشرة".. فالأصحُّ: صحته) لانتفاء الغرر بذكر الغاية، والثاني: المنع؛ لجهالة المقدار؛ لتردده بين الغايتين.
(وأنه يكون ضامنًا لعشرة) إن كانت عليه، أو كان عليه أكثر منها، إدخالًا للغايتين في الالتزام، (قلت: الأصحُّ: لتسعة، والله أعلم) إدخالًا للطرف الأول؛ لأنه مبتدأ

فصلٌ [في كفالة البدن]

الْمَذْهَبُ: صِحَّةُ كَفَالَةِ الْبَدَنِ، فَإِنْ كَفَلَ بَدَنَ مَنْ عَلَيْهِ مَالٌ.. لَمْ يُشْتَرَطِ الْعِلْمُ بِقَدْرِهِ، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مِمَّا يَصِحُّ ضَمَانُهُ. وَالْمَذْهَبُ: صِحَّتُهَا بِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ لآدَمِيٍّ؛ كَقِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ، وَمَنْعُهَا فِي حُدُودِ الله تَعَالَى.

الالتزام، وقيل: يكون ضامنًا لثمانية؛ إخراجًا للطرفين؛ لأنها اليقين.
ولم يصحح الرافعي في "الشرحين" هنا ولا في نظيره من (الإقرار) شيئًا، بل نقل تصحيح العشرة هنا وهناك عن البغوي، ورجحه هنا في "المحرر" 1، ونقل هناك تصحيحَ التسعة عن العراقيين والغزالي، وصححه في "المحرر" هناك 2.

(فصل: المذهب: صحة كفالة البدن) لإطباق الناس عليها ومسيس الحاجة إليها، وفي قول: لا تصحُّ؛ لأن الحرَّ لا يدخل تحت اليد، ولا يقدر على تسليمه، والطريق الثاني: القطع بالأول.
(فإن كفل بدن من عليه مال.. لم يُشترط العلم بقدره) لأن الكفالة بالبدن لا بالمال.
(ويُشترط كونه) أي: المال المطالب به (ممّا يصحُّ ضمانه) فلا يصحُّ ببدن المكاتب للنجوم التي عليه؛ كضمانها.
(والمذهب: صحتها ببدن من عليه عقوبة لآدمي؛ كقصاص وحدِّ قذف) لأنه حقٌّ لازم، فأشبه المال، وفي قول: لا؛ لأن العقوبات مبنية على الدرء، وقيل: تصحُّ قطعًا، وقيل: لا قطعًا.
والخلاف مبني على أنه إذا مات.. هل يغرم الكفيل ما عليه من الدين؟ إن قلنا: نعم.. لم يصحَّ، وإلا.. صحت.
(ومنعها في حدود الله تعالى) كحدِّ الخمر والزنا والسرقة؛ لأن مبناها على

وَتَصِحُّ بِبَدَنِ صَبيٍّ وَمَجْنُونٍ وَمَحْبُوسٍ وَغَائِبٍ وَمَيِّتٍ لِيُحْضِرَهُ فَيُشْهَدَ عَلَى صُورَتِهِ. ثُمَّ إِنْ عَيَّنَ مَكَانَ التَّسْلِيمِ.. تَعَيَّنَ، وَإِلَّا.. فَمَكَانُهَا. وَيَبْرَأُ الْكَفِيلُ بِتَسْلِيمِهِ فِي مَكَانِ التَّسْلِيمِ بِلَا حَائِلٍ؛ كَمُتَغَلِّبٍ، وَبِأَنْ يَحْضُرَ الْمَكْفُولُ وَيَقُولَ: (سَلَّمْتُ نَفْسِي عَنْ جِهَةِ الْكَفِيلِ)، وَلَا يَكْفِي مُجَرَّدُ حُضورِهِ. فَإِنْ غَابَ.. لَمْ يَلْزَمِ الْكَفِيلَ إِحْضَارُهُ إِنْ جَهِلَ مَكَانَهُ،

الإسقاط، وقيل: قولان: ثانيهما: الصحة؛ كحدود الآدميين.
(وتصحُّ ببدن صبي ومجنون) لأنه قد يستحق إحضارهما إلى مجلس الحكم لإقامة الشهادة على صورتهما في الإتلافات وغيرها، ثم إن تكفل بإذن وليهما.. فله مطالبة الولي بإحضارهما عند الحاجة، وإلا.. فكالكفالة ببدن البالغ العاقل بغير إذنه.
(ومحبوس وغائب) بإذنه كما سيأتي وإن تعذر تحصيل الغرض في الحال؛ كما يصحُّ أن يضمن المعسر المال.
(وميت ليُحضِره فيُشهدَ على صورته) لأنه قد يحتاج إلى إحضاره للشهادة على عينه إذا تحملوها كذلك، ولم يعرفوا نسبه، قال الإسنوي: ومحلُّ هذا قبل الدفن، وإلا.. لم تصحَّ الكفالة وإن لم يتغير؛ كما دلَّ عليه كلامهم فيها إذا مات بعد الكفالة 1. (ثم إن عَيَّن مكان التسليم.. تعين، وإلا) أي: وإن أطلق (.. فمكانها) أي: مكان الكفالة؛ لأن العرف قاض بذلك.
(ويبرأ الكفيل بتسليمه في مكان التسليم بلا حائل؛ كمتغلب) لقيامه بما وجب عليه، فلو كان هناك متغلب يمنعه عنه.. لم يلزمه قبوله؛ لعدم حصول المقصود.
(وبأن يحضر المكفول ويقول: "سلّمت نفسي عن جهة الكفيل") كما يبرأ الضامن بأداء الأصيل الدين.
(ولا يكفي مجرد حضوره) بلا قوله: (سلمت نفسي عن الكفالة)؛ لأنه لم يسلمه إليه ولا إلى أحد من جهته.
(فإن غاب.. لم يلزم الكفيلَ إحضاره إن جهل مكانه) لعدم إمكانه، فأشبه المعسر

وَإِلَّا.. فَيَلْزَمُهُ، وَيُمْهَلُ مُدَّةَ ذَهَابٍ وَإِيَابٍ، فَإِنْ مَضَتْ وَلَمْ يُحْضِرْهُ.. حُبسَ، وَقِيلَ: إِنْ غَابَ إِلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ.. لَمْ يَلْزَمْهُ إِحْضَارُهُ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِذَاَ مَاتَ وَدُفِنَ.. لَا يُطَالَبُ الْكَفِيلُ بِالْمَالِ،

بالدين، (وإلا.. فيلزمه) إذا كان الإحضار ممكنًا بأمن الطريق، ولا ثم من يمنعه منه؛ كما لو كان مال المديون غائبًا.. فإنه يلزمه إحضاره، ولو احتاج الكفيل إلى غرامة.. كانت في ماله.
(ويمهل مدة ذهاب وإياب) لأنه الممكن، قال الإسنوي: وينبغي أن يعتبر مع ذلك مدة إقامة المسافرين، وهي: ثلاثة أيام غير يوم الدخول والخروج 1؛ للاستراحة وتجهيز المكفول، ولم أره مسطورًا.
(فإن مضت) المدة المذكورة (ولم يحضره.. حُبس) إن لم يؤد الدين؛ لتقصيره، قال في "المطلب": ويدام حبسه إلى أن يتعذر إحضاره بموت، أو جهل مكان، أو إقامته عند من يمنعه، (وقيل: إن غاب إلى مسافة القصر.. لم يلزمه إحضاره) كالولي وشاهد الأصل؛ فإن غيبتهما إلى هذه المسافة كالغيبة المنقطعة، والراجح: اللزوم؛ كغيبة مال المديون في هذه المسافة.. فإنه يؤمر بإحضاره، ولا فرق في جميع ما ذكرناه بين أن تطرأ الغيبة أو يكون غائبًا وقت الكفالة.
(والأصحُّ: أنه إذا مات ودفن.. لا يطالب الكفيلُ بالمال) لأنه لم يلتزمه، والثانى: نعم؛ لأنه وثيقة؛ كالرهن.
وعلى هذا: هل يطالب بالدين أم بالأقلِّ من الدين ودية المكفول؟ فيه وجهان بناء على أن السيد يفدي العبد الجاني بالأرش أم بالأقلِّ، قال في "زيادة الروضة": المختار: أنه يطالب بالدين؛ فإن الدية غيرُ مستحقة، بخلاف قيمة العبد 2. وظاهر إطلاق المصنف: أنه لا فرق في جريان الخلاف بين أن يُخلِّف المكفول وفاءً أم لا، قال السبكي: وظاهر كلامهم: اختصاصه بما إذا لم يُخلِّف ذلك.
واحترز بـ (المال): عن العقوبة؛ فإنه لا يطالب بها جزمًا.

وَأَنَّهُ لَوْ شَرَطَ فِي الْكَفَالَةِ أَنَّهُ يَغْرَمُ الْمَالَ إِنْ فَاتَ التَّسْلِيمُ.. بَطَلَتْ، وَأَنَّهَا لَا تَصِحُّ بِغَيْرِ رِضَا الْمَكْفُولِ.

فصلٌ [في صيغتي الضمان والكفالة]

يُشْتَرَطُ فِي الضَّمَانِ وَالْكَفَالَةِ لَفْظٌ يُشْعِرُ بِالالْتِزَامِ؛ كـ (ضَمِنْتُ دَيْنَكَ عَلَيْهِ)، أَوْ (تَحَمَّلْتُهُ)، أَوْ (تَقَلَّدْتُهُ)، أَوْ (تَكَفَّلْتُ بِبَدَنِهِ)، أَوْ (أَنَا بِالْمَالِ، أَوْ بِإِحْضَارِ الشَّخْصِ ضَامِنٌ)، أَوْ (كَفِيلٌ)، أَوْ

(وأنه لو شرط في الكفالة أنه يغرم المال إن فات التسليم) كقوله: (كفلت بدنه بشرط الغرم) ونحوه (.. بطلت) لأنه شَرَط ما ينافيها، وهذا بناء على أنه لا يغرم عند الإطلاق، والثاني: يصحُّ؛ بناء على مقابله، فإن قال: (كفلت بدنه؛ فإن مات فعليَّ المال).. صحت الكفالة، وبطل الالتزام.
قاله الماوردي 1. (وأنها لا تصحُّ بغير رضا المكفول) بناء على أنه لا يغرم المال عند العجز؛ لأنه لا فائدة لها؛ لأنه لا يلزمه الحضور معه، والفرض: أنه لا يلزمه المال، والثاني: تصحُّ؛ بناء على أنه يغرم فيلزمه المال؛ لأنه عاجز.
ومحل الخلاف: ما إذا تكفل بعد ثبوت المال، أما قبله.. فلا تصحُّ بدون إذنه قطعًا، حكاه في "الكفاية" عن القاضي الحسين، وجرى عليه البغوي 2.

(فصل: يشترط في الضمان والكفالة) للبدن (لفظ يشعر بالالتزام) كغيره من العقود.
وقوله: (لفظ): يخرج الخط، وإشارة الأخرس المفهمة، مع أن الضمان ينعقد بهما.
(كـ "ضمنت) لك (دينك عليه"، أو "تحمّلته"، أو "تقلّدته"، أو "تكفّلت ببدنه"، أو "أنا بالمال، أو بإحضار الشخص ضامن"، أو "كفيل"، أو

(زَعِيمٌ)، أَوْ (حَمِيلٌ). وَلَوْ قَالَ: (أُؤَدِّي الْمَالَ أَوْ أُحْضِرُ الشَّخْصَ).. فَهُوَ وَعْدٌ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُمَا بِشَرْطٍ، وَلَا تَوْقِيتُ الْكَفَالَةِ، وَلَوْ نَجَّزَهَا وَشَرَطَ تَأْخِيرَ الإِحْضَارِ شَهْرًا.. جَازَ، وَأَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ الْحَالِّ مُؤَجَّلًا أَجَلًا مَعْلُومًا،

"زعيم"، أو "حميل") لثبوت بعضها بالنصِّ، والباقي بالقياس مع اشتهارها، ومن ألفاظه: (التزمت)، (وأنا به قبيل)، وكذا (عليّ ما على فلان) كما ذكره الرافعي في (الإقرار) 1. ولو قال: (خلِّ عن فلان والدين الذي عليه عندي).. فليس بصريح، وكذا دين فلان إلي على الأقوى في "زيادة الروضة" 2. (ولو قال: "أؤدي المال، أو أحضر الشخص".. فهو وعد) وليس التزامًا؛ لأن الصيغة لا تشعر بالالتزام.
نعم؛ إن احتفت به قرينة تصرفه إلى الإنشاء.. قال في "المطلب": فينبغي أن يصحَّ، ولكني لم أره.
(والأصحُّ: أنه لا يجوز تعليقهما) يعني: الضمان والكفالة (بشرط) كالبيع، والثاني: يجوز؛ لأن القبول لا يشترط فيهما، فجاز تعليقهما؛ كالطلاق والعتاق.
(ولا توقيت الكفالة) كضمان المال، وصورته: أنا كفيل به إلى شهر، وبعده أنا بريء، والثاني: يجوز؛ لأنه قد يكون له غرض في تسليمه في هذه المدة، بخلاف المال؛ فإن المقصود منه الأداء.
(ولو نجزها وشرط تأخير الإحضار شهرًا) كقوله: (ضمنت إحضاره بعد شهر) (.. جاز) لأنه التزام لعمل في الذمة، فجاز مؤجلًا؛ كالعمل في الإجارة.
واحترز بذكر الشهر: عما إذا ذكر زمنًا مجهولًا؛ فإن الأصحَّ: البطلان.
(وأنه يصحُّ ضمان الحالِّ مؤجلًا أجلًا معلومًا) لأن الضمان تبرع وتدعو الحاجة إليه، فصححناه على حسب ما التزمه، والثاني: لا يصحُّ؛ للاختلاف.

وَأَنَّهُ يَصِحُّ ضَمَانُ الْمُؤَجَّلِ حَالًّا، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّعْجِيلُ. وَلِلْمُسْتَحِقِّ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ وَالأَصِيلِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الأَصِيلِ. وَلَوْ أَبْرَأَ الأَصِيلَ.. بَرِئَ الضَّامِنُ، وَلَا عَكْسَ.

وقوله: (الحالّ) أحسن من قول "المحرر": (ضمان المال الحال) 1؛ لشموله من تكفّل كفالة مؤجلة ببدن من تكفل بغيره كفالة حالة.
(وأنه يصحُّ ضمان المؤجل حالًّا)؛ لأنه تبرع بالتزام التعجيل فصحَّ؛ كأصل الضمان، والثاني: لا؛ للمخالفة.
(وأنه لا يلزمه التعجيل) كما لو التزم الأصيل التعجيل، والثاني: يلزمه؛ كأصل الضمان.
فعلى الأول: هل يثبت الأجل في حقه مقصودًا أو تبعًا؟ وجهان تظهر فائدتهما فيما لو مات الأصيل؛ فإن جعلناه في حقِّه تابعًا.. حلَّ عليه، وإلا.. فلا، كما لو مات المضمون على الصحيح.
(وللمستحق مطالبة الضامن) لحديث: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ" 2، (والأصيل) لأن الضمان معناه: ضمّ ذمة إلى ذمة، والغرض به: التوثق.
(والأصحُّ: أنه لا يصحُّ) الضمان (بشرط براءة الأصيل) لمنافاته مقتضاه، والثاني: يصحُّ الضمان والشرط؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ضمان أبي قتادة: "هُمَا عَلَيْكَ، وَفِي مَالِكَ، وَالْمَيِّتُ مِنْهُمَا بَرِيءٌ"، فقال: نعم، صحح الحاكم إسناده 3. وقيل: يصحُّ الضمان دون الشرط.
(ولو أبرأ الأصيلَ.. برئ الضامن) لسقوط الحقِّ (ولا عكس) لأنه إسقاط وثيقة، فلا يسقط بها الدين؛ كفك الرهن.
وفي معنى الإبراء: أداء الدين، والاعتياض عنه، والحوالة به وعليه.

وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا.. حَلَّ عَلَيْهِ دُونَ الآخَرِ. وَإِذَا طَالَبَ الْمُسْتَحِقُّ الضَّامِنَ.. فَلَهُ مُطَالَبَةُ الأَصِيلِ بِتَخْلِيصِهِ بِالأَدَاءِ إِنْ ضَمِنَ بِإِذْنِهِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُطَالِبُهُ قَبْلَ أَنْ يُطَالَبَ. وَلِلضَّامِنِ الرُّجُوعُ عَلَى الأَصِيلِ إِنْ وُجِدَ إِذْنُهُ فِي الضَّمَانِ وَالأَدَاءِ، وَإِنِ انْتَفَى فِيهِمَا.. فَلَا،

قال في "العجالة": (فلو عبر بقوله: "برئ".. كان أشمل).
انتهى 1، وفيه نظر؛ فإنه تقييد قوله: (ولا عكس)، فإنه لو برئ الكفيل بالأداء.. برئ الأصيل، فالتعبير بالإبراء في الثانية.. متعين.
(ولو مات أحدهما.. حلّ عليه) لوجود سبب الحلول (دون الآخر) لأنه حي يرتفق بالأجل.
(وإذا طالب المستحِقُّ الضامن.. فله مطالبة الأصيل بتخليصه بالأداء إن ضمن بإذنه) كما أنه يغرمه إذا غرم، ومعنى التخليص: أنه يؤدي دين المضمون له؛ ليبرأ الضامن.
(والأصحُّ: أنه لا يطالبه قبل أن يطالَب) لأنه لم يغرم شيئًا، ولا طولب بشيء، والثاني: نعم؛ كما لو استعار عينًا للرهن ورهنها.. فإن للمالك مطالبتَه بفكها.
وفرق الأول: بأن الرهن محبوس بالدين، وفيه ضرر ظاهر، والضامن ليس محبوسًا به.
ومحل الخلاف: إذا كان الدين حالًّا، فأما إذا كان مؤجلًا.. فليس له مطالبته قطعًا، نبه عليه صاحب "المعين"، وهو ظاهر.
(وللضامن الرجوع على الأصيل إن وُجِد إذنُه في الضمان والأداء) لأنه صرف ماله إلى منفعة الغير بإذنه، فأشبه ما لو قال: (اعلف دابتي) فعلفها، هذا إذا أدى من ماله، أما لو أخذ من سهم الغارمين وأدى به الدين.. لم يرجع، خلافًا للمتولي؛ كما ذكراه في (قسم الصدقات) 2. (وإن انتفى فيهما) أي: في الضمان والأداء (.. فلا) لأنه متبرع.

وَإِنْ أَذِنَ فِي الضَّمَانِ فَقَطْ.. رَجَعَ فِي الأَصَحِّ، وَلَا عَكْسَ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أَدَّى مُكَسَّرًا عَنْ صِحَاحٍ أَوْ صَالِحَ عَنْ مِئَةٍ بِثَوْبٍ قِيمَتُهُ خَمْسُونَ.. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَّا بِمَا غَرِمَ. وَمَنْ أَدَّى دَيْنَ غَيْرِهِ بِلَا ضَمَانٍ وَلَا إِذْنٍ.. فَلَا رُجُوعَ،

(وإن أذن في الضمان فقط) بأن سكت عن الأداء (.. رجع في الأصحِّ) لأن الضمان يوجب الأداءَ، فكان الإذن فيه إذنًا لما يترتب عليه، والثاني: لا؛ لانتفاء الإذن في الأداء.
وعلى الأول: يستثنى ما إذا كان الضمان بالإذن قد ثبت بالبينة وهو مُنكِر؛ كما لو ادعى على زيد وغائب ألفًا، وإن كلًّا منهما ضمن ما على الآخر، فأنكر زيد، فأقام المدعي بذلك بينة وأخذ من زيد.. فالأصح: أن زيدًا لا يرجع على الغائب بالنصف إذا كان مكذبًا للبينة؛ لأنه مظلوم بزعمه؛ فلا يطالب غير ظالمه.
(ولا عكس في الأصحِّ) أي: وهو ما إذا ضمن بغير الإذن، وأدى بالإذن؛ لأن وجوب الأداء سببُه الضمان، ولم يأذن فيه، والثاني: يرجع؛ لأنه أسقط الدين عن الأصيل بإذنه.
ولو أذن في الأداء بشرط الرجوع.. ففيه احتمالان للإمام، صحح في "زيادة الروضة" منهما الرجوع 1. (ولو أدى مكسَّرًا عن صحاح، أو صالح عن مئةٍ بثوب قيمتُه خمسون.. فالأصحُّ: أنه لا يرجع إلا بما غرم) لأنه الذي بذله، والثاني: يرجع بالصحاح والمئة؛ لحصول براءة الذمة به، والنقصان جرى من ربِّ المال مسامحة.
نعم؛ لو باعه الثوب بمئة وتقاضا.. رجع بالمئة بلا خلاف.
ولو باعه الثوب بما ضمنه له عن فلان.. فالمختار في "زيادة الروضة": أنه يصحُّ البيع، ويرجع بما ضمنه لا بالأقل 2. (ومن أدى دين غيره بلا ضمان ولا إذن.. فلا رجوع)؛ لتبرعه، وبرئ المدين.

وَإِنْ أَذِنَ بِشَرْطِ الرُّجُوعِ.. رَجَعَ، وَكَذَا إِنْ أَذِنَ مُطْلَقًا فِي الأَصَحِّ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ مُصَالَحَتَهُ عَلَى غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ لَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ. ثُمَّ إِنَّمَا يَرْجِعُ الضَّامِنُ وَالْمُؤَدِّي إِذَا أَشْهَدَ بِالأَدَاءِ رَجُلَيْنِ أَوْ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ، وَكَذَا رَجُلٌ لِيَحْلِفَ مَعَهُ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يُشهِدْ.. فَلَا رُجُوعَ إِنْ أَدَّى فِي غَيْبَةِ الأَصِيلِ وَكَذَّبَهُ، وَكَذَا إِنْ صَدَّقَهُ فِي الأَصَحِّ،

(وإن أذن بشرط الرجوع.. رجع) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ" 1. (وكذا إن أذن مطلقًا في الأصحِّ) للعرف، والثاني: لا يرجع؛ لأنه لم يوجد منه سوى الإذن في الأداء، وليس من ضرورة الأداء الرجوع، وعلى الأصحِّ: الفرق بين هذا وبين ما لو قال.: (اغسل ثوبي) ونحو ذلك من غير اشتراط شيء - فإن الأصحَّ: أنه لا يستحق أجرة -: أن المسامحة في المنافع أكثر منها في الأعيان.
(والأصحُّ: أن مصالحته على غير جنس الدين لا تمنع الرجوع) لأن الإذن إنما يقصد البراءة، وقد حصلت، والثاني: يمنع؛ لأنه إنما أذن في الأداء دون المصالحة.
(ثم إنما يرجع الضامن والمؤدي إذا أشهد بالأداء رجلين 2، أو رجلًا وامرأتين)؛ لثبوت الحق بذلك.
(وكذا رجلٌ ليحلف معه في الأصحِّ) لأنه كاف في إثبات الأداء، والثاني: لا؛ لأنهما قد يترافعان إلى قاض لا يرى القضاء بشاهد ويمين، فكان ذلك ضربًا من التقصير.
(فإن لم يُشهد) وأنكر رب المال (.. فلا رجوع إن أدى في غيبة الأصيل وكذَّبه) الأصيل؛ لأن الأصل عدمُ الأداء، وهو مقصر بترك الإشهاد.
(وكذا إن صدقه في الأصحِّ) لأنه لم يؤدِّ ما ينتفع به الأصيلُ؛ لأن المطالبة باقية،

وَإِنْ صَدَّقَهُ الْمَضْمُونُ لَهُ أَوْ أَدَّى بِحَضْرَةِ الأَصِيلِ.. رَجَعَ عَلَى الْمَذْهَبِ.

والثاني 1: يرجع؛ لاعترافه أنه أبرأ ذمته بإذنه.
(وإن صدقه المضمون له) 2، وكذبه المضمون عنه (أو أدى بحضرة الأصيل.. رجع على المذهب) أما في الأولى.. فلسقوط الطلب بإقرار المستحق، وإقرارُه أقوى من البينة، ووجه مقابله: أن قول ربِّ المال لا يكون حجةً على الأصيل، ويحتمل أن يكون أبرأه، وأما في الثانية.. فلأنه في الغيبة مستبد بالأمر، فعليه الاحتياط والتوثق، وإذا كان الأصيل حاضرًا.. فهو أولى بالاحتياط، والتقصيرُ بترك الإشهاد منسوبٌ إليه، ووجه مقابله: القياس على ما إذا أداه في غيبته.

كتابُ الشّركة هِيَ أَنْوَاعٌ: شَرِكَةُ الأَبْدَانِ؛ كَشَرِكَةِ الْحَمَّالِينَ وَسَائِرِ الْمُحْتَرِفَةِ؛ لِيَكُونَ بَيْنَهُمَا كَسْبُهُمَا مُتَسَاوِيًا أَوْ مُتَفَاوِتًا مَعَ اتِّفَاقِ الصَّنْعَةِ أَوِ اخْتِلَافِهَا. وَشَرِكَةُ الْمُفَاوَضَةِ؛ لِيَكُونَ بَيْنَهُمَا كَسْبُهُمَا وَعَلَيْهِمَا مَا يَعْرِضُ مِنْ غُرْمٍ. وَشَرِكَةُ الْوُجُوهِ؛ بِأَنْ يَشْتَرِكَ الْوَجِيهَانِ لِيَبْتَاعَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمُؤَجَّلٍ لَهُمَا، فَإِذَا بَاعَا.. كَانَ الْفَاضِلُ عَنِ الأَثْمَانِ بَيْنَهُمَا. وَهَذِهِ الأَنْوَاعُ بَاطِلَةٌ.

﴿كتاب الشركة﴾ هي بكسر الشين وإسكان الراء، وقيل: بفتح الشين وكسر الراء.
وهي في اللغة: الاختلاط، وفي الشرع: ثبوت الحقِّ في الشيء الواحد لشخصين فصاعدًا على جهة الشيوع.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "يَقُولُ الله تَعَالَى: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَ.. خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا" رواه أبو داوود والحاكم، وقال: صحيح الإسناد 1. (هي أنواع) أربعة (شركة الأبدان؛ كشركة الحمالين وسائر المحترفة؛ ليكون بينهما كسبهما متساويًا أو متفاوتًا مع اتفاق الصنعة أو اختلافها)، كنجار وخياط.
(وشركة المفاوضة؛ ليكون بينهما كسبهما) سواء كان بالبدن، أو المال من غير خلط مال، (وعليهما ما يعرض من غرم) بغصب، أو إتلاف، أو بيع فاسد.
(وشركة الوجوه؛ بأن يشترك الوجيهان؛ ليبتاع كلٌّ منهما بمؤجل لهما، فإذا باعا.. كان الفاضل عن الأثمان بينهما، وهذه الأنواع باطلة) أما الأول: فلأن كلَّ واحد منهما متميزٌ ببدنه ومنافعه، فيختصُّ بفوائده؛ كما لو اشتركا في ماشيتهما وهي متميزة؛ ليكون الدَّرُّ والنَّسْل بينهما، وأما الثاني: فلاشتمالها على أنواع من الغرر،

وَشَرِكَةُ الْعِنَانِ صَحِيحَةٌ، وَيُشْتَرَطُ فِيهَا: لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى الإِذْنِ فِي التَّصَرُّفِ، فَلَوِ اقْتَصَرَا عَلَى: (اشْتَرَكْنَا).. لَمْ يَكْفِ فِي الأَصَحِّ، وَفِيهِمَا: أَهْلِيَّةُ التَّوْكِيلِ وَالتَّوَكُّلِ

ولهذا قال الشافعي - رضي الله عنه -: لا أعرف في الدنيا شيئًا باطلًا إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة، ولا أعلم القمار إلا هذا، أو أقلّ منه 1، وأما الثالث: فلأنها شركة من غير مال، وما اشتراه كلُّ واحد منهما.. فهو ملكه، له ربحه وعليه غرمه.
وسميت شركةُ المفاوضة بذلك من قولهم: (تفاوضا في الحديث) إذا شرعا فيه جميعًا.
(وشركة العنان) بكسر العين (صحيحة) بالإجماع، مأخوذة من عنان الدابة، أو من عَنَّ الشيء: إذا ظهر؛ لأن جوازها ظاهر.
(ويشترط فيها) من الناطق (لفظ يدلُّ على الإذن في التصرف) من واحد للآخر في نصيب نفسه؛ لأن المال المشترك لا يجوز لأحد الشريكين التصرف فيه إلا بإذن صاحبه، ولا يعرف الإذن إلا بصيغة تدلُّ عليه، وإشارة الأخرس المفهمة كاللفظ من الناطق على المذهب.
(فلو اقتصرا على: "اشتركنا".. لم يكف في الأصحِّ) لاحتمال كونه إخبارًا عن حصول الشركة في المال، ولا يلزم من حصول الشركة جوازُ التصرف، بدليل الموروث، والثاني: يكفي؛ لفهم المقصود عرفًا.
(وفيهما) أي: ويشترط في الشريكين (أهلية التوكيل والتوكل) على ما سيأتي؛ لأن كلَّ واحد منهما وكيلٌ عن صاحبه في شيء وموكِّلُه في شيءآخر، هذا إذا أذن كلُّ واحد منهما للآخر في التصرف، فإن كان المتصرف أحدهما فقط.. اشترط فيه أهليةُ التوكل، وفي الآذن.. أهلية التوكيل، حتى يصحَّ أن يكون الثاني أعمى دون الأول، قاله في "المطلب".
وقضية إطلاق المصنف: أنه يجوز للولي عقد الشركة على مال محجوره، قال في "المطلب": وهو قضية كلامهم، وقد يقال: بمنعها؛ لاستلزامها خلطَ ماله قبل العقد بلا مصلحة، بل قد يؤثر نقصًا.

وَتَصِحُّ فِي كُلِّ مِثْلِيٍّ دُونَ الْمُتَقَوِّمِ، وَقِيلَ: تَخْتَصُّ بِالنَّقْدِ الْمَضْرُوبِ. وَيُشْتَرَطُ خَلْطُ الْمَالَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزَانِ، وَلَا يَكْفِي الْخَلْطُ مَعَ اخْتِلَافِ جِنْسٍ، أَوْ صِفَةٍ كَصِحَاحٍ وَمُكَسَّرَةٍ، هَذَا إِذَا أَخْرَجَا مَالَيْنِ وَعَقَدَا، فَإِنْ مَلَكَا مُشْتَرَكًا بإِرْثٍ وَشِرَاءٍ وَغَيْرِهِمَا وَأَذِنَ كُلٌّ لِلآخَرِ فِي التِّجَارَةِ فِيهِ.. تَمَّتِ الشَّرِكَةُ. وَالْحِيلَةُ فِي الشَّرِكَةِ فِي الْعُرُوضِ: أَنْ يَبِيعَ كُلُّ وَاحِدٍ بَعْضَ عَرْضِهِ بِبَعْضِ عَرْضِ الآخَرِ وَيَأْذَنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ

(وتصحُّ في كلِّ مثلي) أما النقدان.. فبالإجماع، وأما غير النقدين؛ كالقمح ونحوه.. فعلى الأظهر؛ لأنه إذا اختلط بجنسه.. ارتفع التمييز، فأشبه النقدين.
(دون المتقوم) بكسر الواو؛ لأنه لا يمكن الخلط في المتقومات، وحينئذ قد يتلف مال أحدهما أو ينقص، فلا يمكن قسمة الآخر بينهما.
وقضية كلامه تبعًا لـ "أصله": أنه لا تصحّ الشركة على النقد المغشوش؛ لأنه من المتقومات 1، والأصح في "زيادة الروضة": صحتها إذا استمر رواجُها في البلد 2. (وقيل: تختصُّ بالنقد المضروب) كالقراض (ويشترط خلط المالين) قبل العقد (بحيث لا يتميزان) لما ذكرناه في امتناع المتقوم.
(ولا يكفي الخلط مع اختلاف جنس) كدراهم ودنانير، (أو صفة؛ كصحاح ومكسرة) لإمكان التمييز (هذا إذا أخرجا مالين وعقدا؛ فإن ملكا مشتركًا بإرث وشراء وغيرِهما وأذن كلٌّ للآخر في التجارة فيه.. تمت الشركة)؛ لأن المعنى المقصود بالخلط حاصلٌ.
(والحيلة في الشركة في العروض: أن يبيع كلُّ واحد بعض عَرضه ببعض عرض الآخر ويأذن له في التصرف) بعد التقابض وغيره مما شرط في البيع، وحينئذ فيملكانه بالسوية إن بيع نصفٌ بنصف، فإن بيع ثلث بثلثين، أو ربع بثلاثة أرباع؛ لأجل تفاوتهما في القيمة.. ملكاه على هذه النسبة، وسواء تجانس العرضان أو اختلفا.
وكان ينبغي أن يقول: (والحيلة في المتقومات) لأن الشركة في المثليات جائزةٌ

وَلَا يُشْتَرَطُ تَسَاوِي قَدْرِ الْمَالَيْنِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِقَدْرِهِمَا عِنْدَ الْعَقْدِ. وَيَتَسَلَّطُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى التَّصَرُّفِ بِلَا ضَرَرٍ؛ فَلَا يَبِيعُ نَسِيئَةً وَلَا بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ وَلَا بِغَبْنٍ فَاحِشٍ وَلَا يُسَافِرُ بِهِ وَلَا يُبْضِعُهُ بِغَيْرِ إِذْنٍ. وَلِكُلٍّ فَسْخُهُ مَتَى شَاءَ، وَيَنْعَزِلَانِ عَنِ التَّصَرُّفِ بِفَسْخِهِمَا، فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: (عَزَلْتُكَ)، أَوْ (لَا تَتَصَرَّفْ فِي نَصِيبِي).. لَمْ يَنْعَزِل الْعَازِلُ.

بالخلط مع أنها من العروض؛ إذ العرض ما عدا النقد.
وقوله: (كلُّ واحد) الأولى حذف لفظة (كلّ) فإنه لو باع أحدهما بعضَ عرضه ببعض عرض الآخر.. حصل الغرض.
(ولا يشترط تساوي قدرِ المالين) بل تثبت الشركة مع التفاوت على نسبة المالين؛ لأنه لا محذور فيه؛ إذ الربح والخسران على قدر المالين؛ كما سيأتي.
(والأصحُّ: أنه لا يشترط العلم بقدرهما) أي: المالين من جهة النسبة؛ بأن يعرفا أن المال بينهما مثالثة أو مناصفة (عند العقد) إذا أمكن معرفته من بعد، بمراجعة حساب أو وكيل، كذا قيده الرافعي 1؛ لأن الحقَّ لا يعدوهما، وقد تراضيا، والثاني: يشترط، وإلا.. يؤدي إلى جهل كلٍّ منهما بما أَذن فيه، وبما أُذن له فيه.
(ويتسلط كلٌّ منهما على التصرف بلا ضرر؛ فلا يبيع نسيئة، ولا بغير نقد البلد، ولا بغبن فاحش) ولا يشتري، (ولا يسافر به، ولا يُبضعه) بأن يعطيه لمن يتصرف فيه متبرعًا والربح للمالك (بغير إذن) لأن الشركة في الحقيقة توكيل وتوكُّل، وسيأتي في الوكالة أنه ليس للوكيل ذلك.
وقوله: (بغير إذن) قيد في الكلِّ، فإن أذن في شيء منها.. جاز.
(ولكلٍّ فسخه)؛ أي: فسخ عقد الشركة (متى شاء) كالوكالة.
(وينعزلان عن التصرف بفسخهما) أي: بفسخ كلٍّ منهما؛ لزوال العقد.
(فإن قال أحدهما: "عزلتك" أو "لا تتصرف في نصيبي".. لم ينعزل العازل) بل المخاطب فقط؛ لأن المتكلم لم يمنعه أحد، بخلاف المخاطب.

وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَبِجُنُونِهِ وَبِإِغْمَائِهِ. وَالرِّبْحُ وَالْخُسْرَانُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ، تَسَاوَيَا فِي الْعَمَلِ أَوْ تَفَاوَتَا، فَإِنْ شَرَطَا خِلَافَهُ.. فَسَدَ الْعَقْدُ، فَيَرْجِعُ كُلٌّ عَلَى الآخَرِ بِأُجْرَةِ عَمَلِهِ فِي مَالِهِ، وَتَنْفُذُ التَّصَرُّفَاتُ، وَالرِّبْحُ عَلَى قَدْرِ الْمَالَيْنِ. وَيَدُ الشَّرِيكِ يَدُ أَمَانَةٍ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ وَالْخُسْرَانِ وَالتَّلَفِ، فَإِنِ ادَّعَاهُ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ.. طُولِبَ بِبيِّنَةٍ بالسَّبَبِ، ثُمَّ يُصَدَّقُ فِي التَّلَفِ بِهِ، وَلَوْ قَالَ مَنْ فِي يَدِهِ الْمَالُ: (هُوَ لِي)، وَقَالَ الآخَرُ: (مُشْتَرَكٌ)، أَوْ بِالْعَكْسِ.. صُدِّقَ صَاحِبُ الْيَدِ،

(وتنفسخ بموت أحدهما، وبجنونه، وبإغمائه) كالوكالة، قال في "الكفاية": وكذا بطروء حجر السفه 1. (والربح والخسران على قدر المالين، تساويا في العمل أو تفاوتا) سواء شرطاه أم لا؛ عملًا بقضية الشركة.
(فإن شرطا خلافه.. فسد العقد) لأنه مخالف لموضوع الشركة، (فيرجع كلٌّ على الآخر بأجرة عمله في ماله) أي: مال الآخر؛ كما في القراض إذا فسد.
نعم؛ لو تساويا في المال وتفاوتا في العمل، وشُرط الأقلُّ للأكثر عملًا.. لم يرجع بالزائد على الأصح؛ لأنه عمل متبرعًا.
(وتنفذ التصرفات) لوجود الإذن (والربح على قدر المالين) لأنه مستفاد منهما.
(ويد الشريك يد أمانة، فيقبل قوله في الردِّ والخسران والتلف) كالمودع والوكيل، (فإن ادعاه)، يعني: التلف (بسبب ظاهر.. طولب ببينةٍ بالسبب، ثم يُصدَّق في التلف به) هذه المسألة قد ذكرها المصنف في آخر (الوديعة) مستوفاة، والمذكور هنا يحتاج إلى تفصيل فيراجع من هناك.
(ولو قال من في يده المال: "هو لي"، وقال الآخر: "مشترك"، أو بالعكس.. صدق صاحب اليد)؛ لأنها تدلُّ على الملك، وقد ادعى صاحبها جميعَ المال في المسألة الأولى، ونصفَه في الثانية.

جارٍ التحميل