وَلَا يُضْمَنُ حُرٌّ بِيَدٍ، وَلَا يُقْطَعُ سَارِقُهُ، وَلَوْ سَرَقَ صَغِيرًا بِقِلَادَةٍ.. فَكَذَا فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ نَامَ عَبْدٌ عَلَى بَعِيرٍ فَقَادَهُ وَأَخْرَجَهُ عَنِ الْقَافِلَةِ.. قُطِعَ،
فإن الدابة إذا حُمِّلت.. سارت، والثالث: إن سارت عقب الوضع.. قطع، وإلا.. فلا، وهو نظير المصحح في فتح قفص الطائر.
(ولا يضمن حر بيد ولا يقطع سارقه) وإن كان صغيرًا؛ لأنه ليس بمال.
واحترز بالحر: عن الرقيق، فلو سرق عبدًا صغيرًا لا يميز.. قطع إن كان محرزًا، وإنما يكون محرزًا إذا كان في دار سيده أو بفنائها، فإن بعد عنها أو دخل سكة أخرى.. فليس بمحرز.
والمجنون والأعجمي الذي لا يميز كصغير لا يميز، وإن كان الصغير مميزًا فسرقه نائمًا أو سكرانًا أو مضبوطًا.. فكغير المميز، ولو دعاه وخدعه فتبعه مختارًا.. فليس بسرقة بل هو خيانة.
(ولو سرق صغيرًا) حرًّا (بقلادة.. فكذا في الأصح) لأن للحر يدًا على ما معه، ولهذا لو وجد مع اللقيط مال.. كان له، وصار كمن سرق حملًا، وصاحبه راكبه، والثاني: يقطع؛ لأنه أخذه لأجل الحُلِيِّ، وفي معنى القلادة: ما إذا كان معه مال، ذكره في "المحرر" 1.
ومحل الخلاف: ما إذا كانت القلادة ونحوها من الحلي تليق بالصبي، فإن كانت فوق ما يليق به، وأخذه من حرز الحُلِيِّ.. قطع قطعًا، أو من حرز يصلح للصبي دون القلادة أو الحلي.. لم يقطع قطعًا، قاله في "الكفاية" 2.
(ولو نام عبد على بعير فقاده وأخرجه عن القافلة) إلى مضيعة (.. قطع) لأنه كان محرزًا بالقافلة، وهو في نفسه مسروق تثبت عليه اليد، ويتعلق به القطع، وصور في "الشرح" و"الروضة" و"المحرر" المسألة بأن يكون على البعير أمتعة 3، وإنما لم يذكره المصنف؛ لأن البعير كاف؛ فإنه مسروق، والقصد أن يكون معه شيء،
أَوْ حُرٌّ.. فَلَا فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ نَقَلَ مِنْ بَيْتٍ مُغْلَقٍ إِلَى صَحْنِ دَارٍ بَابُهَا مَفْتُوحٌ.. قُطِعَ، وَإِلَّا.. فَلَا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَا مُغْلَقَيْنِ.. قُطِعَ. وَبَيْتُ خَانٍ وَصَحْنُهُ كَبَيْتٍ وَدَارٍ فِي الأَصَحِّ
ويستثنى: المكاتب؛ فإنه كالحر؛ لاستقلاله.
(أو حر.. فلا في الأصح) لأن البعير بيده، والخلاف راجع إلى المسألتين؛ فمقابل الأصحِّ: يقطع مطلقًا؛ لأنه أخرج نصابًا من الحرز والمأمن إلى مضيعة، والثالث: لا يقطع مطلقًا، وأطلق المصنف العبد والحر.
ومحل الخلاف فيهما: إذا كانا مستقلين، وهما البالغان العاقلان.
(ولو نقل من بيت مغلق إلى صحن دار بابها مفتوح.. قطع) لأنه أخرجه من حرزه، وجعله في محل الضياع، (وإلا) أي: وإن كان باب البيت مفتوحًا وباب الدار مغلقًا (.. فلا) قطع؛ لأنه لم يخرجه من تمام الحرز، وكذا إن كانا مفتوحين؛ فإن المال ضائع إذا لم يكن محرزًا باللحاظ.
(وقيل: إن كانا مغلقين.. قطع) لأنه أخرجه من حرزه، والأصح: المنع؛ لأنه لم يخرجه من تمام الحرز، فأشبه ما إذا أخرج من الصندوق المقفل إلى البيت المغلق ولم يخرجه من البيت.
(وبيت خان)، ورباط (وصحنه كبيت ودار) ومدرسة مختصة بواحد (في الأصح) فلو سرق من الحجر أو الصحن ما يحرزه الصحن، وأخرجه من الخان.. قطع، وإن أخرج من البيوت والحجر إلى الصحن.. فوجهان، قضية كلام المصنف تبعًا لـ"المحرر" و"الشرح الصغير": أنه كالإخراج من بيت الدار إلى صحنها 1؛ فيفرق بين أن يكون باب الخان مفتوحًا ومغلقًا، وهو ما رجحه الخراسانيون، والثاني: وبه أجاب العراقيون؛ كما قاله في "البيان": القطع بكل حال، سواء كان باب الخان مغلقًا أو مفتوحًا 2؛ لأن الصحن ليس حرزًا لصاحب البيت، فهو مشترك كالسكة المشتركة، وبه أجاب القاضي الحسين وإبراهيم المَرُّوذي واختاره الأَذْرَعي،
فصلٌ [في شروط السارق الذي يقطع]
لَا يُقْطَعُ صَبيٌّ وَمَجْنُونٌ وَمُكْرَهٌ، وَيُقْطَعُ مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ بِمَالِ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ، وَفِي مُعَاهَدٍ أَقْوَالٌ: أَحْسَنُهَا: إِنْ شُرِطَ قَطْعُهُ بِسَرِقَةٍ.. قُطِعَ،
وحكاه البُلْقيني عن نصِّ "الأم" و"المختصر"، وقال: إنه المعتمد في الفتوى، وليس في "الروضة" و"أصلها" تصريح بترجيح، هذا كله إذا كان السارق من غير السكان، فإن كان منهم وسرق من العرصة.. لم يقطع، وإن أخرج من بيت مغلق إلى الصحن.. قطع؛ لأن الصحن لهم كسكة منسدة.
(فصل: لا يقطع صبي، ومجنون، ومكره) بفتح الراء؛ لرفع القلم عنهم، لكن يعزر الصبي؛ كما نص عليه في "الأم" 1، وكذا المجنون الذي له نوع تمييز؛ كما قاله القاضي الحسين، وأما المكره بكسر الراء: فقال القاضي الحسين: هنا أصلان، أحدهما: المكره على القتل، عليه القود، والثاني: المكره على الزنا، لا حد عليه، فألحق به؛ لأن كلًّا منهما حق لله تعالى، وفي قطع السكران الخلاف في طلاقه وغيره.
(ويقطع مسلم وذمي بمال مسلم وذمي) أما قطع المسلم بمال المسلم.. فإجماع، وأما قطعه بمال الذمي.. فهو المشهور؛ لأنه معصوم بذمته، وأما قطع الذمي بمال المسلم والذمي.. فلالتزامه الأحكام، وكذا يقطع المسلم بمال المعاهد، ومن له أمان؛ لأنه أحرز ماله بالأمان فكان كالذمي، كذا جزم به جمع من العراقيين، وقال القاضي، والإمام، والحجة ومن تبعهم: إن قطع المسلم بمال المعاهد مبني على قطع المعاهد بمال المسلم إن قلنا: يقطع.. قطع المسلم أيضًا، وإلا.. فلا، قال الإمام: إذ من المستحيل ألا يقطع بسرقة مال المسلم، ويقطع المسلم بسرقة ماله 2.
(وفي معاهد) ومستأمن (أقوال: أحسنها: إن شرط قطعه بسرقة.. قطع)
وَإِلَّا.. فَلَا. قُلْتُ: الأَظْهَرُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: لَا قَطْعَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَتثبُتُ السَّرِقَةُ بِيَمِينِ الْمُدَّعِي الْمَرْدُودَةِ فِي الأَصَحِّ، وَبِإِقْرَارِ السَّارِقِ، وَالْمَذْهَبُ: قَبُولُ رُجُوعِهِ
لالتزامه، (وإلا.. فلا) لعدم التزامه، وقال في "الشرح الصغير": إنه الأقرب، (قلت: الأظهر عند الجمهور: لا قطع) مطلقًا (والله أعلم) لأنه لم يلتزم الأحكام، فأشبه الحربي، والثالث: يقطع مطلقًا كالذمي، واختاره في "المرشد"، وصححه مجلي.
(وتثبت السرقة بيمين المدعي المردودة في الأصح) لأن اليمين المردودة كالإقرار أو كالبينة، والقطع يجب بالأمرين، فأشبه القصاص؛ فإنه يثبت باليمين المردودة، ووجه مقابله: أن القطع في السرقة حق الله تعالى، فأشبه ما لو قال: أكره أمتي على الزنا، وحلف المدعي بعد نكول المدعى عليه.. يثبت المهر دون حد الزنا، وجزما به في "الروضة" و"أصلها" في اليمين من الدعاوى، وجرى عليه "الحاوي الصغير" هنا 1، وقال الأَذْرَعي: إنه المذهب والصواب الذي قطع به جمهور الأصحاب، وليس في "الشرح" هنا ترجيح، ونقل في "زيادة الروضة" الثبوت عن تصحيح "المحرر"، وسكت عليه 2.
ومحل الخلاف: في ثبوت القطع، أما المال.. فيثبت قطعًا.
(وبإقرار السارق) ولا يشترط تكرره خلافًا للإمام أحمد 3، لنا قوله عليه الصلاة والسلام: "مَنْ أَبْدَا لَنَا صَفْحَتَهُ.. نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللهِ" 4، وجه الاحتجاج: أنه لم يفرق بين أن يكرر أو لا، ولا يكفي مطلق الإقرار، بل لا بد من تفصيله؛ كالشهادة.
(والمذهب: قبول رجوعه) بالنسبة إلى القطع فيسقط؛ لأنه حق الله تعالى، كحد الزنا، لا الغرم؛ لأنه حق آدمي، والطريق الثاني: لا يقبل في المال، ويقبل في القطع على الأصحَّ، والثالث: يقبل في القطع لا في المال على الأصحِّ.
وَمَنْ أَقَرَّ بِعُقُوبَةٍ للهِ تَعَالَى.. فَالصَّحِيحُ: أَنَّ لِلْقَاضِي أَنْ يُعَرِّضَ لَهُ بِالرُّجُوعِ وَلَا يَقُولُ: (ارْجِعْ). وَلَوْ أَقَرَّ بِلَا دَعْوَى أَنَّهُ سَرَقَ مَالَ زَيْدٍ الْغَائِبِ.. لَمْ يُقْطَعْ فِي الْحَالِ، بَلْ يُنْتَظَرُ حُضورُهُ فِي الأَصَحِّ، أَوْ أَنَّهُ أَكْرَهَ أَمَةَ غَائِبٍ عَلَى زِنًا.. حُدَّ فِي الْحَالِ فِي الأَصَحِّ.
(ومن أقر بعقوبة لله تعالى.. فالصحيح: أن للقاضي أن يعرض له بالرجوع) لأنه عليه السلام قال لماعز: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ نَظَرْتَ" رواه البخاري 1، وقال لمن أقر عنده بالسرقة: "مَا إِخَالُكَ سَرَقْتَ" قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا، فأمر به فقطع، رواه أبو داوود وغيره 2.
قالا: والتعريض في الزنا: لعلك فاخذت، أو لمست، أو قبلت، وفي الشرب: لعلك لم تعلم أن ما شربته مسكر، وفي السرقة: لعلك غصبت، أو أخذت من غير حرز، ونحوها 3.
والثاني: لا يفعل ذلك، ونقله الإمام عن الجمهور.
والثالث: إن لم يكن عالمًا بجواز الرجوع عرض له، وإلا.. فلا.
واحترز بالإقرار: عما إذا ثبت زناه بالبينة، وبقوله: (لله تعالى) عن حقوق الآدميين.. فإنه لا يعرض بالرجوع عنها.
(ولا يقول: ارجع) عن الإقرار أو اجحده؛ لأنه يكون أمرًا بالكذب.
(ولو أقر بلا دعوى أنه سرق مال زيد الغائب.. لم يقطع في الحال، بل ينتظر حضوره) ومطالبته (في الأصح) لأنه ربما حضر وأقر أنه كان أباح له المال، أو يقر له بالملك فيسقط الحد وإن كذبه السارق؛ فإنه يسقط بالشبهة، والثاني: يقطع في الحال؛ عملًا بإقراره، والأصل: عدم المسقط؛ كما لو أقر أنه زنى بفلانة.. لا ينتظر حضورها.
(أو أنه أكره أمة غائب على زنًا.. حد في الحال في الأصح) لأن حد الزنا
وَيَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، فَلَوْ شَهِدَ رَجُل وَامْرَأَتَانِ.. ثَبَتَ الْمَالُ وَلَا قَطْعَ، وَيُشْتَرَطُ ذِكْرُ الشَّاهِدِ شُرُوطَ السَّرِقَةِ
لا يتوقف على طلب، ولو حضر وقال: (كنت أبحتها له).. لم يسقط الحد بذلك؛ لأن إباحة البضع ملغاة، والثاني: ينتظر حضور المالك؛ لاحتمال أنه يقر أنه كان وقفها عليه، فيسقط الحد، بخلاف ما لو أقر أنه كان باعها منه، أو وهبها له، وأنكر المقر.. فإنه لا يسقط الحد.
والفرق: أن الوقف لا يحتاج إلى القبول، بخلاف البيع والهبة، كذا ذكره في "الروضة" 1.
(ويثبت) القطع (بشهادة رجلين) كسائر العقوبات، وشهادة الزنا هي التي خصت بمزيد العدد، (فلو شهد رجل وامرأتان) أو رجل وحلف معه (.. ثبت المال ولا قطع) كما لو علق الطلاق والعتق على غصب أو سرقة، فشهد رجل وامرأتان على الغصب، أو السرقة.. ثبت المال دون الطلاق والعتق، كذا ذكر الرافعي هذا التنظير هنا 2، وذكر فيه تفصيلًا في (الشهادات)، وهو أن يكون التعليق قبل ثبوت الغصب والسرقة، فلو ثبت الغصب والسرقة أولأ برجل وامرأتين، وحكم الحاكم به، ثم جرى التعليق فقال لها: (إن كنت غصبت أو سرقت فأنت طالق).. وقع الطلاق 3.
(ويشترط ذكر الشاهد شروط السرقة) ولا يكفي الإطلاق؛ إذ قد يظن ما ليس بسرقة سرقة، ولاختلاف العلماء فيما يوجب القطع، ويشير إلى عين المشهود عليه إن كان حاضرًا، ويذكر اسمه ويرفع في نسبه بحيث يتميز إن كان غائبًا، كذا قالا 4، واستشكل بأن البينة لا تسمع على غائب في حدود الله تعالى.
ويشترط: أن يبين المسروق والمسروق منه، وكون السرقة من حرز بتعيين الحرز أو صفته.
وَلَوِ اخْتَلَفَ شَاهِدَانِ؛ كَقَوْلِهِ: (سَرَقَ بُكْرَةً)، وَالآخَرِ: (عَشِيَّةً).. فَبَاطِلَةٌ. وَعَلَى السَّارِقِ رَدُّ مَا سَرَقَ، فَإِنْ تَلِفَ.. ضَمِنَهُ. وَتُقْطَعُ يَمِينُهُ، فَإِنْ سَرَقَ ثَانِيًا بَعْدَ قَطْعِهَا.. فَرِجْلُهُ الْيُسْرَى، وَثَالِثًا.. يَدُهُ الْيُسْرَى، وَرَابِعًا.. رِجْلُهُ الْيُمْنَى، وَبَعْدَ ذَلِكَ.. يُعَزَّرُ
(ولو اختلف شاهدان؛ كقوله: "سرق بكرة"، والآخر: "عشية".. فباطلة) لأنهما شهدا على الفعل، ولم يتفقا عليه.
وقضية قوله: (باطلة) أنه لا يلزمه شيء، لكن في "الشرح" و"الروضة": أن المشهود له لو حلف مع أحدهما.. غرم المال 1.
(وعلى السارق ردُّ ما سرق) لقوله عليه السلام: "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدَّيَهُ" 2، (فإن تلف.. ضمنه) جبرًا لما فات.
(وتقطع يمينه) بالإجماع، كما قاله القاضي أبو الطيب، وإنما لم يقطع ذكر الزاني قياسًا على السارق لأوجه؛ أحدها: أن للسارق مثلها، بخلاف الزاني، ثانيها: ما فيه من إبطال النسل، ثالثها: أن اليد تبرأ غالبًا، بخلافه.
(فإن سرق ثانيًا بعد قطعها.. فرجله اليسرى، وثالثًا.. يده اليسرى، ورابعًا.. رجله اليمنى) لما رواه الشافعي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في السارق: "إِنْ سَرَقَ.. فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ.. فاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ.. فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ.. فاقْطَعُوا رِجْلَهُ" 3، وله شواهد كثيرة.
روى البيهقي بإسناد صحيح عن عكرمة عن ابن عباس قال: (شهدت عمر قطع يدًا بعد يدٍ ورجل)، قال البيهقي: (وقد أشار على أبي بكر بذلك أيضًا) 4.
(وبعد ذلك) أي: بعد قطع اليدين والرجلين (يعزر) على الجديد؛ لأن القطع
وَيُغْمَسُ مَحَلُّ قَطْعِهِ بِزَيْتٍ أَوْ دُهْنٍ مُغْلَىً، قِيلَ: هُوَ تتَمَّة لِلْحَدِّ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَقْطُوعِ؛ فَمُؤْنَتُهُ عَلَيْهِ، وَلِلإِمَامِ إِهْمَالُهُ. وَتُقْطَعُ الْيَدُ مِنْ كُوعٍ، وَالرِّجْلُ مِنْ مَفْصِلِ الْقَدَمِ. وَمَنْ سَرَقَ مِرَارًا بِلَا قَطْعٍ.. كَفَتْ يَمِينُهُ وَإِنْ نَقَصَتْ أَرْبَعَ أَصَابِعَ
ثبت بالكتاب والسنة، ولم يثبت بعد ذلك شيء آخر، والسرقة معصية فتعين التعزير، وعن القديم: أنه يقتل في الخامسة؛ لحديث فيه لكنه ضعيف؛ كما قاله النسائي وغيره 1.
(ويغمس محل قطعه بزيت، أو دهن مُغلىً) لورود الأمر به؛ كما رواه الحاكم وصححه 2، والمعنى فيه: سدُّ أفواه العروق لينقطع الدم، قال الماوردي: وهذا في الحضري، أما البدوي.. فيحسم بالنار؛ لأنه عادتهم 3، (قيل: هو تتمة للحد) فيجب على الإمام فعله؛ لأن فيه مزيد إيلام، وما زال الولاة يفعلونه على كراهة من المقطوعين، ولم يراعوا ذلك في قطع الأطراف قصاصًا.
(والأصح: أنه حق للمقطوع) لأن الغرض المعالجة، ودفع الهلاك عنه بنزف الدم، (فمؤنته عليه، وللإمام إهماله) ولا يجبر المقطوع عليه؛ لأنه نوع مداواة.
وقضية كلامه: أن المؤنة على الوجه الأول لا تكون عليه، وليس كذلك ففي "الروضة" و"أصلها": أنه على الخلاف في مؤنة الجلاد، والأصحُّ في مؤنة الجلاد: أنها على المجلود والسارق 4.
(وتقطع اليد من كوع) بالإجماع (والرجل من مفصل القدم) اتباعًا لعمر رضي الله عنه؛ كما رواه ابن المنذر 5.
(ومن سرق مرارًا بلا قطع.. كفت يمينه) لأن السبب واحد فتداخلت؛ لحصول الحكمة، وهو الزجر، وقياسًا على من زنى أو شرب مرارًا (وإن نقصت أربع أصابع) ولا يعدل إلى الرجل؛ لحصول الإيلام والتنكيل.
قُلْتُ: وَكَذَا لَوْ ذَهَبَتِ الْخَمْسُ فِي الأَصحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَتُقْطَعُ يَدٌ زَائِدَةٌ إِصْبَعًا فِي الأَصحِّ، فَلَوْ سَرَقَ فَسَقَطَتْ يَمِينُهُ بِآفَةٍ.. سَقَطَ الْقَطْعُ، أَوْ يَسَارُهُ.. فَلَا عَلَى الْمَذْهَبِ.
(قلت: وكذا لو ذهبت الخمس في الأصح، والله أعلم) لما ذكرناه، والثاني: لا تكفي، وتقطع الرجل اليسرى، لانتفاء البطش، وحكاه أبو حامد عن النصِّ، وقال القاضي الحسين: إنه المذهب، والخلاف جار فيما إذا سقط بعض الكف أيضًا وبقي محل القطع.
(وتقطع يد زائدة إصبعًا) فأكثر (في الأصح) لإطلاق الآية؛ فإن إطلاق اليد تتناول ما عليه خمس أو أكثر، والثاني: المنع؛ كالقصاص، فيعدل إلى رجله اليسرى.
وفرق الأول: بأن القصاص مقصوده المساواة، والمقصود هنا الزجر والتنكيل.
(فلو سرق فسقطت يمينه بآفة) أو جناية (.. سقط القطع) لأن القطع تعلق بعينها فسقط بفواتها؛ كموت المرتد، وكذا لو شلت يمينه بعد السرقة وخشي من قطعها تلف النفس؛ كما في "الكفاية" عن القاضي الحسين 1، (أو) سقطت (يساره) واليمنى موجودة (.. فلا) يسقط القطع (على المذهب) لبقاء محل القطع، وعن أبي إسحاق أنه يسقط القطع؛ كما في مسألة الجلاد إذا قطع اليسار غلطًا، ورُدَّ: بأن يساره قطعت هناك بعلة السرقة، فلو أبقينا القطع في اليمين.. لذهبت يداه بعلة السرقة، ولم يوجد هذا فيما إذا سقطت بآفة.
بابُ قاطع الطريق هُوَ مُسْلِمٌ مُكَلَّفٌ لَهُ شَوْكَةٌ، لَا مُخْتَلِسُونَ يَتَعَرَّضُونَ لآخِرِ قَافِلَةٍ يَعْتَمِدُونَ الْهَرَبَ. وَالَّذِينَ يَغْلِبُونَ شِرْذِمَةً بِقُوَّتِهِمْ قُطَّاعٌ فِي حَقِّهِمْ،
﴿باب قاطع الطريق﴾
سمي بذلك؛ لامتناع الناس من المرور خوفًا منه.
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، الآية، نزلت فيهم؛ كما نقله الماوردي عن الفقهاء وجمهور المفسرين 1، وقيل: في العرنيين، وقيل: في المشركين.
(هو مسلم) فالكافر ليس له حكم قاطع الطريق وإن أخاف السبيل، وتعرض للنفس والمال، كذا قالاه 2، قال في "المهمات": ولا وجه لذلك في الذمي، وبسطه 3، (مكلف) ولو عبدًا وامرأة، فالمراهق لا عقوبة عليه وإن ضمن المال والنفس، (له شوكة) أي: قوة وقدرة، وإفراده للصفات يؤخذ منه أنه لا يشترط فيهم العدد، وهو كذلك، فالواحد إذا كان له فضل قوة يغلب بها الجماعة، وتعرض للنفس وللمال مجاهرة.. فهو قاطع طريق، ولا يشترط شهر السلاح، بل تكفي العصي والحجارة.
(لا مختلسون يتعرضون لآخر قافلة يعتمدون الهرب) لانتفاء الشوكة، لأن المعتمد على الشوكة ليس له دافع من الرفقة، فغلظت عقوبته؛ ردعًا له بخلاف المختلس؛ فإنه لا يرجع إلى قوة.
(والذين يغلبون شرذمة بقوتهم قطاع في حقهم) لاعتمادهم على الشوكة بالنسبة
لَا لِقَافِلَةٍ عَظِيمَةٍ، وَحَيْثُ يَلْحَقُ غَوْثٌ لَيْسُوا بِقُطَّاعٍ، وَفَقْدُ الْغَوْثِ يَكُونُ لِلْبُعْدِ أَوْ لِضَعْفٍ، وَقَدْ يَغْلِبُونَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ فِي بَلَدٍ فَهُمْ قُطَّاعٌ
إلى الشرذمة اليسيرة، (لا لقافلة عظيمة) لأنه لا قوة لهم مع القافلة الكبيرة.
واحترز بقوله: (بقوتهم): عما لو كانت الرفقة عددًا يتأتى منهم دفع القاصدين، ومقاومتهم فاستسلموا حتى قتلوا، وأخذت أموالهم؛ فالقاصدون ليسوا بقطاع؛ لأن ما فعلوه لم يصدر عن شوكتهم وقوتهم، بل الرفقة ضيعوا، هكذا أطلقوه، وفيه بحث للرافعي 1.
نعم؛ لو نالت كل طائفة من الأخرى بالقتال.. فأصحُّ احتمالي الإمام: أنهم قطاع، وبه جزم الغزالي، كذا قاله في "أصل الروضة" 2.
(وحيث يلحق غوث) لو استغاثوا (ليسوا بقطاع) لإمكان الاستغاثة.
نعم؛ هم منتهبون.
(وفقد الغوث يكون للبعد) عن العمران وعساكر السلطان، (أو لضعف) أطلق الضعف، وقيداه في "المحرر" و"الشرح" و"الروضة" بضعف السلطان 3، وإطلاق "الكتاب" أحسن؛ فإنه لو دخل جماعة بالليل دارًا، وشهروا السلاح، ومنعوا أهل الدار من الاستغاثة.. فقطاع على الصحيح مع قوة السلطان وحضوره.
(وقد يغلبون والحالة هذه في بلد) عند ضعف السلطان أو بعده أو بعد أعوانه، وعدم مقاومة أهل الستر والعفة لهم (فهم قطاع) لوجود الشروط فيهم، ولأنهم إذا وجب عليهم هذا الحد في الصحراء وهي موضع الخوف.. فلأن تجب في البلد وهي موضع الأمن أولى؛ لعظم جرأتهم.
وَلَوْ عَلِمَ الإِمَامُ قَوْمًا يُخِيفُونَ الطَّرِيقَ وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا وَلَا نَفْسًا.. عَزَّرَهُمْ بِحَبْسٍ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا أَخَذَ الْقَاطِعُ نِصَابَ السَّرِقَةِ.. قَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى وَرِجْلَهُ الْيُسْرَى، فَإِنْ عَادَ.. فَيُسْرَاهُ وَيُمْنَاهُ، وَإِنْ قَتلَ.. قُتِلَ حَتْمًا، وَإِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ مَالًا.. قُتِلَ ثُمَّ صُلِبَ.
(ولو علم الإمام قومًا يخيفون الطريق، ولم يأخذوا مالًا ولا نفسًا) أي: ولم يقتلوا نفسًا (.. عزرهم بحبس وغيره) لخروجهم للحرابة، كما يعزر على مقدمات الزنا والشرب.
(وإذا أخذ القاطع نصاب السرقة.. قطع يده اليمنى ورجله اليسرى، فإن عاد.. فيسراه ويمناه) للآية السالفة، وهي وإن اقتضى ظاهرها التخيير.. فالمراد بها: الترتيب عندنا؛ اقتداءً بابن عباس رضي الله عنهما 1.
واحترز بالنصاب: عما دونه؛ فإنه لا قطع به على الأصحِّ؛ كالسرقة، وسكت عن اعتبار الحرز ولا بد منه؛ كما نقلاه عن الأصحاب، حتى لو كان المال تسير به الدواب بلا حافظ، أو كانت الجمال مقطورة، ولم تتعهد؛ كما شرط في السرقة.. لم يجب القطع 2.
ويشترط أيضًا: انتفاء الشبهة في المأخوذ، وكونه ممن يقطع في السرقة.
(وإن قتل) قاطع الطريق عمدًا عدوانًا من يكافئه لأجل أخذ المال؛ كما قيده البَنْدَنيجي، وقال البُلْقيني: إنه مقتضى نص "الأم" (.. قتل) لما سيأتي (حتمًا) فلا يسقط بعفو الولي؛ لأن كل معصية فيها عقوبة في غير المحاربة تجب فيها زيادة عند المحاربة؛ كأخذ المال، ولا زيادة هنا إلا بالحتم.
(وإن قتل وأخذ مالًا.. قتل ثم صلب) هكذا نزَّل ابن عباس رضي الله عنهما العقوبات المذكورة في الآية على هذه المراتب، والمعنى: أن يقتلوا إن قتلوا، ويقتلوا ويصلبوا إن أخذوا المال وقتلوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن اقتصروا على أخذ المال.
وكلمة (أو) للتنويع لا للتخيير؛ كما يقال: الزاني يجلد أو يرجم، وإنما صلب
ثَلَاثًا ثُمَّ يُنْزَلُ، وَقِيلَ: يَبْقَى حَتَّى يَسِيلَ صَدِيدُهُ، وَفِي قَوْلٍ: يُصْلَبُ قَلِيلًا ثُمَّ يُنْزَلُ فَيُقْتَلُ. وَمَنْ أَعَانَهُمْ وَكَثَّرَ جَمْعَهُمْ.. عُزِّرَ بِحَبْسٍ وَتغرِيبٍ وَغَيْرِهِمَا، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ التَّغْرِيبُ إِلَى حَيْثُ يَرَاهُ. وَقَتْلُ الْقَاطِعِ يُغَلَّبُ فِيهِ مَعْنَى الْقِصَاصِ، وَفِي قَوْلٍ: الْحَدِّ، فَعَلَى الأَوَّلِ: لَا يُقْتَلُ بِوَلَدِهِ وَذِمِّيٍّ، وَلَوْ مَاتَ.. فَدِيَةٌ، وَلَوْ قَتَلَ جَمْعًا.. قُتِلَ بِوَاحِدٍ، وَلِلْبَاقِينَ دِيَاتٌ،
بعد قتله؛ لأن في صلبه قبله زيادة تعذيب، وهو منهي عنه، ولو مات قبل قتله.. لم يصلب على الأصحِّ؛ لأنه تابع.
(ثلاثًا) ليشتهر الحال، ويتم النكال (ثم ينزل) لأن الثلاث لها اعتبار في الشرع، وليس لما زاد عليها غاية.
نعم؛ إن خيف تغيره قبل الثلاث.. أنزل على الأصحِّ.
(وقيل: يبقى حتى يسيل صديده) وهو الودك؛ تغليظًا عليه، (وفي قول: يصلب) حيًّا (قليلًا ثم ينزل فيقتل) لأن الصلب شرع عقوبة له، فيقام عليه وهو حي.
(ومن أعانهم وكثر جمعهم) ولم يزد على ذلك (.. عزر بحبس وتغريب وغيرهما) كسائر المعاصي ولا حد؛ كما لا حد في مقدمات الزنا، (وقيل: يتعين التغريب إلى حيث يراه) الإمام؛ لأن عقوبته في الآية النفي.
(وقتل القاطع يغلب فيه معنى القصاص) لأنه قتل في مقابلة قتل، (وفي قول: الحد) لتحتمه وتعلق استيفائه بالسلطان لا بالولي.
(فعلى الأول: لا يقتل بولده وذمي) وعبد؛ لانتفاء المكافأة، وعلى الثاني: يقتل.
(ولو مات) القاطع (.. فدية) في ماله على القول الأول، وعلى الثاني: لا شيء.
(ولو قتل جمعًا.. قتل بواحد، وللباقين ديات) كما في القصاص، فلو قتلهم مرتبًا.. قتل بالأول، ولو عفا وليه.. لم يسقط؛ لتحتمه حكياه عن البغوي وأقراه 1، وعلى الثاني: يقتل بجميعهم ولا دية.
وَلَوْ عَفَا وَلِيُّهُ بِمَالٍ.. وَجَبَ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ وَيُقْتَلُ حَدًّا، وَلَوْ قَتلَ بمُثَقَّلٍ أَوْ بِقَطْع عُضْوٍ.. فُعِلَ بِهِ مِثْلُهُ. وَلَوْ جَرَحَ فَأنْدَمَلَ.. لَمْ يَتَحَتَّمْ قِصَاصٌ فِي الأًظْهَرِ. وَتسقُطُ عُقُوبَاتٌ تَخُصُّ الْقَاطِعَ بِتَوْبَتِهِ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ،
(ولو عفا وليه بمال.. وجب، وسقط القصاص ويقتل حدًّا) كما لو وجب القصاص على مرتد فعفا عنه وليه، وعلى الثاني: العفو لغو، كذا قالاه في "الشرح" و"الروضة" 1، وقال البُلْقيني: إن المنصوص والذي عليه الجمهور: أنه لا يصح عفو الولي على القولين، لا بمال ولا بغير مال، قال: ولم أر هذا التفريع إلا في كلام الفوراني، وتبعه الإمام والغزالي والرافعي، وهو غير معتمد بل غلط، واستحقاق العافي المال لا في مقابلة حصلت للدافع.. من أكل المال بالباطل، ولا يصح التشبيه بوجوب القصاص على المرتد حيث يصح العفو على مال وإن كان مقتولًا بالردة؛ لانفكاك أحد السببين عن الآخر، وهما القصاص والردة، ولأنه إذا أسلم.. لم يقتل، بخلاف من تحتم قتله.
(ولو قتل بمثقل أو بقطع عضو.. فعل به مثله) تغليبًا للقصاص، وإن غلبنا الحد.. قتل بالسيف؛ كالمرتد.
(ولو جرح فاندمل.. لم يتحتم قصاص) في الطرف المجني عليه (في الأظهر) بل يتخير المجروح بين القصاص والعفو على مال أو غيره؛ لأن التحتم حق الله تعالى فاختص بالنفس؛ كالكفارة، والثاني: يتحتم؛ كالنفس، والثالث: يتحتم في اليدين والرجلين؛ لأنهما مما يستحقان في المحاربة دون الأنف والأذن وغيرهما.
وقوله: (فاندمل) من زياداته على "المحرر"، واحترز به: عما إذا سرى إلى النفس.. فهو كالقتل.
(وتسقط عقوبات تخص القاطع) مما هو حد لله تعالى، وهو انحتام القتل والصلب وقطع الرجل، وكذا اليد في الأصحِّ (بتوبته قبل القدرة عليه) لقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾، الآية، أما ما لا يخص القاطع؛ كأصل
لَا بَعْدَهَا عَلَى الْمَذْهَب، وَلَا تَسْقُطُ سَائِرُ الْحُدُودِ بِهَا فِي الأَظْهَرِ.
فَصْلٌ [في اجتماع عقوبات على شخص واحد]
مَنْ لَزِمَهُ قِصَاصٌ وَقَطْعٌ وَحَدُّ قَذْفٍ وَطَالَبُوهُ.. جُلِدَ ثُمَّ قُطِعَ ثُمَّ قُتِلَ، وَيُبَادَرُ بِقَتْلِهِ بَعْدَ قَطْعِهِ لَا قَطْعِهِ بَعْدَ جَلْدِهِ إِنْ غَابَ مُسْتَحِقُّ قَتْلِهِ، وَكَذَا إِنْ حَضرَ وَقَالَ: (عَجِّلُوا الْقَطْعَ) فِي الأَصَحِّ.
القصاص، وضمان المال.. فلا يسقط، (لا بعدها على المذهب) لمفهوم الآية.
والفرق من جهة المعنى: أنه بعد القدرة متهم لقصد دفع الحد، بخلاف ما قبلها؛ فإنها بعيدة من التهمة قريبة من الحقيقة، وقيل: قولان كالقولين في سقوط حد الزاني، والشارب، والسارق بالتوبة.
(ولا تسقط سائر الحدود) التي لله؛ كالزنا، والسرقة، والشرب (بها في الأظهر) لأنه لو سقط.. لصار ذلك ذريعة في إبطال حكمة الحد، وسواء في ذلك قاطع الطريق وغيره، قبل القدرة عليه وبعدها، والثاني: السقوط بها؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾، وقيس حد الشرب عليهما، بل أولى؛ لأنه أخف، ورجحه البُلْقيني، قال: لأن الشافعي رضي الله عنه جزم به في موضعين في "الأم"، قال الأَذْرَعي: وقد رجحه العراقيون أو أكثرهم، وهم أعلم بالنصوص.
ويرد على المصنف توبة تارك الصلاة؛ فإنها تسقط القتل قطعًا.
(فصل: من لزمه قصاص) في النفس (وقطع) قصاصًا (وحد قذف وطالبوه.. جلد ثم قطع ثم قتل) لأنه أقرب إلى استيفاء الجميع، (ويبادر بقتله بعد قطعه لا قطعه بعد جلده إن غاب مستحق قتله) لأنه قد يهلك بالموالاة فيفوت قصاص النفس، (وكذا إن حضر وقال: "عجلوا القطع" في الأصح) لأنه قد يهلك بالموالاة، وربما يعفو مستحق القتل فيفوت قصاص النفس، والثاني: يبادر؛ لأن التأخير كان لحقه وقد رضي بالتقديم.
وَإِذَا أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ النَّفْسِ حَقَّهُ.. جُلِدَ، فَإِذَا بَرِئَ.. قُطِعَ، وَلَوْ أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ طَرَفٍ.. جُلِدَ، وَعَلَى مُسْتَحِقِّ النَّفْسِ الصَّبْرُ حَتَّى يُسْتَوْفَى الطَّرَفُ، فَإِنْ بَادَرَ فَقَتَلَ.. فَلِمُسْتَحِقِّ الطَّرَفِ دِيَتُهُ، وَلَوْ أَخَّرَ مُسْتَحِقُّ الْجَلْدِ.. فَالْقِيَاسُ: صَبْرُ الآخَرَيْنِ. وَلَوِ اجْتَمَعَ حُدُودٌ للهِ تَعَالَى.. قُدِّمَ الأَخَفُّ فَالأَخَفُّ، أَوْ عُقُوبَاتٌ للهِ تَعَالَى وَلآدَمِيِّينَ.. قُدِّمَ حَدُّ قَذْفٍ عَلَى زِنًا، وَالأَصَحُّ: تَقْدِيمُهُ عَلَى حَدِّ شرْبٍ،
(وإذا آخر مستحق النفس حقه.. جلد، فإذا برئ.. قطع) ولا يوالى بينهما خوف الموت، فيفوت قصاص النفس، (ولو أخر مستحق طرف.. جلد، وعلى مستحق النفس الصبر حتى يستوفَى الطرف) لئلا يفوت على ذي حق حقه، (فإن بادر) مستحق النفس (فقتل.. فلمستحق الطرف ديته) في تركة المقتول؛ لفوات محل الاستيفاء، (ولو أخر مستحق الجلد.. فالقياس: صبر الآخرين) لئلا يفوت على ذي حق حقه، وما ادعاه من القياس مردود بالنسبة إلى القطع؛ لأنه لا يفوت الجلد بالقطع؛ إذ يمكن استيفاؤه بعد البرء من القطع، لا سيما إذا كان الطرف أذنًا، أو أنملة ونحوها.
(ولو اجتمع حدود لله تعالى) بأن شرب، وزنا وهو بكر، وسرق، وارتد (.. قدم) وجوبًا (الأخف فالأخف) سعيًا في إقامة الجميع، وأخفها حد الشرب فيقام، ثم يمهل حتى يبرأ، ثم يجلد للزنا ويمهل، ثم يقطع، فإذا لم يبق إلا القتل.. قتل ولا يمهل، وهل يقدم قطع السرقة على التغريب؟ قال ابن الرفعة: لم أر لأصحابنا تعرضًا له 1.
(أو عقوبات لله تعالى ولآدميين) بأن انضم إلى هذه العقوبات حد قذف (.. قدم حد قذف على زنا) كذا نص عليه، واختلف في علته، فقيل: لأنه أخف، والأصحُّ: كونه حق آدمي، وستأتي فائدتهما على الإثر.
(والأصح: تقديمه) أي: حد القذف (على حد شرب) لأنه حق آدمي، والثاني: عكسه؛ لأنه أخف.
وَأَنَّ الْقِصَاصَ قَتْلًا وَقَطْعًا يُقَدَّمُ عَلَى الزِّنَا.
(وأن القصاص قتلًا وقطعًا يقدم على الزنا) الخلاف مبني على المعنيين السابقين، ولو اجتمع مع الحدود تعزير.. قال الماوردي: قدم عليها كلها؛ لخفته، ولأنه حق آدمي 1.
كتابُ الأشربة كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ.. حَرُمَ قَلِيلُهُ، وَحُدَّ شَارِبُهُ، إِلَّا صَبِيًّا وَمَجْنُونًا وَحَرْبِيًّا وَذِمِّيًّا
﴿كتاب الأشربة﴾ شرب الخمر من كبائر المحرمات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾، وهو الخمر عند الأكثرين، قال الشاعر: [من الوافر] شَرِبْتُ الإِثْمَ حَتَّى ضَلَّ عَقْلِي... كَذَاكَ الإِثْمُ يَغْلِبُ بِالْعُقُولِ 1 وتظافرت الأحاديث على تحريمها، وكذلك الإجماع، ولا التفاتَ إلى ما حكي عن قدامة بن مظعون وعمرو بن معدي كرب في ذلك؛ كما نبّه عليه الماوردي 2. (كل شراب أسكر كثيره.. حرم قليله) لحديث: "كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ.. فَهُوَ حَرَامٌ"، متفق عليه 3، وصحح الترمذي: "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ.. فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ" 4. (وحُدّ شاربه) وإن لم يسكر؛ لحديث: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ.. فَاجْلِدُوهُ"، رواه الإمام أحمد، وصححه الحاكم 5. وخرج بالشراب: النبات؛ كالحشيش الذي يتعاطاه السفلة؛ فإنه لا حد فيه وإن حرم؛ كما نقلاه في (باب الأطعمة) عن الروياني 6. (إلا صبيًّا ومجنونًا) لرفع القلم عنهما، (وحربيًّا) لعدم الالتزام، (وذميًّا) لأنه لم يُلزم بالذمة ما لا يعتقده، إلا الأحكام المتعلقة بالعباد، وكذا المعاهد،
وَمُوجَرًا، وَكَذَا مُكْرَهًا عَلَى شُرْبِهَا عَلَى الْمَذْهَبِ. وَمَنْ جَهِلَ كَوْنَهَا خَمْرًا.. لَمْ يُحَدَّ، وَلَوْ قَرُبَ إِسْلَامُهُ فَقَالَ: (جَهِلْتُ تَحْرِيمَهَا).. لَمْ يُحَدَّ، أَوْ (جَهِلْتُ الْحَدَّ).. حُدَّ. وَيُحَدُّ بدُرْدِيِّ خَمْرٍ، لَا بِخُبْزٍ عُجِنَ دَقِيقُهُ بِهَا وَمَعْجُونٍ هِيَ فِيهِ، وَكَذَا حُقْنَةٌ وَسَعُوطٌ فِي الَأَصَحِّ، وَمَنْ غَصَّ بِلُقْمَةٍ.. أَسَاغَهَا بِخَمْرٍ إِنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا،
(وموجَرًا) أي: وهو من أوجر المسكر قهرًا؛ إذ لا صنع له.
(وكذا مكرهًا على شربها على المذهب) 1 لحديث: "وُضِعَ عَنْ أُمَّتِيَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" 2، وقيل: وجهان، فإن قلنا: يحد.. لم يجز تناوله، وإلا.. جاز.
(ومن جهل كونها خمرًا) أي: شرب شيئًا ظنه مباحًا وكان خمرًا.. (لم يحد) للعذر.
(ولو قرب إسلامه فقال: "جهلت تحريمها".. لم يحد) للعذر أيضًا، (أو "جهلت الحد".. حد) لأن من حقه إذا علم التحريم أن يمتنع.
(ويحد بدُرْديّ خمر) وهو ما يبقى في آخر الإناء من العكر؛ لأنه منه، (لا بخبز عجن دقيقه بها) على الصحيح؛ لأن عين الخمر أكلتها النار، وبقي الخبز نجسًا، (ومعجونٍ هي فيه) لاستهلاكها، (وكذا حقنة وسعوط في الأصح) لأن الحد للزجر، ولا حاجة إليه هنا؛ فإن النفس لا تدعو إليه، والثاني: يحد فيهما؛ كما يحصل بهما الإفطار، والثالث: يحد في الثاني دون الأول.
(ومن غص بلقمة) وخاف الهلاك (.. أساغها) وجوبا (بخمر إن لم يجد غيرها) إنقاذًا للنفس من الهلاك، والسلامة بذلك قطعية، بخلاف التداوي وشربِها للعطش، قال الأصحاب: وهذه رخصة واجبة.
وقوله: (غص): هو بفتح الغين وضمها، والفتح أجود؛ كما قاله المصنف في
وَالأَصَحُّ: تَحْرِيمُهَا لِدَوَاءٍ وَعَطَشٍ. وَحَدُّ الْحُرِّ أَرْبَعُونَ، وَالرَّقِيقِ عِشْرُونَ
"التهذيب"، وضبطه في "المنهاج" بخطه بالفتح 1.
(والأصح: تحريمها لدواء) لأنها داء وليست بدواء؛ كما أخرجه مسلم 2، (وعطش) لأنها لا تزيل العطش بل تزيده؛ لأن طبعها حار يابس؛ كما قاله الأطباء، ومقابل الأصحِّ: أوجه: أحدها: يجوز للتداوي والعطش، والثاني: يجوز للتداوي دون العطش، والثالث: عكسه.
وشربها لدفع الجوع كهو لدفع العطش، وقيل: لا يجوز للجوع وإن جوزناه للعطش؛ لأنها تحرق كبد الجائع.
وحيث جوزنا للتداوي.. فله شروط: خبر طبيب مسلم أو خبرته في نفسه، وألا يجد ما يقوم مقامها، وأن يكون قليلًا لا يسكر.
وإنما يحرم التداوي بصِرْفها، فأما الترياق المعجون بها ونحوه مما تستهلك فيه.. فإنه جائز.
وإذا قلنا بالتحريم في الصورتين.. هل يجب الحد فيه؟ وجهان، رجح في "الشرح الصغير": عدم وجوبه؛ لشبهة الخلاف في حله، وقال في "تصحيح التنبيه": إنه المختار 3، وقال الأَذْرَعي: إنه الأصحُّ الأقوى.
(وحد الحر أربعون) للاتباع 4، (والرقيق عشرون) لأنه حد يتبعض، فينصف على العبد؛ كحد الزنا، والمبعض كالقن؛ كما جزم به الأَذْرَعي والزركشي وغيرهما 5.
بِسَوْطٍ أَوْ أيْدٍ أَوْ نِعَالٍ أَوْ أَطْرَافِ ثِيَابٍ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ سَوْطٌ. وَلَوْ رَأَى الإِمَامُ بُلُوغَهُ ثَمَانِينَ.. جَازَ فِي الأَصَحِّ، وَالزِّيَادَةُ تَعْزِيرَاتٌ، وَقِيلَ: حَدٌّ. وَيُحَدُّ بِإِقْرَارِهِ أَوْ شَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، لَا بِرِيحِ خَمْرٍ وَسُكْرٍ وَقَيْءٍ،
(بسوط أو أيد أو نعال أو أطراف ثياب) 1 لأنه صلى الله عليه وسلم كان يضرب بالجريد والنعال، متفق عليه 2، وفي "البخاري": أنه عليه السلام أُتيَ بسكران، فأمر بضربه، فمنهم من ضربه بيده، ومنهم من ضربه بنعله، ومنهم من ضربه بثوبه 3، قال البغوي في "تعليقه": فيفتل الثوب، ويضرب به حتى يحصل الإيلام، (وقيل: يتعين سوط) لإجماع الصحابة على الضرب به، وكحد الزنا والقذف.
(ولو رأى الإمام بلوغه) في الحر (ثمانين.. جاز في الأصح) لأن عمر رضي الله عنه رآه، ووافقه الصحابة، متفق عليه 4، ورواه عبد الرزاق مرفوعًا 5، والثاني: لا تجوز الزيادة على الأربعين، لرجوع علي رضي الله عنه إلى أربعين 6.
(والزيادة) على الأربعين (تعزيرات) لأنها لو كانت حدًّا.. لما جاز تركها وهو جائز، (وقيل: حد) لأن التعزير لا يكون إلا عن جناية محققة.
(ويحد بإقراره أو شهادة رجلين) بأنه شرب خمرًا أو مسكرًا، لا بشهادة رجل وامرأتين، ولا بعلم القاضي، (لا بريح خمر وسكر وقيء) لاحتمال أن يكون شرب غالطًا أو مكرهًا، والحد يُدرأ بالشبهة، وقال ابن أبي هريرة: أحدُّ بالسكر إلا أن يدعي ما يسقط الحد، وعزاه ابن المنذر في "الإشراف" للشافعي 7.
وَيَكْفِي فِي إِقْرَارٍ وَشَهَادَةٍ: (شَرِبَ خَمْرًا)، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ: (وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ مُخْتَارٌ)، وَلَا يُحَدُّ حَالَ سُكْرِهِ، وَسَوْطُ الْحُدُودِ: مَا بَيْنَ قَضِيبٍ وَعَصًا وَرَطْبٍ وَيَابِسٍ،
(ويكفي في إقرار وشهادة: "شَرب خمرًا") لأنه من التصريح بالسبب المقتضي للحد، ولا يشترط التعرض إلى كونه عالمًا مختارًا؛ لأن الأصل عدم الإكراه، والغالب من حال الشارب علمه بما يشربه، (وقيل: يشترط: "وهو عالم به مختار") لاحتمال ما تقدّم، كالشهادة بالزنا.
وفرق الأول: بأن الزنا قد يطلق على ما لا حد فيه، كما في الحديث: "الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ" 1، بخلاف شرب المسكر.
(ولا يحد حال سكره) لأن المقصود منه الردع والزجر والتنكيل، وهو لا يحصل مع السكر، فلو حد.. ففي الاعتداد به وجهان حكاهما في "الكفاية" عن القاضي الحسين، وصحح البُلْقيني والأَذْرَعي: الاعتداد، ونقل ابن الملقن عن أبي حيان التوحيدي من أصحابنا عن القاضي أبي حامد المروزي: أنه لا خلاف في الاعتداد به 2.
(وسوط الحدود) والتعزيرات: (ما بين قضيب وعصًا، و) بين (رطب ويابس) لأنه عليه السلام أُتي بسوط مكسور، فقال: "فَوْقَ هَذَا"، فأُتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته، فقال: "دُوْنَ هَذَا"، فأُتي بسوط قد رُكِب به ولان، فأمر به فجلد، رواه مالك مرسلًا، قال ابن الملقن: وروي موصولًا أيضًا 3.
وثمرة السوط: طرفه.
وقوله: (ركب) -بضم الراء وتخفيف الكاف- ومعناه: أنه استعمل في الركوب في سوق الدابة ونحوه، والمعنى في هذا: إيلامه؛ لينزجر مع بقائه.
وَيُفَرِّقُهُ عَلَى الأَعْضَاءِ إِلَّا الْمَقَاتِلَ وَالْوَجْهَ، قِيلَ: وَالرَّأْسَ، وَلَا تشُدُّ يَدُهُ، وَلَا تُجَرَّدُ ثِيَابُهُ، وَيُوَالِي الضَّرْبَ بحَيثُ يَحْصُلُ زَجْرٌ وَتنكِيلٌ.
فَصْلٌ [في التعزير]
يُعَزَّرُ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ لَهَا وَلَا كَفَّارَةَ
(ويفرّقه على الأعضاء) لئلا يعظم ألمه بالموالاة في موضع واحد، (إلا المقاتل) كثغرة النحر والفرج ونحوهما؛ لأن المقصود تأديبه وزجره، لا إهلاكه، (والوجه) لقول علي رضي الله عنه للجلاد: (اتق الوجه) 1، (قيل: والرأس) لأنه موضع شريف، وفيه مقتل، والأصحُّ: المنع؛ لقول أبي بكر رضي الله عنه للجلاد: (اضرب الرأس؛ فإن الشيطان في الرأس) 2، ولأنه مستور بالشعر غالبًا، فلا يخاف من ضربه ما يخاف من ضرب الوجه.
(ولا تشد يده)، بل تترك؛ ليتقي بها إن شاء، ولا يلقى على وجهه ولا يمد، بل يجلد الرجل قائمًا والمرأةُ جالسة.
(ولا تجرد ثيابه) كلُّها، بل يترك عليه قميص أو قميصان، لا ما يمنع الألم؛ من جبة محشوة، وفروة؛ ملاحظةً لمقصود الحد، ويترك على المرأة ما يسترها، وتشد عليها ثيابها.
(ويوالي الضرب بحيث يحصل زجر وتنكيل)، فلا يجوز أن يفرق فيضرب في كل يوم سوطًا أو سوطين، لفوات مقصود الحد.
(فصل: يعزر في كل معصيه لا حد لها ولا كفارة).
واستثني من منطوق الكتاب صور كثيرة: منها: ذوو الهيئات، قال الشافعي: وهم الذين لا يعرفون بالشر، فيزل أحدهم الزلة، فلا يعزرون، بل تقال عثرتهم
بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ صَفْعٍ أَوْ تَوْبِيخٍ،
وتستر زلتهم 1، للحديث المشهور: "أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ، إِلَّا الْحُدُودَ" 2، ومنها: إذا رأى من يزني بأهله وهو محصن، فقتله في تلك الحالة.. فلا تعزير عليه وإن افتات على الإمام؛ لأجل الحمية والغيظ؛ حكاه ابن الرفعة عن ابن داوود، ومنها: الأصل لا يعزر لحق الفرع؛ كما لا يحد بقذفه، صرح به الماوردي 3.
واستثني من مفهومه أيضًا صور كثيرة: منها: الجماع في نهار رمضان، فإنه يجب فيه التعزير مع الكفارة؛ كما نقله البغوي في "شرح السنة" عن إجماع الأمة 4، ومنها: الزيادة على أربعين في الشرب إلى ثمانين تعزير على الصحيح؛ كما مر، ومنها: ما ذكره الشيخ عز الدين في "القواعد الصغرى": أنه لو زنى بأمه في جوف الكعبة في رمضان، وهو صائم معتكف محرم.. لزمه العتق والبدنة، ويحد للزنا، ويعزر لقطع رحمه وانتهاك حرمة الكعبة 5، ومنها: الصبي والمجنون يعزران إذا فعلا ما يعزر عليه البالغ وإن لم يكن فعلهما معصية، نصّ عليه في الصبي، وذكره القاضي الحسين في المجنون.
(بحبس، أو ضرب، أو صفع، أو توبيخ)، أو نفي؛ كما ذكراه في (باب حد الزنا)، ونص عليه في "الأم"، أو إعراض؛ كما ذكره الماوردي؛ لأنها تفيد الردع والزجر عن الجريمة 6.
وله إشهاره في الناس إذا أدى اجتهاده إليه، ويجوز حلق رأسه دون لحيته، وله الجمع بين الحبس والضرب إن رآه، نص عليه في "الأم"، وصرح به الماوردي،
وَيَجْتَهِدُ الإِمَامُ فِي جِنْسِهِ وَقَدْرِهِ، وَقِيلَ: إِنْ تَعَلَّقَ بِآدَمِيٍّ.. لَمْ يَكْفِ تَوْبِيخ، فَإِنْ جُلِدَ.. وَجَبَ أَنْ يَنْقُصَ فِي عَبْدٍ عَنْ عِشْرِينَ جَلْدَةً، وَحُرٍّ عَنْ أَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: عِشْرِينَ، وَيَسْتَوِي فِي هَذَا جَمِيعُ الْمَعَاصِي فِي الأَصَحِّ.
والقاضي أبو الطيب، والشيخان 1.
وعلى الإمام في إقامة التعزير مراعاة الترتيب والتوبيخ اللائق بالحال في القدر والنوع؛ كما يراعيه في دفع الصائل، ويشترط: أن ينقص مدة الحبس عن سنة، نص عليه في "الأم" في (قتل المؤمن بالكافر)، فقال: ولا يبلغ بحبسه سنة 2.
(ويجتهد الإمام في جنسه وقدره) لأنه غير مقدر، فوكل إلى رأيه يجتهد في سلوك الأصلح؛ لاختلاف ذلك باختلاف مراتب الناس، (وقيل: إن تعلق بآدمي.. لم يكف توبيخ) لتأكد حق الآدمي، والأصحُّ: الاكتفاء؛ كما في حق الله تعالى.
(فإن جلد.. وجب أن ينقص في عبد عن عشرين جلدة، وحرٍّ عن أربعين) لأن جناية العبد دون جناية الحر، فتعزير الحر يعتبر بحده، وتعزير العبد يعتبر بحده، (وقيل: عشرين) لأنها حد العبد، فهو داخل في المنع في قوله عليه السلام: "مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ.. فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ"، رواه البيهقي وقال: المحفوظ إرساله 3.
وقيل: لا يزاد في تعزيرهما على عشرة أسواط، وهو قوي مختار؛ لما في "الصحيحين": "لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ، إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى" 4، قال صاحب "التقريب": ولو بلغ الخبر للشافعي.. لقال به.
وأجاب من قال بالأول: إن الخبر منسوخ أو مؤول.
(ويستوي في هذا جميع المعاصي في الأصح)، ويلحق ما هو من مقدمات موجبات الحدود بما ليس من مقدماتها؛ إذ لا دليل على التفرقة، والثاني: لا، بل
وَلَوْ عَفَا مُسْتَحِقُّ حَدٍّ.. فَلَا تَعْزِيرَ لِلإِمَامِ فِي الأَصَحِّ، أَوْ تَعْزِيرٍ.. فَلَهُ فِي الأَصَحِّ.
تقاس كل معصية بما يناسبها مما يوجب الحد، فلا يبلغ بتعزير مقدمات الزنا حدَّ الزنا، وله أن يزيد على حد القذف، ولا يبلغ بتعزير السب حدَّ القذف، وله أن يزيد على حد الشرب، ولا يبلغ بتعزير إدارة كأس الماء على الشرب تشبيهًا بشارب الخمر حدَّ الشرب؛ اعتبارًا لكل نوع بغاية الزاجر المشروع في جنسه، وقرُب هذا من قولهم: إن حكومة الجناية الواردة على عضو تعتبر بأرش ذلك العضو.
(ولو عفا مستحق حد.. فلا تعزير للإمام في الأصح، أو تعزير.. فله في الأصح) لأن الحد لازم مقدر لا نظر للإمام فيه، فلا سبيل إلى العدول إلى غيره بعد سقوطه، والتعزير يتعلق أصله بنظره، فجاز ألا يؤثر فيه إسقاط غيره، والثاني: له ذلك مطلقًا، واختاره الشيخ عز الدين 1؛ لأنه لا يخلو عن حق لله تعالى، ولأنه قد يحتاج إلى زجره وزجر غيره عن مثل ذلك، والثالث: لا مطلقًا؛ لأن مستحقه أسقطه 2.
كتابُ الصِّيال وضمان الولاة لَهُ دَفْعُ كُلِّ صائِلٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ طَرَفٍ أَوْ بُضْعٍ أَوْ مَالٍ، فَإِنْ قَتَلَهُ.. فَلَا ضَمَانَ، وَلَا يَجِبُ الدَّفْعُ عَنْ مَالٍ،
﴿كتاب الصيال وضمان الولاة﴾ والختان وإتلاف البهائم
والأصل في الباب: ما سيأتي، وافتتحه في "المحرر" بقوله صلى الله عليه وسلم: "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا" الحديث، وهو في "صحيح البخاري" 1، واستأنسوا له أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾، الآية.
(له دفع كل صائل على نفس أو طرف أو بضع أو مال) وإن قل؛ لحديث: "مَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ.. فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ.. فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ.. فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ.. فَهُوَ شَهِيدٌ"، رواه أبو داوود والترمذي، وصححه 2.
وجه الدلالة: أنه لما جعله شهيدًا.. دل على أن له القتلَ والقتالَ؛ كما أن من قتله أهلُ الحرب لما كان شهيدًا.. كان له القتل والقتال.
وفي معنى البضع: من قصد الاستمتاع بأهله فيما دون الفرج.
وسواء في المال كان له أو لغيره، حتى لو رأى من يحرق مال نفسه أو يفرقه عبثًا.. فله دفعه عنه.
(فإن قتله) في الدفع (.. فلا ضمان) لأنه مأمور بدفعه، وفي الأمر بالقتال والضمان منافاة.
واستثنى الدبيلي في "أدب القضاء": المضطر، فإذا قتله صاحب الطعام دفعًا.. وجب عليه القود؛ لأن المضطر أبيح له تناول ذلك، فكأنه قتله بغير حق.
(ولا يجب الدفع عن مال) لأنه يجوز إباحته للغير، وهذا في غير ذي الروح، أما
وَيَجِبُ عَنْ بُضعٍ، وَكَذَا نَفْسٌ قَصَدَهَا كَافِرٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، لَا مُسْلِمٌ فِي الأَظْهَرِ. وَالدَّفْعُ عَنْ غَيْرِهِ كَهُوَ عَنْ نفْسِهِ، وَقِيلَ: يَجِبُ قَطْعًا
الحيوان.. فيجب الدفع عنه إذا قصد إتلافه ما لم يخش على نفسه؛ لحرمة الروح.
(ويجب عن بضع) لأنه لا مجال للإباحة فيه، وسواء بضع أهله وغيرهم، وشرطه: ألا يخاف على نفسه، (وكذا نفس قصدها كافر) لأن الاستسلام لهم ذل في الدين، (أو بهيمة) لأنها مذبوحة؛ لاستبقاء المهجة، فكيف يؤثرها ويستسلم لها؟ !
(لا مسلم في الأظهر) لحديث: "كُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ"، صححه ابن حبان 1، والثاني: يجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وكما يجب على المضطر إحياءُ نفسه بالأكل.
وأجاب الأول: بأن في القتل شهادة، بخلاف ترك الأكل، وحكى القاضي الحسين تصحيح الأول عن الأصحاب، وجريا عليه 2، لكن قال القاضي أبو الطيب: إن الذي قال به سائر الأصحاب الثاني، وإنه المشهور، وقال القاضي: إن أمكنه دفعه بغير قتله.. وجب، وإلا.. فلا.
ومحل الخلاف: في المحقون الدم؛ كما قيده القاضي الحسين والإمام 3؛ ليخرج المهدر؛ كالزاني المحصن وقاطع الطريق؛ فإن حكمهما حكم الكافر؛ كما صرح به صاحب "الترغيب".
(والدفع عن غيره كهو عن نفسه)، فحيث تجب هناك تجب هنا، وإلا.. فلا؛ إذ لا يزيد حق غيره على حق نفسه.
نعم؛ لو صال حربي على حربي.. لم يجب الدفع على المسلم وإن وجب دفعه عن نفسه.
(وقيل: يجب قطعًا) لأن له الإيثار بحق نفسه دون حق غيره، وقيل: لا يجب
وَلَوْ سَقَطَتْ جَرَّةٌ وَلَمْ تندَفِعْ عَنْهُ إِلَّا بِكَسْرِهَا.. ضَمِنَهَا فِي الأَصَحِّ. وَيُدْفَعُ الصَّائِلُ بالأَخَفِّ، فَإِنْ أَمْكَنَ بِكَلَامٍ أَوِ اسْتِغَاثَةٍ.. حَرُمَ الضَّرْبُ، أَوْ بِضَرْبِ يَدٍ.. حَرُمَ سَوْطٌ، أَوْ بِسَوْطٍ.. حَرُمَ عَصًا، أوْ بِقَطْعِ عُضْوٍ.. حَرُمَ قَتْلٌ،
قطعًا، ونسبه الإمام إلى معظم الأصوليين؛ لأن شهر السلاح يحرك الفتن، وليس ذلك من شأن آحاد الناس، وإنما هو من وظيفة الإمام 1.
ومحل القول بالوجوب: ما إذا لم يخف على نفسه؛ كما جزم به الرافعي هنا، لكن كلامه في "السير" يقتضي جريانه عند الخوف أيضًا 2.
ويستثنى من محل الخلاف: ما إذا كان المقصود نبيًّا.. فإنه يجب الدفع عنه قطعًا؛ كما قاله الفوراني في (كتاب النكاح) من "العمد".
(ولو سقطت جرة ولم تندفع عنه إلا بكسرها.. ضمثها في الأصح) لأنه لا قصد لها ولا اختيار حتى يحال عليها، فصار كالمضطر إلى طعام الغير؛ يأكله ويضمن؛ لأنه لمصلحة نفسه، والثاني: لا؛ تنزيلًا لها منزلة البهيمة.
وفرق الأول: بأن البهيمة لها نوع اختيار.
وصحح البُلْقيني الثاني، وقال: إن الأول لم يسبق الرافعيَّ إلى تصحيحه أحدٌ، وبسط ذلك.
(ويدفع الصائل بالأخف، فإن أمكن بكلام أو استغاثة.. حرم الضرب، أو بضرب يدٍ.. حرم سوط، أو بسوط.. حرم عصًا، أو بقطع عضو.. حرم قتل) لأنه جوز للضرورة، ولا ضرورة في الأغلظ مع إمكان الأسهل، والمعتبر في ذلك: غلبة الظن.
وفائدة هذا الترتيب: أنه متى خالف وعدل إلى رتبة مع إمكان الاكتفاء بما دونها.. ضمن.
ويستثنى من مراعاة الترتيب صور: إحداها: الفاحشة، فلو رآه أولج في أهله..
فَإِنْ أَمْكَنَ هَرَبٌ.. فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُهُ وَتَحْرِيمُ قِتَالٍ. وَلَوْ عُضَّتْ يَدُهُ.. خَلَّصَهَا بِالأَسْهَلِ مِنْ فَكِّ لَحْيَيْهِ
قال الماوردي: فليعجل الدفع بالأعلى، فيجوز أن يبدأ بالقتل 1، وفي هذا القتل وجهان: أحدهما: قتل دفع، فيختص بالرجل دون المرأة، ويستوي فيه البكر والثيب، والثاني: قتل حد، وله أن ينفرد به دون السلطان.
فعلى هذا: له قتلها إن كانت ثيبًا مطاوعة، وتجلد البكر المطاوعة، وأما الرجل.. ففيه وجهان: أحدهما: يفرق فيه بين البكر والثيب، وأظهرهما: أنه لا فرق.
الثانية: لو كان الصائل يندفع بالضرب والعصا، والمصول عليه لا يجد إلا السيف.. فالصحيح: أن له الضربَ؛ لأنه لا يمكنه الدفع إلا به، وليس بمقصر في ترك استصحاب السوط.
الثالثة: ما سيأتي في الناظر للحُرَم؛ أنه يرمى بالحصا قبل الإنذار.
وإذا قصد إنسان قطع طرفه وكان لا يمتنع عنه إلا بقتال ربما يؤدي إلى قتل.. هل يقاتل عليه؟ قال في "الإحياء" قيل: فإن قلتم: نعم.. فهو محال؛ لأنه هلاك نفس خوفًا من إهلاك طرف، [و] في إهلاكها إهلاكه أيضًا، قلنا: يمنعه ويقاتله؛ إذ ليس الغرض حفظ طرفه، بل حفظ سبيل المنكرات 2.
(فإن أمكن هرب.. فالمذهب: وجوبه وتحريم قتال)، اختلف نص الشافعي رضي الله عنه في هذه المسألة، وللأصحاب طريقان: أصحهما: على قولين: أظهرهما: أنه يجب الهرب؛ لأن الإنسان مأمور بتخليص نفسه بالأهون فالأهون، والهرب أهون، والثاني: لا يجب؛ لأن إقامته في ذلك الموضع جائزة، فلا يكلف الانصراف، والطريق الثاني: حمل نص الهرب على من تيقن النجاة بالهرب، والآخر على من لا يتيقن.
(ولو عضت يده.. خلصها بالأسهل من فك لحييه) أي: رفع أحدهما عن الآخر
وَضَرْبِ شِدْقَيْهِ، فَإِنْ عَجَزَ فَسَلَّهَا فَنَدَرَتْ أَسْنَانُهُ.. فَهَدَر. وَمَنْ نَظَرَ إِلَى حُرَمِهِ فِي دَارِهِ مِنْ كَوَّةٍ أَوْ ثَقْبٍ عَمْدًا فَرَمَاهُ بِخَفِيفٍ؛ كَحَصَاةٍ فَأَعْمَاهُ، أَوْ أَصَابَ قُرْبَ عَيْنِهِ فَجَرَحَهُ فَمَاتَ.. فَهَدَرٌ،
بلا جرح، (وضرب شدقيه، فإن عجز فسلها فندرت أسنانه) أي: سقطت (.. فهدر) لما في "الصحيحين": أن رجلًا عض يد رجل فنزع يده من فيه فوقعت ثناياه، فاختصما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يَعَضُّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضُّ الْفَحْلُ! لَا دِيَةَ لَكَ" 1.
ولأن النفس لا تضمن بالدفع، فالأطراف أولى، سواء كان العاض ظالمًا أو مظلومًا، لأن العض لا يجوز بحال.
واقتضى كلامه شيئين: الأول: التخيير بين الفك والضرب، وليس كذلك؛ فالفك مقدم على الضرب، كما في "أصل الروضة"؛ لأنه أسهل 2، الثاني: الحصر فيما ذكره، وليس كذلك أيضًا؛ فالصحيح في "أصل الروضة": أنه إذا لم يمكنه التخلص إلا ببعج بطنه أو فقء عينيه.. جاز 3.
(ومن نظر إلى حرمه في داره من كوّة أو ثقب عمدًا فرماه بخفيف، كحصاة، فأعماه، أو أصاب قرب عينه فجرحه فمات.. فهدر) للحديث الصحيح فيه 4.
وشمل كلامه: ما لو كان الناظر امرأة أو مراهقًا، وهو كذلك، واستشكل في المراهق؛ لأنه غير مكلف، ولا يستوفى منه الحدود، وأجيب: بأن الرمي ليس للتكليف، بل لدفع مفسدة النظر، فلا فرق بين المكلف وغيره ممن تحصل به المفسدة، وشمل أيضًا: غير المراهق، مع أنه لا يجوز رميه ولو كان مميزًا.
وخرج بقوله: (نظر): الأعمى؛ فلا يرميه، لفوات الاطلاع على العورات، ومن استرق السمع؛ فإنه لا يجوز رمي أذنه؛ إذ ليس السمع كالبصر في الاطلاع على العورات.
بِشَرْطِ عَدَمِ مَحْرَمٍ وَزَوْجَةٍ لِلنَّاظِرِ،
والمراد بالحرم: الإناث؛ من زوجات، وإماء، ومحارم.
ويرد على مفهومه: ما لو كان فيها رجل مكشوف العورة ولم يكن هناك حرم.. فإنه يرميه، فإن لم يكن مكشوف العورة.. لم يرمه على الأصحِّ.
والمراد بـ (داره): المختصة به ولو بإعارة أو إجارة أو وقف عليه، بخلاف الجالس بأهله في المسجد وإن أغلق بابه.
وقضية كلام المصنف: أن المستعير يرمي المعير إذا نظر، وفي المسألة وجهان في "أصل الروضة" بلا ترجيح 1، ورجح الأَذْرَعي وغيره: أنه يرميه.
واحترز بالكَوّة والثقب: عما لو نظر من الباب المفتوح.. فلا يرميه؛ لتفريط صاحب الدار بفتحه، ولا بدّ من تقييد الكَوّة بالصغيرة، أما الكبيرة.. فكالباب المفتوح.
نعم؛ حكم النظر من سطح نفسه والمؤذن من المنارة.. كالكَوّة على الأصحِّ؛ إذ لا تفريط من صاحب الدار.
وقوله: (عمدًا): خرج به ما إذا كان مخطئًا أو وقع بصره اتفاقًا.. فإنه لا يرميه إذا علم بذلك صاحب الدار.
وقوله: (بخفيف) خرج به الثقيل؛ كالحجر، والنُّشاب، ويضمن حينئذ بالقصاص أو الدية.
(بشرط عدم محرم وزوجة للناظر)، فإن كان.. لم يجز رميه، لأن له في النظر شبهةً.
وكان ينبغي أن يقول: (محرم أو زوجة)؛ فإن أحدهما كافٍ.
وأورد على طرده: ما لو كان له هناك متاع.. فإنه لا يجوز رميه؛ كما جزما به 2، وفيه نظر، وعلى عكسه: ما لو كان له محرم، لكن متجردة.. فإنه يجوز رميه؛ إذ ليس له النظر إلى ما بين السرة والركبة.
قِيلَ: وَاسْتِتَارِ الْحُرَمِ، قِيلَ: وَإِنْذَارٍ قَبْلَ رَمْيِهِ. وَلَوْ عَزَّرَ وَلِيٌّ وَوَالٍ وَزَوْجٌ وَمُعَلِّمٌ.. فَمَضْمُونٌ، وَلَوْ حَدَّ مُقَدَّرًا.. فَلَا ضَمَانَ. وَلَوْ ضُرِبَ شَارِبٌ بِنِعَالٍ وَثِيَابٍ.. فَلَا ضَمَانَ عَلَى الصَّحِيحِ،
(قيل: و) بشرط عدم (استتار الحرم)، فإن كن متسترات بالثياب أو في منعطف لا يراهن الناظر.. لم يجز رميه؛ لعدم اطلاعه، والأصحُّ: جواز الرمي مطلقًا؛ حسمًا للباب، وقد يريد ستر حُرَمه عن الناس وإن كن مستترات.
(قيل: و) يشترط في جواز رميه (إنذار قبل رميه) بأن يقول له: (انصرف؛ فإن ههنا عورةً)، فإن لم ينصرف.. جاز رميه حينئذ؛ طردًا لقاعدة الباب في البداءة بالأخف فالأخف، والأصحُّ: أنه لا يشترط؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ.. فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَؤُوا عَيْنَهُ" متفق عليه 1، ولم يذكر الإنذار.
(ولو عزر ولي ووال وزوج ومعلم.. فمضمون) إذا سرى التعزير إلى التلف؛ لأنه تبين بالهلاك أنه جاوز الحد المشروع.
نعم؛ لو كان مملوكًا فضربه بإذن السيد.. فلا ضمان؛ لأنه لو أذن له في قتله فقتله.. لم يضمنه، قاله البغوي، وأقراه، وحكاه الإمام في (كتاب الرهن) عن العراقيين 2.
واستثنى البُلْقيني من الضمان: ما إذا اعترف بما يقتضي التعزير وطلب بنفسه من الوالي تعزيره فعزره.. فإنه لا يضمنه؛ لإذنه، وينبغي أن يقيد بما إذا عين له نوع التعزير وقدره.
(ولو حد مقدرًا.. فلا ضمان) لأن الحق قتله، وسواء جلده في حَرٍّ أو برد، أو في غيرهما؛ كما تقدم في آخر حد الزنا.
ولا معنى لوصف الحد بالتقدير؛ فإن الحد لا يكون إلا مقدرًا.
(ولو ضرب شارب بنعال وثياب) ومات (.. فلا ضمان على الصحيح) المنصوص 3.
وَكَذَا أَرْبَعُونَ سَوْطًا عَلَى الْمَشْهُورِ، أَوْ أَكْثَرُ.. وَجَبَ قِسْطُهُ بِالْعَدَدِ، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفُ دِيَةٍ، وَيَجْرِيَانِ فِي قَاذِفٍ جُلِدَ أَحَدًا وَثَمَانِينَ. وَلِمُسْتَقِلٍّ قَطْعُ سِلْعَةٍ إِلَّا مَخُوفَةً لَا خَطَرَ فِي تَرْكِهَا، أَوِ الْخَطَرُ فِي قَطْعِهَا
الخلاف مبني على أنه هل يجوز جلده هكذا؟ إن قلنا: نعم -وهو الأصحُّ-.. لم يضمن، وإلا.. ضمن؛ لأنه عدل إلى غير الجنس الواجب، كذا قاله الرافعي 1، قال الأَذْرَعي: وكأن المراد: إذا قلنا: لا يكتفى بذلك ويتعين السوط، قال البُلْقيني: ولا يجوز إثبات وجه الضمان عندي؛ لأنه مخالف للسنة الصحيحة، وادعاء نسخه بالجلد باطل، ولو صح.. لكان عدولًا إلى الأخف، وذلك لا يقتضي الضمان.
(وكذا أربعون سوطًا على المشهور) لأنه جلد يسقط به الحد، فلا يتعلق به ضمان؛ كالحد في الزنا والقذف، والثاني: أنه يضمن؛ لأن تقديره كان بالاجتهاد؛ كذا علله الرافعي 2، واعترض: بأن في "صحيح مسلم" عن علي رضي الله عنه قال: (جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين) 3، فهو ثابت بالنص.
(أو أكثر) من أربعين في صورتي النعال والسياط فمات (.. وجب قسطه بالعدد) نظرًا للزائد فقط، فإذا ضربه أحدًا وأربعين.. لزمه جزء واحد من أحد وأربعين جزءًا من الدية، ويسقط الباقي، (وفي قول: نصف دية) لأنه مات من مضمون وغير مضمون، وفي قول: تجب جميع الدية.
(ويجريان في قاذف جلد أحدًا وثمانين) فمات، ففي قول: تجب نصف دية، والأظهر: جزء من أحد وثمانين جزءًا.
(ولمستقل) بأمر نفسه، [وهو الحر المكلف وإن كان سفيهًا] 4 (قطع سلعة) من نفسه ولغيره بإذنه؛ لأن فيه مصلحةَ إزالة الشين، والسِّلْعة -بكسر السين-: خُرَاج كالغدد يخرج بين الجلد واللحم، (إلا مخوفة لا خطر في تركها، أو الخطر في قطعها
أَكْثَرُ، وَلِأبٍ وَجَدٍّ قَطْعُهَا مِنْ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ مَعَ الْخَطَرِ إِنْ زَادَ خَطَرُ التَّرْكِ، لَا لِسُلْطَانٍ، وَلَهُ وَلِسُلْطَانٍ قَطْعُهَا بِلَا خَطَرٍ، وَفَصْدٌ وَحِجَامَةٌ، فَلَوْ مَاتَ بِجَائِزٍ مِنْ هَذَا.. فَلَا ضَمَانَ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ فَعَلَ سُلْطَانٌ بِصَبِيٍّ مَا مُنِعَ.. فَدِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ فِي مَالِهِ،
أكثر) أي: يمتنع القطع في هاتين الصورتين؛ لأنه يؤدي إلى إهلاك النفس.
وأفهم: الجواز فيما إذا لم يكن خطر أصلًا، أو كان الخطر في إبقائها أكثر من القطع، أو استوى الأمران، وفي الأخيرة وجه؛ إذ لا فائدة، ورُدّ: بفائدة إزالة الشين، والرجوعُ في ذلك لأهل الخبرة.
وتآكل بعض الأعضاء حكمُه حكمُ السِّلْعة.
(ولأب وجد قطعها) أي: السلعة (من صبي ومجنون مع الخطر إن زاد خطر الترك) لأنهما يليان ماله، ويصونانه من الضياع، فصيانة بدنه بالمعالجة أولى.
وأفهم: المنع عند استواء خطر القطع والترك، وهو ما صححه الإمام، وأقراه 1، ويحتاج إلى الفرق بينه وبين المستقل؛ حيث جاز في هذه الحالة على الأصحِّ.
(لا لسلطان) لأن القطع يحتاج إلى نظر دقيق وفراغ تام وشفقة كاملة، ولهذا لم يجبر البكر كما يجبرها الأب والجد والوصي.
والقيّمُ في هذا كالسلطان، فلو قال: (لا لغيرهما).. لكان أحسن.
(وله) أي: للأب والجد، ولا وجه لإفراده الضميرَ، وأعاده في "العجالة" على الولي، ولم يتقدم له ذكر 2، (ولسلطان قطعها) أي: السلعة (بلا خطر) لعدم الضرر، (وفصد وحجامة) عند إشارة الأطباء بذلك؛ لصيانة بدنه.
(فلو مات بجائز من هذا) أي: من قطع سلعة وفصد وحجامة (.. فلا ضمان في الأصح) لأن الضمان يمنعه من المعالجة، فيتضرر الصغير، والثاني: يضمن؛ كما في التعزير إذا أفضى إلى التلف.
(ولو فعل سلطان بصبي ما منع.. فدية مغلظة في ماله) لتعدّيه، ولا معنى للتقييد
وَمَا وَجَبَ بِخَطَأِ إِمَامٍ فِي حَدٍّ أَوْ حُكْمٍ.. فَعَلَى عَاقِلَتِهِ، وَفِي قَوْلٍ: فِي بَيْتِ الْمَالِ. وَلَوْ حَدَّ بِشَاهِدَيْنِ فبَانَا عَبْدَيْنِ أَوْ ذِمِّيَّيْنِ أَوْ مُرَاهِقَيْنِ؛ فَإِنْ قَصَّرَ فِي اخْتِبَارِهِمَا.. فَالضَّمَانُ عَلَيْهِ، وَإِلَّا.. فَالْقَوْلَانِ،
بالسلطان؛ فإن الأب والجد كذلك؛ كما صرحا به في "الروضة" و"أصلها" 1.
(وما وجب بخطأ إمام في حد أو حكم.. فعلى عاقلته) كغيره، (وفي قول: في بيت المال) لأن خطأه يكثر؛ لكثرة الوقائع، فإيجابه على العاقلة إجحاف بهم، فكان بيت المال أحق به؛ فإنه لزمه بالحكم بين المسلمين.
ومحل الخلاف: فيما إذا لم يظهر منه تقصير، فإن ظهر؛ كما لو أقام الحد على الحامل وهو عالم به فألقت جنينًا.. فالغرة على العاقلة قطعًا.
واحترز بقوله: (في حد أو حكم): عن خطئه فيما لا يتعلق بذلك؛ فإنه فيه كآحاد الناس بالإجماع.
ويرد على المصنف: الكفارة؛ فإنها في ماله على الأول قطعًا، وعلى الثاني وجهان في "الروضة" بلا ترجيح 2.
(ولو حد بشاهدين) ومات منه، (فبانا عبدين أو ذميين أو مراهقين؛ فإن قصر في اختبارهما) بأن تركه جملة (.. فالضمان عليه) لا في بيت المال، ولا على عاقلته إن تعمد، فإن لم يتعمد.. تعلق بالعاقلة لا ببيت المال.
وقضيته: أن المراد بالضمان الدية لا القود، وبه أجاب صاحب "الحاوي الصغير"، لكن قال الإمام بعد جزمه بالضمان: وإنما يتردد الفقيه في وجوب القصاص، والأظهر: الوجوب 3؛ يعني: حيث يكون الجلد يجب بمثله القود، وسكتا عليه.
(وإلا) أي: وإن لم يقصر في اختبارهما، بل بحث وبذل وسعه (.. فالقولان) في أن الضمان على عاقلته، أو في بيت المال، وقد تقدم توجيههما.
فَإِنْ ضَمَّنَا عَاقِلَةً أَوْ بَيْتَ مَالٍ.. فَلَا رُجُوعَ عَلَى الْعَبْدَيْنِ وَالذِّمِّيَّيْنِ فِي الأَصَحِّ، وَمَنْ حَجَمَ أَوْ فَصَدَ بِإِذْنٍ.. لَمْ يَضْمَنْ، وَقَتْلُ جَلَّادٍ وَضَرْبُهُ بِأَمْرِ الإِمَامِ كَمُبَاشَرَةِ الإِمَامِ إِنْ جَهِلَ ظُلْمَهُ وَخَطَأَهُ، وَإِلَّا.. فَالْقِصَاصُ وَالضَّمَانُ عَلَى الْجَلَّادِ إِنْ لَمْ يَكُنْ إِكرَاهٌ. وَيَجِبُ خِتَانُ الْمَرْأَةِ بِجُزْءٍ مِنَ اللَّحْمِ بِأَعْلَى الْفَرْجِ، وَالرَّجُلِ بِقَطْعِ مَا يُغَطِّي حَشَفته بَعْدَ الْبُلُوغِ،
(فإن ضمنا عاقلة أو بيت مال.. فلا رجوع على العبدين والذميين في الأصح) لأنهما يزعمان أنهما صادقان، ولم يوجد منهما تعدٍّ فيما أتيا به، والثاني: نعم؛ لأنهما غرّا القاضي، وعلى هذا: يتعلق الغرم بذمة العبدين، وقيل: برقبتهما، والثالث: يثبت الرجوع للعاقلة دون بيت المال.
(ومن حجم أو فصد بإذن) معتبرة (.. لم يضمن) ما تولد منه؛ لأنا لو ضمناهما.. لأحجما عنهما.
(وقتل جلاد وضربه بأمر الإمام كمباشرة الإمام إن جهل ظلمه وخطأه)، فيتعلق الضمان به لا بالجلاد؛ لأنه آلته، ولو ضمناه.. لم يتول الجلدَ أحدٌ، قال الإمام: وهذا من النوادر؛ فإنه قاتل باشر مختارًا، ولا يتعلق به في القتل بغير حق حكم 1، (وإلا) أي: وإن علم ظلم الإمام وخطأه (.. فالقصاص والضمان على الجلاد إن لم يكن إكراه) من جهة الإمام؛ لتعدّيه، فإن أكرهه.. فالضمان عليهما.
(ويجب ختان المرأة بجزء من اللحم بأعلى الفرج، والرجل بقطع ما يغطي حشفته بعد البلوغ).
أما وجوبه.. فلقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، وكان من ملته الختان، قال الخطابي: وكان واجبًا، وفي "الصحيحين": "الْفِطْرَةُ خَمْسٌ" 2، وعد منها الختان، ولأنه قطع جزء من البدن لا يستخلف؛ تعبدًا، فكان واجبًا؛ كالقطع في السرقة.
واحترز بالقيد الأول: عن الظفر والشعر، وبالثاني: عن القطع للأكلة.
وَيُنْدَبُ تَعْجِيلُهُ فِي سَابِعِهِ،
وأول من اختتن من الرجال إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ومن النساء هاجر رضي الله عنها 1.
وقيل: الختان سنة، وقيل: واجب للرجال، وسنة للنساء.
وأما كيفيته: فكما ذكره المصنف، وهو في المرأة قطع اللحمة التي فوق أعلى الفرج وفوق ثقبة البول، وتشبه عرف الديك، فإذا قطعت.. بقي أصلها؛ كالنواة، ويكفي قطع ما يقع عليه الاسم، قال في "التحقيق": وتقليله أفضل 2.
وخرج بالرجل والمرأة: الخنثى المشكل، فلا يجب ختانه، بل لا يجوز على الأصحِّ في "زيادة الروضة"؛ لأن الجرح مع الإشكال ممتنع 3.
والوجوب منوط بالبلوغ؛ لأنه وقت التكليف.
ويستثنى: ما لو كان الشخص ضعيفًا؛ بحيث لو ختن خيف عليه.. فإنه لا يجب ختانه، فلو مات قبل إمكانه.. سقط فرضه، ولو خُلِق لشخص ذكران عاملان ولم يتميز الأصلي منهما.. ختنا جميعًا.
(ويندب تعجيله في سابعه) لما رواه الحاكم: أنه صلى الله عليه وسلم ختن الحسن والحسين يوم السابع من ولادتهما 4، ويكره قبل السابع؛ كما جزم به في "التحقيق" 5.
وقضية إطلاق المصنف: أن هذا في الغلام والجارية، وهو ما نقله في "شرح
فَإِنْ ضَعُفَ عَنِ احْتِمَالِهِ.. أُخِّرَ، وَمَنْ خَتَنَهُ فِي سِنٍّ لَا يَحْتَمِلُهُ.. لَزِمَهُ الْقِصَاصُ إِلَّا وَالِدًا، فَإِنِ احْتَمَلَهُ وَخَتَنَهُ وَلِيٌّ.. فَلَا ضمَانَ فِي الأَصَحِّ، وَأُجْرَتُهُ فِي مَالِ الْمَخْتُونِ.
المهذب" عن الماوردي، وأقره، لكن في "المحرر" قيده بالطفل 1.
ولا يدخل يوم الولادة في العدد على الأصحِّ في "زيادة الروضة"، ونقلاه في "شرح المهذب" و"الكفاية" عن الأكثرين، لكن صحح المصنف في (العقيقة) حسبانه من العدد 2، وقضيته: أن يكون الختان كذلك؛ فإنه يختن في السابع ويعق عنه فيه، قال في "المهمات": والفتوى على أنه لا يحسب؛ فإنه المنصوص في "البويطي" 3.
(فإن ضعف عن احتماله) في السابع (.. آخر) إلى أن يحتمله.
(ومن ختنه في سن لا يحتمله) فمات (.. لزمه القصاص) لتعديه بالجرح، (إلا والدًا) وإن علا؛ للبعضية.
نعم؛ تجب عليه الدية، ويستثنى: السيد أيضًا.
(فإن احتمله وختنه ولي.. فلا ضمان في الأصح) لأنه لا بدّ منه، والتقديم أسهل من التأخير؛ لأن القطعَ -والبدنُ غض رَخْصٌ، والمقطوعُ قدرٌ يسير-.. أسهل عليه، والثاني: يضمن؛ لأنه غير واجب في الحال، فلم يبح إلا بشرط سلامة العاقبة.
وخرج بقوله: (ولي): ما لو ختنه أجنبي.. فإنه يضمن؛ كما نصّ عليه في "الأم"، وبه صرح الماوردي وغيره 4.
(وأجرته) أي: الخاتن (في مال المختون) لأنه لمصلحته، فأشبه تعليم الفاتحة 5.
فَصْلٌ [في حكم إتلاف البهائم]
مَنْ كَانَ مَعَ دَابَّةٍ أَوْ دَوَابَّ.. ضَمِنَ إِتْلَافَهَا نَفْسًا وَمَالًا لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَوْ بَالَتْ أَوْ رَاثَتْ بِطَرِيقٍ فَتَلِفَ بِهِ نَفْسٌ أَوْ مَالٌ.. فَلَا ضَمَانَ، وَيَحْتَرِزُ عَمَّا لَا يُعْتَادُ كَرَكْضٍ شَدِيدٍ فِي وَحَلٍ، فَإِنْ خَالَفَ.. ضَمِنَ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُ
(فصل: من كان مع دابة أو دواب.. ضمن إتلافها نفسًا ومالًا ليلًا ونهارًا) لأنها تحت يده وتصرفه، وعليه القيام بحفظها وتعهدها، وسواء كان الذي معها مالكًا أو مستأجرًا أو مودعًا أو مستعيرًا أو غاصبًا، وسواء كان راكبًا أم سائقًا أم قائدًا.
ويستثنى من إطلاقه صور: منها: لو ركب دابة فنخسها إنسان بغير إذنه فرمحت وأتلفت شيئًا.. فالضمان على الناخس، وقيل: عليهما، ومنها: لو غلبته دابته فاستقبلها إنسان فردها فأتلفت في انصرافها شيئا.. ضمنه الراد، ومنها: ما لو سقط مركوبه ميتًا على شيء فأتلفه.. لم يضمنه، قاله البغوي، وأقراه 1.
(ولو بالت أو راثت بطريق فتلف به نفس أو مال.. فلا ضمان) لأن الطريق لا يخلو من ذلك، ولو ضمن.. لامتنع المرور من الطريق، ولا سبيل إليه.
وما جزم به من عدم الضمان كذا هو في "الشرح" و"الروضة" هنا، وهو احتمال للإمام 2، والمذهب المنصوص: الضمان؛ لأن الارتفاق مشروط بسلامة العاقبة، وقد حكاه ابن الرفعة عن الأصحاب، وجزما به في "الشرح" و"الروضة" في (جزاء الصيد)، وجزم به في "شرح المهذب" أيضًا 3، قال الأَذْرَعي بعد نقله له عن الجمهور: وما جزما به هنا تبعًا للإمام لا ينكر اتجاهه، ولكن المذهب: نقل.
(ويحترز عما لا يعتاد؛ كركض شديد في وحل، فإن خالف.. ضمن ما تولد منه) لتسببه فيه.