وَمَنْ عَلَيْهِ دَيْن أَوْ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ.. يُسْتَحَبُّ أَلَّا يَتَصَدَّقَ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: تَحْرِيمُ صدَقَتِهِ بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِنَفَقَةِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، أَوْ لِدَيْنٍ لَا يُرْجَى لَهُ وَفَاءٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
ذلك، وصدقة التطوع تخالف الزكاة، فإن إظهارها أفضل بالإجماع؛ كما قاله في "شرح المهذب" 1 وخصه الماوردي بالأموال الظاهرة، قال: وأما الباطنة.. فإخفاء إخراج زكاتها أولى 2.
ولا فرق في القريب بين من تلزمه نفقته وغيره؛ كما صرح به في "شرح المهذب" 3، بخلاف الصدقة الواجبة، ويبدأ بذي الرحم المحرم الأقرب فالأقرب، وألحق بهم الزوج والزوجة، ثم غير المحرم، ثم المحرم بالرضاع، ثم بالمصاهرة، ثم بالمولى من أعلى وأسفل.
وكان ينبغي أن يقول: ثم جار؛ ليستفاد منه تقديم القريب عليه، حتى لو كان القريب بعيد الدار قدم على الجار الأجنبي على الأصحِّ، وسئل الحناطي هل الأولى وضع الرجل صدقته في رحمه من قبل أمه، أو من قبل أبيه؟ فأجاب أنهما سواء.
(ومن عليه دين، أو له من تلزمه نفقته.. يستحب ألا يتصدق حتى يؤدِّي ما عليه) تقديمًا للأهم، (قلت: الأصحُّ: تحريم صدقته بما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقته، أو لدين لا يرجى له وفاء، والله أعلم) لأنه حق واجب، فلا يحل تركه لسنة.
وكلامه قد يفهم: جواز التصدق بما يحتاج إليه لنفسه، وبه صرح في "الروضة"، لكن صحح في "شرح المهذب" التحريم أيضًا 4، قال الأَذْرَعي: والأجود: ما في "الروضة"؛ لأنه يرى أن للمضطر أن يؤثر على نفسه مضطرًّا آخر، فكيف تحرم عليه الصدقة بما يحتاج إليه بلا ضرورة.
وَفِي اسْتِحْبَابِ الصَّدَقَةِ بِمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ أَوْجُهٌ، أَصَحُّهَا: إِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الصَّبْرُ.. اسْتُحِبَّ، وَإِلَّا.. فَلَا.
قال المحب الطبري: وفي إطلاق التحريم فيما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقته نظر؛ فإن كبار الصحابة رضي الله عنهم كانوا يؤثرون في حال الضرورة، ويخرجون من جميع أموالهم، ولا يتركون لعيالهم شيئًا؛ كقصة الصديق رضي الله عنه، وكثير من السلف كذلك، والظاهر: اختلاف الحكم باختلاف الأحوال.
ويستثنى من تحريم الصدقة بما يحتاج إليه لنفقة من تلزمه نفقته: ما إذا كان من وجبت له مطلق التصرف ورضي بذلك وآثر به، فإن الأفضل له: التصدق فيما يظهر؛ كما قاله صاحب "المطلب"، ونقله الزركشي عن تصريح ابن أبي عصرون في كلامه على قصة الصديق رضي الله عنه.
ومحل ما ذكره المصنف: في الدين الحال، أما المؤجل.. فقال ابن الرفعة: ينبغي أن يلتحق بما إذا احتاج إليه في نفقة عياله في المستقبل، قال الأَذْرَعي: وقد يفرق بشغل ذمته به الآن، بخلاف نفقة العيال في المستقبل، وحيث حرم عليه التصدق.. هل يملك المتصدق عليه ما دفعه إليه؟ قال ابن الرفعة: يشبه: أن يكون على الوجهين فيما إذا وهب الماء الذي يحتاجه بعد دخول الوقت 1.
(وفي استحباب الصدقة بما فضل عن حاجته) أي: حاجة نفسه وحاجة عياله وقضاء دينه (أوجه: أصحها: إن لم يشق عليه الصبر.. استحب) لقصة الصديق رضي الله عنه في تصدقه بجميع ماله، وقبله النبي صلى الله عليه وسلم منه، كما صححه الترمذي 2.
(وإلا.. فلا) يستحب، وقال الغزالي والعمراني: يكره 3، وبهذا جمع بين الأحاديث المختلف ظواهرها، والثاني: لا يستحب بالفاضل مطلقًا؛ لحديث:
..................................
"خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنىً" رواه أبو داود وصححه الحاكم 1، والثالث: يستحب مطلقًا.
وأشار بقوله: (بما فضل) إلى تصوير محل الخلاف بجميعه، أما التصدق ببعض الفاضل.. فلا خلاف فيه.
بداية المحتاج في شرح المنهاج
تأليف الإمام الفقيه القاضي بدر الدين أبي الفضل محمد بن أبي بكر الأسدي الشافعي ابن قاضي شهبة رحمه الله تعالى (798 هـ - 874 هـ)
عنى به أنور بن أبي بكر الشيخي الداغستاني
بمساهمة اللجنة العلمية بمركز دار المنهاج للدراسات والتحقيق العلمي
[المجلد الثالث]
الطَّبْعَةُ الأولى 1432 هـ - 2011 م جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة للناشر
دَارُ المنهَاجِ لِلنّشَرِ والتَّوزيع المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - جدة حَيّ الكندرة - شَارِع أَبِهَا تقاطع شَارِع ابْن زيدون هَاتِف رئيسي: 6326666 - الإدارة: 6300655 المكتبة: 6322471 - فاكس: 6320392 ص. ب: 22943 - جدة: 21416 www.aIminhai.com E - mail: info@aIminhag.com ISBN: 978 - 9953 - 541 - 35 - 8
بدَايَةُ المُحْتَاجِ في شَرْحِ المِنْهَاجِ [3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدّين
كتابُ النِّكاح
﴿كتاب النكاح﴾
النكاح: يطلق في اللغة: على الوطء؛ لما فيه من معنى الضم، يقال: تناكحت الأشجار: إذا انضم بعضها إلى بعض، وسمي به العقد؛ لأنه سببه.
قاله الأزهري (1).
وله أسماء جمعها أبو القاسم علي بن جعفر اللغوي، فبلغت ألف اسم وأربعين اسمًا.
وهل هو حقيقة في العقد مجاز في الوطء أو بالعكس أو مشترك؛ أوجه: أصحها: الأول، وقال أبو حنيفة بالثاني، وهو أقرب إلى اللغة، والأول: أقرب إلى الشرع.
قال الزمخشري -وهو من الحنفية-: لم يرد النكاح في القرآن إلا بمعنى العقد؛ لأن كونه بمعنى الوطء من
باب
التصريح 2.
ومن آدابه: الكناية عنه بلفظ الملامسة والمماسة، ولا يرد ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ لأن المراد العقد، والوطء مستفاد من الحديث.
وفائدة الخلاف بيننا وبين الحنفية تظهر فيمن زنا بامرأة.. فإنها تحرم على والده وولده عنده لا عندنا.
والنكاح شرع من عهد آدم صلى الله عليه وسلم، واستمرت مشروعيته بل هو مستمر في الجنة، ولا نظير له فيما يتعبد به من العقود بعد الإيمان، والأحاديث الواردة في الترغيب فيه والحث عليه.. كثيرة شهيرة.
وهل النكاح ملك أو إباحة؟ وجهان، وفائدة الخلاف تظهر فيما لو حلف لا ملك له وهو متزوج، قاله المتولي، قال في "زيادة الروضة": والمختار: أنه لا حنث إذا لم تكن نيّة؛ لأنه لا يفهم منه الزوجة 3.1
وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِمُحْتَاجٍ إِلَيْهِ يَجِدُ أُهْبَتَهُ، فَإِنْ فَقَدَهَا.. اسْتُحِبَّ تَرْكُهُ، وَيَكْسِرُ شَهْوَتَهُ بِالصَّوْمِ. فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ.. كُرِهَ إِنْ فَقَدَ الأُهْبَةَ،
(وهو مستحب لمحتاج إليه) 1 أي: تائق (يجد أهبته) وهي مُؤَنُه؛ لحديث: "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ؛ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ.. فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ.. فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" متفق عليه 2.
و(الباءة) بالمد: هي القدرة على المؤن.
ويستثنى: ما إذا كان المسلم في دار الحرب.. فإنه لا يستحب له النكاح وإن اجتمعت فيه هذه الشروط، نص عليه في "الأم"، وعلَّله بالخوف على ولده من التكفير والاسترقاق.
ويستحب: أن ينوي بالنكاح المقاصد الشرعية.
قال صاحب "الخصال": ولو كان له صبر على النكاح -ولو كان له لم يعجز عنه-.. ندب له أن يتفرغ للعبادة 3، والمرأة في ذلك كالرجل، لكنها لا تحتاج إلى أهبة 4.
(فإن فقدها.. استحب تركه) لما في النكاح من التزام ما لا يقدر عليه.
(ويكسر شهوته بالصوم) للحديث المارِّ؛ فإن لم تنكسر به.. لم يكسرها بكافور ونحوه -بل يتزوج-؛ لأنه نوع من الخصاء.
(فإن لم يحتج) لانتفاء التوقان، أو لعجزه لمرض ونحوه (.. كره إن فقد الأهبة) لما فيه من التزام ما لا يمكنه القيام به من غير حاجة، وعبارة الشافعي: الأحب: تركه 5، ولا يلزم منها الكراهة.
وَإِلَّا.. فَلَا، لكِنِ الْعِبَادَةُ أَفْضَلُ. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَتَعَبَّدْ.. فَالنكاحُ أَفْضَلُ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ وَجَدَ الأُهْبَةَ وَبِهِ عِلَّةٌ كَهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ دَائِمٍ أَوْ تَعْنِينٍ.. كُرِهَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَتُسْتَحَبُّ دَيِّنَةٌ بِكْرٌ
(وإلا) أي: وإن وجد الأهبة مع عدم الحاجة (.. فلا) يكره له؛ لقدرته عليه (لكن العبادة أفضل) أي: التخلي لها اهتمامًا بها وعدم حاجته إليه.
(قلت: فإن لم يتعبد.. فالنكاح أفضل في الأصح) كيلا تفضي به البطالة والفراغ إلى الفواحش، والثاني: تركه أفضل؛ لما فيه من الخطر بالقيام بواجبه وفي الصحيح: "اِتّقوا الله، وَاتَّقُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ مِنَ النِّسَاءِ" 1.
(فإن وجد الأهبة وبه علة؛ كهرم أو مرض دائم أو تعنين) دائم (.. كره، والله أعلم) لعدم الحاجة مع منع المرأة من التحصين، كذا جزما به، لكن في "الأحياء" استحبابه للعنين والممسوح؛ تشبهًا بالصالحين؛ كما يؤمر الأصلع بإمرار الموسى على رأسه 2.
وجمع السبكي بينهما: بأن كلام المصنف وغيره محله: إذا لم تتق نفسه إليه أصلًا، وكلام "الإحياء"، إذا تاقت، وفيه نظر، وتعليل الغزالي يردّه.
(وتستحب ديِّنة) لحديث: "فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" 3.
(بكر) إن لم يكن عذر 4؛ لحديث: "هَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ" 5.
نَسِيبَةٌ لَيْسَتْ قَرَابَةً قَرِيبَةً.
(نَسيبة) أي: طيبة أصل، وتكره بنت الزنا وابنة الفاسق 1؛ لما رواه ابن ماجه: "تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ، وَلَا تَضَعُوهَا فِي غَيْرِ الأَكْفَاءِ" وصححه الحاكم، لكن قال أبو حاتم الرازي: ليس له أصل 2.
(ليست قرابة قريبة) 3 لحديث: "لَا تنكِحُوا الْقَرَابَةَ الْقَرِيبَةَ؛ فَإِنَّ الْوَلَدَ يُخْلَقُ ضَاوِيًا" 4 أي: نحيفًا، وذلك لضعف الشهوة، لكن قال ابن الصلاح: لا يعرف له أصل معتمد، وقد زوّج النبي صلى الله عليه وسلم عليًّا بفاطمة رضي الله عنها، وهي قرابة قريبة.
وقد يفهم: أن القرابة البعيدة أولى من الأجنبية، وبه صرح في "زيادة الروضة"، وعبارة "الكفاية": أن تكون غريبة، وهي تقتضي نفي القرابة مطلقًا 5.
وأنشد بعضهم: [من الخفيف]
إِنْ أَرَدْتَ الإِنْجَابَ فَانْكِحْ غَرِيبًا... وَإِلَى الأَقْرَبِينَ لَا تَتَوَصَّلْ
وَإِذَا قَصَدَ نِكَاحَهَا.. سُنَّ نَظَرُهُ إِلَيْهَا قَبْلَ الْخِطْبَةِ وَإِنْ لَمْ تأْذَنْ، وَلَهُ تَكْرِيرُ نَظَرِهِ،
فأَشَفُّ الثِّمَارِ حُسْنًا وَطِيبًا... ثَمَرٌ غُصْنُهُ غَرِيبٌ مُوَصَّلْ
ويستحب أيضًا: أن تكون ولودًا، وافرة العقل، حسناء غير شقراء، لا ولد لها من غيره، ولا مطلّق ترغب فيه أو يرغب فيها ويخشى الفتنة بسببه.
وأورد القاضي الماوردي حديثًا: أنه صلى الله عليه وسلم قال لزيد بن حارثة: "لَا تَتَزَوَّجْ خَمْسًا: شَهْبَرَةً وَلَا لَهْبَرَةً وَلَا نَهْبَرَةً وَلَا هَنْدَرَةً وَلَا لَفُوتًا" 1؛ فالأولى: الزرقاء البذية، والثانية: الطويلة المهزولة، والثالثة: العجوز المدبرة، والرابعة: القصيرة الذميمة، والخامسة: ذات الولد من غيرك.
(وإذا قصد نكاحها.. سُنّ نظره إليها) لأمره صلى الله عليه وسلم للمغيرة بن شعبة به، رواه الترمذي 2، ورأى عليه السلام عائشة في نومه، وفعله في المنام كاليقظة، وبه استدل البخاري وغيره 3.
(قبل الخطبة) وبعد عزمه على النكاح؛ لأنه قبل العزم لا حاجة إليه، وبعد الخطبة قد يفضي الحال إلى الترك، فيشق عليها 4 (وإن لم تأذن) هي، أو وليها إن كانت لاغية الإذن، ويكفي إذن الشارع في ذلك ولئلا تُزيِّن نفسَها فيفوت مقصود النظر.
[(وله تكرير نظره) إذا احتاج إليه؛ ليتبيّن هيئتها فلا يندمَ بعد النكاح؛ إذ لا يحصل الغرض غالبًا بأول نظرة، وسواء خاف الفتنة أم لا، قاله الإمام
وَلَا يَنْظُرُ غَيْرَ الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ. وَيَحْرُمُ نَظَرُ فَحْلٍ بَالِغٍ إِلَى عَوْرَةِ حُرَّة كَبِيرَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ،
والروياني 1] 2.
(ولا ينظر غير الوجه والكفين) ظهرًا وبطنًا؛ لأنها مواضع ما يظهر من الزينة المشار إليها في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ والمعنى فيه: أن في الوجه ما يستدل به على الجمال، وفي اليدين ما يستدل به على خصب البدن، هذا إذا كانت المخطوبة حرة؛ لأن ذلك ليس بعورة منها، فإن كانت أمة.. جاز أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها، كذا نقله في "المطلب" عن مفهوم كلامهم، لكن نقل البيهقي في "المبسوط": أن إطلاق الشافعي في "الإملاء" يقتضي التسوية.
وإن لم يتيسر له النظر.. بعث امرأة تتأملها وتصفها له، ووصف المرأةِ المرأةَ للرجل حرامٌ إلَّا في هذا الموضع.
(ويحرم نظر فحل بالغ إلى عورة حرة كبيرة أجنبية) لأنه إذا حرم نظر المرأة إلى عورة المرأة كما جاء به الخبر في الصحيح.. فهو أولى 3.
والعورة: ما عدا الوجه والكفين.
وشمل إطلاقه (الفحل) المخنث وهو: المتشبه بالنساء، والعنين، والشيخ الهِمّ، وهو كذلك، وخرج: الممسوح، وسيذكره.
ولكن يرد عليه: المجبوب وهو: مقطوع الذكر فقط، والخصي وهو: من بقي ذكره دون أنثييه، والخنثى المشكل؛ فإنهم كالفحل على الصحيح.
وخرج بالبالغ: الصبي، وليس على إطلاقه؛ فإن المراهق كالبالغ؛ كما سيأتي، وغيره إن لم يصل إلى حد يحكي ما يراه.. فحضوره كعدمه، ويجوز التكشف له من كل وجه، وإن وصل.. فهو كالمحرم.
وَكَذَا وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا عِنْدَ خَوْفِ فِتْنَةٍ، وَكَذَا عِنْدَ الأَمْنِ عَلَى الصَّحِيحِ،
وكان ينبغي أن يزيد: (عاقل مختار) ليخرج المجنون والمكره.
وخرج بالحرة: الأمة، وسيأتي ما فيها، والمبعّضة كالحرة، وبالكبيرة: الصغيرة، وسيأتي.
والمراد بالكبيرة: من وصلت إلى حد تشتهى فيه وإن لم تبلغ.
(وكذا وجهها وكفيها عند خوف فتنة) 1 وهو ما يدعو إلى الجماع ومقدماته بالإجماع.
(وكذا عند الأمن على الصحيح) للاتفاق على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه؛ كما نقله الإمام وأقراه، ولو حل النظر.. لكُنّ كالمرد 2، والثاني: لا يحرم، وصوبه في "المهمات"؛ لنقل الرافعي له عن الأكثرين لا سيما المتقدمون؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ وهو مفسر بالوجه والكفين 3.
وما نقله الإمام من الاتفاق معارض بنقل القاضي عياض المالكي عن العلماء مطلقًا: أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها في طريقها، وإنما ذلك سنة، وعلى الرجال غض البصر عنهن، وأقرّه المصنف عليه في "شرح مسلم" في (باب نظر الفجأة) 4.
وشمل إطلاق المصنف: العجوز التي لا تشتهى، وهو الأرجح في "الشرح الصغير"؛ لأن لكل ساقطة لاقطة، وقال الروياني: إذا بلغت مبلغًا يؤمن معه الافتتان بالنظر إليها.. جاز النظر إلى وجهها وكفيها؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 5،
وَلَا يَنْظُرُ مِنْ مَحْرَمٍ مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ، وَيَحِلُّ مَا سِوَاهُ، وَقِيلَ: مَا يَبْدُو فِي الْمَهْنَةِ فَقَطْ. وَالأَصَحُّ: حِلُّ النَّظَرِ بِلَا شَهْوَةٍ إِلَى الأَمَةِ إِلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ، وَإِلَى صَغِيرَةٍ.
وقاله القاضي الحسين، واختاره الأَذْرَعي، قال: والقياس: جوازه إلى ما وراء ذلك من الساعدين وصفحة العنق والقدمين، والإجماع الفعلي عليه من غير نكير.
وفرض المصنف وغيره الخلاف عند الأمن، وفرضه الإمام فيما إذا لم يظهر خوف فتنة 1، قال السبكي: وهو حسن؛ فالأمن عزيز إلا من عصمه الله.
(ولا ينظر من محرم) 2 بنسب أو رضاع أو مصاهرة (ما بين سرة وركبة) إن بلغت حدًّا تشتهى؛ لأنه عورة.
(ويحل ما سواه) لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الآية، (وقيل: ما يبدو في المهنه فقط) وهو الوجه والرأس والعنق، واليد إلى المرفق والرجل إلى الركبة، وفي الثدي حال الرضاع وجهان؛ إذ لا ضرورة إلى غيره.
ويعلم من هذا: أن نظره إلى ما يبدو في حال المهنة جائز قطعًا، وإلى ما بين السرة والركبة حرام قطعًا، والخلاف فيما بين ذلك.
و(المهنة) بفتح الميم وكسرها: الخدمة.
(والأصح: حلُّ النظر بلا شهوة إلى الأمة) ولو كانت أم ولد (إلا ما بين سره وركبة) لأن ذلك عورتها في الصلاة، فأشبهت الرجل، ولأن رأسها ليس بعورة إجماعًا؛ كما حكاه بعضهم؛ فلا يكون ما عدا ما بين السرة والركبة عورة؛ كالرجل.
نعم؛ يكره.
والثاني: يحرم ما لا يبدو في المهنة؛ إذ لا حاجة إليه، والثالث: أنها كالحرة، وسيأتي تصحيح المصنف له.
(وإلى صغيرة) لا تشتهى؛ إذ ليست في مظنة الشهوة، والثاني: المنع مطلقًا؛ لأنها من جنس الإناث، وهو واه، لا كما اقتضاه إيراد المصنف من كونه قويًّا، وكيف يتصور أن يقال به وما زال الناس في جميع الأعصار ينظرون إلى الصغائر، والنبي
إِلَّا الْفَرْجَ، وَأَنَّ نَظَرَ الْعَبْدِ إِلَى سَيدَتِهِ وَنَظَرَ مَمْسُوحٍ كَالنَّظَرِ إِلَى مَحْرَمٍ،
صلى الله عليه وسلم يحمل أمامة في الصلاة بين الناس، وهم ينظرون إليها؟ ! 1. ولم يحك هذا الوجه غير الغزالي فمن بعده، قال ابن الصلاح: وحكاية الخلاف في وجه الصغيرة التي لا تشتهى يكاد أن يكون خرقًا للإجماع، وما علل به هذا الوجه منقوض بذوات المحارم؛ فإنه لا خلاف في جواز النظر إلى وجههن، وهذه أولى بذلك؛ لخروجها عن مظنة الشهوة في حق جميع الناس، وذوات المحارم إنما خرجت عن الشهوة في حق محارمهن 2. (إلا الفرج) بالاتفاق؛ كما ادعاه الفوراني، وصاحبا "العدة" و"التهذيب" تبعًا للقفال، وجزم به الرافعي في كتبه، لكن في "زيادة الروضة" عن القاضي الحسين: القطع بجواز النظر إلى فرج الصغيرة التي لا تشتهى، والصغير؛ قال: وقطع به في الصغير إبراهيم المروذي، وصححه المتولي؛ لتسامح الناس بذلك قديمًا وحديثًا، وإن إباحة ذلك تبقى إلى بلوغه سن التمييز، ومصيره بحيث يمكنه ستر عورته عن الناس 3. (وأن نظر العبد) الفحل (إلى سيّدته ونظرَ ممسوح) سواء أكان حرًّا أم عبدًا لغيرها (كالنظر إلى مَحْرم) أما الأولى.. فلقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾، ولقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها، وقد أتاها ومعه عبد وقد وهبه لها وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها.. لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها.. لم يبلغ رأسها، فلما رأى صلى الله عليه وسلم ما تلْقى قال: "إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ إِنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلَامُكِ" رواه أبو داوود 4. وهذا ما عزاه الرافعي للأكثرين، وقال في "الروضة": إنه المنصوص، وظاهر الكتاب والسنة وإن كان فيه نظر من حيث المعنى 5.
..................................
وقيل: إنه كالأجنبي؛ لأنه لو ثبتت المحرمية.. لاستمرت؛ كالرضاع، وصححه جمع، وصوّبه في مسودة "شرح المهذب" وبسط ذلك، وبالغ في التشنيع على القائل بكونه كالمحرم.
وعلى الأول: فالجواز مقيد بما إذا كانا عتيقين؛ كما ذكره الواحدي في "بسيطه"، والمهدوي في "تفسيره"، وقيّده البغوي والكواشي: بما إذا كان العبد عفيفًا 1، وهم أئمة شافعيون، قال الأَذْرَعي: فيجب تقييد الجواز به، وبه يندفع ما شنع به في "شرح المهذب".
وشمل إطلاقه: المكاتب، وهو ما جزم به ابن القشيري في "تفسيره"، وحكاه البُلْقيني عن النص، لكن في "زيادة الروضة" عن القاضي الحسين: أنه إن كاتبته.. فليس بمحرم، وأقرّه، وسبقه إليه ابن الصلاح، فنقله عنه في "مشكله" 2، قال ابن الرفعة: ولم أره في تعليق القاضي، وقال البُلْقيني: لم يطلق القاضي ذلك بل قال: إن كان معه وفاء.. فلتحتجب منه، وإلا.. فلا.
وتعبير المصنف بـ (العبد): قد يخرج المبعّض، وبه صرّح الماوردي في (باب الصلاة) فقال: لا يختلف أصحابنا أنه كالأجنبي 3.
وأما الثانية، وهو الممسوح الذي ذهب ذكره وأنثياه وليس بعبد للمرأة.. فلقوله تعالى: ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾، ولانتفاء الشهوة في حقه.
والثاني: أن نظره كالفحل [لأنه يحل نكاحه كالفحل] 4، ورجحه ابن الصلاح، واختاره السبكي 5، واختار في "زيادة الروضة" في تفسير: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ﴾ أنه المغفل في عقله الذي لا يشتهي النساء، وهو قول ابن عباس وغيره 6.
وَأَنَّ الْمُرَاهِقَ كَالْبَالِغِ. وَإِلَى رَجُلٍ إِلَّا مَا بَيْنَ سُرَّةٍ وَرُكْبَةٍ. وَيَحْرُمُ نَظَرُ أَمْرَدَ بِشَهْوَةٍ
(وأن المراهق) وهو من قارب الاحتلام (كالبالغ) لظهوره على العورات، والثاني: له النظر؛ لأن الحل ثبت، فلا يرتفع إلا بسبب ظاهر وهو البلوغ، وعلى هذا: هو كالمحرم.
ومعنى جعله كالبالغ: أنه يلزم المنظور إليها الاحتجاب منه كالمجنون، أو أن يمنعه الولي من النظر كما يمنعه من سائر المحرمات، أما الصبي.. فلا تكليف عليه، وخصّ الإمام والغزالي بمن لم يظهر منه التشوق، فإن ظهر.. فهو كالبالغ قطعًا 1.
ويجب على المرأة الاحتجاب من المجنون قطعًا؛ لأنه بالغ ذو شهوة، وقد يكون الخوف منه أكثر.
(وإلى رجل) 2 عند أمن الفتنة وعدم الشهوة بالاتفاق (إلا ما بين سرة وركبة) لأنه عورة، ولا فرق عندنا بين الحمام وغيره، ونقل القاضي الحسين عن علي رضي الله عنه: أن الفخذ في الحمام ليس بعورة 3.
(ويحرم نظر أمردَ بشهوة) بالإجماع، وكذا عند خوف الفتنة وإن لم يكن بشهوة على الأصحِّ، وذكر المصنف هذا توطئة لما بعده، وإلا.. فالنظر إلى الرجل والمحرم شرطه عدم الشهوة.
وضابط الشهوة -كما قاله في "الإحياء"-: أن كل من تأثر بصورة الأمرد بحيث يظهر من نفسه الفرق بينه وبين الملتحي.. فهذا لا يحل له النظر 4.
وقال السبكي: المراد من الشهوة: أن يكون النظر لقصد قضاء وطر؛ بمعنى: أن الشخص يحب النظر إلى الوجه الجميل ويلتذ به، قال: فإذا نظر ليلتذ بذلك الجمال.. فهو النظر بشهوة، وهو حرام، قال: وليس المراد: أن يشتهي زيادة على
قُلْتُ: وَكَذَا بِغَيْرِهَا فِي الأَصَحِّ الْمَنْصُوصِ،
ذلك من الوقاع ومقدماته؛ فإن ذلك ليس بشرط بل زيادة في الفسق، قال: وكثير من الناس لا يقدمون على فاحشة، ويقتصرون على مجرد النظر والمحبة، ويعتقدون أنهم سالمون من الإثم، وليسوا سالمين.
قال ابن الصلاح: وليس المعنى بخوف الفتنة: غلبة الظنّ بوقوعها، بل يكفي ألّا يكون ذلك نادرًا.
(قلت: وكذا بغيرها في الأصح المنصوص) لأنه مظنة الفتنة، فهو كالمرأة بل أعظم، وقد نفر منهم السلف وسموهم الأنْتَان؛ لأنهم مستقذرون شرعًا.
وذكر عن أبي عبد الله الجلاء، قال: كنت أمشي يومًا مع أستاذي فرأيت حدثًا جميلًا، فقلت لأستاذي: ترى يعذب الله هذه الصورة؟ فقال: ونظرت؟ ! سترى غبَّه، قال: فنسيت القرآن بعد ذلك بعشرين سنة.
وهذا ما نقله في "زيادة الروضة" عن إطلاق صاحب "المهذب" وغيره، قال: ونقله الداركي عن نص الشافعي، وصرح بتصحيحه في مواضع من "شرح المهذب"، ونازع في "المهمات" في العزو للنص، وقال: الصادر من الشافعي على ما بينّه في "الروضة" إنما هو إطلاق يصح حمله على حالة الشهوة.
انتهى 1.
وقال الشيخ أبو حامد: لا أعرف هذا النص للشافعي؛ كما نبه عليه ابن الرفعة، قال: ولم يذكره البيهقي في "معرفته" ولا "سننه" ولا "مبسوطه" أيضًا.
والثاني: لا يحرم، إذ لو حرم [.. لأمروا بالاحتجاب؛ كالنسوة، وأجاب عنه ابن الصلاح: بأنهم إنما لم يؤمروا] 2 بالاحتجاب، لما فيه من المشقة من تركهم الأسباب، ووجب الغض على من يخاف الافتتان بهم؛ رعاية للجانبين 3.
قال السبكي: وهو ظاهر، إنما الصعب إيجاب الغض مطلقًا؛ كما يقوله المصنف.
وَالأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ: أَنَ الأَمَةَ كَالْحُرَّةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالْمَرْأَةُ مَعَ امَرْأَةٍ كَرَجُلٍ وَرَجُلٍ، وَالأَصَحُّ: تَحْرِيمُ نَظَرِ ذِمِّيَّةٍ إِلَى مُسْلِمَةٍ،
ويرده: أحوال الناس ومخالطتهم الصبيان من عصر الصحابة إلى الآن، مع العلم بأنهم لم يؤمروا بغض البصر عنهم في كل حال؛ كالنساء بل عند توقع الفتنة.
وأطلق المصنف (الأمرد)، وقيّده القاضي الحسين والمتولي والفوراني وابن أبي عصرون والمصنف في تبويب "رياض الصالحين" بكونه: حسن الوجه، نقي البدن، يخشى منه الافتتان 1، وهو حسن، ولم يقيدوا به النساء؛ فلكل ساقطة لاقطة.
(والأصح عند المحققين: أن الأمة كالحرة، والله أعلم) لاشتراكهما في الأنوثة وخوف الفتنة؛ ففي الإماء التركيات ونحوهن من خوف الفتنة أشد من كثير من الحرائر.
(والمرأة مع امرأة كرجل ورجل) 2 وقد مرّ.
(والأصح: تحريم نظر ذمية إلى مسلمة) لقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ فلو جاز النظر.. لم يبق لتخصيص نسائهن فائدة، وصحّ عن عمر رضي الله عنه: أنه منع الكتابيات دخول الحمام مع المسلمات 3.
ويستثنى: مملوكة المرأة؛ فلا يحرم نظرها إليها؛ كما قاله المصنف في "فتاويه" 4.
وكلام المصنف قد يوهم: أنها معها كالرجل الأجنبي، وبه صرح الإمام، والذي في "الشرح" و"الروضة": أن الأشبه: أن الذي يحرم نظر الذمية إليه من المسلمة.. هو ما لا يبدو في حال المهنة، ولها النظر إلى ما يبدو في المهنة 5.
والثاني: يحل كالمسلمة؛ لاتحاد الجنس كالرجال؛ فإنهم لم يفرقوا فيهم بين نظر
وَجَوَازُ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى بَدَنِ أَجْنَبِيٍّ سِوَى مَا بَيْنَ سُرَّتهِ وَرُكْبَتِهِ إِنْ لَمْ تَخَفْ فِتْنَةً. قُلْتُ: الأَصَحُّ: التَّحْرِيمُ كَهُوَ إِلَيْهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ.
المسلم إلى الذمي، ونظر الذمي إليه.
وظاهر إيراد المصنف: أن التحريم على الذمية، وهو صحيح إذا قلنا: الكفار مخاطبون بالفروع، وإذا كان حرامًا على الذمية.. حرم على المسلمة التمكين منه.
قال السبكي: ويحتمل إرادة التحريم على المسلمة، وهو ظاهر كتاب عمر إلى أبي عبيدة رضي الله عنهما يأمره أن يمنع المسلمات من أن يدخلن الحمام مع المشركات 1.
ولو عبر المصنف بـ (الكافرة).. لكان أشمل، بل قال ابن عبد السلام: أن الفاسقة كالكافرة في ذلك، ولعله أراد من تميل إلى النساء، وقد صرح بذلك المتولي، وصاحب "الترغيب" من متأخري المراوزة، وعبارته: ويحرم على المساحقة النظر.
وذكر القاضي الحسين في أحد تعليقيه 2: أنه يكره للمرأة إذا كانت تميل إلى النساء النظرُ إلى وجه النساء وأبدانهن، وأن تضاجعهن بلا حائل؛ كما في الرجال.
(وجواز نظر المرأة إلى بدن أجنبي سوى ما بين سرّته وركبته إن لم تخف فتنة) ولا نظرت بشهوة؛ لنظر عائشة رضي الله عنها إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد 3، وليس كنظر الرجل إليها؛ لأن بدنها عورة في نفسه، ولذلك يجب ستره في الصلاة.
(قلت: الأصح: التحريم كهو إليها، والله أعلم) لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾، وقوله عليه السلام: "أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا، أَلَسْتُمَا تبصِرَانِهِ؟ " صححه الترمذي 4.
وَنَظَرُهَا إِلَى مَحْرَمِهَا كَعَكْسِهِ. وَمَتَى حَرُمَ النَّظَرُ.. حَرُمَ الْمَسُّ،
قال ابن دقيق العيد في (كتاب الطلاق) من "شرح العمدة": وفي دلالة الآية المذكورة نظر؛ لأن (من) للتبعيض، فيحمل على من خاف الفتنة، فلا دلالة حينئذ على وجوب الغض مطلقًا؛ كما اختاره بعض المتأخرين، ولعله عنى به المصنف؛ فإنه استدل بها في "الروضة"، قال: والجمع بين الدليلين أولى من إلغاء أحدهما 1. انتهى.
وأجاب في "شرح مسلم" عن نظر عائشة: بأنه ليس فيه أنها نظرت إلى وجوههم وأبدانهم، وإنما نظرت لعبهم وحرابتهم، ولا يلزم منه تعمد النظر، وإن وقع بلا قصد.. صرفته في الحال، وأجاب عنه غيره: بأن ذلك لعله كان قبل نزول الحجاب، أو كانت عائشة لم تبلغ مبلغ النساء إذ ذاك 2.
(ونظرها إلى محرمها كعكسه) كنظر الرجل إلى محرمه؛ فتنظر منه ما عدا ما بين السرة والركبة على الأصحِّ.
(ومتى حرم النظر.. حرم المس) لأنه أبلغ في إثارة الشهوة؛ بدليل: أنه لو لمس فأنزل.. أفطر، ولو نظر فأنزل.. لم يفطر، فيحرم على الرجل دلْكُ فخِذ الرجل بلا حائل، وكذلك لمحرمه، وقد يحرم النظر على وجه ويجوز اللمس قطعًا، وهو نظر الرجل إلى فرج امرأته وأمته؛ كما سيأتي.
وأفهم: أنه حيث جاز النظر.. جاز المسّ، ويستثنى: مسّ وجه الأجنبية.. فلا يجوز للرجل مسه وإن جوزنا نظره، وكذا لا يجوز مسُّ كل ما يجوز نظره من المحرم؛ فلا يجوز مس بطن أمه وظهرها، وتقبيلها، وغمز ساقيها ورجلها، ولا أن يأمر بنته أو أخته بغمز رجله، وعبارة "الروضة" لا تقتضي: أنه يحرم مس يد الأم؛ فإنه قال: فيحرم مس وجه الأجنبية وإن جوزنا النظر إليه، ومسُّ كل ما جاز النظر إليه من المحارم والإماء، قال في "المهمات": وهو خلاف إجماع الأمة 3.
وَيُبَاحَانِ لِفَصدٍ وَحِجَامَةٍ وَعِلَاجٍ.
وفصل السبكي في ذلك؛ فجوّز ما كان لحاجة أو شفقة، وحرّم ما كان بشهوة قال: وبينهما مراتب متفاوتة، فما قرب إلى الأول.. ظهر جوازه، أو إلى الثاني.. ظهر تحريمه.
وعبارة "المحرر" و"الشرح" و"الروضة": وحيث حرم النظر.. حرم المس 1، قال السبكي: وهو أحسن من عبارة الكتاب؛ لأن (حيث) اسم مكان، والمقصود هنا: أن المكان الذي يحرم نظره يحرم مسه، و (متى) اسم زمان، وهو ليس مقصودًا هنا، قال المنكت: وقد يقال: إن الزمان أيضًا مقصود؛ فإن الأجنبية يحرم نظرها، فإذا عقد عليها.. جاز، فإذا طلقها.. حرم، وكذلك الطفلة على العكس؛ ولذلك استثني زمان المداواة والمعاملة ونحوها 2.
(ويباحان) أي: النظر والمس (لفصد وحجامة وعلاج) للحاجة الملجئة إلى ذلك، قالا: وليكن ذلك بحضور محرم أو زوج 3.
قال البُلْقيني: والمراد: أن يكون هناك من يمنع حصول الخلوة؛ كما هو مذكور في (العدد).
ويشترط: عدم امرأة يمكنها تعاطي ذلك من امرأة وعكسه؛ كما جزم به في "الشرح الصغير"، وصححه في "الروضة" 4.
وألّا يكون ذميًّا مع وجود مسلم؛ كما في "زوائد الروضة" عن القاضي الحسين والمتولي 5.
ولا يكشف إلا قدر الحاجة؛ كما قاله القفال في "فتاويه".
وفي معنى الفصد والحجامة: نظر الخاتن إلى فرج الصبي الذي يختنه، ونظر القابلة إلى فرج التي تولدها، وأصل الحاجة كافٍ في نظر الوجه والكفين، ويعتبر في
قُلْتُ: وَيُبَاحُ النَّظَرُ لِمُعَامَلَةٍ وَشَهَادَةٍ وَتَعْلِيمٍ وَنَحْوِهَا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
غير ذلك تأكدها، وهو مبيح التيمم؛ كما نقلاه عن الإمام 1، وفي الفرج مزيد تأكد وهو: ما يعد التكشف له هتكًا للمروءة؛ كما نقلاه عن الغزالي وأقرّاه 2.
(قلت: ويباح النظر لمعاملة) كبيع وشراء وإجارة؛ لأنه يحتاج إلى معرفتها، فيقتصر على الوجه فقط، (وشهادة) عند التحمل والأداء؛ للحاجة إلى ذلك، حتى يجوز النظر إلى الفرج للشهادة على الولادة والزنا، والثدي للرضاع على الصحيح في الكل.
وإذا نظر إليها وتحمل الشهادة عليها.. كلفت كشف وجهها عند الأداء، فإن امتنعت.. أمرت امرأة تكشفه.
(وتعليم) هذه المسألة من زياداته على "الروضة"، بل على غالب كتب المذهب، قال السبكي: وإنما يظهر فيما يجب تعلمه وتعليمه كـ (الفاتحة) وما يتعين تعلمه من الصنائع المحتاج إليها بشرط ألّا يمكن التعلم من وراء حجاب، أما غير ذلك.. فكلامهم يقتضي المنع فيه، ومنهم المصنف حيث قال في (الصداق): ولو أصدقها تعليم قرآن فطلق قبله.. فالأصحُّ: تعذر تعليمه، وعلله الرافعي: بأنها صارت محرمة ولا يؤمن الوقوع في التهمة والخلوة المحرمة لو جوزنا التعليم.
والوجه الثاني: أنه يعلمها من وراء حجاب، والوجهان متفقان على تحريم النظر 3. انتهى.
(ونحوها) كجارية يريد شراءها؛ فينظر ما عدا ما بين السرة والركبة، (بقدر الحاجة، والله أعلم) لأن ما جاز للضرورة يقدّر بقدرها.
وقضيته: أنه إذا عرفها بالنظر إلى بعض الوجه... لم يكن له أن يتجاوز إلى غيره، وهو ما قاله الماوردي 4، والذي في "البحر" عن جمهور الفقهاء: أنه يستوعب جملة الوجه؛ لأن جميعه ليس بعورة.
وَلِلزَّوْجِ النَّظَرُ إِلَى كلِّ بَدَنِهَا
قال الماوردي: ولا يزيد على النظرة الواحدة إلا أن يحتاج إلى ثانية للتحقق فيجوز 1، وكلام المصنف يقتضيه.
وكل ما جوزنا للرجل نظره من المرأة للحاجة.. يجوز لها منه أيضًا إذا تحققت حاجتها؛ كما إذا باعت أو اشترت منه أو استأجرت أو أجرته؛ لأنها تحتاج إلى معرفته لتطالبه بالثمن وغير ذلك.
(وللزوج النظر إلى كل بدنها) حتى الفرج ظاهرًا وباطنًا على الأصحِّ؛ لأنه محل استمتاعه، لكن يكره إلى الفرج، وباطنه أشد كراهة، وقيل: يحرم، وصححه الفارقي والجرجاني في "الشافي"؛ لحديث: "إِذَا جَامَعَ أَحَدُكُمْ زَوْجَتهُ أَوْ جَارِيَتَهُ.. فَلَا يَنْظُرْ إِلَى فَرْجِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُورِثُ الْعَمَى" رواه البيهقي، وحسن ابن الصلاح إسناده، لكن أكثر المحدثين على تضعيفه، بل ذكره ابن الجوزي في "الموضوعات" 2.
وخص الفارقي الخلاف بغير حالة الجماع، ويجوز عند الجماع قطعًا؛ كما نقله عنه الزركشي والدميري 3، وقال القمولي: إن بعضهم حكاه عن النص، ونقله صاحب "المعين" عن الشيباني -والشيباني غير معروف- وفيه نظر، والحديث المذكور مصرّح بحالة الجماع.
واختلفوا في قوله: "يُورِثُ الْعَمَى"؛ فقيل: في الناظر، وقيل: في الولد، ويتخرج عليهما الممسوح ومن لا يولد له، وقيل: في القلب.
ويستثنى من إطلاقه: حلقة الدبر؛ فلا يجوز النظر إليها قطعًا، لأنها ليست محل استمتاعه، قاله الدارمي، ويخالفه قول الإمام في "النهاية" في باب (إتيان النساء في أدبارهن): والتلذذ بالدبر من غير إيلاج جائز؛ فإن جملة أجزاء المرأة محل استمتاع
..................................
الرجل إلا ما حرم الله من الإيلاج، وإطلاق الشيخين وغيرهما جواز التلذذ بما بين الأليتين يخالفه أيضًا 1.
وكذا يستثنى: زوجته المعتدة عن وطء الغير بشبهة؛ فإنه يحرم عليه نظر ما بين السرة والركبة، ويحل ما سواه على الصحيح.
ونظر الزوجة إلى زوجها كنظره إليها على الأصحِّ، وقيل: يجوز نظرها إلى فرجه قطعًا؛ لأن الخبر ورد في الفرج، وهو الشق، قال السبكي: والخلاف الذي في النظر إلى الفرج لا يجري في مسه؛ لانتفاء العلة، هذا هو الظاهر وإن لم يصرحوا به.
وقد سأل أبو يوسف أبا حنيفة عن مس فرج زوجته وعكسه، فقال: لا بأس، وأرجو أن يعظم أجرهما.
ونظر السيد إلى أمته التي يحل له الاستمتاع بها ونظرها إليه كذلك.
واعلم: أن ما لا يجوز النظر إليه متصلًا كالذكر وساعد الحرة، وشعر رأسها وشعر عانة الرجل وما أشبهها.. يحرم النظر إليه بعد الانفصال على الأصحِّ، وقيل: لا، وقال الإمام احتمالًا لنفسه: إن لم يتميز المبان من المرأة بصورته وشكله عما للرجل؛ كالقلامة والشعر والجلدة.. لم يحرم، وإن تميز.. حرم، وضعفه في "زيادة الروضة" إذ لا أثر للتمييز مع العلم بأنه جزء من يحرم نظره، قال: وعلى الأصحِّ: يحرم النظر إلى قلامة رجلها دون قلامة يدها، ويده ورجله.
انتهى 2.
وهذا التفصيل نقلته بنت أبي علي الشبوي للخضري لمّا سئل عن ذلك، ففرح به وقال: لو لم أستفد من اتصالي بأهل العلم إلا هذه المسألة.. لكانت كافية 3.
فصلٌ [في الخطبة]
تَحِلُّ خِطْبَةُ خَلِيَّةٍ عَنْ نِكَاحٍ وَعِدَّةٍ، لَا تَصْرِيحٌ لِمُعْتَدَّةٍ، وَلَا تَعْرِيضٌ لِرَجْعِيَّةٍ، وَيَحِلُّ تَعْرِيضٌ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ، وَكَذَا الْبَائِنُ فِي الأَظْهَرِ
(فصل: تحل خطبة) بكسر الخاء (خليَّة عن نكاح وعدَّة) وكل مانع من موانع النكاح بالإجماع، وقيل: تستحب؛ لفعله صلى الله عليه وسلم 1، وما جرى عليه الناس.
(لا تصريحٌ لمعتدة) كـ (أريد نكاحك)، سواء كانت رجعية أم بائنًا؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾.
وحكى ابن عطية فيه الإجماع 2.
والمواعدة سرًّا في الآية: الخطبة على الصحيح، قال الشافعي: ولم يرد بـ (السرّ) ضد الجهر، وإنما أراد الجماع.
ومعنى الآية: النهي عن مواعدة الرجل المعتدة أن يطأها بعد العدة بوجه التزويج، والمعنى فيه: أنها قد تكذب في انقضاء العدة عند تحقق رغبة الخاطب بالصريح، وهذا في غير صاحب العدة، أما صاحبها الذي يحل له نكاحها فيها.. فله التصريح.
واحترزت بقولي: (الذي يحل له نكاحها): عما لو طلق امرأته رجعيًّا أو بائنًا، فوطئ أجنبي بشبهة، وحملت من الثاني.. فإنها تقدم عدة من الحمل منه، وليس لصاحب عدة الشبهة أن يخطب؛ لأنه لا يجوز العقد عليها قطعًا.
(ولا تعريض لرجعية) كـ (رُبّ راغبٍ فيك) ونحوه؛ لأنها زوجة أو في معنى الزوجة، (ويحل تعريض في عدة وفاة) ولو حاملًا؛ للآية السالفة، (وكذا البائن في الأظهر) لعموم الآية، ولانقطاع سلطنة الزوج عليها، والثاني: المنع؛ لأن لصاحب العدة أن ينكحها، فأشبهت الرجعية، وسواء أكانت العدة بالأقراء أم بالأشهُر على
وَتَحْرُمُ خِطْبَةٌ عَلَى خِطْبَةِ مَنْ صُرِّحَ بِإِجَابتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ،
الأصحِّ، وقيل: إن كان بالأقراء.. حرم قطعًا؛ لأنها قد تكذب في انقضاء العدة؛ رغبة في الخاطب.
وينبغي أن يقيد كلامه (بطلاق دون ثلاث أو فسخ) إذ الأصحُّ في بائن بثلاث أو لعان أو رضاع: القطع بالحل، وفي المعتدة عن وطء شبهة طريقان: المذهب: القطع بالجواز، والثاني: طرد الخلاف، قال الرافعي: وربما بني الخلاف في هذه الصور وفاقًا وخلافًا على: أن المقتضي للتحريم في الرجعية ماذا؟ فقيل: إنها بصدد أن تُراجع فقد تكذب في انقضاء العدة دفعًا لها، وقيل: إنها مجفوّة بالطلاق؛ فقد تكذب انتقامًا، والمعنيان مفقودان في المتوفى عنها زوجها، فجاز، وفي البائن وجد الثاني دون الأول، فكان على الخلاف 1.
وحكم جواب المرأة في الصور المذكورة تصريحًا وتعريضًا: حكمُ الخطبة فيما تقدم، ولو خالف الخاطب فصرح أو عرّض حيث لم يبح له، ثم أوقع العقد.. صح، نص عليه 2.
(وتحرم خطبة على خطبة من صُرّح بإجابته إلا بإذنه) ولو ذميًّا في ذمية؛ لحديث: "لَا يَخطُبِ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ" متفق عليه 3.
والترك كالإذن؛ كما جاء في رواية في "البخاري"، و (الأخ) في الحديث خرج مخرج الغالب؛ فلا مفهوم له.
ويشترط: أن يكون الخاطب عالمًا بالنهي، قاله القاضي الحسين في "تعليقه"، ولو خالف وتزوجها.. صح العقد؛ لأن المحرم الخطبة لا العقد.
وأبهم المصنف المعتبر تصريحه بالإجابة، وهو المجبر أو السيد، أو هي إن انتفى الإجبار والرق، أو السلطان في المجنونة.
قال البُلْقيني: وقضية كلام الشيخين: أن قول غير المجبرة: (أجبتك إلى
فَإِنْ لَمْ يُجَبْ وَلَمْ يُرَدَّ.. لَمْ تَحْرُمْ فِي الأَظْهَرِ
خطبتك).. كافٍ في التصريح، وهو مخالف لنصوص الشافعي رضي الله عنه في "الأم" و"الرسالة" و"البويطي" و"المزني"، وقد اتفقت نصوص الشافعي في أربعة وعشرين موضعًا على أن تحريم الخطبة في غير المجبرة مخصوص بما إذا أذنت في تزويجها من الخاطب المعين 1.
(فإن لم يُجب ولم يرد.. لم تحرم في الأظهر) لأنه ليس فيه إبطال شيء تقرر بينهما، ومنهم من قطع به، والثاني: يحرم؛ لإطلاق الحديث، والقولان في "الشرح" و"الروضة" فيما إذا لم يصرح بالإجابة، ولكن وجد ما يشعر بالرضا؛ كقولها: (لا رغبة عنك)، وهي مسألة التعريض 2، أما إذا لم توجد الإجابة ولا الرد؛ كما هو ظاهر تعبير "الكتاب".. فقضية كلام الرافعي هنا: ترجيح القطع بالجواز، لكن كلامه في (البيع) يقتضي ترجيح طريقة القولين 3.
قال السبكي: فلك أن تجعل قول المصنف: (لم يجب ولم يرد) على إطلاقه؛ أي: لم يجب صريحًا ولا تعريضًا، بل سكت عنه؛ فإن الصحيح من ذلك كله: عدم تحريم الخطبة، ولك أن تجعله خاصًّا بالصريح؛ أي: لم يجب صريحًا، لكن وجد ما أشعر بالرضا، والجديد فيه أيضًا: عدم التحريم.
قال الرافعي: والسابق إلى الفهم من إطلاق الأكثرين: أن سكوت الولي عن الجواب على الخلاف، وخصص بعضهم الخلاف بسكوتها، وقال: سكوت الولي لا يمنع قطعًا؛ لأنها مجبولة على الحياء، فلولا الرضا عند السكوت.. لبادرت إلى الرد، وعن الداركي: أن الخلاف في سكوت البكر، ولا يمنع سكوت الثيب بحال 4.
وخرج بقول المصنف: (ولم يرد) ما إذا رد.. فإنه لا يحرم قطعًا.
وَمَنِ اسْتُشِيرَ فِي خَاطِبٍ.. ذَكَرَ مَسَاوِئَهُ بِصِدْقٍ. ويُسْتَحَبُّ تقدِيمُ خُطْبَةٍ قَبْلَ الْخِطْبَةِ
(ومن استشير في خاطب.. ذكر مساوئه بصدق) إذا لم يندفع بدون ذلك؛ بذلًا للنصيحة، فإن اندفع بدون تعينها؛ كقوله: (لا خير لكم فيه) ونحوه.. فإنه لا يحل تعينها قاله في "الأذكار" 1.
وهذا أحد الأسباب المجوزة للغيبة، وهي تباح لستة أسباب جمعها بعضهم في بيت فقال: [من الكامل]
لَقَبٌ وَمُسْتَفْتٍ وَفِسْقٌ ظَاهِرٌ... وَالظُّلْمُ تَحْذِيرٌ مُزِيلُ الْمُنْكَرِ
ولا يختص ذلك بالخاطب، بل لو استشير في مخطوبة، كان كذلك، وكذا من أراد نصيحة غيره ليحذر عن مشاركة ونحوها.
وقوله: (ذكر مساوئه) محتمل للجواز والإيجاب، وظاهر إيراد "المحرر": الأول؛ فإنه قال: فله ذلك، وصرّحا به في "الروضة" و"أصلها" فقالا: ويجوز ذلك ليحذر 2، لكن صرح صاحب "الترغيب"، والقفال في "فتاويه"، وابن عبد السلام، وابن الصلاح: بالوجوب، وصرّح المصنف في "الأذكار" و"الرياض": بوجوب النصح على المستشار؛ فأوجب في (البيع) على الأجنبي إذا علم بالمبيع عيبًا أن يخبر به المشتري، ولم يتعرض له هنا 3، والظاهر: أنه مثله؛ لأن كتمانه غش، وبيانه من النصح الواجب لأئمة المسلمين وعامتهم إلا إذا علم أن ذلك لا يفيد.. فقد يرخص له في الترك في بعض الأحوال بحسب قدر المفسدة وما يترتب عليها.
(ويستحب) للخاطب أو نائبه (تقديم خُطبة) بضم الخاء (قبل الخِطبة) بكسرها لحديث: "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ الله.. فَهُوَ أَبْتَرُ" 4.
وَقَبْلَ الْعَقْدِ. وَلَوْ خَطَبَ الْوَليُّ، فَقَالَ ألزَّوْجُ: (الْحَمْدُ للهِ وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَبِلْتُ).. صَحَّ النِّكاحُ عَلَى الصَّحِيحِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: لَا يُسْتَحَبُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ
فيبدأ بالحمد لله والثناء عليه، ويوصي بتقوى الله تعالى، ثم يقول: (جئتكم راغبًا في كريمتكم)، ويخطب الولي كذلك، ثم يقول: (لست بمرغوب عنك)، أو نحو ذلك.
(وقبل العقد) أي: ويستحب خطبة أخرى قبل العقد، وهي آكد من الأولى؛ لحديث ابن مسعود الشهير في ذلك 1، ويحصل الاستحباب، سواء خطب الولي أم الأجنبي 2.
(ولو خطب الولي، فقال الزوج: "الحمد لله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قَبِلْتُ".. صحّ النكاح على الصحيح) لأن المتخلل من مصالح العقد ومقدمات الصيغة؛ فلا يقطع الموالاة؛ كالإقامة بين صلاتي الجمع، والثاني: لا يصح؛ لأنه تخلل بينهما ما ليس من العقد.
(بل يستحب ذلك) لأنه أمر ذو بال، (قلت: الصحيح: لا يستحب، والله أعلم) لأنه لم يرد فيه توقيف، والخروج من الخلاف في الإبطال أولى، وما صححه مخالف لما في "الشرحين" و"الروضة"؛ فإن حاصل ما فيها وجهان: أحدهما: البطلان؛ لأنه غير مشروع، فأشبه الكلام الأجنبي، والثاني، ونقلاه عن الجمهور: استحبابه 3، فالقول بأنه لا يستحب ولا يبطل خارجٌ عنهما، فكيف جاء الخلاف؟ !
وذكر الماوردي: أنه عليه السلام زوّج فاطمة بعليٍّ وخطبا جميعًا 4.
قال ابن الرفعة: وإذا كان كذلك.. فالحجة فيه ظاهرة على الاستحباب؛ لأنها إنما تكون من كلٍّ منهما في مقدمة كلامه.
فَإِنْ طَالَ الذِّكْرُ الْفَاصِلُ.. لَمْ يَصِحَّ.
فصلٌ [في أركان النكاح وغيرها]
إِنَّمَا يَصِحُّ النكِّاحُ بِإِيجَابٍ؛ وَهُوَ: (زَوَّجْتُكَ) أَوْ (أَنْكَحْتُكَ)، وَقَبُولٍ؛ بِأَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ: (تزَوَّجْتُ)، أَوْ (نَكَحْتُ)، أَوْ (قَبِلْتُ نِكَاحَهَا) أَوْ (تَزْوِيجَهَا). وَيَصِحُّ تقدُّمُ لَفْظِ الزَّوْجِ عَلَى الْوَليِّ
(فإن طال الذكر الفاصل) بين الإيجاب والقبول (.. لم يصح) لأنه يشعر بالإعراض، وضبط القفال الطويلَ المانعَ من صحة العقد: بقدر ما لو كانا ساكتين فيه.. لخرج الجواب عن أن يكون جوابًا.
(فصل: إنما يصح النكاح بإيجاب وهو) أن يقول: الولي أو وكيله ("زوجتك" أو "أنكحتك"، وقبول؛ بأن يقول الزوج: "تزوجت"، أو "نكحت"، أو "قبلت نكاحها"، أو "تزويجها") أو (قبلت هذا النكاح)، كما صرح به في "الوسيط" كغيره من العقود وأولى 1.
و(رضيت نكاحها) كـ (قبلت نكاحها) على ما حكاه ابن هبيرة عن إجماع الأئمة الأربعة، قال السبكي: ويجب التوقف في هذا النقل؛ أما اعتبار أصل الإيجاب والقبول.. فبالاتفاق؛ كسائر العقود، وأما خصوص هذا اللفظ.. فلما سيأتي.
ولا يشترط توافقهما في اللفظ؛ فلو قال الولي: (زوجتك)، فقال الزوج: (قبلت).. صحّ، وبهذا يتم كون (أو) في كلام المصنف للتخيير مطلقًا.
(ويصح تقدُّم لفظ الزوج على الولي) بأن يقول الزوج: (تزوجتها) أو (نكحتها)، فيقول الولي: (زوجتك) أو (أنكحتك) لحصول المقصود، تقدم أو تأخر، هذا في غير: (قبلت)، أما لفظ (قبلت).. فلا يجوز تقدمه؛ لأنه يستدعي مقبولًا متقدمًا عليه.
قاله السبكي.
وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِلَفْظِ التَّزْوِيجِ أَوِ الإِنْكَاحِ. وَيَصِحُّ بِالْعَجَمِيَّةِ فِي الأَصَحِّ، لَا بِكِنَايَةٍ قَطْعًا.
(ولا يصح إلا بلفظ التزويج أو الإنكاح) خاصة، لأن النكاح نوع من العبادات، والأذكار في العبادات تتلقى من الشرع، والقرآن ورد بهذين اللفظين فقط، فوجب الوقوف معهما تعبدًا واحتياطًا، وصحّ: أنه صلى الله عليه وسلم قال في خطبة الوداع: "اِتَّقوا الله فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَتِهِ" 1.
و(كلمته): التزويج والإنكاح؛ فلا ينعقد بلفظ البيِع والتمليك.
وممّا استدل به أصحابنا: قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ جعل النكاح بلفظ الهبة من خصائصه صلى الله عليه وسلم.
وهذا في الناطق، أما الأخرس.. فينعقد نكاحه بإشارته المفهمة.
(ويصح بالعجمية في الأصح) اعتبارًا بالمعنى، فعلى هذا: يشترط: أن يأتي بما يعدّه أهل تلك اللغة صريحًا في لغتهم، والثاني: لا، كقراءة القرآن، والثالث: إن عجز عن العربية.. صح، وإلا.. فلا؛ كالتكبير، وإذا صححناه.. فذاك إذا فهم كل منهما كلام الآخر؛ فإن لم يفهم وأخبره ثقة عن معناه.. ففي الصحة وجهان، رجح البُلْقيني: المنع، وفي اشتراط تواقع اللغتين وجهان في "الكفاية" 2.
والمراد بـ (العجمية): ما عدا العربية من سائر اللغات، كما عبر في "المحرر" 3.
(لا بكناية قطعًا) لأنه لا مطلع للشهود على النية، ولك أن تسأل عن الفرق بين هذا وبين ما إذا قال: (زوجتك بنتي)، ونويا فاطمة ونويا بنته؛ فإنه يصح قطعًا.
وقوله: (قطعًا) من زياداته على "المحرر" 4، وقد حكى في "المطلب" فيه خلافًا.
وَلَوْ قَالَ: (زَوَّجْتُكَ)، فَقَال: (قَبِلْتُ).. لَمْ يَنْعَقِدْ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ قَال: (زَوِّجْنِي)، فَقَالَ: (زَوَّجْتُكَ) أوْ قَالَ الْوَليُّ: (تَزَوَّجْهَا)، فَقَالَ: (تزَوَّجْتُ).. صَحَّ
ولا ينعقد النكاح بالكتابة، وقيل: يصح في الغائب، وهذا بجعل الكتابة صريحًا لا كنايةً.
(ولو قال: "زوّجتك"، فقال: "قبلتُ") ولم يقل: نكاحها أو تزويجها (.. لم ينعقد على المذهب) لأنه لم يوجد منه التصريح بواحد من لفظَي النكاح والتزويج، والثاني: يصح؛ لأنه ينصرف إلى ما أوجبه الولي، فكان كالمعاد لفظًا، وهو الأصحُّ في نظيره من البيع.
والفرق: أن القبول وإن انصرف إلى ما أوجبه الولي والبائع؛ فكان كالمعاد في الجواب لكنه من قبيل الكنايات، والنكاح لا ينعقد بالكناية، بخلاف البيع، وقيل: بالمنع قطعًا، وقيل: بالصحة قطعًا.
فلو قال: (قبلتها) أو (قبلت التزويج) من غير إضافة إليها، أو إشارة إلى النكاح.. فخلاف مرتب، وأولى بالصحة، قال في "المهمات": ونص في "الأم" على أنه لا يصح في: (قبلتها) 1، ونص في "البويطي": على الانعقاد في: (قبلت النكاح أو التزويج) لوجود التصريح بالنكاح، بخلاف: (قبلتها).
انتهى.
(ولو قال: "زوِّجني"، فقال: "زوَّجتك"، أو قال الولي: "تزوّجها"، فقال: "تزوَّجتُ".. صح) لوجود الاستدعاء الجازم، وقيل: على الخلاف في البيع، ذكره الرافعي في الأولى نقلًا، وفي الثانية بحثًا، وجزم الماوردي وغيره بالمنع في الثانية، واختاره الأَذْرَعي، ولو قال في الأولى بعده: (قبلت).. صح قطعًا 2.
وتشترط الموالاة بين الإيجاب والقبول وقد ذكره المصنف في (البيع) 3، وقيل: يكفي القبول في مجلس الإيجاب.
وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ، وَلَوْ بُشِّرَ بِوَلَدٍ فَقَالَ: (إِنْ كَانَ أُنثى.. فَقَدْ زَوَّجْتُكهَا)، أَوْ قَالَ: (إِنْ كَانتْ بِنْتِي طُلِّقَتْ وَاعْتَدَّتْ فَقَدْ زَوَّجْتُكهَا).. فَالْمَذْهَبُ: بُطْلَانُهُ. وَلَا تَوْقِيتُهُ، وَلَا نِكَاحُ الشِّغَارِ؛
وإذا وجد أحد شقي العقد من أحد العاقدين.. فلا بد من إصراره عليه حتى يوجد الشق الآخر، فلو رجع عنه.. لغا العقد، وكذا لو أوجب ثم جن أو أغمي عليه.. لغا إيجابه وامتنع القبول، وكذا لو أذنت المرأة في تزويجها حيث يعتبر إذنها ثم أغمي عليها قبل العقد.. بطل إذنها.
(ولا يصح تعليقه) كالبيع ونحوه من المعاوضات، بل النكاح أولى بمزيد الاحتياط فيه.
(ولو بُشِّر بولد فقال: "إن كان أنثى فقد زوجتكها"، أو قال: "إن كانت بنتي طُلِّقت واعتدت فقد زوجتكها".. فالمذهب: بطلانه) وإن كان الواقع ما ذكره؛ لوجود صورة التعليق وفساد الصيغة.
والطريق الثاني: فيه وجهان؛ كمن باع مال أبيه ظانًّا حياته فبان موته.
واستشكل تصوير الإذن من الزوجة المدخول بها، ولا يمكن تصويره في البكر؛ لأجل قوله: (واعتدت).
وأجيب: بتصويره في المجنونة، أو في العاقلة إذا أذنت له إن طلقت واعتدت أن يزوّجها؛ كما أشار إلى صحة هذا الإذن البغوي في "فتاويه"، وكلام "الروضة" يفهمه فيما لو قال الولي للوكيل: (أذنت لك في تزويجها إذا انقضت عدتها)، لكن المرجح في (كتاب الوكالة): خلافه 1.
(ولا توقيته) بمدة مجهولة؛ كقدوم زيد، أو معلومة؛ كشهر؛ للنهي عن نكاح المتعة وهو: المؤقت، سمي به؛ لأن الغرض منه مجرد التمتع دون التوالد وغيره.
(ولا نكاح الشغار) للنهي عنه في "الصحيحين" 2.
وَهُوَ: (زَوَّجْتُكهَا عَلَى أَنْ تزوِّجَنِي بِنْتَكَ وَبُضْعُ كُلِّ وَاحِدَةٍ صَدَاقُ الأُخْرَى) فَيَقْبَلُ، فَإِنْ لَمْ يَجْعَلِ الْبُضْعَ صَدَاقًا.. فَالأَصَحُّ: الصِّحَّةُ، وَلَوْ سَمَّيَا مَالًا مَعَ جَعْلِ الْبُضْعِ صَدَاقًا.. بَطَلَ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ،
سمي به من قولهم: (شغر البلد عن السلطان): إذا خلا؛ لخلوه عن المهر، أو عن بعض الشرائط.
(وهو: "زوّجتكها على أن تزوِّجني بنتك وبضعُ كلِّ واحدة صداق الأخرى"، فيقبل) كذا فسر في الحديث من رواية ابن عمر؛ فيجوز أن يكون مرفوعًا، وأن يكون من عند ابن عمر، وهو أعلم بتفسير الحديث من غيره.
والمعنى فيه: التشريك في البضع؛ لأن كل واحد منهما جعل بضع مولّيته موردًا للنكاح وصداقًا، فأشبه تزويج واحدة من اثنين.
(فإن لم يجعل البضع صداقًا) بل اقتصر على قوله: (زوَّجتك بنتي على أن تزوِّجني بنتك) (.. فالأصح: الصحة) لعدم التشريك في البضع، وليس فيه إلا شرط عقد في عقد، وذلك لا يفسد النكاح، والثاني: لا يصح؛ لما فيه من التعليق والتوقيف؛ كأنه يقول: (لا ينعقد لك نكاح ابنتي حتى ينعقد لي نكاح ابنتك)، أو: (زوجتك ابنتي إن زوجتني ابنتك)، وهذا هو المنصوص في "الأم" 1، وقال الأَذْرَعي وغيره: إنه المذهب.
(ولو سمّيا مالًا مع جعل البضع صداقًا.. بطل في الأصح) لبقاء معنى التشريك، والثاني: يصح؛ لأنه ليس على تفسير صورة الشغار؛ لأنه لم يخل عن المهر.
وقوله: (سمّيا) ليس بقيد، بل لو سمى أحدهما.. فالحكم كذلك.
(ولا يصح إلّا بحضرة شاهدين) لحديث: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَليٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ، وَمَا كَانَ مِنْ نِكَاحٍ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ.. فَهُوَ بَاطِلٌ، فَإِنْ تشَاجَرُوا.. فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ" رواه ابن حبان في "صحيحه" من حديث عائشة رضي الله عنها، وقال: لا يصح في ذكر الشاهدين غيره 2.
شَرْطُهُمَا: حُرِّيَّةٌ، وَذُكُورَةٌ، وَعَدَالَةٌ، وَسَمْعٌ، وَبَصَرٌ، وَفِي الأَعْمَى وَجْهٌ. وَالأَصَحُّ: انْعِقَادُهُ بِابْنَيِ الزَّوْجَيْنِ وَعَدُوَّيْهِمَا. وَيَنْعَقِدُ بِمَسْتُورَيِ الْعَدَالَةِ عَلَى الصَّحِيحِ،
والمعنى فيه: الاحتياط للأبضاع، وصيانة الأنكحة عن الجحود.
وإنما عبر بالحضور ليفهم عدم الفرق بين حضورهما قصدًا أو اتفاقًا، فلو حضرا وسمعا الإيجاب والقبول.. صح وإن لم يسمعا الصداق، ويستحب: إحضار جمع من أهل الصلاح زيادة على الشاهدين.
(شرطهما: حرية، وذكورة، وعدالة، وسمع، وبصر) لأن المقصود الإثبات، ولا يثبت بدون ذلك، والخنثى كالمرأة.
نعم، لو عقد بخنثيين فبانا ذكرين.. فالأصحُّ من "زوائد الروضة": الصحة 1، بخلاف نظيره من الصلاة؛ فإن عدم جزم النية يؤثر فيهما.
(وفي الأعمى وجه) لأنه أهل للشهادة في الجملة، وفصّل الفارقي بين أن يعرف الزوجين فتنعقد بشهادته، أو لا، فلا، واستحسنه الأَذْرَعي وغيره، وذكر في "المحرر" مع ذلك: الإسلام والتكليف، وكأن المصنف استغنى عن ذكرهما؛ لتضمن العدالة لهما.
(والأصح: انعقاده بابني الزوجين وعدوَّيهما) لأنهما من أهل الشهادة، ويثبت بهما النكاح في الجملة، والثاني: المنع؛ لتعذر إثبات هذا النكاح بهما، وينعقد بحضور ابنيه مع ابنيها، وعدويه مع عدويها جزمًا؛ كما قاله في "الروضة"؛ لإمكان إثبات شقَّيه 2.
(وينعقد بمستوري العدالة) وهو: من عرفت عدالته ظاهرًا بالمخالطة، لا باطنًا بالتزكية (على الصحيح) لأن النكاح يجري فيما بين آحاد الناس والعوام، ولو كلفوا بمعرفة العدالة الباطنة.. لطال الأمر وشق، بخلاف الحكم حيث لا يجوز بشهادة المستورين، لأنه يسهل على الحاكم مراجعة المزكين، ومعرفة العدالة الباطنة،
لَا مَسْتُورِ الإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ. وَلَوْ بَانَ فِسْقُ الشَّاهِدِ عِنْدَ الْعَقْدِ.. فَبَاطِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَإِنَّمَا يَتبيَّنُ بِبيِّنَةٍ أَوِ اتِّفاقِ الزَّوْجَيْنِ،
والثاني: لا ينعقد بهما، بل لا بدَّ من معرفة العدالة الباطنة، وهي: المستندة إلى التزكية؛ ليمكن الإثبات بشهادتهما.
ومحل الخلاف: إذا كان العاقد غير الحاكم، أما الحاكم فتشترط فيه العدالة الباطنة قطعًا؛ لتيسرها عليه، بخلاف الآحاد، كذا قاله ابن الصلاح 1، وجرى عليه المصنف في "نكت التنبيه".
(لا مستور الإسلام والحرية) 2 بأن يكون في موضع يختلط فيه المسلمون بالكفار، والأحرار بالأرقاء ولا غالب؛ لتيسر معرفة الحال، بخلاف العدالة والفسق.
ولا ينعقد بمجهول البلوغ؛ إذ الأصل الصبي، قاله الجويني 3.
(ولو بان فسق الشاهد عند العقد.. فباطل على المذهب) لفوات الشرط؛ كما لو بانا كافرين، والطريق الثاني: فيه قولان: أحدهما: هذا، والثاني: الاكتفاء بالستر يومئذ.
(وإنما يتبيَّن) الفسق (ببيِّنة أو اتفاق الزوجين) على أنهما كانا فاسقين ولم يعلماه، أو علماه ونسياه عند العقد، أما لو قالا: (علمنا فسقهما عند العقد).. فباطل قطعًا؛ لأنهما لم يكونا مستورين عند الزوجين، والتعويل عليهما، نقلاه عن الإمام، وأقراه 4.
ومحل تبين البطلان باعترافهما؛ كما قاله في "الكافي": فيما يتعلق بحقهما، أما حق الله تعالى؛ بأن طلقها ثلاثًا ثم توافقا على فساد العقد بهذا السبب أو بغيره.. فلا يجوز أن يوقعا نكاحًا جديدًا إلا بمحلل؛ لمكان التهمة؛ لأنه حق الله تعالى؛ فلا
وَلَا أَثَرَ لِقَوْلِ الشَّاهِدَيْنِ: (كُنَّا فَاسِقَيْنِ).
وَلَوِ اعْتَرَفَ بِهِ الزَّوْجُ وَأَنْكَرَتْ.. فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ إِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَإِلَّا.. فَكُلُّهُ.
وَيُسْتَحَبُّ الإِشْهَادُ عَلَى رضَا الْمَرْأَةِ حَيْثُ يُعْتبَرُ رضَاهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ.
فصلٌ [فيمن يعقد النكاح وما يتبعه]
لا تزوِّجُ امْرَأَةٌ نَفْسَهَا بِإِذْنٍ،
يسقط بقولهما، قال: ولو أرادا إقامة بيّنة على ذلك.. لم يسمع قولهما ولا بينتهما.
(ولا أثر لقول الشاهدين: "كنا فاسقين") لأنه إقرار على غيرهما.
(ولو اعترف به الزوج وأنكرت.. فرّق بينهما) مؤاخذة له بقوله، وهي فرقة فسخ لا تنقص عدد الطلاق على الصحيح في "الروضة"؛ كإقراره بالرضاع 1.
(وعليه نصف المهر) المسمى (إن لم يدخل بها، وإلا.. فكله) لأن حكم اعترافه مقصور عليه؛ جريًا على القاعدة، فلو اعترفت به الزوجة وأنكر.. فالأصحُّ في "الروضة": قبول قوله 2، وصحح الفارقي قبول قولها، قال صاحب "المعين": وربما كان أقيس؛ فإن الخلاف هو الخلاف في اجتماع الأصل والظاهر؛ إذ الأصل عدم العدالة، والظاهر وجودها.
انتهى.
وعلى تصحيح "الروضة": لو مات.. لم ترثه، أو طلقها قبل الدخول.. فلا مهر، أو بعده.. فلها الأقل من المُسمَّى ومهر المثل.
(ويستحب الإشهاد على رضا المرأة حيث يعتبر رضاها) احتياطًا لإدامة النكاح، (ولا يشترط) في صحة النكاح؛ لأنه ليس من نفس العقد، وإنما هو شرط فيه، فإذا وجد من غير إشهاد.. كفى.
(فصل: لا تزوج امرأة نفسها بإذن) من الولي ولا غيره؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾, قال الشافعي: هي أصرح دليل في اعتبار الولي،
وَلَا غَيْرَهَا بِوَكَالَةٍ، وَلَا تقبَلُ نِكَاحًا لِأحَدٍ. وَالْوَطْءُ فِي نِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ،
وإلا.. لما كان للعضل معنى 1.
ومن السنة: الحديث المار في اشتراط الشاهد 2.
قال الترمذي: وهو الذي عليه العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فمن بعدهم 3.
ويستثنى: ما إذا كانت بموضع لا حاكم فيه وليس لها ولي.. فلها تفويض أمرها إلى عدل يزوجها، حكاه يونس بن عبد الأعلى عن النص، وقال في "الروضة": إنه المختار.
قال في "المهمات": ولا يختص ذلك بفقد الحاكم، بل يجوز ذلك مع وجوده سفرًا وحضرًا بناء على الصحيح في جواز التحكيم في النكاح؛ كما هو مذكور في (كتاب القضاء) 4.
قال شيخنا: ومراد "المهمات": ما إذا كان المحكم صالحًا للقضاء، وأما الذي اختاره النووي؛ أنه تكفي العدالة، ولا يشترط أن يكون صالحًا للقضاء.. فشرطه: السفر وفقد القاضي.
(ولا غيرَها بوكالة) ولا بولاية؛ لحديث: "لَا تزوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَا الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا؛ فَإِنَّ الزَّانِيَةَ الَّتِي تزوِّجُ نَفْسَهَا" رواه ابن ماجه، وأخرجه الدارقطني بإسناد على شرط الصحيح 5.
(ولا تقبل نكاحًا لأحد) بوكالة ولا بولاية، شريفة كانت أو دنيئة؛ إذ لا يصح لها، فلا تتعاطاه للغير، ومحاسن الشريعة تقتضي فطمهن عن ذلك؛ لما قصد منهن من الحياء وعدم ذكر ذلك بالكلية، والخنثى في ذلك كالمرأة؛ كما جزم به ابن مسلم تلميذ الغزالي في كتاب "الخناثى".
(والوطء في نكاح بلا ولي يوجب مهر المثل) لحديث: "أَيّمَا امْرَأَةٍ نَحَكَتْ بِغَيْرِ