بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 432-472

وَحَرِيمُ الدَّارِ فِي الْمَوَاتِ: مَطْرَحُ رَمَادٍ وَكُنَاسَةٍ وَثلجٍ، وَمَمَرٌّ فِي صَوْبِ الْبَابِ، وَحَرِيمُ آبَارِ الْقَنَاةِ: مَا لَوْ حُفِرَ فِيهِ نَقَصَ مَاؤُهَا أَوْ خِيفَ الانْهِيَارُ

وكلُّ ذلك غير محدود، وإنما هو بحسب الحاجة، وقال الروياني: تحريمها قدر عمقها؛ فإن كان عمقها عشرة أذرع أو ألفًا.. فحريمها كذلك من كلِّ جانب.
وذكرُ المصنف الحوض مع مجتمع الماء.. فيه تكرار؛ فإن الحوض مكان اجتماع الماء؛ كما صرح به في "المحرر"، فإنه قال: (ومصب الماء والحوض الذي يجتمع فيه الماء إلى أن يرسل)، فإن حمل قول المصنف: (مجتمع الماء) على مصبه ليسلم من التكرار.. كان مخالفًا لكلام "الروضة" و"أصلها"؛ فإنهما غايرا بينهما، فقالا: (ومصب الماء والموضع الذي يجتمع فيه لسقي الماشية والزرع من حوض ونحوه) 1، وحينئذ: فيكون المصنف قد نقص عن "المحرر" (المصب)، وكرر (الحوض) بغير اسمه.
واحترز بـ (الموات): عن المحفورة في ملكه، وحريم النهر المحفور في الموات يقاس بالبئر.
(وحريم الدار في الموات: مطرح الرماد، وكناسةٍ وثلج) في بلد يَثْلُج به (وممرٌّ في صوب الباب) لتوقف الانتفاع بها على ذلك.
والمراد بـ (صوب الباب): جهته، وليس المراد: امتداده طولًا وقبالته، بل يجوز لغيره إحياء ما يقابل الباب إذا بقي له ممر وإن احتاج إلى انعطاف، كذا قالاه 2، وفيه نظر: إذا تفاحش الانعطاف؛ للإضرار به.
(وحريمُ آبار: القناة ما لو حفر فيه.. نقص ماؤها أو خيف الانهيار) أي: السقوط، ويختلف ذلك باختلاف الأراضي صلابة ولينًا 3.

وَالدَّارُ الْمَحْفُوفَةُ بِدُورٍ لَا حَرِيمَ لَهَا، وَيَتَصرَّفُ كُلُّ وَاحِدٍ فِي مِلْكِهِ عَلَى الْعَادَةِ، فَإِنْ تَعَدَّى.. ضَمِنَ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَ دَارَهُ الْمَحْفُوفَةَ بِمَسَاكِنَ حَمَّامًا وَإِصْطَبْلًا، وَحَانُوتَهُ فِي الْبَزَّازِينَ حَانُوتَ حَدَّادٍ إِذَا احْتَاطَ وَأَحْكَمَ الْجُدْرَانَ. وَيَحِلُّ إِحْيَاءُ مَوَاتِ الْحَرَمِ دُونَ عَرَفَاتٍ فِي الأَصَحِّ.

(والدار المحفوفة بدور لا حريم لها) لأن الأملاك متعارضة، وليس جعل موضع حريمًا لدار بأولى من جعله لأخرى.
(ويتصرف كلُّ واحد) من الملاك (في ملكه على العادة) وإن تضرر به جاره؛ كما لو اتخذ بئرًا أو حَشًّا فاختل به حائط جاره، أو تغير بالنجاسة ماء بئره، ولا ضمان عليه إذا أفضى إلى التلف.
(فإن تعدى.. ضمن) لمخالفة العادة، والافتيات.
(والأصحُّ: أنه يجوز أن يتخذ داره المحفوفة بمساكن حمَّامًا وإصطبلًا) وفرنًا ومدبغة.
(وحانوتَه في البزَّازين حانوتَ حدَّاد) وقصار (إذا احتاط وأحكم الجدران) إحكامًا يليق بما يقصده؛ لأنه متصرف في خالص ملكه، وفي منعه إضرار به، قال الروياني: ولو كان دَقُّ القصار يمنع ثبوت الحمام.. لم يمنع من الدَّقِّ، والثاني: المنع؛ للضرر.
وعلى الأول: لو فعل ما الغالب فيه ظهور الخلل في حيطان الجار؛ كدَقٍّ عنيف يزعج الحيطان.. فالأصحُّ: المنع.
واختار ابن الصلاح تبعًا للفارقي وابن أبي عصرون: المنع من كلِّ مؤذ لم تجر العادةُ به مطلقًا، واختار الروياني: أن الحاكم يجتهد ويمنع ما ظهر فيه قصدُ التعنت، ومنه: إطالة البناء، ومنع الشمس والقمر، واستُحسن.
(ويحل إحياء موات الحرم) 1 كما يملك عامره بالبيع وغيره (دون عرفات في الأصحِّ) لتعلق حقِّ الوقوف بها؛ كالحقوق العامة من المساجد والطرق العامة، والثاني: يجوز كغيرها.

قُلْتُ: وَمُزْدَلِفَةُ وَمِنَىً كَعَرَفَة، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَخْتَلِفُ الإِحْيَاءُ بِحَسَبِ الْغَرَضِ؛ فَإِنْ أَرَادَ: مَسْكَنًا.. اشْتُرِطَ تَحْوِيطُ الْبُقْعَةِ وَسَقْفُ بَعْضِهَا وَتَعْلِيقُ بَابٍ، وَفِي الْبَابِ وَجْهٌ.

فعلى هذا: هل يبقى حقُّ الوقوف أو لا، أو إن ضاق الباقي.. بقي، وإلا.. فلا؟ وجوه.
وإذا قلنا: يبقى، فهل يثبت في كلِّ الوقت من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر، فليس للمحيي إزعاجهم فيه أو له إزعاج من حصل له الوقوف؟ قال ابن الرفعة: الأشبه: الأول بل لا يسوغ غيره 1. وكان الأولى أن يقول: (ولا يجوز في عرفات على الأصحِّ) لئلا يوهم استثناء عرفات من الحرم، والخلاف فيها؛ فإن عرفات من الحلِّ قطعًا، ولا خلاف في الحرم.
(قلت: ومزدلفة ومنى كعرفة، والله أعلم) لوجود المعنى المذكور، وكلامه يفهم: أن هذا الحكم منقول، وأن خلاف عرفة يجري فيه، وبه صرح في "التصحيح"، لكن عبر في "الروضة" بقوله: (ينبغي) 2، وقال ابن الرفعة: ينبغي القطع بالمنع لضيقه، بخلاف عرفات.
(ويختلف الإحياء بحسب الغرض) والرجوع فيه إلى العرف؛ فإن الشرع أطلقه ولا حدَّ له فيه ولا في اللغة، فيرجع فيه إليه، وهو في كلِّ شيء بحسبه، والضابط: التهيئة للمقصود.
(فإن أراد مسكنًا.. اشترط تحويط البقعة) أي: جعلها أربع حيطان بالأجر أو غيره بحسب العادة، (وسقفُ بعضها) لتوقف اسم الدار عليه (وتعليقُ باب) أي: نصبه؛ لأن العادة في المنازل أن يكون لها أبواب، وما لا باب له.. لا يتخذ مسكنًا.
(وفي الباب وجه) لأن فقده لا يمنع السكنى، وإنما ينصب لحفظ المتاع، وفي السقف: وجه أيضًا، ولا يشترط السكنى بحال، وقال المَحاملي: الإيواء إليها شرط.

أَوْ زَرِيبَةَ دَوَابَّ.. فَتَحْوِيطٌ لَا سَقْفٌ، وَفِي الْبَابِ الْخِلَافُ. أَوْ مَزْرَعَةً.. فَجَمْعُ التُّرَابِ حَوْلَهَا وَتسوِيَةُ الأَرْضِ وَتَرْتيبُ مَاءٍ لَهَا إِنْ لَمْ يَكْفِهَا الْمَطَرُ، لَا الزِّرَاعَةُ فِي الأَصَحِّ. أَوْ بُسْتَانًا.. فَجَمْعُ التُّرَابِ

(أو زريبة دواب.. فتحويط) بما جرت به العادة، ولا يكفي نصب سَعَف وأحجار من غير بناء.
و(الزريبة): حظيرة الغنم.
(لا سقف) لأنه العادة (وفي الباب الخلاف) المارُّ في المسكن، قال في "الذخائر": وهنا أولى بالمنع، لأن الراعي يقعد بباب الحظيرة، بخلاف الدور، وشرط صاحب "الإفصاح": أن يَعمل على الحيطان شوكًا 1. (أو مزرعةً.. فجمع التراب حولها) لينفصل المُحيا عن غيره، وفي معناه: نصب قصب وحجر وشوك، ولا يحتاج إلى تحويط، لأنه العرف.
(وتسويةُ الأرض) بطمِّ المنخفض، وكسح العالي، وحراثتها إن لم تزرع إلا به، وتليين ترابها، فإن لم يتهيأ ذلك إلا بماء يساق إليها.. فلا بدَّ منه لتتهيأ للزراعة.
(وترتيبُ ماء لها) بشقِّ ساقية من نهر، أو بحفر بئر أو قناة (إن لم يكفها المطر) المعتاد؛ لأنه لا يحصل المقصودُ بدونه، فإن كفاها.. فلا يحتاج إلى ترتيب ماء لها على الصحيح، وإذا حفر طريق الماء ولم يبق إلا إجراؤه.. كفى وإن لم يجر، وإن هيأه ولم يحفر طريقه.. فوجهان بلا ترجيح في "الروضة" و"أصلها" 2، ورجح في "الشرح الصغير": الاكتفاءَ به.
(لا الزراعةُ في الأصحِّ) لأنه استيفاء منفعة الأرض، وهو خارج عن الإحياء، والثاني: يشترط؛ لأن الدار لا تصير محياة حتى يصير فيها عين مال المحيي، فكذلك المزرعة.
(أو بستانًا.. فجمع التراب) كالمزرعة، وحكم الكرم: حكم البستان، ولعل المراد: تهيئة تراب أرض البستان وإصلاحه -كما قاله الروياني- لا جمعه حوله، كما

وَالتَّحْوِيطُ حَيْثُ جَرَتِ الْعَادَةُ بهِ وَتَهْيِئَةُ مَاءٍ، وَيُشْتَرَطُ الْغَرْسُ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَمَنْ شَرَعَ فِي عَمَلِ إِحْيَاءٍ وَلَمْ يُتِمَّهُ، أَوْ أَعْلَمَ عَلَى بُقْعَةٍ بِنَصْب أَحْجَارٍ أَوْ غَرَزَ خَشَبًا.. فَمُتَحَجِّرٌ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ -لكِنِ الأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَأَنَّهُ لَوْ أَحْيَاهُ آخَرُ مَلَكَهُ

توهمه عبارته؛ لأن التحويط يغني عنه.
(والتحويط حيث جرت العادة به) عملًا بها، والرجوع فيما يحوط به إلى العادة، (وتهيئة ماء) على ما سبق في المزرعة.
(ويشترط: الغرس على المذهب) بخلاف الزراعة كما مرَّ، والفرق: أن اسم المزرعة يقع على الأرض قبل الزرع، بخلاف البستان قبل الغرس، ولأن الغراس للدوام، فالتحق ببناء الدار، بخلاف الزرع، والثاني: المنع؛ كالزراعة.
ويكفي غرس البعض؛ كما صححه في "البسيط" تبعًا لإمامه، قال الأَذْرَعي: وينبغي اعتبار ما يُسمَّى معه بستانًا أو كرمًا، ويحتمل أن يعتبر الأغلب، ويبعد الاكتفاء بشجرة أو شجرات.
وهل يشترط أن يثمر الغراس؟ قال البالسي: رأيت في تعليق لبعض فضلاء حلب حكايةَ خلاف فيه، والظاهر: أنه لا يشترط.
(ومن شرع في عمل إحياء ولم يتمه، أو أعلم على بقعةٍ بنَصْب أحجار أو غرز خشبًا.. فمتحجِّر، وهو أحقُّ به) لحديث: "مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ.. فَهُوَ لَهُ" رواه أبو داوود 1. وهذه الأحقية أحقيةُ اختصاص لا ملك على الأصحِّ؛ لأن سببه الإحياءُ ولم يوجد.
(لكن الأصحُّ: أنه لا يصحُّ بيعه) لأن حقَّ التملك لا يباع؛ كحقِّ الشفيع، والثاني: يصحُّ، ونعتمد حقَّ الاختصاص؛ كبيع علو البيت للبناء والسكنى دون أسفله.
(وأنه لو أحياه آخرُ.. ملكه) لحديث: "مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً.. فَهِيَ لَهُ" 2،

  • وَلَوْ طَالَتْ مُدَّةُ التَّحَجُّرِ.. قَالَ لَهُ السُّلْطَانُ: (أَحْيِ أَوِ اتْرُكْ)، فَإِنِ اسْتَمْهَلَ.. أُمْهِلَ مُدَّةً قَرِيبَةً.
    وَلَوْ أَقْطَعَهُ الإِمَامُ مَوَاتًا.. صَارَ أَحَقَّ بِإِحْيَائِهِ كَالْمُتَحَجِّرِ.
    ===

ولأنه حقق الملك وإن كان آثمًا؛ كما لو دخل في سوم أخيه واشترى، والثاني: لا يملكه؛ لئلا يبطل حقُّ غيره، ورآه الإمام الأقيس 1، والثالث: إن انضم إلى التحجر إقطاع الإمام.. منع التملك، وإلا.. فلا.
ومحلُّ الخلاف: إذا كان أحياها مزرعة، فأما إذا كان له بناء وآلات.. فلا يجوز له نقلُها والتصرف فيها بغير إذنه، نبه عليه الفارقي، ونقل صاحب "المعين" عن بعض متأخري الأصحاب: أنه يصحُّ بيعه، قال: وربما خالفه الرافعي.
ومحله أيضًا: إذا لم يكن له عذر ولم يعرض عن العمارة، فإن أعرض عنها.. ملكه المحيي قطعًا، وإن ترك لعذر.. فلا قطعًا، قاله الجيلي.
قال الرافعي: والخلاف في المسألة شبيه بما إذا عشش الطائر في ملكه، وأخذ الفرخ غيره هل يملكه؟ وكذا لو توحل ظبي في أرضه، أو وقع الثلج فيها ونحو ذلك، ورجح في "الروضة" هنا: أنه يملك؛ يعني: في هذه المسائل، وذكر الرافعي في (باب الصيد): أنه أولى بثبوت الملك من مسألة "الكتاب" 2، لكن رجحا في آخر (الوليمة): أنه لا يملك فيها 3. (ولو طالت مدةُ التحجر.. قال له السلطان) أو نائبه: ("أحي أو اترك") لأنه ضيق على الناس في حقٍّ مشترك فمنع منه؛ كما لو وقف في شارع، والرجوع في الطول إلى العرف.
(فإن استمهل.. أُمهل مدة قريبة) رفقًا به ودفعًا لضرر غيره، والمرجع في تقدير المدة إلى رأي الإمام على الأصحِّ.
ومحل إمهاله: إذا ذكر عذرًا، وقال الروياني: إنه يمهل وإن لم يُبد عذرًا.
(ولو أقطعه الإمام مواتًا.. صار أحقَّ بإحيائه) بمجرد الإقطاع (كالمتحجِّر) لتظهر

وَلَا يُقْطِعُ إِلَّا قَادِرًا عَلَى الإِحْيَاءِ، وَقَدْرًا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْمُتَحَجِّرُ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ لِلإِمَامِ أَنْ يَحْمِيَ بُقْعَةَ مَوَاتٍ لِرَعْيِ نَعَمِ جِزْيَةٍ وَصَدَقَةٍ وَضَالَّةٍ وَضَعِيفٍ عَنِ النُّجْعَةِ، وَأَنَّ لَهُ نَقْضَ حِمَاهُ لِلْحَاجَةِ،

فائدة الإقطاع، وقد أقطع النبي صلى الله عليه وسلم أرضًا للزبير وغيره 1. ومعنى إقطاعه: إذنه فيها.
وإذا طالت المدة أو أحياه غيره.. فالحكم كما مرّ في المتحجر.
(ولا يُقطع إلا قادرًا على الإحياء، وقدرًا يقدر عليه) لأنه منوط بالمصلحة.
(وكذا المتحجِّر) أي: لا يتحجر إلا من يقدر على الإحياء قدرًا يقدر على إحيائه، فإن زاد.. فالأقوى في "الروضة": أن لغيره إحياء الزائد 2. (والأظهر: أن للإمام) ونائبه (أن يحمي بقعةَ موات لرعي نعمِ جزيةٍ وصدقة وضالَّةٍ وضعيف عن النُّجْعَة) ويمنع سائر الناس من الرعي فيها؛ لأنه صلى الله عليه وسلم حمى النقيع -بالنون- لخيل المسلمين رواه ابن حبان 3، وحمى عمرُ السَّرَف، والرَّبَذَة، رواه البخاري 4. والثاني: المنع؛ لحديث: "لَا حِمَى إِلَّا لله وَلِرَسُولهِ" رواه البخاري 5. وأجاب الأول: بأن معناه لا حمى إلا مثل ما حمى عليه الصلاة والسلام.
ومحل الجواز: إذا لم يضرَّ بالمسلمين، لكونه قليلًا من كثير بحيث يكفي المسلمين ما بقي وإن كانوا يحتاجون أن يتباعدوا قليلًا، كما قاله الإِصطَخْري في (أدب القضاء)، وإلا.. لم يجز.
و(النجعة): بضم النون: الذهاب في طلب الرعي.
(وأن له نقضَ حماه للحاجة) رعاية للمصلحة، والثاني: لا؛ لتعيينه لتلك الجهة؛ كالمسجد والمقبرة.

وَلَا يَحْمِي لِنَفْسهِ.

فَصْلٌ [في حكم المنافع المشتركة]

مَنْفَعَةُ الشَّارِعِ: الْمُرُورُ، وَيَجُوزُ الْجُلُوسُ فِيهِ لاسْتِرَاحَةٍ وَمُعَامَلَةٍ وَنَحْوِهِمَا إِذَا لَمْ يُضيِّقْ عَلَى الْمَارَّةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ إِذْنُ الإِمَامِ، وَلَهُ تَظْلِيلُ مَقْعَدِهِ بِبَارِيَّةٍ وَغَيْرِهَا.

وكلامه يوهم: اختصاص النقض بالحامي، وهو قول، والأظهر: أن له نقض حمى غيره غير حمى النبي صلى الله عليه وسلم بالشرط المذكور، وألحق صاحب "الرونق" بحمى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمى الخلفاء الأربعة.
وقوله: (للحاجة): متعلق بـ (نقض) لا بـ (حماه).
(ولا يحمي لنفسه) قطعًا؛ لأن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم، ولم يقع ذلك منه، ولو وقع.. لكان أيضًا من مصالح المسلمين؛ لأن ما كان مصلحة له.. فهو مصلحة لهم، قاله في "المطلب".

(فصل: منفعة الشارع) الأصلية (المرور) لأنه وُضع لذلك، وهو مستحق للناس كافةً.
(ويجوز الجلوس فيه لاستراحة ومعامله ونحوهما) 1 كانتظار رفيق وغيره (إذا لم يضيق على المارة، ولا يشترط إذن الإمام) لإطباق الناس عليه من غير نكير، وليس لأحد من الولاة أن يأخذ ممن يرتفق بالجلوس والبيع ونحوه في الشارع عوضًا قطعًا.
وشمل إطلاقه الذمي، وفيه وجهان بلا ترجيح في "الشرح" و"الروضة"، وقال ابن الرفعة: الذي يظهر: ترجيح ثبوته له؛ لأن ضرره لا يتأبد، ورجحه السبكي 2. (وله تظليل مقعده بباريّة، وغيرها) مما ينقل معه؛ كثوب؛ لجريان العادة به، فإن كان مثبتًا.. لم يجز؛ كبناء الدَّكَّة.

وَلَوْ سَبَقَ إِلَيْهِ اثنانِ.. أُقْرِعَ، وَقِيلَ: يُقَدِّمُ الإِمَامُ بِرَأْيِهِ. وَلَوْ جَلَسَ لِلْمُعَامَلَةِ ثُمَّ فَارَقَهُ تَارِكًا لِلْحِرْفَةِ أَوْ مُنْتَقِلًا إِلَى غَيْرِهِ.. بَطَلَ حَقُّهُ، وَإِنْ فَارَقَهُ لِيَعُودَ.. لَمْ يَبْطُلْ إِلَّا أَنْ تَطُولَ مُفَارَقَته بِحَيْثُ يَنْقَطِعُ مُعَامِلُوهُ عَنْهُ وَيَأْلَفُونَ غَيْرَهُ. وَمَنْ أَلِفَ مِنَ الْمَسْجِدِ مَوْضِعًا يُفْتِي فِيهِ، أَوْ يُقْرِئُ الْقُرْآنَ.. كَالْجَالِسِ فِي شَارِعٍ لِمُعَامَلَةٍ،

(ولو سبق إليه) أي: إلى موضع من الشارع (اثنان) وتنازعا (.. أُقرع) بينهما؛ لعدم المزية، (وقيل: يقدِّم الإمام برأيه) أي: باجتهاده؛ كمال بيت المال.
(ولو جلس للمعاملة) أو لصناعة، كخياطة ونحوها (ثم فارقه) أي: موضع جلوسه (تاركًا للحرفة أو منتقلًا إلى غيره.. بطل حقُّه) لإعراضه عنه.
(وإن فارقه ليعود.. لم يبطل) لحديث: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ.. فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ" رواه مسلم 1. (إلا أن تطول مفارقتُه بحيث ينقطع معاملوه عنه ويألَفون غيره) لأن الغرض من الموضع المعين أن يعرف فيعامل، وسواء فارقه بعذر أو بغيره.
واحترز بالمعاملة: عما إذا جلس لاستراحة وشبهها؛ فإن حقَّه يبطل بمفارقته، وكذا الجوال الذي يقعد كلَّ وقت في موضع من السوق ينقطع حقُّه بمفارقته جزمًا.
(ومن ألف من المسجد موضعًا يفتي فيه، أو يقرئ القرآن) 2 أو العلم الشرعي (.. كالجالس في شارع لمعاملة) لأن له غرضًا في ملازمة ذلك الموضع ليألفه الناس، قاله العبادي والغزالي تفقهًا لا نقلًا، وقال الرافعي: إنه الأشبه بمأخذ الباب 3. وعن الشيخ أبي محمد أنه إذا قام.. بطل حقُّه، لقوله تعالى: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ وإليه ميل صاحب "التقريب"، ونقله الماوردي في "الأحكام السلطانية" عن جمهور الفقهاء، ولم ينقل الأول إلا عن مالك، قال في "الروضة": ومقتضى

وَلَوْ جَلَسَ فِيهِ لِصَلَاةٍ.. لَمْ يَصِرْ أَحَقَّ بهِ فِي غَيْرِهَا، فَلَوْ فَارَقَهُ لِحَاجَةٍ لِيَعُودَ.. لَمْ يَبْطُلِ اخْتِصَاصهُ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ فِي الأَصَحًّ وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ إِزَارَهُ. وَلَوْ سَبَقَ رَجُلٌ إِلَى مَوْضِعٍ مِنْ رِبَاطٍ مُسَبَّلٍ، أَوْ فَقِيهٌ إِلَى مَدْرَسَةٍ، أَوْ صُوفِيٌّ إِلَى خَانِقَاهٍ.. لَمْ يُزْعَجْ، وَلَمْ يَبْطُلْ حَقُّهُ بِخُرُوجِهِ لِشِرَاءِ حَاجَةٍ وَنَحْوِهِ.

كلامه: أن الشافعي وأصحابه من الجمهور 1. (ولو جلس فيه لصلاة.. لم يصر أحقَّ به في غيرها) لأن بقاع المساجد لا تختلف بخلاف مقاعد الأسواق، وللرافعي فيه احتمال؛ فإنه يختلف بالنسبة إلى القرب من الإمام 2، وأجيب عنه: بأن له طريقًا إلى تحصيله بالسبق.
(فلو فارقه لحاجة ليعود) كإجابة داع ورُعاف وقضاء حاجة (.. لم يبطل اختصاصه في تلك الصلاة في الأصحِّ وإن لم يترك إزارَه) للحديث المارّ: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ.. فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ" 3، والثاني: يبطل؛ كغيرها من الصلوات.
(ولو سبق رجل إلى موضع من رباط مُسبَّل، أو فقية إلى مدرسة، أو صوفيٌّ إلى خانقاهٍ.. لم يُزعَج، ولم يبطل حقُّه بخروجه لشراء حاجةٍ ونحوه) وإن لم يترك متاعًا ولا نائبًا عنه؛ لعموم الحديث المارِّ.
وأفهم قوله: (لشراء حاجة) التصوير بالخروج لعذر، فالخروج لغيره مبطل، وكون الغيبة قصيرة، فإن طالت.. بطل حقُّه، وبه صرح الفُوراني وغيره، والرجوع في الطول: إلى العرف.
وأطلق المصنف عدمَ الإزعاج، وفيه تفصيل ذكراه في "الشرح" و"الروضة" وهو: إن عَيَّن الواقف مدةَ المقام.. فلا يزيد عليها، وكذا لو وقف على المسافرين.. لا يمكث مدة تزيد على مدة مكث المسافرين، وإن أطلق الواقف.. نظر إلى الغرض الذي بنيت البقعة له، وعمل بالمعتاد فيه، فلا يُمكَّن من الإقامة برُبط المارة إلا

فَصْلٌ [في بيان حكم الأعيان المشتركة المستفادة من الأرض]

الْمَعْدِنُ الظَّاهِرُ -وَهُوَ: مَا خَرَجَ بِلَا عِلَاجٍ؛ كَنِفْطٍ وَكِبْرِيتٍ وَقَارٍ وَمُومْيَاءَ وَبِرَامٍ وَأَحْجَار رَحَىً- لَا يُمْلَكُ بِالإِحْيَاءِ، وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ اخْتِصَاصٌ بِتَحَجُّرٍ وَلَا إِقْطَاعٍ. فَإِنْ ضَاقَ نَيْلُهُ.. قُدِّمَ السَّابِقُ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ،

لمصلحتها، أو لخوف يعرض، أو أمطار متواترة.
وفي المدرسة الموقوفة على طلبة العلم.. يمكن من الإقامة إلى استتمام غرضه، فإن تَرَك العلم والتحصيل.. أُزْعج، قالا: وفي الخانقاه: لا يمكن هذا الضبط، ففي الإزعاج إذا طال مقامه ما سبق في الشارع 1.

(فصل: المعدن الظاهر، وهو: ما خرج بلا علاج) أي: عمل (كنِفْط وكِبريت وقار) وهو الزفت (ومُومياء) بضم الميم الأولى، ممدود، وقيل: مقصور، شيء يُلقيه الماء في بعض السواحل، فيَخْمُد ويصير كالقارِ، ويقال: إنها حجارة سود باليمن.
أما المومياء التي تؤخذ من عظام الموتى.. فنجسة.
(وبِرام) وهو حجر تُعمل منه القدور (وأحجار رحىً.. لا يُملك بإحياء 2، ولا يثبت فيه اختصاص بتحجر ولا إقطاع) بل هي مشتركة بين الناس مسلمهم وكافرهم؛ كالماء والكلأ، بجامع الحاجة العامة.
(فإن ضاق نيلُه) أي: الموضع المستخرج منه عن أخذهما دفعة (.. قدم السابق بقدر حاجته) لسبقه، قال الإمام: والرجوع في قدر الحاجة إلى العرف، فيأخذ ما تقتضيه عادة أمثاله 3.

فَإِنْ طَلَبَ زِيَادَةً.. فَالأَصَحُّ: إِزْعَاجُهُ فَلَوْ جَاءَا مَعًا.. أُقْرِعَ فِي الأَصَحِّ. وَالْمَعْدِنُ الْبَاطِنُ - وَهُوَ: مَا لَا يَخْرُجُ إِلَّا بِعِلَاجٍ، كَذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ - لَا يُمْلَكُ بِالْحَفْرِ وَالْعَمَلِ فِي الأَظْهَرِ. وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَظَهَرَ فِيهِ مَعْدِنٌ بَاطِنٌ.. مَلَكَهُ.

(فإن طلب زيادة) على حاجته (.. فالأصحُّ: إزعاجه) لأن عكوفه عليه كالمتحجر الماءِ العِدِّ 1. والثاني: المنع؛ للحديث المارِّ: "مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِم.. فَهُوَ لَهُ" 2. (فلو جاءا معًا.. أُقرع في الأصحِّ) لعدم المزية، والثاني: يجتهد الإمام، ويقدم من يراه أحوج؛ كمال بيت المال.
وظاهر كلامه: أنه لا فرق بين أن يكون ما يأخذانه للتجارة أو للحاجة، وهو المشهور.
(والمعدن الباطن، وهو: ما لا يخرج إلا بعلاج؛ كذهب وفضة وحديد ونحاس) ورصاص وياقوت، وسائر الجواهر المبثوثة في طبقات الأرض (.. لا يُملك بالحفر والعمل) في موات بقصد التملك (في الأظهر) كالمعدن الظاهر، والثاني: يملك إلى القرار؛ لأنه لا يتوصل إلى منفعته إلا بتعب ومؤنة، فكان كغيره من أراضي الموات.
وفرق الأول 3: بأن الموات يملك بالعمارة، وحفر المعدن تخريب، ولأن الموات إذا ملك.. لا يحتاج في تحصيل مقصوده إلى مثل العمل الأول، بخلاف المعدن، أما إذا لم يقصد التملك، بل قصد الحفر لينال وينصرف.. فلا يملك قطعًا.
قاله البَنْدَنيجي، وسكوته عن الإقطاع هنا قد يفهم جوازه، وهو الأظهر.
(ومن أحيا مواتًا فظهر فيه معدن باطن.. ملكه) لأنه بالإحياء ملك الأرض بجميع أجزائها، بخلاف الركاز؛ فإنه مودع فيها، وهذا إذا لم يعلم أن فيها معدنًا، فإن علم

وَالْمِيَاهُ الْمُبَاحَةُ مِنَ الأَوْدِيَةِ وَالْعُيُونِ فِي الْجبَالِ يَسْتَوِي النَّاسُ فِيهَا، فَإِنْ أَرَادَ قَوْمٌ سَقْيَ أَرَاضيهِمْ مِنْهَا فَضَاقَ.. سُقِيَ الأَعْلَى فَالأَعْلَى وَحَبَسَ كُلُّ وَاحِدٍ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ،

واتخذ عليه دارًا.. فطريقان: أحدهما: أنه على القولين في تملكه بالإحياء، والثاني: القطع بالملك؛ كما لو لم يعلم.
وأما البقعة المحياة.. فظاهر المذهب -كما قال الإمام-: أنها لا تملك؛ لأن المعدن لا يتخذ دارًا ولا مزرعة، فالقصد فاسد 1. والتقييد بالباطن قد يفهم: أنه لو ظهر فيه معدن ظاهر.. لا يملكه، وليس كذلك، وقد حكى الإمام وغيره الإجماع على أنه يملك 2. (والمياه المباحة من الأودية والعيونِ في الجبال) وسيول الأمطار (يستوي الناس فيها) لحديث: "النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثَةٍ: الْمَاءِ وَالْكَلإ وَالنَّارِ" رواه أبو داوود 3. (فإن أراد قوم سقيَ أراضيهم منها فضاق.. سُقي الأعلى فالأعلى) حتى لو كان زرع الأسفل يهلك إلى أن ينتهي الماء إليه.. لم يجب على من فوقه إرسالُه إليه؛ كما قاله القاضي أبو الطيب.
(وحبس كلُّ واحد الماءَ حتى يبلغ الكعبين) لأنه صلى الله عليه وسلم قضى في سيل مَهْزُور ومُذنب: أن الأعلى يرسل إلى الأسفل ويحبس قدر الكعبين، رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين 4. و(مهزور) هذا -بتقديم الزاي المضمومة على الراء-: واد بالمدينة، و (مذنب): اسم موضع بها أيضًا.
ومحل ما ذكره: إذا لم يسبق أحد إلى الإحياء، فإن سبق ثم جاء غيره وأحيا مواتًا

فَإِنْ كَانَ فِي الأَرْضِ ارْتفَاعٌ وَانْخِفَاضٌ.. أُفْرِدَ كُلُّ طَرَفٍ بِسَقْيٍ، وَمَا أُخِذَ مِنْ هَذَا الْمَاءِ فِي إِنَاءٍ.. مُلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَحَافِرُ بِئْرٍ بِمَوَاتٍ لِلارْتفَاقِ أَوْلَى بِمَائِهَا حَتَّى يَرْتَحِلَ.

أعلى منه وأقرب إلى فُوَّهة النهر من أرض السابق بالإحياء.. فالسابق أحقُّ، ذكره القاضي أبو الطيب وغيره، بل صرح كثيرون بأن لهم منعَه من الإحياء؛ لئلا يستدل به عند تقادم الزمان على استحقاقه قبلهم أو معهم، فيضرَّ بهم.
واحترز المصنف بقوله: (ضاق): عما إذا اتسع، فيسقي كلٌّ منهم متى شاء.
(فإن كان في الأرض) الواحدة (ارتفاع وانخفاض.. أُفرد كلُّ طرف بسقي) إذ لو سقى دفعة.. لزاد الماء في المنخفض على القدر المستحق.
وطريقه: أن يسقي المنخفض حتى يبلغ الكعبين ثم يسده، ويسقي المرتفع، قال ابن الرفعة: وهذا إذا لم يمكن سقي العالية أولًا حتى يبلغ الكعب ثم يسد عليها ويرسله إلى السافلة، فإن أمكن ذلك.. تعين فعله، وقال السبكي: الظاهر: أنه لا يتعين البداءة بالأسفل بل لو عكس.. جاز.
ومرادهم: ألّا يزيد في المنسفلة على الكعبين، وصرح في "الاستقصاء": بالتخيير بين الأمرين.
(وما أُخذ من هذا الماء) يعني: المباح (في إناء.. مُلك على الصحيح) كالاحتشاش والاحتطاب، والثاني: لا يملك الماء بحال، بل يكون محرزه أولى به من غيره.
واحترز بالإناء: عن الداخل في ملكه بسيل؛ فإنه لا يملكه بدخوله في الأصحِّ.
نعم؛ في معنى الإناء: سوقه إلى بِرْكة له أو حُفْرة في أرضه ونحو ذلك.
(وحافر بئرٍ بموات للارتفاق) كالسقي مدةَ مقامه هنا (أولى بمائها حتى يرتحل) للحديث السالف: "مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ.. فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ" 1، فإذا ارتحل.. صارت كالنهر، فإن عاد.. فهو كغيره.
والمراد بكونه أولى بمائها: فيما يحتاج إليه منه لسقيه وماشيته وزرعه، لا مطلقًا،

وَالْمَحْفُورَةُ لِلتَّمَلُّكِ أَوْ فِي مِلْكٍ.. يُمْلَكُ مَاؤُهَا فِي الأَصَحِّ، وَسَوَاءٌ مَلَكَهُ أَمْ لَا.. لَا يَلْزَمُهُ بَذْلُ مَا فَضلَ عَنْ حَاجَتِهِ لِزَرْعٍ، وَيَجِبُ لِمَاشِيَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ.

فليس له منع ما فضل عنه لشرب وماشية، بخلاف سقي الزرع، وللإمام احتمال في بذل الفاضل للزرع أيضًا 1. قال في "زيادة الروضة": (والمراد: الفاضل الذي يجب بذلُه لماشية غيره، أما الواجب بذله لعطش آدمي محترم.. فلا يشرط فيه أن يفضل عن المزارع والماشية) 2. (والمحفورة) في الموات (للتملك، أو في ملك.. يملك ماؤها في الأصحِّ) لأنه نماء ملكه؛ كالثمرة واللبن، والثاني: لا يملك؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "ثَلاثةٌ لا يُمْنَعْنَ: المَاءُ والكَلأُ والنَّارُ" 3. (وسواء ملكه أم لا.. لا يلزمه بذلُ ما فَضل عن حاجته لزرع) أما على الملك.. فكغيره من المملوكات، وأما على مقابله.. فهو أولى به لسبقه.
(ويجب لماشية على الصحيح) لحرمة الروح بدليل وجوب سقيها، بخلاف الزرع، والثاني: لا؛ كما لا يلزمه بذلُ ماء أحرزه في إنائه، واختاره الإمام ونسبه إلى المحققين، إلا أن يخاف هلاك الماشية فيجب بذله بالقيمة؛ لحرمة الروح 4. وأطلق المصنف الوجوب، وله شروط: ألا يجد صاحبُ الماشية ماء مباحًا، وأن يكون بقرب الماء كلأ مباح ترعاه المواشي، وإلا.. لم يجب على المذهب، وأن يكون قبل حوزه في إناء، فلا يجب بذل المحرز على الصحيح.
والمراد بالبذل: تمكين صاحب الماشية من الماء، قاله في "نكت التنبيه".
وقال الماوردي: تمكين الماشية من حضور البئر يشترط فيه: ألا يكون على صاحب الماء ضرر في زرع ولا ماشية، وإلا.. منعت، فإن أمكن أربابها سوق الماء

وَالْقَنَاةُ الْمُشْتَرَكَةُ يُقْسَمُ مَاؤُهَا بِنَصْبِ خَشَبَةٍ فِي عَرْضِ النَّهْرِ فِيهَا ثُقَبٌ مُتَسَاوِيَةٌ أَوْ مُتَفَاوِتَةٌ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ، وَلَهُمُ الْقِسْمَةُ مُهَايَأَةً.

إليها بلا ضرر يلحقه أو نقله.. لزمه تمكينهم، وإلا.. فلا 1، ويجب البذل أيضًا للرعاة على الأصحِّ؛ لأنهم أولى من الماشية.
(والقناة المشتركة يُقسم ماؤها) عند الضيق (بنصب خشبة في عرض النهر فيها ثُقَب متساوية أو متفاوتة على قدر الحصص) لأن بذلك يصل الحقُّ إلى مستحقه، ويجوز تساوي الثُّقَب مع تفاوت الحقوق، فيأخذ صاحب الثلث مثلًا ثقبة، والآخر ثقبتين.
ويشترط في الخشبة: أن تكون معتدلة الطرفين والوسط، وتوضع على مستو من الأرض؛ لأنه متى علا أحد الطرفين.. عاد الماء إلى الموضع الآخر.
وقوله: (ثقب) هو بالثاء المثلثة، كما نقل عن خط المصنف، ويجوز قراءته بالنون أيضًا.
(ولهم) أي: للشركاء (القسمة مهايأةً) فيسقي هذا يومًا، والآخر مثله؛ كقسمة سائر الأملاك المشتركة، وهذا الطريق يتعين إذا لم تمكن القسمة على ما سبق؛ بأن تكون أراضي بعضهم بعيدة من المقسم، قاله الزركشي، وخالفت المهايأة في لبن الحلوب؛ لأنه مجهول 2.

كتابُ الوَقْف شَرْطُ الْوَاقِفِ: صِحَّةُ عِبَارَتهِ، وَأَهْلِيَّةُ التَّبَرُّعِ،

﴿كتاب الوقف﴾ الوقف والتحبيس والتسبيل بمعنى، يقال: وقفت كذا، ولا يقال: أوقفت إلا في لغة رديئة وعليها العامة.
وحقيقته شرعًا: تحبيس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، يمتنع التصرف في رقبته، وتُصْرف منافعه إلى وجه من البر تقربًا إلى الله تعالى، كذا حكاه المصنف في "التحرير" عن الأصحاب 1، واعترض: بأن القربة لا تشترط على الصحيح.
والأصلُ في الباب: السنة الصحيحة الشهيرة 2، واتفاق الصحابة عليه قولًا وفعلًا، قال الشافعي في القديم: وقد بلغني أن أكثر من ثمانين رجلًا من الصحابة تصدقوا بصدقات مُحرَّمات 3، والشافعي يُسمِّي الأوقاف: الصدقات المُحرَّمة.
(شرط الواقف: صحة عبارته) فلا يصحُّ من صبي ومجنون، (وأهلية التبرع) فلا يصحُّ من مبذر ومكاتب.
ولو اقتصر على أهلية التبرع.. لكان أحسن؛ فإنه يلزم منها صحةُ العبارة.
وأفهم صحة وقف الذمي للمسجد، وهو ما قاله البغوي في "فتاويه" وإن لم يعتقده قربة، اعتبارًا باعتقادنا؛ كما يصحُّ منه بيعُ الشحم وإن اعتقد منعَه، وأبدى فيه احتمالًا آخر بعدم الصحة؛ اعتبارًا باعتقاده.
ولم يعتبر المصنف كون الموقوف ملكًا للواقف، أو لمن وقع له الوقف، ومقتضاه: جواز وقف الإمام شيئًا من بيت المال، وهو ما أفتى به كثيرون؛ منهم ابن أبي عصرون والمصنف، وقال في "المطلب": إنه المذهب.

وَالْمَوْقُوفِ: دَوَامُ الانْتِفَاعِ بهِ، لَا مَطْعُومٌ وَرَيْحَانٌ. وَيَصِحُّ وَقْفُ عَقَارٍ وَمَنْقُولٍ وَمُشَاعٍ، لَا عَبْدٍ وَثَوْبٍ فِي الذِّمَّةِ، وَلَا وَقْفُ حُرٍّ نَفْسَهُ، وَكَذَا مُسْتَوْلَدَةٌ وَكَلْبٌ مُعَلَّمٌ وَأَحَدُ عَبْدَيْهِ فِي الأَصَحِّ.

(و) شرط (الموقوفِ: دوام الانتفاع به لا مطعومٌ) لأن منفعته في استهلاكه.
(وريحان) لسرعة فساده، وهذا في الريحان المحصود، أما المزروع.. فالظاهر: صحة وقفه للشم؛ كما قاله في "شرح الوسيط"؛ لأنه يبقى مدة، وفيه منفعة أخرى وهي: التنزه.
وتمثيله بالريحان قد يفهم صحةَ وقف المشموم الذي ينتفع به على الدوام؛ كالعود والعنبر ونحوهما، وبه صرح ابن الصلاح والخوارزمي في "الكافي".
(ويصحُّ وقف عقار) بالإجماع (ومنقول) لقوله صلى الله عليه وسلم: "أَمَّا خَالِدٌ: فَقَدِ احْتبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ الله" 1. والأعتاد: ما يعده الرجل من مركوب وسلاح وآلة الجهاد، قاله الخطابي وغيره 2. واتفقت الأمة في الأعصار على وقف الحُصر والقناديل والزَّلالي في المساجد من غير نكير.
(ومشاعٍ) لأن عمر رضي الله عنه وقف مئة سهم من خيبر مُشاعًا، رواه الشافعي 3، ولا يسري إلى الباقي؛ لأنها من خواص العتق.
(لا عبد وثوب في الذمة) كالعتق، ولا يشترط رؤية الموقوف على الأصحِّ.
(ولا وقفُ حرٍّ نفسَه) لأن رقبته غيرُ مملوكة، ومالك المنفعة دون الرقبة لا يصحُّ وقفه إياها؛ لأن الرقبة أصل والمنفعة فرع، والفرع يتبع.
(وكذا مستولَدة وكلبٌ معلم وأحد عبديه في الأصحِّ) أما المستولدة.. فلأنها

وَلَوْ وَقَفَ بِنَاءً أَوْ غِرَاسًا فِي أَرْضٍ مُسْتَأْجَرَةٍ لَهُمَا.. فَالأَصَحُّ: جَوَازُهُ. فَإِنْ وَقَفَ عَلَى مُعَيَّنٍ وَاحِدٍ أَوْ جَمْعٍ.. اشْتُرِطَ إِمْكَانُ تَمْلِيكِهِ؛ فَلَا يَصِحُّ عَلَى جَنِينٍ،

ليست قابلة للنقل إلى الغير، فالتحقت بالحرة، ووجه مقابله: القياس على إجارتها.
وأما الكلب المعلم.. فلأن رقبته غيرُ مملوكة، ووجه مقابله؛ القياس على جواز إجارته وهبته.
واحترز بالمعلم: عما لا منفعة فيه؛ فلا يصحُّ وقفه قطعًا؛ إذ لا يقتنى.
نعم؛ القابل للتعليم ينبغي طرد الخلاف فيه؛ كما قاله السبكي؛ لأن الأصحَّ: جواز اقتناء الجرو للتعليم.
وأما أحد عبديه.. فقياسًا على البيع، ووجه مقابله: القياس على العتق، فيطالب بالتعيين، وفرق الأول: بأن العتق أنفذ بدليل سرايته وتعليقه.
(ولو وقف بناءً أو غراسًا في أرض مستأجَرة لهما.. فالأصحُّ: جوازه) لأنه مملوك يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه، والثاني: المنع؛ لأنه معرض للقلع، فكأنه وقف ما لا ينتفع به.
وقوله: (مستأجرة): مثال؛ فإن المستعارة والموصى له بمنفعتها مدة كذلك، ويجوز وقف المغصوب كعتقه، قاله الجُوري.
(فإن وقف على معيّن واحد أو جمعٍ.. اشترط إمكان تمليكه) في الحال؛ لأن الوقف تمليك المنفعة، وكذا العين على قول.
وخرج بالمعيّن: الفقراء؛ كما ذكره بعد.
ولا بدَّ في الموقوف عليه: أن يكون موجودًا، فلو وقف على ولده ولا ولدَ له.. لم يصحَّ.
وعبارة "المحرر": (جماعة) بدل: (جمع)، وهي أحسن؛ لشمولها الاثنين 1. (فلا يصحُّ على جنين) بخلاف الوصية؛ لأنها تتعلق بالمستقبل، والوقف تسليط

وَلَا عَلَى الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ، فَلَوْ أَطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَيْهِ.. فَهُوَ وَقْفٌ عَلَى سَيِّدِهِ، وَلَوْ أَطْلَقَ الْوَقْفَ عَلَى بَهِيمَةٍ.. لَغَا، وَقِيلَ: هُوَ وَقْفٌ عَلَى مَالِكِهَا. وَيَصِحُّ عَلَى ذِمِّيٍّ، لَا مُرْتَدٍّ وَحَرْبِيٍّ وَنَفْسِهِ فِي الأَصَحِّ.

في الحال، (ولا على العبد لنفسه) لأنه ليس أهلًا للتمليك.
(فلو أطلق الوقف عليه.. فهو وقف على سيده) كما لو وهب منه، أو أوصى له، فإن شرطنا القبول.. قبل هو، فلو لم يقبل وقبل سيده.. لم يكف على الأصحِّ وإن كان الملك له؛ لأن الخطاب.. لم يجر معه.
(ولو أطلق الوقفَ على بهيمة.. لغا) لأنها ليست أهلًا للملك بحال؛ كما لا تصحُّ الهبة منها، ولا الوصية.
نعم؛ يستثنى: الوقف على الخيل المسبلة في الثغور؛ فإنه يصحُّ كما جزم به جماعة منهم الدارمي، والدَّبِيلي، وجزم الغزي في "شرحه": بصحة الوقف على حمام مكة.
(وقيل: هو وقف على مالكها) كالعبد، فإن شرطنا القبول.. قبل صاحبها، وقال ابن الرفعة تبعًا لجماعة: إنه ظاهر المذهب 1. (ويصحُّ على ذمي) معين ولو كان الواقف مسلمًا؛ كصدقة التطوع، والجماعة المعينون كالواحد.
ويشترط في المعين: ألا يظهر فيه قصد المعصية؛ فلو قال: (وقفت على خادم الكنيسة).. لم يصحَّ، قاله في "الشامل" وغيره.
ومحلُّ الصحة في المعين: فيما يجوز تمليكه إياه؛ فيمتنع وقف العبد المسلم وكتب العلم عليه.
(لا مرتد وحربي ونفسِه في الأصحِّ) أما الأولان.. فلأنهما مقتولان ولا بقاء لهما، والوقف صدقة جارية؛ فلا يكون على من لا يبقى؛ كما لا يوقف ما لا بقاء له، كذا وجهه الرافعي وغيره، ونقضه في "البيان" بالزاني المحصن؛ فإنه مأمور بقتله،

..................................

والوقف عليه جائز 1، والثاني: يصحُّ عليهما؛ كالذمي.
وأما الثالث.. فلتعذر تمليك الإنسان ملكه لنفسه، ووجه مقابله: أن استحقاق الشيء وقفًا غيرُ استحقاقه ملكًا، وقد يقصد حبسه ومنع نفسه من التصرف المزيل للملك، وقيل: إن وقفه على نفسه وغيره.. جاز قياسًا على المسجد والأضحية، وإلا.. فتبطل حكاه ابن خيران في "اللطيف".
وصور الماوردي المسألة بما إذا قال: (وقفت هذه الأرض أو الشجر على الفقراء)، وشرط أن يأكل من مغل الأرض، أو ثمرة الشجر غنيًّا كان أو فقيرًا، وقطع بالبطلان فيما إذا قال: (وقفت على نفسي) وسكت، وحكى قولين فيما إذا قال: (وقفت على نفسي ثم الفقراء) 2. وفي "فتاوى القفال": أنه لو وقف أرضًا وشرط أن يأكل منها ما احتاج إليه.. جاز، ولا يبطل به الوقف، وله أن يأكل منه، بخلاف ما إذا شرط أن يأكله كلَّه إذا احتاج إليه.
وقال مرة: هذا الشرط -أعني: الأول- نافذ.
كذا رَويته عن جميع أشياخي والقضاة، وما رأيت أحدًا أنكر هذا، فهو كالإجماع منهم.
انتهى.
وقد ذكروا للوقف على النفس صورًا من الحيل: منها: ما ذكره أبو علي الفارقي وغيره: أن يقف على أولاد أبيه الذين صفتهم كيت وكيت، ويذكر صفات نفسه، واعتمده ابن الرفعة 3؛ فإنه وقف وقفًا على الأفقه من بني الرفعة، وكان يتناوله، واستبعده السبكي؛ لأن قصد الجهة فيها بعيد وإنما يقصد نفسه، بخلاف الوقف على الفقراء، ولو فرض أن لا فقير سواه.. فقد تقصد الجهة، ومنها: أن يؤجر ملكه مدة يظن أنه لا يعيش فوقها بأجرة منجمة، ثم يقفه بعد على ما يريد.. فإنه يصحُّ الوقف ويتصرف هو في الأجرة؛ كما أفتى به ابن الصلاح وغيره 4، والأحوط: أن يستأجره

وَإِنْ وَقَفَ عَلَى جِهَةِ مَعْصِيَةٍ كَعِمَارَةِ الْكَنَائِسِ.. فَبَاطِلٌ، أَوْ جِهَةِ قُرْبَةٍ كَالْفُقَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْمَدَارِسِ.. صَحَّ، أَوْ جِهَةٍ لَا تَظْهَرُ فِيهَا الْقُرْبَةُ كَالأَغْنِيَاءِ.. صَحَّ فِي الأَصَحِّ.

بعد الوقف من المستأجر؛ لينفرد باليد ويأمن خطر الدين على المستأجر، ومنها: أن يرفعه إلى من يراه فيحكم بصحته، وعليه العمل في زماننا.
(وإن وقف على جهة معصية؛ كعمارة الكنائس) وقناديلها وحُصرها وكتب التوراة (.. فباطل) قطعًا؛ لأنه إعانة على معصية، والوقف شرع للتقرب فهما متضادَّان، وسواء وقفه مسلم أو ذمي، فنبطله إذا ترافعوا إلينا، أما ما وقفوه قبل المبعث على كنائسهم القديمة.. فنقرهم حيث نقر الكنائس.
والمراد بـ (الكنائس): الأماكن المعدّة للعبادة، أما ما ينزله المارة من أهل الذمة.. فالنصُّ وقول الجمهور: جواز الوصية ببنائها، قال ابن الرفعة: ويشبه أن الوقف كذلك حتى يأتي الخلاف.
انتهى 1. وفي "البحر": لو وقف على من ينزل الكنائس من المارين والمجتازين من أهل الذمة.. جاز؛ لأنه وقف عليهم دونها.
(أو جهة قربة؛ كالفقراء والعلماء والمساجد والمدارس.. صحَّ) لعموم أدلة الوقف.
والمراد بـ (جهة القربة): أن يظهر فيها قصد القربة؛ بدليل المعطوف الآتي، وإلا.. فالوقف كلُّه قربة.
(أو جهة لا تظهر فيها القربة؛ كالأغنياء.. صحَّ في الأصحِّ) الخلاف مبني على أن المرعي في الوقف على الموصوفين التمليك؛ كالوصية أو القربة، قال الرافعي: والأشبه بكلام الأكثرين: الأول، قال: والأحسن: توسط لبعض المتأخرين، وهو تصحيح الوقف على الأغنياء، وإبطالُه على اليهود والنصارى وقطاع الطريق وسائر الفساق؛ لتضمنه الإعانة على المعصية.
قال ابن الرفعة: وما استحسنه ببادي الرأي صحيح، وهو خلاف قول الأصحاب

وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِلَفْظٍ، وَصَرِيحُهُ: (وَقَفْتُ كَذَا) أَوْ (أَرْضِي مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهِ)، وَالتَّسْبيلُ وَالتَّحْبِيسُ صَرِيحَانِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ قَالَ: (تَصَدَّقْتُ بِكَذَا صَدَقَةً مُحَرَّمَةً) أَوْ (مَوْقُوفَةً) أَوْ (لَا تُبَاعُ)، أَوْ

كافة؛ فإنه ناظر في الأغنياء لقصد التملك، وفي أهل الذمة لقصد القربة، وهو كإحداث قول بعد اجتماع الأولين على قولين، ولو كان الأمر كما قال في اليهود والنصارى.. لكان الوقف عليهم معصية، وهو خلاف قول الأصحاب.
(ولا يصحُّ إلا بلفظ) كغيره من التمليكات.
نعم؛ لو بنى مسجدًا في موات.. كفت النية؛ كما قاله في "الكفاية" تبعًا للماوردي 1؛ لأن الموات لم يدخل في ملك من أحياه مسجدًا، وإنما احتيج إلى اللفظ لإخراج ماكان في ملكه عنه، وأما البناء.. فصار له حكم المسجد تبعًا، وخالفه الفارقي في ذلك.
ويستثنى أيضًا: ما إذا أخذ شخص من الناس شيئًا ليبني به زاوية أو رباطًا.. فإنه إذا بنى.. يصير وقفًا على ما كان يأخذ له، ذكره الشيخ أبو محمد في كتاب "موقف الإمام والمأموم" وكذا الشارع يصير وقفًا بالاستطراق ولا يحتاج إلى لفظ، ذكره الإمام في (الصلح) 2. ومحلُّ اشتراط اللفظ: في الناطق، أما الأخرس.. فيصحُّ منه بالإشارة المفهمة، وبالكتابة مع النية.
(وصريحه: "وقفت كذا"، أو "أرضي موقوفة عليه") لأنه موضوع له.
وإنما قال: (موقوفة)؛ لينبه على أنه لا فرق بين الفعل والمشتق منه.
(والتسبيل والتحبيس صريحان على الصحيح) لكثرة استعمالهما واشتهارهما شرعًا وعرفًا، بل قال المتولي: ما نقل عن الصحابة وقف إلّا بهما، والثاني: كنايتان؛ لأنهما لم يشتهرا اشتهارَ الوقف، والثالث: التحبيس صريح، والتسبيل كناية.
(ولو قال: "تصدقت بكذا صدقةً محرمة"، أو "موقوفة"، أو "لا تباع"، أو

(لَا تُوهَبُ).. فَصرِيحٌ فِي الأَصَحِّ. وَقَوْلُهُ: (تَصَدَّقْتُ) فَقَطْ.. لَيْسَ بِصَرِيحٍ وَإِنْ نَوَى، إِلَّا أَنْ يُضِيفَ إِلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ وَيَنْوِيَ.

"لا توهب".. فصريح في الأصحِّ) 1 لانصرافه بهذا عن التمليك المحض، وهذا صريح بغيره، وما قبله صريح بنفسه، والثاني: كناية؛ لاحتمال تأكيد ملك المتصدق عليه.
واستشكل السبكي حكاية الخلاف في الثانية مع قطعه أولًا بصراحة: (أرضي موقوفة)، فكيف إذا اجتمع مع غيره يجيء فيه خلاف فضلًا عن قوته؟ ! انتهى، وفيه نظر؛ لأن الخلاف هنا جاء من احتمال تأكيد ملك المتصدق عليه.
(وقوله: "تصدقت" فقط.. ليس بصريح وإن نوى) لتردد اللفظ بين صدقة الفرض والتطوع والصدقة الموقوفة، (إلا أن يضيف إلى جهة عامة) كـ (تصدقت بهذا على الفقراء) (وينوي) الوقف، فيصير وقفًا على الأصحِّ؛ لأن الكناية مع النية بمنزلة الصريح.
وظاهر كلامه: أنه يصير بالنية صريحًا، وظاهر كلام الرافعي في كتبه، والمصنف في "الروضة": عدم الصراحة، وإنما إضافته إلى الجهة العامة صيرته كنايةً حتى تعملَ فيه النية، وهو الصواب؛ لأنه ليس لنا صريح يفتقر إلى نية 2. واحترز بالجهة العامة: عن المعين؛ فإنه لا يكون وقفًا على الأصحِّ، بل ينفذ فيما هو صريح فيه، وهو التمليك المحض؛ كما قاله الإمام، وبحث فيه الرافعي 3. واختار السبكي حصول الوقف في المعين أيضًا مع النية، قال: وممن أطلق ذلك الماوردي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ، قال: وإطلاق الصدقة على المنجزة والوقف إطلاقُ العام على الخاص؛ فقول القائل: (تصدقت) يحتملهما، فكان كناية.
وهذا كلُّه بالنسبة للظاهر، أما في الباطن.. فيصير وقفًا فيما بينه وبين الله تعالى،

وَالأَصَحُّ: أَنَّ قَوْلَهُ: (حَرَّمْتُهُ) أَوْ (أَبَّدْتُهُ) لَيْسَ بِصَرِيحٍ، وَأَنَّ قَوْلَهُ: (جَعَلْتُ الْبُقْعَةَ مَسْجِدًا) تَصِيرُ بِهِ مَسْجِدًا، وَأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى مُعَيَّنٍ يُشْتَرَط فِيهِ قَبُولُهُ.

صرح به المرعشي وسليم وصاحب "الشامل" و"التتمة" وغيرهم.
(والأصح: أن قوله: "حرمته" أو "أَبَّدته" ليس بصريح) بل كناية؛ لأنهما لا يستعملان مستقلين، وإنما يؤكد بهما الألفاظ السابقة، والثاني: أنهما صريحان؛ لإفادتهما الغرض؛ كالتحبيس والتسبيل.
(وأن قوله: "جعلت البقعة مسجدًا" تصير به مسجدًا) لأن المسجد لا يكون إلا وقفًا، فأغنى لفظُه عن لفظ الوقف، والثاني: لا تصير؛ لفقد الألفاظ المتقدمة، وقد وصفها بما وصفها الشارع حيث قال: "جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا" 1. وهذا قول الأكثرين، والأول لم ينقله الرافعي إلا عن ظاهر لفظ "الوجيز" وقال: إنه الأشبه، ولعله من تفقهه 2. قال في "الكفاية": ومحلُّ الخلاف: إذا خلا عن نية، فلو قصد بقوله: (جعلتها مسجدًا) الوقف.. صار مسجدًا قطعًا، جزم به القاضي الحسين 3. (وأن الوقف على معين يشترط فيه قبوله) لأنه يبعد دخول عين أو منفعة في ملكه قهرًا؛ كالهبة والوصية، وعلى هذا: يشترط كونه على الفور من أهله، وإلا.. فيقبل الولي، والثاني: لا يشترط، واستحقاقه المنفعة كاستحقاق العتيق منفعة نفسه.
وهذا اختاره جمع من المتقدمين والمتأخرين؛ منهم الشيخ أبو حامد، وابن الصلاح، والمصنف في (باب السرقة)، والسبكي وقال: إنه ظاهر نصوص الشافعي في غير موضع، وما رجحه تبع فيه "المحرر"، ونقله في "زيادة الروضة" عنه مقتصرًا عليه 4. واحترز بالمعين: عن الجهة العامة؛ كالفقراء، أو جهة تحرير؛ كالمسجد؛ فإنه لا يشترط القبول قطعًا.

وَلَوْ رَدَّ.. بَطَلَ حَقُّهُ شَرَطْنَا الْقَبُولَ أَمْ لَا. وَلَوْ قَالَ: (وَقَفْتُ هَذَا سَنَةً).. فَبَاطِلٌ

قال الرافعي: ولو قيل: ينوب الحاكم في القبول.. لم يبع؛ كما ناب عن المسلمين في استيفاء القصاص وغيره 1، وفرق السبكي بينه وبين الاستيفاء: والاستيفاء لا بدَّ فيه من مباشرة، بخلاف هذا، قال: وقد يقال: ندب الشارع إليه وهو بمنزلة الاستيجاب، والوقف بمنزلة الإيجاب فتم العقد.
انتهى.
وحيث شرطنا القبول.. فلا يشترط القبض على المذهب المشهور، وشذ الجُوري والمرعشي فحكيا قولين في اشتراطه في المعين.
(ولو رد.. بطل حقه شرطنا القبول أم لا) كالوصية والوكالة، وقال البغوي: لا يرتدّ بردِّه، وجزم به في "الكافي"، وقال ابن الصلاح: إنه متجه 2. وقوله: (بطل حقه) أي: من الوقف، كما صرح به الجمهور، وقال الماوردي: من الغلة، فعلى الأول: إن كان البطن الأول.. صار منقطع الأول، فيبطل كلُّه على الصحيح، والثاني: فمنقطع الوسط.
(ولو قال: "وقفت هذا سنة".. فباطل) أي: الوقف، لفساد الصيغة؛ لأن وضعه التأبيد، وقيل: يصحُّ مؤقتًا، وقيل: مؤبدًا، ويلغو التأقيت.
قال السبكي: قوله: (سنة): فيه تأقيت وسكوت عن المصرف، فلبطلانه سببان، فإن ذكر مصرفًا، بأن قال: (على زيد سنة).. ففيه تأقيت، وانقطاع آخره، أو (على الفقراء سنة).. فتأقيت فقط.
وصورة المسألة: ألّا يذكر بعده مصرفًا آخر، فإن قال: (وقفته على زيد سنة، وبعده على الفقراء).. قال الأَذْرَعي: صحَّ بلا خلاف، لوجود الدوام.
ومن هنا شرع المصنف في الشرائط؛ لأن الأركان فرع منها، وهي: الواقف، والموقوف عليه، والموقوف، والصيغة، وقد عقد في "المحرر" هنا فصلًا 3.

وَلَوْ قَالَ: (وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي) أَوْ (عَلَى زَيْدٍ ثُمَّ نَسْلِهِ) وَلَمْ يَزِدْ.. فَالأَظْهَرُ: صِحَّةُ الْوَقْفِ، فَإِذَا انْقَرَضَ الْمَذْكُورُ.. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَبْقَى وَقْفًا، وَأَنَّ مَصْرِفَهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ يَوْمَ انْقِرَاضِ الْمَذْكُورِ.

(ولو قال: "وقفت على أولادي"، أو "على زيد ثم نسِله"، ولم يزد.. فالأظهر: صحة الوقف) لأن مقصود الوقف القربةُ والدوام، فإذا بيّن مصرفه ابتداء.. سهلت إدامته على سبل الخير، وهذا هو المُسمَّى: منقطع الآخر، والثاني: بطلانه؛ لأنه لم يؤبِّده ولم يرده إلى ما يدوم، فكان كالتأقيت، والثالث: إن كان حيوانًا.. صحَّ، إذ ربما هلك قبل الموقوف عليه، بخلاف العقار.
(فإذا انقرض المذكور.. فالأظهر: أنه يبقى وقفًا) لأن وضع الوقف الدوامُ؛ كالعتق، والثاني: يرتفع الوقف، ويعود ملكًا للواقف أو ورثته إن كان قد مات؛ لأن بقاء الوقف بلا مصرف متعذر، وإثبات مصرف لم يذكره الواقف بعيدٌ، فتعين ارتفاعه.
(وأن مصرفه أقرب الناس إلى الواقف يوم انقراض المذكور) لأن أفضل القربات الصدقة على القرابات، فإذا تعذر ردّه إلى واقفه.. كان أولى الناس به أقربهم إليه.
فإن لم يكن له أقارب.. قال السبكي: ففي "مختصر البويطي": أن للإمام أن يجعله حبسًا على المسلمين تصرف غلته في مصالحهم، وحكاه صاحب "البحر" عن النصِّ، وقال: إن القاضي الطبري صار إليه ورجحه، والذي ذكره ابن الصباغ وسليم: أنه يصرف إلى الفقراء والمساكين، والقول الثاني: يصرف إلى الفقراء والمساكين؛ لأنه يؤول إليهم الوقف الصحيح في الانتهاء، والثالث: إلى مستحقي الزكاة، والرابع: إلى المصالح العامة مصارف خمس الخمس.
والمعتبر على الأول: قرب الرحم لا استحقاق الإرث على الأصحِّ، فيقدم ابن البنت على ابن العم، وقيل: النظر إلى قرب الجوار من أقاربه، ويختص به فقراء الأقارب على الأظهر.
وهذا الاختصاص هل هو على سبيل الوجوب أو الندب؟ وجهان بلا ترجيح في "الروضة" و"أصلها" 1، قال الأَذْرَعي: والظاهر وقضية كلام الجمهور: الوجوب.

وَلَوْ كَانَ الْوَقْفُ مُنْقَطِعَ الأَوَّلِ؛ كَـ (وَقَفْتُهُ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لِي).. فَالْمَذْهَبُ: بُطْلَانُهُ، أَوْ مُنْقَطِعَ الْوَسَطِ؛ كَـ (وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ رَجُلٍ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ).. فَالْمَذْهَبُ: صحَّتُهُ. وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى: (وَقَفْتُ).. فالأَظْهَرُ: بُطْلَانُهُ.

(ولو كان الوقف منقطع الأول؛ كـ "وقفته على من سيولد لي") أو (على مسجد سيبنى) (.. فالمذهب: بطلانه) لأن الأول باطل؛ لعدم إمكان الصرف إليه في الحال، والثاني: فرع الباطل.
والطريق الثاني: فيه قولان، ثانيهما: الصحة؛ لأن الأول لمّا بطل.. صار كالمعدوم، وكان الثاني مبتدأ به، ولم يصحح الشيخان واحدًا من الطريقين 1، وفي "المطلب": أن طريقة القطع صححها الجمهور.
وفي تمثيل المصنف نقص، وكان ينبغي أن يقول: (ثم على الفقراء)، وإلا.. فهو منقطع الأول والآخر، ولا خلاف في بطلانه؛ كما قاله القاضي الحسين وغيره.
(أو منقطع الوسط؛ كـ "وقفت على أولادي ثم) على (رجلٍ) أي: مبهم 2 (ثم الفقراء".. فالمذهب: صحته) الخلاف هنا مرتب على منقطع الآخر إن صححناه، فهذا أولى؛ لوجود المصرف في الحال والمآل، وإلا.. فوجهان: أصحهما: الصحة، وإذا صححناه.. ففي مصرفه عند توسط الانقطاع الخلافُ المارُّ في منقطع الآخر.
(ولو اقتصر على) قوله: ("وقفت") كذا ولم يذكر مصرفه (.. فالأظهر: بطلانه) لأن الوقف يقتضي التمليك، فإذا لم يعين الملك.. بطل؛ كقوله: (بعت)، والثاني: يصحُّ وبه قال جمع العراقيين، ومال إليه السبكي؛ كما لو قال: (أوصيت بثلث مالي) ولم يزد.. فإنه يصحُّ ويصرف إلى الفقراء والمساكين.
واستشكل الرافعي الفرق، وفرق في "الروضة": بأن غالب الوصايا للمساكين، فحمل الإطلاق عليه، بخلاف الوقف، وبأن الوصية مبنية على المساهلة، فتصحُّ

وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ؛ كَقَوْلهِ: (إِذَا جَاءَ زَيْدٌ فَقَدْ وَقَفْتُ). وَلَوْ وَقَفَ بِشَرْطِ الْخِيَارِ.. بَطَلَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِذَا وَقَفَ بِشَرْطِ أَلَّا يُؤَجَّرَ.. اتُّبِعَ شَرْطُهُ،

بالمجهول والنجس، بخلاف الوقف، وإذا صححنا.. ففي مصرفه الخلاف في منقطع الآخر 1. (ولا يجوز تعليقه؛ كقوله: "إذا جاء زيد.. فقد وقفت") كذا على كذا؛ كالبيع والهبة.
واستثني من هذا: ما لو قال: (وقفت هذه الدار بعد موتي على المساكين).. فقد أفتى الأستاذ أبو إسحاق بوقوع الوقف بعد الموت؛ كعتق المدبر، وساعده أئمة الزمان.
قال الإمام: وهو تعليق على التحقيق بل زائد عليه؛ فإنه إيقاع تصرف بعد الموت 2، قال الرافعي: وهذا كأنه وصية؛ لقول القفال في "فتاويه": لو عرضها على البيع.. كان رجوعًا، أي: فعلى هذا لا استثناء.
(ولو وقف بشرط الخيار) كما إذا شرط أن يرجع فيه متى شاء، أو يبيعه ونحوه (.. بطل على الصحيح) لأن الوقف إزالة ملك لله تعالى، كالعتق، أو إلى الموقوف عليه؛ كالهبة، وعلى التقديرين: فيفسد بهذا الشرط، والثاني: يصحُّ الوقف ويبطل الشرط؛ كما لو طلق على أن لا رجعة له.
(والأصحُّ: أنه إذا وقف بشرط ألّا يؤجر.. اتُّبع شرطه) كسائر الشروط؛ لما فيه من وجوه المصلحة، والثاني: المنع؛ لتضمنه الحجر على مستحق المنفعة، والثالث: إن منع الإجارة مطلقًا.. فلا، أو الزيادة على سنة.. اتبع؛ لأنه لائق بمصلحة الوقف.
ويستثنى من إطلاق المصنف: حالة الضرورة؛ كما لو شرط ألّا تؤجر الدار أكثر من سنة، ثم انهدمت وليس لها جهة عمارة إلا بإجارة سنين.. فإن ابن الصلاح أفتى

وَأَنَّهُ إِذَا شَرَطَ فِي وَقْفِ الْمَسْجِدِ اخْتِصَاصَهُ بِطَائِفَةٍ كَالشَّافِعِيَّةِ.. اخْتَصَّ كَالْمَدْرَسَةِ وَالرِّبَاطِ. وَلَوْ وَقَفَ عَلَى شَخْصَيْنِ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا.. فَالأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: أَنَّ نَصيبَهُ يُصْرَفُ إِلَى الآخَرِ.

بالجواز في عقود مستأنفة وإن شرط الواقف ألا يستأنف؛ لأنه في هذه الحالة يخالف مصلحة الوقف 1. وأفتى أيضًا: بأن الواقف لو شرط ألّا يؤجر أكثر من ثلاث سنين فأجره الناظر ثلاثًا في عقد وثلاثًا في عقد آخر قبل مضي المدة الأولى.. أنه لا يصحُّ العقد الثاني؛ اتباعًا لشرط الواقف 2. (وأنه إذا شرط في وقف المسجد اختصاصه بطائفة؛ كالشافعية.. اختص) فلا يصلي فيه ولا يعتكف غيرهم؛ اتباعًا لشرطه، وقطعًا للنزاع في إقامة الشعائر، قال القاضي في آخر (كتاب الحرية): وهو مكروه، والثاني: لا يختص؛ لأن جعل البقعة مسجدًا؛ كالتحرير، فلا معنى لاختصاصه بجماعة، وقال الإمام: إنه المذهب 3. (كالمدرسة والرباط) أي: فإنه يختص فيهما قطعًا؛ كما صرح به المتولي وغيره، ونقل بعضهم فيه إجماعَ المذاهب الأربعة.
(ولو وقف على شخصين ثم الفقراءِ فمات أحدهما.. فالأصحُّ المنصوص) في "حرملة" (أن نصيبه يصرف إلى الآخر) لأن شرط الانتقال إلى الفقراء انقراضهما جميعًا، ولم يوجد، وإذا امتنع الصرف إليهم.. فالصرف إلى من ذكره الواقف أولى، والثاني: أنه يصرف للفقراء؛ كما أن نصيبهما إذا انقرضا يكون لهم، قال الرافعي: والقياس: وجه ثالث، وهو ألّا يصرف إلى صاحبه، ولا إلى المساكين، ويقال: صار الوقف في نصيب الميت منقطع الوسط، ثم صرح بعده بقليل بحكايته وجهًا عن صاحب "الإفصاح"، واقتضى كلام "الشرح الصغير" ترجيحه، قال في "الروضة":

فَصْلٌ [في أحكام الوقف اللفظية]

قَوْلُهُ: (وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي) يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْكُلِّ، وَكَذَا لَوْ زَادَ: (مَا تنَاسَلُوا)، أَوْ (بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ)

ومعناه: أن يكون مصرفه مصرف منقطع الوسط لا أنه يجيء خلاف في صحة الوقف 1.

(فصل: قوله: "وقفت على أولادي وأولاد أولادي" يقتضي التسوية بين الكلِّ) في أصل الإعطاء والمقدار، لأن الواو لمطلق الجمع لا للترتيب، قال ابن الرفعة: ومن يقول: الواو للترتيب.. ينبغي أن يقدم الأولاد، ولم يذكروه 2. وإدخال (أل) على (كلّ) أجازه الأخفش والفارسي، ومنعه الجمهور.
(وكذا لو زاد: "ما تناسلوا") أي: فيسوي بين الكلِّ، وكأنه قال: (عليهم وعلى أعقابهم ما تناسلوا).
(أو "بطنًا بعد بطن") أي: فإنه يقتضي التسوية أيضًا، فيشارك البطنُ الأسفل البطنَ الأعلى؛ لأنه محتمل، وهذا قاله العبادي والفوراني والبغوي، وجريا عليه 3. وذهب الجمهور إلى أنه للترتيب، لأن صيغة: (بعد) موضوعة لتأخير الثاني عن الأول، وهو معنى الترتيب، بل الترتيب فيها أصرح من (ثم) و (الفاء) وقد جزم فيهما بالترتيب فـ (بعد) أولى.
وممن أفتى بأنه للترتيب: الشيخ تقي بن رزين، والشيخ تاج الدين الفزاري، وولده الشيخ برهان الدين.

وَلَوْ قَالَ: (عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادِ أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ مَا تنَاسَلُوا)، أَوْ (عَلَى أَوْلَادِي وَأَوْلَادِ أَوْلَادِي الأَعْلَى فَالأَعْلَى) أَوِ (الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ).. فَهُوَ لِلتَّرْتِيبِ. وَلَا يَدْخُلُ أَوْلَادُ الأَوْلَادِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الأَوْلَادِ فِي الأَصحِّ.

وسكت الشيخان عما لو جمع بينهما فقال: (وقفت على أولادي وأولاد أولادي ما تناسلوا بطنًا بعد بطن)، وفيه وجهان: أحدهما، وبه أفتى أبو طاهر الزيادي والقاضي الحسين: أنه للترتيب، قال السبكي: وهو الصحيح.
والثاني: أنه ليس للترتيب، قاله أبو عاصم العبادي والفوراني.
ولو قال: (نسلًا بعد نسل) موضع قوله: (بطنًا بعد بطن).. قال السبكي: ينبغي ألّا يكون للترتيب، لأن كلَّ من وجد وإن كان من بطنين فأكثر يُسمَّى نسلًا، فيستحقون ويكونون هم النسل الأول، ومن يوجد بعدهم النسل الثاني، بخلاف البطن؛ فإن العرف فيه دلالة تخصُّ الطبقة الواحدة من النسل.
قال: ولو قال: (وقفت على ذريتي أو نسلي بطنًا بعد بطن).. فينبغي أن يجيء ما سبق في قوله: (بطنًا بعد بطن)، ولم أره منقولًا.
(ولو قال: "على أولادي ثم أولاد أولادي ثم أولادهم ما تناسلوا"، أو "على أولادي وأولاد أولادي الأعلى فالأعلى"، أو "الأول فالأول".. فهو للترتيب) لدلالة اللفظ عليه بـ (ثم) في الأولى، ولتصريحه به في الثانية.
وقوله: (الأول فالأول): ضبطه المصنف بكسر (اللام) على البدل، ويجوز الفتح إما على الحال -والألف واللام قيل: زائدة، وقيل: معرفة- وإما على أنه مشبه بالمفعول.
(ولا يدخل أولاد الأولاد في الوقف على الأولاد في الأصحِّ) لأنه لا يقع عليهم اسم الولد حقيقة؛ ولهذا يصحُّ أن يقال: (ما هو ولده، بل ولد ولده)، والثاني: يدخل؛ لقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾.
وقيل: يدخل أولاد البنين للانتساب، لقوله عليه الصلاة والسلام: "أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ" 1 دون أولاد البنات.

وَيَدْخُلُ أَوْلَادُ الْبَنَاتِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الذُّرِّيَّةِ وَالنَّسْلِ وَالْعَقِبِ وَأَوْلَادِ الأَوْلَادِ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ: (عَلَى مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَيَّ مِنْهُمْ).

ومأخذ الخلاف: أن إطلاق لفظ الولد عليهم حقيقة أو مجاز؟ والأصحُّ: الثاني.
ومحلُّ الخلاف: إذا وجد النوعان، فلو قال: (وقفت على أولادي) وليس له إلا أولاد أولاد.. حمل عليهم قطعًا نقلاه عن المتولي وأقراه 1. وقد يقترن باللفظ ما يقتضي عدم دخولهم، كقوله: (على أولادي، فإذا انقرضوا.. فلأحفادي الثلث مثلًا، والباقي للفقراء) كذا قالاه 2. ونازع ابن الرفعة في هذا التمثيل، وقال: لعل المراد عند انقراض الأولاد يكون كذلك بعد أن كان لهم شيء غير مقدر، وإنما تظهر القرينة فيما إذا قال: (فإذا انقرض أولادي.. فعلى أحفادي) 3. (ويدخل أولاد البنات) قريبهم وبعيدهم (في الوقف على الذرية والنسل والعقب وأولاد الأولاد) أما في الذرية.. فلقوله تعالى في إبراهيم صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَعِيسَى﴾ وليس هو إلا ولد البنت، والنسلُ والعقب في معناه؛ كما قطعوا به.
و(العقب): هو ولد الرجل الذي يأتي بعده.
وأما أولاد الأولاد.. فلأن البنات أولاده، فأولادهنَّ أولاد أولاده حقيقة.
(إلا أن يقول: "على من ينتسب إليّ منهم") أي: من أولاد أولادي، فلا يدخل أولاد البنات؛ لأنهم لا ينسبون إليه بل إلى آبائهم، وقيل: يدخلون؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحسن بن علي رضي الله عنهما: "إِنَّ ابْنِيَ هَذَا سَيِّدٌ" أخرجه البخاري 4. وأجيب: بأنه من خصائصه أن ينتسبوا إليه.

وَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ وَلَهُ مُعْتِقٌ وَمُعْتَقٌ.. قُسِمَ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: يَبْطُلُ. وَالصِّفَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى جُمَلٍ مَعْطُوفَةٍ تُعْتبَرُ فِي الْكُلِّ؛ كَـ (وَقَفْتُ عَلَى مُحْتَاجِي أَوْلَادِي وَأَحْفَادِي وَإِخْوَتِي)، وَكَذَا الْمُتَأَخِّرَةُ عَلَيْهَا وَالاسْتِثْنَاءُ إِذَا عُطِفَ بِـ (وَاوٍ)، كَقَوْلهِ: (عَلَى أَوْلَادِي وَأَحْفَادِي وَإِخْوَتِي الْمُحْتَاجِينَ)، أَوْ (إِلَّا أَنْ يَفْسُقَ بَعْضُهُمْ).

(ولو وقف على مواليه وله معتِق) بكسر التاء (ومعتَق) بفتحها (.. قسم بينهما) لتناول الاسم لهما، (وقيل: يبطل) لما فيه من الإجمال؛ فإن المولى يشملهما، ولا يمكن حمل اللفظ على العموم؛ لاختلاف معناهما.
وترجيح الأول من زيادته على "المحرر" فإنه قال: (رجح كلًّا مرجحون)، وصححه في "زيادة الروضة"، ونقل ترجيحه في "المهمات" عن النصِّ وجمع من الأصحاب، ولا ترجيح في "الشرح الكبير" 1. واحترز بقوله: (وله معتقِ ومُعتَق): عما إذا لم يوجد إلا أحدهما.. فإنه يتعين قطعًا.
(والصفة المتقدمة على جمل معطوفة تعتبر في الكلِّ؛ كـ"وقفت على مُحتاجي أولادي وأحفادي) وهم أولاد الأولاد، (وإخوتي"، وكذا المتأخّرة عليها والاستثناء إذا عطف بـ "واو" كقوله: "على أولادي وأحفادي وإخوتي المحتاجين"، أو "إلا أن يفسق بعضهم") لما تقرر في الأصول من أن الأصل اشتراكُ المعطوف والمعطوف عليه في جميع المتعلقات؛ كالصفة وغيرها، وكذا الاستثناء بجامع عدم الاستقلال.
وما مثل به لا يطابق التصوير؛ فإنه من عطف المفردات لا الجمل إلا أن يقدر لكلِّ واحد عامل، وفيه بعد.
وقد مثل الإمام الاستثناء بقوله: (وقفت على بني فلان داري)، و (حبست على أقاربي ضيعتي)، و (سبلت على خدمي بيتي إلا أن يفسق منهم أحد)، وهو مطابق، وقيد الإمام ما ذكره بقيدين -وحمل إطلاق الأصحاب على ذلك وأقراه- أحدهما: أن يكون العطف بـ (الواو) كما أشار إليه المصنف بالتمثيل، فإن كان بـ (ثم).. اختصت

فَصْلٌ [في أحكام الوقف المعنوية]

الأَظْهَرُ: أَنَّ الْمِلْكَ فِي رَقَبَةِ الْمَوْقُوفِ يَنْتَقِلُ إِلَى اللهِ تَعَالَى؛ أَي: يَنْفَكُّ عَنِ اخْتِصَاصِ الآدَمِيِّ، فَلَا يَكُونُ لِلْوَاقِفِ وَلَا لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ.

الصفة والاستثناء بالأخيرة، وتبعه على هذا القيد الآمدي في "الإحكام"، وابن الحاجب، وفي "فتاوى القفال" ما يوافقه، لكن قال السبكي: المختار: أنه لا يتقيد بها، بل الضابط: وجود عاطف جامع بالوضع كـ (الواو) و (الفاء) و (ثم)، بخلاف (بل) و (لكن) وغيرهما.
الثاني: ألا يتخلل بين الجملتين كلام طويل، فإن تخلل؛ كـ: (وقفت على أولادي على أن من مات منهم وأعقب.. فنصيبه بين أولاده للذكر مثل حظِّ الأنثيين، وإلا.. فنصيبه لمن في درجته، فإذا انقرضوا.. صرف إلى إخوتي إلا أن يفسق واحد منهم).. فالاستثناء يختص بالإخوة، ولم يذكر الأصحاب حكم الجمل بغير عطف 1. قال ابن الملقن: (وإطلاق الإمام فخر الدين يشمله، والظاهر: خلافه؛ لأن بترك العطف لا يكون بينهما ارتباط.
نعم؛ ذكر البيانيون أن ترك العطف قد يكون لكمال الارتباط، فإذا كان في مثل ذلك.. فالظاهر: مجيء الخلاف فيه) 2 انتهى.

(فصل: الأظهر: أن الملك في رقبة الموقوف ينتقل إلى الله تعالى؛ أي: ينفك عن اختصاص الآدمي) كالعتق (فلا يكون للواقف، ولا للموقوف عليه).
(أي): في كلام المصنف تفسيرية؛ أي: هذا معنى الانتقال إلى الله تعالى، وإلا.. فجميع الموجودات له في كلِّ الأوقات، والثاني: أنه يبقى الملك للواقف؛

وَمَنَافِعُهُ مِلْكٌ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ يَسْتَوْفِيهَا بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ بإِعَارَةٍ وَإِجَارَةٍ، وَيَمْلِكُ الأُجْرَةَ وَفَوَائِدَهُ؛ كَثَمَرَةٍ وَصوفٍ وَلَبَنٍ، وَكَذَا الْوَلَدُ فِي الأَصَحِّ، وَالثَّانِي: يَكُونُ وَقْفًا.

لأنه حبس الأصل وسبل الثمرة، وذلك لا يوجب زوال ملكه، والثالث: ينتقل إلى الموقوف عليه؛ كالصدقة.
والخلاف: فيما يقصد به تملك الريع أما لو جعل البقعة مسجدًا، أو مقبرة.. فينقطع عنها اختصاص الآدميين قطعًا، وهو تحرير محض، قاله الرافعي 1. (ومنافعه ملك للموقوف عليه) لأن ذلك مقصود الوقف (يستوفيها بنفسه وبغيره بإعارة وإجارة) كسائر الأملاك، وهذا إذا لم يشرط منع الإجارة كما سبق.
ولو وقف دارًا على أن يسكنها معلم الصبيان بالقرية مثلًا.. فليس له أن يسكنها غيرَه بأجرة ولا غيرها، أفتى به القفال، وأقراه 2. واستشكل: بأنه لم يزل الناس يتسامحون بإعارة بيت المدرس ونحوه.
وقضية كلام المصنف: أن الموقوف عليه يؤجر، والصحيح: منعه، وإنما يؤجر إذا كان النظر له، أو أذن له الناظر.
(ويملك الأجرة) لأنها من المنافع (وفوائدَه) أي: ويملك فوائد الموقوف (كثمرة وصوف) وشعرٍ ووبر وريش (ولبن) وبيض؛ لأن الوقف أنشئ لذلك، ولا يملك أغصان الشجرة إلا فيما يعتاد قطعه، كشجرة الخِلاف، فأغصانها كثمرة غيرها.
(وكذا الولد في الأصحِّ) كالثمرة (والثاني: يكون وقفًا) تبعًا لأمه؛ كولد الأضحية، وقيل: الخلاف في ولد الفرس والحمار، ويملك ولد النعم قطعًا؛ لأن مطلوبها الدر والنسل.
وقيل: إنه يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف إلا أن يصرح بخلافه، هذا كلُّه فيما إذا أطلق، أو شرط ذلك للموقوف عليه، أما إذا وقف الدابة على ركوب إنسان ولم يشرط له الدَّر والنسل.. فالأوجه في "الشرح" و"الروضة" وفاقًا للبغوي: أنه

وَلَوْ مَاتَتِ الْبَهِيمَةُ.. اخْتَصَّ بِجِلْدِهَا. وَلَهُ مَهْرُ الْجَارِيَةِ إِذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ إِنْ صَحَّحْنَاهُ، وَهُوَ الأَصَحُّ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ قِيمَةَ الْعَبْدِ الْمَوْقُوفِ إِذَا أُتْلِفَ، بَلْ يَشْتَرِي بِهَا عَبْدًا لِيَكُونَ وَقْفًا مَكَانَهُ،

للواقف، قال الزركشي: لكن المنقول في "البحر" عن الأصحاب: أن حكمه حكمُ منقطع الآخر، فيطرقه الخلاف 1. (ولو ماتت البهيمة) الموقوفة (.. اختصَّ بجلدها) لأنه أولى من غيره، وهذا إذا لم يدبغه، فإن دبغه.. فوجهان، رجح في "التتمة": أنه يعود وقفًا، وأقراه 2. (وله مهر الجارية إذا وُطئت بشبهة أو نكاح إن صححناه) أي: نكاحها (وهو الأصحُّ) لأنه من جملة الفوائد؛ كالثمرة.
ووجه صحة النكاح: أنه عقد على المنفعة؛ فلا يمتنع بالوقف؛ كالإجارة، ووجه مقابله: نقص قيمتها ومنفعتها به، وربما ماتت من الطلق فتفوت حقّ البطن الثاني، فعلى الأصحِّ: يزوجها من جعلنا رقبتها له؛ فإن جعلناها للموقوف عليه.. استقل به، أو للواقف.. زوّجها بإذن الموقوف عليه، وإن جعلناها لله تعالى.. زوّجها القاضي بإذن الموقوف عليه.
وخرج بالشبهة والنكاح: ما لو زنى بها مطاوعة.. فإنه لا مهر على الصحيح، وإن أكرهت.. وجب لها المهر، وهو للموقوف عليه.
(والمذهب: أنه) أي: الموقوف عليه (لا يملك قيمةَ العبد الموقوف إذا أُتلف) أو تلف تحت يد ضامنه لرقبته، سواء أتلفه أجنبي أو الواقف أو الموقوف عليه عدوانًا، أما إذا أتلفه الموقوف عليه بلا تعد.. فلا ضمان، (بل يشتري بها عبدًا ليكون وقفًا مكانه) 3 مراعاة لغرض الواقف؛ من استمرار الثواب، وتعلق حقِّ البطن الثاني وما بعده به.
والطريق الثاني: التخريج على أقوال ملك الرقبة؛ فإن قلنا: لله تعالى.. فالحكم

فَإِنْ تَعَذَّرَ.. فَبَعْضُ عَبْدٍ. وَلَوْ جَفَّتِ الشَّجَرَةُ.. لَمْ يَنْقَطِعِ الْوَقْفُ عَلَى المَذْهَبِ، بَلْ

على ما سبق، وإن قلنا: للواقف، أو للموقوف عليه.. فالأصحُّ: كذلك، والثاني: يصرف ملكًا إلى من حكمنا له بملك الرقبة، فإنها بدل ملكه، وينتهي الوقف.
وكلامه قد يفهم: أنه يكون وقفًا بمجرد الشراء، والأصحُّ في "الشرح الصغير" و"زيادة الروضة": أنه لا بدَّ من إنشاء وقف 1، لكن خالف في بدل المرهون، فصحح من "زوائده": أنه رهن في ذمة الجاني 2. ويمكن أن يفرق: بأن القيمة يصحُّ أن ترهن، ولا يصحُّ أن توقف.
قال في "المطلب": وذكر الماوردي والروياني تفصيلًا في بدل الأضحية يظهر مجيئه هنا، وهو: أنه إن اشترى بعين القيمة أو في الذمة، ونوى أنها أضحية.. لم يحتج إلى إنشاء جعلها أضحية، وإلا.. فلا بدَّ من جعلها أضحية.
انتهى.
وما ذكره الماوردي والروياني في بدل الأضحية جزما به في "الشرح" و"الروضة" 3. ولا يجوز شراء عبد بقيمة الجارية ولا عكسه، وفي شراء صغير بقيمة كبير وعكسه وجهان.
أقواهما عند المصنف: المنع 4. وإذا اشتُري عبد وفضل شيء من القيمة.. فالمختار عند المصنف: أنه يشتري به شقص عبد 5، وقال البُلْقيني: إنه الراجح.
(فإن تعذر.. فبعضُ عبد) لأنه أقرب إلى مقصوده، كذا قطعوا به، وحكوا في الأضحية خلافًا، والفرق: أن بعض الحيوان لا يكون أضحية، وبعضه يكون وقفًا.
(ولو جفت الشجرة) أو قلعها الريح (.. لم ينقطع الوقف على المذهب، بل

يُنْتَفَعُ بِهَا جِذْعًا، وَقِيلَ: تُبَاعُ وَالثَّمَنُ كَقِيمَةِ الْعَبْدِ. وَالأَصَحُّ: جَوَازُ بَيْعِ حُصُرِ الْمَسْجِدِ إِذَا بَلِيَتْ، وَجُذُوعِهِ إِذَا انْكَسَرَتْ وَلَمْ تَصْلُحْ إِلَّا لِلإِحْرَاقِ.

ينتفع بها جِذعًا) بإجارة أو بغيرها؛ إدامةً لعين الوقف، قال ابن الرفعة: وإنما ينتفع بإجارتها جذعًا إن لم يكن في استيفاء منفعة استهلاكه، فإن كان.. فالأصحُّ: أنها تكون للموقوف عليه.
انتهى، وكلام "الروضة" يدل عليه، وفيه نظر 1. وزمانة الدابة الموقوفة كجفاف الشجرة، قال في "زيادة الروضة": (هذا إذا كانت مأكولة؛ فإنه يصحُّ بيعها للحمها، فإن كانت غير مأكولة.. لم يجئ الخلاف في بيعها؛ لأنه لا يصحُّ بيعها إلا على الوجه الشاذِّ في صحة بيعها اعتمادًا على جلدها) 2. (وقيل: تباع) لتعذر الانتفاع؛ كما شرطه الواقف (والثمن كقيمة العبد) المتلف على ما سبق، قال الرافعي: (ويجوز أن يُشترى به وَدِيّ يُغرس موضعها) 3. (والأصحُّ: جواز بيع حُصُر المسجد إذا بَليت، وجذوعِه إذا انكسرت ولم تصلح إلا للإحراق) لئلا تضيع ويضيق المكان بها من غير فائدة، فتحصيل نزر يسير من ثمنها يعود على الوقف.. أولى من ضياعها، ولا يدخل ذلك تحت بيع الوقف؛ لأنها صارت في حكم المعدومة، وعلى هذا: يصرف ثمنها في مصالح المسجد، قال الرافعي: والقياس: أن يشتري بثمن الحصير حصيرًا لا غيرها 4، والثاني: لا تباع؛ لأنها عين الوقف، بل تترك بحالها أبدًا؛ كما لو وقف أرضًا فخربت.
وترجيح الجواز تبعا فيه الإمام 5، والجمهور على المنع، منهم: الشيخ أبو علي السنجي والبغوي، وصاحب "البيان" وغيرهم 6. ومحل الخلاف: في الحُصُر والجذوع الموقوفة، أما ما اشتراه الناظر أو وهب له

وَلَوِ انْهَدَمَ مَسْجِدٌ وَتَعَذَّرَتْ إِعَادَتُهُ.. لَمْ يُبَعْ بِحَالٍ

فقبله الناظر.. فإنه يباع عند الحاجة قطعًا؛ كما قاله الرافعي؛ لأنه ملك، قال في "الروضة": هذا إذا اشتراه الناظر ولم يقفه، فإن وقفه.. صار وقفًا قطعًا، وتجري عليه أحكام الوقف 1. وقول المصنف: (إذا انكسرت): يقتضي أنها إذا أشرفت على الانكسار.. لا تباع، وقضية كلام "الروضة"و "أصلها": الجواز؛ فإنهما لمّا صححا بيع الجذع المنكسر.. قالا: إن الخلاف جار في المشرف على الانكسار 2، فلو ذكره المصنف.. لأخذ حكم المنكسر من طريق أولى.
وأفهم تقييده بألا تصلح إلا للإحراق: أنه إذا صلحت لأنْ يُنتفع بها في الوقف أدنى انتفاع.. لا تباع قطعًا، وهو كذلك.
(ولو انهدم مسجد وتعذرت إعادتُه.. لم يبع بحال) كالعبد إذا عتق ثم زمن، وليس كجفاف الشجرة؛ لتوقع العمارة، والانتفاعُ في الحال بالصلاة والاعتكاف في عرصته ممكنٌ.
وكذا لو تعطل المسجد بتفرق الناس عن البلد، أو خراب البلد.. فإنه لا يباع أيضًا بل يترك على حاله إن لم يُخَف من المفسدين أن ينقضوه، فإن خيف.. نُقض وحفظ، وإن رأى الحاكم أن يعمر بِنِقْضه مسجدًا.. جاز، وما كان أقرب إليه.. فهو أولى.
كذا في "الروضة" و"أصلها" 3. وعلى هذا: إذا كان للمسجد أوقاف.. قال المتولي: صرفت غَلَّته إلى أقرب المساجد إليه، وقال الإمام: تُحفظ لتوقع عوده، وقال الماوردي والروياني: تصرف للفقراء والمساكين، وفي "فتاوى الحناطي": نقل وجه: أنه يصرف إلى المصالح، ووجه: أنه يرجع إلى أقرب الناس إلى الواقف 4.

جارٍ التحميل