بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 657-696

كتابُ قَسْم الفيء والغنيمة

صفحات 657-696

الْفَيْءُ: مَالٌ حَصلَ مِنْ كُفَّارٍ بِلَا قِتَالٍ وَإِيجَافِ خَيْلٍ وَرِكَابٍ كَجِزْيَةٍ، وَعُشْرِ تِجَارَةٍ، وَمَا جَلَوْا عَنْهُ خَوْفًا، وَمَالِ مُرْتَدٍّ قُتِلَ أَوْ مَاتَ، وَذِمِّيٍّ مَاتَ بِلَا وَارِثٍ

(كتاب قَسْم الفيء والغنيمة) هذا شطر بيت موزون، والقَسْم - بفتح القاف -: مصدر بمعنى: القسمة، والفيء: مصدر فاء يفيء إذا رجع، ثم استعمل في المال الراجع من الكفار إلينا، من استعمال المصدر في الفاعل، أو في المفعول؛ لأنه مردود، والغنيمة: فعيلة من الغنم، وهو الربح، وقيل: الفائدة الحاصلة بلا بدل.
والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآيتان، وفي حديث وفد عبد القيس وقد فسر لهم الإيمان: "وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ" متفق عليه 1. وقد اختلف في الفيء والغنيمة، فقيل: اسم الفيء يشملها، واسم الغنيمة خاص بما أخذ بقتال، وقيل: يطلق كلٌّ منهما على الآخر عند الإفراد بالذكر، فإذا ذكرا.. افترقا؛ كالفقير والمسكين، والأصحُّ: تباينهما.
(الفيء: مال حصل من كفار بلا قتال وإيجاف خيل وركاب، كجزية، وعُشْر تجارة، وما جَلَوْا عنه خوفًا، ومال مرتد قتل أو مات، وذمي مات بلا وارث) هذا التعريف ليس بجامع، فإن (المال) يخرج: الاختصاصات مع أن لها حكمَ المال، فلو قال: (ما أخذ).. لكان أحسن، وليس بمانع، لدخول: من دخل دار الحرب متلصصًا وسرق شيئًا، مع أنه غنيمة مخمسة على الصحيح، وكذا ما أهدوه والحرب قائمة.
و(الواو) في قوله: (خيل وركاب) بمعنى (أو)؛ فإن إيجاف أحدهما كاف في انتفاء حكم الفيء، قاله السبكي، وأما (الواو) التي بين القتال والإيجاف: فمحتملة

فَيُخَمَّسُ، وَخُمُسُهُ لِخَمْسَةٍ: أَحَدُهَا: مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ كَالثُّغُورِ وَالْقُضَاةِ وَالْعُلَمَاءِ، يُقَدَّمُ الأَهَمُّ

لمعنى (أو) (ولمعنى (الواو).
وقول المصنف: (خوفًا) لو حذفه.. لكان أولى؛ ليدخل: المال الذي جلوا عنه لضر أصابهم؛ فإنه فيء وإن لم يكن خوف.
والإيجاف: إسراع السير، والركاب: الإبل خاصة.
(فيخمس) الجميع خمسةَ أسهم متساوية؛ كالغنيمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية، فأطلق ههنا وقيّد في الغنيمة، فحمل المطلق على المقيد؛ جمعًا بينهما؛ لاتحاد الحكم واختلاف السبب، فإن الحكم واحد؛ وهو رجوع المال من المشركين للمسلمين، إلا أنه اختلف سببه بالقتال وعدمه؛ كما حملت الرقبة في الظهار على المؤمنة في كفارة القتل.
(وخمسه لخمسة) أي: يؤخذ سهم من السهام الخمسة فيقسم خمسة أجزاء متساوية.
(أحدها: مصالح المسلمبن؛ كالثغور) (وهي مواضع الخوف من أطراف بلاد المسلمين الملاصقة لبلاد المشركين، فتشحن بالعُدّة المقاتلة وعمارة الحصون والقناطر والمساجد.
(والقضاةِ والعلماءِ) لأن بها حفظ المسلمين، فيرزقون منه.
وهذا السهم كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق منه على نفسه وأهله ومصالحه، وما فضل جعله في السلاح عُدّة في سبيل الله وفي سائر المصالح.
والمراد بـ (العلماء): علماء الشرع، وطلبةُ العلم يدخلون فيهم؛ فإنهم إن لم يكفوا.. لم يتمكنوا من الطلب، ونبه بذلك: على ما فيه مصلحة عامة للمسلمين؛ كالأئمة والمؤذنين.
(يقدم الأهم) فالأهم وجوبًا، وأهمها: سد الثغور؛ كما قاله في "التنبيه" 1؛ لأنه حظ المسلمين.

وَالثَّانِي: بَنُو هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ؛ يَشْتَرِكُ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ وَالنِّسَاءُ، وَيُفَضَّلُ الذَّكَرُ كَالإِرْثِ

(والثاني: بنو هاشم و) بنو (المطلب)، ومنهم إمامنا الشافعي، وهم آل النبي صلى الله عليه وسلم، لقوله تعالى: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾، وهم من ذكهم المصنف، دون بني عبد شمس ونوفل، وهما ابنا عبد مناف أيضًا؛ لأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع سهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب وترك الآخرين، وقال حين سئل عن تركهم: "نَحْنُ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ" رواه البخاري 1. واعلم: أن هاشمًا والمطلب شقيقان، وذوي قربى النبي صلى الله عليه وسلم حقيقةً: هم بنو هاشم؛ لأنه جده، فأدخل عليه السلام معهم بني المطلب؛ لأنهم لى يفارقوا بني هاشم في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم في جاهلية ولا إسلام، دون أولاد شقيقهما عبد شمس جدِّ عثمان بن عفان، وأخيهما لأبيهما نوفل جدِّ جبير بن مطعم، فلم يدخلا في ذوي القربى وإن شملهما اسمها، لأن السنة بينت أن الاستحقاق بالقرابة والنصرة لا القرابةِ المجردة.
والاعتبارُ: بالانتساب إلى الآباء، أما من انتسب منهم إلى الأمهات.. فلا.
(يشرك الغني والفقير) لإطلاق الآية، وإعطاءِ النبي صلى الله عليه وسلم العباسَ منه وكان من أغنى قريش 2، ) (والنساء) لأن الزبير كان يأخذ منه سهم أمه صفيةَ عمةِ النبي صلى الله عليه وسلم 3، وكان الصديق يدفع لفاطمة رضي الله عنها منه، ولولا ذلك.. لم يدفع لهن، لأن الآية لا تدل إلا على الصرف للذكور، فإن (ذوي): مختص بهم.
(ويفضل الذكر؛ كالإرث) للذكر مثل حظ الأنثيين؛ فإنه عطية من الله تعالى، فأشبه الإرث.

وَالثَّالِثُ: الْيَتَامَى، وَهُوَ: صَغِيرٌ لَا أَبَ لَهُ، وَيُشْتَرَطُ فَقْرُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَالرَّابِعُ وَالْخَامِسُ: الْمَسَاكِينُ وَابْنُ السَّبيلِ. وَيَعُمُّ الأَصْنَافَ الأَرْبَعَةَ الْمُتَأَخِّرَةَ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِالْحَاصِلِ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ مَنْ فِيهَا مِنْهُمْ. وَأَمَّا الأَخْمَاسُ الأَرْبَعَةُ

(والثالث: اليتامى) 1 للآية، (وهو) أي: اليتيم: (صغير) لم يبلغ الحلم (لا أب له)، سواء كان له جد أم لا على الصحيح.
(ويشترط: فقره على المشهور) لأن لفظ (اليتيم) يشعر بالضعف والحاجة، ولأنه إذا امتنع لاستغنائه بمال أبيه.. فبماله أولى، والثاني: لا يشترط؛ قياسًا على ذوي القربى.
(والرابع والخامس: المساكين، وابن السبيل) للآية، وسيأتي بيانهما في الباب بعده.
وفُهِم من ذكره المساكين: جواز صرفه إلى الفقراء؛ لأنهم أشد حاجة منهم، وإطلاقُه يوهم: عدم اشتراط الفقر في ابن السبيل، وليس كذلك، صرح به الفوراني وغيره.
(ويعم الأصناف الأربعة المتأخرة) غائبَهم عن موضع حصول الفيء وحاضرَهم؛ لظاهر الآية، ويجوز أن يفاوت بين اليتامى وبين المساكين وبين أبناء السبيل؛ لأنهم يستحقون بالحاجة، فتراعى حاجتهم، بخلاف ذوي الفربى؛ فإنهم يستحقون بالقرابة.
(وقيل: يختص بالحاصل في كل ناحيةٍ من فيها منهم) فما حصل من كفار الروم دفع إلى من في الشام، ومن الترك إلى من بخراسان؛ كالزكاة، ولمشقة النقل.
(وأما الأخماس الأربعة) التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته مضمومةً إلى خمس الخمس، فجملة ما كان له صلى الله عليه وسلم أحدٌ وعشرون

فَالأَظْهَرُ: أَنَّهَا لِلْمُرْتَزِقَةِ - وَهُمُ: الأَجْنَادُ الْمُرْصَدُونَ لِلْجهَادِ - فَيَضَعُ الإِمَامُ دِيوَانًا، وَيَنْصبُ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ عَرِيفًا، وَيَبْحَثُ عَنْ حَالِ كُلِّ وَاحِدٍ وَعِيَالِهِ وَمَا يَكْفِيهِمْ، فَيُعْطِيهِ كِفَايَتَهُمْ. وَيُقَدِّمُ فِي إِثْبَاتِ الاسْمِ وَالإِعْطَاءِ قُرَيْشًا - وَهُمْ وَلَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ -.

سهمًا من خمسة وعشرين سهمًا (.. فالأظهر: أنها للمرتزقة، وهم: الأجناد المرصدون للجهاد) لأنها كانت للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لحصول النصرة به، فبعده للمرصدين للنصرة، وعملًا بفعل السلف، والثاني: أنها للمصالح؛ كخمس الخمس، وأهمها: المرتزقة، فيبدأ بهم، فما فضل عنهم صرف في باقي المصالح، فهما متفقان على أن الصرف للمرتزقة، وإنما الخلاف في الفاضل عنهم، والثالث: أنها تقسم كما يقسم الخمس.
(فيضع الإمام ديوانًا) تأسيًا بعمر رضي الله عنه 1، والديوان: الدفتر الذي يُثبت فيه أسماءهم، وقيل: الكتّاب الذين يضبطون أسماءهم.
(ويَنْصِبُ لكل قبيلة أو جماعة عريفًا) ليعرض عليه أحوالهم ويجمعهم عند الحاجة، ونصبه: مستحب.
(ويبحث) الإمام وجوبًا (عن حال كلِّ واحد وعياله وما يكفيهم، فيعطيه كفايتهم) من نفقة وكسوة وسائر مؤنهم؛ ليتفرغ للجهاد، ويراعي الزمان والمكان، والرخص والغلاء، وحالة مروءة وضدها، وعادة البلد في المطاعم والملابس.
والمراد بـ (عياله): من تلزمه نفقتهم، ويزاد كلما زادت الحاجة؛ بكبر ولد وزيادة زوجة ولو لتمام أربع، ويسوّي بينهم في إعطاء كل قدر حاجته، لا في القدر المعطى، ولا يقدم بشرف نسب أو دين، أو سبق في الإسلام أو الهجرة، وسائر الخصال المرضية، بل يستوون؛ كالإرث والغنيمة.
(ويقدم في إثبات الاسم والإعطاء قريشًا) ندبًا؛ لحديث: "قَدِّمُوا قُرَيْشًا، وَلَا تَقَدَّمُوهَا" رواه الشافعي وغيره 2، ) (وهم ولد النضر بن كنانة) بن خزيمة بن

وَيُقَدِّمُ مِنْهُمْ بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ ثُمَّ عَبْدِ شَمْسٍ ثُمَّ نَوْفَلٍ ثُمَّ عَبْدِ الْعُزَّى ثُمَّ سَائِرَ الْبُطُونِ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ الأَنْصَارَ، ثُمَّ سَائِرَ الْعَرَبِ، تُمَّ الْعَجَمَ. وَلَا يُثْبِتُ فِي الدِّيوَانِ أَعْمَى وَلَا زَمِنًا وَلَا مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْغَزْوِ

مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، قال الأستاذ أبو منصور: هذا قول أكثر النسابين، وهو أصح ما قيل، وأقره الشيخان، لكن البيهقي نسب إلى أكثر أهل العلم: أنهم ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة 1. وسموا قريشًا: لتقرشهم، أي: تجمعهم، على أحد الأقوال فيه.
(ويُقدِّم منهم بني هاشم) لأن الله شرفهم بكون المصطفى منهم، ونسبُهم إلى هاشم بن عبد مناف؛ لأنه كان يَهشِم الثريد لقومه وغيرهم جودًا، واسمه عمرو، قال الشاعر: [من الكامل] عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ... وَرِجَالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجَافُ (و) بني (المطلب) لأنه صلى الله عليه وسلم قرنهم بهم كما سبق، (ثم) بني (عبد شمس) لأنه أخو هاشم لأبويه، (ثم) بني (نوفل) لأنه أخو هاشم لأبيه، (ثم) بني (عبد العزى) لأنهم أصهار النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن خديجة رضي الله عنها بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، والشافعي رضي الله عنه من بني عبد مناف، (ثم سائر البطون) من قريش (الأقرب فالأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) لفضيلة القرب، (ثم الأنصار) لآثارهم الحميدة في الإسلام، (ثم سائر العرب) بعد الأنصار، (ثم العجم) لأن العرب أقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم وأشرف.
وهذا الترتيب: مستحب لا مستحق؛ كما نقلاه عن الأئمة، قال ابن الرفعة: وفيه نظر، وظاهر فعل عمر رضي الله عنه يدل على الاستحقاق 2. (ولا يثبت في الديوان أعمى ولا زَمِنًا ولا من لا يصلح للغزو) إذ لا كفاءة فيهم.
هذا في المرتزقة، أما عيالهم.. فهم تبع لهم، فيثبتون ولو كانوا بهذه

وَلَوْ مَرِضَ بَعْضُهُمْ أَوْ جُنَّ وَرُجِيَ زَوَالُهُ.. أُعْطِيَ، فَإِنْ لَمْ يُرْجَ.. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُعْطَى، وَكَذَا زَوْجَتُهُ وَأَوْلَادُهُ إِذَا مَاتَ

الأوصاف، قاله شيخنا قاضي القضاة جلال الدين البُلْقيني.
(ولو مرض بعضهم أو جُنّ ورُجِي زواله) وإن طال، كما قاله ابن الرفعة 1 (.. أعطي) (ويبقى اسمه في الديوان، لأن الإنسان لا يخلو من عارض، وكيلا يرغب الناس عن الجهاد ويقبلوا على الكسب لهذه العوارض.
(فإن لم يرج.. فالأظهر: أنه يعطى) لما ذكرناه، ولأنه إذا بقي على الذرية.. فعليه أولى، لكن يقطع اسمه من الديوان، والثاني: لا يعطى؛ لخروجه منهم بعجزه.
ومحلُّ الخلاف: في إعطائه في المستقبل، أما الماضي.. فقال في "الكفاية": ينبغي أن يكون، كما لو مات، إذا قلنا بسقوطه في المستقبل 2. (وكذا زوجته وأولاده إذا مات) أي: الذي تجب عليه نفقتهم في حياته؛ لئلا يعرضوا أو يشتغلوا بالكسب إذا علموا ضياع عيالهم بعدهم، والثاني: المنع؛ لأن تبعيتهم زالت بموت المتبوع.
وإفراده (الزوجة) (وجمعه (الأولاد): يوهم: اعتبار الوحدة في الزوجة، والأصحُّ: خلافه.
ولم يبين المصنف قدر ما يعطوه، قال المنكت: والمراد: ما يليق بهم لا ما كان يأخذه المرتزق 3. واستنبط السبكي من هذه المسألة: أن الفقيه أو المعيد أو المدرس إذا مات.. تعطى زوجته وأولاده مما كان يأخذ ما يقوم بهم، ترغيبًا في العلم كالترغيب هنا في الجهاد، فإن فضل المال عن كفايتهم.. صرف الباقي لمن يقوم بالوظيفة، قال: وليس فيه تعطيل لشرط الواقف، فإنّ قصدَه تلك الصفةُ، وقد حصلت مدةً من أبيهم،

فَتُعْطَى الزَّوْجَةُ حَتَّى تَنْكِحَ، وَالأَوْلَادُ حَتَّى يَسْتَقِلُّوا. فَإِنْ فَضَّلَتِ الأَخْمَاسُ الأَرْبَعَةُ عَنْ حَاجَاتِ الْمُرْتَزِقَةِ.. وُزِّعَ عَلَيْهِمْ عَلَى قَدْرِ مُؤْنَتِهِمْ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصرَفَ بَعْضهُ فِي إِصْلَاحِ الثُّغُورِ وَالسِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ. هَذَا حُكْمُ مَنْقُولِ الْفَيْءِ، فَأَمَّا عَقَارُهُ... فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ

والصرفُ لهم بعده بطريق التبعية، ومدتهُم مغتفرةٌ في جنب ما مضى؛ كزمن البطالة، قال المنكت: وقد يفرق بينهما: بأن العلمَ محبوب للنفوس لا يصد الناس عنه شيء، فيوكل الناس فيه إلى ميلهم إليه، والجهادَ مكروه للنفوس، فيحتاج الناس في إرصاد أنفسهم له إلى التاليف، وإلا.. فمحبة الزوجة والولد قد تصد عنه 1. (فتعطى الزوجة حتى تنكح) لاستغنائها بزوجها، فإن كان زوجها الثاني صن المرتزقة.. قرر لها كفايتها تبعًا له، (والأولاد حتى يستقلوا) بالكسب أو القدرة على الجهاد، فلو بلغوا عاجزين لعمى أو زَمانة.. فكمن لم يبلغ.
هذا في الذكور، وأما الإناث.. فيرزقن حتى ينحكن؛ كما نقله الرافعي عن قضية "الوسيط" وأقره 2. (فإن فضّلت 3 الأخماس الأربعة عن حاجات المرتزقة) (وقلنا بالأظهر: أنها لهم خاصة، (.. وزع عليهم على قدر مؤنتهم) لأنه حقهم، فإذا كان لواحد نصف ولآخر ثلث.. وزع عليهم كذلك.
(والأصحُّ: أنه يجوز أن يصرف بعضه) أي: الفاضل عن حاجاتهم، والتفريع على الأظهر (في إصلاح الثغور والسلاح والكُراع) (وهو الخيل؛ لأنه معونة لهم، والثاني: المنع، بل يوزع عليهم لاستحقاقهم له؛ كالغنيمة، وصححه في "الكفاية" 4. (هذا حكم منقول الفيء، فأما عقاره) من بناء وأرض (.. فالمذهب: أنه

يُجْعَلُ وَقْفًا، وَتُقْسَمُ غَلَّتُهُ كَذَلِكَ.

فَصْلٌ [في الغنيمة وما يتبعها]

الْغَنِيمَةُ: مَالٌ حَصَلَ مِنْ كُفَّارٍ بِقِتَالٍ وَإِيجَافٍ

يجعل وقفًا، وتقسم غلته كذلك) في كلِّ عام؛ لأنه أنفع لهم.
وتعبيره يقتضي أمورًا: أحدها: أنها لا تصير وقفًا بنفس الحصول، بل لا بدَّ من إنشاء وقف، وهو الأصحُّ، وقيل: تصير وقفًا بنفس الحصول؛ كرق النساء بنفس الأسر، ثانيها: تحتّم الوقف، وهو خلاف المذكور في "الشرح" و"الروضة"، من تخيير الإمام بين وقفه، أو قسمته، أو بيعه وقسمة ثمنه 1، لكن قال البُلْقيني: إن هذا لم يصححه أحد من الأصحاب، والذي عليه الأئمة؛ كما في "النهاية": أنه لا يجوز بيع شيء من ذلك وأن الأراضي تبقى موقوفة.
وقال الأَذْرَعي: قد يقال: لا اختلاف بين "المنهاج" و"الشرح" و"الروضة"، بل مذهبنا: ما في "المنهاج"، فإن رأى الإمام المجتهد غيره.. فلا اعتراض عليه، وللمسألة نظائر، وفيه نظر، وإنما تخيير الإمام وجه آخر حكاه الإمام.
انتهى.
ثالثها: أن المراد: الوقف الشرعي، وهو الأصحُّ، وقيل: المراد: الوقف عن التصرف بالقسمة لا الوقف الشرعي.
هذا حكم الأخماس الأربعة، وأما الخُمُس الباقي.. ففيه اختلاف، وحاصله عند التأمل: أن المذهب: أنه يجعل وقفًا أيضًا، قاله الرافعي 2.

(فصل: الغنيمة: مال حصل من كفار) أصليين حربيين (بقتال وإيجاف) خيل أو ركاب.
وخرج بقوله: (مال): الكلاب التي يجوز اقتناؤها؛ فإنها لا تكون غنيمة، وقد

فَيُقَدَّمُ مِنْهُ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ، وَهُوَ: ثِيَابُ الْقَتِيلِ وَالْخُفُّ وَالرَّانُ،

ذكر المصنف حكمها في (كتاب السير) 1، وهل يلتحق جلد الميتة بالكلب أو بالمال؛ فيه احتمالان لابن الرفعة.
وقوله: (حصل): كان ينبغي أن يقول: حصلناه؛ ليخرج ما حصله أهل الذمة من أهل الحرب بقتال، فالنص: أنه ليس بغنيمة 2. وقوله: (وإيجاف) (الواو) هنا ينبغي أن تكون بمعنى (أو) لئلا يرد المأخوذ بقتال الرجّالة وفي السفن؛ فإنه غنيمة ولا إيجافَ فيه، وما إذا التقى الصفان فانهزم الكفار قبل شهر السلاح وتركوا مالهم.. فإنه غنيمة - كما قاله الإمام 3 - ولا قتال فيه، وكذا لو صالحونا على مال عند القتال.. فإنه غنيمة؛ كما قاله الروياني في "الحلية" وأقراه 4، وكذا ما أهدوه لنا والحربُ قائمة؛ كما مر.
نعم؛ يرد على طرده: ما تركوه بسبب حصول خيلنا وركابنا في دارهم؛ فإنه ليس غنيمة في أصحِّ الوجهين عند الإمام مع وجود الإيجاف، وعلى عكسه ما أخذ على وجه السرقة؛ فإن الأصحَّ في "الروضة" في (السير): أنه غنيمة مخمسة 5. (فيقدَّم منه) أي: من أصل المال (السَّلَب للقاتل) المسلم، لحديث: "مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ: بَيِّنَةٌ.. فَلَهُ سَلَبُهُ" متفق عليه 6. ويشترط في المقتول: ألا يكون منهيًّا عن قتله، فلو قتل صبيًّا أو امرأة لم يقاتلا.. فلا سلب، فإن قاتلا.. استحقه في الأصحِّ، ولو أعرض مستحق السلب عنه.. لم يسقط حقه منه على الأصحِّ؛ لأنه متعين له.
(وهو) أي: السَّلَب بالتحريك (ثياب القتيل) التي عليه، (والخف والران) وهو كالخف لكن لا قدم له، وهو أطول من الخف يلبس للساق، قاله في "شرح

وَآلَاتُ الْحَرْبِ كَدِرْعٍ وَسِلَاحٍ، وَمَرْكُوبٍ وَسَرْجٍ وَلِجَامٍ، وَكَذَا سِوَارٌ وَمِنْطَقَةٌ وَخَاتَمٌ، وَنَفَقَةٌ مَعَهُ، وَجَنِيبَةٌ تُقَادُ مَعَهُ فِي الأَظْهَرِ، لَا حَقِيبَةٌ مَشْدُودَةٌ عَلَى الْفَرَسِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِرُكُوبِ غَرَرٍ يَكْفِي بِهِ شَرَّ كَافِرٍ فِي حَالِ

المهذب" في (الحج) 1، ) (وآلات الحرب؛ كدرع) (وهو الزَّرَدِيّة، (وسلاح، ومركوب وسَرْج ولِجام)، ومِهْماز وجُلّ ومِقْوَد؛ لثبوت يده على ذلك حسًّا، وسواء في المركوب كان راكبه أم قاتل راجلًا وعِنانُه بيده.
(وكذا سِوار ومِنْطَقَة وخاتم، ونفقة معه، وجَنِيبة تقاد معه في الأظهر) لأن هذه الأشياء متصلة به وتحت يده، والجَنِيبة قد يحتاج إليها، فهي كركوبه الذي أمسكه بِعنانه وهو يقاتل راجلًا، والثاني: لا؛ لأنه ليس مقاتلًا بها، فأشبه ما في خيمته.
ويجري الخلاف أيضًا: في الطوق والهِمْيَان الذي فيه النفقة.
واحترز بقوله: (ونفقة معه): عما إذا كانت في رَحْله، وقوله: (وجنيبة) قد يفهم: أنه لو كان معه جنائب.. لا يستحق إلا واحدة، وهو ما نقله الرافعي عن أبي الفرج الزاز، ثم قال: فعلى هذا: يبقى النظر في أن السلب أيتها هل يعينها الإمام أم يقرع؟ وقال المصنف: تخصيص أبي الفرج بجنيبة فيه نظر، وإذا قيل به.. فينبغي: أن يختار القاتل جنيبة منها؛ لأن كلَّ واحدة جنيبة، هذا هو المختار، بل الصواب، بخلاف ما أبداه.
انتهى 2. (لا حقيبةٌ مشدوده على الفرس على المذهب) (وما فيها من نقد ومتاع؛ إذ ليست من لباسه ولا حليه ولا حلي فرسه، والطريق الثانية: طرد القولين في الجنيبة 3، واختار السبكي: دخولها في السلب.
والحَقِيبة - بفتح الحاء المهملة وكسر القاف -: وعاء يجمع فيه المتاع يجعل على حقو البعير.
(وإنما يَسْتحِق) السلبَ (بركوب غرر يَكفي به شرَّ كافر) أصلي (في حال

الْحَرْبِ، فَلَوْ رَمَى مِنْ حِصْنٍ أَوْ مِنَ الصَّفِّ أَوْ قَتَلَ نَائِمًا أَوْ أَسِيرًا أَوْ قَتَلَهُ وَقَدِ انْهَزَمَ الْكُفَّارُ.. فَلَا سَلَبَ. وَكِفَايَةُ شَرِّهِ: أَنْ يُزِيلَ امْتِنَاعَهُ؛ بِأَنْ يَفْقَأَ عَيْنَيْهِ أَوْ يَقْطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ،

الحرب)، هذه قيود ثلاثة بيّنها من بعدُ، والضمير في (به): يعود على (ركوب) أو (غرر)، وهما سواء.
(فلو رمى من حصن أو من الصف، أو قتل نائمًا أو أسيرًا، أو قتله وقد انهزم الكفار.. فلا سلب) لأنه في مقابلة ارتكاب الخطر والتغرير بالنفس في القتل ونحوه، وهو منتفٍ ههنا.
والمراد: انهزام الكفار بالكلية، أما لو فروا عن قرب وكان ذلك عن خديعة، أو تحيزوا إلى فئة.. فإن حكم القتال باقٍ وليست هزيمة حقيقية؛ كما أشار إليه الماوردي 1، وهو ظاهر.
وقوله: (من الصف): عبارة "المحرر" (من وراء الصف)، وكذا كتبها المصنف بخطه في "المنهاج"، ثم ضرب على لفظة (وراء)، والصورتان في "الروضة" و"الشرحين" 2، فأتى "المنهاج" بما ليس في "أصله"؛ لكونه يفهم منه ما في "أصله" من طريق الأولى، قال السبكي: وهو حسن لمن لا يلتزم في الاختصار معنى الأصل، وإلا.. لم يحسن.
(وكفاية شره: أن يزيل امتناعه؛ بأن يفقأ عينيه، أو يقطع يديه ورجليه) فإنه صلى الله عليه وسلم أعطى سلب أبي جهل لمثخنه دون قاتله 3، فدل على أن المناط: كفاية الشر.
وعبارة "الروضة": (بأن يعميه)، وهي أحسن من تعبير "المنهاج"، لشمولها مَن بعين واحدة، ومن ضرب رأسه فأذهب ضوء عينيه، وعبارة "المحرر": (أن يقتله، أو يزيل امتناعه) 4، فاقتصر المصنف على الثاني؛ ليفهم الأولى من باب أولى.

وَكَذَا لَوْ أَسَرَهُ أَوْ قَطَعَ يَدَيْهِ أَوْ رِجْلَيْهِ فِي الأَظْهَرِ. وَلَا يُخَمَّسُ السَّلَبُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَبَعْدَ السَّلَبِ تُخْرَجُ مُؤْنَةُ الْحِفْظِ وَالنَّقْلِ وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ يُخَمَّسُ الْبَاقِي:

(وكذا لو أسره، أو قطع يديه أو رجليه في الأظهر) أما في الأسر.. فلأنه أبلغ من القتل، وأما القطع.. فكما لو فقأ عينيه، والثاني: لا، أما في الأسر.. فلأن شره لم يندفع كله، وأما في الباقي.. فلأنه قد يقاتل راكبًا بعد قطع الرجلين بيديه، وبعد قطع اليدين قد يهرب ويجمع القوم.
ويجري الخلاف: فيما لو قطع يدًا ورجلًا.
وترك بعضهم الخلاف على حالين؛ إن لم يبق فيه قتال.. استحق، وإن بقي.. فلا، وصححه الإمام 1. وصورة مسألة الأسير: أن يقتله الإمام أو يمن عليه، فيكون سلبه لمن أسره، فلو استرقه أو فاداه بمال.. فهل تكون رقبته أو المال المفادى به لمن أسره؟ قولان، قال الرافعي: ويشبه أن يكون الأظهر هنا: المنع، وأطلق تصحيحه في "الشرح الصغير" 2. (ولا يخمس السلب على المشهور) لأنه صلى الله عليه وسلم قضى به للقاتل ولم يخمسه، رواه أبو داوود وصححه ابن حبان، وفي "مسلم": "لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ" 3، والثاني: يخمس؛ لإطلاق الآية كغيره من الغنيمة، فيدفع خمسه إلى أهل الخمس، والباقي للقاتل.
(وبعد السلب تخرج مؤنة الحفظ والنقل وغيرهما) من المؤن اللازمة؛ كأجرة حمّال وراعٍ ونحوه، للحاجة إليها، (ثم يخمس الباقي) فيجعل خمسة أقسام متساوية، ويؤخذ خمس رقاع ويكتب على واحدة: لله أو للمصالح، وعلى أربعة: للغانمين، وتدرج في بنادق من طين أو شمع متساوية، ويجففها، ويخرج لكل سهم

فَخُمُسُهُ لِأهْلِ خُمُسِ الْفَيْءِ يُقَسَّمُ كَمَا سَبَقَ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ النَّفَلَ يَكُونُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ الْمُرْصَدِ لِلْمَصالِح إِنْ نَفَلَ مِمَّا سَيُغْنَمُ فِي هَذَا الْقِتَالِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ الْحَاصِلِ عِنْدَهُ،

رقعة، فما خرج لله.. جعل بين أهل الخمس على خمسة، ويقسم الباقي على الغانمين؛ كما سيأتي.
ويقسم للغانمين قبل قسمة الخمس على أربابه؛ لأنهم حاضرون ومحصورون، وكلام المصنف: قد يوهم خلافه.
قال الرافعي: ولا يكره قسمتها في دار الحرب، قال المصنف: بل يستحب، بل في "التهذيب" وغيره: يكره التأخير إلى دار الإسلام من غير عذر 1. (فخمسه لأهل خمس الفيء يقسم كما سبق) في قسم الفيء.
(والأصحُّ: أن النفل) بفتح النون والفاء وإسكانها (يكون من خمس الخمس المرصد للمصالح) لرواية الشافعي عن مالك عن أبي الزناد: أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: (كان الناس يعطون النفل من الخمس)، قال الشافعي: يريد: من خمس النبي صلى الله عليه وسلم 2. والثاني: من أصل الغنيمة؛ كالسلب، والثالث: من أربعة أخماسها؛ كالمصحح في الرَّضْخ.
(إن نفل مما سيغنم في هذا القتال) أي: هذا الخلاف إذا شرط مما سيغنم في هذا القتال؛ وفاء بالشرط والوعد، ويغتفر الجهل به، فيشترط الربع أو الثلث أو غيرهما.
وقوله: (نفل): قال السبكي: يجوز فيه التشديد إذا عديته إلى اثنين، والتخفيف إذا عديته إلى واحد، وقد كتب المصنف عليه بخطه: (خف) لأن معناه: جعل النفل.
(ويجوز أن ينفل من مال المصالح الحاصل عنده) في بيت المال ومما يتجدد فيه؛

وَالنَّفَلُ: زِيَادَةٌ يَشْرِطُهَا الإِمَامُ أَوِ الأَمِيرُ لِمَنْ يَفْعَلُ مَا فِيهِ نِكَايَةٌ فِي الْكُفَّارِ، وَيَجْتَهِدُ فِي قَدْرِهِ. وَالأَخْمَاسُ الأَرْبَعَةُ عَقَارُهَا وَمَنْقُولُهَا لِلْغَانِمِينَ،

لأن ذلك من جملة المصالح، ولا تغتفر الجهالة حينئذٍ، بل لا بدَّ أن يكون معلومًا؛ فإنه جعالة ولا ضرورة إلى احتمال الجهل في الجعل.
وقضية كلامه: التخيير بين خمس الخمس والمصالح، قال الرافعي: والأشبه: أن يجتهد ويراعي المصلحة 1. (والنفل: زيادة يشرطها الإمام أو الأمير لمن يفعل ما فيه نكاية في الكفار) أي: نكاية زائدة على ما يفعله بقية الجيش، وكذا توقع ظفر ودفع شر؛ كالتقدم على طليعة، أو التهجم على قلعة أو الدلالة عليها، ولحفظ مكمن وتجسيس حال وشبهها، وإنما يفعل ذلك إذا مست الحاجة إليه؛ لكثرة العدو وقلة المسلمين واقتضى الحال بعث السرايا وحفظ المكامن.
وقوله: (يشرطها الإمام أو الأمير) يوهم: أنه لا بدَّ من شرطه له أولًا قبل الإقدام، وهذا أحد قسمي النفل، والقسم الثاني: أن ينفل من ظَهَر منه أثر محمود؛ كمبارزة وحسن إقدام، فيزيده على سهمه ما يليق بالحال، لكن هذا يتعين من سهم المصالح.
(ويجتهد) الإمام (في قدره) بحسب قلة العمل وكثرته وخطره وضده؛ لما روي: أنه صلى الله عليه وسلم كان ينفل في البداءة الربع، وفي القفول الثلث، صححه الترمذي 2. و(البداءة): التي تتقدم الجيش، و (القفول): الرجوع، والخطر فيه أعظم.
ويجوز الزيادة على الثلث والنقص عن الربع بحسب الاجتهاد.
(والأخماس الأربعة عقارها ومنقولها للغانمين) لإطلاق الآية والأخبار، وعملًا بفعله صلى الله عليه وسلم في أرض خيبر 3.

وَهُمْ: مَنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ بنِيَّةِ الْقِتَالِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ. وَلَا شَيْءَ لِمَنْ حَضَرَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْقِتَالِ، وَفِيمَا قَبْلَ حِيَازَةِ اَلْمَالِ وَجْهٌ.

(وهم) أي: الغانمون (من حضر الوقعة) ولو في أثنائها قبل الانقضاء ولو عند الإشراف على الفتح (بنية القتال وإن لم يقاتل) لقول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: (الغنيمة لمن شهد الوقعة)، رواه الشافعي 1. وهذا الضابط: يشمل العبد والمرأة والصبي والكافر، فلو قال: (ممن يسهم له) كما فعل في "الروضة".. لخرجوا 2، قال السبكي: ويحتمل: إبقاء الكلام على عمومه ومن يرضخ لهم من جملة الغانمين، فلا حاجة إلى إخراجهم.
واحترز بقوله: (بنية القتال): عن الغلمان ونحوهم ممن لم ينو القتال ولا قاتل.
وأورد على مفهوم كلام المصنف صور: منها: لو دخل الإمام أو نائبه دار الحرب بجيش فوقعت سرية في ناحية فغنمت.. شاركها جيش الإمام، وبالعكس؛ لاستظهار كلٍّ منهما بالآخر، ومنها: لو بعمث جاسوسًا فغنم الجيش قبل رجوعه.. شاركهم في الأصحِّ، ومنها: لو أمر الإمام بعض العسكر ليحرس من هجوم عدو أو أفرد من الجيش كمينًا.. فإنه يسهم لهم وإن لم يحضروا الوقعة؛ لأنهم في حكمهم.
وعلى منطوقه: المنهزم الغير المتحرف لقتال ولا متحيز إلى فئة ولم يعد؛ فإنه لا يستحق شيئًا مع حضوره، أما إذا أعان قبل انقضاء الوقعة.. استحق من المحرز بعده فقط، قاله البغوي وأقراه 3. والمخذّل والمرجف والخائن -وهو من يتجسس للكفار ويراسلهم بالعورات-.. فلا يستحقون شيئًا، وفي استثناء المخذل والمرجف نظر؛ لتضاد قصده ونية القتال.
(ولا شيء لمن حضر بعد انقضاء القتال) لما تقدم، (وفيما قبل حيازة المال) وبعد انقضاء الوقعة (وجه): أنه يعطى؛ لأنه لحق قبل تمام الاستيلاء، والأصحُّ: المنع؛ لعدم شهود الوقعة، قال في "الكفاية": والخلاف راجع إلى أن القسمة تملك

وَلَوْ مَاتَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ انْقِضائِهِ وَالْحِيَازَةِ.. فَحَقُّهُ لِوَارثهِ، وَكَذَا بَعْدَ الانْقِضَاءِ وَقَبْلَ الْحِيَازَةِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ مَاتَ فِي الْقِتَالِ.. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الأَجِيرَ لِسِيَاسَةِ الدَّوَابِّ وَحِفْظِ الأَمْتِعَةِ، وَالتَّاجِرَ وَالْمُحْتَرِفَ يُسْهَمُ لَهُمْ إِذَا قَاتلوا

بانقضاء الحرب، أو به وبالحيازة 1. (ولو مات بعضهم بعد انقضائه والحيازةِ.. فحقه لوارثه) كسائر الحقوق، وهذا على قولنا: إنه يملك بالانقضاء أو بالحيازة.. واضحٌ، فإن قلنا: لا يملك إلا بالقسمة أو باختيار التملك على ما هو الصحيح في (السير) 2.. قال ابن الرفعة: فينبغي أن يقال: ينتقل للورثة حق التملك؛ كالأخذ بالشفعة لا الملك.
انتهى 3، وعبارة المصنف مخلصة؛ لشمولها الأمرين.
(وكذا بعد الانقضاء وقبل الحيازة في الأصحِّ) الخلاف مبني: على أن حق التملك يحصل بانقضاء الحرب، أو به مع الحيازة، فعلى الأول: نعم، وعلى الثاني: لا.
(ولو مات في) أثناء (القتال.. فالمذهب: أنه لا شيء له) هذا هو المنصوص، ونص في موت الفرس حينئذ: أنه يستحق سهمها 4، فقيل: قولان فيهما بالنقل والتخريج، والأصحُّ: تقرير النصين.
والفرق: أن الفارس متبوع، فإذا مات.. فات الأصل، والفرسَ تابع، فإذا مات.. جاز أن يبقى سهمه للمتبوع.
وقيل: إن حصلت حيازة المال بقتال جديد.. لم يستحق فيهما، أو بذلك القتال السابق.. استحق فيهما.
(والأظهر: أن الأجيرَ لسياسة الدواب وحفظ الأمتعة، والتاجرَ والمحترفَ.. يسهم لهم إذا قاتلوا) لشهودهم الوقعة وقتالهم، والثاني: لا؛ لأنهم لم يحضروا للجهاد.

وَلِلرَّاجِلٍ سَهْمٌ، وَلِلْفَارِسِ ثَلَاثةٌ. وَلَا يُعْطَى إِلَّا لِفَرَسٍ وَاحِدٍ عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، لَا لِبَعِيرٍ وَغيْرِهِ.

وقوله: (لسياسة الدواب) أي: شهرًا مثلًا، فيخرج: العمل في الذمة بغير مدة؛ كخياطة؛ فإنه يستحق جزمًا، ويخرج: الأجير للجهاد؛ فإنه إن صححنا الإجارة.. فلا سهم له ولا رَضْخ، وإن لم نصححها -وهو الصحيح-.. ففي استحقاق السهم وجهان؛ أصحهما في "الشرح الصغير": المنع.
واعلم: أن ظاهر كلام "الروضة" و"أصلها": أن الأجير لسياسة الدواب يستحق السهم على الأظهر وإن لم يقاتل، بخلاف التاجر؛ فإنه إنما يستحق إذا قاتل 1، وهو مخالف لما اقتضاه كلام "الكتاب" من تساويهم في التفصيل.
(وللراجل سهم، وللفارس ثلاثة) لأنه صلى الله عليه وسلم قسم يوم خيبر للفرس سهمين وللراجل سهمًا، متفق عليه 2، وسواء في الفارس إذا كان من أهل فرض القتال قاتل على فرسه أم لا إذا كان مهيئًا للقتال، وسواء أكانت الفرس مملوكة له أم مستأجرة أم مستعارة أم مغصوبة، وقيل: إن سهم الفرس المغصوب لمالكها، وصححه السبكي.
(ولا يعطى إلا لفرس واحد) لأنه صلى الله عليه وسلم لم يعط الزبير إلا لفرس وقد حضر يوم خيبر بأفراس، رواه الشافعي 3، وقيل: يعطى لفرسين بلا زيادة.
(عربيًّا كان أو غيره) كالبرذون؛ وهو ما أبواه عجميان، و (الهجين) وهو ما أبوه عربي دون أمه، و (المقرف) عكسه؛ لأن الكر والفر يقع منها كلِّها، فلا يضر تفاوتها؛ كالرجال، (لا لبعير وغيره) كالفيل والبغل والحمار؛ لأنها لا تصلح للحرب صلاحيةَ الخيل، ولا يتأتى بها الكر والفر، واستأنسوا له بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾، فخصّها بالذكر.

وَلَا يُعْطَى لِفَرَسٍ أَعْجَفَ وَمَا لَا غَنَاءَ فِيهِ، وَفِي قَوْلٍ: يُعْطَى إِنْ لَمْ يُعْلَمْ نَهْيُ الأَمِيرِ عَنْ إِحْضَارِهِ. وَالْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ وَالْمَرْأَةُ وَالذِّمِّيُّ إِذَا حَضَرُوا.. فَلَهُمُ الرَّضْخُ، وَهُوَ: دُونَ سَهْمٍ يَجْتَهِدُ الإِمَامُ فِي قَدْرِهِ

نعم؛ يرضخ لهذه الدواب ويفاوت بينها، ولا يبلغ سهم فرس.
(ولا يعطى لفرس أعجفَ) أي: مهزولٍ، (وما لا غَنَاء فيه) لعدم فائدته، (وفي قول: يعطى إن لم يعلم نهي الأمير عن إحضاره) كما يسهم للشيخ الهرم الضعيف إذا حضر.
وفرق الأول: بأن الشيخ ينتفع برأيه ودعائه، بخلافه.
ومحلُّ الخلاف: إذا تأتى ركوبه، وإلا.. لم يعط قطعًا، وأفهم: أنه إذا علم نهي الأمير عن إحضاره.. لا يسهم له قطعًا، وهو كذلك، قال الأَذْرَعي: وكذا أقول إذا علم نهي الشارع عنه.
والمراد بعدم إعطائه: أنه لا يسهم له، وإلا.. فيرضخ له.
(والعبد والصبي والمرأة والذمي إذا حضروا.. فلهم الرّضْخ) لأنه صلى الله عليه وسلم أعطى العبيد، صححه الترمذي 1، وأعطى النساء والصبيان بخيبر، رواه البيهقي مرسلًا 2، وأسهم لقوم من اليهود قاتلوا معه، رواه أبو داوود 3، وهو محمول على الرضْخ.
والرضخ مستحق، وقيل: مستحب.
وسواء أذن السيد والولي والزوج في الحضور أم لا، والرضْخُ لسيد العبد وإن لم يأذن، والخنثى كالمرأة، والمبعض هل يرضخ له أو يلحق بالحر؟ قال ابن الملقن: (فيه نظر، ولم أره منقولًا) 4. (وهو: دون سهم يجتهد الإمام في قدره) لأنه لم يرد فيه تحديد، فرجع إلى رأيه.

وَمَحَلُّهُ: الأَخْمَاسُ الأَرْبَعَةُ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: إِنَّمَا يُرْضَخُ لِذِمِّيٍّ حَضَرَ بِلَا أُجْرَةٍ، وَبِإِذْنِ الإِمَامِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

ولا يبلغ برضخ الراجل سهمه، وهل يبلغ برضخ الفارس سهم الراجل؟ وجهان؛ كبلوغ تعزير الحر حدَّ العبد، قاله في "الروضة"، وقضيته: ترجيح إبلاغه، وصححه الماوردي في (السير)؛ كما نقله ابن الرفعة في "الكفاية"، لكن نقل في "أصل الروضة" هنا عن الماوردي: القطع بمنع إبلاغه 1، فاختلف النقل عن الماوردي، فليحرر، ولعل كلام الماوردي اختلف هنا وفي (السير) 2. (ومحله: الأخماس الأربعة في الأظهر) لأنه سهم من الغنيمة يستحق بحضور الوقعة إلا أنه ناقص، والثاني: أنه من أصل الغنيمة؛ كالمؤنة، والثالث: من خمس الخمس سهم المصالح.
(قلت: إنما يُرضَخ لذمي حضر بلا أجرة، وبإذن الإمام) أو الأمير (على الصحيح، والله أعلم) فإن حضر بأجرة.. فله الأجرة فقط جزمًا؛ لأنه أخذ عن حضوره بدلًا فلا يقابل ببدل آخر، وإن حضر بلا إذن الإمام أو الأمير.. فلا رضخ، بل يعزره الإمام إن رآه، وهذا محلُّ قول المصنف: (على الصحيح).
ومقابله: أنه يستحق وإن لم يأذن؛ لأنه من سكان دارنا، وقيل: إن قاتل.. استحق، وإلا.. فلا 3.

كتابُ قَسْم الصّدقات الْفَقِيرُ: مَنْ لَا مَالَ لَهُ وَلَا كَسْبَ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ، وَلَا يَمْنَعُ الْفَقْرَ مَسْكَنُهُ وَثِيَابُهُ،

﴿كتاب قسم الصدقات﴾ سميت بذلك؛ لإشعارها بصدق باذلها، وتطلق على الواجبة والتطوع، والكتاب واف بالنوعين، ذكر النوع الثاني في فصل مفرد، وجمع الصدقة؛ لاختلاف أنواعها من ماشية وحب وتمر ونقد وغيرها.
والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية.
(الفقير: من لا مال له ولا كسب يقع موقعًا من كفايته) 1 كلام المصنف هنا مفلت، فإنه لم يذكر ما يربطه، بخلاف "المحرر" فإنه افتتح الباب بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية ثم شرع في تعيين ما اقتضت الآية استحقاقهم 2. والذي لا يقع موقعًا من الكفاية: أن يحتاج إلى عشرة ويجد منها درهمين أو ثلاثة.
(ولا يمنع الفقر مسكنه) الذي هو ملكه (وثيابه) ولو ما يلبسه للتجمل وإن تعدد إذا احتاج إليه، وكذا العبد المحتاج إلى خدمته، كما نقله في "زيادة الروضة" عن ابن كج وقال: إنه متعين.
ولو لم يكن له ذلك واحتاج إلى شرائها ومعه ثمنها قال السبكي: لم أر فيه نقلًا، وبظهر أنه كوفاء الدين، وقد صرح البغوي في "فتاويه": بأنه لا يعطى من سهم الفقراء حتى يصرف ما عنده في الدين، لكن قال الرافعي: إنه يمكن أن يقال: القدر الذي يؤدى به الدين لا عبرة به في منع الاستحقاق؛ كما لا عبرة به في وجوب نفقة القريب، وكذا في الفطرة على الوجه الذي مر في موضعه.

وَمَالُهُ الْغَائِبُ فِي مَرْحَلَتَيْنِ، وَالْمُؤَجَّلُ، وَكَسْبٌ لَا يَلِيقُ بِهِ. وَلَوِ اشْتَغَلَ بِعِلْمٍ وَالْكَسْبُ يَمْنَعُهُ.. فَفَقِيرٌ،

انتهى 1، وما ذكره فيه نظر، فإن نفقة القريب واجبة مع الدين؛ كما ذكروه في الفلس، وذلك يقتضي الغنى، وإنما يصح الاحتجاج أن لو كانت نفقة القريب لا تجب مع الدين، ولهذا قال في "المطلب": الحق ما قاله البغوي، وأما الفطرة.. فمنعُ الدين لها وجه، كما قاله الإمام، ونقل الاتفاق عليه 2، والمرجح خلافه، كما مر في (باب زكاة الفطر) وقد نص عليه في "الأم" أيضًا بناء على أن الدين لا يمنع وجوب الزكاة 3، ولو اعتاد السكنى بالأجرة، أو في مدرسة ولا ضرورة إلى شرائه ملكًا.. فالظاهر: خروجه عن اسم الفقر به.
(وماله الغائب في مرحلتين) بل له الأخذ حتى يصل إليه، لأنه معسر الآن، قال السبكي: ويحتاج القول بالأخذ مع ماله الغائب إلى دليل.
نعم؛ إن لم يجد من يقرضه.. جاز الأخذ، وقال الأَذْرَعي: يجوز أن يقال: إذا لم يجد من يقرضه أن يقرضه الإمام من بيت المال؛ كما قيل بمثله في نفقة اللقيط، قال: وأما إعطاؤه باسم الفقير.. فبعيد جدًّا، لأنه غني شرعًا وعرفًا.
(والمؤجل) لا يمنع الفقر أيضًا، فله الأخذ إلى حلوله، (وكسب لا يليق به) أي: بحاله ومروءته، لأنه يخل بمروءته، فكان كالعدم.
(ولو اشتغل بعلم) شرعي؛ كما قاله في"الروضة" (والكسب يمنعه.. ففقير) لأن تحصيله فرض كفاية، كذا جزم به الرافعي، وقال المصنف: هذا هو المعروف، وذكر الدارمي: أوجهًا؛ ثالثها: يستحق النجيب المرجو النفع به لا غيره، ثم قالا: وأما من لا يتأتى منه التحصيل.. فلا يعطى إن قدر على الكسب 4، قال السبكي: وهذا يحتمل حمله على بعض ما قاله الدارمي، أو يكون هذا فيمن لا يشتغل البتة، وذاك مشتغل.

وَلَوِ اشْتَغَلَ بالنَّوَافِلِ.. فَلَا. وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الزَّمَانَةُ وَلَا التَّعَفُّفُ عَنِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى الْجَدِيدِ. وَالْمَكْفِيُّ بِنَفَقَةِ قَرِيبٍ أَوْ زَوْجٍ لَيْسَ فَقِيرًا فِي الأَصَحِّ. وَالْمِسْكِينُ: مَنْ قَدَرَ عَلَى مَالٍ أَوْ كَسْبٍ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ

واحترز بقوله: (والكسب يمنعه) عما لو كان لا يمنعه، فلا يعطى إذا كان يليق به، ومثله في "البسيط" بالتكسب بالوراقة؛ يعني: النسخ.
(ولو اشتغل بالنوافل) المطلقة (.. فلا) لأن نفعها قاصر عليه، بخلاف العلم، وادعى في "شرح المهذب" الاتفاق عليه 1، لكن في "فتاوى القفال" أن المستغرق الوقت بالعبادة والصلاة آناء الليل والنهار يحل له أخذ الزكاة وإن كان قويًّا، أما غيره.. فلا وإن كان صوفيًّا.
(ولا يشترط فيه) أي: في الفقير (الزمانة ولا التعفف عن المسألة على الجديد) فيهما؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أعطى من لم يسأل ومن سأل، ولم يكن زمنًا، وللحاجة، والقديم: الاشتراط؛ لأنه إذا لم يكن زمنًا.. تمكن من نوع اكتساب، وإذا سأل.. أعطي، قال الإمام: وإذا اشترطت الزمانة.. ففي اشتراط العمى: وجهان؛ لأن الزمن البصير قد يتأتى من الحراسة 2. (والمكفيُّ بنفقة قريب، أو زوج ليس فقيرًا) ولا مسكينًا (في الأصحِّ) لاستغنائه بالنفقة، والثاني: نعم؛ لاحتياجه إلى غيره، والخلاف في القريب إذا أعطاه غير قريبه المنفق من سهم الفقراء والمساكين، ويجوز أن يعطيه من غيرهما قطعًا، وأما لمنفق.. فليس له إعطاؤه لأجل نفسه من سهم الفقراء والمساكين قطعًا، وله إعطاؤه من غيرهما بشرطه؛ لأنه لا يعطى ابن السبيل إلا ما زاد بسبب السفر 3، وأما الزوجة الحرة.. فالوجهان جاريان في إعطاء الزوج وغيره؛ لأنه لا يدفع به نفقتها عن نفسه، بخلاف قريبه.
(والمسكين: من قدر على مال أو كسب يقع موقعًا من كفايته) وكفاية من تلزمه

وَلَا يَكْفِيهِ. وَالْعَامِلُ: سَاعٍ، وَكَاتِبٌ، وَقَاسِمٌ، وَحَاشِرٌ يَجْمَعُ ذَوِي الأَمْوَالِ، لَا الْقَاضِي وَالْوَالِي. وَالْمُؤَلَّفَةُ: مَنْ أَسْلَمَ وَنيَّتُهُ ضَعِيفَةٌ، أَوْ لَهُ شَرَفٌ يُتَوَقَّعُ بِإِعْطَائِهِ إِسْلَامُ غَيْرِهِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُمْ يُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَاةِ.

نفقته (ولا يكفيه) كمن يريد عشرة فيجد ثمانية، أو يقدر على كسبها، أو له عقار يغلها، فيعطى التتمة، ولا يكلف بيعه، والمعتبر في كل ذلك: ما يليق بالحال بلا إسراف ولا تقتير، والمراد: عدم كفايته سنة، كما أفتى به البغوي وابن الصلاح والمصنف في "فتاويه" غير المشهورة 1، فمن معه كفاية سنة.. لا يعطى شيئًا؛ لأنه ليس مسكينًا حينئذ وإن كنا نعطيه كفاية العمر الغالب لو نقص ما معه عن السنة، وقد علم من كلام المصنف أن الفقير أسوأ حالًا من المسكين، وعكس أبو حنيفة التفسيرين، ولا يظهر للخلاف فائدة في الزكاة، إنما يظهر في الوصية والنذر؛ كما إذا أوصى أو نذر للفقراء دون المساكين، أو عكسه.
(والعامل: ساعٍ، وكاتب، وقاسم، وحاشر يجمع ذوي الأموال) لصدق الاسم عليه والساعي: هو الذي يرسل إلى البلاد؛ لأخذ الصدقات، والكاتب: هو الذي يكتب ما على أرباب الأموال من مبلغ الصدقة وما أعطوه، أو يكتب لهم براءةً بالأداء، والحاشر: اثنان: أحدهما: ما ذكره، والثاني: من يجمع أهل السهمان.
وقد يوهم كلام المصنف: الحصر فيهم، وليس كذلك، بل منهم الحاسب والعريف: وهو كالنقيب للقبيلة، قال المسعودي: والجندي؛ أي: المشد.
(لا القاضي والوالي) أي: والي الإقليم إذا قاما بذلك.. لم يجز لهما أخذ سهم العامل فإن عملهما عام؛ كالإمام.
نعم؛ إن لم يتطوعا به.. رزقهما الإمام من خمس الخمس المرصد للمصالح.
(والمؤلفة: من أسلم ونيته ضعيفة) فيتألف؛ ليقوى إيمانه، (أو له شرف يتوقع بإعطائه إسلامُ غيره) مع حسن نيته في الإسلام.
(والمذهب: أنهم يعطون من الزكاة) لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ وفي قول:

وَالرِّقَابُ: الْمُكَاتبُونَ. وَالْغَارِمُ: إِنِ اسْتَدَانَ لِنَفْسِهِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ.. أُعْطِيَ

لا يعطون؛ لأن الله تعالى قد أعز الإسلام عن التألف بالمال، وفي قول: يعطون من المصالح لا من الزكاة.
وكان ينبغي أن يعبر بالأظهر؛ لأن الخلاف أقوال، كما ذكره في "الروضة" لا طرق 1. واحترز بقوله: (من أسلم) عن مؤلفة الكفار، وهو من يرجى إسلامه ومن يخشى شره؛ فإنهم لا يعطون من الزكاة قطعًا، ولا من غيرها على الأظهر، لكن حصره المؤلفة في هذين ممنوع، بل هم أربعة، الثالث: من يقاتل من يليه من الكفار، والرابع: من يقاتل مانع الزكاة ويقبضها منهم ويحملها إلى الإمام، قال الإمام: وفي تسمية هذين مؤلفة تجوز؛ فإن قلوبهم مطمئنة إلى الإيمان 2، وليس بذل المال في مقابلة استمالتهم؛ أي: وإنما هما في معنى الغزاة والعاملين، وبهذا يجاب عن إهمال المصنف لهما.
(والرِّقاب: المكاتبون) لاقترانهم مع الغارمين الآخذين؛ لما في ذممهم؛ كما قرن الفقراء مع المساكين؛ لاشتراكهما في الحاجة، وسبيل الله وابن السبيل لأخذهما لمعنى مستقبل وليس المراد شراء عبيد وعتقهم، خلافًا لمالك وأحمد، وإنما يعطى المكاتب بشرطين، أحدهما: كون الكتابة صحيحة، وثانيهما: ألا يكون معه ما يفي بالنجم، وقدرته على الكسب لا تمنع الصرف إليه على الأصحِّ، وليس للسيد صرف زكاته إلى مكاتبه على الصحيح.
(والغارم: إن استدان لنفسه) أي: لغرض نفسه؛ من أكل ولبس، أو لحج أو جهاد ونحو ذلك (في غير معصية.. أعطي) للآية؛ فإن كان لمعصية؛ كالزنا وشرب الخمر.. لم يعط قبل التوبة؛ لأنه إعانة على المعصية، ولو استدان في معصية وصرفه في طاعة.. أعطي، قاله الإمام، ثم قال: ولو استدان لا لمعصية وصرفه في معصية.. أعطي إذا تحقق قصد الإباحة أولًا، لكنا لا نصدقه عند صرفه للحرام،

قُلْتُ: الأَصحُّ: يُعْطَى إِذَا تَابَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالأَظْهَرُ: اشْتِرَاطُ حَاجَتِهِ دُونَ حُلُولِ الدَّيْنِ. قُلْتُ: الأَصحُّ: اشْتِرَاطُ حُلُولهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

ويحتمل ألا يعطى وإن عرف صدقه، لأن النية إنما تؤثر إذا اقترن بها العمل 1. (قلت: الأصحُّ: يعطى إذا تاب، والله أعلم) لأن التوبة قطعت حكم ما قبلها، فصار النظر إلى حال وجودها، والثاني: لا يعطى؛ لأنه ربما اتخذ ذلك ذريعة، ثم يعود.
وهذا استدركه المصنف؛ لما يفهمه عموم مفهوم الشرط من قوله: (إن استدان في غير معصية)، فإنه يفهم أن في المعصية لا يعطى مطلقًا، ولهذا نقل في "الروضة" عن "المحرر" الجزم بأنه لا يعطى، ومراده: ما اقتضاه عموم المفهوم، قال في "شرح المهذب": والظاهر: أنه إذا غلب على الظن صدقه في توبته.. يعطى وإن قصرت المدة؛ كما جزم به الروياني 2. (والأظهر: اشتراط حاجته) لأنه إنما يأخذ لحاجته؛ كالمكاتب، فلو وجد ما يقضي به الدين لم يعط، والثاني: المنع؛ لعموم الآية.
ومعنى الحاجة كما تقتضيه عبارة الأكثرين: كونه فقيرًا لا يملك شيئًا، قال الرافعي: وربما صرحوا به، والأقرب: قول بعضهم: لا يعتبر الفقر والمسكنة، بل لو ملك كفايته، ولو قضى منه الدين.. نقصت كفايته فيترك مما معه قدر ما يكفيه؛ فلا يدخل في الاعتبار، ويقضي عنه قدر ما ينقص عن الكفاية.
انتهى، ووافقه في "الروضة" و"شرح المهذب" 3. (دون حلول الدين) فيعطى قبل محله؛ لأنه مدين في الحال، (قلت: الأصحُّ: اشتراط حلوله، والله أعلم) لعدم حاجته إليه الآن، وصدر كلام المصنف يقتضي: أن الخلاف قولان، و"زيادته" تقتضي أنه وجهان، وهو ما في "الشرحين"، ولم يرجح في "الروضة" شيئًا 4.

أَوْ لإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ.. أُعْطِيَ مَعَ الْغِنَى، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ غَنِيًّا بِنَقْدٍ.. فَلَا. وَسَبيلُ اللهِ: غُزَاةٌ لَا فَيْءَ لَهُمْ، فَيُعْطَوْنَ مَعَ الْغِنَى. وَابْنُ سَبيلٍ: مُنْشِئُ سَفَرٍ أَوْ مُجْتَازٌ، وَشَرْطُهُ: الْحَاجَةُ وَعَدَمُ الْمَعْصيَةِ.

(أو لإصلاح ذات البين) هذا قسيم قوله: (لنفسه)، وصورته: أن يخاف فتنة بين شخصين أو قبيلتين بسبب قتيل لا يعرف قاتله، أو مال أتلف، فيستدين ما يسكن به الفتنة (.. أعطي مع الغنى) بالعقار قطعًا، وبالنقد على الأصحِّ، لأنه لو شرط الفقر.. لامتنع الناس من هذه المكرمة.
(وقيل: إن كان غنيًّا بنقد.. فلا) إذ ليس في صرفه إلى الدين ما يهتك المروءة، والأصحُّ: أنه لا فرق؛ لما ذكرناه، والغنى بالعرض كهو بالعقار على المذهب، وقيل: كالنقد، وإنما يعطى إذا بقي الدين، فإن أداه من ماله أو بذل ماله ابتداءً.. لم يعط، ولا ينحصر الغارم في المستدين، بل الضامن إذا عسر هو والمضمون عنه أعطي، ولو أعسر الضامن وحده وكان ضمن بغير الإذن.. أعطي؛ وإن كان بالإذن فلا؛ لأنه يرجع.
(وسبيل الله: غزاةٌ لا فيءَ لهم، فيعطون مع الغنى) لعموم الآية، وإنما فسَّر سبيل الله بالغزاة؛ لأن استعماله في الجهاد أغلب عرفًا وشرعًا، بدليل قوله تعالى في غير موضع: ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقوله: (لا فيء لهم)؛ أي: لا سهم لهم في ديوان المرتزقة، بل هم متطوعة، يغزون إذا نشطوا؛ لأن من له في الفيء حقٌّ لا يصرف له من الصدقات شيء؛ كما لا يصرف شيء من الفئ إلى المتطوعة.
(وابن سبيل 1: منشئ سفر) من بلد الزكاة (أو مجتاز) به؛ للآية، وهو حقيقة في هذا، مجاز في الأول، وإعطاء الثاني: بالإجماع، والأول: بالقياس عليه؛ لأن مريد السفر محتاج إلى أسبابه.
(وشرطه: ) في الإعطاء لا في التسمية (الحاجة) فإن كان معه ما يحتاج إليه في سفره.. لم يعط، (وعدم المعصية) لأن القصد إعانته، ولا يعان على المعصية،

وَشَرْطُ آخِذِ الزَّكَاةِ مِنْ هَذِهِ الأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ: الإِسْلَامُ، وَأَلَّا يَكُونَ هَاشِمِيًّا وَلَا مُطَّلِبِيًّا، وَكَذَا مَوْلَاهُمْ فِي الأَصَحِّ.

فيعطى في سفر الطاعة، وكذا المباح على الأصحِّ، وإذا سافر لمعصية ثم تاب.. التحق بقية سفره بالمباح قاله الماوردي 1، وألحق الإمام بسفر المعصية السفر لا لقصد صحيح؛ كالهائم 2، ويوافقه قول القفال في "الفتاوى" لا يجوز صرف سهم ابن السبيل إلى الصوفية، لأن سفرهم لا غرض فيه سوى الكدية.
(وشرط آخذ الزكاة من هذه الأصناف الثمانية: الإسلام) فلا تدفع لكافر بالإجماع.
(وألا يكون هاشميًّا) لحديث: "إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لآلِ مُحَمَّدٍ" رواه مسلم 3. (ولا مطلبيًّا) لحديت: "إِنَّمَا بَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ" رواه البخاري 4. وسواء منعوا حقهم من خمس الخمس أم لا، وسواء سهم العامل وغيره على الصحيح فيهما.
(وكذا مولاهم في الأصحِّ) لحديث: "مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ" صححه الترمذي 5، والثاني: لا، لأن المنع للشرف في ذوي القربى، وهو مفقود في مواليهم.
وكلامه يوهم: حصر الشروط فيما ذكره، وليس كذلك، فمنها: الحرية فيما عدا المكاتب، فلا يجوز دفعها إلى مبعض ولو في نوبة نفسه، خلافًا لابن القطان، ومنها: أن يكون من بلد مال الزكاة على ما سيأتي، وفي "فتاوى المصنف": أنه

فَصْلٌ [في بيان مستند الإعطاء وقدر المعطى]

مَنْ طَلَبَ زَكَاةً وَعَلِمَ الإِمَامُ اسْتِحْقَاقَهُ أَوْ عَدَمَهُ.. عَمِلَ بِعِلْمِهِ، وَإِلَّا؛ فَإِنِ ادَّعَى فَقْرًا أَوْ مَسْكَنَةً.. لَمْ يُكَلَّفْ بَيِّنَةً، فَإِنْ عُرِفَ لَهُ مَالٌ وَادَّعَى تَلَفَهُ.. كُلِّفَ، وَكَذَا إِنِ ادَّعَى عِيَالًا فِي الأَصَحِّ

لا يجوز دفع الزكاة لتارك صلاة إذا بلغ تاركًا واستمر بل يقبضها له وليه 1، لكن أطلق صاحب "الذخائر" الدفع إليه إذا قلنا لا يكفر، وأفتى ابن البَزري بجواز دفعها إلى فاسق، إلا أن يكون المدفوع إليه يعينه على المعصية، فيحرم إعطاؤه، وفي "فوائد ابن الصلاح" عن كتاب العماد عبد الله بن عبد الرحمن المروزي من أصحابنا: أنه لا يجوز قبض الزكاة من أعمى، ولا دفعها له، بل يوكل فيهما على أصل الشافعي رضي الله عنه؛ لأن التمليك شرط فيه، قال ابن الصلاح: وفساد هذا ظاهر، وعملُ الناس على خلاف.
(فصل: من طلب زكاة وعلم الإمام) أو منصوبه لتفرقتها (استحقاقه أو عدمه.. عمل بعلمه) ولا يخرج على القضاء بالعلم؛ لأن الزكاة مبنية على الرفق والمساهلة، وليس فيها إضرار بالغير، بخلاف القضاء.
(وإلا) أي: وإن لم يعلم استحقاقه ولا عدمه (فإن ادعى فقرًا أو مسكنة.. لم يكلف بينة) لعسرها، وكذا لا يحلف إن لم يتهم قطعًا، ولا إن اتهم على الصحيح، وكذا الحكم فيما لو ادعى أنه غير كسوب.
(فإن عرف له مال وادعى تلفه.. كلف) بينة؛ إذ الأصل: بقاؤه، قال الرافعي: ولم يفرقوا بين أن يدعي تلفه بسبب ظاهر أو خفي؛ كالمودع 2، وفرق في "المطلب" بينهما: بأن الأصل هناك: عدم الضمان، وهنا عدم الاستحقاق.
(وكذا إن ادعى عيالًا في الأصحِّ) لإمكانها، والثاني: لا يكلف؛ كما يصدق في

وَيُعْطَى غَازٍ وَابْنُ سَبيلٍ بِقَوْلهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجَا.. اسْتُرِدَّ، وَيُطَالَبُ عَامِل وَمُكَاتَبٌ وَغَارِمٌ بِبيِّنَةٍ، وَهِيَ: إِخْبَارُ عَدْلَيْنِ، وَتُغْنِي عَنْهَا الاسْتِفَاضَةُ،

فقره، وعلى هذا: فلا بدَّ من اليمين قطعًا، والمراد بالعيال: من تلزمه نفقتهم.
(ويعطى غاز وابن سبيل بقولهما) بلا يمين؛ لأنه لأمر مستقبل، (فإن لم يخرجا.. استرد) لانتفاء صفة الاستحقاق، ولم يتعرض الجمهور للقدر الذي يحتمل تأخيره، وقدَّره السرخسي بثلاثة أيام، فإن لم يخرج فيها.. استرد، قال الرافعي: ويشبه أنها تقريب، وأن يعتبر ترصده للخروج، وكون التأخير لانتظار الرفقة وتحصيل الأهبة ونحوهما.
(ويطالب عامل ومكاتب وغارم ببينة) لأنه يدعي أمرًا ظاهرًا تسهل إقامة البينة عليه، قال السبكي: ومطالبة العامل بالبينة محلها: إذا أتى إلى رب المال فطالبه وجهل حاله أما الإمام فإنه يعلم حاله؛ فإنه الذي يبعثه، فلا تتأتى البينة فيه، ويستثنى من الغارم: ما إذا غرم لإصلاح ذات البين لشهرة أمره، قاله ابن الرفعة، تبعًا لجماعة، لكن في "البيان": أنه لا بدَّ من البينة 1. (وهي: إخبار عدلين) أشار بقوله: (إخبار) إلى أنه لا يعتبر هنا الدعوى وسماع القاضي والإنكار، ثم الشهادة بلفظها، وهو ما حكاه الرافعي عن بعض المتأخرين، واستحسنه في "الشرح الصغير"، لكن قال ابن الرفعة: الذي يقتضيه إطلاق المتقدمين: اعتبار لفظ الشهادة، وقيل: يكفي واحد.
(وتغني عنها الاستفاضة) لحصول العلم أو غلبة الظن بها، واستأنسوا له بحديث: "حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ" رواه مسلم 2. قال ابن داوود الصَّيْدَلاني: إنما قال ثلاثة؛ لأنها أدنى الاستفاضة، وتابعه الرافعي 3، واستغربه ابن الرفعة، وسيأتي في (الشهادات) أن شرطها: التسامع من جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب، ومنهم من حمل الحديث على الاستظهار في الشهادة.

وَكَذَا تَصْدِيقُ رَبِّ الدَّيْنِ وَالسَّيِّدِ فِي الأَصَحِّ. وَيُعْطَى الْفَقِيرُ وَالْمِسْكِينُ: كِفَايَةَ سَنَةٍ. قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ: كِفَايَةَ الْعُمْرِ الْغَالِبِ، فَيَشْتَرِي بِهِ عَقَارًا يَسْتَغِلُّهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

وقال صاحب "المطلب": الذي دل عليه الخبر إثبات الحاجة والفقر فقط، وأما الدين.. فلا يثبت بالاستفاضة قطعًا.
(وكذا تصديق رب الدين والسيد في الأصحِّ) لظهور الحق بالإقرار والتصديق، والثاني: لا؛ لاحتمال التواطؤ، وسكت المصنف عن المؤلفة، وقال الجمهور: إن قال: (نيتي في الإسلام ضعيفة).. قبل؛ أي: بلا يمين، وإن قال: (أنا شريف مطاع في قومي).. فلا بدَّ من البينة، وأطلق جماعة مطالبته بالبينة.
(ويعطى الفقير والمسكين: كفايه سنة) لأن وجوب الزكاة لا تعود إلا بمضي سنة، (قلت: الأصحُّ المثصوص) في "الأم" (وقول الجمهور: كفاية العمر الغالب) 1 لأن به تحصل الكفاية على الدوام.
ومحلُّ الخلاف: فيمن لا يحسن الكسب بحرفة ولا تجارة، فأما المحترف.. فيعطى ما يشتري به آلة حرفته، والتاجر يعطى ما يشتري به رأس ماله من النوع الذي يحسن التجارة والتصرف فيه، ويكون قدرهما يفي ربحه بكفايته غالبًا.
(فيشتري به عقارًا يستغله، والله أعلم) أي: إذا قلنا: يدفع إليه كفاية العمر الغالب، فليس المراد: دفع ما يكفيه عمره دفعة؛ لما في ذلك من الإضرار بالأصناف، وقد لا يتسع المال، بل ما ذكره؛ لأن ما يتحصل منه وإن كان شيئًا فشيئًا يكفيه عند حاجته، ولهذا قلنا في القادر على اكتساب ما يكفيه يومًا فيومًا: لا يصرف إليه من سهم الفقراء والمساكين ولو ملك ما يكفيه أقل من سنة أو من العمر الغالب ولا حرفة له، قال السبكي: الذي يظهر من كلام الأصحاب: أنه يعطى التكملة لسنة أو للعمر الغالب، ثم ذكر عن "الشافي" للجرجاني و"فتاوى البغوي" التصريح بذلك، وقد قدمنا عند تفسير المسكين عن "فتاوى البغوي" ما قد يخالفه، فليتأمل،

وَالْمُكَاتَبُ وَالْغَارِمُ: قَدْرَ دَيْنِهِ. وَابْنُ السَّبيلِ: مَا يُوصِلُهُ مَقْصدَهُ أَوْ مَوْضِعَ مَالِهِ. وَالْغَازِي: قَدْرَ حَاجَتِهِ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا وَمُقِيمًا هُنَاكَ وَفَرَسًا وَسِلَاحًا، وَيَصيرُ ذَلِكَ مِلْكًا لَهُ،

وقد راجعت كلام "فتاوى البغوي" فوجدته كالصريح فيما نقلناه عنه هناك، دون ما فهمه السبكي.
(والمكاتب والغارم: قدر دينه) ولا يجوز أن يزاد؛ لأن الدفع لهما للحاجة، حتى لو كان معهما البعض.. أعطيا التتمة فقط.
وإفراد المصنف الضمير مع العطف بـ (الواو) منتقد، وعبارة "المحرر": (قدر دينهما) 1. (وابن السبيل: ما يوصله مقصده) إن لم يكن له في طريقه إليه مال، (أو موضع ماله) إن كان له مال في طريقه، فإن كان معه بعض ما يكفيه.. كمل له كفايته ذهابًا، وكذا رجوعًا إن كان عازمًا على الرجوع، وليس له في المقصد ولا في طريقه ما يغنيه عن الزكاة، وقيل: إنما يعطى للرجوع عند العود لا ابتداءً، وهو أحوط إذا كان يتيسر إعطاؤه هناك.
(والغازي قدر حاجته ذاهبًا وراجعًا ومقيمًا هناك) 2 إلى الفتح وإن طال، بخلاف ابن السبيل؛ فإنه لا يعطى إلا لإقامة ثلاثة أيام، غير يومي الدخول والخروج، والفرق: أن اسم الغزو باق مع الإقامة، بخلاف ابن السبيل، والأصحُّ: أنه يعطى هو وابن السبيل جميع المؤنة، وقيل: ما زاد بسبب السفر.
(وفرسًا) إن كان ممن يقاتل فارسًا، (وسلاحًا) للحاجة إليه (ويصير ذلك ملكًا له) هذا إذا دفع إليه الثمن فاشترى ذلك لنفسه، أو دفع الإمام ذلك إليه تمليكًا إذا رأى ذلك، فإنه لا يتعين عليه دفعهما تمليكًا، بل الإمام -كما قال الرافعي- بالخيار؛ إن شاء دفع الفرس والسلاح إليه تمليكًا، وإن شاء استأجر له مركوبًا، وإن شاء اشترى خيلًا من هذا السهم ووقفها في سبيل الله، فيعيرهم إياها عند الحاجة، فإذا انقضت..

وَيُهَيَّأُ لَهُ وَلابْنِ السَّبيلِ مَرْكُوبٌ إِنْ كَانَ السَّفَرُ طَوِيلًا أَوْ كَانَ ضَعِيفًا لَا يُطِيقُ الْمَشْيَ، وَمَا يَنْقُلُ عَلَيْهِ الزَّادَ وَمَتَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْرًا يَعْتَادُ مِثْلُهُ حَمْلَهُ بِنَفْسِهِ. وَمَنْ فِيهِ صِفَتَا اسْتِحْقَاقٍ يُعْطَى بِإِحْدَاهُمَا فَقَطْ فِي الأَظْهَرِ.

استردت 1، قال: وفيه وجه: أنه لا يجوز أن يشتري لهم الفرس والسلاح قبل وصول المال إليهم، وقصرُ المصنف تبعًا للجمهور الكلام على مؤنة تعبه (قدر حاجته ذاهبًا وراجعًا) قد يفهم أنه لا يعطى نفقة عياله، وعن بعضهم أنه يعطى، قال الرافعي: وليس ببعيد 2، قال الأَذْرَعي: وصرح به الفارقي وابن أبي عصرون، لكن صرح المُصْعَبي في "شرح مختصر الجويني" بالمنع.
(ويهيأ له ولابن السبيل مركوب إن كان السفر طويلًا، أو كان ضعيفًا لا يطيق المشي) وإن كان قصيرًا؛ دفعًا لضرورته، فإن كان قصيرًا وهو قوي.. فلا.
وقضية كلامه تبعًا لـ "المحرر": أن المركوب: غير الفرس الذي يقاتل عليه، ولم يذكرا في "الشرح" و"الروضة" في الغازي غير الفرس، وذكرا تهيئة المركوب لابن السبيل فقط 3، وما اقتضاه كلام "الكتاب" صرح به المَحاملي في "المجموع"، ووجهه: توفير الفرس إلى وقت الحرب؛ إذ لو ركبها من دارنا إلى دار الحرب ربما كلت وعجزت عن الكر والفر حال المطاردة والقتال، لا سيما إذا بَعُدَ المغزى.
(وما ينقل عليه الزاد ومتاعه) لحاجته إليه (إلا أن يكون قدرًا يعتاد مثلُه حمله بنفسه) لانتفاء الحاجة.
ولم يتعرض المصنف لما يعطى للمؤلفة وللعامل، ويعطى للأول ما يراه الإمام، ويعطى الثاني: أجرة مثله.
(ومن فيه صفتا استحقاق) كالفقر والغرم (يعطى بإحداهما فقط في الأظهر) لأن الله تعالى عطف المستحقين بعضهم على بعض، والعطف يقتضي التغاير، والثاني: بهما؛ لاتصافه بهما.

فَصْلٌ [في القسمة بين الأصناف وما يتبعها]

يَجِبُ اسْتِيعَابُ الأَصْنَافِ إِنْ قَسَّمَ الإِمَامُ وَهُنَاكَ عَامِلٌ، وَإِلَّا.. فَالْقِسْمَةُ عَلَى سَبْعَةٍ، فَإِنْ فُقِدَ بَعْضُهُمْ.. فَعَلَى الْمَوْجُودِينَ.

وعلى هذا: يعطى بصفات أيضًا، وفيه احتمال للحناطي، وعلى الأول: إذا أخذ بالفقر أو الغرم فأخذه غريمه بدينه وبقي فقيرًا.. فلا بدَّ من إعطائه من سهم الفقراء؛ كما نقله في "زيادة الروضة" عن الشيخ نصر وأقره 1، وعلى الأول أيضًا: لو كان العامل فقيرًا هل يعطى بالفقر أيضًا؟ فيه وجهان، بناء على أن ما يأخذه أجرة أم صدقة، إن قلنا: أجرة.. جاز، وإلا.. فلا.

(فصل: يجب استيعاب الأصناف) الثمانية (إن قسم الإمام وهناك عامل) ولم يجعل الإمام له شيئًا من بيت المال؛ لأن الله تعالى أضاف الصدقة إليهم بـ (اللام)، وذلك يقتضي التعميم، وزكاة الفطر كغيرها على الصحيح، وقيل: يجوز إلى ثلاثة من الفقراء، واختاره السبكي، وحكى الرافعي عن اختيار صاحب "التنبيه" جواز صرفها إلى واحد، قال في "البحر": وأنا أفتي به.
(وإلا) أي: وإن قسم الإمام ولا عامل هناك (.. فالقسمة على سبعة) لسقوط سهم العامل كما لو فرق المالك بنفسه؛ فإنه يسقط قطعًا.
(فإن فقد بعضهم) من البلد وغيره (.. فعلى الموجودين) إذ المعدوم لا سهم له، قال ابن الصلاح: والموجود الآن أربعة: فقير ومسكين وغارم وابن سبيل، وشمل إطلاق المصنف صورتين: إحداهما: فَقْدُ صنف؛ كالمكاتبين، والثانية: فَقْدُ بعض صنف؛ بأن لا تجد منه إلا واحدًا أو اثنين، والصحيح المنصوص: أنه يصرف إلى الموجودين من المصنف؛ كما قاله في "زيادة الروضة" 2.

وَإِذَا قَسَّمَ الإِمَامُ.. اسْتَوْعَبَ مِنَ الزَّكَوَاتِ الْحَاصِلَةِ عِنْدَهُ آحَادَ كُلِّ صِنْفٍ. وَكَذَا يَسْتَوْعِبُ الْمَالِكُ إِنِ انْحَصَرَ الْمُسْتَحِقُّونَ فِي الْبَلَدِ وَوَفَّى بِهِمُ الْمَالُ، وَإِلَّا.. فَيَجِبُ إِعْطَاءُ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ. وَتَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الأَصْنَافِ، لَا بَيْنَ آحَادِ الصِّنْفِ، إِلَّا أَنْ يُقَسِّمَ الإِمَامُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ التَّفْضِيلُ مَعَ تَسَاوِي الْحَاجَاتِ.

(وإذا قسم الإمام) أو عامله إذا فوض إليه الصرف (.. استوعب من الزكوات الحاصلة عنده آحاد كل صنف) وجوبًا، لأنه لا يتعذر عليه الاستيعاب، ولا يلزمه أن يستوعب في زكاة كلِّ شخص جميع الآحاد، بل له أن يعطي زكاة شخص بكمالها لواحد، ويجوز أن يخص واحدًا بنوع وآخر بغيره، لأن الزكوات كلَّها في يده كزكاة واحد.
(وكذا يستوعب المالك) أو وكيله (إن انحصر المستحقون في البلد ووفَّى بهم المال) لتيسره، وهذا ما نقله الرافعي عن المتولي وأقره 1، ثم نقل عنه بعد صفحة ما يخالفه 2، كما سنذكره بعد.
(وإلا) أي: وإن لم ينحصروا، أو انحصروا ولم يوف المال بحاجتهم (.. فيجب إعطاء ثلاثة) فصاعدًا (من كل صنف) لأن الله تعالى أضاف الزكاة إليهم بلفظ الجمع، وأقله ثلاثة.
نعم، يجوز أن يكون العامل واحدًا، فيقتصر عليه، وكذا ابن السبيل على وجه.
(وتجب التسوية بين الأصناف) سواء قسم المالك أو الإمام وإن كانت حاجة بعضهم أشد، لأن الله تعالى جمع بينهم بواو التشريك، فاقتضى أن يكونوا سواء، ويستثنى: العامل، فلا يزاد على أجرة مثله.
(لا بين آحاد المصنف) إن قسم المالك، لأن الحاجات متفاوتة غير منضبطة، فاكتُفي بصدق الاسم.
(إلا أن يقسم الإمام، فيحرم عليه التفضيل مع تساوي الحاجات) لأن عليه التعميم، فكذا التسوية، بخلاف المالك فيهما، كذا نقله الرافعي عن "التتمة" حكمًا

وَالأَظْهَرُ: مَنع نَقْلِ الزَّكَاةِ.

وتعليلًا 1، وهو بإطلاقه مخالف لما سبق عنه قريبًا، وتابعاه عليه من وجوب الاستيعاب على المالك إذا انحصر المستحقون ووفَّى بهم المال، قال في "زيادة الروضة": وهذا التفصيل وإن كان قويًّا فهو خلاف مقتضى إطلاق الجمهور استحباب التسوية 2. وقضية كلام "شرح المهذب": أن المذهب: ما أطلقه الجمهور 3، وفي "المطلب" عن ابن داوود الصَّيْدَلاني استحباب التسوية أيضًا، وقال السبكي: تأملت إطلاق الجمهور التسوية فوجدت كلام أكثرهم في المالك دون الإمام، فلا مخالفة للمتولي فيما قاله، وهو المختار.
انتهى، وما قاله المتولي قاله أيضًا الماوردي 4 والبَنْدَنيجي وابن الصباغ 5. (والأظهر: منع نقل الزكاة) عن البلد الذي وجبت عليه فيه منع تحريم؛ لامتداد أطماع مساكين كلِّ بلدة إلى زكاة ما فيها من المال، والنقل يوحشهم، والثاني: الجواز؛ لإطلاق الآية، وقياسًا على الكفارة والنذر والوصية.
وفرق الأول: بأن الأطماع لا تمتد إليها امتدادها إلى الزكاة، وأفتى به ابن الصلاح وابن الفركاح 6 عند وجود مصلحة لأجل قريب ونحوه 7، وكلامه يفهم أن القولين في

وَلَوْ عُدِمَ الأَصْنَافُ فِي الْبَلَدِ.. وَجَبَ النَّقْلُ، أَوْ بَعْضُهُمْ وَجَوَّزْنَا النَّقْلَ.. وَجَبَ، وَإِلَّا.. فيُرَدُّ عَلَى الْبَاقِينَ، وَقِيلَ: يُنْقَلُ.

التحريم، لكن الأصحّ: أنهما في الإجزاء، ولا خلاف في التحريم، وقيل: هما في التحريم ويجزئ قطعًا، وقيل: فيهما.
والأصحُّ: طرد الخلاف في النقل إلى مسافة القصر ودونها؛ كما اقصاه إطلاقه، وقضية إطلاقه أيضًا: أنه لا فرق بين الإمام وغيره، وقال الرافعي: هذا في المالك، أما إذا فرق الإمام.. فربما اقتضى كلامهم طرد الخلاف فيه، وربما دل على جواز النقل والتفرقة كيف شاء، وهذا أشبه، زاد في "الروضة" قال صاحب "المهذب" والإمام: يجب على الساعي نقل الصدقة إلى الإمام إذا لم يأذن له في تفرقتها، وهذا نقل 1، ورجح في "شرح المهذب" الجواز، فقال: الأصحُّ الذي تقتضيه الأحاديث: جواز النقل للإمام والساعي 2. ويستثنى من منع النقل صور: إحداها: إذا كان له بكلِّ بلد عشرون شاة.. فالأصحُّ: جواز إخراج شاة في أحدهما حذرًا من التشقيص، الثانية: أن يحول الحول والمال ببادية؛ فإنه يفرقها على من في أقرب البلاد إليه، الثالثة: إذا فارق المستحقون أو بعضهم بلد المال.. فله النقل اعتبارًا بالأخذ لا البقعة، نقله الإمام، قال: ومنعه بعضهم عند انتقال بعضهم، فإن في المقيمين مَقنَعًا، وهذا فاسد لا أصل له.
انتهى.
(ولو عدم الأصناف في البلد.. وجب النقل) إلى أقرب البلاد، فإن نقل إلى أبعد.. فعلى الخلاف في نقل الزكاة، (أو بعضهم) من البلد ووجد في غيره (وجوزنا النقل.. وجب) النقل إلى ذلك المصنف بأقرب بلد، وهذا في غير العامل، أما هو.. فنصيبه يرد على الباقين.
(وإلا) أي: وإن لم يجوز النقل (.. فيرد على الباقين) وجوبًا؛ لأن عدم الشيء في موضعه كالعدم المطلق، فإن نقل.. ضمن، (وقيل: ينقل) حتمًا إلى أقرب بلد؛ لأن استحقاق الأصناف منصوص عليه، فيقدم على رعاية المكان الثابت

وَشَرْطُ السَّاعِي كَوْنُهُ: حُرًّا، عَدْلًا، فَقِيهًا بِأَبْوَابِ الزَّكَاةِ، فَإِنْ عُيِّنَ لَهُ أَخْذ وَدَفْعٌ.. لَمْ يُشْتَرَطِ الْفِقْهُ. وَلْيُعْلِمْ شَهْرًا لِأخْذِهَا.

بالاجتهاد، فإن تعداه أو رد على الباقين.. ضمن، وجعل في "الكفاية" محلَّ الخلاف: إذا لم يكف الباقين نصيبهم، وإلا.. فيجب النقل قطعًا 1، وخص الماوردي الخلاف بغير الغزاة، وجزم فيهم بالنقل إلى موضعهم، لأنهم يكثرون في الثغور ويقلون في غيرها 2. (وشرط الساعي: كونه حرًا، عدلًا) لأنها ولاية، فكانا من شرطها كغيرها من الولايات، ويشترط: كونه ذكرًا، فلا تكون المرأة عاملة، كما ذكراه في "الشرح" و"الروضة" في الكلام على الفقير 3، وألا يكون من ذوي القربى ومواليهم والمرتزقة في الأصحِّ إذا أخذ من الزكاة، فإن فوض إلى بعض ذوي القربى، ورزقه من المصالح.. جاز؛ كما قاله الماوردي في "الأحكام السلطانية" 4. (فقيهًا بأبواب الزكاة) فيما تضمنته ولايته، كما قيده الماوردي؛ ليعلم ما يأخذ وما يترك.
(فإن عُين له أخذٌ ودفع.. لم يشترط الفقه) لأنها سفارة لا ولاية، وقضيته: اعتبار ما عداه من الشروط، لكن نقلا عن الماوردي أنه لا يشترط أيضًا الإسلام والحرية 5، قال في "الروضة": وفي عدم اشتراط الإسلام نظر 6، وقال في "شرح المهذب" المختار اشتراطه 7، وقضيته: موافقته على عدم اشتراط الحرية.
(وليعلم) الساعي أو الإمام (شهرًا لأخذها) ندبًا، وقيل وجوبًا؛ ليتهيأ أرباب

وَيُسَنُّ وَسْمُ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَالْفَيْءِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَكْثُرُ شَعْرُهُ، وَيُكْرَهُ فِي الْوَجْهِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: تَحْرِيمُهُ، وَبِهِ جَزَمَ الْبَغَوِيُّ، وَفِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" لَعْنُ فَاعِلِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

الأموال لدفعها، والمستحقون لأخذها، والمُحَرَّم أولى؛ لأنه أول العام، هذا فيما يعتبر فيه العام، فإن لم يكن؛ كالزرع والثمار.. فيبعث وقت وجوبها؛ وهو في الزرع عند الاشتداد، وفي الثمار عند بدو الصلاح، قاله الجرجاني وغيره.
(ويسن وَسمُ نَعم الصدقة والفيء) للاتباع؛ كما في "الصحيحين" 1. والمعنى فيه: التمييز؛ ليردها من وجدها، وليعرفها المتصدق، فلا يتملكها بعد؛ لأنه يكره أن يتصدق بشيء ثم يشتريه؛ كما نص عليه 2، أو يملكه بالهبة ممن دفعه إليه؛ كما ذكره في "زوائد الروضة" 3، ولا بأس بتملكه منه بالإرث.
(في موضع لا يكثر شعره) ليظهر، والأولى وَسْمُ الغنم في الأذن، والباقي في الفخذ، ويكون ميسم الغنم ألطف، وفوقه البقر، وفوقه الإبل، (ويكره في الوجه) للنهي عنه.
(قلت: الأصحُّ: تحريمه، وبه جزم البغوي 4، وفي "صحيح مسلم" لعن فاعله 5، والله أعلم) قال في "المهمات": وقد نص عليه أيضًا الشافعي في "الأم" فقال: والخبر عندنا يقتضي التحريم 6، فينبغي رفع الخلاف وحمل الكراهة على التحريم، أو أن قائله لم يبلغه الخبر، قال في "شرح المهذب": وهذا في غير الآدمي، أما الآدمي.. فوسمه حرام إجماعًا.

فَصْلٌ [في صدقة التطوع]

صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ سُنَّةٌ، وَتَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَكَافِرٍ، وَدَفْعُهَا سِرًّا وَفِي رَمَضانَ وَلِقَرِيبٍ وَجَارٍ أَفْضَلُ.

(فصل: صدقة التطوع سنة) لقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾، والأخبار في ذلك كثيرة شهيرة، منها: "كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ" صححه ابن حبان والحاكم 1. (وتحل لغني) ولو من ذوي القربى على المشهور، ففي "الصحيح": "تُصدِّقَ عَلَى غَنِيٍّ -وفيه- لَعَلَّهُ أَنْ يَعْتَبرَ فَيُنْفِقَ مِمَّا أَعْطَاهُ الله" 2. وتعبيره بالحل قد يفهم أنه لا يكره أخذها، وليس كذلك، والحل مقيد بأمرين، أحدهما: ألا يظهر الفاقة، وإلا.. فيحرم، كما جزم به في "البيان" واستحسنه المصنف 3، الثاني: ألا يظن الدافع فقره، فإن أعطاه ظنًّا لحاجته.. ففي "الإحياء": إن علم الآخذ ذلك.. لم تحل له، وكذا إذا دفع لعلمه أو صلاحه أو نسبه.. لم يحل له إلا أن يكون صادقًا في نسبه، وفي العلم كما اعتقده، وألا يكون من ظُنَّ دينه فاسقًا في الباطن فسقًا لو علم به لما أعطاه 4. ومحلُّ ما ذكره المصنف: ما إذا أعطاه من غير سؤال، أما السؤال.. فيحرم على الغني بالمال، وكذا بالكسب على الأصحِّ.
(وكافر) ففي "الصحيح": "فِي كُلِّ كَبدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ" 5، وحديث: "لَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ" 6، المراد به: الأَولى، وهذَا فيمن له عهد أو ذمة، بخلاف الحربي.
(ودفعها سرًّا وفي رمضان ولقريب وجار أفضل) للأخبار الشهيرة الحاثة على

جارٍ التحميل