بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 307-347

شَرْطُ الْمُعِيرِ: صِحَّةُ تَبَرُّعِهِ،

(كتابُ العاريَّة) هي بتشديد الياء وتخفيفها، أصلها من عَارَ: إذا ذهب وجاء، ومنه قيل للغلام الخفيف: عيّار؛ لكثرة ذهابه ومجيئه.
وقولُ الجوهري: إنها مشتقة من العار 1 معترض؛ لأنه صلى الله عليه وسلم فعلها 2. قال ابن الرفعة: وحقيقة العارية شرعًا: إباحة الانتفاع بما يحلُّ الانتفاع به مع بقاء عينه؛ ليردَّها عليه 3. وهي مستحبة؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾؛ فإن جمهور المفسّرين على أن المراد بذلك: ما يستعيره الجيران بعضُهم من بعض، قاله في "المحرر" 4. وكانت واجبةً في أول الإسلام 5، وقد فعلها عليه السلام 6، وأفتى الزبيري: بوجوب إعارة ما كُتِب عليه طبقة السماع؛ لينقل السامع منه.
(شرطُ المعير: صحةُ تبرعه) لأن الإعارة تبرع، فمن لا يتبرع؛ كالمكاتب وغيره من المحجورين.. لا يعير.
وكان ينبغي أن يقول: (تبرع ناجز) لأن السفيه أهلٌ للتبرع بالوصية ولا تصحُّ عاريته.
نعم؛ قال الماوردي: يجوز له إعارة بدنه إذا كان عمله ليس مقصودًا في كسبه؛

وَمِلْكُهُ الْمَنْفَعَةَ، فَيُعِيرُ مُسْتَأْجرٌ لَا مُسْتَعِيرٌ عَلَى الصَّحِيح، وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ مَنْ يَسْتَوْفِي الْمَنْفَعَةَ لَهُ

لاستغنائه عنه بماله 1، وردّه السبكي: بأن ذلك لا يسمّى عاريةً؛ لأن بدنه في يده.
(وملكُه المنفعةَ) وإن لم يملك الرقبة؛ لأن الإعارة تَرِدُ على المنفعة دون الرقبة.
نعم؛ إذا نذر هديًا أو أضحيةً.. له أن يعيره مع أنهما خرجا عن ملكه، وكذا إعارة الإمام ما لبيت المال من أرض وغيرها؛ لأن له التمليكَ، فالإعارة أولى، قاله الإسنوي 2، وأورد أيضًا: صحة إعارة كلب الصيد، فلو قال: (أو اختصاصه بها).. لشمل ذلك.
وقضية كلام المصنف: أنه ليس للأب أن يعير ولده الصغير، وكذا أطلقه صاحب "العدة"، قال في "زيادة الروضة": وينبغي حمله على خدمة تقابَلُ بأجرة، وأما ما لا يقابَلُ بأجرة لحقارته.. فالظاهر الذي يقتضيه أفعال السلف: أنه لا منع منه إذا لم يضرَّ بالصبي.
انتهى 3. وقال في "البحر": يجوز أن يعير ولده الصغير ليخدم من يتعلم منه 4، ويؤيده: قصة أنس رضي الله عنه 5. (فيعير مستأجرٌ) لأنه مالك المنفعة (لا مستعيرٌ على الصحيح) لأنه غير مالك لها، وإنما أبيح له الانتفاع، ولهذا لا يؤجرِّ، والثاني: يعير؛ كما للمستأجر أن يؤجِّر.
ومحل المنع: ما لم يأذن المالك، فإن أذن.. جاز.
(وله أن يستنيب من يستوفي المنفعةَ له) كما إذا استعار دابة للركوب.. فله أن يُركبَها وكيلَه الذي هو مثله أو دونه في حاجته؛ لأن الانتفاع راجع إليه بواسطة المباشرة.

وَالْمُسْتَعَارِ: كَوْنُهُ مُنْتَفَعًا بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، وَيَجُوزُ إِعَارَةُ جَارِيَةٍ لِخِدْمَةِ امْرَأَة أَوْ مَحْرَمٍ،

ولم يذكر المصنف شرط المستعير، وقال الماوردي: كلُّ من صحَّ منه قبولُ الهبة.. صحَّ منه طلبُ العارية، ومن لا يصحُّ منه طلبُها.. لا يصحُّ منه قبولُها 1. وأورد عليه: السفيه؛ فإنه يقبل الهبة والوصيَّة ولا تصحُّ الإعارة منه؛ كما صرح به المَحاملي ومُجَلِّي.
(و) شرطُ (المستعارِ: كونُه منتفَعًا به) انتفاعًا مباحًا، فلا يصحُّ إعارة الملاهي والأمةِ المشتهاةِ للخدمة لغير من سيأتي.
وكان ينبغي أن يقول: (منفعةً قوية) ليخرج النقد؛ فإنه لا يجوز إعارته للتزيين عند الإطلاق على الأصحِّ؛ لأنها منفعة ضعيفة، ومعظم منافعه في الإنفاق، فإن صرّح بالتزيين.. قال الرافعي: فينبغي أن تصحَّ؛ لأنه اتخذ هذه المنفعةَ مَقْصِدًا، وبه أجاب في "التتمة" 2. (مع بقاء عينه) فلا يجوز إعارة الشمعة والسراج الموقود والأطعمة؛ فإن منفعتها باستهلاكها.
(ويجوز إعارة جارية لخدمة امرأة أو مَحْرَم) لعدم المحذور في ذلك، وكذا إعارتُها لزوجها؛ كما ذكره المصنف في "التصحيح" 3، قال الإسنوي: وكذا لمالكها، ويتصور ذلك في المستأجر 4. وخرج بـ (الخدمة): الاستمتاع؛ فإنه حرام، وبـ (المَحْرَم): الأجنبي، لكن صحح في "الروضة": جوازَ إعارته الصغيرةَ التي لا تُشتهى، والقبيحةَ 5، ورجح في "الشرح الصغير": المنعَ، قال الإسنوي تبعًا للسبكي: والمتجه: التفرقة، فيجوز في الصغيرة دون الكبيرة؛ لجواز الخلوة بالطفلة 6، ولو كان المستعير أو

وَيُكْرَهُ إِعَارَةُ عَبْدٍ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ. وَالأَصحُّ: اشْتِرَاطُ لَفْظٍ؛ كَـ (أَعَرْتُكَ) وَ (أَعِرْني)، وَيَكْفِي لَفْظُ أَحَدِهِمَا مَعَ فِعْلِ الآخَرِ، وَلَوْ قَال: (أَعَرْتكُهُ لِتَعْلِفَهُ) أَوْ (لِتُعِيرَنِي فَرَسَكَ).. فَهُوَ إِجَارَةٌ فَاسِدَةٌ تُوجِبُ أُجْرَةَ الْمِثْلِ

المستعار خنثى.. امتنع على الصحيح، أخذًا بالاحتياط.
(ويكره إعارة عبد مسلم لكافر) لأن فيها امتهانًا، وقيل: يحرم، وحمل في "المطلب": التحريمَ على الإعارة للخدمة، والكراهةَ على غيرها، واختار السبكي: التحريم مطلقًا، لما فيه من الاستيلاء، وليس كالإجارة" فإنه يؤمر فيها بإزالة ملكه عن المنفعة على الأصحِّ، والمستعرِ لا يعير، فتفسد.
(والأصحُّ: اشتراط لفظ، كـ "أعرتُك"، و"أعرني"، ويكفي لفظ أحدهما مع فعل الآخر) قياسًا على إباحة الطعام، فإن اللفظ من أحدهما شرط، والثاني: لا يعتبر اللفظ في واحد منهما، حتى لو رآه عاريًا فأعطاه قميصًا فلبسه.. كان ذلك إعارة 1. ويستثنى من اشتراط اللفظ: ما إذا اشترى شيئًا وسلّمه له في ظرف.. فالظرف معار في الأصحِّ، وما إذا أكل المُهدى إليه الهديةَ في ظرفها.. فيجوز وهو معار، قاله أبو عاصم العبّادي والبغوي 2، قال في "زيادة الروضة": محله: ما إذا كانت الهدية لا لمقابل، فإن كانت عوضًا.. فالظرف أمانة في يده؛ كالإجارة الفاسدة؛ كذا حكاه المتولي عن أبي عاصم 3. (ولو قال: "أعرتُكَهُ لتعلِفَه" أو "لتعيرني فرسك".. فهو إجارة فاسدة تُوجب أجرةَ المثل) لجهالة العلف والمدة، والتعليقِ في الثانية، وصحح في "المطلب": أنه عارية فاسدة؛ نظرًا إلى اللفظ، فلا تجب أجرة، ثم قال: وفيه بُعْدٌ؛ لأنه لم تبذل المنفعة مجانًا.

وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ. فَإِنْ تَلِفَتْ لَا بِاسْتِعْمَالٍ.. ضَمِنَهَا وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ، وَالأَصحُّ: أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ مَا يَنْمَحِقُ أَوْ يَنْسَحِقُ بِاسْتِعْمَالٍ، وَالثَّالِثُ: يَضْمَنُ الْمُنْمَحِقَ.

(ومؤنةُ الردِّ على المستعير) 1؛ لحديث: "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ" حسنه الترمذي، وصححه الحاكم 2. (فإن تَلِفت) العين المستعارة الا باستعمال.. ضَمِنها وإن لم يفرِّط) لأنه صلى الله عليه وسلم استعار أدراعًا يوم حنين من صفوان بن أمية، فقال: أغصبٌ يا محمد؟ فقال: "لَا، بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ" رواه أبو داوود 3. وفي كيفية الضمان خلافٌ ذكره المصنف آخر الباب.
وخرج بعدم الاستعمال: ما إذا تَلِفت به، وسيأتي.
وسكت المصنف عن ضمان الأجزاء، والأصحُّ: أنه كالعين، ولو استعار بشرط أن المستعار أمانة.. فالشرط لاغٍ.
(والأصحُّ: أنه لا يضمن ما ينمحق أو ينسحق باستعمال) لحدوثه عن سبب مأذون فيه، والثاني: أنه يضمن؛ للحديث المارّ: "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ"، فإذا تعذر الردّ.. ضَمِنه.
(والثالث: يضمن المنمحق) دون المنسحق؛ لأن مقتضى العارية الردُّ، ولم يوجد مردود في المنمحق، فضمنه، بخلاف المنسحق، ويكون الضمان في آخر حالات التقويم.
والانمحاق: هو التلف بالكليّة؛ كلبس الثوب حتى يبلى، والانسحاق: هو النقصان، وموتُ الدابة كا لانمحاق، وعَقْرُها وعَرَجها كالانسحاق.
وقوله: (باستعمال) أي: مأذونٍ فيه، فإن تَلِفت باستعمالٍ غيرِ مأذون فيه.. ضَمِنها قطعًا؛ كما لو أعاره قميصًا ليلبَسَه فاتزر به.

وَالْمُسْتَعِيرُ مِنْ مُسْتَأْجِرٍ لَا يَضْمَنُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ تَلِفَتْ دَابَّتُهُ فِي يَدِ وَكِيلٍ بَعَثَهُ فِي شُغْلِهِ أَوْ فِي يَدِ مَنْ سَلَّمَهَا إِلَيْهِ لِيُرَوِّضهَا.. فَلَا ضَمَانَ. وَلَهُ الانْتِفَاعُ بِحَسَبِ الإِذْنِ، فَإِنْ أَعَارَهُ لِزرَاعَةِ حِنْطَةٍ.. زَرَعَهَا وَمِثْلَهَا إِنْ لَمْ يَنْهَهُ، أَوْ لِشَعِيرٍ.. لَمْ يَزْرَعْ فَوْقَهُ كَحِنْطَةٍ، وَلَوْ أَطْلَقَ الزِّرَاعَةَ.. صَحَّ فِي الأَصَحِّ وَيَزْرَعُ مَا شَاءَ. وَإِذَا اسْتَعَارَ لِبنَاءٍ أَوْ غِرَاس.. فَلَهُ الزَّرْعُ وَلَا عَكْس

(والمستعيرُ من مستأجِر لا يضمن في الأصحِّ) لأن يده نائبة عن يدٍ غيرِ ضامنة، والثاني: يضمن؛ كالمستعير من المالك.
ويجري الخلاف: في المستعير من الموصى له بالمنفعة ومن الموقوف عليه.
ومؤنة الردِّ في هذه الاستعارة على المستعير إن ردَّ على المستأجر، وعلى المالك إن ردَّ عليه، كما لو ردَّ عليه المستأجر، فيستثنى ذلك من قوله أوّلًا: (ومؤنة الردِّ على المستعير).
(ولو تَلِفت دابته في يد وكيلٍ بعثه في شُغله، أو في يد من سلّمها إليه ليروِّضها) أي: يعلّمَها السير (.. فلا ضمان) لأنه لم يأخذها لغرض نفسه.
(وله الانتفاع بحسب الإذن) لأنه وَضْعُ العارية، (فإن أعاره لزراعة حنطة.. زرعها) لإذنه فيها (ومثلَها) لأن رضاه بالحنطة رضًا بمثلها، وله زرع الشعير من باب أولى؛ لأنه أخفّ ضررًا من القمح، لا الذُّرَةِ والقطنِ، لزيادة ضررهما (إن لم ينهه) أي: فإن نهاه عن زراعة المثل أو الأدون.. امتنعا عليه؛ اتباعًا لنهيه، ولو عيّن نوعًا ونهى عن غيره.. امتثل؛ كما صرح به في "المحرر" 1. (أو لشعير.. لم يزرع فوقه؛ كحنطة) لأن ضررها أكثر من ضرره.
(ولو أطلق الزراعة) بأن قال: (أعرتُكَها للزراعة) أو (لتزرعها) (.. صحَّ في الأصحِّ، ويزرع ما شاء) لإطلاق اللفظ، والثاني: لا يصحُّ، لتفاوت المزروع.
قال الرافعي: ولو قيل: تصحُّ ويقتصر على أخفها ضررًا.. لكان مذهبًا 2. (وإذا استعار لبناء أو) غرسِ (غراس.. فله الزرع) لأنه أخفّ، (ولا عكسَ)

وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يَغْرِسُ مُسْتَعِيرٌ لِبنَاءٍ وَكَذَا الْعَكْسُ، وَأَنَّهُ لَا تَصِحُّ إِعَارَةُ الأَرْضِ مُطْلَقَة، بَلْ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ نَوْعِ الْمَنْفَعَةِ.

لأن ضررهما أكثر، ويُقصَد منهما الدوام.
(والصحيح: أنه لا يغرس مستعير لبناء، وكذا العكس) أي: لا يبني مستعير لغراس؛ لاختلاف جنس الضرر؛ فإن ضرر البناء في ظاهر الأرض آكدُ من باطنها، والغراس بالعكس؛ لانتشار العروق، والثاني: يجوز؛ لأنهما للتأبيد.
(وأنه لا تصحُّ إعارة الأرض مطلقةً، بل يشترط تعيين نوع المنفعة) قياسًا على الإجارة، والثاني: تصحُّ، ولا يضر ما فيها من الجهالة، لأن العارية يحتمل فيها ما لا يحتمل في الإجارة.
وقضية كلامه: ضعف الخلاف، وليس كذلك؛ فإن الرافعي في "شرحيه" لم يرجّح هنا شيئًا 1، وعبارة "الروضة": أصحهما عند الإمام والغزالي: المنع، ثم نقل في "زيادته" تصحيحه عن "المحرر" 2، لكن إيراد "المطلب" يقتضي: أن الأكثرين على الصحة، واختاره السبكي.
وإذا قلنا بالصحة.. فله الانتفاع كيف شاء، وقيل: ينتفع بما هو العادة فيه، قال الرافعي: وهو أحسن، ثم قال: والوجه: القطع بأن إطلاق العارية لا يسلط على الدفن؛ لما فيه من ضرر اللزوم 3. هذا كلُّه: إذا كان المستعار يُنتفع به من جهتين فصاعدًا؛ كالأرض والدابة، أما إذا كان لا ينتفع به إلا بجهة واحدة؛ كالبِساط بالفُرُش.. فإنه لا يحتاج في إعارته إلى بيان الانتفاع، ويستعمل في ذلك بالمعروف 4.

فَصْلٌ [في رد العارية]

لِكُلٍّ مِنْهُمَا رَدُّ الْعَارِيَةِ مَتَى شَاءَ إِلَّا إِذَا أَعَارَ لِدَفْنٍ.. فَلَا يَرْجِعُ حَتَّى يَنْدَرِسَ أَثَرُ الْمَدْفُونِ

(فصل: لكلٍّ منهما ردُّ العارية متى شاء) ولو مؤقتةً قبل فراغ المدة في الأصحِّ، لأنها مَبَرَّةٌ من المعير وارتفاقٌ من المستعير، فلا يليق بها الإلزام.
(إلا إذا أعار لدَفْن) ودَفَنَ (.. فلا يرجع حتى يندرس أثر المدفون) بأن يصير ترابًا؛ محافظة على حرمة الميت، وله الرجوع قبل الحفر وبعده ما لم يُوضَع فيه الميت، فإن وُضِع.. امتنع الرجوع وإن لم يوارَ على الصحيح في "الشرح الصغير".
وقوله: (حتى يندرس أثر المدفون): هو أول جوابَي القاضي الحسين، وآخرهما: أنه لا يجوز له أن يرجع قط، لأن الدفن للتأبيد، قاله في "المطلب".
وأُورد على حصره مسائلُ: منها: إذا كفّنه أجنبي وقلنا: إن الكفن باقٍ على ملك الأجنبي؛ كما صححه المصنف في (كتاب السرقة) من "زيادة الروضة" 1.. فهو عارية لازمة، كما قاله في "الوسيط" 2. ومنها: إذا قال: (أعيروا داري بعد موتي لزيد شهرًا).. لم يكن للمالك -وهو الوارث- الرجوعُ، كما صرّحا به في (التدبير) 3. ومنها: لو أعاره سفينة فوضع فيها متاعًا.. لم يكن له الرجوع ما دامت في اللُّجَّة، للضرر، قا له البَنْدَنيجي والروياني 4، وفي استثنائها نظر.
ومنها: ما لو أعاره دابة أو سلاحًا ونحوَهما للغزو والتقى الجمعان.. فليس له الرجوع حتى ينكشف القتال، قاله الخفّاف في "الخصال".

وإِذَا أَعَارَ لِلْبنَاءِ أَوِ الْغِرَاسِ وَلَمْ يَذْكُرْ مُدَّةً ثُمَّ رَجَعَ؛ إِنْ كَانَ شَرَطَ الْقَلْعَ مَجَّانًا.. لَزِمَهُ، وَإِلَّا؛ فَإِنِ اخْتَارَ الْمُسْتَعِيرُ الْقَلْعَ.. قَلَعَ،

ومنها: إذا نذر المعير ألا يرجع إلا بعد سنة، أو نذر أن يعيره سنة.. امتنع الرجوع قبل السنة، قاله المتولي.
ومنها: لو استعار دارًا لسكنى المعتَدَّة.. فهي لازمة من جهة المستعير فقط.
ومنها: لو أراد الصلاة المفروضة فأعاره ثوبًا ليستر به عورته أو ليفرشه في مكان نجس ففعل وكان الرجوع مؤديًا إلى بطلان صلاته.. قال الإسنوي: فيحتمل: منعه منه، وهو متجه، ويحتمل: الجواز، وتكون فائدته طلبَ الأجرة.
انتهى 1. ونقل الزركشي في "الخادم" عن "البحر": أنه ليس للمعير الاستردادُ ولا للمستعير الردُّ إلا بعد فراغ الصلاة.
انتهى.
وفي "شرح المهذب" في آخر (باب ستر العورة): (ولو رجع المعير في أثناء الصلاة.. نزعه وبنى على صلاته، ولا إعادة عليه بلا خلاف، ذكره صاحب "الحاوي" وغيره) 2. (وإذا أعار للبناء أو) لغرس (الغراس ولم يذكر مدةً ثم رجع) بعد أن بنى وغرس (إن كان شَرَطَ القلع مجّانًا.. لزمه) عملًا بالشرط، ويلزم المستعيرَ أيضًا تسويةُ الحفر إن شرطها، وإلا.. فلا.
ولم يذكر الشافعي في "الأم" و"المختصر" لفظةَ (مجانًا) 3، وحذفُها أولى؛ لأن الحكم عند حذفها كذلك، وقد حذفاها في نظيره من (الإجارة) 4. واحترز بقوله: (ولم يذكر مدة) عن العارية المؤقتة، وستأتي بعد.
(وإلا) أي: وإن لم يشرِط عليه القلع (فإن اختار المستعير القلع.. قلع) بلا أرش؛ لأنه ملكُه وقد رضي بنقصانه.

وَلَا يَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الأَرْضِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: يَلْزَمُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ.. لَمْ يَقْلَعْ مَجَّانًا، بَلْ لِلْمُعِيرِ الخِيَارُ بيْنَ أَنْ يُبْقِيَهُ بِأُخرَةٍ، أَوْ يَقْلَعَ وَيَضْمَنَ أَرْشَ نَقْصِهِ، قِيلَ: أَوْ يَتَمَلَّكَهُ بِقِيمَتِهِ

(ولا يلزمه تسويةُ الأرض في الأصحِّ) لأنه مأذون فيه، فلم يلزمه ضمان نقصه؛ كاستعمال الثوب المستعار.
(قلت: الأصحُّ: يلزمه، والله أعلم) ليردَّ كما أخذ.
ومحل الخلاف: فيما إذا كانت الحُفَرُ الحاصلةُ في الأرض على قدر الحاجة، فإن كانت زائدةً على حاجة القلع.. لزمه حكم الزائد قطعًا؛ كذا قاله ابن الملقن 1، وهو ظاهر.
(وإن لم يختر) القلع (.. لم يَقلع مجّانًا) لأنه محترم، (بل للمعير الخيار بين أن يُبقيَه بأجرة) أي: أجرةِ مثله (أو يقلعَ ويضمنَ أرش نقصه)، وهو قدر التفاوت ما بين قيمته قائمًا ومقلوعًا؛ لأن العارية مَكْرُمة، فلا يليق بها منعُ المعير من ماله، ولا تضييعُ مال المستعير، فجمعنا بذلك بين الحقّين، وخُيّر المعير؛ لأنه المحسن.
ومحل التخيير: إذا كان في القلع تنقيص، وإلا.. تعيّن القلع؛ كما اقتضاه كلام "الشرح" و"الروضة" وجزم به في "المهذب" و"الاستقصاء" 2. ومحله أيضًا: في الأرض الخالصة للمعير، أما لو كان شيء منها للمستعير.. لم يكن للمعير إلا التبقيةُ بأجرة، حكياه عن المتولي وأقرّاه 3. (قيل: أو يتملَّكَه بقيمته) حالَ التملك، ووجه مقابله: أن ذلك بيع فلا بدَّ فيه من التراضي.
وما ذكره من التخيير بين التبقية بالأجرة وبين القلع مع غرامة الأرش دون التملك بالقيمة تبعًا لـ "المحرر".. لا يعرف في غيرهما 4، إلا ما يوهمه كلام "التنبيه" 5،

فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ.. لَمْ يَقْلَعْ مَجَّانًا إِنْ بَذَلَ الْمُسْتَعِيرُ الأُجْرَةَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَبْذُلْهَا فِي الأَصَحِّ، ثُمَّ قِيلَ: يَبِيعُ الْحَاكِمُ الأَرْضَ وَمَا فِيهَا وَيقْسِمُ بَيْنَهُمَا، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُعْرِضُ عَنْهُمَا حَتَّى يَخْتَارَا شَيْئًا،

ولم يذكراه في باقي كتبهما وجهًا فضلًا عن ترجيحه؛ فإن حاصلَ ما في "الشرحين" و"الروضة": ثلاثةُ أوجه 1: أصحها في هذا الباب: يتخير بين التملك بالقيمة والقلعِ بالأرش، وليس له الإبقاء بأجرة إلا برضا المستعير، وهو المجزوم به في "الكتاب" في (الفلس)، والثاني: يتخير بين الثلاث، وهو ما أجابا به في مواضع 2، والثالث: له القلع وغرامة أرش النقص، وأما الخصلتان الباقيتان.. فلا يجبر المستعير عليهما.
ولو كان على الأشجار ثمر بدا صلاحه تأخر التخيير بين الخصال إلى الجداد، نقله في "الكفاية" عن القاضي والإمام وأقرّه 3. (فإن لم يختر) المعير واحدةً من الخصال التي خُيّر فيها (.. لم يَقلع مجّانًا إن بذل المستعير الأجرة) لأنه غير ظالم.
(وكذا إن لم يبذلها في الأصحِّ) لأن المعير مقصِّرٌ بترك الاختيار راضٍ بإتلاف منافعه، والثاني: يقلع مجّانًا، لأن العارية قد انتهت بالرجوع، فلا بدَّ من الأجرة في مقابلة الانتفاع.
(ثم) حيث لم يختر المعير إحدى الخصلتين المخيَّر بينهما 4، ولم يقلعه مجّانا (قيل: يبيع الحاكم الأرض وما فيها ويقسِم بينهما) فصلًا للخصومة، وفي كيفية التوزيع الخلافُ السابق في رهن الأم دون ولدها.
(والأصحُّ: أنه يُعرِض عنهما حتى يختارا شيئًا) لأن المستعير لا تقصير منه، فكيف يزال ملكه بغير اختياره؟ ! وأما المعير.. فالتقصيرُ وإن كان منه لكن ضرره عليه

وَلِلْمُعِيرِ دُخُولُهَا وَالانْتِفَاعُ بِهَا، وَلَا يَدْخُلُهَا الْمُسْتَعِيرُ بِغَيرِ إِذْنٍ لِتَفَرُّجٍ، وَيَجُوزُ لِلسَّقْيِ وَالإِصْلَاحِ فِي الأَصَحِّ، وَلِكُلٍّ بَيع مِلْكِهِ، وَقِيلَ: لَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ بَيْعُهُ لِثَالِثٍ. والْعَارِيَةُ الْمُؤَقَّتَةُ كَالْمُطْلَقَةِ،

وقادرٌ على إزالته، فبأي سبب نزيل ملكه؟ ! وإنما يتصرف الحاكم عن الغير إذا تعدى الضرر إلى غيره، كطلاق امرأة المولي وبيعِ أموال المديون الممتنع عن الوفاء.
وقوله: (حتى يختارا): كذا هو في نسخة المصنف تبعًا لـ "المحرر" بالتثنية 1، وفي أكثر نسخ "الشرحين" وفي "الروضة" بخط المصنف: (يختار) بغير ألف 2، وصُحّح بخطه على موضع سقوط الألف، وهو الأحسن؛ لأن اختيار المعير كافٍ في فصل الخصومة.
ثم ذكر المصنف ما يترتب على الوجه الأصحِّ -وهو الإعراض عنهما إلى الاختيار- فقال: (وللمعير دخولها والانتفاع بها) في مدة المنازعة، لأنها ملكه، (ولا يدخلها المستعير بغير إذن لتفرج) لأنه لا ضرورة به إليه، فكان كالأجنبي.
(ويجوز للسقي والإصلاح في الأصحِّ) صيانةً لملكه عن الضياع، والثاني: لا؛ لأنه يشغل ملك غيره إلى أن يصل إلى ملكه.
(ولكلٍّ) من المعير والمستعير (بيعُ ملكه) من صاحبه ومن أجنبي؛ كسائر الأملاك، فإن باع المعير لأجنبي.. يخير المشتري كما يتخير البائع، وإن باع المستعير.. كان المعير على خيرته، لكن للمشتري الفسخ إن جَهِل الحال، (وقيل: ليس للمستعير بيعه لثالث) لأن ملكه غيرُ مستقر، فإن للمعير تملّكَه بالقيمة.
وأجاب الأول عنه: بأن هذا لا يمنع البيع، كما في بيع الشقص المشفوع.
(والعارية المؤقتة كالمطلقة) في جميع ما سبق، سواء انتهت المدة أو رجع قبلها، أما بعد المدة.. فلأنه محترم، ولم يشترط نقصه، فلا ينقص مجّانًا، وبيانُ

وَفِي قَوْلٍ؛ لَهُ الْقَلْعُ فِيهَا مَجَّانًا إِذَا رَجَعَ. وَإِذَا أَعَارَ لِزِرَاعَةٍ وَرَجَعَ قَبْلَ إِدْرَاكِ الزَّرْعِ.. فَالصَّحِيحُ: أَنَّ عَلَيْهِ الإِبْقَاءَ إِلَى الْحَصَادِ، وَأَنَّ لَهُ الأُجْرَةَ. فَلَوْ عَيَّنَ مُدَّة وَلَمْ يُدْرِكْ فِيهَا لِتَقْصِيرِهِ بتَأْخِيرِ الزِّرَاعَةِ.. قَلَعَ مَجَّانًا. وَلَوْ حَمَلَ السَّيْلُ بَذْرًا إِلَى أَرْضِهِ فَنَبَتَ.. فَهُوَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ

المدة كما يجوز أن يكون للقلع يجوز أن يكون لمنع إحداث البناء والغراسِ بعده، وأما قبله.. فلأن وضع العواري على الجواز، والتأقيتُ وعدٌ، فلا يجب الوفاء به.
(وفي قول: له القلع فيها مجّانًا إذا رجع) بعد المدة؛ ذهابًا إلى أن فائدةَ بيان المدة: القلعُ بعد مضيها، وجوابه: ما ذكرناه من معارضته بمنع الإحداث.
(وإذا أعار لزراعة ورجع قبل إدراك الزرع.. فالصحيح: أن عليه الإبقاءَ إلى الحصاد) لأنه محترم وله أمد ينتظر، بخلاف البناء والغراس، والثاني: للمعير قلعه، ويغرم الأرش، والثالث: يتملكه بالقيمة.
(وأن له الأجرةَ) لأن الإباحة انقطعت بالرجوع، فأشبه ما إذا أعاره دابة إلى بلد ثم رجع في الطريق.. فإن عليه نقلَ متاعه إلى مأمن بأجرة المثل، والثاني: لا أجرة له؛ لأن منفعة الأرض إلى الحصاد كالمستوفاة بالزرع.
ومحلُّ ما ذكره: فيما لا يُحصد قصيلًا؛ كالقمح ونحوه، فإن كان يُحصد قصيلًا.. كُلّف قطعَه.
(فلو عيّن مدة ولم يدرك فيها؛ لتقصيره بتأخير الزراعة.. قَلع مجّانًا) لما أشار إليه من كونه مقصّرًا، وإن لم يقصّر.. فهو كما لو أعاره مطلقًا.
(ولو حمل السيلُ) أو الهواء (بذرًا إلى أرضه فنبت.. فهو لصاحب البَذْر) ولو كان حبة واحدة؛ لأنه عين ماله.
نعم؛ لو ألقى الحبة أو النواة وأعرض عنها.. قال في "زيادة الروضة": فينبغي: القطع بأنها لصاحب الأرض 1. (والأصحُّ: أنه يجبر على قلعه) لأن المالك لم يأذن فيه، فأشبه ما إذا انتشرت أغصان شجرة للغير إلى هواء داره.. فإن له قطعَها، والثاني: لا يجبر؛ لأنه لم يوجد

وَلَوْ رَكِبَ دَابَّةً وَقَالَ لِمَالِكِهَا: (أَعَرْتَنِيهَا) فَقَالَ: (أَجَّرْتُكَهَا)، أَوِ اخْتَلَفَ مَالِكُ الأَرْضِ وزَارِعُهَا كَذَلِكَ.. فَالْمُصَدَّقُ الْمَالِكُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (أَعَرْتَنِي) فَقَالَ: (بَلْ غَصَبْتَ مِنِّي)؛ فَإِنْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ.. فَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى الضَّمَانِ، لَكِنِ الأَصَحُّ: أَنَّ الْعَارِيَةَ تُضْمَنُ بِقِيمَةِ يَوْمِ التَّلَفِ، لَا بِأَقْصَى الْقِيَمِ، وَلَا بِيَوْمِ الْقَبْضِ،

منه تعدٍّ، فهو كالمستعير، فينظر في النابت أهو شجر أو زرع؟ ويكون الحكم على ما سبق.
(ولو ركب دابة وقال لمالكها: ) - وهي باقية ومضى زمنٌ لمثله أجرةٌ - ("أعرتَنيها"، فقال: "أجرتُكَها" 1، أو اختلف مالك الأرض وزارعها كذلك.. فالمصدَّق المالك على المذهب) لأنَّ المنافع تصحُّ المعاوضة عليها؛ كالأعيان، ولو اختلفا في العين بعد هلاكها؛ فقال المالك: (بعتُكَها)، وقال: (بل وهبتَنيها).. صدق المالك، فكذا هنا.
والثاني: يصدق الراكب والزارع؛ لأنَّ المالك وافقهما على إباحة المنفعة لهما، والأصل براءة ذمتهما من الأجرة التي يدعيها، والثالث: يصدق المالك في الأرض دون الدابة؛ لأنَّ الأراضيَ تندر فيها الإعارة، بخلاف الدواب.
(وكذا لو قال: "أعرتني") هذه الدابة أو الأرض، (فقال: "بل غصبتَ مني").. فالمصدَّق المالك على المذهب؛ لأنَّ الأصل عدمُ إذنه، والثاني: أن القول قول المستعير؛ لأنَّ الظاهر: أن تصرفه بحقٍّ.
والطريق الثاني: القطع بالأول، والطريق الثالث: القطع بالثاني.
(فإن تَلِفت العين.. فقد اتفقا على الضمان) لأنَّ كلًّا من المغصوب والمستعار مضمون.
(لكن الأصحُّ: أن العارية تُضمَن بقيمة يوم التلف لا بأقصى القيم، ولا بيوم القبض) لأنَّ الأصل ردُّ العين، وإنما تجب القيمة بالفوات، وهو إنما يتحقق بالتلف، ولو اعتبرنا الأقصى أو يوم القبض.. لأدى إلى أن يضمن الأجزاء المستحقة بالاستعمال وهي مأذون فيها، والثاني: يضمن بالأقصى؛ كالمغصوب، والثالث:

فَإِنْ كَانَ مَا يَدَّعِيهِ الْمَالِكُ أَكْثَرَ.. حَلَفَ لِلزِّيَادَةِ.

بقيمة يوم القبض؛ كالقرض.
قال المتولي: ومحلُّ الخلاف: إذا نقصت بتغير السوق، فإن نقصت بالاستعمال ولم تذهب العين ثمَّ تلفت.. لم يضمن الزائد.
وقضية كلام الشيخين: أنَّه لا فرق في ضمانه بالقيمة بين المتقوّم والمثلي 1، قال الإسنوي: وهو كذلك؛ ففي "الحاوي" و"المهذب" و"البحر": إن ضمنا المتقوّم بالأقصى.. أوجبنا المثل في المثلي، وإن ضمناه بقيمته يوم التلف -وهو الأصحُّ-.. ففي المثلي القيمة أيضًا 2. فما في كتب الشيخين ماشٍ على الصحيح.
(فإن كان ما يدّعيه المالكُ أكثرَ.. حلف للزيادة) لأنَّ غريمه ينكرها.

كتابُ الغَصْب هُوَ: الاسْتِيلَاءُ عَلَى حَقِّ الْغَيْرِ عُدْوَانًا، فَلَوْ رَكِبَ دَابَّةً أَوْ جَلَسَ عَلَى فِرَاشٍ.. فَغَاصِبٌ وَإِنْ لَمْ يَنْقُلْ. وَلَوْ دَخَلَ دَارَهُ وَأَزْعَجَهُ عَنْهَا، أَوْ أَزْعَجَهُ وَقَهَرَهُ عَلَى الدَّارِ وَلَمْ يَدْخُلْ.. فَغَاصِبٌ،

﴿كتاب الغصب﴾ هو في اللغة: أخذ الشيء ظلمًا مجاهرةً، وفي الشرع: ما سيأتي.
وتحريمه معلوم من الدين بالضرورة.
(هو الاستيلاء على حق الغير عدوانًا) ويرجع في الاستيلاء للعرف.
وتعبير المصنف أحسن من تعبير "المحرر" وغيره: (على مال الغير) 1 فإن الحقَّ يشمل: الكلب، والحقوق، والاختصاصات؛ نبه عليه في "الدقائق" 2. وخرج بالعدوان: أمور؛ منها: الأمانات الشرعية؛ كاللقطة، والثوب الذي أطارته الريح، والاستيلاء على مال الكفار بالاغتنام.
وزاد القاضي: جهرًا؛ لتخرج السرقة، واستحسنه في "الشرح الصغير"، ولابدَّ من فصلٍ يُخرج المختلس وقاطع الطريق.
(فلو ركب دابة أو جلس على فراش.. فغاصبٌ وإن لم يَنقل) لحصول غاية الاستيلاء، وهو الانتفاع على وجه التعدي، وسواء قصد الاستيلاء أو لم يقصده؛ كما صرح به في "أصل الروضة" 3. (ولو دخل داره وأزعجه عنها) أي: أخرجه منها (أو أزعجه وقهره على الدار) بالطريق الذي جعلناه قبضًا في بيعها، وهو التسلط على التصرف (ولم يدخل.. فغاصبٌ) أما في الأولى.. فسواء قصد الاستيلاء أم لا؛ لأنَّ وجود الاستيلاء يغني عن قصده، وقيدا في "الشرح" و"الروضة" الدخول بأهله على هيئة من يقصد

وَفِي الثَّانِيَةِ وَجْهٌ وَاهٍ. وَلَوْ سَكَنَ بَيْتًا وَمَنَعَ الْمَالِكَ مِنْهُ دُونَ بَاقِي الدَّارِ.. فَغَاصِبٌ لِلْبَيْتِ فَقَطْ. وَلَوْ دَخَلَ بِقَصْدِ الاسْتِيلَاءِ وَلَيْسَ الْمَالِكُ فِيهَا.. فَغَاصِبٌ، وَإِنْ كَانَ وَلَمْ يُزْعِجْهُ.. فَغَاصِبٌ لِنِصْفِ الدَّارِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا لَا يُعَدُّ مُسْتَوْلِيًا عَلَى صَاحِبِ الدَّارِ.

السكنى 1، فخرج بهذا القيد: من يهجم الدار لإخراج صاحبها لظالم ولا يقيم، وعبارة "الكتاب" تبعًا "لأصله" يشمله.
وإذا اجتمع الإزعاج والدخول الخالي عن هيئة السكنى.. قال في "المطلب": الأقرب: أنَّه غصب؛ لأنه قرينة دالة على الاستيلاء.
قال المنكت: وهو يؤيد ما في "المنهاج" 2. وأما في الثانية.. فلأنها في قبضته عرفًا، ولابدَّ من قصد الاستيلاء؛ كما قاله الماوردي والإمام 3، وإليه أشار المصنف بقوله: (وقهره على الدار) فإن وجد الإزعاج فقط.. فلا ضمان قطعًا.
(وفي الثانية: وجه واه) أنَّه لا يكون غاصبًا ما لم يدخل؛ لأنَّ أهل العرف لا يطلقون على ذلك اسم الغصب.
(ولو سكن بيتًا ومنع المالكَ منه دون باقي الدار.. فغاصب للبيت فقط) لقصور الاستيلاء عليه.
(ولو دخل بقصد الاستيلاء وليس المالك فيها.. فغاصب) للدار؛ لحصول الاستيلاء في الحال، وسواء كان الداخل قويًّا أو ضعيفًا.
واحترز بـ (قصد الاستيلاء): عما إذا دخل لا على قصده بل ينظر هل تصلح له أو غير ذلك.. فإنَّه لا يكون غاصبًا.
(وإن كان) المالك فيها (ولم يزعجه.. فغاصب لنصف الدار) لاجتماع يدهما واستيلائهما عليها، (إلا أن يكون ضعيفًا لا يُعدُّ مستوليًا على صاحب الدار) فإنَّه لا يكون غاصبًا لشيء منها؛ لانتفاء الاستيلاء والحالة هذه.

وَعَلَى الْغَاصِبِ الرَّدُّ، فَإِنْ تَلِفَ عِنْدَهُ.. ضَمِنَهُ. وَلَوْ أَتْلَفَ مَالًا فِي يَدِ مَالِكِهِ.. ضَمِنَهُ. وَلَوْ فَتَحَ رَأْسَ زِقٍّ مَطْرُوحٍ عَلَى الأَرْضِ فَخَرَجَ مَا فِيهِ بِالْفَتْحِ، أَوْ مَنْصُوبٍ فَسَقَطَ بِالْفَتْحِ وَخَرَجَ مَا فِيهِ.. ضَمِنَ، وَإِنْ سَقَطَ بِعَارِضِ رِيحٍ.. لَمْ يَضْمَنْ. وَلَوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طَائِرٍ وَهَيَّجَهُ فَطَارَ.. ضَمِنَ،

(وعلى الغاصب الردُّ) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ" 1. (فإن تلف عنده.. ضمنه) بالإجماع.
نعم؛ لو كان التالف لا قيمة له كالسِّرجين ونحوه، أو كان المتلف مما لا ضمان عليه؛ كالحربي.. فلا ضمان.
(ولو أتلف مالًا في يد مالكه.. ضمنه) بالإجماع.
(ولو فتح رأس زِقٍّ مطروح على الأرض فخرج ما فيه بالفتح، أو منصوبٍ فسقط بالفتح) لتحريك الوِكاء وجذبه (وخرج ما فيه.. ضمن) لأنه في الأولى مباشر للإتلاف، وفي الثانية متسبب؛ إذ التلف ناشئ عن فعله.
(وإن سقط بعارض ريح.. لم يضمن) لأنَّ الخروج ليس بفعله، وعروض الزلزلة ووقوع الطائر عليه كالريح.
نعم؛ لو طلعت الشمس على الجامد فأذابته.. ضمن الفاتح على الأصحِّ.
والفرق بينه وبين الريح: أن طلوع الشمس محقق؛ فلذلك قد يقصده الفاتح، بخلاف الريح.
وقوله: (بعارض ريح) يشعر بأنّه إذا سقط بالريح المقارن.. كان من ضمان الفاتح، وبه صرح الفارقي، وهو متجه.
وحكم حلِّ السفينة كالزِّقِّ.
(ولو فتح قفصًا عن طائر وهيَّجه فطار) في الحال (.. ضمن) بالإجماع.

وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى الْفَتْحِ.. فَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ إِنْ طَارَ فِي الْحَالِ.. ضَمِنَ، وَإِنْ وَقَفَ ثُمَّ طَارَ.. فَلَا. وَالأَيْدِي الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ أَيْدِي ضَمَانٍ وَإِنْ جَهِلَ صَاحِبُهَا الْغَصْبَ. ثُمَّ إِنْ عَلِمَ.. فَكَغَاصِبٍ مِنْ غَاصِبِ، فَيَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ عِنْدَهُ، وَكَذَا إِنْ جَهِلَ وَكَانَتْ يَدُهُ فِي أَصْلِهَا يَدَ ضَمَانٍ كَالْعَارِيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ يَدَ أَمَانَةٍ كَالْوَدِيعَةِ.. فَالْقَرَارُ عَلَى الْغَاصِبِ. وَمَتَى أَتْلَفَ الآخِذُ مِنَ الْغَاصِبِ مُسْتَقِلًّا بِهِ.. فَالْقَرَارُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا

(وإن اقتصر على الفتح.. فالأظهر: أنَّه إن طار في الحال.. ضمن) لأنَّ طيرانه في الحال يُشعر بتنفيره.
(وإن وقف ثمَّ طار.. فلا) ضمان؛ لأنَّ وقوفه يُشعر بطيرانه باختياره، والثاني: يضمن مطلقًا؛ لأنه لولا الفتح.. لم يطر، والثالث: لا مطلقًا؛ لأنَّ له اختيارًا.
(والأيدي المترتبة على يد الغاصب أيدي ضمان وإن جهل صاحبها الغصب) لأنه وضع يده على ملك الغير بغير إذنه، والجهل ليس مسقطًا للضمان، بل للإثم؛ فيطالب المالك عند التلف من شاء منهم.
(ثمَّ إن علم) الثاني الغصب (.. فكغاصب من غاصب، فيستقرُّ عليه ضمان ما تلف عنده) فيطالب بكلِّ ما يطالب به الغاصب، وإن تلف المغصوب في يده.. فقرار الضمان عليه.
نعم؛ لو كانت القيمة في يد الأوّل أكثر.. فالمطالب بالزيادة هو الأوّل خاصةً، وإليه أشار المصنف بقوله: (فيستقر عليه ضمان ما تلف عنده).
(وكذا إن جهل) الثاني الغصب (وكانت يده في أصلها يدَ ضمان؛ كالعارية) والبيع؛ لأنه دخل في العقد على الضمان؛ فلا غرر.
(وإن كانت يد أمانة؛ كالوديعة.. فالقرار على الغاصب) لأنه دخل على أن يده نائبةٌ عن يد الغاصب؛ فكأنها لم تخرج عنه، فإن غرم الغاصب.. لم يرجع على الثاني قطعًا، وإن غرم الثاني.. رجع على الأوّل.
(ومتى أتلف الآخذ من الغاصب مستقلًّا به.. فالقرار عليه مطلقًا) سواء أكانت يده يدَ ضمان أم أمانة؛ لأنَّ الإتلاف أقوى من إثبات اليد العادية.

وَإِنْ حَمَلَهُ الْغَاصِبُ عَلَيْهِ بِأَنْ قَدَّمَ لَهُ طَعَامًا مَغْصُوبًا ضِيَافَةً فَأَكَلَهُ.. فَكَذَا فِي الأَظْهَرِ.
وَعَلَى هَذَا: لَوْ قَدَّمَهُ لِمَالِكِهِ فَأَكَلَهُ.. بَرِئَ الْغَاصِبُ.

فَصلٌ [في بيان حكم الغصب]

تُضْمَنُ نَفْسُ الرَّقِيقِ بِقِيمَتِهِ أُتْلِفَ أَوْ تَلِفَ تَحْتَ يَدٍ عَادِيَةٍ،

وقوله: (مستقلًا) احترز به عما إذا حمله الغاصب عليه، وفيه تفصيل؛ وهو: إن كان لغرض المتلف؛ كالأكل.. فسنذكره عقبه، أو للغاصب؛ كذبح الشاة.. فالقرار على الغاصب، أو لا لغرضٍ؛ كإتلاف المال.. فعلى المتلف؛ لأنه محظور.
(وإن حمله الغاصب عليه؛ بأن قدم له طعامًا مغصوبًا ضيافة فأكله.. فكذا في الأظهر) لأنه المتلف، والثاني: أن القرار على الغاصب؛ لأنه غره، هذا إذا قدمه إليه وسكت، فإن قال: (هو ملكي) فإن ضمن المالك الغاصب.. لم يرجع على الآكل؛ لأنَّ دعواه الملك اعترافٌ منه بأن المالك ظلمه بتغريمه، والمظلوم لا يرجع على غير من ظلمه.
(وعلى هذا) أي: على الأظهر (لو قدمه لمالكه فأكله.. برئ الغاصب) لأنه المتلف، وعلى الثاني: لا يبرأ.
ومحلُّ ما ذكر: إذا قدمه له على هيئته، فلو غصب سمنًا وعسلًا ودقيقًا، وصنعه حلوى، وقربه لمالكه فأكله.. لم يبرأ قطعًا؛ لأنه بالخليط صار كالتالف، وانتقل الحقُّ إلى القيمة، ولا تسقط القيمة عندنا ببذل غيرها إلا برضا مستحقها، وهو لم يعلم بذلك؛ قاله الزبيري في "المسكت".

(فصل: تضمن نفس الرقيق) المغصوبة (بقيمته) بالغةً ما بلغت، ولو زادت على دية الحرِّ (أُتلِف أو تلف تحت يدٍ عادية) أي: بتخفيف الياء؛ لأنه مال فوجبت قيمته؛ كسائر الأموال.
ولو قال: (ضامنة) بدل (عادية).. لكان أولى ليشمل المستام والمستعير وغيرهما، ويخرج الحربي وعبد المالك.

وَأَبْعَاضُهُ الَّتِي لَا يَتَقَدَّرُ أَرْشُهَا مِنَ الْحُرِّ بِمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ، وَكَذَا الْمُقَدَّرَةُ إِنْ تَلِفَتْ، وَإِنْ أُتْلِفَتْ.. فَكَذَا فِي الْقَدِيمِ، وَعَلَى الْجَدِيدِ: تَتَقَدَّرُ مِنَ الرَّقِيقِ، وَالْقِيمَةُ فِيهِ كَالدِّيَةِ فِي الْحُرِّ، فَفِي يَدِهِ نِصْفُ قِيمَتِهِ. وَسَائِرُ الْحَيَوَانِ بِالْقِيمَةِ، وَغَيْرُهُ مِثْلِيٌّ وَمُتَقَوِّمٌ، وَالأَصَحُّ: أَنَّ الْمِثْلِيَّ: مَا حَصَرَهُ كَيْلٌ أَوْ وَزْنٌ وَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ؛

(وأبعاضه التي لا يتقدر أرشُها من الحر) كالسمن والبكارة (بما نَقَص من قيمته) بالإجماع.
(وكذا المقدرة) كاليد (إن تلفت) بآفة سماوية؛ لأنَّ الساقط من غير جناية لا يتعلق به قصاص ولا كفارة، ولا يضرب على العاقلة؛ فأشبه الأموال.
(وإن أُتلفت) بالجناية عليها (.. فكذا في القديم) لأنَّ العبد حيوان مملوك، فوجب في قطع أبعاضه ما نقص من قيمته؛ قياسًا على البهيمة.
(وعلى الجديد: تتقدر من الرقيق، والقيمة فيه كالدية في الحرِّ، ففي يده نصف قيمته) لما سيأتي في آخر (الديات)، فإن المصنف أعادها هناك، هذا إذا كان الجاني غيرَ ذي اليد العادية؛ أما هو.. فيلزمه أكثر الأمرين من نصف القيمة والأرش، فإذا نَقَص بقطع يده ثلثا قيمته.. لزمه ذلك على القولين.
(وسائر الحيوان) أي: باقيه تُضمَن أجزاؤه (بالقيمة) لأنه مملوك لا يشبه الحرَّ في أكثر أحكامه فأوجبنا فيه ما نقص بالقياس على الجماد، (وغيره) أي: غير الحيوان من الأموال (مثلي ومتقوم) أي: بكسر الواو؛ لأنه إن كان له مثل.. فالمثلي، وإلا.. فالمتقوم.
(والأصحُّ: أن المثلي: ما حصره كيلٌ أو وزن وجاز السلم فيه) فالمعدود والمذروع؛ كالحيوان والثياب ليسا بمثليين وإن جاز السلم فيهما.
وخرج بجواز السلم: ما لا يجوز فيه السلم؛ كالمعجونات، والجواهر الكبار وغيرهما على ما سبق في بابه 1. وأورد على الضابط: صور؛ منها: خل التمر، فإنَّه متقوِّم، ويحصره الوزن،

كَمَاءٍ وَتُرَابٍ وَنُحَاسٍ وَتِبْرٍ وَمِسْكٍ وَكَافُورٍ وَقُطْنٍ وَعِنَبٍ وَدَقِيقٍ، لَا غَالِيَةٍ وَمَعْجُونٍ. فَيُضْمَنُ الْمِثْلِيُّ بِمِثْلِهِ

ويجوز السلم فيه، ومنها: المعيب من الحبوب وغيرها؛ فإنَّه [ليس مثليًّا؛ فلا يجوز السلم فيه] قاله ابن الصلاح في "فتاويه" 1 مع ضعف ضابط المثلي، ومنها: القمح المختلط بالشعير؛ فإنَّه لا يجوز السلم فيه مع أن الواجب على متلفه ليس هو القيمةَ بلا شك بل يلزمه إخراج القدر المحقق من الحنطة ومن الشعير، كذا قاله الإسنوي، قال الزركشي: وقد يمنع ردُّ مثله؛ لأنه بالاختلاط انتقل من المثلي إلى المتقوم؛ للجهل بالقدر.
(كماء) بارد؛ أما الحارُّ.. فإنَّه متقوم؛ لدخول النار فيه، ودرجات حَمْوِه لا تنضبط، كذا ذكره في (الإجارة) من "المطلب".
(وتراب) ورمل، (ونحاس) وحديد، (وتبر) وهو الذهب الخارج من المعدن الخالص عن ترابه.
(ومسك وكافور وقطن وعنب ودقيق) وكذا نُخالة، كما قاله ابن الصلاح 2. وقضية إطلاقه: أنَّه لا فرق في القطن بين ما فيه الحبُّ، وبين المنزوع حبُّه، قال الإسنوي: وبه صرح الرافعي في (السَّلم)، ولم يستحضر هذا في "المطلب"، فقال: أطلقوا بأنّه مثلي، والذي أعتقده أن محلَّه.. بعد إخراج الحبِّ، أما قبله.. فالذي يظهر القطعُ بأنّه مُتقوِّم، وأما الصوف.. فقال الشافعي - رضي الله عنه -: يُضمن بالمثل إن كان له مثل، وهذا توقف منه في أنَّه مثليٌّ أم لا، قال في "البحر": وقيل: فيه قولان 3. (لا غاليةٍ ومعجون) لأنهما مختلطان من أجزاء مختلفة.
(فيُضمَن المثلي بمثله) لأنه أقرب إلى حقِّه، ويستثنى: ما إذا أتلف الماء في

تَلِفَ أَوْ أُتْلِفَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ.. فَالْقِيمَةُ، وَالأَصَحُّ: أَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَقْصَى قِيَمِهِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ إِلَى تَعَذُّرِ الْمِثْلِ. وَلَوْ نَقَلَ الْمَغْصُوبَ الْمِثْلِيَّ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ.. فَلِلْمَالِكِ أَنْ يُكَلِّفَهُ رَدَّهُ، وَأَنْ يُطَالِبَهُ بِالْقِيمَةِ فِي الْحَالِ،

المفازة واجتمعا في البلد، أو أتلف الجَمْد في الصيف، واجتمعا في الشتاء.. فإنَّه تلزمه قيمتُه هناك وحينئذ.
(تلف أو أُتلف) زاد في "المحرر" تحت اليد العادية 1، فحذفها المصنف، فورد عليه المستعير والمستام؛ فإنهما يضمنان المثل بالقيمة، كما تقدم التنبيه عليه في المستعير، قال المنكت: ويجاب بأن كلامه في الغصب دون غيره 2. (فإن تعذر) المثل لإعوازه (.. فالقيمة) لأنه لا يوجد له مثل؛ فأشبه ما لا مثل له بالكلية، ووجوده بأكثر من ثمن المثل؛ كإعوازه على الأصحِّ.
(والأصحُّ: أن المعتبر أقصى قيمه من وقت الغصب إلى تعذر المثل) لأنَّ وجود المثل كبقاء عين المغصوب؛ لأنه كان مأمورًا برده، كما كان مأمورًا برد المغصوب، فإذا لم يفعل.. غرم أقصى قيمه في المُدَّتين، ومقابل الأصحِّ: أحد عشر وجهًا؛ منها: أن الاعتبار بيوم المطالبة؛ لأنَّ الإعواز حينئذ يتحقق، ونقله أبو الطيب وابن الصباغ عن الأكثرين.
(ولو نقل المغصوب المثليَّ إلى بلد آخر.. فللمالك أن يكلفه ردَّه) إذا علم مكانه؛ لما سبق عند قوله: (وعلى الغاصب الردُّ)، فإن هذه بعض تلك، فإن تلك أعم من المثلي، والمُتقوِّم المستقر في بلد الغصب، والمنقول عنه بنقل الغاصب أو أجنبي أو بنفسه، سواء طولب برده أم لا؛ ففي عبارته هنا تكرار مع نقص من وجوهٍ قد ظهرت لك.
(وأن يطالبه بالقيمة في الحال) أي: قبل الردِّ للحيلولة؛ لأنه حال بينه وبين ملكه فأوجبنا القيمة؛ لتسدَّ مسدَّ العين بقدر الإمكان.
وقيد الماوردي المطالبة بالقيمة بالبعيد، فإن قربت مسافته.. طولب بالردِّ فقط،

فَإِذَا رَدَّهُ.. رَدَّهَا. فَإِنْ تَلِفَ فِي الْبَلَدِ الْمَنْقُولِ إِلَيْهِ.. طَالَبَهُ بِالْمِثْلِ فِي أَيِّ الْبَلَدَيْنِ شَاءَ، فَإِنْ فُقِدَ الْمِثْلُ.. غَرَّمَهُ قِيمَةَ أَكْثَرِ الْبَلَدَيْنِ قِيمَةً. وَلَوْ ظَفِرَ بِالْغَاصِبِ فِي غَيْرِ بَلَدِ التَّلَفِ.. فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَا مُؤْنَةَ لِنَقْلِهِ كَالنَّقْدِ.. فَلَهُ مُطَالَبَتُهُ بِالْمِثْلِ، وَإِلَّا.. فَلَا مُطَالَبَةَ بِالْمِثْلِ، بَلْ يُغَرِّمُهُ قِيمَةَ بَلَدِ التَّلَفِ. وَأَمَّا الْمُتَقَوِّمُ.. فَيُضْمَنُ بِأَقْصَى قِيَمِهِ مِنَ الْغَصْبِ إِلَى التَّلَفِ، وَفِي الإِتْلَافِ بِلَا غَصْبٍ بِقِيمَةِ يَوْمِ التَّلَفِ، فَإِنْ جَنَى وَتَلِفَ بِسِرَايَةٍ.. فَالْوَاجِبُ: الأَقْصَى أَيْضًا

وهذه القيمة يملكها الآخذ على الأصحِّ.
وليس لنا موضع يجتمع فيه ملك البدل والمبدل على المذهب إلا هذه.
(فإذا ردَّه.. ردَّها) إن كانت باقية، وإلا.. فبدلها؛ لزوال الحيلولة.
(فإن تلف في البلد المنقول إليه.. طالبه بالمثل في أيِّ البلدين شاء) لأنَّ ردَّ العين قد توجه عليه في الموضعين.
(فإن فُقد المثل.. غرَّمه قيمةَ أكثر البلدين قيمة) تغليظًا عليه؛ لأنه كان يجوز له المطالبة بالمثل فيها.
(ولو ظفر بالغاصب في غير بلد التلف.. فالصحيح: أنَّه إن كان لا مؤنة لنقله؛ كالنقد.. كله مطالبته بالمثل) لأنه لا ضرر على واحد منهما.
(وإلا.. فلا مطالبة بالمثل) ولا للغاصب تكليفه قبولَه؛ لما فيه من الضرر (بل يُغرِّمه قيمة بلد التلف) إذا لم ينقل المغصوب عن موضعه؛ قطعًا للنزاع، والثاني: يطالبه بالمثل مطلقًا؛ كما لو أتلف مثليًّا في وقت الرُّخْص.. له طلبه في وقت الغلاء.
(وأما المتقوم.. فيُضمَن بأقصى قيمه من الغصب إلى التلف) لأنه في حال زيادة القيمة غاصب مطالَب بالردِّ، فإذا لم يردَّ.. ضمن بدله، وتجب قيمته من نقد البلد الذي تلف فيه، (وفي الإتلاف بلا غصب بقيمة يوم التلف) لأنه لم يدخل في ضمانه قبل ذلك، وأما بعده.. فلا وجود له.
(فإن جنى وتلف بسراية.. فالواجب: الأقصى أيضًا) أي: إذا جنى وحصل التلف بسراية، واختلفت قيمته في تلك المدة؛ بأن جرح بهيمة قيمتها مئة، ثمَّ تلفت

وَلَا تُضْمَنُ الْخَمْرُ وَلَا تُرَاقُ عَلَى ذِمِّيٍّ إِلَّا أَنْ يُظْهِرَ شُرْبَهَا أَوْ بَيْعَهَا، وَتُرَدُّ عَلَيْهِ إِنْ بَقِيَتِ الْعَيْنُ،

وقيمتها خمسون.. لزمه مئة؛ لأنا إذا اعتبرنا الأقصى في اليد العادية.. فلأن يعتبر في نفس الإتلاف أولى.
(ولا تُضمَن الخمر) ولو كانت محترمةً أو لذمي؛ إذ لا قيمة لها؛ كالميتة والدم، والخنزير كالخمر، وكذا كلُّ ما هو نجس العين؛ كالميتة.
وسكت المصنف عن النبيذ؛ فإنَّه لا يدخل في اسم الخمر عند الأكثرين، وفي "الأحكام السلطانية": ينهى متولي الحسبة عن المجاهرة به، ويزجر عليه، ولا يريقه؛ لأنه مالٌ عند الحنفية إلا أن يأمر بإراقته حاكمٌ من أهل الاجتهاد 1. وذكر المصنف في "الدقائق": أن الحشيشة مسكرة 2؛ فعلى هذا يتجه إلحاقُها بالخمر.
(ولا تُراق على ذمي) لأنهم مقَرّون على الانتفاع بها، كذا علله في "الكفاية" 3 (إلا أن يُظهر شربها أو بيعها) أو هبتها ولو من مثله؛ لأنَّ عقد الذمة قد جرى على تقريرهم عليها ومنع إظهارهم لها.
والإظهار: هو الاطلاع عليه من غير تجسيس.
والخنزير ونحوه كالخمر، قال الإمام: واستعمالهم الأوتار بحيث يسمعها من ليس في دارهم إظهارٌ لها 4. (وتردُّ عليه إن بقيت العين) إذا كان أخذها منه عند عدم الإظهار؛ لما مرَّ من تقريرهم عليها؛ فإن تلفت.. فلا ضمان؛ لما مرَّ.
ويعلم من إيجاب الردِّ: أن المؤنة على الآخذ، وهو الأصحُّ، كما ذكراه في (باب الجزية) 5، وقيل: الواجب التخلية فقط، وحكاه الإمام عن المحققين.

وَكَذَا الْمُحْتَرَمَةُ إِذَا غُصِبَتْ مِنْ مُسْلِمٍ. وَالأَصْنَامُ وَآلَاتُ الْمَلَاهِي لَا يَجِبُ فِي إِبْطَالِهَا شَيْءٌ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهَا لَا تُكْسَرُ الْكَسْرَ الْفَاحِشَ، بَلْ تُفَصَّلُ لِتَعُودَ كَمَا قَبْلَ التَّأْلِيفِ، فَإِنْ عَجَزَ الْمُنْكِرُ عَنْ رِعَايَةِ هَذَا الْحَدِّ لِمَنْعِ صَاحِبِ الْمُنْكَرِ.. أَبْطَلَهُ حَيْثُ تَيَسَّرَ. وَتُضْمَنُ مَنْفَعَةُ الدَّارِ وَالْعَبْدِ وَنَحْوِهِمَا بِالتَّفْوِيتِ وَالْفَوَاتِ فِي يَدٍ عَادِيَةٍ، وَلَا تُضْمَنُ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ إِلَّا بِتَفْوِيتٍ،

(وكذا المحترمة إذا غصبت من مسلم) لأنَّ اتخاذ الخلِّ جائز إجماعًا، ولا يصير العصير خلًّا إلا بعد التخمر؛ فلو أرقناها.. لتعذر اتخاذ الخلِّ.
والمحترمة - كما قاله الرافعي هنا -: هي التي عصرت من غير قصد الخمرية، وقال في (الرهن): هي التي عصرت بقصد الخلية 1، فالتي عصرت بغير قصد شيء محترمةٌ على الأوّل دون الثاني.
واحترز بـ (المحترمة) عن غيرها، فإنها إذا غصبت من مسلم.. تراق، ولا تردُّ عليه.
(والأصنام) والصلبان، (وآلات الملاهي) كالطُّنْبور (لا يجب في إبطالها شيء) لأنَّ صنعتها محرَّمةٌ، والمحرم لا يقابل بشيء.
(والأصحُّ: أنها لا تُكسَر الكسرَ الفاحش، بل تُفصَّل لتعود كما قبل التأليف) لأنه إذا فصل الأجزاء كلَّها.. زال الاسم وعسر العود؛ فكان أدعى إلى الترك، والثاني: أنها تكسر، وتُرضّ حتى تنتهي إلى حدٍّ لا يمكن اتخاذ آلة محرمة منه لا الأولى ولا غيرها؛ لأنه أبلغ في الزجر عن العود.
(فإن عجز المنكر عن رعاية هذا الحدِّ لمنع صاحب المنكر.. أبطله حيث تيسَّر) 2 وإن زاد على ما قلناه إذا لم يمكن بدونه؛ لأنَّ صاحبه مفرِّط.
(وتُضمَن منفعة الدار والعبدِ ونحوهما بالتفويت والفواتِ في يدٍ عاديةٍ) لأنَّ المنافع مُتقوِّمةٌ؛ فكانت مضمونةً بالغصب؛ كالأعيان.
(ولا تُضمَن منفعة البُضْع) وهو الفرج (إلا بتفويت) بالوطء؛ فإنَّه يضمنه بمهر

وَكَذَا مَنْفَعَةُ بَدَنِ الْحُرِّ فِي الأَصَحِّ.
وَإِذَا نَقَصَ الْمَغْصُوبُ بِغَيْرِ اسْتِعْمَالٍ.. وَجَبَ الأَرْشُ مَعَ الأُجْرَةِ، وَكَذَا لَوْ نَقَصَ بِهِ؛ بِأَنْ بَلِيَ الثَّوْبُ فِي الأَصَحِّ.

فَصلٌ [في اختلاف المالك والغاصب]

ادَّعَى تَلَفَهُ وَأَنْكَرَ الْمَالِكُ.. صُدِّقَ الْغَاصِبُ بِيَمِينِهِ عَلَى الصَّحِيحِ،

المثل على تفصيل فيه، ذكره المصنف في آخر الباب 1. ولا تضمن بالفوات؛ لأنَّ اليد لا تثبت عليه بل اليد على منفعته للمرأة؛ بدليل أن السيد يزوج أمته المغصوبة ولا يؤجرها؛ لأنَّ يد الغاصب حائلةٌ.
(وكذا منفعة بدن الحرِّ في الأصحِّ) لأنَّ الحرَّ لا يدخل تحت اليد؛ فمنافعه تفوت تحت يده، والثاني: أنها تضمن بالفوات أيضًا؛ لأنها تقوم في العقد الفاسد؛ أي: في الإجارة، فأشبهت منافع الأموال؛ فلو أكرهه على العمل.. استحق الأجرة.
(وإذا نَقَص المغصوب بغير استعمال) كعمى العبد (.. وجب الأرش مع الأجرة) للنقص والفوات، وتجب أجرته سليمًا من الغصب إلى حدوث النقص، ومعيبًا من حدوث النقص إلى الردِّ.
(وكذا لو نَقَص به) أي: بالاستعمال (بأن بلي الثوبُ) باللبس (في الأصحِّ) لأنَّ كلًّا منهما يجب ضمانُه عند الانفراد؛ فكذا عند الاجتماع، والثاني: أن الواجب أكثر الأمرين من أجرة المثل وأرش النقصان؛ لأنَّ النقصان نَشَأ من الاستعمال، وقد قوبل الاستعمال بالأجرة؛ فلا يجب له ضمان آخر، وردَّه الرافعي: بأن الأجرة ليست في مقابلة الاستعمال، بل في مقابلة الفوات 2.

(فصل: ادعى تلفه وأنكر المالكُ.. صُدق الغاصب بيمينه على الصحيح) لأنه قد يكون صادقًا ويعجز عن البينة؛ فيتخلد حبسه، وهذا عند إطلاقه دعوى التلف، فإن قيَّده بسبب ظاهر.. فلا يبعد أن يُحبس حتى يقيم بينةً بالتلف لإمكانه، قاله ابن

فَإِذَا حَلَفَ.. غَرَّمَهُ الْمَالِكُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي قِيمَتِهِ أَوِ الثِّيَابِ الَّتِي عَلَى الْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ أَوْ فِي عَيْبٍ خَلْقِيٍّ.. صُدِّقَ الْغَاصِبُ بِيَمِينِهِ، وَفِي عَيْبٍ حَادِثٍ.. يُصَدَّقُ الْمَالِكُ بِيَمِينِهِ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ رَدَّهُ نَاقِصَ الْقِيمَةِ.. لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ

الملقن 1، وهو في "الذخائر"، كما نقله الزركشي في "الخادم"، والثاني: يصدق المالك؛ لأنَّ الأصل بقاؤُه.
(فإذا حلف.. غرَّمه المالك) المثل أو القيمة (في الأصحِّ) لعجزه عن الوصول إلى عين ماله بيمين الغاصب، والثاني: لا؛ لبقاء العين في زعمه.
(ولو اختلفا في قيمته) مع الاتفاق على الهلاك (أو الثياب التي على العبد المغصوب) فقال المالك: (هي لي)، وقال الغاصب: (هي لي)، (أو في عيب خَلقي) بأن قال: (ولد أكمه)، أو (أعرج)، أو (عدم اليد)، وقال المالك: (كان سليمًا) (.. صدق الغاصب بيمينه) أما في الأولى.. فلأن الأصل براءةُ ذمته من الزيادة، وعلى المالك البينة، وأما في الثانية.. فلثبوت يده؛ فإن العبد وما عليه في يد الغاصب.
واحترز بـ (العبد): عما لو غصب حرًّا صغيرًا، قال في "المطلب": ويشبه أن يتخرج على أن غاصبه هل تثبت يده على ثيابه؟ إن قلنا نعم.. فهو المصدق، وإلا.. صُدِّق الوليّ.
انتهى، والأصحُّ في الرافعي في آخر (الباب الأوّل) من أبواب السرقة: أن يد غاصب الحرِّ وسارقه لا تثبت على ثيابه 2، وأما في الثالثة.. فلأن الأصل العدمُ، ويمكن المالك البينة.
(وفي عيب حادث) كما إذا قال: (كان أقطع)، أو (سارقًا) (.. يُصدّق المالك بيمينه في الأصحِّ) لأنَّ الأصل والغالب السلامةُ، والثاني: يصدق الغاصب؛ لأنَّ الأصل براءةُ ذمته.
(ولو رده ناقصَ القيمة.. لم يلزمه شيء) لأنه لا نقص في ذاته ولا في صفاته، والذي فات إنما هو رَغباتُ الناس.

وَلَوْ غَصَبَ ثَوْبًا قِيمَتُهُ عَشَرَةٌ، فَصَارَتْ بِالرُّخْصِ دِرْهَمًا، ثُمَّ لَبِسَهُ فَأَبْلَاهُ فَصَارَتْ نِصْفَ دِرْهَمٍ فَرَدَّهُ.. لَزِمَهُ خَمْسَةٌ، وَهِيَ قِسْطُ التَّالِفِ مِنْ أَقْصَى الْقِيَمِ. قُلْتُ: وَلَوْ غَصَبَ خُفَّيْنِ قِيمَتُهُمَا عَشَرَةٌ فَتَلِفَ أَحَدُهُمَا وَرَدَّ الآخَرَ وَقِيمَتُهُ دِرْهَمَانِ، أَوْ أَتْلَفَ أَحَدَهُمَا غَصْبًا، أَوْ فِي يَدِ مَالِكِهِ.. لَزِمَهُ ثَمَانِيَةٌ فِي الأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ حَدَثَ نَقْصٌ يَسْرِي إِلَى التَّلَفِ؛ بِأَنْ جَعَلَ الْحِنْطَةَ هَرِيسَةً.. فَكَالتَّالِفِ، وَفِي قَوْلٍ: يَرُدُّهُ مَعَ أَرْشِ النَّقْصِ.

(ولو غصب ثوبًا قيمته عشرة، فصارت بالرُّخص درهمًا، ثمَّ لبسه فأبلاه فصارت نصف درهم فردَّه.. لزمه خمسة، وهي قسط التالف من أقصى القيم) لأنَّ الناقص باللبس نصفُ القيمة؛ فيلزمه قيمته أكثر ما كانت من الغصب إلى التلف، وهي خمسة، والنقصان الباقي وهو أربعة ونصف سببه الرخص، وقد مرَّ أنَّه غير مضمون.
(قلت: ولو غصب خُفين قيمتهما عشرة فتلف أحدهما وردَّ الآخر وقيمته درهمان، أو أتلف أحدهما غصبًا) له فقط (أو في يد مالكه.. لزمه ثمانية في الأصحِّ، والله أعلم) خمسة للتالف، وثلاثة لأرش ما حصل من التفريق؛ لأنه في الصورة الأولى: فوَّت بالتلف ما يساوي الثمانيةَ، وفي الثانية والثالثة: أتلف أحدَهما، وأدخل النقصانَ على الباقي بتعدّيه، وظاهره: عود الخلاف إلى الجميع، وجزم في "الشرحين" في الأولى: بالثمانية 1، لكن حكى في "زيادة الروضة" وجهًا غريبًا عن "التنبيه" و"التتمة" أنَّه يلزمه درهمان 2، وأما في الأخيرتين.. ففيهما ثلاثة أوجه: أصحها: ما ذكره، وثانيها: يلزمه خمسة، وثالثها: درهمان، والخلاف في كلِّ فردين لا يصلح أحدهما إلا بالآخر؛ كزوجي النعل، ومصراعي الباب.
(ولو حدث نقص) في المغصوب (يسري إلى التلف؛ بأن جعل الحنطة هَرِيسة.. فكالتالف) لإشرافه على الهلاك، فكأنه هلك؛ فيغرم بدل كلِّ المغصوب من مثل أو قيمة، (وفي قول: يردُّه مع أرش النقص) قياسًا على العيب الذي لا يسري، وفي قول ثالث: أن المالك يتخير بين موجب القولين، واستحسنه في "الشرح الصغير"، واختاره السبكي.

وَلَوْ جَنَى الْمَغْصُوبُ فَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ مَالٌ.. لَزِمَ الْغَاصِبَ تَخْلِيصُهُ بِالأَقَلِّ مِنْ قِيمَتِهِ وَالْمَالِ، فَإِنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ.. غَرَّمَهُ الْمَالِكُ، وَلِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ تَغْرِيمُهُ وَأَنْ يَتَعَلَّقَ بِمَا أَخَذَهُ الْمَالِكُ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَالِكُ عَلَى الْغَاصِبِ

وعلى الأوّل: هل تبقى الهَرِيسة للغاصب أم للمالك؟ وجهان، بلا ترجيح في "الشرح" و"الروضة" 1، لكن جزم المصنف في "نكته" بالأول، وصححه السبكي، وقال: لا وجه لمقابله.
واحترز بقوله: (يسري) عما لا سراية له؛ فإن على الغاصب أرشَه وردَّ الباقي مطلقًا.
(ولو جنى المغصوب فتعلق برقبته مال.. لزم الغاصب تخليصُه) لأنه نقص في يده، وهو مضمون عليه (بالأقلِّ من قيمته والمالِ) الواجب بالجناية؛ لأنَّ الأقلَّ إن كان هو القيمةَ.. فهو الذي دخل في ضمانه، وإن كان هو المالَ المتعلق بالرقبة.. فهو الذي وجب.
(فإن تلف في يده) أي: تلف العبد الجاني في يد الغاصب (.. غرمه المالك) أقصى القيم من الغصب إلى التلف؛ كسائر الأعيان المغصوبة.
(وللمجني عليه تغريمه) أي: تغريم الغاصب؛ لأنَّ جناية المغصوب مضمونةٌ عليه، (وأن يتعلق بما أخذه المالك) من الغاصب بقدر حقِّه؛ لأنَّ حقَّه كان متعلقًا بالرقبة فيتعلق ببدلها؛ قياسًا على بدل المرهون.
(ثمَّ يرجع المالك على الغاصب) بما أخذه منه المجني عليه؛ لأنَّ أخذه؛ أعني: المالك لم يسلم له، بل أخذ منه بجناية مضمونة على الغاصب، وهذا أحد المواضع التي يُغرَّم فيها بدلان في متلف واحد.
ومقتضى قوله: (ثمَّ يرجع) أنَّه ليس للمالك مطالبة الغاصب بالأرش قبل أن يأخذ المجني عليه القيمةَ منه، وبه صرح الإمام؛ لاحتمال الإبراء 2، وقال في "المطلب": له ذلك كما يطالب الضامن المضمون بتخليصه، قال الإسنوي:

وَلَوْ رَدَّ الْعَبْدَ إِلَى الْمَالِكِ فَبِيعَ فِي الْجِنَايَةِ.. رَجَعَ الْمَالِكُ بِمَا أَخَذَهُ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَلَى الْغَاصِبِ. وَلَوْ غَصَبَ أَرْضًا فَنَقَلَ تُرَابَهَا.. أَجْبَرَهُ الْمَالِكُ عَلَى رَدِّهِ أَوْ رَدِّ مِثْلِهِ وَإِعَادَةِ الأَرْضِ كَمَا كَانَتْ، وَلِلنَّاقِلِ الرَّدُّ وَإِنْ لَمْ يُطَالِبْهُ الْمَالِكُ إِنْ كَانَ لَهُ فِيهِ غَرَضٌ، وَإِلَّا.. فَلَا يَرُدُّهُ بِلَا إِذْنٍ فِي الأَصَحِّ، وَيُقَاسُ بِمَا ذَكَرْنَا حَفْرُ الْبِئْرِ وَطَمُّهَا. وَإِذَا أَعَادَ الأَرْضَ كَمَا كَانَتْ وَلَمْ يَبْقَ نَقْصٌ.. فَلَا أَرْشَ، لَكِنْ

وما ذكره بحثًا وتشبيهًا إنما يقتضي المطالبة بالأداء للمجني عليه لا للمالك، وليس كلامُ الإمام فيه.
(ولو ردَّ العبد إلى المالك فبِيع في الجناية.. رجع المالك بما أخذه المجني عليه على الغاصب) لأنَّ الجناية حصلت حين كان مضمونًا عليه.
(ولو غصب أرضًا فنقل ترابَها.. أجبره المالك على ردِّه) إن كان باقيًا (أو ردِّ مثله) إن كان تالفًا؛ لأنَّ التراب مثليٌّ كما مرَّ.
وصورة المسألة: ما إذا كشط التراب عن وجه الأرض؛ فإن أخذه من مكان واحد بحيث صار مكانه حفرة.. فقد ذكره المصنف بعد ذلك.
(وإعادةِ الأرض كما كانت) من انبساط أو ارتفاع أو انخفاض؛ لإمكان ذلك، (وللناقل الردُّ وإن لم يطالبه المالك إن كان له فيه غرض) بأن كان قد نقل التراب إلى ملك غيره، أو حصل في الأرض نقص يزول بالردِّ؛ لدفع الضرر عنه.
(وإلا) أي: وإن لم يكن له فيه غرض؛ بأن نقله إلى موات (.. فلا يردُّه بلا إذن في الأصحِّ) لأنه تصرف في ملك غيره على وجه الإتعاب بلا نفع، وذلك سفهٌ، والثاني: له ردُّه؛ لأنه ردُّ ملكه إلى محله.
ومحلُّ الخلاف: إذا لم يمنعه المالك من الردِّ؛ فإن منعه.. لم يردَّ جزمًا.
(ويقاس بما ذكرنا حفرُ البئر وطَمُّها) فله الطَّمُّ بترابه إن كان باقيًا، وكذا بمثله إن كان تالفًا على الأصحِّ، ثمَّ إن أمره المالك بالطَّمِّ.. لزمه، وإلا؛ فإن كان له فيه غرض.. استقلَّ به، وإلا.. فلا في الأصحِّ، ومن الغرض هنا دفع ضمان التردي، فإن منعه المالك وقال: (رضيت باستدامة البئر).. امتنع عليه الطَّمُّ في الأصحِّ.
(وإذا أعاد الأرض كما كانت ولم يبق نقص.. فلا أرش) لعدم الموجب له (لكن

عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمُدَّةِ الإِعَادَةِ، وَإِنْ بَقِيَ نَقْصٌ.. وَجَبَ أَرْشُهُ مَعَهَا. وَلَوْ غَصَبَ زَيْتًا وَنَحْوَهُ وَأَغْلَاهُ فَنَقَصَتْ عَيْنُهُ دُونَ قِيمَتِهِ.. رَدَّهُ وَلَزِمَهُ مِثْلُ الذَّاهِبِ فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ نَقَصَتِ الْقِيمَةُ فَقَطْ.. لَزِمَهُ الأَرْشُ، وَإِنْ نَقَصَتَا.. غَرِمَ الذَّاهِبَ وَرَدَّ الْبَاقِيَ مَعَ أَرْشِهِ إِنْ كَانَ نَقْصُ الْقِيمَةِ أَكْثَرَ

عليه أجرةُ المثل لمدة الإعادة) لأنه فوَّتها بسبب هو فيه متعدٍّ، وعبارة "الشرح" و"الروضة" لمدة الحفر والإعادة 1، قال السبكي: وهذه أزيد فائدة.
(وإن بقي نقصٌ.. وجب أرشُه معها) أي: مع الأجرة؛ لاختلاف سببهما.
(ولو غصب زيتًا ونحوه) من الأدهان؛ كالسَّيْرج 2 (وأغلاه فنقصت عينهُ دون قيمته) بأن غصب صاعًا قيمته درهمٌ فصار إلى نصف صاع قيمته درهم (.. ردَّه ولزمه مثل الذاهب في الأصحِّ) لأنَّ له بدلًا مقدرًا، وهو المثل، فأوجبناه وإن زادت القيمة، كما لو خصى العبد فزادت قيمته؛ فإنَّه يضمن قيمته على الجديد، والزيادة الحاصلة أثر محض لا ينجبر به النقصان، والثاني: يردُّه، ولا شيء عليه؛ إذ ما فيه من الزيادة والنقصان حصل بسبب واحد؛ فينجبر النقصان بالزيادة.
(وإن نقصت القيمة فقط.. لزمه الأرش) قياسًا على غيره.
(وإن نقصتا.. غرم الذاهبَ وردَّ الباقي مع أرشه إن كان نقصُ القيمة أكثر) مما نقص من العين؛ كرطلين قيمتهما درهمان صارا بالإغلاء رطلًا قيمته نصف درهم؛ فيردُّ الباقي ويردُّ معه رطلًا ونصف درهم، فإن لم يكن نقص القيمة أكثر بألا يحصل في الباقي نقص فيغرم الذاهب ولا أرش للباقي.
وترك المصنف قسمًا رابعًا؛ لوضوحه، وهو: ما إذا لم تنقص عينه ولا قيمته؛ فيردُّه ولا شيء عليه.
ولو غصب عصيرًا وأغلاه.. فقيل: هو كالزيت؛ فيضمن مثلَ الذاهب وإن لم تنقص قيمته في الأصحِّ، والأصحُّ: أنَّه لا يضمن المثلَ والحالةُ هذه؛ لأنَّ الذاهب مائيتُه، والذاهبَ من الزيت زيت.

وَالأَصَحُّ: أَنَّ السِّمَنَ لَا يَجْبُرُ نَقْصَ هُزَالٍ قَبْلَهُ، وَأَنَّ تَذَكُّرَ صَنْعَةٍ نَسِيَهَا يَجْبُرُ النِّسْيَانَ. وَتَعَلُّمُ صَنْعَةٍ لَا يَجْبُرُ نِسْيَانَ أُخْرَى قَطْعًا. وَلَوْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ ثُمَّ تَخَلَّلَ.. فَالأَصَحُّ: أَنَّ الْخَلَّ لِلْمَالِكِ، وَعَلَى الْغَاصِبِ الأَرْشُ إِنْ كَانَ الْخَلُّ أَنْقَصَ قِيمَةً

(والأصحُّ: أن السِّمن لا يَجبُر نقصَ هُزالٍ قبله) مثاله: غصب جارية سمينة فهزلت ثمَّ سمنت؛ فإنَّه يردُّها وأرش السمن الأوّل؛ لأنَّ الثاني غيرُ الأوّل، والثاني: يجبر؛ كما لو جنى على عين.. فابيضت، وزال البياض.
وأشار بقوله: (نقص) إلى أن السمن المفرط الذي لا تنقص القيمة بزواله.. غير مضمون، وهو كذلك، فلو انعكس الحال؛ بأن سمنت المعتدلة عند الغاصب سمنًا مفرطًا فنقصت القيمة.. ردَّها ولا شيء عليه؛ لأنها لم تنقص حقيقةً ولا عرفًا، كذا نقله في "الكفاية" عن أبي الطيب، وأقره 1، وقاله سليم في "المجرد" أيضًا، قال الإسنوي والمنكت: (وفيه نظر) 2. (وأن تذكر صَنعةٍ نسيها يَجبر النسيان) أي: فيما إذا غصبه وهو يحسن صَنعة، فنسيها ثمَّ تذكرها، أو تعلمها؛ لأنَّ العائد هو الأوّل، والسمن الثاني زيادة في الجسم محسوسة مغايرة لتلك الأجزاء الذاهبة، والثاني: لا يجبر؛ كالسمن.
وقضية إطلاقه: أن التذكر في يد المالك يكون جائزًا أيضًا حتى يستردَّ ما دفع من الأرش، قال في "المطلب": وهو الذي يظهر 3. (وتعلم صَنعة لا يَجبر نسيانَ أخرى قطعًا) وإن كانت أرفع من الأولى؛ لاختلاف الأغراض.
(ولو غصب عصيرًا فتخمر ثمَّ تخلل.. فالأصحُّ: أن الخلَّ للمالك) لأنه عين ماله، وإنما انتقل من صفة إلى صفة، (وعلى الغاصب الأرش إن كان الخلُّ أنقصَ قيمةً) من العصير؛ لحصوله تحت يده، فإن لم تنقص قيمتُه.. اقتصر عليه،

وَلَوْ غَصَبَ خَمْرًا فَتَخَلَّلَتْ، أَوْ جِلْدَ مَيْتَةٍ فَدَبَغَهُ.. فَالأَصَحُّ: أَنَّ الْخَلَّ وَالْجِلْدَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ.

فَصلٌ [فيما يطرأ على المغصوب من زيادة ووطء وانتقال]

زِيَادَةُ الْمَغْصُوبِ إِنْ كَانَتْ أَثَرًا مَحْضًا كَقِصَارَةٍ.. فَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ بِسَبَبِهَا، وَلِلْمَالِكِ تَكْلِيفُهُ رَدَّهُ كَمَا كَانَ إِنْ أَمْكَنَ، وَأَرْشَ النَّقْصِ، وَإِنْ كَانَتْ عَيْنًا؛ كَبِنَاءٍ وَغِرَاسٍ.. كُلِّفَ الْقَلْعَ

والثاني: يغرم مثل العصير، والخلُّ للمالك؛ لأنَّ العصير قد لزمه بالتخمير، والتخليل الواقع بعده نعمة جديدة؛ فيكون المالك أولى بذلك؛ لأنه فرعُ ملكه.
(ولو غصب خمرًا فتخللت، أو جِلْد ميتة فدبغه.. فالأصحُّ: أن الخلَّ والجلد للمغصوب منه) لأنهما فرعا ملكه، فإن تلفا في يده.. غرمهما، والثاني: أنهما للغاصب؛ لحصولهما عنده مما ليس بمال، والثالث: الخلُّ للمالك دون الجلد؛ لأنه صار مالًا بفعله، والرابع: عكسه؛ لأنَّ جلد الميتة يُقتنى بخلاف الخمر.
واحترز بقوله: (غصب) عما لو أعرض المالك عنهما؛ بأن أراق الخمر أو ألقى الشاة الميتة فأخذها شخص.. فالأصحُّ في "زيادة الروضة" هنا، وفي "أصلها" في باب (الصيد والذبائح) أنَّه لا يسترد 1.

(فصل: زيادة المغصوب إن كانت أثرًا محضًا؛ كقصارة.. فلا شيء للغاصب بسببها) لتعديه، بخلاف المفلس فإنَّه يكون شريكًا؛ لعدم تعديه.
(وللمالك تكليفه ردَّه كما كان إن أمكن) كردِّ اللَّبِن طينًا، والدراهم سبائك؛ لتعديه بفعله، فإن لم يمكن كما في القصارة.. فلا يكلف ذلك، بل يردُّه بحاله، (وأرشَ النقص) إذا ردَّه ناقصًا عما كان حالَ الغصب؛ لأنه نشأ مما فعله متعديًا.
(وإن كانت عينًا؛ كبناء وغراس.. كُلِّف القلع) وأرش ما نقص؛ لأنه عرق ظالم.

وَإِنْ صَبَغَ الثَّوْبَ بِصِبْغِهِ وَأَمْكَنَ فَصْلُهُ.. أُجْبِرَ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ؛ فَإِنْ لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ.. فَلَا شَيْءَ لِلْغَاصِبِ فِيهِ، وَإِنْ نَقَصَتْ.. لَزِمَهُ الأَرْشُ، وَإِنْ زَادَتِ.. اشْتَرَكَا فِيهِ

(وإن صبغ الثوب بصِبغه وأمكن فصلُه) بأن كان الصبغ غير معقود (.. أجبر عليه في الأصحِّ) قياسًا على البناء والغراس، والثاني: لا؛ لما فيه من ضرر الغاصب، بخلاف الغراس فإنَّه لا يضيع بالإخراج.
ومحل الأوّل: إذا حصل من الصبغ عينٌ، فلو كان تمويهًا محضًا.. لم يجبر على الأصحِّ في "أصل الروضة" 1. (وإن لم يمكن) الفصل؛ بأن كان الصبغ معقودًا (فإن لم تزد قيمتُه) ولم تنقص بأن كانت قيمةُ الثوب عشرة، والصبغ أيضًا يساوي عشرة، فصارت قيمتُه بعد الصبغ عشرة، لا لانخفاض سوق الثياب، بل لأجل الصبغ (.. فلا شيء للغاصب فيه) لأنَّ صبغه كالمنمحق والحالةُ هذه.
(وإن نقصت) قيمته؛ بأن صار يساوي خمسة (.. لزمه الأرش) لأنَّ ذلك حصل بفعله.
(وإن زادت.. اشتركا فيه) هذا بصبغه، وهذا بثوبه، فإن لم ينقص عن العشرين في مثالنا السابق.. فهو بينهما نصفين، سواء زادت عليها أم لا، وإن نقصت.. حُسب النقصان على صاحب الصبغ؛ لتفريطه، فلو ساوى خمسة عشر مثلًا.. كان بينهما أثلائًا أيضًا، وقد أطلق الجمهور المسألة.
وفي "تعليق" القاضي أبي الطيب، والبَنْدَنيجي، وسليم، والقاضي الحسين، و"الشامل"، و"التتمة": إن كان النقص لانخفاض سعر الثياب.. فالنقص محسوبٌ على الثوب، أو سعر الصبغ أو الصنعة.. فعلى الصبغ، وإن زاد سعر أحدهما.. فالزيادة له، أو بسبب الصنعة.. فهي بينهما؛ لأنَّ كلَّ واحد منهما قد زاد بالصنعة، والزيادة إذا كانت أثرًا تسلم للمغصوب منه، قال الرافعي: ويمكن تنزيل

وَلَوْ خَلَطَ الْمَغْصُوبَ بِغَيْرِهِ وَأَمْكَنَ التَّمْيِيزُ.. لَزِمَهُ وَإِنْ شَقَّ، فَإِنْ تَعَذَّرَ.. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَالتَّالِفِ فَلَهُ تَغْرِيمُهُ، وَلِلْغَاصِبِ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنْ غَيْرِ الْمَخْلُوطِ. وَلَوْ غَصَبَ خَشَبَةً وَبَنَى عَلَيْهَا.. أُخْرِجَتْ، وَلَوْ أَدْرَجَهَا فِي سَفِينَةٍ.. فَكَذَلِكَ إِلَّا أَنْ

إطلاق مَنْ أطلق على هذا التفصيل 1. (ولو خلط المغصوب بغيره وأمكن التمييز.. لزمه وإن شقَّ) سواء خلط بالجنس أو بغيره؛ لإمكان ردِّ عين ما أخذ، فإن لم يمكن تمييز جميعه.. وجب تمييز ما أمكن، قاله في "الشامل".
(فإن تعذر) كأن خلط الزيت بالزيت (.. فالمذهب: أنَّه كالتالف، فله تغريمه) سواء خلطه بمثله أم بأجود أم بأردأ؛ لأنه لمَّا تعذر ردُّه أبدًا.. أشبه التالف، والثاني: أنهما يشتركان في المخلوط، ويرجع في قدر حقِّه منه؛ قياسًا على مسألة الصبغ.
والطريق الثاني: القطع بالأول، والثالث: إن خلط بمثله.. اشتركا، وإلا.. فكالهالك.
وكلامه يشمل: ما لو خلطه بغير جنسه؛ كزيت بشَيْرَج، وفيه الطريقان، لكنه أولى؛ لكونه كالهالك.
(وللغاصب أن يعطيه من غير المخلوط) لأنَّ الحقَّ قد انتقل إلى الذمة؛ إذ التفريع على قول الهلاك.
(ولو غصب خشبةً وبنى عليها.. أُخرجت) ولو تلف على الغاصب بسببه أضعاف قيمته لتعديه.
هذا إذا لم تعفن، فإن عفنت.. فهي كالهالكة؛ فلا تنزع، قال الشيخ برهان الدين الفزاري: المراد بعفنها: أن تبقى بحيث لو أخرجت.. لم تكن لها قيمة.
وحكم الآجرِّ واللَّبِن والجص: حكم الخشبة، فلو قال: (غصب شيئًا).. لكان أعمَّ.
(ولو أدرجها في سفينة.. فكذلك) أي: أنها تخرج إن لم تعفن؛ لما مرَّ (إلا أن

يَخَافَ تَلَفَ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ مَعْصُومَيْنِ. وَلَوْ وَطِئَ الْمَغْصُوبَةَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ.. حُدَّ، وَإِنْ جَهِلَ.. فَلَا حَدَّ، وَفِي الْحَالَيْنِ يَجِبُ الْمَهْرُ إِلَّا أَنْ تُطَاوِعَهُ فَلَا يَجِبُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَعَلَيْهَا الْحَدُّ إِنْ عَلِمَتْ. وَوَطْءُ الْمُشْتَرِي مِنَ الْغَاصِبِ كَوَطْئِهِ فِي الْحَدِّ وَالْمَهْرِ،

يخاف تَلَف نفسٍ أو مالٍ معصومين) بأن كانت في لُجَّة البحر والخشبة في أسفلها؛ لحرمتهما وله أمد ينتظر.
وله المطالبة بالقيمة للحيلولة.
ولم يقيدا في "الشرح" و"الروضة" المال بالمعصوم 1، وكأن المصنف احترز به عن مال الحربي 2، وأما مال الغاصب.. ففيه خلاف، والأصحُّ في "زيادة الروضة": أنها لا تنزع 3. (ولو وطئ المغصوبة عالمًا بالتحريم.. حُدَّ) لأنه زنًا، سواء كانت عالمة أو جاهلة، (وإن جهل) تحريم الوطء؛ لجهله بتحريم الزنا مطلقًا، أو لتوهم حلِّها لدخولها بالغصب في ضمانه، وقبلنا قوله؛ بأن قرب عهده بالإِسلام، أو نشأ ببادية بعيدة عن المسلمين (.. فلا حدَّ) للشبهة.
(وفي الحالين) أي: حالي علمه وجهله (يجب المهر) لأنها ليست زانيةً والحالةُ هذه، (إلا أن تطاوعه فلا يجب على الصحيح) لأنها زانية، وقد نهي عن مهر البغي 4، وهي الزانية، والثاني: يجب؛ لأنه للسيد فلا تؤثر طواعيتُها فيه.
وأجاب الأوّل: بأن المهر وإن كان للسيد.. فقد عهدنا أنَّه يتأثر بفعلها؛ بدليل ما لو ارتدت قبل الدخول.
(وعليها الحدُّ إن علمت) التحريم لزناها، فإن جهلت.. فلا، ولم يتعرض لأرش البكارة، وفيه اضطرابٌ نذكره في (كتاب الديات) إن شاء الله تعالى.
(ووطء المشتري من الغاصب كوطئه) أي: كوطء الغاصب (في الحدِّ والمهر)

فَإِنْ غَرِمَهُ.. لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْغَاصِبِ فِي الأَظْهَرِ، وَإِنْ أَحْبَلَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ.. فَالْوَلَدُ رَقِيقٌ غَيْرُ نَسِيبٍ، وَإِنْ جَهِلَ.. فَحُرٌّ نَسِيبٌ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ يَوْمَ الانْفِصَالِ، وَيَرْجِعُ بِهَا الْمُشْتَرِي عَلَى الْغَاصِبِ. وَلَوْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَغَرِمَهُ.. لَمْ يَرْجِعْ،

لاشتراكهما في وضع أيديهما على مال الغير بغير حقٍّ، فيعود ما ذكرناه في حالتي العلم والجهل، إلا أن جهل المشتري قد ينشأ من الجهل بكونها مغصوبةً أيضًا؛ فتقبل دعواه من غير اشتراط قرب عهده بالإِسلام، وكونه نشأ ببادية بعيدة.
(فإن غرمه) أي: غرم المالك المشتري المهر (.. لم برجع به) المشتري (على الغاصب في الأظهر) لأنه قد انتفع، وباشر الإتلاف، والثاني: يرجع إذا جهل الغصب؛ لأنه لم يدخل في العقد على ضمانه، فيرجع به على من غرَّه، وهو البائع.
وأجري هذا الخلاف في أرش البكارة أيضًا، قال الرافعي: وعدم الرجوع به أظهر؛ لأنه بدل جزء منها أتلفه، فأشبه ما لو قطع عضوًا من أعضائها 1. (وإن أحبل) المشتري منه (عالمًا بالتحريم.. فالولد رقيق غير نسيب) لأنه زنًا، (وإن جهل.. فحرٌّ نسيبٌ) للشبهة، والمشهور - كما قال في "المطلب" -: أنَّه انعقد حرًّا لا رقيقًا، ثمَّ عُتق.
(وعليه قيمته) بتقدير رقِّه، لتفويته رقَّه بظنه (يوم الانفصال) لأنَّ التقويم قبله غيرُ ممكن.
هذا إن انفصل حيًّا، فإن انفصل ميتًا بجناية.. فعلى الجاني الغرَّة، وعليه عشر قيمة الأم للمالك؛ لأنا نقدره رقيقًا في حقِّه، وإن انفصل ميتًا بغير جناية.. فالمشهور: عدم ضمانه؛ لعدم تيقن حياته.
(ويرجع بها) أي: بالقيمة (المشتري على الغاصب) لأنَّ الشراء لم يوجب ضمانه، لأنَّ مقتضاه: أن يسلم له الولد حرًّا من غير غرامة.
(ولو تلف المغصوب عند المشتري وغرمه.. لم يرجع) به عالمًا كان أو جاهلًا؛ لأنَّ المبيع بعد القبض من ضمان المشتري، فلما أقدم على الشراء.. وطن نفسه على أنَّه من ضمانه.

وَكَذَا لَوْ تَعَيَّبَ عِنْدَهُ فِي الأَظْهَرِ، وَلَا يَرْجِعُ بِغُرْمٍ مَنْفَعَةٍ اسْتَوْفَاهَا فِي الأَظْهَرِ، وَيَرْجِعُ بِغُرْمِ مَا تَلِفَ عِنْدَهُ وَبِأَرْشِ نَقْصِ بِنَائِهِ وَغِرَاسِهِ إِذَا نُقِضَ فِي الأَصَحِّ. وَكُلُّ مَا لَوْ غَرِمَهُ الْمُشْتَرِي رَجَعَ بِهِ لَوْ غَرِمَهُ الْغَاصِبُ.. لَمْ يَرْجِعْ بِهِ عَلَى الْمُشْتَرِي،

(وكذا لو تعيب عنده في الأظهر) تسويةً بين الجملة والأجزاء، والثاني: يرجع؛ لأنَّ العقد يوجب ضمانَ الجملة ولا يوجب ضمانَ الأجزاء على الانفراد؛ بدليل أن المبيع لو تعيَّب قبل القبض.. لم يكن له استرداد ما يقابله، بل إمَّا أن يرضى به معيبًا أو يفسخ، ولو تلف.. لكان يستردُّ كلَّ الثمن.
ومحلُّ الخلاف: إذا تعيب لا بفعل المشتري، فإن كان بفعله.. فلا يرجع قطعًا.
(ولا يرجع بغُرمِ منفعة استوفاها) كالسكنى والركوب واللبس (في الأظهر) هما القولان في المهر، وقد مرَّ توجيههما.
(ويرجع بغُرم ما تلف عنده وبأرش نقص بنائه وغراسه إذا نُقِض في الأصحِّ) في المسألتين: أما الأولى: وهي منافع المغصوب إذا تلفت تحت يد المشتري ولم يستوفها.. فيضمنها للمالك بأجرة مثلها، وهل يرجع بها على الغاصب؟ فيه وجهان: أحدهما: لا؛ تنزيلًا للتالف تحت يده منزلةَ الإتلاف، وأصحهما: نعم؛ لأنه لم يتلف، ولا شرع في العقد على أن يضمنه.
وأما الثانية: وهي ما إذا بني المشتري أو غرس في الأرض المغصوبة، ثمَّ نقض المالك بناءه وغراسه، فهل يرجع بأرش النقصان على الغاصب؟ فيه وجهان: والأصح: الرجوع؛ لأنه قد شرع في العقد على ظن السلامة فيرجع على من غرَّه، وهو الغاصب، ووجه مقابله: القياس على عدم الرجوع بما أنفق على العمارة، وكأنه بالبناء متلف ماله.
وثمرة الشجرة ونتاج الدابة وكسب العبد كالمنفعة، قاله المتولي، قال السبكي: ويمكن إدخاله في كلام المصنف، ولولا أنَّه شامل لذلك.. لقال: (ما فات) لأنها العبارة المستعملة في المنفعة.
(وكلُّ ما لو غرمه المشتري رجع به) على الغاصب؛ كقيمة الولد وأجرة المنافع الفائتة تحت يده (لو غرمه الغاصب) للمالك (.. لم يرجع به على المشتري) لأنَّ

وَمَا لَا.. فَيَرْجِعُ. قُلْتُ: وَكُلُّ مَنِ انْبَنَتْ يَدُهُ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ فَكَالْمُشْتَرِي، وَاللهُ أَعْلَمُ.

القرار عليه لا على المشتري، والرجوع على من عليه القرار.
(وما لا.. فيرجع) أي: وكلُّ ما لو غرمه المشتري.. لكان لا يرجع به على الغاصب؛ كقيمة المنافع التي استوفاها، فإذا غرمه الغاصب.. رجع به على المشتري؛ لأنَّ القرار عليه.
(قلت: وكلُّ من انبنت يده على يد الغاصب فكالمشتري، والله أعلم) أي: في الضابط المذكور في الرجوع وعدمه، وليس المراد: أنَّه كالمشتري في جميع ما سبق.
وقوله: (انبنت) هو بألف ثمَّ نون ثمَّ باء موحدة ثمَّ نون ثمَّ تاء مثناة من فوق، كذا ضبطه المصنف بخطه.

جارٍ التحميل