صَحَّتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ فِي الأَظْهَرِ، وَسَهْوُ كُلِّ فِرْقةٍ مَحْمُولٌ فِي أُولَاهُمْ، وَكَذَا ثَانِيَةُ الثَّانِيَةِ فِي الأَصَحِّ، لا ثانِيَةُ الأُولَى. وَسَهْوُهُ فِي الأُولَى يَلْحَقُ الْجَمِيعَ، وَفِي الثَّانِيَةِ لَا يَلْحَقُ الأَوَّلِينَ. وَيُسَنُّ حَمْلُ السِّلَاحِ فِي هَذِهِ الأَنْوَاعِ، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ
وانتظر فراغها ومجيء من بعدها (.. صحت صلاة الجميع في الأظهر) لأنه قد يحتاج إليه بأن يكون العدو ست مئة، والمسلمون أربع مئة، فيحتاج إلى وقوف ثلاثة أرباع الجند في وجه العدو، ومقابل الأظهر: أربعة أقوال: أحدها: صحة صلاة الإمام، والطائفة الرابعة فقط، والثاني: بطلان صلاة الإمام، وصحة صلاة الطائفة الأولى والثانية، والفرق في حق الثالثة والرابعة بين أن يعلموا بطلان صلاة الإمام أم لا، والثالث: صحة صلاة الثالثة لا محالة، والباقي كالقول الثاني، والرابع: بطلان صلاة الجميع.
(وسهو كل فرقة) أي: إذا فرّقهم فرقتين، كما صرح به في "المحرر" 1 (محمول في أُولاهم) لأنهم فيها مقتدون حسًّا وحكمًا، (وكذا ثانية الثانية في الأصح) لأن حكم القدوة مستمرّ في حقّهم، والثاني: لا؛ لأنهم منفردون بها حسًّا (لا ثانية الأولى) لانفرادهم حسًّا وحكمًا.
(وسهوه) أي: الإمام (في الأولى يلحق الجميع) فيسجد المفارقون عند تمام صلاتهم وإن كان سهوه قبل اقتداء الفرقة الثانية؛ للنقصان الحاصل في صلاته، (وفي الثانية لا يلحق الأولين) لمفارقتهم قبل السهو، بخلاف الثانية.
(ويسن حمل السلاح في هذه الأنواع) من صلاة الخوف احتياطًا (وفي قول: يجب) لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ وحمل الأولُ الآية على الندب؛ إذ لو وجب.. لكان تركه مفسدًا كغيره مما يجب في الصلاة، ولا تفسد به قطعًا، والخلاف مخصوص بطهارة السلاح، وعدم منعه صحة الصلاة؛ كالبيضة المانعة من السجود، وألّا يؤذي غيره، فإن آذى؛ كالرمح وسط الصف.. كره حمله، وأن يكون الخطر بتركه محتملًا، فإن كان ظاهرًا.. وجب الحمل قطعًا؛ لئلا يكون مستسلمًا للكفار، ووضع السلاح بين يديه - إذا سهل تناوله - كالحمل له.
الرَّابعُ: أَنْ يَلْتَحِمَ الْقِتَالُ أَوْ يَشْتَدَّ الْخَوْفُ فَيُصَلِّي كَيْفَ أَمْكَنَ رَاكِبًا وَمَاشِيًا، ويُعْذَرُ فِي تَرْكِ الْقِبْلَةِ، وَكَذَا الأَعْمَالُ الْكَثِيرَةُ لِحَاجَةٍ فِي الأَصَحِّ، لَا صِيَاحٌ، وَيُلْقِي السِّلَاحَ إِذَا دَمِيَ، فَإِنْ عَجَزَ.. أَمْسَكَهُ، وَلَا قَضَاءَ فِي الأَظْهَرِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ رُكُوع أَوْ سُجُودٍ.. أَوْمَأَ،
(الرابع: أن يلتحم القتال) ولم يمكن تركه (أو يشتد الخوف) وإن لم يلتحم القتال؛ بأن لم يأمنوا أن يركبوهم لو انقسموا فرقتين (فيصلي كيف أمكن راكبًا وماشيًا) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.
(ويعذر في ترك القبلة) لما مرّ في بابه (وكذا الأعمال الكثيرة لحاجة في الأصح) كالضربات المتوالية؛ قياسًا على ما ورد، وهو المشي وترك الاستقبال، والثاني: لا يعذر؛ لأن النصّ ورد في هذين فيبقى ما عداهما على الأصل.
(لا صياح) فإنه لا يعذر فيه؛ لعدم الحاجة إليه، لأن الساكت أهيب.
(ويلقي السلاح إذا دمي) بما لا يعفى عنه إن استغنى عنه، تصحيحًا لصلاته، وفي معنى إلقائه: جعلُه في قِرابه تحت ركابه.
(فإن عجز) بأن احتاج إلى إمساكه (أمسكه) للحاجة (ولا قضاء في الأظهر) لأنه عذر يعمّ في حقّ المقاتل، فأشبه المستحاضة، والثاني: يقضي؛ لندور العذر.
وما رجحه تبع فيه "المحرر" فإنه قال: إنه الأقيس، وهو ما جزما به في "الشرحين" و"الروضة" في (باب شروط الصلاة) 1، لكن نقلا في "الشرح" و"الروضة" هنا عن الإمام عن الأصحاب وجوب القضاء، وأنه ليس فيه إلّا بحث للإمام، وقال في "شرح المهذب": ظاهر كلام الأصحاب: القطع بالوجوب، قال في "المهمات": وقد نص عليه في "البويطي"، وحكاه ابن الرفعة عن "تعليق" القاضي حسين، وحينئذ فتكون الفتوى عليه 2.
(فإن عجز عن ركوع أو سجود.. أومأ) بهما للضرورة، وثبت ذلك في "صحيح
وَالسُّجُودُ أَخْفَضُ. وَلَهُ ذَا النَّوْعُ فِي كُلِّ قِتَالٍ وَهَزِيمَةٍ مُبَاحَيْنِ، وَهَرَبٍ مِنْ حَرِيقٍ، وَسَيْلٍ، وَسَبُعٍ، وَغَرِيمٍ عِنْدَ الإِعْسَارٍ وَخَوْفِ حَبْسِهِ، وَالأَصَحُّ: مَنْعُهُ لِمُحْرِمٍ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ، وَلَوْ صَلَّوْا لِسَوَادٍ ظَنُّوهُ عَدُوًّا فَبَانَ.. قَضَوْا فِي الأَظْهَرِ.
مسلم" عن ابن عمر رضي الله عنهما 1، (والسجود أخفض) من الركوع؛ ليحصل التمييز بينهما (وله ذا النوع) أي: صلاة شدة الخوف (في كل قتال وهزيمة مباحين) لأن المنع منه فيه ضرر، ويحرم في القتال المحرم بالإجماع، [والمراد بالمباح هنا: ما لا إثم فيه] 2 ولو كان واجبًا؛ كقتال البغاة.
(وهرب من حريق، وسيل، وسبع) ونحوه؛ لوجود الخوف (وغريم عند الإعسار، وخوف حبسه) دفعًا لضرر الحبس، وهذا حيث لا بينة له، ولا يصدق فيه، وإذا جوزنا صلاة شدة الخوف لغير القتال.. فلا إعادة على الأظهر.
(والأصح منعه لمحرم خاف فوت الحج) لو صلى العشاء متمكنًا لضيق وقت الوقوف؛ لأنه لا يخاف فوات شيء حاصل، بل يروم تحصيل ما ليس بحاصل، فأشبه خوف فوات العدوّ عند انهزامهم، والثاني: يجوز له ذلك؛ لأن الضرر الذي يلحقه بفوات الحج لا ينقص عن ضرر الحبس أيامًا في حقّ المعسر، وعلى الأول: رجح الرافعي أنه يصلّي مطمئنًا، ويفوت الحج؛ لعظم حرمة الصلاة 3.
وقال المصنف: الصواب: أنه يؤخر الصلاة، ويقضي، ويحصل الوقوف؛ لأن أمر الحج خطر، وقد جوّزوا تأخير الصلاة لأمور لا تقارب المشقةُ فيها هذه المشقة؛ كالتأخير للجمع 4.
(ولو صلوا) صلاة شدّة الخوف (لسواد ظنوه عدوًا فبان) الحال بخلافه (.. قضوا في الأظهر) لعدم الخوف في نفس الأمر؛ كما لو أخطأ في الطهارة، والثاني: لا؛ اعتبارًا بالظاهر، ويجري الخلاف فيما لو رأوا عدوًا فخافوهم فصلَّوها، ثم بان
فصلٌ [فيما يجوز لبسه وما لا يجوز]
يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ اسْتِعْمَالُ الْحَرِيرِ بِفَرْشٍ وَغَيْرِهِ، وَيَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ لُبْسُهُ، وَالأَصَحُّ: تَحْرِيمُ افْتِرَاشِهَا، وَأَنَّ لِلْوَليِّ إِلْبَاسَهُ الصَّبِيَّ.
أنه كان بينهم خندق، وخصص في "المعين" الخلاف في الصورتين بما إذا كان العدوّ زائدًا على الضعف حتى يجوز لهم الهرب، وإلا.. فتجب الإعادة قطعًا.
(فصل: يحرم على الرجل استعمال الحرير بفرش وغيره) من وجوه الاستعمال إلا ما يأتي استثناؤه؛ لقول حذيفة: (نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير، والديباج، وأن نجلس عليه) رواه البخاري 1، والخنثى كالرجل، وفيه احتمال، والقَزُّ كالحرير على الأصحِّ.
(ويحل للمرأة لبسه) بالإجماع.
(والأصح: تحريم افتراشها) للسرف والخيلاء، بخلاف اللبس؛ فإنه زينة؛ كالتحلّي، والثاني: يحل؛ لعموم قوله عليه السلام: "أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لإنَاثِ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا" صححه الترمذي 2.
ولا يسلم قائله أن إباحته لمجرد التزين للزوج؛ إذ لو كان كذلك.. لاختص بالمزوجة ونحوها دون الخلية، وأجمعوا على أنه لا يختص.
(وأن للولي إلباسه الصبي) لأنه لائق بحاله؛ إذ ليس له شهامة يناقضها، والثاني: المنع؛ لعموم الحديث المارّ، فيجب على الولي منعه منه؛ كغيره من المحرمات، ورجحه ابن الصلاح، وقيل: يختصّ الجواز بما دون سبع سنين كي لا يعتاده، ورجحه الرافعي في "الشرحين" 3.
قُلْتُ: الأَصَحُّ: حِلُّ افْتِرَاشِهَا، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَغَيْرُهُمْ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَحِلُّ لِلرَّجُلِ لُبْسُهُ لِلضَّرُورَةِ كَحَرٍّ وَبَرْدٍ مُهْلِكَيْنِ، أَوْ فَجْأَةِ حَرْبٍ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، وَلِلْحَاجَةِ كَجَرَبٍ وَحِكَّةٍ وَدَفْعِ الْقَمْلِ، وَلِلْقِتَالِ كَدِيبَاجٍ لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، وَيَحْرُمُ الْمُرَكَّبُ مِنْ إِبْرِيسَمٍ وَغَيْرِهِ إِنْ زَادَ وَزْنُ الإِبْرِيسَمِ، وَيَحِلّ عَكْسُهُ،
ويستثنى من الخلاف يوما العيد؛ فيجوز فيهما إلباسه الحرير والحلي قطعًا؛ لأنه يوم زينة، كذا نقله في "شرح المهذب" في (باب صلاة العيدين) عن الشافعي والأصحاب 1.
(قلت: الأصح: حلّ افتراشها، وبه قطع العراقيون وغيرهم، والله أعلم) لما مرّ.
(ويحل للرجل لبسه للضرورة كحرٍّ وبرد مهلكين، أو فجأة حرب ولم يجد غيره) للضرورة، وفي معنى خوف الهلاك: الخوف على العضو والمنفعة، وكذا الخوف من المرض الشديد؛ كما قاله الإسنوي وغيره 2.
(وللحاجة كجرب وحكة ودفع القمل) لأنه عليه السلام (أرخص لعبد الرحمن بن عوف، وللزبير في لبس الحرير؛ لحكة كانت بهما) متفق عليه 3.
وفي "الصحيحين" أيضًا: (أنه أرخص لهما فيه في غزاة؛ بسبب القمل) 4.
والمعنى فيه: أن الحرير لا يقمل، وقضية كلامه: أن الحكة غير الجرب، والذي في "الصحاح" و"تهذيب اللغات": أن الحكة هي الجرب 5.
(وللقتال كديباج لا يقوم غيره مقامه) في دفع السلاح؛ لأن حاجة دفع الأبطال عند قصد القتال لا تتقاعد عن الحاجة إلى دفع القمل والحكة؛ فإن وجد غيره مما يقوم مقامه.. فالأصحُّ: التحريم؛ لعدم الضرورة.
(ويحرم المركب من إبريسم وغيره إن زاد وزن الإبريسم، ويحلّ عكسه) تغليبًا
وَكَذَا إِنِ اسْتَوَيَا فِي الأَصَحِّ. وَيَحِلُّ مَا طُرِّزَ أَوْ طُرِّفَ بِحَرِيرٍ قَدْرَ الْعَادَةِ، وَلُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَنحْوِهَا، لَا جِلْدِ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ إِلَّا لِضَرُورَة كَفَجْأَةِ قِتَالٍ،
لجانب الأكثر (وكذا إن استويا في الأصح) لأنه لا يسمّى ثوبَ حرير، والأصل في المنافع الإباحة، والثاني: يحرم؛ تغليبًا للتحريم.
(ويحلّ ما طرز أو طرف بحرير قدر العادة) لحديث ابن عباس: (إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثوب الْمُصْمَت من الحرير، وأما العلَم وسدى الثوب.. فلا بأس) رواه أبو داوود بإسناد صحيح 1.
والمصمت بضم الميم: الخالص، والعلم بفتح العين واللام: هو الطراز.
قال الأَذْرَعي: والظاهر: أن الطراز المركب على الثوب، والمنسوج معه، والمعمول عليه.. سواء في الحكم، والمُطَّرف: المسجف.
وفي "صحيح مسلم": (أنه عليه الصلاة والسلام كان له جبة مكفوفة الفرجين بالديباج) 2، وفي "النسائي" بسند صحيح: (الفرجين والكمين والجيب) 3.
ويشترط: ألا يزيد الطراز على أربعة أصابع، فإن جاوزها.. حرم.
وخرج بالحرير: الذهب؛ فلا يجوز التطريز والتطريف به مطلقًا.
(ولبس الثوب النجس) أي: المتنجس (في غير الصلاة ونحوها) لأن تكليف إدامة طهارته يشقّ خصوصًا للفقير وبالليل، نعم؛ يكره.
(لا جلد كلب وخنزير) وفرعهما، وفرع أحدهما؛ لأن الخنزير لا ينتفع به في حياته، وكذلك الكلب، إلا في الاصطياد ونحوه، فبعد الموت أولى ألّا ينتفع بهما.
(إلا لضرورة؛ كفجأة قتال) أو خاف على نفسه من حرّ أو برد، ولم يجد غيره؛ فإنه يجوز كما يجوز أكل الميتة عند الاضطرار.
وَكَذَا جِلْدُ الْمَيْتةِ فِي الأَصَحِّ. وَيَحِلُّ الاسْتِصْبَاحُ بالدُّهْنِ النَّجِسِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
(وكذا جلد الميتة) في حال الاختيار (في الأصح) مثار الخلاف: أن تحريم جلد الكلب والخنزير.. لنجاسة العين، أو لما خصّا به من التغليظ، فيحرم على الأول، لا على الثاني.
(ويحل الاستصباح بالدهن النجس على المشهور) مع الكراهة، سواء تنجس بعارض، أو كان نجس العين؛ كوَدَك الميتة؛ لأنه عليه السلام سئل عن الفأرة تقع في السمن الذائب، فقال: "اسْتَصْبحُوا بِهِ"، أو قال: "انْتَفِعُوا بِهِ" رواه الطحاوي في "بيان المشكل"، وقال: إنَ رجاله ثقات 1، والثاني: لا يجوز؛ لاحتمال أن يصيب ثوبه أو بدنه شيء من دخان النجاسة.
بابُ صلاة العيدين هِيَ سُنَّةٌ، وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَتُشرَعُ جَمَاعَةً، وَلِلْمُنْفَرِدِ والْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ. وَوَقْتُهَا: بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَزَوَالِهَا، وَيُسَنُّ تأخِيرُهَا لِتَرْتَفِعَ كَرُمْحٍ. وَهِيَ رَكْعَتَانِ يُحْرِمُ بِهَا، ثُمَّ يَأْتِي بِدُعَاءِ الافْتِتَاحِ، ثمَّ سَبع تَكْبِيرَاتٍ
﴿باب صلاة العيدين﴾
العيد: مشتق من العود، وهو التكرار؛ لتكرره في كلّ عام.
(هي سنة) لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2)﴾ قيل: المراد بالصلاة: صلاة عيد النحر، وبالنحر: الأضحية، ولمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليها، وإنما لم تجب؛ لحديث الأعرابي الصحيح: (هل عليّ غيرها؟ أي: غير الخمس، قال: "لَا، إلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ") 1.
(وقيل: فرض كفاية) لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة؛ كردّ السلام، ويستثنى: الحاج بمنى، فلا يستحبّ له صلاة العيد؛ كما في "شرح المهذب" في (الأضحية) عن العبدري، وحكاه الماوردي في (الحج) عن النص 2.
(وتشرع جماعة) وهو أفضل بالإجماع (وللمنفرد والعبد والمرأة والمسافر) كسائر النوافل.
(ووقتها بين طلوع الشمس وزوالها) لأن مبنى الصلاة التي تشرع فيها الجماعة على عدم الاشتراك في الأوقات، وهذه الصلاة منسوبة إلى اليوم، واليوم يدخل بطلوع الفجر، وليس فيه وقت خال عن صلاة تشرع لها الجماعة إلا ما ذكرناه، (ويسن تأخيرها لترتفع كرمح) ليخرج وقت الكراهة.
(وهي ركعتان) بالإجماع (يحرم بها) بنية صلاة عيد الفطر أو الأضحى (ثم يأتي بدعاء الافتتاح) كسائر الصلوات (ثم سبع تكبيرات) غير تكبيرة الإحرام؛ للاتباع،
يَقِفُ بَيْنَ كُلِّ ثِنْتَيْنِ كآيَةٍ مُعْتَدِلَةٍ يُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ وَيُمَجِّدُ، وَيَحْسُنُ: (سُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ للهِ، وَلَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ)، ثُمَّ يَتَعَوَّذُ وَيَقْرَأُ، وَيُكَبِّرُ فِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْجَمِيع، وَلَسْنَ فَرْضًا وَلَا بَعْضًا، وَلَوْ نَسِيَهَا وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ.. فَاتَتْ، وَفِي الْقَدِيمِ: يُكَبِّرُ مَا لَمْ يَرْكَعْ
كما رواه الدارقطني، وصححه البخاري 1.
(يقف بين كل ثنتين كآية معتدلة يهلل ويكبر ويمجد) 2 رواه البيهقي عن ابن مسعود قولًا وفعلًا 3، (ويحسن) كما ذكره الجمهور أن يقول: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) لأنه لائق بالحال، وهي الباقيات الصالحات في قول ابن عباس وجماعة 4.
(ثم يتعوذ) لأنه لاستفتاح القراءة، فليكن بعد التكبيرات وقبل القراءة (ويقرأ) (الفاتحة) كغيرها من الصلوات، (ويكبر في الثانية خمسًا قبل القراءة) 5 للاتباع أيضًا.
(ويرفع يديه في الجميع) أي: في جميع التكبيرات قياسًا على غيره من تكبيرات الصلاة، ويستحب أن يضع يمناه على يسراه بين كلّ تكبيرتين على الأصحِّ.
(ولسن) أي: التكبيرات الزائدة (فرضًا ولا بعضًا) فلا سجود لتركهن، بل هنّ من الهيئات؛ كالتعوذ، ودعاء الاستفتاح.
(ولو نسيها وشرع في القراءة.. فاتت) لفوات وقتها؛ لأن محلّها قبل القراءة، فلو عاد.. لم تبطل صلاته، (وفي القديم: يكبر ما لم يركع) لبقاء محلّه، وهو
وَيَقْرَأُ بَعْدَ (الْفَاتِحَةِ) فِي الأُولَى (ق)، وَفِي الثَّانِيَةِ (اقْتَرَبَتْ) بِكَمَالِهِمَا جَهْرًا، وَيُسَنُّ بَعْدَهَا خُطْبَتَانِ، أَرْكَانُهُمَا كَهِيَ فِي الْجُمُعَةِ، وَيُعَلِّمُهُمْ فِي الْفِطْرِ الْفِطْرَةَ، وَفِي الأَضحَى الأُضْحِيَةَ، يَفْتَتِحُ الأَولَى بِتِسْعِ تَكْبِيرَاتٍ، وَالثَّانِيَةَ بِسَبع وِلَاءً
القيام، فعلى هذا: لو تذكره في أثناء (الفاتحة).. قطعها وكبر ثم استأنف القراءة، أو بعد فراغها.. كبر، وندب إعادة (الفاتحة)، وقيل: يجب.
ولو تذكره في الركوع أو بعده.. مضى في صلاته ولم يكبر، فإن عاد إلى القيام ليكبر.. بطلت صلاته، كذا قالاه، قال ابن الملقن: (ولعله في العالم، أما الجاهل.. فيعذر) 1.
(ويقرأ بعد "الفاتحة" في الأولى "ق"، وفي الثانية "اقتربت" بكمالهما) تأسيًا؛ كما ثبت في "صحيح مسلم" 2، وفيه: (أنه عليه الصلاة والسلام قرأ بـ "سبح"، و"الغاشية") 3، قال في "الروضة": وكلاهما سنة 4، (جهرًا) بالإجماع.
(ويسن بعدها خطبتان) أما كون الخطبة بعدها.. فللاتباع 5، وأما تكرار الخطبة.. فبالقياس على الجمعة.
(أركانهما كهي في الجمعة) كما تقدم في بابه، وخرج بتعبيره بالأركان: القيام؛ فإنه لا يجب على القادر هنا على الأصحِّ.
(ويعلمهم في الفطر الفطرةَ، وفي الأضحى الأضحيةَ) أي: يذكر من أحكامهما ما تعمّ الحاجة إليه؛ لأنه لائق بالحال.
(يفتتح الأولى بتسع تكبيرات، والثانية بسبع ولاء) لقول بعض التابعين: إنه من السنة 6.
ويُنْدَبُ: الْغُسْلُ، وَيَدْخُلُ وَقْته بِنِصفِ اللَّيْلِ -وَفِي قَوْلٍ: بِالْفَجْرِ- وَالطِّيبُ وَالتَّزَيُّنُ كَالْجُمُعَةِ، وَفِعْلُهَا بِالْمَسْجِدِ أَفْضَلُ -وَقِيلَ: بِالصحْرَاءِ إلَّا لِعُذْرٍ، وَيَسْتَخْلِفُ مَنْ يُصَلى بِالضَّعَفَةِ- وَيَذْهَبُ فِي طَرِيقٍ ويَرْجِعُ فِي أُخْرَى،
قال المصنف: وهي مقدمة للخطبة، لا منها، نص عليه 1.
(ويندب الغسل) قياسًا على الجمعة (ويدخل وقته بنصف الليل) كأذان الصبح، والمعنى فيه: أن أهل السواد يبكرون من قراهم 2، ويحتاجون لتقديمه، (وفي قول: بالفجر) كالجمعة، والفرق على الأول: تأخير الصلاة هناك، وتقديمها ههنا.
(والطيب والتزين كالجمعة) لأنه يوم زينة، وسواء حضر الصلاة أم لم يحضر.
نعم؛ المرأة إذا خرجت للصلاة.. فإنها تتنظف بالماء فقط من غير طيب ولا زينة.
(وفعلها بالمسجد أفضل) لشرفه (وقيل: بالصحراء) تأسيًا به عليه السلام، وأجاب الأول: بأنه عليه السلام إنما خرج إلى الصحراء؛ لضيق مسجده.
(إلا لعذر) كضيق المسجد على الوجه الأول، وكالوَحَل على الوجه الثاني؛ لأنه عليه السلام صلّى بهم في المسجد يوم عيد لأجل المطر، رواه أبو داوود 3.
نعم؛ المسجد الحرام فعلها فيه أفضل قطعًا؛ لفضل البقعة، ومشاهدة الكعبة، وألحق الصَيْدَلاني وغيره به بيت المقدس.
(ويستخلف من يصلي بالضعفة) إذا خرج إلى الصحراء؛ لأن عليًّا رضي الله عنه استخلف أبا مسعود الأنصاري في ذلك، رواه الشافعي بإسناد صحيح 4.
(ويذهب في طريق ويرجع في أخرى) للاتباع، كما رواه البخاري 5.
واختلف في سببه على أقوال: أصحها عند الشيخين: أنه كان يذهب في أطول
وَيُبَكِّرُ النَّاسُ، وَيَحْضُرُ الإِمَامُ وَقْتَ صلَاتِهِ وَيُعَجِّلُ فِي الأَضْحَى. قُلْتُ: وَيَأْكُلُ فِي عِيدِ الْفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَيُمْسِكُ فِي الأَضْحَى،
الطريقين، ويرجع في أقصرهما؛ لأن الذهاب أفضل من الرجوع 1.
ويقال: إنه ما مرّ من طريق.. إلا وتفوح منه رائحة المسك، وقيل: ليتبرك به أهل الطريقين، وقيل: لتشهد له البقاع؛ فقد روي: "من مشى في حرٍّ أو برد.. شهدت له البقاع يوم القيامة" 2.
قال الماوردي: وفي معنى شهادة البقاع: تأويلان: الأول: أن الله تعالى ينطقها بذلك، الثاني: أن الشاهد أهلها، كقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ 3.
قال ابن أبي جمرة في "إقليد التقليد": هذا الحديث هو معنى قول يعقوب صلى الله عليه وسلم لبنيه: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾.
(ويبكر الناس) بعد صلاة الصبح؛ كما نصّ عليه؛ ليحصل لهم القرب من الإمام، وفضيلة انتظار الصلاة 4.
(ويحضر الإمام وقت صلاته) لأنه عليه السلام كان يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلّى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، متفق عليه 5.
(ويعجل) الإمام الخروج (في الأضحى) بحيث يصليها في أول الوقت؛ ليتسع الوقت للتضحية والتفرقة، بخلاف الفطر فإنه يؤخر فيه؛ توسيعًا لوقت الاستحباب في زكاة الفطر؛ فإن المستحبّ إخراجُها قبل الصلاة.
(قلت: ويأكل في عيد الفطر قبل الصلاة، ويمسك في الأضحى) للاتباع 6.
وَيَذْهَبُ مَاشيًا بسَكِينَةٍ، وَلَا يُكْرَهُ النَّفْلُ قَبْلَهَا لِغَيْرِ الإِمَام، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فصلٌ [في التكبير المرسل والمقيد]
يُنْدَبُ التكْبِيرُ بِغُرُوبِ الشَّمْس لَيْلَتَيِ الْعِيدِ فِي الْمَنَازِلِ وَالطُّرُقِ وَالْمَسَاجِدِ وَالأَسْوَاقِ بِرَفْعِ الصَوتِ،
والمعنى فيه: امتياز اليوم عما قبله، والسنة: أن يأكل تمرًا وترًا؛ للاتباع، كما ثبت في "الصحيح" 1.
قال الداوودي 2: وإنما استحب الفطر على التمر؛ لأن النخلة ممثلة بالمسلم، ولأنه قيل: هي الشجرة الطيبة.
(ويذهب ماشيًا بسكينة) كالجمعة (ولا يكره النفل قبلها لغير الإمام، والله أعلم) لانتفاء الأسباب المقتضية للكراهة، ويستثنى: وقت النهي، فيحرم، أما الإمام.. فيكره له التنفل قبلها وبعدها؛ لأنه عليه السلام صلّى عقب الحضور، وخطب عقب الصلاة 3.
(فصل: يندب التكبير بغروب الشمس ليلتي العيد في المنازل، والطرق، والمساجد، والأسواق برفع الصوت) أما في عيد الفطر.. فلقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، قال الشافعي: سمعت من أرضاه من العلماء بالقرآن يقول: المراد بـ (العدة): عدة الصوم، وبـ (التكبير) عند الإكمال 4.
وأما عيد الأضحى.. فبالقياس عليه، وهذا النوع هو التكبير المرسل والمطلق.
ويستثنى من رفع الصوت: المرأةُ، وكذا الخنثى فيما يظهر.
وَالأَظْهَرُ: إِدامَته حَتَّى يُحْرِمَ الإِمَامُ بِصَلَاةِ الْعِيدِ، وَلَا يُكَبِّرُ الْحَاجُّ لَيْلَةَ الأَضْحَى، بَلْ يُلَبِّي. وَلَا يُسَنُّ لَيْلَةَ الْفِطْرِ عَقِبَ الصَّلَوَاتِ فِي الأَصَحِّ. وَيُكَبِّرُ الْحَاجُّ مِنْ ظُهْرِ النَّحْرِ، وَيَخْتِمُ بِصُبْحِ آخِرِ التّشرِيقِ، وَغَيْرُهُ كَهُوَ فِي الأَظْهَرِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنْ مَغرِبِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنْ صُبْحِ عَرَفَةَ وَيَخْتِمُ بِعَصْرِ آخِرِ التّشرِيقِ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا
(والأظهر: إدامته حتى يحرم الإمام بصلاه العيد) لأن الكلام مباح إلى تلك الغاية، والتكبير أولى ما يشتغل به؛ فإنه ذكر الله تعالى وشعار اليوم، والثاني: يمتد إلى حضور الإمام إلى الصلاة؛ لاشتغالهم بالتأهب حينئذ.
(ولا يكبر الحاج ليلة الأضحى، بل يلبي) لأن التلبية شعاره.
(ولا يسن ليلة الفطر عقب الصلوات في الأصح) لأنه لم ينقل، والثاني: يسن؛ كالأضحى، وصححه المصنف في "الأذكار" 1؛ فيكبر خلف المغرب والعشاء والصبح، وهذا هو التكبير المقيد.
(ويكبر الحاج من ظهر النحر) إذ شعاره التلبية، وقطعها بأول حصاة، والظهر أول فريضة تلقاه بعد انقطاع التلبية.
(ويختم بصبح آخر التشريق) لأنها آخر صلاة يصلّونها بمنى؛ لأنه يستحب ألّا يصلّوا الظهر بمنى؛ بل يؤخرونها حتى ينفروا، فيصلّوها بالمُحصَّب.
(وغيره) أي: غير الحاج (كهو في الأظهر) تبعًا لهم، وروي ذلك عن عثمان وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم 2.
(وفي قول: من مغرب ليلة النحر) قياسًا على عيد الفطر إذا استحببنا فيه التكبير، ويختم أيضًا بصبح آخر التشريق، (وفي قول: من صبح عرفة، ويختم بعصر آخر التشريق، والعمل على هذا) في الأمصار، واختاره المصنف في "تصحيح التنبيه" و"شرح المهذب"، وقال في "الأذكار": إنه الأصح، وفي "الروضة": إنه الأظهر عند المحققين 3، وقد صحّ ذلك من فعل عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن
وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُكَبِّرُ فِي هَذِهِ الأيَّامِ لِلْفَائِتة وَالرَّاتِبَةِ وَالنَّافِلَةِ. وَصِيغَته الْمَحْبُوبَةُ: (اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إلَّا اللهُ، وَاللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ)، ويسْتَحَبُّ أَنْ يَزِيدَ: (كَبيرًا، وَالْحَمْدُ للهِ كَثيرًا، وَسُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا). وَلَوْ شَهِدُوا يَوْمَ الثَّلَاثِينَ قَبْل الزَّوَالِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ اللّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ.. أَفْطَرْنَا وَصَلَّيْنَا الْعِيدَ. وَإِنْ شَهِدُوا بَعْدَ الْغُرُوبِ.. لَمْ تُقْبَلِ الشَّهَادَةُ، أَوْ بَيْنَ الزَّوَالِ وَالْغُرُوبِ.. أَفْطَرْنَا وَفَاتَتِ الصَّلَاةُ،
عباس رضي الله عنهم، ورواه الحاكم من فعله صلّى الله عليه وسلّم، لكن إسناده ضعيف 1.
(والأظهر: أنه يكبر في هذه الأيام للفائتة والراتبة والنافلة) المطلقة؛ لأنه شعار الوقت، والثاني: عقب الفرائض خاصة؛ كالأذان، والمنذورةُ كالنافلة، قاله الإمام 2.
(وصيغته المحبوبة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر) ثلاثًا (لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد) كذا نقله الرافعي عن صاحب "الشامل"، ونص عليه الشافعي في "البويطي" 3.
(ويستحب: أن يزيد كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا) لأنه مناسب، وتأسيًا به صلّى الله عليه وسلّم حيث قاله على الصفا 4.
(ولو شهدوا يوم الثلاثين قبل الزوال) بزمن يسع الاجتماعَ والصلاة (برؤية الهلال الليلة الماضية.. أفطرنا وصلّينا العيد) لبقاء الوقت (وإن شهدوا بعد الغروب.. لم تقبل الشهادة) لأن شوالًا قد دخل يقينًا، وصوم ثلاثين قد تمّ، فلا فائدة في شهادتهم إلّا المنع من صلاة العيد، فلا تقبل، وتصلَّى من الغد أداء.
(أو بين الزوال والغروب.. أفطرنا) وجوبا (وفاتت الصلاة) لخروج وقتها بالزوال.
وَيُشْرَعُ قَضَاؤُهَا مَتَى شَاءَ فِي الأَظْهَرِ، وَقِيلَ: فِي قَوْلٍ: تُصَلَّى مِنَ الْغَدِ أَدَاءً.
(ويشرع قضاؤها متى شاء في الأظهر) كسائر الرواتب، والأصحُّ: أن القضاء في باقي اليوم أولى، وفي قول: أنه لا يجوز تأخيرها عن الحادي والثلاثين؛ لجواز كونه عيدًا؛ بأن يخرج الشهر كاملًا بخلاف ما بعده من الأيام.
(وقيل: في قول: تصلى من الغد أداء) لعظم حرمتها، والأصحُّ: أن العبرة في الشهادة بالتعديل لا بوقتها؛ لأنه وقت جواز الحكم بها، فعلى هذا: لو شهد شاهدان بعد الزوال ولكن عدلوا بعد الغروب.. يصلّون من الغد أداء.
باب صلاة الكسوفين
هِيَ سُنَّةٌ، فَيُحْرِمُ بِنِيَّةِ صَلَاةِ الْكُسُوفِ، وَيَقْرَأُ (الْفَاتِحَةَ) وَيَرْكَعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ ثُمَّ يَقْرَأُ (الْفَاتِحَةَ)، ثُمَّ يَرْكَعُ ثُمَّ يَعْتَدِلُ ثمَّ يَسْجُدُ، فَهَذِهِ رَكْعَة، ثمَّ يُصَلِّي ثَانِيَةً كَذَلِكَ
(باب صلاة الكسوفين)
هو من كسفت حالُه؛ أي: تغيرت، والأشهر في السنة الفقهاء: تخصيص الكسوف بالشمس، والخسوف بالقمر، وقال الجوهري: إنه الأفصح 1.
(هي سنة) لقوله عليه السلام: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ، وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ.. فَصَلُّوا، وَادْعُوا الله تَعَالَى حَتَّى يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ" رواه مسلم 2.
(فيحرم بنية صلاة الكسوف) هذه المسألة مكررة؛ لأنه قد مرّ في (باب صفة الصلاة) أن ذات السبب لا بدّ من تعيينها، ولهذا أهمل النية في العيد والاستسقاء.
(ويقرأ "الفاتحة" ويركع، ثم يرفع، ثم يقرأ "الفاتحة"، ثم يركع ثم يعتدل ثم يسجد فهذه ركعة، ثم يصلي ثانية كذلك) هذه الكيفية متفق عليها من رواية ابن عمر 3، إلا أنهما لم يصرّحا بقراءة (الفاتحة) في كلّ ركعة، والشافعي أوجبها في كلّ قيام؛ كالركعة الكاملة 4.
وَلَا تَجُوزُ زِيَادَةُ رُكُوعٍ ثَالِثٍ لِتَمَادِي الْكُسُوفِ، وَلَا نَقْصُهُ لِلانْجِلَاءِ فِي الأَصَحِّ. وَالأَكْمَلُ: أَنْ يَقْرَأَ فِي الْقِيَامِ الأَوَّلِ بَعْدَ (الْفَاتِحَةِ) (الْبقَرَةَ)، وَفِي الثَّانِي كَمِئَتَيْ آيَةٍ مِنْهَا، وَفِي الثَّالِثِ مِئَةٍ وَخَمْسِينَ، وَالرَّابع مِئَةٍ تقرِيبًا، وَيُسَبِّحُ فِي الرُّكُوعِ الأَوَّلِ قَدْرَ مِئَةٍ مِنَ (الْبَقَرَةِ)، وَفِي الثَّانِي ثَمَانِينَ، وَالثَّالِثِ سَبْعِينَ،
[وقضية كلام المصنف: أنه لا تتأتى السنةُ بأقل من ذلك، ويؤيده قوله بعدُ: (ولا نقصه للانجلاء في الأصحِّ)، وجرى عليه في "شرح المهذب" في أول كلام النية 1، [و] ذكر في آخر الباب من "شرحه" لـ "المهذب" ما يخالفه ويقتضي أنه لو صلاها ركعتين كسنة الظهر ونحوها.. صحّت وكان تاركًا للأفضل، وقال في "المهمات": إن ما ذكره آخرًا ذهول، وإن الصحيح: ما اقتضاه المصنف] 2.
(ولا تجوز زيادة ركوع ثالث) فأكثر (لتمادي الكسوف، ولا نقصه) أي: الركوع الثاني (للانجلاء في الأصح) كسائر الصلوات، لا يُزاد على أركانها، ولا يُنقص منها، والثاني: نعم؛ أما الزيادة.. فلأنه عليه السلام صلّى ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات رواه مسلم 3، ولا محمل لذلك إلا التمادي، وأما النقص للانجلاء.. فقياسًا على الزيادة للتمادي؛ نظرًا إلى المعنى.
(والأكمل: أن يقرأ في القيام الأول بعد "الفاتحة") وسوابقها من استفتاح وتعوذ ("البقرة") إن أحسنها، أو قدرها إن لم يحسنها.
(وفي الثاني: كمئتي آية منها، وفي الثالث: مئة وخمسين، والرابع: مئة تقريبًا) كذا نص عليه في "الأم" و"المختصر" و"البويطي" 4.
(ويسبح في الركوع الأول قدر مئة من "البقرة"، وفي الثاني: ثمانين، والثالث: سبعين) بتقديم (السين).
وَالرَّابِعِ خَمْسِينَ تَقْرِيبًا، وَلَا يُطَوِّلُ السَّجَدَاتِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: تَطْوِيلُهَا ثبتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ"، وَنَصَّ فِي "الْبُوَيْطِيِّ": أَنَّهُ يُطَوِّلُهَا نَحْوَ الرّكُوعِ الَّذِي قَبْلَهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَتُسَنُّ جَمَاعَةً، وَيَجْهَرُ بِقِرَاءَةِ كُسُوفِ الْقَمَرِ لَا الشَّمْسِ، ثمَّ يَخْطُبُ الإِمَامُ خُطْبَتَيْنِ
(والرابع: خمسين تقريبًا) كذا نص عليه أيضًا في "الأم" و"المختصر" و"البويطي" 1 ونص في موضع آخر منه: أنه يسبح في كل ركعة بقدر قراءته، قال ابن الأستاذ: وتكون الآيات مقتصدة، وقاله الإسنوي بحثًا، وجزم به الأذرعي.
(ولا يطول السجدات في الأصح) كما لا يزيد في التشهد، (قلت: الصحيح 2: تطويلها ثبت في "الصحيحين" 3، ونص في "البويطي"-: أنه يطولها نحو الركوع الذي قبلها، والله أعلم) قال في "الروضة": وإذا قلنا بإطالته.. فالمختار فيها: ما قاله صاحب "التهذيب" أن السجود الأول كالركوع الأول، والسجود الثاني كالركوع الثاني، ثم ذكر نص "البويطي" كما سبق 4، والبغويّ في "التعليق" نَزَّل رواية "البويطي" على ما قاله في "التهذيب" 5.
(وتسن جماعة) للاتباع كما في "الصحيحين" 6، وتجوز فرادى؛ كسائر السنن.
(ويجهر بقراءة كسوف القمر) لأنها صلاة ليل (لا الشمس) بل يسرّ؛ للاتباع كما صححه الترمذي وغيره 7.
(ثم يخطب الإمام) للاتباع، متفق عليه 8، فالمنفرد لا يخطب (خطبتين
بأَرْكَانِهِمَا فِي الْجُمُعَةِ، وَيَحُثُّ عَلَى التَّوْبَةِ وَالْخَيْرِ. وَمَنْ أَدْرَكَ الإِمَامَ فِي رُكُوعٍ أَوَّلَ.. أدرَكَ الرَّكْعَةَ، أَوْ فِي ثَانٍ، أَوْ قِيَامٍ ثَانٍ.. فَلَا فِي الأَظْهَرِ. وَتفوتُ صلَاةُ الشَّمْسِ بِالانْجِلَاءِ وَبِغُرُوبِهَا كَاسِفَةً، وَالْقَمَرِ بِالانْجِلَاءِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، لَا الْفَجْرِ فِي الْجَدِيدِ،
بأركانهما) وشرائطهما (في الجمعة) قياسًا على الجمعة، والخطبتان سنة، لا شرط لصحة الصلاة، وتجزئ واحدة، كما حكاه في "الكفاية" عن النص 1، قال الغزي: ويستثنى القيام؛ فإنه لا يجب هنا.
(ويحث على التوبة والخير) وينصّ على الإعتاق والصدقة؛ لثبوتهما في الصحيح 2.
(ومن أدرك الإمام في ركوع أول) من الركعة الأولى، أو من الثانية (.. أدرك الركعة) كما في سائر الصلوات.
(أو في ثان، أو قيام ثان.. فلا في الأظهر) لأن الأصل هو الركوع الأول، والثاني في حكم التابع، وإطلاقه يفهم: أن مقابل الأظهر: إدراك الركعة بكمالها، وليس كذلك، وعبارة "الروضة": حكى صاحب "التقريب" قولًا أنه بإدراك الثاني يدرك القومة التي قبله، فعلى هذا: إن أدرك الثاني من الأولى.. قام بعد سلام الإمام، وقرأ وركع واعتدل وجلس، وتشهد، وسلّم، ولا يسجد؛ لأن إدراك الركوع إذا حصّل القيام الذي قبله.. كان السجود بعده محسوبًا لا محالة.
انتهى 3.
(وتفوت صلاة الشمس بالانجلاء) أي: بانجلاء جميعها؛ لأن المقصود بالصلاة قد حصل، (وبغروبها كاسفة) لأن الانتفاع بها يبطل بغروبها؛ نيّرة كانت أو منكسفة.
(والقمر بالانجلاء) لحصول المقصود (وطلوع الشمس) لعدم الانتفاع بضوئه (لا الفجر في الجديد) لبقاء ظلمة الليل والانتفاع بضوئه، والقديم: أنها تفوت؛ لذهاب الليل وهو سلطانه.
وَلَا بِغُرُوبِهِ خَاسِفًا. وَلَوِ اجْتَمَعَ كُسُوفٌ وَجُمُعَةٌ أَوْ فَرْضٌ آخَرُ.. قُدِّمَ الْفَرْضُ إِنْ خِيفَ فَوْتُهُ، وَإِلَّا.. فَالأَظْهَرُ: تَقْدِيمُ الكُسُوفِ، ثُمَّ يَخْطُبُ لِلْجُمُعَةِ مُتَعَرِّضًا لِلْكُسُوفِ، ثُمَّ يُصَلّي الْجُمُعَةَ. وَلَوِ اجْتَمَعَ عِيدٌ أَوْ كُسُوفٌ وَجِنَازَةٌ.. قُدِّمَتِ الْجِنَازَةُ.
قال الرافعي: وخَصّص ابن كج الخلافَ بما إذا غاب خاسفًا بين الفجر والشمس؛ فإن لم يغب، وبقي خاسفًا.. صلّى قطعًا، وأقرّه، زاد في "الروضة": صرح الدارمي وغيره بجريان القولين في الحالين، وقال في "شرح المهذب": إنه مقتضى إطلاق الجمهور 1.
(ولا بغروبه خاسفًا) لبقاء محلّ سلطنته وهو الليل، فغروبه كغيبوبته تحت السحاب خاسفًا، ولا تفوت الخطبة بكلّ حال، كما صرح به في "شرح مسلم" 2.
(ولو اجتمع كسوف وجمعة، أو فرض آخر.. قدم الفرض إن خيف فوته) اهتماما به؛ لتحتمه، وعلى هذا: فيخطب للجمعة ثم يصليها، ثم يصلي الكسوف ثم يخطب له (وإلا) أي: وإن لم يخف فوت الفرض، (.. فالأظهر: تقديم الكسوف) لخوف فوته بالانجلاء، فعلى هذا: يقرأ في كلّ قيام بـ (الفاتحة)، و (قل هو الله أحد)، وما أشبهها، نص عليه في "الأم" 3، والثاني: يقدم الفرض؛ لوجوبه.
(ثم يخطب للجمعة متعرضًا للكسوف) كما أنه عليه الصلاة والسلام استسقى في خطبة الجمعة 4.
(ثم يصلي الجمعة) ولا يحتاج إلى أربع خطب، ويشترط أن يقصد بالخطبتين الجمعة فقط، ولا يجوز أن يقصد بهما الجمعة والكسوف؛ لأنه تشريك بين فرض ونفل، بخلاف العيد والكسوف؛ فإنه يقصدهما بالخطبتين؛ لأنهما سنتان.
(ولو اجتمع عيد أو كسوف وجنازة.. قدمت الجنازة) خوفًا من تغير الميت، وكذا لو اجتمعت الجنازة مع فرض آخر ولو جمعة، بشرط اتساع وقت الفرض؛ فإن ضاق وقته.. قدّم الفرض، ولا يتبع الإمام الجنازة، بل يشتغل ببقية الصلوات.
باب صلاة الاستسقاء
هِيَ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَتُعَادُ ثَانِيًا وَثَالِثًا إِنْ لَمْ يُسْقَوْا. فَإِنْ تأهَّبُوا لِلصَّلَاةِ فَسُقُوا قَبْلَهَا.. اجْتَمَعُوا لِلشُّكْرِ وَالدُّعَاءِ، وَيُصَلُّونَ عَلَى الصَّحِيحِ
(باب صلاة الاستسقاء)
الاستسقاء: طلب السقيا من الله تعالى عند الحاجة، وهو أنواع: أدناها: مجرد الدعاء، وأوسطها: الدعاء خلف الصلاة، وفي خطبة الجمعة ونحو ذلك، وأفضلها: الاستسقاء بركعتين وخطبتين كما سيأتي.
(هي سنة) للاتباع 1، غير واجبة؛ لقصة الأعرابي 2 (عند الحاجة) إما لانقطاع المطر، أو لقلته؛ بحيث لا يكون كافيًا، فلو انقطع الماء ولم تمسّ الحاجة إليه.. لم تشرع.
(وتعاد ثانيًا وثالثًا) وأكثر؛ كما في "شرح المهذب" تبعًا للماوردي وغيره 3.
قال أصبغُ: استسقي للنيل بمصر خمسةً وعشرين يومًا متوالية، وحضره ابن القاسم وابن وهب وغيرهما (إن لم يسقوا) لوجود سببه؛ فإن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء.
(فإن تأهبوا للصلاة، فَسُقُوا قبلها.. اجتمعوا للشكر) على تعجيل ما عزموا على سؤاله، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (والدعاء) بطلب الزيادة إن لم يتضرروا بكثرة المطر (ويصلون) صلاة الاستسقاء المعروفة (على الصحيح) شكرًا أيضًا؛ كما يجتمعون للدعاء ونحوه، والثاني: لا يصلون، لأنها لم تفعل إلا عند الحاجة 4، وصححه ابن الصلاح 5، وقطع الأكثرون بالأول.
وَيَأْمُرُهُمُ الإِمَامُ بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوَّلًا، وَالتَّوْبَةِ وَالتقرُّبِ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِوجُوه الْبِرِّ، وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَيَخْرُجُونَ إِلَى الصَّحْرَاءِ فِي الرَّابِعِ صِيَامًا فِي ثِيَابِ بِذْلَةٍ وَتَخَشُّع، وَيُخْرِجُونَ الصِّبْيَانَ وَالشُّيُوخَ،
(ويأمرهم الإمام) ندبًا (بصيام ثلاثة أيام أولًا) أي: قبل ميعاد الخروج، ويصوم معهم؛ لأن الصوم مُعِين على رياضة النفس وخشوع القلب، وإذا أمرهم الإمام بذلك.. وجب عليهم الصوم؛ كما قاله المصنف في "فتاويه"؛ امتثالًا لأمره 1، وحكى ابن التِّلِمْساني خلافًا في أن فرض الكفاية هل يتعين على من يُعيّنه الإمام أم لا؟ وبناء عليه: مطالبته بالكفارة والنذر.
(والتوبة والتقرب إلى الله تعالى بوجوه البر، والخروج من المظالم) لأن ذلك أرجى للإجابة، وقد يكون منع الغيث بسبب هذه الأمور، والخروج من المظالم من جملة التوبة، ونصّ عليها؛ لعظم شأنها.
(ويخرجون إلى الصحراء) للاتباع 2، واستثنى صاحب "الخصال" ما إذا كانوا بمكة أو بيت المقدس، قال الأَذْرَعي: وهو صحيح، وعليه عمل السلف والخلف؛ لفضل البقعة وسعتها المفرطة.
(في الرابع صيامًا) لأن الصائم لا تردّ دعوته، كما صححه ابن حبان 3 (في ثياب بذلة وتخشع) تأسيًا به صلى الله عليه وسلم؛ كما صححه الترمذي 4.
ولأنه أليق بحال السائل، ويتنظفون بالسواك، وقطع الروائح الكريهة، ويغتسلون، ولا يتطيبون.
والبذلة بكسر الباء وإسكان الذال المعجمة: ثياب المهنة، والتخشع: التذلل.
(ويخرجون الصبيان والشيوخ) والعجائز؛ لأن دعاءهم أقرب إلى الإجابة
وَكَذَا الْبَهَائِمُ فِي الأَصَحِّ، وَلَا يُمْنَعُ أَهْلُ الذمَّةِ الْحُضُورَ، وَلَا يَخْتَلِطُونَ بِنَا. وَهِيَ رَكْعَتَانِ كَالْعِيدِ، لكِنْ قِيلَ: يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا)، وَلَا يَخْتَصُّ بِوَقْتِ الْعِيدِ فِي الأَصَحِّ. وَيَخْطُبُ كَالْعِيدِ، لكِنْ يَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى بَدَل التكبِيرِ،
(وكذا البهائم في الأصح) ندبًا؛ لأن الجدب قد أصابها، والثاني: يكره؛ لأن فيه إتعابها، واشتغال الناس بها وبأصواتها، والثالث: لا يستحب ولا يكره؛ لأنه لم ينقل.
(ولا يمنع أهل الذمة الحضور) لأنهم يسترزقون، وفضل الله تعالى واسع يَعُمّ البَرّ والفاجر، والمسلم والكافر.
(ولا يختلطون بنا) في مصلانا؛ لأنهم أعداء الله تعالى، وقد يحلّ بهم غضب وعذاب بسبب كفرهم الذي يتقربون به في اعتقادهم، وقد قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾.
(وهي: ركعتان كالعيد) في التكبيرات وغيرها مما مرّ؛ للاتباع 1 (لكن قيل: يقرأ في الثانية "إنا أرسلنا نوحًا") عوضًا عن (اقتربت)؛ لاشتمالها على الاستغفار ونزول المطر اللائقين بالحال، وذلك قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا... ﴾ الآية، وفي الأولى (ق)، والأصحُّ: أنه يقرأ في الأولى: (ق)، وفي الثانية: (اقتربت) بكمالهما جهرًا؛ كما في العيد.
(ولا يختص بوقت العيد في الأصح) بل يجوز فعلها متى شاء ولو في وقت الكراهة على الأصح؛ لأنها ذات سبب فدارت مع السبب كصلاة الكسوف، والثاني: يختص؛ لأنه عليه السلام كان يصلي الكسوف ركعتين؛ كما يصلي في العيد، وإنما يصلي في العيد في وقت خاص.
(ويخطب كالعيد) في الأركان والشرائط؛ للاتباع 2 (لكن يستغفر الله تعالى بدل التكبير) فيقول: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه، في الأولى: تسعًا، وفي الثانية: سبعًا؛ لأنه تعالى وعدنا بإرسال المطر عنده، وقيل: يكبر كالعيد.
وَيَدْعُو فِي الْخُطْبَةِ الأُولَى: (اللَّهُمَّ؛ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا مَرِيئًا، مَرِيعًا غَدَقًا، مُجَلِّلًا سَحًّا، طَبَقًا دَائِمًا، اللَّهُمَّ، اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ؛ إِنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا). وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ بَعْدَ صَدْرِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ،
(ويدعو في الخطبة الأولى: اللهم؛ اسقنا غيثًا) أي: مطرًا (مغيثًا) أي: منقذًا من الشدة (هنيئًا) أي: لا ضرر فيه (مريئًا) أي: محمود العاقبة (مريعًا) أي: يأتي بالرَّيْع، وهو الزيادة والنماء، مأخوذ من المَراعة وهو الخِصْب (غدقًا) أي: كثير الماء والخير (مجللًا) أي: ساترًا للأفق (سحًّا) أي: شديدًا واقعًا على الأرض (طبقًا) أي: يُطبق البلاد فيصير كالطبق لها (دائمًا) أي: إلى انقضاء الحاجة؛ فإن دوامه عذاب.
(اللهم؛ اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين) أي: من الآيسين، (اللهم؛ إنا نستغفرك إنك كنت غفارًا، فأرسل السماء علينا مدرارًا) هذا الدعاء رواه الشافعي في "المختصر" عن ابن عمر: أن النبي صلّى الله عليه وسلم كان إذا استسقى قاله، وزاد بعد قوله: (من القانطين): (اللهم؛ إن بالعباد والبلاد والخلق من اللأواء 1 والجَهْد والضنك ما لا نشكو إلا إليك، اللهم، أَنبت لنا الزرع، وأَدِرَّ لنا الضَّرْع، واسقنا من بركات السماء، وأَنبت لنا من بركات الأرض، اللهم، ارفع عنا الجَهْد والجوع والعُرْي، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرُك، اللهم، إنا نستغفرك... ) الآية 2.
(ويستقبل القبلة بعد صدر الخطبة الثانية) وهو نحو ثلثها؛ كما قاله في
وَيُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ سِرًّا وَجَهْرًا، وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ عِنْدَ اسْتِقْبَالِهِ فَيَجْعَلُ يَمِينَهُ يَسَارَهُ وَعَكْسَهُ، وَيُنَكِّسُهُ -عَلَى الْجَدِيدِ- فَيَجْعَلُ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وَعَكْسَهُ،
"الدقائق" 1، وكلامه قد يوهم بقاء الاستقبال إلى فراغ الخطبة، والمجزوم به في "الشرح" و"الروضة": أنه إذا فرغ من الدعاء الآتي ذكرُه.. استقبل الناس وأتى بباقي الخطبة، وقال: (أستغفر الله لي ولكم) 2.
(ويبالغ في الدعاء سرًّا وجهرًا) لقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ وإذا أسرّ.. دعا الناس، وإذا جهر.. أمنوا، ويرفعون أيديهم في الدعاء جاعلين ظهور أكفهم إلى السماء، ثبت ذلك في "صحيح مسلم" 3، وهكذا السنة لكل من دعا لرفع بلاء: أن يجعل ظهر كفه إلى السماء، وإذا سأل شيئًا.. عكس ذلك.
(ويحول رداءه عند استقباله، فيجعل يمينه يساره وعكسه) للاتباع؛ كما رواه أبو داوود 4، والمعنى في ذلك: التفاؤل بتحويل الحال من الغلاء إلى الرخاء، قال العجلي: ويكره تركه.
(وينكسه -على الجديد- فيجعل أعلاه أسفله وعكسه) لأنه عليه السلام استسقى وعليه خميصة سوداء، فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه.. قلبها، صححه ابن حبان والحاكم 5، وجه الدلالة: أنه همّ به فمنعه مانع من فعله، والقديم: لا يستحب؛ لأنه لم يفعله.
ومحل الخلاف: في الرداء المربع، أما المدور.. فلا يستحب التنكيس، بل يقتصر على التحويل قطعا، ومتى جعل الطرف الأسفل الذي على شقه الأيمن على
ويحَوِّلُ النَّاسُ مِثْلَهُ. قُلْتُ: وَيترَكُ مُحَوَّلًا حَتى يُنْزَعَ الثِّيَابُ، وَلَوْ تَرَكَ الإِمَامُ الاسْتِسْقَاءَ.. فَعَلَهُ النَّاسُ، وَلَوْ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ.. جَازَ، وَيُسَنُّ أَنْ يَبْرُزَ لأَوَّلِ مَطَرِ السَّنَةِ، وَيَكْشِفَ غَيْرَ عَوْرَتهِ لِيُصِيبَهُ، وَأَنْ يَغْتَسِلَ أَوْ يَتَوَضَّأَ فِي السَّيْلِ،
عاتقه الأيسر، والطرف الأسفل الذي على شقه الأيسرِ على عاتقه الأيمن.. فقد حصل التحويل والتنكيس جميعًا.
(ويحول الناس مثله) للاتباع؛ كما رواه الإمام أحمد 1.
ولو قال: (ويفعل الناس)، بدل (يحول) كـ "المحرر".. لكان أعم؛ لشموله التنكيس 2.
(قلت: ويترك محوّلًا حتى ينزع الثياب) لأنه لم ينقل أنه عليه السلام غير رداءه بعد ذلك 3.
(ولو ترك الإمام الاستسقاء.. فعله الناس) كسائر السنن، ولأنهم محتاجون كما يحتاج الإمام، بل أشد 4.
(ولو خطب قبل الصلاة.. جاز) لما في "سنن أبي داوود": (أنه عليه السلام خطب ثم صلّى) 5، والأفضل: أن يخطب بعد الصلاة؛ لأنه الأكثر من فعله عليه السلام.
(ويسن أن يبرز) أي: يظهر (لأول مطر السنة، ويكشف غير عورته؛ ليصيبه) للاتباع، كما رواه مسلم 6.
(وأن يغتسل أو يتوضأ في السيل) لأنه روي: أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا سال الوادي.. قال: "اخْرُجُوا بِنَا إِلَى هَذَا الَّذِي جَعَلَهُ الله طَهُورًا، فَنَتَطَهَّرَ مِنْهُ وَنَحْمَدَ الله عَلَيْهِ" 7.
وَيُسَبِّحَ عِنْدَ الرَّعْدِ وَالْبَرْقِ، وَلَا يُتْبِعَ بَصَرَهُ الْبَرْقَ، وَيَقُولَ عِنْدَ الْمَطَرِ: (اللَّهُمَّ؛ صَيِّبًا نَافِعًا)، وَيَدْعُوَ بِمَا شَاءَ، وَبَعْدَهُ: (مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ)، وَيُكْرَهُ: (مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا)، وَسَبُّ الرِّيحِ،
(ويسبح عند الرعد والبرق) أما الرعد.. فصح في "الموطأ": أن عبد الله بن الزبير كان إذا سمع الرعد.. ترك الحديث وقال: سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته 1، وأما التسبيح عند البرق.. فلم يذكروا له مستندًا.
(ولا يتبع بصره البرق) لأن الشافعي روى عن عروة بن الزبير النهي عنه 2.
(ويقول عند المطر: اللهم؛ صيبًا نافعًا) للاتباع، كما رواه البخاري 3.
والصيب بتشديد الياء: هو المطر؛ كما في "البخاري" عن ابن عباس 4.
(ويدعو بما شاء) لأن الدعاء مستجاب عند نزول الغيث؛ كما رواه البيهقي 5.
(وبعده: مطرنا بفضل الله ورحمته، ويكره: مطرنا بنوء كذا) لما في "الصحيحين": حكاية عن الله تعالى: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله تعالى ورحمته.. فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال: مطرنا بنوء كذا.. فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب) 6.
ومحل الكراهة: إذا اعتقد أن النوء وقت يوقع الله فيه المطر من غير أثر وإنما الفعل لله تعالى؛ فإن اعتقد أن النوء هو الفاعل حقيقة، وليس لله فيه صنع.. فهو كافر، وعليه يحمل الحديث.
(وسب الريح) للنهي عنه، صححه ابن حبان 7.
وَلَوْ تَضَرَّرُوا بِكَثْرَةِ الْمَطَرِ.. فَالسُّنَّةُ: أَنْ يَسْأَلُوا اللهَ تَعَالَى رَفْعَهُ: (اللَّهُمَّ؛ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا)، وَلَا يُصَلَّى لِذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(ولو تضرروا بكثرة المطر.. فالسنة: أن يسألوا الله تعالى رفعه) فيقولوا: (اللهم؛ حوالينا ولا علينا) للاتباع متفق عليه 1 (ولا يصلّى لذلك، والله أعلم) لأنه لم يؤثر غير الدعاء 2.
بابٌ [في حكم تارك الصلاة]
إِنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ جَاحِدًا وجُوبَهَا.. كَفَرَ، أَوْ كَسَلًا.. قُتِلَ حَدًّا،
(باب)
أي: هذا (باب تارك الصلاة).
(إن ترك الصلاة) أي: إحدى الخمس (جاحدًا وجوبها.. كفر) بالإجماع؛ كما نقله الماوردي 1.
وخرج بالجحود: من قرب عهدُه بالإسلام، ومن نشأ ببادية بعيدة، ومن بلغ مجنونًا ثم أفاق؛ فإنهم لا يكفرون، بل يُرشَدون؛ لأن من لا يعرف الوجوب لا يُسمّى جاحدًا له.
وكان الأولى حذف الترك؛ فإن الجحود كاف في الكفر، سواء قال: أنا أصلّي أم لا.
(أو كسلًا.. قتل) لأن الله تعالى أمر بقتال المشركين، ثم قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فدلّ على أنّ القتل لا يرتفع إلا بالإيمان والصلاة والزكاة، وفي "الصحيحين": "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ.. عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الإسْلَامِ" 2.
نعم؛ فاقد الطهورين إذا ترك الصلاة متعمدًا.. لا يُقتَل؛ لأنه مُختلَف فيه، وكذا لو مسّ الذكر أو لمس امرأة أجنبية وهو معتقد مذهبنا، وصلّى متعمدًا، وكذا لو توضأ ولم ينو، قاله القفال في "فتاويه".
(حدًّا) لا كفرًا؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتبَهُنَّ الله عَلَى الْعِبَادِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ؛ فَمَنْ جَاءَ بِهِنَّ، فَلَمْ يُضَيِّعْ مِنْهُنَّ شَيْئًا، اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ.. كَانَ لَهُ عِنْدَ الله عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ.. فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ الله عَهْدٌ؛ إِنْ
والصحِيحُ: قَتْلُهُ بِصَلَاةٍ فَقَطْ بِشَرْطِ إِخْرَاجِهَا عَنْ وَقْتِ الضَّرُورَةِ. وَيُسْتَتَابُ ثُمَّ تُضْرَبُ عُنُقُهُ -وَقِيلَ: يُنْخَسُ بِحَدِيدَةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ أَوْ يَمُوتَ- وَيُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ويدْفَنُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يُطْمَسُ قَبْرُهُ.
شاءَ.. عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ.. أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ" رواه أبو داوود، وصححه ابن حبان 1، فلو كفر بذلك.. لاستحال دخوله الجنة.
قال الخفاف في "الخصال": وكلّ من ترك ركنًا من العبادات.. لم يجز قتله إلا تارك الصلاة، قال: وقد زعم بعض أصحابنا أن من ترك شيئًا من الصلاة أو الزكاة.. وجب قتله، قال: وليس بشيء.
(والصحيح: قتله بصلاة فقط) لمفهوم الحديث المار (بشرط إخراجها عن وقت الضرورة) أي: الوقت الذي تُجمَع تلك الصلاةُ فيه؛ فإذا ترك الظهر.. لم يقتل حتى تغرب الشمس، وإذا ترك المغرب.. لم يقتل حتى يطلع الفجر؛ لأن الوقتين كالوقت الواحد في حقّ أرباب الأعذار، وقد يكون له عذر في زعمه، فصار شبهة في تأخير القتل إليه، والثاني: لا يعتبر وقت الضرورة، والثالث: إنما يقتل إذا ضاق وقت الصلاة الرابعة؛ لأن الثلاث أقلّ الجمع، فاغتفرناها؛ لاحتمال عذر، بخلاف الأربعة.
(ويستتاب) لأن المرتد يستتاب، فهذا أولى منه، وهي مستحبة في الحال على الأصحِّ في "التحقيق" 2.
(ثم تضرب عنقه) إذا لم يتب؛ كالمرتد (وقيل: ينخس بحديدة حتى يصلي أو يموت) إذ القصد حملهُ على الصلاة، لا قتله.
(ويغسل ويصلى عليه ويدفن مع المسلمين، ولا يطمس قبره) كسائر أصحاب الكبائر من المسلمين.
كتاب الجنائِز لِيُكْثِرْ ذِكْرَ الْمَوْتِ، وَيَسْتَعِدَّ بِالتَّوْبَةِ وَرَدِّ الْمَظَالِمِ، وَالْمَرِيضُ آكَدُ. ويضْجَعُ الْمُحْتَضَرُ لِجَنْبِهِ الأَيْمَنِ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى الصَّحِيحِ،
﴿كتاب الجنائز﴾
الجنائز بفتح الجيم لا غير: جمع جنازة بالفتح والكسر، وقيل: بالفتح: اسم للميت، وبالكسر: اسم للنعش حال كون الميت فيه، وقيل: عكسه.
واشتقاقها من جَنَزَ: إذا ستر، وكان من حقّ هذا الباب أن يذكر بين (الوصايا) و (الفرائض)، وإنما ذكر هنا؛ لأن أهمّ ما يفعل بالميت الصلاة، فذكر في العبادات.
(ليكثر ذكر الموت) ندبًا؛ لقوله عليه السلام: "أَكْثِرُوا مِنْ ذِكر هَاذِمِ اللَّذَّاتِ" 1 يعني: الموت، ولأنه أزجر له عن المعاصي، وأحضّ على فعل الطاعات.
(ويستعد بالتوبة وردِّ المظالم) لأنه قد يأتيه بغتة، وقضيته: أن هذا مستحب؛ لأنه عطفه على مستحب، وهو ما نقله ابن الملقن عن تصريح صاحب "البيان" وأقره 2، لكن الإسنوي وغيره قالوا: إن ذلك حتم، وهو واضح؛ لأن التوبة مما تجب منه واجبةٌ على الفور، وكذلك ردّ المظالم الممكن ردّها، وعطف (رد المظالم) على (التوبة) من عطف الخاص على العام، (والمريض آكد) بذلك؛ لخطره.
(ويضجع المحتضر) وهو من حضره الموت ولم يمت (لجنبه الأيمن إلى القبلة على الصحيح) كما يوضع في اللحد؛ لأنه أبلغ في الاستقبال، والثاني: يلقى على
فَإِنْ تَعَذَّرَ لِضِيقِ مَكَانٍ وَنَحْوهِ.. أُلْقِيَ عَلَى قَفَاهُ وَوَجْهُهُ وَأَخْمَصَاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ. وَيُلَقَّنُ الشَّهَادَةَ بِلَا إِلْحَاحٍ، ويُقْرَأُ عِنْدَهُ (يس)، وَلْيُحْسِنْ ظَنَّهُ بِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى
قفاه، ورجلاه إلى القبلة، قال في "شرح المهذب": وعليه العمل، ويرفع رأسه قليلًا؛ ليصير وجهه إلى القبلة 1.
(فإن تعذر لضيق مكان ونحوه.. ألقي على قفاه ووجهُهُ وأخمصاه إلى القبلة) لأنه الممكن، (ويلقن) المحتضر (الشهادة) لظاهر قوله عليه السلام: "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ: لَا إِلهَ إلَّا الله" رواه مسلم 2.
وتعبيره (بالشهادة) يشعر: بأنه لا يلقن: (محمد رسول الله)، وهو ما نقله في "زيادة الروضة" عن الجمهور 3، وقيل: يلقن الشهادتين، واستحسن بعضهم: أن يلقن الشهادتين أولًا، ثم يقتصر بعد ذلك على: لا إله إلا الله.
(بلا إلحاح) لئلا يضجر (ويقرأ عنده "يس") للأمر به؛ كما أخرجه أبو داوود، وصححه ابن حبان 4، وقيل: يقرأ (سورة الرعد) 5.
(وليحسن ظنه بربه سبحانه وتعالى) ففي "الصحيحين": (أنا عند ظنِّ عبدي
فَإِذَا مَاتَ.. غُمِّضَ، وَشُدَّ لَحْيَاهُ بِعِصَابَةٍ، وَلُيِّنَتْ مَفَاصِلُهُ، وَسُتِرَ جَمِيعُ بَدَنِهِ بِثَوْبٍ خَفِيفٍ، وَوضِعَ عَلَى بَطْنِهِ شَيْءٌ ثَقِيلٌ، وَوضِعَ عَلَى سَرِيرٍ وَنَحْوهِ، وَنُزِعَتْ ثِيَابُهُ، وَوجِّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ كَمُحْتَضَرٍ، وَيَتَوَلَّى ذَلِكَ أَرْفَقُ مَحَارِمِهِ،
بي) 1، فيظن أن الله يرحمه ويغفر له، ويرجو ذلك.
(فإذا مات.. غُمِّض) ندبًا؛ للاتباع؛ كما أخرجه مسلم 2، ولئلا يقبح منظره ويساء به الظن، (وشدّ لحياه بعصابة) عريضة، ويربطها فوق رأسه؛ صيانة لفمه عن الهوام.
(ولينت مفاصلُه) بردّ الساعد إلى العضد ومدّه، وردّ الساق إلى الفخذ، والفخذ إلى البطن، ومدّهما وتليين أصابعه؛ ليكون الغسل أسهل، فإن البدن بعد مفارقة الروح تبقى فيه حرارة، فإن لينت المفاصل في تلك الحالة.. لانت، وإلّا.. لم يمكن تليينها بعد ذلك.
(وستر جميع بدنه بثوب) احترامًا له، وقد سُجّي صلّى الله عليه وسلّم حين مات، بثوبِ حِبَرَةٍ، متفق عليه 3، وهذا في غير المحرم، أما هو.. فيستر منه ما يجب تكفينه، (خفيف) لئلا يتسارع إليه الفساد.
(ووضع على بطنه شيء ثقيل) من سيف أو مرآة ونحوهما، فإن لم يكن.. فطين رطب؛ لئلا ينتفخ، قال في "الذخائر": وقدّره بعضهم بعشرين درهمًا.
(ووضع على سرير ونحوه) لئلا تصيبه نداوة الأرض، ولا يوضع على فراش؛ لئلا يَحمى فيتغير.
(ونزعت ثيابه) التي مات فيها؛ لئلا يَحمى الجسد فيتغير، وقيدها في "الوسيط" بـ (المدفئة) 4، (ووجه إلى القبلة كمحتضر) لأنها أشرف الجهات.
(ويتولى ذلك) أي: جميع ما تقدم (أرفق محارمه) لوفور شفقته.
وَيُبَادَرُ بِغُسْلِهِ إِذَا تيُقِّنَ مَوْتُهُ. وَغُسْلُهُ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ.. فُرُوض كِفَايَةٍ. وَأَقَلُّ الْغُسْلِ: تَعْمِيمُ بَدَنِهِ بَعْدَ إِزَالَةِ النَّجَسِ، وَلَا تَجِبُ نِيَّةُ الْغَاسِلِ فِي الأَصَحِّ، فَيَكْفِي غَرَقُهُ أَوْ غَسْلُ كَافِرٍ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ: وجُوبُ غَسْلِ الْغَرِيقِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالأَكْمَلُ: وَضْعُهُ بِمَوْضِعٍ خَالٍ مَسْتُورٍ عَلَى لَوْحٍ، وَيُغَسَّلُ فِي قَمِيصٍ
(ويبادر بغسله إذا تيقن موته) لقوله عليه السلام: "لَا يَنْبَغِي لِجِيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ" 1، فإن شك في موته أخّر وجوبًا إلى اليقين بتغير الرائحة أو غيره.
(وغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه.. فروض كفاية) بالإجماع، هذا إذا كان الميت مسلمًا حلالًا، فإن كان كافرًا أو محرمًا.. فيأتي ذكره.
(وأقل الغسل تعميم بدنه) بالماء كغسل الحي من الجنابة (بعد إزالة النجس) إن كان عليه؛ لما سبق في غسل الجنابة، وما ذكره هنا مخالف لما صححه في (باب الغسل) من الاكتفاء بالغسلة الواحدة للحدث والنجس، وقد قدمنا ما فيه.
(ولا تجب نية الغاسل في الأصح، فيكفي غرقه أو غسل كافر) إذ المقصود من هذا الغسل النظافة، وهي حاصلة وإن لم ينو، والثاني: يجب؛ كغسل الجنابة.
(قلت: الأصح المنصوص 2: وجوب غسل الغريق، والله أعلم) لأنا مأمورون بغسله، فلا يسقط عنا إلا بفعله.
(والأكمل: وضعه بموضع خال مستور) لا يدخله غير الغاسل ومن يعينه ووليه؛ لأن الحي يحرص على ذلك، وقد يكون فيه ما لا يحب أن يطلع عليه غيره (على لوح) لئلا يصيبه الرشاش.
(ويغسل في قميص) لأنه عليه السلام غسل فيه، كما صححه الحاكم 3، ولأنه أستر له، فإن اتسع كمّ القميص.. أدخل يده منه، وإلا.. فتق رؤوس الدخاريص
بِمَاءٍ بَارِدٍ، وَيُجْلِسُهُ عَلَى الْمُغْتَسَلِ مَائِلًا إِلَى وَرَائِهِ، وَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى كَتِفِهِ، وَإِبْهَامَهُ فِي نُقْرَةِ قَفَاهُ، وَيُسْنِدُ ظَهْرَهُ إِلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَيُمِرُّ يَسَارَهُ عَلَى بَطْنِهِ إِمْرَارًا بَلِيغًا لِيَخْرُجَ مَا فِيهِ، ثُمَّ يُضْجِعُهُ لِقَفَاهُ ويغْسِلُ بِيَسَارِهِ وَعَلَيْهَا خِرْقَةٌ سَوْءَتَيْهِ، ثمَّ يَلُفُّ أُخْرَى، وَيُدْخِلُ إِصْبَعَهُ فَمَهُ وَيُمِرُّهَا عَلَى أَسْنَانِهِ، وَيُزِيلُ مَا فِي مِنْخَرَيْهِ مِنْ أَذَىً، وَيُوَضِّئُهُ كَالْحَيِّ، ثُمَّ يَغْسِلُ رَأْسَهُ ثُمَّ لِحْيَتة بِسِدْرٍ وَنَحْوِهِ
وأدخل يده منها، (بماء بارد) لأنه يشد البدن، والمسخن يرخيه، إلا أن يحتاج إلى المسخن؛ لكثرة وسخ، أو شدة برد.
(ويجلسه) الغاسل (على المغتسل) 1 برفق (مائلًا إلى ورائه) لئلا يحبس اعتداله ما قد يخرج منه (ويضع يمينه على كتفه، وإبهامه في نقرة قفاه) لئلا يتمايل رأسه.
(ويسند ظهره إلى ركبته اليمنى) لئلا يسقط (ويمر يساره على بطنه إمرارًا بليغًا) في التكرار، لا في شدة الإجهاد، بحيث لا يؤدي إلى هتك الميت؛ لأن احترامه واجب، قاله الماوردي 2 (ليخرج ما فيه) من الفضلات؛ خشيةً من خروجه بعد الغسل.
(ثم يضجعه لقفاه ويغسل بيساره وعليها خرقة سوءتيه) كما يستنجي الحي بعد قضاء حاجته (ثم يلف أخرى) بعد إلقاء الأولى، (ويدخل إصبعه فمه ويمرها على أسنانه) بماء، وهو كالسواك في حق الحي، (ويزيل ما في منخريه من أذى) بإدخال طرف إصبعه في أنفه بشيء من الماء (ويوضِّئه كالحي) بمضمضة واستنشاق وتثليث؛ لحديث أم عطية قالت: دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نغسل ابنته فقال: "اغْسِلْنَهَا ثلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الأَخِيرَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، وَابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الْوضُوءِ مِنْهَا" 3.
(ثم يغسل رأسه ثم لحيته بسدر ونحوه) كالخطمي؛ للحديث المذكور
ويسَرِّحُهُمَا بِمِشْطٍ وَاسِعِ الأَسْنَانِ بِرِفْقٍ، وَيَرُدُّ الْمُنْتَتف إِلَيْهِ. وَيَغْسِلُ شِقَّهُ الأَيْمَنَ ثُمَّ الأَيْسَرَ، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إِلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ فَيَغْسِلُ شِقَّهُ الأَيْمَنَ مِمَّا يَلِي الْقَفَا وَالظهْرَ إِلَى الْقَدَم، ثُمَّ يُحَرِّفُهُ إِلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ فَيَغْسِلُ الأَيْسَرَ كَذَلِكَ، فَهَذِهِ غَسْلَةٌ. وَتستَحَبُّ ثَانِيَةٌ وَثَالِثَةٌ، وَأَنْ يُسْتَعَانَ فِي الأُولَى بِسِدْرٍ أَوْ خِطْمِيٍّ ثمَّ يُصَبّ مَاءٌ قَرَاحٌ مِنْ فَرْقِهِ إِلَى قَدَمِهِ بَعْدَ زَوَالِ السِّدْرِ، وَأَنْ يُجْعَلَ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ قَلِيلُ كَافُورٍ
(ويسرحهما بمشط واسع الأسنان برفق) ليقل الانتتاف، أو لا ينتف شيء (ويرد المنتتف إليه) ويضعه في كفنه، ويدفن معه؛ إكرامًا له.
(ويغسل شقه الأيمن) المقبل من عنقه إلى آخره (ثم الأيسر) كذلك؛ لحديث أم عطية المارّ.
(ثم يحرفه إلى شقه الأيسر فيغسل شقه الأيمن مما يلي القفا، والظهر إلى القدم، ثم يحرفه إلى شقه الأيمن فيغسل الأيسر كذلك) أما البُداءة بالأيمن.. فلحديث أم عطية المار، وأما الشقين اللذين يليان الوجه.. فلشرفهما.
(فهذه غسلة، وتستحب ثانية.. وثالثة) كغسل الجنابة؛ فإن لم ينق.. زاد، وسنّ الإيتار، (وأن يستعان في الأولى بسدر أو خطمي، ثم يصب ماء قراح) أي: خالص (من فرقه إلى قدمه بعد زوال السدر).
اعلم: أن في كلام المصنف تقديمًا وتأخيرًا، وكان ينبغي أن يقول: ثم يصبّ ماء قَراح من فَرْقه إلى قدمه بعد زوال السدر، فهذه غسلة، ويستحب ثانية وثالثة كذلك؛ لأنه يندب غسله بماء وسدر لإزالة الوسخ، ثم بالماء القَراح، ثم يفعل كذلك؛ أي: بالمختلط، ثم بالقَراح ثانية وثالثة، ولا يسقط الفرض بالغسلة المتغيرة بالسدر على الصحيح، ولا بالغسلة المزيلة للسدر في الأصحِّ؛ لأن الماء إذا أصاب المحل.. اختلط بما عليه من السدر وتغيّر به، فعلى هذا: لا يحسبان من الفرض، بل يفعله بعد ذلك بالماء الخالص ثلاث مرات: الأولى: لأداء الفرض، والثانية والثالثة: طلبا للتثليث، وحينئذ فيكون المجموع تسع غسلات.
(وأن يجعل في كل غسلة) من الثلاث التي بالماء الخالص (قليل كافور) لأنه يقوي البدن، وينفر الهوام من رائحته، والأخيرة آكد؛ لحديث أم عطية
وَلَوْ خَرَجَ بَعْدَهُ نَجَسٌ.. وَجَبَ إِزَالَته فَقَطْ، وَقِيلَ: مَعَ الْغُسْلِ إِنْ خَرَجَ مِنَ الْفَرْجِ، وَقِيلَ: الوضُوءِ. ويغَسِّلُ الرَّجُلَ الرَّجُلُ، وَالْمَرْأَةَ الْمَرْأَةُ، وَيُغَسِّلُ أَمَتَهُ وَزَوْجَته، وَهِيَ زَوْجَهَا،
المار 1، وإنما قيد بالقليل؛ لئلّا يغير الماء فتزول طهوريتُه.
(ولو خرج بعده) أي: بعد الغسل (نجس) من الفرج وغيره (.. وجب إزالته فقط) لأن الفرض قد سقط بما وجد، والتنظيف يحصل بإزالة ما حدث، (وقيل: مع الغسل إن خرج من الفرج) لأنه ينقض الطهر، وطهر الميت غسل جميعه، (وقيل: الوضوء) كالحي، فلو خرج من غير الفرج.. لم يجب غير إزالته قطعًا، وأطلق الجمهور الخلاف، ومحله: قبل التكفين، أما بعده.. فتكفي إزالة النجس قطعًا؛ كما قاله في "شرح المهذب" و"زيادة الروضة" 2.
(ويغسل الرجل الرجل، والمرأة المرأة) إلحاقًا لكل جنس بجنسه (ويغسل أمته) ولو مدبرة ومكاتبة وأم ولد كالزوجة وأولى؛ لملكه الرقبة والبُضْع جميعًا.
نعم؛ إن كانت مزوجة أو معتدة.. لم يغسلها 3، قال في "زيادة الروضة": والمستبرأة كالمعتدة 4، وفيه بحث 5.
(وزوجته) لأن عليًّا غسل فاطمة رضي الله عنهما 6 (وهي زوجها) بالإجماع؛ كما حكاه ابن المنذر 7.
نعم؛ الرجعية لا يغسلها ولا تغسله، وقد يفهم: أن الأمة لا تغسل السيد، وهو كذلك؛ لأنها تنتقل إلى الورثة.
وَيَلُفَّانِ خِرْقَةً وَلَا مَسَّ. فَإِنْ لَمْ يَحْضُرْ إلَّا أَجْنَبِيٌّ أَوْ أَجْنَبِيَّةٌ.. يُمِّمَ فِي الأَصحِّ. وَأَوْلَى الرِّجَالِ بِهِ: أَوْلَاهُمْ بِالصَّلَاةِ، وَبِهَا: قَرَابَاتُهَا، وَيُقَدَّمْنَ عَلَى زَوْجٍ فِي الأَصحِّ،
(ويلفان) أي: السيد وأحد الزوجين (خرقة) ندبًا (ولا مسّ) حفظًا للطهارة؛ فإن خالف.. قال القاضي: صح غسله وإن نقضنا طهر الممسوس، وأقرّاه 1.
(فإن لم يحضر إلا أجنبي) والميت امرأة (أو أجنبية) والميت رجلًا (.. يمّم) الميت (في الأصح) تنزيلًا لفقد الغاسل منزلة فقد الماء؛ لما في الغسل من النظر المحرم، وهذا إذا كان الميت كبيرًا واضحًا، فإن كان صغيرًا لا يشتهى مثله.. غسله الفريقان، وكذا الخنثى على المعتمد في "شرح المهذب" 2، والثاني: يغسل في ثيابه بلف خرقة على اليد، وغضّ الطرف ما أمكن، فإن اضطر إلى النظر.. عُذِرَ؛ للضرورة، وحكاه الماوردي عن النص، كما نقله في "الروضة" 3.
(وأولى الرجال به) أي: بغسل الرجل (أولاهم بالصلاة) عليه؛ كما سيأتي بيانه، وهل تقدم الزوجة عليهم؛ قال في "زيادة الروضة": (فيه ثلاثة أوجه: أصحها: يقدم رجال العصبات، ثم الرجال الأجانب، ثم الزوجة، ثم النساء المحارم، والثاني: يقدم الرجال الأقارب، ثم الزوجة، ثم الرجال الأجانب، ثم النساء المحارم، والثالث: تقدم الزوجة على الجميع) انتهى 4.
وذكر القاضي والبغوي: أن الخال هنا أولى من ابن العم؛ لمحرميته 5، ولا مدخل لتقديم الوالي هنا وإن قيل به في الصلاة.
(وبها) أي: الأولى بغسل المرأة (قراباتها) من النساء؛ لأنهن أشفق من غيرهن (ويقدمن على زوج في الأصح) لأن الإناث بالإناث أليق، والثاني: يقدم هو؛ لزيادة ما ينظره.
وَأَوْلَاهُنَّ: ذَاتُ مَحْرَمِيَّةٍ، ثمَّ الأَجْنَبيَّةُ، ثُمَّ رِجَالُ الْقَرَابَةِ كَتَرْتِيبِ صَلَاتِهِمْ. قُلْتُ: إلَّا ابْنَ الْعَمِّ وَنَحْوَهُ فَكَالأَجْنَبِيِّ، وَالَلّهُ أَعْلَمُ. وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمُ الزَّوْجُ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يُقَرَّبُ الْمُحْرِمُ طِيبًا، وَلَا يُؤْخَذُ شَعْرُهُ وَظُفْرُهُ، وَتُطَيَّبُ الْمُعْتَدَّةُ فِي الأَصَحِّ، وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْمُحْرِمِ أَخْذُ ظُفْرِهِ وَشَعْرِ إِبْطِهِ وَعَانَتِهِ وَشَارِبِهِ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: كَرَاهَتُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
(وأولاهن ذات محرمية) وهي كلّ امرأة لو كانت رجلًا.. لم يحلّ له نكاحُها بسبب القرابة؛ لأنهن أشدّ في الشفقة، وإن استوت اثنتان في المحرمية.. فالتي في محلّ العصوبة أولى؛ كالعمة مع الخالة.
(ثم الأجنبية) لأنها أوسع نظرًا من الرجل، ويقدم عليها ذات الولاء، كما نص عليه، وجزم به في "شرح المهذب" 1.
(ثم رجال القرابة؛ كترتيب صلاتهم) لأنهم أشفق عليها، (قلت: إلا ابن العم ونحوه) وهو كلّ قريب ليس بمحرم (فكالأجنبي، والله أعلم) أي: لا حقّ له في الغسل؛ لأنه لا يحلّ له النظر إليها، ولا الخلوة بها.
(ويقدم عليهم) أي: على رجال القرابة (الزوج في الأصح) لأنه ينظر إلى ما لا ينظرون إليه، والثاني: يقدمون عليه؛ لانتهاء النكاح بالموت، وسبب المحرمية يدوم، وجميع ما تقدم مشروط بالإسلام، وألّا يكون قاتلًا.
(ولا يقرب المحرم طيبًا) ولا يطرح الكافور في ماءِ غَسله (ولا يؤخذ شعره وظفره) لأنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا؛ كما ثبت في "الصحيحين" 2.
(وتطيب المعتدة) المحِدَّة (في الأصح) لزوال المعنى، وهو التفجع على الزوج، وميلها إلى الأزواج أو ميلهم إليها، والثاني: لا؛ كالمحرمة.
(والجديد: أنه لا يكره في غير المحرم أخذ ظفره وشعر إبطه وعانته وشاربه) لأنه لم يرد فيه نهي.
(قلت: الأظهر: كراهته، والله أعلم) لأنه لم يثبت فيه شيء، فهو محدث،