بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 161-202

كتابُ قَسْم الفيء والغنيمة

صفحات 161-202

وَطُولِ نَخْلَةٍ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ مَعَ مَرَضٍ؛ فَإِنِ اتَّفَقَا بِنِصْفِ الْعَيْنِ، وَإِلَّا.. فَنِصْفُ قِيمَتِهِ. وَزِرَاعَةُ الأَرْضِ نَقْصٌ، وَحَرْثُهَا زِيَادَةٌ. وَحَمْلُ أَمَةٍ وَبَهِيمَة زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ، وَقِيلَ: الْبَهِيمَةُ زِيَادَةٌ. وَإِطْلَاعُ نَخْلٍ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، وَإِنْ طَلَّقَ وَعَلَيْهِ ثَمَرٌ مُؤَبَّرٌ.. لَمْ يَلْزَمْهَا قَطْفُهُ، فَإِنْ قُطِفَ.. تعَيَّنَ نِصْفُ النَّخْلِ. وَلَوْ رَضِيَ بِنِصْفِ النَّخْلِ وَتَبْقِيَةِ الثَّمَرِ إِلَى جَذَاذِهِ.. أُجْبِرَتْ فِي الأَصَحِّ، وَيَصِيرُ

(وطول نخلة) بحيث يقل ثمرها؛ لكبرها، فالزيادة بكثرة الحطب، والنقص بقلة الثمر.
(وتعلم صنعة مع مرض 1، فإن اتفقا بنصف العين).. فذاك؛ لأن الحق لا يعدوهما، (وإلا.. فنصف قيمته) لأنه الأعدل.
(وزراعة الأرض نقص) محض؛ لأنها تستوفي قوة الأرض غالبًا، (وحرثها زيادة) إذا كانت معدة للزراعة؛ كما صرح به في "المحرر" 2، وإلا.. فهو نقص محض.
(وحملُ أمة وبهيمه زيادة ونقص) إذ فيه توقع الولد، والضعف حالًا وخوف الموت مآلًا، (وقيل: البهيمة زيادة) محضة؛ لأنها لا تهلك غالبًا، بخلاف الإماء.
وأجاب الأول: بأنه يؤثر في لحم المأكول، ولا ينتفع بغيره مع الحمل ما ينتفع به بلا حمل.
(وإطلاع نخل) بعد الصداق (زيادة متصلة) فيمنع الرجوع القهري؛ لحدوثه في ملكها، (وإن طلق وعليه ثمر مؤبر) حدث طلعه بعد الإصداق (.. لم يلزمها قطفه) لترجع إلى نصف المُسمَّى، بل تستحق إبقاءه إلى الجذاذ؛ لأن حصول الثمر على النخل بحق، فتمكن من إبقائه إلى الجذاذ.
(فإن قطف.. تعين نصف النخل) إن لم يحدث نقص؛ كانكسار سعف وأغصان، ولا طال زمن القطع لزوال المانع.
(ولو رضي بنصف النخل وتبقية الثمر إلى جذاذه.. أجبرت في الأصح، ويصير

النَّخْلُ فِي يَدِهِمَا، وَلَوْ رَضِيَتْ بِهِ.. فَلَهُ الامْتِنَاعُ وَالْقِيمَةُ. وَمَتَى ثَبَتَ خِيَارٌ لَهُ أَوْ لَهَا أَوْ لَهُمَا.. لَمْ يَمْلِكْ نِصفَهُ حَتَّى يَخْتَارَ ذُو الاخْتِيَارِ. وَمَتَى رَجَعَ بِقِيمَتِهِ.. اعْتُبِرَ الأَقَلُّ مِنْ يَوْمَيِ الإِصْدَاقِ وَالْقَبْضِ.

النخل في يدهما) كسائر الأملاك الشائعة، والثاني: لا تجبر؛ لأنها لا تأمن أن يدعي الزوج شركة في الثمر؛ لثبوت يده.
(ولو رضيت به) أي: برجوعه في نصف الشجر وترك ثمرها إلى الجذاذ (.. فله الامتناع والقيمة) أي: طلبها لأنه لمَّا طلقها، وهي زائدة.. تعلق حقه بالقيمة، فلا تنقل إلى العين إلا برضاه.
(ومتى ثبت خيار له) بسبب نقص الصداق (أو لها) بسبب زيادة (أو لهما) لاجتماع المعنيين (.. لم يملك نصفه حتى يختار ذو الاختيار) إن كان لأحدهما، فإن كان الخيار لهما.. اعتبر توافقهما وإن قلنا: إن الطلاق يشطر الصداق بنفسه، وإلا.. لبطلت فائدة التخيير والتوافق، واقتضى كلامه: أنه على التراخي، وهو كذلك.
نعم؛ إذا طالب الزوج.. كلفت اختيار أحدهما على الفور.
(ومتى رجع بقيمته) لهلاك الصداق أو غيره (.. اعتبر الأقل من يومي الإصداق والقبض) لأن قيمة يوم الإصداق إن كانت أقل.. فالزيادة بعد ذلك حدثت على ملكها لا تعلق للزوج بها، فلا تضمنها له، وإن كانت قيمة يوم القبض أقل.. فما نقص قبل ذلك فهو من ضمانه، فكيف يرجع عليها بما هو مضمون عليه؟ وقضية كلامه كـ "الروضة"؛ عدم اعتبار الحالة المتوسطة بينهما، فلو كانت قيمته يوم العقد مئة، ثم رجعت قبل القبض إلى خمسين، ثم قبضته وقيمته تسعون يجب تسعون، وبه صرح ابن الملقن في "شرحيه" 1، قال الأَذْرَعي: وهو غلط، والذي ذكره الأئمة اعتبارها.
ويستثنى من إطلاق المصنف: ما لو تلف في يدها بعد الفراق، وقلنا بالمذهب: إنه مضمون عليها.. فتعتبر قيمة يوم التلف، لأن الرجوع وقع إلى عين الصداق، ثم تلف تحت يد ضامنه.

وَلَوْ أَصْدَقَ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ وَطَلَّقَ قَبْلَهُ.. فالأَصَحُّ: تَعَذُّرُ تَعْلِيمِهِ، وَيَجِبُ مَهْرُ مِثْلٍ بَعْدَ وَطْءٍ، وَنِصْفُهُ قَبْلَهُ. وَلَوْ طَلَّقَ وَقَدْ زَالَ مِلْكُهَا عَنْهُ.. فَنِصْفُ بَدَلِهِ، فَإِنْ كَانَ زَالَ وَعَادَ.. تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ فِي الأَصَحِّ.

(ولو أصدق تعليم القرآن وطلقَّ قبله.. فالأصح: تعذر تعليمه) لأنها صارت أجنبية، ولا تؤمن المفسدة لو علَّم، وهذا هو المنصوص في "المختصر"؛ كما ذكره الرافعي 1، والثاني: لا يتعذر؛ لإمكانه من وراء حجاب في غير خلوة؛ كما يسمع منها الحديث، وصححه جمع، واختاره الأَذْرَعي، وقد جزموا بجواز تعلمها من الأجنبي من وراء ستر بحضور محرم، وحكى الإمام عن الأئمة: أن علة التعذر عسر التنصيف 2، ورُدَّ: بما إذا كان الطلاق بعد الدخول؛ فإن المستحق تعليم الكل، وقد صرحوا بتعذر التعليم.
وصورة المسألة: أن يصدقها تعليم ذلك بنفسه، أما لو أصدقها ذلك في ذمته.. لم يتعذر التعليم، لجواز تحصيل من يعلمها ذلك من محرم أو امرأة.
(ويجب مهر مثل بعد وطء، ونصفه قبله) أي: قبل الوطء، جريًا على القاعدة 3. (ولو طلق) قبل الدخول (وقد زال ملكها عنه) أي: عن الصداق ببيع أو إعتاق أو هبة مقبوضة (.. فنصف بدله) أي: المثل إن كان مثليًّا، وقيمة النصف إن كان متقومًا؛ كما لو تلف، (فإن كان زال وعاد) ثم طلقها قبل الدخول (.. تعلق بالعين في الأصح) لأنه لا بُدَّ له من بدل؛ فعين ماله أولى، والثاني: لا؛ لأن الملك المستعاد من غير جهة الصداق.

وَلَوْ وَهَبَتْهُ لَهُ ثُمَّ طَلَّقَ.. فَالأَظْهَرُ: أَنَّ لَهُ نِصْفَ بَدَلِهِ. وَعَلَى هَذَا: لَوْ وَهَبَتْهُ النِّصْفَ.. فَلَهُ نِصْفُ الْبَاقِي وَرُبُعُ بَدَلِ كُلِّهِ، وَفِي قَوْلٍ: الْنِّصْفُ الْبَاقِي، وَفِي قَوْلٍ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ بَدَلِ نِصْفِ كُلِّهِ أَوْ نِصْفِ الْبَاقِي وَرُبُعِ بَدَلِ كُلِّهِ. وَلَوْ كَانَ دَيْنًا فَأَبْرَأَتْهُ.. لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهَا عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَيْسَ لِوَليٍّ عَفْوٌ عَنْ صدَاقٍ عَلَى الْجَدِيدِ.

(ولو وهبته له ثم طلق) قبل الدخول (.. فالأظهر: أن له نصف بدله) من مثل أو قيمة؛ لعوده إليه بملك جديد، فلم يمتنع الرجوع؛ كما لو وهب المشتري المبيع من البائع ثم أفلس بالثمن؛ فإن البائع يضارب بالثمن مع الغرماء على المذهب، والثاني: لا يرجع عليها بشيء؛ لأنها عجلت له ما يستحقه، فأشبه تعجيل الزكاة قبل الحول، والدين قبل الحلول، ومنع الأول كونه تعجيلًا لحقه، فإنها لو صرحت بالتعجيل.. لم يصح.
(وعلى هذا) أي: الأظهر (لو وهبته النصف.. فله نصف الباقي وربع بدل كله) لأن الهبة وردت على مطلق الجملة، فيشيع فيما أخرجته وما أبقته، (وفي قول: النصف الباقي) لأنه استحق النصف بالطلاق، وقد وجده؛ فيتعين الرجوع فيه، وتنحصر هبتها في نصيبها؛ ويُسمَّى الأول: قول الإشاعة، والثاني: قول الحصر، (وفي قول: يتخير بين بدل نصف كله، أو نصف الباقي وربع بدل كله) لأن في الرجوع بنصف الباقي وبدل نصف الآخر تبعيضًا للشطر على الزوج، والتبعيض عيب والعيب بيد الزوجة فخير الزوج.
وقوله: (أو نصف الباقي)، الصواب: إسقاط (الألف) لأن (بين) إنما تكون بين شيئين.
(ولو كان دينًا فأبرأته.. لم يرجع عليها على المذهب) قطعًا؛ لأنه لم يغرم شيئًا؛ كما لو شهد شاهدان بدين على إنسان، وحكم به الحاكم ثم أبرأ المحكوم له المحكوم عليه عن الدين، ثم رجع الشاهدان عن الشهادة.. لم يغرما للمحكوم عليه شيئًا، وقيل: على القولين في هبة العين، ورجح قائلها هنا عدم الرجوع، والفرق: أنها لم تأخذ شيئًا، والإبراء إسقاط محض.
(وليس لولي عفو عن صداق على الجديد) كسائر الديون، والقديم: نعم؛ بناءً

فَصْلٌ [في المتعة]

لِمُطَلَّقَةٍ قَبْلَ وَطْءٍ مُتْعَةٌ إِنْ لَمْ يَجِبْ شَطْرُ مَهْرٍ، وَكَذَا الْمَوْطُوءَةُ فِي الأَظْهَرِ،

على أنه الذي بيده عقدة النكاح في الآية، وقال في الجديد: إن الذي بيده عقدة النكاح في الآية الزوج؛ أي: إلا أن تعفو المرأة فيسلم الكل للزوج، أو يعفو الزوج فيسلم الكل لها.
ويشترط على القديم: أن يكون الولي أبًا أو جدًّا؛ لمكان شفقتهما، وأن يكون قبل الدخول؛ جزمًا فيهما، وأن تكون بكرًا صغيرة عاقلة، وأن يكون بعد الطلاق، وأن يكون الصداق دينًا في ذمة الزوج لم يقبض على الصحيح فيهن.

(فصل: لمطلقة قبل وطء متعة إن لم يجب شطر مهر) وهي واجبة على الجديد؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾؛ الآية، وعن القديم: أنها مستحبة لقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾؛ فدل على أنها على سبيل الإحسان والتفضيل، والإحسان ليس بواجب، ولو كانت واجبة.. لم يختص بها المحسنون دون غيرهم.
وخرج بقوله: مطلقة: المتوفى عنها؛ فلا متعة لها، وأفهم عدم وجوبها لها إذا وجب لها الشطر، وبه صرح في "المحرر" 1. (وكذا الموطوءة في الأظهر) لعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وخصوص قوله: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾، وفي الآية تقديم وتأخير؛ أي: فتعالين أسرحكن وأمتعكن، وكلهن مدخول بهن؛ فدلَّ على وجوب المتعة للمدخول بها، والثاني: لا متعة لها؛ لأنها إذا لم تستحقها مع الشطر.. فمع الكل أولى، وحمل الآية على الاستحباب.
وفرق الأول: بأن جميع المهر وجب في مقابلة استيفاء منفعة البضع فخلا الطلاق

وَفُرْقَةٌ لَا بِسَبَبِهَا كَطَلَاقٍ.
وَيُسْتَحَبُّ أَلَّا تنقُصَ عَنْ ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا.
وَإِنْ تنَازَعَا.. قَدَّرَهَا الْقَاضِي بنَظَرِهِ مُعْتَبرًا حَالَهُمَا، وَقِيلَ: حَالَهُ، وَقِيلَ: حَالَهَا، وَقِيلَ: أَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ.

فَصْلٌ [في الاختلاف في المهر والتحالف فيما سمي منه]

اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ مَهْرٍ أَوْ صفَتِهِ.. تَحَالَفَا،

عن الجبر، بخلاف من وجب لها النصف، فإن بضعها سُلِّم لها.. فكان الشطر جابرًا للإيحاش والابتذال.
(وفرقة لا بسببها كطلاق) في إيجاب المتعة، سواء أكان من الزوج؛ كإسلامه وردته ولعانه، أو من أجنبي؛ كوطء أبيه أو ابنه بشبهة، فإن كانت بسببها؛ كإسلامها، وفسخه بعيبها وعكسه.. لم تجب؛ لأن المهر يسقط بذلك، ووجوبه آكد من وجوب المتعة، ولو ارتدا معًا.. فلا متعة على الأصحِّ.
(ويستحب ألا تنقص عن ثلاثين درهمًا) أو ما يساويها، كما ذهب إليه ابن عمر وابن عباس رضي الله عنه 1، وأما الواجب، فإن تراضيا على شيء.. فذاك.
(وإن تنازعا.. قدرها القاضي بنظره) بحسب ما يليق بالحال وإن زاد على شطر المهر على الأصحِّ (معتبرًا حالهما) لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾، وقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فينظر إلى ما يليق بالزوج من يساره وإعساره، وفيما يليق بالزوجة من نسبها وصفاتها، (وقيل: حاله) كالنفقة (وقيل: حالها) كأنها كالبدل عن المهر، وهو معتبر بها، (وقيل: أقل متمول) كما يجوز جعله صداقًا.

(فصل: اختلفا في قدر مهر) وكان ما يدعيه الزوج أقل (أو) في (صفته) ولا بينة لأحدهما، أو تعارضت بينتهما (.. تحالفا) كالبيع، لأن كلَّ واحدٍ مدعٍ، ومدعىً عليه، وكيفية اليمين، ومن به البداءة على ما مر في (البيع).

وَيَتَحَالَفُ وَارِثَاهُمَا، وَوَارِثُ وَاحِدٍ وَالآخَرُ، ثُمَّ يُفْسَخُ الْمَهْرُ وَيَجِبُ مَهْرُ مِثلٍ. وَلَوِ ادَّعَتْ تسمِيَةً فَأَنْكَرَهَا.. تَحَالَفَا فِي الأَصَحِّ. وَلَوِ ادَّعَتْ نِكَاحًا وَمَهْرَ مِثْلٍ فَأَقَرَّ بِالنِّكَاحِ وَأَنْكَرَ الْمَهْرَ أَوْ سَكَتَ.

(ويتحالف وارثاهما، ووارث واحد والآخر) لقيامه مقام مورثه، وقضيته: أنه كتحالف الزوجين وليس كذلك، فإن الزوجين يحلفان على البت في النفي والإثبات، والوارثان يحلفان على البت في الإثبات، وعلى نفي العلم في النفي على الصحيح في "أصل الروضة" 1. (ثم يفسخ المهر) المسمَّى؛ لمصيره بالتحالف مجهولًا، ولا ينفسخ بنفس التحالف؛ كالبيع، ويفسخه من يفسخ البيع بعد التحالف.
(ويجب مهر مثل) وإن كان أزيد مما ادعته؛ على الصحيح.
(ولو ادعت تسمية فأنكرها) بأن قال: (لم تقع تسمية)، ولم ياع تفويضًا (.. تحالفا في الأصح) لأن حاصله الاختلاف في قدر المهر، والثاني: يصدق الزوج؛ لأن الأصل عدم التسمية، قالا: وإنما يحسن وضع المسألة إذا كان ما تدعيه أكثر من مهر المثل 2، قال ابن الرفعة: ويحسن وضعها وإن كان ما تدعيه قدر مهر المثل، إذا كان من غير نقد البلد 3، وقال البُلْقيني: يحسن أيضًا وضعها إذا كان المُسمَّى معينًا ولو كان أنقص من مهر المثل؛ لتعلق الغرض بالمعين.
ولو ادعى الزوج التسمية وأنكرت، قال الرافعي: فالقياس: مجيء الوجهين 4. قال المنكت: وينبغي أن يصور ذلك بما إذا ادعى دون مهر المثل على قياس ما تقدم.
انتهى 5، ومثله: ما إذا ادعى قدره أو أكثر من غير نقد البلد أو عينًا معيَّنة، كما تقدم.
(ولو ادعت نكاحًا ومهر مثل فأقر بالنكاح وأنكر المهر أو سكت) عنه، ولم يدع

فَالأَصَحُّ: تَكْلِيفُهُ الْبَيَانَ؛ فَإِنْ ذَكَرَ قَدْرًا وَزَادَتْ.. تَحَالَفَا، وَإِنْ أَصَرَّ مُنْكِرًا.. حُلِّفَتْ وَقُضِيَ لَهَا. وَلَوِ اخْتَلَفَ فِي قَدْرِهِ زَوْجٌ وَوَلِيُّ صَغِيرَةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ.. تَحَالَفَا فِي الأَصَحِّ.

تفويضًا، ولا إخلاء النكاح عن ذكر المهر (.. فالأصح: تكليفه البيان) ولا يسمع إنكاره؛ لاعترافه بما يقتضي مهر المثل.
(فإن ذكر قدرًا وزادت.. تحالفا) لما مر (وإن أصر منكرًا.. حلفت وقضي لها) وهذا ما حكاه الروياني عن فتوى جماعة من المحققين بخراسان والعراق، ثم قال: وهو القويم؛ يعني: بالواو من الاستقامة، وظنه ابن الرفعة بالدال فقال: فالجديد إذًا خلافه وليس كذلك، ووقع في بعض نسخ "الروضة" و"أصلها" القديم بالدال 1، وهو تحريف من ناسخ، ومقابل الأصح: أوجه، أحدها: تصديق الزوج؛ لأن الأصل براءة ذمته، وقال صاحب "المعين": إنه الصواب، وقال البُلْقيني: إنه المعتمد، والثاني: تصديقها بيمينها، لأن الظاهر معها، والثالث: أنهما يتحالفان، حكاه في "الوجيز" وصححه 2، قالا: ولا يكاد يتصور، فإن التحالف هو على إثبات دعواه ونفي دعوى خصمه، والذي حصل من الزوج إنكارٌ مطلق 3. قال المنكت: وهذه المسألة قريبة الشبه من التي قبلها في المعنى وإن اختلفا في الصورة؛ فليحرر الفرق بينهما.
انتهى 4. وفرق شيخنا بينهما: بأن هناك إنما أنكر التسمية، ومقتضاه: لزوم مهر المثل؛ فإن كان مدعاها زائدًا عليه أو في غير جنسه.. فقد اختلفا في المهر فتحالفا، وأما هنا.. فإنه أنكر المهر أصلًا، ولا سبيل إليه مع الاعتراف بالنكاح، فلهذا كان الأصحُّ تكليفه البيان.
(ولو اختلف في قدره زوج وولي صغيرة أو مجنونة.. تحالفا في الأصح) لأن الولي هو المالك للعقد والمستوفي للصداق، فكان اختلافه مع الزوج كاختلاف البالغة

وَلَوْ قَالَتْ: (نَكَحَنِي يَوْمَ كَذَا بِأَلْفٍ، وَيَوْمَ كَذَا بِأَلْفٍ)، وَثَبَتَ الْعَقْدَانِ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِبيِّنَةٍ.. لَزِمَهُ أَلْفَانِ،

مع الزوج، فلو بلغت قبل حلف الولي.. حلفت هي دونه، والثاني: المنع؛ لأنه يثبت حقًّا لغيره بيمينه، والنيابة لا تدخل في اليمين؛ فعلى هذا: توقف اليمين إلى تأهلها، ويتحالفان.
وإنما يحلف الولي إذا ادعى زيادة على مهر المثل، والزوج مهر المثل، أما إذا اعترف الزوج بزيادة على مهر المثل.. فلا تحالف؛ لئلا يؤدي التحالف إلى الانفساخ الموجب لمهر المثل، فيضيع على المحجور عليها الزائد، وكذا لو ادعى الزوج النكاح بدون مهر المثل؛ فإن مهر المثل يجب بلا تحالف، قاله الرافعي 1. وخرج بقوله: (صغيرة) البكر البالغة؛ فإنها تحلف على الصحيح.
وكان ينبغي أن يقيد الصغيرة بالبكر؛ فإن الثيب لا يحلف عنها قطعًا؛ لأنه لا يجبرها، وما صحح المصنف والرافعي من التحالف يخالف لما ذكراه في (الدعوى والبينات) من أنه لو ادعى ولي صبي دينًا له فأنكر ونكل.. لم يحلف الولي 2، وقيل: يحلف، وقيل: إن ادعى مباشرة سببه.. حلف، وإلا.. فلا، وجمع الزركشي بينهما: بأن حلفه هناك على استحقاق الصبي، فهو حلف للغير ولم يقبل النيابة، وهنا على أنَّ العقد هكذا فهو حلف لنفسه، والمهر ثابت ضمنًا، وجرى عليه الدميري 3، وفيه نظر؛ فإن الوجه المفصل في (الدعاوى) يرد هذا الجمع.
(ولو قالت: "نكحني يوم كذا بألف ويوم كذا بألف"، وثبت العقدان بإقراره أو ببينة) أو يمينها بعد نكوله (.. لزمه ألفان) ولا يحتاج إلى التعرض لتخلل الفرقة ولا لحصول الوطء، أما عدم التعرض لتخلل الفرقة.. فلأن العقد الثاني لا يكون إلا بعد ارتفاع الأول، وأما عدم التعرض للوطء.. فلأن المُسمَّى في كل عقد يجب بالعقد، والأصل: بقاؤه حتى يثبت إسقاطه.

فَإِنْ قَالَ: (لَمْ أَطَأْ فِيهِمَا أَوْ فِي أَحَدِهِمَا).. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ وَسَقَطَ الشَّطْرُ، وَإِنْ قَالَ: (كَانَ الثَّانِي تَجْدِيدَ لَفْظٍ لَا عَقْدًا).. لَمْ يُقْبَلْ.

فَصْلٌ [في وليمة العرس]

وَلِيمَةُ الْعُرْسِ سُنَّةٌ، وَفِي قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ: وَاجِبَةٌ.

(فإن قال: "لم أطأ فيهما أو في أحدهما".. صدق بيمينه) لأن الأصل: عدم الوطء، (وسقط الشطر) في النكاحين أو أحدهما؛ لأنه فائدة تصديقه.
وصورة المسألة: إذا ادعى عدم الوطء في الثاني.. أن يدعي الطلاق، وإلا.. فمجرد دعوى عدم الوطء لا يسقط الشطر في الثاني، وإنما يسقطه في الأول.
(وإن قال: "كان الثاني تجديدَ لفظٍ لا عقدًا".. لم يقبل) لمخالفته الظاهر، وله تحليفها على نفي ما ادعاه على الأصحِّ؛ لإمكانه.

(فصل: وليمة العرس سنة) لثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم قولًا وفعلًا 1، وسائر الولائم كذلك، وقد جمع بعضهم أسماء الضيافة في أبيات فقال: [من البسيط] وَلِلضِّيَافَةِ أَسْمَاءٌ ثَمَانِيَةٌ... وَلِيمَةُ الْعُرْسِ ثُمَّ الْخُرْسُ لِلْوَلدِ كَذَا الْعَقِيْقَةُ لِلْمَوْلُوْدِ سَابِعَهُ... ثُمَّ الْوَكِيرَةُ لِلْبُنْيَانِ إِنْ تَجِدِ ثُمَّ الْنَّقِيعَةُ عِنْدَ الْعَوْدِ مِنْ سَفَرٍ... وَفِي الْخِتَانِ هُوَ الإِعْذَارُ فَاجْتَهِدِ وَضِيمَةٌ لِمُصَابٍ ثُمَّ مَأْدُبَةٌ... مِنْ غَيْرِ مَا سَبَبٍ جَاءَتْكَ لِلْعَدَدِ وَالشُّنْدَخِيُّ لإِمْلَاكٍ فَقَدْ كَمُلَتْ... تِسْعًا وَقُلْ لِلَّذِي يَدْرِيهِ فَاعْتَمِدِ وقوله: (قل للذي يدريه) يعني: الشندخي، وأهمل الناظم عاشرًا، وهو الحذاق بكسر الحاء المهملة: ما يتخذ عند حذاق الصبي بالقرآن، أو عند ختمه له.
(وفي قول أو وجه: واجبة) عينًا، لقوله عليه السلام لعبد الرحمن بن عوف:

وَالإِجَابَةُ إِلَيْهَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَقِيلَ: كِفَايَةٍ، وَقِيلَ: سُنَّةٌ

"أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" متفق عليه 1، وحمله الأول على الندب؛ لحديث: "لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ" 2، وقيل: فرض كفاية إذا أظهرها الواحد في عشيرته وقبيلته ظهورًا منتشرًا.. سقط فرضها عمن سواه، حكاه الماوردي 3. ولم يتعرضوا لوقت الوليمة هل هو قبل البناء أو بعده؟ قال السبكي: والمنقول عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم أنها بعد الدخول، وبسط ذلك، وقال الأَذْرَعي: الأقرب: الرجوع في ذلك إلى العرف.
قال السبكي: وأقل المستحب في الوليمة: شاة؛ للحديث: "أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ" 4، وقول "الروضة" و"أصلها": أقل الوليمة للمتمكن شاة، فإن لم يتمكن.. فما قدر عليه يقتضيه 5، أي: أقل المستحب للمتمكن شاة.
(والإجابة إليها فرض عين) لحديث: "شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلَائِمِ؛ يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ، وَمَنْ لَمْ يُجِبْ.. فَقَدْ عَصَى الله وَرَسُولَهُ" رواه مسلم 6. وحكى ابن عبد البر الإجماع عليه 7. (وقيل: كفاية) لأن المقصود إظهار الحال، والتمييز عن السفاح، وهو حاصل بحضور البعض، (وقيل: سنة) لأنه تمليك مال فلم يجب كغيره، والخبر محمول على تأكد الاستحباب.
ويستثنى: القاضي، فلا تلزمه الإجابة على الصحيح، بل قال الروياني: الأولى في زماننا: ألا يجيب أحدًا؛ لخبث الزمان.
وقضية قوله: (إليها) عدم وجوب الإجابة إلى غيرها من الولائم، وهو

وَإِنَّمَا تَجِبُ أَوْ تُسَنُّ بِشَرْطِ: أَلَّا يَخُصَّ الَأغْنِيَاءَ. وَأَنْ يَدْعُوَهُ فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ، فَإِنْ أَوْلَمَ ثَلاَثَةً.. لَمْ تَجِبْ فِي الثَّانِي، وَتُكْرَهُ فِي الثَّالِثِ. وَأَلَّا يُحْضِرَهُ لِخَوْفٍ أَوْ طَمَعٍ فِي جَاهِهِ. وَأَلَّا يَكُونَ ثَمَّ مَنْ يَتَأَذَّى بِهِ أَوْ لاَ تَلِيقُ بِهِ مُجَالَسَتُهُ وَلَا مُنْكَرٌ، فَإِنْ كَانَ يَزُولُ بِحُضُورِهِ.. فَلْيَحْضُرْ

الصحيح، بل هي مستحبة، وقيل: بطرد الخلاف.
(وإنما تجب) الإجابة (أو تسن بشرط: ألا يخص الأغنياء) للحديث السالف، هذا إذا خصهم لغناهم، أما إذا كانوا من أهل حرفته، كالفقيه يخص الفقهاء وهم أغنياء.. فلا بأس؛ لأن له غرضًا فيه، قاله القاضي وغيره.
(وأن يدعوه في اليوم الأول، فإن أولم ثلاثة.. لم تجب في الثاني) بل تستحب، (وتكره في الثالث) لحديث: " الْوَلِيمَةُ فِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ حَقٌّ، وَفِي الثَّانِي مَعْرُوفٌ، وَفِي الثَّالِثِ رِيَاءٌ وَسُمْعَةٌ" رواه الأربعة 1. (وألا يحضره لخوف أو طمع في جاهه) بل يكون حضوره لمجرد التقرب، والتودد المطلوب من المسلمين عمومًا.
(وألا يكون ثم من يتأذى به أو لا تليق به مجالسته) كالأراذل؛ لما فيه من الضرر في الأولى، والغضاضة في الثانية، (ولا منكر) كالخمر، والملاهي المحرمة؛ لحديث: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ.. فَلاَ يَقْعُدَنَّ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ" رواه الترمذي، وقال: حسن غريب، وصححه الحاكم، وقال: إنه على شرط مسلم 2. وشمل إطلاق المنكر: ما لو كان هناك داعية إلى بدعة ولا يقدر المدعو على رده، وما إذا كان هناك من يضحك بالفحش والكذب، وبه صرح في "الإحياء" 3. (فإن كان يزول بحضوره.. فليحضر) لأن فيه تحصيل فرضين؛ فرض الإجابة

وَمِنَ الْمُنْكَرِ: فِرَاشُ حَرِيرٍ وَصُورَةُ حَيَوَانٍ عَلَى سَقْفٍ أَوْ جِدَارٍ أَوْ وِسَادَةٍ أَوْ سِتْرٍ أَوْ ثَوْبٍ مَلْبُوسٍ،

وإزالة المنكر، فإن علم أنه إن حضر.. لم يزل بحضوره.. حرم حضوره على الصحيح؛ لأنه كالرضا بالمنكر والتقرير عليه.
وأهمل المصنف شروطًا أخر لوجوب الإجابة أو استحبابها؛ أحدها: أن يخصه بالدعوة، فإن فتح بابه وقال ليحضر من أراد.. لم تجب، ثانيها: أن يدعوه مسلم، ثالثها: كون طعام الداعي حلالًا، رابعها: ألا يكون الداعي امراة أجنبية، إلا إذا لم تقع خلوة محرمة، خامسها: ألا يكون له عذر مرخص في ترك حضور الجماعة، قاله في "البيان" 1، سادسها: ألا يعتذر إلى الداعي ويرضى بتخلفه، فإن رضي.. زال الوجوب، قال في "الروضة": وارتفعت كراهة التخلف 2، ولو غلب على ظنه أن الداعي لا يتألم بانقطاعه.. ففيه تردد حكاه في "الذخائر"، وظاهر الحديث: يقتضي المنع، سابعها: ألا يكون الداعي فاسقًا أو شريرًا أو طالبًا للمباهاة والفخر، قاله في "الإحياء" 3، ثامنها: ألا يسبق الداعي غيره، فإن دعاه اثنان.. أجاب الأسبق، فإن جاءا معًا.. أجاب الأقرب رحمًا ثم دارًا، تاسعها: إطلاق تصرف الداعي، عاشرها: أن يكون المدعو حرًّا، فإن عاد عبدًا.. لزمه إن أذن سيده.
(ومن المنكر: فراش حرير) لحرمته؛ كما مر به في بابه، والتقييد بالافتراش: يخرج ستر الجدران به مع كونه حرامًا.
وكان ينبغي أن يقول: فرش حرير؛ لأن المحرم الفَرْشُ الذي هو المصدر لا الفراش نفسه، فقد يكون مطويًّا فلا إنكار فيه، ويلتحق بفرش الحرير: افتراش جلود النمور فإنها حرام؛ كما قاله الحليمي وابن المنذر وغيرهما.
(وصورة حيوان على سقف أو جدار أو وسادة أو ستر أو ثوب ملبوس) لحديث النمرقة وغيره من الأحاديث الصحيحة 4، ولأنها شبيهة بالأصنام.

وَيَجُوزُ مَا عَلَى أَرْضٍ وَبِسَاطٍ وَمِخَدَّةٍ، وَمَقْطُوعُ الرَّأْسِ، وَصُوَرُ شَجَرٍ، وَيَحْرُمُ تَصْوِيرُ حَيَوَانٍ. وَلاَ تسقُطُ إِجَابَةٌ بِصَوْمٍ،

(ويجوز ما على أرض وبساط ومخدة ومقطوع الرأس) لأن ما يوطأ ويطرح مهانٌ مبتذلٌ.
وتعبيره أولًا بالوسادة، وثانيًا بالمخدة يقتضي تغايرهما، وليس كذلك بل هما لفظان مترادفان، وجمع بين كلاميه على سبيل العناية: بأن المراد بالجواز في المخدة الصغيرة التي يتكأ عليها، وبالمنع في الوسادة الكبيرة المنصوبة؛ كما عبر به في "الروضة" 1. (وصور شجر) وكل ما لا روح له؛ لما في "الصحيحين" عن ابن عباس أنه قال لمصور قال له: لا أعرف صنعةً غيرها: (إن لم يكن بد.. فصوِّر الأشجار، وما لا نفس له) 2 ولأنها تشابه النقوش، وهي غير ممنوعة.
(ويحرم تصوير حيوان) لحديث: " أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ" 3، ولا فرق في تحريم التصوير بين تصوريها على الحيطان أو الأرض أو نسج الثياب على الأصحِّ في "زيادة الروضة" 4. (ولا تسقط إجابة بصوم) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ.. فَلْيُجِبْ فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا.. فَلْيَطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا.. فَلْيُصَلِّ" رواه مسلم 5. والمراد بالصلاة: الدعاء؛ كما ورد في رواية: أن النبي دعا له بالبركة 6، وظاهر الحديث: وجوب الاكل للمفطر، وهو ما صححه المصنف في (كتاب الصيام) من "شرح مسلم"، واختاره في "التصحيح" 7، لكن الأصحّ في "الروضة"

فَإِنْ شَقَّ عَلَى الدَّاعِي صَوْمُ نَفْلٍ.. فَالْفِطْرُ أَفْضَلُ. وَيَأْكُلُ الضَّيْفُ مِمَّا قُدِّمَ لَهُ بِلَا لَفْظٍ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ إِلَّا بِأَكْلٍ،

و"أصلها" و"شرح مسلم" هنا: أنه لا يجب، بل يستحب، ويسقط الوجوب بلقمة 1. (فإن شق على الداعي صوم نفل.. فالفطر أفضل) لإمكان تدارك الصوم، ويندب: أن ينوي بالفطر إدخال السرور على قلبه، وإذا لم يشق عليه.. فالإتمام أفضل.
وخرج بالنفل: صوم الفرض؛ فيحرم الفطر إن تضيق، وكذا إن لم يتضيق على المذهب.
(ويأكل الضيف مما قدم له بلا لفظ) سواء دعاه أم لا بشرط ألا يكون منتظرًا غيره؛ اكتفاءً بالقرينة، فإن انتظر غيره.. فلا بد من حضوره أو الإذن لفظًا.
(ولا يتصرف فيه إلا بأكل) لأنه المأذون فيه عرفًا، فلا يطعم سائلًا ولا هرةً ولا يبيعه ولا يهبه.
نعم؛ يجوز تلقيم الأضياف بعضهم بعضًا إلا إذا فاوت بينهم في الطعام.. فليس للذين خصوا بنوع أن يطعموا منه غيرهم.
وظاهر كلامه: أنه لا يملكه، بل هو إتلاف بالإذن، وهو ما صححه في (كتاب الأيمان)، وصححه الرافعي في (كتاب الهبة) أيضًا 2، لكن نقلا هنا عن الأكثرين التمليك 3، وهل يملك بالوضع بين يديه أو بالأخذ، أو بالوضع في الفم، أو بالازدراد يتبين حصوله قبله؛ أوجه؛ قالا في "الروضة" و"أصلها": وضعف المتولي ما سوى الوجه الأخير 4، وقال في "الشرح الصغير": رجح الأول؛ يعني: بالوضع بين يديه، واعترضه الأَذْرَعي، وقال: إنه أضعف الأوجه، بل هو

وَلَهُ أَخْذُ مَا يَعْلَمُ رِضَاهُ بِهِ. وَيَحِلُّ نَثْرُ سُكَّرٍ وَغَيْرِهِ فِي الإِمْلَاكِ، وَلَا يُكْرَهُ فِي الأَصَحِّ، وَيَحِلُّ الْتِقَاطُهُ، وَتَرْكُهُ أَوْلَى.

غلط، ووقع في "المهمات" و"شرح ابن الملقن" و"النكت": أنه رجَّح في "الشرح الصغير" الملك بالوضع في الفم 1، وهو سهوٌ، وعبارة "الشرح الصغير": ثم قيل: يملك بالوضع بين يديه، وقيل: بالأخذ، وقيل: بالوضع في الفم، وقيل: بالازدراد يتبين حصول الملك قبله رجح منها الأول.
انتهى.
وحيث قلنا: بأنه يملك؛ فالمراد به: أنه ملك أن ينتفع بنفسه؛ كالعارية لا أنه ملك العين؛ كما توهمه بعضهم.
(وله أخذ ما يعلم رضاه به) لأن مدار الضيافة على طيب النفس؛ فإذا تحقق ولو بالقرينة.. رتب عليه مقتضاه، ويختلف ذلك بقدر المأخوذ وجنسه، وبحال المضيف، وبالدعوة، فإن شك في وقوعه في محل المسامحة.. فالصحيح: التحريم.
(ويحل نثر سُكَّر) وهو رميه مفرقًا (وغيره) كلوز ونحوه، وكذا الدراهم والدنانير؛ كما حكياه عن المسعودي وأقراه 2 (في الإملاك، ولا يكره في الأصح) لأنه نُثرَ ذلك بين يديه صلى الله عليه وسلم فأمسك أصحابه، وقالوا: نهيتنا عن النُّهْبى، فقال: "إِنَّمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ نُهْبَى الْعَسَاكِرِ، خُذُوا عَلَى اسْمِ اللهِ" فجاذبنا وجاذبناه، رواه البيهقي بإسناد منقطع 3، والثاني: يكره؛ لما في الصحيح من النهي عن النُّهْبَى 4، والحديث السابق لم يثبت، قال الأَذْرَعي: وهذا نص عليه الشافعي، وأطبق عليه جماهير الأصحاب، وقيل: إنه مستحب.
(ويَحِلُّ التقاطه) لأن مالكه إنما طرحه لمن يأخذه (وتركه أولى) لأنه دناءة إلا إذا علم أن الناثر.. لم يؤثر بعضهم على بعض، ولم يقدح الالتقاط في مروءته، قال ابن

..................................

داوود: والأولى: أن يقسم النثار على الحاضرين، ويكره أخذه من الهواء بالمُلَاءةِ والأُزُرِ قطعًا، ومن أخذ منه شيئًا.. ملكه بالأخذ على الأصحِّ في "زيادة الروضة" كسائر المباحات، قال: ولو التقط منه صبي.. ملكه، أو عبد.. ملكه سيده، والختان في هذا كالإملاك 1.

كتابُ القسْمِ والنُّشُوز يَخْتَصُّ الْقَسْمُ بِزَوْجَاتٍ. وَمَنْ بَاتَ عِنْدَ بَعْضِ نِسْوَتِهِ.. لَزِمَهُ عِنْدَ مَنْ بَقِيَ. وَلَوْ أَعْرَضَ عَنْهُنَّ أَوْ عَنِ الْوَاحِدَةِ.. لَمْ يَأْثَمْ. وَيُسْتَحَبُّ أَلَّا يُعَطِّلَهُنَّ. وَتَسْتَحِقُّ الْقَسْمَ مَرِيضَةٌ وَرَتْقَاءُ وَحَائِضٌ وَنُفَسَاءُ،

﴿كتاب القسم والنشوز﴾ القسم - بفتح القاف -: مصْدرُ قَسمتُ الشيء، وأما بالكسر.. فالنصيب.
والنشوز: الارتفاع عن أداء الحق من النشز، وهو المكان المرتفع من الأرض.
(يختص القسم بزوجات) غير معتدات وجوبًا؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾؛ أي: في القسم الواجب ﴿فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فأشعر بأنه لا يجب في ملك اليمين، فالإماء لا قسم لهن وإن كن مستولدات؛ لأنهن لا حقَّ لهن في الاستمتاع.
وكان ينبغي أن يقول: (ويختص الزوجات بالقسم) لأن (الباء) تدخل على المقصور 1. (ومن بات عند بعض نسوته.. لزمه عند من بقي) لحديث: "إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا.. جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ أَوْ سَاقِطٌ" صححه ابن حبان والحاكم 2. (ولو أعرض عنهن أو عن الواحدة.. لم يأثم) لأن المبيت حقه، فجاز تركه؛ كسكنى الدار المستأجرة.
(ويستحب ألا يعطلهن) للإضرار بهن، وقد يؤدي إلى الفجور.
(وتستحق القسم مريضة ورتقاء وحائض ونفساء) وكذا مجنونة لا يخاف منها، ومحرمة ومن آلى منها أو ظاهر، قال الغزالي: وكذا كلُّ من بها عذر شرعيٌّ

لَا نَاشِزَةٌ. فَإِنْ لَمْ يَنْفَرِدْ بِمَسْكَنٍ.. دَارَ عَلَيْهِنَّ فِي بُيُوتِهِنَّ، وَإِنِ انْفَرَدَ.. فَالأَفْضَلُ الْمُضِيُّ إلَيْهِنَّ، وَلَهُ دُعَاؤُهُنَّ، وَالأَصَحُّ: تَحْرِيمُ ذَهَابِهِ إِلَى بَعْضٍ وَدُعَاءِ بَعْضٍ، إِلَّا لِغَرَضٍ كَقُرْبِ مَسْكَنِ مَنْ مَضى إِلَيْهَا أَوْ خَوْفٍ عَلَيْهَا. وَيَحْرُمُ أَنْ يُقِيمَ بِمَسْكَنِ وَاحِدَةٍ وَيَدْعُوَهُنَّ إِلَيْهِ،

أو طبعيٌّ 1؛ لأن المقصود الأنس لا الوطء.
ويستثنى من إطلاق الغزالي: المعتدة عن وطء شبهة، فإنه لا قسم لها؛ لحرمة الخلوة بها، قاله المتولي، وأقراه 2. (لا ناشزة) كما لا نفقة لها؛ إذ لا أنس مع نشوز.
(فإن لم ينفرد بمسكن.. دار عليهن في بيوتهن) توفيةً لحق القسم، (وإن انفرد.. فالأفضل: المضي إليهن) للاتباع، وصيانةً لهُنَّ عن الخروج.
(وله دعاؤهن) إلى مسكنه، وعليهنَّ الإجابة؛ لأن ذلك حقٌّ له، ومن امتنعت.. فهي ناشزة، واستثنى الماوردي: ما إذا كانت ذات قدر وخفر، ولم تعتد البروز.. فلا يلزمها إجابته، وعليه أن يقسم لها في بيتها 3، قال شيخنا: وفي "النهاية" ما يشير إليه، واستغربه الروياني.
(والأصح: تحريم ذهابه إلى بعض ودعاء بعض) لما فيه من الوحشة، والثاني: لا؛ كما له المسافرة ببعض دون بعض.
وفرق الأول: بأن المسافرة تكون بالقرعة، وهي تدفع الوحشة، فإن أقرع هنا.. قال الرافعي: وجب أن يجوز 4. (إلا لغرض؛ كقرب مسكن من مضى إليها أو خوف عليها) ونحوهما؛ كما لو كان تحته عجوز وشابة.. فحضر بيت الشابة، ودعا العجوز؛ لأن ذلك قرينة تصرف الميل عنه والأذى عنها.
(ويحرم أن يقيم بمسكن واحدة ويدعوهن إليه) لأن إتيان بيت الضرة شاقٌّ على

وَأَنْ يَجْمَعَ ضَرَّتَيْنِ فِي مَسْكَنٍ إِلَّا بِرِضَاهُمَا. وَلَهُ أَنْ يُرَتِّبَ الْقَسْمَ عَلَى لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ قَبْلَهَا أَوْ بَعْدَهَا، وَالأَصْلُ اللَّيْلُ، وَالنَّهَارُ تَبَعٌ، فَإِنْ عَمِلَ لَيْلًا وَسَكَنَ نَهَارًا كَحَارِسٍ.. فَعَكْسُهُ

النفس، ولا يلزمهن الإجابة، فإن أجبن.. فلصاحبة البيت المنع وإن كان المبيت ملك الزوج؛ لأن حق السكنى فيه لها، قاله ابن داوود، فلو رضين كلهن بذلك.. جاز.
(وأن يجمع بين ضرتين في مسكن) ولو ليلة؛ لما بينهما من التباغض (إلا برضاهما) لأن الحقَّ لهما، والمراد بالمسكن: البيت الواحد، فلو كان في الدار حجرة منفردة بالمرافق، وهي لائقة بالحال.. جاز.
وكلامه يقتضي: جواز الجمع بين الحرة والسرية؛ لأن الجوهري فسر الضرة بالزوجة 1، لكن قال الماوردي والروياني: إنهما كالحرتين، قالا: وله الجمع بين إمائه في مسكن واحد 2. (وله أن يرتب القسم على ليلة ويوم قبلها أو بعدها) لحصول المقصود بكل منهما.
نعم؛ تقديم الليل أولى؛ كما صرح به العراقيون، بل في "المهذب" تعينه 3؛ لأن الذي عليه التواريخ الشرعية أن أول الأشهر الليالي، وكلام المصنف قد يقتضي دخوله إلى صاحبة النوبة من الغروب، ويخرج من طلوع الفجر؛ لأنه الليل الشرعي، قال ابن الرفعة: والوجه: الرجوع فيه إلى العرف الغالب.
(والأصل الليل) لأن الله جعله سكنًا (والنهار تبع) لأنه وقت التردد والانتشار.
(فإن عمل ليلًا وسكن نهارًا كحارس) وأَتُّونِيّ (فعكسه) أي: فيكون النهار في حقه أصلًا، والليل تابع؛ لأن نهاره كليل غيره، هذا في الحاضر، أما المسافر.. فعماده وقت نزوله من ليل أو نهار قلَّ أو كثر، وفي المجنون المتقطع جنونه العبرة بوقت الإفاقة، ويجعل أيام الجنون كالغيبة، نصَّ عليه.

وَلَيْسَ لِلأَوَّلِ دُخُولٌ فِي نَوْبَةٍ عَلَى أُخْرَى لَيْلًا إِلَّا لِضَرُورَةٍ كَمَرَضِهَا الْمَخُوفِ، وَحِينَئِذٍ: إِنْ طَالَ مُكْثُهُ.. قَضَى، وَإِلَّا.. فَلاَ، وَلَهُ الدُّخُولُ نَهَارًا لِوَضْعِ مَتَاعٍ وَنَحْوِهِ، وَيَنْبَغِي أَلَّا يَطُولَ مُكْثُهُ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لاَ يَقْضِي إِذَا دَخَلَ لِحَاجَةٍ،

(وليس للأول) أي: من ليله أصل (دخول في نوبة على أخرى ليلًا) وإن كان لحاجة على المذهب؛ لما فيه من إبطال حق صاحبة النوبة، (إلا لضرورةٍ؛ كمرضها المخوف) وشدة الطلق، والحريق؛ لأنه عذر ظاهر، وقد يخرج ما لو احتمل ذلك، وأراد الدخول ليتبين حال المرض، والأصحُّ: الجواز.
(وحينئذ: إن طال مكثه.. قضى) من نوبتها مثله؛ لأن حق الآدمي لا يسقط بالعذر، (وإلا) أي: وإن لم يطل مكثه (.. فلا) يقضي لقلته، وهذا إذا لم يجامع؛ فإن جامع.. قضى مثل مدة المكث، إن طال لا إن قصر، ولا يكلف الجماع على الأصحِّ في "الروضة" 1. (وله الدخول نهارًا لوضع متاع ونحوه) كتسليم نفقةٍ، وتعرُّفِ خبرٍ، لحديث عائشة رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس، حتى يبلغ إلى التي هو يومُها فيبيت عندها) رواه أبو داود، وقال الحاكم: صحيح الإسناد 2. (وينبغي ألا يطول مكثه) على قدر الحاجة، وكذلك لا يعتاد الدخول على واحدة في نوبة الأُخْرَيات، ولا في نوبة واحدة الدخول على غيرها، كذا قالاه 3. وقضيته: جواز ذلك إلا أنه خلاف الأولى، لكن صرح الشيخ أبو حامد بالتحريم، وجرى عليه جمهور العراقيين.
(والصحيح: أنه لا يقضي إذا دخل لحاجة) للحديث المار، ولأن النهار تابعٌ، والثاني: أن النهار كالليل.
وقضيته: أنه يقضي إذا طال، وقضية إطلاق الشيخين: أن الصحيح: أنه لا يقضي

وَأَنَّ لَهُ مَا سِوَى وَطْءٍ مِنِ اسْتِمْتَاعٍ، وَأَنَّهُ يَقْضِي إِنْ دَخَلَ بِلَا سَبَبٍ، وَلَا تَجِبُ تسْوِيَةٌ فِي الإِقَامَةِ نَهَارًا. وَأَقَلُّ نُوَبِ الْقَسْمِ لَيْلَةٌ وَهُوَ أَفْضَلُ، وَيَجُوزُ ثَلاَثًا، وَلَا زِيَادَةَ عَلَى الْمَذْهَبِ

وإن طال، وجزم به الماوردي، لكن في "الشامل" و"المهذب" و"البيان": وجوب القضاء، ونقله ابن الرفعة عن نصِّ "الأم" 1. (وأن له ما سوى وطء من استمتاع) للحديث المار، والمسيس محمولٌ على الجماع، والثاني: المنع؛ لإفضائه إلى الوطء، أما الوطء.. فيحرم، وفيه وجه شاذ، قال الإمام: واللائق بالتحقيق: القطع بإباحة الوطء، وصرف التحريم إلى إيقاع المعصية لا إلى ما وقعت المعصية به 2، وقرنه بعضهم بأن تحريم الوطء ليس لعينه بل لأمر خارج، ومن عماد القسم في حقه النهار، فنهاره كليل غيره في جميع ما تقدم؛ كما دلَّ عليه قوله: (وليس للأول).
(وأنه يقضي إن دخل بلا سبب) أي: يقضي زمن الإقامة؛ لتعديه لا أنه يقضي الاستمتاع كما يوهمه كلامه، والثاني: لا يقضي؛ لأن النهار تابع.
(ولا تجب تسوية في الإقامة نهارًا) لأنه وقت الانتشار والتردد، وقد يكثر في يوم ويقل في آخر، والضبط فيه عَسِرٌ، بخلاف الليل.
(وأقل نوب القسم ليلة) ولا يجوز تبعيضها؛ لما فيه من تنغيصِ العيش وعُسْرِ الضبط، قال في "المطلب": وفي "الأم" ما يقتضي جوازه (وهو أفضل) من الزيادة عليها؛ للاتباع.
(ويجوز ثلاثًا) وليلتين وإن لم يرضين؛ لأنها مدة قريبة (ولا زيادة على المذهب) لئلا يؤدي إلى المهاجرة والإيحاش للباقيات بطول المقام عند الضرة، اللهم؛ إلا أن يرضين بذلك، والطريق الثاني: حكاية قولين أو وجهين، وإذا جوزنا.. فقيل: يجوز إلى سبع فقط؛ لأنها تستحق في القسم لتجديد النكاح، وقيل: إلى أربعة أشهر مدة تربص المولي.

وَالصَّحِيحُ: وُجُوبُ قُرْعَةٍ لِلِابْتِدَاءِ، وَقِيلَ: يَتَخَيَّرُ. وَلَا يُفَضِّلُ فِي قَدْرِ نَوْبَةٍ، لكِنْ لِحُرَّةٍ مِثْلَا أَمَةٍ،

(والصحيح: وجوب قرعةٍ للابتداء) أي: لابتداء القسم؛ تحرزًا عن الترجيح، فيبدأ بمن خرجت قرعتها، فإذا مضت نوبتها.. أقرع بين الباقيات ثم بين الأخريين، فإذا تمت النوبة.. راعى الترتيب، ولا حاجة إلى إعادة القرعة.
نعم؛ لو ظلم فبدأ بلا قرعة.. أقرع بين الباقيات، فإذا تمت النوبة.. أقرع للابتداء، وعبارة المصنف تشمله؛ لأنه الآن ابتدأ القَسْم.
(وقيل: يتخير) فيبدأ بمن شاء بلا قرعة؛ لأن له الإعراض عنهن، وما لم يبت عند واحدة.. لا يلزمه القسم، وقال في "التتمة": إنه مكروه.
(ولا يفضل في قدر نوبة) أي: لا يجوز أن يفضل امرأة على امرأة في ذلك وإن اختصت بصفات شريفة، حتى يساوي بين المسلمة والكافرة؛ لأن القسم شُرعَ للعدل واجتناب التفضيل المفضي للوحشة، (لكن لحرة مثلا أمة) لحديث فيه مرسل 1، وعضده الماوردي بأنه روي عن علي رضي الله عنه؛ كما رواه الدارقطني 2، ولا يعرف له مخالف فكان إجماعًا 3. وخالف حق الزفاف؛ إذ الغرض فيه زوال الحشمة، وهما فيه سواء، وسواء المدبرة والمكاتبة والمبعضة وأم الولد؛ كما قاله الماوردي وغيره 4، ويتصور اجتماع الحرة والأمة في نكاح العبد، وفي الحر بأن ينكح أمة بشرطه، ثم ينكح عليها حرة أو تكون تحته حرة لا تصلح للاستمتاع وجوزنا له نكاح الأمة كما سبق.
وهذا إذا استحقت الأمة النفقة بأن سلَّمها السيد ليلًا ونهارًا، أو ليلًا وقلنا: باستحقاقها النفقة، أما إذا قلنا: بعدم استحقاقها، وهو الأصحُّ.. فلا قسم لها.

وَتُخَصُّ بِكْرٌ جَدِيدَةٌ عِنْدَ زَفَافٍ بِسَبْعٍ بِلاَ قَضَاءٍ، وَثَيِّبٌ بِثَلاَثٍ، وَيُسَنُّ تَخْيِيرُهَا بَيْنَ ثَلاَثٍ بِلاَ قَضَاءٍ، وَسَبْعٍ بِقَضَاءٍ

وهذا إذا لم يطرأ العتق، فإن عتقت قبل تمام نوبتها.. التحقت بالحرة، فلو لم تعلم بالعتق حتى مرت عليها أدوار، وهو يَقسِمُ لها قَسْمَ الإماء، قال الماوردي: يستقبل التسوية من حين العلم، ولا يقضي لها ما مضى 1، قال في "المطلب": والقياس: أن يقضي لها، وكلامه يوهم جواز ليلتين لها إذا كان للحرة أربعة، وليس كذلك بل الشرط ليلة لها وليلتان للحرة، ولا تجوز الزيادة على ذلك؛ لئلا يزاد القسم على ثلاث أو ينقص عن ليلة، وهما ممتنعان كما تقدم.
(وتخص) وجوبًا (بكر جديدة) ولو أمة على الأصحِّ (عند زفاف بسبع) ولاءً (بلا قضاء، وثيب) بنكاح أو زنًا أو وطء شبهة لا بمرض ووَثْبَة على الأصح (بثلاث) ولاءً بلا قضاء؛ لحديث: "سَبْعٌ لِلْبِكْرِ، وَثَلاَثٌ لِلثَّيِّبِ" صححه ابن حبان 2. وهو مؤيد برواية البخاري عن أنس: (من السنة إذا تزوج البكر على الثيب.. أقام عندها سبعًا وقسم، وإذا تزوج الثيب على البكر.. أقام عندها ثلاثًا ثم قسم) 3. وقول الصحابي: (من السنة) في حكم المرفوع، والمقصود منه: أن ترتفع الحشمة، ويحصل الأنس، وخصت البكر بزيادة؛ لأن حياءها أكثر، والثلاث مدة مغتفرة في الشرع، والسبع؛ لأنها أيام الدنيا، وما زاد عليها يتكرر.
(ويسن تخييرها) أي: الثيب (بين ثلاث بلا قضاء، وسبع بقضاء) لقوله صلى الله عليه وسلم لأم سلمة حين تزوج بها: "إِنْ شِئْتِ.. سَبَّعْتُ عِنْدَكِ وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ، وَإِنْ شِئْتِ.. ثَلَّثْتُ عِنْدَكِ وَدُرْتُ" قالت: ثلِّث 4. فإن اختارت السبع، وأجابها.. قضى السبع للباقيات، وإن أقام السبع بغير اختيارها.. لم يقض إلا الأربع الزائدة على المذهب.

وَمَنْ سَافَرَتْ وَحْدَهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ.. نَاشِزَةٌ، وَبِإِذْنِهِ لِغَرَضِهِ.. يَقْضِي لَهَا، وَلِغَرَضِهَا.. لَا فِي الْجَدِيدِ. وَمَنْ سَافَرَ لِنُقْلَةٍ.. حَرُمَ أَنْ يَسْتَصْحِبَ بَعْضهُنَّ. وَفِي سَائِرِ الأَسْفَارِ الطَّوِيلَةِ -وَكَذَا الْقَصِيرَةُ فِي الأَصَحِّ- يَسْتَصْحِبُ بَعْضَهُنَّ بِقُرْعَةٍ،

(ومن سافرت وحدها بغير إذنه.. ناشزة) فلا قسم لها سواء أكان في حاجته أم في حاجتها.
نعم؛ لو كانت أمة وسافر بها السيد بعد أن بات عند الحرة ليلتين.. لم يسقط حقها من القسم، وعلى الزوج قضاء ما فات عند التمكن؛ لأن الفوات حصل بغير اختيارها، قاله المتولي، وأقراه 1. (وبإذنه لغرضه) كما إذا أرسلها في شغله (يقضي لها) للإذن وغرضه، فهي كمن عنده وفي قبضته، (ولغرضها) كحج وعمرة وتجارة (لا في الجديد) أي: لا يقضي لها؛ لأنها ليست في قبضته، وفائدة الإذن: دفع الإثم، والقديم: نعم؛ لأنها سافرت بإذنه فصار كما لو سافرت بإذنه؛ لحاجته أو معه.
(ومن سافر لنُقلة.. حرم أن يستصحب بعضهن) دون بعض بقرعة ودونها؛ كما لا يجوز حضرًا، فإن فعل.. قضى للمتخلفات، وقيل: لا يقضي مدة السفر إن أقرع، ولو نقل بعضهن بنفسه وبعضهن بوكيله.. قضى لمن مع الوكيل في الأصحِّ إن أقرع، وإلا.. وجب قطعًا.
وكلامه قد يفهم: أنَّ له ترك الكل، وبه صرح المتولي، لكن صرح الغزالي بعدم الجواز، ونقله في "البسيط" عن الأصحاب؛ لما في ذلك من قطع أطماعهن من الوقاع، فأشبه الإيلاء بخلاف ما لو تمنع عن الدخول عليهن، وهو حاضر؛ لأنه لا ينقطع رجاؤهن.
(وفي سائر الأسفار الطويلة -وكذا القصيرة في الأصح- يستصحب بعضهن بقرعه) لأنه صلى الله عليه وسلم (كان إذا أراد سفرًا.. أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها.. خرج بها معه) متفق عليه 2.

وَلَا يَقْضِي مُدَّةَ سَفَرِهِ، فَإِنْ وَصَلَ الْمَقْصِدَ وَصَارَ مُقِيمًا.. قَضَى مُدَّةَ الإِقَامَةِ، لَا الرُّجُوعِ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ وَهَبَتْ حَقَّهَا.. لَمْ يَلْزَمِ الزَّوْجَ الرِّضَا، فَإِنْ رَضِيَ وَوَهَبَتْ لِمُعَيَّنَةٍ.. بَاتَ عِنْدَهَا لَيْلَتَيْهِمَا،

والثاني: يمتنع في القصير؛ لأنه في حكم الإقامة، وليس للمقيم أن يخصص بعضهن بالقرعة، وقضية إطلاقه السفر: أنه لا يشترط كونه مباحًا لكن نقلا عن الغزالي اشتراط كونه مُرَخَّصًا، وتوقفا فيه 1، قال الزركشي: ولا وجه للتوقف، فقد صرح به القفال في "محاسن الشريعة".
(ولا يقضي) للمقيمات (مدة سفره) لأنه لم ينقل، والمعنى فيه: أن المستصحبة وإن فازت بصحبته.. فقد لحقها من تعب السفر ومشقته ما يقابل ذلك، والمقيمة وإن فاتها حظها من الزوج.. فقد ترفهت بالدَّعة والإقامة؛ فتقابل الأمران فاستويا.
(فإن وصل المقصد) بكسر الصاد (وصار مقيمًا.. قضى مدة الإقامة) لخروجه عن حكم السفر، هذا إذا كان يساكنها؛ فإن اعتزلها مدة الإقامة.. لم يقض، جزم به في "الحاوي" 2 (لا الرجوع في الأصح) لأنه خرج بقرعة فصار كمدة الذهاب، والثاني: يقضي؛ لأن السفر قد انقطع بالإقامة، والرجوع في معنى سفر جديد بلا قرعة.
(ومن وهبت حقها.. لم يلزم الزوج الرضا) لأنها لا تملك إسقاط حقه من الاستمتاع.
(فإن رضي ووهبت لمعينة.. بات عندها ليلتيهما) لأن سودة وهبت نوبتها لعائشة رضي الله عنهما، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومها ويومَ سودة، متفق عليه 3. وقضيته: أنه لا يشترط رضا الموهوب لها، وهو الصحيح، وليس لنا هبةٌ يقبل فيها غير الموهوب له مع تأهله للقبول إلا هذه.

وَقِيلَ: يُوَالِيهِمَا، أَوْ لَهُنَّ.. سَوَّى، أَوْ لَهُ.. فَلَهُ التَّخْصِيصُ، وَقِيلَ: يُسَوِّي.

فصلٌ [في بعض أحكام النشوز وسوابقه ولواحقه]

ظَهَرَتْ أَمَارَاتُ نُشُوزِهَا.. وَعَظَهَا بِلَا هَجْرٍ. فَإِنْ تَحَقَّقَ نُشُوزٌ وَلَمْ يَتكَرَّرْ.. وَعَظَ وَهَجَرَ فِي الْمَضْجِعِ،

(وقيل: يواليهما) لأنه أسهل عيه، والمقدار لا يختلف، والصحيح: أنه يقسم كلًّا في وقتها كما كان، ولا يواليهما؛ لما فيه من تأخر حق من بين الليلتين؛ ولأن الواهبة قد ترجع بين الليلتين، والموالاة تفوِّت حقَّ الرجوع عليها، قال ابن الرفعة: وهذا إنما يتم إذا كانت ليلة الواهبة متأخرة، فإن كانت متقدمة وأراد تأخرها.. اتجه الجواز قطعًا 1. (أو لهن.. سوى) لأنه ليست واحدة بالتخصيص أولى من غيرها، (أو له.. فله التخصيص) لأنها جعلت الحقَّ له؛ فيضعه حيث شاء، (وقيل: يسوي) فيجعل الواهبة كالمعدومة؛ لأن التخصيص يورث الإيحاش، وقال في "الشرح الصغير": إنه الأشبه.

(فصل: ظهرت أمارات نشوزها) في قول؛ كخشونة جواب بعد لين، أو فعل؛ كتعبيس بعد إقبال وطلاقة (وعظها) بـ (اتقي الله في حقي عليكِ) (بلا هجر) لاحتمال ألَّا يكون نشوزًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾.
(فإن تحقق نشوز ولم يتكرر.. وعظ وهجر في المضجع) بفتح الجيم، والمراد: أن يهجر فراشها فلا يضاجعها فيه، واحترز بالهجران في المضجع: عن الهجران في الكلام؛ فإنه حرامٌ فيما زاد على الثلاث.
هذا إذا كان لغير عذر، فإن كان عذر شرعي؛ بأن كان المهجور مذموم الحال لبدعة أو فسق ونحوهما، أو كان فيه صلاحٌ لدِين الهاجر أو المهجور.. لم يحرم، قاله في "زوائد الروضة" 2.

وَلَا يَضْرِبُ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: يَضْرِبُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ تَكَرَّرَ.. ضَرَبَ. فَلَوْ مَنَعَهَا حَقَّهَا كَقَسْمٍ وَنَفَقَةٍ.. أَلْزَمَهُ الْقَاضِي تَوْفِيَتَهُ، فَإِنْ أَسَاءَ خُلُقَهُ وَآذَاهَا بِلَا سَبَبٍ.. نَهَاهُ، فَإِنْ عَادَ.. عَزَّرَهُ

(ولا يضرب في الأظهر) لأن الجناية لم تتأكد بالتكرر، وهذا ما رجحه جمهور العراقيين وغيرهم، وحكاه الماوردي عن الجديد 1، وقوَّاه السبكي، واختاره الأَذْرَعي، (قلت: الأظهر: يضرب، والله أعلم) كما لو أصرَّت عليه، وصححه المصنف في "تصحيح التنبيه" 2، وقال في "الروضة": إنه المختار؛ لظاهر القرآن 3، قال السبكي: وما قاله في "الروضة" فيه نظر؛ لأن ظاهر القرآن إباحة ذلك في المرتبة الأولى، كما حكاه عن ابن كَجٍّ والحناطي، وهو لم يقل به، فالأكثرون جعلوا الثلاثة المأمور بها مرتبة على أحوالها الثلاث على خلاف الظاهر، فيكون المعنى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ فإن نشزن.. فاهجروهن، فإن أصررن.. فاضربوهن؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، وقد وافق المصنف الجمهور على عدم الضرب في المرتبة الأولى، ولم يقل: بالظاهر؛ فوافق الظاهر في شيء دون شيء.
(فإن تكرر.. ضرب) ضربًا غير مبرح إذا ظنَّ أن الضرب يصلحها، والمبرح: هو الشاق شديد الألم، للآية، وذلك مع الوعظ والهجران، وإذا ضرب.. فلا يبلغ به حدًّا، قال الشيخ عز الدين: وليس لنا موضع يضرب المستحق من منعه حقه غير هذا، والعبد يمتنع من حق سيده.
(فلو منعها حقها؛ كقسم ونفقة.. ألزمه القاضي توفيته) إذا طلبته؛ لعجزها عنه، بخلاف نشوزها، فإن له إجبارها على إيفاء حقه؛ لقدرته.
(فإن أساء خلقه وآذاها بلا سبب.. نهاه، فإن عاد.. عزره) إذا طلبت؛ لتعديه عليها، وظاهر كلامه: أنه لا يحال بينهما، وبه صرح الروياني، وقال الغزالي:

فَإِنْ قَالَ كُلٌّ: إِنَّ صَاحِبَهُ مُتَعَدٍّ.. تَعَرَّفَ الْقَاضِي الْحَالَ بِثِقَةٍ يَخْبُرُهُمَا وَمَنَعَ الظَّالِمَ، فَإِنِ اشْتَدَّ الشِّقَاقُ.. بَعَثَ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا، وَهُمَا وَكِيلاَنِ لَهُمَا، وَفِي قَوْلٍ: مُوَلَّيَانِ مِنَ الْحَاكِمِ،

يحال بينهما حتى يعود إلى العدل، وتبعه في "الحاوي الصغير" 1، وزعما تفرُّدَ الغزالي به، واعترضه في "المهمات" بتصريح الإمام به 2. (فإن قال كل: إن صاحبه متعد.. تعرف القاضي الحال بثقة يَخبُرهما) إن كان في جوارهما خبير بهما، فإن لم يكن.. أسكنهما بجنب ثقة يبحث عن حالهما، ويُنهيها إليه؛ لأنه يعسر إقامة البينة على ذلك.
وتعبيره بالثقة يوهم: عدم اشتراط العدالة، لكن الرافعي قال: كذا أطلقوه، وظاهره: الاكتفاء بقول عدل واحد، ولا يصفو ذلك عن الشبهة.
انتهى 3، وهو صريح في اعتبارهم العدالة دون العدد، وبه صرح في "التهذيب" و"الشافي" 4. (ومنع الظالم) من ظلمه، وطريقه في الزوج: ما سلف، وفي الزوجة: الزجر والتأديب.
(فإن اشتد الشقاق) أي: الخلاف والعداوة (.. بعث حكمًا من أهله، وحكمًا من أهلها) للآية، وظاهره: وجوب البعث، وهو ما صححه في "زيادة الروضة" 5، لكن في "البحر" عن الشافعي: الاستحباب، وهو قضية "الشرح الصغير"، وصححه في "المهمات"؛ لنصِّ إمام المذهب عليه 6، ولا يشترط كونهما من أهل الزوجين، لكن أهلهما أولى.
(وهما وكيلان لهما) لأن البضع حق الزوج، والمال حق الزوجة، وهما رشيدان، فلا يولَّى عليهما، (وفي قول: موليان من الحاكم) لأن الله تعالى سمَّاهما

فَعَلَى الأَوَّلِ: يُشْتَرَطُ رِضَاهُمَا، فَيُوَكِّلُ حَكَمَهُ بِطَلاَقٍ وَقَبُولِ عِوَضِ خُلْعٍ، وَتُوَكِّلُ حَكَمَهَا بِبَذْلِ عِوَضٍ وَقَبُولِ طَلاَقٍ بِهِ.

حكمين، ولا امتناع أن يثبت على الرشيد الولاية عند الامتناع من أداء الحقوق؛ كالمفلس.
(فعلى الأول: يشترط رضاهما، فيوكل حكمه بطلاق وقبول عوض خلع، وتوكل حكمها ببذل عوض وقبول طلاق به) كسائر الوكلاء، وعلى الثاني: لا يشترط رضاهما في ذلك، ويحكمان بما يرياه مصلحة من الجمع والتفريق 1. ويشترط في المبعوثين: التكليف، وكذا العدالة، والحرية، والإسلام، والاهتداء إلى ما هو المقصود من بعثهما على الأصحِّ في الكل، ويشترط: الذكورة، إن قلنا: حكمان، وإن قلنا: وكيلان.. قال الحناطي: لا يشترط في وكيلها، وفي وكيله: وجهان.

كتابُ الخُلْع هُوَ فُرْقَةٌ بِعِوَضٍ بِلَفْظِ طَلاَقٍ أَوْ خُلْعٍ. شَرْطُهُ: زَوْجٌ يَصِحُّ طَلاَقُهُ، فَلَوْ خَالَعَ عَبْدٌ أَوْ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ.. صَحَّ وَوَجَبَ دَفْعُ الْعِوَضِ إِلَى مَوْلاَهُ وَوَلِيِّهِ

﴿كتاب الخلع﴾ هو مأخوذ من الخَلْع، وهو النزع؛ لأن الله تعالى سمَّى كلًّا من الزوجين لباسًا للآخر، فهو بالخلع خالع له، وهو مجمع على جوازه.
(هو فرقة بعوض) يبذل للزوج، كذا فسره ابن عباس 1، واشتهر على ألسنة حملة الشرع (بلفظ طلاق أو خلع) أي: لفظ يقع به الطلاق صريحًا كان أو كناية.
(شرطه: زوج يصح طلاقه) لأن الخلع طلاق، فلا يصح من صبي ومجنون ومكره.
(فلو خالع عبدٌ أو محجورٌ عليه بسفه.. صح) بإذن ودونه، بمهر المثل أو أقل؛ إذ لكل منهما أن يطلق مجّانًا فبعوض.. أولى.
(ووجب دفع العوض إلى مولاه) أي: مولى العبد؛ كأكسابه، ويستثنى: المكاتب؛ فإنه يجب التسليم إليه؛ لاستقلاله، وكذلك المبعض المهايأ إذا قلنا بدخول الكسب النادر في المهايأة، وخالع في نوبة نفسه، وإلا دفعت إليه ما يخصه، (ووليه) أي: ولي السفيه؛ كسائر أمواله.
نعم؛ لو دُفع إلى السفيه بإذن وليه.. ففي الاعتداد بقبضه وجهان؛ أصحهما: الاعتداد.
وما أطلقه المصنف وغيره من وجوب الدفع إلى الولي قيده الدِّزْمَارِي تبعًا للروياني والماوردي بما إذا كان على عوض في الذمة.
[فإن قيده بالدفع إليه؛ كقوله: (إن دفعتِ إليَّ هذا العبدَ فأنتِ طالق).. جاز للزوجة الدفع إليه] 2 ولا تدفع إلى وليه.

وَشَرْطُ قَابِلِهِ: إِطْلاَقُ تَصَرُّفِهِ فِي الْمَالِ: فَإِنِ اخْتَلَعَتْ أَمَةٌ بِلاَ إِذْنِ سَيِّدٍ بِدَيْنٍ أَوْ عَيْنِ مَالِهِ.. بَانَتْ، وَلِلزَّوْجِ فِي ذِمَّتِهَا: مَهْرُ مِثْلٍ فِي صُورَةِ الْعَيْنِ، وَفِي قَوْلٍ: قِيمَتُهَا، وَفِي صُورَةِ الدَّيْنِ: الْمُسَمَّى، وَفِي قَوْلٍ: مَهْرُ مِثْلٍ. وَإِنْ أَذِنَ وَعَيَّنَ عَيْنًا لَهُ أَوْ قَدَّرَ دَيْنًا فَامْتَثَلَتْ.. تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ وَبِكَسْبِهَا فِي الدَّيْنِ،

وفرق بوجهين: أحدهما: أنَّ ما في الذمة ملكه قبل الدفع، وهنا لا يملكه إلا به، فلم تضمنه؛ لأنه ما تعلق بذمتها، ولم يملكه إلا بقبضه منها، الثاني: أنها لو دفعت إلى وليه.. لم تطلق، لعدم وجود المعلق عليه.
(وشرط قابله: إطلاق تصرفه في المال) لأن الاختلاع التزام للمال.
(فإن اختلعت أمة بلا إذن سيد بدين أو عين ماله.. بانت) لوقوعه بعوض فاسد؛ كالخلع على خمر، هذا إذا نجز الطلاق؛ فإن قيده بتمليك تلك العين.. لم تطلق، نبه عليه الماوردي، وهو ظاهر.
(وللزوج في ذمتها: مهر مثل في صورة العين) لأنه المَرد حينئذ، (وفي قول: قيمتها) إن كانت متقومة، وإلا.. فمثلها.
(وفي صورة الدين: المسمَّى) كما يصح التزام الرقيق بطريق الضمان، ويتبع به بعد العتق، وهذا ما صححه في "أصل الروضة" 1، (وفي قول: مهر مثل) كما لو تزوج العبد بغير إذن سيده ووطئ.. فإن الواجب: مهر المثل، وهذا ما صححه في "المحرر" و"الشرح الصغير"، وكلام "الكبير" محتمل 2، فالذي فهمه منه السبكي ترجيح وجوب المُسمَّى، والذي فهمه منه الأَذْرَعي ومن تبعه ترجيح وجوب مهر المثل كـ"المحرر" 3، فما رجحه في "الكتاب" مخالفٌ لما في أصله من غير تنبيه.
(وإن أذن) وهو مطلق التصرف (وعين عينًا له أو قدر دينًا فامتثلت.. تعلق بالعين وبكسبها في الدين) وبما في يدها من مال التجارة إن كانت مأذونة [؛ لمهر العبد في

وَإِنْ أَطْلَقَ الإِذْنَ.. اقْتَضَى مَهْرَ مِثْلٍ مِنْ كَسْبِهَا. وَإِنْ خَالَعَ سَفِيهَةً، أَوْ قَالَ: (طَلَّقْتُكِ عَلَى أَلْفٍ) فَقَبِلَتْ.. طَلُقَتْ رَجْعِيًّا، فَإِنْ لَمْ تَقْبَلْ.. لَمْ تَطْلُقْ. وَيَصِحُّ اخْتِلاَعُ الْمَرِيضَةِ مَرَضَ الْمَوْتِ، وَلَا يُحْسَبُ مِنَ الْثُّلُثِ إِلَّا زَائِدٌ عَلَى مَهْرِ مِثْلٍ، وَرَجْعِيَّةٍ فِي الأَظْهَرِ،

النكاح المأذون فيه، وإن لم تكن مكتسبة ولا مأذونة.. ] 1 ففي ذمتها تتبع به بعد عتقها ويسارها.
(وإن أطلق الإذن) فلم يذكر عينًا ولا دينًا (.. اقتضى مهر مثل من كسبها) كما لو أذن لعبده في النكاح، فإن زادت عند الإطلاق على مهر المثل، أو على المُعيَّن في صورة التعيين.. تعلقت الزيادة بذمتها تتبع بها بعد العتق.
(وإن خالع سفيهة) محجورًا عليها (أو قال: "طلقتك على ألف" فقبلت.. طلقت رجعيًّا) إن كان بعد الدخول؛ لعدم ثبوت المال، فإنها لا تتصرف فيه، وسواء خالعت بعين أو دين، بإذن الولي أو دونه، وليس للولي صرف مالها في ذلك، هذا إذا لم يعلق الطلاق على شيء، أما لو قال لها: (إن أبرأتني من دينك.. فأنت طالق)، فقالت في الحال: (أبرأتك).. لم يقع الطلاق، صرح به الخوارزمي؛ كما نقله البُلْقيني واعتمده، وهو واضح؛ لعدم وجود الصفة المعلق عليها وهي الإبراء.
(فإن لم تقبل.. لم تطلق) لأن الصيغة تقتضي القبول، فأشبه الطلاق المعلق على صفة، فلا بدَّ من حصولها.
(ويصح اختلاع المريضة مرض الموت) لأن لها صرف مالها في أغراضها وملاذها، بخلاف السفيه، (ولا يحسب من الثلث إلا زائد على مهر مثل) لأن الزائد تبرع؛ كالوصية للمخالع، ولا يكون كالوصية للوارث؛ لخروجه بالخلع عن الإرث إلا أن يكون وارثًا بجهة أخرى غير الزوجية؛ كابن عم مثلًا.
(ورجعية) أي: يصح اختلاع رجعية (في الأظهر) لأنها في حكم الزوجات، والثاني: لا؛ لعدم الحاجة إلى الافتداء؛ لجريانها إلى البينونة.

لَا بَائِنٍ. وَيَصِحُّ عِوَضُهُ قَلِيلًا وَكَثِيرًا دَيْنًا وَعَيْنًا وَمَنْفَعَةً. فَلَوْ خَالَعَ بِمَجْهُولٍ أَوْ خَمْرٍ.. بَانَتْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَفِي قَوْلٍ: بِبَدَلِ الْخَمْرِ. وَلَهُمَا التَّوْكِيلُ، فَلَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ: (خَالِعْهَا بِمِئَةٍ).. لَمْ يَنْقُصْ مِنْهَا،

(لا بائن) بخلع أو غيره؛ إذ لا يملكها بضعَها حتى يزيله 1، وحكى الماوردي فيه: إجماع الصحابة.
(ويصح عوضه قليلًا وكثيرًا، دينًا وعينًا ومنفعة) إذا كان متمولًا معلومًا مقدورًا على تسليمه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، ولأنه عقد على منفعة البضع فجاز بما ذكرناه؛ كالصداق.
(فلو خالع بمجهول) كثوب غير معيَّن ولا موصوف (أو خمر.. بانت بمهر المثل، وفي قول: ببدل الخمر) هما القولان المتقدمان في مسألة الصداق، وقد سبق ما فيهما.
ومحل البينونة: إذا لم يكن فيه تعليق، أو علَّق بإعطاء مجهول يمكن إعطاؤه مع الجهالة، أما إذا قال: (إن أبرأتني من صداقكِ أو من دينكِ.. فأنت طالق)، فأبرأته وهي جاهلة به.. لم تطلق؛ لأن الإبراء لم يصح، فلم يوجد ما علق عليه الطلاق، قاله السبكي، وهو المعتمد، وكلام الماوردي يوافقه، وفي كلام القفال ما يدل عليه؛ خلافًا لما وقع في كلام ابن الصلاح، وجرى عليه في "الأنوار"، فقال: ولو قال: (إن برئت.. فأنت طالق) فأبرأته جاهلة.. لم يقع الطلاق، بخلاف: (إن أبرأتني) 2. (ولهما التوكيل) لأنه عقد معاوضة؛ كالبيع، (فلو قال لوكيله: "خالعها بمئة") من الدراهم من نقد معلوم (.. لم ينقص منها)؛ لأنه دون المأذون فيه، وأفهم: جواز الزيادة، وهو كذلك إن كانت من جنسها قطعًا، كمئة وعشرة، وكذا من غيره على الأصحِّ؛ كمئة وثوب، قال في "التنقيح": وكان ينبغي ألا يصح؛ كـ (بعته من زيد بألف) لأنه قد يقصد محاباته.

وَإِنْ أَطْلَقَ.. لَمْ يَنْقُصْ عَنْ مَهْرِ مِثْلٍ، فَإِنْ نَقَصَ فِيهِمَا.. لَمْ تَطْلُقْ، وَفِي قَوْلٍ: يَقَعُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ

وفرق البُلْقيني بينهما: بأن الزوجة متعينة؛ أبدًا، بخلاف المشتري، فإذا عينه.. ظهر قصد محاباته، وفرق غيره: بأن الخلع ليس المقصود الأعظم منه المالية بل الفراق وقد حصل، فإذا زاد الوكيل لا يعد مخالفًا، ولم يضر، بخلاف البيع؛ فإن مقصوده المالية، فإذا زاد.. عدّ مخالفًا فلا يصح، ورجح هذا بأن الخلع يقع غالبًا عن شقاق، ومع ذلك يبعد قصد المحاباة.
(وإن أطلق.. لم ينقص عن مهر مثل) وله أن يزيد عليه؛ كما لو أطلق الأذن في البيع، وصورة الإطلاق: أن يقول: (خالعها بمال) ونحو ذلك، أو يقول: (خالعها) وقلنا: مطلق الخلع يقتضي المال، فإن قلنا: لا يقتضيه.. فلا بدَّ من ذكر المال.
(فإن نقص فيهما) أي: في المقدر عنه وفي المطلق عن مهر المثل (.. لم تطلق) للمخالفة؛ كما لا ينفذ بيعه في مثل هذا، (وفي قول: يقع بمهر المثل) لأن الخلل في العوض لا يمنع الوقوع كخلع الزوج على عوض فاسد، وما رجحه تبع فيه "المحرر" 1، لكن صحح في "أصل الروضة" و"تصحيح التنبيه" في حالة الإطلاق: أنه يقع بمهر المثل 2، ونقله الرافعي عن الأكثرين، وعبارته في "الشرح الكبير": رجَّح البغوي عدم الوقوع، وكأنه أقوى توجيهًا لكن العراقيون والروياني وغيرهم رجَّحوا الوقوع.
انتهى 3، واختاره السبكي، وقال في "المهمات": إن الفتوى عليه؛ استنادًا للأكثرين 4، واتفقوا على ترجيح عدم الوقوع في صورة التقدير، والفرق: أن المخالفة في حالة التقدير صريحة، فلا يكون المأتي به مأذونًا فيه، بخلاف النقصان حالة الإطلاق؛ فإنه لا يخالف صريح قوله، واللفظ مطلق يشمل مهر المثل وغيره، وللطلاق قوة وغلبة؛ فعموم اللفظ يقتضي وقوعه، وأثر

وَلَوْ قَالَتْ لِوَكِيلِهَا: (اخْتَلِعْ بِأَلْفٍ) فَامْتَثَلَ.. نَفَذَ، وَإِنْ زَادَ فَقَالَ: (اخْتَلَعْتُهَا بِأَلْفَيْنِ مِنْ مَالِهَا بِوَكَالَتِهَا).. بَانَتْ وَيَلْزَمُهَا مَهْرُ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: الأَكْثَرُ مِنْهُ وَمِمَّا سَمَّتْهُ. وَإِنْ أَضَافَ الْوَكِيلُ الْخُلْعَ إِلَى نَفْسِهِ.. فَخُلْعُ أَجْنَبِيٍّ وَالْمَالُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَطْلَقَ.. فَالأَظْهَرُ: أَنَّ عَلَيْهَا مَا سَمَّتْ وَعَلَيْهِ الزِّيَادَةُ

المخالفة يظهر في العوض.
(ولو قالت لوكيلها: "اختلع بألف" فامتثل.. نفذ) لوقوعه كما أمرته، وكذا بما دونها؛ كما صرح به في "المحرر" 1، وحذفه المصنف؛ لفهمه من باب أولى.
(وإن زاد فقال: "اختلعتها بألفين من مالها بوكالتها".. بانت، ويلزمها مهر مثل) لأن قضية فساد العوض الرجوع إليه، سواء أكان زائدًا على ما سمت أم ناقصًا، (وفي قول: الأكثر منه) أي: من مهر المثل (ومما سمته) لأن مهر المثل إن كان أكثر.. فهو المرجوع إليه، وإن كان المسمى أكثر.. فقد رضيت به، وحكاية هذا القول هكذا تابع فيه "المحرر" 2، والأصوب فيه على ما جوزاه في "الروضة" و"أصلها": أنه الأكثر مما سمَّته، ومن أقل الأمرين من مهر المثل ومما سمَّاه الوكيل، وبينهما تفاوت.
فلو كان مهر المثل ألفين، وسمَّت ألفًا.. فسمَّى الوكيل ألفًا وخمس مئة.. لزمها على قضية ما في "الكتاب" على القول الثاني: ألفان، وعلى ما في "الروضة" و"أصلها": ألف وخمس مئة.
(وإن أضاف الوكيل الخلع إلى نفسه.. فخلع أجنبي والمالُ عليه) ولا شيء عليها، منه؛ لأن اختلاع الأجنبي لنفسه صحيحٌ، فإضافته إلى نفسه 3 إعراضٌ عن التوكيل، واستبداد بالخلع مع الزوج.
(وإن أطلق) فلم يضفه إليها ولا إلى نفسه، بل اقتصر على قوله: (اختلعت فلانة) (.. فالأظهر: أن عليها ما سمَّت) لالتزامها إياه (وعليه الزيادة) لأنها لم

وَيَجُوزُ تَوْكِيلُهُ ذِمِّيًّا وَعَبْدًا وَمَحْجُورًا عَلَيْهِ بِسَفَهٍ. وَلَا يَجُوزُ تَوْكِيلُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ فِي قَبْضِ الْعِوَضِ. وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ تَوْكِيلِهِ امْرَأَةً لِخُلْعِ زَوْجَتِهِ أَوْ طَلاَقِهَا

ترض بأكثر مما سمَّته، فكأنه افتداها بما سمَّته وزيادة من عند نفسه، والثاني: أنَّ عليها أكثر الأمرين من مهر المثل وما سمَّته؛ لأنه عقدٌ لها فأشبه ما إذا أضاف إليها؛ فإن بقي شيء مما سماه الوكيل.. فعلى الوكيل، وإن زاد مهر المثل على ما سماه الوكيل.. لم تجب تلك الزيادة؛ لأن الزوج رضي بما سمَّاه الوكيل، وعبارته توهم: أنه ليس على الوكيل سوى الزيادة، وليس كذلك، والذي في "الشرح" و"الروضة": على الوكيل ما سمَّاه، وفيما عليها منه قولان 1؛ فإيجاب المُسمَّى بكماله على الوكيل لا نزاع فيه؛ أعني: مُسمَّى الوكيل لأنه التزمه بعقده ثم يرجع الوكيل عليها، إن غرم بمسماها فقط؛ بناءً على المشهور في تعلق العهدة بالوكيل.
(ويجوز توكيله) أي: الزوج في الخلع (ذميًّا) وإن كانت الزوجة مسلمة؛ لأنه قد يخالع المسلمة أو يطلقها؛ ألا ترى أنها لو أسلمت وتخلف فخالعها في العدة، أو طلقها ثم أسلم.. حكم بصحة الخلع والطلاق.
(وعبدًا ومحجورًا عليه بسفه)، وإن لم يأذن السيد والولي؛ إذ لا يتعلق بالوكيل هنا عهدة.
(ولا يجوز) أي: لا يصح (توكيل محجور عليه) بسفه (في قبض العوض) لأنه ليس أهلًا له، فإن فعل وقبض.. كان الزوج مضيِّعًا لماله، ويبرأ المخالع بالدفع، كذا حكياه عن "التتمة" وأقراه 2، وكلامه يوهم: امتناع توكيل الزوجة لهؤلاء، وليس كذلك، بل يجوز توكيلها الكافر، وكذلك العبد وإن لم يأذن السيد، لا محجورًا عليه بسفه وإن أذن الولي.
(والأصح: صحة توكيله امرأة لخلع زوجته أو طلاقها) لأنه يجوز أن يفوض طلاق زوجته إليها، فإن كان توكيلًا.. فهو ما نحن فيه، أو تمليكًا؛ فمَنْ صَحَّ أن يملك

وَلَوْ وَكَّلاَ رَجُلًا.. تَوَلَّى طَرَفًا، وَقِيلَ: الطَّرَفَيْنِ.

فصلٌ [في الصيغة وما يتعلق بها]

الْفُرْقَةُ بِلَفْظِ الْخُلْعِ طَلاَقٌ، وَفِي قَوْلٍ: فَسْخٌ لاَ يَنْقُصُ عَدَدًا

شيئًا.. صحَّ توكيله فيه، وهذا ما نقله العمراني عن النص 1، والثاني: لا يصح؛ لأنها لا تستقل به فلا توكيل فيه.
والخلاف في توكيل الرجل للمرأة كما فرضه المصنف، أما توكيل المرأة للمرأة باختلاعها.. فجائز قطعًا، لأنها تملك الاختلاع استقلالًا.
بخلاف الخلع، ويستثنى من إطلاقه: ما إذا أسلم على أكثر من أربع نسوة ثم وكلَّ امرأة في طلاق بعضهن.. فإنه لا يصح على الأصحِّ؛ لتضمنه الاختيار في النكاح، فكذا اختيار الفراق.
(ولو وكلا رجلًا.. تولى طرفًا) أي: أيهما شاء مع الآخر أو وكيله؛ كالبيع وسائر العقود، (وقيل: الطرفين) لأن الخلع يكفي فيه اللفظ والإعطاء من جانب؛ فعلى هذا: ففي الاكتفاء بأحد شقي العقد خلاف؛ كبيع الأب مال ولده.

(فصل: الفُرقَة بلفظ الخلع طلاقٌ) ينقص العدد كلفظ الطلاق؛ لأن الله تعالى ذكره بين طلاقين في قوله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية، فدل على أنه ملحق بهما؛ ولأنه لفظ لا يملكه غير الزوج فوجب أن يكون طلاقًا؛ كما لو قال: (أنت طالق على ألف)، ولأنه لو كان فسخًا.. لَمَا جاز على غير الصداق؛ إذ الفسخ يوجب استرجاع البدل؛ كما في (الإقالة) لا يجوز بغير الثمن الأول.
(وفي قول: فسخ لا ينقص عددًا) لأنها فرقة حصلت بمعاوضة، فتكون فسخًا؛ كشراء زوجته، ولأن الطلاق ينفرد به الزوج، والخلع لا يتم إلا بهما، فدلَّ على أنه ليس بطلاق، وهذا القول اختاره كثيرون من أصحابنا، وأفتى به من المتأخرين الشيخ تاج الدين الفزاري وولده، ونصره الشيخ أبو حامد في "الخلاف".

فَعَلَى الأَوَّلِ: لَفْظُ الْفَسْخِ كِنَايَةٌ. وَالْمُفَادَاةُ كَخُلْعٍ فِي الأَصَحِّ. وَلَفْظُ الْخُلْعِ صَرِيحٌ، وَفِي قَوْلٍ: كِنَايَةٌ. فَعَلَى الأَوَّلِ: لَوْ جَرَى بغَيْرِ ذِكْرِ مَالٍ.. وَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ فِي الأَصَحِّ. وَيَصِحُّ بِكِنَايَاتِ الطَّلاَقِ مَعَ النِّيَّةِ وَبِالْعَجَمِيَّةِ. وَلَوْ قَالَ: (بِعْتُكِ نَفْسَكِ بِكَذَا)، فَقَالَتِ: (اشْتَرَيْتُ).. فَكِنَايَةُ خُلْعٍ.

(فعلى الأول: لفظ الفسخ كنايةٌ) يعني: إذا فرعنا على أن الخلع طلاق.. فلفظ الفسخ كناية في الطلاق؛ لأنه لم يستعمل عرفًا فيه.
(والمفاداة كخلع في الأصح) أي: كلفظ الخلع، فيكون على الخلاف الآتي في لفظ الخلع؛ لورود لفظ المفاداة في القرآن قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، والثاني: أنه كناية؛ لأنه لم يتكرر في القرآن، ولم يشتهر على لسان حملة الشريعة اشتهار لفظ الخلع.
(ولفظ الخلع صريح) في الطلاق؛ لأنه تكرر على لسان حملة الشرع، لإرادة الفراق؛ فكان كالمتكرر في القرآن، وعلى هذا: فيصير صرائح الطلاق أربعة، (وفي قول: كناية) فيفتقر إلى النية؛ لأن صرائح الطلاق منحصرة في ألفاظ ليس هذا منها.
ومحل القول بصراحته: إذا ذكر المال، فإن لم يذكر.. فكناية على الأصحِّ في "الروضة" و"تصحيح التنبيه" 1. (فعلى الأول: ) وهو صراحة الخلع (لو جرى بغير ذكر مال.. وجب مهر مثل في الأصح) لاطراد العرف بجريان الخلع على مال، والثاني: لا؛ لعدم الالتزام.
وقضيته: وقوع الطلاق جزمًا، وهو مخالف لما قدمناه عن "الروضة" و"التصحيح" من كونه كناية على الأصحِّ، فيتعين حمل كلامه هنا على ما إذا وجد مقتضى الوقوع، وهو اقتران النية؛ جمعًا بين كلاميه.
(ويصح بكنايات الطلاق مع النية) إن جعلناه طلاقًا، وكذا فسخًا على الأصحِّ، (وبالعجمية) ولا يأتي خلاف النكاح؛ لانتفاء اللفظ المتعبد به.
(ولو قال: "بعتك نفسك بكذا"، فقالت: "اشتريت"، فكناية خلع)

وَإِذَا بَدَأَ بِصيغَةِ مُعَاوَضَةٍ كـ (طَلَّقْتُكِ)، أَوْ (خَالَعْتُكِ بِكَذَا) وَقُلْنَا: الْخُلْعُ طَلاَقٌ.. فَهُوَ مُعَاوَضَةٌ فِيهَا شَوْبُ تَعْلِيقٍ، وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ قَبُولِهَا. وَيُشْتَرَطُ قَبُولُهَا بِلَفْظٍ غَيْرِ مُنْفَصِلٍ. فَلَوِ اخْتَلَفَ إِيجَابٌ وَقَبُولٌ كـ (طَلَّقْتُكِ بِأَلْفٍ) فَقَبِلَتْ بِأَلْفَيْنِ أَوْ عَكْسِهِ، أَوْ (طَلَّقْتُكِ ثَلاَثًا بِأَلْفٍ) فَقَبلَتْ وَاحِدَةً بِثُلُثِ أَلْفٍ.. فَلَغْوٌ. وَلَوْ قَالَ: (طلَّقْتُكِ ثَلاَثًا بِأَلْفٍ) فَقَبلَتْ وَاحِدَةً بِأَلْفٍ.. فَالأَصَحُّ: وُقُوعُ الثَّلاَثِ وَوُجُوبُ أَلْفٍ. وَإِنْ بَدَأَ بِصِيغَةِ تَعْلِيقٍ كَـ (مَتَى أَوْ مَتَى مَا أَعْطَيْتِنِي).. فَتَعْلِيقٌ

سواء جعلناه فسخًا أو طلاقًا.
(وإذا بدأ بصيغة معاوضة؛ كـ "طلقتك"، أو "خالعتك بكذا"، وقلنا: الخلع طلاق.. فهو معاوضة) لأنه يأخذ مالًا في مقابلة ما يخرج عن ملكه (فيها شوب تعليق) لأن وقوع الطلاق يترتب على قبول المال؛ كما يترتب الطلاق المعلق بالشرط عليه.
واحترز بقوله: (وقلنا: الخلع طلاق)، عمَّا إذا قلنا: فسخ.. فهو معاوضة محضة من الجانبين؛ إذ لا مدخل للتعليق فيها، بل هو كابتداء البيع.
(وله الرجوع قبل قبولها) لأن هذا شأن المعاوضات.
(ويشترط قبولها بلفظ غير منفصل) بكلام أجنبي أو زمن طويل؛ كما في البيع وسائر العقود، وظاهر كلامه: أنه لا يصح القبول بالفعل، لكن صرَّح ابن الصباغ والمتولي والروياني بالاكتفاء فيما إذا قال لها: (أنت طالق على ألف) فأعطته ألفًا، وكلام ابن داوود يقتضي: أنه المنصوص.
(فلو اختلف إيجاب وقبول كـ "طلقتك بألف".. فقبلت بألفين أو عكسه، أو "طلقتك ثلاثًا بألف"، فقبلت واحدة بثلث ألف.. فلغو) كما في البيع.
(ولو قال: "طلقتك ثلاثًا بألف" فقبلت واحدة بألف.. فالأصح: وقوع الثلاث ووجوب ألف) لأن قبولها إنما يحتاج إليه للمال، وأصل الطلاق وعدده يستقلُّ به الزوج، والثاني: تقع واحدة بألف؛ لأنها لم تقبل سواها، والثالث: لا يقع شيء؛ لاختلاف الإيجاب والقبول.
(وإن بدأ بصيغة تعليق؛ كـ"متى أو متى ما أعطيتني".. فتعليق) محض من

جارٍ التحميل