بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 172-212

وَلَا تَرْتيبَ بَيْنَهُمَا لِلْجُنُبِ، فَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا.. فَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ التَيمُّمِ وَقْتَ غَسْلِ الْعَلِيلِ، فَإِنْ جُرِحَ عُضْوَاهُ.. فَتَيَمُّمَانِ. وَإِنْ كَانَ كَجَبِيرَةٍ لَا يُمْكِنُ نَزْعُهَا.. غَسَلَ الصَّحِيحَ وَتَيَمَّمَ كَمَا سَبَقَ، وَيَجِبُ مَعَ ذَلِكَ مَسْحُ كُلِّ جَبِيرَتِهِ بِمَاءٍ، وَقِيلَ: بَعْضِهَا. فَإِذَا تَيَمَّمَ لِفَرْضٍ

بالقرب من الجرح، ويتحامل عليها؛ لينغسل ما حواليه من غير أن يسيل إليه، والطريق الثاني: أنه على القولين فيما إذا وَجد من الماء ما لا يكفيه.
(ولا ترتيب بينهما) أي: بين التيمم وغسل الصحيح (للجنب) والحائض والنفساء؛ لأن التيمم بدلٌ عن غَسل العليل، والمبدل لا يجب فيه الترتيب، فكذلك بدله.
نعم؛ الأولى: تأخير الغسل؛ ليذهب أثر التراب بالماء، نُصَّ عليه.
(فإن كان محدثًا.. فالأصح: اشتراط التيمم وقت غَسل العَليل) رعاية للترتيب، فلا ينتقل من العضو المعلول إلّا بعد كمال طهارته أصلًا وبدلًا، والثاني: يجب تقديمُ غَسل الصحيح؛ لوجود ماءٍ لا يكفيه، والثالث: يتخير؛ كالجنب.
(فإن جُرح عضواه.. فتيمّمان) بناء على الأصح، وهو: اشتراط التيمم وقت غَسل العليل؛ لتعدد العليل.
(وإن كان) على العضو الذي امتنع استعمال الماء فيه ساترٌ (كجبيرة لا يمكن نزعُها) لمحذور مما مرّ (.. غَسل الصحيحَ وتيمم كما سبق) من مراعاة الترتيب في المحدث ونحوِ ذلك، فإن أمكن النزعُ بلا خوف.. وجب قطعًا.
ويشترط في الساتر: أن يضعه على طهر، وألّا يأخذ من الصحيح تحته إلّا القدرَ الذي لا بدّ منه للاستمساك.
(ويجب مع ذلك مسحُ كلِّ جبيرته بماء) لأنه مسح أُبيح للعجز، فوجب فيه التعميم، كالمسح في التيمم، (وقيل: بعضِها) كما في مسح الخف.
وقوله: (بماء) يُفهم: أن الجبيرة لو كانت على عضوِ التيمم.. لم يجب مسحُها بالتراب، وهو الأصحُّ؛ لأنه ضعيفٌ فلا يؤثر من وراء حائلٍ.
(فإذا تيمم) الذي غَسل الصحيحَ، وتيمّم عن الباقي، وأدّى فريضةً (لفرضٍ

ثَانٍ وَلَمْ يُحْدِثْ.. لَمْ يُعِدِ الْجُنُبُ غُسْلًا، وَيُعِيدُ الْمُحْدِثُ مَا بَعْدَ عَلِيلِهِ، وَقِيلَ: يَسْتَأْنِفَانِ، وَقِيلَ: الْمُحْدِثُ كَجُنُبٍ.
قُلْتُ: هَذَا الثَّالِثُ أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فصل [في شروط التيمم وكيفيته]

يَتيمَّمُ بِكُلِّ تُرَابٍ طَاهِرٍ

ثانٍ، ولم يُحدث) ولم يبطل تيممه بشيء من مبطلات التيمم (لم يُعد الجنبُ غُسلًا) لأن التيمم طهارةٌ مستقلةٌ في الجملة، فلا يلزم بارتفاع حكمِها انتقاضُ طهارةٍ أخرى.
وإن كان بعضًا منها في هذه الصورةِ؛ كما لو اغتسل الجنب ثم أحدث.. يلزمه الوضوء ولا ينتقض غُسله وإن كان أعضاءُ الوضوء بعضَ المغسول في الجنابة؛ لأن الوضوءَ عبادةٌ مستقلةٌ في الجملة.
(ويُعيد المحدثُ ما بعد عليله) مراعاةً للترتيب، (وقيل: يَستأنفان) أي: الجنب الغُسلَ، والمحدثُ الوضوءَ؛ لأنها طهارةٌ مركبةٌ من أصل وبدلٍ، فإذا بطل البدلُ.. بطل الأصلُ؛ كنزع الخف، (وقيل: المحدث كجنب) فلا يعيد غَسل ما بعد عليلِه؛ لأن طهارةَ العليل باقيةٌ بدليل جواز التنفل، وإنما وجب إعادة تيممه؛ لضعفه عن أداء الفرض.
(قلت: هذا الثالث أصح، والله أعلم) ونقله في "زيادة الروضة" عن المحققين، وفي "شرح المهذب" عن الأكثرين 1. وخرج بقوله: (ولم يحدث) ما إذا أحدث.. فإنه يعيد جميعَ ما مَرَّ، قال في "شرح المهذب": فلو أجنب صاحبُ الجبيرة.. اغتسل وتيمم، ولا يجب نزعُها، بخلاف الخف 2، والفرق: أن في إيجاب النزعِ هنا مشقةً.

(فصل: يتيمم بكلِّ) ما صَدَقَ عليه اسمُ (ترابٍ) لقوله تعالى: ﴿صَعِيدًا﴾، قال ابن عباس: هو التراب، (طاهرٍ) فلا يجوز بنجس؛ كالماء؛ لقوله تعالى: ﴿طَيِّبًا﴾

حَتَّى مَا يُدَاوَى بهِ، وَبِرَمْلٍ فِيهِ غُبَارٌ، لَا بِمَعْدِنٍ وَسُحَاقَةِ خَزَفٍ وَمُخْتَلِطٍ بِدَقِيقٍ وَنَحْوِهِ - وَقِيلَ: إِنْ قَلَّ الْخَلِيطُ.. جَازَ - وَلَا بِمُسْتَعْمَلٍ عَلَى الصَّحِيحِ، وَهُوَ: مَا بَقِيَ بِعِضْوِهِ، وَكَذَا مَا تنَاثَرَ فِي الأَصَحِّ

قال ابن عمر وابن عباس: هو الطاهر 1، (حتى ما يُداوَى به) كالأرمني، وكذا ما يؤكل سفهًا، وهو الخراساني، لوقوع اسم التراب عليه، ولا بد أن يكون له غبارٌ يَعْلَقُ بالعضو؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْهُ﴾، فاقتضى أن يكون المسح ببعضه، (وبرملٍ فيه غبارٌ) منه، حتى لو سُحِق الرمل وتيمم به.. جاز؛ كما قاله المصنف في "فتاويه" لأنه من طبقات الأرض، والتراب جنسٌ له 2. (لا بمعدنٍ) كنفط (وسُحاقةِ خزفٍ) وهو ما يتخذ من الطين ويشوى؛ كالكِيزَانِ؛ لأنه لا يسمّى ترابًا، (ومختلطٍ بدقيقٍ ونحوِه) كجِصّ، وزَعْفَران؛ لمنعه وصولَ الترابِ للعضو، (وقيل: إن قلَّ الخليطُ.. جاز) كالماء.
وفرق الأول: بأن الماءَ لطيفٌ، فلا يمنعه غيرُه من وصوله إلى البشرة، بخلاف التراب؛ فإنه كثيفٌ يمنعه غيرُه من إيصاله إلى البشرة.
(ولا بمستعملٍ على الصحيح) كالماء، والثاني: يجوز؛ لأنه لا يَرفع الحدث، فلا يتأثر بالاستعمال، بخلاف الماء، كذا علّله الرافعي 3. وقضيته: إلحاق الماءِ الذي استعمله دائمُ الحدث بالتراب؛ لأن حدثَه لا يرتفع على الصحيح.
(وهو) أي: المستعمل (ما بقي بعضوه) بعد المسح به، (وكذا ما تَناثر) بعدما أصاب العضو (في الأصح) كالمتقاطر من الماء، والثاني: لا؛ لأن الترابَ كثيفٌ إذا علق منه شيء بالمحل.. منع غيرَه أن يلتصق به، وإذا لم يلتصق به.. فلا يؤثر، بخلاف الماء، فإنه رقيقٌ يلاقي المحلّ بجميعه.
وعلم من كلام المصنف: أنه يجوز أن يتيمم الجماعةُ، أو الواحد مرات كثيرةً من

ويُشْتَرَطُ قَصْدُهُ، فَلَوْ سَفَتْهُ رِيحٌ عَلَيْهِ فَرَدَّدَهُ وَنَوَى.. لَمْ يُجْزِ، وَلَوْ يُمِّمَ بِإِذْنِهِ.. جَازَ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ عُذْرٌ. وَأَرْكَانُهُ: نَقْلُ التُّرَابِ، فَلَوْ نَقَلَ مِنْ وَجْهٍ إِلَى يَدٍ أَوْ عَكَسَ.. كَفَى فِي الأَصَحِّ

ترابٍ يسيرٍ في خرقة ونحوِها؛ كما يجوز الوضوءُ مراتٍ من إناءٍ واحدٍ.
(ويُشترط قصدُه) أي: التراب؛ لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ اقصدوا.
(فلو سفته ريح عليه فردده) على العضو (ونوى.. لم يُجز) لأنه لم يقصد الترابَ، وإنما هو أتاه.
(ولو يُمِّم بإذنه.. جاز) كالوضوء، بل يجب عند العذر، ولا بدّ من نية الإذن، فلو يَمَّمه بلا إذن ونوى.. كان كتعرضه للريح، ذكره في "شرح المهذب" 1، (وقيل: يشترط عذرٌ) لأنه لم يقصد الترابَ، وأجاب الأول: بإقامة فعلِ نائبِه مقامَ فعله.
(وأركانه) خمسةٌ كما في "الكتاب"، وعدها في "أصل الروضة" سبعةً، فزاد الترابَ، وقصدَه، وذكر الرافعي في آخر الكلام على الأركان أن إسقاطَهما أولى؛ لأن الترابَ كالماء في الوضوء، ولم يَعدُّوه ركنًا، وأما القصد.. فلدخوله في النقل؛ فإنه إذا نَقل الترابَ على الوجه المشروطِ وقد نوى.. كان قاصدًا بلا شك 2. (نفلُ التراب) فلو كان على العضو ترابٌ، فردده عليه من جانبٍ إلى جانب.. لم يكف؛ لأن القصدَ شرط كما مرّ، وإنما يكون قاصدًا إذا نقل الترابَ، قال الرافعي: وغير هذا الاستدلال أوضح منه 3. (فلو نَقل من وجهٍ إلى يدٍ أو عكس) أي: نقل من يد إلى وجه (.. كفى في الأصح) لوجود مسمّى النقل، والثاني: لا يكفي؛ لأنه منقولٌ من محلّ الفرض، فأشبه ما لو نقل من أعلى الوجه إلى أسفله، فعلى الأول: لو نقل من إحدى اليدين إلى الأخرى.. ففيه وجهان في "الكفاية": وجه المنع: أن اليدين كعضو واحد 4.

وَنيَّةُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ، لَا رَفع الْحَدَثِ، وَلَوْ نَوَى فَرْضَ التَّيَمُّمِ.. لَمْ يَكْفِ فِي الأَصَحِّ، وَيَجِبُ قَرْنُهَا بِالنَّقْلِ، وَكَذَا اسْتِدَامَتُهَا إِلَى مَسْحِ شَيْءٍ مِنَ الْوَجْهِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنْ نَوَى فَرْضًا وَنَفْلًا.. أُبِيحَا،

وصورةُ النقل من الوجه إلى اليدين: أن يَزول الترابُ الذي مسح به وجهَه، ويَحدُث عليه ترابٌ آخر، وإلّا.. كان المنقولُ مستعملًا لا يُجزئ على الصحيح.
(ونيةُ استباحة الصلاة) ونحوها مما يفتقر استباحته إلى طهر؛ كطواف وحمل مصحف؛ لما مرّ في الوضوء، [والكلام في صحة التيمم من حيث الجملة، أما ما يستبيح به.. فسيأتي] 1، (لا رفعِ الحدث) لأنه لو رفعه.. لما بطل بغيره وهو وجود الماء.
(ولو نوى فرض التيمم.. لم يَكف في الأصح) لأنه ليس مقصودًا في نفسه، وإنما يؤتى به للضرورة فلا يصلح مقصدًا، ولهذا لا يستحب تجديدُه، بخلاف الوضوء، والثاني: يكفي؛ كالوضوء.
(ويجب قرنُها) أي: النية (بالنقل) إلى الوجه؛ لأنه أول أركانه، حتى لو أخذ التراب فأحدث.. لا يستعمله، بخلاف الماء؛ إذ لا نقل فيه.
(وكذا استدامتها إلى مسح شيءٍ من الوجه على الصحيح) حتى لو عَزَبت قبل مسح شيء منه.. لم يصح؛ لأنه المقصود، وما قبله - وإن كان ركنًا - فليس مقصودًا في نفسه، والثاني: لا يجب ذلك؛ كما لو قارنت أول غسل الوجه في الوضوء وعَزَبت بعده.
وقضية كلامه: طرد الخلاف في مقارنتها النقل ومسح الوجه مع عزوبها بينهما.
قال الإسنوي: لكن في "شرح المفتاح" لأبي خلف الطبري الاكتفاءُ، وهو المتجه 2. (فإن نوى) بتيممه (فرضًا ونفلًا.. أُبيحا) عملًا بنيته، وعُلم من تنكيره (الفرضَ) عدمُ اشتراط التعيين، وهو الأصح، فلو أطلق.. صلّى أيَّ فرضٍ شاء،

أَوْ فَرْضًا.. فَلَهُ النَّفْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، أَوْ نَفْلًا أَوِ الصَّلَاةَ.. تنَفَّلَ لَا الْفَرْضَ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَمَسْحُ وَجْهِهِ ثُمَّ يَدَيْهِ مَعَ مِرْفَقَيْهِ،

وإن عَيَّن واحدةً.. جاز أن يصلي غيرَها.
(أو فرضًا.. فله النفل على المذهب) لأنه تبعٌ له، ووجه المنع: أنه لم ينوه.
وقيل: له ذلك بعد الفرض لا قبله؛ لأن التابع لا يقدم، وينبغي حمل إطلاقه الفرضَ على فرض العين؛ لئلّا يرد عليه ما لو نوى بتيممه صلاةَ الجنازة؛ فإن الأصحَّ: أنه كالتيمم للنفل.
(أو) نوى (نفلًا) من الصلو ات (أو الصلاةَ) وأطلق (.. تنفل، لا الفرضَ على المذهب).
أما في الأولى.. فلأن الفرض أصلٌ والنفلَ تابع، فلا يجعل المتبوع تابعًا، وقيل: يستبيح الفرض قياسًا على الوضوء.
وأما في الثانية.. فقياسًا على ما لو تحرم بالصلاة.. فإنّ صلاتَه تنعقد نفلًا، وقيل: يستبيح الفرض أيضًا؛ لأن الصلاة اسمُ جنس يتناول النوعين، فيستبيحهما؛ كما لو نواهما، قال الإسنوي: وهو متجه؛ لأن المفرد الْمُحلَّى بـ (أل) للعموم عند الشافعي.
[ولو نوى بتيممه حملَ المصحف، أو سجود التلاوة أو الشكرِ، أو نوى الجنب ونحوُه الاعتكاف أو قراءة القرآن، أو الحائضُ استباحة الوطء وصححناه.. فهو كنية النفل حتى يستبيح الناوي ما نواه، ولا يصلي به الفريضة، وكذا لا يصلي النافلة على الأصحِّ في "التحقيق" و"شرح المهذب" 1؛ لأن النافلة آكد] 2. (ومسحُ وجهه، ثم يديه مع مرفقيه) لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾، ولا بدّ فيهما من التعميم، وليتفطن إلى القدر الذي أقبل من أنفه على شفته، فإنه من الوجه، ويُغفَل عنه كثيرًا.
وما ذكره المصنف من الاستيعاب إلى المرفقين هو الجديد؛ لحديث: "التَّيَمُّمُ

وَلَا يَجِبُ إِيصَالُهُ مَنْبِتَ الشَّعرِ الْخَفِيفِ. وَلَا تَرْتيبَ فِي نَقْلِهِ فِي الأَصَحِّ، فَلَوْ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ وَمَسَحَ بِيَمِينِهِ وَجْهَهُ وَبِيَسَارِهِ يَمِينَهُ.. جَازَ. وَتندَبُ التَّسْمِيَةُ، وَمَسْحُ وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ بِضَرْبَتَيْنِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: وُجُوبُ ضَرْبَتَيْنِ وَإِنْ أَمْكَنَ بِضَرْبَةٍ بخِرْقَةٍ وَنَحْوِهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ

ضرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ" رواه الحاكم مرفوعًا من رواية ابن عمر، وأثنى عليه، لكن قال الدارقطني والبيهقي: الصواب: وقفه على ابن عمر 1، والقديم: يكفي مسحهما إلى الكوعين، ورجحه في "شرح المهذب"، و"التنقيح" لحديث عمّار بن ياسر، وقال في "الكفاية": إنه الذي يتعين ترجيحُه 2. ونَبَّه المصنفُ بـ (ثم) على اشتراط الترتيب، وهو كذلك قياسًا على الوضوء، لكن روى البخاري وغيره في بعض روايات حديث عمّار: (أنه ضرب بشماله على يمينه، وبيمينه على شماله على الكفين، ثم مسح وجهه)، وهو يقتضي عدم الترتيب 3. (ولا يجب إيصاله) أي: التراب (منبتَ الشعر الخفيف) بخلاف الوضوء؛ لما فيه من العسر.
(ولا ترتيبَ في نقله في الأصح، فلو ضرب بيديه) التراب دفعة واحدةً (ومسح بيمينه وجهَه، وبيساره يمينَه.. جاز) وكذا لو ضرب اليمين قبل اليسار، ثم مسح بيساره وجهَه، وبيمينه يسارَه؛ لأن الغرض الأصليَّ المسحُ، والنقلُ وسيلةٌ إليه، فلا يُشترط في الوسيلة ما يُشترط في المقصد، والثاني: يشترط؛ كالمسح.
(وتُندب التسميةُ) كالوضوء (ومسحُ وجهِه ويديه بضربتين) لورودهما في الأخبار.
(قلت: الأصح المنصوص: وجوب ضربتين وإن أمكن بضربةٍ بخرقةٍ ونحوِها، والله أعلم) لحديث ابن عمر المارِّ، ولأن الاستيعاب غالبًا لا يتأتّى بدونهما، فأشبه

ويُقَدِّمُ يَمِينَهُ وَأَعْلَى وَجْهِهِ، وَيُخَفِّفُ الْغُبَارَ، وَمُوَالَاةُ التَّيَمُّمِ كَالْوُضُوءِ. قُلْتُ: وَكَذَا الْغُسْلُ، وَيُنْدَبُ تَفْرِيقُ أَصَابِعِهِ أَوَّلًا، وَيَجِبُ نَزْعُ خَاتَمِهِ فِي الثَّانِيَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ تَيَمَّمَ لِفَقْدِ مَاءٍ فَوَجَدَهُ؛ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ.. بَطَلَ

الأحجارَ الثلاثَ في الاستنجاء، لكن حديث عمّار يدل على الاكتفاء بضربةٍ واحدةٍ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال له: "إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا"، ثم ضرب بيديه ضربةً واحدةً 1. (ويُقدم يمينَه وأعلى وجهِه) على أسفله؛ لما مرّ في الوضوء، (ويُخفِّف الغبارَ) بنفخه، ونفضِ اليد إذا كان كثيرًا بحيث لا يبقى إلا قدرُ الحاجة؛ للاتباع 2. أما مسح التراب من أعضاء التيمم.. فالأحب كما قاله في "الأم": ألّا يفعله حتى يفرغ من الصلاة 3. (وموالاةُ التيممِ كالوضوء) فيأتي القولان، وإذا اعتبرنا هناك الجفافَ.. اعتبر هنا أيضًا بتقدير التراب ماء، (قلت: وكذا الغسل) أي: موالاته كالوضوء؛ لأن كلًّا منها طهارةٌ عن حدث.
(ويندب تفريق أصابعه أوّلَّا) أي: أول الضرب في الضربتين جميعا؛ لأنه أبلغ في إثارة الغبار، فيكون تعميمُ الوجه بضربةٍ واحدة أسهلَ وأمكنَ.
(ويجب نزع خاتَمه في الثانية، والله أعلم) ليبلغ التراب محلّه، بخلاف الوضوء؛ لأن التراب كثيفٌ، لا يسري إلى ما تحت الخاتم، بخلاف الماء، ولا يجب في الأولى، بل يستحب؛ ليكون مسحُ جميع الوجهِ باليد اتباعًا للسنة.
(ومَن تَيمّم لفقد ماءً فوجده؛ إن لم يكن في صلاة.. بطل) تَيمُّمه وإن ضاق الوقت عن الوضوء بالإجماع؛ كما قاله ابن المنذر 4. ووجود ثمن الماءِ عند إمكان شرائه كوجود الماء، وتوهُّمُ الماء كوجوده، حتى لو

إِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِمَانِعٍ كَعَطَشٍ، أَوْ فِي صَلَاةٍ لَا تَسْقُطُ بهِ.. بَطَلَتْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ أَسْقَطَهَا.. فَلَا، وَقِيلَ: يَبْطُلُ النَّفْلُ. وَالأَصَحُّ: أَنًّ قَطْعَهَا لِيَتَوَضَّأَ أَفْضَلُ،

طلع ركبٌ، أو أطبق غيمٌ بقربه أو تخيّل السراب ماءً.. بطل تَيمُّمُه.
ومِن التوهم -كما نقله الرافعي في (كفارة الظهار) عن بعضهم وأقره-: أن يسمع شخصًا يقول: (عندي ماء أودعني إياه فلانٌ)، بخلاف ما لو قال: (أودعني فلان ماء) 1، وذكر الرافعي هنا: أنه لو سمع من يقول: (أودعني فلان ماء)، وهو حين يسمع يَعرف غيبةَ المودع.. أن ذلك مانع اقترن بوجوده 2. وقضيته: البطلان إن لم يعرف غيبته، وهو يُخالف ما ذكره في (الظهار).
واحترز بقوله: (لفقد ماء) عمّا إذا تيمّم لمرض ونحوِه.. فإنّه إنما بطل تيَمُّمُه بالقدرة على استعماله، ولا أثر لوجوده.
(إن لم يقترن بمانع؛ كعطش) وسبع؛ لأن وجودَه - والحالة هذه - كالعدم.
(أو في صلاةٍ لا تسقط به) أي: لا يسقط قضاؤها بالتيمم؛ بأن تيمّم في مكان يغلب فيه وجودُ الماء (.. بطلت على المشهور) إذ لا فائدةَ في الاشتغال بها؛ لأنه لا بدّ من إعادتها، والثاني: لا تبطل؛ محافظة على حرمتها، ويعيدها، وهو وجه لا قول، فكان ينبغي أن يقول: على الصحيح.
(وإن أسقطها.. فلا) تبطل؛ لتلبسه بالمقصود؛ كوجود الْمُكفِّر الرقبةَ بعد شروعه في الصوم.
ويستثنى من إطلاقه: ما لو يُمِّمَ الميتُ لفقد الماء، وصلّي عليه، ثم وجد الماء في أثنائها، أو بعدها.. فإنه يجب غَسله والصلاة عليه؛ كما ذكره البغوي في "فتاويه"، ثم قال: ويحتمل ألّا يجب.
(وقيل: يَبطُل النفلُ) الذي يسقط بالتيمم؛ لقصور حرمته عن حرمة الفرض؛ إذ الفرض يلزم بالشروع، بخلاف النفل، والأصح: المنع كالفرض.
(والأصح: أن قطعَها) أي: الفريضة التي تسقط بالتيمم (ليتوضأ أفضلُ) من

وَأَنَّ الْمُتَنَفِّلَ لَا يُجَاوِزُ رَكْعَتَيْنِ، إِلَّا مَنْ نَوَى عَدَدًا فَيُتِمُّهُ. وَلَا يُصَلِّي بِتيَمُّمٍ غَيْرَ فَرْضٍ، وَيَتَنَفَّلُ مَا شَاءَ،

إتمامها بالتيمم؛ خروجًا من خلاف مَن أوجب القطعَ، ولأنه انتقالٌ إلى الأفضل، والثاني: أن الإتمام أفضلُ؛ لأن الخروج فيه إبطالٌ للعمل، وقيل: إن ضاق الوقتُ.. حرم قطعُها، وإلّا.. فلا، كذا حكياه في "الروضة"، و"أصلها" عن الإمام 1. وقضية كلامهما: أنه وجهٌ ضعيفٌ، لكن قال في "شرح المهذب": وهذا متعيّن، لا أعلم أحدًا يُخالفه، وفي "التحقيق": إن ضاق وقتُها.. حرم قطعُها اتفاقًا 2. (وأن المتنفل لا يجاوز ركعتين) لأنه الأحب المعهود في النوافل (إلّا من نوى عددًا فيُتمُّه) لأن إحرامَه قد انعقد كذلك، فأشبه المكتوبةَ المقدرةَ.
وكان الأحسن أن يقول؛ (إلّا من نوى شيئًا) ليشمل ما لو أحرم بركعة؛ فإنه لا يزيد عليها.
(ولا يصلّي بتيمم غيرَ فرض) لأن الوضوءَ كان يجب لكلّ فرض، والتيممَ بدلٌ عنه، ثم إنّ إيجاب ذلك نسخَ بالنسبة إلى الوضوء، فبقي التيمم على الأصل، ولا يصح قياسُه عليه؛ لأنه طهارةُ ضرورةٍ، وعدل عن تعبير الرافعي في "الشرح": (ولا يؤدي) إلى قوله: (ولا يصلي) لئلا يرد تمكين المرأةِ الزوجَ، فإنه فرضٌ، ومع ذلك يجمع بين وَطَآت، وبين ذلك وفرض آخر؛ كما صححه في (الحيض) من "شرح المهذب" 3، لكن في عبارة المصنف قصورٌ، فإنه يمتنع الجمع أيضًا بين طوافين مفروضين، وبين فرض طواف وفرض صلاة، وبين صلاة الجمعة وخطبتها، وعبارة "الشرح" شاملةٌ لذلك 4. (ويتنفل ما شاء) لأن النوافل لا تنضبط، فيؤدي إيجابُ التيمم لكل صلاةٍ منها إلى

وَالنَّذْرُ كَفَرْضٍ فِي الأَظْهَرِ. وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ جَنَائِزَ مَعَ فَرْضٍ، وَأَنَّ مَنْ نَسِيَ إِحْدَى ألْخَمْسِ.. كَفَاهُ تَيَمُّمٌ لَهُنَّ. وَإِنْ نَسِيَ مُخْتَلِفَتَيْنِ.. صَلَّى كُلَّ صَلَاةٍ بِتَيَمُّمٍ، وَإِنْ شَاءَ.. تَيَمَّمَ مَرَّتينِ وَصَلَّى بِالأَوَّلِ أَرْبَعًا وِلَاءً، وَبِالثَّانِي أَرْبَعًا لَيْسَ مِنْهَا الَّتِي بَدَأَ بِهَا،......

الترك، أو إلى حرج عظيمٍ.
ويؤخذ من ذلك: أن من صلّى فرضًا بالتيمم.. له إعادتُه به، لأن الفرض الأولى كما سيأتي في موضعه، وبه صرح الْخَفَّاف في "الخصال"، وفرضه في المتيمم المسافر.
(والنذرُ كفرضٍ في الأظهر) للزومه، والثاني: لا، لأنه واجبٌ بعارض، فلا يلحق بالفرض الأصلي.
(والأصح: صحةُ جنائزَ مع فرضٍ) بتيمم؛ لأنها ليست من جنسِ فرائضِ الأعيان، والثاني: لا؛ كما لا يصليها قاعدًا مع القدرة، ولا على الراحلة.
وفرق الأول: بأن ركنَها الأعظمَ القيامُ، فتجويزُها قاعدًا وراكبًا يمحو صورتَها.
(وأن من نَسي إحدى الخمس) ولم يعلم عينَها.. وجب عليه أن يصليَ الخمسَ؛ لتبرأ ذمتُه بيقينٍ، وإذا أراد صلاتهن بالتيمم (.. كفاه تيممٌ لهن) لأن الفرض واحدٌ، وما عداه وسيلةٌ، وقيل: لكل واحدةٍ تيممٌ؛ لأن الجميعَ واجبٌ.
(وإن نسي مختلفتين) كظهر وعصر (.. صلّى كلَّ صلاةٍ) من الخمس (بتيمم) فيصلي الخمسَ بخمس تيمّمات، وهذه طريقة ابن القاص.
(وإن شاء.. تيمم مرتين، وصلّى بالأول أربعًا وِلاءً) كالصبح، والظهر، والعصر، والمغرب.
(وبالثاني أربعًا ليس منها التي بدأ بها) كالظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، فيخرج عمّا عليه بيقين؛ لأنه صلّى الثلاثةَ المتوسطةَ، وهي الظهر والعصر والمغرب مرّتين بتيمّمين.
فإن كانت الفائتتان في هذه الثلاث.. فقد تأدت كلّ واحدة بتيمّم.
وإن كانت الفائتتان الصبحَ والعشاءَ.. فقد تأدّت الصبحُ بالتيمّم الأول، والعشاءُ بالثاني، وكذا لو كانت إحدى الفائتتين إحدى الثلاث، والأخرى الصبحَ أو العشاءَ،

أَوْ مُتَّفِقَتَيْنِ.. صَلَّى الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ بِتَيَمُّمَيْنِ. وَلَا يَتَيَمَّمُ لِفَرْضٍ قَبْلَ وَقْتِ فِعْلِهِ، وَكَذَا النَّفْلُ الْمُؤَقَّتُ فِي الأَصَحِّ

وهذه طريقة ابن الحداد.
وقول المصنف: (ولاء) ليس بشرط، بل لو أتى بها متفرقةً.. صح؛ كما يقتضيه كلامُ "الشرح" وغيره، وقال الإسنوي: لا وجه لاشتراط الولاءِ 1، وفي وجه ضعيفٍ: أنه يلزمه في صورة الكتاب أن يتيمّم مرّتين، ويصلّي بكلّ واحد منهما الصلواتِ الخمسَ.
(أو متفقتين) ولا يعرف عينهما، ولا يكون ذلك إلّا من يومين (.. صلّى الخمس مرّتين) فيصلّي صبحين، وظهرين، وعصرين، ومغربين، وعشاءين؛ ليخرج عن العهدة بيقين (بتيممين) هذا هو الأصحُّ، وقيل: لابدّ من عشر تيمّماتٍ.
(ولا يتيمّم لفرضٍ قبل وقتِ فعله) لأنه طهرُ ضرورة ولا ضرورةَ قبل الوقت.
وشمل إطلاقُه الفرضَ المنذورةَ المتعلقةَ بوقتٍ معيّنٍ، وبه صرّح المتولّي، قال في "الكفاية": ويظهر تخريجُه على القاعدة المعروفة، وهي: أنه يسلك بالنذر مسلكَ واجبِ الشرع أو جائزِه 2. وشمل أيضًا صلاةَ الجنازة، ويدخل وقتُها بالغسل، وقيل: بالموت، ووقع في "الشرح الكبير" هنا شيءٌ عجيبٌ، فإنه قسم النافلةَ إلى مؤقتةٍ وغيرِها، ثم جعل من المؤقتة صلاةَ الجنازة، وقضيته: أنها نافلة، ولا قائل به 3. (وكذا النفل المؤقّت في الأصح) كالفرض، والثاني: يجوز قبل وقته؛ لأن أمره أوسعُ، ولهذا جاز الجمع بين نوافلَ بتيمّمٍ.
واحترز بالمؤقّت: عن النوافل المطلقةِ؛ فإنه يتيمم لها متى شاء، إلّا في أوقات الكراهة في الأصح.

وَمَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا.. لَزِمَهُ فِي الْجَدِيدِ أَنْ يُصلِّيَ الْفَرْضَ وَيُعِيدَ. وَيَقْضي الْمُقِيمُ المُتَيَمِّمُ لِفَقْدِ الْمَاءِ، لَا الْمُسَافِرُ،

(ومن لم يجد ماءً ولا ترابًا.. لزمه في الجديد أن يصليَ الفرضَ) لحرمة الوقت؛ كالعاجز عن السترة، وإزالة النجاسة.
(ويعيدَ) إذا قدر على ما يُسقط الفرضَ؛ من ماء أو تراب؛ لأنه عذرٌ نادرٌ لا يدوم، ولا عبرة بوجود التراب بموضعٍ لا يَسقط القضاءُ به، ومقابل الجديد أقوالٌ: أحدها: تجب الصلاة بلا إعادة، والثاني: لا يجب فعلها في الوقت، وإنما يستحب، وتجب الإعادةُ، والثالث: يستحب الفعل بلا إعادة.
واحترز بـ (الفرض): عن النفل، فلا يجوز له التنفل بحالٍ، وكذا مَسُّ المصحف وحملُه، ولا أن يجلسَ في المسجد إن كان حدثُه أكبرَ، ولا يقرأ من عليه حدثٌ أكبرُ غيرَ الفاتحة جزمًا، ولا الفاتحةَ على الأصح عند الرافعي، لكن صحّح المصنف وجوبَ قراءتِها 1. ولا يلزم الفاقدَ المذكورَ أن يقضيَ في تلك الحالةِ صلاةً تركها بلا عذر، وهل يجوز له ذلك، ثم يقضي إذا قدر على الطهور؛ فيه وجهان حكاهما في "شرح المهذب"، وقال: إن الصوابَ منهما: أنه لا يجوز؛ لعدم الفائدة 2، والمراد بالإعادة: القضاءُ؛ كما عبّر به في "المحرّر" 3، لا الاصطلاح الأصولي 4. (ويَقضي المقيم المتيمم لفقد الماء) لندور الفقد، وعدم دوامه، (لا المسافرُ) وإن قصر سفرُه؛ لعموم الفقد فيه، وإطلاقه المقيمَ والمسافرَ جرى فيه على الغالب في وِجدان الماء في الإقامة، وفقده في السفر، فلو انعكس الحالُ.. انعكس الحكم.
فإذا أقام في مفازة، أو موضع يعدم فيه الماء غالبًا.. لم يعد، ولو دخل المسافرُ في طريقه بلدةً أو قرية، وعدم الماء.. أعاد في الأصحِّ وإن كان حكمُ السفر باقيًا، قال

إِلَّا الْعَاصِيَ بِسَفَرِهِ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ تَيَمَّمَ لِبَرْدٍ.. قَضَى فِي الأَظْهَرِ، أَوْ لِمَرَضٍ يَمْنَعُ الْمَاءَ مُطْلَقًا، أَوْ فِي عِضْوٍ وَلَا سَاتِرَ.. فَلَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِجُرْحِهِ دَمٌ كَثيرٌ، وَإِنْ كَانَ سَاتِرٌ.. لَمْ يَقْضِ فِي الأَظْهَرِ إِنْ وُضِعَ عَلَى طُهْرٍ،

الأصحاب: وضابط الإعادة لفقد الماء: إن كان بموضع يندر فيه العدمُ.. أعاد، وإلّا.. فلا، والجمعة لم تدخل في كلام المصنف؛ إذ لا تُقضى، قال الإسنوي: (والمتجه: فعلُها، وقضاءُ الظهر).
(إلّا العاصيَ بسفره) فإنه يقضي (في الأصح) لأن سقوط الفرض به رخصةٌ، فلا تناط بسفر المعصية، والثاني: لا يقضي؛ لأن التيمّم إذا وجب عليه.. صار عزيمةً.
(ومن تيمّم لبرد) وصلّى (.. قضى في الأظهر) لأن البرد - وإن لم يكن نادرًا، لكن العجز عمّا يُسخن به الماء، وعن ثيابٍ يتدفأ بها.. نادرٌ - لا يدوم إذا وقع، والثاني: لا يقضي؛ إذ لم يأمر عليه الصلاة والسلام عمرًا بالإعادة 1. ومحل القولين: في السفر، فإن كان حاضرًا.. فالمشهور: القطع بالوجوب.
(أو لمرض يمنع الماء مطلقًا، أو) يمنعه (في عضوٍ ولا ساتر) على ذلك العضو (.. فلا) قضاء عليه؛ لأنه عذر عامّ، وسواء فيه المقيم والمسافر، والمراد بالمرض هنا: أعمّ من الجرح وغيره.
(إلّا أن يكون بجرحه دمٌ كثيرٌ) بحيث لا يعفى عنه، ويخاف من غسله محذورًا مما مرّ، فيصلي معه ويقضي؛ لأن العجز عن إزالته بماء مسخن ونحوه نادرٌ لا يدوم، والتقييد بالكثير زاده على "المحرّر"، ونبه عليه في "الدقائق" 2. وما جزم به هنا من القضاء رجح خلافَه في (شروط الصلاة)، فصحح من "زوائده": أن موضع الفصد والحجامة كالبثرات 3، ومقتضاه: العفو عن الكثير.
(وإن كان ساترٌ) كجبيرة على غير أعضاء التيمّم (.. لم يقض في الأظهر إن وُضع على طهر) لأنه أولى من مسح الخف؛ للضرورة هنا، والثاني: يقضي؛ لأنه عذرٌ

فَإِنْ وُضِعَ عَلَى حَدَثٍ.. وَجَبَ نَزْعُهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ.. قَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ.

نادرٌ غيرُ دائم، فإن كان على محلّ التيمّم.. وجب القضاءُ قطعًا؛ لنقصان البدل والمبدل جميعًا.
(فإن وُضع على حدث.. وجب نزعُه) إن أمكن بلا ضرر؛ لأنه مسح على ساتر، فاشترط فيه الوضع على طهر؛ كالخف، (فإن تعذّر) نزعُهُ ومسح وصلّى (.. قضى على المشهور) لفوات شرطِ الوضع، والثاني: لا؛ لمكان العذر 1، بخلاف الخفّ.

بابُ الحَيْض أَقَلُّ سِنِّهِ: تِسْعُ سِنِينَ، وَأَقَلُّهُ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَأَكْثَرُهُ: خَمْسَةَ عَشَرَ بِلَيَالِيهَا. وَأَقَلُّ طُهْرٍ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ: خَمْسَةَ عَشَرَ،

﴿باب الحيض﴾ والاستحاضة والنفاس والحيض لغة: السَّيَلان، يقال: حاض الوادي: إذا سال، وشرعًا: دمٌ يخرج - بعد بلوغ المرأة - من قُبلها من أقصى رحمها، من غير سببٍ، في أوقات معلومة، بشرائط مخصوصة.
والاستحاضة: دمٌ يَسيلُ من عِرق في أدنى الرحم، يقال له: (العاذل) بالذال المعجمة، وقيل: بالمهملة، وقيل: بمعجمة وراء، وهو دمُ علّةٍ لا جِبِلَّة، عكس الحيض.
والنفاس: هو الدم الخارج بعد الولد.
(أقل سنه: تسع سنين) قمريّة؛ للاستقراء، قال الشافعي رضي الله عنه: (أعجل من سمعته من النساء يحضن نساءُ تهامة، يحضن لتسع سنين) 1، والمراد بالتسع: استكمال التاسعة، وقيل: نصفها، وقيل: الطعن فيهما.
(وأقله: يوم وليلة) متصلة؛ لأنه أقلّ ما عُلم كما قاله الشافعي، قال الإمام: والمراد: مقدار ذلك 2، وهو أربعة وعشرون ساعة، (وأكثره: خمسةَ عشرَ بلياليها) للاستقراء أيضًا.
(وأقلّ طهرٍ بين الحيضتين: خمسةَ عشرَ) يومًا؛ لأنه إذا كان أكثر الحيض خمسة عشر.. لزم في الطهر ذلك.
وخرج بقوله: (بين الحيضتين) الطهرُ بين الحيض والنفاس إذا قلنا: الحاملُ تحيض، فإنه يجوز نقصُه عن ذلك في الأصحِّ، بل لو خرج متّصلًّا بالولادة بلا تخلُّلِ طهرٍ.. كان حيضًا.
وخرج أيضًا: ما لو رأت النفاسَ ستين يومًا، ثم انقطع، ثم عاد الدم قبل خمسةَ

وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ. وَيَحْرُمُ بِهِ مَا حَرُمَ بِالْجَنَابَةِ، وَعُبُورُ الْمَسْجِدِ إِنْ خَافَتْ تلوِيثَهُ، وَالصَّوْمُ، ويجِبُ قَضَاؤُهُ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ، وَمَا بَيْنَ سُرَّتهَا وَرُكْبَتِهَا، وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ غَيْرُ الْوَطْءِ

عشرَ، ففي جعله حيضًا هذان الوجهان؛ كما نقله في "شرح المهذب" في الكلام على النفاس عن المتولّي، وأقره 1، وقضيته: ترجيح كونه حيضًا.
وخرج أيضًا: أيام النقاء المتخلّلةِ بين أيام الحيض إذا قلنا بقول اللقط كما سيأتي.
(ولا حَدَّ لأكثره) بالإجماع، فإنّ المرأة قد لا تحيض أصلًا، وسكت المصنفُ عن الغالب، وهو في الحيض: ست أو سبع، وفي الطهر باقي الشهر.
(ويحرم به) أي: بالحيض (ما حرم بالجنابة) لأنه أغلظ، (و) يزيد على ذلك (عبورُ المسجد إن خافت تلويثَه) صيانةً للمسجد عن التلويث، ولا خصوصيةَ للحائض بهذا؛ فإن المستحاضة، ومَنْ به حدث دائم، أو جراحةٌ تسيل كذلك، وكذا المتنعّل نعلًا ذا نجاسةٍ رطبةٍ، فليدلكه، ثم ليدخل.
(والصوم) للإجماع على تحريمه، وعدم صحته، (ويجب قضاؤه، بخلاف الصلاة) لقول عائشة رضي الله عنها: (كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة) 2، وانعقد الإجماع على ذلك.
(وما بين سرّتها وركبتِها) أي: يحرم مباشرتُه؛ لأن ذلك حريمٌ للفرج، ومن حام حول الحِمَى يُوشِك أن يقع فيه.
وسكتوا عن مباشرتها له فيما بين السرّة والركبة؛ كمس الفرج ونحوه، قال الإسنوي: والقياس: تحريمه 3. (وقيل: لا يحرم غيرُ الوطء) لقوله صلى الله عليه وسلم: "اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ"، قال في "شرح المهذب": (وهذا أقوى من حيث الدليلُ) 4.

فَإِذَا انْقَطَعَ.. لَمْ يَحِلَّ قَبْلَ الْغُسْلِ غَيْرُ الصَّوْمِ وَالطَّلَاقِ

وقال في "التحقيق"، و"التنقيح"، "والتصحيح": (إنه المختار) 1، قال: ولكن الأول: هو المنصوص في الجديد والأصحُّ عند الأكثرين.
أما تحريم الوطء.. فإجماع، ومُورِث علةً مؤلمة جدًّا للمُجامع، والجذامَ للولد، وكلامه يوهم الحصرَ فيما ذكره.
وأورد تحريم الطلاق فيه، وأجيب: بأنه أشار إليه فيما بعد.
وأورد أيضًا الغسل؛ فإنه يحرم قبل الانقطاع بنيةِ رفعِ الحدثِ إذا قصدت التعبد به مع علمها بأنه لا يصح؛ للتلاعب، ذكره في "شرح المهذب" 2. (فإذا انقطع.. لم يحل قبل الغُسل غيرُ الصوم) لأن تحريمه بالحيض، لا بالحدث، بدليل صحته من الجنب، (والطلاقِ) لزوال المعنى المقتضي للتحريم، وهو تطويلُ العدّةِ بسبب الحيضِ.
وأفهم: أن ما عدا الصوم والطلاق من المحرّمات لا يزول تحريمه إلّا بالغُسل، أما ما عدا الاستمتاع: فلأن المنع منه إنما هو لأجل الحدث، والحدثُ باقٍ.
وأما الاستمتاع.. فلقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾، فإنه قد قرئ بالتخفيف والتشديد في السبع 3؛ أمّا قراءة التشديد: فصريحة فيما قلناه، وأمّا التخفيف.. فإن كان المراد به أيضًا: الاغتسال كما قاله ابن عباس وجماعة؛ لقرينة قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾.. فواضح، وإن كان المرادُ به: انقطاعَ الحيض.. فقد ذكر بعده شرطًا آخر وهو قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ فلا بدّ منهما معًا.
وحكى الغزالي: أن الوطء قبل الغُسل يورث الجذام في الولد 4. وأورد على حصر المصنف الاستثناءَ المنعُ من الطهارة، قال في "زيادة الروضة": وكذا تحريم عبور المسجد في الأصحِّ إذا قلنا بالوجه الضعيف: أنه يحرم

وَالاسْتِحَاضَةُ حَدَث دَائِمٌ كَسَلَسٍ، فَلَا تَمْنَعُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ، فَتَغْسِلُ الْمُسْتَحَاضَةُ فَرْجَهَا وَتَعْصِبُهُ، وَتَتَوَضَّأُ وَقْتَ الصَّلَاةِ،

عبوره عند أمن التلويث 1، ولا يستثنى نكاح المستبرأة وإن كان يرتفع أيضًا بالانقطاع؛ لأن الكلام فيما حرم بالحيض، وتحريم نكاح المستبرأة ثابتٌ قبل الحيض.
ولو أبدل المصنف الغسل بالتطهير.. لكان أولى، ليشمل التيممَ بشرطه.
(والاستحاضةُ حدث دائم كسَلَسٍ) أي: سلس البول ونحوِه (فلا تمنع الصومَ والصلاةَ) كسائر الأحداث، بخلاف الحيض، ولأمره عليه الصلاة والسلام حمنة بهما 2. وقوله: (حدث دائم) ليس تفسيرًا للاستحاضة، وإلّا.. يلزم كون سَلَسِ البول استحاضةً، وإنما هو بيان لحكمه الإجمالي، وإنما الاستحاضة دمٌ تراه المرأة، غيرُ دم الحيض والنفاس.
ثم أخذ المصنفُ في بيان حكمها التفصيلي، فقال: (فتغسل المستحاضةُ فرجَها) وجوبًا قبل الوضوء، أو التيمم، إن كانت تتيمّم للطهارة عن النجاسة، (وتَعْصِبه) بعصابة على كيفية مشهورةٍ، وذلك بعد حشوه بقُطنة ونحوِها، دفعًا للنجاسة، أو تقليلًا لها، وهذا الحشو والتعصيب واجبان، إلّا إذا تأذّت بالشدّ، ويحرقها اجتماع الدم.. فلا يلزمها، وتصلي مع السيلان.
ولو كانت صائمةً.. لم تَحْشُه نهارًا، وتقتصر على التعصيب، كما قاله الشيخان 3. (وتتوضأ وقت الصلاة) لا قبل الوقت، كالمتيمم، وكان الأحسن أن يقول: (فتتوضأ) لأن الأصح في "شرح مسلم"، والمجزوم به في "التحقيق": اشتراطُ

وَتُبَادِرُ بِهَا، فَلَوْ أَخَّرَتْ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ؛ كَسَتْرٍ، وَانْتِظَارِ جَمَاعَةٍ.. لَمْ يَضُرَّ، وَإِلَّا.. فَيَضُرُّ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيَجِبُ الْوُضْوءُ لِكُلِّ فَرْضٍ، وَكَذَا تَجْدِيدُ الْعِصَابَةِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوِ انْقَطَعَ دَمُهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ وَلَمْ تَعْتَدِ انْقِطَاعَهُ وَعَوْدَهُ، أَوِ اعْتَادَتْ وَوَسِعَ زَمَنُ الانْقِطَاعِ وُضُوءًا وَالصَّلَاةَ.. وَجَبَ الْوُضُوءُ

تعقب الوضوء غسل الفرج وتعصيبه 1، (وتُبادِر بها) أي: بالصلاة بعد الوضوء تقليلًا للحدث.
(فلو أَخّرت لمصلحةِ الصلاةِ؛ كسترٍ) لعورة (وانتظارِ جماعةٍ.. لم يضر) لأن تأخيرَ الصلاة لهذه الأسباب مندوبٌ إليه.
واستشكل: بأن اجتناب النجاسةِ شرطٌ، ومراعاته أحقُّ من مراعاة المندوبات.
(وإلّا) أي: وإن كان التأخير لا لمصلحة الصلاةِ (.. فيضر على الصحيح) لأن ما جرى من الحدث كانت مستغنية عنه، والثاني: لا يضر، كالمتيمم.
(ويجب الوضوءُ لكلِّ فرضٍ) لدوام الحدث، ولحديث: "تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاة" 2، ولها أن تتنفل ما شاءت كالمتيمم.
(وكذا تجديد العِصابة) وغسلُ فرجها وحشوُه (في الأصح) قياسًا على تجديد الوضوء، والثاني: لا؛ لأن النجاسة في محلّ العفو، ولم تتعدّ محلَّها، فإن تعدّت محلَّها، بأن ظهر الدم على جوانب العصابة أو زالت العصابة.. وجب التجديد قطعًا.
(ولو انقطع دمُها بعد الوضوء، ولم تَعْتَد انقطاعَه وعودَه، أو اعتادت ووسع زمن الانقطاع وضوءًا والصلاةَ) التي تتوضأ لها (.. وجب الوضوءُ) أمّا في الأولى.. فلاحتمال الشفاء، والأصل: عدم عوده، وأمّا في الثانية.. فلإمكان أداء الصلاةِ على الكمال في الوقت.
وخرج بقوله: (وسع) ما لو اعتادت انقطاعًا لا يسعهما، وهو كذلك، وحينئذ فتصلّي بذلك الوضوء، ولو لم تعتد انقطاعَه، وأخبرها ثقةٌ عارفٌ بأنه لا يعود إلّا بعد

فصل [فيما تراه المرأة من الدماء]

رَأَتْ لِسِنِّ الْحَيْضِ أَقَلَّهُ وَلَم يَعْبُرْ أَكْثَرَهُ.. فَكُلُّهُ حَيْضٌ، وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ حَيْضٌ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ عَبَرَهُ؛ فَإِنْ كَانتْ مُبْتَدَأَةً مُمَيِّزَةً؛ بِأَنْ تَرَى قَوِيًّا وَضَعِيفًا.. فَالضَّعِيفُ اسْتِحَاضَة، وَالْقَوِيُّ حَيْضٌ إِنْ لَمْ يَنْقُصْ عَنْ أَقَلِّهِ وَلَا عَبَرَ أَكْثَرَهُ، وَلَا نَقَصَ الضَّعِيفُ عَنْ أَقَلَ الطُّهْرِ

ما يَسعهما، أو يعود قريبًا.. فكالاعتياد.
ولو عبر المصنف بـ (الطهارة) بدلًا عن (الوضوء).. لكان أحسنَ؛ ليشمل غَسل الفرج عن النجاسة ونحو ذلك.

(فصل: رأت) المرأة (لسنّ الحيض أقلّه) أي: الحيض (ولم يعبر أكثره.. فكلّه حيض) مطلقًا؛ لاجتماع الشروط، واحتمالُ تغيرِ العادةِ ممكنٌ، ويشترط: ألّا يكون قد بقي عليها بقيةُ طهرٍ.
فلو عبر بقوله: (رأت لزمن إمكانِ الحيض).. لاستقام.
(والصفرة والكدرة حيض في الأصح) لأنهما أذى، وقد قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾، والثاني: لا، إلّا في أيام عادتها؛ لقول أمّ عطية: (كنّا لا نعدّ الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئًا)، رواه أبو داوود، وصححه الحاكم 1. (فإن عبره) أي: عبر الدمُ أكثرَ الحيض (فإن كانت مبتدأة) وهي التي ابتدأها الدم (مميّزة؛ بأن ترى قويًّا وضعيفًا.. فالضعيف استحاضة، والقويّ حيض إن لم ينقص) القوي (عن أقلّه) أي: الحيض؛ ليمكن جعله حيضًا.
(ولا عبر أكثره) وهو خمسةَ عشرَ يومًا متصلة؛ لأن الحيض لا يزيد على ذلك.
(ولا نَقَص الضعيف) إن استمر (عن أقلّ الطهر) وهو خمسةَ عشرَ يومًا متصلةً

أَوْ مُبْتَدَأَةً لَا مُمَيِّزَةً؛ بِأَنْ رَأَتْهُ بِصِفَةٍ، أَوْ فَقَدَتْ شَرْطَ تَمْيِيزٍ.. فَالأَظْهَرُ: أَنَّ حَيْضَهَا: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَطُهْرَهَا: تِسْعٌ وَعِشْرُونَ. أَوْ مُعْتَادَةً بِأَنْ سَبَقَ لَهَا حَيْضٌ وَطُهْرٌ.. فَتُرَدُّ إِلَيْهِمَا قَدْرًا وَوَقْتًا،

ليجعل طهرًا بين الحيضتين، فلو رأتْ يومًا سوادًا ويومًا حمرةً، وهكذا أبدًا.. لم يكن تمييزًا معتبرًا وإن كانت جملةُ الضعيف لم تنقص عن خمسةَ عشرَ؛ لكونها ليستْ متصلةً.
وبما تُعرف القوةُ والضعف؟ فيه وجهان: أحدهما: باللون فقط؛ فالأسود أقوى، ثم الأحمر، ثم الأشقر، ثم الأصفر، ثم الأكدر إذا جعلناهما حيضًا، والأصحّ: بإحدى ثلاثِ خصالٍ، وهي: اللون والثخانة والرائحة الكريهة.
وما له صفتان أقوى مما له صفةٌ واحدةٌ، وما له ثلاث أقوى مما له ثنتان، فإن تعادلا؛ بأن وجد في البعض صفة، وفي البعض الآخر صفة أخرى.. فالحكم للسابق منهما، كذا نقله الرافعي عن المتولّي، ثم قال: وهو موضع تأملٍ، وجزم به في "التحقيق" 1. (أو مبتدأة لا مميّزة؛ بأن رأته بصفة) واحدة (أو فقدت شرط تمييز) على ما مرّ (.. فالأظهر: أن حيضها: يوم وليلة) لأن سقوطَ الصلاة عنها في هذا القدر متيقّن، وفيما عداه مشكوكٌ فيه، فلا يترك اليقينُ إلّا بيقين، أو أمارة ظاهرة؛ كالتمييز والعادة.
(وطهرَها: تسعٌ وعشرون) لأنها تتمة الدور، والقول الثاني: أنها تردّ إلى الغالب، وهو ستّ أو سبع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لحمنة: "تَحَيَّضِي فِي عِلْمِ اللهِ سِتًّا أَوْ سَبْعًا كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ وَيَطْهُرْنَ" 2، وكانت مبتدأة؛ إذ لو كانت معتادة أو مميّزة.. لردّها إلى ذلك.
والمقدار على القولين يكون في كل شهر، ويكون أيضًا من أول الدم الذي تراه.
(أو معتادة) غير مميزة (بأن سبق لها حيضٌ وطهر) وهي تَعلمهما (فترد إليهما قدرًا ووقتًا) كخمسة أيام من أول كل شهرٍ مثلًا؛ لقوله عليه الصلاة والسلام في المرأة

وَتثبُتُ بِمَرَّةٍ فِي الأَصَحِّ، وَيُحْكَمُ لِلْمُعْتَادَةِ الْمُمَيِّزَةِ بِالتَّمْيِيزِ لَا الْعَادَةِ فِي الأَصَحِّ

التي استفتتْ لها أمُّ سلمة: "لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأيَّام الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ، قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ.. فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّ"، رواه أبو داوود وغيره بإسناد صحيح 1. وحكى المرعشي قولًا: أنه لا أثر للعادة، واستُغرب.
واعلم: أن المعتادة إذا جاوز الدمُ عادتَها.. أمسكتْ عمّا تُمسك عنه الحائضُ قطعا؛ لاحتمال انقطاعه على خمسةَ عشرَ، فإن انقطع على خمسةَ عشرَ فأقلَّ.. فالكلُّ حيضٌ، وإن عبرها.. قضت ما وراء قدر عادتها.
وفي الدور الثاني وما بعده إذا عبر أيام عادتها.. اغتسلت، وصامت، وصلّت؛ لظهور الاستحاضة؛ لأنها تثبت بمرّة جزمًا.
(وتثبت) العادة (بمرة في الأصح) لأن الحديث السابق قد دلّ على اعتبار الشهر الذي قبل الاستحاضة، ولأن الظاهرَ: أنها في هذا الشهر كالذي قبله؛ لكونه أقرب إليها، والثاني: لا بدّ من مرّتين؛ لأن العادةَ مشتقّةٌ من العَود.
ومحلّ الخلاف: في عادة الحيض، أما الاستحاضة.. فتثبت بمرّة قطعًا؛ كما مرّ.
وما تقدّم في العادة المتّفقة أو المختلفة المتسقة، أمّا المختلفة غير المتسقة.. فالصحيح الذي قطع به الجمهور: أنها تردّ إلى ما يلي شهر الاستحاضة، وإن كانت مختلفة متسقة ونسيت اتساقها.. فالأصحُّ: أنها تغتسل آخر كلِّ نوبةٍ.
(ويُحكم للمعتادة المميّزة) حيث اختلفت العادة والتمييز؛ كما لو كانت عادتُها خمسةً من أوّل كلِّ شهرٍ، فاستحيضت، فرأت خمستَها حُمرةً، ثم رأت عقبها خمسة سوادًا وباقي الشهر حُمرةً (بالتمييز لا العادةِ في الأصح) لحديث: "دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ

أُوْ مُتَحَيِّرَةً؛ بِأَنْ نَسِيَتْ عَادَتَهَا قَدْرًا وَوَقْتا.. فَفِي قَوْلٍ: كَمُبْتَدَأَةٍ، وَالْمَشْهُورُ: وُجُوبُ الاحْتِيَاطِ، فَيَحْرُمُ الْوَطْءُ وَمَسُّ الْمُصْحَفِ وَالْقِرَاءَةُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَتُصَلِّي الْفَرَائِضَ أَبَدًا، وَكَذَا النَّفْلُ فِي الأَصَحِّ،

يعرَفُ" 1 لأن التمييزَ علامةٌ حاضرةٌ، والعادة منقضية، والثاني: يأخذ بالعادة؛ لأنها قد ثبتت واستقرّت، وصفةُ الدّم بصدد البطلان، وذلك عند نقصانه عن أقلّ الحيض، أو مجاوزته أكثرَه.
(أو متحيّرة؛ بأن نسيت عادتَها قدرًا ووقتًا) وابتداءً؛ بأن جنّت ثم أفاقت مستحاضةً، ولا تمييز لها (.. ففي قولٍ: كمبتدأة) بجامع فقدِ العادةِ والتمييزِ.
وسمّيت هذه متحيّرةً؛ لتحيّرها في نفسها، وتسمّى أيضا مُحيِّرةً بكسر الياء؛ لأنها حَيَّرت الفقيهَ.
(والمشهورُ: وجوب الاحتياط) بما يجيء؛ إذ كلّ زمن يَحتمل الحيضَ والطهرَ والانقطاعَ، ولا يمكن جعلُها حائضا دائمًا؛ لقيام الإجماع على بطلانه، ولا طاهرًا دائمًا؛ لقيام الدم، ولا التبعيض؛ لأنه تَحكّم، فاحتاطت للضرورة.
لكن الأصحّ فيما لو طَلَقت ولم تعرف قدر دورها: أنها تعتدّ بثلاثة أشهر اعتبارًا بالغالب، ودفعا للضرر، وقيل: إنّها تحتاط في العدّة أيضًا؛ بأن تَقعُد إلى سنّ اليأس، ثم تعتد بثلاثة أشهر؛ لاحتمال تباعد الحيض.
(فيحرم الوطء) والاستمتاع بما بين السرّة والركبة على الزوج والسيد؛ لاحتمال الحيض، (ومس المصحف، والقراءةُ في غير الصلاة) لاحتماله أيضًا، أما في الصلاة: فجائزة مطلقًا، وقيل: تحرم الزيادةُ على الفاتحة.
(وتصلي الفرائض) خارج المسجد (أبدًا) لاحتمال الطهر (وكذا النفل في الأصح) لأنه من مهمات الدين، فلا وجه لحرمانها ذلك، والثاني: لا؛ إذ لا ضرورة؛ كمسّ المصحف، والقراءة في غير الصلاة.
وقضيةُ سكوتِ المصنفِ عن قضاء الصلاة بعد فعلها في الوقت، وتصريحه بوجوب

وَتَغْتَسِلُ لِكُلِّ فَرْضٍ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ ثُمَّ شَهْرًا كَامِلَيْنِ، فَيَحْصُلُ مِنْ كُلٍّ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، ثُمَّ تَصُومُ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ثَلَاثة أَوَّلَهَا، وَثَلَاثة آخِرَهَا، فَيَحْصُلُ الْيَوْمَانِ الْبَاقِيَانِ،

قضاء الصوم: أنه لا يجب قضاؤها، وهو ما في "البحر" عن النصّ، ونقله الماوردي، والدارمي، وابن الصبّاغ، ونصر المقدسي عن الجمهور، وقال في "المهمات": إنه المفتى به، لكن الذي رجّحه الشيخان وجوبُ القضاء 1. (وتَغتسل لكل فرض) لاحتمال الانقطاع، نعم؛ إن ذكرت وقت الانقطاع؛ كأن قالتْ: كان الدم ينقطع مع الغروب مثلًا.. لزمها الغُسلُ لكلّ يوم عقبَ الغروب فقط، قاله في "التحقيق" 2. ويستثنى: ذات التقطع، فإنه لا يلزمها الغُسلُ زمنَ النقاء؛ إذ الغسل سببه الانقطاع، والدم منقطع.
(وتصوم رمضان) لاحتمال الطهر في جميعه، (ثم شهرًا كامليْن، فيحصل من كلٍّ أربعة عشر) يومًا؛ لاحتمال أن يكون حيضُها أكثرَ الحيض، وأن يطرأ في أثناء يومٍ، وينقطع في أثناء السادس عشر من ذلك اليوم، ووجود الحيض في بعض اليوم مبطل له، فلزم ما ذكرناه.
وقوله: (كاملين) حال من (رمضان) و (شهرٍ) وإن كان (شهر) نكرة.
فلو كان رمضانُ ناقصًا.. حصل لها منه ثلاثةَ عشرَ يومًا، والمقضي منه بكل حال ستةَ عشرَ، فإذا صامت شهرًا كاملًا بعد ذلك.. بقي عليها يومان، فلو قال: وتصوم رمضان، ثم شهرًا كاملًا، وبقي يومان.. لأغنى عن (كاملين) وما بعده.
(ثم تصوم من ثمانية عشر) يومًا ستةَ أيام (ثلاثةً أولّها، وثلاثةً آخرَها، فيحصل اليومان الباقيان) لأن الحيض إن طرأ في أثناء اليوم الأول من صومها.. انقطع في أثناء السادس عشر، فيحصل اليومان بعده.
أو في اليوم الثاني.. انقطع في السابع عشر، فيحصل الأول والأخير.

وَيُمْكِنُ قَضاءُ يَوْمٍ بِصَوْمِ يَوْمٍ ثُمَّ الثَّالِثِ وَالسَّابِعَ عَشَرَ. وَإِنْ حَفِظَتْ شَيْئًا.. فَلِلْيَقِينِ حُكْمُهُ، وَهِيَ فِي الْمُحْتَمِلِ كحَائِضٍ فِي الْوَطْءِ، وَطَاهِرٍ فِي الْعِبَادَةِ،

أو في اليوم الثالث، فيحصل اليومان الأولان 1. أو طرأ في أثناء السادس عشر، فينقطع في أثناء الأول، فيحصل الثاني والثالث.
أو في السابع عشر، فينقطع في الثاني، فيحصل السادس عشر والثالث.
أو في الثامن عشر، فينقطع في الثالث، فيحصل السادس عشر والسابع عشر، فتخرج بذلك عن العهدة بيقين، ولا تتعين هذه الكيفية، بل لو صامت أربعةً من هذه الستة في أول الثمانيةَ عشرَ واثنين في آخرها أو بالعكس، أو اثنين في أولها، واثنين في آخرها واثنين في الوسط كيف شاءت.. حصل اليومان الباقيان.
والضابط في قضاء اليومين وغيرهما: أن نضعّف ما عليها، ونزيد عليه يومين، فتصوم ما عليها وِلاءً متى شاءت، ثم تأتي بذلك مرّةً أخرى من أول السابعَ عشرَ من صومها، ثم تأتي باليومين بينهما، سواءٌ كانا متصلين باليومين الأوّلين أو بالأخيرين، أو منفردين عنهما متفرقين أو مجتمعين، وكلّما زاد الواجب يومًا.. زاد الصوم يومين: يومًا في أول المدّة ويومًا في آخرها على ما سبق.
قال الدارمي: ويمكن قضاءُ يومين فصاعدًا إلى آخر السابع بزيادة يوم واحد على الضعف، فلقضاء يومين تصوم يوما وثالثَه وسابعَ عشرِه وتاسعَ عشرِه، وتفطر رابعَه وسادسَ عشرِه ويبقى بينهما أحدَ عشرَ يومًا، تصوم منها يومًا أَيَّ يوم شاءت، فيحصل لها يومان بخمسة من تسعةَ عشرَ.
(ويمكن قضاءُ يومٍ بصوم يومٍ، ثم الثالثِ) من الأول (والسابعَ عشرَ) منه؛ لوقوع يوم من الأيام الثلاثة في الطهر بكل تقدير؛ لما مرّ في اليومين.
(وإن حفِظت شيئًا) من عادتها، ونسيت شيئًا؛ كالوقت دون القدر أو عكسه).. فلليقين حكمُه) من حيض أو طهر.
(وهي في المحتمِل كحائض في الوطء، وطاهرٍ في العبادة) لما سبق من وجوب الاحتياط، والمراد بـ (المحتمل): هو محتمِل الحيض والطهر.

وَإِنِ احْتَمَلَ انْقِطَاعًا.. وَجَبَ الْغُسْلُ لِكُلِّ فَرْضٍ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ دَمَ الْحَامِلِ وَالنَّقَاءَ بَيْنَ الدَّمِ.. حَيْضٌ

(وإن احتمل انقطاعًا.. وجب الغُسلُ لكلّ فرضٍ) احتياطًا، وإن لم يحتمله.. وجب الوضوء فقط.
قال الأصحاب: والحافظةُ للقدر إنما تخرج عن التحيّر المطلق بحفظ قدر الدورِ وابتدائه، وقدرِ الحيض؛ كقولها: (كان حيضي ستة أيام من العشر الأول من كل شهر)، فالخامسُ والسادس حيضٌ بيقين، وما بعده إلى آخر العاشر طهرٌ مشكوك فيه؛ لأنه يحتمل الانقطاعَ، فتؤمر فيه بالاغتسال، وما قبلهما إلى الأول يحتمل الطروء فقط، فهو حيض مشكوكٌ فيه، فتتوضأ لكلّ صلاة، ولا تغتسل، ومن الحادي عشر إلى آخر الشهر طهرٌ بيقين.
ومن أمثلة حفظ الوقت فقط: ما لو قالت: (أعلم أن حيضي في الشهر مرةً، وأكون في سادسه حائضًا).. فالسادس حيضٌ بيقين، والعشر الأخير طهرٌ بيقين، ومن السابع إلى آخر العشرين طهر مشكوكٌ فيه؛ لاحتمال الانقطاع دون الطروء، ومن الأول إلى الخامس والسادس حيضٌ مشكوكٌ فيه؛ لاحتمال الطروء دون الانقطاع.
(والأظهر: أن دم الحامل والنقاء بين الدم.. حيضٌ) أما في الأولى.. فلحديث: "دَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ" 1، ولأنه دمٌ لا يمنعه الرَّضاع، بل إذا وجد معه.. حُكِم بكونه حيضًا وإن ندر، فكذا لا يمنعه الحملُ.
ووجه مقابله: أن الحمل يسدّ مخرج الحيض، وقد جعل دليلًا على براءة الرحم، فدلّ على أنّ الحامل لا تحيض، ويستثنى الدم الخارج عند الطلق أو مع خروج الولد؛ فإنه ليس بحيض ولا نفاس على الأصحِّ.
ويستثنى من إجراء أحكام الحيض عليه: تحريمُ الطلاق؛ فإنه لا يحرم فيه، ولا تنقضي به عدةُ صاحب الحمل، وتنقضي به عدّةُ غيره في الأصحِّ؛ بأن وُطئت بشبهة زمنَ الحمل، وكذا لو كان الحملُ من زنًا.
وأمّا في الثانية.. فلو قلنا بأنه طهر.. لانقضت العدة بثلاثة منه، ولا قائلَ به.

وَأَقَلُّ النِّفَاسِ: لَحْظَةٌ، وَأَكْثَرُهُ: سِتُّونَ، وَغَالِبُهُ: أَرْبَعُونَ. وَيَحْرُمُ بِهِ مَا حَرُمَ بِالْحَيْضِ، وَعُبُورُهُ سِتِّينَ كَعُبُورِهِ أَكْثَرَهُ.

ووجه مقابله: أنه لما دلّ الدم على الحيض.. وجب أن يدلّ النَّقاءُ على الطهر، ويسمّى الأول: قول السحب، والثاني: قول اللقط وقول التلفيق.
وقوله: (بين الدم) قال الشيخ بهاء الدين الفزاري: (كذا هو في عدّة نسخ، وقيل: إنه كان هكذا في نسخة المصنف، ثم أصلحه بعضهم بقوله: "بين أقل الحيض" لأن الراجح: أنه إنما ينسحب إذا بلغ مجموع الدماء أقلّ الحيض) انتهى.
قال المنكّت: (وقد رأيت نسخةَ المصنف التي بخطه، وقد أُصلحت كما قال بغير خطه) 1. (وأقلُّ النفاس: لحظةٌ، وأكثرُه: ستون، وغالبُه: أربعون) اعتبارًا بالوجود، فلو ولدت ولم تر دمًا أصلًا حتى مضى خمسة عشر فصاعدًا.. فلا نفاس لها على الأصحِّ في "شرح المهذب" 2. (ويحرم به ما حرم بالحيض) بالإجماع (وعُبورُه ستين كعبوره أكثرَه) أي: الحيض، فينظر أمبتدأة هي أم معتادة مُميِّزة، أم غير مُميِّزة؟ ويقاس على ما مرّ في الحيض؛ لأن النفاس كالحيض في غالب أحكامه، فكذلك الردّ إليه عند الإشكال.

كتابُ الصَّلاة الْمَكْتُوبَاتُ خَمْسٌ: الظُّهْرُ، وَأَوَّلُ وَقْتِهِ: زَوَالُ الشَّمْسِ، وَآخِرُهُ: مَصِيرُ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ سِوَى ظِلِّ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ، وَهُوَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ، وَيَبْقَى حَتَّى تَغْرُبَ،.

﴿كتاب الصلاة﴾ هي لغة: الدعاء بخير، وشرعًا: أفعال وأقوال مفتتحةٌ بالتكبير، مختتمةٌ بالتسليم بشرائطَ مخصوصةٍ.
سُمِّيت بذلك لاشتمالها على الدعاء؛ إطلاقًا لاسم الجزء على الكلّ، وقيل: لما يعود على فاعلها من البركة، والبركة تسمى صلاةً.
(المكتوباتُ خمسٌ) في كلّ يوم وليلة بالإجماع.
(الظهر) لحديث جبريل الآتي، (وأولّ وقته: زوال الشمس، وآخره: مصيرُ ظلِّ الشيء مثلَه سوى ظلّ استواء الشمس) الموجود عند الزوال إن بقي ظلّ كغالب البقاع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "أَمَّنِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتينِ، فَصلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ ألشَّمْسُ وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالمشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ.. صَلَّى بِيَ الظّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى ثلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ 1، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ؛ هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ" 2. (وهو أول وقت العصر) للحديث المار (ويبقى حتى تغرب) لحديث: "وَقْتُ

وَالاخْتِيَارُ: أَلَّا تُؤَخَّرَ عَنْ مَصِيرِ الظِّلِّ مِثْلَيْنِ. وَالْمَغْرِبُ: بِالْغُرُوبِ، وَيَبْقَى حَتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ الأَحْمَرُ فِي الْقَدِيمِ، وَفِي الْجَدِيدِ: يَنْقَضِي بِمُضِيِّ قَدْرِ وُضُوءٍ، وَسَتْرِ عَوْرَةٍ، وَأَذَانٍ، وَإِقَامَةٍ، وَخَمْسِ رَكَعَاتٍ، وَلَوْ شَرَعَ فِي الْوَقْتِ وَمَدَّ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ.. جَازَ عَلَى

الْعَصْرِ مَا لَمْ تغرُبِ الشَّمْسُ" رواه ابن أبي شيبة وإسناده في مسلم 1، (والاختيار: ألّا تؤخر عن مصيرِ الظلِّ مثلين) بعد ظلّ الاستواء؛ لحديث جبريل المار، وسمي مختارًا؛ لما فيه من الرجحان، وقيل: لاختيار جبريل إياه.
(والمغربُ: بالغروب) لحديث جبريل (ويبقى) وقتها (حتى يَغيب الشفقُ الأحمر في القديم) لحديث: "وَقْتُ الْمَغْرِبِ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ إِلَى أَنْ تَذْهَبَ حُمْرَةُ الشَّفَقِ" رواه ابن خزيمة في "صحيحه" 2. (وفي الجديد: ينقضي بمضيّ قدرِ وضوءٍ، وسترِ عورةٍ، وأذانٍ، وإقامةٍ، وخمسِ ركعات) لأن جبريل صلاها في اليومين في وقت واحد بخلاف غيرها، وإنما استثُني قدرُ هذه الأمور؛ للضرورة وجواز جمع المغرب والعشاءِ تقديمًا إنما ساغ لأن الوقت المذكور يَسع ذلك خصوصًا إذا كانت الشروط عند الوقت مجتمعة فيه، فإن فُرض ضيقُه عنها لأجل اشتغاله بالأسباب.. امتنع الجمعُ لفوات شرطه، وهو وقوع الصلاتين في وقت إحداهما.
ولو عَبَّر بـ (الطهارة) بدلًا عن (الوضوء).. لكان أولى؛ ليشمل التيمم والغسلَ وإزالة النجاسة.
والتعبير بـ (ستر العورة) يخالف ما ذكروه؛ من استحباب التعمم والتقمص والارتداء ونحوها، ولهذا عبر الماوردي في "الإقناع" وغيره بـ (لبس الثياب)، قال الإسنوي: (وهو حسن) 3. (ولو شَرَعَ في الوقت) على الجديد (ومَدَّ حتى غاب الشفقُ.. جاز على

الصَّحِيحِ. قُلْتُ: الْقَدِيمُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالْعِشَاءُ: بِمَغِيبِ الشَّفَقِ، وَيَبْقَى إِلَى الْفَجْرِ، وَالاخْتِيَارُ: أَلَّا تُؤَخَّرَ عَنْ ثلُثِ اللَّيْلِ، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفِهِ. وَالصُّبْحُ: بِالْفَجْرِ الصَّادِقِ، وَهُوَ الْمُنْتشَرُ ضَوْؤُهُ مُعْتَرِضًا بِالأُفُقِ، وَيَبْقَى حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ،

الصحيح) لأنه صلى الله عليه وسلم قرأ فيها بـ (الأعراف) في الركعتين، رواه الحاكم وصححه 1، والثاني: لا تجوز، لوقوع بعضها خارج الوقت.
(قلت: القديم أظهر، والله أعلم) لما مرّ، وقد علق الشافعي في "الإملاء" - وهو من الجديد - القول به على صحة الحديث فيه، قال ابن الصلاح: وقد ثبت الحديث 2، بل أحاديث، فيكون قولُ الاتساع جديدًا 3. (والعشاء: بمغيب الشفق) الأحمر؛ لما سبق (ويبقى إلى الفجر) الصادق لحديث: "لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الأُخْرَى" رواه مسلم 4، (والاختيار: ألّا تؤخر عن ثلث الليل) لأن جبريل عليه السلام صلاها في اليوم الثاني كذلك، (وفي قول: نصفِه) لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي.. لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمُ السِّوَاكَ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ، وَلأَخرْتُ الْعِشَاءَ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ" رواه الحاكم وصححه 5. وقضية كلام "شرح المهذب": أن الأكثرين على هذا القول، وبه صرح سليم في "الفروع"، ولهذا قال في "شرح مسلم": (إنه الأصح)، وقال البيهقي في "خلافياته": إنه الصحيح في المذهب 6. (والصبح: بالفجر الصادق) بالإجماع (وهو: المنتشر ضوؤه معترضًا بالأُفُقِ) لا الفجر الكاذب وهو: الذي يبدو مستطيلًا كذَنَب السِّرْحان، وهو: الذئب، ثم تعقبه ظلمة، (ويبقى حتى تَطلُع الشمسُ) لحديث: "وَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ

وَالاخْتِيَارُ: أَلَّا تُؤَخَّرَ عَنِ الإِسْفَارِ. قُلْتُ: يُكْرَهُ تَسْمِيَةُ الْمَغْرِبِ: عِشَاءً، وَالْعِشَاءِ: عَتَمَةً، وَالنَّوْمُ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا إِلَّا فِي خَيْرٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ لِأَوَّلِ الْوَقْتِ،

الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ" رواه مسلم 1، (والاختيار: ألّا تُؤخَّر عن الإسفار) وهو الإضاءة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام صلاها في اليوم الثاني كذلك.
(قلت: يكره تسمية المغرب: عِشاء، والعشاءِ: عَتَمَةً) لثبوت النهي عن ذلك في الصحيح 2، (والنوم قبلها) لأنه عليه السلام كان يكرهه، متفق عليه 3. والمعنى فيه: مخافة استمراره إلى خروج الوقت، ولهذا قال ابن الصلاح: (تعمّ جميعَ الصلوات).
(والحديثُ بعدها) لكراهته عليه الصلاة والسلام له أيضًا، متفق عليه 4، ولأن الله تعالى قد جعل الليل سكنًا، وهذا يُخرجه عن ذلك، (إلّا في خيرٍ، والله أعلم) كقراءة الحديث، ومذاكرة الفقه، وحكاياتِ الصالحين، وإيناس الضيف ونحوِ ذلك؛ لأنه خير ناجز، فلا يُترك لمفسدة متوهمة، وقد جاءت به أحاديث صحيحة 5، واستثنى في "زيادة الروضة" مع ذلك: ما إذا تكلم لعذر 6. (ويُسن تعجيلُ الصلاة لأول الوقت) استباقا للخيرات، ولقوله عليه الصلاة والسلام في جواب أيّ الأعمال أفضل؟ "الصَّلَاةُ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا" رواه الدارقطني وابن حبان في "صحيحه" 7. واعلم: أنه إنما يجوز التأخيرُ عن أول الوقت بشرط العزم على الفعل في أثنائه على

وَفِي قَوْلٍ: تَأْخِيرُ الْعِشَاءِ أَفْضَلُ. وَيُسَنُّ الإِبْرَادُ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، وَالأَصَحُّ: اخْتِصَاصُهُ بِبَلَدٍ حَارٍّ، وَجَمَاعَةِ مَسْجِدٍ يَقْصِدُونَهُ مِنْ بُعْدٍ

الأصحِّ في "شرح المهذب" 1، ويستثنى من ذلك مسائلُ: منها: الإبراد؛ كما سيأتي، والمقيم بمنى، فإنه يندب له تأخير الظهر وتقديم الرمي، وكذا المسافر إذا كان سائرًا وقتَ الأولى، فإنّ التأخير أفضلُ كما ذكره في بابه، ومَنْ يدافعه الخبث، أو حضره طعامٌ يتوق إليه، وكذا كلّ عذر مُرخِّص في ترك الجماعة، وغيرُ ذلك مما تكثر صورُه وأمثلتُه.
والضابط: أن يعارض ما هو أرجح من فعلها أول الوقت كتيقن وجود الماء والسترة في أثناء الوقت.
(وفي قول: تأخير العشاء أفضلُ) ما لم يجاوز وقتَ الاختيار؛ للحديث السالف، وقال في "شرح المهذب": (إنه أقوى دليلًا) 2، واختاره السبكي، وقال الأَذرَعي: (إنه المنصوص في أكثر كتبه الجديدة).
(ويُسن الإبرادُ بالظهر في شدة الحرِّ) إلى أن يصير للحيطان ظلٌّ يمشي فيه الساعون للجماعة؛ لحديث: "إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ.. فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ" متفق عليه 3. واحترز بـ (الظهر) عن الجمعة؛ فإنه لا يسن الإبراد فيها على الأصحِّ.
(والأصح: اختصاصه ببلدٍ حارٍّ) كالحجاز؛ لأن الأمر هين في غيرها، (وجماعةِ مسجدٍ يَقصِدونه من بُعدٍ) ويمشون إليه في الشمس، لأن من صلّى منفردًا أو بيتُه قريبٌ من المسجد.. ليس فيه كبيرُ مشقة، والثاني: لا يختص بذلك؛ لإطلاق الخبر، والمنفرد إذا قصد الصلاةَ في المسجد يُبرد كما أشعر به كلام الرافعي، وقال الإسنوي: (إنه الأوجه)، بخلاف ما أشعر به كلام "الكتاب" 4.

وَمَنْ وَقَعَ بَعْضُ صَلَاتِهِ فِي الْوَقْتِ.. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ وَقَعَ رَكْعَةً.. فَالْجَمِيعُ أَدَاءٌ، وَإِلَّا.. فَقَضَاءٌ. وَمَنْ جَهِلَ الْوَقْتَ.. اجْتَهَدَ بِوِرْدٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ تَيَقَّنَ صَلَاتَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ.. قَضَى فِي الأَظْهَرِ، وَإِلَّا.. فَلَا. وَيُبَادِرُ بِالْفَائِتَةِ،

(ومن وقع بعضُ صلاته في الوقت.. فالأصح: أنه إن وقع ركعةً.. فالجميع أداءٌ، وإلا.. فقضاءٌ) كلها؛ لحديث: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ.. فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ" متفق عليه، زاد مسلم: "كُلَّهَا" 1، دل بمنطوقه على الأول، وبمفهومه على الثاني، والثاني: الجميع قضاءٌ؛ اعتبارًا بآخر الصلاة، والثالث: ما وقع في الوقت أداءٌ، وما وقع بعده قضاءٌ؛ نظرًا إلى الواقع، والرابع: إن أخر بعذر وأدرك ركعة.. فأداءٌ، وإلّا.. فلا.
(ومن جهل الوقتَ) لعارض غيم ونحوه (.. اجتهد (ولو أعمى وجوبًا؛ قياسًا على الأحكام الشرعية (بوِردٍ) من قراءة ودرسٍ (ونحوِه) كخياطة وغيرِها، ومن الأمارات: صياحُ الديك المجرَّب.
وأورد على المصنف: أن محلّ الاجتهاد: ما إذا لم يُخبره ثقةٌ عن علم، فإن أخبره عن علم بمشاهدة؛ كقوله: (رأيت الفجر طالعًا)، أو (الشمسَ غاربة).. لزمه قبولُه، ولا يجتهد.
وأجيب: بأنه متى أخبره ثقةٌ عن علم.. فهو غير جاهل بالوقت، ولو أخبره عن اجتهاد.. قلده الأعمى دون البصير القادرِ على الاجتهاد.
(فإن تيقن صلاتَه قبل الوقت) بعد أن اجتهد وصلّى وقد خرج الوقت (.. قضى في الأظهر) لفوات شرطها وهو الوقت، والثاني: لا قضاءَ؛ اعتبارًا بظنه، فإن كان الوقتُ باقيًا.. وجبت الإعادة فيه قطعًا.
(وإلّا) أي: وإن لم يتيقن وقوعها قبل الوقت؛ بأن لم يتبيّن الحالُ، أو بأن وقوعُها فيه أوبعده (.. فلا) قضاء عليه.
(ويبادر بالفائتة) 2 تعجيلًا لبراءة ذمته، ثم إن كان الترك بغير عذر.. فالمبادرة

وَيُسَنُّ تَرْتيبُهُ وَتقدِيمُهُ عَلَى الْحَاضِرَةِ الَّتِي لَا يَخَافُ فَوْتَهَا. وَتكرَهُ الصَّلَاةُ عِنْدَ الاسْتِوَاءِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ كَرُمْحٍ، وَالْعَصْرِ حَتَّى تغرُبَ،

واجبة، وإلّا.. فمستحبةٌ على الأصحِّ فيهما، وقيل: واجبة فيهما، وقيل: مستحبة فيهما، وعن ابن بنت الشافعي: أن غير المعذور لا يقضي، وحكمته: التغليظ عليه، وقواه الشيخ عزُّ الدين، وصاحب "الإقليد" وأيده بأن تارك الأبعاض عمدًا لا يَسجد على وجه، مع أنه أحوج إلى الجبر.
(ويسن ترتيبه وتقديمه على الحاضرة التي لا يَخاف فوتَها) للخروج من خلاف من أوجب ذلك، فإن لم يرتب.. جاز؛ لأن كلَّ واحدة عبادةٌ مستقلة، والترتيبَ إنما وجب في الأداء لضرورة الوقت، فإنه حين وجبت الظهرُ.. لم تجب العصر، فماذا فات.. لم يجب الترتيب في قضائه؛ كصوم رمضان، فإن خاف فوتَ الحاضرة.. لزمه البداءة بها؛ لئلّا تصيرَ فائتةً أيضًا.
(وتكره الصلاة عند الاستواء) للنهي عنه في "صحيح مسلم" 1. ووقت الاستواء لطيف جدًّا لا يتسع لصلاة، ولا يكاد يشعر به حتى تزول الشمس، إلا أن التحرم قد يمكن إيقاعُه فيه، فلا تصح الصلاة.
(إلّا يوم الجمعة) لأنه عليه الصلاة والسلام استحب التبكير إليها، ثم رغب في الصلاة إلى خروج الإمام من غير تخصيص ولا استثناء.
(وبعدَ) فعل (الصبح حتى ترنفع الشمسُ كرمح) فيما يراه الناظر (و) بعد (العصرِ حتى تغرب) للنهي عنه في الصحيح أيضًا) 2. وأهمل وقتين آخرين ذكرهما في "المحرّر" وهما: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند الاصفرار حتى تغرب 3؛ لتوهمه اندراجهما في قوله: (وبعد الصبح... وبعد العصر)، وليس كذلك؛ فإنه إنما يتناول من صلاهما، والكراهة في هذين الوقتين تعم ذلك وغيرَه.

إِلَّا لِسَبَبٍ كَفَائِتةٍ، وَكُسُوفٍ، وَتَحِيَّةٍ، وَسَجْدَةِ شُكْرٍ، وَإِلَّا فِي حَرَمِ مَكَّةَ عَلَى الصَّحِيحِ

وهذه الكراهةُ كراهةُ تحريم على الصحيح، وصحح المصنف في "التحقيق" أنها للتنزيه، وجزم به في "شرح المهذب" في الطهارة، مع تصحيحه هنا فيه بالتحريم 1. (إلّا لسببٍ) متقدم أو مقارن (كفائتةٍ) ولو نافلة إذا قلنا: تقضى؛ لحديث: "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا.. فَكَفَّارَتهُا: أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا" متفق عليه 2، ولصلاته عليه السلام سنة الظهر بعد العصر لما شغله عنها الوفد 3. (وكُسوفٍ، وتَحيّةٍ) لأنهما معرضان للفوات، ولأن الأدلة الطالبة لهما عامةٌ في الأوقات، خاصةٌ بتلك الصلوات، وأحاديث النهي بالعكس، وترجحت الأولى بأنه لم يدخلها تخصيصٌ، وأحاديث النهي دخلها التخصيصُ بالفائتة؛ للحديث.
و(صلاة الجنازة) فإنه إجماع كما نقله ابن المنذر، ومحلّ ما ذكره في التحية إذا دخل لا لقصد التحية، فإن دخل بقصد التحية فقط.. كره على الأصحِّ.
(وسجدهِ شكر) وتلاوة؛ لفواتها بالتأخير، وفي "الصحيح" في توبة كعب بن مالك أنه سجد سجدة للشكر بعد صلاة الصبح قبل طلوع الشمس 4، وسجدة التلاوة مقيس عليها.
(وإلّا في حرم مكةَ على الصحيح) لقوله صلى الله عليه وسلم: "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ؛ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ" صححه الترمذي وغيره 5. والمعنى فيه: ما في الصلاة في تلك الأماكن من زيادة الفضيلة، فلا يُحرَم المقيمُ هناك من استكثارها.

فصل [فيمن تجب عليه الصلاة]

إِنَّمَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ طَاهِرٍ، وَلَا قَضَاءَ عَلَى الْكَافِرِ إِلَّا الْمُرْتَدَّ،

نعم؛ في "مقنع المحاملي": الأولى: عدم الفعل خروجًا من خلاف مالك وأبي حنيفة، والثاني: أنها تكره لعموم الأخبار، وحمل الصلاة المذكورة في هذا الحديث على ركعتي الطواف، وإنما تكلف لهذا الحمل؛ لأن الحديثين إذا كان كلٌّ منهما أعمَّ من الآخر من وجه.. لا يُقدَّم خصوصُ أحدهما على عموم الآخر إلّا بمرجح، وقيل: إن الاستثناء يختص بالمسجد الحرام، وقيل: بنفس البلد.

(فصل: إنما تجب الصلاة على كلِّ مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ طاهرٍ) الوجوبُ - على من اجتمعت فيه هذه الشروط - مجمعٌ عليه.
وأما عدمه على من عداه.. فقد يراد به عدمُ المطالبة بها في الوقت، وقد يراد عدمُ التأثيم بالترك، والأول مجمعٌ عليه أيضا، والثاني: كذلك إلا في الكافر، فإن الأصحَّ عندنا: أنه مخاطبٌ بالفروع، ويعاقب عليها في الآخرة.
فإن حمل كلام المصنف على المعنيين معًا.. ورد الكافر، وإن حمل على أحدهما.. فات الآخر مع ورود الكافر أيضًا على تقدير الحمل على الثاني.
(ولا قضاءَ على الكافر) إذا أسلم؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقد يؤدي إيجاب ذلك إلى التنفير.
(إلّا المرتدَّ) لأنه التزم الصلاة بالإسلام، فلا تسقط بالردة؛ كحقوق الآدميين.
نعم؛ لا تَقضي المرتدة زمن الحيض ونحوه، بخلاف زمن الجنون.

قال الإمام: والفرق: أن الحائض مخاطبةٌ بترك الصلاة في زمن الحيض، فهي مؤدية ما أمرت به، والمجنون ليس مخاط

بًا ب

ترك الصلاة في زمن جنونه حتى يقال: إنه أدى ما أمر به 1.

وَلَا الصَّبِيِّ، وَيُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ، وَيُضْرَبُ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَلَا ذِي حَيْضٍ، أَوْ جُنُونٍ، أَوْ إِغْمَاءٍ،

(ولا الصبيِّ) إذا بلغ، وكذا الصبية لعدم التكليف.
(ويؤمر) الصبي (بها لسبع، ويضرب عليها لعشر) للأمر بذلك؛ كما صححه الترمذي وغيره 1. وحكمة الأمر والضرب: التمرين على الصلاة؛ ليسهل إذا بلغ، ولا يقتصر في الأمر على مجرد صيغته بل لا بدّ معه من التهديد، قاله المحب الطبري، وكما يؤمر بالأداء.. يؤمر بالقضاء أيضًا، فإن بلغ.. لم يؤمر بها، ذكره الشيخ عز الدين في "مختصر النهاية" في (باب اللعان).
والأمر والضرب واجبان على الولي سواء أكان أبًا أم جدًّا، أم وصيًّا أم قيمًا، وقيل: مستحبان.
(ولا ذي حيضٍ) ونحوه؛ لما مرّ في بابه، وهذه مكررة فقد مرت في (باب الحيض).
(أو جنونٍ، أو إغماءٍ) ونحوهما كالمُبَرْسَم والمعتوه؛ لحديث: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ 2: عَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَبْرَأَ" 3 حسنه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم 4. وإنما لم يجب قضاء الصلاة على المغمى عليه وإن وجب قضاءُ الصوم على من أُغمِي عليه جميعَ النهار.. لمشقة قضاء الصلاة؛ لأنها قد تكثر بخلاف الصوم، قال في "البحر": ويكره القضاء للحائض ويستحب للمجنون والمغمى عليه 5، وقال

بِخِلَافِ السُّكْرِ. وَلَوْ زَالَتْ هَذِهِ الأَسْبَابُ وَبَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ تَكْبِيرَةٌ.. وَجَبَتِ الصَّلَاةُ، وَفِي قَوْلٍ: تشتَرَطُ رَكْعَةٌ. وَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ الظُّهْرِ بِإِدْرَاكِ تكبِيرَةٍ آخِرَ الْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ آخِرَ الْعِشَاءِ

البيضاوي في الأولى: لا يجوز.
(بخلاف السُّكْرِ) المتعدي به؛ لتعديه، وفي معناه: من شرب دواء مزيلًا للعقل لا لحاجة، ولا قضاءَ على معذور كمكره، ومن جهل كونَه مسكرًا، أو من شرب دواءً يزيل العقل وجهل حاله.
(ولو زالت هذه الأسبابُ) وهي: الكفر الأصلي، والصبي، والجنونُ وما في معناه، والحيضُ، والنفاسُ.
(وبقي من الوقت تكبيرة.. وجبت الصلاة) تغليبًا للإيجاب كما لو اقتدى المسافر بمتم في جزء من صلاته.. يلزمه الإتمامُ.
(وفي قول: تشترط ركعةٌ) لمفهوم حديث: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ.. فَقَدْ أَدْرَكَهَا" 1. ولا يشترط: أن يدرك مع التكبيرة أو الركعة قدرَ الطهارة على الأظهر؛ لأنها لا تختص بالوقت.
نعم؛ يشترط بقاء السلامة حتى يَمضي زمن الطهارة وتلك الصلاة بأخف ما يمكن، فلو عاد العذر قبل ذلك.. لم يلزمه القضاءُ.
(والأظهر: وجوب الظهر بإدراك تكبيرةٍ آخرَ العصر، والمغربِ) بإدراك تكبيرة (آخرَ العشاء) لاتحاد وقتي الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في العذر، ففي الضرورة - وهي فوق العذر - أولى، والثاني: لابد مع التكبيرة التي في آخر العصر من أربعِ ركعاتٍ، ومع التكبيرة التي في آخر العشاء من ثلاثِ ركعاتٍ؛ لأن اتحاد الصلاتين سببُه: الحمل على الجمع كما ذكرناه، وصورة الجمع كما ذكرناه إنما يتحقق إذا وقع إحدى الصلاتين في الوقت وشرع في الأخرى 2.

وَلَوْ بَلَغَ فِيهَا.. أَتَمَّهَا وَأَجْزَأَتْهُ عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ بَعْدَهَا.. فَلَا إِعَادَةَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ حَاضَتْ أَوْ جُنَّ أَوَّلَ الْوَقْتِ.. وَجَبَتْ تِلْكَ إِنْ أَدْرَكَ قَدْرَ الْفَرْضِ،

وخرج من كلام المصنف: الصلاةُ التي لا تجمع مع ما قبلها وهي الصبح والظهر، والعصر والمغرب، إذا زال العذر في آخرها.. فإن الواجب هي فقط؛ لانتفاء العلة وهي جعل الوقتين كالوقت الواحد.
(ولو بلغ فيها) أي: في الصلاة بالسن (.. أتمها) وجوبًا (وأجزأتْه على الصحيح) لأمره بها، وضربه عليها، وقد شرع فيها بشرائطها، ووقوعُ أولها نفلًا لا يمنع وقوعَ باقيها واجبًا كحج التطوع، والثاني: لا يجب إتمامها بل يستحب، وتجب إعادتهُا؛ لأنه لم ينو الفرضَ.
(أو بعدها) أي: بلغ بعد فعلها إمّا بالسن وإمّا بالاحتلام والوقتُ باق (.. فلا إعادةَ على الصحيح) لأدائه وظيفةَ الوقت كما أُمِرَ؛ كما لو صلت الأمة مكشوفةَ الرأس ثم عتقت، والثاني: تجب الإعادة؛ لأن المأتي به نفل 1، فلا يسقط به الفرضُ؛ كما لو حج ثم بلغ.
وأجاب الأول: بأن المأتي به مانعٌ من الخطاب بالفرض لا مسقطٌ.
والفرق بين الصلاة والحج: أن الصبي مأمور بالصلاة مضروبٌ عليها، بخلاف الحج، ولأن الحج لما كان وجوبه في العمر مرةً واحدةً.. اشتُرط وقوعُه في حال الكمال، بخلاف الصلاة.
(ولو حاضتْ أو جُنَّ أولَ الوقت.. وجبت تلك) الصلاة لا الثانية التي تجمع معها (إن أدرك) من الوقت (قدرَ الفرض) لتمكنه من الفعل في الوقت، فلا يسقط بما يطرأ بعده؛ كما لو هلك النصابُ بعد الحول وإمكان الأداء.. فإن الزكاة لا تسقط.
والمعتبر في قدر الفرض: أخفّ ما يجزئ، حتى لو طرأ على مسافر عذر بعد مضي ما يسع ركعتين من وقت صلاةٍ مقصورةٍ.. وجب القضاءُ، ولا يُعتبر قدرُ ما يسع الستارة؛ لتقدم إيجابها، وكذا قدر الطهارة على الأصحِّ، إلّا إذا لم يجز تقديمها؛ كالمتيمم ودائم الحدث.

جارٍ التحميل