وَلَوْ تَذَكَّرَ قَبْلَ انْتِصَابِهِ.. عَادَ لِلتَّشَهُّدِ، وَيَسْجُدُ إِنْ كَانَ صَارَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ. وَلَوْ نَهَضَ عَمْدًا فَعَادَ.. بَطَلَتْ إِنْ كَانَ إِلَى الْقِيَامِ أَقْرَبَ. وَلَوْ نَسِيَ قُنُوتًا فَذَكَرَهُ فِي سُجُودِهِ.. لَمْ يَعُدْ لَهُ، أَوْ قَبْلَهُ.. عَادَ، وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ إِنْ بَلَغَ حَدَّ الرَّاكِعِ. وَلَوْ شَكَّ فِي تَرْكِ بَعْضٍ.. سَجَدَ، أَوِ ارْتِكَابِ نَهْيٍ.. فَلَا
المهذب": أنه لا يجب على القائم عمدًا العود بل يستحب، ونقله عن "الأم" 1.
(ولو تذكر) التشهد الأول (قبلَ انتصابِه.. عادَ للتشهد) لأنه لم يتلبس بفرض، والمراد بالانتصاب: الاستواء معتدلًا على الأصح.
(ويَسجد إن كان صار إلى القيامِ أقربَ) منه إلى القعود؛ لأنه أتى بفعل غيرِ نظم الصلاة، ولو أتى به عمدًا في غير موضعه.. لبطلت صلاتُه كما سيأتي، فيسجد لسهوه، وإن كان إلى القعود أقربَ، أو على السواء.. لم يسجد؛ لأنه لا يبطل عمده.
وهذا التفصيل هو المرجح في "الشرحين"، وفي "الروضة" في آخر كلامه، لكن كلامه أولًا يقتضي: أن الأصحَّ: أنه لا يسجد مطلقًا، ونقله الرافعي في "الشرح" عن تصحيح العراقيين، وعلّله بأنه عملٌ قليلٌ، وصححه المصنف في "التحقيق" و"التصحيح"، وقال في "شرح المهذب": (إنه الأصح عند الجمهور)، قال في "المهمات": فالفتوى عليه؛ لموافقة الأكثرين 2.
(ولو نَهَضَ عمدًا) أي: قصد ترك التشهد الأول (فعاد) له عمدًا (.. بطلت إن كان إلى القيام أقربَ) فإن عاد قبله.. فلا، لما تقدم، وهذا قسيم قوله أولًا: (ولو نسي التشهد الأول).
(ولو نسي قنوتًا فذكره في سجودِه.. لم يَعُدْ له) لتلبسه بفرض، (أو قبلَه.. عاد) له؛ إذ لم يتلبس بفرض (وسجد للسهو إن بلغ حدَّ الراكع) لأنه زاد ركوعًا سهوًا، والعمد به مبطل، وهذا قيد في السجود خاصةً، لا في العود.
(ولو شك في ترك بعضٍ.. سجد، أو ارتكابِ نهيٍ.. فلا) لأن الأصل فيهما عدمُ
وَلَوْ سَهَا وَشَكَّ: هَلْ سَجَدَ.. فَلْيَسْجُدْ. وَلَوْ شَكَّ: أَصَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا.. أَتىَ بِرَكْعَةٍ وَسَجَدَ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَسْجُدُ وَإِنْ زَالَ شَكُّهُ قَبْلَ سَلَامِهِ، وَكَذَا حُكْمُ مَا يُصَلِّيهِ مُتَرَدِّدًا وَاحْتَمَلَ كَوْنُهُ زَائِدًا. وَلَا يَسْجُدُ لِمَا يَجِبُ بِكُلِّ حَالٍ إِذَا زَالَ شَكُّهُ، مِثَالُهُ: شَكَّ فِي الثَّالِثَةِ: أَثَالِثَةٌ هِيَ أَمْ رَابِعَةٌ؟ فَتَذَكَّرَ فِيهَا.. لَمْ يَسْجُدْ، أَوْ فِي الرَّابِعَةِ.. سَجَدَ
الفعل، وصورة المسألة: أن يكون البعضُ معينًا، فإن شكّ هل ترك بعضًا من حيث الجملة أم لا؟.. لم يسجد؛ كالشك في أنه سها، نقلاه عن "التهذيب"، وأقراه 1.
(ولو سها وشكّ هل سَجد) للسهو أم لا (.. فليسجد) لأن الأصل عدم السجود، (ولو شكّ أصلّى ثلاثًا أم أربعًا.. أتى بركعةٍ وسَجَدَ) لقوله عليه السلام: "إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ أَصَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا.. فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُد سَجْدَتينِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا.. شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لأَرْبَعٍ.. كَانَتْ تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ" رواه مسلم 2.
(والأصح: أنه يَسجُد وإن زال شكُّه قبلَ سلامِه) لأن الأصحَّ: أن سبب السجود الترددُ في أن الركعة المفعولةَ زائدةٌ، وقيل: سببُه الخبرُ، ولا يظهر معناه، فعلى هذا: لا يسجد؛ لأن ظاهرَه إنما ورد في دوام الشك إلى السلام، (وكذا حكمُ ما يُصلِّيه مترددًا واحتمل كونُه زائدًا) لما مرّ.
(ولا يسجد لما يجب بكلّ حالٍ إذا زال شكُّه، مثاله: شكّ) في رباعية (في الثالثة) منها في نفس الأمر (أثالثة هي أم رابعة؟ فتذكر فيها) أي: في الثالثة أنها ثالثة (.. لم يسجد) إذ لم يأت حالَ شكّه بزائد على كلّ تقدير، (أو) تذكر (في الرابعة.. سجد) لتردده حالَ قيامه إليها هل هي رابعة أو خامسة؟ فقد أتى بزائد على تقدير دون تقدير.
ولو تذكر في قيامه إلى الرابعة.. قال الإسنوي: القياس: أنه إن صار إلى القيام
وَلَوْ شَك بَعْدَ السَّلَامِ فِي تَرْكِ فَرْضٍ.. لَم يُؤَثِّرْ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَسَهْوُهُ حَالَ قُدْوَتِهِ يَحْمِلُهُ إِمَامُهُ، فَلَوْ ظَنَّ سَلَامَهُ فَسَلَّمَ، فَبَان خِلَافُهُ.. سَلَّمَ مَعَهُ وَلَا سُجُودَ. وَلَوْ ذَكَرَ فِي تَشَهُّدِهِ تَرْكَ رُكْنٍ غَيْرِ النِّيَّةِ وَالتَّكْبِيرِ.. قَامَ بَعْدَ سَلَامِ إِمَامِهِ إِلَى رَكْعَتِهِ وَلَا يَسْجُدُ. وَسَهْوُهُ بَعْدَ سَلَامِهِ لَا يَحْمِلُهُ، فَلَوْ سَلَّمَ الْمَسْبُوقُ
أقرب.. سجد، وإلّا.. فلا، ويحتمل أن يسجد مطلقًا؛ بناءً على أن الانتقالات واجبةٌ 1.
(ولو شك بعد السلام في ترك فرض.. لم يؤثر على المشهور) لأن الظاهر: مضيها على الصحة، والثاني: يؤثر؛ لأن الأصلَ عدمُ الفعل، فيتدارك المشكوك وما بعده، ويسجد للسهو.
ومحل الخلاف: إذا لم يطل الفصلُ، فإن طال.. لم يؤثر قطعًا؛ لكثرة الشكوك عند الطول، وقيل: على القولين، وهو قضية إطلاق "الكتاب".
(وسهوُه) أي: المأموم (حال قدوته يَحمله إمامُه) كما يتحمل الجهرَ والفاتحةَ والسورةَ وغيرَ ذلك، ولا فرق بين القدوة الحسية والحكمية؛ كما سيأتي في (صلاة الخوف) عند قوله: (وسهو كل فرقة)، وفي (الجمعة) فيما لو زُحم عن السجود، واحترز بحال القدوة: عن سهوه قبل القدوة وبعدها، فإنه لا يحمله، وفي المسألة اضطراب.
(فلو ظن سلامَه فسلم، فبان خلافُه.. سلم معه) أي: مع إمامه؛ لامتناع تقدمه على سلام إمامه؛ كما سيأتي في بابه، (ولا سجودَ) لسهوه حال القدوة، فيتحمله إمامه.
(ولو ذكر) المأموم (في تشهده تَرْكَ ركن) لا يعرف ما هو (غيرِ النية والتكبير) للتحرم (.. قام بعد سلام إمامه إلى ركعته) ولا يجوز أن يعود إلى تداركه؛ لما فيه من ترك المتابعة الواجبة، (ولا يسجد) لوجود سهوه حال القدوة، وإنما استثنى النيةَ وتكبيرةَ الإحرام؛ لأن تركهما يوجب الاستئناف.
(وسهوُه بعد سلامه) أي: الإمام (لا يحمله) لانتهاء القدوة (فلو سلم المسبوقُ
بِسَلَامِ إِمَامِهِ.. بَنَى وَسَجَدَ وَيَلْحَقُهُ سَهْوُ إِمَامِهِ، فَإِنْ سَجَدَ.. لَزِمَهُ مُتَابَعَتُهُ، وَإِلَّا.. فَيَسْجُدُ عَلَى النَّصِّ. وَلَوِ اقْتَدَى مَسْبُوقٌ بِمَنْ سَهَا بَعْدَ اقْتِدَائِهِ، وَكَذَا قَبْلَهُ فِي الأَصَحِّ.. فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَسْجُدُ مَعَهُ، ثُمَّ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ الإِمَامُ.. سَجَدَ آخِرَ صَلَاةِ نَفْسِهِ عَلَى النَّصِّ
بسلام إمامه.. بَنَى) إذا لم يطل الزمانُ (وسجد) لوقوع سلامه بعد انفراده، (ويلحقه سهوُ إمامه) لأن الخللَ بذلك يتطرق إلى صلاته.
ويستثنى: ما لو بان حدثُ الإمام، فإنه لا يلحقه سهوه، ولا يتحمل الإمامُ عنه، وما إذا علم سببَ سهو الإمام وتيقن أنه مخطئ في ظنه؛ كما إذا ظن الإمامُ أنه ترك بعضًا، والمأموم يتيقن عدمَ تركه له.. فلا يوافقه إذا سجد.
(فإن سجد.. لزمه متابعتُه) أي: إذا سها الإمامُ وحده دون المأموم، فسجد الإمام لسهوه.. سجد المأمومُ معه؛ لما مرّ.
(وإلّا) أي: وإن لم يسجد الإمامُ إما عمدًا أو سهوًا، أو اعتقادًا منه أنه بعد السلام (.. فيسجد) المأموم (على النصّ) جبرًا للخلل، وفي قول مُخرَّج: أنه لا يسجد؛ لأنه لم يَسْهُ، ومدرك الخلاف: أن سجودَه معه هل هو لسهو إمامه أو لمجرد المتابعة؟ والأصحُّ: الأول.
(ولو اقتدى مسبوقٌ بمن سَهَا بعد اقتدائه، وكذا قبله في الأصح.. فالصحيح: أنه يسجد معه) للمتابعة، (ثم) يسجد ثانيًا (في آخر صلاته) لأنه محلّ الجبر بالسجود، والثاني: لا يسجد معه، لأن محلّ السجود آخرُ الصلاة، والثالث: يسجد معه ولا يسجد في آخر صلاته؛ لأنه لم يَسْهُ.
وقوله: (وكذا قبله في الأصح) أي: فحكمه حكمُ ما لو سها بعد اقتدائه؛ لأن صلاةَ المأموم إنما كملت بسبب اقتدائه بالإمام، فاذا تطرق نقصٌ إلى صلاة الإمامِ.. تعدى إلى صلاة المأموم، ومقابل الأصحِّ: أنه لا يسجد لا مع الإمام ولا في آخر صلاةِ نفسِه؛ لأنه لم يَسْهُ.
(فإن لم يسجد الإمام.. سجد) المسبوق المقتدي به (آخرَ صلاةِ نفسِه على النص) في حالتي السهو قبل الاقتداء وبعده؛ لما مرّ في المأموم الموافق، وفيه القول الْمُخرَّج.
وَسُجُودُ السَّهْوِ وَإِنْ كَثُرَ سَجْدَتَانِ كَسُجُودِ الصَّلَاةِ، وَالْجَدِيدُ: أَنَّ مَحَلَّهُ بَيْنَ تَشَهُّدِهِ وَسَلَامِهِ. فَإِنْ سَلَّمَ عَمْدًا.. فَاتَ فِي الأَصَحِّ،
(وسجود السهو وإن كثر) السهو (سجدتان) لاقتصاره عليه الصلاة والسلام عليهما في قصة ذي اليدين مع تعدده؛ لأنه صلى الله عليه وسلم سَلَّمَ من اثنتين وتكلّم ومشى 1، فلو سجد ناويًا للبعض.. قال في "البحر": فيحتمل الجواز، ويحتمل البطلان؛ لأنه زاد سجودًا على غير المشروع، ويحتمل أنه إن نوى الأول.. أجزأه، وإلّا.. فلا 2.
وحكى ابن عبدان في "شرائط الأحكام" وجهًا أنه إذا سها بالزيادة والنقصان.. سجد أربع سجدات، وقيل: يتعدد إذا تعدد سببُه، حكاه أبو الخير بن جماعة المقدسي في "كتاب الوسائل"، وقد يتعدد سجودُ السهو صورةً، لا حكمًا في صور تأتي في آخر الباب.
(كسجود الصلاه) في الأركان والشرائط والمستحبات، (والجديد: أن محلّه بين تشهده وسلامه) لأنه سجودٌ وقع سببُه في الصلاة، فكان فيها كسجود التلاوة، قال الزهري: (وهو آخر الأمرين من فعله صلى الله عليه وسلم) 3، ومقابله: قديمان: أحدهما: أنه إن سها بنقص.. سجد قبل السلام، أو بزيادة.. فبعده، والثاني: أنه يتخير بين التقديم والتأخير؛ لثبوت الأمرين، والخلاف في الإجزاء، وقيل: في الأفضل، وادعى الماوردي اتفاقَ الفقهاء عليه 4.
وقوله: (بين تشهده) أي: مع الذكر الذي بعده، وهو الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا المستحبات؛ كالصلاة على الآل والأدعية.
(فإن سلّم عمدًا.. فات) السجود (في الأصح) تفريعًا على الجديد؛ لقطعه الصلاة بسلامه، والثاني: لا إن قرب الفصل؛ كما لو سلم ناسيًا.
أَوْ سَهْوًا وَطَالَ الْفَصْلُ.. فَاتَ فِي الْجَدِيدِ، وَإِلَّا.. فَلَا عَلَى النَّصِّ. وَإِذَا سَجَدَ.. صَارَ عَائِدًا إِلَى الصلَاةِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ سَهَا إِمَامُ الْجُمُعَةِ وَسَجَدُوا فَبَانَ فَوْتُهَا.. أَتَمُّوا ظُهْرًا وَسَجَدُوا. وَلَوْ ظَنَّ سَهْوًا فَسَجَدَ فَبَانَ عَدَمُهُ.. سَجَدَ فِي الأَصَحِّ
(أو سهوًا وطال الفصل.. فات في الجديد) لفوات محلّه بالسلام، وتعذر البناء بالطول، والقديم: لا يفوت؛ لأنه جبران عبادةٍ، فلم يسقط بالتطاول؛ كجبرانات الحج، (وإلّا) أي: وإن لم يطل (.. فلا) يفوت (على النص) لأنه عليه الصلاة والسلام صلّى الظهر خمسًا، فقيل له، فسجد للسهو بعد السلام، متفق عليه 1، وقيل: يفوت؛ لأن السلام ركن وقع في محلّه، فلا يعود إلى سنة شرعت قبله، ومرجع الطول والقصر إلى العرف.
(وإذا سجد) عند قصر الفصل، أو عند طوله على القديم (.. صار عائدًا إلى الصلاة في الأصح) لأن نسيانه يخرج سلامه عن كونه مُحلّلًا؛ كما لو سلم ناسيًا لركن، والثاني: لا يصير؛ لأن التحلل حصل بالسلام، ولهذا لا تجب إعادتُه، ولا العودُ إلى الصلاة، وفائدة الخلاف: بطلانُ الصلاة بمفسد وقع في السجود.
(ولو سها إمامُ الجمعة وسجدوا) للسهو (فبان فوتُها.. أتموا ظهرًا) لما يأتي في بابه، (وسجدوا) للسهو ثانيًا آخر الصلاة؛ لأن ذلك محلّه، وقد تبين أن المأتي به في غير محلّه.
(ولو ظن سهوًا فسجد، فبان عدمُه.. سجد في الأصح) لأنه زاد سجدتين سهوًا، والثاني: لا؛ لأن سجود السهو يجبر كلّ خلل في الصلاة، فيجبر نفسه كما يجبر غيره؛ كإخراج شاة من أربعين تزكي نفسَها وغيرَها، وهاتان الصورتان تعدد فيهما سجود السهو صورةً لا حكمًا، ويلتحق بهما صور، منها: إذا سجد في آخر صلاة مقصورة ثم لزمه الإتمام فأتم.. فإنه يسجد في آخرها أيضًا.
بابٌ في سجود التّلاوة والشّكر
تُسَنُّ سَجَدَاتُ التِّلَاوَةِ، وَهُنَّ فِي الْجَدِيدِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ: مِنْهَا سَجْدَتَا (الْحَجِّ)،
(باب: في سجود التلاوة والشكر)
(تُسنُّ سجداتُ التلاوة) للإجماع على طلبها، والأحاديث شهيرة في ذلك 1، وإنما لم تجب؛ لتركه عليه الصلاة والسلام السجود في سجدة (والنجم)، متفق عليه 2، ولقول عمر رضي الله عنه: (من لم يسجد.. فلا إثم عليه، إنّ الله تعالى لم يفرض السجود إلّا أن نشاء) رواه البخاري 3، ولا يقوم الركوعُ مقام هذه السجدةِ خلافًا للخطابي.
(وهنّ في الجديد أربعَ عشرةَ) سجدة (منها سجدتا الحج) وسجدة في (الأعراف)، وسجدة في (الرعد)، وسجدة في (النحل)، وسجدة في (الإسراء)، وسجدة في (مريم)، وسجدة في (الفرقان)، وسجدة في (النمل)، وسجدة في (ألم تنزيل)، وسجدة في (حم السجدة)، وسجدة في (النجم)، وسجدة في (إذا السماء انشقت)، وسجدة في (اقرأ).
وأسقط في القديم سجداتِ (المفصل)، وهي الثلاثة الأخيرة؛ لحديث فيه ضعيف 4.
ودليل الجديد: ما رواه عمرو بن العاص قال: (أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس عشرة سجدةً في القرآن، منها: ثلاث في المفصل، وفي الحج سجدتان)، رواه أبو داوود والحاكم بإسناد حسن 5.
لَا (ص)؛ بَلْ هِيَ سَجْدَةُ شُكْرٍ تستَحَبُّ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَتَحْرُمُ فِيهَا فِي الأَصَحِّ. وَتُسَنُّ لِلْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ،
وعدها في الحديث خمس عشرة؛ لأجل (ص) فإنّ السجود مشروعٌ لها بالشرط الآتي، وإنما لم يَعدّها المصنفُ لأنها سجدةُ شكر، وكلامُه في سجدات التلاوة، ومواضعُ السجدات معروفةٌ، وفي بعضها خلافٌ يُعرف بمراجعة المبسوطات.
(لا) سجدة ("ص"؛ بل هي سجدة شكر) على قبول توبة داوود عليه السلام؛ لحديث: "سَجْدَةُ "ص" سَجَدَهَا دَاوُودُ تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا"، وهذا وإن كان مرسلًا فهو حجةٌ 1، لاعتضاده بقول الصحابي، وهو ما رواه البخاري عن ابن عباس أنه قال: ("ص" ليست من عزائم السجود، وقد رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم يَسجد فيها 2.
(تُستحب في غير الصلاة) لأنه صلى الله عليه وسلم قرأها مرةً على المنبر ونزل، فسجد وسجد الناسُ معه، رواه أبو داوود، وصححه ابن حبان والحاكم 3، (وتحرم فيها في الأصح) كسائر سجود الشكر، فإن فعل ذلك عامدًا عالمًا بالتحريم.. بَطَلت صلاتُه، أو ناسيًا أو جاهلًا.. فلا، ويسجد للسهو، قاله في "الروضة" 4، والثاني: لا تحرم؛ لأن سببها التلاوةُ، بخلاف غيرِها من سجود الشكر.
(وتُسن للقارئ والمستمع) بالإجماع، ويستثنى من إطلاقه القارئَ: ما لو قرأ المصلِّي آيةَ سجدةٍ في غير محلّ القراءةِ؛ كالركوع والسجود.. فلا يسجد، فإن سجد.. بَطَلت صلاته، وما لو قرأها في الجنازة.. فإنه لا يسجد فيها، وكذا لا يسجد بعدَ فراغِها على الأصحِّ.
ويستثنى من إطلاقه المستمعَ: مَن استمع حيث لا يندب له؛ كالمنفرد والمأموم،
وَتَتَأَكَّدُ لَهُ بِسُجُودِ الْقَارِئِ. قُلْتُ: وَتُسَنُّ لِلسَّامِعِ، وَاللهُ أَعْلَمُ
والقارئُ غيرُ إمامه.. فإنّه لا يسجد؛ لأن الاستماع لقراءة غيرِ الإمام مكروهٌ، فلو سجد.. بَطَلت صلاتُه؛ لأن سببها لم يوجد في صلاته.
وشمل إطلاقه المستمعَ لقراءة محدث وصبي وكافر، وهو الأصحُّ في "الشرح الصغير" و"شرح المهذب" و"التحقيق" و"أصل الروضة"، لكن في "فتاوى القاضي الحسين": أن قراءة الجنب والسكران لا تقتضي سجودَ التلاوة، خلافًا لأبي حنيفة 1.
وذكر المصنف في "التبيان" أنه لا يسجد لقراءة السكران 2.
وإذا سجد المستمع مع القارئ.. فلا يرتبط به، ولا ينوي الاقتداء به، وله الرفعُ من السجود قبله، قاله في "الروضة"، وفي "الكفاية" عن القاضي: أنه لا يجب، لكن يجوز، وهو لا ينافي كلام "الروضة" 3.
(وتتأكدُ له) أي: للمستمع (بسجود القارئ) للاتفاق على استحبابه في هذه الحالةِ للمستمع، بخلاف ما إذا لم يسجد.. فإنه لا يُستحب له على وجه.
(قلت: وتسن للسامع، والله أعلم) وهو الذي لم يقصد السماعَ، بل سمع من غير قصد؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾، دخل فيه السامع والمستمع، ومن لم يَسمع بالكلية وإن تناوله الإطلاق أيضًا.. فهو خارج بالاتفاق وإن علم ذلك برؤية الساجدين، ولا يتأكد في حقّ السامع تأَكُّده في حقّ المستمع؛ لقول ابن عباس: (السجدة لمن استمع) رواه البيهقي، وعلقه البخاري بصيغة الجزم عن عثمان، وعمران بن الحصين رضي الله عنهما 4.
وَإِنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ.. سَجَدَ الإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ لِقِرَاءَتِهِ فَقَطْ، وَالْمَأْمُومُ لِسَجْدَةِ إِمَامِهِ، فَإِنْ سَجَدَ إِمَامُهُ فَتَخَلَّفَ، أَوِ انْعَكَسَ.. بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. وَمَنْ سَجَدَ خَارِجَ الصَّلَاةِ.. نَوَي وَكَبَّرَ لِلإِحْرَامِ رَافِعًا يَدَيهِ، ثُمَّ لِلْهُوِيِّ بِلَا رَفْعٍ، وَسَجَدَ كَسَجْدَةِ الصَّلَاةِ وَرَفَعَ مُكَبِّرًا وَسَلَّمَ. وَتَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ شَرْط عَلَى الصَّحِيحِ،
(وإن قرأ في الصلاة) في محلّ القراءة ولو قبل الفاتحة (.. سجد الإمام والمنفردُ لقراءته فقط) أي: سجد كلٌّ منهما لقراءة نفسه؛ لما سبق، (والمأمومُ لسجدة إمامه) فقط، فلو سجد لقراءة نفسه أو غيرِه.. بَطَلت صلاتُه؛ للمخالفة، ولهذا يُكره قراءة السجدة للمأموم، ولا يكره للإمام كما ستعرفه.
(فإن سجد إمامُه فتخلّف، أو انعكس) بأن سجد دون إمامه (.. بطلت صلاته) للمخالفة، وقيل: لا تبطل في الصورة الثانية، حكاه مُجلِّي.
ولا يُكره للإمام قراءةُ آية سجدة في جهرية، ولا سرية عندنا، إلّا أنه إذا قرأها في السرية.. استحب له تأخيرُ السجود إلى فراغه من الصلاة كما نقله في "الروضة" عن "البحر" وأقره 1.
(ومن سجد خارج الصلاة.. نوى) للحديث المشهور 2، (وكبَّر للإحرام) للاتباع، كما أخرجه أبو داوود بإسناد ضعيف 3، وقياسًا على الصلاة، (رافعًا يديه) كما في تكبيرة الإحرام، ولا يُستحب أن يقوم ثم يكبر على الأصوب في "الروضة" 4، (ثم) كبر (للهُوي بلا رفع) ليديْه (وسجد) سجدةً (كسجدة الصلاة) في صفاتِها المارةِ، (ورفع مكبرًا وسلم) بعد القعود؛ كالصلاة.
(وتكبيرةُ الإحرام شرطٌ على الصحيح) لما سبق، والمراد بالشرط: ما لا بدّ منه؛ إذ النية والسلامُ من الأركان، والثاني: أنها سنةٌ؛ لأن سجودَ التلاوة ليس صلاةً بانفراده حتى يكون له تحرم.
وَكَذَا السَّلَامُ فِي الأَظْهَرِ. وَتشتَرَطُ شُرُوطُ الصَّلَاةِ، وَمَنْ سَجَدَ فِيهَا.. كَبَّرَ لِلْهُوِيِّ وَلِلرَّفْعِ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ
(وكذا السلامُ في الأظهر) قياسًا على التحرم، والثاني: لا يشترط كما لا يشترط ذلك إذا سجد في الصلاة.
وعلى الأول: لا يشترط التشهد في الأصحِّ، بل الأصحُّ في "زيادة الروضة": أنه لا يستحب 1.
وسكت المصنفُ عن النية، والمعروف: وجوبُها، ونقل الرافعي عن "الوسيط" أنها لا تجب، ثم قال: (وهو متأيد بقول الشافعي: وأقلّه: سجدةٌ بلا شروع ولا سلام) 2، وحكاه في "النهاية" وجهًا، وقال: كان شيخي لا يذكر غيرَه، ونَصُّ الشافعي يوافقه 3.
(وتشترط شروطُ الصلاة) كالطهارة وغيرِها؟ لأنها صلاةٌ في الحقيقة، كذا علّله صاحبا "المهذب" و"البحر" 4، ويشترط أيضًا: دخولُ وقت السجود، قال في "شرح المهذب": (بأن يكون قد قرأ الآيةَ أو سمعها)، وفي "الشرحين" و"الروضة" نحوُه 5.
وقضية ذلك: أن سماع الآية بكمالها شرطٌ كالقراءة، حتى لا تكفي كلمةُ السجدة ونحوُها، وحينئذ لو سجد قبل الانتهاء إلى آخر آية السجدة ولو بحرفٍ واحدٍ.. لم يجز، ويشترط أيضًا: الكفُّ عن المفسدات؛ كالكلام والأكلِ والفعلِ؛ فإنّ المصنف لم يَعُدَّها هناك من الشروط.
(ومن سجد فيها) أي: في الصلاة (.. كبر للهُوي وللرفع) لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كلّ خفض ورفع في الصلاة 6، (ولا يرفع يديه)
قُلْتُ: وَلَا يَجْلِسُ لِلاسْتِرَاحَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَقُولُ: (سَجَدَ وَجْهِيَ لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلهِ وَقُوَّتهِ). وَلَوْ كَرَّرَ آيَةً فِي مَجْلِسَيْنِ.. سَجَدَ لِكُلٍّ،
فيهما معًا؛ كما في صلب الصلاة.
وقوله: (وللرفع) من زوائده على "المحرّر" 1.
(قلت: ولا يجلس للاستراحة، والله أعلم) لعدم وروده.
(ويقول: سجد وجهيَ للذي خلقه وصوّره، وشقّ سمعَه وبصره بحوله وقوته) رواه أبو داوود وغيرُه من حديث عائشة، وصححه الترمذي 2.
نعم؛ لم يرد فيه (وصوره)، ولم يذكرها المصنفُ في "التحقيق"، ولكن ثبتت في "مسلم" في سجود الصلاة 3.
ويستحب أيضًا: أن يقول: (اللهم؛ اكتب لي بها عندك أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا، وضع عني بها وِزْرًا، واقبلها 4 مني كما قبلتها من عبدك داوود) رواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم 5.
وفي "الإحياء" يدعو في سجوده بما يليق بالآية المتلوّة، ففي (ألم تنزيل) يقول: (اللهم؛ اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك، وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك، وعلى أوليائك)، ويقول في (الإسراء): (اللهم؛ اجعلني من الباكين إليك، والخاشعين لك)، ونحا نحوه صاحب "البحر" 6.
(ولو كرر آيةً في مجلسين.. سجد لكل) لتجدد السبب بعد توفية الأول
وَكَذَا الْمَجْلِسُ فِي الأَصَحِّ، وَرَكْعَةٌ كَمَجْلِسٍ، وَرَكْعَتَانِ كَمَجْلِسَيْنِ. فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ وَطَالَ الْفَصْلُ.. لَمْ يَسْجُدْ. وَسَجْدَةُ الشُّكْرِ لَا تَدْخُلُ الصَّلَاةَ. وَتسُنُّ لِهُجُومِ نِعْمَةٍ، أَوِ انْدِفَاعِ نِقْمَةٍ، أَوْ رُؤْيَةِ مُبْتَلَىً أَوْ عَاصٍ
ما يقتضيه، (وكذا المجلس في الأصح) لما ذكرناه، والثاني: يكفيه الأولى؛ كما لو كرّرها قبل أن يَسجد للأولى، والثالث: إن طال الفصل.. سجد لكل مرّة، وإلّا.. فلا.
(وركعةٌ كمجلس) وإن طالت (وركعتان كمجلسين) وإن قصرتا؛ نظرًا إلى الاسم، (فإن لم يسجد وطال الفصل.. لم يسجد) لأنه من توابع القراءة، ولا قضاء على الأصحِّ؛ لأنه ذو سبب عارضٍ فلم يقض؛ كالخسوف 1 والاستسقاء، وسواء كان التأخيرُ لعذر أم غيرِه كما اقتضاه إطلاقُ المصنف وغيره.
(وسجدة الشكر لا تَدخل الصلاةَ) لأن سببها ليس له تعلقٌ بالصلاة، بخلاف سجدة التلاوة، فإن فَعلها فيها.. بَطَلت صلاتُه كما نقله في "زيادة الروضة" عن الأصحاب 2.
(وتُسن لِهُجوم نعمةٍ) كحدوث ولد، ومال، وجاه، ونصر على الأعداء، وقدوم غائب، وشفاء مريض، (أو اندفاع نقمةٍ) كنجاة مما ظنّ وقوعه فيه؛ كالهدم والغرق ونحوهما، وكذا حدوثُ المطر عند القحط، وزواله عند خوف التأذي به؛ لثبوت الأحاديث في ذلك.
واحترز بهجوم النعمة: عن استمرارها؛ كالعافية والإسلام، فإنه لا يستحب لها؛ لأنه يؤدي إلى استغراق العمر.
(أو رؤيهِ مبتلىً) في بدنه أو غيره شكرًا لله تعالى على سلامته، (أو عاصٍ) لأن مصيبة الدين أشدّ من مصيبة الدنيا، وقيد في "الكفاية" العاصي بكونه يتظاهر بمعصيته، ونقله عن الأصحاب، وفي معنى الفاسق: الكافر، وبه صرح في "البحر" 3.
وَيُظْهِرُهَا لِلْعَاصِي لَا لِلْمُبْتَلَى. وَهِيَ كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ. وَالأَصَحُّ: جَوَازُهُمَا عَلَى الرَّاحِلَةِ لِلْمُسَافِرِ، فَإِنْ سَجَدَ لِتِلَاوَةِ صَلَاةٍ.. جَازَ عَلَيْهَا قَطْعًا.
(ويُظهرها للعاصي) تعييرًا له لَعلَّه يتوب.
نعم؛ إن خاف فتنةً أو ضررًا.. أخفاها، قاله في "شرح المهذب" 1.
(لا للمبتلَى) لئلا ينكسر قلبُه، وذكر ابن يونس في "شرح التعجيز" أنه يُظهرها للمبتلى إذا كان غيرَ معذور؛ كالمقطوع في السرقة، وفيه نظرٌ؛ لأن المقطوع إن تاب.. فالسجود على البلية خاصة، فلا يظهر، وإن لم يتب.. سجد، وأظهر، ولكنّ السجود إنما هو للمعصية لا للبلية، فإذًا لا تحقيق فيما قاله.
انتهى، قاله الإسنوي 2، وما قاله ابن يونس ذكره القاضي والفوراني 3.
(وهي) أي: سجدة الشكر (كسجدة التلاوة) المفعولة خارجَ الصلاة في كيفيتها وشرائطها كما قاله في "المحرّر" لما مرّ في تلك 4.
(والأصح: جوازهما) أي: سجدةِ التلاوة خارجَ الصلاة، وسجدةِ الشكر (على الراحلة للمسافر) بالإيماء، بخلاف الجنازة على الراجح وإن كان في إقامة كل عليهما إبطال ركنه الأعظم، وهو تمكينُ الجبهة من موضع السجود، والقيام في الجنازة؛ لأن الجنازة تندر فلا يشق النزول لها، ولأن حرمةَ الميت تقتضي النزولَ.
واحترزت بقولي: (بالإيماء) عما لو كان في مرقد، وأتم السجود.. فإنه يجوز قطعًا، والماشي يسجد على الأرض على الصحيح؛ كسجود الصلاة.
(فإن سجد لتلاوة صلاةٍ.. جاز عليها قطعًا) بالإيماء تبعًا للنافلة كسجود السهو، وهذا التفصيل لا يأتي في سجدة الشكر؛ لأنها لا تفعل في الصلاة.
بابٌ [في صلاة النّفل]
صَلَاةُ النَّفْلِ قِسْمَانِ: قِسْم لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً: فَمِنْهُ: الرَّوَاتِبُ مَعَ الْفَرَائِضِ؛ وَهِيَ: رَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَكَذَا بَعْدَهَا وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ،
(باب)
(صلاةُ النفل قسمان) النفل لغة: الزيادة، واصطلاحًا: ما عدا الفرائضَ، سُمِّي بذلك؛ لزيادته على ما فرضه الله تعالى (قسمٌ لا يُسن جماعةً) لمواظبته عليه السلام على فعله فرادى وإن كانت الجماعةُ فيه جائزةً من غير كراهةٍ؛ لاقتداء ابن عباس بالنبي صلى الله عليه وسلم في بيت ميمونةَ في التهجد، متفق عليه 1.
و(جماعة) منصوب على التمييز منقول من المفعول الذي لم يسمّ فاعلُه، لا على الحال، وإلّا.. كان معناه نفي السنة عنه حال كونه في جماعة، وليس كذلك، قاله الإسنوي.
(فمنه: الرواتب مع الفرائض) الرواتب هي التابعةُ للفرائض على المشهور، وقيل: إنها المؤقَّتة بوقت مخصوصٍ؛ فالعيد والضحى والتراويح راتبةٌ على الثاني، لا الأول، والحكمةُ في مشروعية الرواتب: تكميلُ ما نَقَصَ من الفرائض.
(وهي: ركعتان قبل الصبح، وركعتان قبل الظهر، وكذا بعدها وبعد المغرب والعشاء) لحديث ابن عمر: (صليتُ مع النبي صلّى الله عليه وسلم ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين بعد الجمعة) 2 متفق عليه 3، وفي بعض طرقه: (وحدثتني أختي حفصةُ أن النبي
وَقِيلَ: لَا رَاتِبَةَ لِلْعِشَاءِ، وَقِيلَ: أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَقِيلَ: وَأَرْبَع بَعْدَهَا، وَقِيلَ: وَأَرْبَع قَبْلَ الْعَصْرِ. وَالْجَمِيعُ سُنَّةٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الرَّاتِبِ الْمُؤَكَّدِ. وَقِيلَ: رَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ. قُلْتُ: هُمَا سُنَّة عَلَى الصَّحِيحِ، فَفِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" الأَمْرُ بِهِمَا،
صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين خفيفتين بعدما يطلع الفجر) 1. (وقيل: لا راتبة للعشاء) لجواز كون الركعتين بعدها من صلاة الليل 2. (وقيل: أربعٌ قبل الظهر) لأنه عليه السلام كان لا يَدعها، رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها 3. (وقيل: وأربعٌ بعدها) لقوله عليه السلام: "مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا.. حَرَّمَهُ الله عَلَى النَّارِ" رواه الترمذي والحاكم، وصححاه 4. (وقيل: وأربعٌ قبل العصر) للاتباع، كما رواه الترمذي وحسنه 5. (والجميع سنة) راتبة قطعًا؛ لورود ذلك في الأخبار، (وإنما الخلاف في الراتب المؤكَّد) فقيل: الجميع راتب مؤكد، لظاهر ما مرّ من الأدلة، وقيل: المؤكد هو العشرة المذكورة أولًا فقط، للمواظبة عليها، (وقيل: ركعتان خفيفتان قبل المغرب) لما سيأتي، (قلت: هما سنة على الصحيح، ففي "صحيح البخاري" الأمرُ بهما) ولفظ رواية "البخاري" عن عبد الله بن مغفل أن رسول الله صلى الله عليه
وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَع، وَقَبْلَهَا مَا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمِنْه: الْوِتْرُ،
وسلم قال: ("صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ" -قال في الثالثة: - "لِمَنْ شَاءَ" كراهة أن يتخذها الناسُ سنة) 1.
والمراد بالسنة في الحديث: الشريعة اللازمة، نحو: (مضت السنة في كل أربعين جمعة) لا الاستحباب، فإنه ثابت بأول الحديث.
وفي "الصحيحين" من حديث أنس رضي الله عنه: (أن كبار الصحابة كانوا يبتدرون السواري لهما إذا أذن المغرب) 2، وفي رواية لمسلم: (حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد، فيحسب أن الصلاة قد صُليت من كثرة من يصليهما) 3، والثاني: أنهما ليسا بسنة لقول ابن عمر: (ما رأيت أحدًا يصلي الركعتين قبل المغرب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) 4.
وأجيب عنه: بأنه نافٍ وغيرُه مُثبت، خصوصًا أن من أَثبت أكثر عددًا ممن نفى، ومحلّ استحبابها بعد دخول الوقت وقبل الشروع في الإقامة، وإذا قلنا: باستحبابهما.. فليستا من المؤكدة؛ كما قاله الرافعي، بخلاف ما يقتضيه إيرادُ المصنف 5.
(وبعدَ الجمعة أربعٌ) للأمر بذلك في "مسلم" 6، (وقبلها ما قبل الظهر، والله أعلم) فإن أراد الأكمل.. صلّى أربعًا، أو أدناه.. فركعتين؛ لأحاديث في ذلك خاصة وعامة 7.
(ومنه) أي: من القسم الذي لا يسنّ جماعة (الوتر) لما سيأتي، وليس
وَأَقَلُّهُ: رَكْعَةٌ، وَأَكْثَرُهُ: إِحْدَي عَشْرَةَ، وَقِيلَ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ. وَلِمَنْ زَادَ عَلَى رَكْعَةٍ الْفَصْلُ وَهُوَ أَفْضَلُ،
بواجب؛ لحديث: (هل عليّ غيرُها؟ قال: "لَا") 1، وقال ابن المنذر: (لا أعلم أحدًا وافق أبا حنيفة على وجوبه حتى صاحبيه) 2. وقضية كلام المصنف: أنه قسيم للرواتب، لكن جزم في "الشرحين" و"الروضة" في مواضع بأنه قسم منها 3. (وأقله: ركعةٌ) لحديث: "الوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ" رواه مسلم 4، وفي "الكفاية" عن أبي الطيب: أنه يكره الإيتار بركعة 5، (وأكثره: إحدى عشْرةَ) لقول عائشة رضي الله عنها: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة) متفق عليه 6، (وقيل: ثلاثَ عشرةَ) وصححه الرافعي في "شرح المسند" 7؛ لحديث أم سلمة: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر بثلاث عشرة ركعة، فلما كَبِرَ وضعف.. أوتر بسبع) حسنه الترمذي، وقال الحاكم: إنه على شرطهما 8. (ولمن زاد على ركعة الفصلُ) لما رواه ابن حبان: (أنه صلى الله عليه وسلم كان يفصل بين الشفع والوتر بالتسليم) 9، (وهو أفضل) لأن أحاديثَه اكثرُ، كما قاله في "شرح المهذب" 10، ولأنه أكثر عملًا؛ إذ يزيد بالسلام، ثم بالتكبير والنية وغيرهما، قال في "شرح المهذب": (وإذا أوتر بإحدى عشرة فما دونها..
وَالْوَصْلُ بِتَشَهُّدٍ، أَوْ تَشَهُّدَيْنِ فِي الأَخِيرَتَيْنِ. وَوَقْته بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَطُلُوعِ الْفَجْرِ. وَقِيلَ: شَرْطُ الإِيتَارِ بِرَكْعَةٍ: سَبْقُ نَفْلٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ
فالأفضلُ: أن يسلم من كل ركعتين) 1 لما في "الصحيحين": (أنه صلّى الله عليه وسلم كان يصلّي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم بين 2 كل ركعتين، ويوتر بواحدة) 3.
بل الوصل فيما إذا أوتر بثلاث مكروه؛ كما جزم به ابن خيران في "اللطيف"، وقيل: الوصل أفضل؛ خروجًا من خلاف أبي حنيفة؛ فإنه لا يصحح الفصل.
(والوصلُ) أي: ولمن زاد على ركعة الوصل أيضًا (بتشهدٍ، أو تشهدين في) الركعتين (الأخيرتين) لثبوت كل منهما في "مسلم" عن فعله صلى الله عليه وسلم 4.
وأفهم منعَ أكثر من تشهدين في الوصل، وهو الأصحُّ؛ إذ لم يرد، ومنعَ كون التشهدين في غير الأخيرتين، حتى لو أوتر بإحدى عشرة، وتشهد في التاسعة والحادية عشر.. بطل، وهو قضية كلام الرافعي وغيره؛ إذ لم يرد.
ويندب لمن أوتر بثلاث أن يقرأ في الأولى: (سبح)، وفي الثانية: (قل يا أيها الكافرون)، وفي الثالثة: (قل هو الله أحد) و (المعوذتين) لحديث حسن فيه 5.
(ووقته: بين صلاة العشاء وطلوع الفجر) بالإجماع، ووقته المختار: إلى نصف الليل، والباقي وقتُ جواز، قاله المَحاملي، وسيأتي ما يخالفه، (وقيل: شرط الإيتارِ بركعةٍ: سبقُ نفلٍ بعد العشاء) بناءً على أن الوتر يوتر النفل قبله، والأصحُّ: أنه لا يشترط، بل يكفي كونه وترًا لما قبله فرضًا كان أو سنة.
وَيُسَنُّ جَعْلُهُ آخِرَ صلَاةِ اللَّيْلِ، فَإِنْ أَوْتَرَ ثُمَّ تَهَجَّدَ.. لَمْ يُعِدْهُ، وَقِيلَ: يَشْفَعُهُ بِرَكْعَةٍ ثم يُعِيدُهُ. وَيُنْدَبُ الْقُنُوتُ آخِرَ وِتْرِهِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيلَ: كُلَّ السَّنَةِ،
(ويسن جعلُه آخرَ صلاةِ الليل) لقوله صلى الله عليه وسلم: "اجْعَلُوا آخِرَ صلَاتِكُمْ مِنَ اللَّيْلِ وِتْرًا" متفق عليه 1، فإن كان له تهجد.. أخّر الوتر إلى أن يتهجد، وإلّا.. أوتر بعد فريضة العشاء وراتبتها، كذا أطلقاه في "الروضة" و"أصلها" 2. وقال في "شرح المهذب": إذا لم يكن له تهجدٌ ووثق باستيقاظه آخر الليل.. استحب تأخيره؛ ليفعله في آخر الليل؛ لأحاديثَ صحيحةٍ فيه 3. (فإن أَوتر ثم تهجد.. لم يُعده) لحديث: "لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ" رواه أبو داوود وصححه ابن حبان 4، (وقيل: يَشفَعه بركعة) أي: يصلي ركعة حتى يصير وتره شفعًا، ثم يتهجد ما شاء، (تم يُعيده) ليقع الوتر آخر صلاته، وكان ابن عمر وغيره يفعلون ذلك 5، ويسمى هذا: نقض الوتر، وذكر في "الإحياء": أنه صح النهي عن نقض الوتر 6. (ويُندب القنوتُ آخرَ وتره في النصف الثاني من رمضان) كذا رواه الترمذي عن علي، وأبو داوود عن أبي بن كعب 7، (وقيل: كلَّ السنة) لإطلاق حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما، قال: (علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر -أي: في قنوت الوتر- اللهم؛ اهدني فيمن هديت... ) إلى آخر ما تقدم في قنوت الصبح، كذا رواه أصحابـ "السنن" الأربع بإسناد على شرط
وَهُوَ كَقُنُوتِ الصُّبْحِ، وَيَقُولُ قَبْلَهُ: (اللَّهُمَّ؛ إِنَّا نَسْتَعِينُكَ وَنَسْتَغْفِرُكَ... ) إِلَى آخِرِهِ
الصحيح 1، وهذا الوجه اختاره في "التحقيق"، وقال في "شرح المهذب": إنه قوي 2. (وهو كقنوت الصبح) في لفظه ومحله والجهر به واقتضاء السجود بتركه ورفع اليدين وغيره، (ويقول قبله: اللهم؛ إنا نستعينك ونستغفرك... إلى آخره) أي: (ونَستهديك، ونؤمن بك، ونَتوكل عليك، ونُثني عليك الخيرَ كلَّه، نَشكرك ولا نَكفرك، ونَخلع ونَترك من يَفجرك، اللهم؛ إيّاك نعبد، ولك نُصلّي ونَسجد، وإليك نَسعى ونَحفد، نَرجو رحمتك ونَخشى عذابك، إنّ عذابك الجدّ بالكفار مُلحق)، هذا ما ذكره في "المحرّر"، ورواه البيهقي بنحوه 3، وذكر مثله في "الشرح" ثم قال: وزاد فيه أبو الطيب وغيره: (اللهم؛ عَذِّب كفرةَ أهل الكتاب الذين يَصدُّون عن سبيلك، ويُكذِّبون رسلك، ويُقاتلون أولياءك، اللهم؛ اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وأَصلح ذاتَ بينهم، وأَلِّف بين قلوبِهم، واجعل في قلوبهم الإيمانَ والحكمةَ، وثَبِّتهم على ملة رسولك، وأوزعهم أن يُوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوِّك وعدوِّهم، إله الحق؛ واجعلنا منهم) 4. قال في "الروضة": (وينبغي أن يقول: اللهم؛ عَذِّب الكفرةَ؛ للحاجة إلى التعميم في زماننا) 5، وأشار بذلك إلى إدخال التتار، فإنهم كانوا قد استولوا على كثير من أقاليم المسلمين.
قُلْتُ: الأَصَحُّ: بَعْدَهُ، وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ تندَبُ فِي الْوِتْرِ عَقِبَ التَّرَاوِيحِ جَمَاعَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمِنْهُ: الضُّحَى، وَأَقَلُّهُ: رَكْعَتَانِ، وَأَكْثَرُهُ: ثِنْتَا عَشْرَةَ
(قلت: الأصح) أنه يقول ذلك (بعدَه) قال في "الروضة": (لأن قنوت الصبح ثابتٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم في الوتر) 1، فكان تقديمه أولى، ومحل الجمع بينهما: إذا كان منفردًا أو إمامًا لمحصورين رضوا بالتطويل بهما، وإلَّا.. اقتصر على قنوت الصبح، قاله في "شرح المهذب" في (صفة الصلاة) 2.
(وأنّ الجماعةَ تُندب في الوتر عقب التراويح جماعةً، والله أعلم) لنقل الخلف ذلك عن السلف.
نعم؛ لو كان له تهجد.. لم يوتر معهم، بل يؤخّره إلى ما بعد التهجد، ذكره في "شرح المهذب" 3، وأفهم كلام المصنف: أنه لا تسُنّ الجماعةُ في وتر غير رمضان، وهو كذلك كسائر السنن، وأفهم أيضًا: عدم استحباب الجماعة في الوتر إذا صلّى التراويح في غير جماعة، وليس كذلك؛ بل استحبابها فيه دائرٌ مع استحبابها في التراويح؛ كما اقتضاه كلام الرافعي 4، لا مع فعلها فيها.
(ومنه) أي: ومن القسم الذي لا يسن جماعةً: (الضحى، وأقلّه 5: ركعتان) لحديث أبي هريرة: (أوصاني خليلي بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أُوتر قبل أن أنام) متفق عليه 6.
(وأكثره: ثنتا عشرة) ركعة؛ لقوله عليه السلام لأبي ذر: "إِنْ صَلَّيْتَ الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً.. بَنَى الله لَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ" رواه البيهقي، وقال: في إسناده نظر 7، وضعفه في "شرح المهذب" 8.
وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَانِ،
وما جزم به المصنف تبع فيه "المحرّر"، وجزم [به] في "الشرح الصغير"، والمصنف في "الروضة" أيضًا، ونقله الرافعي في "الشرح الكبير" عن الروياني 1.
وقال في "شرح المهذب": وأكثره: ثمان ركعات، قاله الأكثرون، وقال الروياني والرافعي ثنتا عشرة ركعة، وذكر في "التحقيق" نحوَه، قال في "المهمات": وقد ظهر لك بذلك أن المذكور في "الروضة" و"المنهاج" ضعيفٌ مخالفٌ لما عليه الأكثرون انتهى 2.
(و) منه (تحيةُ المسجد) وهي (ركعتان) لحديث: "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ.. فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ" متفق عليه 3، وقضية الحديث: تقييد الاستحباب بمن أراد الجلوس، وبه صرح الشيخ نصر المقدسي في "المقصود".
ويستثنى من إطلاق المصنف مسائل: منها: ما لو دخل وقد أقيمت الصلاة، أو قربت إقامتُها، أو بعد فراغ الخطيب من خطبة الجمعة، وما لو دخل الخطيب وقد حانت الخطبةُ على الأصحِّ، وفي "الروضة" عن المَحاملي وأقره: كراهةُ التحية إذا دخل والإمام في مكتوبة، أو دخل المسجد الحرام فإنه يبدأ بالطواف 4، ومنها: عند خوف فوت سنة راتبة؛ كما قاله في "الرونق"، ويؤيده ما ذكره في "الروضة" في (الحج) أنه يؤخر طواف القدوم إذا خشي فوت سنة مؤكدة، وكلام المصنف يقتضي منع الزيادة على ركعتين، لكن في "شرح المهذب" عن الأصحاب: أنه يجوز فعل التحية مئة ركعة بتسليمة 5
واعلم: أن التحيات أربعٌ: تحية المسجد بالصلاة، والبيت بالطواف، والحرم بالإحرام، ومنى بالرمي.
وَتَحْصُلُ بِفَرْض أَوْ نَفْلٍ آخَرَ، لَا رَكْعَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ. قُلْتُ: وَكَذَا الْجِنَازَةُ، وَسَجْدَةُ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ، وَتتَكرَّرُ بِتكرُّرِ الدُّخُولِ عَلَى قُرْبٍ فِي الأَصحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَدْخُلُ وَقْتُ الرَّوَاتِبِ قَبْلَ الْفَرْضِ بِدُخُولِ وَقْتِ الْفَرْضِ، وَبَعْدَهُ بِفِعْلِهِ، وَيَخْرُجُ النَّوْعَانِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْفَرْضِ. وَلَوْ فَاتَ النَّفْلُ الْمُؤَقَّتُ.. نُدِبَ قَضَاؤُهُ فِي الأَظْهَرِ
(وتحصل بفرضٍ أو نفلٍ آخر) وإن لم ينوها معه؛ لحصول المقصود، وهو أنه لم ينتهك حرمةَ المسجد بالجلوس فيه من غير صلاة، (لا ركعةٍ) أي: لا تحصل التحية بركعة (على الصحيح) للحديث المارّ 1، والثاني: تحصل؛ لحصول الإكرام.
(قلت: وكذا الجنازةُ، وسجدةُ تلاوةٍ وشكرٍ) لا تحصل التحية بها على الصحيح؛ لما ذكرناه في الركعة، (وتتكرر بتكرر الدخولِ على قربٍ في الأصح، والله أعلم) لتجدد السبب، والثاني: لا؛ للمشقة، فإن طال الفصلُ.. تكررت قطعًا؛ لزوال المشقة.
(ويدخل وقتُ الرواتب) التي (قبل الفرض بدخول وقتِ الفرضِ، و) التي (بعده بفعله، ويخرج النوعان) أي: الذي قبل الفرض وبعده (بخروج وقتِ الفرضِ) لأنهما تابعان له.
نعم؛ يخرج وقت الاختيار للراتبة المقدمة بفعل الفرض، ويبقى وقت الجواز.
(ولو فات النفلُ المؤقتُ.. نُدب قضاؤُه في الأظهر) للاتباع، فإنه صلى الله عليه وسلم قضى سنة الظهر بعد العصر، متفق عليه 2، وقضى ركعتي الفجر لما نام في الوادي إلى أن طلعت الشمس، رواه أبو داوود 3، وروى أيضًا بإسناد حسن: "مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ أَوْ نَسِيَهُ.. فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهُ" 4، والثاني: لا يقضى؛ كغير المؤقت، والثالث: إن لم يتبع غيره؛ كالعيد والضحى.. قضي؛ لمشابهته للفرائض في الاستقلال، وإن تبع؛ كالرواتب.. فلا.
وَقِسْم يُسَنُّ جَمَاعَة كَالْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَالاسْتِسْقَاءِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِمَّا لَا يُسَنُّ جَمَاعَةً، لَكِنِ الأَصَحُّ: تَفْضيلُ الرَّاتِبَةِ عَلَى التَّرَاوِيحِ، وَأَنَّ الْجَمَاعَةَ تسُنُّ فِي التَّرَاوِيحِ. وَلَا حَصْرَ لِلنَّفْلِ الْمُطْلَقِ،
وخرج بـ (المؤقت): ما شرع لسبب عارض؛ ككسوف وتحية، فإنه لا مدخل للقضاء فيه.
نعم؛ لو اعتاد تهجدًا ثم فات.. ندب قضاؤه، وكذا إفساد صلاة التطوع غير المؤقت.
(وقسم يُسن جماعةً كالعيد والكسوفِ والاستسقاءِ) لما يأتي في أبوابها، (وهو أفضل مما لا يُسن جماعة) لتأكد أمرها بمشروعية الجماعة فيها، (لكن الأصح: تفضيل الراتبة على التراويح) لمواظبته عليه السلام عليها، دون التراويح، والثاني: أن التراويح أفضلُ؛ قياسًا على العيد ونحوه مما تستحب فيه الجماعة.
(وأن الجماعة تُسن في التراويح) لفعله صلى الله عليه وسلم، ونقل ابن الصباغ إجماع الصحابة على ذلك 1، وإنما صلاها عليه السلام بعد ذلك فرادى؛ لخشية الافتراض؛ أي: لخشية توهمه، وقد زال ذلك المعنى، والثاني: أن الانفراد فيها أفضل؛ كسائر النوافل، والثالث: إن كان حافظًا للقرآن آمنًا من الكسل، ولم تختل الجماعة بتخلفه.. فانفراده أفضل، وإلّا.. فالجماعة، وزاد في "البحر" في هذه الشروط على هذا الوجه: أن يصلي في بيته أطول من صلاة الإمام 2، وعبارة غيره: أن يقرأ في بيته أكثرَ، وهذه المسألة أصل الأولى، فلو قدمها.. كان أولى.
(ولا حصرَ للنفل المطلق) أي: لا حصر لعدده، ولا لعدد ركعات النافلة الواحدة منه؛ لقوله عليه السلام لأبي ذر: "الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ، فاسْتكثِرْ أَوْ أَقِلَّ" رواه ابن حبان في "صحيحه" 3، فإن نوى ركعةً أو أكثر.. جاز، وإن لم ينو شيئًا.. صح، وصلّى ما شاء على الأصحِّ.
فَإِنْ أَحْرَمَ بِأَكْثَرَ مِنْ رَكْعَةٍ.. فَلَهُ التَّشَهُّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: مَنْعُهُ فِي كُل رَكْعَةٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وإِذَا نَوَى عَدَدًا.. فَلَهُ أَنْ يَزِيدَ وَيَنْقُصَ بِشَرْطِ تغيِيرِ النّيَّةِ قَبْلَهُمَا، وَإِلَّا.. فَتبطُلُ. فَلَوْ نَوَى رَكْعَتينِ فَقَامَ إِلَى ثَالِثَةٍ سَهْوًا.. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَقْعُدُ ثُمَّ يَقُومُ لِلزيَادَةِ إِنْ شَاءَ. قُلْتُ: نَفْلُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ،
(فإن أحرم بأكثرَ من ركعة.. فله التشهد في كل ركعتين) كما في الفرائض الرباعية، وكذا في كل ثلاث وكل أربع؛ كما قاله في "التحقيق" و"شرح المهذب" 1، وفي وجه: لا يزيد على تشهدين، وقواه في "شرح المهذب" 2، واختاره السبكي، ولا يجوز أن يكون بين التشهدين أكثر من ركعتين إن كان العدد شفعًا، وإن كان وترًا.. لم يجز بينهما أكثر من ركعة.
(وفي كل ركعةٍ) لأن له أن يصلّي ركعة ويتحلل عنها، وإذا جاز له ذلك.. جاز له القيامُ إلى أخرى، (قلت: الصحيح: منعه في كل ركعة، والله أعلم) لأنا لا نجد في الفرائض صلاةً على هذه الصورة، وإذا صلّى بتشهد واحد.. قرأ السورة في الركعات كلّها، وإن صلّى بتشهدين.. ففي القراءة فيما بعد التشهد الأول القولان في الفرائض.
(وإذا نوى عددًا.. فله أن يزيد ويَنقُص بشرط تغييرِ النيةِ قبلَهما) أي: قبل الزيادة والنقصان؛ لأنه لا حصر للنفل المطلق كما مرّ، وكذا إذا نوى ركعةً.. فله أن يزيد بهذا الشرط، (وإلّا) أي: وإن لم يغير النية قبلهما (.. فتبطل) الصلاة بذلك؛ لأن الذي أحدثه لم تشمله نيته.
(فلو نوى ركعتين فقام إلى ثالثةٍ سهوًا.. فالأصح: أنه يَقعُد ثم يقوم للزيادة إن شاء) الزيادة، ثم يسجد للسهو في آخر صلاته، لأن القيام على وجه السهو لا يعتد به؛ كما لو قام القاصر سهوًا ثم نوى الإتمام.. فإنه يلزمه القعودُ وإن كان فيه أيضًا وجهٌ شاذٌ، والثاني: لا يحتاج إلى القعود؛ لأن القيام في النافلة ليس بشرط.
(قلت: نفل الليل) المطلق (أفضلُ) من النفل المطلق بالنهار، لحديث: "أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرَائِضِ صَلَاةُ اللَّيْلِ"، وحديث: "إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا
وَأَوْسَطُهُ أَفْضَلُ، ثُمَّ آخِرُهُ، وَأَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، ويُسَنُّ التَّهَجُّدُ
رجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ الله تَعَالَى خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ" رواهما مسلم 1، ولأن الليل محلُّ الغفلة.
(وأوسطُه أفضلُ) من طرفيه إذا قسمه أثلاثًا؛ لأن الغفلة فيه أكثرُ، وأفضل منه: السدسُ الرابع والخامس؛ كما قاله في "الروضة" وغيرها، لما في "الصحيحين": "أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى الله تَعَالَى صَلَاةُ دَاوُودَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ" 2، والمعنى فيه مع مراعاة ما سبق من الغفلة: أن النوم المتقدم فيه على التهجد أكثرُ مما سبق، فيكون أنشط له.
(ثم آخرُه) أفضل من الثلث الأول، ومن النصف الأول أيضًا؛ لأن الله تعالى حَثَّ على الاستغفار بالأسحار، فقل: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾، وقال: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾، فهو محلُّ الرحمة والمغفرة، ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾، وسببه: أن أهل المعاصي تنتهي معصيتُهم غالبًا قبل السحر.
(و) الأفضل (أن يُسلِّم من كل ركعتين) ليلًا كان أو نهارًا؛ لحديث: "صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى" متفق عليه 3، وفي "السنن" الأربعة: "صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى" وصححه ابن حبان وغيره، وقال البيهقي: إن البخاري سئل عنه فصححه 4.
(ويُسن التهجد) بالإجماع، واستنبط أبو الوليد النيسابوري من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ أن المتهجد يشفع في أهل بيته، والتهجد لغة: رفع النوم بالتكلف، وفي الاصطلاح: صلاة التطوع في الليل بعد النوم، قاله القاضي
وَيُكْرَهُ قِيَامُ كُلِّ اللَّيْلِ دَائِمًا، وَتَخْصِيصُ لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ بقِيَامٍ، وَتَرْكُ تَهَجُّدٍ أعْتَادَهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
الحسين 1، وقال الماوردي: هو من الأضداد، يقال: تهجد: إذا سهر، وتهجد: إذا نام 2.
(ويكره قيام كل الليل دائمًا) لأنه مضرٌّ للعين، ولسائر البدن، وقد قال عليه السلام لعبد الله بن عمرو بن العاص: "صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا... " إلى آخر الحديث، متفق عليه 3.
وهذا فيمن يجد به مشقةً يخاف منها محذورًا، وإلّا.. فيستحب، لاسيما المتلذذ بمناجاة ربه، ومن يشق عليه ولا يخاف منه محذورًا.. لم يكره له، ورِفقه بنفسه أولى، قاله المحب الطبري.
وخرج بقوله: (دائمًا) ما لو أحيا بعض الليالي، كالعشر الأخير من رمضان، وليلتي العيد.. فإنه لا يكره بل يندب؛ للاتباع 4.
(وتخصيصُ ليلةِ الجمعةِ بقيام) للنهي عنه، كما أخرجه مسلم 5، (وتركُ تهجدٍ اعتاده، والله أعلِم) لقوله عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمرو بن العاص: "لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَان يَقُومُ اللَّيْلَ ثمَّ تَرَكَهُ" متفق عليه 6.