بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 477-516

باب زكاة الحيوان

إِنَّمَا تَجِبُ مِنْهُ في النَّعَمِ -وَهِيَ: الإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ- لَا الْخَيْلُ وَالرَّقِيقُ، وَالْمُتَوَلِّدُ مِنْ غَنَمٍ وَظِبَاءٍ

(كتاب الزكاة) هي لغة: النمو والبركة، يقال: زكا الزرع: إذا نما، ويطلق على المدح؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وعلى التطهير؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ أي: طهرها عن الأدناس، وفي الشرع: اسم لقدر من مال مخصوص، يُصرف لطائفة مخصوصة، على أوصاف مخصوصة، وسمي بذلك؛ لأن المال ينمو ببركة إخراجه، ويُطهِّر مُخرجَه من الإثم، ويَمدحه حين يشهد له بصحة الإيمان.
والأصل في وجوبها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، ومن السنة: حديث: "بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ" 1، وغير ذلك مما يأتي مُفرَّقا.

(باب زكاة الحيوان) بدأ به؛ اقتداء بكتاب الصديق الذي كتبه لأنس رضي الله عنهما، وقد أخرجه البخاري بطوله مُفرَّقا 2. (إنما تجب منه في النعم، وهي: الإبل والبقر) الأهلية (والغنم) أما وجوبها في هذه الثلاثة.. فمجمع عليه، وأما عدم الوجوب فيما عداها.. فعلى الأصل (لا الخيل والرقيق) إذا لم تكن للتجارة 3؛ لحديث: "لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ في عَبْدهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ" متفق عليه 4، (والمتولد من غنم وظباء) لأنها لا تُسمّى غنمًا، وإنما

وَلَا شَيْءَ في الإِبِلِ حَتَّى تبلُغَ خَمْسًا، فَفِيهَا: شَاةٌ، وَفِي عَشْرٍ: شَاتَانِ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ: ثَلَاثٌ، وَعِشْرِينَ: أَرْبَعٌ، وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ: بِنْتُ مَخَاضٍ، وَلسِتٍّ وَثَلَاثِينَ: بِنْتُ لَبُونٍ، وَلسِتٍّ وَأَرْبَعِينَ: حِقَّةٌ، وَإِحْدَى وَسِتِّينَ: جَذَعَةٌ، وَسِتٍّ وَسَبْعِينَ: بِنْتَا لَبُونٍ، وَإِحْدَى وَتسْعِينَ: حِقَّتَانِ، وَمِئَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ: ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، ثُمَّ في كُلِّ أَرْبَعِينَ: بِنْتُ لَبُونٍ، وَكُلِّ خَمْسِينَ: حِقَّة. وَبِنْتُ الْمَخَاضِ: لَهَا سَنَةٌ،

وجب الجزاء فيه على المحرم؛ تغليظًا، والزكاةُ مبنية على التخفيف.
(ولا شيء في الإبل حتى تبلغ خمسًا) لحديث: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ 1 مِنَ الإبِلِ صَدَقَة" متفق عليه 2. (ففيها شاة، وفي عشر شاتان، وخمس عشرة ثلاث، وعشرين أربع، وخمس وعشرين بنت مخاض، وست وثلاثين بنت لبون، وست وأربعين حقة، وإحدى وستين جذعة، وست وسبعين بنتا لبون، وإحدى وتسعين حقتان، ومئة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، ثم في كل أربعين بنت لبون، وكل خمسين حقة) لكتاب الصديق رضي الله عنه في ذلك.
وقوله: (ثم في كل أربعين... ) إلى آخره قد يقتضي أن استقامة الحساب بذلك إنما يكون فيما بعد مئة وإحدى وعشرين، ولشى كذلك، بل يتغير الواجب بزيادة تسع، ثم بزيادة عشر؛ ففي مئة وثلاثين بنتا لبون وحقة، وفي مئة وأربعين حقتان وبنت لبون، وفي مئة وخمسين ثلاث حقاق، وهكذا أبدًا، ولو أخرج بنتي لبون عن الحقة في ستة وأربعين، أو أخرج حقتين، أو بنتي لبون بدلًا عن الجذعة في إحدى وستين.. جاز على الصحيح في "زيادة الروضة" 3 لأنهما يجزئان عما زاد.
(وبنت المخاض: لها سنة) ودخلت في الثانية؛ لأن أمها آن لها أن تحمل مرة

واللَّبُونِ: سَنَتَانِ، وَالْحِقَّةُ: ثَلَاثٌ، وَالْجَذَعَةُ: أَرْبَع. وَالشَّاةُ الْوَاجبَةُ: جَذَعَةُ ضَأْنٍ لَهَا سَنَة -وَقِيلَ: سِتةُ أَشْهُرٍ- أَوْ: ثَنِيَّةُ مَعْزٍ لَهَا سَنَتَانِ، وَقِيلَ: سَنَةٌ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا، وَلَا يَتَعَيَّنُ غَالِبُ غَنَمِ الْبَلَدِ،

أخرى، فتصير ماخضًا؛ أي: حاملًا؛ كما قاله الجوهري 1. (واللبون: سنتان) وطعنت في الثالثة، سميت بذلك؛ لأن أمها قد آن لها أن تضع ثانيًا، ويصير لها لبن.
(والحقة: ثلاث) وطعنت في الرابعة، سميت بذلك؛ لأنها استحقت أن تُركَب وتَحمل، وأن يَطرُقها الفحلُ، ويقال: للذكر حِقّ؛ لأنه استحق أن يَطرُق.
(والجذعة: أربع) وطعنت في الخامسة، سميت بذلك؛ لأنها تُجذع مُقدَّم أسنانها؛ أي: تسُقطها، وقيل: لتكامل أسنانها.
وهذا آخر أسنان الزكاة، وهو نهاية الحسن من حيث الدَّرُّ والنسلُ.
(والشاة الواجبة) فيما دون خمس وعشرين (جذعة ضأن لها سنة، وقيل: ستة أشهر (وقيل: إن المتولد بين شاتين يُجذع لستة أشهر إلى سبعة، وبين هَرِمين لثمانية.
(أو ثنية معز لها سنتان، وقيل: سنة) ووجه عدم إجزاء ما دون هذين السِّنَّين الإجماع، وغلط من قال: يجزئ هنا ما ينطلق عليه اسمُ شاة؛ كما قاله الدارمي.
(والأصح: أنه مخير بينهما) أي: بين الضأن والمعز.
(ولا يتعين غالب غنم البلد) لحديث: "في كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ" 2، والشاة تطلق على الضأن والمعز.
نعم؛ لا يجوز الانتقال عن غنم البلد إلى غنم بلد آخر إلا إذا كان مساويًا لها في القيمة، أو أعلى منها، فإذا كان بمكة.. فشاة مكية، أو ببغداد.. فبغدادية ضأنية أو ماعزة، والثاني: يتعين غالب غنم البلد؛ كالكفارة، والثالث: يتعين نوع غنم

وَأَنَّهُ يُجْزِئُ الذَّكَرُ، وَكَذَا بَعِيرُ الزَّكَاةِ عَنْ دُونِ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ. فَإِنْ عَدِمَ بِنْتَ الْمَخَاضِ.. فَأبْنُ لَبُونٍ،

المُزكِّي، وقيل: يجوز من غير غنم البلد مطلقًا، قال في "شرح المهذب": وهو قوي دليلًا شاذّ نقلًا 1. (وأنه يجزئ الذكر) أي: الجذع من الضأن، والثنيّ من المعز؛ كالأضحية؛ لصدق اسم الشاة عليه؛ فإن (الهاء) فيه ليست للتأنيث، والثاني: لا؛ كالشاة المخرجة من أربعين من الغنم، وقيل: إن تمحضت إبلُه ذكورًا.. جاز، وإلا.. فلا.
(وكذا بعير الزكاة عن دون خمس وعشرين) وإن نقصت قيمته عن قيمة الشاة؛ لأنه يجزئ عن خمس وعشرين، فعما دونها أولى، والثاني: لا يجزئ عن خمس إن نقصت قيمتُه عن قيمة شاة، ولا عن عشر إن نقصت عن قيمة شاتين وهكذا، نظرًا إلى أن الشاة أصل، والبعيرَ بدل عنها، والثالث: لا يجزئ في العشر إلا حيوانان: شاتان، أو بعيران، أو شاة وبعير، ولا في الخمسة عشر إلا ثلاثة، ولا في العشرين إلا أربعة.
وقوله: (بعير الزكاة) من زياداته على "المحرر" 2 واحترز به: عمّا لا يجزئ فيها، فلو كان ابن سنة إلا يومًا.. لم يُجْزِ، كما قاله في "الدقائق" 3. قال في "شرح المهذب": ولا بدّ أن يكون أنثى 4؛ أي: فلا يجزئ ابن اللبون هنا وإن أجزأ هناك في حالة (فإن عدم بنت المخاض) بأن لم تكن في إبله حالة الإخراج (فابن لبون) وإن نقصت قيمته عنها؛ للنص فيه 5. ولا يكلف شراء بنت مخاض وإن قدر عليها، بخلاف الكفارة؛ لأن الزكاة مبنية على التخفيف، بخلافها.

وَالْمَعِيبَةُ كَمَعْدُومَةٍ. وَلَا يُكَلَّفُ كَرِيمَةً لكِنْ تَمْنَعُ ابْنَ لَبُونٍ في الأَصَحِّ. وَيُؤْخَذُ الْحِقُّ عَنْ بِنْتِ مَخَاضٍ، لَا عَنْ بِنْتِ لَبُونٍ في الأَصَحِّ

والمغصوبة والمرهونة كالمعدومة؛ كما في "شرح المهذب" عن الدارمي وغيره 1. ويجزئ الخنثى من أولاد اللبون على الأصحِّ، ولا يجزئ الخنثى من أولاد المخاض قطعًا.
ولو عدم بنت المخاض وعنده ابن لبون وبنت لبون؛ فإن أخرج ابن اللبون.. جاز، وإن أخرج بنت اللبون من غير جبران.. جاز، فإن أراد أخذ الجبران.. لم يجز في الأصحِّ؛ لاستغنائه عنه، ولو فقد ابن اللبون مع بنت المخاض.. اشترى ما شاء منهما، وقيل: يتعين شراء بنت المخاض؛ لأن استواءهما في العلم كاستوائهما في الوجود.
(والمعيبة كمعدومة) لأنها غير مجزئة؛ فيجوز إخراج ابن اللبون مع وجودها.
(ولا يكلف كريمةً) أي: إذا كانت إبلُه مهازيلَ، وعنده بنت مخاض كريمةٌ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ" متفق عليه 2. (لكن تمنع) الكريمة (ابن لبون في الأصح) لوجود بنت مخاض مجزئة في ماله، والثاني: لا تمنع؛ لأنه لا يلزمه إخراجُها، فهي كالمعدومة.
(ويؤخذ الحق عن بنت مخاض) عند فقدها؛ لأنه أولى من ابن اللبون، (لا عن بنت لبون في الأصح) بخلاف ابن اللبون حيث أجزأ عن بنت المخاض؛ لورود النص ثَمَّ، وليس هذا في معناه؛ لأن زيادة سنّ ابن اللبون علي بنت المخاض زيادةٌ توجب اختصاصه بقوة ورود الماء والشجر والامتناع من صغار السباع.
والتفاوت بين بنت اللبون والحِقّ لا يوجب اختصاص الحِقّ بهذه القوة، بل هي موجودة فيهما جميعًا، والثاني: يؤخذ؛ قياسًا على أخذ ابن اللبون عن بنت المخاض.

وَلَوِ اتّفَقَ فَرْضَانِ كَمِئَتَيْ بَعِيرٍ.. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ أَرْبَعُ حِقَاقٍ، بَلْ هُنَّ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ، فَإِنْ وُجِدَ بِمَالِهِ أَحَدُهُمَا.. أُخِذَ، وَإِلَّا.. فَلَهُ تَحْصِيلُ مَا شَاءَ -وَقِيلَ: يَجِبُ الأَغْبَطُ لِلْفُقَرَاءِ- وإِنْ وَجَدَهُمَا.. فَالصَّحِيحُ: تَعَيُّنُ الأَغْبَطِ،

(ولو اتفق فرضان كمئتي بعير.. فالمذهب: أنه لا يتعين أربع حقاق، بل هنّ، أو خمس بنات لبون) لقوله عليه الصلاة والسلام: "فَإِذَا كَانَتْ مِئَتينِ.. فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ، أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ، أَيُّ السِّنَّيْنِ وُجِدَتْ.. أُخِذَتْ" رواه أبو داوود 1. وفي قول: تتعين الحقاق؛ لأن تغيير الواجب بالسنّ أكثر من تغييره بالعدد، فكان الاعتبار بالسن أولى، ألا ترى أن الشارع ترقى في نُصُبها إلى منتهى الكمال في الأسنان، وهي الجذعة، ثم عدل بعد ذلك إلى زيادة العدد، فأشعر ذلك بزيادة الرغبة فيه، والطريق الثاني: القطع بالأول، وتأويل الثاني على ما إذا لم توجد الحقاق.
(فإن وجد بماله أحدهما أخذ) وإن كان المفقود أغبط، وأمكن تحصيله؛ للحديث السالف، (وإلا) أي: وإن لم يوجد مسألة واحد منهما، أو وجدا مَعيبين (فله تحصيل ما شاء) من النوعين، فإنه إذا حصل أحدهما.. صار واجدًا له دون الآخر، فيجزئه.
(وقيل: يجب الأغبط) أي: تحصيله (للفقراء) 2 لأن استواءهما في العدم كاستوائهما في الوجود، وعند وجودهما يجب إخراج الأغبط؛ كما سيأتي.
(وإن وجدهما) بصفة الإجزاء (فالصحيح: تعين الأغبط) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾، وَالثَّاني -خرجه ابن سُرَيج-: أن المالك بالخيار؛ كما يتخير في الجبران بين الشاة والدراهم، وعند فقد الواجب بين الصعود والنزول، لكن يستحب له إخراج الأغبط إلا أن يكون ولي يتيم ونحوه، فيراعي حظَّه.
والمراد بـ (الأغبط): ما كان فيه مصلحة للفقراء؛ إما لزيادة القيمة، أو لغير ذلك؛ كاحتياجهم إلى الحِقاق؛ لحرث أو حمل ونحوهما؛ كاتبه عليه الرافعي في أثناء الفصل 3.

وَلَا يُجْزِئُ غَيْرُهُ إِنْ دَلَّسَ أَوْ قَصَّرَ السَّاعِي، وَإِلَّا.. فَيُجْزِئُ. وَالأَصَحُّ: وُجُوبُ قَدْرِ التَّفَاوُتِ، وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهُ دَرَاهِمَ، وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ تَحْصِيلُ شِقْصٍ بِهِ. وَمَنْ لَزِمَهُ: بِنْتُ مَخَاضٍ فَعَدِمَهَا وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ.. دَفَعَهَا وَأَخَذَ شَاتينِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَما. أَوْ بِنْتُ لَبُونٍ فَعَدِمَهَا.. دَفَعَ بنْتَ مَخَاضٍ مَعَ شَاتينِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَما، أَوْ حِقَّةً وَأَخَذَ شَاتينِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا

(ولا يجزئ غيره) أي: غير الأغبط (إن دلس) المالك، بأن أخفى الأغبط (أو قصر الساعي) بأن أخذه مع العلم، أو أخذه بلا اجتهاد ونظرٍ في أن الأغبط ماذا؟ (وإلا.. فيجزئ) عن الزكاة، ويحسب منها؛ للمشقة الحاصلة في الردّ، والثاني: يجزئ مطلقًا؛ لأنه يجزئ عند الانفراد فكذا عند الاجتماع، والثالث: لا يجزئ مطلقًا؛ لأنه ظَهَرَ أن المأخوذ غير المأمور به.
(والأصح: وجوب قدر التفاوت) أي: إذا قلنا: إنه يجزئ.. فيجب التفاوت بينه وبين قيمة الأغبط؛ لأنه لم يدفع الفرض بكماله، فوجب جبر نقصه؛ فإذا كانت قيمة الحقاق أربع مئة، وقيمةُ بنات اللبون أربعَ مئة وخمسين، وأخذ الحقاق.. فالتفاوت خمسون، والثاني: لا يجب، بل يستحب؛ لأن المُخرَج محسوب عن الزكاة، فلا يجب معه شيء آخر؛ كما إذا أدّى اجتهادُ الساعي إلى أخذ القيمة؛ بأن كان حنفيًّا، فإنه لا يجب شيء.
(ويجوز إخراجه دراهم) لما في إخراج الشِّقْص من ضرر المشاركة، والمراد: نقد البلد دراهم كان أو دنانير، (وقيل: يتعين تحصيل شقص به) أي: بالتفاوت، لأن العدول في الزكاة إلى غير جنس الواجب ممتنع عندنا، فعلى هذا: يجب أن يشتري به من جنس الأغبط؛ لأنه الأصل، وقيل: من جنس المُخرَج؛ لئلا يتبعض الواجب، فلو كان التفاوت يسيرًا لا يحصل به شِقْص.. دفع النقد؛ للضرورة.
(ومن لزمه بنت مخاض فعدمها، وعنده بنت لبون.. دفعها وأخذ شاتين أو عشرين درهمًا، أو) لزمه (بنت لبون فعدمها.. دفع بنت مخاض مع شاتين، أو عشرين درهمًا، أو حقة وأخذ شاتين أو عشرين درهمًا) هكذا رواه البخاري عن أنس في كتاب

وَالْخِيَارُ في الشَّاتينِ وَالدَّرَاهِمِ: لِدَافِعِهَا، وَفِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ: لِلْمَالِكِ في الأَصَحِّ إِلَّا أَنْ تكُونَ إِبلُهُ مَعِيبَةً. وَلَهُ صُعُودُ دَرَجَتَيْنِ وَأَخْذُ جُبْرَانَيْنِ،

أبي بكر رضي الله عنهما 1. ومحل جواز دفع بنت اللبون عن بنت المخاض إذا عدمها وأخذ الجبران: ما إذا لم يكن عنده ابن لبون، فإن كان عنده.. امتنع ذلك على الأصحِّ.
وقوله: (فعدمها) أي: في ماله وإن أمكنه تحصيلها، واحترز بذلك: عما إذا وجدها.. فإن النزول ممتنع، وكذا الصعود إلا ألا يطلب جبرانًا؛ لأنه خَيْر، وصفة هذه الشاة صفةُ الشاة المخرجة فيما دون خمس وعشرين من الإبل في جميع ما سبق، والمراد بالدراهم: النُّقْرَةُ الخالصة.
(والخيار في الشاتين والدراهم لدافعها) سواء كان المالك أو الساعي؛ لحديث أبي بكر في ذلك.
(وفي الصعود والنزول للمالك في الأصح) لأنهما شُرعا تخفيفًا عليه حتى لا يُكلَّف الشراء، فناسب تخييره، والثاني: إن الاختيار إلى الساعي، ونص عليه في "الأم" 2؛ ليأخذ ما هو الأحظّ للفقراء.
ومحل الخلاف: فيما إذا دفع المالك غير الأغبط، فإن دفعه.. لزم الساعي قبولُه قطعًا.
(إلا أن تكون إبله معيبة) فلا يفوض إلى خيرته، بل إلى الساعي، وقضية كلامه: أنه لا خيرة للمالك حينئذ مطلقًا، وليس كذلك، بل له الخيرة في النزول، وفي الصعود إذا لم يأخذ جبرانًا، وإنما الممتنع الصعود مع طلب الجبران؛ لأن الجبران المذكور للتفاوت بين السنين السليمين، ومعلوم أن التفاوت بين المعيبين دون ذلك، فقد تزيد قيمة الجبران المأخوذ على المعيب المدفوع.
(وله صعود درجتين، وأخذ جبرانين) كما لو وجب عليه بنت لبون فصعد إلى

وَنزولُ دَرَجَتَيْنِ مَعَ جُبْرَانَيْنِ بشَرْطِ تَعَذُّرِ دَرَجةٍ في الأَصَحِّ. وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ جُبْرَانٍ مَعَ ثنَيّةٍ بَدَلَ جَذَعة عَلَى أَحْسَنِ الْوَجْهَيْنِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: الْجَوَازُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا تُجْزِئُ شَاةٌ وَعَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَتُجْزِئُ شَاتَانِ وَعِشْرُونَ لِجُبْرَانَيْنِ

الجذعة عند فقد بنت اللبون والحقة.
(ونزول درجتين مع جبرانين) كما إذا أعطى بدل الحقة بنت مخاض؛ لأن ذلك في معنى ما ثبت في الحديث 1 (بشرط تعذر درجة في الأصح) فلا يصعد عن بنت المخاض إلى الحقة، أو ينزل عن الحقة إلى بنت المخاض إلا عند تعذر بنت اللبون؛ لإمكان الاستغناء عن الجبران الزائد، فأشبه ما لو صعد أو نزل مع إمكان أداء الواجب، والثاني: يجوز؛ لأن الموجود الأقرب ليس واجبَه، فوجوده كعدمه.
نعم؛ لو سعد ورضي بجبران واحد.. جاز قطعًا، وحكمُ الصعود والنزول بثلاث درجات كدرجتين على ما مرّ؛ مثل: أن يعطي عن جذعة بنت مخاض، أو عكسه.
(ولا يجوز أخذ جبران مع ثنية) وهي التي لها خمس سنين وطعنت في السادسة (بدل جذعة) عند عدمها (على أحسن الوجهين) لأنها ليست من أسنان الزكاة، فأشبه ما لو أخرج عن بنت المخاض فصيلًا، وهو: ما له دون سنة، فإن أخرج الثنية ولم يطلب جبرانا.. جاز؛ لأنه زاد خيرًا.
(قلت: الأصح عند الجمهور: الجواز، والله أعلم) لأنها أعلى منها بعام، فجاز؛ كالجذعة مع الحقة.
(ولا تجزئ شاة وعشرة دراهم) عن جبران واحد؛ لأن الخبر يقتضي التخيير بين شاتين وعشرين درهمًا، فلا تثبت خيرة ثالثة؛ كما لا تجوز في الكفارة الواحدة أن يطعم خمسة، ويكسوَ خمسة، ولو كان المالك هو الآخذ، ورضي بالتبعيض.. جاز، فإنه حقُّه، وله إسقاطه أصلًا.
(وتجزئ شاتان وعشرون لجبرانين) كما يجوز إطعام عشرة مساكين في كفارة يمين، وكسوة عشرة في أخرى.

وَلَا شَيْءَ في الْبَقَرِ حَتَّى تبلُغَ ثَلَاثِينَ فَفِيهَا: تبِيع ابْنُ سَنَةٍ، ثُمَّ في كُلِّ ثَلَاثِينَ: تبِيع، وَكُلِّ أَرْبَعِينَ: مُسِنَّة لَهَا سَنَتَانِ.
وَلَا الْغَنَمِ حَتَّى تبلُغَ أَرْبَعِينَ فَشَاةٌ جَذَعَةُ ضَأْنٍ أَوْ ثَنِيَّةُ مَعْزٍ، وَفِي مِئَةٍ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ: شَاتَانِ، وَمِئَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ: ثَلَاث، وَأَرْبَعِ مِئَةٍ: أَرْبَعٌ، ثُمَّ في كُلِّ مِئَةٍ: شَاةٌ.

فصلٌ [في بيان كيفية الإخراج]

إِنِ اتَّحَدَ نَوْعُ الْمَاشِيَةِ.. أُخِذَ الْفَرْضُ مِنْهُ،

(ولا شيء في البقر حتى تبلغ ثلاثين ففيها تبيع ابن سنة) ودخل في الثانية، سمي بذلك؛ لأنه يتبع أمّه في المَسْرَح، وقيل: لأن قرنه يتبع أذنه؛ أي: يساويها, ولو أخرج تبيعة.. أجزأت؛ لأنه زاد خيرًا.
(ثم في كلّ ثلاثين تبيع، و) في (كلّ أربعين مسنة لها سنتان) ودخلت في الثالثة، سميت بذلك؛ لتكامل أسنانها؛ لأنه عليه الصلاة والسلام بعث معاذًا إلى اليمن وأمره أن يأخذ من البقر من كلّ ثلاثين تبيعًا، ومن كلّ أربعين مُسنَة، رواه الترمذي وحسنه 1. ولا جبران في زكاة البقر والغنم؛ لعدم وروده، ولو أخرج عن أربعين تبيعين.. أجزأه على الأصحِّ.
(ولا) شيء في (الغنم حتى تبلغ أربعين فشاة جذعة ضأن، أو ثنية معز، وفي مئة وإحدى وعشرين شاتان، ومئتين وواحدة ثلاث، وأربع مئة أربع، ثم في كل مئة شاةٌ) لحديث أنس في ذلك، رواه البخاري 2.

(فصل: إن اتحد نوع الماشية) بأن كانت إبَلُه كلُّها أَرْحَبِيّة أو مَهْرِيَّة، أو بقره كلُّها عِرابًا أو جواميسَ، أو غنمه كلُّها ضأنًا أو معزًا (.. أخذ الفرض منه) لأنه المالك المشترك.

فَلَوْ أَخَذَ عَنْ ضَأْنٍ مَعْزًا أَوْ عَكْسُهُ.. جَازَ في الأَصَحِّ بِشَرْطِ رِعَايَةِ الْقِيمَةِ. وَإِنِ اخْتَلَفَ كَضَأْنٍ وَمَعْزٍ.. فَفِي قَوْلٍ: يُؤْخَذُ مِنَ الأَكْثَرِ، فَإِنِ اسْتَوَيَا.. فَالأَغْبَطُ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُخْرِجُ مَا شَاءَ مُقَسَّطًا عَلَيْهِمَا بِالْقِيمَةِ، فَإِذَا كَانَ ثَلَاثُونَ عَنْزًا وَعَشْرُ نَعَجَاتٍ.. أُخِذَ عَنْزٌ أَوْ نَعْجَة بِقِيمَةِ ثَلَاثَةِ أَرْبَاعِ عَنْزٍ وَرُبُعِ نَعْجَةٍ. وَلَا تُؤْخَذُ مَرِيضَة، وَلَا مَعِيبَةٌ

(فلو أخذ عن ضأن معزًا، أو عكسه) أي: أخذ جذعة ضأن عن أربعين من المعز، أو ثنيةَ معز عن أربعين من الضأن (.. جاز في الأصح بشرط رعاية القيمة) لاتفاق الجنس؛ كالمَهْرِيَّة مع الأَرْحَبيَّة، والثاني: المنع، كالبقر عن الغنم.
وتصحيح أخذ الضأن عن المعزَ، وبالعكس كالمستثنى ممّا تقدم أولًا، وعبارة "الروضة" و"أصلها" و"شرح المهذب" تقتضي تصحيح المنع؛ فإنهما جزما به أولًا، فقالا: إن اتحد نوعُ الماشية.. أُخذ الفرضُ منه، ثم حكيا الخلافَ عن "التهذيب" وأنه صحح الجواز 1، وكلام "التنبيه" يُفهم المنعَ أيضًا، وأقره عليه في "التصحيح" 2. (وإن اختلف) النوع (كضأن ومعز) من الغنم، وكالأَرْحَبيّة والمَهْرِيَّة من الإبل، والجواميس مع العِراب من البقر (.. ففي قول: يؤخذ من الَأكثر) وإن كان الأحظّ خلافه؛ اعتبارًا بالغلبة، كما نظرنا إلى الغالب في المُركَّب من الحرير وغيره.
(فإن استويا.. فالأغبط) كما في اجتماع الحِقاق وبنات اللبون.
(والأظهر: أنه يخرج ما شاء) من النوعين (مُقسطًا عليهما بالقيمة) رعاية للجانبين، والخيرةُ في إخراج أحد النوعين للمالك؛ كما اقتضاه كلام المصنف، وقيل: للساعي، وقال المتوفي: إنه المذهب.
(فإذا كان ثلاثون عنزًا وعشر نعجات.. أُخذ عنز أو نعجة بقيمة ثلاثة أرباع عنز وربع نعجة) فإذا قيل مثلًا: قيمةُ عنزٍ مجزئةٍ دينار، وقيمة نعجة مجزئة ديناران.. أخرج عنزًا أو نعجة قيمتُها دينار وربع، وعلى القول الأول يخرج المعز.
(ولا تؤخذ مريضة، ولا معيبة) لحديث: "لَا تُؤْخَذُ في الصَّدَقَةِ هَرِمَة، وَلَا ذَاتُ

إِلَّا مِنْ مِثْلِهَا، وَلَا ذَكَر إِلَّا إِذَا وَجَبَ، وَكَذَا لَوْ تَمَحَّضَتْ ذُكُورًا في الأَصَحِّ -وَفِي الصِّغَارِ: صَغِيرَة في الْجَدِيدِ- وَلَا رُبَّى،

عَوَارٍ، وَلَا تيسُ الْغَنَمِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ" رواه البخاري عن أنس في كتاب أبي بكر 1. (إلا من مثلها) إذ لو أخذ غيره.. لأجحف برب المال، وإذا كان البعض أردأ من بعض.. أخرج الوسط؛ جمعًا بين الحقين، والمعيب هنا: ما يُردُّ به المبيع على الأصحِّ.
(ولا ذكر) لأن النص ورد بالإناث (إلا إذا وجب) كابن لبون في خمس وعشرين عند فقد بنت المخاض، والتبيع في ثلاثين من البقر، (وكذا لو تمحضت ذكررًا في الأصح) كما يجوز أخذ المريضة والمعيبة من مثلها.
فعلى هذا: يؤخذ في ست وثلاثين ابنُ لبون أكثر قيمة من ابن لبون يؤخذ في خمس وعشرين عند فقد بنت المخاض.
والثاني: لا يؤخذ إلا أنثى؛ لورود النص بالأنثى، لكن لا تؤخذ أنثى تؤخذ من الإناث 2، بل تُقوَّم ماشيتُه بتقدير الأنوثة، وتُقوَّم الأنثى المأخوذةُ منها، وتعرف نسبتها من الجملة، ثم تُقوَّم ماشيتُه المذكور، وتؤخذ منها أنثى قيمُتها ما تقتضيه النسبة.
(وفي الصغار صغيرة في الجديد) كالمريضة في المِراض، والقديم: لا تؤخذ إلا كبيرة، لكن دون الكبيرة المأخوذة من الكبار في القيمة؛ لعموم الأخبار.
ويتصور كون الماشية صغيرةً مع حولان الحول: بأن تموت الأمهات في أثناء الحول، وبأن يملك أربعين من صغار المعز، ويمضىَ عليها حول فتجبَ فيها الزكاة وإن لم تبلغ سنّ الإجزاء؛ لأن واجبها: ما له سنتان.
(ولا) تؤخذ (رُبَّى) وهي الحديثة العهد بالنتاج، سميت رُبَّى؛ لأنها تُربِّي ولدها.

وَأَكُولَةٌ، وَحَامِلٌ، وَخِيارٌ إِلَّا بِرِضا الْمَالِكِ. وَلَوِ اشْتَرَكَ أَهْلُ الزكَاةِ في مَاشِيَة.. زَكَّيَا كَرَجُلٍ، وَكَذَا لَوْ خَلَطَا مُجَاوَرَةً بِشَرْطِ أَلَّا يَتَمَيَّزَ في الْمَشْرَعِ، وَالمَسْرَحِ، وَالمراحِ، وَمَوْضِعِ الْحَلَبِ،

(وأَكُولة) وهي المُسمّنة للأكل.
(وحامل وخيار) لأن هؤلاء من كرائم الأموال، وقد ورد النهي عنها 1 (إلا برضا المالك) في الجميع؛ لتطوعه بالزيادة.
(ولو اشترك أهل الزكاة في ماشية) بإرث، أو شراء، أو غيرهما (.. زكيا كرجل) لأن خُلطة الجوار تفيد ذلك، كما سيأتي، فخُلطة الأعيان أولى، وتسمى هذه الخُلطة: خُلطة شيوع وخُلطة أعيان؛ لأن كلّ عين مشتركة.
(وكذا لو خلطا مجاورة) بالإجماع؛ كما نقله الشيخ أبو حامد، وتسمى هذه خُلطةَ جوار وخُلطةَ أوصاف.
وقوله: (أهل الزكاة) قَيْدٌ في الخُلطتين، فلو كان أحدُ المالين موقوفًا أو لذمّي أو لبيت المال.. لم تؤثر الخُلطة شيئًا، بل يعتبر نصيب من هو من أهل الزكاة إن بلغ نصابًا زكّاه بزكاة المنفرد، وإلا.. فلا زكاة، (بشرط ألا يتميز في المَشْرَع) وهو: الموضع الذي تشرب منه.
(والمسرح) وهو: موضع رعيها؛ كما فسره في "التحرير" 2، وفسراه في "الشرح" و"الروضة" بالموضع الذي تجتمع فيه، ثم تساق إلى المرعى 3، وكلّ منهما يشترط اتحاده.
(والمراح) بضم الميم، وهو: موضع مبيتها، (وموضع الحلب) بفتح (اللام)، وحكي إسكانها، وهو: المكان الذي تحلب فيه؛ لأنه إذا تميز مال كلّ واحد بشيء مما ذكر.. لم يصيرا كَمَالٍ واحد.
والقصد بالخلطة: أن يصير المالان كمال واحد؛ لتخفّ المؤنة، قال الرافعي في

وَكَذَا الرَّاعِي وَالْفَحْلُ في الأَصَحِّ، لَا نِيَّةُ الْخُلْطَةِ في الأَصَحِّ

"الشرح الصغير": وليس المقصود ألا يكون لها إلا مشرع أو مرعى أو مراح واحد بالذات، بل لا بأس بتعددها, ولكن ينبغي ألا تختص ماشية هذا بمَسرح ومُراح، وماشية ذاك بمسرح ومُراح.
انتهى.
وإلى ذلك أشار المصنف بقوله: (ألّا يتميز)، لكن كان الأصوب أن يقول: (يتميز أحدهما عن الآخر) أو (يتميز المالان)، وبه عبر في "المحرر" 1، وإلا.. فالمال المختلط متميز عن غيره بالضرورة، وأفهم إيراد المصنف: أنه لا يشترط اتحاد الحالب، ولا المِحلب بكسر الميم، وهو: الإناء الذي يحلب فيه، وهو الأصحُّ.
(وكذا الراعي والفحل في الأصح) لحديث: "وَالْخَلِيطَانِ: مَا اجْتَمَعَا في الْفَحْلِ وَالْحَوْضِ وَالراعِي" رواه الدارقطني بإسناد ضعيف 2. ومعنى اتحاد الراعي: ألا يختص أحدهما براع، ولا بأس بتعدد الرعاة قطعًا، ومعنى اتحاد الفعل: أن تكون مرسلة بين ماشيتهما.
ومقابل الأصحِّ: أنه لا يشترط اتحاد الراعي والفحل؛ لأن الافتراق فيهما لا يرجع إلى نفس المال.
نعم؛ يشترط على هذا: اتحاد موضع الإنزاء.
ومحل الخلاف في اشتراط اتحاد الفعل: إذا اتحد النوع، فإن اختلف؛ كضأن ومعز.. لم يشترط بلا خلاف؛ للضرورة، قاله في "شرح المهذب" 3، وهذه الشروط المذكورة مختصة بخُلطة الجوار.
(لا نية الخُلطة في الأصح) لأن المقتضي لتأثير الخُلطة وهو خفة المؤنة حاصلٌ؛ نوى أو لم ينو، والثاني: تشترط؛ لأن الخُلطة مُغيِّرة لمقدار الزكاة، فلا بد من قصده؛ دفعًا لضرره في الزيادة وضرر الفقراء في النقصان.
وأهمل شروطًا أخر، وهي: دوام الخلطة سنة إن كان المالك حوليًّا، وكون

وَالأَظْهَرُ: تأثِيرُ خُلْطَةِ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ وَالنَّقْدِ وَعَرْضِ التِّجَارَةِ بِشَرْطِ أَلَّا يَتَمَيَّزَ: النَّاطُورُ، وَالْجَرِينُ، وَالدُّكَّانُ، وَالْحَارِسُ، وَمَكَانُ الْحِفْظِ.. وَنَحْوُهَا. وَلِوُجُوبِ زَكَاةِ الْمَاشِيَةِ شَرْطَانِ:

مجموع المالين نصابًا فأكثر، وكون المالين من جنس واحد.
(والأظهر؛ تأثير خلطة الثمر، والزرع، والنقد، وعرض التجارة) لأن المقتضي لتأثير الخلطة في الماشية هو خفة المؤنة، وذلك موجود؛ كما سيأتي، والثاني: أنها لا تؤثر؛ لأن المواشي فيها أوقاص، فالخُلطة فيها تنفع المالك تارة، والمساكين أخرى، ولا وقصَ في المعشّرات، فلو أثبتنا فيها الخلطة.. لتمحضت ضررًا في حق أرباب الأموال، [وذلك فيما إذا خلط دون النصاب بمثله] 1. (بشرط ألا يتميز الناطور، والجرين والدكان، والحارس، ومكان الحفظ، ونحوها) كالماء الذي تشرب منه، والحرّاث، والمتعهّد، وجذّاذ النخل، والميزان, والوزّان، والكيّال، والحمّال 2، واللقّاط، والنقّاد، والمُنادي، والمطالِب بالأثمان.
قال المنكت: ولم أر من صرح باشتراط شيء من ذلك، وإنما ذكره الرافعي وغيره في معرض التعليل، فقالوا: لأنهما كما يرتفقان بالخلطة في المواشي كذلك يرتفقان بها في غيرها باتحاد الجرين... إلى آخره، وأسقطه من "الروضة"، فلم يذكره لا شرطًا، ولا تعليلًا 3. انتهى.
والناطور -بالطاء المهملة-: حافظ النخل والشجر، وحكي إعجامُها، والجرين -بجيم مفتوحة-: موضع تجفيف الثمار، وقيل غيرُ ذلك، قاله في "الدقائق" 4. (ولوجوب زكاة الماشية شرطان) مضافان لما مرّ؛ من كونها نصابًا من النعم، ولما يأتي؛ من كمال الملك، وإسلام المالك وحريته.

مُضِيُّ الْحَوْلِ في مِلْكِهِ، لكِنْ مَا نتُجَ مِنْ نِصَابٍ يُزَكَّى بِحَوْلهِ، وَلَا يُضَمُّ الْمَمْلُوكُ بِشِرَاءٍ وَغَيْرِهِ في الْحَوْلِ،

(مضي الحول في ملكه) لحديث: "لَا زَكَاةَ في مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" رواه أبو داوود، ولم يضعفه 1، ويعضده إجماع التابعين والفقهاء عليه؛ كما قاله الماوردي 2 وإن خالف فيه بعض الصحابة.
(لكن ما نتج من نصاب يزكى بحوله) أي: بحول الأصل؛ لأن الحول إنما اعتبر لتكامل النماء الحاصل، والنتاج نماء في نفسه، وفي "الموطأ" عن عمر رضي الله عنه أنه قال لساعيه: (اعتدّ عليهم بالسخلة) 3، فعلى هذا: إذا كان عنده مئة وعشرون من الغنم، فولدت واحدةٌ منها سخلةً قبل الحول بلحظة، والأمهات كلّها باقية.. لزمه شاتان.
واحترز بقوله: (نتُج) عن المستفاد بشراء وغيره؛ كما سيأتي، وبقوله: (من نصاب) عما نتج من دونه؛ كعشرين شاة نَتجت عشرين، فحولُها من حين تمام النصاب.
نعم؛ يشترط: كون النتاج ملكًا لمالك النصاب بالسبب الذي ملك به النصاب، فلو أوصى يحمل لشخص.. لم يضم النتاج لحول الوارث، وكذا لو أوصى الموصى له بالحمل به قبل انفصاله لمالك الأمهات، ثم مات، ثم حصل النتاج.. لم يُزكَّ بحول الأصل، نقله في "الكفاية" عن المتولي وأقرّه 4. (ولا يضم المملوك بشراء وغيره في الحول) لأن الدليل قام على اشتراط الحول، خرج النتاج لما سبق، فيبقى ما عداه على الأصل.
واحترز بقوله: (في الحول) عن النصاب، فإنه يضمّ إليه فيه على المذهب: لبلوغه بالكثرة احتمال المواساة فإذا ملك ثلاثين من البقر في أول المحرم، ثم ملك

فَلَوِ ادَّعَى النِّتَاجَ بَعْدَ الْحَوْلِ.. صُدِّقَ، فَإِنِ اتُّهِمَ.. حُلِّفَ. وَزَالَ مِلْكُهُ في الْحَوْلِ فَعَادَ أَوْ بَادَلَ بِمِثْلِهِ.. اسْتَأْنَفَ. وَكَوْنُهَا سَائِمَة،

عشرة أخرى في أول رجب.. لزمه في أول المحرم السنة الثانية تبيع، وفي أول رجب منها ربع مسنة، وفي أول المحرم السنة الثالثة ثلاثة أرباع مسنة، وفي أول رجب منها ربع مسنة، وهكذا أبدًا.
(فلو ادعى) المالك (النتاج بعد الحول.. صدق) لأن الأصل عدمُ الحدوث قبل ذلك، والأصل أيضًا: عدم الوجوب.
(فإن اتهم.. حُلِّف) ندبا؛ احتياطًا لحق الفقراء.
(ولو زال ملكه في الحول فعاد، أو بادل بمثله) لا لقصد التجارة (.. استأنف) لأنه ملك جديد، فلا بدّ له من حول؛ للحديث السالف 1. (و) الشرط الثاني: (كونها سائمة) أي راعية؛ لثبوت ذلك في الغنم والإبل 2، وألحق البقر بهما قياسًا، ولأن مؤنتها لما توفرت.. احتملت المواساة، بخلاف المعلوفة.
وشمل إطلاقه: ما لو أسامها في كلأ مملوك له، وفيها وجهان في "زوائد الروضة" و"شرح المهذب" عن "البيان" بلا ترجيح 3، ورجح السبكي الوجوبَ إن لم تكن له قيمة، أو كانت يسيرة، وسقوطَها إن كانت له قيمة يُعدُّ مثلها كلفة في مقابلة نمائها.
وفي "فتاوى القفال": إن اشترى كلأ فرعته في مكانها.. فسائمة، فلو جَزَّه وأطعمها إياه في المرعى أو البلد.. فمعلوفة، ولو رعاها ورقًا تناثر.. فسائمة، فلو جمع وقدم لها.. فمعلوفة، واستحسنه في "المهمات" وقال: (ينبغي الأخذ به) 4.

فَإِنْ عُلِفَتْ مُعْظَمَ الْحَوْلِ.. فَلَا زَكَاةَ، وَإِلَّا.. فَالأَصَحّ: إِنْ عُلِفَتْ قَدْرًا تَعِيشُ بِدُونِهِ بِلَا ضَرَرٍ بينٍ.. وَجَبَتْ، وَإِلَّا.. فَلَا. وَلَوْ سَامَتْ بنَفْسِهَا أَوْ اعْتَلَفَتِ السَّائِمَةُ، أَوْ كَانَتْ عَوَامِلَ في حَرْثٍ وَنَضْحٍ وَنَحْوه.. فَلَا زَكَاةَ في الأصَحِّ.

(فإن عُلفت معظمَ الحول.. فلا زكاة) لأن الغلبة لها تأثير في الأحكام، (وإلا) أي: وإن لم تُعلَف معظمَ الحول (.. فالأصح: إن عُلفت قدرًا تعيش بدونه بلا ضرر بين.. وجبت) زكاتها؛ لخفة المؤنة.
(وإلا) أي: وإن كانت لا تعيش في تلك المدة بدونه، أو تعيش ولكن بضرر بين (.. فلا) زكاة؛ لظهور المؤنة، والثاني: تجب مطلقًا، ولا يؤثر إلا ما زاد على النصف، والثالث: لا تجب مطلقًا، بل يبطل السوم بما يتموّل من العلف وإن قلّ؛ لأن رفق السوم لم يتكامل، وقيد صاحب "العدة"، وغيره الخلاف بما إذا لم يقصد قطع السوم، فإن قصده.. انقطع قطعًا، قال الرافعي: ولعله الأقرب 1، قال السبكي: وحكاه الروياني عن النصّ، لكنه استغربه، وزعم أن البَنْدَنِيجي قال: إنه المذهب، وذلك يقتضي إثبات خلاف.
انتهى.
قال الإسنوي: وقد صرح الجرجاني في "الشافي" بأن الخلاف جار مع نية القطع 2. (ولو سامت بنفسها، أو اعتلفت السائمة، أو كانت عواملَ في حرث ونضح ونحوه.. فلا زكاة في الأصح) الخلاف في المسألة الأولى والثانية مبني على الخلاف في أنه هل يعتبر القصد في السوم والعلف أم لا؟ وقضية التصحيح في المسألتين: اشتراط قصد السوم دون العلف، وأما في الثالثة.. فلقوله صلّى الله عليه وسلّم: "لَيْسَ في الْبقَرِ الْعَوَامِلِ شَيْء"، رواه الدارقطني بإسناد صحيح 3، ولأنها مُعَدّة لاستعمال مباح، فأشبهت ثيابَ البدن.

وَإِذَا وَرَدَتْ مَاءً.. أُخِذَتْ زَكَاتُهَا عِنْدَهُ، وَإِلَّا.. فَعِنْدَ بُيُوتِ أَهْلِهَا. وَيُصَدَّقُ الْمَالِكُ في عَدَدِهَا إِنْ كَانَ ثِقَةً، وَإِلَّا.. فَتُعَدُّ عِنْدَ مَضِيقٍ.

ووجه مقابله: أن السوم بلا عمل موجب، فمع العمل أولى؛ لانضمام رفق العمل إلى رفق السوم.
(وإذا وردت ماء.. أُخذت زكاتُها عنده) لحديث: "تُؤْخَذُ صَدَقَاتُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مِيَاهِهِمْ"، رواه الإِمام أحمد 1، ولأنه أسهل على المالك والساعي، وأقرب إلى الضبط من المرعى.
(وإلا.. فعند بيوت أهلها) لحديث: "لَا جَلَبَ، وَلَا جَنَبَ، وَلَا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا في دُورِهِمْ"، رواه أبو داوود بإسناد حسن 2. (ويُصدّق المالكُ في عددها إن كان ثقة) لأنه أمين، (وإلا) أي: وإن لم يكن ثقة، أو قال: (لا أعرف عددها) (.. فتعدّ عند مَضِيق) لأنه أسهل لعدّها، وأبعد عن الغلط.

باب زكاة النبات

تَخْتَصُّ بالْقُوتِ، وَهُوَ مِنَ الثِّمَارِ: الرُّطَبُ وَالْعِنَبُ، وَمِنَ الحَبِّ: الْحِنْطَةُ وَالشعِيرُ وَالأرُزُّ وَالْعَدَسُ وَسَائِرُ الْمُقْتَاتِ اخْتِيَارًا. وَفِي الْقَدِيمِ: تَجِبُ في الزَّيْتُونِ، وَالزَّعْفَرَانِ، وَالْوَرْسِ، وَالْقُرْطِمِ، وَالْعَسَلِ. وَنصَابُهُ: خَمْسَةُ أَوْسُقٍ،

(باب زكاة النبات) الأصل في الباب: الإجماع وما يأتي من الكتاب والسنة.
(تختص بالقوت) لأنه الصالح من النبات للمواساة.
(وهو من الثمار: الرطب، والعنب) خاصة، فلا زكاة في التين، والخَوْخ وغيرهما.
(ومن الحب: الحنطة، والشعير، والأرز، والعدس، وسائر المقتات اختيارًا) كالحمِّص، والبَاقِلَاء، والذُّرَة، وغيرها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الزكاة في كثير منها، وألحقوا به الباقي؛ لشمول معنى الاقتيات والادخار.
واحترز بقيد الاختيار: عمّا يؤكل في الجَدْب اضطرارًا من حبوب البوادي؛ كحبّ الحَنْظَل، وحبّ الغاسُول وغيرهما، فلا زكاة فيها؛ كما لا زكاة في الوحشيات من الظباء.
وأبدل "التنبيه" وغيره قيد الاختيار بما يستنبته الآدميون 1؛ لأن ما لا يستنبتونه ليس فيه شيء يقتات اختيارا.
(وفي القديم: تجب في الزيتون، والزعفران، والورس، والقِرطِم، والعسل) لآثار عن الصحابة في ذلك، وحكى في "الرونق" قولين في الموز والبَلُّوط، ووقع في "العجالة" اللوز بدل الموز، وهو تحريف 2. (ونصابه: خمسة أوسق) لحديث: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ" متفق عليه 3.

وَهِيَ: أَلْفٌ وَسِتُّ مِئَةِ رِطْلٍ بَغْدَادِيَّةٍ، وَبِالدِّمَشْقِيِّ: ثَلَاثُ مِئَةٍ وَسِتةٌ وَأَرْبَعُونَ رِطْلًا وَثُلُثَانِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: ثَلَاثُ مِئَةٍ وَاثنانِ وَأَرْبَعُونَ وَسِتَةُ أَسْبَاعِ رِطْلٍ؛ لِأنَّ الأَصَحَّ: أَنَّ رِطْلَ بَغْدَادَ: مِئَةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَما وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاع دِرْهَمٍ، وَقِيلَ: بِلَا أَسْبَاعٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثُونَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيُعْتبَرُ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا إِنْ تَتَمَّرَ أوْ تَزَبَّبَ،

(وهي: ألف وست مئة رطل بغدادية) لأن الوَسْق ستون صاعًا بالإجماع، فالخمسة الأوسق ثلاث مئة صاع، والصاع أربعة أمداد، وذلك ألف ومئتا مدّ، والمدّ رطل وثلث، فيكون الحاصل ما ذكره المصنف، وإنما قدر بالبغدادي؛ لأنه الرطل الشرعي؛ كما قاله المحب الطبري.
والأصحُّ: اعتبار المكيال لا الوزن إذا اختلفا.
(وبالدمشقي: ثلاث مئة وستة وأربعون رطلا وثلثان) لأن الرطل الدمشقي ست مئة درهم، ورطلَ بغداد مئة وثلاثون درهمًا عند الرافعي، فيكون المدّ مئة وثلاثة وسبعين درهمًا وثلث درهم، والصاع ست مئة وثلاثة وتسعون وثلث، فاضرب ست مئة وثلاثة وتسعين وثلثًا في ثلاث مئة، واجعل كلّ ست مئة رطلًا، فيحصل من مجموع ذلك ما ذكره المصنف 1. (قلت: الأصح) في زنة الأوسق بالرطل الدمشقي (ثلاث مئة واثنان وأربعون وستة أسباع رطل؛ لأن الأصح: أن رطل بغداد: مئة وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم) أي: فإذا ضرب ذلك في ألف وست مئة وقسم على الرطل الدمشقي.. بلغ ذلك.
(وقيل: بلا أسباع، وقيل: وثلاثون، والله أعلم) وهذا الأخير هو ما قواه الرافعي.
(ويعتبر) بلوغه خمسةَ أوسق حالةَ كونه (تمرًا، أو زبيبًا إن تتمر أو تزبب) لقوله

وَإِلَّا.. فَرُطَبًا وَعِنَبًا، وَالْحَبُّ مُصَفىً مِنْ تِبْنِهِ، وَمَا ادُّخِرَ في قِشْرِهِ -كَالأَرُزِّ وَالْعَلَسِ- فَعَشَرَةُ أَوْسُقٍ. وَلَا يُكَمَّلُ جِنْسٌ بِجِنْسٍ،

عليه السلام: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ" رواه مسلم 1، فاعتبر الأوسق من التمر.
(وإلا) أي: وإن لم يتتمر الرطب ولم يتزبب العنب (.. فرطبًا وعنبًا) أي: فيُوسق رطبًا وعنبًا، وتخرج الزكاة أيضًا منه؛ لأن ذلك أكملُ أحواله، وكذا لو كان يجفّ إلا أن جافّه رديء.. فحكمه كذلك.
(والحب مصفّى من تبنه) لأنه الذي يوسق وتجب فيه الزكاة.
(وما ادخر في قشره) الذي لا يؤكل معه (كالأرز، والعلس فعشرة أوسق) لأن خالصهُ يجيء منه خمسة أوسق، قال ابن الرفعة: ولو كان خالص دون العشرة من ذلك خمسةَ أوسق.. كان ذلك نصابًا 2. والمراد: القشرة العليا من الأَرُزّ، أما السفلى، وهي الحمراء.. ففي "الحاوي" عن ابن أبي هريرة أنه لا تجب الزكاة حتى تبلغ عشرة أوسق؛ كالعلس، قال: وقال سائر أصحابنا: لا تأثير لهذه القشرة، فإذا بلغ خمسةَ أوسق.. تجب الزكاة، قال في "شرح المهذب": وما نقله عن سائر الأصحاب ضعيف 3، قال الأَذْرَعي: بل هو المذهب الظاهر، والشاذّ إنما هو قول ابن أبي هريرة.
وإنما قيدت كلامه بالقشر الذي لا يؤكل معه احترازًا عما يدخر في قشره ويؤكل معه؛ كالذُّرَة، فإن قشره يدخل في الحساب، فإنه طعام وإن كان قد يزال؛ كما تقشر الحنطة.
(ولا يكمل جنس بجنس) كالتمر مع الزبيب، والحنطة مع الشعير؛ لاختصاص كلّ باسم وطبع؛ قياسًا على الماشية.

وَيُضَمُّ النَّوْعُ إِلَى النَّوْعِ، وَيُخْرِجُ مِن كُلٍّ بِقِسْطِهِ، فَإِنْ عَسُرَ.. أُخْرِجَ الْوَسَطُ، وَيُضَمُّ الْعَلَسُ إِلَى الْحِنْطَةِ؛ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنْهَا، وَالسُّلْتُ جِنْسٌ مُسْتَقِلٌّ، وَقِيلَ: شَعِير، وَقِيلَ: حِنْطَةٌ. وَلَا يُضَمّ ثَمَرُ عَامٍ وَزَرْعُهُ إِلَى آخَرَ. ويُضَمُّ ثَمَرُ الْعَامٍ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ وَإِنِ اخْتَلَفَ إِدْرَاكُهُ، وَقِيلَ: إِنْ طَلَعَ الثَّاِني بَعْدَ جَدَادِ الأَوَّلِ.. لمْ يُضَمَّ. وَزَرْعَا الْعَامِ يُضَمَّانِ،

(ويضم النوع إلى النوع) كالحنطة المصرية مع الشامية، والتمر المَعْقِلي مع البَرْني؛ لاشتراكهما في الاسم، (ويخرج من كلّ بقسطه) لأنه الأصل، ولا مشقة في ذلك.
(فإن عسر) لكثرة الأنواع وقلة الحاصل من كلّ نوع (.. أخرج الوسط) من الأنواع، لا أعلاها ولا أدناها؛ رعاية للجانبين.
(ويضم العلس إلى الحنطة؛ لأنه نوع منها) والعلس قوت صنعاء اليمن.
(والسلت جنس مستقلّ) فلا يضمّ إلى غيره، (وقيل: شعير) فيضمّ إليه؛ لشبهه به في برودة الطبع، (وقيل: حنطة) فيضمّ إليها؛ لشبهه بها لونًا ومَلاسة.
(ولا يضمّ ثمر عام وزرعه إلى آخر) في تكميل النصاب ولو فرض اطّلاع ثمر العام الثاني قبل جَداد الأول بالإجماع.
(ويضم ثمر العام بعضه إلى بعض وإن اختلف إدراكه) لاختلاف الأنواع والبلاد بالإجماع؛ كما نقله ابن الصباغ، والمراد بالعام: أربعة أشهر؛ كما نقله في "الكفاية" عن الأصحاب 1. (وقيل: إن طلع الثاني بعد جَداد الأول.. لم يضمّ) لحدوثه بعد انصرام الأول، فأشبه ثمرة العام الثاني، وهذا ما جزم به الماوردي، وقال: من قال بالضم.. فقد أخطأ نصّ المذهب، وجهل عادةَ الثمر، وقال الإِمام: إنه لا خلاف فيه، وصححه الرافعي في "الشرح الصغير"، ولم يرجح في "الكبير" شيئًا 2. (وزرعا العام يُضَمّان) وإن اختلفت زراعتُه في الفصول؛ لما مرّ، ويتصور ذلك

وَالأَظْهَرُ: اعْتِبَارُ وُقُوعِ حَصَادَيْهِمَا في سَنَةٍ وَوَاجِبُ مَا شَرِبَ بِالْمَطَرِ أَوْ عُرُوقِهِ لِقُرْبِهِ مِنَ الْمَاءِ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْع: الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دُولَابٍ أَوْ بِمَاءٍ اشْتَرَاهُ: نِصْفُهُ، وَالْقَنَوَاتُ كَالْمَطَرِ عَلى الصَّحِيحِ. وَمَا سُقِيَ بِهِمَا سَوَاءً: ثَلَاثةُ أَرْبَاعِهِ، فَإِنْ غَلَبَ أَحَدُهُمَا.. فَفِي قَوْلٍ: يُعْتبَرُ هُوَ، وَالأَظْهَرُ: يُقَسَّطُ بِاعْتِبَارِ عَيْشِ الزَّرْعِ وَنَمَائِهِ، وَقِيلَ: بِعَدَدِ السَّقَيَاتِ

في الذُّرَة؛ لأنها تزرع في الربيع والصيف والخريف.
(والأظهر: اعتبار وقوع حصاديهما في سنة) بأن يكون بين حَصيد الأول والثاني أقلّ من اثني عشر شهرًا؛ لأن الحصاد هو المقصود، وعنده يستقر الوجوب، والثاني: اعتبار زرعهما في سنة؛ لأن الزراعة هي الأصل، والحصادَ ثمرتُه.
(وواجب ما شرب بالمطر أو عروقه لقربه من الماء) وهو البعل (من ثمر أو زرع: العشر، وما سُقي بنضح أو دولاب، أو بماء اشتراه: نصفُه) بالإجماع، والمعنى فيه: كثرة المؤنة وخفتها؛ كما في المعلوفة والسائمة.
والنضح: هو السقي من بئر أو نهر بحيوان، كبعير، ويسمى هذا الحيوان: ناضحًا.
(والقنوات كالمطر على الصحيح) لأن مؤنة القناة تتحمل لعمارة القرية، والأنهارَ إنما تحفر لإحياء الأرض، فإذا تهيأت.. وصل الماء إلى الزرع بطبعه مرة بعد أخرى، بخلاف السقي بالنواضح ونحوها، فإن المؤنة للزرع نفسه، والثاني: يجب فيها نصف العشر؛ لمؤنة عمارتها.
(وما سقي بهما) أي: بماء السماء والنضح (سواءً: ثلاثة أرباعه) عملًا بالتقسيط.
(فإن غلب أحدهما.. ففي قول: يعتبر هو) ترجيحًا لجانب الغلبة (والأظهر: يُقسَّط) لأنه القياس، فإن كان ثلثاه بماء السماء، وثلثُه بالنضح.. وجب خمسة أسداس العشر؛ ثلثا العشر للثلثين، وثلث نصف العشر للثلث (باعتبار عيش الزرع) والثمر (ونمائه) لأنه المقصود، (وقيل: بعدد السَّقَيات) المفيدة دون غيرها؛ لأن المؤنة تكثر بكثرة السَّقَيات، فإذا كانت المدّة من يوم الزرع إلى يوم الإدراك ثمانيةَ

وَتَجِبُ بِبُدُوِّ صَلَاحِ الثَّمَرِ، وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ. وَيُسَنُّ خَرْصُ الثَّمَرِ إِذَا بَدَا صَلَاحُهُ عَلَى مَالِكِهِ،

أشهر، واحتاج في ستة أشهر زمنَ الشتاء والربيع إلى سَقْيتين، فسُقي بماء السماء، وفي شهرين زمنَ الصيف إلى ثلاث سَقَيات، فسُقي بالنضح؛ فإن اعتبرنا عدد السَّقَيات.. فعلى قول التوزيع: يجب خمسا العشر وثلاثة أخماس نصف العشر، وعلى اعتبار الأغلب: يجب نصف العشر، وإن اعتبرنا المدّة.. فعلى قول التوزيع: يجب ثلاثة أرباع العشر وربع نصف العشر، وعلى اعتبار الأغلب: يجب العشر.
ولو سُقي بهما جميعًا، وجهل المقدار.. وجب ثلاثة أرباع العشر على الصحيح، وقيل: يجب نصف العشر؛ لأن الأصل براءة الذمة ممّا زاد.
(وتجب ببدوّ صلاح الثمر، واشتداد الحبّ) لأنه حينئذ يقتات، وقبله كالخُضْراوات.
نعم؛ لا يجب الإخراج، بل لا يجوز إلا بعد التصفية والجفاف.
وسيأتي في البيع ضابط بدوّ الصلاح، وأن حصوله في البعض كافٍ، والمراد: بدوّ اشتداده، ولا يشترط تناهيه.
(ويسن خرص الثمر إذا بدا صلاحه على مالكه) لأنه عليه السلام أَمر أن يُخرص العنبُ كما يُخرص النخلُ، وتُؤخذ زكاتُه زبيبًا كما تُؤخذ صدقةُ النخل تمرًا، رواه الترمذي، وقال: حسن غريب 1. واستثنى الماوردي من الخرص: نخيل البصرة، ونقل عن إجماع الصحابة وعلماء الأمصار: أنه لا يجوز خرصها؛ لكثرتها، وللمؤنة في خرصها، وتبعه الروياني 2. والمراد بالثمر: الرطب والعنب، واحترز به: عن الحبّ، فإنه لا يخرص؛ لعدم إمكان الوقوف على ما فيه؛ لاستتاره، ولأنه لا يؤكل غالبًا وهو رطب، بل بعد جفافه وتصفيته، والثمار تؤكل بُسْرًا ورطبًا وعنبًا، فاحتيج إلى خرصها؛ ليتمكن المالك من التصرف فيها، وينضبط حقّ الفقراء.

وَالْمَشْهُورُ: إِدْخَالُ جَمِيعِهِ فِي الْخَرْصِ، وَأَنَّهُ يَكْفِي خَارِصٌ، وَشَرْطُهُ: الْعَدَالَةُ، وَكَذَا الْحُرِّيَّةُ وَالذُّكُورَةُ فِي الأَصَحِّ. فَإِذَا خَرَصَ.. فَالأَظْهَرُ: أَنَّ حَقَّ الْفُقَرَاءِ يَنْقَطِعُ مِنْ عَيْنِ الثَّمَرِ، وَيَصِيرُ فِي ذِمَّةِ الْمَالِكِ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ لِيُخْرِجَهُمَا بَعْدَ جَفَافِهِ، وَيُشْتَرَطُ: التَّصرِيحُ بِتَضْمِينهِ وَقَبُولِ الْمَالِكِ عَلَى الْمَذْهَبِ،

واحترز بقوله: (بدا صلاحه) عمّا قبل ذلك، فإن الخرص لا يأتي فيه؛ إذ لا حقّ للفقراء فيه حينئذ، ولا ينضبط المقدار؛ لكثرة العاهات قبل بدو الصلاح.
وكيفية الخرص: أن يطوف بالنخلة، ويرى جميع عناقيدها، ويقول: عليها من الرطب كذا، ويجيء منه تمرًا كذا، ثم يفعل كذلك بنخلة بعد نخلة إن اختلف النوع؛ فإن اتحد.. جاز أن يخرص الجميع رطبًا ثم تمرًا.
(والمشهور: إدخال جميعه في الخرص) لعموم الأدلة المقتضية لوجوب العشر أو نصفه، والثاني: أنه يُترك لرب الحائط قدرُ ما يأكله هو وأهله - لا يخرص عليه -؛ ليكون ذلك في مقابلة قيامه بحفظ الثمار وتجفيفها.
(وأنه يكفي خارص) واحد؛ كالحاكم؛ لأنه يجتهد، ويعمل، والثاني: يشترط اثنان؛ كالشاهد.
(وشرطه: العدالة) لأن الفاسق لا يقبل قوله على غيره، ويشترط أيضًا: أن يكون عالمًا بالخرص؛ لأن الجاهل بالشيء ليس من أهل الاجتهاد فيه.
(وكذا الحرية والذكورة في الأصح) لأنه ولاية، وليس الرقيق والمرأة من أهلها، والثاني: لا يشترطان؛ كما في الكيّال والوزّان.
(فإذا خرص.. فالأظهر: أن حقَّ الفقراء ينقطع من عين الثمر، ويصير في ذمّة المالك التمر والزبيب؛ ليخرجهما بعد جفافه) لأن الخرص يبيح له التصرفَ في الجميع، وذلك يدلّ على انقطاع حقّهم عنه، والثاني: لا ينتقل حقّهم إلى ذمّته، بل يبقى متعلقًا بالعين كما كان؛ لأنه ظنّ وتخمين، فلا يؤثر في نقل حقّ إلى الذمة، والقول الأول يُعبَّر عنه بأن الخرص تضمين، والثاني: أنه عبرة؛ أي: لاعتبار القدر.
(ويشترط: التصريح بتضمينه، وقبول المالك على المذهب) بناء على الأظهر؛

وَقِيلَ: يَنْقَطِعُ بِنَفْسِ الْخَرْصِ. فَإِذَا ضَمِنَ.. جَازَ تَصَرُّفُهُ فِي جَمِيعِ الْمَخْرُوصِ بَيْعًا وَغَيْرَهُ، وَلَوِ ادَّعَى هَلَاكَ الْمَخْرُوصِ بَسَبَبٍ خَفِيٍّ كَسَرِقَةٍ، أَوْ ظَاهِرٍ عُرِفَ.. صُدِّقَ بيَمِينِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْرَفِ الظَّاهِرُ.. طُولبَ بِبينَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ، ثُمَّ يُصَدَّقُ بِيَمِينهِ فِي الْهَلَاكِ بِهِ

لأن الحقّ ينتقل من العين إلى الذمة، فلا بدّ من رضاهما؛ كالبائع والمشتري، فإن لم يضمنه أو ضمنه فلم يقبله.. بقي حقّ الفقراء كما كان، والمُضمِّن: هو الساعي أو الإمام 1، (وقيل: ينقطع) حقّ الفقراء (بنفس الخرص) لأن التضمين لم يرد في الحديث.
قال في "الكفاية": واختلفوا في كيفية التضمين، فقال ابن سُرَيج: يقول: (أقرضتك نصيب الفقراء من الرطب بما يجيء منه من التمر)، وقال الشيخ أبو حامد: يقول: (خذه بكذا، وكذا تمرًا)، وقال البغوي: يقول: (ضمنتك إياه بكذا) 2، وليس هذا التضمين على حقيقة الضمان؛ لأنه لو تلفت الثمار جميعها بآفة سماوية، أو سرقت من الشجر أو الجَرِين قبل الجفاف بلا تفريط.. فلا شيء عليه قطعًا؛ لفوات الإمكان.
(فإذا ضمن.. جاز تصرفه في جميع المخروص بيعًا وغيره) لأنه ملكه، ولا تعلق لأحد فيه.
(ولو ادعى هلاك المخروص بسبب خفي؛ كسرفة، أو ظاهر) كحريق (عرف) دون عمومه أو عرف عمومه، ولكن اتُّهم في هلاك الثمار به (.. صدق بيمينه) في دعوى التلف بذلك السبب، فإن عرف الظاهر وعمومه، ولم يتهم.. صدق بلا يمين، واليمين هنا مستحبة على الأصحِّ 3. (فإن لم يعرف الظاهر.. طولب ببينة) على وقوعه (على الصحيح) لسهولة إقامتها، والثاني: لا؛ لأنه أمين، (ثم يُصدَّق بيمينه في الهلاك به) أي: بذلك

وَلَوِ ادَّعَى حَيْفَ الْخَارِصِ أَوْ غَلَطَهُ بِمَا يَبْعُدُ.. لَمْ يُقْبَلْ، أَوْ بِمُحْتَمِلٍ.. قُبِلَ فِي الأَصَحِّ.

السبب؛ لاحتمال سلامة ماله بخصوصه، فلو اقتصر على دعوى الهلاك من غير تعرّض لسبب.. قال الرافعي: فالمفهوم من كلام أصحابنا: قبوله مع اليمين 1، وبه جزم المصنف في آخر الوديعة 2. (ولو ادعى حَيْفَ الخارص) أي: إخباره عمدًا بزيادة على ما عنده، قليلًا كان أو كثيرًا، (أو غَلَطَه بما يبعد) أي: لا يقع عادة، كالثلث أو الربع (.. لم يُقبل) أما الحَيْفُ.. فقياسًا على دعوى الجَوْر على الحاكم، وأما الغلط بما يبعد.. فللعلم ببطلانه عادةً.
(أو بمحتمل) بفتح الميم (.. قُبل في الأصح) لما نبه عليه من التعليل، والثاني: لا؛ لعدم تحققه.
ومحل الخلاف: إذا كان المدعى به نقصًا يقع بين الكيلين؛ كالوَسْق في المئة، أما إذا ادعى شيئًا محتمَلًا، وهو فوق ذلك؛ كخمسة أوسق في مئة.. فإنه يقبل جزمًا ويحطّ عنه الزائد، كما قاله الرافعي 3، ومحله أيضًا: إذا كان المخروص تالفًا؛ فإن كان موجودًا.. أعيد كيله وعمل به.

باب زكاة النّقد نِصَابُ الْفِضَّةِ: مِئَتَا دِرْهَمٍ، وَالذَّهَبِ: عِشْرُونَ مِثْقَالًا بِوَزْنِ مَكَّةَ، وَزَكَاتُهُمَا: رُبُعُ عُشْرٍ. وَلَا شَيْءَ فِي الْمَغْشُوشِ حَتَّى يَبْلُغَ خَالِصُهُ نِصَابًا. وَلَوِ اخْتَلَطَ إِنَاءٌ مِنْهُمَا وَجُهِلَ أَكْثَرُهُمَا

﴿باب زكاة النقد﴾ (نصاب الفضة: مئتا درهم، والذهب: عشرون مثقالًا) بالإجماع، وهذا المقدار تحديد (بوزن مكة) لقوله عليه السلام: "الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينةِ، وَالْوَزْنُ وَزْنُ مَكَّةَ" رواه أبو داوود والنسائي بإسناد صحيح 1. والمراد بالدرهم: الدرهم الشرعي، زِنته ستة دوانق، كلُّ عشرة منها سبعةُ مثاقيلَ.
(وزكاتهما: ربع عشر) لحديث: "وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ" رواه البخاري 2، والرقة: الفضة، وقيل: الفضة والذهب.
وروى ابن حبان والحاكم أنه صلّى الله عليه وسلّم قال: "فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِينَارًا دِينَارٌ" 3، ويجب فيما زاد على النصاب وإن قلّ بحسابه؛ كما صرح به في "المحرر" 4، والفرق بينه وبين المواشي: ضرر المشاركة.
(ولا شيء في المغشوش) أي: المخلوط بما هو أدون منه؛ كذهب بفضة، وفضة بنحاس (حتى يبلغ خالصه نصابًا) لحديث: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ" متفق عليه 5. فإذا بلغت فضة الدراهم المغشوشة مثلًا نصابًا.. أخرج قدر الواجب فضةً خالصة، أو أخرج من المغشوش ما يعلم أنه يشتمل على قدر الواجب.
(ولو اختلط إناء منهما) أي: من الذهب والفضة (وجهل أكثرهما) أي: عينه،

زُكِّيَ الأَكْثَرُ ذَهَبًا وَفِضَّةً، أَوْ مُيِّزَ. وَيُزَكَّى الْمُحَرَّمُ مِنْ حُلِيٍّ وَغَيْرِهِ، لَا الْمُبَاحُ فِي الأَظْهَرِ،

مع علمه قدر الأكثر؛ بأن كان وزنه ألفًا مثلًا، وأحدهما ست مئة، والآخر أربع مئة (.. زُكّي الأكثر ذهبًا وفضة) فيزكي في مثالنا عن ست مئة ذهبًا وعن ست مئة فضة، وحينئذ تبرأ ذمته بيقين، ولا تكفي تزكيةُ الأكثر ذهبًا، والأقلِّ فضة؛ لأن الذهب لا يجزئ عن الفضة؛ كعكسه.
(أو مُيّز) بالسبك بالنار، ويكفي سبك جزء منه، ليقاس به الباقي عند تساوي الأجزاء، قال الرافعي: قال الأئمة: ويقوم مقام التمييز بالنار الامتحانُ بالماء، وذلك: بأن يَجعل في إناء ماءً ثم يُلقي فيه قدرَ المخلوط من ذهب خالص -وهو ألف في مثالنا- ويعلّم ارتفاع الماء، ثم يخرجه ويضع مثله فضةً، ويُعلّم موضع ارتفاعه، وهذه العلامة تكون فوق الأولى؛ لأن جِرْم الذهب أثقل 1. فالألف من الفضة أكبر جِرْمًا من الألف من الذهب، فيزيد ارتفاع الماء بسبب ذلك، ثم يخرج ويوضع فيه المخلوط؛ فإن كان ارتفاعُه إلى علامة الذهب أقربَ.. فالأكثر ذهبًا وإلا.. ففضةً.
(ويُزكَّى المحرّم من حلي وغيره) كالأواني بالإجماع (لا المباح في الأظهر) لأنه معدّ لاستعمال مباح، فأشبه العوامل من الإبل والبقر.
نعم؛ المكروه؛ كالضبة الكبيرة للحاجة [وكذا الصغيرة للزينة.. ] 2 يزكّى، والثاني: أن الزكاة تجب في المباح أيضًا؛ لحديث فيه، ادُّعي نسخُه أو تأويله 3. وعلى الأول: يستثنى: ما لو مات عن حلي مباح، فمضى عليه حولٌ قبل علم وارثه.. فإنه تلزمه به زكاته؛ كما قاله في "البحر "؛ لأنه لم ينو إمساكَه لقصد استعمال مباح، وذكر عن والده احتمالَ وجه فيه؛ إقامةً لنية مورثه مقام نيته 4.

فَمِنَ الْمُحَرَّمِ: الإِنَاءُ، وَالسِّوَارُ وَالْخِلْخَالُ لِلُبْسِ الرَّجُلِ، فَلَوِ اتَّخَذَ سِوَارًا بِلَا قَصْدٍ أَوْ بِقَصْدِ إِجَارَتهِ لِمَنْ لَهُ اسْتِعْمَالُهُ.. فَلَا زَكَاةَ فِي الأَصَحِّ، وَكَذَا لَوِ انْكَسَرَ الْحُلِيُّ وَقَصَدَ إِصْلَاحَهُ

(فمن المحرم: الإناء) للرجال والنساء؛ لما مر في الطهارة (والسوار، والخلْخال للُبْس الرجل) والخنثى كالرجل سواء من الذهب أو الفضة؛ لأنه ينافي شهامة الرجال.
(فلو اتخذ سوارًا بلا قصد) أصلًا (أو بقصد إجارته لمن له استعماله.. فلا زكاة في الأصح) وجه الأصح في الأولى: أن الصياغة للاستعمال غالبًا، والظاهر: إفضاؤها إليه، ووجه مقابله: أن اسم الزكاة منوط باسم الذهب والفضة.
خرج عنه: ما قصد به الاستعمال لغرض تزيين النساء لأزواجهن، فيبقى ما عداه على الأصل.
ووجه الأصحِّ في الثانية: القياس على اتخاذ العوامل من المواشي، ووجه مقابله: أنه معدّ للنماء فأشبه ما إذا اشترى حليًّا ليتجر فيه.
واحترز بقوله: (بلا قصد) عمّا إذا قصد اتخاذه كنزًا.. فإن الصحيح: وجوب الزكاة فيه.
(وكذا لو انكسر الحلي) كسرًا يتوقف استعمالُه على الإصلاح باللحّام، ولم يحتج إلى صياغة جديدة، (وقصد إصلاحه) أي: فلا زكاة أيضًا في الأصحِّ وإن دام أحوالًا؛ لدوام صورة الحلي، وقصدِ إصلاحه، والثاني: تجب، لتعذر الاستعمال.
واحترز بقوله: (وقصد إصلاحه) عمّا إذا قصد جعلَه تِبْرًا أو دراهم، أو قصد كنزه.. فإن الزكاة تجب فيه جزمًا، وعمّا إذا لم يقصد شيئًا.. فإن أولى الوجهين في "الشرح الصغير"، والأرجح في "أصل الروضة": أنه يجب قطعًا، لكن في "الشرح الكبير" في أول كلامه: تصحيحُ عدم الوجوب، وقال في "المهمات": إنه الصواب، ففي "الحاوي": أنه المنصوص، وفي "البيان": أنه الجديد، وقال البَنْدَنِيجي: إنه مقتضى نصّه في "الأم" 1.

ويَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ حُلِيُّ الذَّهَبِ إِلَّا الأَنْفَ وَالأَنْمُلَةَ وَالسِّنَّ لَا الإِصْبَعَ، وَيَحْرُمُ سِنُّ الْخَاتَمِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَيَحِلُّ لَهُ مِنَ الْفِضَّةِ الْخَاتَمُ،

(ويحرم على الرجل حلي الذهب) لقوله صلى الله عليه وسلم: "أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لإنَاثِ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا" صححه الترمذي 1. (إلا الأنف) لمن جُدع أنفُه وإن أمكن اتخاذه من فضة؛ لأن عَرْفَجَةَ بن أسعد قطع أنفه يوم الكُلَاب، فاتخذ أنفًا من فضة، فأنتن عليه، فأمره عليه السلام أن يتخذه من ذهب، رواه الترمذي، وصححه ابن حبان 2. والحكمة في الذهب: أنه لا يصدأ، بخلاف الفضة.
(والأنملةَ والسنَّ) قياسًا على الأنف (لا الإصبع) لأنها لا تعمل، فتكون لمجرد الزينة، بخلاف الأنملة، فإنه يمكن تحريكها.
(ويحرم سنّ الخاتم على الصحيح) لعموم أدلة التحريم، ومقابله: احتمال للإمام، قاسه على الضبة الصغيرة في الأواني، وتطريف الثوب بالحرير 3. (ويحل له من الفضة الخاتم) بالإجماع، بل لبسه سنة؛ لأنه عليه السلام اتخذ 4. ويستحب: أن يجعل فصّ الخاتم مما يلي كفه، ثبت ذلك في الحديث 5، وصرح به الرافعي في الوديعة 6. وتوحيده الخاتم وجمعه ما بعده قد يُشعر بامتناع لُبس أكثر من خاتم، وهو ما قال المحب الطبري: إنه المتجه؛ لأن استعمال الفضة حرام إلا ما وردت الرخصة به، ولم ترد إلا في خاتم واحد، قال الإسنوي: والصواب: الجواز، فقد صرح به

وَحِلْيَةُ آلَاتِ الْحَرْبِ - كَالسَّيْفِ وَالرُّمْحِ وَالْمِنْطَقَةِ - لَا مَا لَا يَلْبَسُهُ كَالسَّرْج وَالْلِّجَامِ فِي الأَصَحِّ. وَلَيْسَ لِلْمَرْأَةِ تَحْلِيَةُ آلَةِ الْحَرْبِ، وَلَهَا لُبْسُ أَنْوَاعِ حُلِيِّ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَكَذَا مَا نُسِجَ بِهِمَا فِي الأَصَحِّ. وَالأَصَحُّ: تَحْرِيمُ الْمُبَالَغَةِ فِي السَّرَفِ كَخَلْخَالٍ وَزْنُهُ مِئَتَا دِينَارٍ،

الدارمي فقال: يكره للرجل لبس فوق خاتمين فضةً، وذكر الخوارزمي نحوه 1. ولم يتعرضوا لمقدار وزن الخاتم، وقال الأَذْرَعي: إن الصواب: ضبطه بدون مثقال، واستشهد له بحديث 2. (وحلية آلات الحرب؛ كالسيف، والرمح، والمِنطقة) والدِّرع، والخُوذة، وأطراف السهام ونحوها؛ لأن في ذلك إرهابًا للكفار.
(لا ما لا يلبسه؛ كالسَّرج، واللجام) ونحوهما مما هو منسوب إلى الفَرَس؛ كالرِّكاب، والقلادة (في الأصح) كالأواني، والثاني: يجوز؛ كالسيف.
(وليس للمرأة تحلية الة الحرب) 3 لأن فيه تشبهًا بالرجال، وفيه وجه للشاشي؛ لأن لها لبسه للحرب، فلها تحليته.
(ولها لُبس أنواع حلي الذهب والفضة) بالإجماع؛ للحديث السالف 4، (وكذا ما نسج بهما في الأصح) لعموم الأدلة، والثاني: لا؛ لزيادة السرف والخيلاء.
(والأصح: تحريم المبالغة في السَّرَف) في كلّ ما أبحناه (كخَلْخَال وزنه مئتا دينار) لأن المباح لهن ما يتزين به، ولا زينة في ذلك، بل تنفر منه النفس؛ لاستبشاعه، والثاني: لا يحرم؛ كما يجوز اتخاذ أساور وخلاخيل لتلبس الواحدَ منها بعد الواحد.
وتقييده (السرف) بـ (المبالغة) تبع فيه "المحرر" 5، ولم يقيده به في

وَكَذَا إِسْرَافُهُ فِي آلَةِ الْحَرْبِ، وَجَوَازُ تَحْلِيَةِ الْمُصْحَفِ بِفِضَّةٍ، وَكَذَا لِلْمَرْأَةِ بِذَهَبٍ. وَشَرْطُ زَكَاةِ النَّقْدِ: الْحَوْلُ. وَلَا زَكَاةَ فِي سَائِرِ الْجَوَاهِرِ كَاللُّؤْلُؤِ

"الشرحين"، ولا في "الروضة"، بل اعتبرا مطلق السرف، قال السبكي: وهو الأولى، ويؤيده قول المصنف عقبه: (وكذا إسرافه في آلة الحرب)، فإنه لم يقيده بشيء، ولعل ذكر المبالغة محمول على ما به يتحقق السرف، وعبارة "شرح المهذب": (فيه سرف ظاهر)، وهي تشعر بما حمل عليه لفظ "الكتاب" 1. (وكذا إسرافه في الة الحرب) أي: فيحرم؛ لما فيه من الخيلاء الزائد.
(وجواز تحلية المصحف بفضة) للرجال والنساء؛ إكرامًا له، والثاني: لا؛ كالأواني.
(وكذا للمرأة بذهب) كالتحلي به، والثاني: يجوز لهما؛ إكرامًا، والثالث: المنع مطلقًا؛ لأن الخبر قد ورد بذمّ ذلك، والرابع: يجوز تحلية نفس المصحف دون غلافه المنفصل عنه، وهو ضعيف، ويحرم تحلية عِلاقته بالذهب قطعًا؛ لأنه ليس حلية للمصحف.
واحترز بـ (المصحف): عن تحلية الكتب، فلا يجوز مطلقًا.
(وشرط زكاة النقد: الحول) كما في المواشي.
(ولا زكاة في سائر الجواهر؛ كاللؤلؤ) لأن الأصل عدم الوجوب، ولم يرد فيه نصّ.

بابُ زكاة المعدن والرِّكاز والتجارة مَنِ اسْتَخْرَجَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّة مِنْ مَعْدِنٍ.. لَزِمَهُ رُبُعُ عُشْرِهِ، وَفِي قَوْلٍ: الْخُمْسُ، وَفِي قَوْلٍ: إِنْ حَصَلَ بِتَعَبٍ.. فَرُبُعُ عُشْرِهِ، وإِلَّا.. فَخُمْسُهُ. وَيُشْتَرَطُ النِّصَابُ لَا الْحَوْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ فِيهِمَا

﴿باب زكاة المعدن والركاز والتجارة﴾ الأموال الكامنة في الأرض: إما مخلوقة فيها، وهي: المعدن، بكسر الدال، وإما مدفونة فيها: وهي: الركاز، بكسر الراء؛ لأنه رُكِزَ بالأرض؛ أي؛ غُرز، من قولهم ركزت الرمحَ: إذا غرزته، وقيل: لخفائه في الأرض، ومنه قوله تعالى: ﴿أو تسَمعُ لَهُم رِكْزًا﴾ أي: صوتًا خفيًّا.
والتجارة: تقليب المال وتصريفه؛ لطلب النماء.
(من استخرج ذهبًا أو فضة من معدن) من أرض مباحةٍ أو مملوكة وهو من أهل الزكاة (.. لزمه ربع عشره) لما في "صحيح الحاكم": (أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من المعادن القَبَلِية الصدقة) 1، ولعموم الأخبار في الذهب والفضة 2. واحترز بالذهب والفضة: عما سواهما من أجزاء الأرض، فلا شيء فيها على المذهب.
(وفي قول: الخمس) قياسًا على الركاز بجامع الاختفاء في الأرض.
(وفي قول: إن حصل بتعب) كحفر (.. فربع عشره، وإلا) أي: وإن حصل بلا تعب؛ بأن وجده ببطحاء كشفها السيل (.. فخمسه) لأنه مستفاد من الأرض، فوجب التفصيل في زكاته بين خفة المؤنة وكثرتها؛ كالمعشرات.
(ويشترط: النصاب لا الحول على المذهب فيهما) أما النصاب: فوجه اشتراطه: عموم الأدلة السابقة في زكاة النقد، ووجه عدم اشتراطه -وهو تفريع على

وَيُضمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ إِنْ تتَابَعَ الْعَمَلُ، وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُ النَّيْلِ عَلَى الْجَدِيدِ، وإِذَا قُطِعَ الْعَمَلُ بِعُذْر.. ضُمَّ، وَإِلَّا.. فَلَا يُضمُّ الأَوَّلُ إِلَى الثَّانِي. وَيُضمُّ الثَّانِي إِلَى الأَوَّلِ كَمَا يَضُمُّهُ إِلَى مَا مَلَكَهُ بِغَيْرِ الْمَعْدِنِ فِي إِكْمَالِ النِّصَابِ

وجوب الخمس فيه- أنه مال يخمس، فلم يشترط فيه النصاب؛ كالفيء والغنيمة.
وأما الحول: فوجه عدم اشتراطه: أن الحول إنما اعتبر لأجل تكامل النماء، والمستخرج من المعدن نما في نفسه، فأشبه الثمار والزروع، ووجه اشتراطه: قوله عليه السلام: "لَا زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ" 1، والأول يحمله على غير المعدن.
(ويضم بعضه إلى بعض إن تتابع العمل) كما يضم ما يتلاحق من الثمار، ولا يشترط بقاء الأول على ملكه.
(ولا يشترط اتصال النيل على الجديد) لأنه لا يحصل غالبًا إلا متفرقًا، والقديم: أنه إن طال زمن قطع النَّيْل.. فلا ضمّ؛ كما لو قطع العمل، وكحَمْلَي سنتين، فإن قصر زمان الانقطاع.. لم يقدح في الضمّ قطعًا.
ومحلّ الخلاف: إذا لم نعتبر الحول، وإلا.. ضمّ قطعًا؛ قاله في "المعين".
(وإذا قطع العمل بعذر.. ضمّ) وإن طال الزمان؛ لأنه عاكفٌ على العمل متى ارتفع العذر.
(وإلا) أي: وإن قطع بغير عذر (.. فلا) ضمّ؛ لإعراضه، ومعنى عدم الضم: أنه لا (يضم الأول إلى الثاني) في واجب حقّ المعدن، (ويضم الثاني إلى الأول؛ كلما يضمه إلى ما ملكه بغير المعدن في إكمال النصاب) أي: حتى يخرج حصة الموجود من المعدن الآن وإن كان دون النصاب؛ لأن ما وجده لا حول له، بخلاف ما عنده، والمجموعُ نصاب، فيعطى كلُّ بعضٍ حكمَه 2.

وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ مَصْرَفُ مَصْرِفَ الزَّكَاةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَشَرْطُهُ النِّصَابُ وَالنَّقْدُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَا الْحَوْلُ, وَهُوَ الْمَوْجُودُ الْجَاهِلِيُّ،

(وفي الركاز الخمس) هذا نصّ الحديث المتفق عليه 1. وخالف المَعدِن من حيث إنه لا مؤنة في تحصيله، أو مؤنته قليلةٌ، فكثر واجبه، ومؤنة المَعدِن تكثر، فقلّ واجبه؛ كالمُعشَّرات.
(يصرف مصرف الزكاة على المشهور) أي: ولا يجب إلا على من تجب عليه الزكاة؛ لأنه حقّ واجب مستفاد من الأرض، فأشبه الواجب في الزرع والثمار، ورجح في "أصل الروضة"، و"شرح المهذب" القطع به 2، والثاني: أنه يصرف لأهل الخمس؛ لأنه مال جاهلي حصل الظَّفَرُ به من غير إيجاف خيل ولا ركاب، فكان كالفيء، فعلى هذا: يجب على المكاتب، ولا يحتاج إلى نية؛ لأنه خرج عن القربة، نصّ عليه 3. (وشرطه: النصاب والنقد) أي: المضروب وغيره (على المذهب) لأنه مال مستفاد من الأرض، فاختصّ بما تجب فيه الزكاة؛ كالمعدن، فعلى هذا: لو كان عنده ما يكمل به النصاب.. فهو كنظيره من المَعدِن، والثاني: لا يشترطان؛ لعموم قوله عليه السلام: "وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ"، والطريق الثاني: القطع بالأول.
(لا الحول) بالإجماع، وخالف المَعدِن على رأي؛ للمشقة فيه.
(وهو) أي: الركاز (الموجود الجاهلي) أي: دفين الجاهلية، والمراد بالجاهلية: ما قبل الإسلام، سمُّوا بذلك؛ لكثرة جهالاتهم، قال السبكي: والحق: أنه لا يشترط العلم بكونه من دفنهم؛ فإنه لا سبيل إليه، وإنما نكتفي بعلامة تدل عليه من ضرب أو غيره.
= وإذا مضى حول من حين استخراجها.. أوجبنا عليه زكاة ما استخرجه أولًا، وهو الخمسون؛ لأن المجموع نصاب، وهكذا لو كان المال الأول من غير المعدن، بل بالإرث، أو الهبة، أو نحوهما، ثم حصل له من المعدن تمامه.
اهـ هامش (أ).

فَإِنْ وُجِدَ إِسْلَامِيٌّ عُلِمَ مَالِكُهُ.. فَلَهُ، وَإِلَّا.. فَلُقَطَةٌ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يُعْلَمْ مِنْ أَيِّ الضَّرْبَيْنِ هُوَ. وَإنَّمَا يَمْلِكُهُ الْوَاجِدُ وَتلزَمُهُ الزَّكَاةُ إِذَا وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ أَوْ مِلْكٍ أَحْيَاهُ. فَإِنْ وُجِدَ فِي مَسْجِدٍ أَوْ شَارِعٍ.. فَلُقَطَةٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، أَوْ فِي مِلْكِ شَخْصٍ.. فَلِلشَّخْصِ إِنِ ادَّعَاهُ، وَإِلَّا.. فَلِمَنْ مُلِكَ مِنْهُ، وَهكَذَا حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الْمُحْيِي. وَلَوْ تنَازَعَهُ بَائِعٌ وَمُشْتَرٍ، أَوْ مُكْرٍ وَمُكْتَرٍ، أَوْ مُعِير وَمُسْتَعِيرٌ

(فإن وُجد إسلامي) بأن كان عليه شيء من القرآن، أو اسم ملك من ملوك الإسلام (علم مالكه.. فله) أي: يجب ردّه عليه؛ لأن مال المسلم لا يملك بالاستيلاء عليه.
(إلا) أي: وإن لم يعلم مالكه (.. فلُقَطَةٌ) فيفعل فيه ما يفعل باللقطة الموجودة على وجه الأرض.
(وكذا إن لم يُعلم من أي الضربين هو) لفقد علامة؛ كتبر وحلي، وما يُضرب مثلُه في الجاهلية والإسلام؛ تغليبًا لحكم الإسلام.
(وإنما يملكه الواجد) يعني: الموجود الجاهلي (وتلزمه الزكاة إذا وجده في مَوَاتٍ أو مِلك أحياه) أما الملك في هذين.. فلعموم الأدلة، وأما عدمه فيما عداهما.. فلما سيأتي، ولا فرق في الموات بين دار الإسلام ودار العهد، وكذا دار الحرب على الأصح.
(فإن وُجد في مسجد أو شارع.. فلقطة على المذهب) لأن يد المسلمين عليه وقد جهل مالكه، فيكون لقطة، وقيل: إنه ركاز؛ لأنه جاهلي في مكان غير مملوك، فأشبه الموات.
(أو في ملك شخص.. فللشخص إن ادعاه) أي: بلا يمين؛ كالأمتعة في الدار، (وإلا) أي: وإن لم يدعه بل نفاه (.. فلمن ملك منه، وهكذا حتى ينتهي إلى المُحْي) أي: فيكون له وإن لم يدعه؛ لأنه بالإحياء ملك ما في الأرض منه، وبالبيع لم يزل مِلكه عنه؛ لأنه مدفون منقول، فإن كان المُحْيي أو من تَلَقَّى الملك عنه ميتًا.. فورثته قائمون مقامه، فإن وافق بعض الورثة أنه لمورثه.. سُلِّم نصيب المدعي إليه وسلك بالباقي ما ذكرناه.
(ولو تنازعه بائع ومشتر، أو مكر ومكترٍ، أو معير ومستعير) بأن قال المشتري

صُدِّقَ ذُو الْيَدِ بِيَمِينِهِ.

فصْلٌ [في أحكام زكاة التجارة]

شَرْطُ زَكَاةِ التِّجَارَةِ الْحَوْل، وَالنِّصَابُ مُعْتبَرًا بِآخِرِ الْحَوْل، وَفِي قَوْل: بِطَرَفَيْهِ، وَفِي قَوْل: بجَمِيعِهِ. فَعَلَى الأَظْهَرِ: لَوْ رُدَّ إِلَى النَّقْدِ فِي خِلَال الْحَوْل، وَهُوَ دُونَ النِّصَابِ، وَاشْتَرَى بِهِ سِلْعَةً.. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَنْقَطِعُ الْحَوْل، وَيَبْتَدِئُ حَوْلُهَا مِنْ شِرَائِهَا

والمكتري والمستعير: هو لي وأنا دفنته، وقال البائع.
والمكري والمعير مثل ذلك (.. صدِّق ذو اليد) وهو المشتري والمكترى والمستعير (بيمينه) كغيره من الأمتعة، هذا إذا احتمل صدق صاحب اليد ولو على بُعدٍ، فأما إذا لم يحتمل؛ لكون مثله لا يمكن دفنه في مدة يده.. فلا يصدق صاحب اليد.

هذا الفصل معقود لزكاة التجارة، قال ابن المنذر: (وأجمع عامة أهل العلم على وجوبها 1. (فصل: شرط زكاة التجارة: الحول، والنصاب) كغيرها من المواشي، والناضّ (معتبرًا بآخر الحول) فقط؛ لأنه وقت الوجوب، (وفي قول: بطرفيه) أما الأول.. فليَجريَ في الحول، وأما الآخر.. فلأنه وقت الوجوب ولا يعتبر ما بينهما؛ لأن تقويم العرض في كلّ لحظة يشقّ، (وفي قول: بجميعه) كالمواشي، فعلى هذا: لو نقصت القيمة عن النصاب في لحظة.. انقطع الحول؛ فإن كمل بعد ذلك.. استأنف الحول من يومئذ.
(فعلى الأظهر) وهو اعتبار آخر الحول (لو رُدَّ إلى النقد في خلال الحول وهو دون النصاب، واشترى به سلعة.. فالأصح: أنه ينقطع الحول، ويبتدئُ حولها من شرائها) لتحقق نقصانها حِسًّا بالتنضيض، والثاني: لا ينقطع؛ كما لو بادل بها سلعة

وَلَوْ تَمَّ الْحَوْلُ وَقِيمَةُ الْعَرْضِ دُونَ النِّصَابِ.. فَألأَصَحُّ: أَنَّهُ يَبْتَدِئُ الْحَوْلُ، وَيَبْطُلُ الأَوَّلُ. وَيَصِيرُ عَرْضُ التِّجَارَةِ لِلْقُنْيَةِ بِنِيَّتِهَا،

ناقصة عن النصاب.. فإن الحول لا ينقطع على الصحيح 1. وصورة المسألة: إذا ردّ إلى النقد الذي يقوّم به، [فلو باع بالدراهم] 2 والحالُ يقتضي التقويم بالدنانير.. فهو كبيع سلعة بسلعة، والأصحُّ: أنه لا ينقطع، وهذا الحكم يجري أيضًا إذا قلنا بالقول الثاني من باب أولى.
(ولو تمّ الحول وقيمة العرض دون النصاب.. فالأصح: أنه يبتدئ الحول، ويبطل الأول) لأنه مضى ولا زكاة فيه، والثاني: لا ينقطع، بل متى بلغت نصابًا.. لزمته الزكاة، ويبتدئ الحول الثاني من ذلك الوقت.
ومحل الخلاف: ما إذا لم يكن له من جنس ما يكمل به النصاب، أما لو كان له؛ مثل: أن يملك مئةَ درهم، فيشتري بخمسين منها عرضًا للتجارة، وبقيت الخمسون عنده، وبلغت قيمة العرض آخر الحول مئة وخمسين.. فإن ذلك يضمّ إلى ما عنده، ويلزمه زكاة الكلّ قطعًا، بخلاف ما لو اشترى بالمئة وملك الخمسين بعد ذلك؛ لأن الخمسين إنما يضمّ في النصاب لا في الحول، بل إذا تمَّ حول الخمسين.. زكَّى المئتين؛ قاله في "شرح المهذب" 3. (ويصير عرضُ التجارة للقنية بنيتها) أي: بنية القِنية، بخلاف عرض القِنية، لا يصير للتجارة بالنية على الأصحِّ كما سيأتي، والفرق: أن القِنية هو: الحبس للانتفاع وقد وجد بالنية المذكورة مع الإمساك 4، فرتبنا عليها أثرها، والتجارة هو: التقليب بقصد الأرباح ولم يوجد ذلك.

جارٍ التحميل