بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 558-598

وَالصَّحِيحُ: اشْتِرَاطُ حُصُولِ شَرْطِ الصَّوْمِ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ. وَيَجِبُ التَّعْيِينُ فِي الْفَرْضِ،

وإذا نوى في أثناء النهار وجوزناه.. انعطفت النية علي ما مضي، وكان صائمًا من أول النهار علي الصحيح.
(والصحيح: اشتراط حصول شرط الصوم من أول النهار) أي: الخلوّ عن أكل، وجماع، واستقاءة، وحيض، وجنون، وكفر، وإلا.. لم يحصل مقصود الصوم، وهو خلوّ النفس عن الموانع في اليوم بكماله، والثاني: أنه لا يشترط ذلك؛ لأن الصوم إذا كان محسوبًا من وقت النية.. كان بمثابة جزء من الليل.
ومحل الخلاف: إذا قلنا: إنه صائم من وقت النية، أما إذا قلنا بالأصح: أنه صائم من أول النهار.. فلا بدّ من اجتماع شرائط الصوم من أول النهار جزمًا.
(ويجب التعيين في الفرض) بأن ينوي كلَّ ليلة أنه صائم غدًا عن رمضان، أو عن نذر، أو كفارة؛ لأنه عبادةٌ مضافةٌ إلي وقت؛ فوجب التعيين في نيتها؛ كالصلوات الخمس.
وخرج بـ (الفرض): النفل؛ فإنه يصحّ بنية مطلقة؛ كما أطلقه الأصحاب، واستثني ابن أبي الدم: صوم الصبي، فلا بدّ فيه من التعيين؛ كالتبييت.
قال في "شرح المهذب": وينبغي: اشتراط التعيين في الصوم الراتب؛ كعرفة، وعاشوراء، وأيام البيض، وستة من شوال؛ كرواتب الصلاة 1، والحق الإسنوي بذلك ما له سبب؛ كصوم الاستسقاء إذا لم يأمر به الإمامُ؛ كما في نظيره من الصلاة أيضًا.
ويستثنى من إطلاق المصنف: ما لو تيقن أن عليه صوم يوم وشك في كونه قضاءً، أو نذرًا، أو كفارةً.. ينوي الصوم الواجب، ويجزئه، واغتفر التردّد، حكاه في "شرح المهذب" عن رواية صاحب "البيان" عن الصَّيْمَري، وأقره 2.

وَكَمَالُهُ فِي رَمَضَانَ: أَنْ يَنْوِيَ صَوْمَ غَدٍ عَنْ أَدَاءِ فَرْضِ رَمَضَانِ هَذِهِ السَّنَةِ للهِ تَعَالَي. وَفِي الأَدَاءِ وَالْفَرْضِيَّةِ وَالإِضَافَةِ إِلَي اللهِ تَعَالَي الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي الصَّلَاةِ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ السَّنَةِ. وَلَوْ نَوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ صَوْمَ غَدٍ عَنْ رَمَضَانَ إِنْ كَانَ مِنْهُ، فَكَانَ مِنْهُ

(وكماله) أي: كمال التعيين؛ كما قاله في "المحرر" 1 (في رمضان: أن ينوي صوم غدٍ عن أداء فرض رمضان هذه السنة لله تعالي) لأنه إذا نوى كذلك.. صحت نيته بالاتفاق، والتعرض للغد قد يكون بخصوصه، وقد يكون بإدخاله في عموم؛ فإنه لو نوى في أول ليلة من رمضان صوم رمضان.. صحت لليوم الأول على الأصحِّ.
واحترز بـ (الأداء): عن القضاء، وبـ (الفرض): عن النفل، وبـ (رمضان): عن النذر والكفارة، وبـ (هذه السنة): عن سنة أخري إلا أن فرض غيرها لا يكون إلا قضاء، وقد خرج بقيد الأداء، وبقيد الغد.
(وفي الأداء والفرضية والإضافة إلي الله تعالي الخلافُ المذكور في الصلاة) كذا ذكره الرافعي في كتبه، والمصنف في "الروضة"، وظاهره: أن يكون الأصحُّ: اشتراط الفرضية، دون الأداء والإضافة 2، لكن صحح في "شرح المهذب": عدم اشتراط الفرضية، وحكاه عن تصحيح الأكثرين 3. وفرِّق بين البابين: بأن صوم البالغ رمضانَ لا يكون إلا فرضًا، وصلاة الظهر قد تكون نفلًا في حقّ من صلاها ثانيًا، قال في "المهمات": والفتوي علي ما في "شرح المهذب" 4. (والصحيح: أنه لا يشترط تعيين السنة) لأن تعيين اليوم وهو الغد يغني عنه، والثاني: يشترط؛ ليمتاز عما يأتي به في سنة أخري.
(ولو نوى ليلةَ الثلاثين من شعبان صومَ غدٍ عن رمضان إنْ كان منه، فكان منه..

لَمْ يَقِعْ عَنْهُ إِلَّا إِذَا اعْتَقَدَ كَوْنَهُ مِنْهُ بِقَوْلِ مَنْ يَثِقُ بِهِ؛ مِنْ عَبْدٍ أَوِ امْرَأَةٍ أَوْ صِبْيَانٍ رُشَدَاءَ. وَلَوْ نوَى لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ صَوْمَ غَدٍ إِنْ كَانَ مِنْ رَمَضَانَ.. أَجْزَأَهُ إِنْ كَانَ مِنْهُ..

لم يقع عنه) وكذا إن يقل، ولم ينو إن كان منه؛ لأن النية ليست جازمة.
(إلا إذا اعتقد) أي: ظنّ (كونه منه بقول من يثق به؛ من عبد أو امرأة أو صبيان رشداء) لأن غلبة الظنّ هنا كاليقين؛ كما في أوقات الصلاة.
وقضية كلامه؛ كـ "الشرحين" و"الروضة": أن الصبي الواحد لا يجوز اعتماده، بل لا بدّ من جمع منهم، لكن في موضعين من "شرح المهذب" أنه يكفي الاعتماد عليه، قال في "المهمات": والفتوي على المنع؛ ففي "البحر" ما حاصله: أن الجمهور عليه 1. وليس المراد بالرشد هنا المرادَ به في قوله: (شرط العاقد: الرشد)، بل المراد: ألَّا يُجرَّب عليه الكذب، قال في "المهمات": ولا يبعد [اعتبار] اجتناب النواهي خصوصًا الكبائر، والظاهر: أن الرشد قيد في الصبيان، ويحتمل عوده إلي الباقي 2. وقد استشكل ما ذكروه هنا من صحة الصوم اعتمادًا علي قول من ذكر، مع تفسيرهم يوم الشك باليوم الذي يتحدث برؤيته فيه مَنْ لا يعتمد قوله؛ من عبيد وصبيان ونساء وفسقة، فإن مقتضاه: تحريم صومه.
وجمع بينهما: بأن الكلام هنا فيما إذا تبين كونه من رمضان، وهناك فيما إذا لم يتبين شيء، فليس الاعتماد علي هؤلاء في الصوم، بل في النية فقط؛ فإذا نوي اعتمادًا علي قولهم، ثم تبَّين ليلًا كونُ غدٍ من رمضان.. لا يحتاج إلي تجديد نية أخرى، ألا تراهم لم يذكروا هذا فيما يثبت به الشهر، وإنما ذكروه فيما يعتمد عليه في النية.
(ولو نوى ليلة الثلاثين من رمضان صومَ غد إن كان من رمضان.. أجزأه إن كان منه) لأن الأصل: بقاؤه.

وَلَوِ اشْتَبَهَ.. صَامَ شَهْرًا بِالاجْتِهَادِ، فَإِنْ وَافَقَ مَا بَعْدَ رَمَضَانَ.. أَجْزَأَهُ، وَهُوَ قَضَاءٌ عَلَى الأَصَحِّ، فَلَوْ نَقَصَ وَكَانَ رَمَضَانُ تَامًّا.. لَزِمَهُ يَوْمٌ آخَرُ، وَلَوْ غَلِطَ بِالتَّقْدِيمِ وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ.. لَزِمَهُ صَوْمُهُ، وَإِلَّا.. فَالْجَدِيدُ: وُجُوبُ الْقَضَاءِ. وَلَوْ نَوَتِ الْحَائِضُ صَوْمَ غَدٍ قَبْلَ انْقِطَاعِ دَمِهَا، ثُمَّ انْقَطَعَ لَيْلًا.. صَحَّ إِنْ تَمَّ فِي اللَّيْلِ أَكْثَرُ الْحَيْضِ، وَكَذَا قَدْرُ الْعَادَةِ فِي الأَصَحِّ

(ولو اشتبه) رمضان علي أسير، أو محبوس، أو نحوهما (.. صام شهرًا بالاجتهاد) كما يجتهد للصلاة في القبلة والوقت.
(فإن وافق ما بعد رمضان.. أجزأه) قطعًا، وغايته: أنه أوقع القضاء بنية الأداء (وهو قضاء على الأصح) لوقوعه بعد الوقت، والثاني: أنه أداء؛ لأن العذر قد يَجعل غيرَ الوقت وقتًا؛، كما في الجمع بين الصلاتين.
وفائدة الخلاف: ذكرها المصنف بقوله: (فلو نقص) الشهر الذي صامه بالاجتهاد (وكان رمضان تامًّا.. لزمه يوم آخر) بناء على أنه قضاء، وعلى مقابله: لا يلزمه شيء، ولو انعكس الحال؛ فإن قلنا: إنه قضاء.. فله إفطارُ اليوم الأخير إذا عرف الحال، وإن قلنا: أداء.. فلا.
(ولو غَلِط بالتقديم وأدرك رمضان.. لزمه صومه) لتمكنه منه في وقته.
(وإلا) أي: وإن لم يدرك رمضان (.. فالجديد: وجوب القضاء) لأنه أتى بالعبادة قبل الوقت فلا تجزئه؛ كما في الصلاة، والقديم: المنع؛ كالحجيج إذا وقفوا العاشرَ غلطًا.
وبناهما جماعةٌ على ما إذا وافق ما بعده هل يكون قضاء أو أداء؟ إن قلنا: قضاء.. لم يجزه هنا؛ لأن القضاء لا يسبق الأداء، وإن قلنا: أداء.. أجزأه.
ولو أدرك بعضَ رمضان.. لزمه صوم ما أدرك منه قطعًا، وفي قضاء ما مضى القولان.
(ولو نوت الحائض صومَ غد قبل انقطاع دمها، ثم انقطع ليلًا.. صحّ إن تمَّ في الليل أكثر الحيض) لأنها جازمة بأنَّ غدها كلَّه طهر.
(وكذا قدر العادة في الأصح) لأن الظاهر استمرارُ عادتها؛ فقد بنت نيتها على

فَصْلٌ [في شرط الصوم]

شَرْطُ الصَّوْمِ: الإِمْسَاكُ: عَنِ الْجِمَاع، وَالاسْتِقَاءَةِ، وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ شَيْءٌ إِلَى جَوْفِهِ.. بَطَلَ. وَلَوْ غَلَبَهُ الْقَيْءُ.. فَلَا بَأْسَ، وَكَذَا لَوِ اقْتَلَعَ نُخَامَةً وَلَفَظَهَا فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ نَزَلَتْ مِنْ دِمَاغِهِ وَحَصَلَتْ فِي حَدِّ الظَّاهِرِ مِنَ الْفَمِ

أصل صحيح، والثاني: لا يصح؛ لأنها قد تختلف، فإن لم يتم أكثر الحيض في الليل، ولم تكن لها عادة أصلًا، أو كان لها عادة مختلفة.. لم يصحّ الصوم؛ لأنها لم تجزم بالنية ولا بنتها على أصل.

(فصل: شرط) صحة (الصوم: الإمساك عن الجماع) بالإجماع، والمراد بالشرط: ما لا بدّ منه، لا الشرط الاصطلاحي؛ كما مرّ في النية.
(والاستقاءة) لحديث: "مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ وَهُوَ صائِمٌ.. فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ.. فَلْيَقْضِ" صححه ابن حبان، وغيره 1. (والصحيح: أنه لو تيقن أنه لم يرجع شيء إلى جوفه.. بطل) بناء على أن العلة في البطلان نفسُ الاستقاءة، ووجه مقابله: البناء على أن العلة في البطلان فيه رجوعُ شيء مما خرج وإن قلَّ.
(ولو غلبه القيء.. فلا بأس) للحديث المارّ، (وكذا لو اقتلع نُخامةً) من الباطن (ولفظها في الأصح) لأن الحاجة إليه تتكرر، فرخص فيه، والثاني: يفطر به؛ كالاستقاءة، ورجح في "الروضة"، و"شرح المهذب" القطع بالأول 2. واحترز بقوله: (ولفظها) عما إذا بقيت في محلّها، فإنه لا يفطر، وعما إذا ابتلعها بعد أن خرجت إلى الظاهر، فإنه يفطر.
(ولو نزلت من دماغه، وحصلت في حدّ الظاهر من الفم) بأن انصبت من الدماغ

فَلْيَقْطَعْهَا مِنْ مَجْرَاهَا وَلْيَمُجَّهَا، فَإِنْ تَرَكَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ فَوَصَلَتِ الْجَوْفَ.. أَفْطَرَ فِي الأَصَحِّ. وَعَنْ وُصُولِ الْعَيْنِ إِلَى مَا يُسَمَّي جَوْفًا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ مَعَ هَذَا أَنْ تَكُونَ فِيهِ قُوَّةٌ تُحِيلُ الْغِذَاءَ أَوِ الدَّوَاءَ

في الثقبة النافذة من الدماغ إلى أقصى الفم فوق الحلقوم (.. فليقطعها من مجراها، وليمُجَّها، فإن تركها مع القدرة فوصلت الجوف.. أفطر في الأصح) لتقصيره، والثاني: لا؛ لأنه لم يفعل شيئًا، وإنما أمسك عن الفعل، قال ابن الصلاح: ولعله أقرب 1. أما إذا لم تحصل النخامة في حدّ الظاهر.. فلا مبالاة بها، وكذا إذا حصلت فيه ولم يقدر على مَجِّها.
وأشار بقوله: (من مجراها) إلى أنه لو ردّها إلي أقصي الفم، أو ارتدت إليه، ثم ابتلعها.. أنه يفطر لا محالة.
والمراد بالباطن: مخرج (الهاء) و (الهمزة)، وبـ (الظاهر): مخرج (الخاء) المعجمة، وأما مخرج المهملة.. فقال الرافعي تبعًا للغزالي: إنه من الباطن، وقال المصنف: إنه من الظاهر 2. (وعن وصول العين إلى ما يُسمَّي جوفًا) ولو حبة سمسم؛ لأن الصوم هو الإمساكُ عن كلّ ما يصل إلى الجوف، وفاعل هذا ما أمسك.
واحترز بـ (العين): عن الأثر؛ كالريح بالشم، وحرارة الماء وبرودته، وبـ (الجوف): عما لو داوى جراحة على لحم الساق والفخذ، فوصل الدواء إلى داخل المخ أو اللحم، أو غرز فيه حديدة، فإنه لا يفطر؛ لأنه ليس بجوف.
(وقيل: يشترط مع هذا: أن تكون فيه) أي: في الجوف (قوةٌ تحيل الغذاء أو الدواء) لأن ما لا تحيله لا تغتذي به النفسُ ولا ينتفع به البدن؛ فأشبه الواصلَ إلى غير الجوف، والصحيح: عدم الاشتراط؛ قياسًا على الحلق، فإنه يفطر بالوصول إليه، مع كونه لا يحيل.

فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ: بَاطِنُ الدِّمَاغٍ وَالْبَطْنِ وَالأَمْعَاءِ وَالْمَثَانَةِ مُفَطِّرٌ بِالاسْتِعَاطِ أَوِ الأَكْلِ أَوِ الْحُقْنَةِ، أَوِ الْوُصُولِ مِنْ جَائِفةٍ وَمَأْمُومَةٍ وَنَحْوِهِمَا. وَالتَّقْطِيرُ فِي بَاطِنِ الأُذُنِ وَالإِحْلِيلِ مُفَطِّرٌ فِي الأَصَحِّ. وَشَرْطُ الْوَاصِلِ: كَوْنُهُ مِنْ مَنْفَذٍ مَفْتُوح، فَلا يَضُرُّ وُصُولُ الدُّهْنِ بِتَشَرُّبِ الْمَسَامِّ، وَلَا الاكْتِحَالُ وَإِنْ وَجَدَ طَعْمَهُ بِحَلْقِهِ، وَكَوْنُهُ بِقَصْدٍ، فَلَوْ وَصَلَ جَوْفَهُ ذُبَابٌ، أَوْ بَعُوضَةٌ، أَوْ غُبَارُ الطَّرِيقِ، وَغَرْبَلَةُ الدَّقِيقِ.. لَمْ يُفْطِرْ. وَلَا يُفْطِرُ بِبِلْعِ رِيقِهِ مِنْ مَعْدِنِهِ، فَلَوْ خَرَجَ عَنِ الْفَمِ ثُمَّ رَدَّهُ وَابْتَلَعَهُ، أَوْ بَلَّ خَيْطًا بِرِيقِهِ وَرَدَّهُ إِلَى فمِهِ وَعَلَيْهِ رُطُوبَةٌ

(فعلى الوجهين: باطن الدماغ والبطن والأمعاء) وهي المصارين، (والمثانة) وهي مَجْمَع البولِ (مفطِّرٌ بالاستعاط أو الأكل أو الحُقنة، أو الوصول من جائفةٍ ومأمومةٍ ونحوهما) لأنه جوف محيل، وفي كلامه لفّ ونشر؛ فالاستعاط للدماغ، والأكل للبطن، والحُقنة للأمعاء وللمثانة أيضًا؛ فإن البول يعالج بها؛ كما يعالج بها الغائط، والوصول من الجائفة والمأمومة يعود إلى الجميع.
(والتقطير في باطن الأذن والإحليلِ مفطِّرٌ في الأصح) بناء على الوجه الأول، وهو اعتبار كلّ ما يسمّى جوفًا، والثاني: لا؛ بناء على مقابله؛ لعدم قوة الإحالة.
(وشرط الواصل: كونُهُ من منفذ مفتوح، فلا يضرّ وصول الدهن بتشرب المسامِّ) وهي ثقب البدن، (ولا الاكتحال وإنْ وجدَ طعمَهُ بحلقه) كما لا يضرّ الانغماس بالماء وإن وجد أثره في باطنه، ولا يكره الاكتحال سواء تنخمه أم لا.
والمنفذ بفتح الفاء: كالمدخل والمخرج؛ كذا ضبطه المصنف بخطه 1. (وكونه بقصد، فلو وصل جوفَه ذباب، أو بعوضة، أو غبار الطريق، وغربلة الدقيق.. لم يفطر) وإن أمكن اجتناب ذلك بإطباق الفم أو غيره؛ لما فيه من المشقة الشديدة، بل لو فتح فاه عمدًا حتي وصل الغبار إلي جوفه.. لم يفطر علي الصحيح.
(ولا يُفطر ببلع ريقه من مَعدِنه) بالإجماع، ومعدن الريق: هو الموضع الذي فيه قراره، ومنه ينبع، وهو الحنك الأسفل تحت اللسان.
(فلو خرج عن الفم ثم ردَّه وابتلعه، أو بلَّ خيطًا بريقه، وردّه إلي فمه وعليه رطوبة

تَنْفَصِلُ، أَوِ ابْتَلَعَ رِيقَهُ مَخْلُوطًا بِغَيْرِهِ أَوْ مُتَنَجِّسًا.. أَفْطَرَ. وَلَوْ جَمَعَ رِيقَهُ فَابْتَلَعَهُ.. لَمْ يُفْطِرْ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ سَبَقَ مَاءُ الْمَضْمَضَةِ أَوِ الاسْتِنْشَاقِ إِلَي جَوْفِهِ.. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِنْ بَالَغَ.. أَفْطَرَ، وإِلَّا.. فَلَا

تنفصلُ) وابتلعها، (أو ابتلع ريقه مخلوطًا بغيره) كأن فتل خيطًا مصبوغًا، وتغيَّر به ريقه، (أو متنجسًا) وإن لم يكن مختلطًا بشيء؛ كما إذا دَمِيت لثتُه فبصق حتي صفي ريقه، ثم ابتلعه صافيًا (.. أفطر) أما في الأولى.. فلأنه خرج عن معدنه وصار كالأعيان الخارجة، وأما في الثانية.. فلأنه لا ضرورة إليه، وقد ابتلعه بعد مفارقة المَعدِن، وأما في الثالثة.. فلأنه أجنبي غير الريق 1. (ولو جمع رِيقه فابتلعه.. لم يفطر في الأصح) كابتلاعه متفرقًا من مَعْدِنه، والثاني: يفطر؛ لتيسر الاحتراز عنه.
واحترز بقوله: (جمعه): عما لو اجتمع بلا قصد؛ فإنه لا يضرُّ قطعًا.
(ولو سبق ماء المضمضة أو الاستنشاق إلى جوفه) المعروف، أو دماغه (.. فالمذهب: أنه إن بالغ.. أفطر) لأنه منهي عنه؛ كما مرَّ في الوضوء، (وإلا.. فلا) لوصوله بغير اختياره.
واعلم: أن المسألة علي قولين، وفي محلّهما طرق: أصحها: في "المحرر": أنهما فيما إذا لم يبالغ، فإن بالغ.. أفطر قطعًا، والثانية: فيما إذا بالغ، وإلا.. لم يفطر قطعًا، وصححها: في "الشرحين" 2، والثالثة: أنهما جاريان في الحالين؛ فلهذا عبر المصنف بـ (المذهب).
هذا كله في المضمضة والاستنشاق المشروعين، فإن سبقه من رابعةٍ.. فالمختار في "الروضة": الجزم بالإفطار للنهي عنها 3. وغسل الفم من النجاسة؛ كالمضمضة، قال الرافعي: والمبالغة هنا للحاجة ينبغي

وَلَوْ بَقِيَ طَعَامٌ بَيْنَ أَسْنَانِهِ فَجَرَى بِهِ رِيقُهُ.. لَمْ يُفْطِرْ إِنْ عَجَزَ عَنْ تَمْيِيزِهِ وَمَجِّهِ، وَلَوْ أُوجِرَ مُكْرَهًا.. لَمْ يُفْطِرْ، فَإِنْ أُكْرِهَ حَتَّي أَكَلَ.. أَفْطَرَ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: لَا يُفْطِرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَكَلَ نَاسِيًا.. لَمْ يُفْطِرْ إِلَّا أَنْ يُكْثِرَ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: لَا يُفْطِرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

أن تكون كالمضمضة بلا مبالغة، وجزم به في "الشرح الصغير"، وقال في "شرح المهذب": هو متعين 1. (ولو بقي طعامٌ بين أسنانه فجرى به ريقه.. لم يفطر إن عَجَز عن تمييزه ومجِّه) لأنه معذور فيه غير مفرط، فإن لم يعجز.. أفطر؛ لتقصيره.
واحترز بقوله: (فجرى): عمَّا إذا ابتلعه قصدًا؛ فإنه يفطر قطعًا.
(ولو أُوجِر مكرهًا.. لم يفطر) لانتفاء الفعل والقصد منه، والإيجار: صب الماء في حلقه، وحكم سائر المفطرات حكم الإيجار.
(فإن أكره حتى أكل) أو شرب (.. أفطر في الأظهر) لأنه حصل من فعله لدفع الضرر عن نفسه فأفطر به؛ كما لو أكل لدفع الضرر والجوع.
(قلت: الأظهر: لا يفطر، والله أعلم) لأن حكم اختياره ساقط، بخلاف من أكل خوفًا علي نفسه، فأشبه الناسي، بل هو أولى منه؛ لأنه مخاطب بالأكل؛ لدفع ضرر الإكراه عن نفسه، والناسي ليس مخاطبًا بأمرٍ ولا نهي.
(ولو أكل ناسيًا.. لم يفطر) لحديث: "مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ.. فَلْيُتِمَّ صوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ الله وَسَقَاهُ" متفق عليه 2، وفي "صحيح ابن حبان" وغيره: "وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ" 3. (إلا أن يُكثر في الأصح) لأن النسيان مع الكثرة نادر، ولهذا تبطل الصلاة بالكلام الكثير ناسيًا، قال في "الأنوار": والكثير كثلاث لقم 4، (قلت: الأصح: لا يفطر، والله أعلم) لعموم الحديث المارّ.

وَالْجِمَاعُ كَالأَكْلِ عَلَي الْمَذْهَبِ. وَعَنِ الاسْتِمْنَاءِ، فَيُفْطِرُ بِهِ، وَكَذَا خُرُوجُ الْمَنِيِّ بِلَمْسٍ وَقُبْلَةٍ وَمُضَاجَعَةٍ، لَا الْفِكْرِ والنَّظَرِ بِشَهْوَةٍ. وَتُكْرَهُ الْقُبْلَةُ لِمَنْ حَرَّكَتْ شَهْوَتَهُ، وَالأَوْلَى لِغَيْرِهِ تَرْكُهَا. قُلْتُ: هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ فِي الأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ

والفرق بينه وبين الصلاة: أن المصلي مُشتغل بأفعال وأقوال تُذكِّره أنه في الصلاة، فيندر وقوع ذلك منه، بخلاف الصائم.
(والجماع كالأكل علي المذهب) في أنه لا يفطر بالنسيان؛ كغيره من المفطرات، والطريق الثاني: أنه على القولين في جماع المحرم ناسيًا.
وفرق الأول: بأن المحرم له هيئةٌ يتذكر بها الإحرام، فإذا نسي.. كان مُقصِّرًا، بخلاف الصائم.
(وعن الاستمناء) أي: شرط الصوم: الإمساك عن الجماع وعن الاستمناء، وهو: استخراج المني بغير الجماع (فيفطر به) لأن الإيلاج من غير إنزال مبطلٌ، فالإنزال بنوع شهوة أولى.
ولو حكَّ ذكره لعارض فأنزل.. فالأصحُّ في "شرح المهذب": أنه لا يفطر 1؛ لأنه متولد من سبب مباح، قال الأَذْرَعي: فلو علم من نفسه أنه إذا حكَّه أنزل.. فالقياس: الفطر، وأما إذا احتلم.. فإنه لا يفطر إجماعًا؛ لأنه مغلوب.
(وكذا خروج المنيِّ بلمس وقُبلة ومضاجعة) لأنه إنزال بمباشرة.
نعم؛ الخنثى لا يفطر بإنزاله من إحدى فرجيه؛ لاحتمال الزيادة، فإن أنزل من فرجيه.. أفطر.
(لا الفكر والنظرِ بشهوة) لأنه إنزال بغير مباشرة؛ فأشبه الاحتلام.
(وتكره القُبلة لمن حرَّكت شهوتَه) بحيث يخاف الإنزال؛ خوفًا منه، فإنه يفطر، (والأولى لغيره: تركُها) حسمًا للباب؛ إذ قد يظنها غيرَ محركة وهي محركة، لكن لا تكره؛ لضعف احتمال أدائها إلى الإنزال.
(قلت: هي كراهة تحريم في الأصح، والله أعلم) لأن فيه تعريضًا لإفساد

وَلَا يُفْطِرُ بِالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ. وَالاحْتِيَاطُ أَلَّا يَأْكُلَ آخِرَ النَّهَارِ إِلَّا بِيَقِينٍ، وَيَحِلُّ بِالاجْتِهَادِ فِي الأَصَحِّ، وَيَجُوزُ إِذَا ظَنَّ بَقَاءَ اللَّيْلِ. قُلْتُ: وَكَذَا لَوْ شَكَّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَكَلَ بِاجْتِهَادٍ أَوَّلًا أَوْ آخِرًا وَبَانَ الْغَلَطُ.. بَطَلَ صوْمُهُ، أَوْ بِلَا ظَنٍّ وَلَمْ يَبِنِ.

العبادة، وهذا ما نصَّ عليه في "الأم" 1، والثاني: أنها تنزيه؛ لأن الأصل: عدم الإنزال.
والمباشرةُ باليد والمعانقة لهما حكمُ القبلة.
(ولا يُفطر بالفصد والحجامة) لأنه عليه السلام احتجم وهو صائم مُحرِم، رواه البخاري 2، وأما حديث: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ" 3.. فمنسوخ؛ كما قاله الشافعي في "الأم" 4. نعم؛ الأولى: تركهما؛ لأنهما يضعفانه.
(والاحتياط: ألَّا يأكل آخرَ النهار إلا بيقين) لقوله عليه السلام: "دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" 5. (ويحل بالاجتهاد) بوِرْدٍ ونحوه (في الأصح) كوقت الصلاة، والثاني: لا؛ لإمكان الصبر إلى اليقين.
ويجب إمساك جزء من الليل؛ ليتحقق غروب الشمس.
(ويجوز إذا ظن بقاءَ الليل) بالاجتهاد؛ لأن الأصل بقاؤه، (قلت: وكذا لو شك، والله أعلم) لأن الأصل: بقاء الليل.
(ولو أكل باجتهاد أولًا أو آخرًا، وبان الغلط.. بطل صومه) لتحققه خلافَ ما في ظنّه، ولا عبرة بالظن البيِّن خطؤه.
(أو بلا ظنّ) بأن هجم، وهو جائز في آخر الليل، حرامٌ في آخر النهار (ولم يَبِنِ

الْحَالُ.. صَحَّ إِنْ وَقَعَ فِي أَوَّلِهِ، وَبَطَلَ فِي آخِرِهِ. وَلَوْ طَلَعَ الْفَجْرُ وَفِي فَمِهِ طَعَامٌ فَلَفَظَهُ.. صَحَّ صَوْمُهُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ مُجَامِعًا فَنَزَعَ فِي الْحَالِ، فَإِنْ مَكَثَ.. بَطَلَ.

الحالُ.. صحَّ إن وقع في أوله، وبطل في آخره) عملًا بالأصل فيهما؛ إذ الأصل بقاءُ الليل في الأولى، وبقاءُ النهار في الثانية.
(ولو طلع الفجر) الصادق (وفي فمه طعامٌ فلفظه.. صحّ صومه) لأنه لو وضعه في فيه نهارًا، ولم يَصل إلى حلقه.. لا يفطر، فأولى إذا كان الوضعُ ليلًا.
واحترز بقوله: (لفظه): عمَّا إذا ابتلع منه شيئًا باختياره؛ فإنه يفطر.
ولو سبقه إلى جوفه.. فالأصحُّ من "زوائد الروضة": عدم فطره 1. (وكذ لو كان مُجامعًا، فنزع في الحال) لأن النزع ترك؛ كما لو حلف لا يلبس ثوبًا وهو لابسه، فنزعه، وسواء أنزل حالة النزع أم لا؛ لتولده من مباح.
وإتيان المصنف بـ (فاء) التعقيب بعد طلوع الفجر يعرفك أن صورة المسألة: أن يعلم بالفجر أول طلوعه، فينزع علي الفور، وخرج بذلك: ما لو مضي زمنٌ بعد الطلوع، ثم علم به؛ فإنه يبطل صومه في هذه الصورة علي المذهب.
فلو مكث في هذه الصورة.. لم تجب عليه الكفارة؛ لأن مكثه مسبوق ببطلان صومه، بخلاف ما إذا طلع الفجر، وعلم به بمجرد الطلوع، ومكث.. فإنه تلزمه الكفارة علي المذهب.
(فإن مكث.. بطل) لوجود المنافي، وظاهر عبارة "الكتاب"، و"الروضة" و"أصليهما": أن الصوم انعقد ثم بطل 2، واختاره السبكي.
لكن الأصحّ في "شرح المهذب": أنه لم ينعقد أصلًا، ونقله الإمام عن معظم الأئمة 3.

فصْلٌ [شرط صحة الصوم من حيث الفاعل والوقت]

شَرْطُ الصَّوْمِ: الإِسْلَامُ وَالْعَقْلُ وَالنَّقَاءُ عَنِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ جَمِيعَ النَّهَارِ. وَلَا يَضُرُّ النَّوْمُ الْمُسْتَغْرِقُ عَلَي الصَّحِيحِ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الإِغْمَاءَ لَا يَضُرُّ إِذَا أَفَاقَ لَحْظَةً مِنْ نَهَارِهِ

(فصل: شرط) صحة (الصوم: الإسلام) فلا يصحّ من الكافر بالإجماع، (والعقل) فلا يصحّ من غير مميز؛ لفقدان النية، (والنقاء عن الحيض والنفاس) بالإجماع (جميعَ النهار) وهو قيد في الأربعة، فلو طرأ في أثناء النهار ردة، أو جنون، أو حيض، أو نفاس.. بطل صومه؛ كما لو جُنَّ في خلال صلاته.
وقد يفهم: أنها لو ولدت ولم تر دمًا.. أنه لا يبطل الصوم، لكن الأصحّ في "شرح المهذب"، و"التحقيق": بطلانه 1. قال في "شرح المهذب": وعدم البطلان قوي؛ فإن المعتمد في الغُسل: كونه منيًّا منعقدًا، وخروجُه بلا مباشرة لا يُبطل الصومَ، ومال إليه ابن الرفعة 2. (ولا يضر النوم المُستغرِق علي الصحيح) لبقاء أهلية الخطاب، والثاني: يضر؛ كالإغماء.
وفرق الأول: بأن النائم ثابت العقل؛ فإنه إذا نبه.. انتبه، وله حكم المستيقظ؛ فإنه لا تسقط ولايته على ماله، بخلاف المغمي عليه؛ فإن استيقظ لحظة.. صح؛ إجماعًا.
(والأظهر: أن الإغماء لا يضرّ إذا أفاق لحظةً من نهاره) أيَّ لحظة كانت؛ اكتفاء بالنية مع الإفاقة في جزء، والثاني: يضر مطلقًا؛ كالحيض، والثالث: عكسه؛ كالنوم، والرابع: إن أفاق في أوله.. صحَّ، وإلا.. فلا، وصححه الغزالي، ومال إليه ابن الصلاح 3، والخامس: لا يضر إذا أفاق في طرفيه.
وسُكْرُ بعض النهار كإغماء بعضه.

وَلَا يَصِحُّ صَوْمُ الْعِيدِ، وَكَذَا التَّشْرِيقُ فِي الْجَدِيدِ. وَلَا يَحِلُّ التَّطَوُّعُ يَوْمَ الشَّكِّ بِلَا سَبَبٍ، فَلَوْ صَامَهُ.. لَمْ يَصِحَّ فِي الأَصَحِّ، وَلَهُ صَوْمُهُ عَنِ الْقَضَاءِ وَالنَّذْرِ، وَكَذَا لَوْ وَافَقَ عَادَةَ

(ولا يصح صوم العيد) الأضحي والفطر، بالإجماع، (وكذا التشريقُ في الجديد) وهي ثلاثة بعد يوم النحر؛ للنهي عن صيامها، كما رواه أبو داوود 1. والقديم: أنه يجوز للمتمتع العادمِ للهدي صومُها عن الأيام الثلاثة الواجبة في الحجّ؛ لما رواه البخاري عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم أنهما قالا: (لم يرُخَّص في أيّام التشريق أنْ يُصمْنَ إلّا لمن لم يجد الهَدْي) 2، واختاره في "الروضة"، و"تصحيح التنبيه" 3، وصححه ابن الصلاح.
(ولا يحلّ التطوع يومَ الشك بلا سبب) لقول عمار بن ياسر: (مَن صام يومَ الشَّك.. فقد عصَي أبا القاسم)، صححه الترمذي وابن حبان 4. وظاهر عبارته: التحريم، وبه صرح في "أصل الروضة"، وعبارة الرافعي: لا يجوز، وعبر الأكثرون بالكراهة، وظاهرها: كراهة التنزيه، وبه صرح الماوردي والجرجاني، وحكي عن ظاهر نصّ "البويطي" 5. وكلام المصنف قد يوهم أنه لا يحرم الصوم بلا سبب إذا انتصف شعبان، والأصحُّ في "شرح المهذب": التحريم 6. (فلو صامه.. لم يصح في الأصح) كيوم العيد، والثاني: يصح، لقبوله الصوم في الجملة.
(وله صومه عن القضاء والنذر) والكفارة من غير كراهة؛ مسارعةً إلى براءة ذمته، ولأن له سببًا، فجاز؛ كنظيره من الصلاة في الأوقات المكروهة، (وكذا لو وافق عادةَ

تَطَوُّعِهِ، وَهُوَ: يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إِذَا تَحَدَّثَ النَّاسُ بِرُؤْيَتِهِ، أَوْ شَهِدَ بِهَا صِبْيَانٌ، أَوْ عَبيدٌ، أَوْ فَسَقَةٌ. وَلَيْسَ إِطْبَاقُ الْغَيْمِ بِشَكٍّ. وَيُسَنُّ تَعْجيلُ الْفِطْرِ عَلَي تَمْرٍ، وَإِلَّا.. فَمَاءٍ،

تطوعه) لقوله عليه السلام: "لَا تقدَّمُوا رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ، وَلَا يَوْمَيْنِ، إِلَّا رَجُلًا كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْهُ" متفق عليه 1. (وهو) أي: يوم الشك (يومُ الثلاثين من شعبان إذا تحدث الناسُ برؤيته) ولم يعلم من رآه (أو شهد بها صبيان، أو عبيد، أو فسقة) وظنّ صدقهم؛ كما قاله الرافعي 2، وقد تقدم الجمع بين هذا وبين جواز اعتماد هؤلاء في تبييت النية.
(وليس إطباق الغيم بشك) لأنا تعبدنا فيه بإكمال العدة؛ كما تقدم أول الكتاب 3. (ويسن تعجيل الفطر) إذا تحقق الغروب؛ لقوله عليه السلام: "لَا تَزَالُ أُمَّتِي بخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ" متفق عليه 4 (على تمر، وإلا.. فماءٍ) لحديث: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا.. فَلْيُفْطِرْ عَلَى التَّمْرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ التَّمْرَ.. فَعَلَي الْمَاءِ؛ فَإِنَّهُ طَهُورٌ" صححه الترمذي، وابن حبان 5. قال المحب الطبري: ومن هو بمكة يستحب له الفطر علي ماء زمزم، ولو جمع بينه وبين التمر.. فحسن.
ومقتضى تعبير المصنف: أن السنة لا تحصل إلا بثلاث تمرات؛ لأن التمر جمع، وأقله: ثلاث، قال في "المهمات": ونصّ عليه في "حرملة"؛ كما نقله القاضي أبو الطيب، فقال: يستحب: أن يفطر على تمرات، أو حسوات من ماء 6.

وَتأْخِيرُ السُّحُورِ مَا لَمْ يَقَعْ فِي شَكٍّ، وَلْيَصُنْ لِسَانَهُ عَنِ الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ،

(وتأخير السحور) ففي "صحيح ابن حبان": أنه من سنن المرسلين 1، ولأن تأخيره أقرب إلى حصول الحكمة في مشروعيته، وهو التقوِّي على العبادة، ولم يصرح المصنف باستحباب السحور، وقد صرح به في "المحرر" 2، واستحبابه مجمعٌ عليه.
وذكر في "شرح المهذب": أنه يحصل بكثير المأكول وقليله، وبالماء 3، ففي "صحيح ابن حبان": "تَسَحَّرُوا وَلَوْ بِجُرْعَةِ مَاءٍ" 4، ويدخل وقته بنصف الليل؛ كما ذكره الرافعي في (الأيمان)، وذكره في "شرح المهذب" هنا 5. (ما لم يقع في شك) بأن يخشي طلوع الفجر؛ لحديث: "دع مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ" 6. (وليصُنْ لسانه عن الكذب، والغيبة) ونحوهما؛ كالشتم، والنميمة؛ لحديث: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بهِ.. فَلَيْسَ لله حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ" 7. قال في "الدقائق": قول "المنهاج": (ولْيَصُنْ) هذه لام الأمر؛ أي: يلزمه ذلك 8، قال الأَذْرَعي: ولا شك فيه؛ لأن ذلك واجبٌ على كلّ أحد، ويتأكد في حقّ الصائم، وعدَّا في "الشرح"، و"الروضة" تبعًا لجماعةٍ ذلك من السنن، قال الإسنوي: (وينبغي تأويله علي الحالة التي يجوز تعاطي هذه الأشياء فيها؛ كالكذب للحاجة، والغيبة للتظلم، ونحوه) 9. نعم؛ قد يجب الكذب لخلاص مظلوم من ظالم، أو لغير ذلك، وكذلك الغيبة؛

وَنَفْسَهُ عَنِ الشَّهَوَاتِ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ عَنِ الْجَنَابَةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَنْ يَحْتَرِزَ عَنِ الْحِجَامَةِ وَالْقُبْلَةِ وَذَوْقِ الطَّعَامِ وَالْعِلْكِ، وَأَنْ يَقُولَ عِنْدَ فِطْرِهِ: (اللَّهُمَّ لَكَ صمْتُ، وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ)، وَأَنْ يُكْثِرَ الصَّدَقَةَ وَتلَاوَةَ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ،

كإخباره عن مساويء الخاطب، وعيوب المبيع، وغيرهما؛ فيرد ذلك على المصنف.
(ونفسَه عن الشهوات) من المسموعات، والمبصرات، والمشمومات، والملابس، ونحوه؛ لأنه سرُّ الصوم، ومقصوده الأعظم؛ لتنكسر نفسه عن الهوى، وتقوى على التقوي بكفّ جوارحه عن تعاطي ما يشتهيه.
قال في "الدقائق": (ولا يمتنع هذا العطف؛ لأن النوعين اشتركا في الأمر بهما، لكنَّ الأول أمرُ إيجاب، والثاني استحبابٍ) انتهي 1. (ويستحب: أن يغتسل عن الجنابة) والحيض، والنفاس (قبل الفجر) ليؤدي العبادة على الطهارة، وليخرج من خلاف أبي هريرة حيث قال: لا يصح صومه 2. ولو طهرت الحائض ليلًا، ونوت الصومَ، واغتسلت في النهار.. صحَّ صومها.
ويكره للصائم دخولُ الحمام، قاله المَحاملي والجرجاني 3. (وأن يحترز عن الحجامة) والفصد؛ للاختلاف فيهما كما مر، (والقُبلة) هذه المسألة مكررة، وقد تقدم كراهتها، بل تحريمها، (وذَوْق الطعام) خوف الوصول إلي حلقه، (والعِلك) لأنه يجمع الريق ويعطش، وليخرج من خلاف من فطَّر الصائم به.
(وأن يقول عند فطره: "اللهم؛ لك صمتُ، وعلى رزقك أفطرت") للاتباع، رواه أبو داود مرسلًا، وأسنده الدارقطني مرفوعًا، لكن بسند ضعيف 4. (وأن يُكثر الصدقةَ، وتلاوةَ القرآن في رمضان) أما الصدقة.. فلأن الحسنات فيه

وَأَنْ يَعْتَكِفَ لَا سِيَّمَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْهُ.

فَصْلٌ [في شروط وجوب صوم رمضان]

شَرْطُ وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ: الْعَقْلُ، وَالْبُلُوغُ، وَإِطَاقَته. وَيُؤْمَرُ بِهِ الصَّبِيُّ لِسَبْعٍ إِذَا أَطَاقَ

مضاعفة، ولما فيه من تفطير الصائم، وأما التلاوة.. ففي "الصحيحين": (أن جبريلَ عليه السّلام كان يلقي النبي صلي الله عليه وسلم في كلِّ سنة في رمضان حتي ينسلخ، فيعرض عليه النبي صلي الله عليه وسلم القرآن) 1. (وأن يعتكف) فيه؛ لأنه أقرب إلى صيانة النفس (لا سيَّما في العشر الأواخر منه) رجاءَ مصادفةِ ليلة القدر؛ إذ هي منحصرةٌ فيه عندنا.
وكان الأولى أن يقول: (وأن يكثر الصدقة، والتلاوة، والاعتكاف) لأن الاعتكاف مستحبّ مطلقًا، لكنه يتأكد في رمضان؛ كالصدقة، والتلاوة.

(فصل: شرط وجوب صوم رمضان: العقل، والبلوغ) فلا يجب على صبي، ومجنون؛ لرفع القلم عنهما.
نعم؛ يرد السكران المأثوم؛ لأنه غير عاقل، ومع ذلك يجب عليه، ولا يصح منه، خلافًا للقفال.
(وإطاقته) فلا يلزم العاجز بمرض، أو كِبَرٍ بالإجماع، ولا يشترط لوجوبه الإسلام، فإن المرتد يجب عليه قطعًا، وكذا علي الكافر الأصلي على الصحيح.
(ويؤمر به الصبي لسبع إذا أطاق) وميزَّ، ويُضرَب على تركه لعشر؛ ليتمرن عليه؛ كالصلاة، والصبية كالصبي.
قال المحب الطبري: إنما ضرب على الصلاة؛ للحديث، والصومُ فيه مشقة ومكابدة، بخلاف الصلاة، فلا يصح الإلحاق، فالأولى: أن يؤمر به ليعتاده، ولا يعاقب على تركه.

ويُبَاحُ تَرْكُهُ: لِلْمَرِيضِ إِذَا وَجَدَ بِهِ ضَرَرًا شَدِيدًا، وَللْمُسَافِرِ سَفَرًا طَوِيلًا مُبَاحًا. وَلَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَمَرِضَ.. أَفْطَرَ، وَإِنْ سَافَرَ.. فَلَا. وَلَوْ أَصْبَحَ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ صَائِمَيْنِ ثُمَّ أَرَادَا الْفِطْرَ.. جَازَ، فَلَوْ أَقَامَ وَشُفِيَ.. حَرُمَ الْفِطْرُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِذَا أَفْطَرَ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيضُ.. قَضَيَا، وَكَذَا الْحَائِضُ،...

(ويباح تركه للمريض إذا وَجد به ضررًا شديدًا) بالنصِّ والإجماع، (وللمسافر سفرًا طويلًا مباحًا) لما مر في (باب صلاة المسافر).
(ولو أصبح صائمًا فمرض.. أفطر) لوجود المعني المحوج إلي الفطر من غير اختياره، ولا يجوز له الفطر حتى ينوي به الخروجَ من الصوم؛ كالمحصر يريد التحلل، قاله صاحب "البيان" والمحب الطبري 1، وقال: إن فائدةَ اقترانها بالفطر: تمييزُ الفطر المباح من غيره.
(وإن سافر.. فلا) يفطر؛ تغليبًا لحكم الحضر؛ لأنه الأصل؛ كالصلاة إذا شرع فيها ثم سافر.
(ولو أصبح المسافر والمريض صائمين، ثم أرادا الفطرَ.. جاز) لأن المقتضي للترخص قائمٌ، وقيل: لا يجوز؛ كما لو نوى الإتمام.. ليس له القصر.
وفرق الأول: بأن تدارك ما شَرَع فيه واجبٌ بالقضاء، بخلاف القصر، وعلي الأصح: لا كراهة في ذلك على الأصح في "شرح المهذب" 2. (فلو أقام) المسافر (وشُفي) المريض (.. حَرُمَ الفطر علي الصحيح) لانتفاء المبيح، والثاني: لا يحرم؛ اعتبارًا بأول اليوم، ولهذا لو أصبح صائمًا ثم سافر.. لم يكن له الفطر، وهذا إذا قلنا: إنه يفطر في المسالة التي قبلها؛ كما جزم به المصنف، أما إذا قلنا: لا يفطر.. فهنا أولي، قاله صاحب "المعين".
(وإذا أفطر المسافر والمريض.. قضيا) لقوله تعالي: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ التقدير: فأفطر فعدة، (وكذا الحائض) بالإجماع،

وَالْمُفْطِرُ بِلَا عُذْرٍ، وَتَارِكُ النِّيَّةِ الْوَاجِبَةِ. وَيَجبُ قَضَاءُ مَا فَاتَ بِالإِغْمَاءِ وَالرِّدَّةِ دُونَ الْكُفْرِ الأَصْلِيِّ وَالصِّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ. وَلَوْ بَلَغَ بِالَنَّهَارِ صَائِمًا.. وَجَبَ إِتْمَامُهُ بِلَا قَضَاءٍ. وَلَوْ بَلَغَ فِيهِ مُفْطِرًا أَوْ أَفَاقَ أَوْ أَسْلَمَ.. فَلَا قَضَاءَ فِي الأَصَحِّ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ فِي الأَصَحِّ،

(والمفطر بلا عذر) لأنه إذا وجب على المعذور.. فغيره أولى، (وتارك النية الواجبة) 1 عمدًا أو سهوًا؛ لأنه لم يصم؛ إذ صحته متوقفة عليها.
(ويجب قضاء ما فات بالإغماء) لأنه نوع مرض (والردةِ) لأنه التزم الوجوب بالإسلام، وقدر على الأداء؛ فهو كالمحدث (دون الكفر الأصلي) بالإجماع؛ لما في وجوبه من التنفير عن الإسلام.
(والصبي والمجنون) 2 لرفع القلم عنهما، ولو ارتدّ ثم جنّ، أو سكر ثم جنّ.. فالأصحُّ في "شرح المهذب" في الأولى: قضاء الجميع، وفي الثانية: أيام السكر؛ لأن حكم الردة مستمرٌّ، بخلاف السكر 3. (ولو بلغ بالنهار صائمًا.. وجب إتمامه بلا قضاء) لأنه صار من أهل الوجوب في أثناء العبادة، فلزمه الإتمام؛ كما لو دخل في صوم تطوع ثم نذر إتمامه، وعلى هذا: لو جامع بعد البلوغ.. لزمته الكفارة، وقيل: يستحب إتمامه، ويجب القضاء.
(ولو بلغ فيه مفطرًا، أو أفاق، أو أسلم.. فلا قضاء في الأصح) لعدم التمكن من زمنٍ يسع الأداءَ؛ كما لو أدرك من أول الوقت ركعة ثم جنّ، والثاني: يجب القضاء؛ لأنهم أدركوا أجزاءً من وقت الفرض، ولا يمكن فعله إلا بيوم فيكمل؛ كما يصوم في الجزاء عن بعض مدٍّ يومًا، وقيل: لا يلزم المجنون قطعًا، ويلزم الكافر قطعًا؛ لتعدِّيه، بخلاف المجنون، قال ابن الصلاح: وهو متجه.
(ولا يلزمهم) يعني: هؤلاء الثلاثة (إمساكُ بقية النهار في الأصح) لأنهم أفطروا

وَيَلْزَمُ مَنْ تَعَدَّي بِالْفِطْرِ أَوْ نَسِيَ النِّيَّةَ، لَا مُسَافِرًا وَمَرِيضًا زَالَ عُذْرُهُمَا بَعْدَ الْفِطْرِ، وَلَوْ زَالَ قَبْلَ أَنْ يَأْكُلَا وَلَمْ يَنْوِيَا لَيْلًا.. فَكَذَا فِي الْمَذْهَبِ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَلْزَمُ مَنْ أَكَلَ يَوْمَ الشَّكِّ ثُمَّ ثَبَتَ كَوْنُهُ مِنْ رَمَضَانَ

لعذر، فأشبهوا المسافر والمريض، والثاني: يلزمهم؛ لأنهم أدركوا وقت الإمساك، وإن لم يدركوا وقت الصوم.
(ويلزم) الإمساك (من تعدى بالفطر) عقوبة له، ومعارضة لتقصيره (أو نسي النية) من الليل؛ لأن نسيانه يُشعر بترك الاهتمام بأمر العبادة، فهو ضربٌ من التقصير.
(لا مسافرًا ومريضًا زال عذرُهما بعد الفطر) لأن زوال العذر بعد الترخص لا يؤثر؛ كما لو قصر المسافر، ثم أقام والوقت باق.
نعم؛ يستحب؛ لحرمة الوقت.
(ولو زال قبل أن يأكُلا، ولم ينويا ليلًا.. فكذا في المذهب) أي: لا يلزمهما الإمساكُ؛ لأن تارك النية مفطر حقيقة، فكان كما لو أكل، وقيل: فيه وجهان: أحدهما: يلزمه؛ حرمةً لليوم؛ كما لو لم يصلّ المسافر حتى أقام.. يلزمه الإتمام، وأصحُّهما: لا؛ لما سلف.
وقوله: (قبل أن يأكلا) تعبير ناقص، فلو قال: (قبله) أي: قبل الفطر.. لكان أخصر وأعم.
وإذا طهرت الحائض والنفساء في أثناء النهار.. لم يلزمهما الإمساكُ على الصحيح.
(والأظهر: أنه يلزم) الإمساك (من أكل يوم الشك، ثم ثبت كونه من رمضان) لأن صومه واجب عليه إلا أنه كان لا يعرفه، فإذا بان له.. لزمه الإمساك، والثاني: لا؛ لأنه أفطر بعذر؛ فأشبه المسافر إذا قدم بعد الإفطار.
وأجاب الأول: بأن المسافر يباح له الأكلُ مع العلم بأنه من رمضان، بخلاف يوم الشك، أما إذا ثبت كونه منه قبل الأكل، ولم يكن نوى.. فالأكثرون على ما دلّ عليه كلام "الكفاية" على القطع بالوجوب، لكن الذي في "أصل الروضة" عن "التتمة"

وَاِمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ مِنْ خَوَاصِّ رَمَضَانَ، بخِلَافِ النَّذْر وَالْقَضَاءِ.

فَصْلٌ [في فدية الصوم الواجب]

مَنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَاتَ قَبْلَ إِمْكَانِ الْقَضَاءِ.. فَلَا تَدَارُكَ لَهُ وَلَا إِثْمَ، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ.. لَمْ يَصُمْ عَنْهُ وَلِيُّهُ فِي الْجَدِيدِ،

من غير اعتراض عليه أن محل القولين: فيما إذا بان أنه منه قبل الأكل، فأما بعده؛ فإن قلنا هناك: لا يجب الإمساك.. فهنا أولى، وإلا.. فوجهان، أصحُّهما: الوجوب 1. (وإمساك بقية اليوم من خواصِّ رمضانَ، بخلاف النذر والقضاء) لانتفاء شرف الوقت؛ كما لا كفارة فيها، كذا جزما به، ونقل في "شرح المهذب" اتفاق الأصحاب عليه، قال الإسنوي: لكن نصَّ في "البويطي" على الإمساك في الجميع 2.

(فصل: من فاته شيء من رمضان، فمات قبل إمكان القضاء) بأن استمرَّ مرضه أو سفره المباح إلى موته (.. فلا تدارك له) بالفدية، ولا بالقضاء عنه (ولا إثم) لأنه فرضٌ لم يتمكن منه إلي الموت، فسقط حكمه؛ كالحج، هذا إذا كان الفوات بعذر، أما غير المعذور، وهو المُتعدِّي بالفطر.. فإنه يأثم، ويتدارك عنه بالفدية، صرَّح به الرافعي في (باب النذر) في نذر صوم الدهر، وجعله أصلًا، وقاس عليه 3، وأشار إليه هنا بتمثيله بالمريض والمسافر 4. (وإن مات بعد التمكن.. لم يَصُم عنه وليه) أي: لا يصح صومُه عنه (في الجديد) لأن الصوم عبادة بدنية لا تدخلها النيابة في الحياة، فكذلك بعد الموت؛

بَلْ يُخْرَجُ مِنْ تَرِكَتِهِ لِكُلِّ يَوْم مُدُّ طَعَامٍ، وَكَذَا النَّذْرُ وَالْكَفَّارَةُ. قُلْتُ: الْقَدِيمُ هُنَا أَظْهَرُ، وَالْوَليُّ: كُلُّ قَرِيبٍ عَلَى الْمُخْتَارِ،

كالصلاة، ولا فرق في هذا القسم بين فواته بعذر أو بغيره.
(بل يُخرَج من تركته لكلِّ يوم مدُّ طعام) من غالب قوت بلده؛ لحديث فيه رواه الترمذي، لكن قال: إن الأصحَّ: وقفه على ابن عمر، ورواه البيهقي عن فتوى عائشة وابن عباس رضي الله عنهم 1، ونقله الماوردي عن إجماع الصحابة 2. والقديم: أنه لا يتعين الإطعام، بل يجوز أيضًا للولي أن يصوم عنه، بل يُستحبُّ له ذلك؛ كما قاله في "شرح مسلم" لحديث: "مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ.. صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" متفق عليه 3. ونقل البَنْدَنيجي أنَّ الشافعي نصَّ عليه في "الأمالي" أيضًا، فقال: إن صحَّ الحديث.. قلت به، و"الأمالي" من كتبه الجديدة.
واستثنى بعضهم من إطلاق الخلاف: ما إذا مات مرتدًا، فإنه يتعين الإطعام، ولا يجوز الصوم.
(وكذا النذر والكفارة) بأنواعها فيجييء فيهما القولان في رمضان؛ لعموم الأدلة المارة، وقيَّد في "الحاوي الصغير" الكفارة بكفارة القتل 4، واستغرب.
(قلت: القديم هنا أظهر) من جهة الدليل؛ للحديث السابق وغيره من الأحاديث الصحيحة، قال السبكي بعد كلام بسطه: ويتعيَّن أن يكون هو المفتي به.
(والولي: كلّ قريب على المختار) لأن الوليَّ مشتقٌ من الولْي -بإسكان اللام- وهو: القرب، فيحمل عليه ما لم يدلّ دليل على خلافه، واختاره أيضًا ابن الصلاح، وصاحب "الذخائر"، وجزم به القاضي أبو الطيب في "تعليقه".
وقيل: المراد به: الوارث، وبه جزم الماوردي في آخر (كتاب الوصايا)، وقال

وَلَوْ صَامَ أَجْنَبِيٌّ بِاِذْنِ الْوَليِّ.. صَحَّ، لَا مُسْتَقِلًّا فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ أَوِ اعْتِكَافٌ.. لَمْ يُفْعَلْ عَنْهُ وَلَا فِدْيَةَ، وَفِي الاعْتِكَافِ قَوْلٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ الْمُدِّ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ لِلْكِبَرِ. وَأَمَّا الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ فَإِنْ أَفْطَرَتَا خَوْفًا عَلَى نَفْسَيْهِمَا.. وَجَبَ الْقَضَاءُ بِلَا فِدْيَةٍ،

الرافعي: إنه الأشبه 1، وقيل: العاصب، وقيل: من له ولاية المال.
(ولو صام أجنبيٌّ) على هذا القول (بإذن الولي.. صحّ) بأجرة ودونها؛ كالحج (لا مستقلًا في الأصح) لأنه لم يرد، والثاني: يصح؛ كما يوفي دينه بغير إذنه.
(ولو مات وعليه صلاة، أو اعتكاف.. لم يُفعل عنه، ولا فديةَ) لعدم ورودها، (وفي الاعتكاف قولٌ) في "البويطي": أنه يعتكف عنه وليه، وفي رواية: يطعم عنه وليه، قال البغوي: ولا يبعد تخريج هذا في الصلاة، فيطعم عن كلّ صلاة مُدًّا 2 (والله أعلم).
وإذا قلنا: بالإطعام في الاعتكاف.. فقال الجويني: يقابل كلّ يوم وليلة بمدّ، واستشكله الإمام: بأن كلَّ لحظة عبادة تامة؛ فإن قيس على الصوم.. فالليل خارج عن الاعتبار 3. (والأظهر: وجوب المدّ على من أفطر للكبر) لكونه شيخًا هرمًا تلحقه مشقةٌ شديدةٌ، روي ذلك عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم، ولا مخالف لهم، فيجب عن كلّ يوم مدٌّ إذا كان موسرًا، والثاني: المنع؛ لأنه أفطر لأجل نفسه بعذر، فأشبه المسافر والمريض إذا ماتا قبل انقضاء السفر والمرض.
وفرق الأول: بأن الشيخ لا يتوقع زوال عذره، بخلافهما، وفي معنى الكبير: المريض الذي لا يُرجى برؤه.
(وأما الحامل والمرضع؛ فإن أفطرتا خوفًا على نفسيهما) من حصول ضرر بالصوم؛ كالضرر الحاصل للمريض (.. وجب القضاءُ بلا فدية) كالمريض،

أَوْ عَلَى الْوَلَدِ.. لَزِمَتْهُمَا الْفِدْيَةُ فِي الأَظْهَرِ. وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالْمُرْضِعِ مَنْ أَفْطَرَ لإِنْقَاذِ مُشْرِفٍ عَلَي هَلَاكٍ،

وسواء تضرر الولدُ معهما أم لا.
(أو على الولد.. لزمتهما الفدية في الأظهر) مع القضاء 1؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ قال ابن عباس: (إنها منسوخة إلا في حقّ الحامل والمرضع عند الخوف، فإنهما يفطران ويفديان عن كلّ يوم طعامَ مسكين) رواه البيهقي 2، والثاني: لا يلزمهما؛ كالمسافر والمريض، لأن فطرهما لعذر، والثالث: يجب على المرضع دون الحامل، لأن فطرها لمعنى فيها؛ كالمريض.
وتعبيره بـ (الولد) أحسن من تعبير "التنبيه" بولديهما 3؛ لأن المتبرعة كالأم وإن لم تتعين، ذكره في "زيادة الروضة"، وكذا صحح فيها: أن المستأجرة لو خافت على الولد المستأجرة لإرضاعه.. أفطرت، ووجبت الفدية، وهل تجب الفدية عليها أم على المستأجِر؟ فيه احتمالان للقاضي؛ كدم التمتع، قال في "شرح المهذب": ولعل الأصحَّ: أنها عليها، بخلاف دم التمتع، فإنه على المستأجِر في الأصحِّ؛ لأن الأول من تتمة إيصال المنفعة الواجبة، بخلاف دم التمتع، فإنه من تمام الحج الواجب عليه 4. ويستثنى من كلام المصنف: المتحيرة إذا أفطرت للإرضاع، لا فدية عليها على الصحيح للشكّ، ذكره في "زيادة الروضة"، و"شرح المهذب" في (باب الحيض) 5. (والأصح: أنه يُلحَق بالمرضع) في إيجاب الفدية مع القضاء (مَنْ أفطر لإنقاذ مُشرف على هلاك) بغرق وغيره، من آدمي معصوم، أو حيوان محترم بجامع الإفطار بسبب الغير، فلو أفطر لتخليص ماله.. فلا فدية عليه؛ كما صرح به القفال؛ لأنه لم

لَا الْمُتَعَدِّي بِفِطْرِ رَمَضَانَ بِغَيْرِ جِمَاعٍ. وَمَنْ أَخَّرَ قَضَاءَ رَمَضَانَ مَعَ إِمْكَانِهِ حَتَّي دَخَلَ رَمَضَانٌ آخَرُ.. لَزِمَهُ مَعَ الْقَضَاءِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ، وَالأَصَحُّ: تَكَرُّرُهُ بِتَكَرُّرِ السِّنِينَ،

يرتفق به إلا شخص واحد، بخلاف الحيوان المحترم؛ فإنه يرتفق به شخصان، والثاني: لا يلتحق بها؛ لأن إيجاب الفدية مع القضاء بعيد عن القياس، والتعويل في حقّ المرضع والحامل على التوقيف، والفطر في هذه الحالة واجب إذا لم يمكن تخليصه إلا به.
(لا المتعدِّي بفطر رمضانَ بغير جماع) فإنه لا يلتحق في وجوب الفدية بالحامل على الأصحِّ؛ لأنه لم يرد فيه توقيف، والأصل: عدمه، وأيضًا حيث وجبت الفديةُ إنما وجبت جابرةً لما وقع من الخلل، وحرمته أعظم من أن تجبرها الفدية، وصحح في "شرح المهذب" القطع به 1، والثاني: تلزمه الفدية؛ لأنها واجبة على الحامل والمرضع مع العذر، فهو أولى منهما، وقرَّب الإمام الخلاف من الخلاف في تعمد ترك الأبعاض، هل يقتضي سجود السهو؟ لكن الصحيح: أنه يسجد 2. (ومن أخَّر قضاءَ رمضان مع إمكانه حتى دخل رمضان آخر.. لزمه مع القضاء لكلّ يوم مدّ) لأن ستة من الصحابة رضي الله عنهم قالوا بذلك 3، ولا يعرف لهم مخالف؛ كما قاله الماوردي 4. والمراد بالإمكان: عدم العذر؛ فإذا كان مسافرًا أو مريضًا.. فلا فدية عليه بهذا التأخير؛ لأن تأخير الأداء بهذا العذر جائز، فتأخير القضاء أولى.
(والأصح: تكرره بتكرر السنين) لأن الحقوق المالية لا تتداخل، والثاني: لا تتكرر؛ كالحدود.
ومحل الخلاف: إذا لم يكن أخرج الفدية؛ فإن أخرجها، ثم لم يقض حتى دخل رمضان آخر.. وجبت ثانيًا بلا خلاف، وهكذا حكم العام الثالث فصاعدًا، ذكره

وَأَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ الْقَضَاءَ مَعَ إِمْكَانِهِ فَمَاتَ.. أُخْرِجَ مِنْ تَرِكَتِهِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدَّانِ: مُدٌّ لِلْفَوَاتِ وَمُدٌّ لِلتَّأْخِيرِ. وَمَصْرِفُ الْفِدْيَةِ: لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَلَهُ صَرْفُ أَمْدَادٍ إِلَى شَخْصٍ وَاحِدٍ. وَجِنْسُهَا: جِنْسُ الْفِطْرَةِ.

البغوي والخوارزمي وغيرهما 1، قال الإسنوي: وهو واضح؛ لأن الحدود بعد إقامتها تقتضي التكرار عند الفعل ثانيًا بلا خلاف، مع أنها أخفّ مما نحن فيه؛ بدليل أنه يكفي العدد منها حَدٌّ واحد قطعًا.
(وأنه لو أخر القضاءَ مع إمكانه فمات.. أُخرج من تركته لكلّ يوم مدّان: مُدٌّ للفوات ومُدٌّ للتأخير) لأن كلًّا منهما موجبٌ عند الانفراد، فكذلك عند الاجتماع، والثاني: يكفي مُدٌّ واحد؛ لأن الصوم قد فات، والفوات يقتضي مدًّا واحدًا؛ كالشيخ الهرم.
ومحل الخلاف: إذا قلنا بالجديد، فإن قلنا: بالقديم، وهو صوم الولي وصام.. وجبت فدية واحدة للتأخير.
(ومَصرِف الفدية: للفقراء والمساكين) دون غيرهما من الأصناف الثمانية؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ والفقير أسوأ حالًا منه.
(وله صرف أمداد إلى شخص واحد) بخلاف المدّ الواحد؛ فإنه لا يجوز صرفه إلى شخصين؛ لأن كلَّ مُدٍّ بمثابة كفارة تامة، ويفارق زكاةَ الفطر، فإنه يجوز صرف صاع إلى مئة مسكين مثلًا، وجزاء الصيد فيه احتمالان للقفال في "فتاويه" أحدهما: إلحاقه بالفدية، فلا ينقص كلّ مسكين عن مدّ، والثاني: أنه يجوز النقص؛ لأن الغرامة قد تكون أقلّ منه.
(وجنسُها: جنس الفطرة) على ما سبق بيانه بما فيه من خلاف ووفاق، ويعتبر في المدّ الذي نوجبه هنا وفي الكفارات: أن يكون فاضلًا عن قوته؛ كزكاة الفطر، قاله القفال في "فتاويه".

فَصْلٌ [في موجب كفارة الصوم]

تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِ صَوْمِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ بِجِمَاعٍ أَثِمَ بِهِ بِسَبَبِ الصَّوْمِ،...

(فصل: تجب الكفارة بإفساد صوم يوم من رمضان بجماع 1 أثم به بسبب الصوم) لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله؛ هلكت، قال: "وَمَا أَهْلَكَكَ؟ ". قال: وقعت على امرأتي في رمضان، فقال: "هَلْ تَجِدُ مَا تَعْتِقُ رَقَبَةً؟ " قال: لا، قال: "هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ "، قال: لا، قال: "فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ "، قال: لا، ثم جلس، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بعَرَق فيه تمر، وهو الزِّنْبيل، قال: "تَصَدَّقْ بِهَذَا" قال: على أفقر منا؟ ! فو الله ما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه، ثم قال: "أذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ" متفق عليه 2. وفي رواية أبي داوود: (أتي بعَرَق فيه تمر قدر خمسة عشر صاعًا) 3، قال البيِهقي: وهي أصحّ من رواية من روى فيه (عشرين صاعًا) 4، وهو إجماع إلا من شذَّ.
والقيود المذكورة سيشرحها المصنف، وكان ينبغي أن يقيد الصومَ بصوم نفسه؛

وَلَا كَفَّارَةَ: عَلَى نَاسٍ، وَلَا مُفْسِدِ غَيْرِ رَمَضَانَ، أَوْ بِغَيْرِ جِمَاعٍ، وَلَا مُسَافِرٍ جَامَعَ بِنِيَّةِ التَّرَخُّصِ، وَكَذَا بِغَيْرِهَا فِي الأَصَحِّ، وَلَا عَلَى مَنْ ظَنَّ اللَّيْلَ فَبَانَ نَهَارًا،

ليخرج ما لو جامع المسافر ونحوه امرأته ففسد صومها؛ فإنه لا كفارة عليه بإفساده على الأظهر، ويرد على عكس الضابط: إذا طلع الفجر وهو مجامع فاستدام.. فإن الأصحَّ في "شرح المهذب": أن الصوم لم ينعقد، فالجماع لم يُفسد صومًا، ومع ذلك تجب الكفارة 1. (ولا كفارةَ على ناسٍ) لأن صومه لم يفسد بذلك، وهذا محترز قوله: (بإفساد)، بل لا كفارة أيضًا على الصحيح وإن جعلناه مفسدًا، لعدم الإثم.
(ولا مفسدِ غيرِ رمضان) من نذر، أو قضاء، أو كفارة؛ لأن النصَّ وردَ في رمضان، وهو مخصوص بفضائل لا يشاركه غيرُه فيها، فلا يصح قياس غيره عليه، وهذا ما احترز عنه بقوله: (من رمضان).
(أو بغير جماع) كالأكل وغيره؛ لأن النصَّ ورد في الجماع، وغيرُه ليس في معناه، وهذا ما احترز عنه بقيد (الجماع).
(ولا مسافرٍ جامع بنية الترخص) لأنه لم يأثم؛ لوجود القصد مع الإباحة.
(وكذا بغيرها في الأصح) لأن الإفطار مباحٌ له؛ فيصير شبهة في درء الكفارة، والثاني: يلزمه؛ لأن الرخصة لا تحصل بدون قصدها، والمريض في ذلك كالمسافر، وهذا محترز قوله: (أثم به) كذا قيل: وفيه نظر؛ فإنه إذا لم ينو.. يأثم؛ كما صرح به في "التتمة"، ونقله المحب الطبري عن الأصحاب، واقتضاه كلام الرافعي 2؛ فتردُ هذه على الضابط.
نعم؛ يمكن الاحتراز به عن جماع الصبي.
(ولا على من ظنّ الليلَ فبان نهارًا) وذلك بأن ظنّ بقاء الليل، أو دخوله فجامع، ثم بان خلافه؛ لانتفاء الإثم، قال الإمام: ومن أوجب الكفارة على الناسي

وَلَا مَنْ جَامَعَ بَعْدَ الأَكْلِ نَاسِيًا وَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الأَصَحُّ بُطْلَانَ صَوْمِهِ، وَلَا مَنْ زَنَى نَاسِيًا، وَلَا مُسَافِرٍ أَفْطَرَ بِالزِّنَا مُتَرَخِّصًا. وَالْكَفَّارَةُ عَلَى الزَّوْجِ عَنْهُ،

بالجماع.. يقول مثله هنا؛ لتقصيره في البحث 1. وفي "الشرح" و"الروضة": ينبغي أن يكون عدم وجوب الكفارة فيما إذا ظنّ دخول الليل مفرعًا على تجويز الإفطار، والحالة هذه، وإلا.. فتجب الكفارة؛ وِفاءً بالضابط المذكور 2. (ولا من جامع بعد الأكل ناسيًا، وظن أنه أفطر به) لأنه وطيء وهو يعتقد أنه غير صائم.
وقوله: (ناسيًا) متعلق بـ (الأكل).
(وإن كان الأصح: بطلان صومه) بهذا الجماع؛ كما لو جامع على ظنّ بقاء الليل فبان خلافه، والثاني: لا يبطل؛ كما لو سلّم من ركعتين من الظهر ناسيًا، وتكلم عامدًا.. لا تبطل صلاته.
أما إذا علم أنه لا يفطر به، ثم جامع في يومه.. فيفطر، وتجب الكفارة قطعًا.
(ولا مَنْ زنى ناسيًا) للصوم، هذا ذكره الغزالي، فتبعه في "المحرر"، ولا حاجة إليه؛ لأنه داخل في قوله السابق: (ولا كفارة على ناسٍ)، فعدم الكفارة عليه؛ لعدم فطره لا جَرَمَ أن الرافعي في "الشرح" فرَّعه على القول بأن الجماع ناسيًا مُفسدٌ 3، وحينئذ فيكون بيانًا لما احترز عنه بقوله: (بسبب الصوم)؛ لأن الإثم بسبب الزنا خاصة.
(ولا مسافرٍ أفطر بالزنا مُترخِّصًا) لأن الفطر جائزٌ له، وإثمه بسبب الزنا لا بسبب الصوم.
(والكفارة على الزوج عنه) دونها؛ لأنه عليه السلام لم يأمر بها زوجة المجامع

وَفِي قَوْلٍ: عَنْهُ وَعَنْهَا، وَفِي قَوْلٍ: عَلَيْهَا كَفَّارَةٌ أُخْرَي. وَتلزَمُ مَنِ انْفَرَدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَجَامَعَ فِي يَوْمِهِ

أهلَه مع مشاركتها له في السبب 1؛ لأنه جاء في رواية: (هلكت وأهلكت) 2، ولو وجب عليها.. لبينَّه؛ كما في الرجل، (وفي قول: عنه وعنها) أي: يلزمهما كفارة واحدة ويتحملها الزوج؛ لمشاركتها له في السبب؛ كما هو ظاهر الخبر.
ومحل هذا القول: إذا لم يكونا من أهل الصيام، فإن كانا من أهله؛ لكونهما معسرين أو مملوكين.. لزم كلّ واحد صومُ شهرين؛ لأن العبادة البدنية لا تتحمل، وإن كان من أهل العتق والإطعام، وهي من أهل الصيام.. فالأصحُّ: أنه يجزيء عنها إلا أن تكون أمة؛ فإنه لا يجزيء العتق عنها على الصحيح.
ومحله أيضًا: إذا كانت زوجة؛ كما يرشد إليه قوله: (على الزوج)، أما الموطوءة بالشبهة والمزني بها.. فلا يتحمل عنها قطعًا، ولو كان الزوج مجنونًا.. لم يلزمها شيء على القول الأول، ويلزمها على الثاني؛ لأن الزوج ليس أهلًا للتحمل.
(وفي قول: عليها كفارة أخري) قياسًا على الرجل؛ لتساويهما في السبب، ولأنها عقوبة، فاشتركا فيها؛ كحد الزنا، وهذا في غير المتحيرة، أما هي.. فلا كفارة عليها على الأصحِّ في "زيادة الروضة" في (باب الحيض) 3. ومحل هذا القول والذي قبله: إذا كانت المرأة صائمة، ومكَّنت طائعة عالمة، فإن كانت مفطرة، أو نائمة صائمة.. فلا كفارة عليها قطعًا، ولا يبطل صومها.
ومحلهما أيضًا: إذا وطئت في قبلها، فإن وطئت في الدبر.. فلا كفارة عليها وفاقًا، نقله ابن الرفعة عن القاضيين أبي الطيب وأبي علي البَنْدَنيجي ثم قال: (وكذا حكم إتيان الرجل في الدبر) 4. (وتلزم من انفرد برؤية الهلال وجامع في يومه) لهتكه حرمةَ يومٍ من رمضان عنده بالجماع.

وَمَنْ جَامَعَ فِي يَوْمَيْنِ.. لَزِمَهُ كَفَّارَتَانِ. وَحُدُوثُ السَّفَرِ بَعْدَ الْجِمَاعِ لَا يُسْقِطُ الْكَفَّارَةَ، وَكَذَا الْمَرَضُ عَلَي المَذْهَبِ. وَيَجِبُ مَعَهَا قَضَاءُ يَوْمِ الإِفْسَادِ عَلَي الصَّحِيحِ، وَهِيَ: عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ.. فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ.. فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا،

(ومن جامع في يومين.. لزمه كفارتان) لأن كلَّ يوم عبادة منفردة، فلا تتداخل كفارتاهما؛ كحجتين إذا جامع فيهما، فإن تكررَ الجماعُ في يوم واحد.. فلا تعدد.
(وحدوث السفر بعد الجماع لا يُسقط الكفارة) لأن السفر المنشأ في أثناء النهار لا يبيح الفطر، فعروضه لا يؤثر فيما وجب من الكفارة.
(وكذ المرض على المذهب) لهتكه حرمة صوم اليوم بذلك، والثاني: يسقط؛ لأن حدوث المرض يبيح الفطر؛ فتبيَّن به أن الصوم لم يقع واجبًا، وهذه هي الطريقة الصحيحة، والطريقة الثانية: القطع بالأول؛ كالسفر.
وحدوثُ الجنون، والموت، والحيض، والنفاس يسقطها على الأظهر، وصورة طروء الحيض والنفاس مُفرَّعةٌ على قول الوجوب عليها.
(ويجب معها) أي: مع الكفارة (قضاءُ يومِ الإفساد على الصحيح) لأنه إذا وجب على المعذور؛ فعلي غيره أولى، وروي أبو داوود أنه عليه السلام أمر به الأعرابي 1، والثاني: لا يجب؛ لانجبار الخلل الحاصل بالكفارة، والثالث: إن كفَّر بالصوم.. دخل فيه القضاء، وإلا.. لم يدخل؛ لاختلاف الجنس.
قال الإمام: ولا خلاف في أن المرأة يلزمها القضاءُ إذا لم تلزمها الكفارة، ولا يتحمل الزوج؛ لأن الكفارة إذا كانت صومًا.. لم يتحملها على القول بإيجابها على المرأة، فالقضاء أولى 2. (وهي) يعني: كفارة الوقاع في رمضان (عتق رقبة، فإن لم يجد.. فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع.. فإطعام ستين مسكينًا) للحديث المارّ 3، وهذه الخصال الثلاث صفتها مذكورة في (كتاب الظهار).

فَلَوْ عَجَزَ عَنِ الْجَمِيعِ.. اسْتَقَرَّتْ فِي ذِمَّتِهِ فِي الأَظْهَرِ، فَإِذَا قَدَرَ عَلَى خَصْلَةٍ.. فَعَلَهَا. وَالأَصحُّ: أَنَّ لَهُ الْعُدُولَ عَنِ الصَّوْمِ إِلَى الإِطْعَامِ؛ لِشِدَّةِ الْغُلْمَةِ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْفَقِيرِ صَرْفُ كَفَّارَتهِ إِلَى عِيَالِهِ

(فلو عجز عن الجميع.. استقرَّت في ذمته في الأظهر) لأنه عليه السلام أمر الأعرابي أن يكفر بما دفعه إليه مع إخباره بعجزه 1، فدلَّ على أنها ثابتة في الذمة مع العجز، والثاني: لا، بل تسقط؛ كزكاة الفطر، ولأنه عليه السلام لم يذكر ذلك للأعرابي مع جهله بالحكم.
وأجيب عنه: بأن تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز ولو قدر على البعض.
قال الدارمي في "الاستذكار": إن قلنا: إذا لم يقدر على الكلّ فهو في ذمته.. فههنا أولى، وإن قلنا: يسقط.. فوجهان: أحدهما: يسقط، فلا يخرج شيئًا، والثاني: لا يسقط، فعلى هذا وجهان: أحدهما: يخرج ما معه، ولا شيء عليه، والثاني: يكون في ذمته الباقي.
(فإذا قدر على خصلةٍ.. فعلها) كما لو كان قادرًا عليها حال الوجوب.
(والأصح: أن له العدولَ عن الصوم إلى الإطعام؛ لشدّة الغُلْمة) أي: الحاجة إلى النكاح؛ لأن حرارة الصوم وشدة الغُلْمة قد يفضيان به إلى الوقاع ولو في يوم واحد من الشهرين، فيقتضي استئنافهما، وهو حرج شديد، وفي الحديث: (وهل أُتيت إلا من الصوم) 2، والثاني: لا؛ لأنه قادر على الصوم، فلم يجز العدول عنه؛ كصوم رمضان.
(وأنه لا يجوز للفقير صرفُ كفارته إلى عياله) كالزكوات، وسائر الكفارات، والثاني: يجوز؛ لأنه عليه السلام قال للمجامع: "أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ" 3. وأجيب عنه بأجوبة؛ منها: أنه ليس في الحديث ما يدلّ على وقوع التمليك، وإنما أراد أن يملكه ليكفر به؛ فلمَّا أخبره بحاله.. تصدق به عليه.

باب صوم التَّطوُّع يُسَنُّ: صَوْمُ الاثنيْنِ، وَالْخَمِيسِ، وَعَرَفَةَ، وَعَاشُورَاءَ، وَتَاسُوعَاءَ،...

﴿باب صوم التطوع﴾ التطوع: ما ليس بفرض من العبادات.
(يسن: صوم الاثنين، والخميس) لأنه عليه السلام كان يتحرى صومَهما، وقال: "إِنَّهُمَا يَوْمَانِ تُعْرَضُ فِيهِمَا الأَعْمَالُ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ" رواه الترمذي، وقال: حديث حسن 1، والمراد: عرضها على الله تعالى.
(وعرفة) لأنه "يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ وَالْبَاقِيَةَ" كما رواه مسلم 2. قال الإمام: والمكفَّر: الصغائر دون الكبائر 3، قال صاحب "الذخائر": وهذا منه تحكّم يحتاج إلى دليل، والحديث عام، وفضل الله واسعٌ لا يُحجر.
قال الماوردي: وللتكفير تأويلان: أحدهما: الغفران، والثاني: العصمة حتى لا يعصي 4. ويستثنى: الحاج؛ فإن فطره لعرفة مستحبّ؛ تأسيًا، وتقويًا على الدعاء.
نعم؛ لو أخَّر وقوفه إلى الليل لعذر، أو غيره.. استحب له صومه؛ كما قاله المصنف في "نكت التنبيه".
ويستحب أيضًا: صوم ثامن ذي الحجة؛ احتياطًا لعرفة، قاله المتولي وغيره.
(وعاشوراء) لأنه "يُكَفِّرُ السَّنَةَ الْمَاضِيَةَ" كما رواه مسلم 5. (وتاسوعاء) لقوله عليه السلام: "لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ.. لأَصُومَنَّ الْيَوْمَ التَّاسِعَ"، فمات قبله، رواه مسلم 6، والمعنى فيه: مخالفة اليهود؛ فإنهم يصومون العاشر.

وَأَيَّامِ الْبِيضِ، وَسِتَّةٍ مِنْ شَوَّالٍ، وَتَتَابُعُهَا أَفْضَلُ. وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ الْجُمُعَةِ،

ويستحب أيضًا: صوم الحادي عشر؛ كما نصَّ عليه في "الأم"، و"الإملاء".
(وأيام البيض) أي: أيام الليالي البيض، وهي: الثالث عشر وتالياه؛ للأمر بصومها في "النسائي" 1، وقيل: الثاني عشر بدل الخامس عشر، قال في "الروضة": والاحتياط: صومهما معًا 2. ويستثنى من ذلك: ذو الحجة؛ فإن صوم ثالث عشره حرام، فهل يسقط في هذا الشهر، أو يعوّض عنه السادس عشر؛ قال شيخنا: فيه احتمال، ولم أر من تعرض لذلك.
(وستةٍ من شوال)، ففي "صحيح مسلم": "مَنْ صَامَ رَمَضانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالَ.. كَانَ كَصيَامِ الدَّهْرِ" 3. والمعنى فيه: أن الحسنة بعشرة أمثالها، وإنما اختصت السِّتة بشوال؛ لأن المراد: صيام الدهر فرضًا فتفضَّل الشارع علينا ووسَّع، فجعل أن من بادر عقب رمضان فأتى بالستة من شوال.. يكون ثوابُه عليها ثواب الفرض لرمضان، وحينئذ فيحصل ثواب الدهر فرضًا بما ذكره، ونفلًا بالثلاثة المأتي بها في كلّ شهر.
(وتتابُعها أفضل) عقب العيد؛ لما في التأخير من الآفات.
(ويكره إفراد الجمعة) للنهي عنه 4، والمعني في استحباب فطره: التقوي على الوظائف المطلوبة فيه، وإنما زالت الكراهة بصوم يوم معه؛ لأنه يجبر ما حصل من النقص.
ومحل كراهة إفراده: ما إذا لم يوافق عادة له، ذكره في "شرح المهذب"، لكنه مثَّله بأن يَنْذُر صومَ يوم شفاء مريضه، أو قدوم زيد أبدًا، فوافق يوم جمعة 5. واعترضه الإسنوي: بأن الكلام في صومه نفلًا، وهو في هذا المثال فرض،

وَإِفْرَادُ السَّبْتِ، وَصَوْمُ الدَّهْرِ غَيْرَ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ مَكْرُوهٌ لِمَنْ خَافَ بِهِ ضَرَرًا أَوْ فَوْتَ حَقٍّ، وَمُسْتَحَبٌّ لِغَيْرِهِ

فالصواب: تمثيله بما إذا كان عادته صوم يوم وفطر يوم، فوافق صوم يوم جمعة 1. (وإفرادُ السبت) للنهي عنه أيضًا 2، قال البيهقي في "فضائل الأوقات": وكأن هذا النهي إن صحَّ إنما هو لإفراده بالصوم؛ تعظيمًا له، فيكون فيه تشبيه باليهود.
انتهى 3. وقال الحليمي في "منهاجه": كأن المعنى في كراهته: أن الصوم إمساك، وتخصيصه بالإمساك عن الاشتغال من عوائد اليهود 4. وقضية هذا المعنى: كراهة إفراد الأحد أيضًا؛ لأن النصاري تُعظّمه، وصرَّح به ابن يونس في "النبيه" 5، وصاحب "الشامل الصغير"، قال في "البحر": ولا يكره إفراد يوم عيد من أعياد أهل الملل بالصوم؛ كالنيروز والمهرجان 6. (وصوم الدهر غيرَ العيد والتشريق مكروهٌ لمن خاف به ضررًا، أو فَوت حقّ) لما في "صحيح مسلم": "لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ" 7. (ومستحب لغيره) للأدلة الدالة على استحباب الصوم، والحديث المار محمولٌ على الحالة الأولى، وهذا التفصيل ذكره الجمهور، وأطلق البغوي الكراهة، والغزالي الاستحباب، وتبعه "الحاوي الصغير"، وحيث قلنا إن صوم الدهر

وَمَنْ تَلَبَّسَ بِصَوْمِ تَطَوُّعٍ أَوْ صَلَاتِهِ.. فَلَهُ قَطْعُهُمَا وَلَا قَضَاءَ. وَمَنْ تَلَبَّسَ بِقَضَاءٍ.. حَرُمَ عَلَيْهِ قَطْعُهُ إِنْ كَانَ عَلَى الْفَوْرِ، وَهُوَ صَوْمُ مَنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْفَوْرِ فِي الأَصَحِّ؛ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ تَعَدَّى بِالْفِطْرِ

مستحبٌ.. فصوم يوم، وفطر يوم أفضل؛ كما قاله في "التتمة"، وصححه في "شرح مسلم" 1. (ومن تلبَّس بصوم تطوع أو صلاته.. فله قطعهما) أما الصوم.. فلقوله عليه السلام: "الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ.. صَامَ، وَإِنْ شَاءَ.. أَفْطَرَ"، قال الحاكم: صحيح الإسناد 2. وأما الصلاة.. فبالقياس على الصوم.
نعم؛ قطعهما لغير عذر مكروه، وللعذر غير مكروه، ومن العذر أن يشقّ على الضيف أو المضيف صومُه، فإن الفطر في هذه الحالة مستحبٌّ.
(ولا قضاء) أما في الصوم.. فلما رواه أبو داوود: إن أم هانيء كانت صائمةً صومَ تطوع، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن تفطر بلا قضاء، وبين أن تتم صومَها 3. وأما في الصلاة.. فبالقياس عليه، وكذا حكمُ سائر التطوعات، خلا العمرة والحج في الأمرين المذكورين.
(ومن تلبس بقضاء) عن واجب (.. حرم عليه قطعُه إن كان على الفور، وهو صوم من تعدَّى بالفطر) حتى لا يجوز التأخير بعذر السفر؛ كما نقلاه عن البغوي، وأقرَّاه؛ تداركًا لما وقع من الإثم، وجوازُ قطعه ينافي وجوبَه على الفور 4. (وكذا إن لم يكن على الفور في الأصح؛ بأن لم يكن تعدَّى بالفطر) لأنه قد تلبس بالفرض، ولا عذر له في الخروج، فلزمه إتمامه؛ كما لو شرع في الصلاة في أول

..................................

الوقت، وهذا ما نصَّ عليه في "الأم" 1، والثاني: لا يحرم؛ لأنه متبرع بالشروع فيه، فأشبه المسافرَ يشرع في الصوم ثم يريد الخروج منه.
ويرد على ضبطه الفور بالتعدي: قضاء يوم الشك؛ فإن قضية ما في "شرح المهذب" عن المتولي وغيره: أن قضاءه على الفور 2، وما لو ضاق وقته؛ بأن لم يبق من شعبان إلا ما يسع القضاء؛ فإنه يجب القضاء على الفور سواء فات بعذر أم لا.

كتابُ الاعتكاف هُوَ مُسْتَحَبٌّ كُلَّ وَقْتٍ، وَفِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَلُ لِطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ،

﴿كتاب الاعتكاف﴾ هو في اللغة: لزوم الشيء، وحبس النفس عليه، خيرًا كان أو شرًّا، وفي الشرع: إقامة مخصوصة.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالي: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ والسنة مستفيضة به، وهو من الشرائع القديمة.
(هو مستحبٌّ كلَّ وقت) بالإجماع.
(وفي العشر الأواخر من رمضان أفضلُ) لمحافظته عليه الصلاة والسلام عليه إلى وفاته 1، ولأنه أفضل أعشاره (لطلب ليلة القدر) فيحييها بالصلاة، والقراءة، وكثرة الدعاء، فإنها أفضل ليالي السنة، قال الله تعالي: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾ أي: خير من العمل في ألف شهر ليس فيها ليلة القدر، وفي الصحيح: "مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا، وَاحْتِسَابًا.. غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" 2. ولو شهد العشاءَ والصبح في جماعة.. فقد أخذ بحظِّه منها؛ كذا نقله في "زوائد الروضة" عن نصه في القديم 3. وظاهر كلام المصنف: انحصارها في العشر الأخير، وهو المنصوص، وعليه الجمهور، وأنها تلزم ليلة معينة لا تنتقل، وقال المزني إنها منتقلة في ليالي العشر جمعًا بين الأحاديث، قال في "الروضة": وهو قوي، وقال في "شرح المهذب": إنه الظاهر المختار، لكن المذهب الأول 4.

وَمَيْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ إِلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْحَادِي أَوِ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ

(وميلُ الشافعي رحمه الله إلى أنها ليلة الحادي أو الثالث والعشرين) أما الحادي.. فلما في "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم، قال: "اعْتكفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ أَلْتَمِسُ هَذ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتكفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ، فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ.. فَلْيَعْتَكِفْ"، فاعتكف الناس، قال: "وَإِنِّي أُرِيْتُهَا لَيْلَةَ وِتْرٍ، وَإِنِّي أَسْجُدُ فِي صبِيحَتِهَا فِي الطِّينِ وَالْمَاءِ"، فأصبحوا من ليلة إحدي وعشرين، وقد قام إلى الصبح، فمطرت السماء، فوكف المسجدُ، فأبصرتُ الطين والماء، فخرج حين فرغ من صلاة الصبح وجبينه وأرنبة أنفه فيها الماء والطين 1. وأما الثالث.. فلما رواه مسلم عن عبد الله بن أُنيس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَأَرَانِي فِي صَبيحَتِهَا أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ"، قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسولَ الله صلي الله عليه وسلم، فانصرف، وإن أثر الماء والطين على جبهته وأنفه 2. وما ذكره المصنف هو نصُّ "المختصر" 3، والذي قاله الأكثرون: أن ميله إلى أنها ليلة الحادي والعشرين لا غير، وقال الشيخ أبو حامد والبَنْدَنيجي: إنه مذهب الشافعي، وللعلماء فيها نحو من عشرين قولًا، ذكرها القاضي عياض 4، وغيره 5. = وفي كتاب "فضائل الأوقات" [ص 260 - 262] للبيهقي من حديث محمد بن جُحَادة عن أنس رفعه: "مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ؛ حَتَّى يَنْقَضِيَ رَمَضَانُ.. فَقَدْ أَصَابَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ بِحَط وَافِرٍ"، قال: وروينا عن عقبة بن أبي الحسناء عن أبي هريرة مرفوعًا: "مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ الأَخِيرَةَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ رَمَضَان.. فَقَدْ أَدْرَكَ لَيْلَةَ الْقَدْر"، وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: (من شهد العشاء ليلة القدر.. فقد أخذ بحظ منها).
اهـ هَامش (أ).

جارٍ التحميل