بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 301-341

أَوْ شَكَكْنَا فِي وَقْتِهِ، وَكَذَا زَاعِمُ التَّمَسُّكِ بِصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَزَبُورِ دَاوُودَ عليهما السلام، وَمَنْ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيٌّ وَالآخَرُ وَثنَيٌّ عَلَى الْمَذْهَبِ

التهوّد، وقبل نسخ الإنجيل بالقرآن في التنصر؛ لأنهم أهل كتاب، ولشرف آبائهم الذين ماتوا على الحق، (أو شككنا في وقته) فلم نعرف أدخلوا قبل النسخ أو بعده؛ تغليبًا لحقن الدم، كالمجوس، وخرج بهذا: من تهوّد أو تنصّر بعد بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم، أو تهود بعد بعثة عيسى صلى الله عليه وسلم؛ فإنها لا تعقد لهم.
ولا معنى لإطلاق اليهود والنصارى، وتقييده في أولادهم، ولو عكس.. لكان أولى، ثم إنه يوهم أن الرجل لو تهود أو تنصر قبل النسخ.. عقد لأولاده مطلقًا، وليس كذلك، بل إنما يعقد لهم إذا لم ينتقلوا عن دين آبائهم بعد البعثة.
(وكذا زاعم التمسك بصحف إبراهيم وزبور داوود عليهما السلام) لأن الله تعالى أنزل عليهما صحفًا، فقال: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾، وتُسمَّى كتبًا؛ كما نصّ عليه الشافعي 1، فاندرجت في قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوْتُوا الكِتَابَ﴾، وفي قول: لا يعقد لهم؛ لأنها مواعظ، فليس لها حرمة الأحكام، ومنهم من قطع بالأول.
(ومن أحد أبويه كتابي والآخر وثني على المذهب) تغليبًا لحقن الدم، وتحرم المناكحة والذبيحة احتياطًا، وسواء أكان الأب وثنيًّا أم الأم، والطريق الثاني: إلحاقه بالنكاح والذبيحة.
وقوله: (على المذهب): عائد إلى هذه المسألة وإلى التي قبلها.
ومحل الخلاف: إذا بلغ ابن الوثني من كتابية ودان بدين أمه، فإن دان بدين أبيه.. لم يقر جزمًا.
وأفهم حصرُه عقدَ الذمة لمن ذكر: أنها لا تعقد لغيرهم، كعبدة الأوثان والملائكة والشمس ومن في معناهم، وهو كذلك، والسامرة والصابئة إن خالفوا اليهود والنصارى في أصل دينهم.. فليسوا منهم، وإلا.. فمنهم؛ كما سلف في (النكاح).

وَلَا جِزْيَةَ عَلَى امْرَأَةٍ وَخُنْثَى، وَمَنْ فِيهِ رِقٌّ وَصَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ، فَإِنْ تَقَطَّعَ جُنُونُهُ قَلِيلًا كَسَاعَةٍ مِنْ شَهْرٍ.. لَزِمَتْهُ، أَوْ كَثيرًا كَيَوْمٍ وَيَوْمٍ.. فَالأَصَحُّ: تلُفَّقُ الإِفَاقَةُ، فَإِذَا بَلَغَتْ سَنَةً.. وَجَبَتْ. وَلَوْ بَلَغَ ابْنُ ذِمِّيٍّ وَلَمْ يَبْذُلْ جِزْيَةً.. أُلْحِقَ بِمَأْمَنِهِ، وَإِنْ بَذَلَهَا.. عُقِدَ لَهُ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ كَجِزْيَةِ أَبِيهِ

(ولا جزية على امرأة) لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية، وهذا خطاب الذكور، وكتب عمر رضي الله عنه إلى أمراء الأجناد: ألا يأخذوا الجزية من النساء والصبيان 1، (وخنثى) لاحتمال كونه أنثى، فلو بانت ذكورته.. أخذ منه ما مضى؛ كما جزم به في "شرح المهذب" في (باب الأحداث)، وحكى الرافعي فيه هنا وجهين، قال في "زيادة الروضة": ينبغي أن يكون الأصح: الأخذ 2. (ومن فيه رق) ولو مدبرًا ومكاتبًا وأمَّ ولد؛ لأنه مال، والمال لا جزية عليه، ولا تجب على سيده بسببه، (وصبي، ومجنون) مطبقًا؛ لرفع القلم عنهما.
(فإن تقطع جنونه قليلًا؛ كساعة من شهر.. لزمته)، ولا عبرة بهذا الزمن اليسير، (أو كثيرًا؛ كليوم ويوم.. فالأصح: تلفق الإفاقة، فإذا بلغت) أيام الإفاقة (سنة.. وجبت) اعتبارًا للأيام المتفرقة بالأيام المجتمعة، والثاني: لا شيء عليه؛ لنقصانه؛ كالمبعض.
هذا إذا تعاقب الجنون والإفاقة، فلو كان عاقلًا فجن في أثناء الحول.. فكموت الذمي في أثنائه، وإن كان مجنونًا فأفاق في أثنائه.. استقبل الحول من حينئذ.
(ولو بلغ ابن ذمي ولم يبذل جزية.. الحق بمأمنه) (ولا يغتال؛ لأنه كان في أمان أبيه بحكم التبعية، (وإن بذلها.. عقد له) عقد جديد؛ لأن عقد الأب وقع لنفسه دونه.
(وقيل: عليه؛ كجزية أبيه)، ويكتفى بعقد أبيه؛ لأنه لما تبعه في أصل الأمان.. تبعه في الذمة، وصححه جمع، وقال الماوردي: إنه ظاهر مذهب الشافعي 3، ولم يستأنف أحد من الأئمة العقد للأولاد إذا بلغوا.

وَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُهَا عَلَى زَمِنٍ وَشَيخٍ هَرِمٍ وَأَعْمَى وَرَاهِبٍ وَأَجِيرٍ وَفَقِيرٍ عَجِزَ عَنْ كَسْبٍ، فَإِذَا تَمَّتْ سَنَةٌ وَهُوَ مُعْسِرٌ.. ففِي ذِمَّتِهِ حَتَّى يُوسِرَ. وَيُمْنَعُ كُلُّ كَافِرٍ مِنِ اسْتِيطَانِ الْحِجَازِ، وَهُوَ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ وَالْيَمَامَةُ وَقُرَاهَا،

(والمذهب: وجوبها على زمن، وشيخ هرم، وأعمى، وراهب، وأجير) لأنها كأجرة الدار، فيستوي فيها أرباب الأعذار وغيرهم، والطريق الثاني: البناء على جواز قتلهم؛ إن قلنا: بالجواز.. ضربت عليهم الجزية، وإلا.. فلا؛ إلحاقًا لهم بالنساء والصبيان.
(وفقير عجز عن كسب) لأنه كالغني في الحقن والسكنى، والثاني: لا تجب؛ لأن وجوبها يتعلق بالحول، فلا تجب على الفقير؛ كالزكاة والعقل.
(فإذا تمت سنة وهو معسر.. ففي ذمته حتى يوسر) كما يعامل المعسر، ويطالب إذا أيسر، وكذا الحكم في الحول الثاني وما بعده.
وقضية عطفه الفقيرَ على الزمن ومن بعده: أن الخلاف طريقان، والمذكور في الرافعي وغيره قولان 1. (ويمنع كل كافر من استيطان الحجاز) لقوله عليه السلام: "أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ" متفق عليه 2. قال الشافعي: وأراد به الحجاز من جزيرة العرب، ولم يرد جميع الجزيرة؛ لأن عمر رضي الله عنه أجلاهم من الحجاز وأقرّهم في اليمن، مع أنها من جزيرة العرب 3؛ أي: فإن جزيرة العرب من أقصى عدن إلى ريف العراق في الطول، وفي العرض من جُدّة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام.
(وهو) أي: الحجاز (مكة والمدينة واليمامة وقراها)، كذا فسّره الشافعي 4، وسمي حجازًا؛ لأنه حجز بين نجد وتهامة.

وَقِيلَ: لَهُ الإِقَامَةُ فِي طُرُقِهِ الْمُمْتَدَّةِ، وَلَوْ دَخَلَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ.. أَخْرَجَهُ وَعَزَّرَهُ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ، فَإِنِ اسْتَأْذَنَ.. أَذِنَ إِنْ كَانَ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ كَرِسَالَةٍ وَحَمْلِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَإِنْ كَان لِتِجَارَةٍ لَيْسَ فِيهَا كَبيرُ حَاجَةٍ.. لَمْ يَأْذَنْ إِلَّا بِشَرْطِ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا يُقِيمُ إِلَّا ثَلَاثةَ أَيَّامٍ، وَيُمْنَعُ دُخُولَ حَرَمِ مَكَّةَ، فَإِنْ كَانَ رَسُولًا.. خَرَجَ إِلَيْهِ الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ يَسْمَعُهُ،

(وقيل: له الإقامة في طرقه الممتدة) بين هذه البلاد التي لم تجر الإقامة فيها عادة؛ لأنها ليست مجتمع الناس وموضع الإقامة، والأصحُّ: المنع؛ لأنها من بلاد الحجاز.
(ولو دخله بغير إذن الإمام.. أخرجه وعزره إن علم أنه ممنوع) لتجرئه ودخول ما ليس له دخوله، فإن جهل ذلك.. أخرج ولم يعزر.
(فإن استأذن) في دخوله (.. أذن) الإمام أو نائبه في ذلك (إن كان مصلحة للمسلمين؛ كرسالة، وحمل ما يحتاج إليه) أي: ما يحتاج إليه من ميرة أو متاع، وفي معناه: عقد الذمة أو الهدنة؛ للمصلحة.
(فإن كان لتجارة ليس فيها كبير حاجة.. لم يأذن إلا بشرطِ أخذ شيء منها)، وقدره راجع إلى رأي الإمام؛ اقتداءً بعمر رضي الله عنه؛ فإنه كان يأخذ من القبط إذا اتّجروا إلى المدينة عُشْر بعض الأمتعة، كالقُطنية، ويأخذ نصف العشر من الحنطة والشعير، ترغيبًا لهم في حملهما، للحاجة إليهما 1. (ولا يقيم) في موضع واحد (إلا ثلاثة أيام)، غير يوم الدخول والخروج، اقتداءً بعمر رضي الله عنه 2. (ويمنع دخول حرم مكة) لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾، والمراد: الحرم بإجماع المفسرين، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾؛ أي: انقطاع التجارة عنكم، ومعلوم أن الجلب ليس إلى المسجد نفسه.
(فإن كان رسولًا.. خرج إليه الإمام أو نائبه يسمعه) إذا امتنع من أدائها إلا إليه، وإلا.. بعث إليه من يسمع وينهيها إليه، وكذا إن دخل لتجارة خرج إليه من يشتري

وَإِنْ مَرِضَ فِيهِ.. نُقِلَ.
وَإِنْ خِيفَ مَوْتُهُ، فَإِنْ مَاتَ.. لَمْ يُدْفَنْ فِيهِ، فَإِنْ دُفِنَ.. نُبِشَ وَأُخْرِجَ، وَإِنْ مَرِضَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْحِجَازِ وَعَظُمَتِ الْمَشَقَّةُ فِي نَقْلِهِ.. تُرِكَ، وَإِلَّا.. نُقِلَ، فَإِنْ مَاتَ وَتَعَذَّرَ نَقْلُهُ.. دُفِنَ هُنَاكَ.

فَصْلٌ [في مقدار الجزية]

أَقَلُّ الْجِزْيَةِ دِينَارٌ لِكُلِّ سَنَةٍ،

منه، وإن جاء كافر ليناظر لمسلم.. خرج إليه من يناظره؛ حسمًا لل

باب.

(وإن مرض فيه.. نقل، وإن خيف موته) من النقل؛ لأنه ظالم بالدخول، وليس لعرق ظالم حق (فإن مات.. لم يدفن فيه، فإن دفن.. نبش وأخرج) لأن بقاء جيفته فيه أشد من دخوله فيه حيًّا، وهذا إذا لم يتقطع، فإن تقطع.. ترك.
وخرج بـ (حرم مكة): حرم المدينة؛ فلا يلحق به فيما ذكرناه، لكن استحسن الروياني: أن يخرج منه إذا لم يتعذر الإخراج ويدفنَ خارجه، وفي "الذخائر": إن بعض أصحابنا الحق المدينة وحرمها بحرم مكة.
(وإن مرض في غيره) أي: في غير الحرم (من الحجاز وعظمت المشقة في نقله.. ترك) لأنه يجوز له الدخول فيه في الجملة، (وإلا) أي: وإن لم تعظم المشقة (.. نقل) رعايةً لحرمة الدار.
(فإن مات وتعذّر نقله) لحصول التغير لبعد المسافة، وفي معناه التقطع (.. دفن هناك) للضرورة، فإن لم يتعذر نقله.. لم يدفن.
وهذا كله في الذمي، أما الحربي.. فلا يجب دفنه، بل في وجه: لا يجوز، بل تغرى الكلاب عليه، فإن تأذى الناس بريحه.. وُوري كالجيفة، والمرتد كالحربي.

(فصل: أقل الجزية: دينار لكل سنة) لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: "خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ" - أي: محتلم - "دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِ" 1،

وَيُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ مُمَاكَسَة حَتَى يَأْخُذَ مِنْ مُتَوَسِّط دِينَارَيْنِ وَغَنِى أَرْبَعَةً، وَلَوْ عُقِدَتْ بِأَكْثَرَ ثُمَّ عَلِمُوا جَوَازَ دِينَارٍ.. لَزِمَهُمْ مَا الْتَزَمُوهُ، فَإِنْ أَبَوْا.. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُمْ نَاقِضُونَ.
وَلَوْ أَسْلَمَ ذِمِّيٌّ أَوْ مَاتَ بَعْدَ سِنِينَ.. أُخِذَتْ جِزْيَتُهُن مِنْ تَرِكَتِهِ مُقَدَّمَةً عَلَى الْوَصَايَا - وَيُسَوَّى بَيْنَهَا وَبَيْنَ دَيْنِ آدَمِّيٍّ عَلَى الْمَذْهَبِ ===

و(المعافر): ثياب تكون باليمن، ومعنى (عدله) أي: بدله، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، ونقل الشيخ أبو حامد فيه الإجماع.
(ويستحب للإمام مماكسة حتى يأخذ من متوسط دينارين وغني أربعة) 1 اقتداءً بعمر رضي الله عنه؛ كما رواه البيهقي عنه 2، ولأن الإمام متصرف للمسلمين، فينبغي أن يحتاط لهم.
وأطلق المصنف تبعًا للرافعي المماكسة، ونقل ابن الرفعة عن الأصحاب: أنه ليس للعاقد إذا قدر على العقد بمئة دينار أن ينقص منها دانقًا.
ويستثنى: السفيه، فليس له أن يماكس وليه، وليس لوليه بذل الزيادة من ماله على الأشبه، بخلاف ما إذا لم يعف مستحق القود إلا بزيادة؛ صيانةً للروح.
(ولو عقدت بأكثر ثم علموا جواز دينار.. لزمهم ما التزموه) كمن اشترى شيئًا بأكثر من ثمن مثله، (فإن أبوا) من بذل الزيادة (.. فالأصح: أنهم ناقضون) للعهد بذلك؛ كما لو امتنعوا من أداء أصل الجزية، وحينئذ: فيبلغون المأمن أو يقتلون؛ قولان يأتيان آخر الباب، والثاني: لا، ويقنع منهم بالدينار؛ كما يجوز ابتداء العقد به.
(ولو أسلم ذمي أو مات بعد سنين.. أخذت جزيتهن من تركته مقدمةً على الوصايا) والميراث، وتؤخذ من المسلم إذا أسلم، كسائر الديون، (ويسوّى بينها وبين دين آدمي على المذهب)، فإن لم تَفِ التركة.. ضارب الإمام مع الغرماء

  • أَوْ فِي خِلَالِ سَنَةٍ.. فَقِسْطٌ، وَفِي قَوْلٍ: لَا شَيْءَ.
    وَتُؤْخَذُ بإِهَانَةٍ؛ فَيَجْلِسُ الآخِذُ، وَيَقُومُ الذِّمِّيُّ وَيُطْأَطِئُ رَأْسَهُ وَيَحْنِي ظَهْرَهُ، وَيَضَعُهَا فِي الْمِيزَانِ، وَيَقْبضُ الآخِذُ لِحْيَتَهُ، وَيَضْرِبُ لِهْزِمَتَيْهِ، وَكُلُّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَقِيلَ: وَاجِبٌ، فَعَلَى الأَوَّلِ: لَهُ تَوْكِيلُ مُسْلِمٍ بِالأَدَاءِ، وَحَوَالَةٌ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَضْمَنَهَا ===

بالجزية، ومقابل المذهب: أنها على الأقوال الثلاثة في اجتماع حق الله وحق الآدمي: هل يقدم ذا أم ذاك، أم يسوى.
والفرق على الأول: أن الجزية غلب فيها حق الآدمي من جهة أنها أجرة.
(أو) أسلم أو مات (في خلال سنة.. فقسط) كالأجرة، (وفي قول: لا شيء) لأنه مال يراعى فيه الحول، فيسقط بالموت في خلال الحول؛ كالزكاة.
(وتؤخذ) الجزية (بإهانة؛ فيجلس الآخذ، ويقوم الذمي ويطأطئ رأسه ويحني ظهره، ويضعها في الميزان، ويقبض الآخذ لحيته، ويضرب لِهْزِمَتَيْه)، وهي مجتمع اللحم بين الماضغ والأذن، بكسر اللام والزاي، اعتمد الرافعي في ذلك: أن بعض فسّر (الصغار) في الآية بهذا 1. واعترض: بأن الذي نصّ عليه الشافعي والأصحاب: أن (الصغار): هو رضاهم بجريان أحكام الإسلام عليهم 2. وقضية كلام المصنف: أنه يضربه في كل لِهْزِمة ضربة، وقال الرافعي: يشبه أن يكفي الضرب في أحد الجانبين، ولا يراعى الجمع بينهما 3. (وكله مستحب) لسقوطه بتضعيف الصدقة؛ كما سيأتي، (وقيل: واجب) ليحصل الصغار المذكور، (فعلى الأول) (وهو كونه مستحبًّا) له توكيل مسلم بالأداء، وحوالة عليه، وأن يضمنها) لأن الصغار حاصل بالتزامه المالَ وانقيادِه للأحكام على كره منه، والضمان أولى بالصحة؛ لأنه لا يمنع الطلب من الذمي،

قُلْتُ: هَذِهِ الْهَيْئَةُ بَاطِلَةٌ، وَدَعْوَى اسْتِحْبَابِهَا أَشَدُّ خَطَأً، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيُسْتَحَبُّ لِلإِمَامِ إِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَشْرِطَ عَلَيْهِمْ إِذَا صُولحُوا فِي بَلَدِهِمْ ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ زَائِدًا عَلَى أَقَلِّ جِزْيَةٍ، وَقِيلَ: يَجُوزُ مِنْهَا،

وإقامة الصغار عليه، وعلى الثاني -وهو كونه واجبًا-: لا يجوز شيء من ذلك؛ لأجل فوات الواجب به.
وقوله: (مسلم) قد يفهم: صحة توكيل الذمي قطعًا، ونقلًا عن الإمام طرد الخلاف فيه، وأقراه؛ لأن كلًّا منهما معنيٌّ بالصغار في نفسه 1. (قلت: هذه الهيئة باطلة) لأنه لا أصل لها، وقد صرح الجمهور بأخذها برفق؛ كأخذ الديون، ونصّ عليه في "الأم" فقال: وإن أخذ منهم الجزية.. أخذها بإجمال، ولم يضرب أحدًا منهم، ولم ينله بقول قبيح، والصغار أن يجري عليهم الحكم، لا أن يضربوا ولا يؤذوا 2. انتهى.
قال الزركشي: ولو اطّلع المصنف عليه.. لاستند إليه.
(ودعوى استحبابها أشدُّ خطأً، والله أعلم) فضلًا عن وجوبها.
(ويستحب للإمام إذا أمكنه: أن يشرط عليهم إذا صولحوا في بلدهم ضيافةَ من يمر بهم من المسلمين) من غني وفقير؛ اتباعًا لعمر رضي الله عنه، وروي مرفوعًا لكنه منقطع 3، ولأن فيه مصلحةً؛ لأنهم قد لايبيعون الطعام والعلف للمسلمين، فيتضررون، فإذا شرط عليهم الضيافة.. بادروا إلى البيع؛ خوفًا من نزولهم عندهم.
(زائدًا على أقل جزية)، ولا تجوز منها، لأن الجزية يجب فيها التمليك، والضيافة مبنية على الإباحة، فلم يجز الاكتفاء بها؛ كما لا يجوز التغدية والتعشية في الكفارة، (وقيل: يجوز منها) لأنه ليس عليهم إلا الجزية، وثبت عن عمر رضي الله عنه؛ كما قال في "الذخائر": إنه لم يأخذ منهم مع الضيافة شيئًا آخر، فلعلها بلغت

وَتُجْعَلُ عَلَى غَنِيٍّ وَمُتَوَسِّطٍ، لَا فَقِيرٍ فِي الأَصَحِّ، وَيَذْكُرُ عَدَدَ الضِّيفَانِ رِجَالًا وَفُرْسَانًا، وَجِنْسَ الطَّعَامِ وَالأُدْمِ، وَقَدْرَهُمَا، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ كَذَا، وَعَلَفَ الدَّوَابِّ، القدر الواجب، وإلا لو نقص ما أنفقوه في الحول عن دينار عن كل حالم.. وجب الرجوع عليهم بما بقي.
وعلى هذا الوجه: يشترط كون الضيف من أهل الفيء؛ كما صرح به الماوردي والروياني؛ لأنها من الجزية، والجزية مختصة بأهل الفيء 1. (وتجعل) الضيافة (على غني ومتوسط) لاحتمالهما إياها، (لا فقير في الأصح) لأنها تتكرر فيعجز عنها، والثاني: تجعل عليه؛ كالجزية، والثالث: تجعل على المعتمل دون غيره، واستحسنه الرافعي، وبنى الخلاف على أنها من الجزية؛ فيجعل عليه، وإلا.. فلا 2. (ويذكر) العاقد عند اشتراط الضيافة (عدد الضيفان رجالًا وفرسانًا) لأنه أقطع للمنازعه وأنفى للغرر، قال صاحب "الحاوي": وهذا إنما يشترط إذا جعلت من الجزية، فإن قلنا بالأصح.. لم يشترط التعرض للعدد، وأقراه 3، فإذن؛ ما في الكتاب مفرّع على الضعيف، (وجنس الطعام والأدم، وقدرهما، ولكل واحد كذا) من الخبز، وكذا من السمن أو الزيت، بحسب العرف؛ لأنه أنفى للغرر.
والمعتبر فيه: طعامهم وأدمهم؛ نفيًا للمشقة عنهم، قال الماوردي: ويشرط عليهم أيضًا: الثمار والفاكهة في زمانها إذا كانوا يأكلونها غالبًا في كل يوم 4. وقوله: (ولكل واحد كذا): هو بخط المصنف، ولا معنى لإثبات الواو.
(وعلف الدواب) (ولا يحتاج إلى ذكر قدر العلف، إلا الشعير، وإطلاق العلف لا يقتضي الشعير، نصّ عليه، وإنما هو التبن والحشيش 5، قال الزركشي:

وَمَنْزِلَ الضِّيفَانِ؛ مِنْ كَنِيسَةٍ وَفَاضِلِ مَسْكَنٍ، وَمُقَامَهُمْ، وَلَا يُجَاوِزُ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ. وَلَوْ قَالَ قَوْمٌ: (نُؤَدِّي الْجِزْيَةَ بِاسْمِ صَدَقَةٍ لَا جِزْيَةٍ).. فَلِلإِمَامِ إِجَابَتُهُمْ إِذَا رَأَى، وَيُضَعِّفُ عَلَيْهِمُ الزَّكَاةَ؛ فَمِنْ خَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ: شَاتَانِ، وَمِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ: بِنْتَا

ويشبه اعتبار عرف ناحيتهم.
وقضية إطلاق المصنف وغيره: أنه يعلف لكل واحد دوابه، لكن قال الشافعي في "الأم" في الضيف الواحد: ويعلف له دابة واحدة تبنًا أو ما يقوم مقامه في مكانه، هذا لفظه 1. (ومنزل الضيفان؛ من كنيسة وفاضل مسكن) للحاجة، والضيافة تستلزم ذلك، ولا يُخرجون أهل المنازل منها، قال في "الحاوي": ويجب أن يعلوا الأبواب؛ ليدخلها المسلمون ركبانًا 2، (ومقامهم) أي: ويذكر مدة مقامهم.
(ولا يجاوز ثلاثة أيام) لحديث: "الضِّيَافَةُ ثَلَاثةُ أَيَّامٍ، فَمَا زَادَ.. فَهُوَ صَدَقَة" متفق عليه 3. وفي "الذخائر" عن الأصحاب: أنه يشترط عليهم: تزويد الضيف كفايتَه ليوم وليلة، ولو امتنع من الضيافة اثنان أو ثلاثة.. أجبروا عليها، فإن امتنع الكل.. انتقض عهدهم؛ كالجزية، قاله في "الاستقصاء"، وقال في "الذخائر": إذا امتنع الكل.. قوتلوا، فإن قاتلوا.. انتقض عهدهم 4. (ولو قال قوم: "نؤدي الجزية باسم صدقة لا جزية".. فللإمام إجابتهم إذا رأى) لأن عمر رضي الله عنه فعل ذلك بنصارى العرب؛ كما رواه البيهقي وغيره 5، ولم يخالفه أحد، فصار كالإجماع، وسواء العرب والعجم، وقيل: يختص بالعرب؛ لشرفهم، وللأثر.
(ويضعّف عليهم الزكاة؛ فمن خمسة أبعرة: شاتان، ومن خمس وعشرين: بنتا

مَخَاضٍ، وَعِشْرِينَ دِينَارًا: دِينَارٌ، وَمِئَتَيْ دِرْهَمٍ: عَشَرَةٌ وَخُمُسُ الْمُعَشَّرَاتِ، وَلَوْ وَجَبَتْ بِنْتَا مَخَاضٍ مَعَ جُبْرَانٍ.. لَمْ يُضَعِّفِ الْجُبْرَانَ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ كَانَ بَعْضَ نِصَابٍ.. لَمْ يَجِبْ قِسْطُهُ فِي الأَظْهَرِ، ثُمَّ الْمَأْخُوذُ جِزْيَةٌ؛ فَلَا تُؤْخَذُ مِنْ مَالِ مَنْ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ.

مخاض، وعشرين دينارًا: دينار، ومئتي درهم عشرة وخمس المعشرات) اقتداءً بعمر رضي الله عنه 1، وتضعيفها غير متعين، بل يجوز تربيعها وتخميسها على ما يراه من المصلحة، قاله الأصحاب، وإنما يقتصر على التضعيف إذا وفى الحاصل بقدر دينار لكل رأس، وإلا.. زاد إلى ثلاثة أضعاف وأكثر، ويجوز الاقتصار على قدر الزكاة أو أقل إذا حصل الوفاء بالدينار.
واقتصاره على الخمس في المعشرات: محمول على المسقي بلا مؤنة، وإلا.. فالواجب حينئذ: العشر.
(ولو وجبت بنتا مخاض مع جبران) كما في ست وثلاثين عند فقد بنت اللبون (.. لم يضعف الجبران في الأصح)، بل ياخذ مع كل بنت مخاض شاتين أو عشرين درهمًا؛ لأن الجبران تارةً يؤخذ وتارةً يرد، ولو ضعفناه عند الأخذ.. لزم أن يضعف عند الرد، وهو لا يجوز، والثاني: يضعف كما تضعف الصدقة في الأصل، فيأخذ مع كل بنت مخاض أربع شياه أو أربعين درهمًا، فيكون المأخوذ مع بنتي المخاض ثمان شياه أو ثمانين درهمًا.
(ولو كان) المال الزكوي (بعض نصاب) كعشرين شاة (.. لم يجب قسطه في الأظهر) لأن أثر عمر رضي الله عنه ورد في تضعيف ما يجب على المسلم، لا في إيجاب ما لم يجب فيه شيء على المسلم، والثاني: يجب قسطه؛ رعاية للتضعيف.
(ثم المأخوذ جزية) وإن بدل الاسم، ومصرفه مصرف الفيء، ولهذا قال عمر رضي الله عنه: هؤلاء حمقى؛ أَبَوا الاسم ورضُوا بالمعنى 2! (فلا تؤخذ من مال من لا جزية عليه) كصبي، ومجنون، وامرأة.

فَصْلٌ [في أحكام عقد الجزية]

يَلْزَمُنَا الْكَفُّ عَنْهُمْ، وَضَمَانُ مَا نُتْلِفُهُ عَلَيْهِمْ نَفْسًا وَمَالًا، وَدَفْعُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَنْهُمْ، وَقِيلَ: إِنِ انْفَرَدُوا بِبَلَدٍ.. لَمْ يَلْزَمْنَا المدَّفْعُ. وَنَمْنَعُهُمْ إِحْدَاثَ كَنِيسَةٍ فِي بَلَدٍ أَحْدَثناهُ أَوْ أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، وَمَا فُتِحَ عَنْوَةً.. لَا يُحْدِثُونَهَا فِيهِ - وَلَا يُقَرُّونَ عَلَى كَنِيسَةٍ كَانَتْ فِيهِ فِي الأَصحِّ

(فصل: يلزمنا الكفُّ عنهم، وضمانُ ما نتلفه عليهم نفسًا ومالًا، ودفعُ أهل الحرب عنهم) لأنهم إنما بذلوا الجزية لعصمة الدماء والأموال، (وقيل: إن انفردوا ببلد.. لم يلزمنا الدفع) كما لا يلزمهم الذب عنا عند طروق عدو لنا، والأصحُّ: اللزوم إذا أمكن؛ إلحاقًا لهم بأهل الإسلام في العصمة والصيانة.
ومحل الخلاف: عند إطلاق العقد، فإن جرى شرط الذب عنهم.. وجب الوفاء به قطعًا، وفيه احتمال للإمام 1، ولو كانوا مستوطنين بدار الحرب وبذلوا الجزية.. فلا يلزمنا الذب عنهم قطعًا.
(ونمنعهم) وجوبًا (إحداث كنيسةٍ) وبيعةٍ وبيتِ نار مجوسي (في بلد أحدثناه) كبغداد (أو أسلم أهله عليه) كاليمن؛ لأنه معصية، فلا يجوز في دار الإسلام.
هذا إذا بني ذلك للتعبد، فإن بني لنزول المارة.. جاز إن كان لعموم الناس، فإن قَصَروها على أهل دينهم.. فوجهان في "الروضة" و"أصلها" آخرَ الباب بلا ترجيح، وجزم في "البيان" بالجواز 2. (وما فتح عنوةً) كأصبهان (.. لا يحدثونها فيه) لأن المسلمين قد ملكوها بالاستيلاء، فيمتنع جعلها كنيسة، (ولا يقرون على كنيسة كانت فيه في الأصح) لما قلناه، والثاني: يقرون؛ لأن المصلحة قد تقتضي ذلك، وليس فيه إحداث ما لم يكن، وصححه الماوردي 3.

  • أَوْ صُلْحًا بِشَرْطِ الأَرْضِ لَنَا وَشَرْطِ إِسْكَانِهِمْ وَإِبْقَاءِ الْكَنَائِسِ.. جَازَ - وَإِنْ أُطْلِقَ.. فالصَّحِيحُ: الْمَنع - أَوْ لَهُمْ.. قُرِّرَتْ، وَلَهُمُ الإِحْدَاثُ فِي الأَصَحِّ.
    وَيُمْنَعُونَ وُجُوبًا - وَقِيلَ: نَدْبًا - مِنْ رَفْعِ بِنَا؛ عَلَى بِنَاءِ جَارٍ مُسْلِمٍ، ===

(أو) فتح (صلحًا بشرط الأرض لنا وشرط إسكانهم) بخراج (وإبقاء الكنائس.. جاز) لأنه إذا جاز الصلح على أن كل البلد لهم.. فعلى بعضه أولى.
وقوله: (إبقاء): قد يقتضي منع إحداث الكنائس، وبه صرّح الماوردي، لكن المنقول في "الشرح" و"الروضة" عن الروياني وغيره: أنه إذا صالحوا على إحداثها... جاز أيضًا، ولم يذكرا خلافه 1، قال الزركشي: وهو محمول على ما إذا دعت إليه ضرورة، وإلا.. فلا وجه له.
(وإن أطلق) فلم يذكر الشرط المذكور (.. فالصحيح: المنع) من إبقائهما، بل تهدم ما فيها من الكنائس؛ لأن إطلاق اللفظ يقتضي صيرورة جميع البلد لنا، والثاني: أنها تبقى، وتكون مستثناة بقرينة الحال؛ فإن شرط إسكانهم هناك يقتضي بقاء مواضع عبادتهم لهم.
(أو لهم) أي: صولحوا بشرط أن الأرض لهم ويؤدون خراجها (.. قررت) لأنها ملكهم، (ولهم الإحداث في الأصح) لأن الدار لهم، فيتصرفون فيها كيف شاؤوا، والثاني: المنع؛ لأن البلد تحت حكم الإسلام.
وقوله: (لهم): عبارة موهمة، والمراد: عدم المنع؛ فإن الجواز حكم شرعي، ولم يرد الشرع بإحداث الكنائس.
(ويمنعون وجوبًا - وقيل: ندبًا - من رفع بناء على بناء جار مسلم 2 لحديث:

وَالأَصَحُّ: الْمَنع مِنَ الْمُسَاوَاةِ، وَأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا بِمَحِلَّةٍ مُنْفَصِلَةٍ.. لَمْ يُمْنَعُوا. وَيُمْنَعُ الذِّمِّيُّ رُكُوبَ خَيْلٍ، لَا حَمِيرٍ وَبِغَالٍ نَفِيسَةٍ،

"الإسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ" 1، ولأن فيه تعظيمًا لهم ومباهاة، وقد قال تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، ولما يخشى منهم الاطلاع على عورة المسلمين، وهذا المنع لحق الله تعالى؛ إعلاءً لدينه، فلا يسقط برضا الجار.
وقوله: (من رفع): قد يفهم: أنه لو ملك دارًا عالية من مسلم.. لم يكلف هدمها، وهو كذلك؛ كما جزم به الرافعي 2. نعم؛ يمنع من الإشراف على المسلمين وطلوع سطحها بلا تحجير، صرح به الماوردي 3. (والأصح: المنع من المساواة) لأن المقصود تمييزهم عن المسلمين في المساكن؛ كاللباس والركوب، والحديث يدل على علو الإسلام، ولا علو مع المساواة، والثاني: لا؛ لأنه لم يعل على المسلم.
(وأنهم لو كانوا بمحلة منفصلة) عن المسلمين (.. لم يمنعوا) من رفع البناء؛ لأن الممنوع المطاولة، وإنما يتحقق ذلك عند وجود بناء، ولانتفاء خوف الاطلاع على عورة المسلمين، والثاني: المنع؛ لأنه استعلاء في دار الإسلام.
(ويمنع الذمي ركوب خيل) لأن فيه عزًّا، وهم أذلاء، ولا فرق بين النفيس وغيره على الأصحِّ، (لا حمير وبغال نفيسة) لأنه لا شرف فيها؛ كذا علله ابن الرفعة 4، وألحق الفوراني والإمام والغزالي البغال النفيسة بالخيل، واختاره الأَذْرَعي وغيره 5؛ فإن التحمل والتعاظم بركوبها أكثر من كثير من الخيل.

وَيَرْكَبُ بِإِكَافٍ وَرِكَابِ خَشَبٍ لَا حَدِيدٍ، وَلَا سَرْجٍ، وَيُلْجَأُ إِلَى أَضْيَقِ الطُّرُقِ، وَلَا يُوَقَّرُ، وَلَا يُصَدَّرُ فِي مَجْلِسٍ، وَيُؤْمَرُ بِالْغِيَارِ وَالزُّنَّارِ فَوْقَ الثِّيَابِ، وَإِذَا دَخَلَ حَمَّامًا فِيهِ مُسْلِمُونَ أَوْ تَجَرَّدَ عَنْ ثِيَابِهِ جُعِلَ فِي عُنُقِهِ خَاتَمُ حَدِيدٍ أَوْ رَصَاصٍ وَنَحْوُهُ،

(ويركب بإكاف وركاب خشب لا حديد، ولا سرج) اتباعًا لكتاب عمر رضي الله عنه، والمعنى فيه ليتميزوا عن المسلمين، ويركبون عرضًا؛ فتجعل رجليه من جانب واحد.
هذا كله في الذكور البالغين، فأما النساء والصِّغار.. فلا يلزمون الصَّغار، كما لا جزية عليهم، قاله ابن كَجٍّ.
(ويلجأ إلى أضيق الطرق) للأمر به في "الصحيحين" 1، وهذا عند ضيق الطريق، فإن خلت عن الزحمة.. فلا حرج، قال في "الحاوي": ولا يمشون إلا أفرادًا متفرقين 2. (ولا يوقّر، ولا يصدَّر في مجلس) إذا اتفق اجتماعه مع مسلم؛ إهانةً له، وتحرم موادته.
(ويؤمر بالغيار) بأن يخيطوا على ثيابهم الظاهرة ما يخالف لونه لونها، وتكفي العمامة؛ كما قاله الماوردي وغيره، وعليه العمل 3. هذا إذا اختلطوا بنا، فإن انفردوا بمحلة.. فلهم تركه؛ كما حكاه في "البحر".
(والزنار فوق الثياب) لأن عمر رضي الله عنه صالحهم عليه 4، وهو خيط مستغلظ على أوساطهم خارج الثياب.
(وإذا دخل حمامًا فيه مسلمون أو تجرد عن ثيابه) بين مسلمين (.. جعل في عنقه خاتم حديد أو رصاص ونحوه) ليعرفوا به، قال الزركشي: والخاتم طوق يكون في

وَيُمْنَعُ مِنْ إِسْمَاعِهِ الْمُسْلِمِينَ شِرْكًا وَقَوْلَهُمْ فِي عُزَيْرٍ وَالْمَسِيحِ، وَمِنْ إِظْهَارِ خَمْرٍ وَخِنْزِيرٍ وَنَاقُوسٍ وَعِيدٍ، وَلَوْ شُرِطَتْ هَذِهِ الأُمُورُ فَخَالَفُوا.. لَمْ يَنْتَقِضِ الْعَهْدُ، وَلَوْ قَاتَلُونَا، أَوِ امْتَنَعُوا مِنَ الْجِزْيَةِ، أَوْ مِنْ إِجْرَاءِ حُكْمِ الإِسْلَامِ.. انْتَقَضَ. وَلَوْ زَنَى ذِمِّيٌّ بِمُسْلِمَةٍ أَوْ أَصَابَهَا بِنِكَاحٍ، أَوْ دَلَّ أَهْلَ الْحَرْبِ عَلَى عَوْرَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، أَوَ فَتَنَ مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ، أَوْ طَعَنَ فِي الإِسْلَامِ أَوِ الْقُرْآنِ، أَوْ ذَكَرَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسُوءٍ.. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ شُرِطَ انْتِقاضُ الْعَهْدِ بِهَا.. انْتَقَضَ، وَإِلَّا.. فَلَا

العنق، (ويمنع من إسماعه المسلمين شركًا وقولَهم في عزير والمسيح، ومن إظهار خمر وخنزير وناقوس وعيد) وقراءتِهم التوراةَ والإنجيلَ ولو في كنائسهم؛ لما فيه من المفاسد وإظهار شعار الكفر.
(ولو شرطت هذه الأمور فخالفوا.. لم ينتقض العهد) لأنهم يتدينون بها، ولا يتضرر بها المسلمون، لكن يمنعون ويعزرون؛ مبالغة في إهانتهم وإذلالهم.
(ولو قاتلونا، أو امتنعوا من الجزية، أو من إجراء حكم الإسلام.. انتقض) لمنافاة ذلك لعقد الذمة.
(ولو زنى ذمي بمسلمة أو أصابها بنكاح) أي: باسم نكاح، (أو دل أهل الحرب على عورة للمسلمين، أو فتن مسلمًا عن دينه، أو طعن في الإسلام أو القرآن، أو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء) أو ذكر الله تعالى به (.. فالأصح: أنه إن شرط انتقاض العهد بها.. انتقض) لمخالفته الشرط، (وإلا.. فلا) لأن هذه الأشياء وإن اقتضى العقد المنع منها لتحريمها.. لا تخل بمقصوده، والثاني: ينتقض مطلقًا؛ لما فيه من الضرر، والثالث: لا ينتقض مطلقًا، وصححه في "أصل الروضة" وجعل في "الشرح الصغير" و"المحرر" الأقرب التفصيل كالكتاب، وليس في "الكبير" ترجيح 1. وقضية قول المصنف: (فتن مسلمًا عن دينه) 2: انتقاله عن الإسلام، لكن

وَمَنِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ بِقِتَالٍ.. جَازَ دَفْعُهُ وَقِتَالُهُ، أَوْ بِغَيْرِهِ.. لَمْ يَجِبْ إِبْلَاغُهُ مَأْمَنَهُ فِي الأَظْهَرِ، بَلْ يَخْتَارُ الإِمَامُ فِيهِ قَتْلًا وَرِقًّا وَمَنًّا وَفِدَاءً، فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الاخْتِيَارِ.. امْتَنَعَ الرِّقُّ. وَإِذَا بَطَلَ أَمَانُ رِجَالٍ.. لَمْ يَبْطُلْ أَمَانُ نِسَائِهِمْ وَالصِّبْيَانِ فِي الأَصَحِّ، وَإِذَا اخْتَارَ ذِمِّيٌّ نَبْذَ الْعَهْدِ وَاللُّحُوقَ بِدَارِ الْحَرْبِ.. بُلِّغَ الْمَأْمَنَ.

الرافعي ألحق به ما إذا دعاه إلى دينهم 1، وهو يقتضي الاكتفاء بدعاية إليه، فلو اقتصر المصنف على هذا.. لعلم منه الانتقال من باب أولى.
(ومن انتقض عهده بقتال.. جاز دفعه وقتاله) لأنه صار حربًا لنا في دار الإسلام، وحينئذ يتخير الإمام فيمن ظفر به منهم؛ كما يتخير في الأسير.
وتعبيره بالجواز: يقتضي أنه لا يجب، وعبارة "الروضة" تقتضي الوجوب؛ حيث قال: (فلا بدّ من دفعهم، والسعي في استئصالهم) 2. (أو بغيره) أي: القتال (.. لم يجب إبلاغه مأمنه في الأظهر، بل يختار الإمام فيه قتلًا ورقًّا ومنًّا وفداءً) لأنه كافر لا أمان له كالحربي، والثاني: يجب؛ لأنه دخل دار الإسلام بأمان، فلم يجز قتله قبل الرد إلى المأمن؛ كما لو دخل بأمان صبي.
وفرق الأول: بأن من دخل بأمان صبي يعتقد لنفسه أمانًا، وهنا فعل باختياره ما أوجب انتقاض الأمان.
(فإن أسلم) هذا المنتقض عهده (قبل الاختيار.. امتنع الرق) (والقتل والفداء، بخلاف الأسير؛ لأنه لم يحصل في يد الإمام بالقهر، وله أمان متقدم، فخف أمره.
(وإذا بطل أمان رجال.. لم يبطل أمان نسائهم والصبيان في الأصح) لأنه قد ثبت لهم الأمان، ولم يوجد منهم خيانة ناقضة، والثاني: يبطل؛ لأنهم دخلوا تبعًا، فيزول بزوال الأصل.
(وإذا اختار ذمي نبذَ العهد واللحوقَ بدار الحرب.. بلغ المأمن) لأنه لم يوجد منه خيانة ولا ما يوجب نقض عهده، فبلغ مكانًا يأمن فيه على نفسه.

بابُ الهدنة عَقْدُهَا لِكُفَّارِ إِقْلِيم يَخْتَصُّ بِالإِمَامِ أَوْ نَائِبهِ فِيهَا، وَلِبَلْدَةٍ يَجُوزُ لِوَالِي الإِقْلِيمِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا يعْقَدُ لِمَصْلَحَةٍ؛ كَضَعْفِنَا بِقِلَّةِ عَدَدٍ وَأُهبَةٍ أَوْ رَجَاءِ إِسْلَامِهِمْ أَوْ بَذْلِ جِزْيَةٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ.. جَازَتْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ

﴿باب الهدنة﴾ هي لغة: المصالحة، وشرعًا: مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدةً معلومة بعوض أو غيره، سواء فيهم من يُقَرّ على دينه ومن لا يُقَرّ، وسميت به: لأنها مشتقة من الهدون، وهو السكون، والصلح يسكن القتال.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ أي: كونوا آمنين فيها أربعة أشهر، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾، وقد فعله عليه الصلاة والسلام مع يهود بالمدينة، ومع أهل مكة عام الحديبية 1. (عقدها لكفار إقليم) كالهند والروم (يختص بالإمام أو نائبه فيها) أي: في عقد الهدنة؛ لما فيه من الخطر، والإمام هو الذي يتولى الأمور العامة، فإن تعاطاه الآحاد.. فسد، لكن يلحقون بالمأمن، قال الماوردي: ولا يقوم إمام البغاة مقام إمام أهل العدل في ذلك 2، (ولبلدة يجوز لوالي الإقليم أيضًا) لاطّلاعه على مصالح ذلك الإقليم، ولقلة المفسدة فيه لو أخطأ.
(وإنما يعقد لمصلحة؛ كضعفنا بقلة عدد وأهبة، أو رجاء إسلامهم أو بذلِ جزية)، فإن لم تكن مصلحة.. لم يجز للإمام أن يهادنهم، بل يقاتلهم إلى أن يسلموا أو يبذلوا الجزية إن كانوا أهل كتاب، قال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾.
(فإن لم تكن) مصلحة فيها (.. جازت أربعةَ أشهر) للآية المارة.

لَا سَنَةً، وَكَذَا دُونَهَا فِي الأَظْهَرِ، وَلِضَعْفٍ تَجُوزُ عَشْرَ سِنِينَ فَقَطْ،

وما جزم به من جواز أربعة أشهر بلا مصلحة.. مخالفٌ لقوله في "الروضة": إنه يشترط أن يكون للمسلمين إلى عقدها حاجة وفيه مصلحة، وصوّبه في "المهمات"، وقد وقع ذلك في "المحرر" 1. واعتذر عن "المنهاج": بأن قوله: (فإن لم تكن) أي: جزية (جازت أربعة أشهر)، والكلام يعود على أقرب مذكور، وهو الجزية.
(لا سنةً) لما فيه من ترك الجزية، (وكذا دونها) (وفوق أربعة أشهر (في الأظهر) لزيادتها على مدة السياحة، والثاني: تجوز؛ لأنها مدة تقصر عن مدة الجزية، فجاز أن يؤمن فيها بغير عوض كالأربعة أشهر.
هذا كله بالنسبة إلى نفوس المعقود عليهم، أما أموالهم.. فيجوز العقد لها مؤبدًا، وهل يجوز ذلك في الذرية؟ فيه وجهان، قاله الماوردي في (السير) 2. (ولضعف تجوز عشر سنين فقط) فما دونها بحسب الحاجة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم هادن قريشًا في الحديبية على وضع الحرب عشر سنين؛ كما رواه أبو داوود 3، وكان ذلك قبل أن يقوى الإسلام، ولا تجوز الزيادة على العشر ولو احتيج إليها؛ لأن الأصل منع الصلح، وقد ورد التحديد بالعشر، فتبقى الزيادة على الأصل 4. نعم؛ يجوز والحالة هذه أن يعقد عشرًا، ثم عشرًا، قبل انقضاء الأولى؛ كذا جزم به الفوراني وغيره، قاله ابن الرفعة، و"عبارة الروضة": ولا تجوز الزيادة على العشر، لكن إن انقضت المدة والحاجة باقية.. استؤنف العقد، قال الأَذْرَعي: وهذا صحيح، وأما استئناف عقد إثر عقد؛ كما قاله الفوراني.. فغريب لا أحسب الأصحاب يوافقون عليه أصلًا 5.

وَمَتَى زَادَ عَلَى الْجَائِزِ.. فَقَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَإِطْلَاقُ الْعَقْدِ يُفْسِدُهُ، وَكَذَا شَرْطٌ فَاسِدٌ عَلَى الصَّحِيحِ؛ بِأَنْ شُرِطَ مَنع فَكِّ أَسْرَانَا، أَوْ تَرْكُ مَالِنَا لَهُمْ، أَوْ لِتُعْقَدَ لَهُمْ ذِمَّةٌ بِدُونِ دِينَارٍ، أَوْ بِدَفعِ مَالٍ إِلَيْهِمْ

(ومتى زاد على الجائز) بأن زاد عند القوة على أربعة أشهر، أو عند الضعف على عشر سنين، أو احتاج إلى أربع سنين مثلًا فزاد عليها (.. فقولا تفريق الصفقة) لأنه جمع في العقد الواحد بين ما يجوز العقد عليه وما لا يجوز، فيبطل في الزائد قطعًا، وفي الباقي القولان على الأصحِّ، وقيل: يصح في الباقي قطعا 1؛ إذ ليس فيه جهالة العوض ولأنه يتسامح في معاقدة الكفار.
(وإطلاق العقد يفسده) لأن الإطلاق يقتضي التأبيد، ولا يجوز مؤبدًا، وقيل: إنه يصح، وينزل عند الضعف على عشر سنين، وعند القوة على أربعة أشهر أو سنة، قولان، وقد جزم الماوردي والروياني بتنزيل الأمان المطلق على أربعة أشهر، واقتصر عليه الشيخان هناك، فيسال عن الفرق بين البابين على ما رجحاه هنا من فساد العقد 2. (وكذا شرط فاسد على الصحيح؛ بأن شرط منع فك أسرانا) منهم، (أو ترك مالنا) الذي استولوا عليه (لهم، أو لتعقد لهم ذمة بدون دينار، أو بدفع مال إليهم) لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ 3، ومقابل الصحيح: أنه يصح العقد ويلغو الشرط، قال الإمام: والخلاف كالخلاف في أن الوقف هل يفسد بالشرط الفاسد 4؟ ويستثنى من دفع المال إليهم: ما إذا دعت الضرورة إلى دفعه؛ بأن كانوا يعذبون الأسرى ففديناهم، أو أحاطوا بنا وخفنا الاصطلام.. فيجوز الدفع، بل يجب على الأصحِّ في "زوائد الروضة" 5.

وَتَصِحُّ الْهُدْنَةُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا الإِمَامُ مَتَى شَاءَ، وَمَتَى صَحَّتْ.. وَجَبَ الْكَفُّ عَنْهُمْ حَتَّى تَنْقَضِيَ أَوْ يَنْقُضُوهَا بِتَصْرِيحٍ، أَوْ قِتَالِنَا، أَوْ مُكَاتبةِ أَهْلِ الْحَرْبِ بِعَوْرَةٍ لَنَا، أَوْ قَتْلِ مُسْلِمٍ، وَإِذَا انْتَقَضَتْ.. جَازَتِ الإِغَارَةُ عَلَيْهِمْ وَبَيَاتهمْ. وَلَوْ نَقَضَ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يُنْكِرِ الْبَاقُونَ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ.. انْتَقَضَ فيهِمْ أَيْضًا،

(وتصح الهدنة على أن ينقضها الإمام متى شاء) لأنه صلى الله عليه وسلم وادع يهود خيبر، وقال: "أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللهُ"، رواه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنه 1. قال الشافعي: ولو قال الإمام الآن هذه اللفظة.. لم يجز؛ لأنه عليه السلام يعلم ما عند الله بالوحي، بخلاف غيره 2. ولا يختص ذلك بمشيئة الإمام، بل لو عقدها على أن لفلانٍ نقضَها متى شاء.. صح أيضًا بشرط كونِ فلانٍ مسلمًا عدلًا ذا رأي.
(ومتى صحت) الهدنة (.. وجب الكف عنهم حتى تنقضي أو ينقضوها بتصريح، أو قتالنا، أو مكاتبة أهل الحرب بعورة لنا، أو قتل مسلم) أو ذمي، أو أخذ مال، أو سب الرسول عليه السلام، أو إيواء عيون الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾، وقال: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾.
(وإذا انتقضت.. جازت الإغارة عليهم وبياتهم) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ الآية، هذا فيما إذا كانوا في بلادهم، فأما من في بلادنا.. فلا يقاتل، ويبلغ المأمن، وسواء علموا أن ما فعلوه ناقض أم لا على الأصحَّ في "أصل الروضة"، قال الرافعي: وينبغي أن يقال: إذا لم يعلموا أنه خيانة.. لا ينتقض العهد، إلا إذا كان المفعول مما لا يشك في مضادته للهدنة؛ كالقتال 3. (ولو نقض بعضهم ولم ينكر الباقون بقول ولا فعل)، بل ساكنوهم وسكتوا (.. انتقض فيهم أيضًا) لأن سكوتهم يشعر بالرضا، فجعل نقضًا منهم؛ كما أن هدنة

فَإِنْ أَنْكَرُوا بِاعْتِزَالِهِمْ أَوْ إِعْلَامِ الإِمَامِ بِبَقَائِهِمْ عَلَى الْعَهْدِ.. فَلَا. وَلَوْ خَافَ خِيَانتَهُمْ.. فَلَهُ نَبْذُ عَهْدِهِمْ إِلَيْهِمْ وَيُبَلِّغُهُمُ الْمَأْمَنَ، وَلَا يَنْبُذُ عَقْدَ الذِّمَّةِ بِتُهَمَةٍ. وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ رَدِّ مُسْلِمَةٍ تَأْتِينَا مِنْهُمْ، فَإِنْ شُرِطَ.. فَسَدَ الشَّرْطُ، وَكَذَا الْعَقْدُ فِي الأَصَحِّ،

البعض وسكوت الباقين هدنة في حق الكل، وهذا بخلاف عقد الجزية؛ حيث لا ينتقض إلا بتصريح الجميع؛ لقوته وضعف الهدنة.
(فإن أنكروا باعتزالهم أو إعلام الإمام ببقائهم على العهد.. فلا) ينتقض العهد في حقهم؛ لقوله تعالى: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾، وإنما ذكر مثالين؛ لأن الأولَ للإنكار الفعلي، والثانيَ للقولي.
(ولو خاف خيانتهم) بشيء لو أظهروه انتقض عهدهم، وظهرت أمارة تدل على ذلك (.. فله نبذ عهدهم إليهم) لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ الآية.
وأفهم: أنه إذا لم يخف الخيانة.. لا يجوز نبذ عهدهم، ومنه يعلم أن عقدها لازم.
(ويبلغهم المأمن) بعد استيفاء ما وجب عليهم من الحقوق؛ وفاء بالعهد.
(ولا ينبذ عقد الذمة بتهمة)، بخلاف الهدنة، والفرق: أن في عقد الذمة يغلب جانبهم، ولهذا تجب الإجابة إليه إذا طلبوا، وفي الهدنة يغلب جانبنا، ولهذا لا تجب الإجابة، وأيضًا فعقد الذمة آكد؛ لأنه مؤبد، وهو عقد معاوضة.
(ولا يجوز شرط رد مسلمة تأتينا منهم)، بخلاف رد الرجل والمرأة الكافرة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾، ولأنه لا يُؤمن أن يصيبها زوجها الكافر، أو أن تُزوَّج من كافر.
ولو أسقط المصنف (تأتينا).. لكان أحسن؛ لأن حكم من جاءت إلينا كافرة ثم أسلمت.. كذلك.
(فإن شرط.. فسد الشرط) لأنه شرط أحل حرامًا، وسواء كان لها عشيرة أم لا 1، (وكذا العقد في الأصح)، هذا هو الخلاف السابق في قوله: (وكذا شرط فاسد على الصحيح)، إلا أنه ضعّفه هناك وقوّاه هنا، فكرر وناقض.

وَإِنْ شُرِطَ رَدُّ مَنْ جَاءَ، أَوْ لَمْ يَذْكُرْ رَدًّا فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ.. لَمْ يَجِبْ دَفْعُ مَهْرٍ إِلَى زَوْجِهَا فِي الأَظْهَرِ، وَلَا يُرَدُّ صَبِيٌّ وَمَجْنُون، وَكَذَا عَبدٌ وَحُرٌّ لَا عَشِيرَةَ لَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيُرَدُّ مِنْ لَهُ عَشيرَةٌ طَلَبَتْهُ إِلَيْهَا لَا إِلَى غَيْرِهَا، إِلَّا أَنْ يَقْدِرَ الْمَطْلُوبُ عَلَى قَهْرِ الطَّالِبِ وَالْهَرَبِ مِنْهُ،

(وإن شرط رد من جاء، أو لم يذكر ردًّا)، بل أطلق العقد ولم يتعرض للرد بنفي ولا إثبات (فجاءت امرأة) مسلمة (.. لم يجب دفع مهر إلى زوجها في الأظهر) لأن البضع ليس بمال يدخل في الأمان، والثاني: يجب؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾، والمراد منه: الصداق، ولأن البضع متقوم وهو حقه، وقد أحلنا بينه وبينه.
ومنع الأول كونَ المراد في الآية الصداقَ؛ لأنه لو وجب بدل البضع.. لكان مهر المثل لا ما أنفق الزوج، وهو المُسمَّى.
(ولا يرد صبي ومجنون) لضعفهما؛ كالنساء، ولا يجوز الصلح بشرط ردهما.
وقضية كلامه تبعًا للرافعي: أنه لا فرق في الصبي بين أن يصف الإسلام أم لا، وقال ابن الرفعة: الصبي إذا أظهر الإسلام وإن لم نحكم بإسلامه.. كالمرأة، صرّح به الماوردي وغيره، والحق به البَنْدَنيجي والرافعي المجنون 1. (وكذا عبد وحر لا عشيرة له على المذهب)، الخلاف في رد العبد المسلم وجهان: أصحهما: المنع؛ لأنه جاءنا مسلمًا مراغمًا لهم، والظاهر أنهم يستهينونه ولا عشيرة له تحميه، والثاني: يرد، بخلاف الأمة، لأن المنع في حقها خوف الفاحشة.
وفي رد الحر طريقان: أصحهما: طرد الوجهين في العبد، وثانيهما: القطع بالرد؛ لأن الحرية مظنة القوة والاقتدار.
(ويرد من له عشيرة طلبته إليها) لأن الظاهر أنهم يذبون عنه ويحمونه، وقد ردّ صلى الله عليه وسلم أبا جندل على أبيه سهيل بن عمرو؛ كما رواه البخاري 2، (لا إلى غيرها) لأنهم يعذبونه، (إلا أن يقدر المطلوب على قهر الطالب والهرب منه)،

وَمَعْنَى الرَّدِّ: أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَالِبِهِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى الرُّجُوع، وَلَا يَلْزَمُهُ الرُّجُوعُ، وَلَهُ قَتْلُ الطَّالِب، وَلَنَا التَّعْرِيضُ لَهُ بِهِ لَا التَّصْرِيحُ. وَلَوْ شَرَطَ أَن يَرُدُّوا مَنْ جَاءَهُمْ مُرْتَدًّا مِنَّا.. لَزِمَهُمُ الْوَفَاءُ،

وعلى هذا حمل رد النبي صلى الله عليه وسلم أبا بَصِير؛ فإنه جاء في طلبه رجلان، فقتل أحدَهما في الطريق، وهرب منه الآخر، رواه البخاري 1. (ومعنى الردّ: أن يخليَ بينه وبين طالبه، ولا يجبرُ على الرجوع) لأنه لا يجوز إجبار المسلم على الإقامة بدار الحرب، وعلى هذا حُمِلَ ردُّه عليه السلام أبا بصير وأبا جندل، ولا تبعد تسمية التخلية ردًّا؛ كما في الوديعة.
(ولا يلزمه) أي: المطلوبَ (الرجوعُ) لأن العهد لم يجرِ معه، ولذلك لم ينكر عليه السلام على أبي بَصِير امتناعه.
(وله قتل الطالب) لقصة أبي بصير، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
(ولنا التعريض له به) لأن عمر رضي الله عنه قال لأبي جندل حين رُدَّ إلى أبيه: (اصبر أبا جندل؛ فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم كدم كلب)، يعرض له بقتل أبيه؛ كما رواه الإمام أحمد في "مسنده" 2، (لا التصريحُ) لأنهم في أمان.
وما جزم به من قتل الطالب والتعريض به: أشار في "المحرر" إلى خلاف فيهما بقوله: (والظاهر)، لكن قال المصنف في "الدقائق": إنه أشار إلى احتمال فيه، ولم يرد إثبات خلاف فيه.
انتهى 3. واعترض: بأن المنع احتمال للإمام؛ كما ذكره في "الشرح"، وعده وجهًا في كلامه على رقوم "الوجيز" 4. وقد أكثر المصنف من عدّ احتمالات الإمام والغزالي وجوهًا؛ كما سبق في غير موضع.
(ولو شرط أن يردوا من جاءهم مرتدًّا منّا.. لزمهم الوفاء) عملًا بالتزامهم،

فَإِنْ أَبَوْا.. فَقَدْ نَقَضُوا، وَالأَظْهَرُ: جَوَازُ شَرْطِ أَلَّا يَرُدُّوا.

(فإن أبوا.. فقد نقضوا) العهد؛ لمخالفتهم الشرطَ.
(والأظهر: جواز شرط الا يردوا) من جاء مرتدًّا منّا؛ لأنه عليه السلام شرط في صلح الحديبية: أن من جاءنا منكم.. رددناه، ومن جاءكم منا.. فسحقًا سحقًا 1، والثاني: المنع، ولا بدّ من استرداده؛ لإعلاء الإسلام، وإقامة حكم المرتدين عليه، قال الماوردي: والصحيح عندي: صحة هذا الشرط في الرجال دون النساء؛ كما ذكرنا في شرط ردِّ من جاءنا مسلمًا؛ لأن الأبضاع يحتاط لها، وحاول تنزيل القولين على هذين الحالين؛ كذا نقلاه عنه في "الشرح" و"الروضة"، وأقراه، وجزم به في "الحاوي الصغير" 2، وحينئذ فيجب تقييد إطلاق "الكتاب" به.

كتابُ الصَّيد والذَّبائح ذَكَاةُ الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ بِذَبْحِهِ فِي حَلْقٍ أَوْ لَبَّةٍ إِنْ قُدِرَ عَلَيْهِ، وَإِلَّا.. فَبِعَقْرٍ مُزْهِقٍ حَيْثُ كَانَ. وَشَرْطُ ذَابِحٍ وَصَائِدٍ حِلُّ مُنَاكَحَتِهِ،

﴿كتاب الصيد والذبائح﴾ أفرد الصيد؛ لأنه مصدر، وجمع الذبائح؛ لأنها تكون بالسكين وبالسهم وبالجوارح.
وأصل الباب: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، وقوله: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾، والمذكى من الطيبات، ومن السنة ما سيأتي، والإجماع قائم على ذلك.
(ذكاة الحيوان المأكول) البري (بذبحه في حلق أو لبة) بفتح اللام (إن قدر عليه) لقول عمر وابن عباس رضي الله عنهم: (الذكاة في الحلق واللبة) رواه الشافعي، وروي مرفوعا بضعف 1، وحكي فيه الإجماع.
وتعريفه الذكاة بالذبح غير مستقيم؛ لأن الذكاة في اللغة: الذبح فإن فيه تعريف الشيء بنفسه، إلا أن يقال: المراد بالذبح: التام المفيد للأكل، وهو ما في الحلق واللبة لا مطلق الذبح، قاله أهل اللغة.
وأورد: الجنين الموجود في بطن الأم؛ فإنه لم يذبح وهو حلال، وأجيب: بأن الكلام في الذكاة استقلالًا، والحل للجنين بطريق التبعية.
(وإلا) أي: وإن لم يقدر عليه (فبعقر مزهق حيث كان) لما سيأتي (وشرط ذابح وصائد حل مناكحته) للمسلمين فتحل ذبيحة الكتابي؛ لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ والمراد بالطعام: الذبائح، وبأهل الكتاب: اليهود والنصارى، فلا تحل ذبائح من عداهم؛ كالمجوس، وعباد الأوثان.

وَتَحِلُّ ذَكَاةُ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ، وَلَوْ شَارَكَ مَجُوسِيٌّ مُسْلِمًا فِي ذَبْحٍ أَوِ اصْطِيَادٍ.. حَرُمَ، وَلَوْ أَرْسَلَا كَلْبَيْنِ أَوْ سَهْمَيْنِ؛ فَإِنْ سَبَقَ آلَةُ الْمُسْلِمِ فَقَتلَ أَوْ أَنْهَاهُ إِلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ.. حَلَّ، وَلَوِ انْعَكَسَ أَوْ جَرَحَاهُ مَعًا أَوْ جُهِلَ أَوْ مُرَتّبًا وَلَمْ يُذَفِّفْ أَحَدُهُمَا.. حَرُمَ. وَيَحِلُّ ذَبْحُ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ، وَكَذَا غَيْرُ مُمَيِّزٍ، وَمَجْنُونٌ وَسَكْرَانُ فِي الأَظْهَرِ

وكان ينبغي أن يزيد في شروط الصائد كونه بصيرًا، فالأعمى لا يحل صيده؛ كما سيأتي.
(وتحل ذكاة أمة كتابية) هذا مستثنى مما قبله؛ فإنها لا تحل مناكحتها وتحل ذبيحتها، والفرق تأثير كل من الرق والكفر في النكاح فيتعاضدان، ولا أثر للرق في الذبح؛ فلهذا جاز ذكاتها.
(ولو شارك مجوسي مسلمًا في ذبح، أو اصطياد.. حرم) تغليبًا للتحريم، ولا بد من تقييد الاصطياد بالذي فيه تذكية، فلو شاركه في اصطياد لا تذكية فيه.. لم يحرم.
(ولو أرسلا كلبين أو سهمين) أو أحدهما سهمًا، والآخر كلبًا (فإن سبق آلة المسلم فقتل أو أنهاه إلى حركة مذبوح.. حل) ولا يقدح فيه ما وجد من المجوسي؛ كما لو ذبح مسلم شاة، ثم قدها المجوسي، فلو أدركه كلب المجوسي، أو سهمه وفيه حياة مستقرة، فقتله.. حرم، وضمنه المجوسي للمسلم؛ لأنه أفسد ملكه بجعله ميتة.
(ولو انعكس) بأن سبق إليه المجوسي، فقتل أو أنهاه إلى حركة المذبوح (أو جرحاه معًا) وحصل الهلاك بهما (أو جهل) فلم يعلم أن كلب المجوسي قتله، أو كلب المسلم (أو مرتبًا ولم يذفف أحدهما.. حرم) تغليبًا للتحريم.
ومسألة ما إذا جهل من زياداته على "المحرر" 1. (ويحل ذبح صبي مميز) لصحة قصده، (وكذا غير مميز ومجنون وسكران في الأظهر) لأن لهم قصدًا وإرادة في الجملة، وهذا ما رجحه في "المحرر"، وفي

وَتُكْرَهُ ذَكَاةُ أَعْمَى، وَيَحْرُمُ صَيْدُهُ بِرَمْيٍ وَكَلْبٍ فِي الأَصَحِّ. وَتَحِلُّ مَيْتَةٌ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ وَلَوْ صَادَهُمَا مَجُوسِيٌّ،

"زيادة الروضة" ونص عليه في "الأم" 1، والثاني: المنع؛ لفساد قصدهم، ورجحه جمع، واقتضاء كلام "الشرح الصغير" ترجيحه، ولا ترجيح في "الكبير"، وجعل البغوي موضع الخلاف في المجنون والسكران إذا لم يكن له تمييز أصلًا، فإن كان له أدنى تمييز.. حل قطعًا، وعكسه الإمام تبعا للفوراني، وتوسط في "البحر" فقال: الصحيح: إن كان له تمييز.. حل، وإلا.. فلا 2. (وتكره ذكاة أعمى) لأنه قد يخطئ المذبح، (ويحرم صيده برمي وكلب) (وغيره من الجوارح (في الأصح) لعدم صحة قصده؛ لأنه لا يرى الصيد، فصار كما لو استرسل الكلب بنفسه، والثاني: يحل؛ كذبحه، قال الرافعي: والأشبه: أن الخلاف مخصوص بما إذا دله بصير على أن بحذائه صيدًا فرمى، أو أرسل الكلب عليه بدلالته، فإن لم يكن.. لم يحل قطعًا.
والخلاف المذكور جارٍ في اصطياد الصبي والمجنون، كذا في "الروضة" و"أصلها"، ومقتضاه: استواء الترجيح، لكن صحح في "شرح المهذب" حل اصطيادهما 3. (وتحل ميتة السمك والجراد) بالإجماع، وسواء مات طافيًا أو راسيًا، خلافًا لأبي حنيفة في الطافي، لنا حديث العنبر، وأنهم وجدوه بشاطئ البحر فأكلوا منه، ثم قدموا بشيء منه على النبي صلى الله عليه وسلم فأكل منه 4. (ولو صادهما مجوسي) لأن أكثر ما فيه أن يجعل ميتة، وميتتهما حلال، ولا اعتبار بفعله، قال في "زيادة الروضة": ولو ذبح مجوسي سمكة.. حلت أيضًا 5.

وَكَذَا الدُّودُ الْمُتَوَلِّدُ مِنْ الطَّعَامِ كَخَلٍّ وَفَاكِهَةٍ إِذَا أُكِلَ مَعَهُ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يُقْطَعُ بَعْضُ سَمَكَةٍ، فَإِنْ فَعَلَ أَوْ بَلَعَ سَمَكَةً حَيَّةً.. حَلَّ فِي الأَصَحِّ. وَإِذَا رَمَى صَيْدًا مُتَوَحِّشًا، أَوْ بَعِيرًا نَدَّ، أَوْ شَاةً شَرَدَتْ بِسَهْمٍ، أَوْ أَرْسَلَ عَلَيْهِ جَارِحَةً فَأَصَابَ شَيْئًا مِنْ بَدَنِهِ وَمَاتَ فِي الْحَالِ.. حَلَّ،

(وكذا الدود المتولد من الطعام؛ كخل وفاكهة إذا أكل معه في الأصح) لعسر فصله، أما إذا أكل منفردًا.. فيحرم لنجاسته، أو استقذاره، والثاني: يحل مطلقًا؛ لأنه كجزء منه طبعًا وطعمًا والثالث: يحرم مطلقا؛ لأنه ميتة.
وهذه المسألة من زيادة "المنهاج" على "المحرر"، وذكراها في "الشرحين" و"الروضة" في (اباب الطهارة) 1، واللائق ذكرها في (باب الأطعمة).
(ولا يقطع بعض سمكة) حية لما فيه من التعذيب (فإن فعل أو بلع سمكة حية.. حل في الأصح) أما في الأولى.. فلأن المبان كالميتة، وميتة هذا الحيوان حلال، ووجه مقابله: عموم قوله عليه السلام: "مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ.. فَهُوَ مَيِّتٌ" 2، وأما في الثانية: فلأنه ليس فيه أكثر من قتلها وهو جائز، ووجه مقابله: التعذيب من غير حاجة، ولما في جوفها من الرجيع، والخلاف جار في الجراد أيضًا.
(وإذا رمى صيدًا متوحشًا، أو بعيرًا ند) أي: هرب (أو شاة شردت بسهم، أو أرسل عليه جارحة، فأصاب شيئًا من بدنه، ومات في الحال.. حل) ولا يختص بالحلق واللبة، أما في المتوحش.. فإجماع، وأما في الإنسي إذا هرب.. فلحديث رافع بن خديج رضي الله عنه: أن بعيرًا ند فرماه رجل بسهم فحبسه؛ أي: قتله، فقال عليه السلام: "إِن لِهَذِهِ الْبَهَائِمِ أَوَابِدَ 3 كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا.. فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا" متفق عليه 4، والشاة بالقياس عليه.

وَلَوْ تَرَدَّى بَعِير وَنَحْوُهُ فِي بِئْرٍ وَلَمْ يُمْكِنْ قَطْعُ حُلْقُومِهِ.. فَكَنَادٍّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: لَا يَحِلُّ بإِرْسَالِ الْكَلْبِ، وَصَحَّحَهُ الرُّويَانِيُّ وَالشَّاشِيُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَتَى تيَسَّرَ لُحُوقُهُ بِعَدْوٍ أَوِ اسْتِغَاثَةٍ بِمَنْ يَسْتَقْبِلُهُ.. فَمَقْدُورٌ عَلَيْهِ، وَيَكْفِي فِي النَّادِّ وَالْمُتَرَدِّي جُرْحٌ يُفْضِي إِلَى الزُّهُوقِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ مُذَفِّفٌ. وَإِذَا أَرْسَلَ سَهْما أَوْ كَلْبًا أَوْ طَائِرًا عَلَى صَيْدٍ فَأَصَابَهُ وَمَاتَ؛ فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ فِيهِ حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً، أَوْ أَدْرَكَهَا وَتَعَذَّرَ ذَبْحُهُ بِلَا تَقْصِيرٍ؛ بِأَنْ سَلَّ السِّكِّينَ فَمَاتَ قَبْلَ إِمْكَانٍ أَوِ امْتَنَعَ بِقُوَّتهِ وَمَاتَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ.. حَلَّ،

(ولو تردى بعير ونحوه في بئر، ولم يمكن قطع حلقومه.. فكناد) في حله بالرمي، وفي "السنن الأربعة" من حديث أبي العُشَراء الدارمي عن أبيه أنه قال: يا رسول الله؛ أما تكون الذكاة إلا في الحلق واللبة، فقال عليه السلام: "لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا.. لأَجْزَأَكَ" قال أبو داوود: هذا لا يصح إلا في المتردية والمتوحش 1. (قلت: الأصح: لا يحل) المتردي (بإرسال الكلب، وصححه الروياني والشاشي، والله أعلم) والفرق بينه وبين السهم: أن الحديد تستباح به الذكاة مع القدرة، بخلاف عقر الكلب، ووجه الحل: القياس على البعير الناد.
(ومتى تيسر لحوقه) أي: الناد أو الصيد (بعدو، أو استغاثة بمن يستقبله.. فمقدور عليه) فلا يحل إلا بالذبح في المذبح.
(ويكفي في الناد والمتردي جرح يفضي إلى الزهوق) كيف كان؛ لما تقدم في الحديث من ذكر الفخذ، وهي ليست محلًّا لجرح يذفف، فدل على أن القصد جراحة تفضي إلى الموت غالبًا، (وقيل: يشترط مذفف) لينزل منزلة قطع الحلقوم والمريء في المقدور عليه.
(وإذا أرسل سهمًا، أو كلبًا، أو طائرًا على صيد فأصابه ومات؛ فإن لم يدرك فيه حياة مستقرة، أو أدركها وتعذر ذبحه بلا تقصير؛ بأن سل السكين فمات قبل إمكان، أو امتنع بقوته ومات قبل القدرة) عليه (.. حل) كما لو مات ولم يدرك حياته.
نعم؛ يستحب فيما إذا أدرك فيه حياة غير مستقرة إمرار السكين على مذبحه

وَإِنْ مَاتَ لِتَقْصِيرِهِ؛ بِأَلَّا يَكُونَ مَعَهُ سِكِّينٌ أَوْ غُصِبَتْ أَوْ نَشِبَتْ فِي الْغِمْدِ.. حَرُمَ. وَلَوْ رَمَاهُ فَقَدَّهُ نِصْفَيْنِ.. حَلَّا، وَلَوْ أَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا بِجُرْحٍ مُذَفِّفٍ وَمَاتَ.. حَلَّ الْعُضْوُ وَالْبَدَنُ، أَوْ بِغَيْرِ مُذَفِّفٍ ثُمَّ ذَبَحَهُ أَوْ جَرَحَهُ جُرْحًا آخَرَ مُذَفِّفًا.. حَرُمَ الْعُضْوُ وَحَلَّ الْبَاقِي، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذبْحِهِ وَمَاتَ بِالْجُرْحِ.. حَلَّ الْجَمِيعُ،

ليذبحه؛ فإن لم يفعل وتركه حتى مات.. فهو حلال؛ لأنه قدر عليه في حالة لا يحتاج فيها إلى تذكية، ولو اشتغل بطلب المذبح، أو وقع منكسًا فاحتاج إلى قلبه أو اشتغل بتوجيهه إلى القبلة فمات.. حل.
وقول المصنف: (فأصابه ومات) لا يستقيم جعله موردًا للتقسيم؛ فإن منها إدراكه بالحياة المستقرة، والميت لا حياة فيه، وعبارة "المحرر" و"الشرح" و"الروضة": فأصابه، ثم أدرك الصيد حيًّا 1. (وإن مات لتقصيره؛ بألا يكون معه سكين، أو غصبت، أو نشبت في الغمد) أي: علقت به (.. حرم) للتقصير؛ لأن حق من يعاني الصيد أن يستصحب الآلة في غمد يوافق، وسقوطها منه وسرقتها تقصير.
(ولو رماه فقده نصفين.. حلا) لحصول الجرح المذفف، وكذا الحكم لو قطعه قطعتين متفاوتتين.
(ولو أبان منه عضوًا) كيد أو رجل (بجرح مذفف) بسيف أو غيره (ومات) في الحال (.. حل العضو والبدن) لأن محل ذكاة الصيد كل البدن، (أو بغير مذفف ثم ذبحه، أو جرحه جرحًا آخر مذففًا.. حرم العضو) لأنه أبين من حي (وحل الباقي) لوجود الذكاة في الصورة الأولى، وقيام الجرح المذفف مقامها في الصورة الثانية، ومحله في الصورة الثانية: ما إذا لم يثبته 2 بالجراحة الأولى، فإن أثبته 3 بها.. فقد صار مقدورًا عليه، فيتعين ذبحه ولا تجزئ سائر الجراحات.
(فإن لم يتمكن من ذبحه ومات بالجرح) الأول (.. حل الجميع) لأن الجرح

وَقِيلَ: يَحْرُمُ الْعُضْوُ. وَذَكَاةُ كُلِّ حَيَوَانٍ قَدَرَ عَلَيْهِ: بِقَطْعِ كُلِّ الْحُلْقُومِ -وَهُوَ مَخْرَجُ النَّفَسِ- وَالْمَرِيءِ؛ وَهُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ، وَيُسْتَحَبُّ قَطْعُ الْوَدَجَيْنِ، وَهُمَا: عِرْقَانِ فِي صَفْحَتَيِ الْعُنُقِ. وَلَوْ ذَبَحَهُ مِنْ قَفَاهُ.. عَصَى، فَإِنْ أَسْرَعَ فَقَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ وَبِهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ.. حَلَّ، وَإِلَّا.. فَلَا، وَكَذَا إِدْخَالُ سِكِّينٍ بِأُذُنِ ثَعْلَبٍ

السابق كالذبح للجملة فيتبعها العضو، (وقيل: يحرم العضو) لأنه أبين من حي، فأشبه ما إذا قطع ألية شاة ثم ذبحها.. لا تحل الألية، وهذا هو المصحح في "الشرحين" و"الروضة"، و"شرح المهذب" 1، وترجيح الأول تبع فيه "المحرر".
(وذكاة كل حيوان قدر عليه: بقطع كلل الحلقوم -وهو مخرج النفس- والمريء؛ وهو مجرى الطعام) والشراب؛ لأن الحياة توجد بهما وتفقد بفقدهما.
وخرج بالقطع: ما لو اختطف رأس عصفور أو غيره بيده أو ببندقة.. فإنه ميتة، وبقوله: (قدر عليه): ما لا يقدر عليه، وقد سلف، وبقوله: (كل الحلقوم): ما إذا قطع البعض وانتهى إلى حركة المذبوح، ثم قطع الباقي.. فلا يحل.
(ويستحب قطع الودجين، وهما: عرقان في صفحتي العنق) لأنه أوحى وأسهل لخروج الروح؛ فهو من الإحسان في الذبح.
(ولو ذبحه من قفاه) أو من صفحة عنقه (.. عصى) للعدول عن محل الذبح؛ لما فيه من التعذيب.
(فإن أسرع فقطع الحلقوم والمريء وبه حياة مستقرة.. حل) لأن الذكاة صادفته وهو حي؛ كما لو قطع يد الحيوان ثم ذكاه، (وإلا) أي: وإن لم تبق فيه حياة مستقرة، بل وصل إلى حركة المذبوح لما انتهى إلى قطع المريء (.. فلا) تحل؛ لأنه صار ميتة، فلا يفيد الذبح بعد ذلك.
(وكذا إدخال السكين بأذن ثعلب) ليقطع الحلقوم والمريء داخل الجلد؛ لأجل جلده ففيه التفصيل المذكور في المسألة قبلها، وفعله حرام للتعذيب.

ويُسَنُّ نَحْرُ إِبل وَذَبْحُ بَقَرٍ وَغَنَمٍ، وَيَجُوزُ عَكْسُهُ، وَأَنْ يَكُونَ الْبَعِيرُ قَائِما مَعْقُولَ رُكْبَةٍ وَالْبَقَرَةُ وَالشَّاةُ مُضْجَعَةً لِجَنْبِهَا الأَيْسَرِ، وَتترَكُ رِجْلُهَا الْيُمْنَى، وَتشُدُّ بَاقِي الْقَوَائِمِ، وَأَنْ يُحِدَّ شَفْرَتَهُ،

(ويسن نحر إبل) وهو قطع اللبة أسفل العنق، (وذبح بقر وغنم) للاتباع 1، والمعنى في نحر الإبل: أنه أسرع لخروج الروح منها لطول عنقها، قال ابن الرفعة: وقياس هذا إلحاق الزرافة إذا أبحنا أكلها، والنعامة، والإوز والبط، وكل ما طال عنقه بالإبل 2، ولا بد في نحر الإبل من قطع الحلقوم، والمريء؛ كما جزم به في "شرح المهذب" 3. (ويجوز عكسه) أي: ذبح الإبل ونحر غيرها من غير كراهة؛ لعدم ورود نهي فيه، والخيل كالبقر، وكذا حمار الوحش وبقره.
(وأن يكون البعير قائمًا معقول ركبة) يسرى؛ للاتباع 4. (والبقرة والشاة مضجعة لجنبها الأيسر) للاتباع في الشاة 5، وقيس البقر عليها، واستحب على اليسار؛ لأنه أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين، وإمساك رأسها باليسار.
(وتترك رجلها اليمنى) لتستريح بتحريكها (وتشد باقي القوائم) كيلا تضطرب حالة الذبح، فيتضرر الذابح.
(وأن يحد شفرته) لما في "مسلم": "وَلْيُحِدَّ شَفْرَتَهُ" 6، فلو ذبح بسكين كال.. حل بشرطين: ألا يحصل القطع بقوة الذابح وشدة تحامله، وأن يقطع الحلقوم والمريء قبل انتهائه إلى حركة المذبوح.

وَيُوَجِّهَ لِلْقِبْلَةِ ذَبِيحَتَهُ، وَأَنْ يَقُولَ: (بِاسْمِ اللهِ)، ويُصلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا يَقُولُ: (بِاسْمِ اللهِ، وَاسْمِ مُحَمَّدٍ).

(ويوجه للقبلة ذبيحته) وفي الأضحية ونحوها آكد؛ لأنه عليه السلام وجه كبشه إلى القبلة، والأصح: أنه يوجه مذبحها، والمعنى فيه كونها أفضل الجهات، لا وجهها؛ ليمكنه هو الاستقبال أيضًا، فإنه مندوب.
(وأن يقول: "باسم الله") أو الرحمن أو الرحيم، ويكره تعمد ترك ذلك، لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ولا تجب، فلو تركها ولو عمدًا.. حل؛ لأن الله تعالى أباح ذبائح أهل الكتاب بقوله: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ وهم لا يذكرونها، خلافًا لأبي حنيفة.
وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْه﴾ فالمراد: ما ذكر عليه غير اسم الله؛ يعني: ما ذبح للأصنام؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وسياق الآية دال عليه؛ فإنه قال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، والحالة التي يكون فيها فسقًا هي الإهلال لغير الله، قال تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، والإجماع على أن من أكل ذبيحة مسلم لم يسم عليها.. ليس بفاسق.
(ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم) لأنه موطن شرع فيه ذكر الله، فشرع ذكر رسوله صلى الله عليه وسلم؛ كالأذان، والصلاة.
(ولا يقول: "باسم الله واسم محمد") 1 فإن قاله: حرم؛ للتشريك؛ لأن من حق الله تعالى أن يجعل الذبح باسمه، واليمين باسمه، والسجود له لا يشاركه في ذلك مخلوق.

فَصْلٌ [في آلة الذبح والصيد]

يَحِلُّ ذَبْحُ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ وَجَرْحُ غَيْرِهِ بكُلِّ مُحَدَّدٍ يَجْرَحُ كَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ وَذَهَبٍ وَخَشَبٍ وَقَصَبٍ وَحَجَرٍ وَزُجَاجٍ، إِلَّا ظُفْرًا وَسِنًّا وَسَائِرَ الْعِظَامِ، فَلَوْ قَتَلَ بِمُثَقَّلٍ أَوْ ثِقَلِ مُحَدَّدٍ، كَبُنْدُقَةٍ وَسَوْطٍ وَسَهْمٍ بِلَا نَصْلٍ وَلَا حَدٍّ، أَوْ سَهْمٍ وَبُنْدُقَةٍ، أَوْ جَرَحَهُ نَصْلٌ وَأَثَّرَ فِيهِ عُرْضُ السَّهْمِ فِي مُرُورِهِ وَمَاتَ بِهِمَا، أَوِ انْخَنَقَ بِأُحْبُولَةٍ، أَوْ أَصَابَهُ سَهْمٌ فَوَقَعَ بِأَرْضٍ أَوْ جَبَلٍ ثُمَّ سَقَطَ مِنْهُ.. حَرُمَ،

(فصل: يحل ذبح مقدور عليه، وجرح غيره بكل محدد يجرح؛ كحديد، ونحاس، وذهب) وفضة (وخشب، وقصب، وحجر، وزجاج) لأن ذلك أوحى لإزهاق الروح، (إلا ظفرًا وسنًّا وسائر العظام) لقوله عليه السلام: "مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ الله عَلَيْهِ فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفْرَ، وَسَأُحَدِّثكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ: فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ: فَمُدَى الْحَبَشَةِ" متفق عليه 1. ويستثنى من الظفر والسن: ما قتله الكلب ونحوه بظفره أو نابه؛ فإنه يحل للحاجة.
(فلو قتل بمثقل، أو ثقل محدد؛ كبندقة، وسوط، وسهم بلا نصل ولا حد، أو سهم وبندقة، أو جرحه نصل وأثر فيه عرض السهم في مروره ومات بهما، أو انخنق بأحبولة) منصوبة له (أو أصابه سهم فوقع بأرض أو جبل، ثم سقط منه.. حرم) أما في القتل بالمثقل.. فلأنه موقوذة؛ لأن الموقوذة ما قتل بحجر، أو بما لا حد له، وأما موته بالسهم، والبندقة، وما بعدها.. فلأنه مات بسببين مبيح ومحرم فغلب المحرم؛ لأنه الأصل في الميتات.

وَلَوْ أَصَابَهُ سَهْمٌ بِالْهَوَاءِ فَسَقَطَ بِأَرْضٍ وَمَاتَ.. حَلَّ. وَيَحِلُّ الاصْطِيَادُ بِجَوَارِحِ السِّبَاعِ وَالطَّيْرِ؛ كَكَلْبٍ وَفَهْدٍ وَبَازٍ وَشَاهِينٍ بِشَرْطِ كَوْنِهَا مُعَلَّمَةً؛ بِأَنْ تنزَجِرَ جَارِحَةُ السِّبَاعِ بِزَجْرِ صَاحِبِهِ وَتستَرْسِلَ بِإِرْسَالِهِ،

ومسألة الأحبولة داخلة في قوله تعالى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾، وكان ينبغي للمصنف إخراجها من بين صور الموت بسببين.
وأما إذا أصابه سهم فوقع على جبل، ثم سقط منه.. فلأنه لا ندري من أيهما مات.
ولو عبر بدل (أرض) بسطح، كما في "المحرر" و"الشرح" و"الروضة".. لكان أولى 1؛ لأن المتبادر إلى الفهم منه أنه وقع بأرض، ولم ينتقل عنها، وأن قوله: (ثم سقط منه) يعود للجبل؛ لإفراده الضمير، وقد قال عقبه: إنه (لو أصابه سهم بالهواء فسقط بأرض، ومات.. حل)، فإن حمل كلامه أولًا على أنه وقع بارض عالية ثم سقط منها.. فليس في عبارته ما يدل عليه.
(ولو أصابه سهم بالهواء) أو على شجرة، أو غيرها (فسقط بأرض ومات.. حل) لأن الوقوع على الأرض لا بد منه فعفي عنه؛ كما لو كان الصيد قائمًا فوقع على جنبه لما أصابه السهم، وانصدم بالأرض، وكلامه مقيد بما إذا جرحه السهم في الهواء جرحًا مؤثرًا، فلو لم يجرحه، بل كسر جناحه فوقع فمات، أو جرحه جرحًا لا يؤثر فعطل جناحه فوقع فمات.. لم يحل؛ لعدم مبيح بحال الموت عليه.
(ويحل الاصطياد بجوارح السباع والطير؛ ككلب، وفهد، وباز، وشاهين) لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ أي: وصيد ما علمتم، (بشرط كونها معلمة) فإن لم تكن معلمة.. لم يحل ما قتلته، فإن أدركه وفيه حياة مستقرة.. فلا بد من ذبحه؛ لقوله عليه السلام لأبي ثعلبة الخشني: "مَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ الله عَلَيْهِ.. فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ.. فَكُلْ" متفق عليه 2. (بأن تنزجر جارحة السباع) أي: يقف (بزجر صاحبه، وتسترسل بإرساله) فإذا

وَتُمْسِكَ الصَّيْدَ وَلَا تَأْكُلَ مِنْهُ، وَيُشْتَرَطُ تَرْكُ الأَكْلِ فِي جَارِحَةِ الطَّيْرِ فِي الأَظْهَرِ، وَيُشْتَرَطُ تَكَرُّرُ هَذِهِ الأُمُورِ بِحَيْثُ يُظَنُّ تأدُّبُ الْجَارِحَةِ، وَلَوْ ظَهَرَ كَوْنُهُ مُعَلَّمًا ثُمَّ أَكَلَ مِنْ لَحْمِ صَيْدٍ.. لَمْ يَحِلَّ ذَلِكَ الصَّيْدُ فِي الأَظْهَرِ، ويُشْتَرَطُ تَعْلِيمٌ جَدِيدٌ،

أغراه على الصيد.. هاج؛ لقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ قال الشافعي: إذا أمرت الكلب فأْتمر، وإذا نهيته فانتهى.. فهو مكلب، حكاه العبادي في "طبقاته" عن رواية يونس.
(وتمسك الصيد، ولا تأكل منه) لحديث: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ الله عَلَيْهِ.. فَكُلْ مَا أَمْسَكَ عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ يَأْكُلَ الْكَلْبُ.. فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ" متفق عليه 1. (ويشترط: ترك الأكل في جارحة الطير في الأظهر) قياسًا على جوارح السباع، والثاني: لا؛ لأن تركه يكون بالضرب، وهي لا تحمله، واقتصاره على هذا الشرط يقتضي أنه لا يشترط فيها غير ذلك، وليس كذلك، فقد اعتبر الرافعي الشرط الثاني، وهو استرسالها بالإرسال 2، قال الإمام: ولا مطمع في انزجار جوارح الطير بعد الطيران 3. (ويشترط: تكرر هذه الأمور بحيث يظن تأدب الجارحة) والرجوع في عدد ذلك إلى أهل الخبرة بالجوارح، وقيل: يشترط تكرره ثلاث مرات، وقيل: مرتين.
(ولو ظهر كونه معلمًا، ثم أكل من لحم صيد) قبل قتله، أو بعده (.. لم يحل ذلك الصيد في الأظهر) لأن عدم الأكل شرط في التعلم ابتداءً، فكذا دوامًا، والثاني: يحل، لأن الأصل بقاؤه على التأديب، والأكل يحتمل أن يكون لشدة جوع، أو غيظ على الصيد إذا أتعبه.
وفصل جماعة فقالوا: إن أكل عقب القتل.. فالقولان، وإلا.. فيحل قطعًا.
(ويشترط تعليم جديد) إذا قلنا بالتحريم؛ لفساد التعليم الأول، ولا ينعطف

وَلَا أَثَرَ لِلَعْقِ الدَّمِ، وَمَعَضُّ الْكَلْبِ مِنَ الصَّيْدِ نَجِسٌ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْهُ، وَأَنَّهُ يَكْفِي غَسْلُهُ بِمَاءٍ وَتُرَابٍ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يُقَوَّرَ وَيُطْرَحَ. وَلَوْ تَحَامَلَتِ الْجَارِحَةُ عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَتْهُ بِثِقَلِهَا.. حَلَّ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ سِكِّينٌ فَسَقَطَ وَانْجَرَحَ بِهِ صَيْدٌ أَوِ احْتكَّتْ بِهِ شَاةٌ وَهُوَ فِي يَدِهِ فَانْقَطَعَ حُلْقُومُهَا وَمَرِيئُهَا أَوِ أسْتَرْسَلَ كَلْبٌ بِنَفْسِهِ فَقَتَلَ.. لَمْ يَحِلَّ، وَكَذَا لَوِ اسْتَرْسَلَ فَأَغْرَاهُ صَاحِبُهُ فَزَادَ عَدْوُهُ فِي الأَصَحِّ،

التحريم على ما اصطاده من قبل خلافًا لأبي حنيفة.
(ولا أثر للعق الدم) لأنه لا يقصد للصائد، والمنع منوط في الحديث بالأكل ولم يوجد.
(ومعض الكلب من الصيد نجس) كغير ما ينجسه الكلب، (والأصح: أنه لا يعفى عنه) كولوغه، والثاني: نعم؛ لعسر الاحتراز.
(وأنه يكفي غسله بماء وتراب) سبعًا كغيره (ولا يجب أن يقور ويطرح) لأنه لم يرد، والثاني: يجب؛ لأن الموضع تشَرَّب لعابه، فلا يتخلله الماء.
(ولو تحاملت الجارحة على صيد.. فقتلته بثقلها.. حل في الأظهر) لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾، ولأنه يعز تعليمه ألا يقتل إلا جرحًا، والثاني: لا؛ لأنه آلة فلم يحل بثقله.؛ كالسلاح، ولأن الله تعالى سماها جوارح فينبغي أن تجرح، والأول قال: الجوارح الكواسب.
(ولو كان بيده سكين فسقط وانجرح به صيد، أو احتكت به شاة وهو في يده فانقطع حلقومها ومريئها، أو استرسل كلب بنفسه فقتل.. لم يحل) أما في الأولى والثانية.. فلأن القصد يعتبر في الذبح ولم يوجد، وفي الثالثة: لم يرسل، وقد قيد عليه السلام جواز الأكل بالإرسال، فقال: "إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ.. فَكُلْ" 1. (وكذا لو استرسل فأغراه صاحبه فزاد عدوه في الأصح) لاجتماع المحرم والمبيح فغلب المحرم، والثاني: يحل؛ لظهور أثر الإغراء بالعدو، فانقطع به الاسترسال، وصار كأنه جرح بإغراء صاحبه.

وَلَوْ أَصَابَهُ سَهْمٌ بِإِعَانَةِ رِيحٍ.. حَلَّ. وَلَوْ أَرْسَلَ سَهْمًا لاخْتِبَارِ قُوَّتهِ أَوْ إِلَى غَرَضٍ فَاعْتَرَضَ صَيْدٌ فَقَتَلَهُ.. حَرُمَ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ رَمَى صَيْدًا ظَنَّهُ حَجَرًا أَوْ سِرْبَ ظِبَاءٍ فَأَصَابَ وَاحِدَة.. حَلَّتْ، وَإِنْ قَصَدَ وَاحِدَة فَأَصَابَ غَيْرَهَا.. حَلَّتْ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ غَابَ عَنْهُ الْكَلْبُ وَالصَّيْدُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيْتًا.. حَرُمَ،

واحترز بقوله: (فزاد عدوه): عما إذا لم يزد.. فإنه يحرم جزمًا، وبقوله: (فأغراه) عما إذا زجره.. فإنه إن وقف ثم أغراه وقتل.. يحل جزما، وإن لم ينزجر ومضى على وجهه.. يحرم جزمًا.
وقوله: (صاحبه) يفهم: أنه لو أغراه أجنبي.. لا يكون الحكم كذلك، وليس كذلك، فقد قال الشافعي في "المختصر": وسواء استشلاه - أي: أرسله - صاحبه، أو غيره 1، قال في "البحر": ولا فرق بين أن يستشليه الأجنبي بإذن صاحبه، أو بغير إذنه إذا كان ممن تحل ذكاته.
(ولو أصابه) أي: الصيد (سهم بإعانة ريح) وكان يقصر عنه لولا الريح (.. حل) لأن الاحتراز عن هبوبها لا يمكن، فلا يتغير به حكم الإرسال.
(ولو أرسل سهمًا لاختبار قوته، أو إلى غرض فاعترض صيد فقتله.. حرم في الأصح) لانتفاء قصده، والثاني: يحل، لوجود قصد الفعل، وكذا لو أرسله على ما لا يؤكل كذئب، فأصاب صيدًا لم يحل في الأصح.
(ولو رمى صيدًا ظنه حجرًا، أو سرب ظباء فأصاب واحدة.. حلت) أما في الأولى.. فلأنه قتله بفعله ولا اعتبار بظنه، وأما في الثانية.. فلأنه قصدَ السرب، وهذا منه.
(وإن قصد واحدة) من السرب (فأصاب غيرها) من ذلك السرب أو غيره (.. حلت في الأصح) لوجود قصد الصيد، والثاني: المنع؛ لإصابته غير ما قصده.
(ولو غاب عنه الكلب والصيد) قبل أن يجرحه الكلب (ثم وجده ميتًا.. حرم) لاحتمال موته بسبب آخر، ولا أثر لتضمخه بدمه فربما جرحه الكلب، وأصابته جراحة أخرى.

وَإِنْ جَرَحَهُ وَغَابَ ثُمَّ وَجَدَهُ مَيْتًا.. حَرُمَ فِي الأَظْهَرِ.

فَصْلٌ [فيما يملك به الصيد وما يذكر معه]

يُمْلَكُ الصَّيْدُ بِضَبْطِهِ بِيَدِهِ، وَبِجُرْحٍ مُذَفِّفٍ، وَبِإِزْمَانٍ وَكَسْرِ جَنَاحٍ، وَبِوُقُوعِهِ فِي شَبَكَةٍ نَصَبَهَا، وَبِإِلْجَائِهِ إِلَى مَضِيقٍ لَا يُفْلِتُ مِنْهُ

(وإن جرحه) الكلب، أو أصابه سهم فجرحه (وغاب، ثم وجده ميتًا... حرم في الأظهر) لاحتمال موته بسبب آخر، والتحريم يحتاط له، والثاني: يحل، واختاره الغزالي 1، وقال في "الروضة": إنه أصح دليلًا، وثبت فيه أحاديث صحيحة، ولم يثبت في التحريم شيء 2. واعترضه البُلْقيني بما في "سنن البيهقي" بطرق حسنة في حديث عدي بن حاتم: "إِذَا رَأَيْتَ سَهْمَكَ فِيهِ، وَلَمْ تَرَ فِيهِ أَثَرًا غَيْرَهُ، وَتَعْلَمُ أَنَّهُ قَتَلَهُ" 3، قال: فهذا تقييد لبقية الروايات المطلقة، وهو دال على التحريم في محل النزاع.
انتهى ومحل الخلاف: ما إذا لم يكن قد أنهاه بالجرح إلى حركة المذبوح، فإن أنهاه.. حل قطعًا، وما إذا لم يجد فيه غير جرحه، فإن وجد فيه جراحة أخرى، أو وجده في ماء.. حرم قطعًا.

(فصل: يملك الصيد بضبطه بيده) لأنه مباح فيملك بوضع اليد عليه؛ كسائر المباحات، (وبجرح مذفف، وبإزمان وكسر جناح) أو قصه بحيث يعجز عن الطيران والعدو جميعًا، (وبوقوعه في شبكة نصبها) للصيد (وبإلجائه إلى مضيق لا يفلت منه) كبيت ونحوه؛ لأنه صار مقدورًا عليه.
واحترز بقوله: (نصبها): عما لو وقعت الشكبة من يده فتعلق بها صيد.. فإنه لا يملكه على الأصح.

جارٍ التحميل