هِيَ فِي الْفَرَائِضِ -غَيْرَ الْجُمُعَةِ- سُنَّة مُؤَكَّدَة، وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايةٍ لِلرِّجَالِ
(كتاب صلاة الجماعة)
الأصل في مشروعيتها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية، فأمر بها في الخوف، ففي الأمن أولى.
(هي في الفرائض -غيرَ الجمعة- سنةٌ مؤكدة) لقوله عليه السلام: "صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ (1) بِسَبع وَعِشْرِينَ دَرَجَة" متفق عليه، وفي رواية للبخاري: "بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً" (2).
وذلك يدل على الندبية؛ لأن تفضيل الفعل على الترك يشعر بجواز الترك، وجمع بين الروايتين من وجهين: أحدهما: أن الاختلاف بحسب قرب المسجد وبعده، والثاني: أن الأولى في الصلاة الجهرية، والثانية في السرية؛ لأن السرية تنقص عن الجهرية بسماع قراءة الإمام والتأمين لتأمينه.
وخرج بـ (الفرائض): النوافلُ؛ فإن الجماعة تسن في بعضها في دون بعض على ما مر في
باب
ه، وبـ (غير الجمعة): الجمعةُ؛ فإنها فرض عين فيها.
(وقيل: فرضُ كفايةٍ) لحديث: "مَا مِنْ ثَلَاثة فِي قَرْية، وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصلَاةُ.. إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ؛ فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الْغَنَمِ الْقَاصِيَةَ" رواه أبو داوود والنسائي، وصححه ابن حبان والحاكم 3.
(للرجال) فالنساء ليست في حقهن فرض كفاية، بل هي سنة في حقهن، والخنثى في هذا كالمرأة، ويستثنى من إطلاقه الفرائض المنذورة؛ فإنه لا يشرع فيها12
فَتَجبُ بِحَيْثُ يَظْهَرُ الشِّعَارُ فِي الْقَرْيَةِ، فَإِنِ امْتَنَعُوا كُلُّهُمْ.. قُوتلُوا، وَلَا يَتَأَكَّدُ النَّدْبُ لِلنِّساءِ تأَكُّدَهُ لِلرِّجَالِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَقِيلَ: عَيْنٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ
الجماعة؛ كما صرح به الرافعي في (الأذان) 1.
(فتجب بحيث يظهر الشعارُ في القرية) فيكفي في القرية الصغيرة إقامتها في موضع، وفي الكبيرة في مَحالّ، ولا تسقط بفعلها في البيوت في الأصحِّ، ولو أقامها طائفة يسيرة من أهل البلد وأظهروها في كل البلد، ولم يحضرها جمهور المقيمين بالبلد.. حصلت الجماعة، وأقل جماعة يسقط بها الفرض عن الباقين.. اثنان، وقيل: ثلاثة 2.
(فإن امتنعوا كلهم.. قوتلوا) لتركهم المفروض، والمقاتل لهم الإمام أو نائبه دون الآحاد، وإذا قلنا: إنها سنة.. لم يقاتلوا على الأصحِّ.
(ولا يتأكد الندب للنساء تأكدَه للرجال في الأصح) لأن الجماعة لا تتأتى غالبًا إلا بالخروج إلى المساجد، وقد تكون فيه مشقة عليهن ومفسدة لهن، وعلى هذا: فلا يكره لهن تركها ويكره للرجال، والثاني: يتأكد لهن أيضًا؛ لعموم الأدلة السابقة.
(قلت: الأصح المنصوص) في "الأم" 3 (أنها فرضُ كفاية) لما سلف، وحمل دليل السنية على ما إذا كان هناك عذر من مرض ونحوه.
(وقيل: عينٍ، والله أعلم) لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتمامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي برِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ" متفق عليه 4.
وقضية إطلاقه: أنه لا فرق بين المقيم والمسافر، وهو المنصوص في "الأم" 5
وَفِي الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ أَفْضَلُ، وَمَا كَثُرَ جَمْعُهُ أَفْضَلُ
ما حكاه السبكي وغيره، لكن جزم في "التحقيق" تبعًا للإمام بعدم فرضيتها في حق المسافر 1.
نعم؛ يستثنى من إطلاقه الخلاف مسائل: منها: العبيد، فليست فرضًا في حقهم قطعًا، وكذا المقضية، والعراة، وهل الأفضل في حق العراة الجماعة أو الانفراد؟ رجح الرافعي الجماعة 2، ورجح المصنف: أن الجماعة وتركها سيان، ثم قال: (فلو كانوا عُمْيًا أو في ظلمة.. استحب لهم الجماعة قطعًا) 3.
(وفي المسجد لغير المرأة أفضلُ) لقوله صلى الله عليه وسلم: "صَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ" متفق عليه 4.
ولأن المسجد مشتمل على الشرف وكثرة الجماعة.
نعم؛ صلاته في بيته جماعة أفضل من صلاته في المسجد منفردًا.
وقضية إطلاقه: أن المسجد أفضل وإن كانت الجماعة في خارجه أكثر، وبه صرح الماوردي 5، وقال القاضي أبو الطيب: إذا كانت جماعة المنزل أكثر.. فهو أفضل، وقال الأَذْرَعي: إن ظاهر النص يشير إليه، وله شواهد من السنة وكلام الأصحاب.
أما المرأة: فجماعتها في بيتها أفضل؛ لقوله عليه السلام: "لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْر لَهُنَّ" رواه أبو داوود وصححه الحاكم 6.
وما كان من بيتها أستر.. فهو أفضل أيضًا، فإن حضرت المسجد.. كُره لمشتهاة ولشابة، لا لغيرهما عند أمن الفتنة، وإذا استأذنت وليًا أو زوجًا.. كُره إذنه حيث يُكره لها، وإلا.. نُدب، وإذا أرادته.. كُره الطيب وفاخر الثياب.
(وما كثر جمعه أفضل) لقوله عليه السلام: "صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكِى منْ
إِلَّا لِبدْعَةِ إِمَامِهِ أَوْ تَعَطُّلِ مَسْجِدٍ قَرِيبٍ لِغَيْبَتِهِ. وَإِدْرَاكُ تَكْبيرَةِ الإِحْرَامِ فَضيلَةٌ، وَإِنَّمَا تَحْصُلُ بِالاشْتِغَالِ بِالتَّحَرُّمِ عَقِبَ تَحَرُّمِ إِمَامِهِ، وَقِيلَ: بِإِدْراكِ بَعْضِ الْقِيَامِ، وَقِيلَ: بِأَوَّلِ رُكُوعٍ. وَالصحِيحُ: إِدْرَاكُ الْجَمَاعَةِ مَا لَمْ يُسَلِّمْ
صلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَانَ أَكْثَرَ.. فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى الله تَعَالَى" رواه أبو داوود وصححه ابن حبان 1.
(إلّا لبدعةِ إمامِه) كالمعتزلي وغيره، وهكذا كل من لا يعتقد بعض الأركان" قال أبو إسحاق: بل الانفراد أفضل.
(أو تَعطُّل مسجدٍ قريبٍ لغببته) أي: تعطله عن الجماعة؛ لكونه إمامًا، أو لأن الناس يحضرون بحضوره، فقليل الجمع فيه أولى؛ لما فيه من هجرانه.
(وإدراكُ تكبيرة الإحرام فضيلةٌ) لورود الحث على ذلك عن السلف، وفيه حديث ضعيف في "الترمذي" 2.
(وإنما تحصل بالاشتغال بالتحرم عقب تحرم إمامه) مع حضوره أيضًا تكبيرة الإمام من غير وسوسة ظاهرة؛ كما قاله في "شرحِ المهذب" 3، فإن أخر.. لم يدركها؛ لقوله عليه السلام: "إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ.. فَكَبِّرُوا" متفق عليه 4، والفاء للتعقيب.
(وقيل: بإدراك بعض القيام) لأنه محل التكبيرة الأولى، (وقيل: بأول ركوعٍ) لأن حكمه حكمُ قيامها؛ بدليل إدراك الركعة بإدراكه مع الإمام، والوجهان فيمن لم يحضر إحرام الإمام،.
فأما من حضره.. فقد فاتته فضيلة التكبيرة وإن أدرك الركعة، حكاه في "زيادة الروضة" عن "البسيط" وأقرَّه 5
(والصحيح: إدراك الجماعة) في غير الجمعة (ما لم يسلم) الإمام وإن لم يجلس
وَلْيُخَفِّفِ الإِمَامُ مَعَ فِعْلِ الأَبْعَاضِ وَالْهَيْئَاتِ، إِلَّا أَنْ يَرْضَى بتَطْوِيلِهِ مَحْصُورُونَ. وَيُكْرَهُ: التَّطْوِيلُ لِيَلْحَقَ آخَرُونَ، وَلَوْ أَحَسَّ فِي الرُّكُوع أَوِ التَّشَهُّدَ الأَخِيرِ بِدَاخِلٍ.. لَمْ يُكْرَهِ انْتِظَارُهُ فِي الأَظْهَرِ إِنْ لَمْ يُبَالِغْ فِيهِ، وَلَمْ يَفْرُقْ بَيْنَ الدَّاخِلِينَ
معه؛ لأنه قد أدرك معه ما يعتد له به، وهو النية وتكبيرة الإحرام، فحصلت له به الجماعة؛ كما لو أدرك ركعة، والثاني: لا يدرك إلا بركعة؛ لأن ما دونها لا يُحسب من صلاته، ورُدَّ بما سبق.
(وليخفف الإمام مع فعل الأبعاض والهيئات) لقوله عليه السلام: "إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ.. فَلْيُخَفِّفْ" متفق عليه 1.
(إلّا أن يرضى بتطويله) جميع المقتدين وهم (محصورون) فلا يخفف، بل يستحب التطويل؛ لانتفاء علة التخفيف، وحكى ابن كَجٍّ وغيره وجهًا: أن التخفيف أفضل مطلقًا حتى للمنفرد.
(ويكره التطويل ليلحق آخرون) للإضرار بالحاضرين، ولتقصير المتأخرين.
(ولو أحسَّ في الركوع أو التشهد الأخيرِ بداخلٍ.. لم يكره انتظارُه في الأظهر) لأنه يدرك الركعة إن كان في الركوع، ويدرك فضيلة الجماعة إن كان في التشهد، ويستثنى الركوع الثاني من الكسوف، فلا انتظار فيه؛ إذ لا تحصل بإدراكه الركعةُ على الأصحِّ، والثاني: يكره؛ لما فيه من التطويل على الحاضرين، وكلام الرافعي في "الشرح" يقتضي ترجيحه، واختاره السبكي؛ لأن فيه تشريكًا في العبادة، واقتضى كلام "المهمات": أن الأكثرين عليه 2.
(إن لم يبالغ فيه) فإن بالغ -بأن طول تطويلًا لو وُزِّع على جميع الصلاة.. لظهر له أثر محسوس في الكل-.. كره، فلو ظهر في الركوع خاصة ولم يظهر في الجميع.. فهو موضع القولين (ولم يَفْرُق بين الداخلِين) بل يقصد به التقرب إلى الله تعالى، لا التودد إلى الداخل، وحيث انتظر لا بقصد القربة.. بطلت صلاته بالاتفاق؛ كما
قُلْتُ: الْمَذْهَبُ: اسْتِحْبَابُ انْتِظَارِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا يَنْتَظِرُ فِي غَيْرِهِمَا. وَيُسَنُّ لِلْمُصلِّي وَحْدَهُ -وَكَذَا جَمَاعَةً فِي الأَصَحِّ-: إِعَادَتُهَا مَعَ جَمَاعَةٍ يُدْرِكُهَا،
نقله في "الكفاية"؛ للتشريك 1.
وأشار بقوله: (بداخل) إلى أنه إذا كان خارج المسجد.. لا ينتظر قطعًا، وهو كذلك، قال المحب الطبري: وعلته التطويل، قال: لكنه مُنتقَض بالخارج القريب؛ لصغر المسجد، والداخل البعيد؛ لسعته، والوجه: مراعاة هذا التفصيل.
انتهى.
(قلت: المذهب: استحباب انتظاره، والله أعلم) ونقله في "شرح المهذب" عن الأكثرين 2؛ لأنه تحصيل مصلحة للغير بلا مضرة، فكان مستحبًا؛ كرفع الصوت بالأذان، وتكبيرة الإحرام.
(ولا ينتظر في غيرهما) أي: في غير الركوع والتشهد الأخير؛ لفقدان المعنى المذكور، قال في "شرح المهذب": بل يكره، قال: وإذا انتظر وطول.. لا تبطل انتهى 3.
ومحله: في غير الاعتدال والجلوس بين السجدتين؛ لقصرهما؛ كما تقرر في موضعه.
(ويسن للمصلي وحده -وكذا جماعةً في الأصح-: إعادتها مع جماعة يُدركها) لعموم قوله عليه السلام للرجلين الذين لم يصليا معه صلاةَ الصبح، وقالا: إنهما صلياها في رَحلهما: "إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا، ثُمَّ أَتيتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ.. فَصَلِّيَاهَا مَعَهُمْ، فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ" رواه أبو داوود، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم 4، والثاني: لا تسن فيما إذا صلى جماعة؛ لحصول فضيلة الجماعة، فلا معنى للإعادة، بخلاف المنفرد.
وقوله: (مع جماعة) يُفهم: أنه لا يستحب إعادتها مع منفرد، وليس كذلك،
وَفَرْضُهُ الأُولَى فِي الْجَدِيدِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَنْوِي بِالثَّانِيَةِ الْفَرْضَ. وَلَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهَا -وَإِنْ قُلْنَا: سُنَّة- إِلأَ لِعُذْرٍ عَامٍّ؛ كَمَطَرٍ
بل هو مستحب جزمًا ولو كان صلى أولًا في جماعة؛ لتحصل له فضيلة الجماعة.
ويستثنى: صلاة الجنازة؛ فإنه لا تسن إعادتها على الصحيح؛ كما سيأتي، وكذلك الجمعة لا تجوز إعادتها؛ لأن الجمعة لا تقام بعد أخرى، ومحل استحباب الإعادة: إذا كان الوقت باقيًا، فأما بعد فواته.. فلا قطعًا، قاله صاحب "المعين".
قال صاحب "المذاكرة": ويلزم عليه: أنه لا تسن إعادة المغرب؛ تفريعًا على الجديد، وهو ضيق وقتها، وإطلاق المصنف يشمل وقت الكراهة، وهو الأصحُّ، وأطلق المصنف الإعادة ومراده: المعنى اللغوي، وهو الأداء، لا المصطلح عليه في الأصول 1.
(وفرضه الأُولى في الجديد) للحديث المار، ولسقوط الخطاب بها، والقديم: أنه إحداهما لا بعينها، والله تعالى يحتسب ما شاء منهما، وربما قيل: يحتسب أكملهما.
(والأصح) على الجديد (أنه ينوي بالثانية الفرضَ) لأنه إنما أعادها؛ لينال ثوابَ الجماعة في فرض وقته، وإنما ينال ذلك إذا نوى الفرض، والثاني: لا ينوي الفرض بل ينوي الظهر أو العصر مثلًا؛ لأن الأمر بنية الفرضية مع اعتقاد وقوع خلافه مُحالٌ، وهذا هو الراجح؛ كما قاله في "الروضة" و"شرح المهذب" 2.
(ولا رخصةَ في تركها) يعني: الجماعة (وإن قلنا: سنةٌ) لتأكدها (إلّا لعذر) لقوله عليه الصلاة والسلام: "مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يَأْتِهِ.. فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ" رواه ابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم 3.
(عام؛ كمطر) تحصل بالخروج معه مشقة؛ كما قيده الرافعي في الكلام على
أَوْ رِيحٍ عَاصِفٍ بِالَّليْلِ، وَكَذَا وَحَلٌ شَدِيدٌ عَلَى الصَّحِيحِ، أَوْ خَاصٍّ؛ كَمَرَضٍ، وَحَرٍّ وَبَرْدٍ شَدِيدَيْنِ، وَجُوعٍ وَعَطَشٍ ظَاهِرَيْنِ، وَمُدَافَعَةِ حَدَثٍ، وَخَوْفِ ظَالِمٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ، وَمُلَازَمَةِ غَرِيمِ مُعْسِرٍ،
المرض 1، وكثلج يَبُلُّ الثوبَ؛ لحديث ابن عباس فيه في "الصحيحين" 2.
(أو ريحٍ عاصفٍ بالليل) لما فيه من المشقة، والعاصفة هي الشديدة، (وكذا وَحَلٌ شديدٌ على الصحيح) ليلًا ونهارًا؛ لأنه أشق من المطر، والثاني: أنه ليس بعذر؛ لإمكان الاعتداد له بالنعال المطبقة ونحوها، والتقييد بالشديد وقع في "الكتاب" و"الروضة" و"أصليهما" 3، وأطلق في "شرح المهذب" و"التحقيق" الوَحَلَ، ولم يقيده بالشديد 4، قال الأَذْرَعي: وهو الوجه.
(أو خاصٍّ؛ كمرض) لأنه عليه الصلاة والسلام لما مرض.. ترك الصلاة بالناس أيامًا كثيرة 5.
ولا يشترط بلوغ المرض حدًا يُسقط القيام في الفرض، بل يشترط أن تحصل له مشقة؛ كمشقة الماشي في المطر.
(وحرٍّ وبردٍ شديدين) لأن المشقة فيهما كالمشقة في المطر والوَحَل بل أزيد، وعدّ في "الروضة" و"أصلها" هذين من الأعذار العامة 6، وهو أَوْجَهُ.
(وجوعٍ وعطشٍ ظاهرين، ومدافعةِ حدثٍ) لما مر في آخر (شروط الصلاة).
(وخوفِ ظالمٍ على نفسٍ أو مالٍ) له أو لمن يلزمه الذب عنه؛ دفعًا للضرر.
(وملازمةِ غريمِ معسرٍ) هو بإضافة (غريم) إلى (معسر) أي: ملازمة غريمه له وهو معسر، ومحل هذا: إذا عَسُرَ عليه إثباتُ إعساره، وإلا.. لم يعذر؛ كما قاله في "البسيط".
وَعُقُوبَةٍ يُرْجَى تَرْكُهَا إِنْ تغيَّبَ أَيَّاما، وَعُرْيٍ، وَتأَهُّبٍ لِسَفَرٍ مَعَ رُفْقَةٍ تَرْحَلُ، وَأَكْلِ ذِي رِيحٍ كَرِيهٍ،
(وعقوبةٍ يُرجى تركُها إن تغيّب أيامًا) يَسكن فيها غيضُ المستحق؛ كالقصاص وحدّ القذف وغيرهما مما يقبل العفو، بخلاف ما لا يقبله؛ كحدّ الزنا والسرقة.
(وعُرْيٍ) وإن وجد ما يستر عورته؛ لأن عليه مشقة في مشيه بغير ثوب يليق به، كذا علله في "شرح المهذب" 1، ويؤخذ منه: أن ما لا يليق به -كالقَبَاء في حق الفقيه- كالمعدوم، قال شيخنا: وبه صرح بعضهم 2.
(وتأهبٍ لسفرٍ مع رُفقةٍ تَرحل) للمشقة في التخلف عنهم للجماعة.
(وأكلِ ذي ريحٍ كريهٍ) إذا لم تمكن إزالته بعلاج؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ.. فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ" رواه مسلم 3.
وروى الطبراني في أصغر معاجمه: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْخُضْرَاوَاتِ: الثُّومِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ وَالْفُجْلِ... " الحديث 4.
واحترز بالكريه: عما إذا طُبخت هذه الأشياء.. فإنه لا يعذر بأكلها؛ كما صرح به في "المحرّر" 5، وقد يؤخذ من كلام المصنف: سقوط الجماعة بالبَخَر والصُّنان المستحكم بطريق الأولى، وفي البرص والجذام -عافانا الله منه- نظر، قال الإسنوي: (والظاهر: عدم السقوط) 6.
ودخول المسجد للذي أكل ما سبق مكروه، كذا جزم به في "الروضة" آخر 7
وَحُضُورِ قَرِيبٍ مُحْتَضَرٍ أَوْ مَرِيضٍ بلَا مُتَعَهِّدٍ أَوْ يَأْنسُ بهِ.
فصلٌ [في صفات الأئمة]
لَا يَصِحُّ اقْتِدَاؤُهُ بِمَنْ يَعْلَمُ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ أَوْ يَعْتَقِدُهُ،
(شروط الصلاة)، وظاهر الحديث: يقتضي التحريم، وبه صرح ابن المنذر في "الإقناع" 1.
والمعذور بأكل هذه الأشياء للتداوي يعذر في الحضور؛ كما صرح به ابن حبان في "صحيحه" 2.
(وحضورِ قريبٍ مُحتضَرٍ) سواء كان له متعهد أم لا؛ لأن ابن عمر رضي الله عنهما ترك الجمعة، وحضر عند قريبه سعيد بن زيد أحدِ العشرة لمّا أخبر أن الموت قد نزل به 3.
والمعنى فيه: ما في ذهابه إلى الجماعة من شغل القلب السالب للخشوع، وفي معنى القريب: الزوجة والمملوك والصهر والصديق.
(أو مريضٍ بلا مُتعهِّدٍ) ولو أجنبيًّا وخيف هلاكه إن غيب عنه، أو ضرر ظاهر عليه على الأصحِّ " لأن حفظ الآدمي أفضل من حفظ الجماعة.
(أو يَأنَسُ به) هذه العبارة تقتضي: أن الأنس عذر في القريب والأجنبي، والذي في "المحرّر" وغيره: تخصيص ذلك بالقريب ونحوه 4، فلو قال: (وحضور قريب ونحوه محتضر أو كان يأنس به أو مريض بلا متعهد).. لا تضح واستقام.
(فصل: لا يصح اقتداؤه بمن يَعلم بطلان صلاتِه) كمن علم بحدثه أو كفره، لأنه لا صلاة له فكيف يقتدى به؟ (أو يعتقده) أي: بطلان الصلاة من حيث الاجتهاد في غير اختلاف المذاهب في
كَمُجْتَهِدَيْنِ اخْتَلَفَا فِي الْقِبْلَةِ أَوْ إِنَاءَيْنِ، فَإِنْ تَعَدَّدَ الطَاهِرُ.. فالأَصَحُّ: الصِّحَّةُ مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ إِنَاءُ الإِمَامِ لِلنَّجَاسَةِ، فَإِنْ ظَنَّ طَهَارَةَ إِنَاءِ غَيْرِهِ.. اقْتَدَى بِهِ قَطْعًا، فَلَوِ اشْتبَهَ خَمْسَة فِيهَا نَجِسٌ عَلَى خَمْسَةٍ، فَظَنَّ كُلٌّ طَهَارَةَ إِنَاءٍ فَتَوَضَّأَ بِهِ، وَأَمَّ كُلٌّ فِي صَلَاةٍ.. فَفِي الأَصَحِّ: يُعِيدُونَ الْعِشَاءَ إِلَّا إِمَامَهَا فَيُعِيدُ الْمَغْرِبَ. وَلَوِ اقْتَدَى شَافِعِيٌّ بِحَنَفِيٍّ مَسَّ فَرْجَهُ أَوِ افْتَصَدَ.. فَالأَصَحُّ: الصِّحَّةُ فِي الْفَصْدِ دُونَ الْمَسِّ؛ اعْتِبَارًا بِنِيَّةِ الْمُقْتَدِي
الفروع (كمجتهدَيْن اختلفا في القبلة أو إناءين) لأن كلًّا منهما يعتقد بطلان صلاة الآخر.
(فإن تعدد الطاهر) كأن كانت الأواني ثلاثة مثلًا والطاهر منها اثنان، وظن طهارة إنائه، ولم يغلب على ظنه شيء في الآخرين.
(.. فالأصح: الصحة) أي: صحة اقتدائه بالآخر؛ لأن الأصل عدم وصول النجس إلى الإناء (ما لم يتعين إناءُ الإمام للنجاسة) فيصح في مثالنا اقتداءُ الأول بالثاني دون الثالث؛ لتعين النجس فيه، والثاني: أنه ليس له الاقتداء بواحد من صاحبيه؛ لأنه متردد في أن المستعمل للنجاسة هذا أم ذاك.
(فإن ظن طهارة) إنائه و (إناءِ غيرِه.. اقتدى به قطعًا) لانتفاء المحذور، ولو ظن نجاسة إناء غيره.. امتنع اقتداؤه به قطعًا.
(فلو اشتبه خمسةٌ فيها نَجِسٌ على خمسة، فظن كلٌّ طهارةَ إناءٍ فتوضأ به) ولم يظن شيئًا من أحوال الأربعة، (وأمَّ كلٌّ في صلاةٍ) من الخمس بالباقين وبدؤوا بالصبح (.. ففي) الوجه (الأصح) السابق في المسألة قبلها (يعيدون العشاءَ) لأن بزعمهم تعينت النجاسة في حق إمامها.
(إلّا إمامَها فيعيد المغربَ) لأنه صح له الصبح والظهر والعصر؛ لاقتدائه فيهن خلف من لم تنحصر النجاسة فيه، وهو متطهر بزعمه في العشاء، فتعين عنده النجاسة في حق إمام المغرب.
وضابط ذلك: أن كل واحد يعيد ما كان مأمومًا فيه آخرًا، وعلى الوجه الثاني في المسألة قبلها: يعيد كل منهم الأربع التي كان مأمومًا فيها.
(ولو اقتدى شافعيٌّ بحنفيٍّ مَسَّ فرجَه أو افتصد.. فالأصح: الصحةُ في الفصد دون المسِّ؛ اعتبارًا بنية المقتدي) لأنه محدث عنده بالمس دون الفصد، والثاني:
وَلَا تَصِحُّ قُدْوَةٌ بِمُقْتَدٍ، وَلَا بِمَنْ تلزَمُهُ إِعَادَةٌ كَمُقِيمٍ تَيَمَّمَ، وَلَا قَارِئٍ بِأُمِّيٍّ فِي الْجَدِيدِ -وَهُوَ: مَنْ يُخِلُّ بِحَرْفٍ أَوْ تشدِيدَةٍ مِنَ (الْفَاتِحَةِ)، وَمِنْهُ: أَرَتُّ يُدْغِمُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ،
العكس؛ اعتبارًا بنية المقتدى به، لأنه يرى أنه متلاعب في الفصد ونحوه، فلا تقع منه نية صحيحة، بخلاف المس، فإنه يرى صحتها وخطؤه غير مقطوع به، ولعل الحق ما ذهب إليه، وفي اقتداء الشافعي بالمخالف له في الفروع وجوه: أصحها: إن لم يعلم أنه ترك واجبًا في اعتقاد المأموم.. صح، وإلا.. فلا.
وقال الأَوْدَني والحَليمي: إن اقتدى بولي الأمر أو نائبه.. صح مع تركه الواجبات عندنا؛ لما في المفارقة من الفتنة، وإلا.. لم يصح، واستحسنه الرافعي 1.
(ولا تصح قدوةٌ بمقتدٍ) في حال قدوته، لأنه تابع لغيره، وهذا إجماع، (ولا بمن تلزمه إعادةٌ، كمقيم تيمم) لأن صلاته غير مجزئة، لوجوب إعادتها، وشمل إطلاقه ما لو اقتدى به مثله، وهو الأصحُّ في "الروضة" 2.
(ولا قارئَ بأمي في الجديد) إذ رتبة الإمام تَحمُّل القراءة، بدليل المسبوق فإذا لم يحسن القراءة.. لم يصلح للتحمل، والقديم: منعه في الجهرية خاصة؛ بناء على أن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم في الجهرية دون السرية، والصحيح: طرد الخلاف مطلقًا، سواء علم بحاله في الابتداء أو جهله.
نعم؛ يستثنى من محل الخلاف: المقصر بترك التعلم؛ فلا تصح القدوة به قطعًا؛ لأنه تلزمه الإعادة.
(وهو) أي: الأمي (مَنْ يُخلُّ بحرفٍ أو تشديدةٍ من الفاتحة) أي: عجزًا، ونبه بذلك على من لا يحسنها بطريق الأولى.
(ومنه) أي: من الأمي (أرتُّ) بـ (التاء) المثناة فوق المشددة (يُدغِم في غير موضعِه) أي: في غير موضع الإدغام.
وَأَلْثَغُ يُبْدِلُ حَرْفًا- وَتَصِحُّ بِمِثْلِهِ. وَتُكْرَهُ بِالتَّمْتَام، وَالْفَأْفَاءِ، وَاللَّاحِنِ، فَإِنْ غَيَّرَ مَعْنَىً كـ (أَنْعَمْتُ) بِضَمٍّ أَوْ كَسْرٍ.. أَبْطَلَ صَلَاةَ مَنْ أَمْكَنَهُ التَّعَلّمُ، فَإِنْ عَجَزَ لِسَانُهُ، أَوْ لَمْ يَمْضِ زَمَنُ إِمْكَانِ تَعَلُّمِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي (الْفَاتِحَةِ).. فَكَأُمِّيٍّ، وَإِلَّا.. فَتَصِحّ صَلَاتُهُ وَالْقُدْوَةُ بِهِ. وَلَا تَصِحّ قُدْوَةُ رَجُلٍ وَلَا خُنْثَى بِامْرَأَةٍ وَلَا خُنْثَى
(وأَلثَغ يبدل حرفًا) بحرف؛ كـ (سين) بـ (ثاء)، و (راء) بـ (غين)، كالمثتقيم، وغيغ المغضوب.
(وتصح بمثله) أي: فيصح اقتداء الأمي بأمي مثله، والأرت بأرت مثله، والألثغ بألثغ مثله؛ لاستوائهما في النقصان.
(وتُكره بالتمتام) وهو الذي يكرر (التاء)، (والفأفاء) وهو الذي يكرر (الفاء) لحصول زيادة في الصلاة ليست منها، (واللاحنِ) الذي لا يغير لحنه المعنى؛ كرفع (هاء) ﴿لله﴾.
(فإن) لحن لحنًا (غَيَّرَ معنىً؛ كـ"أنعمت" بضمٍّ أو كسرٍ.. أبطل صلاةَ مَنْ أمكنه التعلمُ) لأنه ليس بقرآن.
(فإن عجز لسانُه، أو لم يَمْضِ زمنُ إمكانِ تعلمِه، فإن كان في "الفاتحة".. فكأميٍّ) وقد مرّ حكمه، ومضي زمن إمكان التعلم مُعتبَر -كما قاله البغوي وغيره- من إسلام الكافر، والمسلم الأصلي يعتبر من التمييز فيما يظهر، قاله الإسنوي 1.
(وإلّا) أي: وإن كان في غير الفاتحة (.. فتصحّ صلاتُه والقدوةُ به) لأن ترك السورة جائز فلا يمنع الاقتداء.
(ولا تصحّ قدوةُ رجلٍ) ولو صبيًا (ولا خنثى) مشكل (بامرأةٍ) لاحتمال ذكورته، وفي الخبر: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ أمْرَأَةً" 2، (ولا خنثى) أي لا تصح قدوةُ رجل بخنثى؛ لاحتمال أنوثة الخنثى، ولا خنثى بخنثى؛ لاحتمال ذكورة المأموم وأنوثة الإمام.
وَتَصِحُّ لِلْمُتَوَضِّئِ بِالْمُتَيَمِّمِ وَبِمَاسِحِ الْخُفِّ، وَلِلْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ وَالْمُضْطَجِعِ، وَلِلْكَامِلِ بِالصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ. وَالأَعْمَى وَالْبَصِيرُ سَوَاءٌ عَلَى النَّصِّ. وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ قُدْوَةِ السَّلِيمِ بِالسَّلِسِ، وَالطَّاهِرِ بِالْمُسْتَحَاضةِ غَيْرِ الْمُتَحَيِّرَةِ. وَلَوْ بَانَ إِمَامُهُ أمْرَأَة، أَوْ كَافِرًا مُعْلِنًا، قِيلَ: أَوْ مُخْفِيًا
(وتصح للمتوضئِ بالمتيمم) الذي لا يجب عليه القضاء؛ لأنه قد أتى عن طهارته ببدل (وبماسحِ الخفّ) لأنها مغنية عن القضاء.
(وللقائم بالقاعد) لأنه صلى الله عليه وسلم صلّى قاعدًا، والناس وراءه قيام، قبل موته بيوم 1، (والمضطجعِ) أي: ويصح أيضًا اقتداء القائم بالمضطجع ولو كان موميًا؛ كما صرح به المتولّي؛ قياسًا على القائم بالقاعد.
(وللكاملِ) وهو البالغ الحرّ (بالصبي) المميز؛ لأن عمرو بن سَلِمة كان يؤم قومه على عهده صلى الله عليه وسلم وهو ابن ست أو سبع، رواه البخاري 2، (والعبدِ) لأن عائشة رضي الله عنها كان يؤمها عبدها، رواه البخاري أيضًا 3.
(والأعمى والبصيرُ سواءٌ على النص) لأن الأعمى أخشع، والبصير عن النجاسات أحفظ، وقيل: إن الأعمى أولى؛ مراعاةً للمعنى الأول، وقيل: البصير أولى؛ للمعنى الثاني.
(والأصح: صحةُ قدوةِ السليم بالسلِس، والطاهرِ 4 بالمستحاضة غيرِ المتحيرة) ونحوهما؛ كمن به جرحٌ سائل؛ قياسًا على المستجمر، وعلى من على ثوبه نجاسةٌ معفوّ عنها، والثاني: المنع؛ لحملهما النجاسة، وإنما صححنا صلاتهما للضرورة، ولا ضرورة إلى الاقتداء بهما، أما المتحيرة: فلا يصح الاقتداء بها ولو كان المقتدي بها مثلها على الأصحِّ في "الروضة" في (كتاب الحيض) 5
(ولو بان إمامه امرأة، أو كافرًا معلنًا) كذمي، (قيل: أو مُخفيًا) كزنديق
وَجَبَتِ الإِعَادَةُ، لَا جُنُبًا، وَذَا نَجَاسَةٍ خَفِيَّةٍ. قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ: أَنَّ مُخْفِيَ الْكُفْرِ هُنَا كَمُعْلِنِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالأُمِّيُّ كَالْمَرْأَةِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوِ اقْتَدَى بِخُنْثَى فَبَانَ رَجُلًا.. لَمْ يَسْقُطِ الْقَضَاءُ فِي الأَظْهَرِ. وَالْعَدْلُ أَوْلَى مِنَ الْفَاسِقِ
(.. وجبت الإعادة) لأن على الأنوثة والكافر المعلن أمارةً؛ مِن لبس المرأة وصوتها وصورتها، والكافر يمتاز بالغيار ونحوه، فهو مقصر بترك البحث، بخلاف مخفي الكفر؛ فإنه لا اطلاع عليه، ووجه وجوب الإعادة فيه: عدم أهليته للإمامة.
(لا جنبًا، وذا نجاسةٍ خفيةٍ) إذ لا أمارة عليهما فلا تقصير من المقتدي بهما، وهذا في غير الجمعة، أما فيها: فسيأتي الكلام فيها في بابهما.
وقضية كلامه: وجوب الإعادة في الظاهرة قال الإسنوي: لكن الصحيح المشهور -كما اقتضاه كلام "الروضة" و"شرح المهذب"-: هو القطع بعدم الوجوب، وقد صرح به في "التحقيق" 1.
(قلت: الأصح المنصوص وقول الجمهور: أن مُخْفِيَ الكفر هنا كمعلنه، والله أعلم) بناء على أن العلة الصحيحة عدم أهليته للإمامة، بخلاف المؤمن المحدث؛ فإنه من أهلها في الجملة، قال في "الروضة": ومع ذلك فالأقوى دليلًا: أن القضاء لا يجب 2.
(والأمي كالمرأة في الأصح) فيعيد إذا بان أميًا، والجامع: النقص، والثاني: أنه كالجنب، وفرق الأول؛ بأن فقدان القراءة نقص، بخلاف الجنابة.
(ولو اقتدى بخنثى) في ظنه (فبان رجلًا.. لم يَسقط القضاءُ في الأظهر) لتردد المأموم في صحة صلاته فلا تكون النيةُ جازمةً، والثاني: يسقط اعتبارًا بما في نفس الأمر.
(والعدل أولى) بالإمامة (من الفاسق) وإن اختص الفاسق بزيادة فقهٍ وسائر الصفات؛ لأنه لا يوثق به في محافظة الشروط.
وَالأَصَحُّ: أَنَّ الأَفْقَهَ أَوْلَى مِنَ الأَقْرَأ وَالأَوْرَعِ
(والأصح: أن الأفقه) وإن لم يحفظ قرآنًا غيرَ الفاتحة (أولى من الأقرأ) وإن حفظ جميع القرآن وهو قليلُ الفقه؛ لأن حاجة الصلاة إلى الفقه أهمُّ؛ لكون الواجب من القرآن محصورًا، والحوادثُ في الصلاة لا تنحصر، والثاني: أنهما سواء؛ لتقابل الفضيلتين، والثالث: أن الأقرأ أولى؛ لحديث: "إِذَا كَانُوا ثَلَاثةً.. فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ، وَأَحَقُّهُمْ بِالإمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ" رواه مسلم 1.
وأجاب عنه الشافعي: بأن الصدر الأول كانوا يتفهمون معنى الآية، ويتفقهون فيها قبل حفظها 2، فلا يوجد منهم قارئ إلا وهو فقيهٌ، وحينئذٍ فالحديث يدلّ على تقديم قارئ فقيهٍ على فقيه ليس بقارئ، ولا نزاع في ذلك.
ويستثنى: ما إذا اجتمع عبد فقيه وحرٌّ غير فقيه، فإن الأصحَّ في "شرح المهذب": أنهما سواء 3، لكن صحح فيه وفي "الروضة" في (صلاة الجنازة) تقديم الحرّ 4، ولا يظهر فرق بين البابين، ويستثثى أيضًا الصبي، فإن البالغ أولى منه وإن كان الصبي أفقهَ.
(والأورع) أي: والأصحُّ: أن الأفقه أولى من الأورع؛ لأن حاجة الصلاة إلى الفقه أهمّ كما مرّ، والثاني: عكسه، إذ مقصود الصلاة هو الخشوع، والخضوع، والتدبر، ورجاء إجابة الدعاء، والأورع أقرب إلى ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وكذا يقدم الأقرأ على الأورع؛ كما في "الروضة" عن الجمهور 5.
والورع: هو مجتنب الشهوات المشتهر بالعبادة، كما قاله في "التحقيق" و"شرح المهذب" 6.
وَيُقَدَّمُ الأَفْقَهُ وَالأَقْرَأُ عَلَى الأَسَنِّ النَّسِيبِ، وَالْجَدِيدُ: تَقْدِيمُ الأَسَنِّ عَلَى النَّسِيبِ. فَإِنِ اسْتَوَيَا.. فَنَظَافَةُ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ، وَحُسْنُ الصَّوْتِ، وَطِيبُ الصَّنْعَةِ وَنَحْوُهَا
(ويُقدَّم الأفقهُ والأقرأ على الأسن النسيبِ) 1 لأن الفقه والقراءة مختصان بالصلاة؛ لأن القراءة من شروطها، والفقهَ لمعرفة أحكامها، وباقي الصفات لا تختص بالصلاة، والعبرة بسنّ مضى في الإسلام، فيقدم شاب نشأ في الإسلام على شيخ أسلم اليوم أو أمس.
(والجديد: تقديم الأسن على النسيب) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ.. فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ" متفق عليه 2، والقديم: عكسه؛ للحديث المرسل: "قَدِّمُوا قُرَيْشًا" 3.
وقيس على قريش: كل نسب فيه شرف، وكل ما يعتبر في كفاءة النكاح يعتبر ههنا، وأهمل الهجرة تبعًا لطائفة، لانقطاعها اليوم، وهي معتبرة، ويقدم بها على السن والنسب على الأصحِّ في "التحقيق"، والمختار في "شرح المهذب" 4.
(فإن استويا) في الصفات المعتبرة في التقديم (..فنظافة الثوب والبدن) عن الأوساخ.
(وحُسْنُ الصوت، وطيبُ الصَّنعةِ ونحوُها) من الفضائل؛ لأنها تفضي إلى استمالة القلوب وكثرة الجمع، فيقدم بالنظافة، ثم بحسن الصوت، ثم بحسن الصورة؛ كما حكاه الرافعي عن "التتمة" وأقره 5، وجزم به، في "الشرح الصغير"، واختار في "شرح المهذب" تقديم أحسنهم ذكرًا، ثم صوتًا، ثم هيئة 6، فإذا استويا في جميع الصفات المعتبرة.. أقرع، والمراد بطيب الصنعة: الكسب الفاضل.
وَمُسْتَحِقُّ الْمَنْفَعَةِ بِمِلْكٍ وَنَحْوِهِ أَوْلَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا.. فَلَهُ التقدِيمُ، وَيُقَدَّمُ عَلَى عَبْدِهِ السَّاكِنِ، لَا مُكَاتبَهِ فِي مِلْكِهِ. وَالأَصَحُّ: تقدِيمُ الْمُكْتَرِي عَلَى الْمُكْرِي، وَالْمُعِيرِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ. وَالْوَالِي فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ أَوْلَى مِنَ الأَفْقَهِ وَالْمَالِكِ.
(ومستحق المنفعة بملك) للعين (ونحوِه) كإجارة ووقف ووصية (أولى) إذا كان أهلًا للإمامة وإن كان غيرهُ أكملَ منه؛ لحديث: "وَلَا يُؤَمَّنَّ الرَّجُلُ فِى سُلْطَانِهِ" رواه مسلم 1.
(فإن لم يكن أهلًا) لإمامة الحاضرين؛ كامرأة أو خنثى، أو للصلاة مطلقًا؛ كالكافر (.. فله التقديم) استحبابًا؛ كما نقله في "شرح مسلم"؛ لأنه تصرف في ملكه 2.
(ويُقدَّم على عبده الساكنِ) لأن العبد والدار له (لا مكاتبِه في ملكه) أي: ملك المكاتب؛ لأنه مالك ساكن في ملكه.
(والأصح: تقديم المكتري على المكري) لأنه المستحق للمنفعة، والثاني: يقدم المكري؛ لأنه المالك للرقبة، وملك الرقبة أقوى من ملك المنفعة.
(والمعيرِ على المستعير) لملكه الرقبة واستحقاقه الرجوع في المنفعة، والثاني: المستعير؛ لأن السكن له في الحال.
(والوالي في محل ولايته أولى من الأفقه والمالك) لحديث: "وَلَا يُؤمَّنَّ الرَّجُلُ فِي سُلْطَانِهِ".
ويراعى في الولاة تفاوت الدرجة، فالإمام الأعظم أولى، ثم الأعلى فالأعلى، وباني المسجد ليس أحقَّ بالإمامة والتأذين فيه، بل هو وغيره سواء، خلافًا لأبي حنيفة.
فصلٌ [في بعض شروط القدوة ومكروهاتها وكثير من آدابها]
لَا يَتَقَدَّمُ عَلَى إِمَامِهِ فِي الْمَوْقِفِ، فَإِنْ تقدَّمَ.. بَطَلَتْ فِي الْجَدِيدِ. وَلَا تَضُرُّ مُسَاوَاتُهُ، وَيُنْدَبُ تَخَلُّفُهُ قَلِيلًا، وَالاعْتِبَارُ بَالْعَقِبِ. وَيَسْتَدِيرُونَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ أَقْرَبَ إِلَى الْكَعْبَةِ فِي غَيْرِ جِهَةِ الإِمَامِ فِي الأَصَحِّ،
(فصل: لا يتقدم على إمامِه في الموقف، فإن تقدم.. بطلتْ في الجديد) لأن المخالفة في الأفعال مبطلةٌ على ما سيأتي، وهذه المخالفة أفحشُ، والقديم: لا تبطل مع الكراهة؛ لأنها مخالفة في الموقف فلم تؤثر؛ كالوقوف على اليسار.
(ولا تَضرُّ مساواتُه) لعدم المخالفة، نعم؛ تكره؛ كما قاله في "شرح المهذب" 1.
(ويندب تخلفه قليلًا) خوفًا من التقدم، واستعمالًا للأدب (والاعتبار بالعقب) في التقدم والمساواة؛ لأن المأموم قد يكون أطول فيقدم رأسه عند السجود، وكذلك القدم والأصابع قد تكون أطولَ أيضًا؛ فلذلك وقع الاعتبار بالعقب.
هذا إذا صلّى قائمًا؛ فإن صلّى قاعدًا.. فالاعتبار بمحلّ القعود -وهو الألية- أو نائمًا.. فالاعتبار بالجنب، ذكره البغوي في "فتاويه".
(ويستديرون في المسجد الحرام حول الكعبة) كذا فعله ابن الزبير، وأجمع عليه مَنْ في عصره ومَنْ بعده، قالا: (والمستحب: أن الإمام يقف خلف المقام ويقف الناس مستديرين بالكعبة) 2.
(ولا يضر كونُه أقربَ إلى الكعبة في غير جهة الإمام في الأصح) لأن رعاية القرب والبعد في غير جهة الإمام ممّا يشقّ، ولا تظهر به مخالفة منكرة، بخلاف جهته، وهذا هو المنصوص عليه في "الأم"، وقطع به الجمهور 3، والثاني: يضر؛ كما لو كان في جهته.
وَكَذَا لَوْ وَقَفَا فِي الْكَعْبَةِ وَاخْتَلَفَتْ جِهَتَاهُمَا. وَيَقِفُ الذَّكَرُ عَنْ يَمِينهِ، فَإِنْ حَضرَ آخَرُ.. أَحْرَمَ عَنْ يَسَارِهِ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ الإِمَامُ، أَوْ يَتَأَخَّرَانِ وَهُوَ أَفْضَلُ. وَلَوْ حَضرَ رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَصَبِيٌّ.. صَفَّا خَلْفَهُ، وَكَذَا امْرَأَةٌ أَوْ نِسْوَةٌ. وَيَقِفُ خَلْفَهُ الرِّجَالُ ثُمَّ الصِّبْيَانُ ثُمَّ النِّسَاءُ
(وكذا لو وقفا في الكعبة، واختلفت جهتاهما) بأن كان وجهه إلى وجهه، أو ظهرُه إلى ظهره؛ قياسًا لداخل الكعبة على خارجها؛ فإنهم إذا استداروا.. يواجه المأموم إمامه.
(ويَقِفُ الذكرُ عن يمينه) بالغًا كان أو صبيًا؛ لما في "الصحيحين": (أن ابن عباس وقف عن يساره صلى الله عليه وسلم فأداره إلى يمينه) 1؛ ولهذا قال في "شرح المهذب": ويسن للإمام تحويله 2.
(فإن حضر آخرُ.. أحرم عن يساره، ثم يتقدم الإمامُ، أو يتأخران وهو أفضل) للاتباع 3، ولأنه متبوع فلا ينتقل من مكانه، هذا إذا أمكن كلّ منهما؛ فإن لم يمكن إلا أحدهما؛ لضيق إحدى الجهتين.. تعين، وهذا كلّه في القيام؛ فإن لحق الثاني في التشهد أو السجود.. فلا تقدم ولا تأخر حتى يقوموا، ونبه بقوله: (ثم يتقدم... ) إلى آخره على أن التقدم والتأخر إنما يكون بعد إحرام الثاني.
(ولو حضر رجلان أو رجل وصبي.. صفَّا خلفَه) للاتباع 4، نعم؛ لو كانوا عراةً بُصَراء في ضوء.. وقف الإمام وسطَهم فصلّوا صفًّا.
(وكذا امرأةٌ أو نسوةٌ) فإن الواحدة تقف خلف الإمام، وكذا النسوة؛ لما في "الصحيحين" عن أنس: (أنه عليه الصلاة والسلام صلّى في بيت أم سليم، فقمت أنا ويتيم خلفه، وأم سليم خلفنا) 5.
(ويقف خلفه الرجالُ، ثم الصبيان، ثم النساء) لحديث: "لِيَلِيَنِّي مِنْكُمْ أُولُو
وَتَقِفُ إِمَامَتُهُنَّ وَسْطَهُنَّ. وَيُكْرَهُ وُقُوفُ الْمَأْمُومِ فَرْدًا، بَلْ يَدْخُلُ الصَّفَّ إِنْ وَجَدَ سَعَةً، وَإِلَّا.. فَلْيَجُرَّ شَخْصًا بَعْدَ الإِحْرَامِ، وَلْيُسَاعِدْهُ الْمَجْرُورُ. وَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بانْتِقَالَاتِ الإِمَامِ، بِأَنْ يَرَاهُ أَوْ بَعْضَ صَفٍّ، أَوْ يَسْمَعَهُ أَوْ مُبَلِّغًا. وَإِذَا جَمَعَهُمَا مَسْجِدٌ.. صَحَّ الاقْتِدَاءُ وَإِنْ بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ وَحَالَتْ أَبْنِيَةٌ
الأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثَلَاثًا" رواه مسلم 1.
وأولو الأحلام والنهى: البالغون العقلاء، قال الدارمي في "الاستذكار": (هذا إذا كان الرجال أفضل أو تساووا، فإن كان الصبيان أفضل.. قدموا عليهم).
وسكت المصنف عن الخناثى، وموقفهم بين صفي الصبيان والنساء.
(وتَقِفُ إمامتُهن وَسْطَهن) لثبوت ذلك عن فعل عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما؛ كما رواه الشافعي، والبيهقي بإسنادين حسنين 2.
(ويكره وقوف المأمومِ فردًا) للنهي عنه 3، (بل يدخل الصفَّ إن وجد سعةً) ولو كانت السعة في صف متقدم.. خرق الكاملَ؛ لتقصيرهم، (وإلّا) أي: وإن لم يجد سعة (.. فليَجُرَّ شخصًا بعد الإحرام، وليساعده المجرور) لأن في ذلك إعانةً على الخير؛ لتحصل له فضيلةُ الصف، وليخرج من الخلاف.
وقوله: (بعد الإحرام) يفهم: أنه لا يجوز الجذب قبله، وبه صرح ابن الرفعة 4؛ لئلا يخرجه من الصفّ إلا إلى صفّ 5، ونصّ في "البويطي": على أنه يقف منفردًا ولا يجذب أحدًا.
(ويشترط علمه) أي: المأموم (بانتقالات الإمام؛ بأن يراه أو بعض صف، أو يسمعه أو مُبلِّغًا) لأنه لو لم يعلم بها.. لكانت صلاتُه متوقفةً على صلاة مَنْ لا يتمكل من متابعته.
(وإذا جمعهما مسجد.. صح الاقتداءُ وإن بعدت المسافةُ، وحالت أبنيةٌ)
وَلَوْ كَانَا بِفَضَاءٍ.. شُرِطَ أَلَّا يَزِيدَ مَا بَيْنَهُمَا عَلَى ثَلَاثِ مِئَةِ ذِرَاعٍ تقرِيبًا، وَقِيلَ: تَحْدِيدًا. فَإِنْ تَلَاحَقَ شَخْصَانِ أَوْ صَفانِ.. اعْتُبِرَتِ الْمَسَافَةُ بَيْنَ الأَخِيرِ وَالأَوَّل. وَسَوَاءٌ الْفَضَاءُ الْمَمْلُوكُ وَالْوَقْفُ وَالْمُبَعَّضُ. وَلَا يَضُرُّ الشَّارِعُ الْمَطْرُوقُ وَالنَّهَرُ الْمُحْوِجُ إِلَى سِبَاحَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ. فَإِنْ كَانَا فِي بِنَاءَيْنِ كَصَحْنٍ وَصُفَّةٍ أَوْ بَيْتٍ.. فَطَرِيقَانِ: أَصَحُّهُمَا: إِنْ كَانَ بِنَاءُ
بالإجماع، ورحبة المسجد منه على المذهب، والمساجد المتلاصقة المتنافذة كمسجد؛ كما صوبه في "الروضة" 1.
(ولو كانا بفضاء.. شُرط ألّا يزيد ما بينهما على ثلاث مئةِ ذراعٍ) لقرب ذلك وبعد ما وراءه في العادة (تقريبًا) لعدم ورود ضابطٍ من الشارع.
(وقيل: تحديدًا) قال الماوردي: (وهو غلط)، وقال الإمام: (كيف يطمع الفقيه بالتحديد، ونحن في إثبات التقريب على عُلالة؟ ! ) 2.
(فإن تلاحق شخصان أو صفّان.. اعتُبرت المسافةُ) المذكورة (بين الأخير والأول) لا بين الأخير والإمام؛ لأن الأول والحالةُ هذه إمامُ الأخير.
(وسواء) فيما ذكرناه (الفضاء المملوكُ والوقف والْمُبَعَّض) الذي بعضه ملك وبعضه وقف، وسواء المسقف والمحوط وغيره.
(ولا يضر الشارع المطروقُ والنهرُ المحوج إلى سباحة على الصحيح) لأن ذلك ليس بحائل؛ كما لو كانا في سفينتين مكشوفتين في البحر، والثاني: يضرّ، أما في الشارع.. فلأنه قد ينتهي الأمر فيه إلى حالة يعسر فيها الاطلاع على أحوال الإمام بسبب كثرة الزِّحام، وأما في النهر.. فقياسًا على حيلولة الحائط، والمراد بكونه مطروقًا: كثرة طروقه، وإلا.. فكل شارع مطروق، فما لا يكثر طروقه.. لا يضر قطعًا؛ كما دلّ عليه كلام الإمام 3.
(فإن كانا في بناءين كصحن وصفة أو بيت.. فطريقان: أصحهما: إن كان بناء
الْمَأْمُومِ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا.. وَجَبَ اتِّصَالُ صَفٍّ مِنْ أَحَدِ الْبنَاءَيْنِ بِالآخَرِ، وَلَا تَضُرُّ فُرْجَةٌ لَا تَسَعُ وَاقِفًا فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ كَانَ خَلْفَ بِنَاءِ الإِمَامِ.. فَالصَّحِيحُ: صِحَّةُ الْقُدْوَةِ بِشَرْطِ أَلَّا يَكُونَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ. وَالطَّرِيقُ الثَّانِي: لَا يُشْتَرَطُ إِلَّا الْقُرْبُ كَالْفَضَاءِ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَائِلٌ أَوْ حَالَ بَابٌ نَافِذٌ. فَإِنْ حَالَ مَا يَمْنَعُ الْمُرُورَ لَا الرُّؤْيَةَ.. فَوَجْهَانِ،
المأموم يمينًا أو شمالًا.. وجب اتصال صفٍّ من أحد البناءين بالآخر) لأن اختلاف الأبنية توجب الافتراقَ، فاشترط الاتصال؛ ليحصل الربط بالاجتماع.
(ولا تضر فُرجةٌ لا تسع واقفًا في الأصح) وكذا عَتبَةٌ يتعذر الوقوف عليها؛ لأنه يعدّ في العرف صفًا واحدًا، والثاني: يضر؛ لعدم الاتصال الحقيقي.
(وإن كان خلف بناء الإمام.. فالصحيح: صحة القدوة بشرط ألّا يكون بين الصفين أكثرُ من ثلاثة أذرعٍ) تقريبا، لأن بهذا يحصل الاتصال عرفًا، والثاني: لا تصح؛ لأن اختلاف البناء يوجب الافتراقَ، ولم ينجبر ذلك بالاتصال المحسوس بتواصل المناكب.
(والطريق الثاني: لا يشترط إلّا القربُ؛ كالفضاء) للقياس الذي أشار إليه (إن لم يكن حائلٌ) أصلًا، (أو حال باب نافذ) بشرط أن يقف مقابله صفّ أو رجل، وإلّا.. لم يصح.
وقوله: (حال باب نافذ) متعقب؛ لأن النافذ ليس بحائل، وصوابه كما في "المحرّر": (أو كان باب نافذ) 1.
(فإن حال ما يمنع المرورَ لا الرؤيةَ) كالشباك (.. فوجهان) أصحهما في "شرح المهذب" و"أصل الروضة" و"التصحيح": البطلان؛ لوجود الحائل 2، وهذا أول موضعين في الكتاب بلا تصحيح، والآخر في قوله في (النفقات): (والوارثان يستويان أم يوزع بحسبه؟ وجهان) 3، ولا ثالث لهما إلا ما كان مفرعًا على ضعيف، كالأقوال المفرعة على استعمال البينتين المتعارضتين: هل يقرع أم
أَوْ جِدَار.. بَطَلَتْ بِاتِّفاقِ الطَّرِيقَيْنِ. قُلْتُ: الطرِيقُ الثَّانِي أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِذَا صَحَّ اقْتِدَاؤُهُ فِي بِنَاءٍ آخَرَ.. صَحَّ اقْتِدَاءُ مَنْ خَلْفَهُ وَإِنْ حَالَ جِدَارٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِمَامِ. وَلَوْ وَقَفَ فِي عُلْوٍ وَإِمَامُهُ فِي سُفْلٍ أَوْ عَكْسِهِ.. شُرِطَ مُحَاذَاةُ بَعْضِ بَدَنِهِ بَعْضَ بَدَنِهِ. وَلَوْ وَقَفَ فِي مَوَاتٍ وَإِمَامُهُ فِي مَسْجِدٍ، فَإِنْ لَمْ يَحُلْ شَيْءٌ.. فَالشَّرْطُ التفارُبُ مُعْتبَرًا مِنْ آخِرِ الْمَسْجدِ، وَقِيلَ: آخِرِ صَفٍّ، وَإِنْ حَالَ جِدَارٌ أَوْ بَابٌ مُغْلَقٌ.. مَنَعَ، وَكَذَا الْبَابُ الْمَرْدُودُ وَالشُّبَّاكُ فِي الأَصحِّ
يوقف أم يقسم؟ أقوال لا ترجيح فيها.
(أو جدارٌ.. بطلت باتفاق الطريقين) لمنعه الاستطراق والمشاهدة، (قلت: الطريق الثاني أصح، والله أعلم) تبع في ذلك معظم العراقيين، والأولى طريقة المراوزة، قال الرافعي: (وهي أولى) 1.
(وإذا صح اقتداؤه في بناءٍ آخر) غير بناء الإمام إما بشرط الاتصال على الطريقة الأولى، أو دونه على الثانية (.. صح اقتداء من خلفه وإن حال جدارٌ بينه وبين الإمام) بأن يقف رجل بحذاء الباب النافذ واتصل به صف، وخرجوا عن محاذاة الإمام، لأن من حصل به الاتصال بالنسبة إليهم كالإمام، فيشترط حينئذ أن يتقدم إحرامه عليهم.
(ولو وقف في عُلْوٍ، وإمامه في سُفل، أو عكسه.. شُرط مُحاذاةُ بعضِ بدنه بعضَ بدنه) بأن يحاذي رأس الأسفل قدم الأعلى مع تقدير اعتدال قامة الأسفل، حتى لو كان قصيرًا، لكنه لو كان معتدلًا لحصلت المحاذاة.. صح الاقتداء.
(ولو وقف في موات وإمامُه في مسجد، فإن لم يَحُلْ شيءٌ.. فالشرط: التقارب) كالفضاء، (مُعتبَرًا من آخر المسجد) لأن المسجد كلّه شيء واحد، (وقيل) من (آخر صفٍّ) فيه، لأنه المتبوع، فإن لم يكن فيه إلا الإمام.. فمن موقفه.
(وإن حال جدارٌ أو بابٌ مغلقٌ.. مَنعَ) لعدم الاتصال، (وكذا الباب المردودُ، والشباكُ في الأصح) لحصول الحائل من وجه، إذ الباب المردود مانعٌ من المشاهدة، والمُشبَّك مانع من الاستطراق، والثاني: لا يمنع، لحصول الاتصال من وجه، وهو الاستطراق في الصورة الأولى، والمشاهدة في الثانية.
قُلْتُ: يُكْرَهُ ارْتفَاعُ الْمَأْمُومِ عَلَى إِمَامِهِ، وَعَكْسُهُ إِلَّا لِحَاجَةٍ.. فَيُسْتَحَبُّ، وَلَا يَقُومُ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ مِنَ الإِقَامَةِ، وَلَا يَبْتَدِئُ نَفْلًا بَعْدَ شُرُوعِهِ فِيهَا، فَإِنْ كَانَ فِيهِ.. أَتَمَّهُ إِنْ لَمْ يَخْشَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فصلٌ [في بعض شروط القدوة أيضًا]
شَرْطُ الْقُدْوَةِ: أَنْ يَنْوِيَ الْمَأْمُومُ مَعَ التكْبِيرِ الاقْتِدَاءَ
(قلت: يُكره ارتفاعُ المأموم على إمامه، وعكسه) أما الثاني.. فللنهي عنه؛ كما أخرجه أبو داوود والحاكم 1، وأما الأول.. فقياسًا على الثاني من باب أولى.
(إلّا لحاجة.. فيستحب) المراد: حاجة الصلاة؛ كتعليم الإمام المأمومين؛ للاتباع؛ كما ثبت في "الصحيحين" 2، أو تبليغ المؤذن ونحوه عند الحاجة إليه.
(ولا يقوم حتى يفرغ المؤذنُ من الإقامة) ولو كان شيخًا؛ لأنه ما لم يفرغ منها.. لم يحضر وقت الدخول، وهو قبل التمام مشغولٌ بالإجابة.
(ولا يبتدئ نفلًا بعد شروعه فيها) لما في "صحيح مسلم": "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ.. فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ" 3، وفي معنى الشروع قربُ إقامتها.
(فإن كان فيه.. أَتَمَّه إن لم يخش فَوْتَ الجماعة، والله أعلم) لما في ذلك من إحراز الفضيلتين وعدم إبطال العبادة، فإن خشي فواتها.. اقتصر على ما أمكن من النافلة؛ ليدرك فضيلة الجماعة؛ فإنها صفة فرض، أو فرض على رأي، فكانت أولى من النفل، وظاهر كلامه: أنه متى أمكنه إدراكُ تكبيرة قبل سلام الإمام.. أتمّ النافلة، وبه صرح في "شرح المهذب" تبعًا للشيخ أبي حامد وآخرين 4.
(فصل: شرط القدوة: أن ينويَ المأمومُ مع التكبير الاقتداءَ) بالإمام الحاضر
أَوِ الْجَمَاعَةَ -وَالْجُمُعَةُ كَغَيْرِهَا عَلَى الصَّحِيحِ- فَلَوْ تَرَكَ هَذِهِ النِّيَّةَ وَتَابَعَ فِي الأَفْعَالِ.. بَطَلَتْ صَلَاتُهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَا يَجِبُ تعْيِينُ الإِمَامِ، فَإِنْ عَيَّنَهُ وَأَخْطَأَ.. بَطَلَتْ صَلَاتُهُ
(أو الجماعةَ) أو الائتمام به؛ لأن التبعية عمل فافتقرت إلى النية؛ للحديث الصحيح 1.
واعتبر اقترانها بالتكبير؛ كسائر ما يجب له التعرضُ من صفات الصلاة، وهذا في غير من أحرم منفردًا ثم نوى متابعةَ الإمام في خلال صلاته.. فإنه جائز كما سيأتي.
(والجمعةُ كغيرها على الصحيح) في وجوب النية المذكورة؛ لأنه فيها مقتد بالإمام، لكنه إن لم ينو.. لم تنعقد، بخلاف غيرها؛ فإنها تنعقد فرادى، والثاني: لا؛ لأنها لا تصح إلا جماعة، فكان التصريح بنية الجمعة مغنيًا عن التصريح بنية الجماعة.
(فلو ترك هذه النيةَ وتابع في الأفعال.. بطلت صلاتُه على الصحيح) لأنه ربط صلاته بمن ليس بإمام، فأشبه الارتباط بغير المصلي، والثاني: لا؛ لأنه أتى بواجبات الصلاة وليس فيه إلا أنه قارب فعله من فعل غيره.
نعم؛ هو منفرد.
وخرج بقوله: (تابع) ما لو وقعت المتابعة اتفاقًا لا قصدًا.. فإنه لا يضر جزمًا.
ومحل الخلاف: إذا انتظر أفعاله وطال انتظاره، فإن انتظره يسيرًا.. لم تبطل قطعًا.
(ولا يجب تعيينُ الإمام) باسمه؛ كزيد وعمرو، بل يكفي نية الاقتداء بالإمام الحاضر؛ لأن مقصود الجماعة لا يختلف.
(فإن عيّنه وأخطأ) بأن نوى الاقتداء بزيد فبان عمرًا (.. بطلت صلاته) لاقتدائه بمن ليس في صلاة، نعم؛ إن كان معه إشارة؛ كزيد هذا، أو الحاضر، أو المصلي فبان عمرًا.. فالأرجح في "زيادة الروضة": الصحة 2.
وَلَا يُشْتَرَطُ لِلإِمَامِ نِيَّةُ الإِمَامَةِ، وَتُسْتَحَبّ، فَلَوْ أَخْطَأَ فِي تَعْيِينِ تَابِعِهِ.. لَمْ يَضُرَّ. وَتَصِحُّ قُدْوَةُ الْمُؤَدِّي بِالْقَاضِي، وَالْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ، وَفِي الظُّهْرِ بِالْعَصْرِ، وَبِالْعُكُوسِ، وَكَذَا الظُّهْرُ بِالصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ، وَهُوَ كَالْمَسْبُوقِ، وَلَا تَضُرُّ مُتَابَعَةُ الإِمَامِ فِي الْقُنُوتِ وَالْجُلُوسِ الأَخِيرِ فِي الْمَغْرِبِ، وَلَهُ فِرَاقُهُ إِذَا اشْتَغَلَ بِهِمَا
(ولا يشترط للإمام نيةُ الإمامة) لاستقلاله، بخلاف المأموم.. فإنه تابع، ومحله: في غير الجمعة، أما الجمعة: فيلزمه فيها أن ينوي الإمامة على الأصحِّ.
(وتُستحب) له خروجًا من خلاف من أوجبها، ولينال فضيلة الجماعة، وقيل: تحصل له فضيلة الجماعة وإن لم ينو؛ لتأدي الشعار به، والأصحُّ: المنع؛ لعدم النية، وقال العجلي: إذا نواها في أثناء الصلاة.. نال ثواب الإمامة من حين النية.
ثم في وقت نية الإمامة وجهان: أحدهما: مع تكبيرة الإحرام، فتكون مع نية الصلاة، قاله الشيخ أبو محمد في "التبصرة"، والثاني: بعد أن يقتدى به؛ لأنه لا يصير إمامًا إلا بذلك، قاله في "البيان" 1، قال الأَذْرَعي: والأول: هو الوجه، وعليه العمل، وأما الثاني.. فغريب.
(فلو أخطأ في تعيين تابعه) بأن نوى الإمامة بزيد فبان عمرًا (.. لم يضر) لأن غلطه في النية لا يزيد على تركها، ولو تركها.. لم يقدح.
(وتصح قدوةُ المؤدي بالقاضي، والمفترضِ بالمتنفل، وفي الظهر بالعصر، وبالعكوس) أي: بعكس كل واحد مما سبق؛ نظرًا لاتفاق الفعل في الصلاتين، ولا يضر مخالفة النية، ونقل الماوردي إجماع الصحابة على صحة الفرض خلف النفل 2.
(وكذا الظهرُ بالصبح والمغربِ، وهو كالمسبوق) فإذا سلم.. قام وأتم صلاته.
(ولا تضر متابعةُ الإمام في القنوت والجلوسِ الأخير في المغرب) كالمسبوق، (وله فراقه إذا اشتغل بهما) قال في "شرح المهذب": والانتظار أفضل 3.
وَتَجُوزُ الصُّبْحُ خَلْفَ الظُّهْرِ فِي الأَظْهَرِ، فَإِذَا قَامَ لِلثَّالِثَةِ: إِنْ شَاءَ.. فَارَقَهُ وَسَلَّمَ، وَإِنْ شَاءَ.. انْتَظَرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ. قُلْتُ: انْتِظَارُهُ أَفْضَلُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ أَمْكَنَهُ الْقُنُوتُ فِي الثَّانِيَةِ.. قَنَتَ، وَإِلَّا.. تَرَكَهُ، وَلَهُ فِرَاقُهُ لِيَقْنُتَ
(وتجوز الصبحُ خلف الظهر في الأظهر) كعكسه، والثاني: لا؛ لأنه يحتاج إلى الخروج من صلاة الإمام 1.
(فإذا قام للثالثة: إن شاء.. فارقه وسلم) لأن صلاته قد تمت، وهي مفارقة بعذر.
(وإن شاء.. انتظره ليسلم معه) لغرض أداء السلام مع الجماعة، (قلت: انتظاره أفضل، والله أعلم) لما ذكرناه.
(وإن أمكنه القنوت في الثانية) بأن وقف الإمام يسيرًا (.. قَنَتَ) تحصيلًا لسنة ليس فيها مخالفةُ الإمام، (وإلّا.. تركه) خوفًا من التخلف، وقضيته: أنه لا يسجد لترك القنوت، قال الإسنوي: والقياس خلافه.
(وله فراقُه لِيَقْنُتَ) تحصيلًا للسنة، وهو كقطع القدوة بعذر، فتركه أفضل، فإن لم ينو المفارقة، وهوى إمامه إلى السجود وقنت هو.. بطلت صلاته؛ للمخالفة؛ كما لو ترك التشهد فقعد هو لأجله، قاله القفال في "فتاويه"، ونقله الأَذْرَعي عن كثيرين، لكن في "الشرح" و"الروضة" بعد هذا بقليل: أنه لا بأس بتخلفه للقنوت إذا لحقه في السجدة الأولى.
انتهى 2.
وما ذكره القفال من القياس على التشهد الأول.. فيه نظر؛ لوضوح الفرق، وهو: أنهما اشتركا في الرفع من الركوع، فلم ينفرد المأموم به، بخلاف الجلوس للتشهد.
نعم؛ يشكل على الفرق ما إذا جلس الإمام للاستراحة في ظنه، ثم قام.. فإن قضية الفرق الجواز، وقد لا يجوزونه.
فَإِنِ اخْتَلَفَ فِعْلُهُمَا؛ كَمَكْتُوبَةٍ وَكُسُوفٍ أَوْ جَنَازَةٍ.. لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ.
فصلٌ [في متابعة الإمام]
تَجِبُ مُتَابَعَةُ الإِمَامِ فِي أَفْعَالِ الصَّلَاةِ؛ بِأَنْ يَتَأَخَّرَ ابْتِدَاءُ فِعْلِهِ عَنِ ابْتِدَائِهِ، وَيَتَقَدَّمَ عَلَى فَرَاغِهِ مِنْهُ، فَإِنْ قَارَنَهُ.. لَمْ يَضُرَّ إِلَّا تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ
(فإن اختلف فعلُهما؛ كمكتوبة وكسوفٍ أو جنازةٍ.. لم يصح) الاقتداء (على الصحيح) لتعذر المتابعة مع المخالفة في الأفعال، والثاني: يصح؛ لإمكانها في البعض، ويراعي ترتيبَ نفسه ولا يتابعه.
(فصل: تَجب متابعةُ الإمام في أفعال الصلاةِ؛ بأن يتأخر ابتداءُ فعله عن ابتدائه، ويتقدم على فراغه منه) ففي "الصحيح": "إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ.. فَكَبِّرُوا، وَإِذَا رَكَعَ.. فَأرْكَعُوا" 1.
واحترز بالأفعال: عن الأقوال؛ كالتشهد والقراءة؛ فإنه يجوز فيهما التقدم والتأخر، وما ذكره من تفسير المتابعة.. يناقضه قوله بعد: (فإن قارنه.. لم يضر)، وجمع بين كلاميه: بأن المراد: تفسيرُ المتابعة الكاملة لا الواجبة، وفيه نظر.
(فإن قارنه.. لم يضر) لأن القدوة منتظمة لا مخالفة فيها.
نعم؛ هي مكروهة ومُفوِّتة لفضيلة الجماعة أيضًا.
(إلّا تكبيرةَ الإحرام) فإنه تضرّ مقارنةُ المأموم الإمامَ فيها، للحديث السالف، بل لا بدّ من تأخر جميعها عن تكبيرة الإمام جميعها، فإن قارنه فيها أو في شيء منها، أو شك في المقارنة، أو ظن أنه تأخر، ثم بان خلافه.. لم تنعقد صلاته، واستثناء التكبير من الأفعال استثناء منقطع؛ فإنه ركن قولي.
وقوله: (قارنه) هو الصواب، بخلاف قول "المحرّر": (ساوقه) 2؛ لأن المساوقة مجيءُ واحدٍ بعد واحد لا معًا.
وَإِنْ تَخَلَّفَ بِرُكْنٍ؛ بِأَنْ فَرَغَ الإِمَامُ مِنْهُ وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهُ.. لَمْ تبطُلْ فِي الأَصَحِّ، أَوْ بِرُكْنَيْنِ؛ بِأَنْ فَرَغَ مِنْهُمَا وَهُوَ فِيمَا قَبْلَهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْر.. بَطَلَتْ. وإِنْ كَانَ بِأَنْ أَسْرَعَ قِرَاءَتَهُ وَرَكَعَ قَبْلَ إِتْمَامِ الْمَأْمُومِ (الْفَاتِحَةَ).. فَقِيلَ: يَتْبَعُهُ وَتسقُطُ الْبَقِيَّةُ، وَالصَّحِيحُ: يُتِمُّهَا وَيَسْعَى خَلْفَهُ مَا لَمْ يُسْبَقْ بِأَكْئَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ مَقْصودَةٍ -وَهِيَ الطَّوِيلَةُ-
(وإن تخلّف بركن) بلا عذر، (بأن فرغ الإمام منه وهو فيما قبله.. لم تَبطُل في الأصح) لأنه تخلف يسير، والثاني: تبطل؛ لما فيه من المخالفة، وأفهم قوله: (بأن فرغ... ) إلى آخره: أنه لو ركع الإمام وأدركه المأموم فيه.. أنه لا يكون مُتخلِّفًا بركن، فلا تبطل الصلاة قطعًا، وهو كذلك، فلو اعتدل الإمامُ والمأمومُ بعدُ في القيام.. لم تبطل على الأصحِّ في "زوائد الروضة" 1.
(أو بركنين؛ بأن فرغ منهما وهو فيما قبلهما) بأن سجد الإمام والمأمومُ بعدُ في القيام، وكذا لو هوى الإمام للسجود على المذهب في "التحقيق" 2.
(فإن لم يكن عذرٌ) كأن تخلف لقراءة السورة (.. بطلت) طويلًا كان الركن أو قصيرًا؛ لكثرة المخالفة.
(وإن كان) عذر (بأن أسرع) الإمام (قراءتَه وركع قبل إتمام المأموم الفاتحة.. فقيل: يَتبعه وتسقط البقيةُ) فعلى هذا: لو اشتغل بإتمامها.. كان متخلفًا بغير عذر.
(والصحيح: يُتمُّها ويسعى خلفه) على ترتيب نفسه (ما لم يُسبَق بأكثر من ثلاثة أركانٍ مقصودةٍ، وهي الطويلة) لأن ترك الفاتحة إنما اغتفرناه للمأموم في الركعة الأولى؛ لتفاوت الناس في الحضور غالبًا والإحرام، بخلاف الإسراع في القراءة؛ فإن الناس غالبًا لا يختلفون فيه.
واحترز بـ (الطويلة) عن الاعتدال والجلوس بين السجدتين؛ فإنهما قصيران، وكونُ الركن القصير غيرَ مقصود تبع فيه "المحرّر"، وهو قول البغوي، وجزم به الرافعي في "الشرحين"، والمصنف في "الروضة" و"التحقيق" و"شرح المهذب"
فإِنْ سُبِقَ بِأَكْثَرَ.. فَقِيلَ: يُفَارِقُهُ، وَالأَصَحُّ: يَتْبَعُهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ، ثُمَّ يَتَدَارَكُ بَعْدَ سَلَامِ الإِمَامِ. وَلَوْ لَمْ يُتِمَّ (الْفَاتِحَةَ) لِشُغْلِهِ بِدُعَاءِ الافْتِتَاحِ.. فَمَعْذُورٌ. هَذَا كُلُّهُ فِي الْمُوَافِقِ، فَأمَّا مَسْبُوقٌ رَكَعَ الإِمَامُ فِي فَاتِحَتِهِ.. فالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَشْتَغِلْ بِالافْتِتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ.. تَرَكَ قِرَاءَتَهُ وَرَكَعَ، وَهُوَ مُدْرِكٌ لِلرَّكْعَةِ، وَإِلَّا.. لَزِمَهُ قِرَاءَةٌ بِقَدْرِهِ.
في الكلام على الاعتدال، وقال السبكي: إنه الحق 1.
لكن في "أصل الروضة" و"شرح المهذب" عن الأكثرين: أن الأركان كلها مقصودة وهو الأصحُّ في "الشرح الصغير" و"التحقيق " هنا 2.
(فإن سُبِقَ بأكثر) من ثلاثة أركان مقصودة (.. فقيل: يفارقه) لتعذر الموافقة، (والأصح: يَتبعه فيما هو فيه، ثم يتدارك بعد سلام الإمام) كالمسبوق
(ولو لم يُتم الفاتحةَ لشغله بدعاء الافتتاح.. فمعذور) كبطيء القراءة، (هذا كلّه في) المأموم (الموافق) وهو من أحرم مع إمامه.
(فأمّا مسبوقٌ ركع الإمام في فاتحته.. فالأصح: أنه إن لم يشتغل بالافتتاح والتعوذ.. تَرك قراءتَه وركع، وهو مُدرِك للركعة) لأنه لم يدرك إلا ذلك القدرَ، فلا تلزمه زيادة عليه؛ كما إذا لم يدرك شيئًا من القيام.
(وإلّا) أي: وإن اشتغل بهما أو بأحدهما (.. لزمه قراءةٌ بقدره) لتقصيره بالعدول عن الفريضة إلى غيرها، والثاني: يركع معه مطلقًا؛ للمتابعة، ويسقط عنه ما بقي من (الفاتحة) لحديث: "فَإِذَا رَكَعَ.. فَارْكَعُوا" 3، قال الأَذْرَعي: ورجحه جماعة، وهو المختار، ولم يذكر المعظمُ غيرَه وما بعده، والثالث: يتم الفاتحة
وَلَا يَشْتَغِلُ الْمَسْبُوقُ بسُنَّةٍ بَعْدَ التَّحَرُّمِ، بَلْ بِـ (الْفَاتِحَةِ) إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ إِدْرَاكَهَا. وَلَوْ عَلِمَ الْمَأْمُومُ فِي رُكُوعِهِ أَنَّهُ تَرَكَ (الْفَاتِحَةَ) أَوْ شَكَّ.. لَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا، بَلْ يُصَلِّي رَكْعَةً بَعْدَ سَلَامِ الإِمَامِ. فَلَوْ عَلِمَ أَوْ شَكَّ وَقَدْ رَكَعَ الإِمَامُ وَلَمْ يَرْكَعْ هُوَ.. قَرَأَهَا وَهُوَ مُتَخَلِّفٌ بعُذْرٍ، وَقِيلَ: يَرْكَعُ وَيَتَدَارَكُ بَعْدَ سَلَامِ الإِمَامِ. وَلَوْ سَبَقَ إِمَامَهُ بِالتَّحَرُّمِ.. لَمْ تنعَقِدْ، أوْ بِـ (الْفَاتِحَةِ) أَوِ التّشهُّدِ.. لَمْ يَضُرَّهُ وَيُجْزِئُهُ، وَقِيلَ: تَجِبُ إِعَادَتُهُ. وَلَوْ تَقَدَّمَ بِفِعْلٍ - كَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ - إِنْ كَانَ بِرُكْنَيْنِ.. بَطَلَتْ،
مطلقًا؛ لأنه أدرك القيام الذي هو محلها فلزمته.
فإن قلنا: عليه إتمام الفاتحة، فتخلف ليقرأ.. كان تخلُّفًا بعذر، فإن لى يتمها وركع مع الإمام.. بطلت صلاته، وإن قلنا: يركع فاشتغل بإتمامها.. كان متخلفًا بلا عذر، فإن سبقه الإمام بالركوع وقرأ هذا المسبوق الفاتحة، ثم لحقه في الاعتدال.. لم يكن مدركًا للركعة، والأصحُّ: أنه لا تبطل صلاته إذا قلنا: التخلف بركن لا يبطل؛ كما في غير المسبوق، والثاني: تبطل؛ لأنه ترك متابعة الإمام فيما فاتته به ركعة، فكان كالتخلف بركعة.
(ولا يشتغل المسبوق بسنةٍ بعد التحرُّم، بل بالفاتحة) ويخففها؛ حذرًا من فواتها (إلّا أن يَعلم إدراكها) أي: يظن ذلك؛ لعادة الإمام، فيأتي بالمسنون؛ ليحوز فضله.
(ولو علم المأمومُ في ركوعه أنه ترك الفاتحةَ أو شك.. لم يَعُدْ إليها) لفوات محلّ القراءة (بل يصلي ركعةً بعد سلام الإمام) تداركًا؛ كالمسبوق.
(فلو علم) تركها (أو شك) فيه (وقد ركع الإمام ولم يركع هو.. قرأها) لبقاء محلها (وهو متخلف بعذر) فيأتي فيه ما مرّ، (وقيل: يَركع ويَتدارك بعد سلام الإمام) ما فاته؛ لأجل المتابعة.
(ولو سبق إمامَه بالتحرم.. لم تنعقد) لتلاعبه، وهذا يُفهَم من منع المقارنة، (أو بالفاتحة أو التشهد.. لم يضره ويجزئه) لأنه لا تظهر به المخالفة، (وقيل: تجب إعادتُه) لأن فعلَه مترتبٌ على فعل الإمام، فلا يعتد بما يأتي به قبله، وسواء أعاده مع قراءة الإمام أو بعدها، وهو الأولى إن تمكن.
(ولو تقدم بفعل؛ كركوع وسجود إن كان بركنين.. بطلت) إذا كان عامدًا عالمًا
وَإِلَّا.. فَلَا، وَقِيلَ: تَبْطُلُ بِرُكْنٍ.
فَصْلٌ [في زوال القدوة وإيجادها]
خَرَجَ الإِمَامُ مِنْ صَلَاتِهِ.. انْقَطَعَتِ الْقُدْوَةُ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَقَطَعَهَا الْمَأْمُومُ.. جَازَ، وَفِي قَوْلٍ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بِعُذْرٍ يُرَخِّصُ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ،
بالتحريم؛ لفحش المخالفة، فإن كان ساهيا أو جاهلًا.. لم تبطل، لكن لا يعتد له بتلك الركعة، بل يتداركها بعد سلام الإمام.
(وإلّا) أي: وإن كان بدون ركنين (.. فلا) تبطل؛ لقلة المخا لفة، ويحرم فعلُ ذلك وإن لم تبطل الصلاة؛ كما صرح به في "شرح المهذب" وغيره 1.
ثم إن تعمد [السبق بدون ركن] 2.. فيسن أن يعود على الأصحِّ، وإن سها؛ بأن ظنّ إمامَه سجد فسجد فبان خلافه.. تخير بين العود والدوام على الأصحِّ.
(وقيل: تبطل بركن) عند التعمد؛ لمناقضته الاقتداء، بخلاف التخلف.
(فصل: خرج الإمام من صلاته) 3 بحدث أو غيره (انقطعت القدوةُ) لزوال الرابطة.
(فإن لم يخرج وقطعها المأموم.. جاز) مع الكراهة؛ لأن ما لا يتعين فعله.. لا يلزم بالشروع، وفي الصحيح: (أن معاذًا صلى بأصحابه فطول عليهم، فقطع رجلٌ صلاتَه من خلفه، وأقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولم يأمره بالإعادة) 4.
(وفي قول: لا يجوز إلا بعذر يرخص في ترك الجماعة) لأن فيه إبطالًا للجماعة، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾، وفي الحديث: "إِنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ" 5.
وَمِنَ الْعُذْرِ: تَطْوِيلُ الإِمَامِ أَوْ تَرْكُهُ سُنَّةً مَقْصُودَةً كَتَشَهُّدٍ. وَلَوْ أَحْرَمَ مُنفَرِدًا، ثُمَّ نَوَى الْقُدْوَةَ فِي خِلَالِ صَلَاتِهِ.. جَازَ فِي الأَظْهَرِ وَإِنْ كَانَ فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى، ثُمَّ يَتبعُهُ قَائِمًا كَانَ أَوْ قَاعِدًا، فَإِنْ فَرَغَ الإِمَامُ أَوَّلًا.. فَهُوَ كَمَسْبُوقٍ، أَوْ هُوَ؛ فَإِنْ شَاءَ.. فَارَقَهُ وَسَلَّمَ، وَإِنْ شَاءَ.. انْتَظَرَهُ لِيُسَلِّمَ مَعَهُ. وَمَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ.. فَأَوَّلُ صَلَاتِهِ،
وأما في العذر.. فجائز قطعًا؛ لأن الفرقة الأولى فارقت النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة ذات الرقاع بعد ما صلّى بهم ركعةً 1.
(ومن العذر: تطويل الإمام) إذا كان المأموم لا يصبر على التطويل؛ لضعف أو شغل، (أو تركه سنةً مقصودةً كتشهد) وقنوت، ليأتي بتلك السنة، ومن العذر: ما إذا رأى على ثوب إمامه نجاسة؛ كما قاله القفال في "فتاويه"، وهذا يوجب المفارقةَ إذا كانت النجاسةُ لا يُعفى عنها، فلو استمرّ.. بطلت صلاته.
(ولو أحرم منفردًا، ثم نوى القدوة في خلال صلاته.. جاز في الأظهر) مع الكراهة؛ كما يجوز أن يصلي منفردًا ثم يقتدي به جماعةٌ، والثاني: لا يجوز، وتبطل به الصلاة؛ للحديث المار: "فَإِذَا كَبَّرَ.. فَكَبِّرُوا" 2، وهذا كبّر قبله.
(وإن كان في ركعةٍ أخرى) أي: فإنه يجوز أيضًا (ثم يَتْبَعه قائمًا كان أو قاعدًا) أي: إذا اختلفا في الركعة.. قام في موضع قيام الإمام، وقعد في موضع قعوده وجوبًا؛ للمتابعة.
(فإن فرغ الإمام أولًا.. فهو كمسبوق) فيقوم ويُتمّ صلاتَه، (أو هو؛ فإن شاء.. فارقه وسلم، وإن شاء.. انتظره ليسلم معه) وطول الدعاء؛ لأن المفارقة بالعذر والانتظارَ به جائزان، ولم يذكروا الأفضلَ منهما، وقياس ما تقدم: تفضيلُ الانتظار، لكن حكى ابن يونس هنا وجهًا: أنه يسلم ولا ينتظر، وهو يقدح في القياس.
(وما أدركه المسبوق.. فأول صلاته) لحديث: "فَمَا أَدْرَكْتُمْ.. فَصَلُّوا، وَمَا فَاتكُمْ.. فَأَتِمُّوا" 3، وإتمام الشيء لا يكون إلّا بعد أوله، ورواية القضاء المراد
فَيُعِيدُ فِي الْبَاقِي الْقُنُوتَ، وَلَوْ أَدْرَكَ رَكْعَة مِنَ الْمَغْرِبِ.. تشَهَّدَ فِي ثَانِيَتِهِ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا.. أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ. قُلْتُ: بِشَرْطِ أَنْ يَطْمَئِنَّ قَبْلَ ارْتفَاعِ الإِمَامِ عَنْ أَقَلِّ الرُّكُوعِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ شَكَّ فِي إِدْرَاكِ حَدِّ الإِجْزَاءِ.. لَمْ تُحْسَبْ رَكْعَته فِي الأَظْهَرِ. ويُكَبِّرُ لِلإِحْرَامِ ثُمَّ لِلرُّكُوعِ،
بها: الأداء 1؛ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾.
(فيعيد في الباقي القنوتَ) لأن محلَّه اَخرُ الصلاة، وفي تعبيره بالإعادة: إشعارٌ بأنه يستحب أن يقنت معه، وهو المشهور.
(ولو أدرك ركعةً من المغرب.. تشهد في ثانيته) لأنه محلُّ التشهد الأول، وهذا إجماع منا ومن المخالف، وهو حجة لنا على أن ما يدركه أولُّ صلاته.
(وإن أدركه راكعًا.. أدرك الركعةَ) لحديث: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الإمَامُ صُلْبَهُ.. فَقَدْ أَدْرَكَهَا " رواه الدارقطني، وصححه ابن حبان في غير "صحيحه" 2.
(قلت: بشرط أن يطمئن قبل ارتفاع الإمام عن أقل الركوع، والله أعلم) لأن الركوع بدون الطمأنينة لا يعتد به، فانتفاؤها كانتفائه، ويشترط أيضًا: أن يكون ذلك الركوع محسوبًا للإمام لا ركوعَ خامسةٍ، ولا ركوعَ إمامٍ تبين حدثُه، والمعتبر في صلاة الكسوف: إدراك الركوع الأول دون الثاني؛ كما ذكره المصنف في بابه 3.
(ولو شك في إدراك حدّ الإجزاء.. لم تُحسَب ركعتُه في الأظهر) لأن الأصل عدمُ إدراكه إياه، والثاني: تحسب؛ لأن الأصل عدمُ الانتقال منه.
(ويكبر) المسبوق المدرك في الركوع (للإحرام) قائمًا (ثم للركوع) لأنه يحسب له، فندب التكبير له.
فَإِنْ نَوَاهُمَا بِتَكْبِيرَةٍ.. لَمْ تنعَقِدْ، وَقِيلَ: تنعَقِدُ نَفْلًا، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهَا شَيْئًا.. لَمْ تنعَقِدْ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ أَدْرَكَهُ فِي اعْتِدَالِهِ فَمَا بَعْدَهُ.. انْتَقَلَ مَعَهُ مُكَبِّرًا، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُوَافِقُهُ فِي التَّشَهُّدِ وَالتَّسْبيحَاتِ، وَأَنَّ مَنْ أَدْرَكَهُ فِي سَجْدَةٍ.. لَمْ يُكَبِّرْ لِلاِنْتِقَالِ إِلَيْهَا. وَإِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ.. قَامَ الْمَسْبُوقُ مُكَبِّرًا إِنْ كَانَ مَوْضِعَ جُلُوسِهِ، وَإِلَّا.. فَلَا فِي الأَصَحِّ.
(فإن نواهما بتكبيرة.. لم تنعقد) كالتحرم بفريضة ونافلة، (وقيل: تنعقد نفلًا) كما لو أخرج خمسة دراهم ونوى بها الزكاةَ وصدقة التطوع.
(وإن لم ينو بها شيئًا.. لم تنعقد على الصحيح) المنصوص؛ لأن قرينة الافتتاح تصرفها للافتتاح، وقرينةَ الهُوي تصرفها إليه، فإذا تعارضت القرينتان.. فلا بد من قصدٍ صارف، والثاني: تنعقد نافلة؛ لأن الظاهر: ألّا يقصد الهُوي ما لم يتحرم.
(ولو أدركه في اعتداله فما بعده.. انتقل معه مكبرًا) وإن لم يكن محسوبًا له؛ موافقةً للإمام.
(والأصح: أنه يوافقه في التشهد والتسبيحات) استحبابًا؛ موافقةً للإمام، والثاني: لا يستحب ذلك؛ لأنه ليس موضعَه في حقه، وقيل: يجب موافقته في التشهد الأخير، وبه جزم الماوردي في (صفة الصلاة) لأنه بالإحرام لزمه اتباعُه 1.
(وأنّ من أدركه في سجدةٍ.. لم يكبر للانتقال إليها) لأنها غير محسوبة له، ولا موافقةَ للإمام في الانتقال إليها، بخلاف الركوع.
نعم؛ يكبر بعد ذلك إذا انتقل مع الإمام من السجود أو غيره؛ موافقةً للإمام، والثاني: يكبر؛ كالركوع، وقد تقدم الفرق.
(وإذا سلم الإمام.. قام المسبوق مكبرًا إن كان موضعَ جلوسه) بأن أدركه في ثالثة الرباعية أو ثانية المغرب؛ لأنه يكبر له المنفرد وغيرُه بلا خلاف.
(وإلّا) أي: وإن لم يكن موضع جلوسه؛ بأن أدركه في الأخيرة، أو ثانيةِ رباعيةٍ (.. فلا) يكبر (في الأصح) لأنه ليس موضع تكبيره، وليس فيه موافقةٌ للإمام، والثاني: يكبر؛ كي لا يخلو الانتقال عن ذكر.
باب صلاة المسافر
إِنَّمَا تُقْصَرُ رُبَاعِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ الْمُبَاحِ، لَا فَائِته الْحَضَرِ. وَلَوْ قَضَى فَائِتَةَ السَّفَرِ.. فَالأَظْهَرُ: قَصْرُهُ فِي السَّفَرِ دُونَ الْحَضَرِ
(باب صلاة المسافر)
المراد بذلك: ما يشرع في صلاة المسافر من التخفيف بالقصر والجمع، وبدأ بالقصر؛ لأنه المهم منهما.
والأصل في القصر قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ الآية، والضرب: السفر، فأباحه الله في السفر بشرط الخوف من الكفار، وثبت بالسنة جوازه عند الأمن من حديث عمر وغيره 1.
والحكمة فيه: حصول المشقة للمسافر غالبًا.
(إنما تُقصَر رباعيةٌ) فالصبح والمغرب لا يقصران إجماعًا، كذا قالاه 2، لكن حكى العبادي في "طبقاته " عن محمد بن نصر المروزي: أنه يجوز قصر الصبح في الخوف إلى ركعة، قال ابن الملقن وغيره: وفيه حديث ابن عباس في "مسلم" 3.
(مؤداةٌ في السفر الطويل المباحِ) هذه سيأتي شرحها بعد (لا فائتةُ الْحَضرِ) إذا قضاها في السفر؛ لأنها ثبتت في ذمته تامة، وحكى ابن المنذر فيه الإجماع، لكن فيه وجه حكاه الماوردي وغيره 4.
(ولو قضى فائتةَ السفر.. فالأظهر: قصرُه في السفر دون الحضر) نظرًا إلى وجود السبب، والثاني: تقصر فيهما؛ لأنه إنما يلزمه في القضاء ما كان يلزمه في الأداء، والثالث: يتم فيهما.
وَمَنْ سَافَرَ مِنْ بَلْدَةٍ.. فَأَوَّلُ سَفَرِهِ: مُجَاوَزَةُ سُورِهَا، فَإِنْ كَانَ وَرَاءَهُ عِمَارَةٌ.. اشْتُرِطَ مُجَاوَزَتُهَا فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: لَا يُشْتَرَطُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ سُورٌ.. فَأَوَّلُهُ: مُجَاوَزَةُ الْعُمْرَانِ، لَا الْخَرَابِ وَالْبَسَاتِينِ،
(ومن سافر من بلدة.. فأول سفره: مُجاوزة سورها) الخاص بها؛ لأن ما في داخل السور معدود من نفس البلدة محسوب من موضع الإقامة.
(فإن كان وراءه عمارةٌ.. اشترط مُجاوزتُها في الأصح) لأنها من مواضع الإقامة التابعة للبلد.
(قلت: الأصح: لا يشترط، والله أعلم) لأن ذلك لا يعد من البلد، ألا ترى أنه يقال: مسكن فلان خارج البلد؟ وقد وافق المصنف الرافعي في (الصوم) على اعتبار العمران فيما إذا نوى المقيم ليلًا ثم سافر وفارق العمران قبل الفجر.. فإنه يفطر، وإلا.. فلا، فيحتاج إلى الفرق 1.
(فإن لم يكن سورٌ.. فأوله: مُجاوزة العُمران) ليفارق محلّ الإقامة (لا الخرابِ) لأنه ليس موضع إقامة، قال الإسنوي: وهذا إذا اتخذوه مزارع أو هجروه بالتحويط على العامر، فإن كانت بقايا الحيطان باقية ولم يهجروه بالتحويط.. فالأكثرون على ما دل عليه كلام "الشرح" و"الروضة": أنه لا بدّ من مجاوزته، وصرح بتصحيحه في "شرح المهذب"، والخلاف حيث لم يكن وراء الخراب عمارة معدودة من البلد، فإن كان.. فهو من البلد، فيجب مجاوزة منتهى العمارة 2.
(والبساتين) ولو كانت متصلةً بالبلد مُحوَّطةً؛ لأنها ليست للسكنى والإقامة.
نعم؛ لو كان فيها دور أو قصور تسُكنَ في بعض الفصول.. فالمجزوم به في "الروضة" و"أصلها": أنه لا بدّ من مجاوزتها، وخالف في "شرح المهذب" فقال: (لم يتعرض الجمهور لذلك، والظاهر: أنه لا يشترط؛ لأنها ليست من البلد، فلا تصير منه بإقامة بعض الناس فيها بعض الفصول (3.
وَالْقَرْيَةُ كَبَلْدَةٍ. وَأَوَّلُ سَفَرِ سَاكِنِ الْخِيَامِ: مُجَاوَزَةُ الْحِلَّةِ. وَإِذَا رَجَعَ.. انْتَهَى سَفَرُهُ بِبُلُوغِهِ مَا شُرِطَ مُجَاوَزَتُهُ ابْتِدَاءً. وَلَوْ نَوَى إِقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ بِمَوْضِعٍ.. انْقَطَعَ سَفَرُهُ بِوُصُولهِ،
قال في "المهمات": والفتوى به 1، فعلى هذا: كلام "الكتاب" جار على إطلاقه، ولا تشترط مجاوزة المزارع أيضًا، قاله في "المحرّر" 2، وأهمله المصنف؛ لأخذه من البساتين بطريق الأولى، (والقريةُ كبلدة) في جميع ما ذكرناه.
(وأول سفر ساكن الخيام: مُجاوزة الْحِلَّةِ) لأنها كدور البلد ولا بد من مجاوزة مرافقها؛ كمَطرَح رَماد، وملعب صبيان، والنادي، والعَطَن، فلو كانت بواد وسافر في عرضه.. فلا بد من مجاوزة عرضه، كذا نص عليه الشافعي 3، وحُمل على الغالب فلو أَفْرطَت سَعتُه.. لم يشترط ذلك.
وأصل الحِلّة: الحي النازلون، وطلق أيضًا على ما يقيمون فيه، وضابط الحِلّة: أن يكونوا بحيث يجتمعون للسَّمَر في ناد واحد ويستعير بعضُهم من بعض.
(وإذا رجع) المسافر إلى وطنه، أو إلى غيره بنية الإقامة، وكان رجوعه من مسافة القصر (.. انتهى سفره ببلوغه ما شُرط مجاوزتُه ابتداءً) من سور ونحوه على ما مرّ، فينقطع الترخُّص بوصوله إليه.
(ولو نوى) المستقلّ بنفسه (إقامةَ أربعةِ أيامٍ بموضع) صالح للإقامة، وكذا غير صالح؛ كنحو مَفازة على الأصح (.. انقطع سفرُه بوصوله) سواء كان مَقصِدَه أو في طريقه؛ لأن الله تعالى أباح القصر بشرط الضرب في الأرض، والعازم على المُقام غير ضارب في الأرض، فلو نوى دون أربعة أيام.. لم يؤثر؛ لما في الصحيح: "يَمْكُثُ الْمُهَاجِرُ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا" 4، مع تحريم الإقامة بمكة مع الكفار، فدل على أن الثلاثة ليست إقامة.
وَلَا يُحْسَبُ مِنْهَا يَوْمَا دُخُولهِ وَخُرُوجِهِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ أَقَامَ بِبَلَدٍ بِنِيَّةِ أَنْ يَرْحَلَ إِذَا حَصلَتْ حَاجَة يَتَوَقَّعُهَا كُلَّ وَقْتٍ.. قَصَرَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا،
وإنما قيدتُ كلامه بـ (المستقل) ليخرج التابع؛ كما لو نواها العبدُ أو الزوجة أو الجيش، ولم ينوها السيدُ ولا الزوج ولا الأمير.. فأقوى الوجهين في "زوائد الروضة": أن لهم القصرَ؛ لأنهم لا يستقلون، فنيتهم كالعدم 1، ومحل تأثير النية: إذا نوى وهو ماكث، فلو نوى وهو سائر.. لم يؤثر قطعًا؛ كما ذكره في "شرح المهذب"، لكن في "التهذيب" للبغوي خلافُه 2.
(ولا يُحسب منها يوما دخولِه وخروجِه على الصحيح) لأنه عليه السلام أقام بمكة في حجة الوداع ئلاثة أيام غير يومي دخوله وخروجه إلى منى، وهو يقصر الصلاة 3، والثاني: أنهما يحسبان بالتلفيق، فلو دخل زوالَ السبت ليخرج زوالَ الأربعاء.. أتم، أو قبله.. قصر؛ كما يحسب في مدة مسح الخف يوم الحدث ويوم النزع.
والفرق على الأول: أن المسافر لا يستوعب النهار بالسير، وإنما يسير في بعضه، وهو في يومي الدخول والخروج سائر في بعض النهار، بخلاف اللبس؛ فإنه مستوعب للمدة، ولأنه مشغول في يوم الدخول بأُهْبة النزول، وفي يوم الارتحال بأُهْبة الانتقال، وهما من أشغال السفر المنافيان لراحة الحضر.
(ولو أقام ببلدٍ بنية أن يرحل إذا حصلت حاجةٌ يتوقعها كلَّ وقت.. قَصَرَ ثمانيةَ عشرَ يومًا) لأنه عليه الصلاة والسلام لمّا فتح مكة.. أقام يقصر على حرب هوازن ئمانية عشر يومًا، رواه أبو داوود ولم يضعفه 4، وقيل: يقصر تسعة عشر يومًا، واختاره