هِيَ: قَطْعُ الإِسْلَامِ بِنِيَّةٍ أَوْ قَوْل كُفْرٍ أَوْ فِعْلٍ، سَوَاءٌ قَالَهُ اسْتِهْزَاء أَوْ عِنَادًا أَوِ اعْتِقَادًا. فَمَنْ نَفَى الصَّانِعَ أَوِ الرُّسُلَ أَوْ كَذَّبَ رَسُولًا أَوْ حَلَّلَ مُحَرَّمًا بِالإِجْمَاعِ كَالزِّنَا وَعَكْسُهُ،
(كتابُ الردة)
هي لغة: الرجوع عن الشيء إلى غيره، وقيل: الامتناع من أداء الحق، ومنه إطلاق الردة على مانعي الزكاة في زمن الصديق رضي الله عنه، وشرعًا: ما ذكره المصنف، وهي أفحش أنواع الكفر، وأغلظها حكمًا.
والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ الآية، وفي الصحيح: "مَنْ بَدَّل دِينَهُ.. فَاقْتُلُوهُ" 1.
(هي: قطع الإسلام بنية أو قول كفر أو فعل، سواء قاله استهزاءًا أو عنادًا أو اعتقادًا) أورد على هذا التعريف: ما لو تردد في أنه يخرج عن الإسلام أو يبقى.. فإنه ردة، ولم يوجد فيه قطع.
وقوله: (بنية) ليس في "المحرر" و"الشرحين" و"الروضة" 2، وذكره؛ ليدخل في الضابط العزم على الكفر في المستقبل؛ فإنه كفر في الحال؛ كما سيأتي.
والفرق بين العناد والاعتقاد: أن المعاند يعتقد الحق، لكن يأبى أن يقوله، بخلاف المعتقد.
(فمن نفى الصانع أو الرسل أو كذب رسولًا) أو سخر منه، أو تنقص به، أو أنكر رسالة واحد من الأنبياء المعروفين، قال الحليمي: أو تمنى في زمن نبينا أو بعده أن لو كان نبيًّا (أو حلل محرمًا بالإجماع، كالزنا) واللواط، وشرب الخمر، قال البَنْدَنيجي: وكذا اعتقاد حل السحر، (وعكسه) أي: حرم حلالًا بالإجماع؛ كالنكاح.
أَوْ نَفَى وُجُوبَ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، وَعَكْسُهُ، أَوْ عَزَمَ عَلَى الْكُفْرِ غَدًا أَوْ تَرَدَّدَ فِيهِ.. كَفَرَ. وَالْفِعْلُ الْمُكَفِّرُ: مَا تَعَمَّدَهُ اسْتِهْزَاءً صرِيحًا بِالدِّينِ أَوْ جُحُودًا لَهُ؛ كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ بِقَاذُورَة، أَوْ سُجُودٍ لِصَنَمٍ أَوْ شَمْسٍ. وَلَا تَصِحُّ رِدَّةُ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ
(أو نفى وجوب مجمع عليه) فيه نص، أو هو من أمور الإسلام الظاهرة التي يشترك فيها الخواص والعوام؛ كالصلاة، والزكاة، والحج، أو تحريم الخمر، بخلاف من جحد مجمعًا عليه لا يعرفه إلا الخواص؛ كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب، (وعكسه) أي: اعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع؛ كصلاة سادسة، وصوم شوال.
(أو عزم على الكفر غدًا، أو تردد فيه.. كفر) في الحال في جميع الصور المذكورة، وكذا إذا اعتقد قدم العالم؛ كما تقوله الفلاسفة، أو حدوث الصانع، أو نفى ما هو ثابت للقديم بالإجماع؛ ككونه عالمًا قَديرًا.
أو أثبت ما هو منفي عنه بالإجماع؛ كالالوان، أو أثبت له الاتصال والانفصال؛ كما نقلاه عن المتولي، وأقراه 1.
قال في "المهمات" بعد ذكره هذا: (المجسمة ملتزمون بالألوان وبالاتصال والانفصال مع أننا لا نكفرهم على المشهور؛ كما دل عليه كلام الرافعي في "الشهادات"، ووافقه عليه في "الروضة"، لكن جزم النووي في "باب صفة الأئمة" من "شرح المهذب" بتكفيرهم، ذكر ذلك قبيل الكلام على منع اقتداء الرجل بالمرأة) 2.
(والفعل المكفر: ما تعمده استهزاءً صريحًا بالدين، أو جحودًا له؛ كإلقاء مصحف بقاذورة) لأنه صريح في الاستخفاف بكلام الله تعالى، والاستخفاف بالكلام استخفاف بالمتكلم، (أو سجود لصنم أو شمس) وكذا السحر الذي فيه عبادة الشمس ونحوها؛ لأنه أثبت لله شريكًا.
(ولا تصح ردة صبي ومجنون) لأنه لا تكليف عليهما، ولا اعتداد بقولهما
وَمُكْرَهٍ، وَلَوِ ارْتَدَّ فَجُنَّ.. لَمْ يُقْتَلْ فِي جُنُونِهِ. وَالْمَذْهَبُ: صِحَّةُ رِدَّةِ السَّكْرَانِ وَإِسْلَامِهِ، وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالرِّدَّةِ مُطلَقًا، وَقِيلَ: يَجِبُ التَّفْصِيلُ؛ فَعَلَى الأَوَّلِ: لَوْ شَهِدُوا بِرِدَّةٍ فَأَنْكَرَ.. حُكِمَ بِالشَّهَادَةِ، فَلَوْ قَالَ: (كُنْتُ مُكْرَهًا) وَاقْتَضَتْهُ قَرِينَةٌ كَأَسْرِ كُفَّارٍ.. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَإِلَّا.. فَلَا،
واعتقادهما، (ومكره) إذا كان قلبه مطمئنًّا بالإيمان؛ كما نطق به التنزيل؛ فإن رضي بقلبه.. فمرتد، ولو تجرد قلبه عند الإكراه على التلفظ عن اعتقاد إيمان وكفر.. ففي كونه مرتدًّا وجهان.
(ولو ارتد فجن.. لم يقتل في جنونه) لأنه ربما عاد إلى الإسلام لو عقل.
نعم؛ لو استتيب قبل جنونه فلم يتب وجن.. لم يحرم قتله.
(والمذهب: صحة ردة السكران) لإجماع الصحابة على مؤاخذته بالقذف، وهو دليل على اعتبار أقواله، (وإسلامه) معاملة لأقواله معاملة الصاحي.
(وتقبل الشهادة بالردة مطلقًا) إذ الظاهر من العدل أنه لا يقدم إلا على بصيرة، (وقيل: يجب التفصيل) لاختلاف المذاهب في التكفير، والحكم بالردة عظيم فيحتاط له، وهذا ما صححه السبكي، وقال في "المهمات": إنه المعروف، ونقله عن جمهور الأصحاب 1، وتصحيح الأول تبعًا فيه الإمام، وهو لم ينقله عن أحد 2.
(فعلى الأول) (والثاني (لو شهدوا بردة، فأنكر) بأن قال: (كذبا)، أو (ما ارتددت) (.. حكم بالشهادة) ولا يغنيه التكذيب، بل يلزمه أن يأتي بما يصير به الكافر مسلمًا؛ لأن الحجة قامت عليه، والتكذيب والإنكار لا يرفعه؛ كما لو قامت البينة بالزنا فأنكره.. لم يسقط عنه الحد.
(فلو قال: "كنت مكرهًا") فيما وقع مني (واقتضته قرينة؛ كأسر كفار.. صدق بيمينه) للقرينة، وإنما حلف لاحتمال أنه كان مختارًا، (وإلا) أي: وإن لم تكن قرينة (.. فلا) يقبل قوله، فيحكم ببينونة زوجته قبل الدخول، ويطالب بالنطق بالشهادتين؛ لانتفاء القرينة.
وَلَوْ قَالَا: (لَفَظَ لَفْظَ كُفْرٍ) فَادَّعَى إِكْرَاهًا.. صُدِّقَ مُطْلَقًا. وَلَوْ مَاتَ مَعْرُوفٌ بِالإِسْلَامِ عَنِ ابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: (ارْتَدَّ فَمَاتَ كَافِرًا)؛ فَإِنْ بَيَّنَ سَبَبَ كُفْرِهِ.. لَمْ يَرِثْهُ، وَنَصِيبُهُ فَيْءٌ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الأَظْهَرِ. وَتَجِبُ استِتَابَةُ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ، وَفِي قَوْلٍ: تُسْتَحَبُّ، وَهِيَ فِي الْحَالِ،
(ولو قالا: "لفظ لفظ كفر"، فادعى إكراهًا.. صدق) بيمينه (مطلقًا) سواء وجدت قرينة أم لا؛ لأنه ليس فيه تكذيب للبينة، بخلاف المسألة قبلها؛ لأن الإكراه ينافي الردة، ولا ينافي التلفظ بكلمة الردة.
(ولو مات معروف بالإسلام عن ابنين مسلمين.. فقال أحدهما: "ارتد فمات كافرًا"، فإن بين سبب كفره) بأن قال: (سجد للصنم)، أو (تكلم بكلام كفر) (.. لم يرثه ونصيبه فيء) لأن المسلم لا يرث الكافر، (وكذا إن أطلق في الأظهر) تبع في هذا "المحرر"، والأظهر في "أصل الروضة": أنه يستفصل؛ فإن ذكر ما هو كفر.. كان فيئًا، وإن ذكر ما ليس بكفر.. صرف إليه 1، والثاني: يجعل فيئًا؛ لإقراره بكفره، والثالث: يصرف إليه؛ لأنه قد يتوهم ما ليس بكفر كفرًا.
(وتجب استتابة المرتد والمرتدة) لأنهما كانا محترمين بالإسلام، فربما عرضت لهما شبهة، فيسعى في إزالتها، وردهما إلى ما كانا عليه.
وإنما نص على المرتدة لأجل خلاف أبي حنيفة فيها، لكن كان ينبغي أن يعبر - كما في "المحرر" - بقتل المرتد إن لم يتب رجلًا كان أو امرأة 2؛ لأن خلاف أبي حنيفة في قتلها، لا في استتابتها، فإنه قال: لا تقتل المرتدة، بل تحبس وتضرب إلى أن تموت أو تسلم.
(وفي قول: تستحب) كالكافر الأصلي 3، ويستثنى: ما إذا قاتلوا.. فإنا نقتلهم مقبلين ومدبرين، ولا تجب الاستتابة ولا تستحب.
(وهي في الحال) فإن تاب، وإلا.. قتل؛ لظاهر قوله عليه الصلاة والسلام:
وَفِي قَوْلٍ: ثَلَاثةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ أَصَرَّا.. قُتِلَا، وَإِنْ أَسْلَمَ.. صَحَّ وَتُرِكَ، وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ إِسْلَامُهُ إِنِ ارْتدَّ إِلَى كُفْرٍ خَفِيٍّ كَزَنَادِقَةٍ وَبَاطِنِيَّةٍ. وَوَلَدُ الْمُرْتَدِّ إِنِ انْعَقَدَ قَبْلَهَا، أَوْ بَعْدَهَا وَأَحَدُ أَبَوَيْهِ مُسْلِمٌ.. فَمُسْلِمٌ، أَوْ مُرْتَدَّانِ.. فَمُسْلِمٌ،
"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ.. فَاقْتُلُوهُ" رواه البخاري 1، (وفي قول: ثلاثة أيام) لأثر عمر في ذلك، رواه الشافعي 2.
(فإن أصرا) أي: المرتد والمرتدة (.. قتلا) للحديث المذكور 3.
(وإن أسلم.. صح وترك) لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وكان الأحسن أن يقول: (أسلما) ليوافق ما قبله، ثم المذهب: قبول توبة كل مرتد، (وقيل: لا يقبل إسلامه إن ارتد إلى كفر خفي؛ كزنادقة وباطنية) لأن التوبة عند الخوف عين الزندقة.
والزنديق: هو الذي يظهر الإسلام ويخفي الكفر، كما قاله في "أصل الروضة" هنا وفي (الفرائض) و (صفة الأئمة) 4، وقال في (اللعان): إنه الذي لا ينتحل ديناَّ، وذكر في (نكاح المشرك) نحوه 5، قال الأَذْرَعي: وهذا أقرب، فإن الأول هو المنافق، وقد غايروا بينهما، والباطنية: ضرب من الزنادقة 6.
(وولد المرتد إن انعقد قبلها) أي: قبل الردة، (أو بعدها وأحد أبويه مسلم.. فمسلم) قطعًا؛ تغليبًا للإسلام، (أو مرتدان.. فمسلم) لبقاء علقة الإسلام في
وَفِي قَوْلٍ: مُرْتَدٌّ، وَفِي قَوْلٍ: كَافِرٌ أَصْلِيٌّ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: مُرْتَدٌّ، وَنَقَلَ الْعِرَاقِيُّونَ الاتِّفَاقَ عَلَى كُفْرِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَفِي زَوَالِ مِلْكِهِ عَنْ مَالِهِ بِهَا أَقْوَالٌ: أَظْهَرُهَا: إِنْ هَلَكَ مُرْتَدًّا.. بَانَ زَوَالُهُ بِهَا، وَإِنْ أَسْلَمَ.. بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ، وَعَلَى الأَقْوَالِ: يُقْضَى مِنْهُ دَيْنٌ لَزِمَهُ قَبْلَهَا، وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْهُ، وَالأَصَحُّ: يَلْزَمُهُ غُرْمُ إِتْلَافِهِ فِيهَا، وَنَفَقَةُ زَوْجَاتٍ وُقِفَ نِكَاحُهُنَّ وَقَرِيبٍ
الأبوين (وفي قول: مرتد) تبعًا لأبويه (وفي قول: كافر أصلي) لتولده بين كافرين، ولم يباشر الردة حتى يغلظ عليه، (قلت: الأظهر: مرتد، ونقل العراقيون الاتفاق على كفره، والله أعلم) يعني: أنه لا خلاف في كفره، وإنما الخلاف في أنه كافر أصلي أو مرتد، والأظهر: أنه مرتد.
(وفي زوال ملكه عن ماله بها) أي: بالردة (أقوال: أظهرها: إن هلك مرتدًا.. بان زواله بها، وإن أسلم.. بان أنه لم يزل) لأن بطلان أعماله يتوقف على موته مرتدًّا، فكذا ملكه، وكبضع زوجته بعد الدخول، والثاني: يزول ملكه بنفس الردة، وقال الرافعي في (كتاب التدبير): إن بعضهم روى عن الشافعي أنه قال: إنه أشبه الأقوال، وبه أقول 1، قال الأَذْرَعي: فهو المذهب، وبسط ذلك.
(وعلى الأقوال: يقضى منه دين لزمه قبلها) لأنها لا تزيد على الموت (وينفق عليه منه) في مدة الاستتابة، ويجعل حاجته للنفقة؛ كحاجة الميت إلى التجهيز بعد زوال الملك بالموت.
(والأصح: يلزمه غرم إتلافه فيها) أي: في الردة، (ونفقة زوجات وقف نكاحهن وقريب) قياسًا على من حفر بئرًا عدوانًا ومات، ثم حصل بسببها إتلاف يوجب الضمان، فإنه يؤخذ من تركته وإن زال ملكه بالموت، والثاني: المنع؛ لأنه لا مال له.
وظاهر كلامه: أن الخلاف جار على الأقوال، وإنما فرعاه في "الشرح" و"الروضة" على القول بزوال الملك 2، وظاهره: الجزم به على قول البقاء، وهو واضح.
وَإِذَا وَقَفْنَا مِلْكَهُ.. فَتَصَرُّفُهُ إِنِ احْتَمَلَ الْوَقْفَ كَعِتْقٍ وَتَدْبيرٍ وَوَصِيَّةٍ مَوْقُوفٌ؛ إِنْ أَسْلَمَ.. نَفَذَ، وَإِلَّا.. فَلَا، وَبَيْعُهُ وَرَهْنُهُ وَهِبَتُهُ وَكِتَابتُهُ بَاطِلَةٌ، وَفِي الْقَدِيمِ مَوْقُوفَةٌ، وَعَلَى الأَقْوَالِ: يُجْعَلُ مَالُهُ مَعَ عَدْلٍ، وَأَمَتُهُ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثِقَةٍ، وَيُؤَجَّرُ مَالُهُ، ويُؤَدِّي مُكَاتبُهُ النُّجُومَ إِلَى الْقَاضِي.
(وإذا وقفنا ملكه.. فتصرفه إن احتمل الوقف؛ كعتق وتدبير ووصية موقوف؛ إن أسلم.. نفذ، وإلا.. فلا) لأن الوقف لا يضرها.
(وبيعه ورهنه وهبته وكتابته) ونحوها مما لا يقبل الوقف (باطلة) بناءً على بطلان وقف العقود، وهو الجديد، (وفي القديم موقوفة) بناءً على صحة وقف العقود، فإن أسلم.. حكم بصحتها، وإلا.. فلا.
(وعلى الأقوال: يجعل ماله مع عدل، وأمته عند امرأة ثقة، ويؤجر ماله، ويؤدي مكاتبه النجوم إلى القاضي) لأنا وإن قلنا ببقاء ملكه، فقد تعلق به حق المسلمين، فيحتاط فيه.
كتابُ الزِّنا إِيلَاجُ الذَّكَرِ بفَرْجٍ مُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ خَالٍ عَنِ الشُّبْهَةِ مُشْتَهَىً.. يُوجِبُ الْحَدَّ، وَدُبُرُ ذَكَرٍ وَأُنْثَى كَقُبُلٍ عَلَى الْمَذْهَبِ
﴿كتاب الزنا﴾
هو مقصور، وقد يمد، وهو من أفحش الكبائر، ولم يحل في ملة قط.
والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ الآية، ورجمه صلى الله عليه وسلم ماعزًا والغامدية 1، وغير ذلك من الأدلة الشهيرة.
(إيلاج الذكر بفرج محرم لعينه خال عن الشبهة مشتهى.. يوجب الحد) هذا ضابط ما يوجب الحد، وهو الرجم على المحصن، والجلد والتغريب على غيره، وسيذكر المصنف ما احترز عنه قيدًا قيدًا، ولا بد من تقييد الذكر والفرج بالواضح؛ ليخرج الخنثى المشكل، وإطلاقه الذكر لا يقتضي إيلاج جميعه؛ لأن الذكر يطلق على البعض؛ بدليل: "مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ.. فَلْيَتَوَضَّأْ" 2.
نعم؛ كان ينبغي التقييد بالحشفة، وبقدرها من مقطوعها.
ويشترط: كونه متصلًا؛ ليخرج المبان.
(ودبر ذكر وأنثى كقبل على المذهب) لأنه فرج، وملخص ما يجب على الواطئ بإيلاجه في دبر الذكر طريقان: أحدهما: ثلاثة أقوال، أحدها: أن عقوبته القتل محصنًا كان أو غيره؛ لحديث فيه صحح الحاكم إسناده 3، وعلى هذا: فهل يقتل بالسيف، أو بالرجم، أو بهدم جدارٍ، أو إلقائه من شاهق؟ وجوه صحح في "زوائد الروضة" الأول 4، والقول الثاني: أن الواجب فيه: التعزير؛ كإتيان البهائم،
وَلَا حَدَّ بِمُفَاخَذَةٍ وَوَطْءِ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ فِي حَيْضٍ وَصَوْمٍ وَإِحْرَامٍ، وَكَذَا أَمَتُهُ الْمُزَوَّجَةُ وَالْمُعْتَدَّةُ، وَكَذَا مَمْلُوكَتُهُ الْمَحْرَمُ، وَمُكْرَهٌ فِي الأَظْهَرِ، وَكَذَا كُلُّ جهَةٍ أَبَاحَ بِهَا عَالِمٌ كَنِكَاحٍ بِلَا شُهُودٍ عَلَى الصَّحِيحِ،
والثالث -وهو الأظهر-: أنه كالزاني يرجم المحصن، ويجلد غيره ويغرب، والطريق الثاني: إثبات القول الأول والثاني فقط.
وفي الإيلاج في دبر أنثى أجنبية طريقان، أصحهما: أنه كاللواط فتجيء الأقوال.
وفي دبر زوجته وأمته طريقان، أصحهما: القطع بالتعزير فقط، وقيل: في الحد قولان؛ وأما المفعول به؛ فإن كان صغيرًا، أو مجنونًا، أو مكرهًا.. فلا حد عليه ولا مهر له؛ لأن منفعة بضع الرجل غير متقومة، وإن كان مكلفًا طائعًا؛ فإن قلنا: يقتل الفاعل.. قتل المفعول به، وإن قلنا: حده حد الزاني.. جلد المفعول به وغرب، محصنًا كان أو غيره، سواء كان رجلًا أم امرأة؛ لأن المحل لا يتصور فيه إحصان.
(ولا حد بمفاخذة) ومقدمات وطء، لعدم الإيلاج، (ووطء زوجته وأمته في حيض وصوم وإحرام) لأن التحريم ليس لعينه، بل لأمور عارضة بالحيض؛ لملامسة الأذى، ومخامرة النجاسة، والصوم والإحرام؛ لإفساد العبادة، (وكذا أمته المزوجة والمعتدة) لشبهة المحل؛ لأن التحريم عارض، (وكذا مملوكته المحرم) بنسب أو رضاع؛ كأخته من الرضاع أو النسب، وموطوءة ابنه؛ لشبهة الملك، (ومكره في الأظهر) لشبهة الإكراه، والثاني: يجب فيهما، أما في الأولى.. فلأنه وطء لا يستباح بحال، فأشبه اللواط، وأما الثانية.. فلأن انتشار الآلة لا يكون إلا عن شهوة واختيار، ومأخذ الخلاف التردد في تصوير الإكراه في الزنا، والصحيح: تصويره؛ لأن الانتشار تقتضيه الطبيعة عند الملامسة.
(وكذا كل جهة أباح بها عالم؛ كنكاح بلا شهود على الصحيح) كمذهب مالك، أو بلا ولي كمذهب أبي حنيفة، ونكاح المتعة للاختلاف في الصحة، فانتفى الحد للشبهة؛ كما لو وطء في عقد وليه فاسق، وقيل: يجب في النكاح بلا ولي على من يعتقد تحريمه دون غيره، وقيل: يجب على من يعتقد الإباحة أيضًا؛ كما يحد الحنفي
وَلَا بِوَطْءِ مَيْتَةٍ فِي الأَصَحِّ، وَلَا بَهِيمَةٍ فِي الأَظْهَرِ. وَيُحَدُّ فِي مُسْتَأْجَرَةٍ وَمُبِيحَةٍ وَمَحْرَمٍ وَإِنْ كَانَ تزَوَّجَهَا
على شرب النبيذ، وفي قول: يجب في نكاح المتعة؛ لأنه ثبت نسخه قطعًا، وابن عباس رجع عنه؛ كما رواه الترمذي 1.
(ولا بوطء ميتة في الأصح) لأنه مما ينفر الطبع عنه، وما ينفر الطبع عنه لا يحتاج إلى الزجر عنه؛ كشرب البول.
نعم؛ يعزر.
والثاني: يحد؛ لأنه إيلاج في فرج لا شبهة فيه؛ كفرج الحية، والثالث: إن كانت ممن لا يحد بوطئها في الجملة؛ كالزوجة.. فلا حد، وإلا.. فيحد، حكاه في (باب الغسل) من "شرح المهذب"، وقال: إنه يحكى عن النص 2، وصححه في "نكت الوسيط".
وهذه الصورة والتي بعدها محترز قوله: (مشتهى).
(ولا بهيمة في الأظهر) بل يعزر؛ لأن الطباع السليمة تأباه، فلم يحتج إلى زاجر، وروى أبو داوود والنسائي عن ابن عباس: (ليس على الذي يأتي البهيمة حد) 3، والثاني: واجبه: القتل محصنًا كان أو غيره؛ لحديث فيه صحح الحاكم إسناده 4، والثالث: واجبه: حد الزنا، فيفرق فيه بين المحصن وغيره.
(ويحد في مستأجرة) للزنا؛ لانتفاء الملك والعقد، ولأنه عقد باطل فلا يؤثر شبهة؛ كما لو اشترى خمرًا فشربها، (ومبيحة) لوطئها؛ لأن الأبضاع لا تباح بالإباحات، (ومحرم) بنسب أو رضاع أو مصاهرة (وإن كان تزوجها) لأنه وطء صادف محلًّا ليس فيه شبهة، وهو مقطوع بتحريمه، فيتعلق به الحد.
وَشَرْطُهُ التَّكْلِيفُ - إِلَّا السَّكْرَانَ - وَعِلْمُ تَحْرِيمِهِ. وَحَدُّ الْمُحْصَنِ: الرَّجْمُ، وَهُوَ: مُكَلَّفٌ حُرٌّ وَلَوْ ذِمِّيٌّ غَيَّبَ حَشَفَتَهُ بِقُبُلٍ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ لَا فَاسِدٍ فِي الأَظْهَرِ،
(وشرطه: التكليف) فلا حد على صبي ومجنون؛ لارتفاع القلم (إلا السكران) فإنه يحد وإن كان غير مكلف، وهذا الاستثناء زاده على "المحرر"؛ بناءً على اعتقاده أنه غير مكلف، والصحيح: أنه مكلف؛ كما تقدم التنبيه عليه في الطلاق، فلا حاجة لاستثنائه.
(وعلم تحريمه) فلا حد على من جهل تحريم الزنا؛ لقرب عهده بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة عن المسلمين؛ لرفع الإثم عنه، بخلاف من نشأ بين المسلمين، وادعى الجهل بالتحريم.. فلا يقبل منه، ولو علم التحريم وجهل وجوب الحد.. وجب عليه الحد جزمًا؛ كما صححه في "زيادة الروضة" 1.
(وحد المحصن: الرجم) بالإجماع، ولا يجلد معه خلافًا لابن المنذر.
(وهو) أي: المحصن (مكلف) فالصبي والمجنون ليسا بمحصنين، ولا معنى لاشتراط التكليف في الإحصان بعد اشتراطه في مطلق وجوب الحد، (حر) فالرقيق ليس بمحصن ولو مكاتبًا، ومبعضًا، ومستولدة؛ لأنه على النصف من الحر، والرجم لا نصف له، (ولو ذمي) أي: فليس من شرط الإحصان الإسلام؛ لأنه صلى الله عليه وسلم رجم رجلًا وامرأة من اليهود زنيا، متفق عليه، زاد أبو داوود: (وكانا قد أحصنا) 2.
(غيب حشفته) أو قدرها من مقطوعها (بقبل في نكاح صحيح) فالواطئ في دبر، أو في ملك يمين ليس بمحصن، ويشترط كون الذكر: أصليًّا عاملًا، فالزائد والأشل لا يحصل به إحصان ولا تحليل، قاله البغوي في "فتاويه".
(لا فاسد في الأظهر) لأنه حرام، فلا يحصل به صفة كمال، والثاني: نعم؛ لأن الفاسد كالصحيح في العدة والنسب، فكذا في الإحصان.
وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ التَّغْيِيبِ حَالَ حُرِّيَّتِهِ وَتكْلِيفِهِ، وَأَنَّ الْكَامِلَ الزَّانِيَ بِنَاقِصٍ مُحْصَنٌ. وَالْبِكْرِ الحُرِّ: مِئَةُ جَلْدَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ إِلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ فَمَا فَوْقَهَا، وَإِذَا عَيَّنَ الإِمَامُ جِهَةً.. فَلَيْسَ لَهُ طَلَبُ غَيْرِهَا فِي الأَصَحِّ، وَيُغَرَّبُ غَرِيبٌ مِنْ بَلَدِ الزِّنَا إِلَى غَيْرِ بَلَدِهِ،
(والأصح: اشتراط التغييب حال حريته وتكليفه) فلا رجم على من وطئ في نكاح صحيح وهو صبي، أو مجنون، أو رقيق، لأن شرطه الإصابة بأكمل الجهات، وهو النكاح الصحيح، فيشترط حصولها من كامل أيضًا، والثاني: لا يشترط ذلك؛ فإنه وطء يحصل به التحليل، فكذا الإحصان.
(وأن الكامل الزاني بناقص محصن) أي: إذا كان أحد الزوجين في حال إصابته كاملًا؛ أي: حرًّا مكلفًا، والآخر ناقصًا؛ كرقيق أو صغير.. حصل الإحصان للكامل وإن لم يحصل للناقص على الأظهر؛ لأنه حر مكلف وطئ في نكاح صحيح، فأشبه ما إذا كانا كاملين، والثاني: لا؛ لأنه وطء لا يصير أحد الواطئين محصنًا به، فكذلك الآخر؛ كالوطئ بالشبهة.
(والبكر) وهو غير المحصن (الحر: مئة جلدة وتغريب عام) أما الجلد.. فللآية، وسمي جلدًا؛ لوصوله إلى الجلد، وأما التغريب.. فلرواية مسلم: "وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ" 1، (إلى مسافة قصر) لأن ما دونها في حكم الحضر، وتتواصل إليه الأخبار فيها، والمقصود: إيحاشه بالبعد عن أهله ووطنه (فما فوقها) إذا رأى الإمام التغريب إليه؛ لأن الصديق غرب إلى فدك، وعمر إلى الشام، وعثمان إلى مصر، وعليًّا إلى البصرة.
(وإذا عين الإمام جهة.. فليس له طلب غيرها في الأصح) لأنه أليق بالزجر والتعنيف، والثاني: له ذلك؛ لحصول مُسمَّى التغريب.
(ويغرب غريب من بلد الزنا) تنكيلًا وإبعادًا عن موضع الفاحشة (إلى غير بلده) لأن القصد إيحاشه وعقوبته، وذلك يأباه عوده إلى وطنه، وكما لا يغرب إلى بلده.. لا يغرب إلى بلد بينه وبين بلده دون مسافة القصر.
فَإِنْ عَادَ إِلَى بَلَدِهِ.. مُنِعَ فِي الأَصَحِّ. وَلَا تُغَرَّبُ المَرْأَةُ وَحْدَهَا فِي الأَصَحِّ، بَلْ مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ، فَإِنِ امْتَنَعَ.. لَمْ يُجْبَرْ فِي الأَصَحِّ. وَالْعَبْدِ: خَمْسُونَ، وَيُغرَّبُ نِصْفَ سَنَةٍ، وَفِي قَوْلٍ: سَنَةً،
(فإن عاد إلى بلده.. منع في الأصح) معارضة له بنقيض قصده، ومقابل الأصحِّ: احتمال للغزالي لا وجه 1، ثم هذا في غريب له وطن، فإن لم يكن بأن هاجر حربي إلى دار الإسلام ولم يتوطن بلدًا.. يتوقف الإمام حتى يتوطن بلدًا ثم يغربه، كذا نقلاه عن المتولي، وأقراه 2.
(ولا تغرب المرأة وحدها في الأصح، بل مع زوج أو محرم) لأنها إذا غربت وحدها.. لم يؤمن عليها من التهتك، والتاني: تغرب وحدها؛ لأنه سفر واجب فأشبه الهجرة؛ فإنها إذا كانت تخاف الفتنة.. كان عليها أن تسافر وحدها.
وقضية كلامه: أنه لا يكتفى بالنسوة الثقات، والأصحُّ في "الشرحين": الاكتفاء بهن عند أمن الطريق، ولم يرجح في "الروضة" شيئًا؛ لإغفال بعض نسخ "الشرح" الترجيح، قالا: وربما اكتفى بعضهم بالواحدة الثقة، وهو الأصحُّ في "الكفاية" 3.
(ولو بأجرة) لأنه مما يتم به الواجب، وهي في مالها لا في بيت المال على الأصحِّ في "أصل الروضة" 4.
(فإن امتنع) من الخروج بأجرة (.. لم يجبر في الأصح) كما في الحج، ولأن فيه تعذيب من لم يذنب، والثاني: يجبر؛ للحاجة إليه في إقامة الواجب.
(والعبد: خمسون) لما في "الموطأ" عن عمر رضي الله عنه: (أنه عليه السلام أمر بجلد أمة خمسين) 5، ولا فرق بين الذكر والأنثى، ولأنه ناقص بالرق، فليكن على النصف من الحر؛ كالنكاح والعدة، (ويغرب نصف سنة) لأنه حد يتبعض فأشبه الجلد، (وفي قول: سنة) لأن ما يتعلق بالطبع لا يفرق فيه بين الحر والرقيق؛ كمدة
وَفِي قَوْلٍ: لَا يُغَرَّبُ. وَيَثْبُتُ بِبيِّنَةٍ، أَوْ إِقْرَارٍ مَرَّةً، وَلَوْ أَقَرَّ ثُمَّ رَجَعَ.. سَقَطَ، وَلَوْ قَالَ: لَا تَحُدُّونِي أَوْ هَرَبَ.. فَلَا فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِزِنَاهَا وَأَرْبَعٌ أَنَّهَا عَذْرَاءُ.. لَمْ تُحَدَّ هِيَ
الإيلاء والعنة، (وفي قول: لا يغرب) لأن فيه تفويتًا لحق السيد.
(ويثبت) حد الزنا (ببينة) لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾، (أو إقرار مرة) لأنه عليه السلام علق الرجم بمطلق الاعتراف، حيث قال: "اُغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ.. فَارْجُمْهَا" 1، وترديده صلى الله عليه وسلم ماعزًا.. كان لأنه ارتاب في أمره، فاستثبته؛ ليعرف أنه جنون، أو شربُ خمر، أم لا؟
ويشترط في الإقرار بالزنا: التفسير؛ كالشهادة كما صححه في "الروضة" في (كتاب السرقة)، وقال هنا: إنه الأقوى 2.
(ولو أقر ثم رجع.. سقط) لأنه صلى الله عليه وسلم قال في قصة ماعز: "لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ" 3، فعرض له بالرجوع، فلو لم يسقط به الحد.. لما كان له معنى.
واحترز بالإقرار: عن البينة؛ فإنه لا أثر لرجوعه.
(ولو قال) المقر: (لا تحدوني أو هرب) عند إرادة إقامة الحد عليه (.. فلا في الأصح) لأنه صرح بالإقرار، ولم يصرح بالرجوع.
نعم؛ يخلى في الحال ولا يتبع؛ فإن رجع.. فذاك، وإلا.. أقيم عليه؛ لقوله عليه السلام في قصة ماعز: "هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ الله عَلَيْهِ" 4، فإن اتبع فرجم.. فلا ضمان؛ لأنه عليه السلام لم يوجب عليهم في قصة ماعز شيئًا.
والثاني: يسقط؛ لإشعاره بالرجوع.
(ولو شهد أربعة بزناها وأربع) نسوة (أنها عذراء) أي: لم تفتض (لم تحد هي)
وَلَا قَاذِفُهَا، وَلَوْ عَيَّنَ شَاهِدٌ زَاوِيَةً لِزِنَاهُ وَالْبَاقُونَ غَيْرَهَا.. لَمْ يَثْبُتْ. وَيَسْتَوْفِيهِ الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ مِنْ حُرٍّ وَمُبَعَّضٍ، وَيُسْتَحَبُّ حُضُورُ الإِمَامِ وَشُهُودِهِ. وَيَحُدُّ الرَّقِيقَ سَيِّدُهُ أَوِ الإِمَامُ، فَإِنْ تَنَازَعَا.. فَالأَصَحُّ: الإِمَامُ،
لشبهة بقاء العذرة (ولا قاذفها) لوجود الشهادة على الزنا، واحتمال عود البكارة؛ لترك المبالغة في الافتضاض، (ولو عين شاهد زاوية لزناه، والباقون غيرها.. لم يثبت) لأنهم لم يتفقوا على زنية واحدة فأشبه ما لو قال بعضهم: زنا بالغداة، وبعضهم: زنا بالعشي.
(ويستوفيه) أي: الحد (الإمام أو نائبه من حر) للاتباع (ومبعض) لأنه لا ولاية للسيد على الحر منه، والحد متعلق بجملته، وكذا من العبد الموقوف؛ بناء على أن الملك فيه لله تعالى، ومستولدة الكافر، وعبد بيت المال، ويستوفيه من الإمام من يلي الحكم من تحت يده؛ كما لو توجهت عليه حكومة، كذا قاله القفال في "فتاويه".
(ويستحب حضور الإمام وشهوده) أي: شهود الزنا، وجماعة من المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولا يجب ذلك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم رجم الغامدية وماعزًا ولم يحضرهما.
(ويحد الرقيق سيده) لحديث: "إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ.. فَلْيَجْلِدْهَا" رواه مسلم 1، وفي "النسائي" مرفوعًا: "أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" 2، (أو الإمام) أيهما فعله وقع الموقع لمحل ولايته، والأولى للسيد إقامته بنفسه، ولا يفوضه للإمام على الأصحِّ في "زيادة الروضة" 3.
(فإن تنازعا) أي: السيد والإمام في إقامته (.. فالأصح: الإمام) لأجل ولايته العامة، والثاني: السيد، لغرض إصلاح ملكه، وهما احتمالان للإمام، لا وجهان للأصحاب 4.
وَأَنَّ السَّيِّدَ يُغَرَّبُهُ، وَأَنَّ الْمُكَاتَبَ كَحُرٍّ، وَأَنَّ الْفَاسِقَ وَالْكَافِرَ وَالْمُكَاتَبَ يَحُدُّونَ عَبِيدَهُمْ، وَأَنَّ السَّيِّدَ يُعَزِّرُ وَيَسْمَعُ الْبَيِّنَةَ بِالْعُقُوبَةِ. وَالرَّجْمُ بِمَدَرٍ وَحِجَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ، وَلَا يُحْفَرُ لِلرَّجُلِ،
(وأن السيد يغربه) كما يجلده، ولاندراجه في: "أَقِيمُوا الْحُدُود عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ"، والثاني: المنع؛ لقوله عليه السلام في الحديث المار: "فَلْيَجْلِدْهَا" 1، ولم يذكر التغريب، وضُعِّف بأن عمر غرب أمته إلى فَدَك.
(وأن المكاتب كحر) فلا يستوفيه غير الإمام؛ لخروجه عن قبضة السيد، والثاني: أنه كالقن؛ لحديث: "الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ" 2.
(وأن الفاسق، والكافر، والمكاتب يحدون عبيدهم) الخلاف مبني على الخلاف في أن السيد يقيم الحد على عبده بطريق الملك، أو الولاية؟ والأصحُّ: أنه بالملك، فلهذا صحح أن للمذكورين الحد؛ كما لهم الاستصلاح بالفصد والحجامة، ولعموم الحديث السالف.
(وأن السيد يعزر) كما يؤدبه لحق نفسه، والثاني: لا؛ لأنه غير مضبوط، ويفتقر إلى اجتهاد فاختص بالأئمة.
(ويسمع البينة بالعقوبة) لأنه يملك إقامة الحد، فملَك سماع البينة؛ كالإمام، والثاني: المنع؛ لأن منصب سماعها مختص بالحكام، فلا يزاحمهم فيه، بخلاف الضرب في الحد فهو تأديب.
(والرجم بمدر وحجارة معتدلة) فلا يجوز بالصخور المذففة، ولا بحصيات خفيفة؛ لئلا يطول تعذيبه، والمدر: الطين اليابس، (ولا يحفر للرجل) عند رجمه سواء ثبت زناه بالبينة أو الإقرار.
وظاهر كلامه: امتناع الحفر، واستشكله الإسنوي في "التنقيح" بما في "صحيح مسلم" من حديث بريدة: أن ماعزًا حفر له مع أن زناه ثبت بالإقرار 3.
وَالأَصَحُّ: اسْتِحْبَابُهُ لِلْمَرْأَةِ إِنْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ، وَلَا يُؤَخَّرُ لِمَرَضٍ وَحَرٍّ وَبَرْدٍ مُفْرِطَيْنِ، وَقِيلَ: يُؤَخَّرُ إِنْ ثَبَتَ بِإِقْرَارٍ. وَيُؤَخَّرُ الْجَلْدُ للِمَرَضِ، فَإِنْ لَمْ يُرْجَ بُرْؤُهُ.. جُلِدَ لَا بِسَوْطٍ، بَلْ بِعَثْكَالٍ عَلَيْهِ مِئَةُ غُصْنٍ،
وأجيب: بأنه معارض بما في "مسلم" عن أبي سعيد الخدري: أنه لم يحفر له 1، ولهذا مال المصنف في "شرح مسلم" إلى التخيير مطلقًا 2، واختاره البُلْقيني، وجمع بين الروايتين المذكورتين بأنه حُفر لماعز حفيرة صغيرة، فلما رجم.. هرب منها.
(والأصح: استحبابه للمرأة إن ثبت ببينة) لئلا تنكشف، والظاهر من الشهود عدم الرجوع، فيكون الرجم في الحفرة أسهل، وإن ثبت بالإقرار.. فلا؛ لأنه ربما عنّ لها الرجوع والهرب فلا تتمكن منه إذا كانت في حفرة، والثاني: يحفر لها مطلقًا، واختاره جمع، وصححه البُلْقيني؛ لما في "مسلم": أنه عليه السلام حفر للغامدية وكانت مقرة 3، والثالث: الأمر فيه إلى خيرة الإمام، ولا استحباب؛ لأنه عليه السلام حفر للغامدية، ولم يحفر للجهنية 4، وزناهما ثبت بالإقرار.
(ولا يؤخر) الرجم (لمرض وحر وبرد مفرطين) لأن نفسه مستوفاة، (وقيل: يؤخر إن ثبت بإقرار) لأنه ربما رجع في أثناء الرمي فيُعين ذلك على قتله، وهذا قول منصوص عليه في "الأم"، وصححه القاضي الحسين، وصاحب "التنبيه"، وغيرهما 5.
(ويؤخر الجلد للمرض) المرجو برؤه؛ لأن القصد الردع لا القتل، والحد حينئذ معين على القتل، (فإن لم يرج برؤه.. جلد) ولا يؤخر؛ إذ لا غاية تنتظر (لا بسوط) لئلا يهلك (بل بعثكال) وهو العرجون (عليه مئة غصن) أي: شِمْراخ، ويضرب به مرة واحدة إذا كان حرًّا؛ للنص فيه في "سنن أبي داوود" 6.
فَإِنْ كَانَ خَمْسُونَ ضُرِبَ بِهِ مَرَّتينِ، وَتَمَسُّهُ الأَغْصَانُ أَوْ يَنْكَبِسُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ لِيَنَالَهُ بَعْضُ الأَلَمِ، فَإِنْ بَرِئَ.. أَجْزَأَهُ. وَلَا جَلْدَ فِي حَرٍّ وَبَرْدٍ مُفْرِطَيْنِ، وَإِذَا جَلَدَ الإِمَامُ فِي مَرَضٍ أَوْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ.. فَلَا ضَمَانَ عَلَى النَّصِّ فَيَقْتَضِي أَنَّ التّأْخِيرَ مُسْتَحَبٌّ.
(فإن كان خمسون.. ضرب به مرتين) إن كان حرًّا، ليكون المجموع مئة، فإن كان عبدًا.. ضرب به مرة، ولا يتعين العثكال، بل يضرب به، أو بالنعال، أو بأطراف الثياب؛ كما قاله في "أصل الروضة" 1.
(وتمسه الأغصان) جميعها (أو ينكبس بعضها على بعض ليناله بعض الألم) لئلا تبطل حكمة الحد؛ فإن لم تمسه، ولم ينكبس بعضها على بعض، أو شك فيه.. لم يسقط الحد.
(فإن برئ) بعد أن ضُرب بما ذكرنا (.. أجزأه) ولا يعاد بخلاف المغصوب إذا حج عنه، ثم اتفق برؤه؛ لأن الحدود مبنية على الدرء، أما إذا برئ قبل ذلك.. حد حد الأصحاء قطعًا.
(ولا جلد في حر وبرد مفرطين) خشية الهلاك، بل يؤخر إلى اعتدال الوقت، وكذا القطع في السرقة، بخلاف القصاص وحد القذف.
(وإذا جلد الإمام في مرض أو حر أو برد.. فلا ضمان على النص) في "الأم" 2؛ لأن التلف حصل من واجب أقيم عليه، لكن نص في "المختصر": على أن ختنه في حر أو برد يضمن بالدية 3، فقيل: قولان فيهما، والمذهب: تقرير النصين، والفرق: أن الجلد ثبت بالنص، والختان بالاجتهاد، فأشبه التعزير، (فيمتضي) هذا النص (أن التأخير مستحب) وهو ما قاله الإمام، لكن صحح في "زيادة الروضة" وجوب التأخير سواء قلنا بالضمان، أم لا 4.
كتابُ حد القذف شَرْطُ حَدِّ الْقَاذِفِ: التَّكْلِيفُ إِلَّا السَّكْرَانَ، وَالاخْتِيَارُ، وَيُعَزَّرُ الْمُمَيزُ، وَلَا يُحَدُّ بِقَذْفِ وَلَدِه وَإِنْ سَفَلَ؛ فَالْحُرُّ ثَمَانُونَ، وَالرَّقِيقُ أَرْبَعُونَ
﴿كتاب حد القذف﴾
الحد لغة: المنع، وسمي حد القذف وغيره بذلك؛ لأنه يمنع من معاودته، والقذف لغة: الرمي، والمراد به هنا: الرمي بالزنا في معرض التعبير، وهو من الكبائر، وفي الحديث: من السبع الموبقات: قذف المحصنات 1، وقد ذكر المصنف القذف في (باب اللعان).
(شرط حد القاذف: التكليف) فلا يحد الصبي والمجنون؛ لارتفاع القلم عنهما (إلا السكران) فإنه يحد وإن لم يكن مكلفًا، وهذا من زياداته على "المحرر" ولا يحتاج إليه؛ كما ذكرنا في الباب قبله، ولم يذكره في "الروضة" هنا 2.
(والاختيار) فلا يحد المكره على القذف، ولا يعزر؛ لرفع القلم عنه، ولا يحد المكره بكسر الراء أيضًا، والفرق بينه وبين القتل: أنه يمكن جعل يد المكرَه كالآلة له؛ بأن يأخذ يده فيقتل بها، ولا يمكن أن يأخذ لسان غيره فيقذف به.
وكان ينبغي زيادة: الالتزام؛ ليشمل الذمي والمرتد، ويخرج الحربي.
(ويعزر المميز) صبيًّا كان أو مجنونًا؛ للزجر والتأديب، (ولا يحد بقذف ولده وإن سفل) كما لا يجب بقتله القصاص.
نعم؛ يعزر على النص.
(فالحر ثمانون) لقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، والدليل على أنه في الحر: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ والعبد لا تقبل شهادته وإن لم يقذف.
(والرقيق أربعون) بالإجماع؛ لأنه يتبعض، فكان الرقيق فيه على النصف؛ كحد الزنا، والمدبر والمكاتب وأم الولد والمبعض.. كالقن.
وَالْمَقْذُوفِ: الإِحْصَانُ، وَسَبَقَ فِي اللِّعَانِ. وَلَوْ شَهِدَ دُونَ أَرْبَعَةٍ بِزِنًا.. حُدُّوا فِي الأَظْهَرِ، وَكَذَا أَرْبَعُ نِسْوَةٍ وَعَبيدٍ وَكَفَرَةٍ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ شَهِدَ وَاحِدٌ عَلَى إِقْرَارِهِ.. فَلَا، وَلَوْ تَقَاذَفَا.. فَلَيْسَ تَقَاصًّا، وَلَوِ اسْتَقَلَّ الْمَقْذُوفُ بِالاسْتِيفَاءِ.. لَمْ يَقَعِ الْمَوْقِعَ.
(والمقذوف: الإحصان) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ فقيد إيجاب الثمانين بذلك، (وسبق في اللعان) بيان ما يحصل به الإحصان.
(ولو شهد دون أربعة بزنًا.. حدوا في الأظهر) لأن عمر رضي الله عنه جلد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنا؛ كما ذكره البخاري في "صحيحه"، ولم يخالفه أحد 1، ولئلا تتخذ صورة الشهادة ذريعة إلى الوقيعة في أعراض الناس، والثاني: المنع؛ لأنهم جاؤوا شاهدين لا هاتكين.
(وكذا أربع نسوة، وعبيد، وكفرة) أهل ذمة (على المذهب) لأنهم ليسوا من أهل الشهادة، فلم يقصدوا إلا القذف، والطريق الثاني: طرد القولين، وينزل نقصان الصفة منزلة نقصان العدد، وجعل الإمام موضع الخلاف إذا كانوا في ظاهر الحال بصفة الشهود، ثم بانوا عبيدًا، أو كفارًا 2، ومراده: أن القاضي إذا علم حالهم.. لا يصغي إليهم، فيكون قولهم قذفًا محضًا بلا خلاف، وهو ظاهر؛ لأنه ليس في معرض شهادة.
(ولو شهد واحد على إقراره) بالزنا (.. فلا) حد قطعًا؛ لأن من قال لغيره: (قد أقررتَ بأنك زنيت)، وهو في معرض القذف والتعيير.. لا حد عليه، فكذا هنا.
(ولو تقاذفا.. فليس تقاصًّا) لأن التقاص إنما يكون عند اتفاق الجنس والصفة، والحدان لا يتفقان في الصفة؛ إذ لا يعلم التساوي؛ لاختلاف القاذف والمقذوف في الخِلقة، وفي القوة والضعف غالبًا.
(ولو استقلَّ المقذوف بالاستيفاء.. لم يقع الموقع) كحدِّ الزنا لو استوفاه أحد
..................................
الرعية، ويستثنى: ما لو قذف العبد سيده.. فإن له أن يحده؛ كما صرحا به في آخر الباب قبله 1، وما لو كان بعيدًا عن السلطان وقدر على الاستيفاء بنفسه من غير مجاوزة فيه فإنه يجوز، ذكره الماوردي في (باب صول الفحل) 2.
كتابُ قطع السرقة يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهِ فِي الْمَسْرُوقِ أُمُورٌ: كَوْنُهُ رُبُعَ دِينَارٍ
﴿كتاب قطع السرقة﴾
لو قال: (كتاب السرقة) كما فعل في (الزنا).. لكان أخصر وأعم؛ لتناوله أحكام نفس السرقة.
والسرقة: بفتح السين وكسر الراء، ويجوز إسكان الراء مع فتح السين وكسرها، وهي لغة: أخذ الشيء خفية، ومنه استرق السمع؛ أي: استمع مستخفيًا، وشرعًا: أخذ مال الغير خفية، وإخراجه من حرز.
وأصل ال
باب:
الإجماع، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الآية، والأخبار الشهيرة فيه.
ولمَّا نظم أبو العلاء المعري البيت الذي شكك به على الشريعة في الفرق بين الدية، والقطع في السرقة، وهو: [من البيسط]
يَدٌ بِخَمْسِ مِئِينَ عَسْجَدٍ وُدِيَتْ... مَا بَالُهَا قُطِعَتْ فِي رُبْعِ دِينَارِ
أجابه القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله: [من البيسط]
وِقَايَةُ النَّفْسِ أَغْلَاهَا وَأَرْخَصهَا... وِقَايَةُ الْمَالِ فَافْهَمْ حِكْمَةَ الْبَارِي
وهو جواب بديع مع اختصار، ومعناه: أن اليد لو كانت تودى بما تقطع فيه أو بما يقاربه.. لكثرت الجنايات على الأطراف؛ لسهولة الغرم في مقابلها، فغلظ الغرم؛ حفظًا لها، ولو كانت لا تقطع إلا في سرقة ما تودى به.. لكثرت الجنايات على الأموال، فحفظ ذلك بالتقليل؛ حفظًا لها.
وقال ابن الجوزي لما سئل هذا السؤال: لمَّا كانت أمينة.. كانت ثمينة، فلما خانت.. هانت.
(يشترط لوجوبه في المسروق أمور: كونه ربع دينار) لقوله صلى الله عليه وسلم: "لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا" متفق عليه، واللفظ لمسلم 1،
خَالِصًا أَوْ قِيمَتَهُ، وَلَوْ سَرَقَ رُبُعًا سَبيكَةً لَا يُسَاوِي رُبُعًا مَضْرُوبًا.. فَلَا قَطْعَ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ سَرَقَ دَنَانِيرَ ظَنَّهَا فُلُوسًا لَا تُسَاوِي رُبُعًا.. قُطِعَ، وَكَذَا ثَوْبٌ رَبٌّ فِي جَيْبِهِ تَمَامُ رُبُعٍ جَهِلَهُ فِي الأَصَحِّ
(خالصًا) لأن الربع المغشوش ليس بربع دينار حقيقة، فلو كان في المغشوش ربع خالصًا.. وجب القطع، (أو قيمته) لأنه صلى الله عليه وسلم قطع في مِجَنٍّ قيمته ثلاثة دراهم 1.
وكانت قيمة الدينار ذلك الوقت اثني عشر درهمًا، والتقويم يكون بالذهب المضروب الخالص، فلو سرق دراهم أو غيرها.. قومت به، وتعتبر في كل زمان ومكان قيمته بالغة ما بلغت، ويعتبر النصاب وقت إخراجه من الحرز.
(ولو سرق ربعًا سبيكة لا يساوي ربعًا مضروبًا.. فلا قطع في الأصح) لأن المذكور في الخبر لفظ الدينار، وهو اسم للمضروب، والثاني: يقطع، ولا حاجة لتقويمه؛ لبلوغ عين الذهب قدر النصاب؛ كما في الزكاة.
وما رجحه تبع فيه "المحرر"، وجرى عليه في "الروضة"، ولم يصرح في "الشرحين" بترجيح 2، قال الأَذْرَعي: والثاني هو قول الجمهور، والخلاف راجع إلى أن الاعتبار بالوزن أو القيمة، ويتفرع عليه ما لو سرق خاتمًا وزنه دون ربع، وقيمته بالصنعة تبلغ ربعًا، وقضية ترجيح ما في "الكتاب": وجوب القطع هنا.
وقد وقع في "الروضة" خلل؛ فإنه رجح عدم وجوب القطع في الصورتين، ثم عقبه بقوله: والخلاف في المسألتين راجع إلى الاعتبار بالوزن أو القيمة 3، وهو لا يستقيم.
(ولو سرق دنانير ظنها فلوسًا لا تساوي ربعًا.. قطع) لأنه قصد سرقة عينها، وهي تساوي ربعًا، (وكذا ثوب رث في جيبه تمام ربع جهله في الأصح) لأنه أخرج نصابًا من حرزه على قصد السرقة، والجهل بجنس المسروق لا يؤثر كالجهل بصفته،
وَلَوْ أَخْرَجَ نِصَابًا مِنْ حِرْزٍ مَرَّتَيْنِ؛ فَإِنْ تَخَلَّلَ عِلْمُ الْمَالِكِ وَإِعَادَةُ الْحِرْزِ.. فَالإِخْرَاجُ الثَّانِي سَرِقَةٌ أُخْرَى، وَإِلَّا.. قُطِعَ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ نَقَبَ وِعَاءَ حِنْطَةٍ وَنَحْوِهَا فَانْصَبَّ نِصَابٌ.. قُطِعَ فِي الأَصَحِّ. وَلَوِ اشْتَرَكَا فِي إِخْرَاجِ نِصَابَيْنِ.. قُطِعَا، وَإِلَّا.. فَلَا
والثاني: لا يقطع؟ لأنه لم يقصد سرقة نصاب، ويخالف ما لو سرق دنانير ظنها فلوسًا.. فإنه قصد سرقة عينها.
(ولو أخرج نصابًا من حرز مرتين) فصاعدًا؛ بأن أخرج مرةً بعضه ومرةً باقيه لا غير، (فإن تخلل علم المالك وإعادة الحرز.. فالإخراج الثاني سرقة أخرى) فلا قطع؛ لأن كلَّ واحدة منفصلة عن الأخرى ولم تبلغ نصابًا، وكذا لو علم المالك وأهمله.. لا قطع أيضًا؛ لأنه مضيع.
ولو حذف قوله: (علم المالك).. لم يحتج إليه؛ لأن العبرة بالإعادة، والعلم يلازمها.
(وإلا) أي: وإن لم يتخلل علم المالك وإعادة الحرز (.. قطع في الأصح) لأنه أخرج نصابًا كاملًا من حرز مثله؛ فأشبه ما إذا أخرجه دفعة واحدة؛ لأن فعل الشخص ينبني على فعله، والثاني: لا قطع؛ لأنه أخذ النصاب من حرز مهتوك.
(ولو نقب وعاء حنطة ونحوها فانصب نصاب.. قطع في الأصح) ولا يشترط في السرقة الأخذ باليد؛ لأنه يعد سارقًا، والثاني: لا يقطع؛ لأنه خرج بسببه لا بمباشرته، والسبب ضعيف فلا يقطع به.
وظاهر إطلاقه: أنه لا فرق بين الانصباب دفعةً واحدة أو تدريجًا، وقال في "الروضة": إن انصب دفعةً.. قطع، أو شيئًا فشيئًا.. فكذلك على المذهب، وقيل: وجهان، ومن صور المسألة: طرّ الجيب والكم 1.
(ولو اشتركا في إخراج نصابين.. قطعا) لأن كل واحدٍ منهما سرق نصابًا، (وإلا) أي: وإن كان ما أخرجاه دون نصابين (.. فلا) قطع على واحد منهما؛ لأن كل واحد منهما لم يسرق نصابًا، وليس هذا كالشركة في القتل حيث يجب القصاص عليهما؛ لأن مقصود القصاص وقاية الروح والعضو، فلو سقط.. لأدى إلى
وَلَوْ سَرَقَ خَمْرًا وَخِنْزِيرًا أَوْ كَلْبًا وَجِلْدَ مَيْتَةٍ بِلَا دَبْغٍ.. فَلَا قَطْعَ، فَإِنْ بَلَغَ إِنَاءُ الْخَمْرِ نِصَابًا.. قُطِعَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَا قَطْعَ فِي طُنْبُورٍ وَنَحْوِهِ، وَقِيلَ: إِنْ بَلَغَ مُكَسَّرُهُ نِصَابًا.. قُطِعَ. قُلْتُ: الثَّانِي أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. الثَّانِي: كَوْنُهُ مِلْكًا لِغَيْرِهِ؛
التواطئ؛ فيفوت مقصوده، ومقصود السرقة: الاستكثار من المال، والتواطؤ لذلك لا يحصله.
(ولو سرق خمرًا وخنزيرًا، أو كلبًا وجلد ميتة، بلا دبغ.. فلا قطع) سواء سرقه مسلم أو ذمي؛ لأنه ليس بمال، وأفهم كلامه: أنه لو دبغ السارق الجلد في الحرز، وصار يساوي نصاب سرقة، ثم أخرجه.. أنه يقطع؛ لأنه سرقه مدبوغًا؛ إذ السرقة شرعا أخذ مال الغير خفية وإخراجه من الحرز، وهو الأصحُّ.
وكان ينبغي أن يقول: (ولو أخرج) بدل (سرق) إذ لو كان سارقًا.. لقطع، وقد نازع الرافعي "الوجيز" في تعبيره بذلك في غير هذه المسألة، ووقع فيه هنا 1.
(فإن بلغ إناء الخمر نصابًا.. قطع على الصحيح) لأنه سرق نصابًا لا شبهة له فيه من حرزه، والثاني: المنع؛ لأن ما فيه مستحق الإزالة؛ فيصير شبهة في دفعه.
(ولا قطع في طنبور ونحوه) لأنه من آلات الملاهي فأشبه الخمر، وكذا كل آلة معصية؛ كصليب وصنم، (وقيل: إن بلغ مكسره نصابًا.. قطع) لأنه سرق نصابًا من حرزه، (قلت: الثاني أصح، والله أعلم) ونقل تصحيحه في "الروضة" عن الأكثرين 2.
ومحل الخلاف: ما إذا قصد السرقة، فأما إذا قصد بإخراجها تيسر إفسادها.. فلا قطع قطعًا؛ كما جزم به في "أصل الروضة" 3، وفي "الشرح الصغير" وجعل ابن داوود محل الخلاف أيضًا: إذا كان لمسلم؛ فإن كان لذمي.. قطع قطعًا.
الشرط (الثاني: كونه ملكا لغيره) فلا قطع على من سرق ملك نفسه من يد غيره؛ كيد المرتهن والمستأجر ونحوهما، وكذا المبيع من يد بائعه في زمن الخيار، ولو
فَلَوْ مَلَكَهُ بِإِرْثٍ أَوْ غَيْرِهِ قَبْلَ إِخْرَاجِهِ مِنَ الْحِرْزِ، أَوْ نَقَصَ فِيهِ عَنْ نِصَابٍ بِأَكْلٍ وَغَيْرِهِ.. لَمْ يُقْطَعْ، وَكَذَا لَوِ ادَّعَى مِلْكَهُ عَلَى النَّصِّ
سرق ما وهب له بعد القبول وقبل القبض.. لم يقطع على الأصحِّ وإن قلنا: إن الملك موقوف على القبض.
(فلو ملكه بإرث أو غيره) كشراء أو هبة (قبل إخراجه من الحرز، أو نقص فيه عن نصاب بأكل وغيره) كإحراق (.. لم يقطع) أما في الأولى.. فلأنه ما أخرج إلا ملكه، وأما في الثانية.. فلأنه لم يخرج من الحرز نصابًا.
واحترز بقوله: (قبل إخراجه) عمَّا لو طرأ ذلك بعد إخراجه؛ فإنه لا يسقط القطع.
نعم؛ يستثنى: ما لو طرأ الملك بعد الإخراج وقبل الرفع إلى الحاكم.. فإنه لا يمكن استيفاء القطع؛ بناءً على أن استيفاءه يتوقف على الدعوى بالمسروق والمطالبة به، وهو الصحيح كما سيأتي.
(وكذا لو ادعى) السارق (ملكه على النص) بأن قال: (كان غصبه مني) أو (من مورثي)، أو (كان وديعة عنده) أو (عارية) لأن ما يدعيه محتمل فصار شبهة في القطع، ويروى عن الشافعي أنه سمَّاه: السارق الظريف.
قال القفال في "فتاويه": والفرق بين هذا وبين ما إذا قامت بينة على زناه بامرأة معيَّنة، فقال: (كنت نكحتها حين وطئتها).. فلا يسقط عنه الحد بهذه الدعوى، سواء كانت حرة أو أمة، وفي الأمة وجه إذا ادَّعى أن مولاها وهبها منه وأقبضها: أن المال يجري فيه التخفيف، كذا نقله ابن الملقن وأقره 1، ونقله الإمام عن النص، وقال: إنه ظاهر المذهب، وأقره الشيخان، لكن نقل الماوردي في دعوى الزوجية اتفاق الأصحاب على أنه لا يحد، وجعله حجة على أبي إسحاق في قوله: في مسألة "الكتاب"، وفي وجه أو قول مخرج أنه لا يسقط القطع بذلك؛ لئلا يتخذ الناس ذلك ذريعة لدفع الحد، وحمل النص على ما إذا أقام بينة بما ادعاه، قال الروياني في
وَلَوْ سَرَقَاه وَادَّعَاهُ أَحَدُهُمَا لَهُ أَوْ لَهُمَا وَكَذَّبَهُ الآخَرُ.. لَمْ يُقْطَعِ الْمُدَّعِي وَقُطِعَ الآخَرُ فِي الأَصحِّ. وَإِنْ سَرَقَ مِنْ حِرْزِ شَرِيكِهِ مُشْتَرَكًا.. فَلَا قَطْعَ فِي الأَظْهَرِ وَاِنْ قَلَّ نَصِيبُهُ. الثَّالِثُ: عَدَمُ شُبْهَةٍ فِيهِ؛ فَلَا قَطْعَ بِسَرِقَةِ مَالِ أَصْلٍ وَفَرْعٍ
"الحلية": وله وجه عند فساد الزمان، ومحل هذا الوجه أو القول: ما إذا حلف مدعي السرقة على نفي ما ادعاه، فلو لم يحلف وحلف السارق.. فلا قطع قطعًا، ولو أقر المسروق منه: أن المال كان ملك السارق.. فلا قطع قطعًا، ومحله أيضًا في سقوط القطع؛ كما فرضه المصنف، أما المال.. فلا يقبل قوله فيه، بل القول قول المأخوذ منه بيمينه.
ويجري الخلاف فيما لو ادعى أن المسروق ملك ابنه أو ملك سيده، أو أن المسروق منه عبده وهو مجهول النسب، أو أن الحرز ملكه غصبه المسروق منه.
(لو سرقاه وادعاه أحدهما له أو لهما وكذبه الآخر.. لم يقطع المدعي) لاحتمال صدقه (وقطع الآخر في الأصح) لأنه مقرٌّ بسرقة نصاب بلا شبهة، والثاني: لا يقطع؛ لأنه ادعى ما لو صدق فيه.. لسقط القطع؛ فصار كما لو قال المسروق منه: إنه ملكه؛ فيسقط القطع.
(وإن سرق من حرز شريكه مشتركًا.. فلا قطع في الأظهر وإن قلَّ نصيبه) لأن له في كل جزء حقًّا شائعًا؛ فأشبه وطء الجارية المشتركة، والثاني: يقطع إن خلص له من نصيب شريكه نصاب سرقة؛ إذ لا حقَّ له في نصيب الشريك.
(الثالث: عدم شبهة فيه) لحديث: "ادْرَؤُوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ" صحح الحاكم إسناده 1، (فلا قطع بسرقة مال أصل) وإن علا (وفرع) وإن سفل؛ لما بينهما من البعضية، وفي الحديث: "أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبِيكَ" 2.
وخرج بالأصل والفرع: ما عداهما؛ كالإخوة، وغيرهم فإنه يقطع؛ لانتفاء ما ذكرناه.
وَسَيِّدٍ، وَالأَظْهَرُ: قَطْعُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ بالآخَرِ. وَمَنْ سَرَقَ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ؛ إِنْ فُرِزَ لِطَائِفَةٍ لَيْسَ هُوَ مِنْهُمْ.. قُطِعَ، وَإِلَّا.. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فِي الْمَسْرُوقِ كَمَالِ مَصَالِحَ وَكَصَدَقَةٍ وَهُوَ فَقِيرٌ.. فَلَا، وَإِلَّا.. قُطِعَ،
(وسيد) بالإجماع؛ لشبهة استحقاق النفقة، ويده كيد سيده، والمبعض كالقن، وكذا المكاتب على الأصحِّ.
(والأظهر: قطع أحد الزوجين بالآخر) أي: سرقة مال الآخر من حرز؛ لعموم الأدلة، والثاني: لا قطع؛ للشبهة، فإنها تستحق النفقة في ماله، وهو يملك الحجر عليها، ومنعها من التصرف فيه عند مالك، والثالث: وصححه ابن أبي عصرون تبعًا للفارقي: يقطع الزوج دونها؛ لأن لها حقوقًا في ماله بخلافه، قال الأَذْرَعي: وهو أعدلها، والخلاف في الزوجة إذا لم تستحق شيئًا حين السرقة، أما إذا كانت تستحق النفقة والكسوة في تلك الحالة.. فالمتجه كما قاله في "المطلب": أن لا قطع إذا أخذت بقصد الاستيفاء؛ كما في حق رب الدين إذا سرق نصابًا من مال المديون.
(ومن سرق مال بيت المال؛ إن فرز لطائفة ليس هو منهم.. قطع) إذ لا شبهة له فيه قال الإمام: وكذا الفيء المعدُّ للمرتزقة؛ تفريعًا على أنه ملكهم، (وإلا) أي: وإن لم يفرز (.. فالأصح: أنه إن كان له حق في المسروق، كمال مصالح، وكصدقة وهو فقير.. فلا) للشبهة المذكورة، (وإلا) أي: وإن لم يكن له فيه حق؛ كالغني من الصدقات (.. قطع) لانتفاء الشبهة، والثاني: يقطع مطلقًا كما في سائر الأموال، والثالث: لا قطع مطلقًا؛ سواء كان غنيًّا أو فقيرًا، سواء سرف من مال الصدقات أو من مال المصالح؛ لأنه مرصد للحاجة.
ومحل منع القطع في مال المصالح: إذا كان مسلمًا، أما الذمي إذا سرق منها نصابًا.. فالصحيح.. قطعه، وقيل: لا يقطع، واختاره البغوي ثم قال: هذا في مال المصالح، أما لو سرق من مال من مات ولم يخلف وارثًا.. فعليه القطع؛ لأن إرثه للمسلمين خاصة وأقراه 1.
وَالْمَذْهَبُ: قَطْعُهُ بِبَابِ مَسْجِدٍ وَجِذْعِهِ لَا حُصُرِهِ وَقَنَادِيلَ تُسْرَجُ. وَالأَصَحُّ: قَطْعُهُ بِمَوْقُوفٍ،
ويستثنى من قطع الغني بالصدقة: ما لو كان غارمًا وأخذه لإصلاح ذات البين أو كان غازيًا.
(والمذهب: قطعه بباب مسجد، وجذعه) ونحوهما من متصلاته؛ كسواريه وسقفه ومنبره؛ لأنه مال يضمن باليد والإتلاف كسائر الأموال، وخرج الإمام وجهًا في الأبواب والسقوف؛ لأنها أجزاء المسجد، والمساجد يشترك فيها المسلمون، ويتعلق بها حقوقهم؛ كمال بيت المال، كذا نقلاه عنه 1، وقد حكاه الماوردي عن ابن أبي هريرة 2.
(لا حصره) المعدة للاستعمال، (وقناديل تسرج) لأن ذلك لمصلحة المسلمين، فله فيه حق؛ كمال بيت المال، وهذا ما قطع به جماعة، بل ادعى القاضي الحسين الإجماع فيه ثم نقل فيما يعد للزينة وجهين، قال ابن الرفعة: ويخرج منه أوجه: ثالثها: التفصيل بين المعدة للزينة وما ينتفع به.
انتهى 3، وقد صرح الإمام بالأوجه الثلاثة؛ كما نقلاه عنه في "الشرح" و"الروضة" 4.
والفرق بين الباب والجذع وما نحن فيه: أن الحصر أعدت لينتفع بها الناس، والقناديل ليستضيؤوا بها، والأبواب والسقوف والجذوع لتحصين المسجد وعمارته لا الانتفاع، وكل هذا في المسلم، أما الذمي إذا سرق الباب أو الحصير أو غيرهما.. فيقطع قطعًا؛ كما في "الروضة" و"أصلها" 5.
(والأصح قطعه بموقوف) كما في أستار الكعبة؛ لأنه مال محرز، وسواء قلنا الملك لله أو للموقوف عليه، والثاني: المنع؛ أما إذا قلنا: إن الملك فيه لله تعالى.. فلأنه ينفك عن ملك الآدميين؛ كالمباحات، وأما على غير هذا القول.. فلضعف الملك.
وَأُمِّ وَلَدٍ سَرَقَهَا نَائِمَةً أَوْ مَجْنُونَةً. الرَّابِعُ: كَوْنُهُ مُحْرَزًا بِمُلَاحَظَةٍ أَوْ حَصَانَةِ مَوْضِعِهِ
ومحل الخلاف: إذا لم يكن له فيه استحقاق ولا شبهة استحقاق؛ فإن كان كمن سرق من وقف على جماعة هو منهم، أو كان أصلًا أو فرعًا لأحد الموقوف عليهم.. فلا قطع قطعًا، وقد علم هذا من قول المصنف أولًا: (الثالث: عدم شبهة فيه).
وصوَّر الماوردي وغيره المسألة: بما إذا كان الوقف على معين 1، فأما الوقف على الجهات العامة أو على وجوه الخير.. فلا قطع فيه؛ لأنه في حكم بيت المال، قال الروياني: وإن كان ذميًّا؛ لأنه تبع للمسلمين في المصالح 2.
واحترز بالموقوف: عمَّا لو سرق من غلة الموقوف.. فيقطع قطعًا.
(وأم ولد سرقها نائمةً أو مجنونةً) لأنها مملوكة مضمونة بالقيمة؛ كالقن، والثاني: لا؛ لنقصان الملك.
واحترز بهذا القيد: عما لو كانت عاقلة يقظانة.. فلا قطع؛ لقدرتها على الامتناع.
وخرج بأم الولد: المكاتب والمبعض؛ فلا قطع بسرقتهما.
(الرابع: كونه محرزًا) فلا قطع بما ليس بمحرز بالإجماع؛ كما حكاه ابن المنذر 3 (بملاحظة أو حصانة موضعه) هذا تفسير للحرز؛ فإن الشرع أطلقه ولم يبينه، فرجع فيه إلى العرف؛ كما في القبض والتفرق وغيرهما؛ فإن السارق حينئذ يكون على خطر من أن يطلع عليه، وتعظم جرأته عند فقد ذلك؛ فعد المالك مضيعًا، ولا شك أن الأشياء تختلف فيختلف حرزها على ما سيأتي.
وتعبيره بـ (أو) يقتضي: الاكتفاء بالحصانة من غير ملاحظة، وليس كذلك، وسيصرح بخلافه في قوله: (وإن كان بحصن.. كفى لحاظٌ معتادٌ) وقال الرافعي: لا يكفي حصانة الموضع عن أصل الملاحظة حتى إن الدار البعيدة عن البلد لا تكون حرزًا وإن تناهت في الحصانة 4.
فَإِنْ كَانَ بِصَحْرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ.. اشْتُرِطَ دَوَامُ لِحَاظٍ، وَإِنْ كَانَ بِحِصْنٍ.. كَفَى لِحَاظٌ مُعْتَادٌ. وَإِصْطَبْلٌ حِرْزُ دَوَابَّ لَا آنِيَةٍ وَثِيَابٍ، وَعَرْصَةُ دَارٍ وَصُفَّتُهَا حِرْزُ آنِيَةٍ وَثِيَابِ بِذْلَةٍ، لَا حُلِيٍّ وَنَقْدٍ. وَلَوْ نَامَ بِصَحْرَاءَ أَوْ مَسْجِدٍ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ تَوَسَّدَ مَتَاعًا.. فَمُحْرَزٌ، فَلَوِ انْقَلَبَ فَزَالَ عَنْهُ.. فَلَا، وَثَوْبٌ وَمَتَاعٌ وَضَعَهُ بِقُرْبِهِ بِصَحْرَاءَ إِنْ لَاحَظَهُ.. مُحْرَزٌ، وَإِلَّا.. فَلَا
(فإن كان بصحراء أو مسجد.. اشترط دوام لحاظ) بكسر اللام (وإن كان بحصن.. كفى لحاظ معتاد) ولا يشترط دوامه؛ عملًا بالعرف.
(وإصطبل حرز دواب) وإن كانت نفيسة (لا آنية وثياب) لأن إخراج الدواب مما يظهر ويبعد الاجتراء عليه، بخلاف ما يخف ويسهل حمله وإخراجه، واستثنى البُلْقيني من ذلك: آنية الإصطبل؛ كالسطل وثياب الغلام وآلات الدواب من سروج وبراذع ولجم ورحال جمال وقربة السقاء والراوية؛ للعرف.
(وعرصة دار وصفَّتها حرز آنية، وثياب بذلة) كالبسط والأواني (لا حلي ونقد) لأن العادة فيها الإحراز في البيوت المغلقة في الدور، والثياب النفيسة والآنية النفيسة في معنى الحُلِيِّ.
(ولو نام بصحراء أو مسجد على ثوب أو توسد متاعًا.. فمحرز) لقضاء العرف بذلك، فيقطع من أخذ الثوب من تحته، والمتاع من تحت رأسه، وهكذا إذا أخذ العمامة من على رأسه، والمداس من رجله، والخاتم من إصبعه، (فلو انقلب فزال عنه.. فلا) لأنه لم يبق حرزًا، وكذا لو قلبه السارق ثم أخذه.
(وثوب ومتاع وضعه بقربه بصحراء إن لاحظه.. محرز) لقضاء العرف بذلك، ويشترط مع الملاحظة: ألَّا يكون في الموضع ازدحام للطارقين.
نعم؛ إن كثر الملاحظون.. عادل كثرة الطارقين؛ كما نقلاه عن الإمام، وأقراه 1.
(وإلا) أي: وإن لم يلاحظه؛ بأن نام أو ولَّاه ظهره (.. فلا) قطع؛ لأنه غير محرز.
وَشَرْطُ الْمُلَاحِظِ: قُدْرَتُهُ عَلَى مَنْعِ سَارِقٍ بِقُوَّةٍ أَوِ اسْتِغَاثَةٍ. وَدَارٌ مُنْفَصلَةٌ عَنِ الْعِمَارَةِ إِنْ كَانَ بِهَا قَوِيٌّ يَقظَانُ.. حِرْزٌ مَعَ فَتْحِ الْبَابِ وَإِغلَاقِهِ، وَإِلَّا.. فَلَا، وَمُتَّصِلةُ حِرْزٌ مَعَ إِغْلَاقِهِ وَحَافِظٍ وَلَوْ نَائِمٌ، وَمَعَ فَتْحِهِ وَنَوْمِهِ غيْرُ حِرْزٍ لَيْلًا، وَكَذَا نَهَارًا فِي الأَصَحِّ،
(وشرط الملاحظ: قدرته على منع سارق بقوة أو استغاثة) فالضعيف الذي لا يبالي السارق به في الموضع البعيد عن العمران ضائعٌ مع ماله.
(ودار منفصله عن العمارة إن كان بها قويٌّ يقظان.. حرزٌ مع فتح الباب وإغلاقه) لاقتضاء العرف ذلك، (وإلا) أي: وإن لم يكن فيها أحد (.. فلا) تكون محرزة، سواء كان الباب مفتوحًا أم مغلقًا، وكذا إن كان فيها أحد وهو غير قوي، أو قويًّا لكنه نائم والباب مفتوح؛ فإن كان مغلقًا.. فوجهان: أحدهما: إنها ليست محرزة، وهو ظاهر كلام "الكتاب"، و"أصله" 1، والثاني: إنها محرزة، وهو الأدرب في "الشرح الصغير"، والأقوى في "زيادة الروضة" 2.
(ومتصلة) بدور آهلة (حرز مع إغلاقه، وحافظ ولو نائم) سواء الليل والنهار؛ لأن السارق على خطر من اطلاعه، وتنبهه بحركاته، واستغاثته بالجيران، (ومع فتحه) أي: الباب (ونومه) أي: الحافظ (غير حرز ليلًا) لأنه المضيع بالفتح مع النوم.
(وكذا نهارًا في الأصح) كما لو لم يكن فيها أحد والباب مفتوح، والثاني: يكون حرزًا؛ اعتمادًا على نظر الجيران ومراقبتهم.
ومحل الخلاف: في زمن الأمن من النهب وغيره، وإلا.. فالأيام كالليالي؛ كما ذكره في "أصل الروضة" 3، ومحله أيضًا: إذا كان الباب مطروقًا تمر به الجيران؛ قاله الرافعي وأغفلته "الروضة" 4.
وَكَذَا يَقْظَانُ تغفَّلَهُ سَارِقٌ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ خَلَتْ.. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهَا حِرْزٌ نَهَارًا زَمَنَ أَمْنٍ وَإِغْلَاقِهِ، فَإِنْ فُقِدَ شَرْطٌ.. فَلَا. وَخَيْمَةٌ بِصَحْرَاءَ إِنْ لَمْ تُشَدَّ أَطْنَابُهَا وَتُرْخَى أَذْيَالُهَا.. فَهِيَ وَمَا فِيهَا كَمَتَاعٍ بِصَحْرَاءَ، وَإِلَّا.. فَحِرْزٌ بِشَرْطِ حَافِظٍ قَوِيٍّ فِيهَا وَلَوْ نَائِمٌ
(وكذا) إذا كان بها (يقظان تغفله سارق) فليست محرزة (في الأصح) فلا يجب القطع؛ لتقصيره بإهمال المراقبة مع فتح الباب، والثاني: إنها حرز؛ لعسر المراقبة دائمًا.
ومحل الخلاف: ما إذا لم يبالغ في الملاحظة، فإن بالغ فيها بحيث يحصل الإحراز بمثلها في الصحراء، وانتهز السارق الفرصة.. فيقطع قطعًا؛ كما في "أصل الروضة" 1.
(فإن خلت) أي: الدار فلم يكن فيها أحد (.. فالمذهب: أنها حرز نهارًا زمن أمن وإغلاقه، فإن فقد شرط) من هذه الثلاثة (.. فلا) يكون حرزًا في وقت الخوف، ولا في الليالي وإن كان الباب مغلقًا، وإن كان مفتوحًا.. لم يكن حرزًا أصلًا، قال الرافعي: هذا هو الظاهر، وهو الجواب في "التهذيب"، ومن جعل الدار المنفصلة عن العمارة حرزًا عند إغلاق الباب.. فأولى أن يجعل المتصلة بها عند الإغلاق حرزًا.
انتهى 2، فعبر المصنف هنا وفي "الروضة" بالمذهب 3؛ لأجل هذا البحث، وهو بحث عجيب من الرافعي؛ فإن الكلام هنا في المغلقة الخالية، والخلاف السابق في المنفصلة محله: إذا كان فيها نائم قوي، ولم يقل أحد إن المنفصلة إذا كانت مغلقة خالية تكون حرزًا، ذكره الأَذْرَعي.
(وخيمة بصحراء إن لم تشد أطنابها وترخى أذيالها.. فهي وما فيها كمتاع بصحراء) وقد مرَّ حكمه، (وإلا) أي: وإن شدت أطنابها وأرخي أذيالها (.. فحرز بشرط حافظ قوي فيها ولو نائم) لحصول الإحراز عادة.
وَمَاشِيَةٌ بِأَبْنِيَةٍ مُغْلَقَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِالْعِمَارَةِ مُحْرَزَةٌ بِلَا حَافِظٍ، وَبِبَرِّيَّةٍ يُشْتَرَطُ حَافِظ وَلَوْ نَائِمٌ، وَإبِلٌ بِصَحْرَاءَ مُحْرَزَةٌ بِحَافِظٍ يَرَاهَا، وَمَقْطُورَةٌ يُشْتَرَطُ الْتِفَاتُ قَائِدِهَا إِلَيْهَا كُلَّ سَاعَةٍ بِحَيْثُ يَرَاهَا،
وقوله: (فيها) ليس بقيد بل لو كان بقربها.. كان كذلك.
واعتبار شد الأطناب وإرخاء الأذيال إنما هو بالنسبة لما فيها، فأما بالنسبة إليها.. فهي محرزة بدون إرخاء الأذيال؛ كما في "الروضة" و"أصلها" 1، وما اعتبره في كون الحافظ قويًّا عبارة "الروضة" و"أصلها" يقتضي: أنه يشترط: إما القوة وإما إمكان الاستغاثة؛ حيث قالا: قال الأئمة: والشرط: أن يكون هناك من يتقوى به، فأما إذا كان في مفازة بعيدة عن الغوث وهو ممن لا يبالى به.. فلا إحراز 2.
(وماشية بأبنية مغلقة متصلة بالعمارة محرزة بلا حافظ) للعادة.
واحترز بمغلقة: عمَّا لو كان الباب مفتوحًا.. فلا بُدَّ من الحافظ، (وببرية) أي: وإن كانت بأبنية منفردة ببرية، (يشترط حافظ ولو نائم) إذا كان الباب مغلقًا، فإن كان مفتوحًا.. اشترط يقظته، وهذا يفهم من قوله أولًا: (مغلقة).
(وإبل بصحراء) ترعى (محرزة بحافظ يراها) كلها؛ فإن لم ير بعضها؛ لكونه في وهدة أو خلف جبل أو حائط.. فذلك البعض غير محرز.
واقتصاره على الرؤية يقتضي: أنه لا يشترط بلوغها صوته، وهو الأشبه في "الشرح الصغير"، ونسبه في "المطلب" إلى الأكثرين، لكن عبارة "الروضة" و"أصلها" يقتضي: أن المرجح: اشتراط بلوغها صوته.
وحكم الخيل والبغال والحمير وهي ترعى: حكم الإبل، وكذا الغنم إذا كان الراعي على نَشَز من الأرض يراها جميعها.. فهي محرزة إذا بلغها صوته وإن كانت متفرقة 3.
(ومقطورة يشترط التفات قائدها إليها كل ساعة بحيث يراها) جميعها؛ فإن كان
وَأَلَّا يَزِيدَ قِطَارٌ عَلَى تِسْعَةٍ، وَغَيْرُ مَقْطُورَةٍ لَيْسَتْ مُحْرَزَةً فِي الأَصَحِّ،
لا يرى البعض لحائل جبل أو بناء.. فذلك البعض ليس محرزًا، قالا: وقد يستغنى بنظر المارة عن نظره إذا كان يُسيِّرها في السوق مثلًا 1؛ فعلى هذا: تستثنى هذه الصورة من إطلاق "الكتاب".
(وألا يزيد قطار على تسعة) للعادة الغالبة، فإن زاد.. فكغير المقطورة، هذا ما صدَّر به الرافعي كلامه، ثم قال: والأحسن - في "الروضة": والأصح - توسط أورده السَّرَخْسي فقال: في الصحراء لا يتقيد القطار بعدد، وفي العمران يتقيد بالعادة، وهو من سبعة إلى عشرة، فإن زاد.. لم تكن الزيادة محرزة 2، قال في "المطلب": وهو ما أورده القاضي الحسين في "التعليق"، قال الرافعي: ومنهم من أطلق التقطير ولم يقيده بعدد 3، قال الأَذْرَعي: وهم الجمهور، وكذا أطلقه الشافعي في "الأم" و"المختصر" 4.
وقوله (تسعة)، كذا هو في "الشرحين" و"الروضة" 5، وقال ابن الصلاح: إن ذلك وقع في بعض نسخ "الوسيط" وهو تصحيف، والصحيح (سبعة) بالموحدة بعد السين، وعليه العرف، انتهى 6.
واعترضه الأَذْرَعي: بأن المنقول (تسعة) بالمثناة في أوله؛ كما ذكراه، وهو ما ذكره الفوراني في كتابيه، ونقله عن العمراني، وكذا قاله البغوي، والغزالي في "الوجيز" و"الوسيط" 7، ونسبه في "البسيط" إلى الأصحاب.
(وغير مقطورة) بأن كانت تساق أو تقاد (ليست محرزة في الأصح) لأن الإبل لا تسير كذلك غالبًا، والثاني: أن المرسلة كالمقطرة، والمعتبر: أن تقرب منه،
وَكَفَنٌ فِي قَبْير بِبَيْتٍ مُحْرَزٍ مُحْرَزٌ،
ويقع نظره عليها، ولا تعتبر صورة التقطير، وتصحيح الأول تبع فيه "المحرر"؛ فإنه قال: إنه الأشبه 1، ولم يصرحا في "الروضة" و"أصلها" بترجيح، ورجح في "الشرح الصغير": الثاني، وقال: إنه أولى، وقال الأَذْرَعي: إنه المذهب، ونقله عن الأكثرين، وقال في "المهمات": الفتوى على أنها ليست بمحرزة، فقد نصَّ عليه في "الأم" 2.
(وكفن في قبر ببيت محرز محرز) فيقطع بسرقته الكفن منه، لما رواه البيهقي عن البراء يرفعه: "مَنْ نَبَشَ.. قَطَعْنَاهُ" 3، ولأنه سارق وإن اختص باسم النبش فاندرج في الآية.
والمقبرة المحفوفة بالعمارة التي يندر تخلف الطارقين عنها في زمن يتأتى فيه النبش، أو كان عليها حُرَّاس مرتبون.. بمثابة البيت المحرز؛ نقلاه عن الإمام، وأقراه 4، وسواء قلنا: الملك في الكفن لله تعالى أو للميت أو للوارث على الأصحِّ؛ لأجل اختصاص الميت به.
نعم؛ لو سرقه بعض الورثة أو ولد بعضهم.. فلا قطع، وسواء الكفن المشروع، وهو خمسة أثواب أو ثلاثة أو غيره؛ وهو الزائد على ذلك.
وما وقع في "العجالة" هنا من كونه لا يقطع بالزائد على ذلك على الأصحِّ غلط، ومحله: في الصورة التي تليها 5.
وَكَذَا بمَقْبَرَةٍ بطَرَفِ الْعِمَارَةِ فِي الأَصَحِّ، لَا بمَضْيَعَةٍ فِي الأَصَحِّ.
فصلٌ [فيما يمنع القطع وما لا يمنعه]
يُقْطَعُ مُؤَجِّرُ الْحِرْزِ
(وكذا بمقبرة بطرف العمارة في الأصح) لأن القبر في المقابر حرز في العادة؛ كما أن البيت المغلق في العمران حرز وإن لم يكن فيه أحد، والثاني: المنع؛ لأنه ليس دونه
باب
مغلق، ولا عليه حارس؛ فصار كالمتاع الموضوع هناك، وقيد الماوردي الأول بما إذا كان القبر عميقًا، فلو كان قريبًا من وجه الأرض.. فلا قطع، لكن نقل الرافعي آخر الباب عن "فتاوى البغوي" ما يخالفه؛ فإنه قال: لو وضع الميت على وجه الأرض ونضدت الحجارة عليه.. كان كالدفن حتى يجب القطع بسرقة الكفن لا سيما إذا كان لا يمكنهم الحفر 1، قال في "زيادة الروضة": (وينبغي ألّا يقطع إلا أن يتعذر الحفر؛ لأنه ليس بدفن) 2 انتهى.
ومحل القطع: في الكفن المشروع، وهو خمسة أثواب أو ثلاثة؛ فإن كفن في الزائد.. لم يقطع سارقه في الأصحِّ، ويجري الخلاف فيما لو وضع معه مضربة أو وسادة أو غيرهما، وفي الزيادة على ما يستحب تطييب الميت به.
(لا بمضيعة في الأصح) كالدار البعيدة عن العمران؛ لأن السارق يأخذ من غير خطر، والثاني: إن القبر حرز للكفن حيث كان؛ لأن النفوس تهاب الموتى.
(فصل: يقطع مؤجر الحرز) إذا سرق منه مال المستأجر؛ لأن المنافع بعقد الإجارة مستحقة للمستأجر، والإحراز من المنافع، قال الرافعي: وفي هذا التوجيه ما يبيَّن أن التصوير فيما إذا استحقَّ المستأجرُ إيواء المتاع إليه بالإجارة وإحرازه، دون من استأجر أرضًا للزراعة فآوى إليها ماشيةً مثلًا، وجرى عليه في "الروضة" 3؛ فإن
وَكَذَا مُعِيرُهُ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ غَصَبَ حِرْزًا.. لَمْ يُقْطَعْ مَالِكُهُ، وَكَذَا أَجْنَبِيٌّ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ غَصَبَ مَالًا وَأَحْرَزَهُ بِحِرْزِهِ فَسَرَقَ الْمَالِكُ مِنْهُ مَالَ الْغَاصِبِ أَوْ أَجْنَبِيٌّ الْمَغْصُوبَ.. فَلَا قَطْعَ فِي الأَصَحِّ
صح.. فليقيد به إطلاق "الكتاب".
(وكذا معيرهُ) إذا سرق منه مال المستعير (في الأصح) لأنه سرق النصاب من حرز محترم، وإنما يجوز له الدخول إذا رجع، وعليه أن يمهل المستعير بقدر ما ينقل فيه الأمتعة، والثاني: لا يقطع؛ لأن الإعارة لا تلزم، وله الرجوع متى شاء، فلا يحصل الإحراز عنه، والثالث: إن دخل الحرز بنية الرجوع عن العارية.. فلا قطع، وإلا.. فيقطع.
ومحل الخلاف: في العارية الجائزة، فإن كانت لازمة.. امتنع الرجوع فيها فيقطع قطعًا؛ كالمؤجر لا يتمكن من فسخ الإجارة.
(ولو غصب حرزًا.. لم يقطع مالكه) لأن له الدخول والهجوم عليه؛ فلا يكون محرزًا عنه، (وكذا أجنبي في الأصح) لأن الإحراز من المنافع، والغاصب لا يستحقها، والثاني: نعم؛ لأنه لا حقَّ له فيه، وليس له الدخول.
(ولو غصب) أو سرق (مالًا وأحرزه بحرزه فسرق المالك منه مال الغاصب أو أجنبي المغصوب) أو المسروق (.. فلا قطع في الأصح) أما في المالك.. فلأن له دخول الحرز وهتكه لأخذ ماله، فالذي يأخذه من مال الغاصب أو السارق يأخذه وهو غير محرز عنه، ووجه مقابله: أنه إذا أخذ مال الغاصب أو السارق.. عرفنا أنه هتك الحرز للسرقة لا لأخذ ماله، وأما في الأجنبي.. فلأن المالك لم يرض بإحرازه فيه فكأنه غير محرز، ووجه مقابله: أنه سرق نصابًا من حرز مثله بلا شبهة.
واحترز بقوله: (مال الغاصب) عما إذا سرق مال نفسه وحده.. فلا قطع قطعًا،
وبقوله: (أو أجنبي المغصوب) عما لو أخذ غير المغصوب؛ فإنه يقطع قطعًا؛ كما أشار إليه في "البسيط".
ولو وضع متاعه بدار غيره من غير علمه ورضاه، فسرق هل يقطع سارقه؟ فيه وجهان، حكاهما الحناطي، ورجح القطع؛ لأن الحرز يرجع إلى صون المتاع، وهو موجود هنا.
وَلَا يُقْطَعُ مُخْتَلِسٌ وَمُنْتَهِبٌ وَجَاحِدُ وَدِيعَةٍ. وَلَوْ نَقَبَ وَعَادَ فِي لَيْلَةٍ أُخْرَى فَسَرَقَ.. قُطِعَ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: هَذَا إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الْمَالِكُ النَّقْبَ وَلَمْ يَظْهَرْ لِلطَّارِقِينَ، وَإِلَّا.. فَلَا يُقْطَعُ قَطْعًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ نَقَبَ وَأَخْرَجَ غَيْرُهُ.. فَلَا قَطْعَ،
(ولا يقطع مختلس) وهو من يأخذ معتمدًا على الهرب من غير غلبة مع معاينة المالك، (ومنتهب) وهو من يأخذ عيانًا معتمدًا على قوته، (وجاحد وديعة) وعارية؛ لحديث: "لَيْسَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ وَالْمُنْتَهِبِ وَالْخَائِنِ قَطْعٌ" صححه الترمذي 1.
ولأن السارق يأخذ خفية، ولا يتأتى منعه؛ فشرع القطع زاجرًا، وهؤلاء يقصدون المال عيانًا فدفعهم بالسلطان ونحوه ممكن، ودخل في تفسيرهم المنتهب: قاطع الطريق؛ فلا بدَّ من لفظ يخرجه.
(ولو نقب وعاد في ليلة أخرى فسرق.. قطع في الأصح) كما لو نقب في أول الليل ثم أخرج المال في آخره، والثاني: لا؛ لأنه إنما يأخذ بعد انهتاك الحرز، فصار كما لو جاء غيره وأخذ المال، (قلت: هذا إذا لم يعلم المالك النقب ولم يظهر للطارقين) بأن كان خفيًّا، (وإلا) أي: وإن علم المالك أو ظهر للطارقين (.. فلا يقطع قطعًا، والله أعلم) لانهتاك الحرز.
(ولو نقب وأخرج غيره.. فلا قطع) على واحد منهما؛ لأن الناقب لم يسرق، والآخذ أخذ من غير حرز، وأطلق المصنف المسألة، وصورتها: ألا يكون في الدار أحد فإن كان فيها حافظ قريب من النقب، وهو يلاحظ المتاع.. فالمال محرزٌ به؛ فيجب القطع على الآخذ، فإن كان الحافظ نائمًا.. فلا قطع في الأصحِّ؛ كمن نام والباب مفتوح، هذا كله فيما إذا كان المخرج مميزًا، أما لو نقب ثم أمر صبيًّا لا يميز، أو أعجميًّا بالإخراج ففعل.. قال الجمهور: يجب القطع على الآمر، وقيل: على الخلاف في خروج البهيمة التي كانت واقفة.
وَلَوْ تَعَاوَنَا فِي النَّقْبِ وَانْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالإِخْرَاجِ، أَوْ وَضَعَهُ نَاقِبٌ بِقُرْبِ نَقْبه فَأَخْرَجَهُ آخَرُ.. قُطِعَ الْمُخْرِجُ، وَلَوْ وَضَعَهُ بِوَسَطِ نَقْبهِ فَأَخَذَهُ خَارِجٌ وَهُوَ يُسَاوِي نِصَابَيْنِ.. لَمْ يُقْطَعَا فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ رَمَاهُ إِلَى خَارِجِ حِرْزٍ، أَوْ وَضَعَهُ بِمَاءٍ جَارٍ أَوْ ظَهْرِ دَابَّةٍ سَائِرَةٍ، أَوْ عَرَّضَهُ لِرِيحٍ هَابَّةٍ فَأَخْرَجَتْهُ.. قُطِعَ، أَوْ وَاقِفَةٍ فَمَشَتْ بِوَضْعِهِ.. فَلَا فِي الأَصَحِّ
(ولو تعاونا في النقب وانفرد أحدهما بالإنجراج، أو وضعه ناقب بقرب نقبه فأخرجه آخر.. قطع المخرج) في الصورتين؛ لأنه السارق.
وقوله: (آخر) يوهم أنه لو كان المخرج في الصورة الثانية غير ناقب.. قطع، وليس كذلك، فلو قال: (الآخر) بالألف واللام.. لزال الإيهام، وتحصل الشركة وإن أخذ هذا لبنات وهذا لبنات على الأصحِّ.
(ولو وضعه بوسط نقبه فأخذه خارج وهو يساوي نصابين.. لم يقطعا في الأظهر) صورة المسألة: أنهما تعاونا في النقب ثم دخل أحدهما ووضع المتاع في بعض النقب فمد الخارج يده وأخرجه؛ وجه الأظهر: أن كلًّا منهما لم يخرجه من تمام الحرز، ووجه مقابله: اشتراكهما في الهتك والإخراج، وعبارة المصنف: توهم تصوير المسألة فيما إذا انفرد أحدهما بالنقب وليس كذلك.
فلو قال: (فأخذ شريكه في النقب).. لكان أصرح في المقصود.
(ولو رماه إلى خارج حرز أو وضعه بماء جار أو ظهر دابة سائرة) أو واقفة وسيَّرها، (أو عرضه لريح هابة فأخرجته.. قطع) لأن الإخراج في الجميع منسوب إليه.
واحترز بالجاري: عن الراكد، فإذا طرح المتاع فيه فزاد الماء بانفجار أو سيل ونحوهما فأخرجه.. فلا قطع في الأصحِّ؛ لخروجه بسبب حادث.
نعم؛ لو حرَّكه حتى خرج.. كان كالجاري.
واحترز بقوله: (هابة): عمَّا إذا كانت راكدة ووضعه على الطرف فهبت وأخرجته.. فلا قطع على الأصحِّ، كالماء الراكد فيما تقدم.
(أو واقفة فمشت بوضعه.. فلا) قطع (في الأصح) لأن لها اختيارًا في السير، فإذا لم يسقها.. فقد سارت باختيارها، والثاني: يقطع، لأن الخروج حصل بفعله؛