هُمَا سُنَّةٌ، وَيَحِلُّ أَخْذُ عِوَضٍ عَلَيْهِمَا،
(كتاب المسابقة والمناضلة)
المسابقة: مصدر سابقه مسابقةً، والمناضلة: المراماة، قال الأزهري: النضال في الرمي، والرهان في الخيل، والسباق يكون في الخيل والرمي 1، فعلى هذا: الترجمة بالمسابقة كافٍ لشمول الأمرين، ولهذا اقتصر عليه في "التنبيه" 2.
وأصل الباب: قوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ أي: نتنضل؛ كما قاله الزجاج وغيره، وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ وفسرها الشارع بالرمي؛ كما رواه مسلم 3، وسابق صلى الله عليه وسلم بين الخيل؛ كما رواه مسلم 4.
قال المزني: ولم يُسبق الشافعي إلى تصنيف هذا الكتاب.
(هما سنة) للرجال لقصد التأهب للجهاد؛ لما ذكرناه، بل ويكره لمن علم الرمي تركُه كراهة شديدة.
(ويحل أخذ عوض عليهما) لحديث: "لَا سَبَقَ إِلَّا فِي خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ، أَوْ نَصْلٍ" رواه الترمذي وحسنه 5.
قال الخطابي: والرواية الصحيحة بفتح الباء 6، وهو اسم للمال الذي يوضع بين السباق.
والمراد بالخف: الإبل، وبالحافر: الخيل، وبالنصل: نصل السيف،
وَتَصِحُّ الْمُنَاضَلَةُ عَلَى سِهَامٍ، وَكَذَا مَزَارِيقُ وَرِمَاحٌ وَرَمْي بِأَحْجَارٍ وَمَنْجَنِيقٍ، وَكُلُّ نَافِعٍ فِي الْحَرْبِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَا عَلَى كُرَةِ صَوْلَجَانٍ، وَبُنْدُقٍ وَسِبَاحَةٍ وَشِطْرَنج وَخَاتِمٍ، وَوُقُوفٍ عَلَى رِجْلٍ، وَمَعْرِفَةِ مَا بِيَدِهِ،
والسكين، والرمح، والمزاريق، ولأن في ذلك ترغيبًا فيهما.
(وتصح المناضلة على سهام) عربية وهي النبل، وعجمية، وهي النشاب؛ لعموم قوله عليه السلام في الحديث السابق: "أَوْ نَصْلٍ"، وتصح أيضًا على جميع أنواع القسي، حتى يجوز على الرمي بالمسلات والإبر، (وكذا مزاريق، ورماح، ورمي بأحجار) بيد أو مقلاع، (ومنجنيق، وكل نافع في الحرب على المذهب) منشأ الخلاف في الجميع هل هي في معنى السهم المنصوص عليه، أم لا؛ والأصح: نعم؛ لأنها أسلحة يرمى بها، وتنبغي بها الإصابة.
وعطف المصنف الرماح على المزاريق من باب عطف العام على الخاص؛ لأن المزاريق الأرماح القصار؛ كما عكس ذلك في قوله: (بأحجار ومنجنيق).
ومحل ما ذكره في الرمي بالأحجار: إذا كان إلى غير الرامي، أما المراماة؛ بأن يرمي كل واحد إلى صاحبه، ويسمى: الشلاق في عرف العوام.. فهو حرام قطعًا.
وقوله: (وكل نافع في الحرب) يدخل فيه التردد بالسيوف والرماح، والأصح: جواز المسابقة عليها؛ لأنها من أعظم عدد القتال، واستعمالها يحتاج إلى تعلم وتحذق.
(لا على كرة صولجان، وبندق، وسباحة، وشطرنج، وخاتم، ووقوف على رجل، ومعرفة ما بيده) من زوج أو فرد، وكذا سائر أنواع اللعب؛ لأنها لا تنفع في الحرب، وهذا إذا عقد على عوض، وإلا.. فمباح.
وقوله: (وبندق) شامل للرمي به إلى حفرة ونحوها، وبه صرح الدارمي، وللرمي به عن قوسه، وظاهر كلام "الشرح" و"الروضة": أن الحكم كذلك، وزعم ابن الرفعة، أنه لا خلاف فيه، قال الأَذْرَعي: لكن المجزوم به في "الحاوي": الجواز، ورجحه البُلْقيني؛ لأن فيه نكاية كنكاية المسلة.
وَتَصِحُّ الْمُسَابَقَةُ عَلَى خَيْلٍ، وَكَذَا فِيلٌ وَبَغْلٌ وَحِمَارٌ فِي الأَظْهَرِ، لَا طَيْرٌ وَصِرَاعٌ فِي الأَصَحِّ،...
(وتصح المسابقة على خيل) وإبل؛ للحديث المار 1.
(وكذا فيل وبغل وحمار في الأظهر) لعموم قوله عليه السلام: "خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ" 2، قال الإمام: ويؤيده العدول عن ذكر الفرس والبعير إلى الخف والحافر، ولا فائدة فيه غير قصد التعميم 3، والثاني: المنع؛ لأنها لا تصلح للكر والفر، ولا يقاتل عليها غالبًا.
(لا طير وصراع في الأصح) لأنها ليست من آلات القتال، والثاني: يجوز، أما في الطير.. فللحاجة إليها في الحرب؛ لأنها تحمل الأخبار، وأما في الصراع.. فلأن فيه إدمانًا وقوة.
وقد صارع عليه السلام ركانة على شياه، كما رواه أبو داوود في "مراسيله" 4.
وأجاب الأول عنه: بأنه أراه شدته ليسلم، ولهذا لما أسلم.. رد عليه غنمه، والخلاف فيما إذا كان عوض، فإن لم يكن.. جاز قطعًا.
وقيل: يحرم الصراع مطلقًا؛ لأنه يهيج العداوة، حكاه البغوي 5.
ولا تجوز المسابقة على الأقدام بعوض على الأصح، ويجوز بلا عوض؛ لأنه عليه السلام تسابق هو وعائشة رضي الله عنها 6.
وَالأَظْهَرُ: أَنَّ عَقْدَهُمَا لَازِمٌ لَا جَائِزٌ، فَلَيْسَ لِأحَدِهِمَا فَسْخُهُ، وَلَا تَرْكُ الْعَمَلِ قَبْلَ شُرُوعٍ وَبَعْدَهُ، وَلَا زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ فِيهِ، وَلَا فِي مَالٍ. وَشَرْطُ الْمُسَابَقَةِ: عِلْمُ الْمَوْقِفِ وَالْغَايَةِ، وَتَسَاوِيهِمَا فِيهِمَا،
(والأظهر: أن عقدهما) أي: المسابقة والمناضلة (لازم لا جائز) كا لإجارة، والثاني: جائز كالجعالة، قال الأَذْرَعي: والقولان إذا كانت بعوض، وإلا.. فجائزة قطعًا.
انتهى، ومحلهما في العوض في حق من التزم المال، فأما من لم يلتزم شيئًا وقد يغنم.. فجائز في حقه قطعًا.
(فليس لأحدهما فسخه) لأن هذا شأن العقد اللازم.
نعم؛ لو بان بالعوض المعين عيب.. ثبت حق الفسخ؛ كما في الأجرة.
(ولا ترك العمل قبل شروع وبعده) سواء كان مفضولًا أم فاضلًا، وأمكن أن يدركه صاحبه ويسبقه، فإن لم يمكنه ذلك.. كان له الترك؛ لأنه حق نفسه.
(ولا زيادة ونقص فيه) أي: في العمل، (ولا في مال) أي: في المال الملتزم بالعقد؛ كالإجارة إلا أن يفسخا العقد، ويستأنفا عقدًا، هذا كله تفريع على قول اللزوم، وعلى قول الجواز: يجوز جميع ذلك.
(وشرط المسابقة: علم الموقف) الذي يبتدئان بالجري منه، (والغاية) التي يجريان إليها؛ لأنه عليه السلام سابق بين الخيل المضمرة من الحَفْياء إلى ثنية الوداع، وبين غيرها من الثنية إلى مسجد بني زُرَيق، متفق عليه 1.
فإن لم يعيناهما، وشرط المال لمن سبق حيث سبق.. لم يجز؛ كما صرح به في "المحرر" 2.
(وتساويهما فيهما) أي: تساوي المتسابقين في الموقف والغاية، فلو شرط تقدم موقف أحدهما أو تقدم غايته.. لم يجز؛ لأن المقصود معرفة فروسية الفارس، وجودة جري الدابة، ولا يعرف ذلك مع تفاوت المسافة؛ لاحتمال أن يكون السبق لقرب المسافة لا لحذق الفارس، ولا لفراهة الفرس.
وَتَعْيِينُ الْفَرَسَيْنِ وَيَتَعَيَّنَانِ، وَإِمْكَانُ سَبْقِ كُلِّ وَاحِدٍ، وَالْعِلْمُ بِالْمَالِ الْمَشْرُوطِ
(وتعيين الفرسين) لأن المقصود امتحان الفرس؛ ليعرف سيره، والتعيين يكون بالإشارة إليهما، ويكتفى بوصفهما في الذمة على الأصح في "أصل الروضة" 1، وقال الرافعي في "التذنيب": إنه الأوجه، كما يقوم الوصف في السلم مقام الإحضار، وقيل: لا يكفي الوصف، وهو ظاهر كلام "الكتاب" تبعًا لـ "أصله"؛ لأن المعول في المسابقة على أعيانها.
(ويتعينان) فلا يجوز إبدالهما؛ لاختلاف الغرض، فإن وقع هلاك.. انفسخ العقد.
نعم؛ لو وقع العقد على موصوف في الذمة، ثم أحضر فرس.. قال الرافعي: (فما ينبغي أن ينفسخ العقد بهلاكه) 2.
(وإمكان سبق كل واحد) من الفرسين، فإن كان أحدهما ضعيفًا يُقطع بتخلفه، أو فارهًا يُقطع بتقدمه.. لم يجز، والمراد بالإمكان: الغالب، فإن أمكن نادرًا.. لم يصح في الأصح.
(والعلم بالمال المشروط) بالمشاهدة إن كان معينًا، وبالوصف إن كان في الذمة؛ كالإجارة، والجعالة، فلو عقدا على مجهول.. فسد، واستحق أجرة المثل على الأصح.
وبقي من الشروط كون المسافة يمكن الفرسين قطعها بدون انقطاع وتعب، فإن كانت فوق ذلك.. فالعقد باطل، وأن يتسابقا على الدابتين، فلو شرطا إرسالهما ليجريا بأنفسهما.. لم يصح؛ لأنها تنفر ولا تقصد الغاية، بخلاف الطيور إذا جوزنا المسابقة عليها؛ لأن لها هداية إلى الغاية، وأن يجتنبا الشروط المفسدة، ذكرها في "أصل الروضة" 3.
ويجُوزُ شَرْطُ الْمَالِ مِنْ غَيْرِهِمَا؛ بِأَنْ يَقُولَ الإِمَامُ أَوْ أَحَدُ الرعِيّة: (مَنْ سَبَقَ مِنْكُمَا.. فَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ أَوْ عَلَيَّ كَذَا). وَمِنْ أَحَدِهِمَا؛ فَيَقُولُ: (إِنْ سَبَقْتَنِي.. فَلَكَ عَلَيَّ كَذَا، وَإِنْ سَبقْتك.. فَلَا شَيْءَ عَلَيْكَ)، فَإِنْ شُرِطَ أَنَّ مَنْ سَبَقَ مِنْهُمَا فَلَهُ عَلَى الآخَرِ كَذَا.. لَمْ يَصِحَّ إلَّا بِمُحَلِّلٍ فَرَسُهُ كُفْءٌ لِفَرَسَيْهِمَا، فَإِنْ سَبَقَهُمَا.. أَخَذَ الْمَالَيْنِ، وَإِنْ سَبَقَاهُ وَجَاءَا مَعًا.. فَلَا شَيْءَ
(ويجوز شرط المال من غيرهما؛ بأن يقول الإمام أو أحد الرعية: "من سبق منكما.. فله في بيت المال أو علي كذا") لما فيه من التحريض على تعليم الفروسية، وإعداد أسباب القتال، ولأنه بذل مال في طاعة.
(و) يجوز شرطه (من أحدهما) أي: ويجوز شرط المال من أحدهما (فيقول: "إن سبقتني.. فلك علي كذا، أو سبقتك.. فلا شيء عليك") 1 لأن المقصود من العقد يحصل مع خلوه من القمار؛ لأن عدم إخراج أحدهما بمنزلة المحلل.
(فإن شرط أن من سبق منهما فله على الآخر كذا.. لم يصح إلا بمحلل فرسه كفء لفرسيهما) أي: يمكن سبقه لكل واحد منهما، فإن كان يقطع بتخلفه.. فلا فائدة في إدخاله؛ لقوله عليه السلام: "مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ -يَعْني- وَهُوَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ.. فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أُمِنَ أَنْ يَسْبِقَ.. فَهُوَ قِمَارٌ" رواه أبو داوود وابن ماجه، وصححه الحاكم 2.
فإذا كان قمارًا عند الأمن من سبق فرس المحلل.. فعند عدم المحلل أولى، ولأن معنى القمار موجود فيه، فإن كلًّا منهما يرجو الغنم ويخشى الغرم، ولا يشترط أن يكون بين كل اثنين محلل؛ كما يقتضيه كلامه، بل يكفي محلل واحد بين المتسابقين ولو بلغوا مئة.
وقوله: (فرسه) مثال؛ فإن البعير وما يسابق عليه كذلك، والكفء مثلث الكاف: المساوي والنظير.
(فإن سبقهما.. أخذ المالين) لسبقه لهما، (وإن سبقاه وجاءا معًا.. فلا شيء
لِأَحَدٍ، وإِنْ جَاءَ مَعَ أَحَدِهِمَا.. فَمَالُ هَذا لِنَفْسِهِ، وَمَالُ الْمُتأَخِّرِ لِلْمُحَلِّلِ وَلِلَّذِي مَعَهُ، وَقِيلَ: لِلْمُحَلِّلِ فَقَطْ. وَإِنْ جَاءَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ الْمُحَلِّلُ ثمَّ الآخَرُ.. فَمَالُ الآخَرِ لِلأَوَّلِ فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ تَسَابَقَ ثَلَاثة فَصَاعِدًا وَشُرِطَ لِلثَّانِي مِثْلُ الأَوَّلِ.. فَسَدَ، وَدُونَهُ يَجُوزُ فِي الأَصَحِّ
لأحد) لعدم سبقه لهما، ولعدم سبق أحدهما الآخر.
(وإن جاء مع أحدهما.. فمال هذا) أي: الذي جاء مع المحلل (لنفسه) لأنه لم يسبقه أحد، (ومال المتأخر للمحلل وللذي معه) لأنهما سبقاه، (وقيل: للمحلل فقط) الخلاف مبني على أصل، وهو: أن المحلل هل يحلل لنفسه فقط أو لنفسه ولغيره؟ والصحيح: الثاني.
(وإن جاء أحدهما ثم المحلل ثم الآخر.. فمال الآخر للأول في الأصح) لأن المحلل مسبوق، والثاني: أنه له وللمحلل؛ لأنهما سبقا الآخر.
وقيل: إنه للمحلل خاصة، ولا خلاف أن الأول يحرز ما أخرجه.
(وإن تسابق ثلاثة فصاعدًا، وشرط للثاني مثل الأول.. فسد) لأن كل واحد منهما لا يجتهد في السبق؛ لوثوقه بالمال سبق أو لم يسبق، وما جزم به تبع فيه "المحرر" 1، لكن صححا في "الروضة" و"الشرحين" الصحة؛ بأن كلًّا منهما يجتهد ويسعى أن يكون سابقًا، أو مصليًا 2.
نعم؛ لو شرط للثاني أكثر من الأول.. فسد.
(ودونه يجوز في الأصح) لأنه يسعى ويجتهد، ليفوز بالأكثر، والثاني: المنع؛ لأنه يكسل إذا علم أنه يفوز بشيء.
واعلم: أن للخيل التي تجتمع للسباق عشرة أسماء، نظمها العلامة برهان الدين الباعوني أمتع الله بحياته، فقال: [من الخفيف]
سَابِقٌ بَعْدَهُ مُصَلٍّ مُسَلٍّ... ثمَّ تَالٍ فَعَاطِفٌ مُرْتَاحُ
سَابِعٌ فَالمُؤَمَّلُ الحَظِيّ يَلِيهِ... فَلَطِيمٌ لِعَدْوِهِ يَرْتَاحُ
وسَبْقُ إِبلٍ بِكَتِفٍ، وَخَيْلٍ بِعُنُقٍ، وَقِيلَ: بِالْقَوَائِمِ فِيهِمَا. وَيُشْتَرَطُ لِلْمُنَاضَلَةِ بَيَانُ أَنَّ الرَّمْيَ مُبَادَرَةٌ -وَهِيَ: أَنْ يَبْدُرَ أَحَدُهُمَا بِإِصَابَةِ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ- أَوْ مُحَاطَّةٌ -وَهِيَ: أَنْ تُقَابَلَ إِصَابَاتُهُمَا وَيُطْرَحَ الْمُشْتَرَكُ، فَمَنْ زَادَ بِعَدَدِ كَذَا.. فَنَاضِلٌ-.
وسُكَيْتٌ وَفِسْكِلٌ قَدْ تَلَاهُ... عَشْرَةٌ عَدْوَهَا حَكَتْهُ الرِّيَاحُ 1
(وسبق إبل بكتف، وخيل بعنق) لأن الإبل ترفع أعناقها في العدو، والخيل تمدها؛ فلا يمكن اعتبار السبق به، وهذا إذا استوى الفرسان في خلقة العنق طولًا وقصرًا، فإن اختلفا وسبق الأطول عنقًا بقدر الزيادة أو دونها.. لم يكن سابقًا.
وقوله: (بكتف)، عبارة "الروضة" و"أصلها": (بكتد) بفتح التاء 2، وهي عبارة الشافعي والجمهور 3، وهو: مجتمع الكتفين بين أصل العنق والظهر، وذكر الماوردي فيه تأويلين: أحدهما: هذا، والثاني: أنه الكتف 4، وعلى هذا يتمشى ما في "المحرر" و"المنهاج".
(وقيل: بالقوائم فيهما) أي: في الإبل والخيل؛ لأن العدو بها، وهو الأقيس عند الإمام 5.
(ويشترط للمناضلة: بيان أن الرمي مبادرة، وهي: أن يبدر أحدهما) أي: يسبق (بإصابة العدد المشروط) كما إذا شرط أن من سبق إلى خمسة من عشرين فله كذا، ورمى كل واحد عشرين، وأصاب أحدهما خمسة، والآخر دونها.. فالأول ناضل.
(أو محاطة) بتشديد الطاء (وهي: أن تقابل إصاباتهما ويطرح المشترك، فمن زاد بعدد كذا.. فناضل) كخلوص خمسة من عشرين، فإذا رميا عشرين، وأصاب كل واحد خمسة.. لم ينضل أحدهما الآخر، وإن أصاب أحدهما خمسة، والآخر عشرة.. فالثاني: ناضل.
وَبَيَانُ عَدَدِ نُوَبِ الرَّمْيِ، وَالإِصَابَةِ، وَمَسَافَةِ الرَّمْيِ،
وما جزم به من اشتراط التعرض لكون الرمي مبادرة، أو محاطة.. تبع فيه "المحرر" 1، وهو وجه، والأصح في "أصل الروضة" و"الشرح الصغير": أنه لا يشترط التعرض لهما في العقد، وإذا أطلقا.. حمل العقد على المبادرة؛ فإنها الغالب من المناضلة، ونقله في "الكبير" عن "تصحيح البغوي"، وأقره 2.
(وبيان عدد نوب الرمي) في المحاطة والمبادرة جميعًا؛ ليكون للعمل ضبط، وهي في المناضلة كالميدان في المسابقة، فيجوز أن يشرطا رمي سهم سهم، أو أكثر من ذلك، ويجوز أن يشرطا تقدم واحد بجميع سهامه؛ فإن أطلقا.. حمل على رمي سهم سهم، كذا قالاه 3، وظاهره: أن بيان عدد نوب الرمي مستحب، وبه صرح الماوردي 4؛ فإذًا كلام "الكتاب" مستدَرك.
(و) بيان عدد (الإصابة) كخمسة من عشرين؛ لأن الاستحقاق بالإصابة، وبها يتبين حذق الرامي، وجودة رميه، ويشترط أن يكون ذلك ممكنًا؛ فإن ندر كعشرة من عشرة.. لم يصح، وكذا تسعة من عشرة على أصح القولين في "التنبيه" 5، فإن كان ممتنعًا كمئة متوالية.. لم يصح، أو مستيقنًا كإصابة الحاذق واحدًا من مئة.. ففي صحة العقد وجهان، وجه المنع: أن هذا العقد ينبغي أن يكون فيه خطر؛ ليتأنق الرامي بالإصابة، ووجه الصحة: ليتعلم الرمي بمشاهدة رميه، قال في "الشرح الصغير": والأصح عند جماعة منهم صاحب "الكتاب": الصحة، وصحح ابن الرفعة في "الكفاية" المنع 6، وتبعه البُلْقيني.
(ومسافة الرمي) لاختلاف الغرض بها، وقيل: لا يشترط، وينزل على العادة الغالبة للرماة هناك إن كانت، وهذا هو الأظهر في "الروضة" و"أصلها"، فإن لم
وَقَدْرِ الْغَرَضِ طُولًا وَعَرْضًا، إلَّا أَنْ تُعْقَدَ بِمَوْضِعٍ فِيهِ غَرَضٌ مَعْلُومٌ.. فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَيْهِ، وَلْيُبيِّنَا صِفَةَ الرَّمْيِ مِنْ قَرْعٍ - وَهُوَ: إِصَابَةُ الشَّنِّ بِلَا خَدْشٍ - أَوْ خَزْقٍ - وَهُوَ: أَنْ يَثْقُبَهُ وَلَا يَثْبُتَ فِيهِ- أَوْ خَسْقٍ - وَهُوَ: أَنْ يَثْبُتَ- أَوْ مَرْقٍ؛ وَهُوَ: أَنْ يَنْفُذَ. فَإِنْ أَطْلَقَا.. اقْتَضَى الْقَرْعَ،
تكن عادة.. وجب قطعًا، قالا: وعلى هذا يحمل ما أطلقه الأكثرون من اشتراط الإعلام بالمسافة.
انتهى 1، وعليه يحمل إطلاق "الكتاب" أيضًا.
وقد يفهم كلام المصنف: أنهما إذا رميا إلى غير غرض، ويكون السبق لأبعدهما رميًا.. لم يصح، والصحيح: الصحة.
(وقدر الغرض) بفتح الغين المعجمة والراء، وهو: العلامة التي يرمى إليها؛ من خشب، أو قرطاس، أو دائرة، (طولًا وعرضًا) وسمكًا وارتفاعًا من الأرض؛ لاختلاف الغرض بذلك، (إلا أن تعقد بموضع فيه غرض معلوم.. فيحمل المطلق عليه) كما مر في المسافة.
(وليبينا صفة الرمي من قرع وهو: إصابة الشن) بفتح الشين، وهو الغرض (بلا خدش، أو خزق) بفتح الخاء المعجمة، وسكون الزاي المعجمة، (وهو: أن يثقبه ولا يثبت فيه، أو خسق، وهو: أن يثبت، أو مرق، وهو: أن ينفذ) ويخرج من الجانب الآخر، وإنما يتصور ذلك في الشن المعلق، وأهمل الخرم بالراء المهملة، وهو: أن يصيب طرف الغرض، فيخرمه، ووجه ذلك: اختلاف الغرض بهذه الصفات.
وكان ينبغي أن يقول: (وليبينا صفة الإصابة)، كما قاله في "الروضة" و"أصلها"، و"المحرر" 2؛ فإن ما ذكره صفة لها لا للرمي، والعجب أنه عبر في "التنبيه" كما في "الكتاب" فاعترض المصنف عليه في "التحرير" بما ذكرناه 3.
(فإن أطلقا) العقد (.. اقتضى القرع) لأنه المتعارف.
وَيَجُوزُ عِوَضُ الْمُنَاضَلَةِ مِنْ حَيْثُ يَجُوزُ عِوَضُ الْمُسَابَقَةِ وَبِشَرْطِهِ. وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ قَوْسٍ وَسَهْم، فَإِنْ عُيِّنَ.. لَغَا، وَجَازَ إِبْدَالُهُ بِمِثْلِهِ، فَإِنْ شُرِطَ مَنع إِبْدَالِهِ.. فَسَدَ الْعَقْدُ. وَالأظْهَرُ: اشْتِرَاطُ بَيَانِ الْبَادِئِ بِالرَّمْيِ. وَلَوْ حَضَرَ جَمْع لِلْمُنَاضَلَةِ فَانْتَصَبَ زَعِيمَانِ يَخْتَارَانِ أَصْحَابًا.. جَازَ،
(ويجوز عوض المناضلة من حيث يجوز عوض المسابقة وبشرطه) فيجوز من غيرهما ومن أحدهما، وكذا منهما بمحلل، كما في المسابقة، (ولا يشترط تعيين قوس وسهم) بعينهما؛ لأن الاعتماد على الرامي، بخلاف الفرس في المسابقة.
(فإن عين) قوسًا أو سهمًا بعينه (.. لغا) تعيينه (وجاز إبداله بمثله) من ذلك النوع، سواء حدث فيه خلل يمنع من استعماله أو لم يحدث، بخلاف الفرس لا يبدل بغيره.
واحترز بقوله: (بمثله) عن الانتقال من نوع إلى نوع؛ كالقسي الفارسية والعربية؛ فإنه لا يجوز إلا بالتراضي؛ لأنه ربما كان به أَدرَبَ.
(فإن شرط منع إبداله.. فسد العقد) لأنه شرط فاسد يخالف مقتضى العقد فأفسده.
(والأظهر: اشتراط بيان البادئ بالرمي) لاختلاف الغرض به؛ فإن تركاه.. لم يصح العقد، والثاني: لا يشترط، ويقرع، وهو المنصوص في "الأم" 1، واعتمده البُلْقيني، وقيل: يصح العقد، ويترك الإطلاق على عادة الرماة.
ويشترط أيضًا: تعيين الرامي بالشخص؛ كما يشترط تعيين المركوب في المسابقة.
(ولو حضر جمع للمناضلة، فانتصب زعيمان يختاران أصحابًا.. جاز) ويكون كل حزب في الإصابة والخطأ كشخص واحد.
ونبه بقوله: (زعيمان) على أنه لا بد لكل حزب من زعيم، قال القاضي الحسين: ويشترط كونهما أحذق الجماعة، وأن تقسم السهام عليهم بلا كسر، فإن تحازبوا ثلاثة ثلاثة.. اشترط أن يكون للسهام ثلث صحيح كالثلاثين، وإن تحازبوا
وَلَا يَجُوزُ شَرْطُ تَعْيِينهِمَا بِقُرْعَةٍ، فَإنِ اخْتَارَ غَرِيبًا ظَنَّهُ رَامِيًا فَبَانَ خِلَافُهُ.. بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَسَقَطَ مِنَ الْحِزْبِ الآخَرِ وَاحِدٌ، وَفِي بُطْلَانِ الْبَاقِي قَوْلا تفرِيقِ الصَّفْقَةِ، فَإِنْ صَحَّحْنَا.. فَلَهُمْ جَمِيعًا الْخِيَارُ، فَإِنْ أَجَازُوا وَتنَازَعُوا فِيمَنْ يَسْقُطُ بَدَلُهُ.. فُسِخَ الْعَقْدُ. وَإِذَا نَضَلَ حِزْبٌ.. قُسِمَ الْمَالُ بِحَسَبِ الإِصَابَةِ، وَقِيلَ: بِالسَّوِيَّةِ،
أربعة أربعة.. فربع صحيح كالأربعين، وأن يعينا الأصحاب قبل العقد، ويختارا واحدًا بواحد، وهكذا حتى يتم العدد، ولا يجوز أن يختار واحد جميع حزبه أولًا؛ لئلا يأخذ الحذاق.
ويشترط: تساوي عدد الحزبين خلافًا للإمام، فإنه اكتفى بعدد الرمي، فيرمي واحد سهمين في مقابلة اثنين 1.
(ولا يجوز شرط تعيينهما) أي: الأصحاب (بقرعة) لأنها قد تجمع الحذاق في جانب، وضدهم في الآخر، فيفوت مقصود المناضلة.
(فإن اختار) أحد الزعيمين (غريبًا ظنه راميًا، فبان خلافه) أي: أنه لا يحسن الرمي أصلًا (.. بطل العقد فيه، وسقط من الحزب الآخر واحد) بإزائه؛ كما إذا بطل البيع في بعض المبيع.. يسقط قسطه من الثمن.
(وفي بطلان الباقي قولا تفريق الصفقة) فيصح في الأظهر، ويثبت الخيار، وقيل: يبطل قطعًا؛ لأنه ليس بعضهم بأن يجعل في مقابلته بأولى من بعض، ولا مدخل للقرعة فيه، فلو بان ضعيف الرمي، أو قليل الإصابة.. فلا فسخ، ولو بان فوق ما ظنوه.. فلا فسخ للحزب الآخر، وفيه بحث للرافعي 2.
(فإن صححنا.. فلهم جميعًا الخيار) بين الفسخ والإجازة للتبعيض، (فإن أجازوا وتنازعوا فيمن يسقط بدله.. فسخ العقد) لتعذر إمضائه.
(وإذا نضل حزب.. قسم المال بحسب الإصابة) لأن الاستحقاق بها، فمن لا إصابة له.. لا شيء له، ومن أصاب.. أخذ بحسب إصابته، (وقيل: بالسوية) لأنهم كالشخص الواحد؛ كما أن المنضولين يغرمون بالسوية، وهذا هو الصحيح في
وَيُشْتَرَطُ فِي الإِصَابَةِ الْمَشْرُوطَةِ أَنْ تَحْصُلَ بِالنَّضْلِ، فَلَوْ تَلِفَ وَتَرٌ أَوْ قَوْسٌ، أَوْ عَرَضَ شَيْءٌ انْصَدَمَ بِهِ السَّهْمُ وَأَصَابَ.. حُسِبَ لَهُ، وإلَّا.. لَمْ يُحْسَبْ عَلَيْهِ، وَلَوْ نَقَلَتْ رِيحٌ الْغَرَضَ فَأَصَابَ مَوْضِعَهُ.. حُسِبَ لَهُ، وإلَّا.. فَلَا يُحْسَبُ عَلَيْهِ،
"أصل الروضة"، والأشبه في "الشرحين"، لكن في "المحرر": أن الأشبه: الأول، وتبعه المصنف، قال في "المهمات": ولعل ما وقع في "المحرر" سبق قلم 1.
[وهذا محله: في حالة الإطلاق؛ فإن شرطوا أن يقسموا على الإصابة.. فالشرط تبع، وللإمام فيه احتمال] 2.
(ويشترط في الإصابة المشروطة: أن تحصل بالنضل) لأنه المتعارف 3.
(فلو تلف وتر أو قوس) قبل خروج السهم، لا بتقصيره وسوء رميه (أو عرض شيء) كشخص أو بهيمة (انصدم به السهم وأصاب.. حسب له) لأن الإصابة مع النكبة العارضة تدل على جودة رميه وقوته.
(وإلا) أي: وإن لم يصب (.. لم يحسب عليه) إحالة له على السبب العارض؛ فإن تلف الوتر أو القوس لسوء رميه وتقصيره.. حسب عليه.
(ولو نقلت ريح الغرض فأصاب موضعه.. حسب له) إن كان الشرط القرع؛ لأنه لو كان موضعه.. لأصابه، فإن كان الشرط هو الخزق، فثبت السهم، والموضع في صلابة الغرض.. حسب له.
(وإلا) أي: وإن لم يصب موضعه (.. فلا يحسب عليه) وهذا مخالف لما في "الشرح"، و"الروضة"؛ فإن فيهما: ولو أصاب الغرض في الموضع المنتقل إليه.. حسب عليه لا له.
انتهى 4، فإصابة الغرض في الموضع المنتقل إليه هي من
وَلَوْ شُرِطَ خَسْقٌ فَثَقَبَ وَثبتَ ثُمَّ سَقَطَ، أَوْ لَقِيَ صَلَابَةً فَسَقَطَ.. حُسِبَ لَهُ.
صور ألا يصيب موضع الغرض، ويؤخذ منه الحساب عليه بطريق الأولى إذا لم يصبه، قال في "المهمات": والمسألة مذكورة في أكثر نسخ "المحرر" على الصواب -أي: فإنه قال: وإلا.. فلا؛ أي: لم يحسب له- وفي بعضها كـ "المنهاج" فلعلها الواقعة له 1. (ولو شرط خسق فثقب وثبت ثم سقط، أو لقي صلابة فسقط.. حسب له) أما في الأولى.. فكما لو نزعه غيره، وأما في الثانية.. فلظهور العذر، وهو الصلابة المانعة من الخسق.
كتابُ الأيمان لَا تنعَقِدُ إلَّا بِذَاتِ اللهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ لَهُ؛ كَقَوْلهِ: (وَاللهِ)، (وَرَبِّ الْعَالَمِينَ)، (وَالْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ)، (وَمَنْ نَفْسِي بِيَدِهِ)، وَكُلِّ اسْمٍ مُخْتَصٍّ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى،
﴿كتاب الأيمان﴾
هي بالفتح: جمع يمين، مأخوذة من اليمين الذي هو العضو؛ لأنهم كانوا إذا حلفوا.. وضع أحدهم يمينه في يمين صاحبه، وهي في الشرع -كما قاله الإمام-: تحقيق الشيء وتقريره باسم الله تعالى أو صفته، نفيًا كان أو إثباتًا 1.
والأصل في الباب: قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾، وقوله عليه السلام: "وَالله لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا" 2 إلى غير ذلك من الأحاديث الشهيرة، وأجمعت الأمة على انعقاد اليمين وتعلق الكفارة بالحنث فيها.
(لا تنعقد إلا بذات الله تعالى، أو صفة له؛ كقوله: "والله"، "وربِّ العالمين"، "والحيِّ الذي لا يموت"، "ومن نفسي بيده"، وكل اسم مختص به سبحانه وتعالى) كالإله، وملك يوم الدين؛ لأن الأيمان معقودة بمن عظمت حرمته، ولزمت طاعته.
وإطلاق هذا مختص بالله تعالى؛ فلا ينعقد بالمخلوقات، كـ: (وحقِّ النبي)، و (جبريل)، و (الملائكة)، و (الكعبة) لما في "الصحيحين": "إِنَّ الله يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا.. فَلْيَحْلِفْ بِالله أَوْ لِيَصْمُتْ" 3.
قال الشافعي: وأخشى أن يكون الحلف بغير الله معصية 4.
وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ: (لَمْ أُرِدْ بِهِ الْيَمِينَ). وَمَا انْصَرَفَ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عِنْدَ الإِطْلَاقِ كـ (الرَّحِيمِ)، وَ (الْخَالِقِ)، وَ (الرَّازِقِ)، وَ (الرَّبِّ).. تنعَقِدُ بِهِ الْيَمِينُ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ غَيْرَهُ، وَمَا اسْتُعْمِلَ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ سَوَاءٌ كَالشَّيْءِ وَالْمَوْجُودِ وَالْعَالِمِ وَالْحَيِّ.. لَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا بِنِيةٍ. وَالصِّفَةُ؛ كـ (وَعَظَمَةِ اللهِ)، (وَعِزَّتِهِ)، (وَكِبْرِيَائِهِ)، (وَكَلَامِهِ)،
وما صرح به المصنف من أن (الله) اسم للذات هو الصحيح؛ ولهذا تجري الصفات عليه فيقول: اللهُ الرحمنُ الرحيمُ.
وقيل: هو اسم للذات مع جملة الصفات، فإذا قلت: (الله).. فقد ذكرت جملة صفات الله تعالى.
و(العالم) بفتح اللام: كلُّ المخلوقات.
(ولا يقبل قوله: "لم أرد به اليمين") لأنها صريحة في اليمين.
(وما انصرف إليه سبحانه وتعالى عند الإطلاق) وينصرف إلى غيره بالتقييد (كـ"الرحيم"، و"الخالق"، و"الرازق"، و"الربّ".. تنعقد به اليمين) وإن أطلق؛ لأن الإطلاق ينصرف إليه سبحانه وتعالى (إلا أن يريد غيره) فيقبل، ولا يكون يمينًا؛ لأنه قد يستعمل في حقّ غيره؛ كرحيم القلب، وخالق الكذب، ورازق الجيش، وربّ الدار، قال تعالى: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾، وقال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾.
(وما استعمل فيه وفي غيره سواء؛ كالشيء والموجود والعالم والحي.. ليس بيمين) لأنه ليس باسم معظم (إلا بنيَّةٍ) لأنها لما استعملت فيه وفي غيره سواء.. أشبهت كنايات الطلاق.
وما جزم به من كونه يمينًا عند النية هو الأصح في "زوائد الروضة"، لكن الأظهر في "الشرحين": أنه ليس بيمين 1؛ لفقد التصريح بالاسم المعظم؛ فإن ما ينطلق على الله وعلى غيره انطلاقًا واحدًا ليس له حرمة.
ومنع المصنف قولهم: ليس له حرمة.
(والصفة؛ كـ: "وعظمة الله"، "وعزته"، "وكبريائه"، "وكلامه"،
(وَعِلْمِهِ)، (وَقُدْرَته)، (وَمَشِيئَتِهِ).. يَمِينٌ، إلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِالْعِلْمِ الْمَعْلُومَ، وَبِالْقُدْرَةِ الْمَقْدُورَ. وَلَوْ قَالَ: (وَحَقِّ اللهِ).. فَيَمِينٌ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْعِبَادَاتِ. وَحُرُوفُ الْقَسَمِ: (بَاءٌ) وَ (وَاوٌ) وَ (تَاءٌ)، كـ (بِاللهِ) وَ (وَاللهِ) وَ (تاللهِ)، وَتَخْتَصُّ التَّاءُ بِاللهِ.
"وعلمه"، "وقدرته"، "ومشيئته".. يمين) لأنها صفات لم يزل سبحانه موصوفًا بها، فأشبهت الأسماء المختصة به، فتنعقد يمينه بها ولو أطلق.
(إلا أن ينوي بالعلم المعلوم، وبالقدرة المقدور) فلا تكون يمينًا، ويكون كأنه قال: (ومعلوم الله)، (ومقدور الله).
وقضية كلامه: تخصيص الاستثناء بصفتي العلم والقدرة دون ما قبلهما من الصفات، وهو وجه جزم به كثيرون، لكن الأصح في "الشرحين" و"الروضة": عدم الفرق؛ لأنه قد يقال: (عاينت عظمة الله وكبرياءه)، ويشار إلى أفعاله سبحانه وتعالى 1.
(ولو قال: "وحقِّ الله") لأفعلن كذا (.. فيمين) إن نوى اليمين، وكذا إن أطلق في الأصح؛ لغلبة استعماله في اليمين (إلا أن يريد العبادات) فلا تكون يمينًا قطعًا؛ لأن العبادات حق الله تعالى علينا، وليس صفة لله تعالى.
(وحروف القسم: "باء"، و"واو"، و"تاء"؛ كـ: "بالله"، و"والله"، و"تالله") والأصل في القسم عند أهل اللسان: هي (الباء)، ثم أبدلوا منها (الواو) لقربها منها في المخرج وفي المعنى، ثم أبدلوا من (الواو) (التاء) لقرب مخرجها منها.
(وتختص "التاء" بالله) لأنها لمّا كانت بدلًا من بدل.. ضاق تصرفها عن البدل والمبدل منه؛ فلم تدخل على شيء ممّا يدخلان عليه سوى اسم الله تعالى، فيقول: (تالله)، ولا يقول: (تربك) ولا غيره.
وكان صواب العبارة: (ويختص الله بـ "التاء")؛ لأن (الباء) مع فعل
وَلَوْ قَالَ: (الله) وَرَفَعَ أَوْ نَصَبَ أَوْ جَرَّ.. فَلَيْسَ بِيَمِينٍ إلَّا بِنِيَّةٍ. وَلَوْ قَالَ: (أَقْسَمْتُ) أَوْ (أُقْسِمُ) أَوْ (حَلَفْتُ) أَوْ (أَحْلِفُ بِاللهِ لأَفْعَلَنَّ).. فَيَمِينٌ إِنْ نَوَاهَا أَوْ أَطْلَقَ، وَإِنْ قَالَ: قَصَدْتُ خَبَرًا مَاضِيًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا.. صُدِّقَ بَاطِنًا، وَكَذَا ظَاهِرًا عَلَى الْمَذْهَبِ
الاختصاص إنما تدخل على المقصور، وذلك في (التاء) لا في (الله)؛ لأنه يدخل عليه (الباء) و (الواو).
(ولو قال: "الله" ورفعَ، أو نصبَ، أو جَرَّ.. فليس بيمين إلا بنيَّةٍ) لأنه لا يعرفه إلا الخواصُّ من الناس.
(ولو قال: "أقسمت"، أو "أقسم"، أو "حلفت"، أو "أحلف بالله لأفعلن".. فيمين إن نواها أو أطلق) لكثرته في الاستعمال، قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾, ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾.
(وإن قال: "قصدت) بما ذكرت (خبرًا ماضيًا، أو مستقبلًا".. صُدِّق باطنًا) جزمًا؛ فلا تلزمه الكفارة فيما بينه وبين الله تعالى؛ لاحتمال ما يدّعيه.
(وكذا ظاهرًا على المذهب) لأن (أقسمت) تصلح للماضي حقيقة، و (أقسم) تصلح للمستقبل حقيقة، فقبل تفسيره به، كذا نصّ عليه 1، ونص في (الإيلاء): أنه إذا قال: (أقسمت بالله لا وطئتك)، ثم قال: (أردت يمينًا ماضيًا).. أنه لا يقبل 2، وللأصحاب ثلاث طرق: أظهرها: حكاية قولين فيهما، أظهرهما: القبول؛ لما ذكرناه، والثاني: المنع؛ لظهوره في الإنشاء، والطريق الثاني: القطع بالمنع، وحمل ما ذكره هنا على القبول باطنًا، والثالث: تقرير النصين.
والفرق: أن حق الله تعالى مبني على المسامحة، بخلاف حق الآدمي.
ومحل الخلاف: ما إذا لم يُعلم له يمين ماضية، فإن عُلم.. قبل قوله في إرادتها بـ (أقسمت) قطعًا.
وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: (أُقْسِمُ عَلَيْكَ بِاللهِ) أَوْ (أَسْأَلُكَ بِاللهِ لَتفعَلَنَّ) وَأَرَادَ يَمِينَ نَفْسِهِ.. فَيَمِينٌ، وإلَّا.. فَلَا. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ فَعَلْتُ كَذَا.. فَأَنَا يَهُودِيٌّ أَوْ بَرِيءٌ مِنَ الإِسْلَامِ).. فَلَيْسَ بِيَمِينٍ، وَمَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَى لَفْظِهَا بِلَا قَصْدٍ.. لَمْ تنعَقِدْ
(ولو قال لغيره: "أقسم عليك بالله"، أو "أسألك بالله لتفعلن" وأراد يمين نفسه.. فيمين) لصلاحية اللفظ، ويقدّر في قوله: (أسألك) أنه قال: أسألك ثم ابتدأ الحلف.
(وإلا.. فلا) فشمل ثلاث صور: قصد يمين المخاطب، أو لا يقصد يمينا أصلًا بل الشفاعة، أو يطلق، وفي الثلاثة لا تنعقد؛ لأنه لم يحلف لا هو ولا المخاطب.
(ولو قال: "إن فعلت كذا.. فأنا يهودي أو بريء من الإسلام".. فليس بيمين) لانتفاء الاسم والصفة، والحلف بذلك معصية، والتلفظ به حرام؛ كما صرح به الماوردي والدارمي، والمصنف في "الأذكار" 1.
ثم إن قصد بذلك تبعيد نفسه عن الفعل.. لم يكفر، أو الرضا به إذا فعله.. كفر في الحال، وإذا لم نكفره.. استحب له أن يستغفر الله ويقول: (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) قاله في "زيادة الروضة" 2 نقلًا عن الأصحاب، وقال صاحب "الاستقصاء": يجب ذلك.
(ومن سبق لسانه إلى لفظها) أي: لفظ اليمين (بلا قصد) كقوله في حال غضبه، أو لجاج، أو عجلة، أو صلة كلام: (لا والله)، و (بلى والله) (.. لم تنعقد) بل هو لغو اليمين؛ كما قالت عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾، ورواه أبو داوود مرفوعًا، وصححه ابن حبان 3.
ولو كان يحلف على شيء فسبق لسانه إلى غيره.. فهو من لغو اليمين.
والمراد من تصويرهم اللغو بـ (لا والله)، و (بلى والله): على البدل لا الجمع، أما لو قال: (لا والله وبلى والله) في وقت واحد.. قال الماوردي: كانت الأولى
وَتَصِحُّ عَلَى مَاضٍ وَمُسْتَقْبَلٍ، وَهِيَ مَكْرُوهَةٌ إلَّا فِي طَاعَةٍ، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ حَرَامٍ.. عَصَى وَلَزِمَهُ الْحِنْثُ وَكَفَّارَةٌ، أَوْ تَرْكِ مَنْدُوبٍ، أَوْ فِعْلِ
لغوًا، والثانية منعقدة؛ لأنها استدراك فصارت مقصودة 1، فلو حلف وقال: (لم أقصد اليمين).. صدق بيمينه في الحلف بالله تعالى إن لم تدل قرينة على قصد اليمين، ولا يصدق ظاهرًا في الطلاق والعتق؛ لتعلق حق الآدمي.
(وتصح) اليمين (على ماض) بالإجماع (ومستقبل) لقوله عليه السلام: "وَالله لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا" 2.
ويستثنى: ممتنع الحنث لذاته؛ كقوله: (لا أصعد السماء)، أو (لا أقتل ميتًا)، فالأصح: عدم الانعقاد؛ لامتناع الحنث، بخلاف ممتنع البر؛ كقوله: (لأصعدن السماء)، فإن يمينه تنعقد وتجب الكفارة في الحال؛ لإخلاله بتعظيم الاسم وهتك الحرمة، بخلاف ممتنع الحنث.
(وهي مكروهة) في الجملة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾، ولأنه ربما عجز عن الوفاء بما حلف عليه، قال الشافعي رضي الله عنه: ما حلفت بالله صادقًا ولا كاذبًا قط 3 (إلا في طاعة) كالجهاد؛ لحديث: "وَالله لأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا" 4.
ويستثنى أيضًا: الأيمان الواقعة في الدعاوي إذا كان صادقًا.. فإنها لا تكره، وكذا إذا دعت إليها حاجة؛ كتوكيد وتعظيم أمر؛ كما في "الصحيحين": "فَوَالله لَا يَمَلُّ الله حَتَّى تَمَلُّوا" 5، وضابطه: الحاجة إلى اليمين.
(فإن حلف على ترك واجب أو فعل حرام.. عصى) باليمين (ولزمه الحنث وكفارةٌ) لأن الإقامة على هذه الحالة معصية، (أو تركِ مندوب) كالنوافل (أو فعل
مَكْرُوهٍ.. سُنَّ حِنْثُهُ وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، أَوْ تَرْكِ مُبَاحٍ أَوْ فِعْلِهِ.. فَالأَفْضَلُ: تَرْكُهُ، وَقِيلَ: الْحِنْثُ. وَلَهُ تَقْدِيمُ كَفَّارَةٍ بِغَيْرِ صَوْمٍ عَلَى حِنْثٍ جَائِزٍ، قِيلَ: وَحَرَامٍ. قُلْتُ: هَذَا أَصَحُّ، وَاللهُ أَعْلَمُ
مكروه) كالتفاتٍ في الصلاة (.. سن حنثه وعليه كفارة) لقوله عليه السلام لعبد الرحمن بن سمرة: "وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا.. فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينكَ" متفق عليه 1.
واليمين على فعل المكروه مكروهة.
(أو تركِ مباح أو فعلِه) كدخول دار، وأكل طعام (.. فالأفضل: تركه) لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾، (وقيل: الحنث) أفضل؛ لأن في المقام تغييرًا لموجب الشرع، ولينتفع المساكين بالكفارة.
(وله) أي: للحالف بعد اليمين (تقديم كفارة بغير صوم على حنث جائز) لحديث: "فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينكَ ثُمَّ أْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" رواه أبو داوود والنسائي بإسناد صحيح 2، وهو في "الصحيحين" بالواو؛ كما مر 3، ولأنه حق مالي وجب بسببين، فجاز تعجيله بعد وجود أحدهما؛ كالزكاة قبل الحول.
نعم؛ الأولى ألّا يكفر حتى يحنث خروجًا من خلاف أبي حنيفة.
أما الصوم: فيمتنع تقديمه على الحنث على الصحيح؛ لأنه عبادة بدنية، فلم يجز تقديمها على وقت وجوبها بغير حاجة؛ كصوم رمضان، ولا خلاف في امتناع تقديمها على اليمين.
(قيل: وحرامٍ، قلت: هذا أصح، والله أعلم) أي: إذا كان الحنث بارتكاب حرام؛ كما لو حلف لا يزني.. فهل له التكفير بالمال قبله؟ وجهان: صحح في "المحرر": المنع؛ لأنه يتطرق به لارتكاب محظور، والتعجيل رخصة؛ فلا تليق بالعاصي، وصحح المصنف هنا، وفي "الروضة": الجواز، وصححه الرافعي في
وَكَفَّارَةِ ظِهَارٍ عَلَى الْعَوْدِ، وَقَتْلٍ عَلَى الْمَوْتِ، وَمَنْذُورِ مَالِيٍّ.
فصلٌ [في صفة الكفارة]
يَتَخَيَّرُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بَيْنَ عِتْقٍ كَالظِّهَارِ، وَإِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ؛ كُلُّ مِسْكِينٍ مُدُّ حَبٍّ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ،
"الشرح الصغير"، ونقل في "الكبير": ترجيحه عن كثيرين؛ لأن الحظر في الفعل ليس من حيث اليمين؛ لأن المحلوف عليه حرام قبل اليمين وبعدها، فالتكفير لا تتعلق به استباحة 1.
(و) يجوز تقديم (كفارة ظهار على العود) إذا كفر بالمال؛ لوجود أحد السببين، وهو الظهار، ويتصور التكفير بين الظهار والعود بأن يظاهر من رجعية ثم يكفر ثم يراجعها.
(و) كذا يجوز تقديم كفارة (قتلٍ على الموت) بعد حصول الجرح، وكذا تقديم جزاء الصيد قبل الموت وبعد الجرح؛ لأنه بعد وجود السبب، ولا يجوز تقديمها على الجرح قطعًا.
(ومنذور مالي) كما إذا قال: (إن شفى الله مريضي.. فلله علي أن أعتق، أو أتصدق بكذا)، فيجوز تقديمه على الشفاء؛ كالزكاة يجوز تقديمها على الحول، وفي "فتاوى القفال" ما ينازع فيه، كذا قالاه هنا 2، لكن صحح في "أصل الروضة" و"شرح المهذب" في (تعجيل الزكاة): أنه لو قال: (إن شفى الله مريضي.. فلله علي عتق رقبة) فأعتق قبل الشفاء.. أنه لا تجزئه 3.
واحترز بالمالي: عن البدني؛ كالصوم فلا يجوز تقديمه على الحنث قطعًا.
(فصل: يتخير في كفارة اليمين بين عتق؛ كالظهار) أي: كعتق مجزئ في الظهار، (وإطعام عشرة مساكين؛ كل مسكين مد حب من غالب قوت البلد،
وَكِسْوَتهِمْ بِمَا يُسَمَّى كِسْوَةً كَقَمِيصٍ أَوْ عِمَامَةٍ أَوْ إِزَارٍ، لَا خُفٍّ وَقُفَّازَيْنِ وَمِنْطَقَة، وَلَا تشتَرَطُ صَلَاحِيته لِلْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ، فَيَجُوزُ سَرَاوِيلُ صَغِيرٍ لِكَبِير لَا يَصْلُحُ لَهُ، وَقُطْن وَكَتَّانٌ وَحَرِيرٌ لامْرَأَةٍ وَرَجُلٍ
وكسوتهم بما يسمى كسوة؛ كقميص أو عمامة أو إزار) أو طيلسان، أو رداء، أو منديل يحمله في اليد؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية، واعتبر المد؛ لأنه سداد الرغيب وكفاية المقتصد ونهاية الزهيد، وإنما اعتبر في الكسوة ما يطلق عليه الاسم؛ لأن الله تعالى أطلق الكسوة؛ فإما أن يكون المراد هذا، أو ما تدعو الحاجة إليه، والثاني ممتنع؛ لأنها تدعو إلى ما يدفئ من البرد في الشتاء، ويكنّ من الحر في الصيف، وهو لا يجب بالاتفاق، فتعين الأول.
وقضية قوله: (حَبٍّ): أنه لا يجزئ الثمر والأقط وغيرهما ممّا ليس بحبٍّ، لكن ذكرا في (كفارة الظهار): أن جنسها جنس طعام الفطرة 1، وصرح به هنا ابن خيران في "اللطيف".
وخرج بقوله: (عشرة مساكين): ما إذا أطعم خمسة، وكسا خمسة.. فإنه لا يجوز؛ كما لا يجوز إعتاق نصف رقبة، وإطعام خمسة.
ويستثنى من إطلاق التخيير: العبد، وقد ذكره بعد، والمحجور بسفه أو فلس؛ فلا يكفِّر بالمال بل بالصوم؛ كالمعسر.
(لا خفٍّ وقفازين ومنطقة) وتكة؛ إذ لا يسمى ذلك كسوة.
(ولا تشترط صلاحيته للمدفوع إليه، فيجوز سراويل صغير لكبير لا يصلح له، وقطن وكتان وحرير) وصوف ونحوه (لامرأة ورجل) لوقوع اسم الكسوة على ذلك، وقيل: لا تجزئ سراويل الصغير للكبير.
وقضية كلام "البسيط" و"الذخائر": أن الجمهور عليه، وأن القاضي وحده قال بالإجزاء، وصحح البُلْقيني: المنع؛ لأن الله تعالى أضاف الكسوة إلى من يكتسي؛ فلا بد أن تعد كسوة له، قال: وفاعل ذلك إذا قال: (كسوت فلانًا).. عُدّ من الحمقى، وقد صحح الشيخان منع التُّبَّان، وهو سراويل قصير لا يبلغ الركبة؛ لعدم
وَلَبيسٌ لَمْ تَذْهَبْ قُوَّتُهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الثَّلَاثَةِ.. لَزِمَهُ صوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَلَا يَجِبُ تَتَابُعُهَا فِيَ الأَظْهَرِ. وَإِنْ غَابَ مَالُهُ.. انْتَظَرَهُ وَلَمْ يَصُمْ. وَلَا يُكَفرُ عَبْدٌ بِمَالٍ إلَّا إِذَا مَلَّكَهُ سَيِّدُهُ طَعَامًا أَوْ كِسْوَةً وَقُلْنَا: يَمْلِكُ،
اسم الكسوة 1، ولا شك أنه يستر سوءته، بخلاف سراويل الصغير.
(ولبيس) أي: ملبوس (لم تذهب قوته) بالاستعمال؛ كالطعام العتيق، فإن ذهبت أو تخرق.. لم يجز قطعًا؛ كالطعام المسوّس.
(فإن عجز عن) كل واحد من (الثلاثة) المذكورة (.. لزمه صوم ثلاثه أيام) للآية (ولا يجب تتابعها في الأظهر) لإطلاق الآية، والثاني: تجب، لقراءة ابن مسعود وأبي بن كعب: ﴿متتابعات﴾ 2 والقراءة الشاذة كخبر الواحد في وجوب العمل.
وأجاب الأول: بأن ابن مسعود وأبيًّا لم يصرّحا بإسناد التتابع إلى القرآن، فيحتمل أنها تفسير منهما، أو مذهب واه، وعموم القراءة المشهورة أولى.
(وإن غاب ماله.. انتظره ولم يصم) لأنه واجد، وإنما أبيح الصوم لمن لم يجد، بخلاف المتمتع إذا أعسر بالدم بمكة.. فإنه يجزئه الصوم؛ لأن القدرة اعتبرت بمكة، فلا ينظر إلى غيره، والقدرة في الكفارة اعتبرت مطلقًا.
(ولا يكفر عبد بمال) لعدم ملكه (إلا إذا ملكه سيده طعامًا أو كسوة) ليكفر بها أو ملكه مطلقًا (وقلنا: يملك) ثم أذن له في التكفير، فإن لم يأذن له.. لم يكفر به، وإذا ملكه وأذن له في التكفير به.. وجب عليه، وليس له العدول عنه إلى الصوم؛ قاله الرافعي في (الظهار)، وكلام "التنبيه" يقتضي عدم الوجوب، نبه عليه ابن الرفعة، وعكس ذلك في "العجالة" وهو وهم 3.
وخرج بقول المصنف: (طعامًا وكسوة): ما لو ملكه عبدًا ليعتقه عن الكفارة
بَلْ يُكَفِّرُ بِصَوْمٍ، فَإِنْ ضَرَّهُ وَكَانَ حَلَفَ وَحَنِثَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.. صَامَ بِلَا إِذْنٍ، أَوْ وُجِدَا بِلَا إِذْنٍ.. لَمْ يَصُمْ إلَّا بِإِذْنٍ، وَإِنْ أَذِنَ فِي أَحَدِهِمَا.. فَالأَصَحُّ: اعْتِبَارُ الْحَلِفِ،
ففعل.. فإنه لا يقع عنها على المذهب؛ لأنه يستعقب الولاء ولا يمكن إثباته للعبد.
(بل يكفر بصوم) لامتناع غيره منه 1 (فإن ضره) الصوم؛ لشدة حرٍّ، أو طول نهار، أو ضعفه ويضعف عن العمل بسببه (وكان حلف وحنث بإذن سيده.. صام بلا إذن) وليس له منعه وإن كانت الكفارة على التراخي؛ لصدور السبب الموجب عن إذن السيد.
(أو وجدا) أي: الحلف والحنث (بلا إذن.. لم يصم إلا بإذن) قطعًا؛ لأنه لم يأذن في السبب والفرض أن الصوم يضره فكان له منعه وإخراجه منه كالحج، فإن لم يضره ولا يعطله عن خدمة سيده.. فليس له منعه على الأصح.
(وإن أذن في أحدهما.. فالأصح: اعتبار الحلف) فإن كان الحلف بإذنه، والحنث بغير إذنه.. صام بغير إذنه؛ لأن إذنه في الحلف إذنٌ فيما يترتب عليه؛ كالتكسب لنكاح مأذون فيه، والثاني: لا؛ لأن اليمين مانعة من الحنث، فليس إذنه فيها إذنًا في التزام الكفارة.
وإن كان الحلف بغير إذنه والحنث بإذنه.. فلا يصوم إلا بإذنه؛ لأنه لم يأذن في السبب الأول، وهو الحلف، وإنما العبد ورّط نفسه فيه، والثاني: له الصوم بلا إذنه؛ لأن الحنث يستعقب الكفارة، فالإذن فيه يكون إذنًا في التكفير، وما رجحه تبع فيه "المحرر"، وأحالا في "الشرح" و"الروضة" المسألة على (كتاب الكفارة)، وذكرا هناك: أنه إن حلف بإذنه وحنث بغير إذنه.. لم يستقل بالصوم على الأصح، وفي عكسه.. يستقل على المذهب 2.
قيل: ولعل ما في "المحرر" سبق قلم من (الحنث) إلى (الحلف)، ورد: بأن ما في "الكتاب" صححه البغوي 3، وفي "المحرر" يتبع البغوي كثيرًا.
وَمَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَلَهُ مَالٌ.. يُكَفِّرُ بطَعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ لَا عِتْقٍ.
فصلٌ [في الحلف على السكنى والمساكنة وغيرهما]
حَلَفَ لَا يَسْكُنُهَا أَوْ لَا يُقِيمُ فِيهَا.. فَلْيَخْرُجْ فِي الْحَالِ،
ومن نظائر المسألة: الضمان والأداء بالإذن وعكسه، والإذن في أحدهما، وقد مر ما فيه في بابه.
وتعبيره بالعبد: مخرج للأمة؛ فللسيد منعها من الصوم؛ للاستمتاع الناجز، والصوم على التراخي.
(ومن بعضه حرٌّ وله مال.. يكفر بطعام أو كسوة) ولا يجزئه الصيام؛ لأنه واجد لما يُقدم على الصوم؛ فلا يصوم، كما لو وجد الماء.. فلا يباح له التيمم (لا عتق) لأنه ليس أهلًا للولاء؛ كالقن.
(فصل: حلف لا يسكنها أو لا يقيم فيها) وهو فيها عند الحلف (.. فليخرج في الحال) ببدنه دون أهله ومتاعه؛ فإنه المحلوف عليه، قال الإمام: ولا يكلف في خروجه العَدْو والهرولة 1، ولا فرق بين أن يخرج من باب قريب منه أو بعيد عنه لغرض أو غيره.
وقضية كلام الشيخين: الاكتفاء بمطلق الخروج، سواء أقصد به التحول أم لا، لكن قيده جمع منهم صاحب "التنبيه" وابن الصباغ والشيخ نصر في كتابه "الكافي" وصاحب "المستظهري"، والجرجاني في "التحرير"، وابن الصلاح وغيرهم بما إذا خرج بنية التحول 2.
وقضيته: أنه إذا خرج لا بنيّته وترك قماشه.. يحنث، وقال المصنف في مسودة "شرح المهذب": إن الأظهر: التقييد؛ لأن من كان ساكنًا في دار فخرج منها إلى السوق مثلًا فأهل العرف يعدونه ساكنًا؛ نظرًا إلى أن عادة الساكن أن يخرج ويدخل،
فَإِنْ مَكَثَ بِلَا عُذْرٍ.. حَنِثَ وَإِنْ بَعَثَ مَتَاعَهُ، وَإِنِ اشْتَغَلَ بِأَسْبَابِ الْخُرُوجِ كَجَمْعٍ مَتَاعٍ وإخْرَاجِ أَهْلٍ وَلُبْسِ ثَوْبٍ.. لَمْ يَحْنَثْ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ فخَرَجَ أَحَدُهُمَا فِي الْحَالِ.. لَمْ يَحْنَثْ، وَكَذَا لَوْ بُنِيَ بَيْنَهُمَا جِدَارٌ وَلِكُلِّ جَانِبٍ مَدْخَل فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا وَهُوَ فِيهَا أَوْ لَا يَخْرُجُ وَهُوَ خَارِجٌ.. فَلَا حِنْثَ بِهَذَا،
وقال الأَذْرَعي: إنه ظاهر نص "الأم" و"المختصر".
(فإن مكث بلا عذر.. حنث) وإن قل (وإن بعث متاعه) لأن المحلوف عليه سكناه وهو موجود؛ إذ اسم السكنى يقع على الدوام؛ كالابتداء، فيقال: سكن شهرًا، ويستعمل مع المتاع ودونه.
واحترز بقوله: (بلا عذر): عما إذا مكث بعذر يمنعه من الخروج؛ كزمانة ولى يجد من يحمله، أو أُغلق عليه الباب، أو مُنع من الخروج، أو خاف على نفسه أو ماله لو خرج.. فلا حنث.
(وإن اشتغل بأسباب الخروج؛ كجمع متاع وإخراج أهل ولبس ثوب) يعتاد لبسه في الخروج (.. لم يحنث) على الأصح؛ لأنه لا يعدّ ساكنًا وإن طال مقامه بسبب ذلك.
(ولو حلف لا يساكنه في هذه الدار فخرج أحدهما في الحال.. لم يحنث) لعدم المساكنة، ويجيء ما تقدم كله.
(وكذا لو بُني بينهما جدار ولكل جانب مدخل في الأصح) لاشتغاله برفع المساكنة، وهذا التصحيح تبع فيه "المحرر"، ونقلاه عن البغوي، ونقلا في "الشرح" و"الروضة" عن تصحيح الجمهور: الحنث؛ لحصول المساكنة إلى تمام البناء من غير ضرورة 1.
واحترز بقوله: (في هذه الدار): عمّا لو أطلق المساكنة.. فينتظر؛ إن نوى معينًا.. حملت اليمين عليه، وإلا.. حنث بالمساكنة في أي موضع كان.
(ولو حلف لا يدخلها) أي: الدار (وهو فيها أو لا يخرج وهو خارج.. فلا حنث بهذا) فيهما؛ لأنه لا يسمى دخولًا ولا خروجًا.
أَوْ لَا يَتَزَوَّجُ أَوْ لَا يَتَطَهَّرُ أَوْ لَا يَلْبَسُ أَوْ لَا يَرْكَبُ أَوْ لَا يَقُومُ أَوْ لَا يَقْعُدُ، فاسْتَدَامَ هَذِهِ الأَحْوَالَ.. حَنِثَ. قُلْتُ: تَحْنِيثُهُ بِاسْتِدَامَةِ التَّزَوُّجِ وَالتَّطَهُّرِ غَلَطٌ؛ لِذُهُولٍ، وَاسْتِدَامَةُ طِيبٍ لَيْسَتْ تَطَيُّبًا فِي الأَصَحِّ، وَكَذَا وَطْء وَصَوْمٌ وَصَلَاةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا.. حَنِثَ بِدُخُولِ دِهْلِيزٍ دَاخِلَ الْبَابِ أَوْ بَيْنَ بَابَيْنِ، لَا بِدُخُولِ طَاقٍ قُدَّامَ الْبَابِ،
نعم؛ لو نوى بالدخول الاجتناب فأقام.. حنث في الأصح؛ كما قاله ابن الرفعة تبعًا للإمام 1.
(أو لا يتزوج أو لا يتطهر أو لا يلبس أو لا يركب أو لا يقوم أو لا يقعد فاستدام هذه الأحوال.. حنث) لأنه يقال: لبست يومًا، وركبت يومًا، وهكذا الباقي.
(قلت: تحنيثه باستدامة التزوج والتطهر غلط؛ لذهول) لأن المجزوم به في "الشرحين": عدم الحنث بالاستدامة فيهما 2، وهو المنصوص في "الأم"، وجزم به العراقيون وغيرهم؛ إذ لا يقال: (تزوجت شهرًا)، و (تطهّرت شهرًا)، بل: (منذ شهر)، بخلاف غيرهما، قال صاحب "الاستقصاء": هذا إذا لم ينو الاستدامة، فإن نواها.. حنث؛ لوجود الصفة المقصودة بيمينه.
(واستدامة طيب ليست تطيُّبًا في الأصح) بدليل عدم الفدية فيما إذا تطيب ثم أحرم واستدام، والثاني: نعم؛ لأنه منسوب إلى التطيب.
(وكذا وطء وصوم وصلاة) فلا يحنث باستدامتها على الأصح، (والله أعلم) وصورة الحلف في الصلاة: أن يحلف ناسيًا؛ فإنها لا تبطل وتنعقد يمينه.
(ومن حلف لا يدخل دارًا.. حنث بدخول دهليز داخل الباب أو بين بابين) لأنه من الدار، ومن جاوز الباب.. عدّ داخلًا (لا بدخول طاق قدّام الباب) لأنه لا يقال: داخل الدار، قال الرافعي: والطاق هو: المعقود خارج الباب 3.
وما أطلقه من عدم الحنث محله: إذا لم يكن للطاق باب يغلق؛ كالدرب؛ فإن
وَلَا بِصُعُودِ سَطْح غَيْرِ مُحَوَّطٍ، وَكَذَا مُحَوَّطٌ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ أَوْ رَأْسَهُ أَوْ رِجْلَهُ.. لَمْ يَحْنثْ، فَإِنْ وَضَعَ رِجْلَيْهِ فِيهَا مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا.. حَنِثَ. وَلَوِ انْهَدَمَتْ فَدَخَلَ وَقَدْ بَقِيَ أَسَاسُ الْحِيطَانِ.. حَنِثَ،
كان.. قال المتولي: هو من الدار، مسقفًا كان أو غير مسقف، كذا نقله الرافعي وأقرّه 1، واستشكل بخروجه عن العرف.
(ولا بصعود سطح غير محوط) ولا سترة عليه؛ كما في "الروضة" و"أصلها" 2؛ لأنه لا يسمى داخلًا للدار لا لغة ولا عرفًا؛ لأنه حاجز يقي الدار الحر والبرد، فهو كحيطانها، وصورة المسألة: أن يتسور السطح من خارجها أو دار الجار.
(وكذا محوط) من الجوانب الأربعة (في الأصح) لما سبق، والثاني: يحنث؛ لإحاطته حيطان الدار، فإن كان من جانب.. لم يؤثر قطعًا، أو جانبين أو ثلاثة.. ففيه تردد للإمام 3.
(ولو أدخل يده أو رأسه أو رجله.. لم يحنث) لأنه لا يسمّى داخلًا.
(فإن وضع رجليه فيها معتمدًا عليهما) وباقي بدنه خارج (.. حنث) لأنه يسمى داخلًا.
واحترز بقوله: (معتمدًا عليهما): عمّا إذا مدّهما وهو قاعد.. فلا يحنث.
(ولو انهدمت) الدار المحلوف عليها (فدخل وقد بقي أساس الحيطان.. حنث) لأنه منها، كذا قاله البغوي في "التهذيب"، وتبعه "المحرر" 4، وجرى عليه المصنف، واستبعده في "المطلب"، فإن حقيقة الأساس هو البناء المدفون في الأرض تحت الجدار البارز، وعبارة "الروضة" و"أصلها" 5: إن بقيت أصول الحيطان والرسوم.. حنث.
وَإِنْ صَارَتْ فَضَاءً أَوْ جُعِلَتْ مَسْجِدًا أَوْ حَمَّامًا أَوْ بُسْتَانًا.. فَلَا. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ.. حَنِثَ بِدُخُولِ مَا يَسْكُنُهَا بِمِلْكٍ، لَا بِإِعَارَة وَإِجَارَةٍ وَغَصْبٍ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ مَسْكَنَهُ، وَيَحْنَثُ بِمَا يَمْلِكُهُ وَلَا يَسْكُنُهُ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ مَسْكَنَهُ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ، أَوْ لَا يُكَلِّمُ عَبْدَهُ أَوْ زَوْجَتَهُ، فَبَاعَهُمَا أَوْ طَلَّقَهَا فَدَخَلَ وَكَلَّمَ.. لَمْ يَحْنَثْ،
والمتبادر إلى الفهم من هذه العبارة بقاء شاخص.
(وإن صارت فضاء أو جعلت مسجدًا أو حمامًا أو بستانًا.. فلا) لزوال مسمّى الدار، وحدوث اسم آخر لها.
(ولو حلف لا يدخل دار زيد.. حنث بدخول ما يسكنها بملك، لا بإعارة وإجارة وغصب) أو موصىً له بمنفعتها، ووقف عليه إن قلنا: لا يملك الرقبة؛ لأن الإضافة إلى من يملك يقتضي الملك حقيقة، بدليل أنه لو قال: (هذه الدار لزيد)، ثم قال: (أردت أنها سكنه).. لم يقبل.
(إلا أن يريد مسكنه) فيحنث في الإعارة وما بعدها؛ لأنه مجاز مستعمل، فتؤثر فيه النية، قال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ وأراد بيوت الأزواج التي يسكنهن، وإنما قلنا: إنه مجاز؛ لأنه يصدق أنها ليست داره بل مسكنه.
وهذا في الحلف بالله تعالى، فأما الحلف بطلاق أو عتاق.. فلا يقبل تفسيره بذلك في الظاهر؛ لوجود خصم فيه.
ذكره جمع من العراقيين منهم الماوردي، وابن الصباغ، والجرجاني وغيرهم.
واعترض ذلك: بأن نية السكنى يوجب التغليظ عليه، وذلك موجب لوقوع الطلاق والعتق، فيعمل بنيته، وفيه نظر؛ لأن دعواه إرادة ذلك تمنع الوقوع بما يملكه ولا يسكنه؛ كما سنذكره، ففي نيّته تخفيف عليه، فينبغي أن تقبل دعواه بنية ذلك فيما عليه دون ما له إذا كان الحلف بالطلاق والعتاق.
(ويحنث بما يملكه ولا يسكنه) لأنه دخل داره حقيقة (إلّا أن يريد مسكنه) فلا يحنث بذلك عملًا بقصده.
(ولو حلف لا يدخل دار زيد، أو لا يكلم عبده أو زوجته، فباعهما) بيعًا لازمًا (أو طلقها) بائنًا (فدخل وكلّم.. لم يحنث) لأنه لم يدخل داره، ولم يكلم عبده
إلَّا أَنْ يَقُولَ: (دَارَهُ هَذِهِ)، أَوْ (زَوْجَته هَذِهِ)، أَوْ (عَبْدَهُ هَذَا).. فَيَحْنَثُ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ مَا دَامَ مِلْكُهُ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا مِنْ ذَا الْبَابِ، فَنُزِعَ وَنُصِبَ فِي مَوْضِع آخَرَ مِنْهَا.. لَمْ يَحْنَثْ بِالثَّانِي، وَيَحْنَثُ بِالأَوَّلِ فِي الأَصَحِّ. أَوْ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا.. حَنِثَ بِكُلِّ بَيْتٍ مِنْ طِينٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ آجُرٍّ أَوْ خَشَبٍ أَوْ خَيْمَةٍ، وَلَا يَحْنَثُ بِمَسْجِدٍ وَحَمَّامٍ وَكَنِيسَةٍ وَغَارِ جَبَلٍ. أَوْ لَا يَدْخُلُ عَلَى زَيْدٍ، فَدَخَلَ بَيْتًا فِيهِ زَيْدٌ وَغَيْرُهُ.. حَنِثَ،
ولا زوجته؛ لزوال الملك بالبيع، والزوجية بالطلاق.
ولو قال: (فأزال ملكه) بدل (فباعهما).. لكان أعم، ليدخل الهبة وغيرها.
(إلا أن يقول: "داره هذه"، أو "زوجته هذه"، أو "عبده هذا".. فيحنث) تغليبًا للإشارة (إلا أن يريد) بقوله: داره هذه (ما دام ملكه) فلا يحنث عملًا بإرادته.
(ولو حلف لا يدخلها من ذا الباب) المفتوح الآن (فنزع) خشب الباب (ونصب في موضع آخر منها.. لم يحنث بالثاني، ويحنث بالأول في الأصح) الخلاف مبني على أن الباب عند الإطلاق يحمل على ماذا؟ وفيه أوجه: أصحها: على المنفذ؛ لأنه المحتاج إليه في الدخول دون المنصوب، والثاني: على المنصوب، فيحنث بالثاني دون الأول، والثالث: عليهما جميعًا، فلا يحنث بواحد منهما؛ لأن الإشارة وقعت عليهما.
هذا عند الإطلاق، فلو قال: (أردت بعض هذه المحامل).. حملت اليمين عليه.
(أو لا يدخل بيتًا) وأطلق (.. حنث بكل بيت من طين أو حجر أو آجرٍّ أو خشب) أو قصب محكم؛ كما قاله الماوردي 1، (أو خيمة) ونحوها سواء أكان الحالف حضريًّا أم بدويًّا في الأصح، لأن اسم البيت يقع على ذلك كله حقيقة في اللغة؛ لأنه كل ما جعل للسكن، فإن نوى شيئًا من ذلك.. حملت يمينه عليه، (ولا يحنث بمسجد وحمّام وكنيسة وغار جبل) وبيت رحى، لأنها لا تسمى بيتًا عرفًا.
(أو لا يدخل على زيد، فدخل بيتًا فيه زيد وغيره.. حنث) إذا كان عالمًا به ذاكرًا
وَفِي قَولٍ: إِنْ نَوَى الدُّخُولَ عَلَى غَيْرِهِ دُونَهُ.. لَا يَحْنَثُ، فَلَوْ جَهِلَ حُضُورَهُ.. فَخِلَافُ حِنْثِ النَّاسِي.
قُلْتُ: وَلَوْ حَلَفَ لَا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ وَاسْتَثْنَاهُ.. لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَطْلَقَ.. حَنِثَ فِي الأَظْهَرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فصلٌ [في الحلف على أكل وشرب مع بيان ما يتناوله]
حَلَفَ لَا يَأْكُلُ الرُّؤُوسَ وَلَا نِيَّةَ لَهُ.. حَنِثَ بِرُؤُوسٍ تبُاعُ وَحْدَهَا،
لحلفه مختارًا؛ لوجود الدخول على الجميع، (وفي قول: إن نوى الدخول على غيره دونه.. لا يحنث) كما يجيء في السلام عليه.
وفرق الأول: بأن الاستثناء ممتنع في الأفعال دون الأقوال؛ بدليل أنه لا يصح: (دخلت عليكم إلا زيدًا)، ويصح: (سلمت عليكم إلا زيدًا).
(فلو جهل حضوره.. فخلاف حنثِ الناسي) والجاهل، والأصح فيهما: عدم الحنث، وقد مر ما في ذلك.
(قلت: ولو حلف لا يسلم عليه، فسلم على قوم هو فيهم واستثناه.. لم يحنث) لأنه أخرجه بالاستثناء عن أن يكون مسلّمًا عليه، وسواء استثناه باللفظ أو بالنية على الأصح، (وإن أطلق.. حنث في الأظهر، والله أعلم) لأن العام يجري على عمومه ما لم يخصص، والثاني: المنع؛ لصلاحية اللفظ للجميع وللبعض، فلا يحنث بالشك.
هذا كله إذا علم به، فإن جهله.. فقولا حنث الجاهل 1.
(فصل: حلف لا يأكل الرؤوس ولا نية له.. حنث برؤوس تباع وحدها) وهي رؤوس الغنم قطعًا، وكذا البقر والإبل على الصحيح؛ لأنه المتعارف.
واحترز بقوله: (ولا نية): عمّا إذا نوى نوعًا منها.. فلا يحنث بغيره، أو مطلق ما يسمى رأسًا.. فلا يختص بما تبُاع وحدها.
لَا طَيْر وَحُوتٍ وَصَيْدٍ، إلَّا بِبَلَدٍ تُباعُ فِيهِ مُفْرَدَةً. وَالْبَيْضُ يُحْمَلُ عَلَى مُزَايِلِ بَائِضِهِ فِي الْحَيَاةِ كَدَجَاجٍ وَنَعَامَةٍ وَحَمَامٍ، لَا سَمَكٍ وَجَرَادٍ. وَاللَّحْمُ عَلَى نَعَمٍ وَخَيْلٍ وَوَحْشٍ وَطَيْرٍ،.
(لا طيرٍ وحوتٍ وصيدٍ) لأنها لا تفرد بالبيع، ولا تفهم من اللفظ عند الإطلاق، (إلا ببلد تباع فيه مفردة) عن الأبدان، فيحنث بأكلها هناك؛ لأنها كرؤوس الأنعام في حق غيرهم.
وظاهر كلامه: أنه لا يحنث بأكلها في غير ذلك البلد، وصححه في "تصحيح التنبيه"، لكن أقوى الوجهين في "الشرحين" و"الروضة": الحنث، وقالا: إنه الأقرب إلى ظاهر النص 1.
(والبيض يحمل على مزايل بائضه في الحياة) أي: يفارقه وهو حي (كدجاج ونعامة وحَمَام) لأنه المفهوم عند الإطلاق.
وينبغي أن يحمل قوله: (على مزايل بائضه) على ما شأنه ذلك لا المفارقة الحقيقية؛ فإنه لو خرج من الدجاجة بعد موتها بيض متصلب.. حنث به على الصحيح في "زيادة الروضة" 2.
(لا سمك وجراد) لأنه إنما يخرج بعد الموت بشق البطن، كذا علله الرافعي 3.
(واللحم على نعم وخيل ووحش وطير) لتناول اليمين جميع ذلك، لا ما يحرم أكله؛ كالميتة والحمار والذئب ونحوها على أقوى الوجهين في "زيادة الروضة"؛ إذ الغرض الامتناع عمّا يعدّه الناس مأكولًا 4.
هذا كله عند الإطلاق، فإن نوى شيئًا.. حمل عليه.
و(الخيل): من زوائد "الكتاب" على "المحرر" و"الشرح" و"الروضة"، وقد صرح به ابن الصباغ.
لَا سَمَكٍ وَشَحْمِ بَطْنٍ، وَكَذَا كَرِشٌ وَكَبِدٌ وَطِحَالٌ وَقَلْبٌ فِي الأَصَحِّ، وَالأَصَحُّ: تنَاوُلُهُ لَحْمَ رَأْسٍ وَلِسَانٍ وَشَحْمَ ظَهْرٍ وَجَنْب، وَأَنَّ شَحْمَ الظَّهْرِ لَا يَتَنَاوَلُهُ الشَّحْمُ، وَأَنَّ الأَلْيَةَ وَالسَّنَامَ لَيْسَا شَحْمًا وَلَا لَحْمًا. وَالأَلْيَةُ لَا تتنَاوَلُ سَنَامًا وَلَا يَتَنَاوَلُهَا، وَالدَّسَمُ يَتَنَاوَلُهُمَا وَشَحْمَ ظَهْرٍ وَبَطْنٍ وَكُلَّ دُهْنٍ، وَلَحْمُ الْبَقَرِ يَتَنَاوَلُ جَامُوسًا
(لا سمك) لأنه لا يسمى لحمًا عرفًا وإن سماه الله تعالى لحمًا، والجراد كذلك، (وشحم بطن) وشحم عين؛ لمخالفتهما اللحم في الاسم والصفة، (وكذا كرش وكبد وطحال وقلب) وأمعاء ورئة ومخ (في الأصح) لأنه يصح أن يقال: إنها ليست لحمًا، والثاني: الحنث؛ لأنها في حكم اللحم، وفي الصحيح: "أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً... وَهِيَ الْقَلْبُ" 1، والمضغة هي: القطعة من اللحم.
(والأصح: تناوله) أي: اللحم (لحم رأس ولسان) وخد وأكارع؛ لصدق الاسم عليها، والثاني: المنع؛ لأن مطلق اللحم لا يقع إلا على لحم البدن، وأما في غيره.. فبالإضافة؛ فيقال: لحم رأس، ولحم لسان.
(وشحم ظهر وجنب) وهو الأبيض الذي لا يخالطه أحمر؛ لأنه لحم سمين؛ ولهذا يحمرّ عند الهزال، والثاني: لا؛ لأنه شحم، قال تعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ فسمّاه شحمًا.
(وأن شحم الظهر لا يتناوله الشحم) لما ذكرناه من تعليل الوجهين في المسألة قبلها، (وأن الأليَةَ، والسنام ليسا شحمًا ولا لحمًا) لاختلاف الاسم والصفة، والثاني: هُمَا هُمَا؛ لقربهما من اللحم السمين 2.
(والألية لا تتناول سنامًا ولا يتناولها) لاختلاف الاسم والصفة، (والدسم يتناولهما وشحمَ ظهر وبطن وكلَّ دهن) لصدق الاسم على جميع ذلك، (ولحم البقر يتناول جاموسًا) لدخوله تحت اسم البقر، وكذا البقر الوحشي على الأصح، وهو كالخلاف فيما لو حلف لا يركب حمارًا، فركب حمار وحش.
وَلَوْ قَالَ - مُشِيرًا إِلَى حِنْطَةٍ -: (لَا آكُلُ هَذِهِ).. حَنِثَ بِأَكْلِهَا عَلَى هَيْئَتِهَا وَبِطَحِينهَا وَخُبْزِهَا. وَلَوْ قَالَ: (لَا آكُلُ هَذِهِ الْحِنْطَةَ).. حَنِثَ بِهَا مَطْبُوخَةً ونيئَةً وَمَقْلِيَّةً، لَا بِطَحِينِهَا وَسَوِيقِهَا وَعَجِينِهَا وَخُبْزِهَا، وَلَا يَتَنَاوَلُ رُطَبٌ تَمْرًا وَلَا بُسْرًا، وَلَا عِنَبٌ زَبيبًا، وَكَذَا الْعُكُوسُ. وَلَوْ قَالَ: (لَا آكُلُ هَذَا الرُّطَبَ) فَتَتَمَّرَ فَأَكَلَهُ، أَوْ (لَا أُكَلِّمُ ذَا الصَّبيَّ) فَكَلَّمَهُ شَيْخًا.. فَلا حِنْثَ فِي الأَصَحِّ. وَالْخُبْزُ يَتَنَاوَلُ كُلَّ خُبْزٍ كَحِنْطَةٍ وَشَعِيرٍ وَأَرُز وَبَاقِلَاءٍ وَذُرَةٍ وَحِمِّصٍ، فَلَوْ ثَرَدَهُ فَأَكَلَهُ.. حَنِثَ. وَلَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَوِيقًا، فَسَفَّهُ أَوْ تنَاوَلَهُ بِإِصْبَعٍ.. حَنِثَ، وَإِنْ
(ولو قال مشيرًا إلى حنطة: "لا آكل هذه".. حنث بأكلها على هيئتها وبطحينها وخبزها) تغليبًا للإشارة.
(ولو قال: "لا آكل هذه الحنطة") أي: صرح بالإشارة مع الاسم (.. حنث بها مطبوخة ونيئة ومقلية) لوجود الاسم، والمراد: طبخها مع بقاء حباتها، أما لو هرست.. فلا؛ لزوال اسم الحنطة، قاله البلقيني.
(لا بطحينها وسويقها وعجينها وخبزها) لزوال الاسم والصورة، (ولا يتناول رطب تمرًا ولا بسرًا، ولا عنب زبيبًا، وكذا العكوس) لاختلافهما اسمًا وصفة.
(ولو قال: "لا آكل هذا الرطب"، فتتمَّر فأكله، أو: "لا أكلم ذا الصبي" فكلّمه شيخًا.. فلا حنث في الأصح) لزوال الاسم؛ كما في الحنطة، والثاني: يحنث؛ لأن الصورة ما تغيرت، وإنما تغيرت الصفة فصار كما لو قال: (لا آكل هذا اللحم) فجعله شواء وأكله.
وقوله: (شيخًا) يوهم أنه لو كلّمه بالغًا.. يحنث، وليس كذلك، فلو عبر بـ (البالغ).. لدلّ على الشيخ من باب أولى.
(والخبز يتناول كل خبز؛ كحنطة وشعير وأرز وباقلاء وذرة وحمّص) وسائر المتخذ من الحبوب وإن لم يكن معهود بلده؛ لوجود الاسم؛ كما لو حلف لا يلبس ثوبًا.. فإنه يحنث بكل ثوب وإن لم يعهده ببلده، (فلو ثرده فأكله.. حنث) لصدق الاسم.
نعم؛ لو صار في المرقة؛ كالحسو فحساه.. لم يحنث.
(ولو حلف لا يأكل سويقًا، فسفَّه أو تناوله بإصبع.. حنث) لأنه يعد آكلًا، (وإن
جَعَلَهُ فِي مَاءٍ فَشَرِبَهُ.. فَلَا، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ.. فَبالْعَكْسِ، أَوْ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا أَوْ مَائِعًا آخَرَ فَأَكَلَهُ بِخُبْزٍ.. حَنِثَ، أَوْ شَرِبَهُ.. فَلَا، أَوْ لا يَشْرَبُهُ.. فَبالْعَكْسِ، أَوْ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا فَأَكَلَهُ بِخُبْزٍ جَامِدًا أَوْ ذَائِبًا.. حَنِثَ، وَإِنْ شَرِبَ ذَائِبًا.. فَلا، وَإِنْ أَكَلَهُ فِي عَصِيدَةٍ.. حَنِثَ إِنْ كَانَتْ عَيْنُهُ ظَاهِرَةً. وَيَدْخُلُ فِي فَاكِهَةٍ رُطَبٌ وَعِنَبٌ وَرُمَّانٌ وَأُتْرُجٌّ وَرَطْبٌ وَيَابِسٌ. قُلْتُ: وَلَيْمُونٌ وَنَبِقٌ،
جعله في ماء فشربه.. فلا) لأنه لا يسمى أكلًا.
نعم؛ لو كان خاثرًا يؤخذ بالملاعق وتحساه.. حنث على الأصح.
(أو لا يشربه.. فبالعكس) فيحنث في الثانية؛ لوجود المحلوف عليه دون الأولى؛ لأنه لم يشربه، (أو لا يأكل لبنًا أو مائعًا آخر، فأكله بخبز.. حنث) لأنه كذلك يؤكل، (أو شربه.. فلا) لعدم الأكل، (أو لا يشربه.. فبالعكس) فيحنث في الثانية؛ لوجود المحلوف عليه دون الأولى؛ لعدمه، (أو لا يأكل سمنًا فأكله بخبز جامدًا أو ذائبًا.. حنث، وإن شرب ذائبًا.. فلا) لصدق اسم الأكل في الأولى دون الثانية.
(وإن أكله في عصيدة.. حنث إن كانت عينه ظاهره) أي: متميزة في الحس؛ كما قاله الإمام 1؛ لأنه فعل المحلوف عليه وزاد، فأشبه ما لو حلف لا يدخل على زيد، فدخل على زيد وعمرو، وإن كانت عينه مستهلكة.. فلا.
(ويدخل في فاكهة رطب وعنب ورمان وأترج ورطب ويابس) لوقوع الاسم على ذلك؛ لأن الفاكهة ما يتفكه بها؛ أي: يُتنعَّم بأكلها ولا يكون قوتًا؛ كما قاله البَنْدَنيجي.
(قلت: وليمون ونبق) ونارنج؛ كما ذكره في "التتمة"، قال البُلْقيني: ولم أجد ذكر الليمون إلا في "التتمة" وهو مردود؛ لأنه ليس من الفاكهة عرفًا، وإنما يصلح به بعض الأطعمة، فهو كالملح أو الخل، قال: والنارنج كذلك وإن كان يطلق عليهما فاكهة لغة.
وَكَذَا بِطِّيخٌ وَلُبُّ فُسْتُقٍ وَبنْدُقٍ وَغَيْرِهِمَا فِي الأَصَحِّ، لَا قِثَّاءٌ وَخِيَارٌ وَبَاذِنْجَانٌ وَجَزَرٌ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الثِّمَارِ يَابِسٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أُطْلِقَ بِطِّيخٌ وَتَمْرٌ وَجَوْزٌ.. لَمْ يَدْخُلْ هِنْدِيٌّ. وَالطَّعَامُ يَتَنَاوَلُ قُوتًا وَفَاكِهَةً وَأُدْمًا وَحَلْوَى. وَلَوْ قَالَ: (لَا آكُلُ مِنْ هَذِهِ الْبقَرَةِ).. تنَاوَلَ لَحْمَهَا دُونَ وَلَدٍ وَلَبَنٍ، أَوْ (مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ).. فَثَمَرٌ دُونَ وَرَقٍ وَطَرَفِ غُصْنٍ.
(وكذا بطيخ ولبُّ فستق وبندق وغيرهما) كجوز ولوز (في الأصح) أما البطيخ.. فلأن له نضجًا وإدراكًا كالفواكه، وأما اللبوب.. فلأنها تعد من يابس الفاكهة، والثاني: المنع؛ إلحاقًا للبطيخ بالخيار، وأما اللبوب.. فلا تعد في العرف فاكهة، واختاره الأَذْرَعي وغيره.
(لا قثّاء وخيار وباذنجان وجزر) لأنها من الخضراوات لا من الفاكهة، فأشبهت البقل، وتعجب الشيخ برهان الدين من كون الفستق ونحوه من الفاكهة دون الخيار مع جريان العادة بجعل الخيار في أطباق الفاكهة دون الفستق ونحوه.
(ولا يدخل في الثمار يابس، والله أعلم) لأن الثمر اسم للرطب من الفاكهة، قال الشيخ برهان الدين: ولا يظهر فرق بين هذا وبين دخول اليابس في الفاكهة.
(ولو أطلق بطيخ وتمر وجوز.. لم يدخل هنديّ) في الجميع؛ للمخالفة في الصورة والطعم، والبطيخ الهندي هو: الأخضر.
(والطعام يتناول قوتًا وفاكهة وأدمًا وحلوى) لأن اسم الطعام يقع على الجميع، وقد سبق في (الربا) ما هو أبسط من ذلك فليراجع.
(ولو قال: "لا آكل من هذه البقرة".. تناول لحمها دون ولد ولبن) حملًا على الحقيقة المتعارفة، والشحم كاللحم؛ كما صرح به الشيخ أبو علي في "شرح التلخيص" والقاضي حسين وغيرهما، (أو: "من هذه الشجرة".. فثمر دون ورق وطرف غصن) حملًا على المجاز المتعارف؛ لتعذر الحمل على الحقيقة؛ لأن الأغصان والأوراق لا تراد في العرف.
فصلٌ [في مسائل منثورة ليقاس بها غيرها]
حَلَفَ لَا يَأْكُلُ هَذِهِ التَّمْرَةَ، فاخْتَلَطَتْ بِتَمْرٍ فَأَكَلَهُ إلَّا تَمْرَةً.. لَمْ يَحْنَثْ، أَوْ لَيَأْكُلَنَّهَا فَاخْتَلَطَتْ.. لَمْ يَبَرَّ إلَّا بِالْجَمِيع، أَوْ لَيَأْكُلُ هَذِهِ الرُّمَّانَةَ.. فَإِنَّمَا يَبَرُّ بِجَمِيعِ حَبِّهَا، أَوْ لَا يَلْبَسُ هَذَيْنِ.. لَمْ يَحْنَثْ بَأَحَدِهِمَا، فَإِنْ لَبسَهُمَا مَعًا أَوْ مُرَتَّبًا.. حَنِثَ، أَوْ لَا يَلْبَسُ هَذَا وَلَا هَذَا.. حَنِثَ بِأَحَدِهِمَا، أَوْ لَيَأْكُلَنَّ ذَا الطَّعَامَ غَدًا فَمَاتَ قَبْلَهُ.. فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،
(فصل: حلف لا يأكل هذه التمرة، فاختلطت بتمر فأكله إلا تمرة.. لم يحنث) لجواز أن تكون هي المحلوف عليها، والأصل براءة الذمة، وكذا الحكم لو تلف من الجميع تمرة.
وكلامه يوهم: أنه لو أكله إلا بعض تمرة.. حنث، وليس كذلك.
(أو ليأكلنَّها فاختلطت.. لم يبر إلا بالجميع) لاحتمال أن تكون المتروكة هي المحلوف عليها.
نعم؛ لو وقعت التمرة في جانب من الصبرة، فأكل ذلك الجانب.. برّ قاله الإمام.
(أو ليأكل هذه الرمانة.. فإنما يبر بجميع حبها) لتعلق اليمين بالمجموع، ولهذا لو قال: (لا آكلها)، فترك حبة.. لم يحنث، (أو لا يلبس هذين.. لم يحنث بأحدهما) لأن الحلف عليهما.
نعم؛ لو نوى ألا يلبس منهما شيئًا.. حنث بأحدهما، نصّ عليه في "الأم".
(فإن لبسهما معًا أو مرتبًا.. حنث) لوجود المحلوف عليه.
(أو لا يلبس هذا ولا هذا.. حنث بأحدهما) لأنهما يمينان حتى لو حنث في أحدهما.. بقيت اليمين منعقدة على الآخر، فإن وجد.. وجبت كفارة أخرى على الأصح في (باب الإيلاء)؛ لأن إدخال حرف العطف وتكرار (لا) بينهما يقتضي ذلك، ويخالف ما لو حذف (لا).. فإنه لا يحنث إلا بالمجموع.
(أو ليأكلن ذا الطعام غدًا فمات قبله) أي: قبل مجيء الغد (.. فلا شيء عليه) لأنه لم يبلغ زمن البِرِّ.
وَإِنْ مَاتَ أَوْ تَلِفَ الطعَامُ فِي الْغَدِ بَعْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْ أَكْلِهِ.. حَنِثَ، وَقَبْلَهُ قَوْلَانِ كَمُكْرَهٍ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ بِأَكْلٍ وَغَيْرِهِ قَبْلَ الْغَدِ.. حَنِثَ، وَإِنْ تَلِفَ أَوْ أَتلفَهُ أَجْنَبيٌّ.. فَكَمُكْرَهٍ. أَوْ (لأَقْضِيَنَّ حَقَّكَ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ).. فَلْيَقْضِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ آخِرَ الشَّهْرِ،
(وإن مات أو تلف الطعام) أو بعضه (في الغد بعد تمكنه من أكله.. حنث) لأنه فوّت البرّ على نفسه باختياره (وقبله قولان كمُكره) والأظهر: عدم الحنث؛ لفوات البر بغير اختياره.
وقوله: (قبله): يشمل صورتين: قبل الغد، وبعد مجيئه وقبل التمكن؛ فإن حكمها بالنسبة إلى التلف واحد، وأما بالنسبة إلى الموت.. فلا؛ لأنه قبل الغد لا يحنث قطعًا، وفيه قبل التمكن قولا المكره، فينبغي حمل كلامه على الصورة الثانية؛ لينهض طرد الخلاف في الموت والتلف.
واعلم: أنهم حيث أطلقوا قولي المكره.. أرادوا به ما إذا اختار الحلف ثم أكره على الحنث، أما إذا أكره على الحلف.. فلا خلاف في عدم الحنث.
(وإن أتلفه) عالمًا عامدًا مختارًا (بأكل وغيره قبل الغد.. حنث) لأن البر مقيد بزمان، فكان شرطًا؛ كالمقيد بمكان وقد فوته باختياره.
وهل يحنث في الحال أو بعد مجيء الغد؟ وجهان: كلام المصنف يقتضي الأول؛ لتحقق اليأس، لكن كلام "الروضة" و"أصلها" قد يقتضي الثاني 1.
وفائدة الخلاف: أنه لو كان معسرًا.. يكفر بالصوم، فيجوز أن ينوي صوم الغد عن كفارته على الأول دون الثاني، وفيما لو مات الحالف قبل مجيء الغد أو أعسر وقلنا: يعتبر في الكفارة حال الوجوب.
(وإن تلف) بنفسه (أو أتلفه أجنبي) قبل الغد (.. فكمُكره) فعلى ما مرّ.
(أو: "لأقضين حقك عند رأس الهلال") أو معه، أو مع رأس الشهر (.. فليقض عند غروب الشمس آخر الشهر) لوقوع هذا اللفظ على أول جزء من الشهر.
ولفظة (عند) و (مع): تقتضي المقاربة.
فإِنْ قَدَّمَ أَوْ مَضَى بَعْدَ الْغُرُوبِ قَدْرُ إِمْكَانِهِ.. حَنِثَ، فَلَوْ شَرَعَ فِي الْكَيْلِ حِينَئِذٍ وَلَمْ يَفْرُغْ لِكَثْرتهِ إلَّا بَعْدَ مُدَّةٍ.. لَمْ يَحْنَثْ. أَوْ لَا يَتكلَّمُ فَسَبَّحَ أَوْ قَرَأَ قُرْآنًا.. فَلَا حِنْثَ، أَوْ لَا يُكَلِّمُهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ.. حَنِثَ، وَإِنْ كَاتبَهُ أَوْ رَاسَلَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدٍ أَوْ غَيْرِهَا.. فَلَا فِي الْجَدِيدِ، وَإِنْ قَرَأَ آيَةً أَفْهَمَهُ بِهَا مَقْصُودَهُ وَقَصَدَ قِرَاءَةً.. لَمْ يَحْنَثْ، وإلَّا.. حَنِثَ
(فإن قدّم) القضاء على ذلك (أو مضى بعد الغروب قدرُ إمكانه.. حنث) لتفويت البر باختياره؛ كما لو أكل الطعام قبل مجيء الغد.
(فلو شرع في الكيل) أو الوزن (حينئذ ولم يفرغ؛ لكثرته إلا بعد مدة.. لم يحنث) لأنه أخذ في القضاء عند ميقاته، والشروع في مقدمات القضاء كحمل الميزان كالشروع في الكيل.
(أو لا يتكلم فسبح) أو هلل أو دعا، (أو قرأ قرآنًا.. فلا حنث) لانصراف الكلام عرفًا إلى كلام الآدميين.
(أو لا يكلمه فسلم عليه) باللفظ (.. حنث) لأنه نوع من الكلام.
(وإن كاتبه أو راسله أو أشار إليه بيد أو غيرها.. فلا في الجديد) لأنها ليست بكلام عرفًا وإن سميت به مجازًا، بدليل صحة النفي؛ فيقال: ما كلّمه، ولكن كاتبه أو راسله، وقد قال تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ إلى قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾، والقديم: نعم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾، فاستثناء الرسالة من التكلم، وقوله تعالى: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾، فاستثنى الرمز من الكلام، فدل على أنهما منه.
وشمل إطلاق المصنف: الإشارة من الأخرس، وهو كذلك، وإنما جعلت في معاملاته كعبارته؛ للضرورة 1.
(وإن قرأ آية أفهمه بها مقصوده وقصد قراءة) فقط، أو مع إفهامه (.. لم يحنث) لأنه لم يكلمه، (وإلّا.. حنث) لأنه كلّمه.
وشمل قوله: (وإلا): ما إذا قصد إفهامه فقط، وما إذا أطلق، وقال البُلْقيني: المعتمد في حالة الإطلاق: عدم الحنث؛ لأنه لم يكلمه، ولا ينافي هذا أنه لا يحرم