عِدَّةُ النِّكاحِ ضَرْبَانِ: الأَوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِفُرْقَةِ حَيٍّ بِطَلَاقٍ أَوْ فَسْخٍ، وَإِنَّمَا تَجِبُ بَعْدَ وَطْءٍ أَوِ اسْتِدْخَالِ مَنِيِّهِ
(كتاب العِدد)
هي جمع عدة، أصلها: من العدد؛ لاشتمالها على عدد من الأقراء والأشهر، وهي في الشرع: اسم لمدة معلومة تتربص فيها المرأة لتعرف براءة رحمها، وذلك يحصل: بوضع حمل، أو مضي أقراء أو أشهر.
والأصل فيها قبل الإجماع: الآيات والأخبار الواردة في ال
باب.
(عدة النكاح ضربان: الأول متعلق بفرقة حي بطلاق أو فسخ)، بعيب أو لعان أو غيرهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، والفسخ في معنى الطلاق.
وخرج بـ (عدة النكاح): المزني بها؛ فلا عدة عليها بالاتفاق، لكن يرد عليه عدة وطء الشبهة.
وضبط في "التتمة" وجوب العدة: بكل وطء لا يوجب الحد على الواطئ، قال: حتى المجنون لو زنى بعاقلة.. تجب عليها العدة، لأن الجنون أبلغ في العذر من الغلط، وكذا المراهق والمكره؛ لأنا جعلناه عذرًا في إسقاط الحد، فصار الماء محترمًا.
(وإنما تجب: بعد وطء) ولو من صبي ومجنون ومكره وخصي، ولو في دبر، فإن طلقت قبله.. لم تجب؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾.
(أو استدخال منيه) أي: مني الزوج؛ لأنه أقرب إلى العلوق من مجرد الإيلاج، ولا عبرة بقول الأطباء: إن المني إذا ضربه الهواء.. لا ينعقد منه الولد؛ لأنه ظن لا ينافي الإمكان.
ونقل الماوردي عن الأصحاب: أن شرط وجوبِ العدة ولحوق النسب باستدخال
وإنْ تُيُقِّنَ بَرَاءَةُ الرَّحِمِ، لَا بِخَلْوَةٍ فِي الْجَدِيدِ. وَعِدَّة حرَّة ذَاتِ أَقْرَاءٍ ثَلَاثةٌ؛ وَالْقَرْءُ: الطُّهْرُ،
ماء الزوج: أن يوجد الإنزال والاستدخال معًا في الزوجية، فلو أنزل ثم تزوجها فاستدخلت الماء.. لم تجب العدة ولم يلحق الولد، ولو أنزل وهي زوجته ثم أبانها ثم استدخلته.. لم تجب العدة ولم يلحق الولد 1.
ونقل البغوي: اشتراط كون الماء من غير زنًا، أما لو استدخلت ماء الزوج من الزنا.. فلا، ثم أبدى فيه احتمالًا لنفسه بالوجوب، وحكياه عنه في موانع النكاح 2.
(وإن تيقن براءة الرحم)، هذا متعلق بقوله: (بعد وطء) أي: وإن تيقن أن الوطء غير شاغل للرحم؛ كوطء صبي في سن لا يحبل أو طفلة لا تحبل، حتى لو علق الطلاق على براءة الرحم يقينًا وحصلت الصفة؛ بأن مضى لها بعد وضع الحمل ستة أشهر من غير وطء.. وجبت العدة إذا كانت مدخولًا بها؛ لعموم مفهوم قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، فيكفي جريان سبب الشغل، وهو الإيلاج؛ لظهوره، لا الشغل، وهو المني؛ لخفائه.
(لا بخلوة في الجديد) لمفهوم الآية السالفة، والقديم: تجب بها العدة؛ لقول عمر وعلي -رضي الله عنهما-: (إذا أغلق بابًا وأرخى سترًا.. فلها الصداق كاملًا وعليها العدة)، وأجيب: بأنه منقطع؛ كما قاله البيهقي 3.
(وعدة حرة ذات أقراء ثلاثة) من أقراء؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
(والقرء: الطهر) كما قاله جمع من علماء الصحابة وفقهاء المدينة؛ لقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾؛ أي: في زمن عدتهن؛ كقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾؛ أي: فيه، وإذا كان المعنى: في زمن عدتهن.. كان إذنًا في
فَإِنْ طُلِّقَتْ طَاهِرًا.. انْقَضَتْ بالطَّعْنِ فِي حَيْضَةٍ ثَالِثَةٍ، أَوْ حَائِضًا.. فَفِي رَابِعَ، وَفِي قَوْلٍ: يُشْتَرَطُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ بَعْدَ الطَّعْنِ. وَهَلْ يُحْسَبُ طُهْرُ مَنْ لَمْ تَحِضْ قَرْءًا؟ قَوْلَانِ؛ بنَاءً عَلَى أَنَّ الْقَرْءَ انْتِقَالٌ مِنْ طُهْرٍ إِلَى حَيْضٍ، أَمْ طُهْرٌ مُحْتَوَشٌ بِدَمَيْنِ؟ وَالثَّانِي: أَظْهَرُ
الطلاق في زمن العدة، ومعلوم أنه في الحيض محرم، فينصرف الإذن إلى زمن الطهر، فيكون هو زمنَ العدة.
(فإن طلقت طاهرًا.. انقضت بالطعن في حيضة ثالثة) لأن بعض الطهر -وإن قل- يصدق عليه اسم قرء، قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، وهو شهران وبعض الثالث.
هذا إذا بقي من الطهر بعد وقوع الطلاق بقية، فإن انطبق على آخره إما إتفاقًا، أو قال: (أنت طالق في آخر جزء من أجزاء طهرك).. لم تعتد به على الأصحِّ.
(أو حائضًا.. ففي رابعة)، وما بقي من الحيض لا يحسب قرءًا قطعًا؛ لأن الطهر الأخير إنما يتبين كماله بالشروع في الحيضة التي بعده، وهي الرابعة.
(وفي قول: يشترط يوم وليلة بعد الطعن) في الحيضة الثالثة في الصورة الأولى، والرابعة في الصورة الثانية؛ لاحتمال كونه دمَ فساد، والأصل: بقاء العدة، فلا تنقضي بالشك.
وسكت المصنف عن حكم الطلاق في النفاس، وقضية كلام "الروضة" و"أصلها" في الحال الثاني في اجتماع عدتين: أن النفاس لا يحسب من العدة 1.
(وهل يحسب طهر من لم تحض قرءًا؟ قولان؛ بناءً على أن القرء انتقال من طهر إلى حيض، أم طهر محتوَش بدمين؟ ) فعلى الأول: يحسب، وعلى الثاني: لا؛ لأنه لم يتصل طرفاه بحيض، (والثاني: أظهر) في المبني، وهو عدم حسبانه قرءًا؛ لأن اللفظ مأخوذ من قولهم: قرأت الماء في الحوض؛ أي: جمعته، فزمن الطهر يجمع الدم في الرحم، وزمن الحيض يجمع شيئًا ويرسل شيئًا إلى أن يدفع الكل، وهنا لا جمع ولا ضم.
وَعِدَّةُ مُسْتَحَاضَةٍ: بِأَقْرَائِهَا الْمَرْدُودَةِ إِلَيْهَا. وَمُتَحَيِّرَةٍ: بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فِي الْحَالِ، وَقِيلَ: بَعْدَ الْيَأْسِ. وَأُمِّ وَلَدٍ وَمُكَاتبًةٍ وَمَنْ فِيهَا رِقٌّ: بِقَرْأَيْنِ، وَإِنْ عَتَقَتْ فِي عِدَّةِ رَجْعِيَّةٍ.. كَمَّلَتْ عِدَّةَ حُرَّةٍ فِي الأَظْهَرِ،
ووجه مقابله: دلالته على البراءة؛ أخذًا من قولهم: قرأ النجم: إذا طلع، وقرأ: إذا غاب.
والأظهر أيضًا في المبني عليه: أن القرء: هو المحتوَش بدمين، قال الرافعي: وفيه مخالفة لما سبق في (الطلاق): من أن الأكثرين أوقعوا الطلاق في الحال إذا قال لمن لم تحض قط: (أنت طالق في كل قرء طلقة)، وهي متعلقة بهذا، ويحتمل أن ترجيحهم في هذه لمعنى يخصها، لا لرجحان القول بأن القرء هو الانتقال.
انتهى 1.
قال البُلْقيني والأَذْرَعي: والمعنى في ذلك: أن القرء اسم للطهر، فوقع الطلاق؛ لصدق الاسم، والاحتواش شرط لانقضاء العدة؛ ليغلب ظن البراءة.
(وعدة مستحاضة: بأقرائها المردودة إليها)، فالمعتادة ترد إلى عادتها، والمميزة إلى التمييز، والمبتدأة إلى الأقل على الأظهر، وعلى القولين: إذا مضت ثلاثة أشهر.. انقضت عدتها؛ لاشتمال كل شهر على حيضة وطهر غالبًا.
(ومتحيرة: بثلاثة أشهر في الحال) لأن للمرأة في كل شهر حيضًا وطهرًا غالبًا، وصبرها إلى سن اليأس فيه مشقة عظيمة.
وتعتبر الأشهر بالأهلة؛ فإن وقع في أثناء الشهر.. اعتبرنا الباقي قرءًا إن كان أكثر من خمسة عشر يومًا، وإلا.. فلا في الأصحِّ، (وقيل: بعد اليأس) لأنها قبله متوقعة للحيض المستقيم.
(وأم ولد ومكاتبة ومن فيها رق: بقرأين) لأن الأمة على النصف من الحرة في القسم والحد، فكذا هنا، إلا أنه لا يمكن تنصيف القرء، فكمل؛ كما في طلاق العبد.
(وإن عتقت في عدة رجعية.. كملت عدة حرة في الأظهر) 2 لأن الرجعية زوجة
أَوْ بَيْنُونَةٍ.. فَأَمَةٍ فِي الأَظْهَرِ. وَحُرَّةٍ لَمْ تَحِضْ أَوْ يئسَتْ: بِثلَاثَةِ أَشْهُرٍ، فَإِنْ طُلِّقَتْ فِي أَثناءِ شَهْرٍ.. فَبَعْدَهُ هِلَالَانِ وَتكُمِّلُ الْمُنْكَسِرَ ثَلَاثِينَ، فَإِنْ حَاضَتْ فِيهَا.. وَجَبَتِ الأَقْرَاءُ، وَأَمَةٍ: بِشَهْرٍ وَنصْفٍ، وَفِي قَوْلٍ: شَهْرَانِ، وَفِي قَوْلٍ: ثَلَاثة. وَمَنِ انْقَطَعَ دَمُهَا لِعِلَّةٍ كَرَضَاعٍ وَمَرَضٍ.. تَصبِرُ حَتَّى تَحِيضَ، أَوْ تيأَسَ.. فَبِالأَشْهُرِ، أَوْ لَا لِعِلِّةٍ.. فَكَذَا فِي الْجَدِيدِ،
في أكثر الأحكام، (أو بينونةٍ.. فأمةٍ في الأظهر) لأنها كالأجنبية؛ لقطع الميراث وسقوط النفقة، والثاني: تتم عدة حرة؛ اعتبارًا بوجود الكاملة قبل الناقصة، فتنتقل؛ كالدم في الأشهر.
فحصل في المعتقة ثلاثة أقوال؛ كما صرحا به في "الروضة" و"أصلها": أحدها: تتم عدة حرة مطلقًا، والثاني: عدة أمة مطلقًا، والثالث: التفصيل بين البائن والرجعية 1.
(و) عدةً (حرةٍ لم تحض أو يئست: بثلاثة أشهر) بالأهلة؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: 4].
(فإن طلقت في أثناء شهر.. فبعده هلالان، وتكمل المنكسر) وهو الأول (ثلاثين) ولو كان ناقصًا، (فإن حاضت فيها) أي: في أثناء الأشهر (.. وجبت الأقراء) بالإجماع، ولا يحسب ما مضى للصغيرة قرءًا على الأصحِّ.
(وأمةٍ) لم تحض أو يئست (بشهر ونصف) لإمكان التبعيض، بخلاف الأقراء، (وفي قول: شهران) لأنهما بدل عن القرأين، (وفي قول: ثلاثة) لعموم قوله تعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾.
(ومن انقطع دمها لعلة) تعرف (كرضاع ومرض.. تصبر حتى تحيض) فتعتد بالأقراء، (أو تيأس.. فبالأشهر)، ولا تبالي بطول مدة الانتظار؛ لعدم اليأس.
(أو لا لعلة) معروفة (.. فكذا في الجديد) كما لو انقطع لعلة؛ لأن الله تعالى لم يجعل الاعتداد بالأشهر إلا للتي لم تحض والآيسة، وهذه ليست واحدة منهما؛ لأنها
وَفِي الْقَدِيمِ: تَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَفِي قَوْلٍ: أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ بِالأَشْهُرِ. فَعَلَى الْجَدِيدِ: لَوْ حَاضَتْ بَعْدَ الْيَأْسِ فِي الأَشْهُرِ.. وَجَبَتِ الأَقْرَاءُ، أَوْ بَعْدَهَا.. فَأَقْوَالٌ: أَظْهَرُهَا: إِنْ نَكَحَتْ.. فَلَا شَيْءَ، وَإِلَّا.. فَالأَقْرَاءُ، وَالْمُعْتبَرُ: يَأْسُ عَشِيرَتِهَا،
ترجو عود الدم، فأشبهت من انقطع دمها لعارض معروف.
(وفي القديم: تتربص تسعة أشهر، وفي قول) قديم: (أربع سنين)، وفي قول مخرج على القديم: ستة أشهر.
وحاصل القديم: أنها تتربص مدة الحمل؛ ليعرف فراغ الرحم، لكن غالب مدة الحمل أو أكثره أو أقله.
(ثم تعتد بالأشهر) تعبدًا، وقد اختار البارزي القديم وأفتى به؛ لعظم مشقة الانتظار إلى سن اليأس، لا سيما الشواب، قال: ويتجه ذلك أيضًا فيما إذا انقطع لعلة.
(فعلى الجديد: لو حاضت بعد اليأس في الأشهر.. وجبت الأقراء) للقدرة على الأصل قبل تمام البدل، ويحسب ما مضى قرءًا قطعًا؛ لأنه طهر احتوشه دمان.
(أو بعدها) -أي: بعد تمام الأشهر- (.. فأقوال؛ أظهرها: إن نكحت.. فلا شيء) لتعلق حق الزوج، والشروع في المقصود؛ كالمتيمم يرى الماء بعد الشروع في الصلاة، (وإلا) أي: وإن لم تكن نكحت (.. فالأقراء) لأنه بان أنها ليست يائسة، والثاني: تنتقل إلى الأقراء مطلقًا؛ لما ذكرناه من تبين كونها ليست يائسة، والثالث: المنع مطلقًا؛ لانقضاء العدة ظاهرًا؛ كما لو حاضت الصغيرة بعد الأشهر.
(والمعتبر: يأس عشيرتها) أي: أقاربها من الأبوين؛ لتقاربهن طبعًا وخلقًا، ويعتبر الأقرب فالأقرب إليها.
ولو اختلفت عادتهن.. اعتبر بأقل عادة امرأة منهن، وقيل: أكثرهن عادة، قال في "المطلب": وهو الأشبه.
وإذا لم يكن لها قرابة أو تعذر معرفة حالهن.. قال في "الكافي": اعتبر يأس نساء العالم.
وَفِي قَوْلٍ: كُلُّ النِّسَاءِ.
قُلْتُ: ذَا الْقَوْلُ أَظْهَرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فصلٌ [في العدة بوضع الحمل]
عِدَّةُ الْحَامِل بِوَضْعِهِ بِشَرْطِ نِسْبَتِهِ إِلَى ذِي الْعِدَّةِ وَلَوِ احْتِمَالًا كَمَنْفِيٍّ بِلِعَانٍ، وَانْفِصَالِ كُلِّهِ حَتَّى ثَانِي تَوْءَمَيْنِ،
(وفي قول: كل النساء) للاحتياط وطلب اليقين، قال الإمام: ولا يمكن طوف العالم والتفحص عن سكان الأقاليم، وإنما المراد: ما يبلغنا خبره ويعرف 1، (قلت: ذا القول أظهر، والله أعلم)، وهذا ما رجحه في "أصل الروضة"؛ لقول الرافعي: إن إيراد الأكثرين يقتضي ترجيحه 2.
فعلى هذا: هل ينظر إلى نساء زمانها أو النساء مطلقًا في جميع الأعصار؟ قال الأَذْرَعي: إيراد القاضي والفوراني والمتولي والإمام والغزالي: يقتضي الأول، وكلام كثيرين أو الأكثرين: يقتضي الثاني.
وفي أقصى سن اليأس أوجه: أصحها: اثنان وستون سنة.
(فصل: عدة الحامل بوضعه) لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، (بشرط نسبته إلى ذي العدة) زوجًا كان أو غيره (ولو احتمالًا؛ كمنفي بلعان)، فإذا لاعن الحامل ونفى الحمل ثم وضعته.. انقضت عدتها به وإن كان غير لاحق به؛ لأن نفيه عنه ليس بقطعي؛ لجواز كذبه وصدقها، ولهذا لو استلحقه.. لحقه.
فإن لم يمكن كونه منه؛ كما إذا مات صبي لا يتصور منه الإنزال عن زوجة حامل.. فعدتها بالأشهر؛ كما سيأتي؛ فإن الولد غير لاحق به، وكذا الممسوح ومن وضعته لدون ستة أشهر من العقد.
(وانفصالِ كله حتى ثاني توءمين) لظاهر الآية المذكورة.
وَمَتَى تَخَلَّلَ دُونَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ.. فَتَوْءَمَانِ. وَتنقَضِي بمَيْتٍ لَا عَلَقَةٍ، وَبِمُضغَةٍ فِيهَا صُورَةُ آدَميٍّ خَفِيَّة أَخْبَرَ بِهَا الْقَوَابِلُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ صُورَةٌ وَقُلْنَ: هِيَ أَصْلُ آدَمِيٍّ.. انْقَضتْ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ ظَهَرَ فِي عِدَّةِ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرٍ حَمْل لِلزَّوْجِ.. اعْتَدَّتْ بوَضْعِهِ. وَلَوِ ارْتَابَتْ فِيهَا.. لَمْ تنكِحْ حَتَّى تزولَ الرِّيبَةُ، أَوْ بَعْدَهَا وَبَعْدَ نِكَاحٍ اسْتَمَرَّ إِلَّا أَنْ تَلِدَ لِدُونِ سِتَّهِ أَشْهُرٍ مِنْ عَقْدِهِ، أَوْ بَعْدَهَا قَبْلَ نِكَاحٍ.. فَلْتَصْبِرْ لِتَزُولَ الرِّيبَةُ،
(ومتى تخلل دون ستة أشهر.. فتوءمان) لأن الستة أقل مدة الحمل، فإن تخلل بينهما ستة أشهر فأكثر.. كانا حملين.
(وتنقضي بميت) لإطلاق الآية، (لا علقة) لأنها لا تسمَّى حملًا.
(و) تنقضي (بمضغة فيها صورة آدمي خفية أخبر بها القوابل) لوجود اسم الولد، (فإن لم تكن صورة) خفية (وقلن) أي: القوابل (هي أصل آدمي)، ولو بقي.. لتخلقت (.. انقضت على المذهب) لأن براءة الرحم تحصل برؤية الدم، فهذا أولى، هذا هو المنصوص هنا، ونصّ على أنه لا تجب به الغرة، ولا يثبت به الاستيلاد 1، فقيل: قولان في الجميع، وقيل: بتقرير النصين.
والفرق: أن العدة تتعلق ببراءة الرحم وقد حصلت، والأصل براءة الذمة من الغرة، وأمومة الولد إنما ثبتت؛ تبعًا للولد، وهذا لا يُسمَّى ولدًا.
(ولو ظهر في عدة أقراء أو أشهر حمل للزوج.. اعتدت بوضعه) لأنه يدل على البراءة قطعًا، بخلافهما.
(ولو ارتابت فيها) أي: في العدة؛ لثقل وحركة تجدها ولم يظهر الحمل بأمارة (.. لم تنكح) بعد الأقراء والأشهر (حتى تزول الريبة) بمرور زمان يزعم النساء أنها لا تلد فيه أو غير ذلك؛ لأن العدة قد لزمتها بيقين فلا تخرج عنها إلا بيقين.
(أو بعدها) أي: بعد تمام الأقراء والأشهر (وبعد نكاح استمر) النكاح؛ لحكمنا بانقضاء العدة ظاهرًا وثبوت حق الزوج الثاني، (إلا أن تلد لدون ستة أشهر من عقده) فإنه يحكم ببطلانه؛ لتحقق كونها حاملًا يوم العقد، (أو بعدها قبل نكاح.. فلتصبر لتزول الريبة) للاحتياط.
فَإِنْ نَكَحَتْ.. فَالْمَذْهَبُ: عَدَمُ إِبْطَالِهِ فِي الْحَالِ، فَإِنْ عُلِمَ مُقْتَضِيهِ.. أَبْطَلْنَاهُ. وَلَوْ أَبَانَهَا فَوَلَدَتْ لِأرْبَعِ سِنِينَ.. لَحِقَهُ، أَوْ لِأكْثَرَ.. فَلَا، وَلَوْ طَلَّقَ رَجْعِيًّا.. حُسِبَتِ الْمُدَّةُ مِنَ الطَّلَاقِ، وَفِي قَوْلٍ: مِنَ انْصِرَامِ الْعِدَّةِ
(فإن نكحت.. فالمذهب: عدم إبطاله في الحال) لما سبق في الاستمرار.
(فإن عُلِم مقتضيه) أي: مقتضي البطلان (.. أبطلناه) لتبين فساده، هذا أصح الطرق، والطريق الثاني: القطع بالبطلان مع الريبة؛ لأنها لا تدري هل هي حلال للأزواج أم لا، والثالث: قولان؛ كمن باع مال أبيه ظانًّا حياته فبان موته.
(ولو أبانها) بخلع أو غيره ولم ينف الحمل (فولدت لأربع سنين) فما دونها ولى تتزوج بغيره (.. لحقه) لقيام الإمكان؛ بناءً على أن أكثر مدة الحمل أربع سنين.
ودليله: الاستقراء، وحكي عن مالك وغيره وقوعُه عن جماعة.
وتعتبر هذه المدة: من وقت الفراق؛ كذا أطلقوه، واعترضه منصور التميمي؛ بأنه يلزم منه أن تكون مدة الحمل أكثر من أربع سنين؛ لتقدم العلوق على الطلاق، قال: فينبغي أن يقال: من وقت إمكان العلوق قبل الفراق، قال الرافعي: وهذا قويم، وفي إطلاقهم تساهل، وقال في "الشرح الصغير": إنه الحق 1.
قال ابن الرفعة: وما ذكره منصور فيه تساهل أيضًا؛ لأن الطلاق قد يقع مع الإنزال بالتنجيز اتفاقًا أو بالتعليق، وفي هذه الصورة يصح ما قاله الشافعي والأصحاب دون ما ذكره المعترض، فظهر حينئذ: أن لما قاله الشافعي والأصحاب محملًا صحيحًا، وكذلك لما قاله المعترض، وهو ما عدا ما فرضناه، فلينزل كلام كل من المطلقين على ما يقتضي صحته.
(أو لأكثر.. فلا) لعدم الإمكان، وهذه تقدمت في (باب اللعان) 2.
(ولو طلق رجعيًّا.. حسبت المدة من الطلاق، وفي قول: من انصرام العدة)، هذه العبارة بعيدة عن المراد، ومراده: أنه إذا طلق رجعيًّا ثم ولدت لأربع سنين فأقل.. لحقه، أو لأكثر.. فلا؛ كالبائن، وإنما تخالف البائن في أن ابتداء السنين
وَلَوْ نَكَحَتْ بَعْدَ الْعِدَّةِ فَوَلَدَتْ لِدُونِ سِتة أَشْهُرٍ.. فَكَأَنَّهَا لَمْ تنكِحْ، وَإِنْ كَانَ لِسِتَّةٍ.. فَالْوَلَدُ لِلثَّانِي. وَلَوْ نَكَحَتْ فِي الْعِدَّةِ فَاسِدًا فَوَلَدَتْ لِلإِمْكَانِ مِنَ الأَوَّلِ.. لَحِقَهُ وَانْقَضَتْ بِوَضْعِهِ، ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلثَّانِي،
يحسب في البائن من الطلاق؛ لانقطاع الفراش، وفي هذه قولان: أصحهما: كذلك؛ لأنها كالبائن في تحريم الوطء، فكذا في أمر الولد، وفي قول: من انصرام العدة؛ لأنها كالمنكوحة في غالب الأحكام؛ من لحوق الطلاق، والإيلاء، والظهار، والإرث، فكذلك في لحوق الولد، وعلى هذا: قيل: تتمادى مدة اللحوق بلا تقدير إن لم تقر بانقضاء العدة؛ لأن الفراش على هذا القول إنما يزول بانقضاء العدة والطهر قد يتباعد سنين.
والأصحُّ: أنه إذا مضت العدة بالأقراء أو الأشهر ثم ولدت لأكثر من أربع سنين.. لم يلحقه؛ لأنا تحققنا أنه لم يكن موجودًا في الأقراء والأشهر، فتبين بانقضائه، وتصير كما لو بانت بالطلاق ثم ولدت لأكثر من أربع سنين.
(ولو نكحت بعد العدة فولدت لدون ستة أشهر) من النكاح الثاني (.. فكأنها لم تنكح)، ويكون الحكم كما مر؛ وهو إن ولدته لأربع سنين فأقل من طلاق الأول.. لحقه، أو لأكثر.. لم يلحقه، وحيث لحقه فنكاح الثاني باطل؛ لجريانه في العدة، وإذا لم يلحقه.. فأقرب الوجهين: أنا لا نحكم بفساد النكاح الثاني؛ حملًا على أنه من زنًا، قاله الأَذْرَعي، وجزم به في "المطلب"، وجرى عليه المنكت 1.
(وإن كان لستة) فأكثر من إمكان الاجتماع والوطء (.. فالولد للثاني) وإن أمكن كونه من الأول؛ لأن فراش الثاني موجود، وهو أقوى؛ لصحة نكاحه ظاهرًا.
(ولو نكحت في العدة فاسدًا فولدت للإمكان من الأول) دون الثاني؛ بأن ولدته لدون ستة أشهر من وطء الثاني، ولأربع سنين فأقل من طلاق الأول (.. لحقه وانقضت) عدة الأول (بوضعه، ثم تعتد للثاني) حيث حصل إصابة شبهة؛ بأن ظن انقضاء العدة، أو أن المعتدة لا يحرم نكاحها، وكان قريب العهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء، فإن لم تحصل إصابة.. لغا العقد.
أَوْ لِلإِمْكَانِ مِنَ الثَّانِي.. لَحِقَهُ، أَوْ مِنْهُمَا.. عُرِضَ عَلَى الْقَائِفِ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بأَحَدِهِمَا.. فَكَالإمْكَانِ مِنْهُ فَقَطْ.
فصلٌ [في تداخل العدتين]
لَزِمَهَا عِدَّتَا شَخْصٍ مِنْ جِنْسٍ؛ بِأَنْ طَلَّقَ ثُمَّ وَطِئَ فِي عِدَّةِ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرٍ جَاهِلًا أَوْ عَالِمًا فِي رَجْعِيَّةٍ.. تَدَاخَلَتَا، فَتبتَدِئُ عِدَّةً مِنَ الْوَطْءِ، وَتَدْخُلُ فِيهَا بَقِيَّةُ عِدَّةِ الطَّلَاقِ، فَإِنْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا حَمْلًا وَالأُخْرَئ أَقْرَاء
ولو قال المصنف كـ"المحرر": (ولو نكحت فاسدًا؛ بأن نكحت في العدة).. لكان صوابًا 1؛ لأن النكاح في العدة لا يكون إلا فاسدًا.
(أو للإمكان من الثاني) دون الأول؛ بأن ولدته لستة أشهر فأكثر من وطء الثاني، ولأكثر من أربع سنين من طلاق الأول (.. لحقه) لما سبق.
(أو منهما) بأن ولدته لستة أشهر فأكثر من وطء الثاني، ولدون أربع سنين من طلاق الأول (.. عرض على القائف) لما سيأتي في بابه، (فإن ألحقه بأحدهما.. فكالإمكان منه فقط)، فيجيء ما تقدم.
واحترز بقوله: (ألحقه بأحدهما): عما لو ألحقه بهما، أو نفاه عنهما، أو اشتبه الأمر عليه، أو لم يكن قائف.. فينتظر بلوغه وانتسابه بنفسه.
(فصل: لزمها عدتا شخص من جنس؛ بأن طلق ثم وطى في عدة أقراء أو أشهر)، ولم تحبل من هذا الوطء، (جاهلًا) إن كان الطلاق بائنًا؛ بأن ظنها زوجته الأخرى أو نسي الطلاق أو جهل التحريم، (أو عالمًا) أو جاهلًا (في رجعية.. تداخلتا) أي: العدتان، (فتبتدئ عدة من الوطء، وتدخل فيها بقية عدة الطلاق) لأن مقصود عدة الوطء والطلاق واحد، فلا معنى للتعدد، ويكون قدر البقية مشتركًا بين العدتين، والباقي يتمحض للوطء الثاني، فله الرجعة في قدر البقية لا بعدها.
(فإن كانت إحداهما حملًا والأخرى أقراءً) بأن طلقها وهي حامل ثم وطئها قبل
تَدَاخَلَتَا فِي الأَصَحِّ؛ فَتَنْقَضِيَانِ بِوَضْعِهِ، وَيُرَاجِعُ قَبْلَهُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْحَمْلُ مِنَ الْوَطْءِ.. فَلَا. أَوْ لِشَخْصَيْنِ؛ بِأَنْ كَانَتْ فِي عِدَّةِ زَوْجٍ أَوْ شُبْهَةٍ فَوُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ كَانَتْ زَوْجَةً مُعْتَدَّةً عَنْ شُبْهَةٍ فَطُلِّقَتْ.. فَلَا تَدَاخُلَ، فَإِنْ كَانَ حَمْلٌ.. قَدَّمَتْ عِدَّتَهُ،
الوضع، أو طلقها وهي حائل ثم وطئها في الأقراء وأحبلها (.. تداخلتا في الأصح) لأنهما من شخص واحد، فأشبها المتجانسين، والثاني: لا؛ لأنهما جنسان، فلا تتداخلان؛ كما لو زنى بكرًا ثم ثيبًا.
(فتنقضيان بوضعه) لأنه ثمرة التداخل، (ويراجع قبله) أي: قبل الوضع، سواء طرأ الوطء على الحمل، أو طرأ الحمل، أما الأول.. فبالاتفاق؛ لأنها في عدة طلاق رجعي، والحمل لا يتبعض، وأما الثاني.. فعلى الأصحِّ؛ لأنها في عدة الطلاق وإن لزمها عدة أخرى.
(وقيل: إن كان الحمل من الوطء.. فلا) رجعة؛ بناء على أن عدة الطلاق قد سقطت، وهي الآن معتدة عن الوطء.
وجميع ما تقدم: فيما إذا كانت لا ترى الدم على الحمل، أو رأته ولم نجعله حيضًا، فإن قلنا: هو حيض.. انقضت به العدة الأخرى في الأصحِّ.
(أو لشخصين؛ بإن كانت في عدة زوج أو شبهة فوطئت بشبهة)، والواطئ غير صاحب العدة، (أو نكاح فاسد، أو كانت زوجة معتدة عن شبهة فطلقت.. فلا تداخل)، وتعتد عن كل منهما عدة كاملة؛ لأثر عمر في ذلك؛ كما رواه الشافعي عن مالك بسنده 1، ولأنهما حقان مقصودان لآدميين، فلم يتداخلا؛ كالدينين.
(فإن كان حمل.. قدمت عدته) في جميع هذه الصور، سواء تقدم سببها أو تأخر؛ كما صرح به في "المحرر" 2؛ لأن عدة الحمل لا تقبل التأخير، فإن كان الحمل للمطلق.. انقضت به عدتها، ثم تعتد للشبهة بالأقراء بعد النفاس.
وله الرجعة قبل الوضع، قال الروياني: إلا في حال اجتماع الواطئ بها؛ لأنها
وَإِلَّا: فَإِنْ سَبَقَ الطَّلَاقُ.. أَتَمَّتْ عِدَّتَهُ ثُمَّ اسْتَأْنَفَتِ الأُخْرَى، وَلَهُ الرَّجْعَةُ فِي عِدَّتِهِ، فَإِذَا رَاجَعَ.. انْقَطَعَتْ وَشَرَعَتْ فِي عِدَّةِ الشبْهَةِ، وَلَا يَسْتَمْتِعُ بِهَا حَتَّى تَقْضِيَهَا.
وَإِنْ سَبَقَتِ الشُّبْهَةُ.. قَدَّمَتْ عِدَّةَ الطَّلَاقِ، وَقِيلَ: الشُّبْهَةِ.
فصلٌ [في حكم معاشرة المفارق للمعتدة]
عَاشَرَهَا كَزَوْجٍ بِلَا وَطْءٍ فِي عِدَّةِ أَقْرَاءٍ أَوْ أَشْهُرٍ.. فَأَوْجُهٌ: أَصَحُّهَا: إِنْ كَانَتْ بَائِنًا.. انْقَضَتْ، وَإِلَّا.. فَلَا
حينئذ خارجة عن عدة الأول وفراش لغيره، وأقراه 1.
(وإلا) أي: وإن لم يكن حمل (فإن سبق الطلاق) وطء الشبهة (.. أتمت عدته) لتقدمها وقوتها؛ لأنها تستند إلى عقد جائز وسبب مسوغ، (ثم استأنفت الأخرى) لعدم التزاحم، (وله الرجعة في عدته) إن كان الطلاق رجعيًّا؛ لأنها زوجة في عدة طلاق رجعي، (فإذا راجع.. انقطعت) عدته (وشرعت في عدة الشبهة، ولا يستمتع بها حتى تقضيها) لأنها معتدة عن غيره، وهل له تجديد النكاح إن كان الطلاق بائنًا؟ وجهان؛ أصحهما: نعم؛ لأنها في عدته.
(وإن سبقت الشبهة.. قدمت عدة الطلاق) لأن سبب عدة الطلاق أقوى؛ لتعلقها بالنكاح، (وقيل: الشبهةِ) لسبقها عدة الوطء.
(فصل: عاشرها) المطلق (كزوج) بالخلوة بها والنوم معها (بلا وطء في عدة أقراء أو أشهر.. فأوجه: أصحها: إن كانت بائنًا.. انقضت، وإلا.. فلا) لأن مخالطة البائن محرمة بلا شبهة، فأشبهت المزني بها، فلا أثر للمخالطة، وفي الرجعية الشبهةُ قائمةٌ، وهو بالمخالطة مستفرش لها، فلا يحسب زمن الافتراش من العدة؛ كما لو نكحت غيره في العدة وهو جاهل بالحال.. لا يحسب زمن افتراشه عن العدة، والثاني: لا تنقضي مطلقًا؛ لأنها بالمعاشرة كالزوجة، والثالث: عكسه؛ لأن هذه المخالطة لا توجب عدة، فلا تمنعها.
وَلَا رَجْعَةَ بَعْدَ الأَقْرَاءِ وَالأَشْهُرِ. قُلْتُ: وَيَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ إِلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ،
وما رجحه من التفصيل: نقلاه عن الأئمة، وفي "المحرر": عن المعتبرين 1.
واعترضه الأَذْرَعي وغيره: بإنما هو احتمال للقاضي الحسين، ومن قال به.. فقد تلقاه عنه؛ فإن القاضي قال هنا: إذا طلقها وعاشرها معاشرة الأزواج.. لم يحسب ذلك عن العدة وإن امتدت وطات؛ هكذا قاله الأصحاب، ولم يفصلوا بين الرجعية والبائن، وينبغي عندي: أن يفصل بين الرجعية والبائن، وَوَجّهَهُ.
وخرج بقول المصنف: (بلا وطء): ما إذا وطئ؛ فإنه إن كان الطلاق بائنًا.. لم يمتنع انقضاء العدة؛ فإنه زنًا لا حرمة له، وإن كان رجعيًّا.. امتنع المضي في العدة ما دام يطؤها؛ لأن العدة لبراءة الرحم، وهي مشغولة.
واحترز بقوله: (في عدة أقراء أو أشهر): عن الحمل؛ فإن المعاشرة لا تمنع انقضاء العدة به بحال.
(ولا رجعة بعد الأقراء والأشهر) وإن لم نحكم بانقضاء العدة؛ عملًا بالاحتياط في الجانبين؛ كما لو وطئ الرجعية بعد مضي قرء من وقت الطلاق.. عليها أن تعتد بثلاثة أقراء من وقت الوطء، ولا تجوز الرجعة في القرء الثالث، هذا ما حكاه في "المحرر" عن المعتبرين، وفي "الشرح الصغير" عن الأئمة، لكن في "الكبير" نقله عن البغوي فقط وقال: إن في "فتاوي القفال" ما يوافقه 2.
واعترض: بأن ما نقله عن البغوي إنما هو احتمال له فقط؛ فإنه نقل في "فتاويه" عن الأصحاب: أن له الرجعةَ، فقال: قال الأصحاب: لا نحكم بانقضاء العدة وإن مضت لها أقراء، وله الرجعة، ثم ذكر احتماله بمنع الرجعة، قال في "المهمات": والمعروف الذي به الفتوى: ثبوت الرجعة 3.
(قلت: ويلحقها الطلاق إلى انقضاء العدة) إذا قلنا: بمنع الانقضاء، عملًا بالاحتياط.
وَلَوْ عَاشَرَهَا أَجْنَبِيٌّ.. انْقَضَتْ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ نَكَحَ مُعْتَدَّة بِظَنِّ الصِّحَّةِ وَوَطِئَ.. انْقَطَعَتْ مِنْ حِينِ وَطِئَ، وَفِي قَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ: مِنَ الْعَقْدِ. وَلَوْ رَاجَعَ حَائِلًا ثُمَّ طَلَّقَ.. اسْتأْنَفَتْ، وَفِي الْقَدِيمِ: تبنِي إِنْ لَمْ يَطَأ، أَوْ حَامِلًا.. فَبِالْوَضْعِ، فَلَوْ وَضعَتْ ثُمَّ طَلَّقَ.. اسْتأْنَفَتْ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَطَأْ بَعْدَ الْوَضْعِ.. فَلَا عِدَّةَ
(ولو عاشرها أجنبي.. انقضت، والله أعلم) لأنه لا شبهة له.
نعم؛ لو طلق زوجته الأمة فعاشرها السيد.. فإن فيه الخلافَ السابقَ، حتى لا تنقضي في الرجعية.
(ولو نكح معتدة بظن الصحة ووطئ.. انقطعت من حين وطئ) لأن العقد الفاسد لا حرمة له، فلا تصير المرأة فراشًا إلا بالوطء، (وفي قول أو وجه: من العقد) لإعراضها عن عدة الأول بعقد النكاح.
(ولو راجع حائلًا) ووطئها (ثم طلق.. استأنفت) لاقتضاء الوطء عدة كاملة؛ لقطعه ما مضى من العدة.
(وفي القديم: تبني إن لم يطأ) كما لو أبانها ثم جدد نكاحها وطلقها قبل أن يمسها، والجديد: أنها تستأنف أيضًا؛ لأن الرجعية زوجة.
وخرج بقوله: (راجع ثم طلق): ما إذا طلق الرجعية قبل أن يراجعها، والمذهب: أنها تبني على العدة الأولى؛ لأنهما طلاقان لم يتخللهما وطء ولا رجعة، فصار كما لو طلقها طلقتين معًا، وقيل: القولان.
(أو حاملًا.. فبالوضع) أي: لو راجع المطلقة وهي حامل فطلقها ثانيًا.. انقضت عدتها بوضعه أصابها أو لم يصبها؛ لعموم الآية، (فلو وضعت ثم طلق.. استأنفت) قطعًا إن أصابها، وعلى المذهب: إن لم يصبها؛ لأنه طلاق في نكاح وجد فيه المسيس، فيوجب العدة، والوضع حصل في صلب النكاح، والعدة لا تنقضي بما يوجد في صلب النكاح.
(وقيل: إن لم يطأ بعد الوضع.. فلا عدة)، ونحكم بانقضاء عدتها بالوضع وإن كان في صلب النكاح.
وَلَوْ خَالَعَ مَوْطُوءَةً ثُمَّ نَكَحَهَا ثُمَّ وَطِئَ ثُمَّ طَلَّقَ.. اسْتَأْنَفَتْ وَدَخَلَ فِيهَا الْبَقِيَّةُ.
فصلٌ [في الضرب الثاني من ضربي عدة النكاح]
عِدَّةُ حُرَّةٍ حَائِلٍ لِوَفَاةٍ وَإِنْ لَمْ تُوطَأْ: أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشَرَةُ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا، وَأَمَةٍ: نِصْفُهَا. وَإِنْ مَاتَ عَنْ رَجْعِيَّةٍ.. انْتَقَلَتْ إِلَى وَفَاةٍ، أَوْ بَائِنٍ.. فَلَا. وَحَامِلٍ: بِوَضْعِهِ بِشَرْطِهِ السَّابِقِ،
(ولو خالع موطوءة ثم نكحها) في العدة (ثم وطئ ثم طلق) أو خالع ثانيًا (.. استأنفت) العدة (ودخل فيها البقية) لأنهما من شخص واحد.
واقتضى كلامه: صحة نكاح المختلعة في عدته، وهو المذهب، وخالف فيه المزني، وأن النكاح يقطع العدة الأولى، وهو الأصحُّ.
(فصل: عدة حرة حائل لوفاة وإن لم توطأ: أربعة أشهر وعشرة أيام بلياليها) بالإجماع، ولأنه لو لم تجب على غير المدخول بها.. لاتخذ إنكار الإصابة ذريعة إلى النكاح، ولا منازع محقق، ولأن الموت في تقرير المهر كالوطء، فكذا في العدة.
(وأمة: نصفها) لأنها على النصف من الحرة، وهو ممكن القسمة.
(وإن مات عن رجعية.. انتقلت إلى وفاة) بالإجماع؛ كما حكاه ابن المنذر 1، فتثبت أحكام عدة الوفاة من إحداد وغيره، وتلغى أحكام الرجعية، فتسقط نفقتها، (أو بائن.. فلا) لأنها ليست بزوجة.
(وحامل: بوضعه بشرطه السابق) وهو انفصال كله، وإمكان نسبته إلى الميت؛ للآية، ولقوله -صلى الله عليه وسلم- لسُبَيْعة الأسلمية وقد وضعت بعد موت زوجها بنصف شهر: "قَدْ حَلَلْتِ فَانْكِحِي مَنْ شِئْتِ" متفق عليه 2.
فَلَوْ مَاتَ صَبِيٌّ عَنْ حَامِلٍ.. فَبِالأَشْهُرِ، وَكَذَا مَمْسُوحٌ؛ إِذْ لَا يَلْحَقُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيَلْحَقُ مَجْبُوبًا بَقِيَ أُنْثَيَاهُ فَتَعْتَدُّ بهِ، وَكَذَا مَسْلُولٌ بَقِيَ ذَكَرُهُ بهِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ طَلَّقَ إِحْدَى امْرَأَتيهِ وَمَاتَ قَبْلَ بَيَانٍ أَوْ تَعْيينٍ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَطَأ.. اعْتَدَّتَا لِوَفَاةٍ، وَكَذَا إِنْ وَطِئَ وَهُمَا ذَوَاتَا أَشْهُرٍ، أَوْ أَقْرَاءٍ وَالَطَّلَاقُ رَجْعِيٌّ، فَإِنْ كَانَ بَائِنًا.. اعْتَدَّتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ بالأَكْثَرِ مِنْ عِدَّةِ وَفَاةٍ وَثَلَاثَةٍ مِنْ أَقْرَائِهَا، وَعِدَّةُ الْوَفَاةِ: مِنَ الْمَوْتِ، وَالأَقْرَاءِ: مِنَ الطَّلَاقِ
(فلو مات صبي عن حامل.. فبالأشهر) لا بالوضع؛ لأنه منفي عنه يقينًا.
(وكذا ممسوح؛ إذ لا يلحقه) الولد (على المذهب) لأنه لا ينزل؛ فإن الأنثيين محل المني الذي يتدفق بعد انفصاله من الظهر، ولم يعهد لمثله ولادة، وقيل: يلحقه؛ لأن معدن الماء الصلب، وهو باقٍ، وقضى به ابن حربويه بمصر.
(ويلحق مجبوبًا بقي أنثياه) لبقاء أوعية المني وما فيها من القوة المحيلة للدم، والذكر آلة توصل الماء إلى الرحم بالإيلاج، وقد يصل بغير إيلاج، (فتعتد به) أي: بوضع الحمل؛ كالفحل.
(وكذا مسلول بقي ذكره على المذهب) لأن آلة الجماع باقية، وقد يبالغ في الإيلاج فيلتذ وينزل ماءً رقيقا، وقيل: لا يلحقه، وقيل: إن سلت اليمنى.. لم يلحقه؛ لأنها للمني واليسرى للشعر، وإلا.. لحقه.
(ولو طلق إحدى امرأتيه ومات قبل بيان أو تعيين؛ فإن كان لم يطأ) واحدة منهما (.. اعتدتا لوفاة) احتياطًا؛ لأن كل واحدة منهما يجوز أن تكون زوجة، فتكون عليها العدة، (وكذا إن وطئ) كلًّا منهما (وهما ذواتا أشهر، أو أقراء والطلاق رجعي) لما سبق.
(فإن كان بائنًا.. اعتدت كل واحدة بالأكثر من عدة وفاة وثلاثة من أقرائها) لأن كل واحدة وجبت عليها عدة، واشتبهت عليها بعدة أخرى، فوجب أن تأتي بذلك فتخرج عما عليها بيقين؛ كمن أشكلت عليه صلاة من صلاتين؛ يلزمه أن يأتي بهما.
(وعدة الوفاة: من الموت، والأقراء: من الطلاق) حتى لو مضى قرء من الطلاق
وَمَنْ غَابَ وَانْقَطَعَ خَبَرُهُ لَيْسَ لِزَوْجَتِهِ نِكَاحٌ حَتَّى يُتَيَقَّنَ مَوْتُهُ أَوْ طَلَاقُهُ، وَفِي الْقَدِيمِ: تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ ثُمَّ تَعْتَدُّ لِوَفَاةٍ. فَلَوْ حَكَمَ بِالْقَدِيمِ قَاضٍ.. نُقِضَ عَلَى الْجَدِيدِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ نَكَحَتْ بَعْدَ التَّرَبُّصِ وَالْعِدَّةِ فَبَانَ مَيْتًا.. صَحَّ عَلَى الْجَدِيدِ فِي الأَصَحِّ. وَيَجِبُ الإِحْدَادُ عَلَى مُعْتَدَّةِ وَفَاةٍ، لَا رَجْعِيَّةٍ، وَيُسْتَحَبُّ لِبَائِنٍ، وَفِي قَوْلٍ: يَجِبُ،
ثم مات الزوج.. فعليها الأقصى من عدة الوفاة ومن قرأين من أقرائها؛ لبينونة إحداهما بالطلاق.
(ومن غاب وانقطع خبره ليس لزوجته نكاح حتى يتيقن موته أو طلاقه) لأن الأصل بقاء حياته، ولأن ماله لا يورث وأم ولده لا تعتق، فكذلك زوجته.
والمراد باليقين هنا: الطرف الراجح لا القطع، فلو ثبت ذلك بعدلين.. كفى، ولا يفيد إلا الظن.
(وفي القديم: تتربص أربع سنين، ثم تعتد لوفاة) أي: عدة الوفاة؛ اتباعًا لقضاء عمر -رضي الله عنه- 1، واعتبرت هذه المدة؛ لأنها أكثر مدة الحمل.
(فلو حكم بالقديم قاض.. نقض على الجديد في الأصح) لأن المجتهد لا يجوز له تقليد الصحابة في الجديد، والثاني: المنع؛ لشبهة الخلاف.
(ولو نكحت بعد التربص والعدة فبان) وقت الحكم بالفرقة (ميتًا.. صح على الجديد في الأصح) اعتبارًا بما في نفس الأمر، والثاني: المنع؛ لفقد العلم بالصحة حالة العقد.
(ويجب الإحداد على معتدة وفاة) بالإجماع، وسواء في ذلك الكافره والرقيقة والصغيرة والمجنونة وأضدادها، وعلى الولي أن يجنب الصغيرة والمجنونة ما تجتنبه المكلفة على المذهب، (لا رجعية) لبقاء أكثر الأحكام فيها.
(ويستحب لبائن) لئلا تدعو الزينة إلى الفساد، (وفي قول: يجب) كالمتوفى عنها.
وفرق الأول: بأنها مجفوة بالطلاق، فلا يليق بها التفجع، بخلاف المتوفى عنها.
وَهُوَ: تَرْكُ لُبْسِ مَصْبُوغٍ لِزِينَةٍ وَإِنْ خَشُنَ، وَقِيلَ: يَحِلُّ مَا صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمَّ نُسِجَ. وَيُبَاحُ غَيْرُ مَصْبُوغٍ مِنْ قُطْنٍ وَصُوفٍ وَكَتَّانٍ،
ولا يجب على الموطوءة بشبهة ونكاح فاسد ومستولدة قطعًا، بل قال الرافعي: إن في الحديث دلالةً على تحريمه عليهن 1.
(وهو) أي: الإحداد (ترك لبس مصبوغ لزينة وإن خشن) لحديث: "وَلَا تلبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ" متفق عليه 2.
وروى النسائي وأبو داوود بإسناد حسن عن أم سلمة مرفوعًا: "الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تلبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ وَلَا الْمُمَشَّقَةَ وَلَا الْحُلِيَّ، وَلَا تَكْتَحِلُ، وَلَا تَخْتَضِبُ" 3.
وقوله: (لزينة): متعلق بـ (مصبوغ) أي: إن كان المصبوغ مما يقصد للزينة؛ كالأحمر والأصفر، وكذا الأخضر والأزرق الصافيان.
(وقيل: يحل ما صبغ غزله ثم نسج) لقوله عليه الصلاة والسلام: "إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ"، بفتح العين وإسكان الصاد المهملتين، وهو نوع من البرود يصبغ غزله ثم ينسج.
والمذهب: عدم الفرق؛ لأن المحذور حمل النفوس إليها بالزينة، وهو موجود في الحالتين، بل المصبوغ قبل النسج هو الأحسن؛ لأنه لا يصبغ قبل النسج إلا الرفيع، والحديث المذكور محمول على ما يباح من المصبوغ، على أنه في رواية للبيهقي: "وَلَا ثَوْبَ عَصْبٍ"، لكن قال: إنها ليست بمحفوظة 4.
(ويباح غير مصبوغ من قطن وصوف وكتان) لأن تقييده -صلى الله عليه وسلم- الثوبَ بالمصبوغ يفهم: أن غير المصبوغ مباح، ولأن نفاستها من أصل الخلقة لا من زينة دخلت عليها.
وَكَذَا إِبْرَيسَمٌ فِي الأَصَحِّ، وَمَصْبُوغٌ لَا يُقْصَدُ لِزِينَةٍ. وَيَحْرُمُ حَلْيُ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَكَذَا لُؤْلُؤ فِي الأَصَحِّ، وَطِيبٌ فِي بَدَنٍ وَثَوْبٍ وَطَعَامٍ وَكُحْلٍ،
(وكذا إبْرَيسم) لم يصبغ (في الأصح) إذ لم يحدث فيه زينة؛ كالكتان، والثاني: يحرم، وهو قوي؛ لأنه أعظم أنواع الزينة، فعلى هذا: لا تلبس العتابي الذي أكثره إبريسم.
ولها لبس الخز قطعًا؛ لاستتار الإبريسم فيه بالصوف، قاله في "البحر"، قال الرافعي: وهذا التوجيه يتفرع على تحريم لبس الإبريسم إذا لم يكن مستترًا 1.
(ومصبوغ لا يقصد لزينة) كالأسود، وكذا الأزرق والأخضر المشبعين الكدرين، لحديث أم سلمة المار 2، بل في "الحاوي" وجه: أنه يلزمها لبس السواد في الإحداد 3.
(ويحرم حلي ذهب وفضة) وإن صغر؛ كالخاتم والقرط؛ لحديث أم سلمة أيضًا 4، ولأنه يزيد في حسنها ويدعو إلى مباشرتها.
والتقييد بالذهب والفضة يفهم: جواز التحلي بغيرهما، ونقلا عن حكاية الروياني المنع أيضًا في النحاس والرصاص المموهين بذهب أو فضة إذا كان لا يعرف إلا بتأمل، أو لم يكن كذلك ولكنها من قوم يتزينون به، وإلا.. فيحل 5.
(وكذا لؤلؤ في الأصح) لأن الزينة ظاهرة فيه، ومقابله: احتمال للإمام لا وجه للأصحاب 6.
(وطيب في بدن وثوب وطعام وكحل) لحديث: "وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إِلَّا إِذَا طَهَرَتْ نُبْذَةً مِنْ قِسْطٍ أَوْ أَظْفَارٍ" رواه مسلم 7.
وَاكْتِحَالٌ بِإِثْمِدٍ إِلَّا لِحَاجَةٍ كَرَمَدٍ، وَإِسْفِيذَاجٌ، وَدُمَامٌ، وَخِضَابُ حِنَّاءٍ وَنَحْوهِ. وَيَحِلُّ تَجْمِيلُ فِرَاشٍ وَأَثَاثٍ، وَتنظِيفٌ بِغَسْلِ رَأْسٍ، وَقَلْمٍ، وَإِزَالَةِ وَسَخٍ. قُلْتُ: وَيَحِلُّ امْتِشَاطٌ
وإنما حرم الأكل؛ لأنه مس وزيادة.
وضابط الطيب المحرم: كل ما حرم على المحرم، وقد سبق تفصيله في (كتاب الحج).
(واكتحال بإثمد) لحديث أم سلمة المار 1، ولأن فيه زينةً، والإثمد: الأسود، وسواء البيضاء والسوداء، والكحل الأصفر كالإثمد، لا التوتياء؛ إذ لا زينة فيه، ويحرم عليها حشو حاجبها بالكحل؛ فإنه يتزين به فيه.
(إلا لحاجة؛ كرمد)، فيرخص فيه بحسب الحاجة، وتكتحل ليلًا وتمسحه نهارًا، فإن دعت ضرورة إلى الاستعمال نهارًا أيضًا.. جاز.
(و) يحرم (إسفيذاج، ودمام، وخضاب حناء، ونحوه) كالزعفران والورس؛ لما في ذلك من الزينة، والإسفيذاج -بالذال المعجمة- معروف، يعمل من الرصاص، إذا دهن به الوجه.. يربو ويبرق، والدمام -بضم (الدال) المهملة وكسرها-: الحمرة المعروفة.
وإنما يحرم الخضاب إذا كان فيما يظهر؛ كالوجه واليدين، لا فيما تحت الثياب، كذا حكياه عن الروياني، وأقراه 2.
(ويحل تجميل فراش وأثاث) لأن الإحداد في البدن لا في الفرش، ولا بأس بجلوسها على الحرير واستنادها إليه، قال ابن الرفعة: وفي التحافها به نظر، والأشبه: المنع؛ لكونه لبسًا.
(وتنظيف بغسل رأس وقلم وإزالة وسخ) بسدر ونحوه، وإزالة العانة ونتف الإبط؛ لأنه ليس من الزينة.
(قلت: ويحل امتشاط) بلا ترجل بدهن ونحوه، ويجوز بسدر ونحوه؛ للنص
وَحَمَّامٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ خُرُوج مُحَرَّمٌ. وَلَوْ تَرَكَتِ الإِحْدَادَ.. عَصَتْ وَانْقَضَتِ الْعِدَّةُ كَمَا لَوْ فَارَقَتِ الْمَسْكَنَ. وَلَوْ بَلَغَتْهَا الْوَفَاةُ بَعْدَ الْمُدَّةِ.. كَانَتْ مُنْقَضِيَةً. وَلَهَا إِحْدَادٌ عَلَى غَيْرِ زَوْجٍ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ، وَتَحْرُمُ الزِّيَادَةُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
فيه في سنن أبي داوود 1، وحمل حديث: "وَلَا تَمْتَشِطُ" 2: على مشط بطيب وحناء.
(وحمّام إن لم يكن فيه خروج محرم) لأن ذلك ليس من الزينة في شيء.
(ولو تركت الإحداد.. عصت) المكلفة العالمة بوجوبه؛ لتركها الواجب، ويعصي ولي الصغيرة والمجنونة إذا لم يمنعهما، (وانقضت العدة؛ كما لو فارقت المسكن) بلا عذر.. فإنها تعصي وتنقضي العدة.
(ولو بلغتها الوفاة) أو الطلاق (بعد المدة.. كانت منقضية) لأنها مضي زمان، وقد مضى 3.
(ولها إحداد على غير زوج ثلاثة أيام، وتحرم الزيادة، والله أعلم) لمفهوم قوله -صلى الله عليه وسلم-: "لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" متفق عليه 4.
وكلام المصنف قد يفهم: أن الرجل ليس له الإحداد على قريبه ثلاثة أيام، وقال الإمام: التحزن في المدة لا يختص بالنساء، ومنعه ابن الرفعة؛ فإنه شرع للنساء لنقص عقلهن المقتضي عدم الصبر، مع أن الشرع أوجب على النساء الإحداد دون الرجال 5.
ويشترط في تحريم الزيادة عليها: القصد إلى ذلك، فلو تركت ذلك بلا قصد.. لم تأثم؛ كما ذكره في "أصل الروضة" في (الشقاق) 6.
فصلٌ [في سكنى المعتدة وملازمتها مسكن فراقها]
تَجبُ سُكْنَى لِمُعْتَدَّةِ طَلَاقٍ وَلَوْ بَائِنٍ إِلَا نَاشِزَةً، وَلِمُعْتَدَّةِ وَفَاةٍ فِي الأَظْهَرِ، وَفَسْخٍ عَلَى المَذْهَبِ
(فصل: تجب سكنى لمعتدة طلاق ولو بائن) لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾، وسواء أكانت حائلًا أم بائنًا 1، ولا يسقط هذا الحق بالتراضي؛ لأن فيه حقًّا لله تعالى، (إلا ناشزة) لأنها لا تستحق النفقة والسكنى في صلب النكاح، فبعد البينونة أولى.
(ولمعتدة وفاة في الأظهر) لأمره -صلى الله عليه وسلم- فُرَيعةَ -بـ (الفاء) المضمومة- بنتَ مالك لما قتل زوجها: أن تمكث في بيتها حتى يبلغ الكتاب أجله، فاعتدت فيه أربعة أشهر وعشرًا، صححه الترمذي وغيره 2، والثاني: لا سكنى لها كما لا نفقة لها.
وفرق القاضي حسين: بأن السكنى لصيانة مائه، وهي موجودة بعد الوفاة كالحياة، والنفقةَ لسلطته عليها، وقد انقطعت.
وفرق ابن الصباغ: بأن النفقة حقها فسقطت إلى الميراث، والسكنى حق الله تعالى فلم تسقط.
ويستثنى أيضًا: الناشزة؛ كما صرح به القاضي والمتولي، فكان ينبغي تأخيره استثناءها إلى هنا.
(وفسخٍ على المذهب) لأنها معتدة عن نكاح صحيح بفرقة في الحياة، فأشبهت المطلقة؛ تحصينًا للماء، والطريق الثاني: على قولين؛ كالمعتدة عن الوفاة.
وتصحيحه هنا الوجوبَ: هو قضيةُ كلام "الروضة" و"أصلها"، لكن خالفاه في "الشرح" و"الروضة" في (باب الخيار في النكاح)، فقالا: إن المفسوخ نكاحهما
وَتَسْكُنُ فِي مَسْكَنٍ كَانَتْ فِيهِ عِنْدَ الْفُرْقَةِ، وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ وَغَيْرِهِ إِخْرَاجُهَا، وَلَا لَهَا خُرُوجٌ. قُلْتُ: وَلَهَا الْخُرُوجُ فِي عِدَّةِ وَفَاةٍ، وَكَذَا بَائِنٌ فِي النَّهَارِ لِشِرَاءِ طَعَامٍ وَغَزْلٍ وَنَحْوِهِ،
بعد الدخول لا نفقة لها ولا سكنى إن كانت حائلًا قطعًا، وكذا إن كانت حاملًا على الأصحِّ 1.
(وتسكن في مسكن كانت فيه عند الفرقة) إذا كان يليق بها حال الفرقة وأمكن بقاؤها فيه؛ لكونه ملكًا للزوج أو مستأجرًا معه أو مستعارًا لم يرجع معيره فيه؛ للآية، ولحديث فُرَيعة المار 2.
ويستثنى: ما لو انتقلت في صلب النكاح من مسكن إلى آخر بغير إذن الزوج، ثم طلقها أو مات.. لزمها العود إلى الأول؛ كما سيأتي.
(وليس للزوج وغيره إخراجها، ولا لها خروج) وإن رضي الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾، فلو اتفقا على الخروج.. منعها الحاكم؛ لما فيه من حق الله تعالى.
وقضية إطلاقه: أنه لا فرق بين البائن والرجعية، وصرح به في "النهاية" 3، قال في "المطلب": ونص عليه في "الأم" في موضعين، قال: لكن في "الحاوي" و"المهذب" وغيرهما من كتب العراقيين: أن للزوج أن يسكن الرجعية حيث شاء؛ لأنها في حكم الزوجات.
انتهى.
وجزم المصنف في تعليقه على "التنبيه" بما قاله الماوردي وغيره، واعتمده في "المهمات"، فاعترض به على الشيخين 4، قال الأَذْرَعي: وهو شاذ.
(قلت: ولها الخروج في عدة وفاة، وكذا بائن في النهار لشراء طعام وغزل ونحوه) دفعًا لحاجتها، وحكمُ المعتدة عن شبهة أو نكاح فاسد حكمُ المتوفى عنها
وَكَذَا لَيْلًا إِلَى دَارِ جَارَةٍ لِغَزْلٍ وَحَدِيثٍ وَنَحْوِهِمَا بِشَرْطِ أَنْ تَرْجعَ وَتبَيتَ فِي بَيْتِهَا، وَتَنتَقِلُ مِنَ الْمَسْكَنِ لِخَوْفٍ مِنْ هَدْمٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ عَلَى نَفْسِهَا، أَوْ تَأَذَّت بِالجِيرَانِ، أَوْ هُمْ بِهَا أَذَىً شَدِيدًا، وَاللهُ أَعْلَمُ
زوجها، وحكمُ المفسوخ نكاحها حكمُ المبتوتة، وأما الرجعية.. فزوجة لا تخرج إلا بإذنه، وعليه القيام بمصالحها كالزوجة، واستثنى المتولي: الحامل البائن إذا قلنا: تعجل نفقتها يوما بيوم -وهو الأصحُّ-.. فهي مكفية، فلا تخرج إلا بإذنه أو لضرورة؛ كالرجعية، وأقراه 1.
(وكذا ليلًا إلى دار جارة لغزل وحديث ونحوهما بشرط أن ترجع وتبيت في بيتها) أما المتوفى عنها.. فلحديث مرسل معتضد بقول ابن عمر به 2، وألحقت البائن بها؛ قياسًا.
(وتنتقل من المسكن لخوف من هدم أو غرق، أو على نفسها) تلفًا أو فاحشة؛ للضرورة الداعية إلى ذلك.
وقضية تقييده بالنفس: أنها لو خافت على مالها.. لا تنتقل، وليس كذلك، وعبارة "الروضة": إذا خافت على نفسها أو مالها 3.
(أو تأذت بالجيران، أو هم بها أذىً شديدًا، والله أعلم) إزالة للضرورة، وفسر ابن عباس وغيره قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾: بالبذاءة على الأحماء أو غيرهم 4، وفي رواية لمسلم: أن فاطمة بنت قيس كانت تبذو على أحمائها، فنقلها النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بيت أم مكتوم 5.
ومحل النقلة عند البذاءة: إذا كان المسكن واسعًا لجميعهم، فإن كان
وَلَوِ انْتَقَلَتْ إِلَى مَسْكَنٍ بِإِذْنِ الزَّوْجِ فَوَجَبَتِ الْعِدَّةُ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَيْهِ.. اعْتَدَّتْ فِيهِ عَلَى النَّصِّ، أَوْ بِغَيْرِ إِذْنٍ.. فَفِي الأَوَّل، وَكَذَا لَوْ أَذِنَ ثُمَّ وَجَبَتْ قَبْلَ الْخُرُوجِ. وَلَوْ أَذِنَ فِي انْتِقَال إِلَى بَلَدٍ.. فَكَمَسْكَنٍ، أَوْ سَفَرِ حَجٍّ أَوْ تِجَارَةٍ ثُمَّ وَجَبَتْ فِي الطَّرِيقِ.. فَلَهَا
لا يسعهم.. نقلوا عنها، وكذا لو كان المسكن لها أو كان لأبويها؛ لأنها أحق بدار الأبوين.
واحترز بـ (الجيران): عما لو طلقت في بيت أبويها فبذت على الأبوين أو بذا الأبوان عليها.. فإنه لا ينقل واحد منهم؛ لأن الوحشة لا تطول بينهم.
وأطلق الانتقال عند هذه الضرورات، وهو يفهم: أنها تسكن حيث شاءت، وليس كذلك، بل الذي نقله الرافعي عن إيراد الجمهور: انتقالها إلى أقرب المواضع إلى ذلك المسكن 1.
(ولو انتقلت إلى مسكن) في البلد (بإذن الزوج فوجبت العدة قبل وصولها إليه) بأن مات أو طلق (.. اعتدت فيه على النص) في "الأم" 2؛ لأنها مأمورة بالمقام فيه ممنوعة من الأول، وقيل: تعتد في الأول؛ استصحابًا له، وقيل: تتخير؛ لتعلقها بكل منهما ولم تكن مستقرة في واحد منهما، وقيل: يعتبر أقرب المنزلين إليها فتعتد فيه، فلو وصلت إليه.. اعتدت فيه قطعًا.
(أو بغير إذن.. ففي الأول) وإن وصلت إلى الثاني؛ لعصيانها بذلك ووجوب عودها إلى الأول.
[نعم؛ إن أذن لها بعد الوصول إليه بالمقام فيه.. كان كالنقلة بإذنه] 3.
(وكذا لو أذن ثم وجبت) العدة (قبل الخروج) وإن بعثت أمتعتها إلى الثاني؛ لأنه المنزل الذي وجبت فيه العدة.
(ولو أذن في انتقال إلى بلد.. فكمسكن) فيما سبق، (أو سفر حج أو تجارة ثم وجبت في الطريق) بعد أن فارقت ما يشترط مفارقته في حق المسافر (.. فلها
رُجُوع، فَإِنْ مَضَتْ.. أَقَامَتْ لِقَضَاءِ حَاجَتِهَا،....................................
رجوع) 1 لأن في قطعها عن السفر مشقةً، لا سيما إذا بعدت عن البلد وخافت الانقطاع عن الرفقة، وفي وجه: إن كان سفر حج.. لم يلزمها العود، وإلا.. لزمها، وقيده في "الذخائر" بحج الفرض، قال في "المطلب": وهذا الوجه هو الذي اقتصر عليه الشافعي في "الأم".
وتقييد المصنف السفرَ بالحج والتجارة: مخرج لسفر النزهة والزيارة، وقد قالا: حيث أوجبنا الانصراف في سفر الحاجة.. فهذا أولى، وإلا.. فوجهان، وقطع صاحب "الشامل": بأنه كسفر الحاجة، وهو قضية كلام العراقيين 2، وعلى هذا: فالتقييد لا مفهوم له.
(فإن مضت.. أقامت لقضاء حاجتها) من غير زيادة، عملًا بحسب الحاجة.
وأفهم: أن الحاجة إذا انقضت قبل ثلاثة أيام.. لم يجز استكمالها، وقال في "زيادة الروضة": إنه الأصحّ، وقطع به في "المحرر" 3، لكن ظاهر كلام "الشرحين" و"الروضة": أن لها أن تقيم بعدها إلى تمام مدة المسافر، وقال البُلْقيني: إنه ظاهر نص "الأم" 4.
هذا إذا لم يقدر لها مدة الإقامة، فلو أذن لها في إقامة مدة معينة؛ كشهر مثلًا.. فهل لها استيفاؤها أم لا تزيد على مدة المسافرين؟ قولان: أظهرهما: الأول؛ كما لو أذن لها في النقلة، وصور الشيخان وغيرهما المسألة: في سفر النزهة، ثم قال في "أصل الروضة": ويجريان فيما لو قدر سفر الحاجة بمدة تزيد على قدر الحاجة؛ لأن الزائد كالنزهة 5.
واحترز بقوله: (ثم وجبت في الطريق): عما إذا وجبت قبل أن تخرج من
ثُمَّ يَجِبُ الرُّجُوعُ لِتَعْتَدَّ الْبَقِيَّةَ فِي الْمَسْكَنِ. وَلَوْ خَرَجَتْ إِلَى غَيْرِ الدَّارِ الْمَأْلُوفَةِ فَطَلَّقَ وَقَالَ: (مَا أَذِنْتُ فِي الْخُرُوجِ).. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، وَلَوْ قَالَتْ: (نَقَلْتَنِي) فَقَالَ: (بَلْ أَذِنْتُ لِحَاجَةٍ).. صُدِّقَ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَمَنْزِلُ بَدَوِيَّةٍ وَبَيْتُهَا مِنْ شَعْرٍ كَمَنْزِلِ حَضَرِيَّةٍ. وَإِذَا كَانَ الْمَسْكَنُ لَهُ وَيَلِيقُ بِهَا.. تَعَيَّنَ، وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ إِلَّا فِي عِدَّةِ ذَاتِ أَشْهُرٍ فَكَمُسْتَأْجَرٍ،
المسكن.. فإنها لا تخرج قطعًا، أو قبل مفارقة العمران.. فالأصحُّ: وجوب العود إليه؛ لأنها لم تشرع في السفر.
(ثم يجب الرجوع لتعتد البقية في المسكن) لأنه الأصل في ذلك، فإذا وجب ما يمنعه.. وجب العود إليه.
(ولو خرجت إلى غير الدار المألوفة فطلق وقال: "ما أذنت في الخروج")، وقالت: بل أذنت (.. صدق بيمينه) لأن الأصل عدم الإذن.
(ولو قالت: "نقلتني"، فقال: "بل أذنت لحاجة".. صدق) بيمينه (على المذهب) لأنه أعلم بقصده وإرادته، وقيل: إن القول قولها؛ لأن الظاهر معها.
فإن وقع هذا النزاع بينها وبين الوارث.. صدقت بيمينها؛ لأن كونها في المنزل الثاني يشهد بصدقها، ويُرجَّح جانبها على جانب الورثة، ولا يرجح على جانب الزوج؛ لتعلق الحق بهما، والوارث أجنبي عنهما.
والطريق الثاني: حكاية قولين فيهما.
(ومنزل بدوية وبيتها من شعر كمنزل حضرية) في لزوم ملازمته في العدة، فلو ارتحل كل الحي.. ارتحلت معهم للضرورة، وإن ارتحل بعضهم.. نظر؛ إن كان أهلها ممن لم يرتحل وفي المقيمين قوة وعدد.. لم يكن لها الارتحال، وإن ارتحل أهلها وفي الباقين قوة وعدد.. فالأصحُّ: أنها تتخير بين أن تقيم وبين أن ترحل؛ لأن مفارقة الأهل عسرة موحشة.
(وإذا كان المسكن له ويليق بها.. تعين) استدامتها فيه، وليس لأحد إخراجها منه بغير عذر من الأعذار السابقة، (ولا يصح بيعه، إلا في عدة ذات أشهر.. فكمستأجر)، فيخرج بيعه على القولين في بيع الدار المستأجرة، والأصحُّ: صحته،
وَقِيلَ: بَاطِلٌ. أَوْ مُسْتَعَارًا.. لَزِمَتْهَا فِيهِ، فَإِنْ رَجَعَ الْمُعِيرُ وَلَمْ يَرْضَ بِأُجْرَةٍ.. نُقِلَتْ، وَكَذَا مُسْتَأْجَرٌ انْقَضَتْ مُدَّتُهُ. أَوْ لَهَا.. اسْتَمَرَّتْ وَطَلَبَتِ الأُجْرَةَ. فَإِنْ كَانَ مَسْكَنُ النِّكَاحِ نَفِيسًا.. فَلَهُ النَّقْلُ إِلَى لاَئِقٍ بِهَا، أَوْ خَسِيسًا.. فَلَهَا الِامْتِنَاعُ. وَلَيْسَ لَهُ مُسَاكَنَتُهَا وَمُدَاخَلَتُهَا،
وخالف عدة الأقراء والحمل؛ لعدم انضباط المدة، (وقيل: باطل) قطعًا، ولا يخرج على القولين في بيع المستأجر؛ لأنها قد تموت في العدة فترجع المنفعة للبائع، وذلك غرر، بخلاف المستأجر يموت؛ فإن منفعته لورثته.
(أو مستعارًا.. لزمتها فيه) لأن السكنى ثابتة في المستعار ثبوتَها في المملوك، فشملتها الآية، وليس للزوج نقلها؛ لتعلق حق اللَّه تعالى بذلك، (فإن رجع المعير ولم يرض بأجرة (أي: أجرة المثل (.. نقلت) وجوبًا؛ للضرورة، (وكذا مستأجر انقضت مدته)، فتنقل منه إن لم يجدد المالك إجارة.
(أو) كان المسكن (لها.. استمرت وطلبت الأجرة)، فإن لم تطلبها ومضت مدة.. فالأصحُّ: القطع بسقوطها، وكذا لو سكنت في منزلها مع الزوج في العصمة على النص 1.
(فإن كان مسكن النكاح نفيسًا.. فله النقل إلى لائق بها (لأن النفيس غير واجب عليه، والمراد: نقلها إلى أقرب موضع من مسكن النكاح؛ حتى لا يطول بروزها في الخروج، نصّ عليه، وصرح به القاضي وغيره.
وهل مراعاة الأقرب واجبة أو مستحبة؟ فيه تردد، وظاهر كلام الأصحاب: الوجوب.
(أو خسيسًا.. فلها الامتناع) لأنه ليس هو حقها.
(وليس له مساكنتها ومداخلتها) أي: يحرم عليه؛ لأنه يودي إلى الخلوة بها، ولأن في مساكنتها إضرارًا بها، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾؛ أي: في المسكن.
فَإِنْ كَانَ فِي الدَّارِ مَحْرَمٌ لَهَا مُمَيِّزٌ ذَكَرٌ، أَوْ لَهُ أُنْثَى، أَوْ زَوْجَةٌ أُخْرَى أَوْ أَمَةٌ.. جَازَ. وَلَوْ كَانَ فِي الدَّارِ حُجْرَةٌ فَسَكَنَهَا أَحَدُهُمَا وَالآخَرُ الأُخْرَى، فَإِنِ اتَّحَدَتِ الْمَرَافِقُ كَمَطْبَخٍ وَمُسْتَرَاحٍ.. اشْتُرِطَ مَحْرَمٌ، وَإِلَّا.. فَلَا
(فإن كان في الدار محرم لها مميز ذكر، أو له أنثى، أو زوجة أخرى أو أمة.. جاز) لانتفاء المحذور.
هذا إذا كان في الدار سعة زيادة على سكنى مثلها، وإلا.. وجب تخليته لها، ولا عبرة بالمجنون والصغير الذي لا يميز.
وقضية تعبيره بالمميز: أنه لا يشترط البلوغ، وهو خلاف ما في "الشرح" و"الروضة" نقلًا عن النص، لأن الصبي يخدع كثيرًا ولا تكليف عليه، فلا يلزمه الإنكار، قالا: وعن الشيخ أبي حامد: الاكتفاء بالمراهق 1.
وينبغي: حمل المميز في كلام المصنف على المراهق، وألا يكون مخالفًا للنص ولوجه الشيخ أبي حامد.
وأفهم قوله: (ذكر): أنه لا يكفي أختها ولا عمتها ولا خالتها، وليس كذلك إذا كانت ثقة؛ فقد صحح في "الروضة": أنه يكفي حضور المرأة الأجنبية الثقة، فالمحرم أولى، وحكى الرافعي عن الأصحاب: أنه يجوز أن يخلو رجل بامرأتين ثقتين فأكثر، لا بواحدة وإن كان معه رجل آخر، لأن استحياء المرأة من المرأة أكثر من استحياء الرجل من الرجل، لكن صرح في "شرح المهذب": بتحريم خلوة الرجل بالنسوة 2.
(ولو كان في الدار حجرة فسكنها أحدهما والآخر الأخرى، فإن اتحدت المرافق، كمطبخ ومستراح.. اشترط محرم، وإلا.. فلا) لأن التوارد على المرافق يفضي إلى الخلوة، بخلاف ما إذا تعددت، فإنها تصير كالدارين المتجاورتين، قال في "الكفاية": وصرح القاضي والروياني في اتحاد المرافق: بأنه لا يجوز وإن كان
وَيَنْبَغِي أَنْ يُغْلَقَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ بَابٍ، وَأَلَّا يَكُونَ مَمَرُّ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى. وَسُفْلٌ وَعُلْوٌ كَدَارٍ وَحُجْرَةٍ.
محرم، قال الأَذْرَعي: وهو الحق الذي نعتقده 1.
(وينبغي: أن يغلق ما بينهما من باب، وألا يكون ممر إحداهما على الأخرى) حذرًا من الوقوع في الخلوة.
و(ينبغي) في كلامه: محمولة على الوجوب؛ لأنهما جزما في "الشرح" و"الروضة": باشتراط الغلق 2.
(وسفل وعلو كدار وحجرة)، فيأتي فيه ما تقدم، قال المَحاملي في "التجريد": والأولى: أن يسكنها العلو حتى لا يمكنه الاطلاع عليها.
بابُ الاسْتِبْرَاء يَجِبُ بِسَبَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِلْكُ أَمَةٍ بشِرَاءٍ أَوْ إِرْثٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ سَبْيٍ أَوْ رَدٍّ بِعَيْبٍ أَوْ تَحَالُفٍ أَوْ إِقَالَةٍ، وَسَوَاءٌ بِكْرٌ وَمَنِ أسْتَبْرَأَهَا الْبَائِعُ قَبْلَ الْبَيع وَمُنْتَقِلَةٌ مِنْ صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ وَغَيْرُهَا. وَيَجِبُ فِي مُكَاتَبَةٍ عُجِّزَتْ،
﴿باب الاستبراء﴾
هو بالمد: طلب براءة الرحم، وهو عبارة عن التربص الواجب بسبب ملك اليمين حدوثًا أو زوالًا.
(يجب بسببين: أحدهما: ملك أمة بشراء أو إرث أو هبة أو سبي أو رد بعيب أو تحالف أو إقالة)، ونحوها من الأسباب المملكة؛ كالوصية والفسخ بفلس المشتري.
وقضيته: أنه لا يجب بغير السببين، وليس كذلك؛ فإنه لو وطئ أمة غيره ظانًّا أنها أمته.. وجب استبراؤها، وليس هنا حدوث ملك ولا زواله.
(وسواء بكر، ومن استبرأها البائع قبل البيع، ومنتقلة من صبي وامرأة، وغيرها) لعموم قوله صلى الله عليه وسلم في سبايا أوطاس: "لَا تُوطَأُ حَامِل حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً"، رواه أبو داوود بإسناد صحيح، وصححه الحاكم 1، وقاس الشافعي رضي الله عنه غير المسبية عليها 2.
وفي علة وجوبه جوابان للقاضي الحسين: أحدهما: ملك الرقبة مع فراغ محل الاستمتاع، والثاني: حدوث ملك حل الفرج.
ويظهر ثمرة ذلك: في استبراء المجوسية ونحوها؛ كما سيأتي، فعلى المعنى الأول: يكفي، وعلى الثاني: لا؛ إذ لا حل.
(ويجب في مكاتبة عجزت) أو فَسخَت؛ لزوال ملك الاستمتاع ثم عوده،
وَكَذَا مُرْتَدَّةٌ فِي الأَصَحِّ، لَا مَنْ حَلَّتْ مِنْ صَوْمٍ وَاعْتِكَافٍ وَإِحْرَامٍ، وَفِي الإِحْرَامِ وَجْهُ. وَلَوِ اشْتَرَى زَوْجَتَهُ.. اسْتُحِبَّ، وَقِيلَ: يَجِبُ. وَلَوْ مَلَكَ مُزَوَّجَةً أَوْ مُعْتَدَّةً.. لَمْ يَجِبْ، فَإِنْ زَالَا.. وَجَبَ فِي الأَظْهَرِ
فأشبه: ما لو باعها ثم اشتراها، هذا في الكتابة الصحيحة، أما الفاسدة.. فلا يجب فيها؛ كما قاله الرافعي في بابه 1.
(وكذا مرتدة في الأصح) أي: ارتدت ثم أسلمت، وكذا لو ارتد السيد ثم أسلم؛ لزوال ملك الاستمتاع ثم إعادته، فأشبه تعجيز المكاتبة، والثاني: لا يجب؛ لأن الردة لا تقطع الملك، وإنما تنافي الحل؛ كطروء الحيض.
(لا من حلت من صوم واعتكاف وإحرام) وحيض ونفاس؛ إذ لا خلل في الملك، وإنما التحريم لعارض، ولهذا لا يحرم ما عدا الوطء، (وفي الإحرام وجه) كالردة؛ لأن الإحرام سبب يتأكد التحريم به.
(ولو اشترى زوجته.. استحب) ليتميز ولد الملك من ولد النكاح؛ لأن بالنكاح ينعقد الولد رقيقا ثم يعتق، فلا يكون كفؤًا لحرة أصلية، ولا تصير به أم ولد، وبملك اليمين ينعكس الحكم، (وقيل: يجب) لتجدد الملك، والأصحُّ: أنه لا يجب؛ إذ لا فائدة فيه؛ لأنها انتقلت من حل إلى حل.
وبنى القاضي الحسين الخلاف: على العلتين السابقتين في وجوب الاستبراء؛ إن قلنا: العلة حدوث ملك حل الفرج.. فلا يجب، وإن قلنا: حدوث ملك الرقبة.. فيجب.
(ولو ملك مزوجة، أو معتدة.. لم يجب) في الحال؛ لعدم فائدته؛ فإنها مشغولة بحق غيره.
(فإن زالا) أي: الزوجية والعدة (.. وجب) الاستبراء (في الأظهر) لزوال المانع ووجوب المقتضي، والثاني: لا يجب، وله وطؤها في الحال؛ اكتفاء بعدة الزوج.
الثَّانِي: زَوَالُ فِرَاشٍ عَنْ أَمَةٍ مَوْطُوءَةٍ أَوْ مُسْتَوْلَدَةٍ بِعِتْقٍ أَوْ مَوْتِ السَّيِّدِ. وَلَوْ مَضَتْ مُدَّةُ اسْتِبْرَاءٍ عَلَى مُسْتَوْلَدَةٍ ثُمَّ أَعْتَقَهَا أَوْ مَاتَ.. وَجَبَ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: وَلَوِ أسْتبرَأَ أَمَةً مَوْطُوءَةً فَأَعْتَقَهَا.. لَمْ يَجِبْ، وَتَتَزَوَّجُ فِي الْحَالِ، إِذْ لَا تشبِهُ مَنْكُوحَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَحْرُمُ تَزْوِيجُ أَمَةٍ مَوْطُوءَةٍ وَمُسْتَوْلَدَةٍ قَبْلَ اسْتِبْرَاءٍ
ومحل الخلاف: إذا كانت معتدة عن غيره من زوج أو شبهة، أما لو استبرأ معتدة منه.. وجب الاستبراء قطعًا؛ لأنه ملكها وهي محرمة عليه.
(الثاني: زوال فراش عن أمة موطوءة أو مستولدة بعتق) منجز (أو موت السيد) لأنها كانت فراشًا له، وزواله يقتضي التربص، كزوال الفراش عن الحرة.
واحترز بالموطوءة: عما إذا لم توطأ.. فلا استبراء عليها إذا عتقت قطعًا؛ كالمطلقة قبل المسيس.
[(ولو مضت مدة استبراء على مستولدة ثم أعتقها أو مات.. وجب في الأصح)، ولا يعتد بما مضى؛ كما لا يعتد بما تقدم على الطلاق من الأقراء، والثاني: لا يجب، لحصول البراءة] 1.
(قلت: ولو استبرأ أمة موطوءة فأعتقها.. لم يجب، وتتزوج في الحال، إذ لا تشبه منكوحة، والله أعلم) لأن فراشها يزول بالاستبراء اتفاقًا؛ بدليل أنها لو أتت بولد بعده لستة أشهر.. لا يلحقه، وفي المستولدة قولان.
(ويحرم تزويج أمة موطوءة ومستولدة قبل استبراء) لئلا تختلط المياه، ولا ينعقد النكاح قطعًا، ويفارق البيع حيث يجوز قبل الاستبراء، لأن مقصود النكاح استعقاب الحل، والشراء يقصد للوطء وغيره، فعلى المشتري الاحتياط لنفسه.
وأشار بقوله: (موطوءة): إلى أنه لا فرق بين وطء مالكها ووطء من ملكها من جهته ولم يكن استبرأها.
ويستثنى: تزويجها ممن يجب الاستبراء بسبب وطئه، كما إذا زوجها المشتري من البائع الواطئ قبل أن يستبرئها، كما جزم به في "أصل الروضة" 2، ولو اشترى أمة
وَلَوْ أَعْتَقَ مُسْتَوْلَدَتَهُ.. فَلَهُ نِكَاحُهَا بِلَا اسْتِبْرَاءٍ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ أَعْتَقَهَا أَوْ مَاتَ وَهِيَ مُزَوَّجَةٌ... فَلَا اسْتِبْرَاءَ. وَهُوَ: بِقَرْءٍ - وَهُوَ حَيْضَةٌ كَامِلَةٌ فِي الْجَدِيدِ - وَذَاتُ أَشْهُرٍ: بِشَهْرٍ، وَفِي قَوْلٍ: بِثَلَاثَةٍ، وَحَامِلٌ مَسْبِيَّةٌ أَوْ زَالَ عَنْهَا فِرَاشُ سَيِّدٍ: بِوَضْعِهِ،
قد استبرأها البائع فأعتقها.. فله نكاحها قبل الاستبراء، ذكره الماوردي 1.
(ولو أعتق مستولدته.. فله نكاحها بلا استبراء في الأصح) كالمعتدة منه، والثاني: لا؛ لأن الإعتاق يقتضي الاستبراء، فلا يمكن استباحة مبتدأة إلا بعد رعاية حق التعبد.
(ولو أعتقها أو مات وهي مزوجة) أو معتدة (.. فلا استبراء) لأنها ليست فراشًا له، بل للزوج، فهي كغير الموطوءة.
(وهو: بقرء) في حق ذات الأقراء، (وهو حيضة كاملة في الجديد) لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: "وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً" 2، ولا تكفي بقية الحيضة التي وجد السبب في أثنائها.
وفي القديم وحكي عن "الإملاء": أنه الطهر؛ كما في العدة.
وفرق الأول: بأن العدة لإباحة العقد، وهو يستباح في الحيض والطهر، وخصصت بالطهر؛ لأنها وجبت قضاء لحق الزوج، فاختصت بأزمان حقه، وهي الأطهار؛ كما في صلب النكاح، بخلاف الاستبراء لو جعل بالطهر.. لما استبيح الوطء بعده؛ لعارض الحيض.
(وذات أشهر: بشهر) لأنه كقرء في الحرة، فكذا في الأمة، (وفي قول: بثلاثة) لأنها أقل مدة تعرف فيها براءة الرحم، والأمور الجبلية لا تختلف بالرق والحرية.
(وحامل مسبية أو زال عنها فراش سيد: بوضعه) لعموم الحديث المار 3.
وَإِنْ مُلِكَتْ بِشِرَاءٍ.. فَقَدْ سَبَقَ أَنْ لَا اسْتِبْرَاءَ فِي الْحَالِ. قُلْتُ: يَحْصُلُ بِوَضْعِ حَمْلِ زِنًا فِي الأَصَحِّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ مَضَى زَمَنُ اسْتِبْرَاءٍ بَعْدَ الْمِلْكِ قَبْلَ الْقَبْضِ.. حُسِبَ إِنْ مَلَكَ بِإِرْثٍ، وَكَذَا شِرَاءٌ فِي الأَصَحِّ، لَا هِبَةٌ
(وإن ملكت بشراء) وكانت حاملًا من زوج أو من وطء شبهة (.. فقد سبق أن لا استبراء في الحال) عند قوله: (ولو ملك مزوجة أو معتدة.. لم يجب)، فإذا وضعت وزال النكاح أو العدة.. وجب في الأظهر؛ كما سبق 1.
(قلت: يحصل بوضع حمل زنًا في الأصح، والله أعلم) لإطلاق الحديث 2، ولحصول البراءة، بخلاف العدة؛ فمانها مخصوصة بالتأكيد، ولذلك اشترط فيها التكرار.
والثاني: لا؛ كالعدة.
(ولو مضى زمن استبراء بعد الملك قبل القبض.. حسب إن ملك بإرث) لأن الملك به مقبوض حكمًا، ولهذا يصح بيعه.
هذا إذا كانت مقبوضة للمورث، أما لو ابتاعها ثم مات قبل قبضها.. لم يعتد باستبرائها إلا بعد أن يقبضها الوراث؛ كما في بيع الموروث قبل قبضه، قاله في "المطلب"، وفيه نظر؛ لأن الاستبراء الواقع قبل القبض في الشراء محسوب على الأصحِّ؛ كما سيذكره المصنف.
(وكذا شراء) ونحوه من المعاوضات (في الأصح) لأن الملك لازم، فأشبه ما بعد القبض، والثاني: لا؛ لعدم استقرار الملك.
وهذا الخلاف فيما بعد انقضاء الخيار، فلو جرى الاستبراء في زمن خيار الشرط.. لم يعتد به إن قلنا: الملك للبائع، وكذا للمشتري على الأصحِّ؛ لضعف الملك.
وقيل: يعتد بالحمل دون الحيض؛ لقوة الحمل.
ولو قيد المصنف أولًا (الملك) بالتام.. لخرجت هذه الصورة.
(لا هبة) أي: إذا جرى الاستبراء بعد الهبة وقبل القبض.. لم يعتد به؛ لتوقف الملك على القبض على المذهب.
وَلَوِ اشْتَرَى مَجُوسِيَّةً فَحَاضَتْ ثُمَّ أَسْلَمَتْ.. لَمْ يَكْفِ. وَيَحْرُمُ الاسْتِمْتَاعُ بِالْمُسْتَبْرَأَةِ إِلَّا مَسْبِيَّةً؛ فَيَحِلُّ غَيْرُ وَطْءٍ، وَقِيلَ: لَا
وعبارة المصنف توهم: أنه أراد أنه لا يحصل الاستبراء في الهبة إذا وقع بعد الملك وقبل القبض، وليس كذلك؛ فإن الملك لا يحصل قبل القبض.
(ولو اشترى مجوسية) أو وثنية أو مرتدة (فحاضت ثم أسلمت) بعد انقضاء الحيض (.. لم يكف) لأن الاستبراء لاستباحة الاستمتاع، وإنما يعتد بما يستعقب الحل، وكذا لو وجد الإسلام في حال الاستبراء.
(ويحرم الاستمتاع بالمستبرأة) لأنه يدعو إلى الوطء المحرم، وإذا طهرت من الحيض.. حل ما عدا الوطء على الصحيح، وبقي تحريم الوطء إلى الاغتسال، (إلا مسبية؛ فيحل غير وطء) لتخصيص المنع بالوطء في الحديث السالف 1.
والفرق بين المسبية وغيرها: أن المسبية مملوكة بكل حال حائلًا أو حاملًا؛ فإن ولد الحربي لا يمنع جريان الرق، وإنما امتنع الوطء؛ خوفًا من اختلاط المياه صيانة لمائه؛ لئلا يختلط بماء الحربي، لا لحرمة ماء الحربي.
وألحق الماوردي بالمسبية: من لا يمكن أن تحمل وتصير أم ولد، والحاملَ من الزنا، والمشتراةَ وهي مزوجة فطلقها زوجها قبل الدخول وأوجبنا الاستبراء بعد انقضاء العدة.
2.
وقضية إطلاق المصنف: جواز الاستمتاع بما تحت الإزار، وفيه تردد للإمام؛ كالحيض 3.
(وقيل: لا) يحل الاستمتاع بالمسبية أيضًا كغيرها، وهذا ما نصّ عليه في "الأم"، وجرى عليه الجويني في "مختصره"، والغزالي في "خلاصته"، وقال في "المهمات": إنه المعتمد 4.
وَإِذَا قَالَتْ: (حِضتُ).. صُدِّقَتْ. وَلَوْ مَنَعَتِ السَّيِّدَ فَقَالَ: (أَخْبَرَتْنِي بِتَمَامِ الاسْتِبْرَاءِ).. صُدِّقَ. وَلَا تَصِيرُ أَمَةٌ فِرَاشًا إِلَّا بِوَطْءٍ، فَإِذَا وَلَدَتْ لِلإِمْكَانِ مِنْ وَطْئِهِ.. لَحِقَهُ، وَلَوْ أَقَرَّ بِوَطْءٍ وَنَفَى الْوَلَدَ وَادَّعَى اسْتِبْرَاءً.. لَمْ يَلْحَقْهُ عَلَى الْمَذْهَبِ،
واحترز بـ (الاستمتاع): عن الاستخدام؛ فلا يحرم وإن كانت جميلة؛ لأن الشرع ائتمنه عليها.
وهل يجوز الخلوة بها؟ توقف فيه السبكي، وصرح الجرجاني في "الشافي" بالجواز، وعليه يدل قول الرافعي: إنه لا يحال بينه وبينها 1.
(وإذا قالت) الأمة المتجدد ملكها: ("حضت".. صدقت) لأن ذلك لا يعلم إلا من جهتها، ولا تحلف؛ لأنها لو نكلت.. لم يقدر السيد على الحلف؛ لأنه لا يطلع عليه.
(ولو منعت السيد) غشيانها (فقال: "أخبرتني بتمام الاستبراء".. صدق) السيد؛ لأن الاستبراء باب من التقوى، فيفوض إلى أمانته، ولهذا لا يحال بينه وبينها؛ كما صرح به الرافعي، بخلاف المعتدة عن وطء شبهة؛ فإنه يحال بين الزوج وبينها؛ كما صرح به الرافعي، ولها تحليفه على ما ادعاه على الأصحِّ في "زيادة الروضة" 2.
(ولا تصير أمة فراشًا إلا بوطء) لا بمجرد الملك بالإجماع، فلا يلحقه الولد وإن خلا أبها وأمكن كونه منه، بخلاف النكاح؛ لأن مقصوده الاستمتاع والولد، وملكُ اليمين، 3 قد يقصد به التجارة ونحوها، ولهذا يملك من لا ينكحها؛ كأخته.
(فإذا ولدت للإمكان من وطئه.. لحقه) لثبوت الفراش بالوطء.
(ولو أقر بوطء ونفى الولد وادعى استبراء.. لم يلحقه على المذهب) لأن جماعة من الصحابة نفوا أولاد جَوارٍ لهم بذلك، وعن البويطي وغيره تخريجُ قولٍ من الحرة إذا طلقت ومضت ثلاثة أقراء ثم أتت بولد لزمان يمكن أن يكون من النكاح؛ فإنه يلحق به.
فَإِنْ أَنْكَرَتِ الاسْتِبْرَاءَ.. حُلِّفَ أَنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ مِنْهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ تَعَرُّضُهُ لِلاِسْتِبْرَاءِ. وَلَوِ ادَّعَتِ اسْتِيلَادًا فَأَنْكَرَ أَصْلَ الْوَطْءِ وَهُنَاكَ وَلَدٌ.. لَمْ يُحَلَّفْ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَوْ قَالَ: (وَطِئْتُ وَعَزَلْتُ).. لَحِقَهُ فِي الأَصَحِّ.
والفرق: أن الوطء سبب ظاهر والاستبراء ظاهر يعارضه، وإذا تعارضا.. سقط الظهور وبقي الإمكان، والإمكان لا يكتفى به في الأمة، بخلاف الحرة.
ومحل الخلاف: ما إذا أتت به لستة أشهر فأكثر من الاستبراء إلى أربع سنين، فلو أتت به لدون ستة أشهر من الاستبراء.. لحقه، والاستبراء لغو؛ للعلم بكونها كانت حاملًا يومئذ.
(فإن أنكرت الاستبراء.. حلف أن الولد ليس منه) كما في نفي ولد الحرة، (وقيل: يجب تعرضه للاستبراء) لتثبت بذلك دعواه، وقيل: يكفي التعرض للاستبراء فقط، ويكتفى به في نفي النسب.
(ولو ادعت استيلادًا فأنكر أصل الوطء وهناك ولد.. لم يحلف على الصحيح)، والولد منتفٍ عنه، ووجهه المتولي: بأنه لا ولاية لها على الولد حتى تنوب عنه في الدعوى، ولم يسبق منه سبب يقتضي ثبوت النسب، فلا معنى للتحليف، وإنما حلف في الصورة السابقة؛ لأنه سبق منه الإقرار بما يقتضي ثبوت النسب، وهو الوطء، فإذا أنكر.. حلف.
واحترز بقوله: (وهناك ولد): عما إذا لم يكن هناك ولد.. فإنه لا يحلف قطعًا؛ كما قاله الشيخان تبعًا للإمام 1، وقال ابن الرفعة: ينبغي أن يحلف جزمًا إذا عرضت على البيع؛ لأن دعواها حينئذ تنصرف إلى حريتها لا إلى ولدها.
(ولو قال: "وطئت وعزلت".. لحقه في الأصح) لأن الماء سبّاق لا يدخل تحت الاختيار، والثاني: ينتفي عنه؛ كدعوى الاستبراء، والله أعلم.
كتابُ الرَّضاع إِنَّمَا يَثْبُتُ بِلَبَنِ امْرَأَةٍ حَيَّةٍ بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ. وَلَوْ حَلَبَتْ فَأُوجِرَ بَعْدَ مَوْتِهَا.. حَرَّمَ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ جُبِّنَ أَوْ نُزِعَ مِنْهُ زُبْدٌ.. حَرَّمَ
﴿كتاب الرضاع﴾
هو بفتح الراء وكسرها، اسم لمصِّ الثدي وشرب لبنه.
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" متفق عليه 1.
وأجمع العلماء على أصله، وإنما يؤثر الرضاع في تحريم النكاح، وثبوت المحرمية المفيدة لحِلِّ الخلوة والنظر دون أحكام النسب؛ كالميراث والنفقة وغيرهما.
(إنما يثبت بلبن امرأة) فلا يثبت بلبن رجل، وخنثى مشكل إذا لم تظهر أنوثته، وبهيمة؛ لأنه لم يخلق لغذاء الولد فلم يتعلق به التحريم كغيره من المائعات.
نعم؛ يكره للرجل ولولده نكاح من ارتضعت منه، نصَّ عليه في "الأم" و"البويطي" 2، وسواء الخلية والبكر وغيرهما.
(حية) فلا يثبت بلبن ميتة؛ لأنه حرام غير محترم وقياسًا على وطئها؛ فإنه لا يثبت حرمة المصاهرة، (بلغت تسع سنين) فلا يحرم لبن من دونها؛ لأن اللبن فرع الحمل، والحمل لا يتأتى فيما دون التسع فكذا فرعه.
(ولو حلبت فأوجر بعد موتها.. حرم في الأصح) لأنه انفصل عنها وهو حلالٌ محترم، والثاني: لا؛ لبعد إثبات الأمومة بعد الموت وإن ثبتت الأبوة بعد الموت بالاتفاق؛ لأن الأبوة تابعة للأمومة.
(ولو جبن أو نزع منه زبد.. حرم) لحصول عين اللبن في الجوف، والتغذي به.