وَمَنْ دَامَ حَدَثُهُ كَمُسْتَحَاضَةٍ.. كَفَاهُ نِيَّةُ الاسْتِبَاحَةِ دُونَ الرَّفْعِ عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا. وَمَنْ نَوَى تَبَرُّدًا مَعَ نِيَّةٍ مُعْتبَرَةٍ.. جَازَ فِي الصَّحِيحِ، أَوْ مَا يُنْدَبُ لَهُ وُضُوءٌ كَقِرَاءَةٍ.. فَلَا فِي الأَصَحِّ. وَيَجِبُ قَرْنُهَا بِأَوَّلِ الْوَجْهِ، وَقِيلَ: يَكْفِي بِسُنَّةٍ قَبْلَهُ.
نيةِ الوضوءِ فقط 1.
(ومن دام حدثُه؛ كمستحاضةٍ.. كفاه نيةُ الاستباحةِ) المارّة (دون الرفعِ على الصحيح فيهما).
أما الاكتفاءُ بنية الاستباحةِ.. فقياسًا على التيمّمِ، وأما عدمُ الاكتفاءِ برفع الحدثِ.. فلبقاء الحدثِ.
ومقابله: الصحيح في الأولى: أنه لا بدّ من الجمع للاستباحة والرفع معًا، وفي الثانية: يجوز الاقتصارُ على أيهما شاء؛ لأن نيةَ رفع الحدثِ تتضمن الاستباحةَ، ولو نوى أداء الوضوء.. صحّ أيضًا.
وقد يوهم كلامُ المصنفِ أنه تكفيه نيةُ الاستباحةِ، وأنه يستبيح ما شاء وليس كذلك، بل حكم نيته: حكم المتيمّم حرفًا بحرف، وهو إن نوى استباحةَ الفرضِ.. استباحَه، وإلَّا.. فلا، على المذهب.
(ومن نوى تبرُّدًا مع نيةٍ معتبرةٍ) كما مرّ (.. جاز في الصحيح) لحصول ذلك وإن لم ينوه؛ كما لو نوى بصلاته الفرضَ وتحيةَ المسجد، والثاني: المنع للتشريك بين قربة وغيرها.
(أو) نوى بوضوئه (ما يُندب له وضوءٌ؛ كقراءةٍ.. فلا) يصح (في الأصح) لأنه مباحٌ مع الحدث، فلا يتضمن قصدُه قصدَ رفع الحدث، والثاني: يصح؛ لأن قصدَه أن يكون ذلك الفعلُ على أكملِ الأحوالِ، وإنما يكون كذلك إذا ارتفع الحدثُ.
أما لو نوى ما لا يندب له الوضوء؛ كدخول السوق.. لم يَصحَّ جزمًا.
(ويجب قرنها بأول) ما يغسل من (الوجه) لتقترن بأول الفرض كالصلاة، (وقيل: يكفي) قرنها (بسنة قبلَه) لاقترانها بجزء من الوضوء، والأصحُّ: المنع؛ إذ المقصود من العبادة أركانها، والسنن توابعُ.
وَلَهُ تفرِيقُهَا عَلَى أَعْضَائِهِ فِي الأَصَحِّ. الثَّانِي: غَسْلُ وَجْهِهِ، وَهُوَ: مَا بَيْنَ مَنَابتِ رَأْسِهِ غَالِبًا وَمُنْتَهَى لَحْيَيْهِ، وَمَا بَيْنَ أُذُنَيْهِ، فَمِنْهُ مَوْضِعُ الْغَمَمِ، وَكَذَا التَّحْذِيفُ فِي الأَصحِّ، لَا النَّزعَتَانِ، وَهُمَا: بَيَاضَانِ يَكْتَنِفَانِ النَّاصِيَةَ.
ومحل الخلاف: إذا غربت قبل غسل الوجه، فإن بقيت إلى غسله.. جاز، بل هو الأفضل ليثاب على السنن السابقة.
(وله تفريقها) أي: النية (على أعضائه في الأصح) بأن ينوي عند كلِّ عضوٍ رفعَ الحدثِ عنه؛ كما يجوز تفريقُ أفعالِه، والثاني: لا؛ كالصلاة.
(الثاني: غسلُ وجهه) أي: انغساله بالإجماع؛ للآية، (وهو: ما بين مَنابت) شعر (رأسه غالبًا ومنتهى لَحييه) أي: آخرهما، هذا حدُّه طولًا، (و) عرضُه: (ما بين أذنيه) لأن الوجه: ما تقع به المواجهةُ، والمواجهةُ تقع بذلك.
واحترز بقوله: (غالبًا) عن الصلع، وقال الإمام: لا حاجةَ إلى هذا القيدِ؛ لأن مَنبتَ الشيءِ: ما صلح لنباته فيه، وغيرَ مَنبتِه: ما لا يصلح، فالناصيةُ: مَنبتٌ وإن انحسر عنها الشعرُ لعارض، والجبهةُ: ليست مَنبتًا وإن نبت عليها الشعرُ لعارض.
ولا بدّ مع ما ذكره مِنْ غَسل ما يتحقق به استيعابُ الوجهِ، وهو جزءٌ من الرأس والرقبةِ، وما تحت الذقن؛ كما في "زيادة الروضة" عن الأصحاب 1.
(فمنه موضع الغَمَمِ) وهو الشعر النابتُ على الجبهة؛ لحصول المواجهة به، والغَمَمُ: مأخوذٌ من غمّ الشيءَ إذا ستره، ومنه غمّ الهلال.
(وكذا التحذيفُ في الأصح) لمحاذاته بياض الوجه، وسمي بذلك؛ لأن النساءَ وغيرَهن من الأشراف يَحذفون الشعرَ عنه ليتسع الوجهُ.
وضابطُه: أن يَضع طرفَ خيطٍ على رأس الأذن، والطرفَ الثانِيَ على أعلى الجبهةِ، ويفرض هذا الخيط مستقيمًا، فما نزل عنه إلى جانب الوجهِ فهو موضعُ التحذيف، كذا قاله الإمام، وجزم به في "الدقائق" 2.
(لا النزعتان، وهما: بياضان يَكتنفان الناصيةَ) فليستا من الوجه؛ لأنهما
قُلْتُ: صَحَّحَ الْجُمْهُورُ: أَنَّ مَوْضِعَ التَّحْذِيفِ مِنَ الرَّأْسِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَجِبُ غَسْلُ كُلِّ هُدْبٍ وَحَاجِبٍ وَعِذَارٍ وَشَارِبٍ وَخَدٍّ وَعَنْفَقَةٍ شَعْرًا وَبَشَرًا، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ بَاطِنُ عَنْفقَةٍ كَثِيفَةٍ. وَاللِّحْيَةُ إِنْ خَفَّتْ.. كَهُدْبٍ، وَإِلَّا.. فَلْيَغْسِلْ ظَاهِرَهَا، وَفِي قَوْلٍ: لَا يَجِبُ غَسْلُ خَارِجٍ عَنِ الْوَجْهِ. الثَّالِثُ: غَسْلُ يَدَيْهِ مَعَ مِرْفَقَيْهِ، فَإِنْ قُطِعَ بَعْضُهُ.. وَجَبَ مَا بَقِيَ، أَوْ مِنْ مِرْفَقِهِ.. فَرَأْسُ عَظْمِ الْعَضُدِ
في حد تدوير الرأسِ.
(قلت: صَحَّح الجمهورُ: أن موضعَ التحذيفِ من الرأس، والله أعلم) لاتصال الشعر به، فلا يصير وجهًا بفعل بعض الناسِ.
(ويَجب غَسلُ كلِّ هُدْبٍ، وحاجبٍ، وعِذارٍ، وشاربٍ، وخَدٍّ، وعَنْفقةٍ؛ شعرًا وبشرًا) أما الشعر: فقياسًا عَلى السلعةَ على محلّ الفرض، وأما البشرة: فلندرة كثافةِ شعورِ هذه، (وقيل: لا يجب) غسل (باطن عَنْفقةٍ كَثيفةٍ) كاللحية، والأصح: الوجوب؛ لأن كثافتَها نادرةٌ.
(واللحيةُ) من الرجل (إن خفتْ.. كهُدْبٍ) فيما مرّ، (وإلَّا) أي: وإن لم تَخِفَّ بل كَثُفَتْ (.. فليَغسل ظاهرَها) ولا يجب غسلُ باطنها؛ لما فيه من المشقة، والأصح: أن الخفيفةَ: ما ترى بشرتها في مجلس التخاطب، والكثيفةَ: ما لا ترى، ولو خَفَّ بعضٌ، وكَثُفَ بعضٌ.. فلكلٍّ حكمُه، إلَّا ألّا يتميز، فيجب غَسلُ الجميع.
(وفي قول: لا يَجب غَسلُ خارجٍ عن) حَدِّ (الوجه) لخروجه عن محلِّ الفرضِ؛ كالذؤابة من الرأس، والأصح: الوجوبُ؛ لحصول المواجهةِ به.
(الثالث: غَسلُ يديه) بالإجماع (مع مرفقيه) للآية.
و(إلى) فيها بمعنى (مع) كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ أي: مع أموالِكم، وقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ أي: مع الله، كذا قاله الرافعي وغيرُه، واعترضه في "المهمات" بما فيه طولٌ 1.
(فإن قُطعَ بعضُه) أي: بعضُ الواجب (.. وجب) غَسلُ (ما بقي) لأن الميسورَ لا يَسقُط بالمعسور، (أو من مِرفقه.. فرأسُ) أي: فيجب غَسل رأسِ (عظمِ العضدِ
عَلَى الْمَشْهُورِ، أَوْ فَوْقَهُ.. نُدِبَ غَسْلُ بَاقِي عَضُدِهِ. الرَّابعُ: مُسَمَّى مَسْحٍ لِبَشَرَةِ رَأْسِهِ، أَوْ شَعْرٍ فِي حَدِّهِ. وَالأَصَحُّ: جَوَازُ غَسْلِهِ، وَوَضْعِ الْيَدِ بِلَا مَدٍّ. الْخَامِسُ: غَسْلُ رِجْلَيْهِ مَعَ كَعْبَيْهِ.
على المشهور) هذا مُفرَّع على أن المِرفقَ اسم لمجموع العظمين، وهو الراجح.
ومقابله: مُفرَّع على أنه طرفُ عظمِ الساعدِ فقط، ووجوبُ غَسلِ رأسِ العضدِ بالتبعية.
(أو فوقَه) أي: قطع من فوق المرفقِ (.. نُدِبَ غَسل باقي عضده) كما لو كان سليمًا؛ لتطويل التحجيلِ.
(الرابع: مسمى مسحٍ لبشرةِ رأسِه، أو شعرٍ في حَدِّه) أي: حدّ الرأس ولو قدر رأس إبرة من البشرة، أو بعض شعرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾.
والمراد: البعضُ؛ لأنه يَصدُق إذا مسح بعضَ رأسِه أن يقال: مسح رأسَه؛ كما يقال: قَبَّلتُ رأسَ اليتيم وإن لم يُقبل منه إلا بعضَه.
وأفهم: أن كلًّا من الشعر والبشر أصل؛ فإنه خير بينهما وهو الأصحُّ، بخلاف ما لو غسل بشرةَ الوجهِ وترك شعرَه.. فإنه لا يجزئ على الصحيح في "شرح المهذب" 1.
والفرق: أن الوجه: ما تقع به المواجهةُ، وهي إنما تقع بالشعر لا بالبشرة.
والرأس: اسمٌ لما رأس وعلا، وكلّ من الشعر والبشرِ عالٍ.
(والأصح: جوازُ غسلِه) لأنه مسحٌ وزيادةٌ، والثاني: لا؛ لأنه لا يُسمَّى مسحًا.
(ووضعِ اليد بلا مدٍّ) لأن المقصودَ وصولُ البللِ، وقد وصل، والثاني: لا؛ لأنه لا يُسمَّى مسحًا.
(الخامس: غسل رجليه مع كعبيه) لما سبق في المِرفق.
والكعبان: هما العظمان الناتئان من الجانبين عند مَفصِل الساق والقدم.
السَّادِسُ: تَرْتِيبُهُ هكَذَا، فَلَوِ اغْتَسَلَ مُحْدِثٌ.. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَ تقدِيرُ تَرْتيبٍ بأَنْ غَطَسَ وَمَكُثَ.. صَحَّ، وَإِلَّا.. فَلَا. قُلْتُ: الأَصَحُّ: الصِّحَّةُ بِلَا مُكْثٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَسُنَنُهُ: السِّوَاكُ عَرْضًا بِكُلِّ خَشِنٍ،
(السادس: ترتيبه هكذا) للاتباع 1، وقَدَّم الوجهَ؛ لشرفه، ثم اليدين؛ لبروزهما والعملِ بهما غالبًا، ثم الرأسَ؛ لشرفه.
(فلو اغتسل محدثٌ) حدثًا أصغر فقط (.. فالأصح: أنه إن أمكن تقديرُ ترتيبٍ؛ بأن غَطَسَ ومَكَثَ.. صح) لحصول الترتيبِ والحالةُ ما ذكر، والثاني: لا يصح؛ لأن الترتيب تقديري لا تحقيقي.
(وإلّا.. فلا) لفقدان الترتيب، (قلت: الأصح: الصحة بلا مُكث، والله أعلم) قال في "شرح المهذب": (لأنه يقدر الترتيب في لحظاتٍ لطيفةٍ) انتهى 2.
واعترض: بأن ذلك خلافُ الفرض؛ إذ الفرضُ أنه لا يمكن تقديرُ ترتيبٍ.
(وسننه: السواك) لحديث: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي.. لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ" علقه البخاري 3، (عرضًا) أي: عرضَ الأسنان في طول الفم؛ لحديث: "إِذَا اسْتكْتُمْ.. فَاسْتَاكُوا عَرْضًا" 4، وقد قيل: إن الشيطان يستاك طولًا.
نعم؛ اللسانُ يستاك فيه طولًا؛ كما ذكره الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة"، واستشهد له بحديث في "سنن أبي داوود" 5.
(بكل خشن) لحصول المقصود.
نعم؛ يكره بالْمِبرد، وبعود الريحانِ الذي يؤذي، ويحرم بما فيه سمّ من العيدان، قاله في "الخصال".
إِلَّا إِصْبَعَهُ فِي الأَصَحِّ، ويُسَنُّ لِلصَّلَاةِ
والأفضل: الأراك؛ تأسيًا به صلى الله عليه وسلم؛ كما أخرجه ابن حبان في "صحيحه" 1.
(إلَّا إصبعَه في الأصح) لأنها لا تسمى سواكًا، هذا إذا كانت متصلةً، فإن انفصلت -وقلنا بطهارتها-.. اتجه الإجزاءُ وإن كان دفنُها على الفور واجبًا، قاله الإسنوي، والثاني: يجزئ، واختاره في "شرح المهذب" لحصول المقصود 2.
واحترز بـ (إصبعه): عن إصبعِ غيرِه الخشنةِ؛ فإنها تجزئ قطعًا، قاله في "الدقائق" 3.
(ويسن للصلاة) وإن لم يكن الفمُ متغيرًا؛ لحديث: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي.. لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ" متفق عليه 4.
وعن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال: "رَكْعَتَانِ بِسِوَاكٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً بِلَا سِوَاكٍ" رواه الحميدي بإسنادٍ كلُّ رجالِه ثقاتٌ 5.
قال ابن الملقن: (وإذا ضُمَّ إلى هذا قولُه صلى الله عليه وسلم: "صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ..." 6 الحديث.. كانت صلاةُ الجماعةِ بسواكٍ بألفٍ وثمانِ مئةٍ وتسعين، ويتضاعف ذلك بالفضل في القراءة، والخشوعِ، وكمالِ الطهارة وغيرِ ذلك من الأمور المطلوبةِ في الصلاة؛ مما لا يُحصيه إلّا الله تعالى.
وإذا ضُمَّ إلى ذلك روايةُ أبي داوود: "الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ تَعْدِلُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ صَلَاةً، فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلَاةٍ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا.. بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلَاةً" صححه ابن حبان، والحاكمُ 7.. زادتِ المضاعفةُ، وذلك فضلُ الله يؤتيه مَنْ يشاء.
وَتَغَيُّرِ الْفَمِ، وَلَا يُكْرَهُ إِلَّا لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ
ثم الحديثُ المذكور دالٌّ على أن السواك أفضلُ من صلاة الجماعةِ؛ لأن الفضلَ الواردَ فيه أكثرُ من فضلها، وفيه وقفةٌ) انتهى 1.
وما ذكره؛ من التضاعف في الجماعة إلى ألفٍ وثمانِ مئةٍ وتسعين.. لا يصحّ؛ لأن الذي ورد في الحديث: "رَكْعَتَانِ بِالسِّوَاكِ أَفْضَلُ"، فكان ينبغي أن يقول: ركعتان في جماعةٍ بسواكٍ بألفٍ وثمانِ مئةٍ وتسعين ركعةً.
نعم؛ يصح ما ذكره على رواية: "صَلَاةٌ بِسِوَاكٍ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةً" لكنه لم يثبت 2.
(وتغيرِ الفم) بكل ما يُغيره؛ من نومٍ أو غيرِه؛ لحديث: "السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ" علقه البخاري 3.
وأورد على المصنف: أنه إن أراد أنه لا يُسن السواكُ إلَّا في هذه المواضع.. فليس كذلك، بل هو سنة في كلِّ حالٍ، إلَّا ما سيجيء، وإن أراد أنه لا يتأكد إلَّا في هذه المواضع.. فليس كذلك أيضًا، بل يتأكد لقراءة القرآن، واصفرار الأسنان وإن لم يتغير الفمُ، ولدخول البيتِ، والاستيقاظِ من النوم.
(ولا يُكره إلَّا للصائم بعد الزوالِ) لحديث: "لَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ" متفق عليه 4.
وجه الدلالة: أنه أثر عبادةٍ مشهود له بالطيب، فكره إزالته؛ كدم الشهيدِ، كذا قاله الرافعي وغيرُه 5.
واعترض: بأن قضيةَ هذا القياسِ تحريمُ إزالتِه لا كراهتُه.
قال الإسنوي: فلو قيل: فكان بقاؤه راجحًا على تركِه؛ كدم الشهيد.. لسلم من
وَالتَّسْمِيَةُ أَوَّلَهُ، فَإِنْ تَرَكَ.. فَفِي أَثْنَائِهِ. وَغَسْلُ كَفَّيْهِ،
ذلك، وإنما لم يحرم؛ كإزالة دم الشهيد؛ لأن في إزالة دمِ الشهيدِ تفويتَ فضيلةٍ على الشهيد، لم يأذن فيها، فليس إزالةُ دمِ الشهيد نظيرَ مسألتِنا.
ونظيرُ إزالةِ دمِ الشهيدِ: أن يُسوّك إنسانٌ شخصًا صائمًا بغير إذنه، ولا شك في تحريمه؛ كما قاله الإسنوي.
ونظيرُ مسألةِ السواكِ من الشهيد: أن يزيل الشهيدُ الدمَ عن نفسه في مرضٍ يغلب على ظنِّه الموتُ فيه بسبب القتالِ.
فتفويتُ المكلَّف الفضيلةَ على نفسه جائزٌ، وتفويتُ غيرِه لها عليه لا يجوز، إلَّا بإذنه.
وإنما اختصت الكراهةُ بما بعد الزوالِ؛ لأن التغير بعدَ الزوالِ يكون غالبًا؛ لخلو المعدة بسبب الصومِ، وأما في غير هذه الحالةِ.. فإنه من أثر الطعامِ.
وفي قول: أنه لا يكره مطلقًا، وقال في "شرح المهذب": إنه المختار 1، وعلى الأصحِّ: تزول الكراهةُ بالغروب على الأصحِّ.
ويُندب السواكُ باليد اليمنى؛ كما صرح به في "شرح مسلم" في (باب الاستطابة)، واقتضاه كلام "الأذكار" أو صريحه في (باب اللباس) 2.
(والتسمية أوله) أي: أولَ الوضوءِ؛ لأخبارٍ واردةٍ في ذلك 3، قال الرافعي: (ويقول: بسم الله قاصدًا التيمنَ والتبركَ) 4، وقال في "شرح المهذب": (الأكمل: أن يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) 5.
(فإن ترك) سهوًا، أو عمدًا (.. ففي أثنائه) تداركًا لما فات.
(وغسل كفيه) إلى الكوعين اتباعًا، قال الإمام: وهذا الاستحباب ليس لأجل
فَإِنْ لَمْ يَتيَقَّنْ طُهْرَهُمَا.. كُرِهَ غَمْسُهُمَا فِي الإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهِمَا. وَالْمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّ فَصْلَهُمَا أَفْضَلُ، ثُمَّ الأَصَحُّ: يُمَضْمِضُ بِغَرْفَةٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ بِأُخْرَى ثَلَاثًا، وَيُبَالِغُ فِيهِمَا غَيْرُ الصَّائِمِ.
الحدثِ، بل لتوقع الخبث وإن بعد 1.
(فإن لم يتيقن طهرَهما.. كرِهَ غمسُهما في الإناء) إذا كان يسع دون القلتين (قبل غَسلهما) لحديث: "إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ.. فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ" متفق عليه 2، والحكمة في ذلك: توهمُ النجاسة، وقضيتُه: زوالُ الكراهةِ بالغسل مرةً، والذي في "زوائد الروضة" عن البويطي والأصحابِ: أنها لا تزول إلَّا بالغَسل ثلاثًا؛ لرواية مسلم: "حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا" 3.
(والمضمضمة والاستنشاق) للاتباع 4، ولا يجبان؛ لحديث: "لَا تتَمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَسْبِغَ الْوُضُوءَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، فَيَغْسِلُ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَيَمْسَحُ رَأْسَهُ، وَيَغْسِلُ رِجْلَيْهِ" حسنه الترمذي، وصححه الحاكم 5.
(والأظهرُ: أن فصلهما أفضلُ) من الجمع؛ لحديث فيه، لم يضعفه أبو داوود 6، (ثم الأصح) على قول الفصلِ (يُمضمض بغَرفةٍ ثلاثًا، ثم يَستنشِق بأخرى ثلاثًا) لئلا ينتقل إلى عضو إلّا بعد كمال ما قبله، والثاني: ست غرفات يَتمضمض بثلاث ثم يستنشق بثلاث؛ لأنه أنظف ولكنه أضعف.
(ويبالغ فيهما غير الصائم) لحديث لَقِيط بن صَبِرَةَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابعِ، وَبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ، إِلَّا أَنْ
قُلْتُ: الأَظْهَرُ: تفضِيلُ الْجَمْعِ بِثَلَاثِ غُرَفٍ، يُمَضْمِضُ مِنْ كُلٍّ ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَتثلِيثُ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ، وَيَأْخُذُ الشَّاكُّ بِالْيَقِينِ.
تكُونَ صَائِمًا"، صححه الترمذي وغيرُه 1.
وفي روايةٍ صحيحةٍ كما قال ابن القطان: "إِذَا تَوَضَّأْتَ.. فَأَبْلِغْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ مَا لَمْ تَكُنْ صَائِمًا" 2، والمعنى فيه: مخافةُ وصولِ الماءِ إلى البطن والدماغِ.
والمبالغة في المضمضة: أن يبلغ الماء إلى أصل الحنك ووجهي الأسنان، ويمر الإصبع عليها.
والمبالغة في الاستنشاق: أن يَصعد ماءُ الاستنشاق بنفسه إلى الخيشومِ، مع إدخال الإصبعِ اليسرى، وإزالةِ ما هناك من أذى.
(قلت: الأظهر: تفضيلُ الجمع بثلاثِ غُرَفٍ، يُمضمض من كلٍّ ثم يَستنشِق، والله أعلم) لصحة الأحاديث الصريحة في ذلك.
ولم يثبت في الفصل شيءٌ؛ كما قاله ابن الصلاح، والمصنفُ في "شرح المهذب" 3.
قال الشيخ عز الدين: وقُدمت المضمضةُ على الاستنشاق؛ لشرف منافعِ الفمِ؛ فإنه مَدخلُ الطعام والشرابِ اللذين بهما قوامُ الحياة، وهو محلُّ الأذكار الواجبةِ والمندوبةِ، والأمرِ بالمعروف والنهيِ عن المنكر.
(وتثليث الغَسل) بالإجماع (والمسح) لأنه عليه الصلاة والسلام مسح رأسه ثلاثًا، رواه أبو داوود 4، (ويأخذُ الشاكُّ باليقين) للأصل؛ كما لو شك في عدد الركعات.
وَمَسْحُ كُلِّ رَأْسِهِ ثُمَّ أُذُنَيْهِ، فَإِنْ عَسُرَ رَفْعُ الْعِمَامَةِ.. كَمَّلَ بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا. وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ الْكَثَّةِ وَأَصَابِعِهِ.
(ومسحُ كلِّ رأسِه) لأنه أكثر ما ورد في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم، وللخروج من الخلاف، (ثم أذنيه) بماءٍ جديدٍ للاتباع؛ كما رواه الحاكم، وصححه البيهقي 1.
(فإن عَسُرَ رفعُ العِمامة) ونحوِها؛ كالقلنسوة والخمار عن الرأس (.. كمَّلَ بالمسح عليها) للاتباع؛ كما أخرجه مسلم 2.
وقوله: (كمل) يفهم أنه لا يكفي الاقتصار على العمامة، وادعيا القطعَ بذلك 3.
واعترض: بأن في "البحر" عن محمد بن نصر المروزي أنه يجوز الاقتصار على العمامة 4، وفي "البخاري" أنه عليه الصلاة والسلام مسح على عمامته وخفيه 5.
(وتخليل اللحية الكثة) بالأصابع؛ للاتباع؛ كما صححه الترمذي وغيرُه 6، والعارض كاللحية.
وهذا في لحية الرجل، أما المرأة والخنثى: فيجب فيهما التخليل، واستثنى صاحبُ "التتمة" في (كتاب الحج) المحرمَ، فقال: لا يُخلِّل لحيتَه؛ لأنه يؤدي إلى تساقط شعرِها.
(و) تخليلُ (أصابعِه) لحديث لَقيط بن صَبِرة المار، وشمل أصابعَ اليدين والرجلين، وبه صرح في "الدقائق"، ونقله الرافعي عن ابن كجّ 7، والتخليلُ في اليدين بالتشبيك.
وَتَقْدِيمُ الْيُمْنَى. وَإِطَالَةُ غُرَّتهِ وَتَحْجِيلِهِ. وَالْمُوَالَاةُ، وَأَوْجَبَهَا الْقَدِيمُ
ويستحب في الرجلين: أن يخلل بخنصر اليد اليسرى من أسافلِ الأصابعِ مبتدئًا بخنصر الرجلِ اليمنى، ومختتمًا بخنصر اليسرى، كذا في "الشرح"، و"الروضة" 1، وقيل: اليمنى واليسرى في ذلك سواءٌ، ورجحه في "شرح المهذب"، واختاره في "التحقيق" 2.
(وتقديم اليمنى) لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن ما استطاع في شأنه كله في طهوره وترجله وتنعله 3، والحكمة فيه: أن اليمين مأخوذةٌ من اليمن، وهو حصولُ الخير.
والشمال تسمى الشؤمى، قاله القفال في "محاسن الشريعة".
ويستثنى الخدان والأذنان، فيغسلان معًا، فإن كان أقطع أو به علة تمنعه من ذلك.. قدم اليمين، والكفان كالأذنين على الأصحِّ.
(وإطالةُ غُرَّتِه وتَحجيلِه) لقوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ.. فَلْيَفْعَلْ" 4.
والغرة: غسل مقدمات الرأس وصفحة العنق مع الوجه، والتحجيل: غسل بعض العضدين مع الذراعين، وبعض الساقين مع الرجلين، وغايته: استيعاب العضد والساق.
(والموالاةُ) للخروج من خلافِ مَنْ أوجبها، وهي: التتابع بحيث لا يحصل بين العضوين تفرقةٌ كثيرةٌ، بحيث لا يَجِفّ المغسول قبل شروعه في العضو الثاني، مع اعتدال الهواء، ومزاج الشخص، والاعتبار: بآخر غسلةٍ مِنْ آخر مغسول.
(وأوجبها القديم) لأنه عبادة يُبطلها الحدث، فأبطلها التفريق الكثير؛ كالصلاة، وهو منقوض بالطواف، وأيضًا الصلاة يُبطلها التفريق اليسير عامدًا، ولا يُبطل الوضوءَ إجماعًا، وشرط الوجوب على القديم: إذا كان التفريق بلا عذر،
وَتَرْكُ الاسْتِعَانَةِ وَالنَّفْضِ، وَكَذَا التَّنْشِيفُ فِي الأَصَحِّ. وَيَقُولُ بَعْدَهُ: (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ؛ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ). وَحَذَفْتُ دُعَاءَ الأَعْضَاءِ؛ إِذْ لَا أَصْلَ لَهُ.
وإن كان بعذر.. لم يضر.
(وترك الاستعانة) لأنها نوع من التنعم والتكبر، وذلك لا يليق بحال المتعبد، والأجر على قدر النصب، والمراد: الاستعانة بالصبّ عليه لغير عذر، وهي خلاف الأولى، وقيل: تكره.
فإن كان عذر؛ كمرض خفيف.. فلا تكون خلافَ الأولى، فإن كان به مرضٌ شديدٌ، أو أقطع.. لزمه الاستعانة ولو بأجرة.
أما الاستعانة بمن يغسل الأعضاء بلا عذر ترفعًا.. فهذا مكروه قطعًا، وأما الاستعانة في إحضار الماء والإناء والدلو.. فمباحةٌ، ولا تكون خلافَ الأولى.
(والنفض) لأنه كالتبري من العبادة، (وكذا التنشيفُ في الأصح) لأنه أثر عبادة، فكان تركه أولى، والثاني: إنه مكروه؛ كإزالة الخلوف، والثالث: إنه مباح، واختاره في "شرح المهذب" إذ لا دليل على المنع، ولا على الندب 1.
(ويقول بعده: "أشهدُ أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم؛ اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهِّرين، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهدُ أن لا إله إلَّا أنت، أستغفرك وأتوبُ إليك") لأحاديث صحيحة في الحث على ذلك 2.
(وحذفتُ دعاءَ الأعضاء؛ إذ لا أصلَ له) في كتب الحديث وإن عدّه في "المحرّر" من السنن 3.
بابُ مسح الخُفِّ يَجُوزُ فِي الْوُضُوءِ لِلْمُقِيمِ: يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَلِلْمُسَافِرِ: ثَلَاثَةً بِلَيَالِيهَا، مِنَ الْحَدَثِ بَعْدَ لُبْسٍ، فَإِنْ مَسَحَ حَضَرًا ثُمَّ سَافَرَ أَوْ عَكَسَ.. لَمْ يَسْتَوْفِ مُدَّةَ سَفَرٍ.
﴿باب مسح الخف﴾
الأصل فيه: أحاديث؛ منها: حديث جرير البَجَلِي قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال، ثم تَوضّأ، ومسح على خُفيه) متفق عليه 1.
قال الترمذي: (وكان يُعجبهم حديثُ جرير؛ لأن إسلامه كان بعد نزول المائدة) أي: فلا يكون الأمر الوارد فيها بغسل الرجلين ناسخًا للمسح، كما صار إليه بعض الصحابة 2.
(يجوز في الوضوء للمقيم يومًا وليلةً وللمسافر) سفر قصر (ثلاثة بلياليها) لحديث علي في ذلك، أخرجه مسلم 3.
وخرج بـ (الوضوء): الغسلُ، فإنه لا يتكرر، فلا يشقّ نزع الخفّ لأجله، بخلاف الوضوء، وهذا في السليم.
أما دائم الحدث إذا تطهر، ثم لبس الخفّ، ثم أحدث غيرَ حدثه الدائم.. حلَّ له المسحُ لفريضة واحدة ونوافلَ على الأصحِّ، فلو أحدث بعد فعل الفريضة.. مسح ولم يصلِّ به إلَّا النوافلَ فقط.
(من الحدث بعد لبس) فلو أحدث ولم يمسح حتى انقضت المدة.. لم يجز المسح حتى يستأنف لبسًا على طهارة، وما لم يحدث.. لم تُحسب المدة ولو بقي شهرًا مثلًا؛ لأنها عبادة مؤقتة، فكان ابتداء وقتها من حين جواز فعلها؛ كالصلاة.
(فإن مسح حضرًا، ثم سافر، أو عكس) أي: مسح سفرًا ثم أقام (.. لم يستوف مدة سفر) بل يقتصر على مدة مقيم في الأولى، وكذا في الثانية إن أقام قبل
وَشَرْطُهُ: أَنْ يُلْبَسَ بَعْدَ كَمَالِ طُهْرٍ، سَاتِرَ مَحَلِّ فَرْضِهِ، طَاهِرًا، يُمْكِنُ تِبَاعُ الْمَشْي فِيهِ لِتَرَدُّدِ مُسَافِرٍ لِحَاجَاتِهِ، قِيلَ: وَحَلَالًا.
استيفائها، فإن أقام بعد ذلك.. أجزأه المسح فيما مضى وإن زاد على يوم وليلة؛ لأنها عبادة اجتمع فيها الحضر والسفر، فيغلب فيها حكمُ الحضر؛ كما لو كان مقيمًا في أحد طرفي صلاته.. لا يجوز له القصرُ.
(وشرطه) أي: جواز المسح (أن يلبس بعد كمال طهر) لحديث أبي بكرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما)، قال الشافعي والخطابي: إنه صحيح الإسناد 1، وشمل تنكيرُه الطهرَ التيممَ، والحكم فيه: أنه إن كان لإعواز الماء.. لم يستفد به المسح، بل إذا وجد الماء.. لزمه نزعُه، والوضوءُ الكامل على الأصحِّ، وإن كان لمرض ونحوه.. فكدائم الحدث، وقد مرّ حكمُه.
(ساترَ محل فرضه) من جميع الجوانب، إلّا من الأعلى على الصحيح، ويجزئ الشفافُ؛ كالزجاج إن أمكن متابعةُ المشي عليه، بخلاف رؤية المبيع من ورائه.
(طاهرًا) فلا يصحّ على نَجِس، ولا مُتنجِّس؛ لأنه لا يمكن الصلاةُ فيه.
(يمكن تباع المشي فيه لتردد مسافر لحاجاته) لأن المسح عليه إنما شُرع لحاجة اللابس إلى استدامته، والاستدامةُ إنما تتأتى فيما هذا شأنه، فلو تعذر المشيُ فيه لثقله؛ كحديد، أو غلظه؛ كخشبة عظيمة.. امتنع المسحُ عليه، أو لسعته أو ضيقه.. فكذا في الأصحِّ، فإن كان الضيق يتسع بالمشي.. جاز قطعًا.
وضبط الشيخ أبو محمد في "التبصرة" أقل ما يكفي المشي عليه بمسافة القصر، واعتمده في "المهمات" 2.
(قيل: وحلالًا) فلا يصح على مغصوب ونحوه؛ لأن الرخص لا تُناط بالمعاصي؛ كسفر المعصية، والأصح: أنه لا يشترط؛ لأن المعصية لا تختص باللباس، فلم تمنع الصحة؛ كالذبح بسكين مغصوب.
وَلَا يُجْزِئُ مَنْسُوجٌ لَا يَمْنَعُ مَاءً فِي الأَصَحِّ، وَلَا جُرْمُوقَانِ فِي الأَظْهَرِ، وَيَجُوزُ مَشْقُوقُ قَدَمٍ شُدَّ فِي الأَصَحِّ. وَيُسَنُّ مَسْحُ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ خُطُوطًا، وَيَكْفِي مُسَمَّى مَسْحٍ يُحَاذِي الْفَرْضَ،
(ولا يجزئ منسوج لا يمنع ماء في الأصح) لأنه لا يُعدُّ حائلًا، والثاني: يجزئ؛ كما لو تخرقت الظِّهارة والبِطانة من موضعين غيرِ متحاذيين.. فإنه يجوز وإن نفذ البللُ، ولا يضرُّ نفوذ الماء من موضع الخرز.
وهل المراد بالماء بلل المسح أو الماء إذا صب عليه؟ وجهان حكاهما القمولي، وجزم في "شرح المهذب" بالثاني 1.
وكان الأولى حذف لفظة (منسوج) ليعمّ.
(ولا جرموقان في الأظهر) لندرة الحاجة إليه، فلا تتعلق به هذه الرخصةُ العامة، والثاني: يجزئ؛ لأن الحاجة قد تَدعو إليه؛ لبرد ووَحَلٍ.
ومحل الخلاف: إذا كان كلٌّ منهما صالحًا للمسح عليه، فإن لم يَصلح واحدٌ منهما للمسح عليه.. لم يصحَّ قطعًا، وإن صلح الأعلى دون الأسفل.. صحَّ المسح عليه، والأسفل كلِفافة، وإن صلح الأسفل دون الأعلى.. صح إن وصل البللُ إليه، ولم يكن قصد الأعلى فقط.
(ويجوز مشقوق قدم شُدّ) بالشَرَج، وهي العرى، بحيث لم يظهر من محل الفرض شيء (في الأصح) لحصول الستر، وتيَسُّر المشي فيه، والثاني: المنع؛ كما لو لفّ على القدم قطعةً من أدم، وأحكمها بالشدّ.
(ويسن مسح) ظاهر (أعلاه وأسفله خطوطًا) للاتباع؛ كما أخرجه أبو داوود 2، ويسن مسح العقب أيضًا.
(ويكفي مسمى مسح) لأن المسح ورد مطلقًا، ولم يصحّ في تقديره شيءٌ، فتعين الاكتفاء بما ينطلق عليه الاسمُ، ولو غسله.. أجزأه على الأصح مع الكراهة.
(يحاذي الفرض) من الظاهر؛ لأنه بدلٌ عن الغسل، فلو مسح باطن
إِلَّا أَسْفَلَ الرِّجْلِ وَعَقِبَهَا.. فَلَا عَلَى الْمَذْهَبِ. قُلْتُ: حَرْفُهُ كَأَسْفَلِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا مَسْحَ لِشَاكٍّ فِي بَقَاءِ الْمُدَّةِ. فَإِنْ أَجْنَبَ.. وَجَبَ تَجْدِيدُ لُبْسٍ، وَمَنْ نَزَعَ وَهُوَ بِطُهْرِ الْمَسْحِ.. غَسَلَ قَدَمَيْهِ، وَفِي قَوْلٍ: يَتَوَضَّأُ.
ما يحاذي الفرض.. لم يُجْزِه قطعًا.
(إلا أسفل الرجل وعقبَها.. فلا على المذهب) لأن البابَ بابُ اتباع، ولم يرد الاقتصار على الأسفل، وقيل: يكفي؛ لأنهما محلّ الفرض، فأشبها الأعلى.
(قلت: حرفه كأسفله، والله أعلم) لاشتراكهما في عدم الرؤية غالبًا.
(ولا مسح لشاكّ في بقاء المدة) لأن الأصل غسل الرجلين، والمسحَ رخصة بشرائطَ، فإذا وقع الشكُّ في الشرط.. عاد الأصلُ.
(فإن أجنب.. وجب تجديد لُبس) بعد الغسل إن أراد المسح؛ لحديث: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا ألّا ننزع خفافَنا ثلاثةَ أيام ولياليَهن، إلَّا من جنابة) 1.
(ومن نزع وهو بطهر المسح.. غسل قدميه) لأن الأصل غسلهما، والمسح بدل، فإذا قدر على الأصل.. زال حكمُ البدل؛ كالمتيمم بعد وجود الماء 2، (وفي قول: يتوضأ) لأن الوضوء عبادة يُبطلها الحدثُ، فيبطل كلها ببطلان بعضها؛ كالصلاة.
وقال في "شرح المهذب": الأقوى: ما اختاره ابن المنذر، أنه لا يلزمه غسل القدمين ولا الوضوء ما لم يُحدث 3، وحكاه الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني في الأصول وجهًا لنا 4.
بابُ الغَسْل مُوجِبُهُ: مَوْتٌ، وَحَيْضٌ، وَنِفَاسٌ، وَكَذَا وِلَادَةٌ بِلَا بَلَلٍ فِي الأَصَحِّ، وَجَنَابَةٌ بِدُخُولِ حَشَفَةٍ أَوْ قَدْرِهَا فَرْجًا،
﴿باب الغسل﴾
هو بفتح الغين، ويجوز ضمُّها.
(موجبه: موت) لما سيأتي في بابه.
وأورد على طرده الشهيد والكافر؛ فإنه لا يجب غسلُهما، وعلى عكسه السقطُ إذا بلغ أربعةَ أشهرٍ، ولم تَظهر فيه أمارةُ الحياةِ.. فإنّه يجب غسلُه على المذهب.
وأجيب: بأنه ذكر ذلك كلَّه في (الجنائز) 1، وفيه نظر على أنه لم يَذكر غسلَ السقط.
وقد استشكل الرافعي عَدَّ الموت من الموجبات، فقال: إن أريد الغسل ولو مع الخلوّ عن النية.. فينبغي أن تعدّ منه نجاسة جميع البدن أو بعضه واشتبه بالباقي ولم يعدوه، وإن أريد الغسل الذي تجب فيه النية؛ فإن كان المرادُ: نية من غسل بدنه.. خرج الميت، أو مطلقًا.. فالأصحّ: أن نية الغاسل لا تجب 2.
وأجاب بعضهم: بالتزام الشق الأول، ولا يلزم عَدُّ نجاسةِ جميعِ البدنِ من ذلك؛ لأن الكلامَ في الغسل عن الأحداث.
وأجاب السبكي: بالتزام الشق الأول، ومنع عدّ تنجيس البدن من الموجبات؛ إذ الواجب إزالةُ النجس، لا الغسل عينًا، حتى لو فُرض كَشْط جلده.. حصل المقصود.
(وحيضٌ، ونفاسٌ) بالإجماع (وكذا ولادةٌ بلا بللٍ في الأصح) لأن الولدَ مني منعقدٌ، والثاني: لا؛ لأنه لا يُسمَّى منيًّا.
(وجنابةٌ) بالإجماع (بدخول حشفة أو قدرِها) من مقطوعها (فرجًا) لحديث:
وَبِخُرُوجِ مَنِيٍّ مِنْ طَرِيقِهِ الْمُعْتَادِ وَغَيْرِهِ، وَيُعْرَفُ بِتَدَفُّقِهِ، أَوْ لَذَّةٍ بِخُرُوجِهِ، أَوْ رِيحِ عَجِينٍ رَطْبًا وَبَيَاضِ بَيْضٍ جَافًّا، فَإِنْ فُقِدَتِ الصِّفَاتُ.. فَلَا غُسْلَ. وَالْمَرْأَةُ كَرَجُلٍ. وَيَحْرُمُ بِهَا مَا حَرُمَ بِالْحَدَثِ،
"إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ.. فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ" صححه ابن حبان 1، فلو غَيَّبَ بعضَ الحشفةِ.. لم يجب على الأصح؛ لأن التحاذيَ لا يحصل به.
(وبخروج مني) بالإجماع.
والمراد بخروجه في حق الرجلِ: بروزه عن الحشفة إلى الظاهر، وفي حق الثيب: وصولُه إلى ما يجب غَسله في الاستنجاء؛ كما جزم به في "التحقيق" 2.
ولو قال: (مني نفسِه).. لكان أولى؛ ليخرج ما لو استدخل منيَّ غيرِه في ذكره، أو استدخلتْ منيَّ غيرِها وخرج؛ فإنه لا يجب الغُسلُ، ومع هذا يرد عليه ما لو استدخل منيَّ نفسِه ثم خرج.
(من طريقه المعتاد) بالإجماع (وغيره) كما لو انكسر الصُّلبُ، فخرج منه المني مستحكمًا، وقيل: الخارج من غير المعتادِ له حكمُ المنفتحِ في باب الأحداثِ، فيعود فيه التفصيلُ والخلافُ، والصلبُ هنا كالمعدة هناك.
(ويُعرَف بتدفقه) وهو خروجُه بدفعاتٍ، قال تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾، (أو لذةٍ بخروجه) مع فتور الذكرِ وانكسار الشهوةِ عقبه، (أو ريحِ عَجينٍ) أو طلع (رطبًا، وبياضِ بيضٍ جافًّا) أيُّ صفةٍ من الثلاث وُجدت.. كفت؛ لأن كلَّ واحدٍ منها من خواص المني، لا يشاركه فيه غيرُه.
(فإن فُقدتِ الصفاتُ.. فلا غُسلَ) لأنه ليس بمني.
(والمرأة كرجل) فيما مَرَّ؛ من حصول الجنابةِ بالطريقين المارين، وما يُعرَف به المنيُّ من الخواص الثلاثِ؛ لعموم الأدلةِ، وأنكر ابنُ الصلاح التدفق في مَنيِّها.
(ويَحرم بها) أي: بالجنابة (ما حرم بالحدث) الأصغر؛ لأنها أغلظُ منه،
وَالْمُكْثُ بِالْمَسْجِدِ لَا عُبُورُهُ، وَالْقُرْآنُ، وَتَحِلُّ أَذْكَارُهُ لَا بِقَصْدِ قُرْآنٍ. وَأَقَلُّهُ: نِيَّةُ رَفْعِ جَنَابَةٍ، أَوِ اسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إِلَيْهِ، أَوْ أَدَاءِ فَرْضِ الْغُسْلِ، مَقْرُونَةٌ بِأَوَّلِ فَرْضٍ، وَتَعْمِيمُ شَعرِهِ وَبَشَرِهِ،
(والمكث بالمسجد 1، لا عبوره) لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾، وخرج بـ (المسجد): المدارسُ، والرُّبطُ، ومصلّى العيدِ ونحوه.
(والقرآن) باللفظ، وبالإشارة من الأخرس، لا بالقلب؛ تعظيمًا له، ويستثنى فاقدُ الطهورين، فإنه يَقرأ الفاتحةَ في صلاتِه عند المصنف 2، (وتحل أذكاره) أي: أذكار القرآن؛ كتسميةٍ وتحميدٍ واسترجاعٍ إذا كان ذلك (لا بقصد قرآن) لعدم الإخلال والحالةُ هذه بالتعظيم.
وإن قصده وحده، أو معه الذكرَ.. حرم، وإن أطلق.. فلا، ومواعظُه وأخبارُه وأحكامُه كأذكاره.
(وأقله) أي: الغسل (نيةُ رفعِ جنابةٍ) إن كان جنبًا، فأما الحائض: فتنوي رفعَ حدثِ الحيض، كذا في "الروضة" و"أصلها" 3.
ومقتضاه: أنه لا يصح أحدُهما بنية الآخر، وهو كذلك في الأصحِّ إن تعمد، فإن غلط.. صح جزمًا؛ كما ذكره في "شرح المهذب" في آخر (باب نية الوضوء) 4.
(أو استباحةِ مفتقرٍ إليه) أي: الغسل؛ كالصلاة ونحوِها؛ لما سبق في الوضوء.
(أو أداءِ فرضِ الغُسلِ) أو فرض الغسل، أو الغسل المفروض، وكذا أداء الغسل بحذف (الفرض) كما ذكره في "الحاوي الصغير" 5.
(مقرونةً بأول فرضٍ) لما مر في الوضوء، وأولُ الفرض هنا: أولُ مغسولٍ، سواء كان من أعلى البدنِ أم أسفلِه؛ لأنه لا ترتيب في الغسل.
(وتعميمُ شعرِه وبشرِه) لأن الحدث عَمَّ جميعَ البدنِ، فيجب تعميمُه بالغَسل،
وَلَا تَجِبُ مَضْمَضَةٌ وَاسْتِنْشَاقٌ. وَأَكْمَلُهُ: إِزَالَةُ الْقَذَرِ، ثُمَّ الْوُضُوءُ - وَفِي قَوْلٍ: يُؤَخِّرُ غَسْلَ قَدَمَيْهِ - ثُمَّ تَعَهُّدُ مَعَاطِفِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى رَأْسِهِ وَيُخَلِّلُهُ، ثُمَّ شِقِّهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، وَيَدْلُكُ، وَيُثَلِّثُ، وَتُتْبِعُ لِحَيْضٍ أَثَرَهُ مِسْكًا،
- والمراد بالبشرة: ما يشمل الأظفارَ - بخلاف نقض الوضوء، ويستثنى من الشعر: ما ينبت في العين، فلا يجب غَسله.
(ولا تجب مضمضة واستنشاق) كما في غسل الميت والوضوء.
(وأكملُه: إزالةُ القَذَرِ) الظاهر؛ كالمني (ثم الوضوءُ) للتأسي 1، (وفي قول: يؤخر غَسل قدميه) لفعله له صلّى الله عليه وسلم؛ كما رواه البخاري عن ميمونة 2، ولا خلاف في أن كلًّا منهما سنة، وإنما الخلاف في الأفضل 3. (ثم تعهد معاطفه) كالعُكنة والإبْط؛ لأنه أقرب إلى الثقة بوصول الماء.
(ثم يفيض) الماء (على رأسه ويخلله) قبل الإفاضة، فيخلل أصول شعره بأصابعه، وهي مبلولةٌ؛ اتباعا 4. (ثم) على (شِقِّه الأيمنِ، ثم الأيسرِ) لأنه عليه الصلاة والسلام كان يحب التيمن في طهوره 5، ولم يذكروا كيفية التيامن، قال الإسنوي: ويتجه أن يأتي فيه ما ستعرفه في غَسل الميت انتهى، وفيه نظر.
(ويَدْلُك) ما وصلت إليه يدُه من بدنه؛ للخروج من خلاف من أوجبه.
(ويثلث) غسل رأسه وبدنه؛ أما الرأس.. فبالنصّ، وأما البدن.. فقياسًا عليه وعلى الوضوء.
(وتُتْبِع) المرأة (لحيضٍ أثرَه مِسكًا) بأن تَجعله على قطنةٍ، وتُدخلَها في فرجها؛
وَإِلَّا.. فَنَحْوَهُ. وَلَا يُسَنُّ تَجْدِيدُهُ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ. وُيسَنُّ أَلَّا يَنْقُصَ مَاءُ الْوُضُوءِ عَنْ مُا، وَالْغُسْلِ عَنْ صَاعٍ، وَلَا حَدَّ لَهُ. وَمَنْ بِهِ نَجَسٌ.. يَغْسِلُهُ ثُمَّ يَغْتَسِلُ، وَلَا تَكْفِي لَهُمَا
للأمر به في الصحيح 1.
(وإلَّا.. فنحوَه) من طيبٍ يقوم مقامَه في تطييب المحلّ، وإزالةِ الريح الكريهة، فإن لم تجد طيبًا.. فالطين، فإن لم تجد.. كفى الماء 2.
وتستثنى المحدة، فإنها إنما تطيب المحلّ بقليل من قُسْط أو أظفار؛ كما ذكراه في (العِدَد)، وتلتحق بها المحرمة، قال الأَذرَعي: وهي أولى بالمنع؛ لقصر زمن الإحرام غالبًا.
(ولا يسن تجديده) أي: الغُسل، وكذا التيمم؛ لأنه لم ينقل (بخلاف الوضوء) فإنه يسن؛ لحديث: "مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ.. كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ" 3.
ومحل استحباب التجديد: إذا صلّى بالوضوء الأول صلاة ما على الأصحِّ في (باب النذر) من "زوائد الروضة" 4.
(ويُسنَّ ألَّا يَنقص ماءُ الوضوءِ عن مدٍّ، والغسلِ عن صاعٍ) للاتباع؛ كما أخرجه مسلم 5.
قال الشيخ عز الدين: هذا من حجمُ بدنِه كحجم بدنِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلَّا.. اعتبر بالنسبة إلى جسدِه الكريم زيادةً ونقصًا.
(ولا حد له) أي: لماء الوضوءِ والغسلِ، حتى لو نقص عما مرّ وأسبغ.. كفى بالإجماع، كما نقله ابن جرير، والمصنفُ في "شرح مسلم" 6.
(ومَنْ به) أي: ببدنه شيءٌ (نَجَسٌ.. يغسله ثم يغتسل، ولا تكفي لهما
غَسْلَةٌ، وكَذَا فِي الْوُضُوءِ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: تَكْفِي، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنِ اغْتَسَلَ لِجَنَابَةٍ وَجُمُعَةٍ.. حَصَلَا، أَوْ لِأَحَدِهِمَا.. حَصَلَ فَقَطْ. قُلْتُ: وَلَوْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ أَوْ عَكْسُهُ.. كَفَى الْغُسْلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
غسلة) واحدة (وكذا في الوضوء) لأنهما واجبان مختلفا الجنس، فلم يتداخلا، وهذا ما جزم به في "شرح مسلم" 1.
واقتضى سياقه: أنه قول الأصحاب مطلقًا، وصححه السبكي والأَذرَعي وغيرهما؛ لأن ما استعمل في النجاسة لا يرفع الحدثَ، وهذا قد استعمل في إزالتها.
(قلت: الأصح: تَكفي، والله أعلم) لأن واجبهما غَسل العضوِ، وقد وجد، وهذا ما صححه في جميع كتبه، خلا "شرح مسلم" 2.
(ومن اغتسل لجنابةٍ وجُمُعة.. حصلا) كما لو نوى الفرضَ وتحيةَ المسجد، (أو لأحدهما.. حصل فقط) عملًا بما نواه، وهذا ما صححه في سائر كتبه، ونقله عن الأكثرين 3، لكن صحح الرافعي في "الشرحين" حصول غُسل الجمعةِ بنية غُسل الجنابة؛ لأن مقصودَ غُسلِ الجمعة التنظيفُ، وقد حصل 4.
(قلت: ولو أحدث ثم أجنب، أو عكسُه) أي: أجنب ثم أحدث).. كفى الغُسل على المذهب، والله أعلم) لأنهما طهارتان، فتداخلتا؛ كغُسل الجنابة والحيض، وقيل: لا يكفي، بل لا بدّ من الوضوء أيضًا؛ لاختلاف موجبهما.
بابُ النَّجاسة هِيَ: كُلُّ مُسْكِرٍ مَائِعٍ، وَكَلْبٌ، وَخِنْزِيرٌ،.......................
﴿باب النجاسة﴾ وإزالتِها
وهي لغةً: المستقذر، وشرعًا: كلُّ عينٍ حَرُم تناولُها على الإطلاق في حالةِ الاختيار، مع إمكان التناولِ وسهولةِ التمييز، لا لحرمتها، ولا لضررها، ولا لاستقذارها.
فاحترز بـ (الإطلاق) عما يباح قليله دون كثيره، كبعض النبات الذي هو سمّ، وبـ (الاختيار) عن الميتة ونحوِها، فإنها لا تحرم في المخمصة مع نجاستها، وبـ (إمكان التناول) عن الحجر ونحوِه من الأشياء الصلبة، وبـ (سهولة التمييز) عن أكل الدُّود الميت في الفاكهة والجبنِ ونحوِهما، وبـ (عدم الحرمة) عن الآدمي، فإنه يحرم تناولُ لحمِه، لا لنجاسته، بل لحرمته، وبـ (عدم الاستقذار) عن الْمُخاط والمني.
وقد نَبَّه المصنفُ بِعَدِّه الأشياءَ النجسةَ على أن غيرَ المعدوداتِ طاهرةٌ.
(هي كل مسكر مائع) أما الخمر: فهو إجماع، واحتج بعضهم بأنه لو كان طاهرًا.. لفات الامتنانُ بكون شرابِ الآخرةِ طهورًا، وقد قال تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾، وأما غيرُه من المسكر: فبالقياس عليه، بجامع التنفيرِ عن المسكر.
والتقييدُ بالمائع من زياداته على "المحرّر" 1.
واحترز به: عن البَنْجِ والحشيش المسكرِ؛ فإنه ليس بنجِس وإن كان حرامًا، قاله في "الدقائق" 2.
وكان ينبغي أن يقول: (مائع الأصل) لئلا يرد عليه الخمرُ إذا جَمَدت، والحشيشُ إذا أذيب.
(وكلب) للأمر بإراقة ما ولغ فيه 3، (وخنزير) لأنه أسوأ حالًا من الكلب؛
وَفَرْعُهُمَا، وَمَيْتَةُ غَيْرِ الآدَمِيِّ وَالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ، وَدَمٌ، وَقَيْحٌ، وَقَيْءٌ،........
لتحريم الانتفاعِ به، كذا علَّلُوه.
ونُقِضَ بالحشرات، ولهذا قال في "شرح المهذب": دليل نجاسته ضعيفٌ، ومقتضى المذهبِ: طهارتُه؛ كالذئب 1.
(وفرعُهما) أي: فرعُ كل منهما مع الآخر، أو مع غيره من الحيوانات الطاهرة، لأن الولد يتبع أخسَّ أبويه في النجاسة.
(وميتةُ غيرِ الآدمي والسمكِ والجرادِ) لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، وتحريم ما لا حرمةَ له ولا ضرر فيه يدلُّ على نجاسته.
وطهارةُ ميتةِ السمك والجرادِ: مجمعٌ عليها، وأما الآدمي.. فلقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، وقضية التكريم: ألَّا نحكمَ بنجاستهم، وفي الخبر: "لَا تُنَجِّسُوا مَوْتَاكُمْ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ حَيًّا وَلَا مَيْتًا" 2.
(ودمٌ) للنصِّ 3 والإجماع، والمراد: المسفوح، ليخرج الكَبِدُ والطِّحالُ والعَلقةُ والمسك.
واستثنى السبكيُّ: الدمَ الباقيَ على العظم واللَّحم؛ لمشقة الاحتراز، ولأنه ليس بمسفوحٍ، قال الأَذرَعيُّ: ولا يظهر استثناؤه؛ إذ الظاهر: أنه نَجَسٌ معفوٌّ عنه، لا أنه طاهرٌ.
(وقيحٌ) لأنه دمٌ مستحيلٌ، (وقيءٌ) لأنه من الفضلات المستحيلةِ؛ كالبول، وفي معناه: الْمِرَّةُ، والبَلْغَمُ الخارج من المعدة، والماءُ السائلُ من فم النائم نَجِس إن كان من المعدة، ويعرف بصُفرةٍ ونَتْنٍ، وإن كان من اللهوات.. فطاهر، ويُعرف بانقطاعه عند طول النومِ.
وَرَوْثٌ، وَبَوْلٌ، وَمَذْي، وَوَدْيٌ، وَكَذَا مَنِيُّ غَيْرِ الآدَمِيِّ فِي الأَصَحِّ - قُلْتُ: الأَصَحُّ: طَهَارَةُ مَنِيِّ غَيْرِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَفَرْعِ أَحَدِهِمَا، وَاللهُ أَعْلَمُ - وَلَبَنُ مَا لَا يُؤْكَلُ غَيْرَ الآدَمِيِّ
(وروث) لأنه رِكْسٌ؛ كما ثبت في "الصحيح" 1، ومعناه: النجس، والإنْفَحَّةُ من المأكول المذكَّى قبلَ أكلِ العلفِ طاهرٌ في الأصحِّ، (وبول) للأمر بالتنزه منه 2، (ومَذْي) وهو أصفرُ رقيقٌ، يخرج عند ثوران الشهوة بغير شهوة؛ لورود الأمر بغَسل الذكر منه في قصة علي رضي الله عنه 3، (ووَدْيٌ) بالإجماع، وهو أبيضُ ثخينٌ، يخرج عند حمل الشيء الثقيل، وعقب البول.
(وكذا مَنِيُّ غيرِ الآدمي في الأصح) كسائر المستحيلات، أما مني الآدمي.. فطاهر؛ لأن عائشة رضي الله عنها كانت تَحُكُّه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، رواه ابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما" 4.
(قلتُ: الأصحُّ: طهارةُ منِيِّ غيرِ الكلب والخنزيرِ وفرعِ أحدِهما، والله أعلم) لأنه أصلُ حيوانٍ طاهرٍ، فأشبه منِيَّ الآدميِّ، والثاني: إنه طاهر من المأكولِ، دون غيرِه.
(ولبنُ ما لا يؤكل) لأن له مَقَرًّا يستحيل فيه، أما لبنُ المأكول.. فطاهر إجماعًا (غيرَ الآدمي) إذ لا يَليق بكرامته أن يكون نشوءه من نَجَس.
وقضيةُ كلامه: طهارةُ لبن الرجل والصغيرة، وبه صَرَّح الصيمري في الرجل؛ فإنه قال: (لا يختلف المذهبُ في أنّ لبنَ الآدميين والآدميات طاهرٌ، يجوز شربه وبيعه).
وكلام ابن سراقة في "التلقين"، وابنِ عبدان في "شرائط الأحكام" كالصريح في ذلك؛ فإن عبارةَ الأول: (إلّا لبن بني آدم)، والثاني: (إلّا مني الآدميين ولبنهم).
وَالْجُزْءُ الْمُنْفَصِلُ مِنَ الْحَيِّ كَمَيْتَتِهِ، إِلَّا شَعْرَ الْمَأْكُولِ؛ فَطَاهِرٌ. وَلَيْسَتِ الْعَلَقَةُ وَالْمُضْغَةُ وَرُطُوبَةُ الْفَرْجِ بِنَجَسٍ فِي الأَصَحِّ
لكن جزم أبو الطيب وابنُ الصباغ بنجاسة لبن الرجل، وأما لبن الصغيرة.. فجزم العمرانيُّ بنجاسة لبنها، وتبعه ابنُ يونس، وجرى عليه في "الكفاية" 1.
(والجزءُ المنفصلُ من الحيِّ) كإلية الشاةِ مثلًا (كميتته) أي: الحيِّ، إن طاهرًا.. فطاهر، وإن نجسًا.. فنجس؛ لحديث: "مَا قُطِعَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيْتٌ" 2، ويستثنى: فأرة المسك إذا انفصلت في حياة الظبية، فإنها طاهرة في الأصحِّ.
واقتضى كلامُه: طهارَة ما أُبِينَ من سمكٍ وجرادٍ، وهو الأصحُّ، وما أُبِينَ من آدمي، وهو المرجح عند الشيخين تبعًا للإمام 3.
والذي عليه الجمهورُ، ونَصَّ عليه الشافعيُّ رضي الله عنه: النجاسةُ؛ كما ذكره في "المهمات"، وبسطه 4.
(إلا شَعَرَ المأكولِ؛ فطاهرٌ) بالإجماع، والصوفُ، والوبر، والريش في معنى الشعر؛ فلو رأى شعرة وشكّ هل هي من مأكولٍ أم من غيره؟ فالأصحُّ في "زيادة الروضة": الطهارةُ 5.
ومَثار الخلاف: أن الأصل في الأشياء: الإباحة أو التحريم؟
(وليستِ العَلَقَةُ، والْمُضْغَةُ، ورُطُوبَة الفرج) من آدمي وغيره من الحيوانات الطاهرةِ (بنَجَسٍ في الأصح) أما العلقة والمضغة.. فلأنهما أصلُ الآدمي، فأشبها المنِيَّ، وأما رطوبة الفرج.. فقياسًا على العرق.
ووجهُ مقابله في العلقة: أنها دمٌ خارجٌ من الرحم، فأشبه الحيضَ، وفي المضغة: أنها كميتة الآدمي، وميتةُ الآدمي نجسةٌ على قولٍ، وفي الرطوبة: أنها متولدةٌ من محلّ النجاسات، فكانت منها.
وَلَا يَطْهُرُ نَجِسُ الْعَيْنِ إِلَّا خَمْرٌ تَخَلَّلَتْ، وَكَذَا إِنْ نُقِلَتْ مِنْ شَمْسٍ إِلَى ظِلٍّ وَعَكْسُهُ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ خُلِّلَتْ بِطَرْحِ شَيْءٍ.. فَلَا، وَجِلْدٌ نَجِسَ بِالْمَوْتِ، فَيَطْهُرُ بِدَبْغِهِ ظَاهِرُهُ، وَكَذَا بَاطِنُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ،
وفائدةُ الخلاف: وجوب غَسل ذكر الْمُجامع، ووجوبُ غَسل البَيْضِ.
(ولا يَطهر نَجِسُ العين) بغسل ولا استحالة؛ لأن الغسل شُرع لإزالة ما طرأ على العين، وذلك مُنتف هنا، وأما الاستحالة.. فلأن العين باقيةٌ، وإنما تغيرت صفاتهُا، (إلَّا خمرٌ تَخلَّلتْ) بنفسها، ولم يقع فيها عينٌ بالإجماع.
(وكذا إن نُقِلَتْ من شمسٍ إلى ظِلٍّ، وعَكسُه في الأصح) لما سيأتي في المسألة بعدها.
(فإن خُلِّلَتْ بطرحِ شيءٍ) كملح ونحوه (.. فلا) تطهر، ويَحرُم ذلك؛ لأنه عليه الصلاة والسلام سُئِلَ عن الخمر تتّخَذُ خلًّا؟ فقال: "لَا" 1.
واختلفوا في علته، فقيل: لأنه استعجل إلى مقصودِه بفعلِ محرمٍ، فعوقب بنقيض قصدِه؛ كما لو قتل مورثه، وقيل: لأن المطروحَ يتنجس بالملاقاة، ولا مزيلَ لنجاسته، فيكون منجسًا للخَلِّ بتقدير انقلابه، وهذا أصحُّ.
وتنبني على التعليلين المسألةُ قبلها، فلا تطهر على الأول، وتطهر على الثاني.
(وجلدٌ نَجُسَ بالموت، فيطهر بدبغه ظاهرُه، وكذا باطنُه على المشهور) لإطلاق قوله عليه الصلاة والسلام: "إِذَا دُبِغَ الإهَابُ.. فَقَدْ طَهُرَ" 2، والثاني: لا يطهر باطنُه؛ لأن الدواءَ لا يصل إليه، وضُعِّف بأن خاصية الحريفة تصل بواسطة الماء، ورطوبة الجلد، فعلى الثاني: لا يباع، ويُصلَّى عليه لا فيه، ويُستعمل في الأشياء الجافَّةِ، دون الرطبة، وعلى الأول: يجوز كلُّ ذلك.
وقوله: (وجلد) قد يُخرج الشعر الذي عليه، والأظهر: أنه لا يطهر؛ لأن الشعر لا يتأثر بالدباغ، والثاني: يطهر تبعًا للجلد، وصححه جمع من الأصحاب، واختاره السبكي في بعض مجاميعه، وقال: إنه الذي أفتي به، كذا نقله عنه ولده في
وَالدَّبْغُ: نَزْعُ فُضُولهِ بِحِرِّيفٍ، لَا شَمْسٍ وَتُرَابٍ، وَلَا يَجِبُ الْمَاءُ فِي أَثنائِهِ فِي الأَصَحِّ. وَالْمَدْبُوغُ كَثَوْبٍ نَجِسٍ. وَمَا نَجُسَ بِمُلَاقَاةِ شَيْءٍ مِنْ كَلْبٍ.. غُسِلَ سَبْعًا إِحْدَاهَا بِتُرَابٍ،
"التوشيح"، ونقل عنه في "التوشيح" علةَ اختيار الطهارة؛ لأن الشعر طاهر؛ كما هو إحدى روايتي إبراهيم البلدي، وإما لأنه يطهر بالدباغ.
واستُثنِيَ مع ما ذَكره المصنفُ: دمُ الظبية إذا استحال مِسكًا، والبيضة الْمَذِرة التي صارتْ دمًا إذا استحالتْ فرخًا.
(والدَّبغ: نَزْعُ فُضوله بِحِرِّيفٍ) كالقَرَظ، والشَّثِّ، والشَّبِّ، وذَرَق الطُيور وغير ذلك، والفضول هي: الفضلات المعفنة للجلد.
وضابط نزعها منه: أن يطيب ريحه بحيث لو نقع في الماء.. لم يعد إليه الفسادُ والنَّتْنُ.
(لا شمسٍ وترابٍ) وإن جف الجلد، وطابت رائحتُه؛ لأن الفضلاتِ لم تَزُلْ، وإنما جَمَدت؛ بدليل عودِها إذا نقع في الماء.
(ولا يجب الماءُ في أثنائِه) أي: الدبغِ (في الأصح) تغليبًا لمعنى الإحالةِ، والثاني: يجب؛ تغليبًا لمعنى الإزالةِ.
(والمدبوغُ كثوبٍ نَجِسٍ) فلا بد من غَسله ولو دبغ بطاهر على الأصحِّ؛ لإزالة بقايا الأدوية النجسة أو المتنجسة به.
(وما نَجُسَ بملاقاة شيءٍ من كلبٍ.. غُسِلَ سبعًا إحداها بترابِ) لحديث: "طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ.. أَنْ يَغْسِلَ سَبع مَرَّاتٍ أُوَلَاهُنَّ بِالتُّرَابِ" رواه مسلم 1، وفي رواية للدارقطني: "إِحْدَاهُنَّ بِالْبَطْحَاءِ" 2.
وعرقُه وسائرُ أجزائه وفضلاتُه كلعابه وأولى؛ لأن ما فيه أطيب من فيه؛ لكثرة ما يَلْهَثُ، وقد ورد النَّصُّ بتنجيسه، فأُلحق به ما عداه
وقضية إطلاق المصنف: أنه لو كانت النجاسةُ عينيةً ولم يَزُل إلّا بست غسلات..
وَالأَظْهَرُ: تَعَيُّنُ التُّرَابِ،
أنه تكفي غسلةٌ أخرى، وهو ما صححه في "الشرح الصغير"، واعتمده في "المهمات" 1، لكن صحح المصنف في "زيادة الروضة" أنها تحسب غسلة واحدة، وتجب ست غسلات أخرى 2.
ومحلُّ اشتراطِ الترابِ: في غير الأرضِ الترابيةِ، أما فيها.. فيكفي الماء على الأصحِّ؛ إذ لا معنى لتتريب التراب.
وقوله: (بتراب) أي: مع تراب، فلا بد من مزج التراب بالماء؛ ليصل بواسطته إلى جميع أجزاء المحل، والواجب من التراب: مقدارُ ما يكدر الماء، وقيل: ما ينطلق عليه الاسم.
ولو وضعه في ماءٍ جارٍ، وجرى عليه سبعًا وهو كدر.. كفى، قاله في "الشرح الصغير"، ولو حركه في الماء الراكد الكدر سبعًا.. كفى؛ كما قاله في "التهذيب" 3.
وقضية كلام المصنف: إجزاء التراب في أي مرةٍ شاء، وهو ما نقله في "شرح المهذب" عن اتفاقهم 4، لكن نصّ الشافعي في "البويطي"، و"الأم" على أنه يتعين الترابُ في الأولى أو الأخرى، وجزم به جمعٌ من الأصحاب، وقال الأسنوي: إنه المذهب، والصواب من جهة الدليلِ، وبسط ذلك، وقرره تقريرًا حسنًا 5.
(والأظهرُ: تعينُ الترابِ) للحديث 6، والثاني: لا يتعين، بل يقوم مقامَه ما كان في معناه؛ كالصابون والأُشْنان، لأنه جامد أمر به في التطهير، فقام غيرُ المنصوص عليه مقامه؛ كالدباغ، فإنّ غير الشَّثِّ والقَرَظ يقوم مقامهما، مع ورود النص بهما.
وَأَنَّ الْخِنْزِيرَ كَكَلْبٍ، وَلَا يَكْفِي تُرَابٌ نَجِسٌ، وَلَا مَمْزُوج بِمَائِعٍ فِي الأَصَحِّ. وَمَا نَجُسَ بِبَوْلِ صَبِيٍّ لَمْ يَطْعَمْ غَيْرَ لَبَنٍ.. نُضِحَ،
(وأنّ الخنزيرَ ككلبٍ) لاشتراكهما في نجاسة العين، والثاني: إنه يكفي فيه الغَسل مرةً بلا ترابٍ، واختاره في "شرح المهذب" وغيره 1.
(ولا يكفي ترابٌ نَجِسٌ، ولا ممزوجٌ بمائعٍ في الأصح).
وجه الأصحِّ في الأولى: القياسُ على التيمم، ووجه مقابله: أن المقصودَ من التراب الاستعانةُ بشيءٍ آخر، فأشبه الدباغ.
ووجه الأصحِّ في الثانية: قوله عليه الصلاة والسلام: "فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا" 2، تقديره: فليغسله بالماء سبعًا، وإلّا.. لجاز المائعُ في الجميع، ووجه مقابله: أن المقصودَ من تلك الغسلة: إنما هو الترابُ.
ومثار الخلاف: أن الأمر بالتراب تعبدٌ، أو مُعلَّل بالاستطهار، أو بالجمع بين نوعي طهور.
(وما نجس ببول صبيٍّ لم يطعم غير لبن.. نضح) لأنه عليه الصلاة والسلام (أُتِيَ بصبيٍّ صغيرٍ لم يأكل الطعامَ، فأجلسه على حِجره، فبال على ثوبه، فدعا بماءٍ، فنضحه، ولم يغسله) متفق عليه 3.
أما الأنثى: فلا بُدَّ فيها من الغَسل؛ لقوله عليه السلام: "يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ" 4.
وفرق بينهما من وجوه، من أحسنها: أن الابتلاء بالصبيان أكثرُ، فإن الرجال والنساءَ يحملونهم، وأما البنات.. فلا يحملهن غالبًا إلا النساءُ، خصوصًا العرب، فإنها تَألَف البنين، وتَأنَف البنات، الثاني: أن بول الصبي من ماء وطين، وبولَ الجارية من لحم ودمٍ؛ لأن حواء خلقت من ضِلَع آدم القصير، وهذا رواه ابن ماجه في
وَمَا نَجِسَ بِغَيْرِهِمَا؛ إِنْ لَمْ تَكُنْ عَيْنٌ.. كَفَى جَرْيُ الْمَاءِ، وَإِنْ كَانَتْ.. وَجَبَ إِزَالَةُ الطَّعْمِ، وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ عَسُرَ زَوَالُهُ، وَفِي الرِّيحِ قَوْلٌ. قُلْتُ: فَإِنْ بَقِيَا مَعًا.. ضَرَّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَاللهُ أَعْلمُ
"سننه" عن الشافعي رضي الله عنه 1.
وعبارة "شرح المهذب": (لم يأكل غير اللبن للتغذي)، وهي تدل على أن ما يحنك به، والسَّفوف، والأشربة ونحوهما مما يستعمل للإصلاح لا تضر 2.
وقال ابن يونس، وابن الرفعة: لم يطعم ما يستقل به؛ كالخبز ونحوه 3.
والمراد بالنضح: استيعاب المحل بالماء، ويشترط المغالبة والمكاثرة في الأصحِّ، لا جريان الماء وتقاطره، وقضية هذا: أن الفرق بين النضح والغسل السيلانُ.
(وما نجس بغيرهما) أي: بغير المغلظة والمخففة (إن لم تكن عينٌ) بأن كانت حكميةً، وهي: التي لا يُشاهَد لها عينٌ، ولا يدرك لها طعمٌ، ولا لون، ولا رائحة، والعينية: نقيض ذلك (.. كفى جري الماء) على ذلك المحل؛ إذ ليس ثَمَ ما يزال.
(وإن كانت) عينيةً (.. وجب) بعد زوال عينها (إزالة الطعم) لأن بقاءه يدل على بقاء العين، (ولا يضر بقاءُ لونٍ أو ريحٍ عَسُرَ زوالُه) كلون الدم، ورائحة الخمر؛ للمشقة، قال في "البسيط": هذا في رائحة تدرك عند شم الثوب، دون ما يدرك في الهواء، فإن سهل زوالُه.. ضرّ؛ لدلالة ذلك على بقاء العين، (وفي الريح قولٌ) أنه يضر؛ كسهل الزوال 4.
(قلت: فإن بَقِيَا معًا.. ضرّ على الصحيح، والله أعلم) لقوة دلالتهما على بقاء العين، والثاني: لا؛ لاغتفارهما منفردين، فكذا مجتمعين.
وَيُشْتَرَطُ وُرُودُ الْمَاءِ، لَا الْعَصْرُ فِي الأَصَحِّ. وَالأَظْهَرُ: طَهَارَةُ غُسَالَةٍ تنفَصِلُ بِلَا تغيُّرٍ وَقَدْ طَهَرَ الْمَحَلُّ. وَلَوْ نَجُسَ مَائِع.. تَعَذَّرَ تَطْهِيرُهُ، وَقِيلَ: يَطْهُرُ الدُّهْنُ بِغَسْلِهِ.
(ويشترط) في طهر المحل (ورودُ الماء) القليلِ على المحلِّ المتنجس، فإن عكسه.. تنجس الماء، ولم يطهر المحلُّ، والفرق: قوة الوارد؛ لأنه عامل، والقوةُ للعامل.
(لا العصرُ في الأصح) إذ البلل بعضُ المنفصلِ، والخلافُ مبنِيٌّ - كما نبه عليه في "المحرّر" - على أن الغسالةَ طاهرة أو نجسة؛ إن طهرناها.. لم يجب العصر، وإلّا.. وجب 1.
(والأظهر: طهارةُ غسالةٍ تَنفصل) عن المحل قليلةٍ (بلا تغير وقد طَهَرَ المحلُّ) لأن البلل الباقيَ على المحلّ هو بعضُ المنفصل، فلو كان المنفصل نجسًا.. لكان المحل كذلك، فيكون المنفصل طاهرًا، لا طهورًا؛ لأنه مستعمل في الخبث، والثاني: إنها نجسة؛ لانتقال المنع إليها، وإن لم يطهر المحلُّ.. فالغسالة نجسةٌ؛ لأنها بعضُ المتصل، والمتصل نجسٌ.
وأورد: ما لو انفصلت غيرَ متغيرة، ولكن زاد وزنُها عما كان.. فإنها نجسة؛ كما ذكره القاضي، والمتولّي، وجعله في "أصل الروضة" أصحَّ الطريقين 2.
(ولو نَجس مائعٌ.. تعذر تطهيرُه) إذ لا يأتي الماء على كله؛ لأنه بطبعه يمنع إصابةَ الماء، ويرد على مفهومه: الزِّئْبَق، فإنه جامد، وإذا تنجس.. تعذر تطهيره، (وقيل: يَطهُر الدهنُ بغَسله) قياسًا على الثوب النَّجِس.
وكيفية تطهيره كما ذكره في "شرح المهذب": أن يصب عليه الماءَ ويكاثره، ثم يحركه بخشبة ونحوها بحيث يظن وصوله لجميعه، ثم يترك ليعلوَ، ثم يثقب أسفلَه، فإذا خرج الماء.. سدّ 3.
بابُ التَّيَمُّم يَتيمَّمُ الْمُحْدِثُ وَالْجُنُبُ لِأَسْبَابٍ: أَحَدُهَا: فَقْدُ الْمَاءِ، فَإِنْ تيًقَّنَ الْمُسَافِرُ فَقْدَهُ.. تَيَمَّمَ بِلَا طَلَبٍ،
﴿باب التيمم﴾
هو لغةً: القصد، تقول: يَمَّمْتُ فلانًا: إذا قصدتَهُ، وشرعًا: إيصالُ الترابِ إلى الوجه واليدين بشرائطَ مخصوصةٍ.
وهو رخصة، وقيل: عزيمة، وقيل: إن تيمم لفقد الماء.. فعزيمة، أو لعذر.. فرخصة، ومن فوائد الخلاف: ما لو تيمم في سفرِ معصيةٍ لفقد الماء، فإن قلنا: رخصة.. وجب القضاءُ، وإلّا.. فلا، ذكره في "الكفاية" 1.
(يتيمم المحدثُ) بالإجماع، (والجنبُ) لقصة عمّار في "الصحيح" 2.
والحائض والنفساء في معناهما، وكذا من ولدت ولدًا جافًّا، والمأمور بغُسلٍ مسنونٍ كغُسل جمعةٍ ونحوِه، فإنهم يَتيمَّمون أيضًا، قال الإسنوي: (والقياس: أن المأمور بوضوءٍ مسنونٍ يتيمّم أيضًا كما في نظيره من الغُسل، وكذلك الميت يُيمَّم) 3 كما سيأتي.
(لأسباب: أحدها: فقد الماء) لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، والفقد الشرعيُّ كالحسيِّ، فلا يتوضأ مما سُبِّل للشرب.
قال الرافعي: والمبيح للتيمم هو العجز فقط إلّا أن العجزَ له أسبابٌ، ثم قال: ولا شكَّ أن الأسبابَ المبيحةَ يكفي فيها الظنُّ، ولا يُشترط اليقينُ 4.
(فإن تَيقَّن المسافرُ فقدَه) كأن كان في بعض رمال البوادي (.. تيمم بلا طلبٍ) لأن الطلبَ حينئذ عبثٌ.
وَإِنْ تَوَهَّمَهُ.. طَلَبَهُ مِنْ رَحْلِهِ وَرُفْقَتِهِ، وَنَظَرَ حَوَالَيْهِ إِنْ كَانَ بِمُسْتَوٍ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى تَرَدُّدٍ.. تَرَدَّدَ قَدرَ نَظَرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ.. تَيَمَّمَ،
(وإن تَوهَّمه.. طَلبَه) وجوبًا؛ إذ لا يقال من لم يَطلب: لم يجد، والمقيمُ في الطلب كالمسافر وإن اختلفا في كيفيته، والتقييدُ إنما أتي به للغالب، (مِنْ رَحله) وهو منزله بأن يُفتِّشه (ورُفْقَته) ولا يجب أن يطلب من كلِّ واحدٍ بعينه، بل يكفي نداءٌ عامٌّ منه، أو من وكيله؛ بأن يقول: (من معه ماءٌ يبيعه، أو يجود به؟ ) ونحو ذلك، ويكفي طلبُ واحدٍ عن الركب بإذنهم.
(ونَظَرَ حواليْه) من الجهات الأربع (إن كان بمستوٍ) من الأرض، ويَخص مواضعَ الْخُضْرَة، واجتماعِ الطيور بمزيدِ احتياطٍ.
(فإن احتاج إلى تَردُّد) بأن كان ثمَّ وَهْدة، أو جبلٌ ونحوُ ذلك (.. تَردَّد) إن لم يخف على نفسه أو مالِه (قدرَ نظرِه) لو كان بمستوٍ.
وضبطه الإمام: بحدِّ الغوث، وهو الموضعُ الذي لو استغاث بالرِّفقة.. لم يبعد غوثهم عنه، مع تشاغلهم بأحوالهم والتفاوض في أقوالهم، ويختلف ذلك باستواء الأرضِ واختلافِها صعودًا وهبوطًا) 1.
وتبعه الغزالِيُّ على ذلك، وجزم به في الروضة"، وقال الرافعي: لا يكفي هذا الضبط لغيره، وليس في الطرق ما يخالفه، قال ابن الرفعة: بل عبارة الماوردي توافقه 2.
وقال في "شرح المهذب": بل خالفوه، فإنهم قالوا: إن كان بمستوٍ.. نظر حواليه، ولا يلزمه المشيُ أصلًا، وإن كان بقربه جبلٌ.. صَعِد، ونظر حواليه إن أمكن 3.
(فإن لم يجد) بعد البحث المذكور (.. تيمم) لحصول الفقد.
فَلَوْ مَكَثَ مَوْضِعَهُ.. فَالأَصَحُّ: وُجُوبُ الطَّلَبِ لِمَا يَطْرَأُ. فَلَوْ عَلِمَ مَاءً يَصِلُهُ الْمُسَافِرُ لِحَاجَتِهِ.. وَجَبَ قَصْدُهُ إِنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرَ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ،
(فلو) طلب كما مرّ وتيمّم و (مكث موضعَه.. فالأصح: وجوبُ الطلب) ثانيًا (لما يَطرأ) مما يحوج إلى تيممٍ مستأنفٍ؛ كالحدث وفريضةٍ أخرى ونحوِهما؛ لأنه قد يطلع على بئرٍ خفيت عليه، أو يجد من يَدلُّه عليه، وقياسًا على إعادةِ الاجتهادِ في القبلة، لكن يجعل الطلبَ الثانِيَ أخفَّ، والثاني: لا؛ لأنه لو كان هناك ماءٌ.. لظفر به بالطلب الأول.
ومحلُّ الخلافِ: ما إذا لم يحدث ما يوهم ماءً، فإن حدث ذلك - كطلوع رَكْب، وإطباق غمامةٍ -.. وجب الطلب جزمًا.
وقوله: (مكث موضعه) من زياداته على "المحرّر" 1، واحترز به: عمَّا إذا انتقل إلى موضعٍ آخر.. فإنه يجب الطلب قطعًا.
(فلو علم) مسافر (ماءً يَصله المسافرُ لحاجته) كاحتطابٍ ونحوه (.. وجب قصده) لأنه إذا كان يَسعى إليه لأشغاله الدنيوية.. فللعبادة أولى، وهذا المقدار هو المسمَّى بحد القرب، وهو أزيدُ من حدّ الغوث الذي يسعى إليه عند توهم الماء كما مرَّ، قال محمد بن يحيى: ولعلَّه يقرب من نصفِ فرسخٍ، كذا نقلاه عنه، وأقراه 2.
(إن لم يَخف ضررَ نفسٍ أو مالٍ) فإن خاف على نفسه أو طرفه من عدوٍّ أو سبع، أو خاف على ماله الذي معه، أو المخلّف في رحله من غاصب أو سارق.. لم يجب القصدُ، وله التيمم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.
وإطلاقه المال: شامل للقدر الذي يجب بذله ثمنًا أو أجرةً، وهو ما في "شرح المهذب" في موضع، وفي موضع آخر منه: أن الخوفَ على هذا القدر لا يَمنع وجوبَ الطلب 3.
قال في "المهمات": والأول هو مقتضى إطلاقِ الأكثرين والقياس؛ لأنه يأخذه
فَإِنْ كَانَ فَوْقَ ذَلِكَ.. تَيَمَّمَ. وَلَوْ تَيَقَّنَهُ آخِرَ ألْوَقْتِ.. فانْتِظَارُهُ أَفْضَلُ، أَوْ ظَنَّهُ.. فَتَعْجِيلُ التَّيَمُّمِ أَفْضَلُ فِي الأَظْهَرِ
من لا يستحقه، وخوفُ الانقطاع عن الرِّفقة كالخوف على النفس والمالِ إن تضرر بذلك، وكذا إن لم يتضرر على الأصحِّ؛ لما يلحقه من الوحشة 1.
وخرج بـ (المال): ما إذا خاف على غير مالٍ من المنتفع به؛ ككلب وسرجين، قال في "المهمات": (والْمُتَّجَه: عدمُ وجوبِ الطلب) 2.
(فإن كان فوق ذلك) أي: فوق ما يَصله المسافرُ لحاجته المارَّةِ (.. تيمم) لأنه فاقدٌ في الحال.
وقضية كلامه: أنه يلزمه قصدُه إذا كان الماءُ في الحدِّ المذكورِ، لكن انتهى إلى المنزل في آخر الوقت؛ بحيث لو قصده.. فات الوقتُ، وبه صرح الرافعي في "الشرحين"، وقال: إنه الأشبهُ بكلام الأئمةِ، وحكاه في "الإبانة" عن النصِّ 3.
وخالف المصنف في الروضة"، و"شرح المهذب" وغيرهما، فقال: ليس الأمر كما قال الرافعي هنا، بل ظاهرُ نصِّ "الأم" وغيرِها، وهو المفهوم من عباراتهم في كتبهم المشهورةِ والمهجورةِ أنه لا يلزمه القصدُ والحالةُ هذه 4، قال السبكي: وهو الحقُ، وهذا في المسافر.
(ولو تَيقَّنه آخرَ الوقت.. فانتظارُه أفضلُ) لأثر ابن عمر في ذلك 5؛ ولأن التقديم مستحبٌّ، والوضوء من حيث الجملة فرضٌ، فثوابه أكثر، (أو ظَنَّه) أي: ترجح عنده وجودُه آخرَه (.. فتعجيلُ التيممِ أفضلُ في الأظهر) لأن فضيلةَ التقديم محققة، وفضيلةَ الوضوء موهومة، والثاني: التأخير أفضلُ ليأتي بالصلاة بالوضوء؛ لأنه الأصل والأكملُ.
وَلَوْ وَجَدَ مَاءً لَا يَكْفِيهِ.. فَالأَظْهَرُ: وُجُوبُ اسْتِعْمَالِهِ، وَيَكُونُ قَبْلَ التَّيَمُّمِ، وَيَجِبُ شِرَاؤُهُ بِثَمَنِ مِثْلِهِ، إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ لِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ، أَوْ مُؤْنَةِ سَفَرٍ، أَوْ نفقَةِ حَيَوَانٍ مُحْتَرَمٍ. وَلَوْ وُهِبَ لَهُ مَاءٌ أَوْ أُعِيرَ دَلْوًا.. وَجَبَ الْقَبُولُ فِي الأَصَحِّ،
ومحلُّ الخلاف: إذا اقتصر على صلاةٍ واحدةٍ، فإن صلّى أول الوقت بالتيمم، وبالوضوء في أثنائه.. فهو النهاية في إحراز الفضيلة، ولو تَرجَّح العدم على الوجود.. فالتقديم أفضل قطعًا، وكذا إذا استوى الطرفان على المذهب.
(ولو وجد ماءً لا يكفيه.. فالأظهر: وجوبُ استعماله) لقدرته على البعض، كما يغسل الجريحُ مِنْ يده ما صَحَّ 1، والثاني: لا يجب، بل يتيمم؛ كما لو وجد بعضَ الرقبة في الكفارة.. فإنه لا يجب إعتاقُه، ويَعدِل إلى الصوم.
(ويكونُ) استعماله (قبلَ التيمم) لئلا يتيمم مع وجود الماء.
ولفظة (ما) في كلامه ينبغي أن تُقرأ مهموزةً منونة، لا موصولةً؛ لئلا يرد عليه ما لو وجد ما يصلح للمسح، لا للغَسل؛ كثلج أو بَرَد لا يذوب؛ فإن الاْصحَّ: القطع أنه لا يجب مسحُ الرأس به؛ إذ لا يمكن ههنا تقديمُ مسحِ الرأس.
(ويجب شراؤه) أي: الماء، وكذا التراب؛ كما صرح به الحناطي (بثمنِ مثلِه) إذا كان قادرًا عليه بنقد أو عرض، فاضلًا عَن حاجات سفره، وعن حاجات متاعه، ذهابًا وإيابًا، فإن بيع بغَبْنٍ.. فلا؛ للضرر، والأصحُّ: أن ثمن المثل: ما تنتهي إليه الرغباتُ، في ذلك الموضع، في تلك الحالة.
(إلّا أن يَحتاج إليه) أي: الثمن (لدينٍ مُستغرِقٍ) ولو مؤجلًا؛ كما ذكره ابن الرفعة 2، ولا حاجةَ لتقييده بالمستغرق؛ لأن ما يفضل عن الدين غيرُ محتاج إليه فيه، (أو مُؤنةِ سفرٍ) مباح، ذهابًا وإيابًا، والمؤنة: هي المذكورة في الحجّ، (أو نفقةِ حَيَوَانٍ محترمٍ) لأن هذه الأمور لا بدل لها، بخلاف الماء، والمراد بالمحترم ما لا يباح قتله.
(ولو وُهِبَ له ماءٌ، أو أُعِيرَ دلوًا.. وجب القبولُ في الأصح) لأن المسامحة به
وَلَوْ وُهِبَ ثَمَنَهُ.. فَلَا. وَلَوْ نَسِيَهُ فِي رَحْلِهِ أَوْ أَضَلَّهُ فِيهِ فَلَمْ يَجِدْهُ بَعْدَ الطلَبِ فَتَيَمَّمَ.. قَضَى فِي الأَظْهَرِ، وَلَوْ أَضَلَّ رَحْلَهُ فِي رِحَالٍ.. فَلَا. الثَّانِي: أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ لِعَطَشِ مُحْتَرَمٍ وَلَوْ مَآلًا. الثَّالِثُ: مَرَضٌ يَخَافُ مَعَهُ مِنِ اسْتِعْمَالِهِ عَلَى مَنْفَعَةِ عِضْوٍ، وَكَذَا بُطْءُ الْبُرْءِ، أَوِ الشَّيْنُ الْفَاحِشُ فِي عِضْوٍ ظَاهِرٍ فِي الأَظْهَرِ،
غالبة، فلا تعظم فيه المنةُ، والثاني: لا يجب قبولُ الماء؛ للمنة؛ كالثمن، ولا قبولُ العارية إذا زادت قيمةُ المستعار على ثمن الماء؛ لأنه قد يتلف، فيضمن زيادة على ثمن الماء.
(ولو وُهِبَ ثمنَه.. فلا) بالإجماع؛ لعظم المنة.
(ولو نَسِيه) أي: الماءَ (في رَحله، أو أَضلَّه فيه، فلم يجده بعد الطلب، فتيمم) وصلّى، ثم تذكره في النسيان، ووجده في مسألة الإضلال (.. قضى في الأظهر) لأنه واجدٌ للماء، ولكنه قصر في الوقوف عليه، والثاني: لا قضاءَ؛ لعدم التقصير.
(ولو أضلّ رحلَه في رحالٍ.. فلا) قضاءَ؛ لأن مُخيَّم الرِّفقة أوسعُ غالبًا، ولأنه صلّى ولا ماء معه.
(الثاني: أن يَحتاج إليه لعطشِ مُحترمٍ ولو مآلًا) أي: مستقبلًا؛ إذ لا بدل للروح، بخلاف الوضوء، وسواء عطش نفسه، وعطش رفيقه، أو حيوان محترم هناك، بل يحرم الوضوء حينئذ.
(الثالث: مرضٌ يخاف معه من استعماله على منفعة عضو) كالعمى ونحوه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى... ﴾ الآية، وفهم منه: أن خوف النفس والعضو كذلك من باب أولى، وصرح بهما في "المحرّر" 1.
(وكذا بُطء البُرء) وهو: امتداد مدة المرض وإن لم يزد الألَمُ، (أو الشَّيْنُ الفاحشُ في عضوٍ ظاهرٍ في الأظهر) فيهما؛ لأن ضرر ذلك فوق زيادة ثمن المثل، والثاني: لا؛ لانتفاء التلف.
والمراد بـ (الظاهر): ما يبدو غالبًا عند المهنة؛ كالوجه واليدين، ويعتمد في
وَشِدَّةُ الْبَرْدِ كَمَرَضٍ. وَإِذَا امْتَنَعَ اسْتِعْمَالُهُ فِي عُضْوٍ: إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَاتِرٌ.. وَجَبَ التَّيَمُّمُ، وَكَذَا غَسْلُ الصَّحِيحِ عَلَى الْمَذْهَبِ،
كون الغَسل يفضي إلى ما مَرَّ ظَنَّ نفسِهِ إن كان عارفًا بالطب، وإلّا.. فبقول طبيبٍ حاذق مسلم مُكلَّفٍ عدل، وقيل: لا بد من اثنين، فإن جهل ولم يجد طبيبًا بشرطه.. ففي "زيادة الروضة" عن أبي علي السنجي لا يتيمم؛ لأنه لم يثبت المقتضي لترك الوضوء 1.
قال في "شرح المهذب": ولم أجد لغيره ما يوافقه، ولا ما يخالفه 2.
واعترض: بأن البغوي قد خالفه، فقال في "فتاويه": يصلي بالتيمم، ثم يعيد إذا وجد المخبر، قال الإسنوي: وهذا هو المتجه اللائقُ بمحاسن الشريعة، لاسيما عند قيام المظنةِ التي هي المرضُ ونحوُه 3.
واحترز بـ (الفاحش): عن اليسير، وبـ (الظاهر): عن الشين الفاحش في الباطن؛ فإنه لا أثر له؛ لأنه ليس فيه ضررٌ كثيرٌ، كذا قالاه 4.
واستشكله الشيخ عز الدين، وقال: لا سيما إذا كان في رقيق؛ فإن الخسران فيه أكثر من الخسران الحاصل من شراء الماءِ بزيادة على ثمن المثل.
(وشدةُ البردِ كمرض) فيجيء ما مَرَّ، ولا يخفى أن محل هذا إذا عجز عن تدفئة الأعضاءِ وتسخين الماء، فلهذا أهمله المصنف.
(وإذا امتنع استعمالُه في عضو) لجرح ونحوه: (إن لم يكن عليه ساترٌ.. وجب التيمم) بدلًا عن غَسل العليل.
وعرف (التيمم) بالألف واللام؛ ليرد على من قال من العلماء: أنه يُمِرّ التراب على المحل المعجوز عنه.
(وكذا غسلُ الصحيح على المذهب) قطعًا بحسب الإمكان ولو بوضع خرقةٍ مبلولةٍ