وَإِلَّا.. فَبالْقُرْبِ، وَقِيلَ: الإِرْثِ، وَقِيلَ: بِوِلَايَةِ الْمَالِ.
وَمَنْ لَهُ أَصْلٌ وَفَرْعٌ.. فَفِي الأَصَحِّ: عَلَى الْفَرْعِ وَإِنْ بَعُدَ.
أَوْ مُحْتَاجُونَ.. يُقَدِّمُ زَوْجَته ثُمَّ الأَقْرَبَ، وَقِيلَ: الْوَارثَ، وَقِيلَ: الْوَليَّ.
فَصْلٌ [في الحضانة]
الْحَضَانَةُ: حِفْظُ مَنْ لَا يَسْتَقِلُّ وَتَرْبِيَتُهُ.
الأقرب؛ لإدلاء الأبعد به، (وإلا) أي: وإن لم يدل بعضهم ببعض (.. فبالقرب، وقيل: الإرث) على ما تقدم في جانب الفروع، (وقيل: بولاية المال) لأنها تشعر بتفويض التربية إليه.
أمثلة: أبو أب وأبو أم، هما سواء على القرب، وعلى أبي الأب على الأخيرين.
أم أم وأم أب، هما سواء على الأولين، وتلزم أم الأب على الثالث لإدلائها بولي.
أبو أم وأم أب، هما سواء على الأول، وتلزم أم الأب على الأخيرين.
(ومن له أصل وفرع.. ففي الأصح: على الفرع وإن بعد) كأب وابن ابن؛ لأن عصوبته أقوى، وهو أولى بالقيام بشأن أبيه؛ لعظم حرمته، والثاني: أنها على الأب؛ استصحابًا لما كان في الصغر، والثالث: أنها عليهما؛ لاستوائهما في القرب.
(أو محتاجون) من النوعين أو أحدهما مع زوجة، وضاق الموجود عنهم (.. يقدم زوجته) لأن نفقتها آكد؛ لأنها لا تسقط بمضي الزمان، ولا بغناها؛ فالتحقت بالديون (ثم الأقرب) فالأقرب، (وقيل: الوارث، وقيل: الولي) هذا هو الخلاف المار في اجتماع فروع المنفق عليه، وقد مر ما فيه.
(فصل: الحضانة: حفظ من لا يستقل) بأمره؛ لعدم تمييزه، (وتربيته) بما يصلحه ويقيه عما يهلكه.
والحضانة: بفتح الحاء؛ مأخوذة من الحِضن، بكسر الحاء، وهو الجَنْب؛ لأنها تضمه إلى حضنها.
وَالإِنَاثُ أَلْيَقُ بِهَا، وَأَوْلَاهُنَّ: أُمٌ ثُمَّ أُمَّهَاتٌ يُدْلِينَ بِإِنَاثٍ يُقَدَّمُ أَقْرَبُهُنَّ. وَالْجَدِيدُ: يُقَدَّمُ بَعْدَهُنَّ أُمُّ أَبٍ ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا الْمُدْلِيَاتُ بِإِنَاثٍ ثُمَّ أُمُّ أَبِي أَبٍ كَذَلِكَ، ثُمَّ أُمُّ أَبِي جَدٍّ كَذَلِكَ. وَالْقَدِيمُ: الأَخَوَاتُ وَالْخَالَاتُ عَلَيْهِنَّ.
(والإناث أليق بها) لأنهن بها أبصر، وعلى القيام بها أصبر، (وأولاهن) عند التنازع في طلبه (أُمٌّ) لفرط حُنوِّها، هذا إذا كان المحضون حرًّا؛ فإن كان رقيقًا.. فحضانته لسيدته.
ويستثنى من إطلاقه: ما لو كان للمحضون زوج، وأمكن الاستمتاع.. فالزوج والزوجة أحقُّ بالكفالة من جميع الأقارب وإن كانا أجنبيين؛ لما بينهما من السكون والمودة، كذا حكياه هنا عن الروياني، وأقراه 1.
(ثم أمهات يدلين بإناث) وارثات؛ لمشاركتهن الأم في الإرث والولادة (يقدم أقربهن) لوفور الشفقة.
(والجديد: يقدم بعدهن أم أب) لمشاركتها أم الأم في المعنى السابق، وإنما قدمت أمهات الأم وإن علون؛ لأن الولادة فيهن محققة، وفي أمهات الأب مظنونة، (ثم أمهاتها المدليات بإناث) وارثات؛ لما سبق، (ثم أم أبي أب كذلك) ثم أمهاتها المدليات بالإناث، (ثم أم أبي جد كذلك) ثم أمهاتها المدليات بالإناث؛ لأن لهن ولادة ووراثة؛ كالأم وأمهاتها.
(والقديم: الأخوات والخالات) يقدمن 2 (عليهن) أما الأخوات.. فلأنهن اجتمعن في الصلب والبطن أو في أحدهما وشاركنه في النسب؛ فهُنَّ عليه أشفق، وأما الخالات.. فلقوله: صلى الله عليه وسلم في قضية ابنة حمزة: "الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ" رواه البخاري 3، وأجاب الجديد: بأن النظر هنا إلى الشفقة، وهي في الجدات أغلب.
وَتُقَدَّمُ أُخْتٌ عَلَى خَالَةٍ، وَخَالَةٌ عَلَى بِنْتِ أَخٍ وَأُخْتٍ، وَبِنْتُ أَخٍ وَأُخْتٍ عَلَى عَمَّةٍ، وَأُخْتٌ مِنْ أَبَوَيْنِ عَلَى أُخْتٍ مِنْ أَحَدِهِمَا. وَالأَصَحُّ: تقدِيمُ أُخْتٍ مِنْ أَبٍ عَلَى أُخْتٍ مِنْ أُمٍّ، وَخَالَةٍ وَعَمَّةٍ لِأبٍ عَلَيْهِمَا لِأمٍّ. وَسُقُوطُ كُلِّ جَدَّةٍ لَا تَرِثُ دُونَ أُنْثَى غَيْرِ مَحْرَمٍ كَبِنْتِ خَالَةٍ.
(وتقدم أخت) من أي جهة كانت (على خالة) لقربها (وخالة على بنت أخ و) بنت (أخت) لأنها كالأم (وبنت أخ و) بنت (أخت على عمة) كما يقدم ابن الأخ في الميراث على العم، (وأخت من أبوين على أخت من أحدهما) لأن شفقتها أتم؛ لاجتماعها معه في الصلب والرحم.
(والأصح: تقديم أخت من أب على أخت من أم) لقوة إرثها؛ لأنها قد تصير عصبة، والثاني: تقدم الأخت من الأم؛ لأنها تدلي بالأم، فتقدم على من تدلي بالأب، (وخالة وعمة لأب عليهما لأم.) لقوة الجهة؛ كالأخت، والثاني: لا؛ لأن التقديم في المسألة قبلها كان لقوتها في الإرث، وهنا لا إرث لواحدة منهما.
(وسقوط كل جدة لا ترث) كأم أبي الأم؛ لأنها تدلي بمن لا حقَّ له في الحضانة؛ فأشبهت الأجانب، والثاني: لا؛ لولادتهن، وشمول أحكام البعضية لهُنَّ لكن يتأخرن عن جميع المذكورات أولًا؛ لضعفهن، قال الشيخان: وفي معنى الجدة الساقطة: كلُّ مَحرم تدلي بذكر لا يرث؛ كبنت ابن البنت، وبنت العم للأم.
انتهى 1.
وكون بنت العم محرمًا ذهولٌ.
(دون أنثى غير محرم؛ كبنت خالة) وبنت عمة، وبنتي الخال والعم، فلا تسقط على الأصحِّ؛ لشفقتها بالقرابة، وهدايتها بالأنوثة، والثاني: لا حق لهن؛ كالجدات الساقطات.
وفرق الأول: بأن الجدات الساقطات تدلين بغير وارث، بخلاف هؤلاء، كذا قاله الرافعي 2، واعترض: بأنه ليس في هؤلاء من تدلي بوارث غير بنت العم العصبة.
وَتَثْبُتُ لِكُلِّ ذَكَرٍ مَحْرَمٍ وَارِثٍ عَلَى تَرْتيبِ الإِرْثِ، وَكَذَا غَيْرُ مَحْرَمٍ كَابْنِ عَمٍّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا تُسَلَّمُ إِلَيْهِ مُشْتَهَاةٌ بَلْ إِلَى ثِقَةٍ يُعَيِّنُهَا. وَإِنْ فُقِدَ الإِرْثُ وَالْمَحْرَمِيَّةُ أَوِ الإِرْثُ.. فَلَا فِي الأَصَحِّ. وَإِنِ اجْتَمَعَ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ.. فَالأُمُّ ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا ثُمَّ الأَبُ، وَقِيلَ: تُقَدَّمُ عَلَيْهِ الْخَالَةُ وَالأُخْتُ مِنَ الأمِّ. وَيُقَدَّمُ الأَصْلُ عَلَى الْحَاشِيَةِ،
(وتثبت لكل ذكر محرم وارث) كالأب والجد وإن علا، والأخ وابنه والعم؛ لوفور شفقته، وقوة مرتبته بالإرث والمحرمية (على ترتيب الإرث) كما تقرر في بابه.
(وكذا غير محرم؛ كابن عم على الصحيح) لوجود القرابة والإرث والشفقة، والثاني: لا؛ لفقد المحرمية.
وأورد على إطلاقه: المعتق؛ فإنه وارث غير محرم، ولا حضانة له على الصحيح؛ لعدم القرابة التي هي مظنة الشفقة.
(ولا تسلم إليه مشتهاة) حذرًا من الخلوة (بل إلى ثقة يعينها) ولو بأجرة من ماله؛ لأن الحقَّ له في ذلك.
(وإن فقد الإرث والمحرمية) كابن الخال وابن العمة (أو الإرث) مع وجود المحرمية؛ كأب الأم والخال (.. فلا) حضانة لهم (في الأصح) لفقدان الإرث والمحرمية في الأولى، ولضعف قرابته في الثانية؛ لأنه لا يرث بها ولا يلي ولا يعقل، والثاني: نعم؛ لوفور شفقته.
(وإن اجتمع ذكور وإناث.. فالأم ثم أمهاتها) المدليات بالأمهات؛ لما تقدم، (ثم الأب) لأن مَنْ عداه إن أدلى به.. فهو مقدم عليه؛ كالإرث، وإن لم يدل به.. فمن يدلي به مقدمٌ عليه، والمقدم على المقدم مقدم، (وقيل: تقدم عليه الخالة، والأخت من الأم) لإدلائهما بالأم؛ فأشبها أمهاتهما.
ولو حذف قوله: (من الأم) لكان أخصر وأشمل؛ إذ في كلِّ واحدةٍ من الأخوات الثلاث وجه أنها تقدَّمُ على الأب.
(ويقدم الأصل على الحاشية) أي: وتتقدم الأصول على الأقارب الواقعين في حواشي النسب؛ كالأخت والعمة؛ لقوة الأصول، وجزمه بتقديم الأصل على
فَإِنْ فُقِدَ.. فالأَصَحُّ: الأَقْرَبُ، وَإِلَّا.. فَالأُنْثَى، وَإِلَّا.. فَيُقْرَعُ وَلَا حَضَانَةَ لِرَقِيقٍ وَمَجْنُونٍ، وَفَاسِقٍ
الحاشية كذا هو في "المحرر" و"الشرحين" و"الروضة" 1، وهو مخالف لقولهما قبل: (وقيل: تقدم عليه الخالة، والأخت من الأم).
(فإن فقد) الأصل (.. فالأصح) أنه يقدم (الأقرب) فالأقرب؛ كالإرث ذكرًا كان أو أنثى، (وإلا) أي: وإن لم يوجد الأقرب؛ بأن فقد أو استوى جمع في القرب (.. فالأنثى) مقدمة على الأصحِّ؛ لكونها أصبر وأبصر.
(وإلا) أي: فإن استوى اثنان من كل وجه؛ كأخوين أو أختين (.. فيقرع) قطعًا للنزاع، والثاني: أن نساء القرابة وإن بعدن أولى بالحضانة من الذكور وإن كانوا عصبات؛ لأنهن أصلح للحضانة، والثالث: العصبات أولى منهن؛ لقوة نسبهم، وقيامهم بالتأديب، وما صححه تبعًا لأصله من تقديم الأقرب.. هو ما صححه في "أصل الروضة" 2، ونقل في "الشرحين" تصحيحه عن الروياني، وأقره 3، وهو مخالف لما جزما به من قبلُ من تقديم الخالة على بنات الإخوة والأخوات على الجديد والقديم؛ فكيف يمكن جعله أصح مع مخالفته الجديد والقديم؟ !
(ولا حضانة لرقيق) ولو مبعضًا ومدبرًا ومكاتبًا ومستولدة ولو أذن السيد في الحضانة؛ لأنها ولاية وليس من أهلها.
ويستثنى من إطلاقه: ما لو أسلمت أم ولد الكافر.. فإن ولدها يتبعها وحضانته لها ما لم تتزوج وإن كانت رقيقة، نقلاه في (كتاب أمهات الأولاد) عن أبي إسحاق المروزي، وأقراه 4.
(ومجنون) ولو تقطع جنونه إلا أن يقلَّ؛ كيوم في سنة؛ لأنه محضون، (وفاسق) لأنها ولاية، وهو لا يلي، واقتصاره على نفي الفسق يقتضي عدم اشتراط
وَكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ، وَنَاكِحَةِ غَيْرِ أَبِي الطفْلِ إِلَّا عَمَّهُ وَابْنَ عَمِّهِ وَابْنَ أَخِيهِ فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ كَانَ رَضِيعًا.. اشْتُرِطَ أَنْ ترْضِعَهُ
العدالة الباطنة حتى يكتفى بالمستور، وهو العدالة الظاهرة حتى يتبين الفسق، وبه صرح الماوردي والروياني 1.
(وكافر على مسلم) بخلاف العكس على الصحيح؛ لأنه لا ولاية لكافر على مسلم، ولأنه قد يفتنه عن الدين، (وناكحة غير أبي الطفل) وإن لم يدخل بها؛ لأن النكاح يشغلها بحق الزوج.
وقوله: (غير أبي الطفل) أي: وإن علا؛ ليدخل الجد، وإلا.. فيرد على حصره الاستثناء في المسلمة بعدها؛ فلو نكحت الجد أبا الأم.. بطل حقها؛ كما صرح به البغوي، والمصنف في "فتاويه" و"تحريره" 2، لكن نقل الأَذْرَعي في "القوت" عن جمع من العراقيين بأنه لا يسقط حقها، قال: وهذا هو الأصحُّ المختار، بخلاف ما ذكرته في "الغنية".
ويستثنى من سقوط الحضانة بالنكاح: ما لو خالع زوجته بألف، وحضانة الصغير سنة فتزوجت في أثناء السنة.. فليس له انتزاعه منها؛ لأن الإجارة عقد لازم، كذا حكياه في آخر (الخلع) عن "فتاوى القاضي الحسين"، وأقراه 3.
(إلا عمه وابن عمه وابن أخيه في الأصح) لأن هؤلاء أصحاب حق في الحضانة، والشفقة تحملهم على رعاية الطفل، فيتعاونان على كفالته بخلاف الأجنبي، والثاني: يبطل حقها؛ لاشتغالها بالزوج، ولا حقَّ له في الحضانة الآن، فأشبه الأجنبي.
ويرد على حصره: ما إذا تزوجت أخته لأمه بأخيه 4 لأبيه، وضابطه: كل من له حق في الحضانة.
(وإن كان) المحضون (رضيعًا.. اشترط) في استحقاقها الحضانة (أن ترضعه
عَلَى الصَّحِيحِ. فَإِنْ كَمُلَتْ نَاقِصَةٌ أَوْ طَلُقَتْ مَنْكُوحَةٌ.. حَضَنَتْ، وَإِنْ غَابَتِ الأُمُّ أَوِ امْتَنَعَتْ.. فَلِلْجَدَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ.
على الصحيح) لعسر استئجار مرضعة تترك بيتها، وتنتقل إلى مسكن الأم، والثاني: لا، وعلى الأب أن يستأجر مرضعة ترضعه عند الأم.
وبقي للحضانة موانع آخر؛ منها: المرض الذي لا يرجى زواله؛ كالسل والفالج إذا كان يشغله الألم عن الكفالة، وإن لم يشغله وإنما يؤثر في عسر الحركة والتصرف.. سقطت الحضانة في حق من يباشرها بنفسه دون من يدبر الأمور، ويباشرها غيره، قال الرافعي: ومنها: العمى، فلا حضانة لأعمى 1، كما أفتى به عبد الملك بن إبراهيم المقدسي الهمداني شارح "المفتاح"، وهو من أقران ابن الصباغ، ومنها: الرشد فلا حضانة لسفيه؛ كما قاله الماوردي والقاضي أبو الطيب، قال الزركشي: ونصَّ عليه في "المختصر"، ومنها: التغفل، فلا حضانة لمغفل؛ كما قاله الجرجاني في "الشافي"، قال الأَذْرَعي: وهو حسن متعين في حق غير المميز، ومنها: الجذام والبرص يسقط الحضانة، كما صرح به الشيخ صلاح العلائي في "قواعده"؛ لحديث: "لَا يُورِدَنَّ ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحٍّ" 2.
(فإن كملت ناقصة أو طلقت منكوحة.. حضنت) لزوال المانع، وتستحق المطلقة الحضانة في الحال قبل انقضاء العدة على المذهب.
(وإن غابت الأم أو امتنعت.. فللجدة) أم الأم (على الصحيح) كما لو ماتت أو جنت، والثاني: تنتقل إلى الأب، والثالث: إلى السلطان؛ لبقاء أهلية الأم؛ كما لو غاب ولي النكاح أو عضل يزوج السلطان لا الأبعد، وإنما تنتقل الحضانة إلى الجدة بعد الأم إذا لم يرض الأب؛ فإن رضي الأب باستمراره عند الأم المزوجة ورضي الزوج بذلك.. فلا حق لمجدة على الصحيح في "أصل الروضة" 3، وظاهره: بقاء حق الأم، وصححه البغوي والخوارزمي، وجرى عليه في "الكفاية"، واستغربه في
هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ مُمَيِّزٍ، وَالْمُمَيِّزُ إِنِ افْتَرَقَ أَبَوَاهُ.. كَانَ عِنْدَ مَنِ اخْتَارَ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا جُنُونٌ أَوْ كُفْرٌ أَوْ رِقٌ أَوْ فِسْقٌ أَوْ نَكَحَتْ.. فَالْحَقُّ لِلآخَرِ. وَيُخَيَّرُ بَيْنَ أُمٍّ وَجَدٍّ، وَكَذَا أَخٌ أَوْ عَمٌّ أَوْ أَبٌ مَعَ أُخْتٍ أَوْ خَالَةٍ فِي الأَصَحِّ، فَإِنِ اخْتَارَ أَحَدَهُمَا ثُمَّ الآخَرَ.. حُوِّلَ إِلَيهِ.
"المطلب"؛ إذ كيف يسقط حق الجدة برضا الأب، وقال الأَذْرَعي: الأقيس: عدم السقوط.
(هذا كله في غير مميز، والمميز إن افترق أبواه) مع أهليتهما ومقامهما في بلد واحد (.. كان عند من اختار منهما) لأنه صلى الله عليه وسلم خيَّر غلامًا بين أبيه وأمه، حسنه الترمذي 1، وسواء الغلام والجارية عندنا.
(فإن كان في أحدهما جنون أو كفر أو رق أو فسق أو نكحت.. فالحق للآخر) لوجود المانع به، فإن زال الخلل.. أنشئ التخيير.
(ويخير بين أم وجد) وإن علا عند فقد الأب أو عدم أهليته، لأنه بمنزلته، وكذلك الجدة أم الأم مع الأب.
(وكذا أخ أو عم، أو أب مع أخت أو خالة في الأصح) لما رواه الشافعي عن عُمَارة الجَرْمي قال: خيرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمي وعمي، وكنت ابن سبع أو ثمان سنين 2، والثاني: لا بل الأم أحق؛ لقربها وولادتها، كما قبل التمييز.
(فإن اختار أحدهما ثم الآخر.. حول إليه) لأنه قد يبدو له الأمر على خلاف ما ظنه.
نعم؛ لو كثر التردد بحيث يغلب على الظن أن سببه نقصانه وقلة تمييزه.. جعل عند الأم كما قبل التمييز، وكذا لو بلغ وهو على نقصانه وخبله، كذا في "الروضة"
فَإِنِ اخْتَارَ الأَبَ ذَكَرٌ.. لَمْ يَمْنَعْهُ زِيَارَةَ أُمِّهِ وَيَمْنَعُ أُنْثَى، وَلَا يَمْنَعُهَا دُخُولًا عَلَيْهِمَا زَائِرَةً، وَالزِّيَارَةُ مَرَّةً فِي أَيَّامٍ، فَإِنْ مَرِضَا.. فالأُمُّ أَوْلَى بِتَمْرِيضِهِمَا؛ فَإِنْ رَضِيَ بِهِ فِي بَيْتِهِ، وَإِلَّا.. فَفِي بَيْتِهَا. وَإِنِ اخْتَارَهَا ذَكَرٌ.. فَعِنْدَهَا لَيْلًا وَعِنْدَ الأَبِ نَهَارًا يُؤَدِّبُهُ وَيُسَلِّمُهُ لِمَكْتَبٍ وَحِرْفَةٍ،
و"أصلها" 1، وقال الإمام: لا وجه عندي في ذلك إلا اتباعه بشرط ألا تتعطل الحضانة بالتردد؛ فإن ذلك لا ينكر في حال الصبي 2، وسبقه إلى ذلك الماوردي فقال: وعلى هذا أبدًا كلما اختار واحدًا بعد واحدٍ.. حُوِّل إليه 3.
(فإن اختار الأب ذكر.. لم يمنعه زيارة أمه) وجوبًا؛ كما قاله في "الكفاية"؛ لئلا يكون ساعيًا في العقوق 4، (ويمنع أنثى) من زيارة أمها؛ لئلا تعتاد البروز، ولتألف الصيانة، وفي "فتاوى ابن الصلاح" أن للأم أن تطلب البنت، فتنفذ إلى زيارتها 5.
(ولا يمنعها) أي: الأم (دخولًا عليهما) أي: على الابن والبنت (زائرة) لما تقدم، (والزيارة مرة في أيام) عملًا بالعادة.
(فإن مرضا.. فالأم أولى بتمريضهما) لأنها أهدى إليه وأصبر عليه، (فإن رضي به في بيته، وإلا.. ففي بيتها) والأب مخير بين الحالتين، ويجب الاحتراز عن الخلوة عند التمريض في بيته، وعند زيارتها الولد.
(وإن اختارها ذكر.. فعندها ليلًا، وعند الأب نهارًا يؤدبه ويسلمه لمكتب وحرفة) على ما يليق به، ولا يكله في ذلك إلى أمه؛ لعجز النساء عن القيام بمثل ذلك، ويجب ذلك على الولي أبا كان أو جدًّا، أو وصيًّا أو قيمًا، وأجرة ذلك في مال الصبي؛ فإن لم يكن.. فعلى من تلزمه نفقته.
أَوْ أُنْثَى.. فَعِنْدَهَا لَيْلًا وَنَهَارًا، وَيَزُورُهَا الأَبُ عَلَى الْعَادَةِ. وَإِنِ اخْتَارَهُمَا.. أُقْرِعَ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ.. فالأُمُّ أَوْلَى، وَقِيلَ: يُقْرَعُ. وَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا سَفَرَ حَاجَةٍ.. كَانَ الْوَلَدُ الْمُمَيِّزُ وَغَيْرُهُ مَعَ الْمُقِيمِ حَتَّى يَعُودَ، أَوْ سَفَرَ نُقْلَةٍ.. فَالأَبُ أَوْلَى بشَرْطِ أَمْنِ طَرِيقِهِ وَالْبَلَدِ الْمَقْصُودِ، قِيلَ: وَمَسَافَةِ قَصرٍ. وَمَحَارِمُ الْعَصَبَةِ فِي هَذَا كَالأبِ،
(أو أنثى.. فعندها ليلًا ونهارًا) طلبًا لسترها (ويزورها الأب على العادة) ولا يطلب إحضارها إليه؛ لتألف التستر والصيانة، قال الماوردي: ويعتبر في دخوله على الأم وجود محرم أو نسوة ثقات 1، (وإن اختارهما.. أقرع) قطعًا للنزاع.
(وإن لم يختر) واحدًا منهما (.. فالأم أولى) استصحابًا لما كان، (وقيل: يقرع) إذ ليس أحدهما بعد زوال زمن الحضانة أولى من الآخر.
(ولو أراد أحدهما سفر حاجة.. كان الولد المميز وغيره مع المقيم حتى يعود) لما في السفر من الخطر والضرر، وسواء أطالت المدة أم قصرت.
(أو سفر نُقلة.. فالأب أولى) سواء انتقل الأب أو الأم أو كُلُّ واحدٍ إلى بلد؛ احتياطًا للنسب؛ فإنه يتحفظ بالآباء، ولمصلحة التأديب والتعليم والصيانة، وسواء أنكحها في بلده أم في الغربة.
(بشرط أمن طريقه والبلد المقصود) إليه؛ فإن كان أحدهما مخوفًا.. أقرّ عند أمه، وألحق ابن الرفعة بذلك: الحر والبرد الشديدين، (قيل: ومسافة القصر) لأن الانتقال لما دونها كالإقامة في محلة أخرى من البلد المتسع؛ لإمكان مراعاة الولد، وهذا ما اختاره جمهور العراقيين وغيرهم، والأصحُّ عند الشيخين: عدم الفرق 2، وهو قضية إطلاق نص "الأم" و"المختصر" 3؛ لأنه في معنى الانتقال إلى مسافة القصر.
(ومحارم العصبة) كالأخ والعم (في هذا كالأب) في انتزاع الولد عند الانتقال؛
وَكَذَا ابْنُ عَمٍّ لِذَكَرٍ، وَلَا يُعْطَى أُنْثَى، فَإِنْ رَافَقَتْهُ بنْتُهُ.. سُلِّمَ إِلَيْهَا.
فَصْلٌ [في مؤنة المماليك وتوابعها]
عَلَيْهِ كِفَايَةُ رَقِيقِهِ نَفَقَةً وَكِسْوَةً وَإِنْ كَانَ أَعْمَى زَمِنًا وَمُدَبَّرًا وَمُسْتَوْلَدَةً مِنْ غَالِبِ قُوتِ رَقِيقِ الْبَلَدِ وَأُدْمِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ، وَلَا يَكْفِي سَتْرُ الْعَوْرَةِ.
احتياطًا للنسب، (وكذا ابن عم لذكر) لما سبق (ولا يعطى أنثى) مشتهاة؛ حذرًا من الخلوة المحرمة.
(فإن رافقته بنته) البالغة العاقلة الثقة (.. سلم إليها) لانتفاء ذلك.
وكان ينبغي أن يقول: (سلمت)؛ لأن الضمير عائد على الأنثى.
(فصل: عليه كفاية رقيقه) بلا تقدير (نفقة وكسوة) وسائر مؤنه، وكذا شراء الماء للطهارة أعلى الأصح في زيادة "الروضة"، 1، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ" رواه مسلم 2.
والمعتبر: كفايته في نفسه مع مراعاة رغبته وزهادته وإن زادت على كفاية مثله على الأصحِّ.
ويستثنى من إطلاقه: المكاتب، والأمة المزوجة حيث أوجبنا على الزوج نفقهما أو أعسر الزوج ولم يفسخ، ومنعنا السيد من الفسخ.
(وإن كان أعمى زمنًا) ونحو ذلك من أنواع العجز (ومدبرًا ومستولدة) لبقاء الملك والمنافع (من غالب قوت رقيق البلد وأدمهم وكسوتهم) من قطن أو صوف مما يلبسه رقيق البلد، ويراعى يسار السيد أو إعساره، فيجب اللائق بحاله من رفيع الغالب وخسيسه.
(ولا يكفي ستر العورة) وإن لم يتأذ بحر ولا برد، لما فيه من الإذلال والتحقير،
وَيُسَنُّ أَنْ يُنَاوِلَهُ مِمَّا يَتَنَعَّمُ بهِ مِنْ طَعَامٍ وَأُدْمٍ وَكِسْوَةٍ. وَتسقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ. وَيَبِيعُ الْقَاضِي فِيهَا مَالَهُ، فَإِنْ فُقِدَ الْمَالُ.. أَمَرَهُ بِبَيْعِهِ أَوْ إِعْتَاقِهِ.
كذا قاله الإمام: تفقهًا، وتابعاه 1، وقيده في "الوسيط" ببلادنا 2، قال في "المطلب": واحتز به عن بلاد السودان وغيرها الذين يقتصرون على ذلك؛ فإنه يجوز الاقتصار فيها على ستر العورة؛ لأنه العرف.
(ويسن أن يناوله مما يتنعم به؛ من طعام وأدم) قال في "المحرر": سيِّما إذا عالج الطعام وولِيَ طبخه 3؛ لحديث: "إِذَا أَتىَ أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُقْعِدْهُ مَعَهُ.. فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ وَلِيَ حَرَّهُ وَعِلَاجَهُ" متفق عليه 4.
وليكن ما يناوله لقمة كبيرة تسد مسدًّا لا صغيرة تهيج الشهوة ولا تقضي النهمة.
(وكسوة) لأنها من مكارم الأخلاق.
(وتسقط بمضي الزمان) كنفقة القريب.
(ويبيع القاضي فيها ماله) عند امتناعه وغيبته؛ كنفقة القريب، وهل يبيع شيئًا فشيئًا أم يستدين عليه، فإذا اجتمع عليه شيء صالح باع لأجله؟ وجهان: صحح في "زيادة الروضة"، الثاني 5، فإن لم يمكن بيع بعضه.. باع جميعه؛ كما حكاه في "الكفاية" عن الماوردي 6.
(فإن فقد المال.. أمره ببيعه أو إعتاقه) أو إجارته، دفعًا للضرر، فإن لم يفعل.. باعه الحاكم أو أجره، فإن لم يشتره أحد.. أنفق عليه من بيت المال، فإن لم يكن فيه مال.. فهو من محاويج المسلمين؛ فعليهم القيام به.
وأم الولد قيل: يجبر على عتقها أو تزويجها، والأصحُّ في "الروضة": المنع،
وَيُجْبِرُ أَمَتَهُ عَلَى إِرْضَاعِ وَلَدِهَا -وَكَذَا غَيْرُهُ إِنْ فَضَلَ عَنْهُ- وَفَطْمِهِ قَبْلَ حَوْلَيْنِ إِنْ لَمْ يَضُرَّهُ، وَإِرْضَاعِهِ بَعْدَهُمَا إِنْ لَمْ يَضُرَّهَا. وَلِلْحُرَّةِ حَقٌّ فِي التَّرْبِيَةِ. فَلَيْسَ لِأحَدِهِمَا فَطْمُهُ قَبْلَ حَوْلَيْنِ، وَلَهُمَا إِنْ لَمْ يَضُرَّهُ، وَلأحَدِهِمَا بَعْدَ حَوْلَيْنِ، وَلَهُمَا الزِّيَادَةُ. وَلَا يُكَلِّفُ رَقِيقَهُ إِلَّا عَمَلًا يُطِيقُهُ وَتَجُوزُ مُخَارَجَتُهُ بِشَرْطِ رِضَاهُمَا
بل يخليها لتكتسب وتنفق على نفسها؛ فإن تعذرت نفقتها بالكسب.. ففي بيت المال 1.
(ويجبر أمته على إرضاع ولدها) لأن لبنها ومنافعها له، بخلاف الزوجة؛ فإن الزوج لا يملك ذلك منها، وإرضاع الولد عليه، فلم يكن عليها فعله، (وكذا غيره) معه (إن فضل عنه) لقلة شربه أو لكثرة اللبن؛ لأن منافعها له، فإن لم يفضل.. فلا إجبار؛ لوجود الضرر.
(وفطمه قبل حولين إن لم يضره، وإرضاعه بعدهما إن لم يضرها) وليس لها الاستقلال بالرضاع ولا بالفطم؛ لأنه لا حقَّ لها في نفسها، بخلاف الحرة.
(وللحرة حق في التربية، فليس لأحدهما) أي: لأحد الأبوين (فطمه قبل حولين) لأنها تمام مدة الرضاع، (ولهما إن لم يضره) لاتفاقهما، وعدم الإضرار بالطفل، (ولأحدهما بعد حولين) لمضي مدة الرضاع (ولهما الزيادة) إذا لم تضره، وفي "فتاوي الحناطي": أنه يستحب قطع الرضاعة عند الحولين إلا لحاجة.
(ولا يكلف رقيقه إلا عملًا يطيقه) أي: يطيق المداومة عليه؛ للحديث المار: "وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ" 2، وفسره الشافعي والأصحاب بذلك، قال في "الأم": وليس المراد: ما يطيقه يومًا أو يومين أو ثلاثة ويعجز في الباقي عنه 3.
(وتجوز مخارجته بشرط رضاهما) فليس لأحدهما إجبار الآخر عليها؛ لأنه عقد معاوضة؛ فاعتبر فيه التراضي، ومخارجة العبد ثابتة عن جمع من الصحابة؛ روى
- وَهِيَ: خَرَاج يُؤَدِّيهِ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ أُسْبُوعٍ - وَعَلَيْهِ عَلْفُ دَوَابِّهِ وَسَقْيُهَا، فَإِنِ امْتَنَعَ.. أُجْبِرَ فِي الْمَأْكُولِ عَلَى بَيع أَوْ عَلْفٍ أَوْ ذَبْحٍ، وَفِي غَيْرِهِ عَلَى بَيْعٍ أَوْ عَلْفٍ.
وَلَا يَحْلبُ مَا ضَرَّ وَلَدَهَا.
وَمَا لَا رُوحَ لَهُ كَقَنَاةٍ وَدَارٍ لَا تَجِبُ عِمَارَتُهَا.
===
"البيهقي": أنه كان للزبير ألف مملوك يؤدي إليه الخراج، فلا يُدخل بيتَه من خراجهم شيئًا بَل يتصدق به 1.
(وهي) أي: المخارجة (خراج) معلوم (يؤديه كل يوم أو أسبوع) أو شهر على حسب اتفاقهما، ويشترط: قدرته على كسب مباح، وأن يكون ذلك فاضلًا عن مؤنته إن جعلت في كسبه، فلو قصر كسبه عن قدر خراجه.. لم يصح، كما صرح به الماوردي وغيره 2.
(وعليه علف دوابه وسقيها) لحرمة الروح، وهذا فيما لم تألف الرعي؛ فإن ألفته.. فعليه إرسالها للرعي إن كان هناك ما تشرب منه، واكتفت بذلك ولا مانع من ثلج وغيره، وإلا.. أضاف إليه قدر الكفاية.
و(العلف) - بفتح اللام-: مطعوم الدواب، وبإسكانها المصدر، ويجوز هنا الأمران، وضبطه المصنف بخطه بالإسكان.
(فإن امتنع.. أجبر في المأكول على بيع أو علف) بإسكان اللام؛ كما ضبطه المصنف بخطه، (أو ذبح، وفي غيره على بيع أو علف) صيانةً لها عن الهلاك؛ فإن لم يفعل.. ناب الحاكم عنه في ذلك على ما يراه ويقتضيه الحال.
(ولا يحلب ما ضر ولدها) للنهي عنه، كما صححه ابن حبان 3، (وما لا روح له؛ كقناة ودار لا تجب عمارتها) على مالكها المطلق التصرف؛ لأن ذلك تنمية للمال، ولا يجب على الإنسان ذلك.
نعم؛ يكره ترك عمارة الدار وسائر العقار، والأولى: ترك الزيادة، وربما قيل:
..................................
تكره الزيادة، وصحَّ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيُؤْجَرُ فِي نَفَقَتِهِ كُلِّهَا إِلَّا فِي هَذَا التُّرابِ"، قال ابن حبان: معناه: إذا أنفق فيها فضلًا عما يحتاج إليه من البناء 1.
بداية المحتاج في شرح المنهاج
تأليف الإمام الفقيه القاضي بدر الدين أبي الفضل محمد بن أبي بكر الأسدي الشافعي ابن قاضي شهبة رحمه الله تعالى (798 هـ - 874 هـ)
عنى به أنور بن أبي بكر الشيخي الداغستاني
بمساهمة اللجنة العلمية بمركز دار المنهاج للدراسات والتحقيق العلمي
[المجلد الرابع]
الطَّبْعَةُ الأولى 1432 هـ - 2011 م جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة للناشر
دَارُ المنهَاجِ لِلنّشَرِ والتَّوزيع المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - جدة حَيّ الكندرة - شَارِع أَبِهَا تقاطع شَارِع ابْن زيدون هَاتِف رئيسي: 6326666 - الإدارة: 6300655 المكتبة: 6322471 - فاكس: 6320392 ص. ب: 22943 - جدة: 21416 www.aIminhai.com E - mail: info@aIminhag.com ISBN: 978 - 9953 - 541 - 35 - 8
بدَايَةُ المُحْتَاجِ في شَرْحِ المِنْهَاجِ [4]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يُرد الله به خيرًا يفقهه في الدّين
كتابُ الجراح الْفِعْلُ الْمُزْهِقُ ثَلَاثةٌ: عَمْدٌ، وَخَطَأٌ، وَشِبْهُ عَمْدٍ.
﴿كتاب الجراح﴾
هو: جمع جراحة بكسر (الجيم)، والمراد: ما يحصل به الزهوق، أو الإبانة، أو ما لا يُحصِّل واحدًا منهما، ولما كانت الجراحة تارة تبين عضوًا، وتارة تزهق نفسًا إما بالمباشرة أو بالسراية، وتارة لا تفعل ذلك.. جمعها؛ لاختلاف أنواعها.
وإنما ترجم بـ (الجراح) وإن كان التبويب بـ (الجنايات) أشمل؛ لصدقه على الجناية بالمحدد والمثقل، وعلى غير القتل؛ كالزنا والقذف والشرب والسرقة؛ لأن الجراح أغلب طرق القتل.
والأصل في ابتداء القتل وتحريمه: ما ذكره الله تعالى من قصة ابني آدم هابيل وقابيل، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾.
ومن السنة: أحاديث كثيرة مشهورة سنورد بعضها في محالّها.
والقتل بغير حق أكبر الكبائر بعد الكفر.
وإذا قتل ظلمًا واقتص الوارث، أو عفا على مال أو مجانًا.. فظواهر الشرع تقتضي سقوط المطالبة في الدار الآخرة؛ كما قاله المصنف في "فتاويه"، وذكر مثله في "شرح مسلم" 1، لكن ظاهر تعبير "الشرح" و"الروضة" يدل على بقاء العقوبة؛ فإنهما قالا: ويتعلق بالقتل المحرم وراء العقوبة الأخروية مؤاخذات في الدنيا 2.
(الفعل المزهق) للروح (ثلاثة: عمد، وخطأ، وشبه عمد) وجه الحصر: أن الجاني إن لم يقصد عين المجني عليه.. فهو الخطأ، وإن قصده؛ فإن كان بما يقتل غالبًا.. فهو العمد، وإلا.. فشبه العمد.
وتقييد الفعل بالإزهاق: يخرج الجناية على الأطراف مع أنها كذلك، ويؤخذ ذلك من قوله بعدُ: (يشترط لقصاص الطرف والجرح ما شُرط للنفس).
وَلَا قِصَاصَ إِلَّا فِي الْعَمْدِ، وَهُوَ: قَصْدُ الْفِعْلِ وَالشَّخْصِ بمَا يَقْتُلُ غَالِبًا؛ جَارِحٍ أَوْ مُثَقَّلٍ. فَإِنْ فُقِدَ قَصْدُ أَحَدِهِمَا؛ بِأَنْ وَقَعَ عَلَيْهِ فَمَاتَ، أَوْ رَمَى شَجَرَةً فَأَصَابَهُ.. فَخَطَأٌ. وَإِنْ قَصَدَهُمَا بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا.. فشِبْهُ عَمْدٍ، وَمِنْهُ: الضَّرْبُ بِسَوْطٍ أَوْ عَصًا.
(ولا قصاص إلا في العمد) أما وجوبه فيه عند اجتماع شرائطه.. فبالإجماع، وأما عدم وجوبه في الخطأ.. فلقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ ولم يتعرض للقصاص، وأما عدم وجوبه في شبه العمد.. فلحديث: "أَلَا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا فِيهِ مِئَةٌ مِنَ الإبِلِ" صححه ابن حبان، وابن القطان، وقالا: لا يضره الاختلاف 1.
(وهو) أي: العمد (قصد الفعل والشخص بما يقتل غالبًا، جارح أو مثقل) وقضية هذا التعبير: اشتراط قصد عين الشخص؛ فلو قصد شخصًا فأصاب غيره.. فهو خطأ، وكذا لو قصد إصابة أحد رجلين؛ كما في "الروضة" و"أصلها" في أوائل (الجنايات) في الكلام على التضييف بالسم، وفي الكلام على المنجنيق، واعتمده في "المهمات" وقال البُلْقيني: إنه الأرجح المعتمد 2.
لكن صحح في "زياداته" قبيل (الديات) وجوب القصاص 3.
(فإن فقد قصد أحدهما) أي: الفعل أو الشخص (بأن وقع عليه فمات، أو رمى شجرة فأصابه.. فخطأ) كان حقه أن يقول: (فُقِدَ قَصدُهما، أو قصد أحدهما) فإن المثال الأول فقد فيه قصدهما، والثاني: فقد فيه قصد أحدهما، وهو الشخص، وقصد الشخص دون الفعل متعذر.
(وإن قصدهما) يعني: الفعل والشخص (بما لا يقتل غالبًا.. فشبه عمد، ومنه: الضرب بسوط أو عصًا) للحديث السابق، ومحله: في السوط والعصا الخفيفين بشرط ألّا يوالي بين الضربات، وألّا يشتد الألم ويبقى إلى الموت، وألّا
فَلَوْ غَرَزَ إِبْرَةٌ بِمَقْتَلٍ.. فَعَمْدٌ، وَكَذَا بِغَيْرِهِ إِنْ تَوَرَّمَ وَتألَّمَ حَتَّى مَاتَ، فَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ أَثَرٌ وَمَاتَ فِي الْحَالِ.. فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَقِيلَ: عَمْدٌ، وَقِيلَ: لَا شَيْءَ. وَلَوْ غَرَزَ فِيمَا لَا يُؤْلمُ كَجِلْدَةِ عَقِبٍ.. فَلَا شَيْءَ بِحَالٍ.
يكون الضرب في مقتل، أو المضروب صغيرًا أو ضعيفًا، وألّا يكون في شدة حر أو برد معين على الهلاك، فإن كان فيه شيء من ذلك.. فهو عمد؛ لأنه يقتل غالبًا في هذه الأحوال.
قاله في "الروضة" و"أصلها" 1.
(فلو غرز إبرة بمقتل) كالعين وأصول الأذن والحلق والدماغ (.. فعمد) لخطر الموضع وشدة تأثيره، (وكذا بغيره) أي: بغير المقتل؛ كالإلية والفخذ (إن توزم وتألّم حتى مات) لحصول الهلاك به، وظاهر كلامه: أنه لا بد من اجتماع التورم والتألم.
ومفهومه: أنه لا قصاص في الألم بلا ورم، لكن صحح في "شرح الوسيط" الوجوب، وأما عكسه -وهو الورم بلا ألم-.. فقد لا يتصور؛ ولهذا اقتصر في "الحاوي الصغير" على الورم؛ للزوم الألم له 2.
(فإن لم يظهر أثر ومات في الحال.. فشبه عمد) لأن الغالب منه السلامة؛ كالضرب بسوط خفيف، (وقيل: عمد) كما لو طعنه بمِسَلَّة فمات في الحال؛ لأن في البدن مقاتل خفية، فربما صادفها، (وقيل: لا شيء) أي: لا قصاص ولا دية؛ إحالة للموت على سبب آخر.
وما ذكره من التفصيل بين المقتل وغيره إنما هو في حق المعتدل، أما إذا غرز في بدن صغير أو شيخ همٍّ، أو نضو الخلق في أي موضع كان.. وجب القصاص؛ كما نقلاه عن "الرقم" للعبادي، وأقراه 3.
(ولو غرز) إبرة (فيما لا يؤلم؛ كجلدة عقب.. فلا شيء بحال) لعلمنا أنه لم
وَلَوْ حَبَسَهُ وَمَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَالطَّلَبَ حَتَّى مَاتَ؛ فَإِنْ مَضَتْ مُدَّةٌ يَمُوتُ مِثْلُهُ فِيهَا غَالِبًا جُوعًا أَوْ عَطَشًا.. فَعَمْدٌ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ جُوع وَعَطَشٌ سَابِقٌ.. فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ جُوع وَعَطَشٍ وَعَلِمَ الْحَابِسُ الْحَالَ.. فَعَمْدٌ،
يمت به، والموت عقبه موافقةُ قدر؛ فهو كما لو ضربه بقلم أو ألقى عليه خرقة فمات في الحال.
(ولو حبسه ومنعه الطعام والشراب والطلب حتى مات) جوعًا أو عطشًا (فإن مضت مدة يموت مثله فيها غالبًا جوعًا أو عطشًا.. فعمد) لأنه قصد إهلاكه بما يهلك به، وتختلف المدة باختلاف حال المحبوس قوة وضعفًا، والزمان حرًّا وبردًا؛ لأن فقد الماء في الحر ليس كهو في البرد.
واحترز بقوله: (منعه): عما إذا كانا عنده وأمكنه تناولهما فلم يتناولهما؛ خوفًا أو حزنًا، أو أمكنه طلبهما ولو بالسؤال فلم يفعل.. فلا قصاص ولا ضمان على حابسه؛ لأنه قتل نفسه.
وقوله: (منعه الطعام والشراب)، كذا لو منعه أحدهما فمات بسببه.
نعم؛ لو منعه الماء دون الطعام فلم يأكل خوفًا من العطش فمات.. فلا قصاص قطعًا ولا دية على الأصح، ولو حبسه وعراه، فمات بالبرد.. فكمنعه الأكل، قاله القاضي الحسين.
وقوله: (حبسه): قد يفهم أنه لو منعه من غير حبس؛ كما لو أخذ زاده أو ماءه في مفازة، أو عراه، فمات جوعًا أو عطشًا أو بردًا.. أنه لا ضمان، وهو كذلك؛ لأنه لم يحدث فيه صنعًا 1.
(وإلا) أي: وإن لم تمض هذه المدة ومات (فإن لم يكن به جوع وعطش سابق.. فشبه عمد) لأنه لا يقتل غالبًا.
(وإن كان بعض جوع وعطش وعلم الحابس الحال.. فعمد) لظهور قصد الهلاك، والمراد: أنه حبسه مدة إذا أضيفت إلى مدة جوعه أو عطشه السابق.. بلغت
وَإِلَّا.. فَلَا فِي الأَظْهَرِ. وَيَجِبُ الْقِصَاصُ بِالسَّبَبِ، فَلَوْ شَهِدَا بِقِصَاصٍ فَقُتِلَ دمَّ رَجَعَا وَقَالَا: تَعَمَّدْنَا.. لَزِمَهُمَا الْقِصَاصُ
المدة القاتلة؛ فإن كان مجموع المدتين لا يبلغ ذلك.. فهو كما لو لم يكن به شيء سابق ذكره المنكت، وقال: قلته تفقهًا، ولا بد منه، وهو مرادهم بلا شك، وتبعه الزركشي 1، قال شيخنا: وهو معلوم من القسم الذي قبله.
(وإلا) أي: وإن لم يعلم الحابس الحال (.. فلا في الأظهر) لأنه لم يقصد إهلاكه؛ كما لو دفعه دفعًا خفيفًا فسقط على سكين وراءه وهو جاهل بها.. فإنه لا قصاص، والثاني: يلزمه القصاص؛ كما لو ضرب المريض ضربًا يهلكه ولا يهلك الصحيح وهو جاهل بمرضه.
(ويجب القصاص بالسبب) قياسًا على المباشرة، والسبب هو: الذي يصدق أن يقال: إنه ما قتله، ولكنه أمر به، أو حمل عليه، أو سلك الطريق المقتضي إليه، والمباشرة هي: التي لا يصدق فيها هذا.
وكان الأحسن تقديم هذا على مسألة الحبس؛ فإنها من الأسباب.
(فلو شهدا بقصاص) في نفس أو طرف، أو بردّة، أو سرقة (فقتل) أو قطع بعد حكم الحاكم بشهادتهما (ثم رجعا وقالا: "تعمّدنا") وعلمنا أنه يقتل بشهادتنا (.. لزمهما القصاص) لتوصلهما إلى قتله أو قطعه بسبب يقتل به ويقطع غالبًا، فلو قالا: تعمّدنا، ولكن لم نعلم أنه يقتل بشهادتنا وكان ممن يخفى عليهما؛ لقرب إسلامهما.. لا يجب عليهما القود، بل يجب دية شبه عمد؛ كما ذكراه في (باب الرجوع عن الشهادة) 2.
وإن لم يخف عليهما ذلك.. وجب القود.
وقد يرِدُ على مفهوم الكتاب: ما لو قال كل منهما: (تعمدت، ولا أعلم حال صاحبي)، أو اقتصر على: (تعمدت).. فإنه يلزمهما القصاص؛ كما ذكراه في
إلَّا أَنْ يَعْتَرِفَ الْوَليُّ بِعِلْمِهِ بِكَذِبِهِمَا. وَلَوْ ضَيَّفَ بِمَسْمُومٍ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا فَمَاتَ.. وَجَبَ الْقِصَاصُ، أَوْ بَالِغًا عَاقِلًا وَلَمْ يَعْلَمْ حَالَ الطَّعَامِ.. فَدِيَة، وَفِي قَوْلٍ: قِصَاصٌ،
(رجوع الشهود) عن البغوي وغيره 1.
(إلا أن يعترف الولي بعلمه بكذبهما) حين القتل، فلا قصاص -والحالة هذه- عليهما؛ لأنهما لم يلجئاه إلى قتله حسًّا ولا شرعًا؛ فصار قولهما شرطًا محضًا؛ كالمسك مع القاتل، فعلى الولي حينئذ القصاص رجعوا أو لم يرجعوا؛ فلو قال: (عرفت كذبهما بعد القتل).. لم يسقط القصاص عنهما.
قال البُلْقيني: ويرد على حصره الاستئناء: ما لو اعترف القاضي بعلمه بكذبهما حين الحكم أو القتل دون الولي.. فالقصاص على القاضي دون الشهود ولو اعترفوا.
وقد ذكر المصنف في (كتاب الشهادات): ما إذا رجع الولي وحده ومع الشهود، وسيأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى.
(ولو ضيَّف بمسموم) يقتل غالبًا وهو عالم به (صبيًّا أو مجنونًا فمات.. وجب القصاص) سواء قال له: (هو مسموم) أم لا؛ لإلجائهما إليه، ومثله: الأعجمي الذي يعتقد طاعة الأمر، قال الرافعي: ولم يفرقوا بين الصبي المميز وغيره، ولا نظروا إلى أن عمد الصبي عمد أم خطأ، وللنظرين مجال، واعترضه في "المهمات": بأن ابن الصباغ والمتولي فرّقا بين المميز وغيره، قال: وهو مقتضى ما في "التهذيب" و"البيان" 2.
وقال البُلْقيني: الذي نص عليه في "الأم" وصرح به الشيخ أبو حامد عن النص، والماوردي والمَحاملي والسَّرَخْسي وغيرهم: أن إيجاب القصاص إنما هو في غير المميز، أما المميز.. فكالبالغ.
(أو بالغًا عاقلًا ولم يعلم حال الطعام.. فدية) شبه عمد، ولا قصاص؛ لأنه تناوله باختياره من غير إلجاء، (وفي قول: قصاص) لأن القتل بالسم في العادة إنما يكون بهذه الطرق، فلو لم يجب القصاص.. لجعل طريقًا إلى قتل الناس بالسم،
وَفِي قَوْلٍ: لَا شَيْءَ. وَلَوْ دَسَّ سُمًّا فِي طَعَامِ شَخْصٍ الْغَالِبُ أَكْلُهُ مِنْهُ فَأَكَلَهُ جَاهِلًا.. فَعَلَى الأَقْوَالِ. وَلَوْ تَرَكَ الْمَجْرُوحُ عِلَاجَ جُرْحٍ مُهْلِكٍ فَمَاتَ.. وَجَبَ الْقِصَاصُ. وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ لَا يُعَدُّ مُغْرِقًا كَمُنْبَسِطٍ فَمَكَثَ فِيهِ مُضْطَجِعًا حَتَّى هَلَك.. فَهَدَرٌ،
وفيه فساد، وهذا ما رجحه في "الأم" 1، فقال: إنه أشبه القولين، قال الأَذْرَعي: فهو المذهب، (وفي قول: لا شيء) تغليبًا للمباشرة على السبب.
واحترز بقوله: (ولم يعلم): عمّا إذا علم.. فلا شيء على المضيف جزمًا؛ لأنه أهلك نفسه.
(ولو دسّ سمًّا في طعام شخص الغالب أكله منه فأكله جاهلًا.. فعلى الأقوال) في المسألة قبلها؛ لما سلف.
(ولو ترك المجروح علاج جرح مُهلك فمات.. وجب القصاص) على الجارح؛ لأن البرء غير موثوق به لو عالج، والجراحة مهلكة.
واحترز بقوله: (مهلك): عما لو فصده فلم يعصب العرق حتى مات.. فإنه لا ضمان قطعًا.
(ولو ألقاه في ماء لا يعد مغرقًا، كمنبسط فمكث فيه مضطجعًا) أو مستلقيًا أو جالسًا (حتى هلك.. فهدر) لأنه المهلك نفسه، هذا إذا لم يكتفه، فإن كتفه وألقاه على هيئة لا يمكنه الخلاص.. فعليه القصاص، وقيّد في "أصل الروضة" الماء بكونه راكدًا، وعبارة الرافعي تقتضيه 2، خلافًا لما فهمه شيخنا 3.
قال في "المهمات": ولا حاجة لهذا القيد، والصواب: حذفه كما في "المحرر" انتهى 4.
أَوْ مُغْرِقٍ لَا يَخْلُصُ مِنْهُ إِلَّا بِسِبَاحَةٍ؛ فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْهَا أَوْ كَانَ مَكْتُوفًا أَوْ زَمِنًا.. فَعَمْدٌ، وَإِنْ مَنَعَ مِنْهَا عَارِضٌ كَرِيحٍ وَمَوْجٍ.. فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَإِنْ أَمْكَنَتْهُ فَتَرَكَهَا.. فَلَا دِيَةَ فِي الأَظْهَرِ. أَوْ فِي نَارٍ يُمْكِنُ الْخَلَاصُ فَمَكَثَ.. فَفِي الدِّيَةِ الْقَوْلَانِ. وَلَا قِصَاصَ فِي الصُّورَتيْنِ، وَفِي النَّارِ وَجْهٌ. وَلَوْ أَمْسَكَهُ فَقَتَلَهُ آخَرُ، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَرَدَّاهُ فِيهَا آخَرُ، أَوْ أَلْقَاهُ مِنْ شَاهِقٍ
وظاهر كلام المصنف: أن المنبسط صفة للماء، وجعله في "الروضة" صفة للموضع، فقال: وإن كان الماء راكدًا في موضع منبسط 1، قال الزركشي: إنه لا يلزم من كون الموضع منبسطًا أن يكون الماء كذلك، فتعبيره هنا أوفق للتصوير.
(أو مغرق لا يخلص منه إلا بسباحة؛ فإن لم يحسنها أو كان مكتوفًا أو زمنًا) أو ضعيفًا (.. فعمد) لأنه يهلك مثله، فإن لم يتوقع الخلاص منه بالسباحة كلجّة البحر.. وجب القصاص، سواء كان يحسن السباحة أم لا.
(وإن منع منها) وهو يحسنها (عارض؛ كريح وموج.. فشبه عمد) أي: فتجب ديته، ولا قود، (وإن أمكنته) السباحة (فتركها) خوفًا، أو لجاجًا (.. فلا دية في الأظهر) لأنه بتركه السباحة معرض عما ينجيه؛ كما لو حبسه ولم يمنعه الأكل، فلم يأكل، والثاني: تجب؛ لأنه قد يمنعه من السباحة دهشة وعارض باطن.
(أو في نار يمكن الخلاص) لمثله منها (فمكث.. ففي الدية القولان) في الماء، وقد عرفتهما بتعليلهما، والأظهر: عدم وجوبها، (ولا قصاص في الصورتين) أي: في صورة الإلقاء في الماء، والنار؛ لأنه الذي قتل نفسه.
(وفي النار وجه) بوجوب القصاص؛ كما لو ترك المجروح المداواة، وفي الماء وجه أيضًا.
واحترز بقوله: (يمكن الخلاص): عما إذا لم يمكن؛ لعظمها، أو كونها في وهدة، أو كونه مكتوفًا أو زمنًا أو صغيرًا.. فإنه يجب القصاص.
(ولو أمسكه فقتله آخر، أو حفر بئرًا فردّاه فيها آخر، أو ألقاه من شاهق) أي:
فَتَلَقَّاهُ آخَرُ فَقَدَّهُ.. فَالْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ وَالْمُرْدِي وَالْقَادِّ فَقَطْ. وَلَوْ أَلْقَاهُ فِي مَاءٍ مُغْرِقٍ فَالْتَقَمَهُ حُوتٌ.. وَجَبَ الْقِصَاصُ فِي الأَظْهَرِ،
مكان عال (فتلقاه آخر فقدّه) أي: قطعه نصفين مثلًا (.. فالقصاص على القاتل والمردي والقاد فقط) أي: دون الممسك والحافر والملقي؛ أما الأولى: فلحديث: "إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ حَتى جَاءَ آخَرُ فَقَتَلَهُ.. قُتِلَ القَاتِلُ، وَحُبِسَ المُمْسِكُ" أخرجه الدارقطني، وصحح ابن القطان إسناده 1، وكما لا قصاص لا دية، بل يعزر؛ لأنه آثم، ولهذا قال في الحديث: "يحبس".
نعم؛ لو كان المقتول عبدًا.. طولب الممسك بالضمان باليد، والقرار على القاتل، هذا كله إذا كان القاتل مكلفًا، فلو أمسكه وعرضه لمجنون ضارٍ أو سبع فقتله.. فالقصاص على الممسك؛ لأنه يعد قاتله عرفًا، حكاه ابن كج عن النص، وقال في "المطلب": لا خلاف فيه.
وأما الثانية: فتقديمًا للمباشرة؛ لأن الحفر شرط ولا أثر له مع المباشرة، ولا يخفى أن وجوب القصاص على المردي إذا كانت التردية يحصل منها القتل غالبًا.
وأما الثالثة: فلأن فعله قطع أثر السبب، هذا إذا كان القادّ له اختيار؛ فالمجنون الضاري يُلغى فعله، وكذا لو كان في أسفل البئر حية عادية بطبعها أو نمر ضار، فأهلكه.. يجب الضمان على المردي، كذا نقله الرافعي عن الإمام، ثم قال: وأطلق البغوي نفي الضمان إذا افترسه سبع قبل وصوله إلى الأرض 2.
قال الزركشي: وكأنه رام إثبات خلاف، والظاهر: ما قاله الإمام؛ فقد حكاه ابن كج عن النص.
(ولو ألقاه في ماء مُغرق) كلجة بحر ولا يقدر على الخلاص منه؛ كما قيده ابن الرفعة 3، وهي عبارة الشافعي رضي الله عنه؛ كما أفاده البُلْقيني (فالتقمه حوت.. وجب القصاص في الأظهر) لأنه رماه في مهلك، وقد هلك به بسبب إلقائه، ولا نظر
أَوْ غَيْرِ مُغْرِقٍ.. فَلَا. وَلَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى قَتْلٍ.. فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَكَذَا عَلَى الْمُكْرَهِ فِي الأَظْهَرِ،
إلى جهة الهلاك؛ كما لو ألقاه في بئر مهلكة في أسفلها سكاكين لم يعلم بها الملقي فهلك بها، والثاني: المنع؛ لحصوله بغير ما قصد به الإهلاك، بل تجب دية مغلظة، وهذا القول من تخريج الربيع من صورة الإلقاء من شاهق، والأصحاب بين رادٍّ له ومضعف؛ فكان ينبغي التعبير بـ (النص).
وسواء التقمه قبل وصوله إلى الماء أو بعده، في نيل مصر وغيره.
ومحل الخلاف: إذا لم يحصل الالتقام بقصد الملقي، أما لو رفع الحوت رأسه فألقمه إياه.. فعليه القصاص قطعًا.
ومحله أيضًا: ما إذا لم يعلم بالحوت الذي في اللجة؛ فإن علم به.. وجب القود قطعًا؛ كما لو ألقاه على أسد في زُبْيَتِه كذا جزم به في "المذاكرة"، وقال صاحب "المعين": أفهمه كلام الأصحاب.
(أو غير مغرق.. فلا) قصاص قطعًا؛ لأنه لم يقصد إهلاكه، ولم يشعر بسبب الإهلاك، فأشبه ما لو دفعه دفعًا خفيفًا فوقع على سكين ولم يعلم بها الدافع، ولكن يجب في الصورتين دية شبه العمد.
وقضية التعليل: أنه إذا علم أن هناك حوتًا.. يجب القود، وهو ما صرّح به في "الوسيط"، واقتضاه كلام الرافعي 1.
(ولو أكرهه على قتل) بغير حق (.. فعليه القصاص) لأنه أهلكه بما يقصد به الهلاك غالبًا، فأشبه ما إذا رماه بسهم فقتله، وقيل: لا؛ لأنه متسبب، والمأمور مباشر.
(وكذا على المكرَه) بفتح الراء (في الأظهر) لأنه قتله عمدًا عدوانًا لاستبقاء نفسه، فأشبه ما لو قتله المضطر ليأكله بل أولى؛ لأن المضطر على يقين من التلف إن لم يأكل، بخلاف المكره، والثاني: المنع؛ لحديث: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي: الْخَطَأُ،
فَإِنْ وَجَبَتِ الدِّيَةُ.. وُزِّعَتْ، فَإِنْ كَافَأَهُ أَحَدُهُمَا فَقَطْ.. فَالْقِصَاصُ عَلَيْهِ. وَلَوْ أَكْرَهَ بَالِغٌ مُرَاهِقًا.. فَعَلَى الْبَالِغِ الْقِصَاصُ إِنْ قُلْنَا: عَمْدُ الصَّبِيِّ عَمْدٌ، وَهُوَ الأَظْهَرُ.
والنِّسْيَانُ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ" 1.
ولأنه كالآلة للمكرِه، فصار كما لو ضربه به، وإطلاقه يقتضي: أنه لا فرق في جريان الخلاف بين كون المكرِه الإمام أو نائبه، أو إمام البغاة، أو المتغلب باللصوصية، وغيرهم، وهو الصحيح.
وقيل: محله في الإمام؛ فإن كان متغلبًا.. اقتص من المأمور قطعًا.
والفرق: أن الإمام واجب الطاعة في الجملة فأمره وإكراهه يورث شبهة تدرأ القصاص، والأصحُّ: أن الإكراه هنا لا يحصل إلا بالتخويف بالقتل، أو بما يخاف منه التلف كالقطع والضرب الشديد، وقيل: يحصل بما يحصل به الإكراه على الطلاق.
(فإن وجبت الدية) بأن آل الأمر إليها (.. وزِّعت) كالشريكين (فإن كافأه أحدهما فقط) بأن كان المقتول ذميًّا أو عبدًا، وأحدهما كذلك، والآخر مسلم أو حر (.. فالقصاص عليه) دون الآخر؛ لأنهما كالشريكين، وشريك غير المكافئ يلزمه القود؛ كشريك الأب.
(ولو أكره بالغ) عاقل (مراهقًا) أو عكسه (.. فعلى البالغ القصاص إن قلنا: عمد الصبي عمد، وهو الأظهر) لوجود مقتضيه، وهو القتل المحض العدوان، واندفع عن المراهق؛ لعدم التكليف، فإن قلنا: عمده كخطأ البالغ.. فلا؛ كما لو اشترك المخطئ، والعامد في القتل.
وما أطلقه من أن (عمد الصبي عمد) قيّده في "الروضة" في الكلام على شريك الصبي نقلًا عن القفال وغيره بمن له نوع تمييز، أما من لا تمييز له.. فعمده خطأ قطعًا 2.
وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى رَمْيِ شَاخِصٍ عَلِمَ الْمُكْرِهُ أَنَّهُ رَجُلٌ وَظَنَّهُ الْمُكْرَهُ صَيْدًا.. فالأَصَحُّ: وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى الْمُكْرِهِ. أَوْ عَلَى رَمْيِ صَيْدٍ فَأَصَابَ رَجُلًا.. فَلَا قِصَاصَ عَلَى أَحَدٍ. أَوْ عَلَى صُعُودِ شَجَرَةٍ فَزَلقَ وَمَاتَ.. فَشِبْهُ عَمْدٍ، وَقِيلَ: عَمْدٌ.
(ولو أكره على رمي شاخص علم المكره أنه رجل، وظنّه المكره صيدًا) أو حجرًا (.. فالأصح: وجوب القصاص على المكرِه) أي: بكسر الراء لأنه قتله قاصدًا للقتل بما يقتل غالبًا، دون المكرَه بفتحها؛ لأنه جاهل بالحال، فكان كالآلة للمكرِه؛ كما إذا أمر صبيًّا لا يعقل أو أعجميًّا يعتقد وجوب طاعة الأمر ولا يميز بين المحظور والمباح بقتل إنسان، فقتله.. فإنه يجب القصاص على الآمر، والثاني: لا تجب عليه؛ لأنه شريك مخطى، وقال البُلْقيني: إنه المعتمد في الفتوى، وحكاه عن "تعليق" القاضي و"التهذيب" و"النهاية" و"البسيط"، قال: والأول مفرع على مرجوح وهو: أن المكرَه كالآلة، والأصحُّ: أنه شريك، وتبعه الزركشي.
(أو على رمي صيد فأصاب رجلًا.. فلا قصاص على أحد) من المكرِه والمكرَه؛ لأنهما لم يتعمداه، وتجب نصف الدية على عاقلة هذا، ونصفها على عاقلة ذاك إن ضمّنا المكره -بفتح الراء- وهو الأظهر، وجميعها على عاقلة المكره -بكسر الراء- إن لم نضمن المكره بفتح الراء.
(أو على صعود شجرة) أو على نزول بئر (فزلق ومات.. فشبه عمد) لأنه لا يقصد به القتل غالبًا، وقضيته: وجوب الدية على عاقلة المكره بكسر الراء، وبه جزم في "التهذيب" 1، قال الأَذْرَعي: لكن حكى ابن القطان في "فروعه" نص الشافعي على أنها في ماله، (وقيل: عمد) لأنه تسبب إلى قتله، فأشبه ما لو رماه بسهم، ولا يؤثر خطأ المكره -بفتح الراء- حتى يجعل شريك خاطى؛ لأن خطأه نشأ من إكراهه، وهذا قاله الغزالي 2.
قال ابن السكري في "حواشي الوسيط": والتحقيق: أن صعود الشجرة ونحوه إن
أَوْ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ.. فَلَا قِصَاصَ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ قَالَ: (اقْتُلْنِي وَإِلَّا قَتَلْتُكَ) فَقَتَلَهُ.. فَالْمَذْهَبُ: لَا قِصَاصَ،
كان مما لا يسلم منه في العادة غالبًا.. فيجب به القصاص، وإن كان مما يسلم منه غالبًا فهو شبه عمد.
قال: فإن قيل: إذا كان ذلك مما يغلب فيه العطب وتعاطاه.. فهو مكره على قتل نفسه، وإكراهه على قتل نفسه غير متصور.
قلنا: المكره على قتل نفسه لا يتخلص من المكره -بكسر الراء- إلا بقتل نفسه، والمكره على صعود شجرة يتخلص بالطلوع وقد يغلبه الأمل، ويسوقه الأجل فيفعل ويتخلص، بخلاف القتل.
(أو على قتل نفسه) بأن قال: (اقتل نفسك، وإلا.. قتلتك) (.. فلا قصاص في الأظهر) وما جرى ليس بإكراه حقيقة؛ إذ المكرَه من يتخلص بما أمر به عما هو أشد عليه، وهو الذي خوفه المكره، وههنا المأمور به القتل؛ فلا يتخلص بقتل نفسه عن القتل، فصار كأنه مختار له، والثاني: يجب؛ لأنه بالإكراه على القتل والإلجاء إليه قاتل له.
وجعل أبو الفرج الزّاز محل الخلاف: ما إذا خوفه بمثل ذلك القتل؛ فإن خوفه بعقوبة فوق القتل؛ كالإحراق والتمثيل.. فهو إكراه، وجرى عليه في "الشرح الصغير" فقال: يشبه أن يكون ذلك إكراهًا.
ويستثنى من الكتاب: ما إذا كان المكره -بفتح الراء- غيرَ مميز؛ لصغر أو جنون.. فإنه يجب القصاص على المكرِه بكسر الراء.
(ولو قال: "اقتلني، وإلا.. قتلتك"، فقتله.. فالمذهب: لا قصاص) لأنه أذن له في قتله، والإذن شبهة دارئة للقصاص، وفي قول: يجب؛ لأن القتل لا يباح بالإذن، فأشبه إذن المرأة في الزنا، وهو لا يسقط الحد، وقد حكى الرافعي الطريقين في الإذن المجرد، ثم قال: فإن انضم إلى ذلك إكراه.. فسقوط القصاص أَوْجَه 1.
وَالأَظْهَرُ: لَا دِيَةَ.
وَلَوْ قَالَ: (اقْتُلْ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا).. فَلَيْسَ بإِكْرَاهٍ.
فَصْلٌ [في اجتماع مباشرتين]
وُجِدَ مِنْ شَخْصَيْنِ مَعًا فِعْلَانِ مُزْهِقَانِ مُذَفِّفَانِ كَحَزٍّ وَقَدٍّ، أَوْ لَا كَقَطْعِ عُضْوَيْنِ.. فَقَاتِلَانِ.
(والأظهر: لا دية) بناء على أنها تثبت للمقتول في آخر جزء من حياته، ثم ينتقل إلى الوارث، وهو الأظهر، ولهذا تنفذ منها وصاياه، وتقضى ديونه، ولو كانت للورثة ابتداء.. لم يكن كذلك، والثاني: تجب، ولا يؤثر إذنه؛ بناء على أنها تثبت للورثة ابتداءً عقب هلاك المقتول.
ومحل الخلاف: إذا أمكن دفعه بغير القتل، فإن لم يمكن دفعه إلا بالقتل.. فلا قود ولا دية قطعًا؛ كما أشار إليه في "الشرح" و"الروضة" 1.
لا يقال: إذا أمكن دفعه بغير القتل.. فقد انتفى الإكراه؛ فينبغي أن يجب القصاص جزمًا؛ لأنا نقول: الإذن بلا إكراه مسقط.
(ولو قال: "اقتل زيدًا أو عمرًا") وإلّا قتلتك (.. فليس بإكراه) لأنه بقتل أحدهما مختار لتعيينه، والمكره هو المحمول على قتل معين لا يجد عنه محيصًا، وقيل: إنه إكراه، لأنه لا يتخلص إلا بقتل أحدهما، فهو ملجأ إليه، فعلى هذا: قال ابن الرفعة: يظهر أن يجيء في القصاص على القاتل قولا المكرَه، وأما المكره -بالكسر-.. فيظهر تخريجه على الخلاف في قصد عين الشخص هل يشترط في العمدية، وفيه خلاف، فإن شرطناه.. لم يجب، وإلا.. وجب.
(فصل: وجد من شخصين معًا فعلان مزهقان مذففان؛ كحز وقد أو لا) أي: غير مذففين (كقطع عضوين) ومات منهما (.. فقاتلان) يجب عليهما القصاص أو الدية؛ لوجود السبب منهما.
واقتضى كلامه: أنه لو كان فعل أحدهما مذففًا دون الآخر أن القاتل صاحب
وَإِنْ أَنْهَاهُ رَجُلٌ إِلَى حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ؛ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ إِبْصَارٌ وَنُطْقٌ وَحَرَكَةُ اخْتِيَارٍ، ثُمَّ جَنَى آخَرُ.. فالأَوَّلُ قَاتِلٌ، ويُعَزَّرُ الثَّانِي، وَإِنْ جَنَى الثَّانِي قَبْلَ الإِنْهَاءِ إِلَيْهَا؛ فَإِنْ ذَفَّفَ كَحَزٍّ بَعْدَ جُرْحٍ.. فَالثَّانِي قَاتِلٌ، وَعَلَى الأَوَّلِ قِصَاصُ الْعُضْوِ أَوْ مَالٌ بِحَسَبِ الْحَالِ، وَإِلَّا.. فقاتِلَانِ. وَلَوْ قَتَلَ مَرِيضا فِي النَّزْعِ وَعَيْشُهُ عَيْشُ مَذْبُوحٍ.. وَجَبَ الْقِصَاصُ..
المذفف، قال في "أصل الروضة": وهو قياس ما سنذكره 1.
واحترز بقوله: (معًا): عما إذا ترتب فعلهما، وسنذكره.
(وإن أنهاه رجل إلى حركة مذبوح؛ بأن لم يبق إبصار ونطق وحركة اختيار، ثم جنى آخر.. فالأول قاتل) لأنه صيّره إلى حالة اليأس التي لا يصح فيها إسلامه ولا ردته، ولا يرث ولا يورث، وينتقل ماله إلى ورثته الموجودين دون من حدث بعدها، (ويعزر الثاني) لهتكه حرمة الميت.
(وإن جنى الثاني قبل الإنهاء إليها؛ فإن ذفّف؛ كحزٍّ بعد جرح.. فالثاني قاتل) لأن الجرح إنما يقتل بالسراية، وحزّ الرقبة يقطع أثر السراية، وسواء تيقن الهلاك من الجراحة بعد يوم أو أيام أو لا؛ لأن له في الحال حياة مستقرة، وقد عهد عمر رضي الله عنه في هذه الحالة، فعمل بعهده ووصاياه 2.
(وعلى الأول قصاص العضو أو مال بحسب الحال) من تعمده أو خطئه، (وإلا) أي: وإن لم يذفف الثاني؛ كما لو قطع كف شخص، وقطع آخر مرفق ذلك الكف أو جافاه ومات بسرايتهما (.. فقاتلان) لأن القطع الأول قد انتشرت سرايته وآلامه إلى الأعضاء الرئيسة التي هي الكبد والقلب والرأس، وانضم إليها ألم الثاني، ومات من الألمين، ولو شك في الانتهاء إلى حركة المذبوح.. عمل بقول أهل الخبرة.
(ولو قتل مريضًا في النزع وعيشه عيش مذبوح.. وجب القصاص) لأن انتهاء المريض إلى تلك الحالة غير مقطوع به، وقد يُظن ذلك ثم يشفى، بخلاف من انتهى إلى حركة المذبوح بجراحة.
وما جزم به قد يخالفه ما في (الفرائض) من "زيادة الروضة" عن الأصحاب: أن
فَصْلٌ [في شروط القود]
قَتلَ مُسْلِمًا ظَنَّ كُفْرَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ.. فَلَا قِصَاصَ، وَلَا دِيَةَ فِي الأَظْهَرِ،
من صار في حالة النزع.. فله حكم الموتى 1، وما في "الروضة" و"أصلها" من (الوصايا) من أن من وصل إلى ذلك في حيز الأموات 2.
قال الأَذْرَعي: وهذا ما عليه العراقيون، وصرح الشيخ أبو حامد والقاضي الحسين: بأنه لا يجب على قاتله قود ولا دية ولا كفارة؛ لأنه ليس فيه حياة مستقرة، وإنما يتحرك حركة مذبوح، وهو الظاهر المختار؛ لأن القصاص يدرأ بالشبهة كالحدود، وكيف يجب القود على من قد يقطع بموته في الحال ويعد في حيز الموتى وحركة المذبوحين؟ ! انتهى.
وجمع شيخنا بين الكلامين بأن ما في (الفرائض) محمول على من صار إلى تلك الحالة بجراحة، وما في (الوصايا) على ترك الاعتداد بقوله.
(فصل: قتل مسلمًا ظنّ كفره بدار الحرب) أو في صفهم؛ بأن كان عليه زي الكفار، أو رآه يعظم آلهتهم (.. فلا قصاص ولا دية في الأظهر) 3 للعذر، ولأنه أسقط حرمة نفسه بمقامه في دار الحرب التي هي دار الإباحة، والثاني: تجب الدية؛ لأنها تثبت مع الشبهة، وتجب الكفارة قطعًا.
واحترز بقوله: (ظن كفره) عما إذا لم يظنه، وفيه تفصيل ذكره الرافعي في (باب كفارة القتل) عن البغوي فقال: إن عرف مكانه وقصده.. فكقتله له بدار الإسلام، وإن قصد غيره فأصابه.. فدية مخففة على العاقلة، وإن لم يعرف مكانه ورمى سهمًا إلى صف الكفار في دار الحرب سواء علم أن في الدار مسلمًا أم لا.. نظر إن لم يعيِّن شخصًا، أو عيّن كافرًا فأخطأ وأصاب مسلمًا.. فلا قود ولا دية، وكذا لو قتله في
أَوْ بِدَارِ الإِسْلَامِ.. وَجَبَا، وَفِي الْقِصَاصِ قَوْلٌ. أَوْ مَنْ عَهِدَهُ مُرْتَدًّا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ عَبْدًا أَوْ ظَنَّهُ قَاتِلَ أَبِيهِ فَبَانَ خِلَافُهُ.. فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ الْقِصَاصِ
بيات أو غارة ولم يعرفه، وإن عيّن شخصًا فأصابه فكان مسلمًا.. فلا قصاص، وفي الدية: قولان 1.
قال البُلْقيني: وصورة مسألة الكتاب: أن يكون القاتل مسلمًا، فلو كان ذميًّا لم يستعن به المسلمون.. وجب عليه القود على الأرجح المعتمد، وفي نص الشافعي ما يشهد له.
انتهى.
(أو بدار الإسلام.. وجبا) أي: على البدل؛ لأن الظاهر من حال من هو في دار الإسلام العصمة، (وفي القصاص قول) أنه لا يجب؛ لأنه الذي أبطل حقه بخروجه على زيِّ الكفار، قال الأَذْرَعي: ولم أر ترجيح الأول إلا للرافعي، وفيه وقفة؛ لأن من خرج في دارنا على هيئة الكفار الظاهرة لا يرتاب في أنه منهم، والقصاص يدرأ بالشبهة.
(أو من عهده مرتدًّا أو ذميًّا أو عبدًا أو ظنه قاتل أبيه فبان خلافه.. فالمذهب: وجوب القصاص) نظرًا إلى ما في نفس الأمر.
واعلم أن الشافعي نصّ في المرتد على الوجوب، وفي الذمي والعبد على المنع 2، فقيل: قولان في الجميع: أحدهما: يجب القصاص؛ لأنه كان من حقه التثبت، والثاني: لا يجب؛ لظنه عدم المكافأة، وقيل: بظاهر النص؛ لأن المرتد يحبس ولا يخلى، فقاتله وهو مخلّىً مقصر، بخلاف العبد والذمي؛ فإنهما يتركان في دار الإسلام، وقيل: يجب القصاص في الجميع قطعًا؛ لأن ظنه لا يبيح القتل.
والمذهب: وجوب القصاص في الجميع؛ كما ذكره المصنف؛ لأن الظن فيه لا يقتضي الإباحة؛ كما لو علم تحريم القتل، وجهل وجوب القصاص.
وأمّا مسألة: إذا ظنه قاتل أبيه فبان خلافه: ففيها قولان: أحدهما: المنع؛ لظنه الإباحة، وأظهرهما: الوجوب؛ إذ كان من حقه التثبت ولم يعهده قاتلًا حتى
وَلَوْ ضَرَبَ مَرِيضًا جَهِلَ مَرَضَهُ ضَرْبًا يَقْتُلُ الْمَرِيضَ.. وَجَبَ الْقِصَاصُ، وَقِيلَ: لَا. وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ: إِسْلَامٌ أَوْ أَمَانٌ؛
يستصحبه، فكان من حق المصنف التعبير فيها بـ (الأظهر).
وقوله: (عهده) يقتضي أنه إذا ظنه مرتدًّا أو ذميًّا أو عبدًا من غير أن يعهده كذلك وجوب القصاص قطعًا، وهو كذلك.
نعم؛ حكى الإمام فيما إذا ظنه ذميًّا أو عبدًا من غير عهد قولين.
(ولو ضرب مريضًا جهل مرضه ضربًا يقتل المريض.. وجب القصاص) لوجود القتل بصفة التعدي، وظنّ الصحة لا يبيح الضرب، (وقيل: لا) لأن ما أتى به ليس بمهلك عنده، فلم يتحقق قصد الإهلاك.
واحترز بقوله: (جهل): عما لو علم.. فيجب القصاص قطعًا.
وبقوله: (يقتل المريض): عما لو كان يقتل الصحيح.. فيجب قطعًا.
(ويشترط لوجوب القصاص في القتل: إسلام) 1 لقوله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا.. عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا" أخرجه مسلم 2.
(أو أمان) بعقد ذمة أو عهد، أو أمان مجرد؛ لقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾، قال البُلْقيني: ويشترط مع ذلك: ألّا يكون صائلًا، ولا قاطع طريق، ولا يندفع شره إلا بالقتل، وإلّا.. فهو غير معصوم في تلك الحالة مع أنه مسلم.
وأورد في "المهمات" تبعًا لـ" المطلب" على الحصر في الإيمان والأمان: ضرب الرق على أسير 3، قال البُلْقيني: ولا يرد؛ فإنه صار مالًا مستحقًّا للمسلم، ومال المسلمين في أمان.
وكان الأحسن: أن يعبر المصنف بوجوب الضمان؛ لأن الدية لا تجب أيضًا،
فَيُهْدَرُ الْحَرْبِيُّ وَالْمُرْتَدُّ. وَمَنْ عَلَيْهِ قِصَاصٌ كَغَيْرِهِ، وَالزَّانِي الْمُحْصَنُ إِنْ قَتَلَهُ ذِمِّيٌّ.. قُتِلَ، أَوْ مُسْلِمٌ.. فَلَا فِي الأَصَحِّ.
ولهذا عقبه بقوله: (فيهدر الحربي) لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾.
(والمرتد) لحديث: "مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ.. فَاقْتُلُوهُ" 1، والمراد: إهداره في حق المسلم لا مطلقًا؛ لما سيأتي أن المرتد يقتل بمثله.
(ومن عليه قصاص كغيره) بالنسبة إلى غير المستحق، فإذا قتله غير المستحق.. لزمه القصاص؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ فخصّ وليه بقتله، فدلّ على أن غير وليه ممنوع منه، وهذا فيمن لم يتحتم قتله، أما من تحتم قتله؛ كقاطع الطريق.. فإن الصحيح: أنه يقتل قصاصًا، ولو قتله غير المستحق.. لا يقتل به إلا إن كان مثله.
(والزاني المحصن إن قتله ذمي) أو معاهد أو مستأمن (.. قتل) أي: إذا كان الزاني مسلمًا؛ لأنه لا تسليط له على المسلم، ولا حق له في الواجب عليه.
(أو مسلم.. فلا في الأصح) المنصوص في "الأم"؛ لأنه مباح الدم؛ كالمرتد، والثاني: يجب القصاص، لأن الاستيفاء للإمام، فأشبه ما لو قتل من عليه القصاص غيرُ مستحقه.
وصحح المصنف في "تصحيحه" تبعًا للماوردي: أنه إن ثبت زناه بالبينة.. فلا قود؛ لتحتم قتله، وإن ثبت بالإقرار.. وجب؛ لأن قتله غير متحتم لاحتمال الرجوع، ولم يذكر ذلك في "الروضة"، ونقل في "المطلب" عن نص "الأم": أنه لا فرق، قال: وصرح به البَنْدَنيجي 2.
ثم محل الخلاف: ما إذا قتله قبل أن يأمر الإمام بقتله، فإن قتله بعد أمره.. فلا قصاص قطعًا؛ كما نقله في "زيادة الروضة" عن القاضي أبي الطيب وأقره 3.
وَفِي الْقَاتِلِ: بُلُوغٌ وَعَقْلٌ، وَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُهُ عَلَى السَّكْرَانِ. وَلَوْ قَالَ: (كُنْتُ يَوْمَ الْقَتْلِ صَبيًّا أَوْ مَجْنُونًا).. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إِنْ أَمْكَنَ الصِّبَا وَعُهِدَ الْجُنُونُ. وَلَوْ قَالَ: (أَنَا صَبِيٌّ).. فَلَا قِصَاصَ وَلَا يُحَلَّفُ. وَلَا قِصَاصَ عَلَى حَرْبِيٍّ،
ويرد على المنصف: ما لو قتله مسلم وهو زان محصن مثله.. فإنه يجب القود على الأصحِّ.
(و) يشترط (في القاتل: بلوغ وعقل) فلا قصاص على صبي ومجنون؛ لحديث: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ" 1، ومن تقطع جنونه.. أعطي لكل زمن حكمه.
(والمذهب: وجوبه على السكران) الآثم بسكره؛ لأنه مكلف، وزوال عقله لا أمارة عليه، وهو متهم في دعواه؛ ولئلا يؤدي إلى ترك القصاص؛ فإن من رام القتل.. لا يعجز أن يسكر حتى لا يقتص منه، وقيل: لا تجب؛ لأنه زائل العقل؛ كالمعتوه.
وفي معنى السكران: كل من تعدى بإزالة عقله بدواء أو غيره، أما غير المعتدي؛ كالمكره، ومن شرب دواء فسكر ثم قتل.. فلا قصاص عليه؛ كما صرح به ابن الرفعة 2، واقتضاه كلامهم.
(ولو قال: "كنت يوم القتل صبيًّا أو مجنونًا") وكذبه ولي المقتول (.. صدِّق بيمينه إن أمكن الصبا، وعُهِدَ الجنون) لأن الأصل بقاؤهما.
(ولو قال: "أنا صبي".. فلا قصاص ولا يحلف) لأن التحليف لإثبات المحلوف عليه، ولو ثبت صباه.. لبطلت يمينه، ففي تحليفه إبطال تحليفه، وقيل: يحلف كغيره، وقيل: يحلف إذا بلغ.
(ولا قصاص على حربي) إذا قتل في حرابته ثم أسلم، أو عقدت له ذمة؛ لما تواتر من فعله صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم بعده من عدم الإقادة ممن أسلم؛ كوحشي قاتل حمزة رضي الله عنه، ولأنه لا يضمن مال المسلم بالغصب، فلا
وَيَجِبُ عَلَى الْمَعْصُومِ وَالْمُرْتَدِّ. وَمُكَافَأَةٌ؛ فَلَا يُقْتلُ مُسْلِمٌ بِذِمِّيٍّ، وَيُقْتلُ ذِمِّيٌّ بِهِ، وَبِذِمِّيٍّ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مِلَّتُهُمَا، فَلَوْ أَسْلَمَ الْقَاتِلُ.. لَمْ يَسْقُطِ الْقِصَاصُ. وَلَوْ جَرَحَ ذِمِّيٌّ ذِمِّيًّا وَأَسْلَمَ الْجَارِحُ ثُمَّ مَاتَ الْمَجْرُوحُ.. فَكَذَا
يضمن نفسه بالقتل؛ لعدم التزامه.
(ويجب على المعصوم) بأمان أو هدنة أو ذمة (والمرتد) لالتزامهما أحكام الإسلام.
والمرتد زاده في "الكتاب" على "المحرر"؛ لأجل تعبيره بـ (المعصوم)؛ لئلا يرد على المفهوم؛ فإنه غير معصوم، ومع ذلك يجب عليه القصاص.
(ومكافأة؛ فلا يقتل مسلم بذمي) لقوله صلى الله عليه وسلم: "أَلَا لَا يُقْتلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ" رواه البخاري 1، قال ابن المنذر: وهو ثابت، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر يعارضه، ولأنه لا يقاد المسلم بالكافر فيما دون النفس بالإجماع؛ كما قاله ابن عبد البر، فالنفس بذلك أولى 2.
وأفهم قوله: (بذمي): أنه لو قتل عبد مسلم عبدًا مسلمًا لكافر.. وجب القصاص، وهو الأصحُّ؛ لتساوي العبدين.
وقيل: لا يجب؛ لئلا يثبت القصاص ابتداء لكافر على مسلم.
(ويقتل ذمي) ومعاهد ومستأمن (به) أي: المسلم لشرفه عليهم (و) يقتل ذمي (بذميٍّ وإن اختلفت ملتهما) كيهودي ونصراني؛ لأن الكفر كله ملة واحدة من حيث إن النسخ شمل الجميع.
(فلو أسلم القاتل.. لم يسقط القصاص) لتكافئهما حال الجناية، والاعتبار في العقوبات بحال الجناية، ولا نظر إلى ما يحدث بعدها، ألا ترى أن العبد إذا زنى أو قذف ثم عتق.. يقام عليه حد العبيد؛ قال في "الأم": وليس هذا قتل مؤمن بكافر، بل قتل كافر بكافر إلا أن الموت تأخر عن حال القتل 3.
(ولو جرح ذمي ذميًّا وأسلم الجارح ثم مات المجروح) بالسراية (.. فكذا)