الثَّانِي: كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ دَيْنًا، فَلَوْ قَالَ: (أَسْلَمْتُ إِلَيْكَ هَذَا الْثوْبَ فِي هَذَا الْعَبْدِ).. فَلَيْسَ بِسَلَمٍ، وَلَا يَنْعَقِدُ بَيْعًا فِي الأَظْهَرِ، وَلَوْ قَالَ: (اشْتَرَيْتُ مِنْكَ ثَوْبًا صِفَتُهُ كَذَا بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ)، فَقَالَ: (بِعْتُكَ).. انْعَقَدَ بَيْعًا، وَقِيلَ: سَلَمًا
ومحل الخلاف: ما إذا تفرقا قبل العلم بالقدر والصفة؛ فإن علماه قبله.. صحَّ قطعًا.
(الثاني: كون المُسلَم فيه دينًا) لأن لفظ السلم موضوع له، ومراده بالشرط: ما لا بدَّ منه؛ ليشمل الركن؛ فإن الدَّينِيَّةَ داخلة في حقيقة السلم.
(فلو قال: "أسلمتُ إليك هذا الثوب في هذا العبد".. فليس بسلم) جزمًا؛ لانتفاء الدَّينِيَّة.
(ولا ينعقد بيعًا في الأظهر) لاختلال اللفظ، والثاني: ينعقد بيعًا؛ نظرًا إلى المعنى.
(ولو قال: "اشتريت منك ثوبًا صفته كذا بهذه الدراهم") أو بمئة درهم في ذمتي (فقال: "بعتك".. انعقد بيعًا) نظرًا إلى اللفظ، وهذا ما رجحه في "أصل الروضة"، وقال في "المحرر": إنه أقرب 1، ولم يصرح هنا في "الشرحين" بترجيح، (وقيل: سلمًا) نظرًا إلى المعنى، واللفظ لا يعارضه؛ لأن كلَّ سلم بيع؛ فإطلاق البيع على السلم إطلاقٌ له على ما يتناوله، وهذا ما رجحه العراقيون وغيرهم، وهو المنصوص، واختاره السبكي.
وإذا جعلناه سلمًا.. وجب تعيين الدراهم، وقبضها في المجلس، وإلا.. لم يجب، كذا قالاه 2، وقال السبكي: إذا جعلناه بيعًا لا يجب التسليم، ويجب التعيين، وإلا أدى إلى بيع الدين بالدين، وهو باطل بالإجماع، وممن نبه عليه المَحاملي والفارقي وإسماعيل الحَضْرَمي.
ومحل انعقاده بيعًا: إذا لم يذكر بعده لفظ السلم، فإن قال: (بعتك كذا سلمًا، أو اشتريت منك سلمًا).. كان سلمًا؛ كما جزم به الرافعي في تفريق الصفقة في
الثَّالِثُ: الْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ بِمَوْضِعٍ لَا يَصْلُحُ لِلتَّسْلِيمِ، أَوْ يَصْلُحُ وَلِحَمْلِهِ مُؤْنةٌ.. اشْتُرِطَ بَيَانُ مَحَلِّ التَّسْلِيمِ، وَإِلَّا.. فَلَا. وَيَصِحُّ حَالًّا وَمُؤَجَّلًا، فَإِنْ أَطْلَقَ.. انْعَقَدَ حَالًّا، وَقِيلَ: لَا يَنْعَقِدُ
الأحكام؛ فإنه صوَّرَ الجمع بين الإجارة والسلم بقوله: (أجرتك داري سنة، وبعتك كذا سلمًا بكذا) 1.
(الثالث: المذهب: أنه إذا أسلم بموضع لا يصلح للتسليم، أو يصلح ولحمله مؤنة.. اشتُرط بيان محلِّ التسليم) وهو مكانه، (وإلا.. فلا) لأنه إذا كان الموضع صالحًا ولا مؤنة.. اقتضى العرف التسليمَ فيه، وإذا لم يكن كذلك.. تفاوتت الأغراض باختلاف الأمكنة فاشترط التعيين.
وهذا في السلم المؤجل، أما الحالُّ.. فلا يشترط فيه التعيين؛ كالبيع.
ويتعين موضع العقد للتسليم، لكن إن عينا غيره.. جاز بخلاف البيع؛ لأن السلم يقبل التأجيل فقَبِل شرطًا يتضمن تأخير التسليم، والأعيان لا تحتمله.
والمراد بموضع العقد: المحلّة، وفي المسألة سبعة طرق 2؛ فلذا عبر بالمذهب.
(ويصحُّ) السلم (حالًّا) إذا كان المسم فيه موجودًا (ومؤجلًا) أما المؤجل.. فبالإجماع، وإذا جاز مؤجلًا.. فهو في الحالٍّ أجوز؛ لأنه أبعد عن الغرر.
وفائدة العدول عن البيع إلى السلم الحالّ: جوازُ العقد مع غيبة المبيع؛ فإنه قد لا يكون حاضرًا مرئيًّا، فلا يصحُّ بيعه، وإن أخره لإحضاره.. فات المشتري، والأمنُ من الانفساخ؛ إذ هو متعلق بالذمة.
(فإن أطلق) ولم يشترط تأجيلًا ولا حلولًا (.. انعقد حالًّا) كالثمن في البيع، (وقيل: لا ينعقد) لأن العرف في السلم التأجيلُ؛ فحمل عليه، وحينئذ فيكون كما لو ذكر أجلًا مجهولًا.
وَيُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِالأَجَلِ.
فَإِنْ عَيَّنَ شُهُورَ الْعَرَبِ أَوِ الْفُرْسِ أَوِ الرُّومِ.. جَازَ، وَإِنْ أَطْلَقَ.. حُمِلَ عَلَى الْهِلَالِيِّ، فَإِنِ انْكَسَرَ شَهْرٌ.. حُسِبَ الْبَاقِي بالأَهِلَّةِ وَتُمِّمَ ألأَوَّلُ ثَلَاثِينَ.
وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ تأْجِيلِهِ بالْعِيدِ وَجُمَادَى، وَيُحْمَلُ عَلَى الأَوَّلِ.
فصَلٌ [في بقية الشروط السبعة]
يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ: مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ عِنْدَ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ، فَإِنْ كَانَ يُوجَدُ بِبَلَدٍ آخَرَ.. صَحَّ إِنِ اعْتِيدَ نَقْلُهُ لِلْبَيعِ، وَإِلَّا.. فَلَا،
(ويشترط العلم بالأجل) فلا يجوز بما يختلف؛ كالحصاد، وقدوم الحاجِّ، والميسرة؛ للآية والحديث السالفَيْن 1.
(فإن عين شهورَ العرب أو الفرس أو الروم.. جاز) لأنها معلومة مضبوطة.
(وإن أطلق) الشهر (.. حُمل على الهلالي) لا الشمسي؛ لأنه عرف الشرع، وكذا السنة؛ كما صرح به في "المحرر" 2.
(فإن انكسر شهر.. حُسب الباقي بالأهلة وتُمِّم الأول ثلاثين) لتعذر اعتبار الهلال فيه، وقيل: إذا انكسر الأول.. انكسر الجميع.
(والأصحُّ: صحة تأجيله بالعيد وجمادى، ويحمل على الأول) لتحقق الاسم به، والثاني: يفسد؛ لتردده بينهما، ولو قال: (بعد رمضان إلى العيد).. حمل على عيد الأضحى؛ لأنه الذي يلي العقد، قاله ابن الرفعة 3.
(فصل: يشترط كون المسلم فيه: مقدورًا على تسليمه عند وجوب التسليم) لأن المعجوز عن تسليمه يمتنع بيعه، فيمتنع السَّلم فيه.
(فإن كان يوجد ببلد آخر.. صحَّ إن اعتمد نقله للبيع، وإلا.. فلا) سواء أكان لا ينقل منها أصلًا أم ينقل ولكن على ندور، أم ينقل لا للبيع بل للهدية ونحوها.
وَلَوْ أَسْلَمَ فِيمَا يَعُمُّ فَانْقَطَعَ فِي مَحِلِّهِ.. لَمْ يَنْفَسِخْ فِي الأَظْهَرِ، فَيَتَخَيَّرُ الْمُسْلِمُ بَيْنَ فَسْخِهِ، وَالصَّبْرِ حَتَّى يُوجَدَ، وَلَوْ عَلِمَ قَبْلَ الْمَحِلِّ انْقِطَاعَهُ عِنْدَهُ.. فَلَا خِيَارَ قَبْلَهُ فِي الأَصَحِّ. وَكَوْنُهُ مَعْلُومَ الْقَدْرِ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا أَوْ عَدًّا أَوْ ذَرْعًا، وَيَصِحُّ فِي الْمَكِيلِ وَزْنًا وعَكْسُهُ،
وهذا الضابط نقله الرافعي في "الشرح" عن الإمام، وجزم به في "المحرر" 1، لكن ذكر في "الشرح" آخر الفصل في الكلام على الانقطاع كلامًا آخر حاصلُه: مخالفة الإمام رجحانَ اعتبار مسافة القصر، وقد أوضحه في "المهمات" 2.
(ولو أسلم فيما يعُمُّ فانقطع في محلِّه) بكسر الحاء (.. لم ينفسخ في الأظهر) لتعلقه بالذمة؛ كإفلاس المشتري بالثمن.
والمراد بالانقطاع: ألا يوجد، أو يوجد ولا يباع، أو يوجد ببلد آخر ولو نقل.. لفسد، فلو كان يباع بثمن غال.. وجب تحصيله، وإن أمكن نقله من بلد آخر من غير فساد.. وجب إن قرب، وقد مرَّ بما يضبط القرب.
(فيتخير المسلم بين فسخه، والصبر حتى يوجد) فإن أجاز ثم بدا له.. مُكِّن من الفسخ؛ كزوجة المُولي؛ بناءً على أن خياره على التراخي، وهو الصحيح، والقول الثاني: ينفسخ؛ كما لو تلف المبيع قبل القبض.
(ولو علم قبل المَحِلِّ انقطاعه عنده.. فلا خيار قبله في الأصحِّ) لأنه لم يدخل وقت وجوب التسليم، والثاني: نعم؛ لتحقق العجز في الحال.
(وكونه معلوم القدر كيلًا أو وزنًا أو عدًّا أو ذرعًا) أما الأولان.. فللحديث المارِّ أول الباب 3، وأما الأخيران.. فبالقياس.
(ويصحُّ في المكيل وزنًا، وعكسه) 4 إذ المقصود معرفةُ المقدار، بخلاف
وَلَوْ أَسْلَمَ فِي مِئَةِ صَاعِ حِنْطَةٍ عَلَى أَنَّ وَزْنَهَا كَذَا.. لَمْ يَصِحَّ. وَيُشْتَرَطُ الْوَزْنُ فِي الْبِطِّيخِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَالْقُثَّاءِ وَالسَّفَرْجَلِ وَالرُّمَّانِ. وَيَصِحُّ فِي الْجَوْزِ وَاللَّوْزِ بِالْوَزْنِ فِي نَوْعٍ يَقِلُّ اخْتِلَافُهُ، وَكَذَا كَيْلًا فِي الأَصَحِّ
الربويات، فإن الغالب فيها التعبد، كذا أطلقوه 1، وحمله الإمام على ما يُعدُّ الكيلُ في مثله ضابطًا 2.
فلو أسلم في فُتات المسك والعَنْبَر، ونحوهما كيلًا.. لم يصحَّ؛ لكثرة مالية يسيرِهِ، حكاه الشيخان عنه، وأقراه 3، وجزم به المصنف في "التصحيح" 4، لكن الرافعي جزم بعد ذلك بالجواز في اللآلئ الصغار إذا عمَّ وجودها كيلًا 5 فيحتمل مخالفته؛ لما مرَّ، وهو ما فهمه في "الروضة" 6، ويحتمل أن يفرق بينهما: بأن الكيل يَحصُر اللآلئ الصغار؛ لرزانتها في الكيل، بخلاف المسك ونحوه، وأيضًا فإن ذلك الكلام فيما له خَطَرٌ، واللآلئ الصغار المرادة للتداوي قد لا يكون لها خَطَرٌ.
(ولو أسلم في مئة صاعِ حنطةٍ على أن وزنها كذا.. لم يصحَّ) لأنه يورث عزَّة الوجود.
(ويشترط الوزن في البطيخ والباذنجان والقِثَّاء، والسَّفَرجل والرُّمّان) والرانج، والبيض، ولا يكفي الكيل؛ لتجافيه في المكيال، ولا العدد؛ لكثرة التفاوت.
(ويصحّ في الجوز واللوز بالوزن) لا بالعدد (في نوع يقلُّ اختلافه) فإن اختلفت قشوره بالغلظ والرقة.. امتنع السلم فيه؛ لاختلاف الغرض.
(وكذا كيلًا في الأصحِّ) كالحبوب، والثاني: لا؛ لتجافيها في المكيال.
والخلاف قولان؛ فالأول: منصوص "المختصر" 7، والثاني: منصوص "البويطي".
وَيُجْمَعُ فِي اللَّبنِ بَيْنَ الْعَدِّ وَالْوَزْنِ. وَلَوْ عَيَّنَ كَيْلًا.. فَسَدَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَادًا، وَإِلَّا.. فَلَا فِي الأَصحِّ. وَلَوْ أَسْلَمَ فِي ثَمَرِ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ.. لَمْ يَصِحَّ، أَوْ عَظِيمَةٍ.. صحَّ فِي الأَصَحِّ. وَمَعْرِفَةُ الأَوْصَافِ الَّتِي يَخْتَلِفُ بِهَا الْغَرَضُ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا،
(ويجمع في اللَّبِن بين العدِّ والوزن) فيقول: (كذا لبنة، وزن كل واحدة كذا) لأنها تُضرب عن اختيار فلا تؤدي إلى عزَّة الوجود، ثم الأمر في وزنها على التقريب، وفي "زيادة الروضة" لم يعتبر العراقيون أو معظمهم الوزن، ونصَّ في "الأم" على أنه مستحب، لكن يشترط أن يذكر طوله وعَرْضه وثخانته، وأنه من طين معروف 1.
(ولو عيَّن كيلًا.. فسد إن لم يكن معتادًا) ولم يعرف مقداره، كالكوز والقَصْعة بالإجماع؛ لأنه مجهول، ولأن فيه غررًا؛ لأنه قد يتلف قبل المحِلِّ، وينبني على المعنيين ما لو قال: (بعتك ملء هذا الكوز من هذه الصبرة)، والأصح: الصحة؛ اعتمادًا على المعنى الثاني، وهو انتفاء الغرر.
(وإلا.. فلا في الأصحِّ) أي: وإن كان معتادًا.. لم يفسد، بل يلغو تعيينه؛ كسائر الشروط التي لا غرض فيها، والثاني: يفسد؛ لتعرضه للتلف.
والمراد بالتعيين: تعيين الفرد من نوع المكيال، أما تعيين نوع المكيال بالغلبة أو بالتنصيص عليه.. فلا بدَّ من اشتراطه.
(ولو أسلم في) مقدار من (ثمر قرية صغيرة.. لم يصحَّ) بالإجماع؛ خشيةً من انقطاعه لجائحة ونحوها، وذلك غرر.
(أو عظيمةٍ.. صحَّ في الأصحِّ) لعدم انقطاعه غالبًا، والثاني: أنه كتعيين المكيال؛ لعدم الفائدة.
ومحل الخلاف: إذا لم يُفدْ تنويعًا، فإن أفاده كمَعْقِلي البصرة.. جاز قطعًا؛ لأنه مع مَعْقِلي بغداد صنفٌ واحد، لكن يختلفان في الأوصاف؛ فله غرض في ذلك.
(و) يشترط (معرفة الأوصاف التي يختلف بها الغرضُ اختلافًا ظاهرًا) لتقريبه من المعاينة، ولأن القيمة تختلف بسببها.
وَذِكْرُهَا فِي الْعَقْدِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُؤَدِّي إِلَى عِزَّةِ الْوُجُودِ، فَلَا يَصِحُّ فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ مَقْصُودُهُ كَالْمُخْتَلِطِ الْمَقْصُودِ الأَرْكَانِ؛ كَهَرِيسَةٍ وَمَعْجُونٍ وَغَالِيَةٍ وَخُفٍّ وَتُرْيَاقٍ مَخْلُوطٍ، وَالأَصَحُّ: صِحَّتُهُ فِي الْمُخْتَلِطِ الْمُنْضَبِطِ كَعَتَّابِيٍّ وَخَزٍّ، وَجُبْنٍ وَأَقِطٍ وَشَهْدٍ، وَخَلِّ تَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ،
واحترز بقوله: (ظاهرًا) عمَّا يتسامح الناس بإهمال ذكره.
(وذكرها في العقد) ليتميز المعقود عليه، فلا يكفي ذكرها بعده وإن كان في مجلس العقد، ويكون ذكرها (على وجه لا يؤدي إلى عِزَّة الوجود) لأن السلم غررٌ، فلا يجوز إلا فيما يوثق بتسليمه.
(فلا يصحُّ فيما لا ينضبط مقصوده؛ كالمختلط المقصود الأركان؛ كهَرِيسة ومعجون وغالية وخفّ وتِرْياق) طاهر (مخلوط) لأن الغالية مركبة من مسك وعنبر وعود وكافور، كما قاله الرافعي 1، والخف مركب من ظهارة وبطانة.
واحترز بالترياق المختلط: عما إذا كان نباتًا أو حجرًا؛ فإنه يجوز السلم فيه، وقد يفهم الجواز في خف متخذ من شيء واحد، وليس كذلك؛ بناءً على منع السلم في الجلود، وهو الأصح.
(والأصحُّ: صحته في المختلط المنضبط؛ كعتَّابيٍّ، وخَزٍّ) لتيسُّر ضبط كلِّ جزء من الأجزاء، والثاني: المنع؛ كالمعجون، والعتابي: من قطن وحرير، والخزّ: من إِبْرَيْسمٍ ووبر، أو صوف.
(وجبن وأَقِط وشهد، وخلِّ تمر أو زبيب) إذ الملح والإِنْفَحةُ في الجُبْن، والأقِط، والماء في خلِّ التمر والزبيب من مصالحه، والثاني: لا؛ كاللبن المخلوط بالماء.
وأما الشهد.. فوجه الصحة: قياسه على التمر، ووجه المنع: أن الشمع فيه يقلُّ ويكثر، وهذا ما نصَّ عليه في "الأم" 2، واختاره السبكي.
لَا الْخُبْزِ فِي الأَصَحِّ عِنْدَ الأَكْثَرِينَ. وَلَا يَصِحُّ فِيمَا نَدَرَ وُجُودُهُ؛ كَلَحْمِ الصَّيْدِ بِمَوْضِعِ الْعِزَّةِ، وَلَا فِيمَا لَوِ اسْتُقْصِيَ وَصفُهُ.. عَزَّ وُجُودُهُ؛ كَاللُّؤْلُؤِ الْكِبَارِ وَالْيَوَاقِيتِ، وَجَارِيَةٍ وَأُخْتِهَا أَوْ وَلَدِهَا.
(لا الخبز في الأصحِّ عند الأكثرين) لاختلاف الغرض بقدر الملح، وتأثير النار فيه تأثيرًا غير منضبط، وهو مانع من الصحة، كما سيأتي، والثاني: يصحُّ؛ لأن ناره مضبوطة، والملح غير مقصود.
(ولا يصحُّ فيما ندر وجوده؛ كلحم الصيد بموضع العِزَّةِ) لأنه عقد غرر، فلا يحتمل إلا فيما يوثق بتسليمه.
(ولا فيما لو استُقصيَ وصفه) الذي يجب ذكرُه في السلم (عزَّ وجوده؛ كاللؤلؤ الكبار، واليواقيت) إذ لا بدّ فيها من ذكر الحجم والشكل والوزن واللون والصفاء، واجتماعها نادر، ويجوز في صغار اللآلئ العامة الوجود؛ كيلًا ووزنًا، وضبط جماعة الصغارَ: بما يطلب للتداوي لا للزينة، وضبطه الجويني: بسدس دينار 1، قالا: والوجه أن اعتبار السدس للتقريب 2.
(وجاريةٍ وأختها أو ولدها) وشاةٍ وسخلتها؛ لندرة اجتماعهما بالصفات، واستشكله الرافعي بما لو شرط كون العبد كاتبًا، أو الجارية ماشطة.. فإنه يندر اجتماع ذلك مع الصفات المشروطة، ومع ذلك يصحُّ 3.
وفرق في "المهمات" بينهما بما ملخصه: أن الكتابة والمشط يسهل تحصيله بالاكتساب، بخلاف البنوَّة والأخوَّة؛ فإنه وصف غير مكتسب فيعزّ وجوده مع باقي الأوصاف.
انتهى 4.
وقيَّد الإمام المنع بمن تكثر صفاتها بخلاف الزنجية، وبحث فيه الرافعي 5.
فَرعٌ [في محل السلم وشروطه]
يَصِحُّ فِي الْحَيَوَانِ، فَيُشْتَرَطُ: فِي الرَّقِيقِ: ذِكْرُ نَوْعِهِ كَتُرْكِيٍّ، وَلَوْنِهِ كَأَبْيَضَ -وَيَصِفُ بَيَاضَهُ بِسُمْرَةٍ أَوْ شُقْرَةٍ- وَذُكُورَتِهِ وَأُنُوثَتِهِ، وَسِنِّهِ، وَقَدِّهِ طُولًا وَقِصَرًا، وَكُلُّهُ عَلَى التَّقْرِيبِ، وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْكَحَلِ وَالسِّمَنِ وَنَحْوِهِمَا فِي الأَصَحِّ
(فرع: يصحُّ) السلم (في الحيوان) لأنه يثبت في الذمة؛ بدليل إبل الدية، وصحَّ أنه عليه أفضل الصلاة والسلام اقترض بَكْرًا 1، وحديث النهي عن السلف في الحيوان لم يثبت؛ كما قاله ابن السمعاني في "الاصطلام"، وإن صححه الحاكم 2.
(فيشترط في الرقيق: ذكر نوعه؛ كتركي) لاختلاف الغرض، فإن اختلف صِنفُ النوع.. وجب ذكره على الأظهر.
(ولونه؛ كأبيض، ويصف بياضه بسمرة أو شقرة) ويصف السواد بالصفاء أو الكدرة، وهذا إن اختلف لون النوع، فإن لم يختلف؛ كالزنجي.. لم يجب التعرض له.
(وذكورته وأنوثته، وسنِّه، وقدِّه طولًا وقصرًا) وكذا ثيوبته، وبكارته على الأصح؛ لاختلاف الغرض بكلِّ ذلك.
(وكلُّه على التقريب) فلو شرط تحديدًا.. بطل؛ لندوره، ولم يذكر الرافعي في "الشرحين"، و"المحرر" التقريب إلا بالنسبة إلى السنِّ خاصة، وجرى عليه في "الروضة"، قال المنكت: وما في "الكتاب" حسن إن ساعد عليه نقل 3.
(ولا يشترط ذكر الكَحَل والسِّمن ونحوهما) كالدعج، وهو: شدة سواد العين مع سعتها، والكَحَل: أن يعلو جفونَ العين سوادٌ كالكُحْل من غير اكتحال (في الأصحِّ) لتسامح الناس بإهماله، والثاني: يشترط؛ لأنه مقصود لا يؤدي إلى عزَّة الوجود.
وَفِي اْلإِبِلِ وَاْلْخَيْلِ وَاْلْبغَالِ وَالْحَمِيرِ: الذُّكُورَةُ وَالأُنُوثة، وَالسِّنُّ وَاللَّوْنُ وَالنَّوْعُ. وَفِي الطَّيْرِ: المنَّوْعُ وَالصِّغَرُ وَكِبَرُ الْجُثَّةِ. وَفِي اللَّحْمِ: لَحْمُ بَقَرٍ، أَوْ ضَأْنٍ، أَوْ مَعْزٍ، ذَكَرٍ خَصِيٍّ رَضِيعٍ مَعْلُوفٍ أَوْ ضِدَّهَا، مِنْ فَخِذٍ أَوْ كَتِفٍ أَوْ جَنْبِ، وَيُقْبَلُ عَظْمُهُ عَلَى الْعَادَةِ. وَفِي الثِّيَابِ: الْجِنْسُ،
(وفي الإبل والخيل والبغال والحمير: الذكورة والأنوثة، والسنُّ واللون والنوع) لاختلاف الغرض بذلك، ولو اختلف صنف النوع.. فعلى ما سبق في الرقيق.
(وفي الطير: النوع، والصِّغَرُ، وكبر الجثة) واللون؛ كما ذكره الغزالي في "الوسيط" 1، والمصنف في "التنقيح"، ومسودة "شرح المهذب"، وأهمله الرافعي، والمصنف في باقي كتبه، وأما السنُّ.. فلا يكاد يعرف؛ فإن عرف.. وُصِف به؛ كما في "الشرح" و"الروضة" 2.
(وفي اللحم: لحم بقر، أو ضأن، أو معز، ذكرٍ خصيٍّ رضيع معلوف، أو ضدها) أي: ضدِّ ما ذكر، فضد الذكر: الأنثى، والخصي: الفحل، والرضيع: الفطيم، أو الجذع، أو الثني، وضد المعلوفة: الراعية؛ لاختلاف الغرض بذلك، فلحم الراعية أطيب، والمعلوفة أدسم، ولو كان في بلد لا يختلف الراعي فيها والمعلوف.. لم يلزم ذكره، قاله الماوردي، وأشار إليه الرافعي 3، ولا بدَّ في البقر من بيان نوعه؛ كجواميس أو عِرَاب.
(من فخذ أو كتف أو جنب) أو غيرها؛ لاختلاف الغرض، فكلما قرب من المرعى والماء.. فهو أطيب، فلحم الرقبة أطيب؛ لقربه، ولحم الفخذ أدون؛ لبعده.
(ويقبل عظمه على العادة) عند الإطلاق؛ لأنه كالنوى من التمر، فإن شرط نزعه.. جاز، ولم يجب قبوله.
(وفي الثياب: الجنس) كقطن أو كتان، والنوع؛ ككتان ربيعي أو صيفي،
وَالطُّولُ وَالْعَرْضُ، وَالْغِلَظُ وَالدِّقَّةُ، وَالصَّفَاقَةُ وَالرِّقَّةِ، وَالنُّعُومَةِ وَالْخُشُونةِ، وَمُطْلَقُهُ يُحْمَلُ عَلَى الْخَامِ. وَيَجُوزُ فِي الْمَقْصُورِ، وَمَا صُبِغَ غَزْلُهُ قَبْلَ النَّسْجِ؛ كَالْبُرُودِ، وَالأَقْيَسُ: صِحَّته فِي الْمَصْبُوغِ بَعْدَهُ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: مَنْعُهُ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَفِي التَّمْرِ: لَوْنُهُ وَنَوْعُهُ وَبَلَدُهُ، وَصِغَرُ الْحَبَّاتِ وَكِبَرُهَا، وَعِتْقُهُ وَحَدَاثتهُ. وَالْحِنْطَةُ وَسَائِرُ الْحُبُوبِ كَالتَّمْرِ
وكذلك البلد الذي ينسج فيه إن اختلف به الغرض.
(والطول والعرض، والغلظ والدقة، والصَّفاقة والرقة، والنعومة والخشونة) لاختلاف الغرض في ذلك.
والغلظ والدقة بالدال يرجعان إلى كيفية الغزل، والصفاقة والرقة بالراء يرجعان إلى كيفية النسج، فإن الصفاقة: انضمام بعض الخيوط إلى بعض، والرقة: ضدها.
والواو في (الغلظ والدقة والصفاقة والرقة) بمعنى أو؛ يعني: إما هذا أو هذا.
(ومطلقه يحمل على الخام) لأن القصر صفة زائدة.
(ويجوز في المقصور، و) في (ما صبغ غزله قبل النسج؛ كالبرود) إذا بيَّن الصبغَ ولونه، وكونه في الشتاء أو الصيف؛ كما قاله الماوردي 1.
(والأقيس: صحته في المصبوغ بعده) أي: النسج؛ كما في الغزل المصبوغ.
(قلت: الأصحُّ: منعه، وبه قطع الجمهور، والله أعلم) لأن الصبغ عين برأسه، وهو مجهول، ويمنع أيضًا من معرفة صفات الثوب؛ لسدِّه الفُرَجَ، بخلاف ما قبل النسج، وهذا ما نصَّ عليه في "البويطي"، وقال الرافعي في "شرحيه": إنه المشهور، لكن قال: إن الأقيس: الجواز 2.
(وفي التمر: لونه) كأبيض وأحمر (ونوعه) كمَعْقِليٍّ، أو بَرْني (وبلده) كبغدادي أو بصري (وصغر الحبَّات وكبرها) فإن الصغير أقوى من الكبير وأشدّ (وعتقه وحداثته) وتوسطه بينهما؛ لاختلاف الغرض به.
(والحنطةُ وسائر الحبوب كالتمر) في الشروط السابقة.
وَفِي الْعَسَلِ: جَبَلِيٌّ أَوْ بَلَدِيٌّ، صَيْفِيٌّ أَوْ خَرِيفِيٌّ، أَبْيَضُ أَوْ أَصْفَرُ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْعِتْقُ وَالْحَدَاثَةُ. وَلَا يَصِحُّ فِي الْمَطْبُوخِ وَالْمَشْوِيِّ، وَلَا يَضُرُّ تأْثِيرُ الشَّمْسِ. وَالأَظْهَرُ: مَنْعُهُ فِي رُؤُوسِ الْحَيَوَانِ. وَلَا يَصِحُّ فِي مُخْتَلِفٍ؛ كَبُرْمَةٍ مَعْمُولَةٍ وَجِلْدٍ وَكُوزٍ وطَسٍّ وَقُمْقُمٍ وَمَنَارَةٍ وَطِنْجِيرٍ وَنَحْوِهَا
(وفي العسل: جبلي أو بلدي) لأن الجبلي أطيب (صيفي أو خريفي) لأن الخريفي أجود (أبيض أو أصفر) لتفاوت الغرض بذلك، ونقل السبكي عن الماوردي أنه لا بدَّ أن يبين مرعاه وقوته ورقته 1.
(ولا يشترط العتق والحداثة) لأن العسل لا يتغير أبدًا بل كلُّ شيء يُحفظ به، قال الرافعي: لكن نصَّ في "الأم" على اشتراطه، وجرى عليه الماوردي 2.
(ولا يصحُّ في المطبوخ والمشوي) لتأثير النار فيهما تأثيرًا لا ينضبط.
نعم؛ يستثنى من (المشوي): الجصُّ والزجاج، والأواني من الفَخَّار والآجرِّ؛ فإن المذهب فيها: الجواز، وكذلك الفحم؛ كما قاله الأَذْرَعي، وقال السبكي: لم أجد فيه نقلًا، ولا بأس بالإفتاء بالجواز، وبسط ذلك.
واستثنى المصنف في "تصحيح التنبيه": ما ناره لطيفة؛ كالسكر والفانيد والدِّبْس واللبأ 3، وفيه بحث.
(ولا يضر تأثير الشمس) في تصفية العسل وغيره؛ لعدم اختلافه.
(والأظهر: منعه في رؤوس الحيوان) لأن معظمها العظم، وهو غير مقصود، والثاني: الجواز؛ كاللحم.
ومحل الخلاف: ما إذا كانت مُنقَّاةً من الشعر موزونةً نِيَّةً، وإلا.. فلا يجوز قطعًا.
(ولا يصحُّ في مختلفٍ؛ كبُرْمة) وهو القدر (معمولة، وجلد وكُوز وطسٍّ وقُمْقُم ومنارة وطِنْجير) وهو الدَّسْتُ (ونحوها) كالأباريق والحِباب؛ لندرة اجتماع الوزن
وَيَصِحُّ فِي الأَسْطَالِ الْمُرَبَّعَةِ وَفِيمَا صُبَّ مِنْهَا فِي قَالَبٍ.
وَلَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ فِي الأَصَحِّ، وَيُحْمَلُ مُطْلَقُهُ عَلَى الْجَيِّدِ.
وَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ الْعَاقِدَيْنِ المصِّفَاتِ، وَكَذَا غَيْرُهُمَا فِي الأَصَحِّ.
فصلٌ [في بيان أخذ غير المسلم فيه عنه ووقت أدائه ومكانه]
لَا يَصِحُّ أَنْ يُسْتبدَلَ عَنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ غَيْرُ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ،
فيها مع الصفات المشروطة، ولتعذر ضبطها؛ إما لاختلاف الأجزاء في الدقة والغلظ كالجلد، أو لمخالفة أعلاها أو وسطها لأسفلها؛ كالأمثلة المذكورة.
وما أطلقه من المنع في الجلد، قال الأَذْرَعي: إنه المشهور، لكن في "الرافعي": يجوز السلم في القِطَع منه وزنًا، وأسقط المسألة من "الروضة" 1.
(ويصحّ في الأسطال المربعة) لعدم اختلافها، بخلاف الضيقة الرؤوس، (وفيما صُبَّ منها) أي: من هذه الأشياء المذكورة (في قالب) لانضباطه.
(ولا يشترط ذكر الجودة والرداءة) في كلِّ ما يسلم فيه (في الأصحِّ، ويحمل مطلقه على الجيد) للعرف، والثاني: يشترط؛ لاختلاف الغرض بهما، وهو اختيار العراقيين، قال في "زيادة الروضة": (ونصَّ عليه في مواضع من "الأم" نصًّا صريحًا) 2.
(ويشترط معرفة العاقدين الصفات) فلو جهلاها أو أحدهما.. لم يصحَّ؛ كالبيع.
(وكذا غيرهما في الأصحِّ) ليرجع إليه عند تنازعهما، وهو المنصوص، والثاني: لا يشترط، والنصّ محمول على الاحتياط، وعلى الأول: يكفي معرفة عدلين على الأصح، وقيل: تعتبر الاستفاضة.
(فصل: لا يصح أن يستبدل عن المُسلم فيه غيرُ جنسه ونوعه) لأنه بيع للمبيع قبل
وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي نَوْعِهِ وَلَا يَجِبُ، وَيَجُوزُ أَرْدَأُ مِنَ الْمَشْرُوطِ وَلَا يَجِبُ، وَيَجُوزُ أَجْوَدُ وَيَجِبُ قَبُولُهُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أَحْضَرَهُ قَبْلَ مَحِلِّهِ فَامْتَنَعَ الْمُسْلِمُ مِنْ قَبُولهِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ؛ بِأَنْ كَانَ حَيَوَانًا أَوْ وَقْتَ غَارَةٍ.. لَمْ يُجْبَرْ، وَإِلَّا.. فَإِنْ كَانَ لِلْمُؤَدِّي غَرَضٌ صَحِيحٌ كَفَكِّ رَهْنٍ.. أُجْبِرَ،
قبضه، وهو ممتنع، (وقيل: يجوز في نوعه ولا يجب) يعني: إذا أحضر المُسلَم فيه بصفته.. وجب قبوله، أو بنوع غيره؛ كالمَعْقِلي عن البَرْني، أو الزبيب الأبيض عن الأسود.. لم يجب قبوله؛ لاختلاف الغرض، وقيل: يجب، وعلى الأول؛ قيل: يجوز؛ لأن الجنس يجمعهما، فكان كما لو اتحد النوع واختلفت الصفة، والأصح: المنع؛ لِشَبَه الاعتياض.
(ويجوز أردأ من المشروط) لأنه جنس حقِّه، والفائت صفة، ويجوز المسامحة بالصفة، كما يجوز دفع الأجود، (ولا يجب) لأنه دون حقِّه (ويجوز أجود) قطعًا.
(ويجب قبوله في الأصحِّ) لأن بَذْله له يشعر بأنه لا يجد سبيلًا إلى براءة ذمته بغير ذلك، وذلك يُهوِّن أمر المنة، فامتناعه عنه عبث فيجبر على قبوله، والثاني: لا يجب؛ للمنة.
(ولو أحضره قبل مَحِلِّه) بكسر الحاء (فامتنع المسلم من قبوله لغرض صحيح؛ بأن كان حيوانًا، أو وقت غارة.. لم يجبر) لمؤنة العلف في الحيوان، وخوف النهب في الإغارة، ولا بدَّ في الحيوان من كون المدة الباقية من الأجل يحتاج فيها ذلك الحيوان إلى مؤنة لها وَقْع؛ فلو قصرت المدة.. لم يكن له الامتناع، وقد قيد في "المحرر" بذلك 1.
وقوله: (غارة) الأفصح: إغارة؛ كما استعمله المصنف في (الهدنة) 2.
(وإلا) أي: وإن لم يكن له غرض صحيح في الامتناع، (فإن كان للمؤدي غرضٌ صحيح؛ كفكِّ رهن) أو براءة ضامن (.. أجبر) لأن امتناعه تعنتٌ.
وَكَذَا لِمُجَرَّدِ غَرَضِ الْبَرَاءَةِ فِي الأَظْهَرِ.
وَلَوْ وَجَدَ الْمُسْلِمُ الْمُسْلَمَ إِلَيْهِ بَعْدَ الْمَحِلِّ فِي غَيْرِ مَحَلِّ التَسْلِيمِ.. لَمْ يَلْزَمْهُ الأَدَاءُ إِنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ، وَلَا يُطَالِبُهُ بقِيمَتِهِ لِلْحَيلُولَةِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ قَبُولهِ هُنَاكَ.. لَمْ يُجْبَرْ إِنْ كَانَ لِنَقْلِهِ مُؤْنَةٌ، أَوْ كَانَ الْمَوْضِعُ مَخُوفًا، وَإِلَّا.. فَالأَصَحُّ: إِجْبَارُهُ.
فصلٌ [في القرض]
الإِقْرَاضُ مَنْدُوبٌ،
(وكذا لمجرد غرض البراءة في الأظهر) لما ذكرناه من التعنت، والثاني: لا يجبر؛ للمنة.
(ولو وجد المُسلِمُ المُسلَمَ إليه بعد المحلِّ) بكسر الحاء (في غير محلِّ التسليم) بفتح الحاء، وهو مكانَه (.. لم يلزمه الأداء إن كان لنقله مؤنة) لعدم التزامه لها، بخلاف ما لا مؤنة لنقله؛ كالنقد.
(ولا يطالبه بقيمته للحيلولة على الصحيح) لامتناع الاعتياض عن المسلم فيه، والثاني: نعم؛ لأن الأخذ للحيلولة ليس بعوض حقيقي؛ لأنهما لو اجتمعا في مكان التسليم.. تعين ردُّ القيمة، وأخذ المسلم فيه، وعلى الأول: يجوز للمسلم الفسخ واسترداد رأس ماله؛ كما لو انقطع المسلم فيه.
(وإن امتنع من قبوله هناك) أي: في غير محل التسليم (.. لم يجبر إن كان لنقله مؤثة، أو كان الموضع مخوفًا) لما فيه من الضرر، فإن رضي بأخذه.. لم يجب لى مؤنة النقل، (وإلا.. فالأصحُّ: إجباره) الخلاف مبني على القولين في التعجيل قبل المَحِلِّ، وقد مرَّ تعليلهما.
(فصل: الإقراض مندوب) إليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾، ولحديث: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ أَخِيهِ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا.. نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ" رواه مسلم 1.
وَصِيغَته: (أَقْرَضْتكَ)، أَوْ (أَسْلَفْتكَ)، أَوْ (خُذْهُ بِمِثْلِهِ)، أَوْ (مَلَّكْتُكَهُ عَلَى أَنْ تَرُدَّ بَدَلَهُ). وَيُشْتَرَطُ: قَبُولُهُ فِي الأَصَحِّ، وَفِي الْمُقْرِضِ: أَهْلِيَّةُ التَبرُّعِ. وَيَجُوزُ إِقْرَاضُ مَا يُسْلَمُ فِيهِ
(وصيغته: "أقرضتك"، أو "أسلفتك"، أو "خذه بمثله"، أو "ملَّكْتُكَهُ على أن تردَّ بدله") لأن كلًّا منها يدلُّ على المقصود، فإن اقتصر على قوله: (ملَّكتُكه).. كان هبةً.
(ويشترط: قبوله في الأصحِّ) كسائر التمليكات، والثاني: لا؛ لأن القرض إباحةُ إتلاف على سبيل الضمان، وليس سبيله سبيلَ المعاوضات؛ بدليل الرجوع فيه ما دام باقيًا، وعدم اشتراط قبضه إذا كان رِبَويًّا.
(و) يشترط (في المقرِض: أهلية التبرع) لأنه تبرع أو مشوب به، ولهذا امتنع تأجيله؛ لأن المتبرع ينبغي تخييره، فلا يجوز إقراض مال المحجور عليه من غير ضرورة على الأصح.
نعم؛ يُستثنى القاضي؛ فإنه يجوز له إقراض مال المحجور عليه من غير ضرورة على الأصح في "الشرح"، و"الروضة" في (باب الحجر) لكثرة أشغاله 1.
ويجوز له أيضًا: إقراض مال المفلس إذا رضي الغرماء بتأخير القسمة إلى أن يجتمع المال كلُّه، نصَّ عليه.
وأورد: المحجور عليه بسفه، فإن وصيته وتدبيره.. تبرع نافذ منه على المذهب، وكذا تبرعه بمنفعة بدنه الخفيفة، ولا يصحُّ إقراضه.
فلو قال: (التبرع بالمال حالا).. لخرج ذلك.
(ويجوز إقراض ما يسلم فيه) لأنه يصحُّ ثبوته في الذمة سواء العين والمنفعة؛ كما صرح به في "التتمة".
وما وقع في "زوائد الروضة" نقلًا عن "فتاوى القاضي" من أنه لا يجوز إقراض المنافع؛ لأنه لا يجوز السلم فيها وأقره.. معترضٌ، كما بيَّنه في "المهمات" 2.
إِلَّا الْجَارِيَةَ الَّتِي تَحِلُّ لِلْمُقْتَرِضِ فِي الأَظْهَرِ، وَمَا لَا يُسْلَمُ فِيهِ لَا يَجُوزُ إِقْرَاضُهُ فِي الأَصَحِّ
(إلا الجاريةَ التي تحلُّ للمقترض في الأظهر) لأنه قد يطؤها ويردها، فتصير في معنى إعارة الجواري للوطء، وهو ممتنع، كما نقله مالك عن إجماع أهل المدينة 1، والثاني: يجوز؛ كالعبد.
واحترز بقوله: (تحل) عن المَحْرم، فإنه يجوز إقراضها، ويجوز للمرأة اقتراضها مطلقًا، والخنثى كالمرأة في استقراضه الجاريةَ، قاله في "شرح مسلم" 2، قال السبكي: وفيه نظر.
وما لا يسلم فيه لا يجوز إقراضه في الأصحِّ) الخلاف مبني على أن الواجب في المتقومات المثلُ الصوري أو القيمة؛ إن قلنا بالأول.. لم يجز؛ لتعذر ضبطه حتى يرد مثله، وإن قلنا بالثاني.. جاز.
ويستثنى: الخبز؛ فإن المختار في "الشرح الصغير": الجواز؛ للحاجة وإطباق الناس عليه، وكلام "زيادة الروضة" يقتضي ترجيحه 3، فيرد مثله وزنًا؛ كما نقلاه عن "البيان"، وأقراه 4.
وفي "الكافي" يجوز إقراضه وزنًا وعددًا، قيل: ولعله أراد الجمع بين العدد والوزن؛ محافظة على المثل الصوري.
ويستثنى أيضًا: جزء الدار فلا يصحُّ السلم فيه قطعًا، ويصحُّ إقراضه؛ كما نقلاه في (الشفعة) عن "التتمة" وأقراه، لكن جزم الماوردي بمنع قرض العقار، وحمل على قرض جميعه 5، وقول المتولي: على الجزء فقط، ففيه نظر.
وقوله: (وما لا يسلم فيه)؛ أي: في نوعه، وإلا.. وردت الأعيان؛ فإنه لا يُسلَم فيها، ومع ذلك يجوز إقراضها.
وَيَرُدُّ الْمِثْلَ فِي الْمِثْلِيِّ، وَفِي الْمُتَقَوِّمِ الْمِثْلَ صورَةً، وَقِيلَ: الْقِيمَةَ. وَلَوْ ظَفِرَ بِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الإِقْرَاضِ وَلِلنَّقْلِ مُؤْنةٌ.. طَالَبَهُ بِقِيمَةِ بَلَدِ الإِقْرَاضِ. وَلَا يَجُوزُ بِشَرْطِ رَدِّ صَحِيحٍ عَنْ مُكَسَّرٍ أَوْ زِيَادَةٍ، فَلَوْ رَدَّ هكَذَا بلَا شَرْطٍ.. فَحَسَنٌ، وَلَوْ شَرَطَ مُكَسَّرًا عَنْ صَحِيحٍ أَوْ أَنْ يُقْرِضَهُ غَيْرَهُ.. لَغَا الشَّرْطُ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ الْعَقْدُ
(ويرد المثلَ في المثلي) لأنه أقرب إلى حقِّه، (وفي المتقوم المثلَ صورة) لأنه صلى الله عليه وسلم اقترض بَكْرًا وردَّ رَباعيًّا، وقال: "إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً" رواه مسلم 1، ولأنه لو وجبت القيمة.. لافتُقر إلى العلم بها، (وقيل: القيمة) كما لو أتلف مُتقوّمًا، والمعتبر: قيمة يوم القبض إن قلنا: يملك بالقبض، فإن قلنا: بالتصرف.. فيعتبر الأكثر من يوم القبض إلى التصرف.
(ولو ظفر به في غير محلِّ الإقراض وللنقل مؤنة.. طالبه بقيمة بلد الإقراض) يوم المطالبة لا بالمثل؛ لما فيه من الكلفة.
(ولا يجوز بشرط ردِّ صحيح عن مكسَّر أو زيادةٍ) على القدر المقبوض، ويفسد به العقد؛ لحديث: "كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً.. فَهُوَ رِبًا"، لكنه ضعيف، وقد روى البيهقي معناه عن جمع من الصحابة 2.
(فلو ردَّ هكذا بلا شرط.. فحسن) للحديث السالف.
نعم؛ لو كان للمستقرض عادةٌ بردِّ زيادةٍ.. ففي كراهيته وجهان في "زيادة الروضة" 3.
(ولو شرط مكسَّرًا عن صحيح أو أن يُقرضه غيرَه.. لغا الشرط) لأنه وعدُ تبرعٍ.
(والأصحُّ: أنه لا يفسد) به (العقد) لأن المنهي عنه جرُّ المقرض النفعَ إلى نفسه، وهنا النفع للمستقرض؛ لأنه زاد في المسامحة، ووعد وعدًا حسنًا، والثاني: يفسد؛ لمنافاته مقتضى العقد، وهو المصحح في نظيره من الرهن.
وَلَوْ شَرَطَ أَجَلًا.. فَهُوَ كَشَرْطِ مُكَسَّرٍ عَنْ صحِيحٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُقْرِضِ غَرَضٌ، وإِنْ كَانَ كَزَمَنِ نَهْبٍ.. فَكَشَرْطِ صَحِيحٍ عَنْ مُكَسَّرٍ فِي الأصَحِّ. وَلَهُ شَرْطُ رَهْنٍ وَكَفِيلٍ. وُيمْلَكُ الْقَرْضُ بِالْقَبْضِ، وَفِي قَوْلٍ: بِالتَّصَرُّفِ. وَلَهُ الرُّجُوعُ فِي عَيْنهِ مَا دَامَ بَاقِيًا بِحَالِهِ فِي الأَصَحِّ.
والفرق على الأصح: أن وضع القرض على جرِّ المنفعة إلى المستقرض؛ فلا يفسد القرض باشتراطه.
(ولو شرط أجلًا.. فهو كشرط مكسَّر عن صحيح إن لم يكن للمقرض غرض) لأنه رفقٌ فيصحُّ العقد، ولا يلزم الأجل؛ لأنه عقد يمتنع فيه التفاضلُ، فامتنع فيه الأجل؛ كالصرف.
(وإن كان) له غرضٌ (كزمن نهب) والمستقرضُ مليءٌ؛ كما قيداه في "الشرح"، و"الروضة" 1 (.. فكشرط صحيح عن مكسر في الأصحِّ) لما فيه من جرِّ المنفعة، والثاني: أنه كالتأجيل لغير غرض، فيلغو الشرط ويصحُّ العقد.
(وله شرط رهن وكفيل) وإشهاد، أو إقراره به عند الحاكم؛ لأنه توثقةٌ للعقد ولا زيادة فيه.
(ويُملك القرض بالقبض) كالهبة، ولأنه لو لم يملك به.. لامتنع عليه التصرف فيه، (وفي قول: بالتصرف) لأنه ليس تبرعًا محضًا؛ إذ يجب فيه البدل، ولا معاوضة محضة؛ إذ له الرجوع فيه ما دام باقيًا، كما سيأتي، فوجب أن يملك بعد استقرار بدله للمقرض، وإذا قلنا بهذا.. فمعناه: أنه إذا تصرف.. تبين صول الملك قبله.
والمراد بـ (التصرف): تصرف يزيل الملك على الأصح.
(وله الرجوع في عينه ما دام باقيًا) في ملك المقترض (بحاله في الأصحِّ) لأن له تغريمَ بدله عند فواته، فالمطالبة بعينه أولى، والثاني: لا، بل للمقترض أن يؤدي حقَّه من موضع آخر، صيانةً لملكه؛ كسائر الديون.
..................................
ومحل الخلاف: إذا قلنا: يملك بالقبض، فإن قلنا: بالتصرف.. رجع فيه جزمًا.
واحترز بقوله: (بحاله): عما إذا تعلق به حقٌّ لازم؛ كما لو رهنه أو كاتبه أو جنى، فتعلق الأرش برقبته.. فإنه لا رجوع، ولو زاد زيادة منفصلة.. أخذه بدونها، أو متصلة؛ كالسمن.. أخذه معها، وإن نقص.. قال الماوردي: فإن شاء.. أخذه مع الأرش، وإن شاء.. أخذ مثله سليمًا 1.
كتابُ الرَّهْن لَا يَصِحُّ إِلَّا بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ. فَإِنْ شُرِطَ فِيهِ مُقْتَضَاهُ كَتَقَدُّمِ الْمُرْتَهَنِ بِهِ، أَوْ مَصْلَحَةٌ لِلْعَقْدِ كَالإِشْهَادِ، أَوْ مَا لَا غَرَضَ فِيهِ.. صَحَّ الْعَقْدُ. وَإِنْ شُرِطَ مَا يَضُرُّ الْمُرْتَهِنَ.. بَطَلَ الرَّهْنُ. وَإِنْ نَفَعَ الْمُرْتَهِنَ وَضَرَّ الرَّاهِنَ؛ كَشَرْطِ مَنْفَعَتِهِ لِلْمُرْتَهِنِ.. بَطَلَ الشَّرْطُ، وَكَذَا الرَّهْنُ فِي الأَظْهَرِ
﴿كتاب الرهن﴾
هو لغةً: الثبوت، وشرعًا: جعل عين مال وثيقةً بدينٍ يُستوفى منها 1.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ورهن صلى الله عليه وسلم درعًا له عند يهودي على شعير لأهله، متفق عليه 2.
(لا يصحُّ إلا بإيجاب وقبول) لأنه عقدٌ ماليٌّ فافتقر إليهما؛ كالبيع.
(فإن شرط فيه مقتضاه؛ كتقدم المرتهن به، أو مصلحة للعقد؛ كالإشهاد، أو ما لا غرض فيه.. صحَّ العقد) كالبيع.
(وإن شرط ما يضرُّ المرتهن) كشرط عدم بيعه عند المحلِّ (.. بطل الرهن) لمنافاته المقصود.
(وإن نفع المرتهن وضرَّ الراهن؛ كشرط منفعته للمرتهن.. بطل الشرط) لحديث: "كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ الله فَهُوَ بَاطِلٌ" 3.
(وكذا الرهن في الأظهر) لمخالفته مقتضى العقد؛ كالشرط الذي يضرُّ بالمرتهن، والثاني: لا يبطل، بل يلغو الشرط ويصحُّ العقد؛ لأنه تبرع فلم يؤثر ذلك فيه كالقرض.
ومحل البطلان: إذا أطلق المنفعة، فلو قيدها وكان الرهن مشروطًا في بيع؛ كقوله: (وتكون منفعة لي سنةً).. فهذا جمع بين بيع وإجارة في صفقة، والأظهر: الصحة.
وَلَوْ شَرَطَ أَنْ تَحْدُثَ زَوَائِدُهُ مَرْهُونَةً.. فَالأَظْهَرُ: فَسَادُ الشَّرْطِ، وَأَنَّهُ مَتَى فَسَدَ.. فَسَدَ الْعَقْدُ. وَشَرْطُ الْعَاقِدِ: كَوْنُهُ مُطْلَقَ التَّصَرُّفِ، فَلَا يَرْهَنُ الْوَليُّ مَالَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ، وَلَا يَرْتَهِنُ لَهُمَا إِلَّا لِضَرُورَةٍ أَوْ غِبْطَةٍ ظَاهِرَةٍ
(ولو شرط أن تَحدُث زوائدُه مرهونةً.. فالأظهر: فساد الشرط) 1 لأنها معدومة ومجهولة، والثاني: لا؛ لأن الرهن عند الإطلاق إنما لا يتعدى للزوائد؛ لضعفه، فإذا قوي بالشرط.. سرى وتبع.
واحترز بـ (الزوائد) كالثمرة، والنِّتاج عن الأكساب؛ فإن اشتراطها باطل على القولين؛ لأنها ليست من أجزاء الأصل، قال الماوردي: ولو شرط أن تكون المنافع مرهونةً.. بطل قطعًا 2.
(وأنه متى فسد) الشرط (.. فسد العقد) القولان هنا هما القولان في فساد الرهن بفساد الشرط النافع للمرتهن، وقد مرَّ توجيههما.
(وشرط العاقد) راهنًا كان أو مرتهنًا (كونه مطلق التصرف) كالبيع (فلا يرهن الولي مالَ الصبي والمجنون، ولا يرتهن لهما) أما الرهن.. فلأنه يمنع من التصرف، وأما الارتهان.. فلأن الولي في حال الاختيار لا يبيع إلا بحالٍّ مقبوض قبل التسليم؛ فلا ارتهان.
ولو قال: (ولا يرهن الولي مال محجوره).. لكان أحسن؛ ليعم السفيه، أو يقول: (الولي)، ويُطلق.
(إلا لضرورة) تحوج إلى إقراضه ماله أو بيعه مؤجلًا، كخوف نهب، أو كان دينه مؤجلًا بسبب إرث أو غيره؛ فيجوز له الارتهان، أو إلى الاقتراض؛ كحاجة النفقة وغيرها، ويحتاج إلى الرهن.
(أو غبطةٍ ظاهرة) في الرهن؛ كأن يشتري ما يساوي مئتين بمئة نسيئة، ويرهن به ما يساوي مئة من ماله؛ لأن المرهون إن سلم.. فلا كلام، وإن تلف.. كان في المشترى ما يجبره.
وشَرْطُ الرَّهْنِ: كَوْنُهُ عَيْنًا فِي الأَصَحِّ، وَيَصِحُّ رَهْنُ الْمُشَاعِ وَالأُمِّ دُونَ وَلَدِهَا وَعَكْسُهُ، وَعِنْدَ الْحَاجَةِ يُبَاعَانِ، وَيُوَزَّعُ الثَّمَنُ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ تُقَوَّمُ الأُمُّ وَحْدَهَا ثُمَّ مَعَ الْوَلَدِ فالزَّائِدُ قِيمَتُهُ
(وشرط الرهن) أي: المرهون (كونه عينًا في الأصحِّ) فلا يصحُّ رهن الدين؛ لتعذر تسليمه، والثاني: يصحُّ إذا كان على مقرٍّ؛ تنزيلًا لما في الذمة منزلةَ العين.
ومحل المنع: في الابتداء؛ أما لو جنى على المرهون جانٍ.. فإنا نحكم على الأرش وهو في ذمته بأنه مرهون على الأرجح في "زيادة الروضة" 1؛ لامتناع الإبراء منه، ولا يصحُّ رهن المنفعة جزمًا؛ لأنها تتلف شيئًا فشيئًا.
(ويصحُّ رهن المُشاع) ولا يحتاج إلى إذن الشريك، وقبضه بقبض الجميع؛ كالبيع، (والأمِّ دون ولدها، وعكسه) حيث يمتنع التفريق بينهما؛ لبقاء الملك فيهما، فلا تفريق 2، (وعند الحاجة يباعان) حذرًا من التفريق (ويُوزَّع الثمن) عليهما؛ كما سيأتي.
(والأصحُّ: أنه تُقوَّم الأم وحدها) إذا كانت هي المرهونة؛ لأنها الرهن، فتقوَّم موصوفةً بكونها ذات ولد حاضنة له، فإذا قيل: قيمتها مئة مثلًا.. حُفظت، (ثم) تُقوَّم (مع الولد) فإذا قيل: قيمتهما مئة وخمسون مثلًا (فالزائد) عن المئة وهو الخمسون (قيمتُه) فيوزع الثمن على هذه النسبة، فيكون للمرتهن ثلثا الثمن يقضي منه الدين، وللراهن الثلث لا تعلق للمرتهن به، والوجه الثاني: أن الأم تُقوَّم وحدها كما سبق؛ فإذا قيل: قيمتها مثلًا مئة.. قومنا الولد وحده؛ فإذا قيل: عشرون.. علمنا أن النسبة بينهما بالأسداس، فيقسط الثمن عليهما على هذه النسبة؛ سدس للولد يختص به الراهن، والباقي يتعلق به حقُّ المرتهن.
وفي هذا التقويم تقل قيمة الولد؛ لأنه يكون ضائعًا، أما لو رهن الولد دونها..
وَرَهْنُ الْجَانِي وَالْمُرْتَدِّ كَبَيْعِهِمَا. وَرَهْنُ الْمُدَبَّرِ، وَمُعَلَّقِ الْعِتْقِ بِصِفَةٍ يُمْكِنُ سَبْقُهَا حُلُولَ الدَّيْنِ.. بَاطِلٌ عَلَى الْمَذْهَبِ
فإن التقويم ينعكس، فيُقوَّم الولد وحده على الأصح محضونًا مكفولًا، ثم مع أمه؛ فالزائد قيمة الأم.
وحكمُ الولد مع الأب وغيره ممن يمتنع التفريق بينهما كحكمه مع الأم.
(ورهن الجاني والمرتد كبيعهما) وقد تقدم حكم بيع الجاني في (كتاب البيع)، والمرتد في الكلام على الردِّ بالعيب، وإذا صححناه.. فلا يكون ملتزمًا للفداء عند الأكثرين، بخلاف البيع؛ لأن الجناية لا تنافي الرهن، ومحلها باق بخلاف البيع.
(ورهن المدبر، ومعلَّقِ العتق بصفة يمكن سبقُها حلولَ الدين.. باطل على المذهب) في رهن المدبر ثلاث طرق: البطلان قطعًا، ورجحها في زوائد "الروضة" وقال الرافعي: إنها أقرب إلى النصِّ 1؛ لأن السيد قد يموت فجأة، فيبطل مقصود الرهن، الصحة قطعًا، قال في "الروضة": وهو قوي في الدليل 2، قولان؛ بناءً على أنه وصية فيصحُّ، أو تعليق عتق بصفة فلا.
وأما المُعلَّق عتقه بصفة لا يتيقَّن تقدمها على الحلول ولا تأخرها.. ففيه طريقان؛ أصحهما: قولان، أظهرهما: بطلانه؛ للغرر، والثاني: يصحُّ؛ لأن الأصل استمرارُ الرقِّ.
والثانية: القطع بالبطلان؛ فإن تيقن حلوله قبل وجود الصفة بزمن يسع البيع.. صحَّ قطعًا، وإن انعكس الأمر.. فالمشهور: القطع بالمنع؛ لفوات مقصود الرهن، وقيل: على القولين في رهن ما يسرع إليه الفساد.
والفرق على الأول: أن العاقل لا غرض له في إفساد ماله بخلاف العتق، والخلاف في رهن معلق العتق في رهنه بمؤجل، فإن رهنه بحالٍّ.. صحَّ مطلقًا.
ولو شرط في العقد بيع المعلق بصفة قبل وجودها.. قال ابن الرفعة: يصحُّ، وقيد
وَلَوْ رَهَنَ مَا يَسْرُعُ فَسَادُهُ: فَإِنْ أَمْكَنَ تَجْفِيفُهُ كَرُطَبٍ.. فُعِلَ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ رَهَنَهُ بِدَيْنٍ حَالٍّ، أَوْ مُؤَجَّلٍ يَحِلُّ قَبْلَ فَسَادِهِ، أَوْ شَرَطَ بَيْعَهُ وَجَعْلَ الثَّمَنِ رَهْنًا.. صَحَّ، وَيُبَاعُ عِنْدَ خَوْفِ فَسَادِهِ وَيَكُونُ ثَمَنُهُ رَهْنًا، وَإِنْ شَرَطَ مَنع بَيْعِهِ.. لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ أَطْلَقَ.. فَسَدَ فِي الأَظْهَرِ. وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ يَفْسُدُ قَبْلَ الأَجَلِ.. صَحَّ فِي الأَظْهَرِ
به كلامَ "التنبيه" 1 قال الأَذْرَعي: وهو؛ يعني: ابنَ الرفعة متابع لابن أبي عصرون في ذلك، وكلام الأصحاب ساكت عنه، وكأنه أخذه من رهن ما يتسارع إليه الفساد، وهو محتمل للتردد.
انتهى.
(ولو رهن ما يَسرُع فساده) بمؤجل يحلّ بعد الفساد أو معه أو قبله بزمن لا يسع البيع، (فإن أمكن تجفيفه؛ كرطب) يجيء منه تمر (.. فعل) حفظًا للرهن، والمُجفِّف له هو المالك، ومؤنته عليه؛ كما قاله صاحب "المطلب"، أما إذا كان يحلّ قبل فساده بزمن يسع البيع.. فإنه يُباع على حاله.
(وإلا) أي: وإن لم يمكن تجفيفه؛ كالثمرة التي لا تجفف والبقول (فإن رهنه بدين حالٍّ، أو مؤجل يحلُّ قبل فساده) بزمن يسع بيعه فيه على العادة، (أو شَرَط بيعه) عند إشرافه على الفساد (وجعل الثمن رهنًا.. صحَّ) لانتفاء المحذور، (ويباع عند خوف فساده، ويكون ثمنُه رهنًا) من غير إنشاء عقد.
(وإن شرط منع بيعه.. لم يصحَّ) لمنافاته مقصودَ الرهن.
(وإن أطلق) فلم يشترط واحدًا منهما (.. فسد في الأظهر) لتعذر الوفاء منه؛ لأن البيع قبل المحِلِّ لم يأذن فيه، وليس من مقتضى الرهن، والثاني: يصحُّ، ويباع عند الإشراف على الفساد؛ كما لو شرط بيعه؛ لأن الظاهر: أنه لا يقصط إتلاف ماله، وصححه في "الشرح الصغير".
(وإن لم يعلم هل يفسد قبل الأجل.. صحَّ في الأظهر) لأن الأصل دوامُ المالية، والثاني: يفسد؛ لجهلنا إمكانَ البيع عند المحِلِّ، وهو نظير ما صححه في المعلَّق عتقُه بصفة لا يعلم تتقدم أو تتأخر، وقد تقدم الفرق.
وَإِنْ رَهَنَ مَا لَا يَسْرُعُ فَسَادُهُ فَطَرَأَ مَا عَرَّضَهُ لِلْفَسَادِ؛ كَحِنْطَةٍ ابْتَلَّتْ.. لَمْ يَنْفَسِخِ الرَّهْنُ بِحَالٍ. وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِيرَ شَيْئًا لِيَرْهَنَهُ، وَهُوَ فِي قَوْلٍ: عَارِيَّةٌ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ ضَمَانُ دَيْنٍ فِي رَقَبَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيُشْتَرَطُ ذِكْرُ جِنْسِ الدَّيْنِ وَقَدْرِهِ وَصِفَتِهِ، وَكَذَا الْمَرْهُونُ عِنْدَهُ فِي الأَصَحِّ. فَلَوْ تَلِفَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ.. فَلَا ضَمَانَ
(وإن رهن ما لا يَسرُع فساده فطرأ ما عرَّضه للفساد؛ كحنطة ابتلَّت.. لم ينفسخ الرهن بحال) وإن منع الصحة في الابتداء على قول؛ لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء، وسواء طرأ قبل القبض أو بعده على الأصح، فيباع عند تعذر التجفيف، ويجعل ثمنه رهنًا مكانه 1.
(ويجوز أن يستعير شيئًا ليرهنه) بالإجماع؛ كما نقله ابن المنذر 2؛ لأن الرهن استيثاق، وهو يحصل بما لا يملكه؛ بدليل الإشهاد والكفالة.
(وهو في قول: عاريةٌ) لأنه قبض مال الغير بإذنه لينتفع به نوعَ انتفاع؛ كالخدمة.
(والأظهر: أنه ضمان دين في رقبة ذلك الشيء) لأن العارية ينتفع المستعير بها مع بقاء عينها، والانتفاع هنا ببيعها في الدين؛ فلم تكن عارية.
ثم إننا رأينا الرهن قد لزم بالقبض مع براءة ذمة المالك؛ فلا مَحمِل له غيرُ الضمان في رقبة ما أعطاه؛ كما لو أذن لعبده في ضمان دين غيره.. فإنه يصحُّ، وتكون ذمة المالك فارغةً، فكما ملك أن يُلزم دينَ الغير في ذمة مملوكه.. وجب أن يَملك إلزام ذلك في رقبته لأن كُلَّ واحد منهما محل حقِّه وتصرفه.
(فيشترط ذكر جنس الدين وقدرِه وصفته) لاختلاف الأغراض بذلك؛ كما في الضمان، (وكذا المرهون عنده في الأصحِّ) لما ذكرناه، والثاني: لا يجب؛ لضعف الغرض فيه.
(فلو تلف في يد المرتهن.. فلا ضمان) على المرتهن؛ لأنه أمسكه رهنًا لا عارية، ولا على الراهن؛ لأن التفريع على قول الضمان، والضامن إنما يرجع بعد
وَلَا رُجُوعَ لِلْمَالِكِ بَعْدَ قَبْضِ الْمُرْتَهَنِ، فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ أَوْ كَانَ حَالًّا.. رُوجِعَ الْمَالِكُ لِلْبَيعْ، وَيُبَاعُ إِنْ لَمْ يُقْضَ الدَّيْنُ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمَالِكُ بمَا بيعَ بهِ.
فصَلٌ [في شروط المرهون به ولزوم الرهن]
شَرْطُ الْمَرْهُونِ بِهِ كَوْنُهُ دَيْنًا ثَابِتًا
الأداء، والحقّ هنا باق في الذمة.
وكلامه قد يفهم: وجوبَ الضمان على الراهن إذا تلف في يده وقلنا بأنه ضمان، وهو المذهب في "زيادة الروضة" 1.
(ولا رجوع للمالك بعد قبض المرتهن) على القولين، وإلا.. لم يكن لهذا الرهن معنىً؛ إذ لا وثوق به، وأفهم جوازَ الرجوع قبل قبضه، وهو كذلك، وإن قلنا: إنه ضمان.. فإنه لم يلزم.
(فإذا حلَّ الدين أو كان حالًّا.. روجع المالك للبيع) لأن المالك لو رهن عن دين نفسه.. لوجبت مراجعته؛ فهنا أولى.
(ويباع إن لم يُقض الدين) معسرًا كان الراهن أو موسرًا؛ كما يطالب الضامن في الذمة مع يسار الأصيل وإعساره، (ثم يرجع المالك بما بيع به) لانتفاع الراهن به في دينه، وسواء أبِيعَ بالقيمة أم بأكثر أم بأقل بمقدار يتُغابَنُ به.
(فصل: شرط المرهون به: كونه دينًا) فلا يصحُّ الرهن بالعين؛ لأنه يستحيل استيفاء تلك العين من المرهون، ومن هنا يؤخذ: بطلان ما جرت به العادةُ من أخذ الرهن على عارية الكتب الموقوفة، وبه صرح الماوردي، لكن أفتى القفال فيما إذا وقف كتابًا أو غيره، وشرط ألّا يعار إلا برهن.. بلزوم هذا الشرط، ولا يُعارُ إلا برهن.
(ثابتًا) فلا يصحُّ بما لم يثبت، سواء وجد سبب وجوبه؛ كنفقة زوجته في الغد أم
لَازِمًا، فَلَا يَصحُّ بِالْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ وَالْمُسْتَعَارَةِ فِي الأَصَحِّ، وَلَا بِمَا سَيُقْرِضُهُ. وَلَوْ قَالَ: (أَقْرَضْتك هَذِهِ الدَّرَاهِمَ وَارْتَهَنْتُ بِهَا عَبْدَكَ)، فَقَالَ: (اقْتَرَضْتُ وَرَهَنْتُ)، أَوْ قَالَ: (بِعْتكَ بِكَذَا وَارْتَهَنْتُ الثَّوْبَ)، فَقَالَ: (اشْتَرَيْتُ وَرَهَنْتُ).. صَحَّ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يَصِحُّ بِنُجُومِ الْكِتَابَةِ، وَلَا بِجُعْلِ الْجِعَالَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ بَعْدَ الشُّرُوعِ
لا؛ كرهنه على ما سيقرضه غدًا، لأن الرهن وثيقة، فلا يتقدم على الحقِّ، كالشهادة.
(لازمًا) فلا يصحُّ بما لم يلزم، ولا يؤول إلى اللزوم؛ كمال الكتابة؛ لأنه لا فائدة في الوثيقة مع تمكن المديون من إسقاط الدين.
(فلا يصحُّ بالعين المغصوبة والمستعارة في الأصحِّ) لما تقدم، والثاني: يصحُّ؛ كضمانهما على الأصحِّ.
ولو عبر بـ (العين المضمونة).. لكان أخصر وأشمل؛ لتناوله المُستامَ والمأخوذَ ببيع فاسد، والمبيعَ والصداق قبل القبض، (ولا بما سيقرضه) لعدم الثبوت.
(ولو قال: "أقرضتك هذه الدراهم وارتهنت بها عبدك"، فقال: "اقترضت ورهنت"، أو قال: "بعتك بكذا وارتهنت الثوب" 1، فقال: "اشتريت ورهنت".. صحَّ في الأصحِّ) للحاجة إليه؛ فإنه لو لم يعقد الرهن بل شرطه.. لكان المشروط عليه ربما لا يفي به؛ فجُوِّزَ عقده مع العقد المقتضي للدين، والثاني: لا يصحُّ، قال الرافعي: وهو القياس؛ لأن أحد شقي العقد قد تقدم على ثبوت الدين 2، وهذا الترتيب الذي ذكره المصنف شرط.
(ولا يصحُّ بنجوم الكتابة، ولا بجُعل الجعالة قبل الفراغ) لعدم اللزوم؛ إذ للمكاتب والمجعول له الفسخ؛ فإن فرغ العامل من عمله.. صحَّ؛ كما أفهمه كلامُه للزومه، (وقيل: يجوز بعد الشروع) لانتهاء الأمر فيه إلى اللزوم؛ فأشبه الثمن في مدة الخيار.
وَيَجُوزُ بِالثَّمَنِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَبِالدَّيْنِ رَهْنًا بَعْدَ رَهْنٍ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَهُ الْمَرْهُونَ عِنْدَهُ بِدَيْنٍ آخَرَ فِي الْجَدِيدِ
وصورة المسألة: أن يقول: (مَنْ ردَّ عبدي.. فله دينار) فقال رجل: (ائتني برهن وأنا أرده).
(ويجوز بالثمن في مدة الخيار) لأنه يؤول إلى اللزوم، (وبالدين رهنًا بعد رهن) 1 أي: ويجوز إنشاء رهن بعد رهن بالدين الواحد؛ لأنه زيادة في الوثيقة.
(ولا يجوز أن يرهنه المرهونَ عنده بدين آخر في الجديد) وإن وفى بالدينين؛ كما لا يجوز رهنه عند غير المرتهن، والقديم: الجواز، ونصَّ عليه في الجديد أيضًا؛ كما تجوز الزيادة على الرهن بدين واحد.
وفرق الأول: بأن الدين يشغل الرهن ولا ينعكس؛ فالزيادة في الرهن شغل فارغ، فيصحُّ، والزيادة في الدين شغل مشغول، فلا يصحُّ.
وقيد ابن الملقن قولَ المصنف: (بدين آخر) بما إذا كان من جنس الأول، ثم قال: (أما لو كان الأول دراهم، والثاني دنانير.. فوجهان: أقيسُهما في "الاستقصاء": الجواز) انتهى 2، ووهم في ذلك، والذي في "الاستقصاء": إذا قلنا بالجواز فاختلف الجنس.. فوجهان.
وأما على الجديد.. فلا فرق في المنع بين كون الدين الثاني من جنس الأول أو لا، وبه صرح الدَّارِمي وغيرُه، نبَّه على ذلك الأَذْرَعي، وقال: إنَّ جعل هذه الصورة مستثناةً على الجديد، ويقيّدَ بها إطلاقُ "الكتاب" هفوةٌ فاحشةٌ.
نعم؛ يستثنى على الجديد: ما لو جنى المرهون ففداه المرتهن بإذن الراهن؛ ليكون مرهونًا بالدين والفداء.. فالمذهب: القطع بالجواز؛ لأنه من مصالح الرهن؛ لتضمنه استيفاءه.
وكذا لو أنفق المرتهن على المرهون بإذن الحاكم؛ لعجز المالك عن النفقة أو
وَلَا يَلْزَمُ إِلَّا بِقَبْضِهِ مِمَّنْ يَصِحُّ عَقْدُهُ. وَتَجْرِي فِيهِ النِّيَابَةُ لكِنْ لَا يَسْتَنِيبُ رَاهِنًا، وَلَا عَبْدَهُ، وَفِي الْمَأْذُونِ لَهُ وَجْهٌ، وَيَسْتَنِيبُ مُكَاتَبَهُ. وَلَوْ رَهَنَ وَدِيعَةً عِنْدَ مُودَعٍ أَوْ مَغْصُوبًا عِنْدَ غَاصِبٍ.. لَمْ يَلْزَمْ مَا لَمْ يَمْضِ زَمَنُ إِمْكَانِ قَبْضِهِ،
لغيبته، وأراد أن يكون مرهونًا بهما؛ كما حكاه في "زيادة الروضة" عن أبي الطيب، وأقره 1.
(ولا يلزم) من جهة الراهن (إلا بقبضه) فلو امتنع الراهن منه، أو فسخ قبله.. جاز؛ لأنه عقد إرفاق يحتاج إلى القبول، فلا يلزم إلا بالقبض؛ كالقرض، والمراد بالقبض: القبض المعهود في البيع (ممن يصحُّ عقده) أي: يشترط في كلٍّ من القابض والمُقبض: أن يكون ممن يصحُّ عقده على الرهن، فلا يصحُّ من محجور عليه قبضٌ ولا إقباضٌ، بل يتعاطاهما الولي حيث يجوز له تعاطي العقد.
(وتجري فيه النيابة) من الطرفين؛ كما تجري في العقد (لكن لا يستنيب) المرتهن (راهنًا) في القبض لنفسه؛ لئلا يؤدي إلى اتحاد القابض والمُقبض.
فلو كان الراهن وكيلًا في الرهن فقط، فوكله المرتهن في القبض من المالك.. فالمتجه: الصحة؛ لانتفاء المحذور، وكلام المصنف يقتضي البطلان، قال الإسنوي: ولا وجه له، ومثله: لو رهن الولي ثم انفك الحجر، فوكل المرتهن الولي في القبض.
(ولا عبده) أي: عبد الراهن؛ لأن يده كيد سيده، (وفي المأذون له وجه) لانفراده باليد والتصرف؛ كالمكاتب، والأصح: المنع؛ لمنافاته.
(ويستنيب مكاتبَه) لأنه معه كالأجنبي.
(ولو رهن وديعةً عند مودَع، أو مغصوبًا عند غاصب.. لم يلزم ما لم يمض زمن إمكان قبضه) لأنه لو لم يكن في يده.. لكان اللزوم متوقفًا على هذا الزمان، وعلى القبض، لكن سقط القبض؛ إقامةً لدوام اليد مقامَ ابتدائها، فبقي اعتبار الزمان.
وأفهم أنه لا يشترط ذهابه إليه، وهو الأصح عند الشيخين، وفي "المهمات" تبعًا
وَالأَظْهَرُ: اشْتِرَاطُ إِذْنِهِ فِي قَبْضِهِ، وَلَا يُبْرِئُهُ ارتهَانُهُ عَنِ الْغَصْبِ، وَيُبْرِئُهُ الإِيدَاعُ فِي الأَصَحِّ. وَيَحْصُلُ الرُّجُوعُ عَنِ الرَّهْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِتَصَرُّفٍ يُزِيلُ الْمِلْكَ كَهِبَةٍ مَقْبُوضةٍ وَبِرَهْنٍ مَقْبُوضٍ وَكِتَابَةٍ وَكَذَا تَدْبِيرُهُ فِي الأَظْهَرِ، وَبِإِحْبَالِهَا، لَا الْوَطْءِ وَالْتَّزْوِيجِ
للسبكي: أن الأكثرين على الاشتراط 1.
(والأظهر: اشتراط إذنه في قبضه) لأن اليد كانت عن غير جهة الرهن، ولم يقع تعرض للقبض عنه، والثاني: لا يشترط؛ لأن العقد مع صاحب اليد يتضمن الإذنَ في القبض.
(ولا يبرئه ارتهانُه عن الغصب) وإن لزم؛ لأن الرهن لا ينافي الضمانَ؛ بدليل ما لو رهنه شيئًا فتعدى فيه.. فإنه لا يبطل الرهن، وللمرتهن أن يردَّه على مالكه، ثم يأخذه لغرض البراءة.
(ويبرئه الإيداع في الأصحِّ) لأن مقصود الإيداع الائتمانُ؛ فتضمنت البراءة، والثاني: لا يبرئه؛ كالرهن.
(ويحصل الرجوع عن الرهن قبل القبض بتصرف يُزيل الملك؛ كهبة مقبوضة) لزوال محلِّ الرهن، (وبرهن مقبوض، وكتابةٍ) لتعلق حقِّ الغير.
وتقييده تبعًا للرافعي الرهنَ والهبةَ بالقبض يقتضي: أنهما قبل القبض ليسا رجوعًا، والمنصوص: أنه يكون رجوعًا، وقال في "البيان" وغيره: إنه المشهور، وقد رجح الشيخان في (الوصية) أن الرهن بدون القبض رجوعٌ 2.
قال الأَذْرَعي: فالصواب على المذهب: حذف لفظة (القبض) في الهبة والرهن جميعًا؛ لأنها زيادة موهمة.
(وكذا تدبيره في الأظهر) لمنافاة مقصود التدبير مقصودَ الرهن، وإشعاره بالرجوع، والثاني: لا؛ لأن الرجوع عن التدبير ممكن.
(وبإحبالها) لمنافاته مقصود الرهن، (لا الوطء) لأنه ليس سببًا لزوال الملك، (والتزويج) إذ لا منافاة؛ لأن رهن المزوّج، والمزوَّجَة جائز ابتداءً.
وَلَوْ مَاتَ الْعَاقِدُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ جُنَّ أَوْ تَخَمَّرَ الْعَصِيرُ أَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ.. لَمْ يَبْطُلِ الرَّهْنُ فِي الأَصَحِّ. وَلَيْسَ لِلرَّاهِنِ الْمُقْبِضِ تَصَرُّفٌ يُزِيلُ الْمِلْكَ -لكِنْ فِي إِعْتَاقِهِ أَقْوَالٌ، أَظْهَرُهَا: يَنْفُذُ مِنَ الْمُوسِرِ وَيَغْرَمُ قِيمَتة يَوْمَ عِتْقِهِ
(ولو مات العاقد) راهنًا كان أو مرتهنًا (قبل القبض، أو جُنَّ، أو تخمر العصير، أو أَبَقَ العبد.. لم يبطل الرهن في الأصحِّ) أما في الموت.. فلأنه عقد مصيرُه إلى اللزوم؛ فلا يتأثر بالموت قبل لزومه؛ كالبيع في زمن الخيار، فعلى هذا: يتخير وارث الراهن في الإقباض، ووجه مقابله: أنه جائز؛ كالوكالة، والجنونُ مُرتَّب على الموت، فإن قلنا: لا يبطل دمَّ.. فهنا أولى، وإلا.. فوجهان.
وأما في التخمر والإباق.. فبالقياس على ما لو كان بعد القبض؛ لاغتفار ما يقع في الدوام، ووجه مقابله: اختلاله في حالة ضعف الرهن، وعدم لزومه.
والمراد هنا بعدم البطلان بالتخمر، كما نبه عليه الرافعي: هو أن الرهن لا يضمحل أثره بالكلية، قال: وأما البطلان بمعنى: ارتفاع الحكم في مدة التخمر، وعوده بالتخلل.. فإنه ثابت له لو كان بعد القبض على الأصح، فقبله بطريق الأولى 1.
(وليس للراهن المقبض تصرف يزيل الملك) كالبيع ونحوه؛ لأنه لو صحَّ.. لفاتت الوثيقة (لكن في إعتاقه أقوال: أظهرها: ينفذ من الموسر) دون المعسر؛ لأنه عتق يبطل به حقُّ الغير، ففرق فيه بين الموسر والمعسر؛ كعتق الشريك، والثاني: ينفذ مطلقًا؛ كعتق العبد المستأجر، والأمة المزوجة، والئالث: لا ينفذ مطلقًا؛ لأنه حجر على نفسه 2.
واحترز بقوله: (في إعتاقه) عن الحكم بعتقه لا بإعتاق الراهن له، بل بالسراية؛ كما إذا رهن نصفَ عبده ثم أعتق باقيه.. فإنه يسري إن نفذنا إعتاقه، وكذا إن لم ننفِّذه في الأصحِّ، لكن بشرط اليسار على الأصحِّ.
(ويغرم) الموسر (قيمتَه) جبرًا لحقِّ المرتهن، وتعتبر (يوم عتقه) لأنه يوم
رَهْنًا، وَإِنْ لَمْ نُنْفِذْهُ فَانفَكَّ.. لَمْ يَنْفُذْ فِي الأَصَحِّ، وَلَوْ عَلَّقَهُ بِصِفَةٍ فَوُجِدَتْ وَهُوَ رَهْنٌ.. فَكَالإِعْتَاقِ، أَوْ بَعْدَهُ.. نَفَذَ عَلَى الصَّحِيحِ- وَلَا رَهْنُهُ لِغَيْرِهِ، وَلَا التَّزْوِيجُ، وَلَا الإِجَارَةُ إِنْ كَانَ الدَّيْنُ حَالًّا أَوْ يَحِلُّ قَبْلَهَا، وَلَا الْوَطْءُ، فَإِنْ وَطِئَ.. فَالْوَلَدُ حُرٌّ. وَفِي نُفُوذِ الاسْتِيلَادِ أَقْوَالُ الإِعْتَاقِ،
الإتلاف 1، وتصير (رهنًا) بمجرد إعطائها، وإن لم يحصل إنشاء عقد؛ لقيامها مقام الرهن.
(وإن لم ننفذه) لكونه معسرًا، أو على القول بأنه لا ينفذ مطلقًا (فانفك) الرهن بأداء أو غيره (.. لم ينفذ في الأصحِّ) لأنه عتق، وهو لا يملك إعتاقه؛ فأشبه ما لو أعتق المحجور عليه بالسفه، ثم زال الحجر، والثاني: ينفذ؛ لزوال المانع.
(ولو علقه) أي: علق الراهن العتق (بصفة) بعد رهنه؛ كقدوم زيد (فوجدت وهو رهن.. فكالإعتاق) لأن التعليق مع الصفة كالتنجيز.
(أو بعده.. نفذ على الصحيح) لأنه لا يبطل حقّ المرتهن، والثاني: لا ينفذ؛ لأن التعليق صدر في حالة لا يملك فيها التنجيز فبطل.
والفرق على الأول: أن مجرد التعليق لا يضرُّ المرتهن، بخلاف التنجيز.
(ولا رهنُه لغيره) لمزاحمته حقَّ الأول؛ فيفوت مقصود الرهن، (ولا التزويج) لتنقيصه القيمة.
(ولا الإجارة إن كان الدين حالًّا أو يحلُّ قبلها) لأنها تنقص القيمة والرغبات عند الحاجة إلى البيع؛ فإن حلَّ بعدها أو مع انقضائها.. صحت إذا كان المستأجر ثقة؛ لانتفاء المحذور حالة البيع.
(ولا الوطء) لما فيه من التنقيص في البكر، وخوف الإحبال في الثيب، وحسمًا للباب في ثيب لا تَحْبَل، (فإن وطئ.. فالولد حرّ) لأنها علقت به في ملكه.
(وفي نفوذ الاستيلاد أقوالُ الإعتاق) لما مرَّ، والاستيلاد أولى بالنفوذ؛ لأنه فعل، والفعل أقوى من القول، بدليل: نفوذ إحبال المجنون والسفيه دون إعتاقهما.
فَإِنْ لَمْ نُنْفِذْهُ فَانْفَكَّ.. نَفَذَ فِي الأَصَحِّ. فَلَوْ مَاتت بِالْوِلَادَةِ.. غَرِمَ قِيمَتَهَا رَهْنًا فِي الأَصَحِّ. وَلَهُ كُلُّ انْتِفَاعٍ لَا يَنْقُصُهُ كَالرُّكُوبِ وَالسُّكْنَى، لَا الْبِنَاءُ وَالْغِرَاسُ، فَإِنْ فَعَلَ.. لَمْ يُقْلَعْ قَبْلَ الأَجَلِ، وَبَعْدَهُ يُقْلَعُ إِنْ لَمْ تَفِ الأَرْضُ بِالدَّيْنِ وَزَادَتْ بِهِ، ثُمَّ إِنْ أَمْكَنَ الانْتِفَاعُ بِغَيْرِ اسْتِرْدَادٍ.. لَمْ يَسْتَرِدَّ، وَإِلَّا
(فإن لم نُنفذه فانفك) الرهن من غير بيع (.. نفذ في الأصحِّ) بخلاف العتق؛ لما مرَّ من قوة الفعل.
(فلو ماتت بالولادة) ولم ينفذ الاستيلاد (.. غرم قيمتَها رهنًا في الأصحِّ) لأنه تسبب إلى إهلاكها بالإحبال، والثاني: لا غُرْمَ؛ لبعد إضافة الهلاك إلى الوطء، ويجوز كونه من علل وعوارض.
وقوله: (رهنًا)؛ أي: ويصير رهنًا من غير إنشاء.
(وله) أي: للراهن (كلُّ انتفاع لا ينقصه؛ كالركوب والسكنى) لقوله صلى الله عليه وسلم: "الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ" رواه الدارقطني والحاكم، وقال: إنه على شرط الشيخين 1.
والفصيح (ينقصه) بتخفيف القاف؛ قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾.
(لا البناء والغراس) لنقصان قيمة الأرض بهما.
(فإن فعل.. لم يُقلَع قبل الأجل) رجاء أن يُقضَى الدين من موضع آخر، أو تفي قيمة الأرض بالدين؛ فلا يجوز الإضرار المُحقَّق بقلعه لضررٍ متوهمٍ.
(وبعده) أي: بعد حلول الأجل (يُقلع إن لم تفِ الأرضُ بالدَّين وزادت به) أي: بالقلع؛ لتعلق حقِّ المرتهن بأرضٍ فارغةٍ.
(ثم إن أمكن الانثفاع بغير استرداد) بأن يرهن عبدًا له صَنعةٌ يمكن أن يعملها عند المرتهن (.. لم يستردَّ) من المرتهن لأجل عملها عنده؛ لأن اليد للمرتهن.
ويؤخذ منه: أن ما لا منفعة فيه تستوفى؛ كالحبوب.. لا يُستردُّ بطريق الأولى.
(وإلا) أي: وإن لم يمكن الانتفاع بغير استرداد؛ كأن رهن دارًا أو عبدًا لا يحسن
فَيَسْتَرِدُّ، وَيُشْهِدُ إِنِ اتَّهَمَهُ، وَلَهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ مَا مَنَعْنَاهُ.
وَلَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ تَصَرُّفِ الرَّاهِنِ، فَإِنْ تَصَرَّفَ جَاهِلًا بِرُجُوعِهِ.. فَكَتَصَرُّفِ وَكِيلٍ جَهِلَ عَزْلَهُ.
وَلَوْ أَذِنَ فِي بَيْعِهِ لِيُعَجِّلَ الْمُؤَجَّلَ مِنْ ثَمَنِهِ.. لَمْ يَصحَّ الْبَيع، وَكَذَا لَوْ شَرَطَ رَهْنَ الثَّمَنِ فِي الأَظْهَرِ.
فصلٌ [فيما يترتب على لزوم الرهن]
إِذَا لَزِمَ الرَّهْنُ.. فَالْيَدُ فِيهِ لِلْمُرْتَهِنِ، وَلَا تزالُ إِلَّا لِلانْتِفَاعِ كَمَا سَبَقَ
إلا الخدمة (.. فيسترد) للحاجة إلى ذلك.
نعم؛ لا يأخذ الجارية إلا إذا أمن غشيانه لها؛ بأن كان مَحْرمًا، أو ثقةً وله أهل.
(ويُشهد) عليه الراهن شاهدين أنه أخذه للانتفاع (إن اتهمه) المرتهن؛ فإن وثق به.. لم يكلف الإشهاد.
(وله بإذن المرتهن ما منعناه) من التصرفات والانتفاعات من غير بدل؛ لأن المنع لحقه، وقد زال بإذنه.
(وله الرجوع قبل تصرف الراهن) لأن حقَّه باق؛ كما للمالك أن يرجع قبل تصرف الوكيل.
(فإن تصرَّف جاهلًا برجوعه.. فكتصرُّف وكيلٍ جهل عزله) أي: عزل موكله له، والأصح: عدم النفوذ؛ كما سيأتي في بابه.
(ولو أذن في بيعه ليُعجّل المؤجل من ثمنه) أي: وشرط ذلك (.. لم يصحَّ البيع) لأنه قد شرط في الإذن شرطًا فاسدًا، وهو التعجيل فأبطله.
(وكذا لو شرط رهن الثمن) مكانه (في الأظهر) لأن الثمن مجهولٌ عند الإذن؛ فأشبه ما إذا أذن بشرط أن يرهن به مالًا آخر مجهولًا، وإذا بطل الشرط.. بطل الإذن؛ فإنه وقف الإذن على حصول الوثيقة في البدل، وإذا بطل الإذن.. بطل البيع، والقول الثاني: أنه يصحُّ، وعلى الراهن الوفاء بالشرط؛ لأن الرهن قد ينتقل من العين إلى البدل شرعًا؛ كما لو أُتلف المرهونُ.. فجاز أن ينتقل إليه شرطًا.
(فصل: إذا لزم الرهن.. فاليد فيه للمرتهن، ولا تزال إلا للانتفاع كما سبق) لأن
وَلَوْ شَرَطَا وَضعَهُ عِنْدَ عَدْلٍ.. جَازَ، أَوْ عِنْدَ اثنيْنِ وَنَصَّا عَلَى اجْتِمَاعِهِمَا عَلَى حِفْظِهِ أَوِ الانْفِرَادِ بِهِ.. فَذَاكَ، وَإِنْ أَطْلَقَا.. فَلَيْسَ لِأحَدِهِمَا الانْفِرَادُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ مَاتَ الْعَدْلُ أَوْ فُسِّقَ.. جَعَلَاهُ حَيْثُ يَتَّفِقَانِ، وَإِنْ تَشَاحَّا.. وَضعَهُ الْحَاكِمُ عِنْدَ
قَوامَ التوثق إنما يحصل بجعله في يده.
ويستثنى منه: ما لو رهن عبدًا مسلمًا، أو مصحفًا من كافر، أو سلاحًا من حربي.. فإنه يوضع عند عدل، وكذا لو كان الرهن جارية مشتهاة عند رجل غير مَحْرَم، ولم يكن ثقة، ولا عنده زوجة ولا أمة، ولا نسوة ثقات.. فإنها توضع عند محرم لها، أو امرأة ثقة، أو عدل بالصفة المذكورة.
(ولو شرطا وضعه عند عدل.. جاز) لأن كلًّا منهما قد لا يثق بصاحبه، ويثقان بثالث.
وعبارة "المحرر"، و"الشرحين"، و"الروضة" في يد ثالث 1، وهي أولى؛ فإن الفاسق في ذلك كالعدل.
وكلام المصنف قد يُفهم: أنه لا يجوز شرط وضعه بعد اللزوم عند الراهن، وكلام الغزالي كالصريح فيه؛ فإنه قال: لأن يده لا تصلح للنيابة عن غيره؛ إذ هو مستقل بالملك 2.
ومقتضى كلام "المطلب": أنه يصحُّ؛ فإنه حمل كلامَ الغزالي على ابتداء القبض، وقال السبكي: الذي يظهر: أنه يصحُّ؛ لأن عندنا يجوز أن يعيد الرهن إلى الراهن لينتفع به.
(أو عند اثنين، ونصَّا على اجتماعهما على حفظه، أو الانفراد به.. فذاك) أي: فيتبع الشرط.
(وإن أطلقا.. فليس لأحدهما الانفراد في الأصحِّ) لعدم الرضا بيد واحد؛ كما لو أوصى إلى اثنين، والثاني: له الانفراد؛ لما في اجتماعهما على الحفظ من المشقة.
(ولو مات العدل أو فُسِّق.. جعلاه حيث يتفقان، وإن تشاحَّا.. وضعه الحاكم عند
عَدْلٍ. وَيَسْتَحِقُّ بَيْعَ الْمَرْهُونِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، ويُقَدَّمُ الْمُرْتَهِنُ بِثَمَنِهِ، وَيَبِيعُهُ الرَّاهِنُ أَوْ وَكِيلُهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ.. قَالَ لَهُ الْحَاكِمُ: (تَأْذَنُ أَوْ تبرِئُ). وَلَوْ طَلَبَ الْمُرْتَهِنُ بَيْعَهُ فَأَبَى الرَّاهِنُ.. أَلْزَمَهُ الْقَاضِي قَضاءَ الدَّيْنِ أَوْ بَيْعَهُ، فَإِنْ أَصَرَّ.. بَاعَهُ الْحَاكِمُ. وَلَوْ بَاعَهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ.. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ إِنْ بَاعَ بِحَضْرَتِهِ.. صَحَّ، وَإِلَا.. فَلَا..
عدل) لأنه العدل، وكذا لو حدث بينه وبين أحدهما عداوة، وكذا لو اتفقا على فاسق فزاد فسقه، ولو كان في يد المرتهن فتغير حاله.. فكتغير حال العدل، وهذا إذا تشاحَّا بعد أن طرأ على نائبهما شيء مما سبق.
وكان الأحسن أن يقول: (فإن تشاحَّا) ليشير إلى التفريع، أما لو تشاحَّا ابتداءً؛ فإن كان قبل الإقباض.. فلا يجبر الراهن بحال، وإن كان بعده وقد وضع في يد عدل، أو في يد المرتهن.. فلا ينزع بغير رضاه بلا سبب يُجوِّز ذلك.
(ويستحقُّ بيعَ المرهون عند الحاجة) لوفاء الدين إن لم يوف من غير الرهن، وكذا يستحق بيعه في جنايته، وعند الإشراف على التلف قبل الحلول.
(ويُقدَّم المرتهِن بثمنه) لأنه فائدة الرهن، بل قال الإمام: بأنه لا يجب عليه الوفاء من غير الرهن 1، واستشكله ابن عبد السلام في "مختصر النهاية"؛ لما فيه من تأخير الحقِّ الواجب.
(ويبيعه الراهن أو وكيله) لأنه المالك (بإذن المرتهن) أو وكيله؛ لأنه صاحب حقٍّ، (فإن لم يأذن) وأراد الراهن بيعه (.. قال له) أي: للمرتهن (الحاكم: "تأذن، أو تبرئ") دفعًا لضرر الراهن.
(ولو طلب المرتهن بيعه فأبى الراهن.. ألزمه القاضي قضاءَ الدين أو بيعه، فإن أصرَّ.. باعه الحاكم) دفعًا لضرر المرتهن.
(ولو باعه المرتهن بإذن الراهن.. فالأصحُّ: أنه إن باع بحضرته.. صحَّ، وإلا.. فلا) لأن بيعه لغرض نفسه فيتهم في الغيبة بالاستعجال، وترك النظر دون الحضور، والثاني: يصحُّ مطلقًا؛ كما لو أذن له في بيع غيره، والثالث: لا يصحُّ مطلقًا؛ لأنه
وَلَوْ شَرَطَا أَنْ يَبِيعَهُ الْعَدْلُ.. جَازَ، وَلَا تُشتَرَطُ مُرَاجَعَةُ الرَّاهِنِ فِي الأَصحِّ. فَإِذَا بَاعَ.. فَالثَّمَنُ عِنْدَهُ مِنْ ضَمَانِ الرَّاهِنِ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُرْتَهِنُ. وَلَوْ تَلِفَ ثَمَنُهُ فِي يَدِ الْعَدْلِ ثُمَّ اسْتُحِقَّ الْمَرْهُونُ، فَإِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي.. رَجَعَ عَلَى الْعَدْلِ، وإِنْ شَاءَ.. عَلَى الرَّاهِنِ، وَالْقَرَارُ عَلَيْهِ
توكيل فيما يتعلق بحقه؛ إذ المرتهن مستحق للبيع.
ومحلُّ الصحة: ما إذا قال: (بعه لي)، وكذا إن أطلق في الأصحِّ، فلو قال: (بعه لنفسك).. لم يصحَّ في الأظهر؛ إذ لا يتصور أن يبيع الإنسان مال غيره لنفسه.
(ولو شرطا أن يبيعه العدل.. جاز) 1 وصحَّ الشرط فلو عزله الراهن.. انعزل، ولو عزله المرتهن.. لم ينعزل في الأصح؛ لأنه وكيل الراهن.
(ولا تشترط مراجعة الراهن في الأصحِّ) لأن الأصل بقاءُ الإذن الأول، والثاني: يشترط؛ لأنه قد يكون له غرض في بقاء العين، وقضاء الحقِّ من غيرها.
واحترز بـ (الراهن): عن المرتهن، وقد نقل الرافعي عن العراقيين القطعَ باشتراط إذنه، ونقل عن الإمام القطعَ بعدم اشتراطه، ثم قال: فتأمل في بعد أحد الطريقين عن الأخرى، وجمع في "المهمات" بينهما بما فيه طول 2.
(فإذا باع.. فالثمن عنده من ضمان الراهن؛ حتى يقبضه المرتهن) لأنه ملكه، فهو كالرهن، هذا إذا باعه في موضعه، فإن باعه ببلد آخر وقبض ثمنه.. ضمنه؛ لتعديه بإخراجه.
(ولو تلف ثمنه في يد العدل، ثم استحق المرهون، فإن شاء المشتري.. رجع على العدل) لوضع يده عليه، (وإن شاء.. على الراهن) لإلجائه المشتري شرعًا إلى التسليم للعدل بحكم توكيله، (والقرار عليه) أي: على الراهن.
ومحل الرجوع على العدل: إذا لم يكن مأذونًا له من جهة الحاكم؛ فإن كان لموت الراهن أو غيبته.. فلا يكون طريقًا في الضمان على الأصح المنصوص؛ لأنه نائب الحاكم.
وَلَا يَبِيعُ الْعَدْلُ إِلَّا بِثَمَنِ مِثْلِهِ حَالًّا مِنْ نَقْدِ بَلَدِهِ، فَإِنْ زَادَ رَاغِبٌ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْخِيَارِ.. فَلْيَفْسَخْ وَلْيَبِعْهُ. وَمُؤْنَةُ الْمَرْهُونِ عَلَى الرَّاهِنِ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَا يُمْنَعُ الرَّاهِنُ مِنْ مَصْلَحَةِ الْمَرْهُونِ؛ كَفَصْدٍ وَحِجَامَةٍ
(ولا يبيع العدل إلا بثمن مثله حالًّا من نقد بلده) كالوكيل، قال الإسنوي: والمتجه: إلحاق الراهن والمرتهن في ذلك بالعدل.
فلو عبر المصنف بقوله: (ولا يباع).. لكان أعم.
(فإن زاد راغب قبلَ انقضاء الخيار.. فليفسخ وليبعْه) ولا ينفسخ بمجرد الزيادة، فإن لم يفعل.. انفسخ في الأصل؛ لأن المجلس كحال العقد، ولو لم يفسخ بل باع من الراغب.. صحَّ على الأصحِّ.
وشمل قوله: (قبل انقضاء الخيار) خيار المجلس، والشرط.
واحترز به: عما لو زاد بعد الخيار.. فإن البيع لازم، ولا أثر للزيادة.
(ومؤنة المرهون على الراهن) المالك بالإجماع إلا ما روي عن الحسن البصري أنها على المرتهن، كذا قال ابن الملقن؛ أنه الحسن البصري 1، وجرى عليه الأَذْرَعي، لكن نقله السبكي عن الحسن بن صالح، فليحرر.
(ويجبر عليها لحق المرتهن على الصحيح) حفظًا للوثيقة، والثاني: لا يجبر عند الامتناع بل يبيع القاضي جزءًا من المرهون بحسب الحاجة إلا أن تستغرق المؤنة الرهن قبل الأجل فيباع، ويجعل ثمنه رهنًا، حكاه الرافعي في "الشرح الكبير" عن الإمام، وأقره 2، وجزم به في "الصغير"، قال في "أصل الروضة"؛ وهذا ضعيف، وكذا أصلُه المفرع عليه 3.
(ولا يُمنع الراهن من مصلحة المرهون؛ كفصد وحجامة) عند الحاجة إليهما؛ حفظًا لماله، لكن لا يجبر عليها، بخلاف النفقة، كذا قالوه.
واستدرك صاحب "المطلب" فقال في (كتاب النفقات): هذا محمول على أنها
وَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَلَا يَسْقُطُ بِتَلَفِهِ شَيْءٌ مِنْ دَيْنِهِ. وَحُكْمُ فَاسِدِ الْعُقُودِ حُكْمُ صَحِيحِهَا فِي الضَّمَانِ. وَلَوْ شَرَطَ كَوْنَ الْمَرْهُونِ مَبيعًا لَهُ عِنْدَ الْحُلُولِ.. فَسَدَا. وَهُوَ قَبْلَ الْمَحِلِّ أَمَانَةٌ، وَيُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ فِي دَعْوَى التَّلَفَ بِيَمِينِهِ، وَلَا يُصَدَّقُ فِي الرَّدِّ عِنْدَ الأَكْثَرِينَ
لا تجب من خالص ماله، بل في غير المرهون ببيع جزء منه لأجلها.
(وهو أمانة في يد المرتهن) لحديث: "الرَّهْنُ مِنْ رَاهِنِهِ - أي: من ضمان راهنه - لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ" رواه الشافعي، والمحفوظ إرساله 1.
(ولا يسقط بتلفه شيء من دينه) لأنه وثيقة بدين ليس بعوض فيه، فلا يسقط الدين بتلفه؛ كالضامن يموت.
وقولنا: (ليس بعوض فيه) احتراز من تلف المبيع في يد البائع.
(وحكم فاسد العقود حكمُ صحيحها في الضمان) فما اقتضى صحيحه الضمان بعد التسليم؛ كالبيع وسائر العقود.. اقتضاه فاسده أيضًا؛ لأنه أولى بذلك، وما لا؛ كالرهن ونحوه.. فلا؛ لأن إثبات اليد عليه بإذن المالك، ولم يلتزم بالعقد ضمانًا.
واستثني من طرد هذه القاعدة وعكسها مسائلُ ذكرتها في "إرشاد المحتاج"، وهو شرح أبسط من هذا.
(ولو شرط كونَ المرهون مبيعًا له عند الحلول.. فسدا) أي: الرهن والبيع: الرهن لتأقيته؛ لأنهما شرطا ارتفاعه بالحلول، والبيع لتعليقه.
(وهو) أي: المرهون في هذه الصورة (قبل المحِلِّ أمانة) لأنه رهن فاسد، وبعده مضمون؛ لأنه أخذ ببيع فاسد، وهو عقد ضمان.
(ويصدَّق المرتهن في دعوى التلف بيمينه) لأنه أمين؛ كما مرَّ، والمراد: تصديقه بالتفصيل الآتي في (الوديعة).
والمقصود من هذه المسألة: هو عدم الضمان، ولم يصرح به المصنف، وإلا.. فالغاصب ونحوه مصدق أيضًا في التلف.
(ولا يصدَّق في الردِّ عند الأكثرين) لأنه قبضه لغرض نفسه؛ فأشبه المستعير،