وَمَنْ حَمَلَ حَطَبًا عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ بَهِيمَةٍ فَحَكَّ بِنَاءً فَسَقَطَ.. ضَمِنَهُ، وَإِنْ دَخَلَ سُوقًا فَتَلِفَ بهِ نَفْسٌ أَوْ مَالٌ.. ضَمِنَ إِنْ كَانَ زِحَامٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَتَمَزَّقَ ثَوْبٌ.. فَلَا، إِلَّا ثَوْبَ أَعْمَى وَمُسْتَدْبِرِ الْبَهِيمَةِ فَيَجِبُ تَنْبِيهُهُ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُهُ إِذَا لَمْ يُقَصِّرْ صَاحِبُ الْمَالِ، فَإِنْ قَصَّرَ؛ بِأَنْ وَضَعَهُ بِطَرِيقٍ أَوْ عَرَّضَهُ لِلدَّابَّةِ.. فَلَا، وَإِنْ كَانَتِ الدَّابَّةُ وَحْدَهَا فَأَتْلفَتْ زَرْعًا أَوْ غَيْرَهُ نَهَارًا.. لَمْ يَضْمَنْ صَاحِبُهَا، أَوْ لَيْلًا.. ضَمِنَ،
(ومن حمل حطبًا على ظهره أو بهيمة فحك بناء فسقط.. ضمنه) لوجود التلف بفعله.
(وإن دخل سوقًا فتلف به نفس أو مال.. ضمن إن كان زحام) مطلقًا، سواء كان صاحب الثوب مستقبلًا أو مستدبرًا؛ لإتيانه بما لا يعتاد، (وإن لم يكن) زحام (وتمزق ثوب.. فلا) إذا كان مستقبل البهيمة؛ لأن التقصير منه؛ إذ عليه الاحتراز (إلا ثوب أعمى ومستدبر البهيمة؛ فيجب تنبيهه) فإن نبهه وأمكنه الاحتراز فلم يحترز.. فلا ضمان، وإن لم ينبهه.. ضمن؛ لتقصيره؛ فإن الإعلام معتاد في ذلك.
(وإنما يضمنه) أي: وإنما يضمن صاحب البهيمة ما أتلفته (إذا لم يقصر صاحب المال، فإن قصر؛ بأن وضعه بطريق أو عرّضه للدابة.. فلا) لأنه المضيع لماله.
(وإن كانت الدابة وحدها فأتلفت زرعًا أو غيره نهارًا.. لم يضمن صاحبها، أو ليلًا.. ضمن) للحديث الصحيح فيه 1.
والمعنى فيه: أن العادة الغالبة: أن أصحاب الزروع والبساتين يحفظونها نهارًا، فما تتلفه نهارًا.. فهو من تقصير صاحب المال، والماشية ترسل نهارًا للرعي، ثم ترد إلى أماكنها، فمن أرسلها ليلًا أو نهارًا وتركها منتشرة بالليل.. فقد قصر، ولزمه الضمان.
وما أطلقه من التفصيل: موضعُه إذا جرت عادة البلد بإرسال البهائم نهارًا، وحفظِ الزرع ليلًا، فلو انعكس.. انعكس الحكم على الأصحِّ.
ويستثنى من عدم الضمان نهارًا: ما إذا كانت المراعي متوسطة المزارع، أو كانت
إِلَّا أَلَّا يُفَرِّطَ فِي رَبْطِهَا، أَوْ حَضَرَ صَاحِبُ الزَّرْعِ وَتَهَاوَنَ فِي دَفْعِهَا، وَكَذَا إِنْ كَانَ الزَّرْعُ فِي مَحُوطٍ لَهُ بَابٌ تَرَكَهُ مَفْتُوحًا فِي الأَصَحِّ. وَهِرَّةٌ تُتْلِفُ طَيْرًا أَوْ طَعَامًا إِنْ عُهِدَ ذَلِكَ مِنْهَا.. ضَمِنَ مَالِكُهَا فِي الأَصَحِّ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، وَإِلَّا.. فَلَا فِي الأَصَحِّ.
البهائم ترعى في حريم السواقي.. فيجب ضمان ما تفسده إذا أرسلها بلا راعٍ؛ لاعتياد الراعي في مثل ذلك.
(إلا ألا يفرط في ربطها) بأن ربطها وأغلق بابه واحتاط على العادة، ففتح الباب لص، أو انهدم الجدار فخرجت ليلًا.. فلا ضمان؛ لعدم التقصير منه، (أو حضر صاحب الزرع وتهاون في دفعها)، فلا يضمن صاحبها وإن قصر بإرسالها؛ لأن صاحب الزرع هو المضيع بتهاونه.
(وكذا إن كان الزرع في محوط له باب تركه مفتوحًا في الأصح) لأن التقصير منه بفتح الباب، والثاني: يضمن؛ لأن العادة ربط البهائم وحفظها ليلًا، فإرسالها تقصير.
(وهرة تتلف طيرًا أو طعامًا إن عهد ذلك منها.. ضمن مالكها في الأصح ليلًا أو نهارًا) كما يضمن مرسل الكلب العقور ما يتلفه؛ لأن مثل هذه ينبغي أن تربط ويكف شرها، وكذا كل حيوان يُولَع بالتعدي، والثاني: لا ضمان، سواء أتلفت ليلًا أو نهارًا؛ لأن العادة أنها لا تربط.
(وإلا) أي: وإن لم يعهد ذلك منها (.. فلا) ضمان (في الأصح) لأن العادة حفظ الطعام عنها لا ربطُها، والثاني: يفرق بين الليل والنهار؛ كما سبق في البهيمة.
كتابُ السِّيَر كَانَ الْجِهَادُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضَ كِفَايَةٍ، وَقِيلَ: عَيْنٍ،
﴿كتاب السير﴾
هو جمع سيرة، وهي الطريقة، وترجمه بذلك؛ لأن أحكامه متلقاة من سير النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾، ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾، ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾، والسنن الصحيحة طافحة به، وبالحث عليه، وبيان فضله.
(كان الجهاد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض كفاية)، أما كونه فرضًا.. فبالإجماع، وأما كونه على الكفاية.. فلقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾... إلى قوله: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾، فذكر فضل المجاهدين، ووعد القاعدين بالحسنى أيضًا، والعاصي لا يوعد بالحسنى.
وهذا كان بعد الهجرة، أما قبلها.. فكان ممنوعًا منه، بل كان مأمورًا صلى الله عليه وسلم بالتبليغ والإنذار والصبر على أذى الكفار، ثم بعد الهجرة أذن الله سبحانه في القتال للمسلمين إذا ابتدأهم الكفار، ثم أبيح الابتداء في غير الأشهر الحرم، ثم أمر به مطلقًا 1.
(وقيل: عين) لعموم الآيات السابقة، وقائله قال: كان القاعدون حراسًا للمدينة، وهو نوع من الجهاد، والقائل بالأول قال: الوعيد في الآية إنما كان في حالة قلة المسلمين وكثرة المشركين، أو يحمل على من عيّنه صلى الله عليه وسلم للجهاد؛ فإنه تتعين عليه الإجابة.
وقال الماوردي: كان فرضَ عينٍ على المهاجرين؛ لأنهم انقطعوا لنصرته صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا كان سراياه قبل بدر بالمهاجرين، وفرضَ كفايةٍ على غيرهم؛ لأنهم إنما جاهدوا ببدر فما بعدها 2.
وَأَمَّا بَعْدَهُ.. فَلِلْكُفَّارِ حَالَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُونَ ببلَادِهِمْ؛ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ، إِذَا فَعَلَهُ مَنْ فِيهِمْ كِفَايَةٌ.. سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ. وَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَات: الْقِيَامُ بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ
وقال السهيلي: كان فرضَ عينٍ في حق الأنصار، وكفايةٍ في حق غيرهم؛ لأنهم بايعوا عليه، قال شاعرهم: [من الرجز]
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدا... عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدا 1
(وأما بعده.. فللكفار حالان: أحدهما: يكونون ببلادهم؛ ففرض كفاية) كما دل عليه سير الخلفاء الراشدين، ولو فرض على الأعيان.. لتعطلت المعايش والمكاسب، وخربت البلاد.
(إذا فعله من فيهم كفاية.. سقط الحرج عن الباقين) لأن هذا شأن فروض الكفايات.
والكفاية تحصل بشيئين: أحدهما: أن يشحن الإمام الثغور بجماعة يكافئون من بإزائهم من الكفار، والثاني: أن يدخل دار الكفار غازيًا بنفسه، أو يبعث جيشًا يؤمِّر عليهم من يصلح لذلك.
وأقله: مرة واحدة في كل سنة؛ لأن الجزية تجب بدلًا عنه، وهي واجبة في كل سنة فكذلك مبدلها 2، فإن زاد.. فهو أفضل، ويستحب: أن يبدأ بالقتال من يلي دار الإسلام منهم، إلا أن يكون الخوف من الأبعدين أكثر؛ فإنه يبدأ بهم، هذا ما نصّ عليه الشافعي والأصحاب 3.
واختار الإمام في هذا مسلكَ الأصوليين؛ فإنهم قالوا: الجهاد دعوة قهرية، فتجب إقامته بحسب الإمكان حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم، ولا يختص بمرة في السنة، ولا يعطل إذا أمكنت الزيادة، قال: وما ذكره الفقهاء حملوه على العادة الغالبة، وهي أن الأموال والعُدَد لا تتأتى لتجهيز الجنود في السنة أكثر من مرة 4.
(ومن فروض الكفايات: القيام بإقامة الحجج) العلمية والبراهين القاطعة على
وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ فِي الدِّينِ، وَبِعُلُومِ الشَّرْعِ كَتَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ، وَالْفُرُوعِ بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ،
إثبات الصانع سبحانه وتعالى، وما يجب له من الصفات وما يستحيل عليه، وكذا إثبات النبوات، وإثبات نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وصدقِه فيما جاء به، (وحلِّ المشكلات في الدين)، كما لا بدّ من إقامة الحجج القهرية بالسيف حتى لا تخلو خِطّة من خِطَط الإسلام عن ذلك، والمراد بالخِطّة: مسافة القصر.
وفرض الكفاية: كل فهم ديني أو دنيوي طلب الشارع حصوله، ولا يطلب تكليف واحد فواحد به، بخلاف فرض العين؛ فإن كل واحد مكلف بتحصيله.
(وبعلوم الشرع؛ كتفسير، وحديث، والفروعِ بحيث يصلح للقضاء) والإفتاء؛ لشدة الحاجة إلى ذلك.
ومن فرض الكفاية: معرفة أصول الفقه، والنحو، واللغة، والتصريف، وأسماء الرواة، والجرح والتعديل، واختلاف العلماء واتفاقهم؛ كما ذكره في "الروضة" 1، وكذا الطب، وتعلم الحساب المحتاج إليه في المعاملة وقسمة الوصايا والمواريث.
وكون علم الفروع فرضَ كفاية: إنما هو في غير القدر المحتاج إليه، أمَّا ما يحتاج إليه في مفروضات الدين؛ كالطهارة، والصلاة، والصيام، وغيرها.. فتعلمه فرض عين؛ فإنّ من لا يعلم أركان العبادة وشروطها.. لا يمكنه إقامتها.
وإن كان له مال زكوي.. لزمه تعلم ظواهر أحكام الزكاة، ومن يتجر.. يتعين عليه معرفة أحكام التجارات، وكذا ما يحتاج إليه صاحب كل حرفة؛ يتعين عليه تعلمه، والمراد: الأحكام الظاهرة، دون الفروع النادرة والمسائل الدقيقة وما لا تعم به البلوى.
(والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) بالإجماع، قالا: والمراد منه: الأمرُ بواجبات الشرع، والنهيُ عن محرماته، لكن تصحيحه في "زيادة الروضة" بعدُ: بأنه يجب على المحتسب الأمر بصلاة العيد وإن قلنا: إنها سنة.. قد يخالفه، قالا: ولو
وَإِحْيَاءُ الْكَعْبَةِ كُلَّ سَنَةٍ بِالزِّيَارَةِ، وَدَفْعُ ضَرَرِ المُسْلِمِينَ كَكِسْوَةِ عَارٍ وَإِطْعَامِ جَائِعٍ إِذَا لَمْ يَنْدَفِعْ بِزَكَاةٍ وَبَيْتِ مَالٍ، وَتَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ، وَأَدَاؤُهَا، وَالْحِرَفُ، وَالصِّنَائِعُ، وَمَا تَتِمُّ بِهِ الْمَعَايِشُ،
نُصِّب لذلك رجل.. تعين عليه بحكم الولاية، وهو المحتسب 1.
(وإحياءُ الكعبة كلَّ سنة بالزيارة) لأن ذلك من شعائر الإسلام.
وقضيته: أن الحج لا يتعين في إسقاط الفرض، وعبارة "الروضة" و"أصلها": بالحج، قال الرافعي: كذا أطلقوه، وينبغي أن تكون العمرة كالحج، بل الاعتكاف والصلاة في المسجد الحرام؛ فإن التعظيم وإحياء البقعة يحصل بكل ذلك، وردّه في "زيادة الروضة": بأنه لا يحصل مقصود الحج بما ذكر؛ فإنه مشتمل على الوقوف والرمي والمبيت بمزدلفة ومنى، وإحياء تلك البقاع بالطاعات، وغير ذلك 2.
قال في "المهمات": وهذا غير ملاق لكلام الرافعي؛ فإنه يسلم أنه لا يحصل مقصود الحج، لكن الكلام في إحياءِ الكعبة لا إحياءِ هذه الأماكن.
نعم؛ المتجه في الصلاة والاعتكاف: ما ذكره؛ فإنه ليس فيهما إحياء الكعبة بالكلية ولو كان داخل الكعبة؛ لعدم اختصاص الصلاة والاعتكاف بمسجد معين، وأما العمرة.. فإلحاقها بالحج قريب، والمتجه: أن الطواف كالعمرة 3.
(ودفعُ ضرر المسلمين) وأهل الذمة على أهل الثروة والقدرة.. (ككسوة عار وإطعام جائع إذا لم يندفع بزكاة وبيت مال) ونذر وكفارة ووقف؛ صيانة للنفوس، والمراد: إزالة فاقته وسد ضرورته.
(وتحملُ الشهادة، وأداؤها) على ما نفصله في بابه، وكذا إعانة القضاة على استيفاء الحقوق، وكتجهيز الموتى غسلًا وتكفينًا ودفنًا؛ لأن هذه الأمور تتعلق بشعائر الدين، وبها ينتظم أمور المعايش.
(والحرفُ، والصنائعُ، وما تتم به المعايش) كالبيع، والشراء، والحراثة،
وَجَوَابُ سَلَامٍ عَلَى جَمَاعَةٍ -وَيُسَنُّ ابْتِدَاؤُهُ- لَا عَلَى قَاضِي حَاجَةٍ وَآكِلٍ وَفِي حَمَّامٍ، وَلَا جَوَابَ عَلَيهِمْ.
والحجامة؛ لأن قيام الدنيا بهذه الأسباب، وقيام الدين متوقف على أمر الدنيا، ومعلومٌ عجزُ كلِّ فرد من الأفراد عن القيام بكل ما ينوبه من أمر دنياه.
قال الإمام وجماعات: والقيام بفرض الكفاية أفضل من فرض العين؛ لأنه ساع في صيانة الأمة عن الإثم، بخلاف الثاني.
(وجوابُ سلام على جماعة) لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، فإن أجاب واحد منهم.. سقط الفرض عن الباقين، قال في "البحر": والراد منهم هو المختص بالثواب، وإن أجاب الجميع.. كانوا مؤدين للفرض 1.
واحترز بالجماعة: عن الواحد، فإن الرد فرض عين عليه.
(ويسن ابتداؤه) لحديث: "إِنَ أَوْلَى النَّاسِ بِاللهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ"، رواه أبو داوود بإسناد حسن 2.
قال القفال في "فتاويه": وابتداء السلام أفضل من الرد، وحكى القاضي فيه خلافًا، وهو سنة على الكفاية، فإذا سلم واحد من الجماعة.. تأدت السنة، قال القاضي الحسين والشاشي: وليس لنا سنة على الكفاية غيره، ورُدّ بصور؛ منها: التسمية على الأكل، والتشميت، والأضحية، والأذان، والإقامة.
ومحل استحباب الابتداء: في المسلم، أما الذمي.. فلا يجوز ابتداؤه على الصحيح.
(لا على قاضي حاجة) أي: حاجة البول والغائط، والجماع، لأن مكالمته بعيدة عن الأدب، (وآكل) لشغله به، (وفي حمام) لاشتغاله بالاغتسال، وهو مأوى الشياطين، وليس موضعَ التحية، (ولا جوابَ عليهم) لوضعه السلامَ في غير محله.
واستثنى الإمام من الأكل: ما إذا سلم بعد الابتلاع وقبل وضع لقمة أخرى،
وَلَا جِهَادَ عَلَى صَبِيٍّ، وَمَجْنُونٍ، وَامْرَأَةٍ، وَمَرِيضٍ، وَذِي عَرَجٍ بَيِّنٍ، وَأَقْطَعَ، وَأَشَلَّ، وَعَبْدٍ، وَعَادِمِ أُهْبَةِ قِتَالٍ. وَكُلُّ عُذْرٍ مَنَعَ وُجُوبَ حَجٍّ مَنَعَ الْجهَادَ، إلَّا خَوْفَ طَرِيقٍ مِنْ كُفَّارٍ، وَكَذَا مِنْ لُصُوصٍ مُسْلِمِينَ عَلَى الصَّحِيحِ. وَالدَّيْنُ الْحَالُّ يُحَرِّمُ سَفَرَ جِهَادٍ وَغَيْرِهِ إِلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ،
وقال: إنه لا يتوجه في هذه الحالة الامتناع، وأقراه، وجزم به المصنف في "الأذكار" 1.
(ولا جهادَ على صبي ومجنون) لرفع القلم عنهما، (وامرأةٍ) لما جُبِلت عليه من الضعف، والخنثى كالأنثى، (ومريضٍ) لا يقدر على القتال والركوب، أو يلحقه به مشقة شديدة، وعلى الأعمى، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ الآية، (وذي عرج بيّن) ولو من رجل واحدة، للآية، ولا عبرة بعرج يسير لا يمنع المشي، (وأقطعَ) وفاقد معظم الأصابع، (وأشلَّ) لأنه لا يتمكن من الضرب والاتقاء، (وعبدٍ) ولو مبعضًا ومكاتبًا، رعايةً لحق السيد، وسواء أذن له السيد فيه أو أمره به؛ لأنه ليس من أهله، فلا يلزمه طاعة السيد فيه، وكذا لا يجب على الذمي، (وعادمِ أهبة قتال) من سلاح ومركوب إن كان سفره مسافة قصر، ونفقةِ طريقه ذهابًا وإيابًا إن احتاج إلى السفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾، ويشترط: كون جميع ذلك فاضلًا عن نفقة من تلزمه نفقته وسائرِ ما ذُكر في (الحج).
(وكلُّ عذر منع وجوب حج منع الجهاد، إلا خوفَ طريق من كفار) لأن الغزو مبني على المخاوف، (وكذا من لصوص مسلمين على الصحيح) لأن الخوف يحتمل في هذا السفر، وقتال اللصوص أهم وأولى، والثاني: يمنع؛ كالحج.
(والدين الحال يحرم سفر جهاد وغيره) لأنه متعين عليه، والجهاد على الكفاية، وفرض العين مقدم على فرض الكفاية، (إلا بإذن غريمه) لرضاه بإسقاط حقه، وكذا لو استناب من يقضي دينه من مال حاضر لا غائب.
وقضية كلامه: أن للغريم منعَه ولو كان معسرًا، وهو قضية إطلاق "الروضة"
وَالْمُؤَجَّلُ لَا، وَقِيلَ: يَمْنَعُ سَفَرًا مَخُوفًا. وَيَحْرُمُ جِهَادٌ إِلَّا بِإِذْنِ أَبَوَيْهِ إِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ، لَا سَفَرُ تَعَلُّمِ فَرْضِ عَيْنٍ، وَكَذَا كِفَايَةٌ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ أَذِنَ أَبَوَاهُ وَالْغَرِيمُ ثُمَّ رَجَعُوا.. وَجَبَ الرُّجُوعُ إِنْ لَمْ يَحْضُرِ الصَّفَّ،
و"أصلها" في (التفليس)، ونقله في "الكفاية" عن الأصحاب، لكن الصحيح في "أصل الروضة" هنا: أنه ليس له منعه، وحكى الرافعي عن ابن كَجّ: أنه المذهب 1.
(والمؤجّلُ لا) يمنع السفر مطلقًا وإن قرب الأجل؛ لأنه لا يتوجه عليه الطلب به إلا بعد حلوله، (وقيل: يمنع سفرًا مخُوفًا) كجهاد وركوب بحر؛ صيانةً لحق الغريم، اللهم؛ إلا أن يقيم كفيلًا بالدين، أما غير المخوف.. فلا يمنع منه قطعًا.
(ويحرم جهاد) بسفر وغيره (إلا بإذن أبويه إن كانا مسلمين) لأن الجهاد فرض كفاية، وبرَّهما فرض عين، فقدم عليه، وللحديث الصحيح فيه 2، فإن كانا كافرين.. لم يلزمه استئذانهما؛ لأنهما يمنعانه.
والأجداد والجدات كالأبوين عند عدمهما، وكذا مع وجودهما على الأصحِّ؛ لوجوب برهما، والأبُ الرقيق كالحر على الصحيح.
(لا سفر تعلم فرض عين) لاضطراره إليه 3؛ كالحج، وأولى؛ لأن الحج على التراخي، (وكذا كفاية في الأصح) بأن خرج طالبًا لدرجة الفتوى، وفي الناحية من يستقل بها؛ لأن الحجر على المكلف وحبسه بعيد، وقيل: لهما المنع؛ كالجهاد.
والسفر المباح كالتجارة؛ إن قصر.. فلا منع منه بحال، وإن طال وغلب الخوف.. فكالجهاد، وإلا.. جاز على الصحيح بلا استئذان.
(فإن أذن أبواه والغريم ثم رجعوا.. وجب الرجوع إن لم يحضر الصف) لأن عدم الإذن عذر يمنع وجوب الحج، فكذا طريانه؛ كالعمى والمرض، وكذا الحكم لو كان أبواه كافرين فأسلما بعد خروجه ولم يأذنا.
فَإِنْ شَرَعَ فِي الْقِتَالِ.. حَرُمَ الانْصِرَافُ فِي الأَظْهَرِ. الثَّانِي: يَدْخُلُونَ بَلْدَةً لَنَا فَيَلْزَمُ أَهْلَهَا الدَّفع بِالْمُمْكِنِ، فَإِنْ أَمْكَنَ تَأَهُّبٌ لِقِتَالٍ.. وَجَبَ الْمُمْكِنُ حَتَّى عَلَى فَقِيرٍ وَوَلَدٍ وَمَدِينٍ وَعَبْدٍ بِلَا إِذْنٍ، وَقِيلَ: إِنْ حَصَلَتْ مُقَاوَمَةٌ بِأَحْرَارٍ.. اشْتُرِطَ إِذْنُ سَيِّدِهِ،
ويستثنى: ما لو خاف على نفسه أو ماله.. فلا يلزمه الانصراف، وإذا أمكنه أن يقيم في قرية في الطريق إلى أن يرجع الجيش ويرجع معهم.. لزمه الإقامة على الأصحِّ، وما لو خاف انكسار قلوب المسلمين، بل يحرم عليه الرجوع، وما لو كان خروجه بجُعْل من السلطان.. فلا يرجع، كما حكاه في "الكفاية" عن الماوردي، وحكاه البُلْقيني عن نصّ "الأم" 1.
(فإن شرع في القتال) ثم رجع من سبق ذكره (.. حرم الانصراف في الأظهر) 2 لأن الانصراف يشوش أمر القتال ويكسر القلوب، والثاني: لا يحرم؛ رعايةً لحق الآدمي الذي بناؤه على الضيق.
وعلى الأول: لا يقف موقف طلب الشهادة، بل في آخر الصفوف يحرس، قاله القاضي أبو الطيب.
(الثاني: يدخلون بلدة لنا، فيلزم أهلَها الدفعُ بالممكن، فإن أمكن تأهب لقتال.. وجب الممكن، حتى على فقير وولد ومدين وعبد بلا إذن)، وينحل الحجر عنهم في هذه الحال؛ لأن دخولهم دارَ الإسلام خطبٌ عظيمٌ لا سبيل إلى إهماله، فلا بدّ من الجد في في فعه بما يمكن، (وقيل: إن حصلت مقاومة بأحرار.. اشترط إذن سيده) لأَن في الأحرار غنيةً عنهم، والأصحُّ: الأول؛ لتقوى القلوب وتعظمَ الشوكة وتشتد النكاية في الكفار، انتقامًا من هجومهم.
والنساء كالعبيد إن كان فيهن دفاع، وإلا.. فلا يحضرن، قال الرافعي: ويجوز ألا يحتاج إلى إذن الزوج 3.
وَإِلَّا؛ فَمَنْ قُصِدَ.. دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْمُمْكِنِ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ إِنْ أُخِذَ قُتِلَ، وَإِنْ جَوَّزَ الأَسْرَ.. فَلَهُ أَنْ يَسْتَسْلِمَ. وَمَنْ هُوَ دُونَ مَسَافَةِ القَصْرِ مِنَ الْبَلْدِ كَأَهْلِهَا، وَمَنْ عَلَى الْمَسَافَةِ.. يَلْزَمُهُمُ الْمُوَافَقَةُ بقَدْرِ الْكِفَايَةِ إِنْ لَمْ يَكْفِ أَهْلُهَا وَمَنْ يَلِيهِمْ، قِيلَ: وَإِنْ كَفَوْا. وَلَوْ أَسَرُوا مُسْلِمًا.. فَالأَصَحُّ: وُجُوبُ النُّهُوضِ إِلَيْهِمْ لِخَلَاصِهِ إِنْ تَوَقَّعْنَاهُ.
(وإلا) أي: وإن لم يكن تأهب لقتال؛ بأن هجم الكفار بغتة (.. فمن قصد.. دفع عن نفسه بالممكن) وجوبًا (إن علم أنه إن أخذ قتل)، سواء الحر والعبد، والرجل والمرأة، والسليم وغيره، ولا تكليف على الصبيان والمجانين.
(وإن جوز الأسر.. فله أن يستسلم) لأن المكافحة حينئذ استعجال للقتل، والأسر يحتمل الخلاص.
هذا في الرجل، أما المرأة إذا علمت امتداد الأيدي إليها بالفاحشة في الحال.. فعليها الدفع وإن قتلت.
(ومن هو دون مسافة القصر من البلد كأهلها)، فيجب عليهم أن يَطِيرُوا إليهم إذا لم يكن فيهم كفاية، وكذا إن كان فيهم كفاية على الأصحِّ؛ لأن الواقعة عظيمة.
هذا إذا وجدوا الزاد؛ إذ لا استقلال بدونه، ولا يعتبر الركوب.
(ومن على المسافة) فما فوقها (يلزمهم الموافقة بقدر الكفاية إن لم يكف أهلها ومن يليهم) الذين هم على دون مسافة القصر؛ دفعًا عنهم وإنقاذًا لهم.
وأشار بقوله: (بقدر الكفاية): إلى أنه لا يجب على الجميع الخروج، بل إذا صار إليهم قوم فيهم كفاية.. سقط الحرج عن الباقين.
(قيل: وإن كفوا) لعظم الواقعة، والأصحُّ: المنع، لأنه يؤدي إلى الإيجاب على جميع الأمة، وفيه حرج من غير حاجة.
(ولو أسروا مسلمًا.. فالأصح: وجوب النهوض إليهم لخلاصه إن توقعناه)، ويكون فرضَ عين؛ كدخولهم الدارَ؛ لأن حرمة دار الإسلام كحرمة المسلمين، فالاستيلاء عليهم أعظم من الاستيلاء على دارهم، والثاني: المنع؛ لأن تحريك الجنود لواحد يقع في الأسر بعيدٌ مخالفٌ لما نقل في السير.
فَصْلٌ [في مكروهات ومحرمات ومندوبات في الجهاد وما يتبعها]
يُكْرَهُ غَزْوٌ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِمَامِ أَوْ نَائِبهِ، وَيُسَنُّ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ وَيَأْخُذَ الْبَيْعَةَ بِالثَّبَاتِ، وَلَهُ الاسْتِعَانَةُ بِكُفَّارٍ تؤْمَنُ خِيَانَتُهُمْ، وَيَكُونُونَ بِحَيْثُ لَوِ انْضَمَّتْ فِرْقَتَا الْكُفْرِ.. قَاوَمْنَاهُمْ،
(فصل: يكره غزو بغير إذن الإمام أو نائبه) لأنه على حسب الحاجة، والإمام ونائبه أعرف بها، ولا يحرم؛ لأن أكثر ما فيه التغرير بالنفس، وهو جائز في الجهاد، وفي "المرشد": أن ذلك لا يجوز.
(ويسن إذا بعث سرية أن يؤمّر عليهم ويأخذَ البيعة بالثبات) اقتداءً به صلى الله عليه وسلم؛ كما هو مشهور في الصحيح 1.
(وله الاستعانة بكفار) لأنه عليه السلام استعان بيهود بني قينقاع، ذكره الشافعي 2، (تؤمن خيانتهم، ويكونون بحيث لو انضمت فرقتا الكفر.. قاومناهم)، وأن يكون في المسلمين قلة وتمسَّ الحاجة إلى الاستعانة، قال الرافعي: وهذا مع شرط مقاومة الفرقتين كالمتنافيين؛ لأنهم إذا قلوا حتى احتاجوا لمقاومة فرقةٍ إلى الاستعانة بالأخرى.. فكيف يقدرون على مقاومتهما معًا لو التأمتا؟ ! قال في "زيادة الروضة": لا منافاة؛ فالمراد: أن يكون المستعان بهم فرقة يسيرة لا يكثر العدد بهم كثرةً ظاهرةً.
انتهى 3.
قال البُلْقيني: وفيه لين، ثم أجاب: بأن الكفار إذا كانوا مئتين مثلًا، وكان المسلمون مئة وخمسين.. ففيهم قلة بالنسبة لاستواء العددين، فإذا استعانوا بخمسين كافرًا.. فقد استوى العددان، ولو انحاز هؤلاء الخمسون إلى العدو فصاروا مئتين وخمسين.. أمكن المسلمين مقاومتُهم؛ لعدم زيادتهم على الضعف، قال: وأيضًا
وَبِعَبيدٍ بِإِذْنِ السَّادَةِ وَمُرَاهِقِينَ أَقْوِيَاءَ، وَلَهُ بَذْلُ الأُهْبَةِ وَالسِّلَاحِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَمِنْ مَالِهِ، وَلَا يَصِحُّ اسْتِئْجَارُ مُسْلِمٍ لِجِهَادٍ، وَيَصِحُّ اسْتِئْجَارُ ذِمِّيٍّ لِلإِمَامِ،
ففي كتب جمع من العراقيين: اعتبار الحاجة من غير ذكر القلة، والحاجة قد تكون للخدمة، فلا يتنافى الشرطان.
انتهى.
وشرط في "أصل الروضة" شرطًا آخر: وهو أن يعرف الإمام حسن رأيهم في المسلمين، وشرط الماوردي أيضًا: أن يخالفوا معتقد العدو؛ كاليهود مع النصارى، وأقره في "زيادة الروضة" 1.
(وبعبيد بإذن السادة، ومراهقين أقوياء) لأنه ينتفع بهم في القتال وسقي الماء ومداواة الجرحى، ويستصحب النساء لمثل ذلك، هذا إذا كانوا مسلمين، وفي جواز إحضار نساء أهل الذمة وصبيانهم قولان في "الروضة" و"أصلها" بلا ترجيح 2.
(وله) أي: للإمام (بذل الأهبة والسلاح من بيت المال ومن ماله) ندبًا؛ لينال ثواب الإعانة، وكذا للآحاد بذل ذلك من ماله؛ ففي الحديث: "مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا.. فَقَدْ غَزَا" متفق عليه 3.
(ولا يصح استئجار مسلم لجهاد) لما مر في (باب الإجارة) فإن المصنف قد ذكره هناك، فذكره هنا تكرار 4.
(ويصح استئجار ذمي للإمام) لأنه منفعة مقصودة للمسلمين، فجاز للإمام تحصيلها بالإجارة لهم؛ كغيرها من المنافع، والذمي لا يقع عنه، فأشبه استئجار البهيمة، وطريقه الإجارة لا الجعالة على الأصحِّ، ولا يضر كون الأعمال مجهولة؛ فإن المقصود القتال.
وهل تعتبر هنا شروط الاستعانة؟ قال الزركشي: فيه نظر، وقضية كلام الأصحاب: اعتبارها.
انتهى، ولم يظهر لي وجه المنع.
قِيلَ: وَلِغَيْرِهِ. وَيُكْرَهُ لِغَازٍ قَتْلُ قَرِيبٍ، وَمَحْرَمٍ أَشَدُّ. قُلْتُ: إِلَّا أَنْ يَسْمَعَهُ يَسُبُّ اللهَ تَعَالَى أَوْ رَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَحْرُمُ قَتْلُ صَبيٍّ وَمَجْنُونٍ وَامْرَأَةٍ وَخُنْثَى مُشْكِلٍ،
(قيل: ولغيره) من المسلمين؛ كالأذان، والأصحُّ: المنع، والفرق بينه وبين الأذان: أن الجهاد أعظم وقعًا، ويتعلق بإقامته وتأخيره مصالح يحتاج فيها إلى نظر كامل، وأيضًا الذمي مخالف في الدين، وقد يخور في الجيش إذا حضر 1، فليفوض أمره إلى الإمام.
(ويكره لغاز قتل قريب) لأن فيه قطعَ الرحم المأمور بصلتها؛ كذا علله في "المطلب"، وقضيته: أنها كراهة تحريم، وبه جزم الجَاجَرمي في "الإيضاح"، والمشهور: أنها تنزيه، وعُلِّل: بأنه قد تحمله الشفقة على الندم، فيكون ذلك سببًا لضعفه.
(و) قتلُ قريب (محرم أشدّ) لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، أما غير القريب من المحارم.. فقال المنكت: لم أَرَ من ذكر المنع من قتله، (قلت: إلا أن يسمعه يسب الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم، والله أعلم) فلا كراهة حينئذ؛ تقديمًا لحق الله تعالى وحق رسوله صلى الله عليه وسلم، وفي "الصحيحين": "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ"، زاد مسلم: "وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" 2.
(ويحرم قتل صبي ومجنون وامرأة وخنثى مشكل) للنهي عن قتل الصبيان والنساء في "الصحيحين" 3، وألحق المجنون بالصبي، والخنثى بالمرأة؛ لاحتمال أنوثته.
ويستثنى من إطلاقه صور، إحداها: ما إذا قاتلوا.. فإنه يجوز قتلهم، وقد
وَيَحِلُّ قَتْلُ رَاهِبٍ وَأَجِيرٍ وَشَيْخٍ وَأَعْمَى وَزَمِنٍ لَا قِتَالَ فِيهِمْ وَلَا رَأْيَ فِي الأَظْهَرِ، فَيُسْتَرَقُّونَ وَتسبَى نِسَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ. وَيَجُوزُ حِصَارُ الْكُفَّارِ فِي الْبِلَادِ وَالْقِلَاع وَإِرْسَالُ الْمَاءِ عَلَيْهِمْ وَرَمْيُهُمْ بِنَارٍ وَمَنْجَنِيقٍ
استثناها في "المحرر"، فلا وجه لحذفه 1، الثانية: حال الضرورة عند تترس الكفار بهم؛ كما سيأتي، الثالثة: إذا لم يجد المضطر سواهم.. فله قتلهم وأكلهم على الأصحِّ في (كتاب الأطعمة) 2.
(ويحل قتل راهب وأجير وشيخ وأعمى وزمن لا قتال فيهم ولا رأي في الأظهر) لعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ 3، والثاني: المنع؛ لأنهم لا يقاتلون، فأشبهوا النساء والصبيان، فإن قاتلوا.. قتلوا قطعًا.
وقوله: (لا قتال فيهم): قطعًا ينبغي أن يكون قيدًا في الشيخ ومن بعده؛ فإن الراهب والأجير فيهم قتال، ولا فرق فيهم بين الشيخ والشاب القوي، وكذلك المحترف.
واحترز بقوله: (ولا رأي): عمن له رأي يستعين به الكفار في القتال؛ فإنه يقتل قطعًا.
(فيسترقون، وتسبى نساؤهم) وذراريهم، (و) يغنم (أموالهم)، هذا إذا جوزنا قتلهم، ولهذا أتى المصنف بالفاء؛ لينبه على التفريع، فإن قلنا: بالمنع.. فالمذهب: أنهم يرقون بنفس الأسر؛ كالنساء والصبيان.
(ويجوز حصار الكفار في البلاد والقلاع، وإرسال الماء عليهم، ورميهم بنار ومنجنيق)، ونحو ذلك؛ من هدم البيوت، وإلقاء الحيات، وقطع المياه عنهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾، وفي "الصحيحين": أنه صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف 4، وروى البيهقي: أنه نصب عليهم المَنْجَنيق 5، وألحق به
وَتَبْيِيتُهُمْ فِي غَفْلَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمٌ أَسِيرٌ أَوْ تَاجِرٌ.. جَازَ ذَلِكَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَوِ الْتَحَمَ حَرْبٌ فَتَتَرَّسُوا بِنِسَاءٍ وَصِبْيَانٍ.. جَازَ رَمْيُهُمْ،
ما في معناه؛ لأن أكثر ما في ذلك قتلهم غيلة، وسيأتي جوازه.
(وتبييتهم في غفلة)، وهو الإغارة عليهم ليلًا؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أغار على بني المصطلق، متفق عليه 1.
نعم؛ يكره حيث لا حاجة إليه؛ لأنه لا يأمن ليلًا أن يصيب مسلمًا من الجيش يظنه كافرًا، قاله البُلْقيني، وتبعه الزركشي، وقال: إنه أشار إليه في "الأم".
(فإن كان فيهم مسلم) واحدٌ فأكثرَ (أسير أو تاجر.. جاز ذلك) أي: ما سبق؛ من التغريق، والتحريق، ورمي المَنْجَنيق، ونحوها (على المذهب) لئلا يتعطل الجهاد بحبس مسلم عندهم، ولأنه قد لا يصيب المسلم.
نعم؛ يكره إذا لم تكن ضرورة؛ تحرزًا من إهلاك المسلم، ولا يحرم على الأظهر، وإن كان ضرورة؛ كخوف ضررهم، أو لم يحصل فتح القلعة إلا به.. جاز قطعًا.
والطريق الثاني: لا اعتبار بالضرورة، بل إن علم أن ما يرمي به يهلك المسلم.. لم يجز، وإلا.. فقولان، والثالث: إن كان عدد المسلمين الذين فيهم مثل المشركين.. لم يجز، وإن كان أقل.. جاز؛ لأن الغالب أنه لا يصيب المسلمين، قال الزركشي: وينبغي التحريم حيث لا ضرورة، ويدل له قوله تعالى في تأخير القتال عن أهل مكة عام الحديبية: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ الآية، قال: وكلام الشافعي يقتضيه، وقال البُلْقيني: إن قضية نص "الأم": التحريم، وقضية نص "المختصر": الكراهة، قال: فإطلاق الجواز على المذهب مخالف للنصين جميعًا.
(ولو التحم حرب فتترسوا بنساء وصبيان) منهم (.. جاز رميهم) إذا دعت الضرورة إليه؛ لئلا يُتّخذَ ذلك ذريعةً إلى منع الجهاد وطريقًا إلى الظفر بالمسلمين؛
وَإِنْ دَفَعُوا بِهِمْ عَنْ أَنْفُسِهِم وَلَم تَدْعُ ضَرُورَةٌ إِلَى رَمْيِهِمْ.. فَالأَظْهَرُ: تَرْكُهُمْ. وَإِنْ تَتَرَّسُوا بِمُسْلِمِينَ؛ فَإِنْ لَمْ تدْعُ ضرُورَة إِلَى رَمْيِهِمْ.. تَرَكْنَاهُمْ، وَإِلَّا.. جَازَ رَمْيُهُمْ فِي الأَصَحِّ.
لأنا إن كففنا عنهم لأجل التُّرْس.. فهم لا يكفون عنا، فالاحتياط لنا أولى من الاحتياط لأولادهم ونسائهم.
(وإن دفعوا بهم عن أنفسهم ولم تدع ضرورة إلى رميهم.. فالأظهر: تركهم) وجوبًا؛ لئلا يؤدي إلى قتلهم من غير ضرورة، وقد صح النهي عن قتل النساء والصبيان 1، وهذا ما صححه في "المحرر"؛ فإنه قال: إنه الأولى، فتبعه في الكتاب 2، والثاني: يجوز رميهم؛ كما يجوز نصب المَنْجَنيق على القلعة وإن كان يصيبهم، وهذا ما صححه في "زيادة الروضة"، ولا ترجيح في "الكبير" 3، قال الزركشي: والمذهب المنقول عن نصه في الجديد: الجواز، وكذا الحكم لو تترسوا بهم في القلعة.
(وإن تترسوا بمسلمين؛ فإن لم تدع ضرورة إلى رميهم.. تركناهم) ولم يجز رميهم قطعًا؛ صيانةً للمسلمين، والفرق بينهم وبين النساء والصبيان على طريقة المصنف في "الروضة": أن المسلم محقون الدم؛ لحرمة الدين، فلم يجز قتله من غير ضرورة، والذرية حقنوا لحق الغانمين، فجاز قتلهم بغير ضرورة.
(وإلا) أي: وإن دعت ضرورة إلى رميهم؛ بأن تترسوا بهم في حال التحام القتال، وكانوا بحيث لو كففنا عنهم.. ظفروا بنا (.. جاز رميهم في الأصح) المنصوص بقصد قتال المشركين 4، ويتوقى المسلمين بحسب الإمكان؛ لأن مفسدة الإعراض أكثر من مفسدة الإقدام، ويحتمل هلاك طائفة للدفع عن بيضة الإسلام، والثاني: المنع؛ لأن غايته أن نخاف على أنفسنا، ودم المسلم لا يباح بالخوف؛ بدليل صورة الإكراه.
وَيَحْرُمُ الانْصِرَافُ عَنِ الصَّفِّ إِذَا لَمْ يَزِدْ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى مِثْلَيْنَا إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ يَسْتَنْجِدُ بِهَا، وَيَجُوزُ إِلَى فِئَةٍ بَعِيدَةٍ فِي الأَصَحِّ
قال الرافعي: وأشعر إيراد الغزالي: تخصيص الوجهين بما إذا تترس الكفار بطائفة من المسلمين في صف القتال؛ فإنه أجاب بالمنع فيما إذا تترس كافر بمسلم.
انتهى، وتبعه في "الحاوي الصغير"؛ حيث قال: لا كافر بمسلم 1.
(ويحرم الانصراف عن الصف) ولو غلب على ظنه أنه إذا ثبت قتل في الأصحِّ؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾، وفي "الصحيحين": "اجْتَنِبُوا السَّبع الْمُوبِقَاتِ"، وعد منها: الفرار يوم الزحف 2، (إذا لم يزد عدد الكفار على مثلينا) لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآية، وهو أمر بمعنى الخبر 3، وإلا.. لوقع خلاف المخبر عنه، وهو محال.
والمعنى في وجوب المصابرة على الضعف؛ كما قاله القاضي الحسين: أن المسلم يقاتل على إحدى الحسنيين؛ إما أن يُقتلَ فيدخل الجنة، أو يَسْلَمَ فيفوز بالأجر والغنيمة، والكافر يقاتل على الفوز بالدنيا.
(إلا متحرفًا لقتال أو متحيزًا إلى فئة يستنجد بها) للآية، والمراد بالتحرف هنا: الانتقال إلى مكان في موضع الحرب أمكن للقتال؛ لكون موقفه الأول ضيقًا أو في عين الشمس ونحو ذلك، والمراد بالتحيز هنا: الذهاب بنيّة الانضمام إلى طائفة من المسلمين؛ ليرجع معهم محاربًا.
(ويجوز) الانصراف للمتحيز (إلى فئة بعيدة في الأصح) لإطلاق الآية، والثاني: يشترط: أن تكون قريبة؛ ليتصور الاستنجاد بها في القتال وإتمامه.
-وَلَا يُشَارِكُ مُتَحَيِّزٌ إِلَى بَعِيدَةٍ الْجَيْشَ فِيمَا غَنِمَ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ، وَيُشَارِكُ مُتَحَيِّزٌ إِلَى قَرِيبَةٍ فِي الأَصَحِّ- فَإِنْ زَادَ عَلَى مِثْلَيْنِ.. جَازَ الانْصِرَافُ،
والمراد بالقريبة: التي يتصور الاستنجاد بهم في هذا القتال ولحوق مددهم والقتالُ قائمٌ بعدُ.
وقيد الإمام والغزالي جواز الانصراف: بما إذا لم يكن فيه انكسار المسلمين، وجرى عليه في "الحاوي الصغير"، قال الرافعي: ولم يتعرض له المعظم، قال الأَذْرَعي: وهو ظاهر، لا سيما لو علم المتحيز أنه لو ولى لولى الناس معه؛ لكونه زعيمَ الجيش أو أميرَهم أو من أبطالهم المشهورين 1.
هذا كله في حال القدرة، أما من عجز بمرض أو نحوه، أو لم يبق معه سلاح.. فله الانصراف بكل حال، ولو أمكنه الرمي بالحجارة.. لا يقوم مقام السلاح في الأصحِّ، كذا قالاه في الباب الأول عند الكلام في الرجوع عن الإذن، وأرسل الرافعي هنا الوجهين بلا ترجيح، وذهل في "الروضة" عما سبق هناك فصحح من "زوائده" أن الحجارة تقوم مقامه، فوقع في الاختلاف 2.
ويستحب: أن يتولى متحرفًا أو متحيزًا 3.
(ولا يشارك متحيز إلى بعيدة الجيش فيما غنم بعد مفارقته) لأنه ببعده تفوت نصرته، أما ما غنموه قبل مفارقته.. فيشارك فيه، نص عليه، وبمثله أجاب في المتحرف للقتال 4، (ويشارك متحيز إلى) فئة (قريبة في الأصح) لبقاء نصرته، والثاني: لا؛ لمفارقته.
(فإن زاد على مثلين.. جاز الانصراف) لقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ الآية، وسواء أكان المسلمون رجالة والمشركون فرسانًا، أم بالعكس؛ كما نقله في "زيادة الروضة" عن الماوردي والروياني، ثم قال: وفيه نظر، ويمكن تخريجه على
إِلَّا أَنَّهُ يَحْرُمُ انْصِرَافُ مِئَةِ بَطَلٍ عَنْ مِئَتَيْنِ وَوَاحِدٍ ضُعَفَاءَ فِي الأَصحِّ. وَتَجُوزُ الْمُبَارَزَةُ، فَإِنْ طَلَبَهَا كَافِرٌ.. اسْتُحِبَّ الْخُرُوجُ، وَإِنَّمَا تَحْسُنُ مِمَّنْ جَرَّبَ نَفْسَهُ وَبِإِذْنِ الإِمَامِ. وَيَجُوزُ إِتْلَافُ بِنَائِهِمْ وَشَجَرِهِمْ لِحَاجَةِ الْقِتَالِ وَالظَّفَرِ بِهِمْ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يُرْجَ حُصُولُهَا لَنَا، فَإِنْ رُجِيَ.. نُدِبَ
الوجهين في المسألة عقبها؛ في أن الاعتبار بالعدد أم بالمعنى 1.
(إلَّا أنه يحرم انصراف مئة بطل عن مئتين وواحد ضعفاءَ في الأصح) اعتبارًا بالمعنى؛ لأنهم يقاومونهم لو ثبتوا، وإنما يراعى العدد عند تقارب الأوصاف، والثاني: المنع؛ لأن اعتبار الأوصاف يعسر، فاعتبر الحكم بالعدد.
ومأخذ الخلاف: أنه هل يجوز أن يستنبط من النص معنى يخصصه أو لا؟ والأصحُّ: الجواز، والمعنى الذي شرع القتال لأجله -وهو الغلبة- دائر مع القوة والضعف لا مع العدد، فيتعلق الحكم به، والخلاف جارٍ في عكسه، وهو فرار مئة من ضعفائنا عن مئة وتسعة وتسعين من أبطالهم 2.
(وتجوز المبارزة) للاتباع 3، ولا تكره، ولا تندب، (فإن طلبها كافر.. استحب الخروج) إليه؛ لما في الترك من الضعف للمسلمين والتقوية للكافرين.
(وإنما تحسن) المبارزة (ممن جرب نفسه) فعرف قوته وجرأته، أما الضعيف الذي لا يثق بنفسه.. فتكره له ابتداءً وإجابةً، وقيل: تحرم 4، (وبإذن الإمام) أو أمير الجيش؛ لأنه قد يظن الإنسان نفسه كفؤًا لها، وقد لا يكون، فاختص بنظر الإمام، فإن بارز بغير إذنه.. جاز على الأصحِّ؛ لأن التغرير بالنفس في الجهاد جائز.
(ويجوز إتلاف بنائهم وشجرهم لحاجة القتال والظفر بهم) لأنه صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير، فأنزل الله: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ الآية، متفق عليه 5، (وكذا إن لم يرج حصولها لنا) مغايظةً لهم وتشديدًا عليهم، (فإن رجي.. ندب
التَّرْكُ.
وَيَحْرُمُ إِتْلَافُ الْحَيَوَانِ، إِلَّا مَا يُقَاتِلُونَ عَلَيْهِ لِدَفْعِهِمْ أَوْ ظَفَرٍ بِهِمْ، أَوْ غَنِمْنَاهُ وَخِفْنَا رُجُوعَهُ إِلَيْهِمْ وَضَرَرَ.
فَصْلٌ [في حكم الأسر وأموال أهل الحرب]
نِسَاءُ الْكُفَّارِ وَصِبْيَانُهُمْ إِذَا أُسرُوا.. رَقُّوا، وَكَذَا الْعَبِيدُ، وَيَجْتَهِدُ الإِمَامُ فِي الأَحْرَارِ الْكَامِلِينَ، وَيَفْعَلُ الأَحَظَّ لِلْمُسْلِمِينَ، مِنْ قَتْلٍ وَمَنٍّ وَفِدَاءٍ بِأَسْرَى أَوْ مَالٍ وَاسْتِرْقَاقٍ،
الترك) حفظًا لحق الغانمين.
(ويحرم إتلاف الحيوان) المحترم؛ للنهي عن ذبح الحيوان إلا لمأكلِهِ 1، (إلا ما يقاتلون عليه لدفعهم أو ظفرٍ بهم) لأنها كأداة القتال، (أو غنمناه وخفنا رجوعه إليهم وضرره) فيجوز إتلافها؛ دفعًا لهذه المفسدة 2، أما إذا خفنا الاسترداد فقط.. فلا يجوز عقرها، بل تذبح للأكل.
(فصل: نساء الكفار وصبيانهم) ومجانينهم (إذا أسروا.. رقّوا) بنفس الأسر، فيكون الخمس منهم لأهله والباقي للغانمين، كسائر الغنيمة.
وقضية إطلاق المصنف وغيره: أنه لا فرق بين الكتابية وغيرها، وفي "الأحكام السلطانية": من لا كتاب لها إذا امتنعت من الإسلام.. تقتل عند الشافعي 3، والخنثى كالمرأة، كما صرح به الرافعي في الباب الثاني 4.
(وكذا العبيد) يستمر الرق عليهم؛ لأنهم من جملة الأموال.
(ويجتهد الإمام) أو أمير الجيش (في الأحرار الكاملين، ويفعل) وجوبًا (الأحظ للمسلمين، من قتل ومنّ) مجانًا، (وفداء بأسرى) مسلمين (أو مال، واسترقاق)
فَإِنْ خَفِيَ الأَحَظُّ.. حَبَسَهُمْ حَتَّى يَظْهَرَ، وَقِيلَ: لَا يُسْتَرَقُّ وَثَنِيٌّ، وَكَذَا عَرَبِيٌّ فِي قَوْلٍ. وَلَوْ أَسْلَمَ أَسِيرٌ.. عَصَمَ دَمَهُ وَبَقِيَ الْخِيَارُ فِي الْبَاقِي، وَفِي قَوْلٍ: يَتَعَيَّنُ الرِّقُّ. وَإِسْلَامُ كَافِرٍ قَبْلَ ظَفَرٍ بِهِ يَعْصِمُ دَمَهُ وَمَالَهُ وَصغَارَ وَلَدِهِ
للاتباع، والمال المفادى به يقسم كالغنائم، (فإن خفي الأحظ.. حبسهم حتى يظهر) لأنه راجع إلى اجتهاده لا إلى تشهيه، فيؤخر لظهور الصواب.
(وقيل: لا يسترق وثني) كما لا يجوز تقريره بالجزية، والأصحُّ: نعم؛ لأن من جاز أن يمن عليه ويفادى.. جاز أن يسترق كالكتابي، (وكذا عربي في قول) قديم؛ لحديث فيه، لكن واه 1، لا جرم كان الأصح جواز استرقاقه كغيره.
(ولو أسلم أسير.. عصم دمه) لقوله عليه السلام: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ... " إلى أن قال: "فَإِذَا قَالُوهَا.. عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ... " الحديث، متفق عليه 2، (وبقي الخيار في الباقي) أي: باقي الخصال إذا كان الإسلام قبل اختيار الإمام؛ لأن المخير بين أشياء إذا سقط بعضها لتعذره.. لا يسقط الخيار في الباقي؛ كالعجز عن العتق في الكفارة، (وفي قول: يتعين الرق) بنفس الإسلام؛ لأنه أسير محرم القتل، فأشبه الصبي والمرأة.
وأجاب الأول: بأن الصبي والمرأة لم يكن مخيرًا فيهما في الأصل، بخلاف الأسير.
(وإسلام كافر قبل ظفر به) (وهو أسره؛ كما صرح به الشافعي في "المختصر"، وجرى عليه الدارمي وغيره، لكن قول "الروضة" و"أصلها": قبل أسره والظفر به.. يخالفه 3، (يعصم دمَه ومالَه) للحديث المارّ، قال القاضي الحسين: وإنما يرتفع السيف بكلمتي الشهادة والإقرار بأحكامها، فأما مجرد قولها.. فلا، وفيه نظر، وظاهر الحديث يرد عليه، (وصغارَ ولده) الأحرارَ عن السبي؛ لأنهم يتبعونه في الإسلام، وسواء الذكر والأنثى، والجد والجدة كذلك على الأصحِّ ولو كان الأب
لَا زَوْجَتَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، فَإِنِ اسْتُرِقَّتِ.. انْقَطَعَ نِكَاحُهُ فِي الْحَالِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ بَعْدَ دُخُولٍ.. انْتُظِرَتِ الْعِدَّةُ فَلَعَلَّهَا تَعْتِقُ فِيهَا. وَيَجُوزُ إِرْقَاقُ زَوْجَةِ ذِمِّيٍّ، وَكَذَا عَتِيقُهُ فِي الأَصَحِّ، لَا عَتِيقُ مُسْلِمٍ وَزَوْجَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ
حيًّا، والحمل كالمنفصل، فلا يسترق تبعًا لأمه، والمجنون من الأولاد كالصغير، سواء بلغ مجنونًا أو جن بعد بلوغه على الأصحِّ، أما العاقل البالغ.. فلا يعصمه إسلام الأب؛ لاستقلاله بالإسلام.
(لا زوجتَه على المذهب) المنصوص 1؛ لاستقلالها، ولو كانت حاملًا منه على الأصحِّ، وفي قول مخرج: لا تسترق؛ لئلا يبطل حقه من النكاح؛ كما لو أعتق المسلم عبدًا كافرًا والتحق بدار الحرب.. لا يجوز استرقاقه على المنصوص؛ لئلا يبطل حقه من الولاء.
وفرق الأول: بأن الولاء بعد ثبوته لا يمكن رفعه بحال، بخلاف النكاح.
(فإن استوقت.. انقطع نكاحه في الحال)، سواء قبل الدخول وبعده؛ لأنه زال ملكها عن نفسها، فلأن يزول ملك الزوج عنها من باب أولى؛ ولأنها صارت أمة كتابية، ولا يجوز إمساك الأمة الكتابية للنكاح، (وقيل: إن كان بعد دخول.. انتظرت العدة، فلعلها تعتق فيها) فيدوم النكاح؛ كالردة، والأصحُّ: عدم الفرق؛ لأن حدوث الرق يقطع النكاح، فأشبه الرضاع.
(ويجوز إرقاق زوجة ذمي) إذا كانت حربية، وترق بنفس الأسر من غير ضرب رق عليها، لا كما يوهمه تعبيره، وينقطع نكاحه، (وكذا عتيقه في الأصح) إذا لحق بدار الحرب؛ لأن الذمي لو التحق بدار الحرب.. استرق، فعتيقه أولى، والثاني: لا يسترق؛ لأن مال الذمي معصوم عن الاغتنام.
(لا عتيق مسلم) على المذهب المنصوص 2؛ لأن الولاء بعد ثبوته لا يرتفع؛ كما سبق، (وزوجته) الحربية (على المذهب)، والفرق بينه وبين الذمي: أن المسلم يُتخيَّل الأمان في نكاحه، ولا أمان للذمي.
وَإذَا سُبِيَ زَوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا.. انْفَسَخَ النِّكَاحُ إِنْ كَانَا حُرَّيْنِ، قِيلَ: أَوْ رَقِيقَيْنِ. وَإذَا أُرِقَّ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ.. لَمْ يَسْقُطْ
وما صححه في هذه الصورة: تبع فيه "المحرر"، وكلامُ "الشرحين" و"الروضة" يقتضي جواز استرقاقها، فإنهما سويا في جريان الخلاف بينها وبين زوجة الحربي إذا أسلم قبل الأسر من غير زيادة على ذلك، وقال الزركشي: إنه الصواب، وقد نقله في "البحر" و"البيان" عن النص، وجزم به جمهور العراقيين، منهم الجرجاني 1.
(وإذا سبي زوجان أو أحدهما.. انفسخ النكاح إن كانا حرين) لما رواه مسلم: أنهم لما امتنعوا يوم أوطاس من وطء المسبيات؛ لأن لهن أزواجًا.. أنزل الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ 2، فحرم المتزوجات إلا المملوكات بالسبي، فدل على ارتفاع النكاح، وإلا.. لما حللن، ولأن الرق إذا حدث زال ملكها عن نفسها، فلأن تزول العصمة بينها وبين الزوج من باب أولى.
ومحل الانفساخ في سبي الزوج: ما إذا كان صغيرًا أو مجنونًا واختار الإمام رقه، أما لو منّ الإمام على البالغ العاقل أو فادى به.. استمرت الزوجية.
ومحله في سبي الزوجة: إذا كان الزوج كافرًا، فإن كان مسلمًا؛ فإن قلنا: لا تسترق زوجة المسلم.. فلا كلام، وإن قلنا: تسترق.. فالأصحُّ: الانفساخ، سواء قبل الدخول أو بعده؛ كما ذكره الإمام 3.
(قيل: أو رقيقين) لأنه حدث سبي يوجب الاسترقاق، فكان كحدوث الرق، والأصحّ: المنع؛ لأن الرق موجود، وإنما انتقل الملك من شخص إلى شخص، ومثله لا يؤثر في النكاح؛ كالبيع، والخلاف جارٍ سواء أسلما أم لا.
(وإذا أرق) الحربي (وعليه دين.. لم يسقط) لأن شغل الذمة قد حصل ولم يوجد
فَيُقْضَى مِنْ مَالِهِ إِنْ غَنِمَ بَعْدَ إِرْقَاقِهِ، وَلَوِ اقْتَرَضَ حَرْبِيٌّ مِنْ حَرْبِيٍّ أَوِ اشْتَرَى مِنْهُ ثُمَّ أَسْلَمَا أَوْ قَبِلَا جِزْيَةً.. دَامَ الْحَقُّ،
ما يقتضي السقوط، هذا إذا كان الدين لمسلم، وكذا الذمي على الأصحِّ، فإن كان لحربي.. سقط على الأرجح، ولو كان الدين للسابي.. ففي سقوطه الوجهان فيمن كان له دين على عبد غيره فملكه، وقد اختلف كلام الشيخين في الترجيح من الوجهين في المسألة المبني عليها؛ كما نبه عليه في "المهمات" في الباب الثالث من أبواب الرهن 1.
(فيقضى من ماله إن غنم بعد إرقاقه)، ويقدم الدين على الغنيمة كما يقدم على الوصية وإن حكمنا بزوال ملكه بالرق، كما أن دين المرتد يقضى من ماله وإن حكمنا بزوال ملكه، ولأن الرق كالموت أو الحجر، وهما لا يمنعان تعلق الدين بالمال.
واحترز بقوله: (من ماله): عما إذا لم يكن له مال.. فإنه يبقى في ذمته إلى أن يعتق، وبقوله: (بعد إرقاقه): عما إذا غنم قبله.. فلا يقضى منه؛ لأن الغانمين ملكوه، وكذا ما غنم مع استرقاقه في الأصحِّ؛ فإن حق الغانمين تعلق بعين المال، وحق صاحب الدين في الذمة؛ وما يتعلق بالعين يقدم على المتعلق بالذمة، كما إذا جنى العبد المرهون.. يتقدم حق المجني عليه على المرتهن.
وهل يحل الدين المؤجل بالرق؟ قال الشيخان: فيه وجهان مرتبان على الخلاف في الحلول بالإفلاس، وأولى بالحلول؛ لأنه يشبه الموت من حيث إنه يزيل الملك ويقطع النكاح 2.
(ولو اقترض حربي من حربي أو اشترى منه، ثم أسلما أو قبلا جزية) أو أمانًا معًا أو مرتبًا (.. دام الحق) إذا كان مما يصح طلبه؛ كما إذا أسلم الزوجان ولم تقبض المهر المُسمَّى.. يبقى استحقاقه، بخلاف ما لا يصح طلبه؛ كالخمر، وكذلك الحكم فيما إذا أسلم أحدهما فقط.
نعم؛ فيما إذا أسلم المديون قول بالسقوط.
وَلَوْ أَتلفَ عَلَيْهِ فَأَسْلَمَا.. فَلَا ضَمَانَ فِي الأَصَحِّ. وَالْمَالُ الْمَأْخُوذُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ قَهْرًا غَنِيمَةٌ، وَكَذَا مَا أَخَذَهُ وَاحِدٌ أَوْ جَمْعٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ سَرِقَةً، أَوْ وُجِدَ كَهَيْئَةِ اللُّقَطَةِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ أَمْكَنَ كَوْمع لِمُسْلِمٍ.. وَجَبَ تَعْرِيفُهُ
(ولو أتلف عليه) أي: أتلف حربي على حربي شيئًا (فأسلما) أو أسلم المتلف (.. فلا ضمان في الأصح) لأنه لم يلتزم شيئًا، والإسلام يجبّ ما قبله، والإتلاف ليس عقدًا يستدام، بخلاف الاستقراض، والثاني: يجب الضمان؛ لأنه لازم عندهم، فكأنهم تراضوا عليه.
(والمالُ المأخوذ من أهل الحرب قهرًا غنيمة) كما تقدم في بابه، وكان ينبغي أن يقول: (المال الذي أخذناه) ليخرج ما أخذه أهل الذمة منهم؛ فليس بغنيمة، (وكذا ما أخذه واحد أو جمع من دار الحرب سرقة) أو اختلاسًا، (أو وجد كهيئة اللقطة في الأصح) لأن دخوله دار الحرب وتغريره بنفسه يقوم مقام القتال، والثاني: أنه لمن أخذه خاصة؛ لأنه ليس مأخوذًا بقوة الجند ولا بقوة الإسلام حتى يكون فيئًا، ولا بالقتال حتى يكون غنيمة، وادعى الإمام الاتفاق عليه في الأولى، وجزما به في "الروضة" و"أصلها" في آخر (زكاة المعدن والركاز)، والخلاف في الثانية للإمام والغزالي فقط، وعامة الأصحاب على أنه غنيمة 1.
(فإن أمكن كونه لمسلم) بأن كان هناك مسلمون، أو أمكن كونه ضالة بعض الجيش (.. وجب تعريفه)، فإذا عرَّفه ولم يعرِفْه أحد.. عاد الخلاف في أنه غنيمة أم للآخذ.
وقضيته: وجوب التعريف سنة إلا أن يكون حقيرًا؛ كما في اللقطة، وهو ما في "الروضة" و"أصلها" عن "المهذب" و"التهذيب" 2.
وقال الأَذْرَعي: إنه الظاهر، وعن الشيخ أبي حامد: يعرفه يومًا أو يومين، قالا: ويقرب منه قول الإمام: يكفي بلوغ التعريف في الأجناد إذا لم يكن هناك مسلم
وَلِلْغَانِمِينَ التَّبَسُّطُ فِي الْغَنِيمَةِ؛ بِأَخْذِ الْقُوتِ وَمَا يَصْلُحُ بِهِ وَلَحْمٍ وَشَحْمٍ وَكُلِّ طَعَامٍ يُعْتَادُ أَكْلُهُ عُمُومًا، وَعَلَفِ الدَّوَابِّ تِبْنًا وَشَعِيرًا وَنَحْوَهُمَا، وَذَبْحِ مَأْكُولٍ لِلَحْمِهِ. وَالصَّحِيحُ: جَوَازُ الْفَاكِهَةِ،
سواهم، ولا ينظر إلى احتمال مرور التجار.
انتهى، وما قاله الإمام نقله البُلْقيني عن نص "الأم" في (سير الواقدي)، وقال: إنه المعتمد 1.
(وللغانمين) قبل القسمة (التبسط في الغنيمة؛ بأخذ القوت وما يصلح به) كزيت، وسمن، (ولحم، وشحم، وكل طعام يعتاد أكله عمومًا) (وإن لم يأذن الإمام؛ لحديث ابن عمر: (كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب، فنأكل منه ولا نرفعه) رواه البخاري 2.
والمعنى فيه: الحاجة الداعية إليه؛ فإن الطعام يعز في دار الحرب؛ فإنهم لا يبيعون من المسلمين، وقد يعسر نقله وتعظم مؤنته وربما يفسد، فجعله الشارع على الإباحة.
واحترز بقوله: (عمومًا): عما يحتاج إليه نادرًا؛ كالسكر والفانيذ والأدوية.. فلا يلحق بالأطعمة المعتادة على الصحيح، فلو احتاج إليه مريض.. أخذ ما يحتاج إليه بالقيمة.
ولو قال: (كلحم وشحم).. لكان أولى؛ لأنه ليس له أخذ اللحم لبُزَاتِه، وكلابه، ولا الشحم لتوقيح الدوابّ منه على الصحيح المنصوص 3.
(وعلف الدوابّ تبنًا وشعيرًا ونحوهما) لأن الحاجة تدعو إليه؛ كمؤن نفسه، والعَلَف هنا بفتح اللام؛ لأن المراد: ما تأكله، (وذبحِ مأكول للحمه) لأنه مما يؤكل عادة، فهو كاللحم، ويجب ردّ جلد المذبوح إلى المغنم، إلا ما يؤكل مع اللحم.
(والصحيح: جواز الفاكهة) للخبر المار في العنب، ولأنه قد يحتاج إلى ذلك، والثاني: المنع؛ لندرة الحاجة إلى ذلك، قال الإمام: والحلوى كالفاكهة.
وَأَنَّهُ لَا تَجِبُ قِيمَةُ الْمَذْبُوحِ، وَأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ الْجَوَازُ بِمُحْتَاجِ إِلَى طَعَامٍ وَعَلَفٍ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِمَنْ لَحِقَ الْجَيْشَ بَعْدَ الْحَرْبِ وَالْحِيَازَةِ، وَأَنَّ مَنْ رَجَعَ إِلَى دَارِ الإِسْلَامِ وَمَعَهُ بَقِيَّةٌ.. لَزِمَهُ رَدُّهَا إِلَى الْمَغْنَمِ
(وأنه لا تجب قيمة المذبوح) إذا ذبحه لأجل لحمه، كما لا تجب قيمة الطعام المأخوذ، والثاني: يجب، لأن الترخيص ورد في الطعام، والحيوان ليس بطعام، ولهذا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا، وضعف، بأن القيمة لو وجبت.. لما جاز الذبح، وهذا القائل قد أجازه.
(وأنه لا يختص الجواز بمحتاج إلى طعام وعلف)، بل يجوز وإن كان معه ما يغنيه على الأصحِّ؛ فإن الرخصة وردت من غير تفصيل.
نعم؛ لو ضيق على المحتاجين.. فلقائد الجند منعه؛ كما نقله الإمام عن المحققين 1.
والثاني: يختص؛ لاستغنائه عن أخذ حق الغير، والأخذ هنا من باب الإباحة لا الملك حتى لا يتصرف كيف شاء، بل هو مقصور على انتفاعه؛ كالضيف، ووقع في "الحاوي الصغير": أنه يملكه 2، ولا يعرف لغيره.
(وأنه لا يجوز ذلك لمن لحق الجيش بعد الحرب والحيازة) لأنه معهم كغير الضيف مع الضيف، قال الرافعي: وهو يوافق ما ذكروه؛ من أنه لا حظ للاحق في هذه الحالة في الغنيمة 3، والثاني: يجوز، لمظنة الحاجة وعزة الطعام هناك.
وتقييده المنعَ: بما إذا لحق بعد الحيازة: يقتضي جواز التبسط فيما إذا لحق بعد الحرب وقبل الحيازة، لكن قضية استشهاد الرافعي: المنع أيضًا 4؛ كما لا يشاركهم في الغنيمة إذ ذاك.
(وأن من رجع إلى دار الإسلام ومعه بقية.. لزمه ردها إلى المغنم) أي: الموضع
وَمَوْضِعُ التَّبسُّطِ دَارُهُمْ، وَكَذَا مَا لَمْ يَصِلْ عُمْرَانَ الإِسْلَامِ فِي الأَصَحِّ. وَلِغَانِمٍ رَشِيدٍ وَلَوْ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ بِفَلَسٍ الإِعْرَاضُ عَنِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ،
الذي يجمع الغنائم؛ لزوال الحاجة، والمأخوذ متعلق حق الجميع، والثاني: لا؛ لأنه أخذه وهو مباح له، فأشبه الصيد، والثالث: إن كان قليلًا لا يبالى به.. لم يرد، وإلا.. فيرد.
(وموضع التبسط دارهم) أي: دار الحرب؛ لأنه موضع العزة، (وكذا ما لم يصل عمرانَ الإسلام في الأصح) لبقاء الحاجة، والثاني: المنع؛ لأن المظنة دار الحرب، وقد خرجوا عنها، وعكسه: لو وجدوا سوقًا في دار الحرب وتمكنوا فيه من الشراء، قال في "أصل الروضة": طرد الغزالي فيه الوجهين، لانعكاس الدليلين، وقطع الإمام بالجواز وقال: لم أر أحدًا منعه، ونزّلوا دار الحرب في ذلك منزلة السفر في الترخص 1.
(ولغانم رشيد - ولو محجور عليه بفلس - الإعراض عن الغنيمة قبل القسمة) بأن يقول: (أسقطت حقي من الغنيمة) لأن مقصود الجهاد: إعلاء كلمة الله تعالى، والمال تابع، فإذا محض قصده.. فهو أخلص، وإنما كان المفلس كغيره؛ لأن اختيار التملك كابتداء الاكتساب، وهو لا يجب عليه الاكتساب.
والتقييد بالرشد: من زياداته على "المحرر"؛ ليخرج الصبي والمجنون؛ فإنه لا يصح إعراضهما ولا إعراض وليهما عن الرضخ، وكذا السفيه؛ فإنه لا يصح إسقاط حق الملك منه؛ كما قال الإمام: إنه الظاهر، وأقراه، وقالا: لو فكّ حجره قبل القسمة.. صح إعراضه 2.
وقال البُلْقيني: إن المعتمد في المذهب: صحة إعراض السفيه قبل القسمة وقبل اختيار التملك؛ لأنه لم يملك شيئا، وإنما ثبت له حق التملك، ونحن لا نلزمه بذلك، وكذا قال في "المهمات": إنه الراجح 3.
وَالأَصَحُّ: جَوَازُهُ بَعْدَ فَرْزِ الْخُمُسِ وَجَوَازُهُ لِجَمِيعِهِمْ، وَبُطْلَانُهُ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى وَسَالِبٍ، وَالْمُعْرِضُ كَمَنْ لَمْ يَحْضُرْ، وَمَنْ مَاتَ.. فَحَقُّهُ لِوَارثهِ، وَلَا تُمْلَكُ إِلَّا بِقِسْمَةٍ، وَلَهُمُ التَّمَلُكُ، وَقِيلَ: يَمْلِكُونَ، وَقِيلَ: إِنْ سَلِمَتْ إِلَى الْقِسْمَةِ.. بَانَ مِلْكُهُمُ، وَإِلَّا... فَلَا
وكذا لا يصح إعراض العبد عن رضخه، ويصح لسيده؛ لأنه حقه.
واحترز بقوله: (قبل القسمة): عما بعدها؛ لاستقرار الملك.
وكان ينبغي أن يقول: (وقبل اختيار التملك) فإنه لو قال قبل القسمة: (اخترت الغنيمة).. منع ذلك من صحة الإعراض في الأصحِّ.
(والأصح: جوازه) أي: الإعراض (بعد فرز الخمس) (وقبل قسمة الأخماس الأربعة؛ لأن بالإفراز لا يتعين حق الواحد فالواحد من الغانمين، بل هم على حقوقهم على ما كانوا قبله، والثاني: المنع؛ لأن حقهم تميز عن الجهات العامة، فصار كمال مشترك، (وجوازه) أي: الإعراض (لجميعهم)، ويصرف الجميع إلى مصرف الخمس؛ لأن المعنى المصحح للإعراض يشمل الواحد والجميع عامة، والثاني: لا؛ لأنا لو صححناه.. لصرفنا حقوقهم إلى مصارف الخمس، وليس لتلك المصارف إلا الخمس على ما قال تعالى: ﴿لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية.
(وبطلانُه من ذوي القربى) لأنهم يستحقونه بلا عمل، فأشبه الإرث، والثاني: يصح؛ كالغنائم، (وسالبٍ) لأن السلب متعين له؛ كالمتعين بالقسمة، والثاني: يصح؛ كإعراض سائر الغانمين عن الغنيمة، (والمعرضُ كمن لم يحضر)، فيضم نصيبه إلى المغنم، وقيل: يضم إلى الخمس خاصةً.
(ومن مات.. فحقه لوارثه) إن لم يعرض؛ كسائر الحقوق.
(ولا تملك) الغنيمة (إلا بقسمة، ولهم التملك) أي: اختياره بين الحيازة والقسمة؛ لأنهم لو ملكوا بالاستيلاء.. لم يصح إعراضهم؛ كالتحطب ونحوه، (وقيل: يملكون) بالحيازة والاستيلاء التام؛ لأن ملك الكفار قد زال، ويبعد مال لا مالك له، (وقيل: إن سلمت) الغنيمة (إلى القسمة.. بأن ملكهم، وإلا.. فلا) لأن قصد الاستيلاء على المال لا يتحقق إلا بالقسمة؛ لأن المال تابع، والغرض من
وَيُمْلَكُ الْعَقَارُ بِالاسْتِيلَاءِ كَالْمَنْقُولِ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا كَلْبٌ أَوْ كِلَابٌ تَنْفَعُ وَأَرَادَهُ بَعْضُهُمْ وَلَمْ يُنَازَعْ.. أُعْطِيَهُ، وَإِلَّا.. قُسِّمَتْ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا.. أُقْرِعَ. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ سَوَادَ الْعِرَاقِ فُتِحَ عَنْوَةً وَقُسِّمَ ثُمَّ بَذَلُوهُ وَوُقِفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ،
الجهاد: إعلاء كلمة الله تعالى، فإذا اقتسموا.
تبينا قصد التملك بالاستيلاء، فيتبين حصول الملك.
(ويملك العقار بالاستيلاء؛ كالمنقول) بجامع المالية، ولأنه صلى الله عليه وسلم قسم خيبر على الغانمين 1.
وعبارة المصنف موهمة؛ فإن المنقول لا يملك بالاستيلاء، بل بالقسمة على الأصحِّ؛ كما مرّ.
فلو قال: (ويملك العقار بما يملك به المنقول).. لكان وافيًا بالمقصود.
(ولو كان فيها كلب أو كلاب تنفع) لاصطياد أو حراسة (وأراده بعضهم) أي: بعض الغانمين أو بعض أهل الخمس (ولم ينازَع.. أعطيه، وإلا) أي: وإن نوزع (.. قسمت إن أمكن) بأن وجد عدة كلاب وأمكن قسمتها، والقسمة بالعدد على المذهب، (وإلا) أي: وإن لم يمكن قسمتها (.. أقرع) بينهم؛ دفعًا للنزاع.
(والصحيح: أن سواد العراق فتح عنوة) لأن عمر رضي الله عنه قسمه في جملة الغنائم؛ كما ثبت ذلك من طرق 2، ولو كان صلحًا.. لم يقسم، والثاني: أنه فتح صلحًا، وأنه رضي الله عنه رده عليهم بخراج يؤدونه كل سنة 3.
وسمي سوادًا: لخضرته بالأشجار والزروع، والخضرة تُرى من البعد سوادًا.
(وقُسّم ثم بذلوه) أي: بذله الغانمون بعد قسمته (ووقف على المسلمين) أي: وقفه عمر رضي الله عنه؛ كما رواه البيهقي والخطيب وغيرهما 4، وآجره من أهله بأجرة منجّمة تؤدى كل سنة، وهو الخراج.
وَخَرَاجُهُ أُجْرَةٌ تُؤَدَّى كُلَّ سَنَةٍ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مِنْ عَبَّادَانَ إِلَى حَدِيثَةِ الْمَوْصِلِ طُولًا، وَمِنَ الْقَادِسِيَّةِ إِلَى حُلْوَانَ عَرْضًا. قُلْتُ: الصَّحِيحُ: أَنَّ الْبَصْرَةَ وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي حَدِّ السَّوَادِ.. فَلَيْسَ لَهَا حُكْمُهُ إِلَّا فِي مَوْضِعِ غَرْبِيِّ دِجْلَتِهَا وَمَوْضِعِ شَرْقِيِّهَا،
(وخراجه أجرة تؤدى كل سنة لمصالح المسلمين)، الأهم فالأهم، للفقراء والأغنياء من أهل الفيء وغيرهم، وقيل: لم يقفه، بل باعه لمن هو بيده.
والخراج ثمن منجّم؛ لأنه لم يزل الناس يبيعون أرض السواد ويشترون من غير نكير.
ورد الأول ذلك: بأن عمر رضي الله عنه أنكر على عتبة بن فرقد شراءه أرضًا من أرض السواد، وقال له: ممن اشتريتها؟ قال: من أهلها، فقال: هؤلاء أهلها المسلمون، أبعتموه شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فاذهب فاطلب مالك ممن باعك، رواه البيهقي وغيره 1.
وفي السبب الباعث لعمر رضي الله عنه على استرجاعه منهم خلاف؛ قيل: لأنه خاف أن يشتغلوا بفلاحته عن الجهاد، وقيل: لئلا ينفردوا به وذريتهم عن سائر الناس.
(وهو) يعني: حد السواد (من عَبّادان إلى حديثة الموصل طولًا، ومن القادسية إلى حلوان عرضًا)، وهو بالفراسخ: مئة وستون فرسخًا طولًا، وثمانون عرضًا.
(قلت: الصحيح: أن البصرة وإن كانت داخلة في حدّ السواد.. فليس لها حكمه) لأن أرض البصرة كانت سبخة أحياها عثمان بن أبي العاص وعتبة بن غزوان رضي الله عنهما بعد فتح العراق 2، (إلا في موضع غربي دِجلتها) يُسمَّى نهر الصَّراة، (وموضع شرقيها) يُسمَّى الفرات، هذا ما نقلاه عن صاحب "المهذب"، وقال في "أصل الروضة": إنه الصحيح، وإن إطلاق البغويِّ استثناءَ البصرة فيه تساهلٌ 3.
وَأَنَّ مَا فِي السَّوَادِ مِنَ الدُّورِ وَالْمَسَاكِنِ يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَفُتِحَتْ مَكَّةُ صُلْحًا، فَدُورُهَا وَأَرْضُهَا الْمُحْيَاةُ مِلْكٌ يُبَاعُ.
فَصْلٌ [في أمان الكفار]
يَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ
(وأن ما في السواد من الدور والمساكن يجوز بيعه) أي: بيع الأبنية فقط، (والله أعلم) لأن أحدًا لم ينكر شراءها، ولأن وقفها يفضي إلى خرابها؛ كذا قيل، وفيه نظر، والثاني: المنع؛ كالمزارع.
كذا أطلقا الخلاف 1، وينبغي أن يكون محله: في الأبنية التي كانت موجودة يوم ردها عمر رضي الله عنه إلى أهلها، أما ما أحدث بعد ذلك.. فيجوز بيعه قطعًا.
(وفتحت مكة صلحًا) لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾؛ يعني: أهل مكة، فدل على أنهم لم يقاتلوا، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾، فأخبر بكف الفريقين، وهو يمنع من العنوة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم، لم يقتل إلا أناسًا خصهم، ولم يسلب، ولا قسم عقارًا ولا منقولًا، ولو فتحت عنوة.. لكان الأمر بخلاف ذلك، وقولُ من قال: إنها فتحت عنوة محمولٌ على أنه عليه السلام دخلها متأهبًا للقتال خوفًا من غدر أهلها.
(فدورها وأرضها المحياة ملكٌ يباع) لقوله عليه الصلاة والسلام: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ دَارٍ؟ ! " 2؛ يعني: أنه باعها.
وفتحت مصرُ عنوة، وكذا دمشقُ على المرجح عند السبكي، ولا ذكر لها عند الشيخين.
(فصل: يصح من كل مسلمٍ مكلفٍ مختارٍ) (ولو امرأةً، ومحجورًا عليه بفلس أو
أَمَانُ حَرْبِيٍّ وَعَدَدٍ مَحْصُورٍ فَقَطْ، وَلَا يَصِحُّ أَمَانُ أَسِيرٍ لِمَنْ هُوَ مَعَهُمْ فِي الأَصحِّ، وَيَصِحُّ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ مَقْصُودَهُ، وَبِكِتَابَةٍ وَرِسَالَةٍ. وَيُشْتَرَطُ عِلْمُ الْكَافِرِ بِالأَمَانِ، فَإِنْ رَدَّهُ.. بَطَلَ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَقْبَلْ فِي الأَصحِّ،
سفهٍ، ومريضًا، وهرمًا، وفاسقًا، وعبدًا ولو كان لكافر (أمانُ حربيٍّ وعددٍ محصور فقط) لحديث: "إِنَّ ذِمَّةَ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ" متفق عليه 1.
وخرج بالمسلم: الكافر؛ لأنه متهم، وبالمكلف: الصبي والمجنون؛ لأنه عقد وليسا من أهله؛ كسائر العقود لكن لا يقتل من أمّناه إن جهل فساد أمانهما، بل يعرّف أنه لا أمان له ليرجع إلى مأمنه، وبالمختار: المكره؛ لأنه لا قصد له، وبالمحصور: غير المحصور؛ كأهل قرية أو قبيلة؛ لأن هذا هدنة، وهي لا تليق بغير الإمام.
(ولا يصح أمان أسير لمن هو معهم في الأصح) لأنه مقهور في أيديهم فألحق بالمكره، والثاني: يصح؛ لأنه مسلم مكلف مختار أمن أمانًا ليس فيه إضرار.
(ويصح) الأمان (بكل لفظ يفيد مقصوده) صريحًا كان؛ كـ (أجَرْتك)، و (أمنتك)، أو كنايةً؛ كـ (أنت على ما تحب)، أو (كن كيف شئت)، (وبكتابة) لأثرٍ فيه عن عمر رضي الله عنه 2، ولا بدّ من النية؛ لأنها كناية، (ورسالةٍ)، سواء أكان الرسول مسلمًا أم كافرًا؛ لأن بناء الباب على التوسعة في حقن الدم.
(ويشترط) في صحة الأمان: (علم الكافر بالأمان)، فإن لم يعلمه.. فلا أمان له، فتجوز المبادرة إلى قتله ولو من المؤمِّن له، (فإن ردّه.. بطل) لأنه عقد؛ كالهبة.
(وكذا إن لم يقبل في الأصح) كغيره من العقود، والثاني: يكفي السكوت؛ لبناء الباب على التوسعة.
وتعبيره بـ (الأصح): يقتضي أن المسألة ذات وجهين، وليس كذلك، وإنما هو تردد للإمام، والترجيح بحث له 3، والمنقول في "التهذيب" و"تعليق" الشيخ
وَتَكْفِي إِشَارَةٌ مُفْهِمَةٌ لِلْقَبُولِ، وَيَجبُ أَلَّا تَزِيدَ مُدَّتُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَفِي قَوْلٍ: تَجُوزُ مَا لَمْ تبلُغْ سَنَةً، وَلَا يَجُوزُ أِمَانٌ يَضرّ الْمُسْلِمِينَ كَجَاسُوسٍ. وَلَيْسَ لِلإِمَامِ نَبْذُ الأَمَانِ إِنْ لَمْ يَخَفْ خِيَانَةً، وَلَا يَدْخُلُ فِي الأَمَانِ مَالُهُ وَأَهْلُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَكَذَا مَا مَعَهُ مِنْهُمَا فِي الأَصَحِّ إِلَّا بِشَرْطٍ
إبراهيم المرُّوذي: الاكتفاء بالسكوت، وقال البُلْقيني: إنه قضية النص، وهو ما عليه السلف والخلف 1.
نعم؛ يشترط مع السكوت: ما يشعر بالقبول، وهو الكف عن القتال، صرّح به المرّوذي، وهو ظاهر 2.
(وتكفي إشارة مفهمة للقبول) (ولو من قادر على النطق؛ لبناء الباب على الاتساع.
ولو أسقط قوله: (للقبول).. لكان أولى؛ ليشمل الإيجاب أيضًا.
(ويجب ألا تزيد مدته على أربعة أشهر، وفي قول: تجوز ما لم تبلغ سنة) لما سيأتي في الهدنة، أما السنة.. فممتنعة قطعًا، فلو زاد على الجائز.. فقولا تفريقِ الصفقة.
(ولا يجوز أمانٌ يضر المسلمين؛ كجاسوس)، وطليعة الكفار؛ لأنه إذا لم يجز تأمينهما بالجزية.. فدونها أولى.
(وليس للإمام نبذ الأمان إن لم يخف خيانة) لأن الأمان لازم من جهة المسلمين، فإن خافها.. نبذه؛ كالهدنة، وأولى.
(ولا يدخل في الأمان ماله وأهله بدار الحرب، وكذا ما معه منهما في الأصح إلا بشرط) لأن اللفظ لا يتناول ذلك، وإنما يتناول نفسه فقط، والثاني: يدخل؛ لاحتياجه إلى ذلك.
وما صححه من عدم دخول ما معه بلا شرط: كذا أطلق تصحيحه في "الروضة" في المسألة الخامسة، وقال في المسألة التاسعة: إذا دخل كافر دارنا بأمان أو ذمة..
وَالْمُسْلِمُ بِدَارِ كُفْرٍ إِنْ أَمْكَنَهُ إِظْهَارُ دِينِهِ.. اسْتُحِبَّ لَهُ الْهِجْرَةُ، وَإِلَّا.. وَجَبَتْ إِنْ أَطَاقَهَا. وَلَوْ قَدَرَ أَسِيرٌ عَلَى هَرَبٍ.. لَزِمَهُ، وَلَوْ أَطْلَقُوهُ بِلَا شَرْطٍ.. فَلَهُ اغْتِيَالُهُمْ، أَوْ عَلَى أَنَّهُمْ فِي أَمَانِهِ.. حَرُمَ، فَإِنْ تَبعَهُ قَوْمٌ.. فَلْيَدْفَعْهُمْ وَلَوْ بِقَتْلِهِمْ، وَلَوْ شَرَطُوا أَلَّا يَخْرُجَ مِنْ دَارِهِمْ.. لَمْ يَجُزِ الْوَفَاءُ. وَلَوْ عَاقَدَ الإِمَامُ عِلْجًا يَدُلُّ عَلَى قَلْعَةٍ وَلَهُ مِنْهَا جَارِيَةٌ.. جَازَ،
فما معه من المال والأولاد في أمان، فإن شرط الأمان فيهما.. فهو تأكيد، والموضعان في "الشرح" كذلك، قال في "المهمات": والراجح: الدخول 1، وحكاه البُلْقيني عن نصّ "البويطي"، وقال الأَذْرَعي: إنه المذهب، وعزاه إلى الجمهور.
(والمسلم بدار كفر إن أمكنه إظهار دينه) لقوته وعشيرته (.. استحب له الهجرة) خوفًا من الميل إليهم، ولا تجب؛ لقدرته على إظهار دينه، (وإلا.. وجبت إن أطاقها) لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لَا تنقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا قُوتِلَ الكُفَّارُ"، صححه ابن حبان 2، وسواء الرجل والمرأة وإن لم تجد محرمًا.
(ولو قدر أسير على هرب.. لزمه) تخليصًا لنفسه من رق الأسر.
(ولو أطلقوه بلا شرط.. فله اغتيالهم) قتلًا وسبيًا؛ لأنهم لم يستأمنوه، (أو على أنهم في أمانه.. حرم) (وفاءً بما التزمه، وكذا إذا أطلقوه على أنه في أمان منهم ولم يستأمنوه على الأصحِّ، (فإن تبعه قوم) بعدما خرج (.. فليدفعهم ولو بقتلهم) كما في دفع الصائل.
(ولو شرطوا) عليه (ألا يخرج من دارهم.. لم يجز الوفاء) بالشرط، ولزمه الخروج عند المكنة؛ لأن الإقامة غير جائزة، والتزام ما لا يجوز لا يلزم.
(ولو عاقد الإمام عِلْجًا يدل على قلعة) مسماةٍ معينةٍ خَفِيَ طريقُها، أو ليدلهم على طريق إليها خالٍ من الكفار أو سهل أو كثير الماء والكلأ (وله منها جارية.. جاز) وهي
فَإِنْ فُتِحَتْ بِدِلَالَتِهِ.. أُعْطِيَهَا، أَوْ بغَيْرِهَا.. فَلَا فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ تُفْتَحْ.. فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يُعَلِّقِ الْجُعْلَ بالْفَتح.. فَلَهُ أُجْرَةُ مِثْلٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا جَارِيَةٌ أَوْ مَاتت قَبْلَ الْعَقْدِ.. فَلَا شَيْءَ لَهُ، أَوْ
جعالة بجعل مجهول غير مملوك احتملت للحاجة، وسواء أكانت الجارية معينة أم مبهمة، حرة أم أمة؛ لأن الحرة ترق بالأسر.
واحترز بالعلج -وهو الكافر الغليظ الشديد-: عما لو اتفق ذلك مع مسلم.. فإنه لا يجوز؛ كما نقلاه عن تصحيح الإمام، وجرى عليه في "الحاوي الصغير" 1، لأن فيه أنواعَ غرر، فلا يحتمل مع المسلم، بخلاف الكافر؛ فإن الحاجة تدعو إليه؛ لأنه أعرف بقلاعهم وطرقهم، وقيل: يجوز مع المسلم أيضًا، ونقلاه عن العراقيين، قال الأَذْرَعي: وهو الأصحُّ المختار؛ كشرط النقل في البداءة والرجعة 2.
وبقوله: (وله منها جارية): عما إذا قال الإمام: (وله جارية مما عندي).. فإنه لا يصح؛ للجهل بالجعل؛ كسائر الجعالات.
(فإن فتحت بدلالته) أي: فتحها من شارطه (أُعطيَها) إن ظفرنا بها، ولا حقّ فيها لغيره؛ لأنه استحقها بالشرط قبل الظفر، (أو بغيرها) أي: بغير دلالته (.. فلا) شيء له (في الأصح) لأن الفتح لم يستند إلى دلالته 3، والثاني: نعم؛ لاستحقاقه إياها قبل الظفر.
ومنشأ الخلاف: أن الاستحقاق يثبت بنفس الدلالة، أو بالفتح بدلالته.
(وإن لم تفتح.. فلا شيء له) لأنه شرط جارية منها، فتعلقت جعالته بشيئين؛ الدلالة، والفتح، (وقيل: إن لم يعلق الجعل بالفتح.. فله أجرة مثل) لوجود الدلالة، والأصحُّ: المنع؛ لأن تسليمها لا يمكن إلا بالفتح، فالشرط مقيّد بالفتح حقيقة وإن لم يجر لفظًا، أما إذا علق الجعل بالفتح.. فلا شيء له قطعًا.
(فإن لم يكن فيها جارية أو ماتت قبل العقد.. فلا شيء له) لفقد المشروط، (أو
بَعْدَ الظَّفَرِ وَقَبْلَ التَّسْلِيمِ.. وَجَبَ بَدَلٌ، أَوْ قَبْلَ ظَفَرٍ.. فَلَا فِي الأَظْهَرِ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ.. فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ بَدَلٍ، وَهُوَ أُجْرَةُ مِثْلٍ، وَقِيلَ: قِيمَتُهَا.
بعد الظفر وقبل التسليم) إليه (.. وجب بدل) لأنها حصلت في قبضة الإمام، فالتلف من ضمانه، (أو قبل ظفر.. فلا في الأظهر) لأن الميتة غير مقدور عليها، فصار كما لو لم تكن فيها، والثاني: يجب له البدل؛ لأن العقد قد تعلق بها وهي حاصلة، ثم تعذر التسليم، فصار كما إذا قال: (من ردّ عبدي.. فله هذه الجارية)، فرده وقد ماتت الجارية.. يلزمه بدلها.
(وإن أسلمت) المعينة الحرة (.. فالمذهب: وجوب بدل) قطعًا؛ لأنه يمتنع استرقاقها، كغيرها ممن أسلم، والطريق الثاني: طرد الخلاف في موتها.
وفرق الأول: بتعذر التسليم بالموت حسًّا، وههنا هو ممكن حسًّا، ولكن الإسلام حال بينه وبينها، فوجب البدل؛ للحيلولة.
(وهو) أي: البدل (أجرة مثل، وقيل: قيمتها)، الخلاف مبني: على أن الجعل مضمون ضمانَ عقد، أو ضمانَ يد؛ كما في الصداق؟ كذا قاله الإمام، والأظهر من قول الصداق: وجوب مهر المثل، لكن قال الرافعي: الموجود لعامة الأصحاب هنا: قيمة الجارية، قال: ولا يتعذر الفرق على من يحاوله.
انتهى، ووحوب قيمة الجارية نصّ عليه في "الأم"، وقال في "المهمات": إنه المفتى به 1.
كتابُ الِجزْيَة صُورَةُ عَقْدِهَا: (أُقِرُّكُمْ بِدَارِ الإِسْلَامِ أَوْ أَذِنْتُ فِي إِقَامَتِكُمْ بِهَا عَلَى أَنْ تَبْذُلُوا جِزْيَةً وَتَنْقَادُوا لِحُكْمِ الإِسْلَامِ)، وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ ذِكْرِ قَدْرِهَا، لَا كَفُّ اللِّسَانِ عَنِ اللهِ تَعَالَى وَرَسُولهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدِينِهِ، وَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ مُؤَقَّتًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَيُشْتَرَطُ لَفْظُ قَبُولٍ
﴿كتاب الجزية﴾
هي اسم للمأخوذ من الكفار، مأخوذة من المجازاة؛ لكفنا عنهم، وقيل: من القضاء، قال تعالى: ﴿لَا تْجْزِى نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾؛ أي: لا تقضي، ويقال: جزيت الدَّين؛ أي: قضيته.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، وأخذها صلى الله عليه وسلم من مجوس هَجَرٍ وغيرهم؛ كما رواه أبو داوود 1.
(صورة عقدها: "أقركم بدار الإسلام، أو أذنت في إقامتكم بها) غير الحجاز، (على أن تبذلوا جزية) في كل حول، (وتنقادوا لحكم الإسلام") لأن الجزية مع الانقياد عوض التقرير فيجب التعرض له كالثمن في البيع، والأجرة في الإجارة.
(والأصح: اشتراط ذكر قدرها) أي: الجزية؛ كالثمن والأجرة، والثاني: لا، وينزل المطلق على الأقل، (لا كفُّ اللسان عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ودينه) لدخوله في شرط الانقياد، والثاني: الاشتراط؛ إذ به تحصل المسالمة وترك التعرض من الجانبين.
(ولا يصح العقد مؤقتًا على المذهب).
في صحة العقد مؤقتًا طريقان:
أحدهما: أن فيه قولين: أصحهما: المنع؛ لأنه بدل عن الإسلام، وهو لا يصح مؤقتًا، فكذا عقد الذمة، والثاني: يصح؛ كالهدنة.
والطريق الثاني: القطع بالمنع.
(ويشترط لفظ قبول) كـ (قبلت)، أو (رضيت بذلك) كغيره من العقود،
وَلَوْ وُجِدَ كَافِرٌ بدَارِنَا فَقَالَ: (دَخَلْتُ لِسَمَاعِ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى) أَوْ (رَسُولًا) أَوْ (بِأَمَانِ مُسْلِمٍ).. صُدِّقَ، وَفِي دَعْوَى الأَمَانِ وَجْهٌ، ويُشْتَرَطُ لِعَقْدِهَا الإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، وَعَلَيْهِ الإِجَابَةُ إِذَا طَلَبُوا، إِلَّا جَاسُوسًا نَخَافُهُ. وَلَا تُعْقَدُ إِلَّا لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَأَوْلَادِ مَنْ تَهَوَّدَ أَوْ تَنَصَّرَ قَبْلَ النَّسْخِ
وتكفي إشارةُ الأخرس المفهمةُ.
(ولو وجد كافر بدارنا فقال: "دخلت لسماع كلام الله تعالى" أو "رسولًا" أو "بأمان مسلم".. صدق)، ولا يتعرض إليه، لاحتمال ما يدعيه، وسواء كانت الرسالة مما فيه مصلحة للمسلمين أم لا على الصواب في "زيادة الروضة"، خلافًا للروياني 1، (وفي دعوى الأمان وجه): أنه لا يصدق، لإمكان إقامة البينة عليه.
(ويشترط لعقدها: الإمام أو نائبه) فيها، خصوصًا أو عمومًا؛ لأنها من المصالح العظام، فاختصت بمن له النظر العام.
(وعليه الإجابة إذا طلبوا) لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أمّر أميرًا على جيش.. أوصاه أنهم: "إِنْ أَبَوُا الإسْلَامَ.. سَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ.. فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ" رواه مسلم 2.
(إلا جاسوسًا نخافه) فلا تجب إجابته، بل لا تقبل الجزية منه، للضرر، وكذا لو كان يخاف غائلتهم ويرى أن ذلك مكيدة منهم.. فلا يجيبهم.
(ولا تعقد إلا لليهود والنصارى) من العرب والعجم؛ لأنهم أهل الكتاب، (والمجوسِ) لأنه صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر، وقال: "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ" رواه البخاري 3.
(وأولادِ من تهوّد أو تنصّر قبل النسخ) أي: قبل نسخ التوراة بالإنجيل 4 في