بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 456-495

كتاب المسابقة والمناضلة

صفحات 456-495

وَأَلَّا يَشْتَرِيَ وَيَبِيعَ بِنَفْسِهِ، وَلَا يَكُونَ لَهُ وَكِيلٌ مَعْرُوفٌ، فَإِنْ أَهْدَى إِلَيْهِ مَنْ لَهُ خُصُومَةٌ أَوْ لَمْ يُهْدِ قَبْلَ وِلَايَتِهِ.. حَرُمَ قَبُولُهَا، وَإِنْ كَانَ يُهْدِي وَلَا خُصُومَةَ.. جَازَ بِقَدْرِ الْعَادَةِ،

(وألّا يشتري ويبيع بنفسه) في عمله بل يكره؛ لئلا يُحابى، (ولا يكون له وكيلٌ معروف) كيلا يُحابى أيضًا، والإجارة وسائر المعاملات كالبيع والشراء، بل نص في "الأم": على أنه لا ينظر في نفقة عياله ولا أمر ضيعته، بل يكله إلى غيره تفريغًا لقلبه 1. (فإن أهدى إليه من له خصومة، أو لم يهد قبل ولايته) ولا خصومة له (.. حرم قبولها) لأنه في الأولى يميل إليه، وينكسر به قلب خصمه، وأما في الثانية.. فلأن سبب الهدية الولاية، وقد صرّحت الأحاديث بتحريم هدايا العمال 2، فلو قبلها.. لم يملكها، ومتى كانت الهدية لأجل الحكم له بغير حق أو ليمتنع من الحكم عليه بالحق.. فهي رشوة محرمة إجماعًا.
ومثله: لو بذل له مالًا ليحكم له بحق ولولا البذل لما قضى له به.. قال الأَذْرَعي: ولا أعرف في تحريم هذا خلافًا، ولا شك فيه، ولكنه أقل مأثمًا من الضرب الأول.
وسواء في الهدية كان المهدي من أهل عمل القاضي أو من غيره وقد حملها إليه؛ لأنه صار في عمله؛ فلو جهزها مع رسول وليس له محاكمة.. ففي جواز قبولها وجهان، ولو كان القاضي في غير عمله.. لم يحرم عليه أخذ الهدية، سواء كان المهدي من أهل عمله أم لا إلا أن يستشعر القاضي أنها مقدمة خصومة فتحرم.
(وإن كان يُهدي ولا خصومة.. جاز بقدر العادة) لخروج ذلك عن سبب الولاية، فانتفت التهمة.
وقوله: (بقدر العادة) من زياداته على "المحرر" من غير تمييز، واحترز به: عمّا إذا زاد.. فإنه يحرم؛ لأن الزيادة حدثت بالولاية، وقضيته: اختصاص التحريم بالقدر الزائد، لكن قول "الروضة" و"أصلها": (فإن زاد المهدي على قدر

وَالأَوْلى أَنْ يُثِيبَ عَلَيْهَا. وَلَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ وَرَقِيقِهِ وَشَرِيكِهِ فِي الْمُشْتَرَكِ، وَكَذَا أَصْلُهُ وَفَرْعُهُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَحْكُمُ لَهُ وَلِهَؤُلَاءِ الإِمَامُ أَوْ قَاضٍ آخَرُ، وَكَذَا نَائِبُهُ عَلَى الصَّحِيحِ. وَإِذَا أَقَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ نَكَلَ، فَحَلَفَ الْمُدَّعِي وَسَأَلَ الْقَاضِيَ أَنْ يُشْهِدَ عَلَى إِقْرَارِهِ عِنْدَهُ أَوْ يَمِينِهِ أَوِ الْحُكْمَ بِمَا ثَبَتَ وَالإِشْهَادَ بِهِ.. لَزِمَهُ،

المعهود.. صارت هديته كهدية من لم تعهد منه الهدية) 1.. يقتضي تحريم الكل، قال البُلْقيني: والمعتمد: اختصاص التحريم بالزيادة إن تميزت، وإلا.. حرم الكل.
(والأولى: أن يثيب عليها) أو يضعها في بيت المال؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان يقبل الهدية ويثيب عليها 2. والأولى: سد باب القبول؛ حسمًا للباب، قال الماوردي: ونزول القاضي على أهل عمله ضيفًا كقبول هديتهم 3. وهل للقاضي تخصيص بعض رعاياه بإنفاذ هدية له؟ فيه وجهان، حكاهما القاضي شريح في "أدب القضاء".
(ولا ينفذ حكمه لنفسه ورقيقه وشريكه في المشترك) للتهمة.
نعم؛ له تعزير من أساء الأدب عليه فيما يتعلق بأحكامه كقوله: (حكمت عليّ بالجور)، ونحو ذلك.
(وكذا أصله وفرعه على الصحيح) لأنهم أبعاضه، فأشبه قضاءه لنفسه، والثاني: ينفذ؛ لأن القاضي أسير البينة، فلا يظهر فيه تهمة، بخلاف الشهادة فإنها تتعلق بالشاهد خاصة، ولا ينفذ حكمه لهما بعلمه قطعًا، وله أن يحكم عليهما قطعًا؛ لانتفاء التهمة.
(ويحكم له) أي: للقاضي (ولهؤلاء الإمام أو قاضٍ آخر) أجنبي مستقل؛ لانتفاء التهمة، (وكذا نائبه على الصحيح) كبقية الحكام، والثاني: لا؛ للتهمة.
(وإذا أقرّ المُدَّعى عليه أو نكل، فحلف المدعي وسأل القاضي أن يشهد على إقراره عنده أو يمينه أو الحكم بما ثبت والإشهاد به.. لزمه) سواء قلنا: يقضي بعلمه أم لا؛

أَوْ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ مَحْضَرًا بِمَا جَرَى مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ، أَوْ سِجِلًّا بمَا حَكَمَ.. اسْتُحِبَّ إِجَابَتُهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ، وَيُسْتَحَبُّ نُسْخَتَانِ: إِحْدَاهُمَا لَهُ، وَالأُخْرَى تُحْفَظُ فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ. وَإِذَا حَكَمَ بِاجْتِهَادٍ ثُمَّ بَانَ خِلَافَ نَصِّ الْكِتَابِ أَوِ السُّنَّةِ أَوِ الإِجْمَاعِ أَوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ.. نَقَضَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ،

لأنه إن منع.. فقد ينكر الخصم، وإن جوّز.. فقد ينسى أو يعزل فيضيع الحق.
(أو أن يكتب له محضرًا بما جرى من غير حكم، أو سجلًّا بما حكم.. استحب إجابته) لأنه مذكر، وإنما لم يجب؛ لأن الحق يثبت بالشهود لا بالكتاب، (وقيل: يجب) إذا أحضر له الطالب القرطاس، أو كان له من بيت المال توثقًا لحقه؛ كالإشهاد.
والفرق بين المحضر والسجل - كما أشار إليه المصنف -: أن المحضر هو: ما فيه ذكر ما جرى من غير حكم، والسجل: ما اشتمل على الحكم.
(ويستحب نسختان: إحداهما له، والأخرى تحفظ في ديوان الحكم) وإن لم يطلب الخصم ذلك؛ لأنه طريق للتذكر؛ إذ لا يؤمن ضياع ما يأخذها الخصم، ويختم النسخة التي بديوان الحكم، ويكتب على رأسها اسم الخصمين، ويضعها في حرز له، وما يجتمع منها.. يضم بعضه إلى بعض، ويكتب عليها: محاضر كذا من شهر كذا من سنة كذا.
(وإذا حكم باجتهاد) وهو من أهله (ثم بان خلاف نص الكتاب أو السنة) سواء متواترها وآحادها، (أو الإجماع أو قياس جليّ.. نقضه هو وغيره) أما النقض بمخالفة الإجماع.. فبالإجماع، والباقي: في معناه.
و(القياس الجلي) هو: الذي يعرف به موافقة الفرع الأصل؛ بحيث ينتفي احتمال مفارقتهما أو يبعد؛ كالتحاق الضرب بالتأفيف، وما فوق الذّرَّة والنقير بهما.
قال الزركشي: وفي معنى قوله: (باجتهاده) ما إذا كان مقلدًا أو حكم بخلاف نص إمامه مقلِّدًا لوجه ضعيف.. فإنهم جعلوا نص إمامه بالنسبة إليه كنص الشارع بالنسبة إلى المجتهد؛ كما قاله في "الروضة" في الكلام على الفتوى 1، ويجب

لَا خَفِيٍّ، وَالْقَضَاءُ يَنْفُذُ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا،

نقضه، ولا شك في نقض ما صدر من مقلِّد غير متبحِّر، بخلاف المعتمد عند أهل المذهب، وفي نقض ما صدر ممن لا يصلح للقضاء وإن وافق المعتمد.
قال ابن الرفعة: والمعنى بنقض الحكم - كما قاله الإمام -: التبيُّن، وإلا.. فليس القضاء أمر يعقد ويحل، وتابعه الشيخ عز الدين فقال: قولهم: (ينقض) فيه مسامحة، وإنما الحقيقة أن هذا الحكم لم يصح من أصله.
(لا خفيّ) وهو ما لا يزيل احتمال المفارقة ولا يبعد؛ كقياس الشبه، وهو أن تشبه الحادثة أصلين فيلتحق بأشبههما، فإذا بان له الخطأ بقياس خفي لكنه أرجح مما حكم به.. عمل به فيما يستقبل، ولا ينقض ما حكم به أولًا؛ لأن الظنون المتعادلة لو نقض بعضها بعضًا.. لما استمر حكم، ولشق الأمر على الناس، ومشهور عن عمر - رضي الله عنه -: أنه حكم بحرمان الأخ من الأبوين في المشركة، ثم شرك بعد ذلك ولم ينقض قضاءه الأول، وقال: (ذلك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي) 1. (والقضاء ينفذ ظاهرًا لا باطنًا) قضاء القاضي قسمان: أحدهما: ما ليس بإنشاء، وإنما هو تنفيذ لما قامت به الحجة، وهذا مراد المصنف، فينفذ ظاهرًا لا باطنًا، حتى لو حكم بشهادة الزور.. لم يُفِد حكمُه الحلّ باطنًا، سواء فيه المال والنكاح وغيرهما؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ فِي حَقِّ أَخِيهِ بِشَيءٍ.. فَلَا يَأْخُذْهُ، فَإِنّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَة مِنَ النّارِ" متفق عليه 2. الثاني: الإنشاء؛ كالتفريق بين المتلاعنين، وفسخ النكاح بالعيب، والتسليط على الأخذ بالشفعة، فإن ترتب على أصل كاذب؛ كشهادة زور.. فكالأول، أو صادق؛ فإن لم يكن في محل اختلاف المجتهدين.. نفذ باطنًا، وإن كان مختلفًا فيه؛ كالحكم بشفعة الجوار، وتوريث ذوي الأرحام.. نفذ ظاهرًا، وفي الباطن: أوجه: ثالثها: إن اعتقد الخصم حلّه.. نفذ، وإلا.. فلا، ولم يصرحا هنا بترجيح، وفي

وَلَا يَقْضِي بِخِلَافِ عِلْمِهِ بِالإِجْمَاعِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَقْضِي بِعِلْمِهِ إِلَّا فِي حُدُودِ اللهِ تَعَالَى

"المهمات" هنا وفي (الشفعة) أن الصحيح: نفوذه ظاهرًا وباطنًا مطلقًا، وبسط ذلك 1. (ولا يقضي بخلاف علمه بالإجماع) لأنه لو حكم به.. لكان قاطعًا ببطلان حكمه، والحكم بالباطل محرم، واعترض دعوى الإجماع بوجه حكاه الماوردي ومن تبعه أنه يحكم بالشهادة المخالفة لعلمه، لأنها هي المعتبرة في حكمه دون علمه 2. (والأظهر: أنه يقضي بعلمه) لأنه يقضي بشاهدين، وهو لا يفيد إلا الظن، فالقضاء بالعلم أولى، والثاني: لا، للتهمة، ورد: بأنه لو قال: (ثبت عندي)، و (صح لدي كذا).. قُبِل: قطعًا مع احتمال التهمة.
قال الماوردي: ولا بدّ أن يقول للمنكر: قد علمت أن له عليك ما ادعاه، وحكمت عليك بعلمي، فإن ترك أحد هذين.. لم ينفذ، واستغربه ابن أبي الدم.
وشرط الشيخ عز الدين في "القواعد": كون الحاكم ظاهر التقوى والورع 3. وشمل إطلاق المصنف الخلاف جريانه في الجرح والتعديل، وهي طريقة ضعيفة، والمشهور: القطع بأنه يقضي فيه بعلمه، وقد جزم به المصنف في الفصل الآتي.
والمراد بـ (العلم): غلبة الظن؛ كما قاله الرافعي؛ إذ يقضي في الجرح والتعديل بعلمه مع أن العدالة لا تتيقن، لكن صرح الإمام: بأن المراد: اليقين، وتبعه الغزالي 4، قال ابن الرفعة: وهو قضية كلام "التنبيه".
وإذا قلنا: يقضي بعلمه.. فذلك في المال قطعًا، وكذا في القصاص وحد القذف على الأظهر.
(إلا في حدود الله تعالى) لأنها تدرأ بالشبهات، ويندب سترها.

وَلَوْ رَأَى وَرَقَةً فِيهَا حُكْمُهُ أَوْ شَهَادَتُهُ أَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّكَ حَكَمْتَ أَوْ شَهِدْتَ بِهَذَا.. لَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَلَمْ يَشْهَدْ حَتَّى يَتَذَكَّرَ، وَفِيهِمَا وَجْهٌ فِي وَرَقَةٍ مَصُونَةٍ عِنْدَهُمَا، وَلَهُ الْحَلِفُ عَلَى اسْتِحْقَاقِ حَقٍّ أَوْ أَدَائِهِ اعْتِمَادًا عَلَى خَطِّ مُوَرِّثِهِ إِذَا وَثِقَ بِخَطِّهِ وَأَمَانَتِهِ، وَالصَّحِيحُ: جَوَازُ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِخَطٍّ مَحْفُوظٍ عِنْدَهُ

(ولو رأى ورقة فيها حكمه أو شهادته، أو شهد شاهدان أنك حكمت أو شهدت بهذا.. لم يعمل به) القاضي (ولم يشهد) به الشاهد (حتى يتذكر) لإمكان التزوير، وتشابه الخطوط في الحالة الأولى، وأما الثانية.. فلأن القاعدة: أنه إذا أمكن اليقين.. لا يعتمد الظن.
(وفيهما وجه في ورقة مصونة عندهما) لتعذر التحريف، والأصح: الأول؛ لاحتماله.
(وله الحلف على استحقاق حق أو أدائه اعتمادًا على خط مُوَرِّثه إذا وثق بخطه وأمانته) والفرق بينه وبين القضاء والشهادة: أن خطرهما عام ويمكن فيهما التذكر، بخلاف خط مورثه.
وقد يوهم المنع في الحلف على خط نفسه، وهو ما نقلاه عن "الشامل" 1؛ لأنه يمكنه التذكر في خط نفسه، بخلاف مورثه، لكن سوى بينهما في "الكتاب" في (باب الدعاوى) فقال: يجوز البت بظن مؤكد يعتمد خطه أو خط أبيه، وكذا ذكراه في "الشرح" و"الروضة" هناك 2. (والصحيح: جواز رواية الحديث بخطٍّ محفوظٍ عنده) وإن لم يتذكره؛ لعمل العلماء به سلفًا وخلفًا، وباب الرواية أوسع من الشهادة، وسواء كان بخطه أو خط غيره، والثاني: المنع، إلّا أن يتذكر كالشهادة.
وأفهم: أنه لو لم يكن الخط محفوظًا عنده.. يمتنع قطعًا، لكن في "أصل الروضة": لو كتب إليه الشيخ بالإجازة وعرف خطه.. جاز له أن يروي عنه تفريعًا

فصلٌ [في التسوية وما يتبعها]

لِيُسَوِّ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي دُخُولٍ عَلَيْهِ، وَقِيامٍ لَهُمَا، وَاسْتِمَاعٍ، وَطَلَاقَةِ وَجْهٍ، وَجَوَابِ سَلَامٍ، وَمَجْلِسٍ، وَالأَصَحُّ: رَفْعُ مُسْلِمٍ عَلَى ذِمِّيٍّ فِيهِ. وَإِذَا جَلَسَا.. فَلَهُ أَنْ يَسْكُتَ، وَأَنْ يَقُولَ: (لِيَتَكَلَّمِ الْمُدَّعِي)، فَإِنِ ادَّعَى

على اعتماد الخط، فيقول: (أخبرني فلان كتابة)، أو (في كتابه)، أو (كتب إلي) 1.

(فصل: ليسوّ بين الخصمين) وجوبًا (في دخول عليه) فلا يدخل أحدهما قبل الآخر، (وقيام لهما) إن قام، وإلّا.. سوّى بينهما في تركه.
(واستماعٍ، وطلاقة وجه، وجواب سلام، ومجلس) وسائر أنواع الإكرام؛ لقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ قال أبو عبيدة: نزلت في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي، يتلوى عن أحدهما، ويقبل على الآخر، ولأنه إذا فضّل أحدهما.. انكسر قلب الآخر، ولحقه الضرر في استيفاء حجته.
ومقتضى قوله: (ومجلس): أنه لا يتركهما قائمين، وبه صرح الماوردي فقال: لا تُسمع الدعوى وهما قائمان حتى يجلسا بين يديه 2. (والأصح: رفع مسلم على ذمي فيه) أي: في المجلس؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى، فيكون مجلس المسلم أقرب من مجلس الذمي، فإن وقفا.. قدّم المسلم عليه في الموقف، والثاني: يسوي بينهما؛ لعموم الأمر بالتسوية، وطرد الرافعي بحثًا الخلاف في سائر وجوه الإكرام، ونقله ابن الرفعة عن الفوراني و"التنبيه" 3. (وإذا جلسا) أو قاما بين يديه (.. فله أن يسكت) لأنهما حضرا للكلام (و) له (أن يقول: "ليتكلم المدعي") لأنه ربما هاباه، (فإن ادّعى) دعوى صحيحة

طَالَبَ خَصْمَهُ بِالْجَوَابِ، فَإِنْ أَقَرَّ.. فَذَاكَ، وَإِنْ أَنْكَرَ.. فَلَهُ أَنْ يَقُولَ لِلْمُدَّعِي: (أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ ) وَأَنْ يَسْكُتَ، فَإِنْ قَالَ: (لِي بَيِّنَةٌ وَأُرِيدُ تَحْلِيفَهُ).. فَلَهُ ذَلِكَ، أَوْ (لَا بَيِّنَةَ لِي)، ثُمَّ أَحْضَرَهَا.. قُبِلَتْ فِي الأَصَحِّ. وَإِذَا ازْدَحَمَ خُصُومٌ.. قُدِّمَ الأَسْبَقُ، فَإِنْ جُهِلَ أَوْ جَاؤُوا مَعًا.. أُقْرِعَ، وَيُقَدَّمُ مُسَافِرُونَ مُسْتَوْفِزُونَ وَنِسْوَةٌ وَإِنْ تَأَخَّرُوا

(.. طالب خصمه بالجواب) وإن لم يسأله المدعي؛ لأن المقصود فصل الخصومة، وبذلك تنفصل.
(فإن أقر.. فذاك، وإن أنكر.. فله أن يقول للمدعي: "ألك بينة؟ ") لأن المدعي قد لا يعرف ترتيب الخصومة، ويهاب الحاكم، (وأن يسكت) تحرزًا من اعتقاد ميل إلى المدعي.
(فإن قال: "لي بينة وأريد تحليفه".. فله ذلك) لأنه إن تورع عن اليمين وأقرّ.. سهل الأمر على المدعي، واستغنى عن إقامة البينة، وإن حلف.. أقام البينة؛ ليُعلم خيانته وكذبه، فله إذًا في التحليف غرض ظاهر.
(أو "لا بينة لي") وأطلق، أو قال: (لا بينة لي حاضرة ولا غائبة)، أو: (كل بينة أقيمها فهي كاذبة أو باطلة أو زور) 1، (ثم أحضرها.. قبلت في الأصح) لاحتمال نسيانه أو عدم شعوره بتحملها، والثاني: لا؛ للمناقضة إلا أن يذكر لكلامه تأويلًا؛ كـ (كنت ناسيًا أو جاهلًا)، ونسبه الماوردي والروياني للأكثرين.
(وإذا ازدحم خصوم.. قُدِّم الأسبق) لأنه العدل، والاعتبار بسبق المدعي دون المدعى عليه، (فإن جهل) السابق (أو جاؤوا معًا.. أقرع) إذ لا مرجح، فلو آثر بعضهم بعضًا.. جاز، هذا إذا أمكن الإقراع، فلو كثروا.. كتب أسماءهم وجعلها بين يديه، ويمد يده فيأخذ رقعة، ويقدم صاحبها، كذا قالاه، وهذا نوع من الإقراع؛ كما صرح به الروياني 2. (ويقدم) ندبًا (مسافرون مستوفزون ونسوة وإن تأخروا) أما في الأولى.. فلدفع الضرر عنهم؛ لتخلفهم بالتأخر عن الرفقة، وأما في الثانية.. فلأنهن عورة، قال

مَا لَمْ يَكْثُرُوا، وَلَا يُقَدَّمُ سَابِقٌ وَقَارِعٌ إِلَّا بِدَعْوَى, وَيَحْرُمُ اتِّخَاذُ شُهُودٍ مُعَيَّنِينَ لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُمْ، وَإِذَا شَهِدَ شُهُودٌ فَعَرَفَ عَدَالَةً أَوْ فِسْقًا.. عَمِلَ بِعِلْمِهِ،

الرافعي: وينبغي ألّا يفرق بين أن يكون المسافر والمرأة مدعيين أو مدعىً عليهما 1، (ما لم يكثروا) فإن كثروا.. لم يقدموا؛ دفعًا للضرر عن المقيمين في الأولى.، وعن الرجال في الثانية، فيعتبر السبق والقرعة، والمسافرون بعضهم مع بعض كالمقيمين، فيعتبر السبق، والقرعة، وكذا النسوة.
(ولا يقدم سابق وقارع إلّا بدعوى) واحدة؛ لئلا يتضرر الباقون؛ لأنه ربما استوعب المجلس بدعاويه، فتسمع دعواه وينصرف، ثم يحضر في مجلس آخر، أو ينتظر فراغ دعاوى الحاضرين، ثم تسمع دعواه الثانية إن بقي وقت ولم يضجر.
ولم يذكر المصنف حكم تقديم المسافر؛ هل يقدم بواحدة أو بالكل، أو يسوى بينه وبين المقيمين؟ وفيه احتمالات للرافعي، والأرجح في "زيادة الروضة": أن دعواه إن كانت قليلة أو خفيفة لا تضر بالباقين إضرارًا بينًا.. قدم بجميعها، وإلّا.. قدّم بواحدة ويؤخر الباقي إلى أن يحضر، قال ابن الملقن: ولتطرد هذه الاحتمالات في التقديم بالأنوثة 2. (ويحرم اتخاذ شهود معينين لا يقبل غيرهم) لما فيه من التضييق؛ فإنه قد يتحمل الشهادة غيرهم، فإذا لم يُقبل.. ضاع الحق.
(وإذا شهد شهود فعرف عدالة أو فسقًا.. عمل بعلمه) فإن علم العدالة.. قَبِلَهُ، ولم يحتج إلى تزكية وإن طلبها الخصم، وإن علم الفسق.. ردّه، ولم يحتج إلى بحث؛ لأنه يراد لمعرفة العدالة والفسق، وهو حاصل.
ومحل هذا: في العدالة في غير أصله وفرعه، أما هما.. ففيهما وجهان في "أصل الروضة" بلا ترجيح 3، ورجح البُلْقيني: عدم الجواز ما لم تقم عنده بينة بعدالتهما.

وَإِلَّا.. وَجَبَ الاسْتِزْكَاءُ؛ بِأَنْ يَكْتُبَ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الشَّاهِدُ وَالْمَشْهُودُ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَكَذَا قَدْرُ الدَّيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَبْعَثَ بِهِ مُزَكِّيًا ثُمَّ يُشَافِهُهُ الْمُزَكِّي بِمَا عِنْدَهُ، وَقِيلَ: تَكْفِي كِتَابَتُهُ، وَشَرْطُهُ كَشَاهِدٍ مَعَ مَعْرِفَتِهِ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيلَ

(وإلا) أي: وإن لم يعلم ذلك (.. وجب الاستزكاء) أي: التزكية، سواء طلب الخصم أم لا، طعن الخصم في الشهود أم لا؛ لأنه حكم بشهادة، فيشترط فيه البحث عن شرطها، وقيل: إنما تجب إذا طلبه الخصم؛ لأنه حقه.
(بأن يكتب ما يتميز به الشاهد) من اسم وكنية إن اشتهر بها، وولاء إن كان عليه ولاء، واسم أبيه وجده وحليته وحرفته وسوقه ومسجده؛ لئلا يشتبه بغيره، فإن كان مشهورًا وحصل التمييز ببعض هذه الأوصاف.. كفى، (والمشهود له) لئلا تكون بينه وبين الشاهد ما يمنع قبول الشهادة له في ولادة ونحوها 1، (وعليه) لئلا يكون بينه وبين الشاهد ما يمنع قبول الشهادة عليه من عداوة ونحوها، (وكذا قدر الدين على الصحيح) لأنه قد يغلب على الظن صدق الشاهد في القليل دون الكثير، والثاني: لا يكتبه؛ لأن العدالة لا تختلف بقلة المال وكثرته.
(ويبعث به مزكيًا) ليعرف حاله، كذا حكي عن نسخة المصنف، وفي "المحرر": ويبعث به إلى المزكي، وهو الصواب؛ لأن المزكي هو المبعوث إليه 2. (ثم يشافهه المزكِّي بما عنده) فإن كان جرحًا.. ستره وقال للمدعي: (زدني في شهودك)، وإن كان تعديلًا.. عمل بمقتضاه.
والمراد بـ (المزكي) هنا: صاحب المسألة، وسماه مزكيًا؛ لأنه ينقل للقاضي التزكية عن المزكّين.
(وقيل: تكفي كتابته) مع صاحب المسألة إلى القاضي بما عنده، فيعتمده القاضي، والأصح: أنه لا بدّ من المشافهة؛ لأن الخط لا يعتمد؛ كما سبق.
(وشرطه) أي: المزكي (كشاهد مع معرفته الجرح والتعديل) لئلا يجرح العدل

وَخُبْرَةِ بَاطِنِ مَنْ يُعَدِّلُهُ لِصُحْبَةٍ أَوْ جِوَارٍ أَوْ مُعَامَلَةٍ، وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ لَفْظِ شَهَادَةٍ، وَأَنَّهُ يَكْفِي: (هُوَ عَدْلٌ)، وَقِيلَ: يَزِيدُ: (عَلَيَّ وَلِي)، وَيَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ الْجَرْحِ، وَتُعْتَمَدُ فِيهِ الْمُعَايَنَةُ أَوِ الاسْتِفَاضَةُ،

ويزكي الفاسق، (وخبرة باطن من يُعدِّله لصحبة أو جوار أو معاملة) لأن الإنسان يخفي عيوب نفسه غالبًا، فلا بدّ من خبرة باطنه، وهذه الأمور تظهر أحوال الشخص.
وأفهم: أنه لا يشترط في الجرح الخبرة الباطنة؛ فإنه لا يقبل إلا مفسرًا، قال الرافعي: وظاهر لفظ الشافعي يقتضي: اعتبار التقادم في المعرفة الباطنة، ويشبه أن شدة الفحص كالتقادم، فليس ذكر التقادم للاشتراط، بل لكون الغالب أن الباطن لا يعرف إلا به 1. (والأصح: اشتراط لفظ شهادة) فيقول: (أشهد أنه عدل)، كغيرها، والثاني: لا، بل يكفي (أعلم) و (أتحقق)، وهو شاذ.
(وأنه يكفي: "هو عدل") لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فأطلق العدالة، فإذا شهد أنه عدل.. فقد أثبت العدالة التي اقتضتها الآية، (وقيل: يزيد: "عليّ ولي") لجواز أن يكون عدلًا في شيء دون شيء، وهذا ما حكاه الروياني عن نص "الأم" و"المختصر"، وحكاه ابن الصباغ عن أكثر الأصحاب، ومن قال بالأول.. أوَّل النصَّ، وجعله تأكيدًا لا شرطًا.
(ويجب ذكر سبب الجرح) فيقول: (هو زان) أو (سارق) ونحو ذلك؛ لأن أسباب الجرح مختلف فيها، فلا بدّ من البيان؛ ليعمل القاضي باجتهاده.
(وتعتمد فيه) أي: في الجرح (المعاينة أو الاستفاضة) لأنهما يحصلان العلم؛ كما يشهد بالموت والنسب على الاستفاضة.
وأهمل المصنف السماع؛ بأن يسمعه يقذف، وقد ذكره في "المحرر" 2. وعلم من اكتفائه بالاستفاضة الاكتفاء بالتواتر من باب أولى، ولا يكفي أن يجرح بناء على خبر عدد يسير يشهد على شهادتهم بشرط الشهادة على الشهادة.

وَتُقَدَّمُ عَلَى التَّعْدِيلِ، فَإِنْ قَالَ الْمُعَدِّلُ: (عَرَفْتُ سَبَبَ الْجَرْحِ وَتَابَ مِنْهُ وَأَصْلَحَ).. قُدِّمَ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي التَّعْدِيلِ قَوْلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: (هُوَ عَدْلٌ وَقَدْ غَلِطَ).

(وتقدم) بينة الجرح (على التعديل) لأن التعديل بأمر ظاهر، والجرح بأمر باطن، فكانت أقوى؛ لأنها عَلِمت ما خفي على الأخرى.
(فإن قال المعدل: "عرفت سبب الجرح وتاب منه وأصلح".. قُدِّم) لأن مع المعدل والحالة هذه زيادةُ علم، وتقدّم بينة التعديل أيضًا فيما إذا شهد بجرحه ببلد ثم انتقل إلى غيره، فعدله آخران فيه؛ لأن العدالة طارئة على الجرح، والتوبة ترفع المعصية، كذا نقله في "البيان" عن الأصحاب 1. قال في "الذخائر": ولا يشترط اختلاف البلدين، بل لو كانا في بلد واختلف الزمان.. فكذلك، قال ابن الصلاح في "فتاويه": وينبغي أن يكون هذا مخصوصًا بما إذا كان من عدله عالمًا بما جرى من جرحه، وإلا.. فقد يكون مستصحبًا في ذلك أصل العدم 2. وقال ابن الرفعة: ينبغي أن يخص تقديم بينة التعديل بما إذا تخللت بينهما مدة الاستبراء، وإلا.. لم تقدم، قال الأَذْرَعي: وهو صحيح نص عليه الشافعي، وفي عبارة "الحاوي" إشارة إليه 3. (والأصح: أنه لا يكفي في التعديل قول المدّعى عليه: "هو عدل وقد غلط") فيما شهد به عليّ، بل لا بدّ من البحث والتعديل؛ لأن الاستزكاء حق الله تعالى، ولهذا لا يجوز الحكم بشهادة فاسق وإن رضي الخصم، والثاني: يكتفى به في الحكم على المدعى عليه بذلك؛ لأن الحق له وقد اعترف بعدالته.

بابُ القضاء على الغائب هُوَ جَائِزٌ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَادَّعَى الْمُدَّعِي جُحُودَهُ، فَإِنْ قَالَ: هُوَ مُقِرٌّ.. لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ أَطْلَقَ.. فَالأَصحُّ: أَنَّهَا تُسْمَعُ، وَأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْقَاضِيَ نَصْبُ مُسَخَّرٍ يُنْكِرُ عَنِ الْغَائِبِ، وَيَجِبُ أَنْ يُحَلِّفَهُ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ: أَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِ, وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ,

﴿باب القضاء على الغائب﴾ (هو جائز) لأن البينة على الغائب مسموعة بالاتفاق، فليجز الحكم بها؛ كالبينة المسموعة على الحاضر الساكت، وأيضًا فالحكم على الميت والصغير جائز، وهما أعجز عن الدفع من الغَيْبة، ولأن في المنع منه إضاعةَ الحقوق التي ندب الحكام إلى حفظها؛ فإنه لا يعجز الممتنع من الوفاء عن الغَيْبة، والشرع منع من ذلك.
(إن كان عليه بينة) لأن الدعوى لقصد ثبوت الحق، ولا طريق لثبوته في غيبته إلا بالبينة، (وادعى المدعي جحوده، فإن قال: "هو مقر".. لم تسمع بينته) لأنها لا تقام على مقر، (وإن أطلق) ولم يتعرض لجحوده ولا إقراره (.. فالأصح: أنها تسمع) لأنه قد لا يعلم جحوده في غيبته، ويحتاج إلى إثبات الحق، فتجعل غيبته كسكوته، والثاني: لا تسمع إلا عند التعرض للجحود؛ لأن البينة إنما يحتاج إليها عنده.
(وأنه لا يلزم القاضيَ نصب مسخر) بفتح الخاء المشددة (ينكر عن الغائب) لأنه قد يكون مقرًّا، فيكون إنكار المسخر كذبًا، والثاني: يلزمه؛ لتكون البينة على إنكار منكر.
وقضية كلامه: جواز النصب قطعًا، وقال الرافعي: إن مقتضى توجيه الأول: المنع أيضًا، وإن الذي أورده العبّادي وغيره التخيير بين النصب وعدمه 1. (ويجب أن يحلفه بعد البينة: أن الحق ثابت في ذمته)، وأنه يلزمه تسليمه؛ احتياطًا للمحكوم عليه؛ لأنه لو حضر.. لربما ادعى ما يبرئه، (وقيل: يستحب) لأنه يمكنه التدارك إن كان له دافع.

وَيَجْرِيَانِ فِي دَعْوَى عَلَى صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ. وَلَوِ ادَّعَى وَكِيلٌ عَلَى الْغَائِبِ.. فَلَا تَحْلِيفَ، وَلَوْ حَضَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَقَالَ لِوَكِيلِ الْمُدَّعِي: (أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُكَ).. أُمِرَ بِالتَّسْلِيمِ، وَإِذَا ثَبَتَ مَالٌ عَلَى غَائِبٍ وَلَهُ مَالٌ.. قَضَاهُ الْحَاكِمُ مِنْهُ، وَإِلَّا، فَإِنْ سَأَلَ الْمُدَّعِي إِنْهَاءَ الْحَالِ إِلَى قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ.. أَجَابَهُ، وَيُنْهِي سَمَاعَ بَيِّنَةٍ لِيَحْكُمَ بِهَا ثُمَّ يَسْتَوْفِيَ، أَوْ حُكْمًا لِيَسْتَوْفِيَ، وَالإِنْهَاءُ: أَنْ يُشْهِدَ عَدْلَيْنِ بِذَلِكَ.

(ويجريان في دعوى على صبي ومجنون) وميت ليس له وارث خاص، فإن كان.. حلف بسؤال الوارث، والوجوب في الصبي ونحوه هنا أولى؛ لعجزهم عن التدارك، بخلاف الغائب.
(ولو ادعى وكيل) الغائب (على الغائب.. فلا تحليف)، بل يحكم بالبينة ويعطي المال إن كان للمدعى عليه هناك مال؛ لأن الوكيل ليس له أن يحلف على فعل غيره.
(ولو حضر المدعى عليه وقال لوكيل المدعي: "أبرأني موكلك".. أمر بالتسليم) أي: إذا كان المدعى عليه حاضرًا، فادعى عليه وكيل صاحب الحق الغائب وأقام البينة، فقال المدعى عليه: (موكلك الغائب أبرأني)، وأراد التأخير إلى حضوره ليحلف.. لم يجب إليه، بل يؤمر بتسليم المدعى به، ثم يثبت الإبراء من بعدُ إن كان له به حجة؛ لأنا لو وقفنا الأمر إلى حضور الموكل.. لتعذر استيفاء الحقوق بالوكلاء.
وهذه المسألة ليست من تمام التي قبلها، ولا هي في الحقيقة من فروع هذا الباب.
(وإذا ثبت مال على غائب وله مال) حاضر (.. قضاه الحاكم منه) إذا طلبه المدعي؛ لأنه حق وجب عليه وتعذّر وفاؤه من جهةِ مَنْ عليه، فقام الحاكم مقامه؛ كما لو كان حاضرًا فامتنع، (وإلا) أي: وإن لم يكن له مال حاضر (؛ فإن سأل المدعي إنهاء الحال إلى قاضي بلد الغائب.. أجابه، وينهي سماع بينة) ثبت بها الحق عنده (ليحكم بها ثم يستوفي، أو حكمًا ليستوفي) مسارعةً إلى قضاء الحقوق.
(والإنهاء: أن يشهد عدلين بذلك) أي: بما جرى عنده؛ من ثبوت أو حكم يَخرُجان إلى ذلك البلد.

وَيُسْتَحَبُّ كِتَابٌ بِهِ وَيَذْكُرُ فِيهِ مَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ وَيَخْتِمُهُ, وَيَشْهَدَانِ عَلَيْهِ إِنْ أَنْكَرَ، فَإِنْ قَالَ: (لَسْتُ الْمُسَمَّى فِي الْكِتَابِ).. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ, وَعَلَى الْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ بأَنَّ هَذَا الْمَكْتُوبَ اسْمُهُ وَنَسَبُهُ، فَإِنْ أَقَامَهَا فَقَالَ: (لَسْتُ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ).. لَزِمَهُ الْحُكْمُ إِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُشَارِكٌ لَهُ فِي الاسْمِ وَالصِّفَاتِ، وَإِنْ كَانَ.. أُحْضِرَ، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِالْحَقِّ.. طُولِبَ وَتُرِكَ الأَوَّلُ، وَإِلَّا.. بَعَثَ إِلَى الْكَاتِبِ لِيَطْلُبَ مِنَ الشُّهُودِ زِيَادَةَ صِفَةٍ تُمَيِّزُهُ وَيَكْتُبُهَا ثَانِيًا

(ويستحب كتاب به)، ولا يجب؛ لأن الاعتماد على الشهادة، وفائدة الكتاب: تذكّرُ الشهودِ الحالَ.
(ويذكر فيه) أي: في الكتاب (ما يتميز به المحكوم عليه) من اسم، وكنية، وقبيلة، وضيعة 1، وحلية، وكذا المحكوم له؛ ليسهل التمييز، ويذكر أسماء شهود الكتاب وتاريخه، (ويختمه) ندبًا، حفظًا له، وإكرامًا للمكتوب إليه، ويكون الختم بعد أن يقرأه هو أو غيره بحضرته على الشاهدين، ويدفع إلى الشاهدين نسخة غير مختومة، ليطالعاها ويتذكرا عند الحاجة.
(ويشهدان عليه إن أنكر) أي: إذا وصل كتاب القاضي وحامله إلى قاضي بلد المكتوب إليه.. أحضر الخصم، فإن أقرّ بالمدعى به.. فذاك، وإلا.. شهد الشاهدان بحكم القاضي الكاتب.
(فإن قال: "لست المسمى في الكتاب".. صدق بيمينه) على أنه ليس المسمى فيه؛ لموافقته الأصلَ، (وعلى المدعي بينه بأنّ هذا المكتوبَ اسمُه ونسبُه، فإن أقامها) بأنه اسمه ونسبه (فقال: "لست المحكومَ عليه".. لزمه الحكم إن لم يكن هناك مشارك له في الاسم والصفات) لأن الظاهر أنه المحكوم عليه، (وإن كان) هناك من يشاركه وعرفه القاضي أو قامت به بينة (.. أحضر) المشارك له (؛ فإن اعترف بالحق.. طولب وترك الأول) لبيان الغلط فيه، (وإلا) أي: وإن أنكر (.. بعث) المكتوب إليه (إلى الكاتب) بما وقع من الإشكال (ليطلب من الشهود زيادةَ صفةٍ تميّزُه ويكتبُها ثانيًا)، فإن لم يجد مزيدًا.. وقف الأمر حتى ينكشف بتمييز شهود الأصل بالإشارة إليه.

وَلَوْ حَضَرَ قَاضِي بَلَدِ الْغَائِبِ بِبَلَدِ الْحَاكِمِ فَشَافَهَهُ بِحُكْمِهِ.. فَفِي إِمْضَائِهِ إِذَا عَادَ إِلَى وِلَايَتِهِ خِلَافُ الْقَضاءِ بِعِلْمِهِ، وَلَوْ نَادَاهُ فِي طَرَفَيْ وِلَايَتِهِمَا.. أَمْضَاهُ، وَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى سَمَاعِ بَيِّنَةٍ.. كَتَبَ: (سَمِعْتُ بَيِّنَةً عَلَى فُلَانٍ)، وَيُسَمِّيهَا إِنْ لَمْ يُعَدِّلْهَا، وَإِلَّا.. فَالأَصَحُّ: جَوَازُ تَرْكِ التَّسْمِيَةِ. وَالْكِتَابُ بِالْحُكْمِ يَمْضِي مَعَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ، وَبِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ لَا يُقْبَلُ عَلَى

(ولو حضر قاضي بلد الغائب ببلد الحاكم فشافهه بحكمه.. ففي إمضائه إذا عاد إلى ولايته خلافُ القضاءِ بعلمه)، فإن قلنا: نعم.. فنعم، وإن قلنا: لا.. فعن بعضهم تجويزهُ أيضًا، والأصح: المنع؛ كما لا يجوز الحكم بشهادة سمعها في غير محل ولايته؛ كذا قاله الرافعي، قال في "المهمات": وما ذكره من حكاية خلاف في الجواز إذا منعنا القضاء بالعلم.. لا وجه له، ولا نعلم أيضًا من حكاه، بل الذي وقفنا عليه في كتبهم إنما هو الجزم بالمنع 1. (ولو ناداه في طرفي ولايتهما) 2 وقال له: (إني حكمت بكذا) (.. أمضاه) لأنه أبلغ من الشهادة والكتاب.
(وإن اقتصر) القاضي الكاتب (على سماع بينة: كتب: "سمعت بينة على فلان"، ويسميها) ويرفع في نسبها (إن لم يعدّلها) ليبحث المكتوب إليه عن عدالتها ويحكم بها، قال الإمام: ونقل البينة بلا تعديل قريب من التعطيل؛ لأن أهل بلدهم أعرف بهم، لكنا مع ذلك نجوزه للحاجة 3. (وإلا) أي: وإن عدّلها (.. فالأصح: جواز ترك التسمية) اكتفاءً بتعديل الكاتب لها؛ كما يستغني عن تسمية الشهود إذا حكم، والثاني: المنع؛ لأن الآخر إنما يقضي بقولهم، والمذاهب مختلفة، فربما لا يرى القضاء بقولهم، ولا حاجة في هذا إلى تحليف المدعي.
(والكتاب بالحكم يمضي مع قرب المسافة) وبُعْدها، (وبسماع البينة لا يقبل على

الصَّحِيحِ إِلَّا فِي مَسَافَةِ قَبُولِ شَهَادَةٍ عَلَى شَهَادَةٍ.

فصلٌ [في بيان الدعوى بعين غائبة]

ادَّعَى عَيْنًا غَائِبَةً عَنِ الْبَلَدِ يُؤْمَنُ اشْتِبَاهُهَا كَعَقَارٍ وَعَبْدٍ وَفَرَسٍ مَعْرُوفَاتٍ.. سَمِعَ بَيِّنَتَهُ وَحَكَمَ بِهَا، وَكَتَبَ إِلَى قَاضِي بَلَدِ الْمَالِ لِيُسَلِّمَهُ لِلْمُدَّعِي، وَيَعْتَمِدُ فِي الْعَقَارِ حُدُودَهُ،

الصحيح إلا في مسافة قبول شهادة على شهادة)، وهي مسافة العدوى لا القصر على ما رجحاه هناك 1، وسيأتي ما فيه.
والفرق بينهما: أن الحكم هناك قديم، وليس بعده إلا الاستيفاء، وسماع البينة بخلافه؛ فإنه إذا لم تبعد المسافة.. لم يعسر إحضار الشهود عند القاضي الآخر، هذا ما أورده الجمهور، ومقابله لا يعرف.

(فصل: ادعى عينًا غائبةً عن البلد يؤمن اشتباهها؛ كعقار، وعبد، وفرس معروفات.. سمع بينته وحكم بها، وكتب إلى قاضي بلد المال ليسلمه للمدعي) كما يسمع البينة ويحكم على الغائب، ولا فرق في مسائل الفصل بين حضور المدعى عليه وغيبته، وإنما أدخله في الباب؛ نظرًا لغيبة المحكوم به.
وكان صواب العبارة أن يقول: (معروفِينَ) تغليبًا للعاقل، وهو العبد؛ كما عبرا به في "الشرح" و"المحرر" و"الروضة" 2؛ فإن القاعدةَ عند اجتماع العاقل وغيرِه تغليبُ العاقل.
(ويعتمد في العقار حدوده) الأربعة، فلا يجوز الاقتصار على ثلاثة؛ كذا جزم به في "أصل الروضة" كـ"الشرح الصغير"، ونقله في "الكبير" عن ابن القاص، لكن نقل في آخر (الأقضية) عن "فتاوى القفال" وغيره الاكتفاءَ بثلاثة حدود إن عرفت بها 3، ولا بدّ من ذكر البقعة والسكة.

أَوْ لَا يُؤْمَنُ.. فَالأَظْهَرُ: سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ، وَيُبَالِغُ الْمُدَّعِي فِي الْوَصْفِ وَيَذْكُرُ الْقِيمَةَ، وَأَنَّهُ لَا يَحْكُمُ بِهَا، بَلْ يَكْتُبُ إِلَى قَاضِي بَلَدِ الْمَالِ بمَا شَهِدَتْ بِهِ، فَيَأْخُذُهُ وَيَبْعَثُهُ إِلَى الْكَاتِبِ؛ لِيَشْهَدُوا عَلَى عَيْنِهِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يُسَلِّمُهُ إِلَى الْمُدَّعِي بِكَفِيلٍ بِبَدَنِهِ؛ فَإِنْ شَهِدُوا بِعَيْنِهِ.. كَتَبَ بِبَرَاءَةِ الْكَفِيلِ، وَإِلَّا.. فَعَلَى الْمُدَّعِي مُؤْنَةُ الرَّدِّ

هذا كله إذا توقف التعريف على ذلك، فلو حصل التعريف باسمٍ وُضِعَ لها لا يشاركها فيه غيرها؛ كدار الندوة بمكة.. كفى؛ كما جزم به الماوردي في (الدعاوى) 1. (أو لا يؤمن) اشتباهه؛ كغير المعروف من العبيد والدواب وغيرهما (.. فالأظهر: سماع البينة) على عينها وهي غائبة؛ لأن الصفة تميزها عن غيرها؛ كما يسمع على الشخص الغائب؛ اعتمادًا على الحلية والصفة، ولأن الحاجة داعية إلى إقامة الحجة عليها؛ كالعقار، والثاني: المنع؛ لكثرة الاشتباه.
(ويبالغ المدعي في الوصف) بما يمكن من الاستقصاء؛ ليحصل التمييز به ويبعد التوافق معه، وذلك في الغالب يحصل بنهاية الوصف، (ويذكر القيمة) لأنه لا يصير معلومًا إلا بها.
(وأنه لا يحكم بها) أي: بما قامت البينة عليه؛ لأن الحكم مع خطر الاشتباه والجهالة بعيد، والحاجة تندفع بسماع البينة والمكاتبة بها.
وهذا معطوف على (الأظهر) أي: إذا قلنا بسماع البينة.. ففي الحكم بها قولان، فيتحصل من ذلك ثلاثة أقوال: أظهرها: تسمع البينة ولا يحكم، وثانيها: لا تسمع، ولا يحكم، وثالثها: تسمع ويحكم.
ثم فرّع المصنف على الأظهر فقال: (بل يكتب إلى قاضي بلد المال بما شهدت به، فيأخذه) القاضي المكتوب إليه إن وجده بالصفة التي تضمنها الكتاب (ويبعثه إلى) القاضي (الكاتب؛ ليشهدوا على عينه) ليحصل اليقين.
(والأظهر: أنه يسلمه إلى المدعي بكفيل ببدنه) احتياطًا للمدعى عليه، حتى إذا لم يعينه الشهود.. طولب بردّه، (فإن شهدوا بعينه.. كتب ببراءة الكفيل، وإلا.. فعلى المدعي مؤنة الرد) وأجرة تلك المدة إن كان له منفعة، والعين مضمونة عليه حتى

أَوْ غَائِبَةً عَنِ الْمَجْلِسِ لَا الْبَلَدِ.. أُمِرَ بِإِحْضَارِ مَا يُمْكِنُ إِحْضَارُهُ لِيَشْهَدُوا بعَيْنِهِ. وَلَا تُسْمَعُ شَهَادَةٌ بِصِفَةٍ. وَإِذَا وَجَبَ إِحْضَارٌ فَقَالَ: (لَيْسَ بِيَدِي عَيْنٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ).. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ لِلْمُدَّعِي دَعْوَى الْقِيمَةِ، فَإِنْ نَكَلَ فَحَلَفَ الْمُدَّعِي أَوْ أَقَامَ: بَيِّنَةً.. كُلِّفَ الإِحْضَارَ وَحُبِسَ عَلَيْهِ، وَلَا يُطْلَقُ إِلَّا بِإِحْضَارٍ أَوْ دَعْوَى تَلَفٍ

يردها إلى من قبضها منه، نقله ابن الرفعة عن البَنْدَنيجي وأقره، ومقابل الأظهر: أن القاضي بعد الانتزاع يبيعه للمدعي، ويقبض منه الثمن، ويضعه عند عدل، أو يكفله بالثمن، فإن سلم له بالشهادة على عينه عند القاضي الكاتب.. كتب برد الثمن أو براءة الكفيل، وبان بطلان البيع، وإلا.. فالبيع صحيح، ويسلم الثمن إلى المدعى عليه، وهذا بيع يتولاه القاضي للمصلحة؛ كما يبيع الضوال.
(أو غائبةً عن المجلس لا البلدِ.. أمر بإحضار ما يمكن إحضاره؛ ليشهدوا بعينه) لتيسر ذلك، والفرق بينه وبين الغائب: بُعْد الشُّقة 1، وكثرة المشقة.
واحترز بقوله: (ما يمكن): عما لا يمكن إحضاره؛ كالعقار؛ فيحده المدعي ويقيم البينة عليه بتلك الحدود.
(ولا تسمع شهادة بصفة) لعين غائبة عن مجلس الحكم دون البلد؛ كما لا تسمع في غيبة المدعى عليه عن المجلس.
(وإذا وجب إحضار فقال: "ليس بيدي عين بهذه الصفة".. صدق بيمينه) لأن الأصل عدم عين بيده بهذه الصفة، وتكون يمينه على حسب جوابه.
(ثم للمدعي) بعد حلف المدعى عليه (دعوى القيمة) إن كانت العين متقومة، وإلا.. دعوى المثل؛ لاحتمال أنها هلكت، (فإن نكل) المدعى عليه عن اليمين (فحلف المدعي أو أقام بينة) بأن العين الموصوفة كانت بيده (.. كلف الإحضار) ليشهدوا على عينه، (وحبس عليه) إن امتنع من إحضاره بلا عذر؛ لأنه حق واجب عليه، (ولا يطلق إلا بإحضار أو دعوى تلف)، فيؤخذ منه البدل، وتقبل دعواه التلفَ وإن ناقض قوله الأول؛ للضرورة؛ لأنه قد يكون صادقًا، فلو لم يقبل قوله.. لخلد حبسه.

وَلَوْ شَكَّ الْمُدَّعِي هَلْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ فَيَدَّعِي قِيمَةً أَمْ لَا فَيَدَّعِيهَا؟ فَقَالَ: (غَصَبَ مِنِّي كَذَا، فَإِنْ بَقِيَ.. لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَإِلَّا.. فَقِيمَتُهُ).. سُمِعَتْ دَعْوَاهُ، وَقِيلَ: لَا، بَلْ يَدَّعِيهَا وَيُحَلِّفُهُ ثُمَّ يَدَّعِي الْقِيمَةَ، وَيَجْرِيَانِ فِيمَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ لِدَلَّالٍ لِيَبيعَهُ فَجَحَدَهُ وَشَكَّ هَلْ بَاعَهُ فَيَطْلُبُ الثَّمَنَ، أَمْ أَتْلَفَهُ فَقِيمَتَهُ، أَمْ هُوَ بَاقٍ فَيَطْلُبُهُ؟ وَحَيْثُ أَوْجَبْنَا الإِحْضَارَ فَثَبَتَ لِلْمُدَّعِي.. اسْتَقَرَّتْ مُؤْنَتُهُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَإِلَّا.. فَهِيَ وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى الْمُدَّعِي

(ولو شك المدعي هل تلفت العين فيدعي قيمة أم لا فيدعيها؟ فقال: "غصب مني كذا، فإن بقي.. لزمه رده، وإلا.. فقيمته") إن كان متقومًا (.. سمعت دعواه) مع التردد، للحاجة، فعلى هذا: يحلف أنه لا يلزمه رد العين ولا قيمتها، (وقيل: لا) لأنها غير جازمة، (بل يدعيها ويحلفه) عليها (ثم يدعي القيمة) إن كانت متقومة، وإلا.. فالمثل.
(ويجريان فيمن دفع ثوبه لدلال ليبيعه فجحده وشك هل باعه فيطلب الثمن، أم أتلفه فقيمته، أم هو باق فيطلبه؟ )، فعلى الأصح: يدعي أن عليه ردَّ الثوب أو ثمنَه إن كان باعه وأخذ ثمنه، أو قيمته إن كان أتلفه، ويحلف الخصم يمينًا واحدة أنه لا يلزمه تسليم الثوب ولا ثمنه ولا قيمته، وعلى الثاني: يدعي العينَ في دعوى والثمنَ في أخرى والقيمةَ في أخرى.
فلو نكل المدعى عليه عن اليمين.. هل يحلف المدعي على التردد - كما في الدعوى - أم لا بدّ من التعيين في اليمين؟ حكى الرافعي في (الدعاوى) عن الإمام فيه وجهين 1. (وحيث أوجبنا الإحضار فثبت للمدعي.. استقرت مؤنته) لأجل إحضاره (على المدعى عليه) لأنه المحوج إلى ذلك، (وإلا.. فهي) أي: مؤنة الإحضار (ومؤنة الرد على المدعي) لأنه المحوج إليه.

فصلٌ [في بيان من يحكم عليه في غيبته وما يذكر معه]

الْغَائِبُ الَّذِي تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ وُيُحْكَمُ عَلَيْهِ: مَنْ بِمَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، وَهِيَ الَّتِي لَا يَرْجِعُ مِنْهَا مُبَكِّرٌ إِلَى مَوْضِعِهِ لَيْلًا، وَقِيلَ: مَسَافَةُ قَصْرٍ، وَمَنْ بِقَرِيبَةٍ كَحَاضِرٍ.. فَلَا تُسْمَعُ بَيِّنَةٌ وَيُحْكَمُ بِغَيْرِ حُضُورِهِ إِلَّا لِتَوَارِيهِ أَوْ تَعَزُّزِهِ، وَالأَظْهَرُ: جَوَازُ الْقَضَاءِ عَلَى غَائِبٍ فِي قِصَاصٍ وَحَدِّ قَذْفٍ، وَمَنْعُهُ فِي حَدِّ اللهِ تَعَالَى. وَلَوْ سَمِعَ: بَيِّنَةً عَلَى غَائِبٍ فَقَدِمَ قَبْلَ الْحُكْمِ.. لَمْ يَسْتَعِدْهَا،

(فصل: الغائب الذي تسمع البينة ويحكم عليه: من بمسافة بعيدة) لأن القريب يسهل إحضاره، (وهي) أي: المسافة البعيدة (التي لا يرجع منها مبكرٌ إلى موضعه ليلًا) 1 لما في إيجاب الحضور عليه من المشقة الحاصلة بمفارقة الأهل والوطن في الليل، فإن كان يرجع.. فقريبة، (وقيل: مسافة قصر) اعتبارًا بالعادة، فإن كان دون ذلك.. لم يحكم إلا بحضوره.
(ومن بقريبة؛ كحاضر.. فلا تسمعُ بينة ويحكمُ بغير حضوره) 2، بل يحضره ليأتي بمطعن إن أمكنه، بخلاف البعيد؛ فإن انتظاره يطول, (إلا لتواريه أو تعززه) فإنها تسمع ويحكم عليه؛ لتعذر الوصول إليه كالغائب، وإلا.. لاتخذ الناس ذلك ذريعة إلى إبطال الحقوق.
(والأظهر: جواز القضاء على غائب في قصاص وحد قذف) لأنه حق آدمي، فأشبه المال، (ومنعه في حد الله تعالى) كالزنا؛ لأنه مبني على الدرء والمسامحة؛ لاستغنائه، بخلاف حق الآدمي؛ فإنه مبني على الضيق؛ لاحتياجه، والثاني: الجواز مطلقًا؛ كالأموال، فيكتب إلى قاضي بلد المشهود عليه لياخذ بالعقوبة، والثالث: المنع مطلقًا؛ لحظر الدماء، والحد يُسعى في دفعه، ولا يُوسَّع بابه، وحقوقُ الله تعالى الماليةُ كحقوق الآدميين على المذهب.
(ولو سمع بينة على غائب فقدم قبل الحكم.. لم يستعدها) أي: لا يجب أن

بَلْ يُخْبِرُهُ وَيُمَكِّنُهُ مِنْ جَرْحٍ، وَلَوْ عُزِلَ بَعْدَ سَمَاعِ: بَيِّنَةٍ ثُمَّ وُلِّيَ.. وَجَبَتِ الاسْتِعَادَةُ. وَإِذَا اسْتُعْدِيَ عَلَى حَاضِرٍ بِالْبَلَدِ.. أَحْضَرَهُ بِدَفْعِ خَتْمِ طِينٍ رَطْبٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ بِمُرَتَّبٍ لِذَلِكَ، فَإِنِ امْتَنَعَ بِلَا عُذْرٍ.. أَحْضَرَهُ بِأَعْوَانِ السُّلْطَانِ وَعَزَّرَهُ، أَوْ غَائِبٍ فِي غَيْرِ وِلَايَتِهِ.. فَلَيْسَ لَهُ إِحْضَارُهُ، أَوْ فِيهَا وَلَهُ هُنَاكَ نَائِبٌ.. لَمْ يُحْضِرْهُ، بَلْ يَسْمَعُ بَيِّنَةً وَيَكْتُبُ إِلَيْهِ، أَوْ لَا نَائِبَ.. فَالأَصَحُّ: يُحْضِرُهُ

يستعيدها (بل يخبره) بالحال (ويمكّنه من جرح) ويمهل في ذلك ثلاثة أيام، وإن قدم بعد الحكم.. فهو على حجته في إقامة البينة بالأداء أو الإبراء وجرح الشهود، ويشترط أن يؤرخ الجارح فسقه بيوم الشهادة؛ لأنه إذا أطلق.. احتمل حدوثه بعد الحكم.
(ولو عزل بعد سماع بينة ثم ولي.. وجبت الاستعادة)، ولا يحكم بالسماع الأول؛ لبطلانها بالعزل.
(وإذا استُعدي على حاضر بالبلد) أهلٍ للجواب (.. أحضره بدفع ختم طين رطب أو غيره) ليعرضه على الخصم، وليكن مكتوبًا عليه: (أجب القاضي)، هذا إذا جرت به عادة؛ كما قاله في "الكفاية" 1، وإنما ذكر الأصحاب ذلك؛ لأنه كان عادةَ قضاة السلف، وقد هجر ذلك، وجعلوا الكتابة في الكاغد، وهو أولى، (أو بمرتب لذلك)، وهم الأعوان الذين يسمَّون في زمننا بالرسل، وسواء عرف القاضي أن بينهما معاملةً أم لا؛ صيانة للحقوق، ولاحتمال أن له عليه حقًّا بجهة إرث أو إتلاف.
(فإن امتنع بلا عذر.. أحضره بأعوان السلطان وعزّره) بما يراه، وله العفو إن رآه، وإن امتنع لعذر؛ كمرض ونحوه.. بعث إليه من يحكم بينه وبين خصمه، أو يأمره بنصب وكيل ليخاصم عنه.
(أو غائبٍ في غير) محل (ولايته.. فليس له إحضاره) لانتفاء ولايته عليه، (أو فيها وله هناك نائب.. لم يحضره، بل يسمع بينة ويكتب إليه) لأن في إحضاره مشقةً مع إمكان الحكم في ذلك الموضع الذي هو فيه، (أو لا نائبَ.. فالأصح: يحضره

مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى فَقَطْ، وَهِيَ الَّتِي يَرْجِعُ مِنْهَا مُبَكِّرٌ لَيْلًا، وَأَنَّ الْمُخَدَّرَةَ لَا تُحْضَرُ، وَهِيَ مَنْ لَا يَكْثُرُ خُرُوجُهَا لِحَاجَاتٍ.

من مسافة العدوى فقط، وهي التي يرجع منها مبكر ليلًا) إلى موضعه، فإن كان فوق ذلك.. لم يستحضره، والثاني: إن كان دون مسافة القصر.. أحضره، وإلا.. فلا، والثالث: يحضره قربت المسافة أم بعدت.
نعم؛ له أن يبعث إلى بلد المطلوب من يحكم بينه وبين المستدعي، وهو ما نقله الماوردي عن الأكثرين، وحكاه في "الكفاية" عن ظاهر النص، وظاهر كلام "الروضة" و"أصلها": ترجيحه؛ فإنهما نقلا ترجيحه عن العراقيين، ونقلا الأول عن الإمام فقط 1. (وأن المخدرة لا تحضر) صرفًا للمشقة عنها؛ كالمريض، (وهي من لا يكثر خروجها لحاجات) متكررة؛ كشراء قطن وخبز، وبيع غزل ونحوها، ولا يضر خروجها نادرًا لعزاء وزيارة وحمام، وإذا لم يحضرها.. فقيل: يبعث الحاكم من يحكم بينهما، وكلام الرافعي يقتضيه؛ فإنه جعلها كالمريض، وحكى القاضي الحسين عن النصّ: أنها تؤمر بالتوكيل، فإن توجهت عليها يمين.. أنفذ إليها من يحلفها، قال ابن الرفعة: وكلا الأمرين جائز عند الجمهور 2، والوجه الثاني: يحضرها كغيرها.

بابُ القِسْمَة قَدْ يَقْسِمُ الشُّرَكَاءُ أَوْ مَنْصُوبُهُمْ أَوْ مَنْصُوبُ الإِمَامِ، وَشَرْطُ مَنْصُوبِهِ: ذَكَرٌ، حُرٌّ، عَدْلٌ، يَعْلَمُ الْمِسَاحَةَ وَالْحِسَابَ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا تَقْوِيمٌ.. وَجَبَ قَاسِمَانِ،

﴿باب القسمة﴾ هي بكسر القاف.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾، وقسمتُه صلى الله عليه وسلم الغنائمَ 1، والحاجة داعية إليها؛ ليتمكنَ كل واحد من الشركاء من التصرف في ملكه على الكمال، ويتخلصَ من سوء المشاركة واختلاف الأيدي.
(قد يقسم الشركاء، أو منصوبهم، أو منصوب الإمام) لحصول المقصود بكل واحد من ذلك.
(وشرط منصوبه) أي: الإمام (ذكر، حر، عدل) لأنه يلزم كالحاكم (يعلم المساحة والحساب) لأنهما آلة القسمة؛ كما أن الفقه آلة القضاء، وهل يشترط معرفة التقويم؟ فيه وجهان، قال في "المهمات": والراجح: أنه ليس بشرط، وبه صرح البَنْدَنيجي والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ؛ فجعلوه مستحبًّا 2. وخرج بـ (منصوبه): منصوب الشركاء؛ فلا يشترط فيه ذلك، بل يجوز أن يكون عبدًا وفاسقًا؛ لأنه وكيل لهم.
(فإن كان فيها تقويم.. وجب قاسمان) لأن التقويم لا يثبت إلا باثنين، قال ابن الرفعة: وقضية هذا: أن الحاكم لو فوض لواحد سماع البينة بالتقويم وأن يحكم.. أنه لا يكفي، وقد قال الإمام: إن ذلك سائغ، كذا حكاه الأَذْرَعي وابن الملقن عنه، وأقراه 3، وهذا عين قول المصنف بعدُ: (وللإمام جعل القاسم حاكمًا في التقويم،

وَإِلَّا.. فَقَاسِمٌ، وَفِي قَوْلٍ: اثْنَانِ، وَلِلإِمَامِ جَعْلُ الْقَاسِمِ حَاكِمًا فِي التَّقْوِيمِ فَيَعْمَلُ فِيهِ بِعَدْلَيْنِ، وَيُقْسِمُ. وَيَجْعَلُ الإِمَامُ رِزْقَ مَنْصُوبِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ.. فَأُجْرَتُهُ عَلَى الشُّرَكَاءِ، فَإِنِ اسْتَأْجَرُوهُ وَسَمَّى كُلٌّ قَدْرًا.. لَزِمَهُ، وَإِلَّا.. فَالأُجْرَةُ مُوَزَّعَةٌ عَلَى الْحِصَصِ، وَفِي قَوْلٍ: عَلَى الرُّؤُوسِ

فيعمل فيه بعدلين، ويقسم) فيما يظهر، فليتأمل.
(وإلا) أي: وإن لم يكن فيها تقويم (.. فقاسم) كالكيال والوزّان من جهة استناده إلى عمل، (وفي قول: اثنان) كالمقومين والمجتهدين في جزاء الصيد.
ومأخذ الوجهين: أنه حاكم أو شاهد، والراجح: الأول.
(وللإمام جعل القاسم حاكمًا في التقويم، فيعمل فيه بعدلين، ويقسم) بنفسه، وهذا كالمستثنى من شرط العدد.
(ويجعل الإمام رزق منصوبه من بيت المال) لأنه من المصالح، (فإن لم يكن) فيه مال، أو كان ولكن كان ثَمّ مصرفٌ أهمُّ من ذلك (.. فأجرته على الشركاء) لأنه يعمل لهم، وفُرِّق بينه وبين القاضي؛ حيث لا يجوز له أخذ أجرة على الحكم: بأن القضاء حق الله تعالى، والقسمة من حقوق الآدميين المتمحضة.
وقضية هذا الفرق: أن للقاضي أخذَ الأجرة إذا قسم بينهم، وفيه نظر.
(فإن استأجروه وسمّى كل قدرًا.. لزمه) سواء تساووا فيه أو تفاضلوا، (وإلا) أي: وإن سموا له أجرة، ولم يسم كل واحد ما يخصه، بل أطلقوا (.. فالأجرة موزعة على الحصص) لأنها من مؤن الملك؛ كنفقة المشترك، (وفي قول: على الرؤوس) لأن عمله في الحساب والمساحة يقع لهم جميعًا، وقد يكون الحساب في الجزء القليل أغمض.
ومنهم من قطع بالأول، وهو ما صححه في "أصل الروضة" 1؛ إذ قد يكون له سهم من ألف سهم، فلو ألزم نصف الأجرة.. فربما استوعب قيمة نصيبه، وهو مدفوع في العقول، هذا في غير قسمة التعديل، أما فيها.. فإنها توزع بحسب المأخوذ قلة أو كثرة، لا بحسب الحصص على الأصح؛ لأن العمل في الكثير أكثر.

ثُمَّ مَا عَظُمَ الضَّرَرُ فِي قِسْمَتِهِ كَجَوْهَرَةٍ وَثَوْبٍ نَفِيسَيْنِ وَزَوْجَيْ خُفٍّ؛ إِنْ طَلَبَ الشُّرَكَاءُ كُلُّهُمْ قِسْمَتَهُ.. لَمْ يُجِبْهُمُ الْقَاضِي، وَلَا يَمْنَعُهُمْ إِنْ قَسَمُوا بِأَنْفُسِهِمْ إِنْ لَمْ تبطُلْ مَنْفَعَتُهُ كَسَيْفٍ يُكْسَرُ، وَمَا يَبْطُلُ نَفْعُهُ الْمَقْصُودُ كَحَمَّامٍ وَطَاحُونٍ صَغِيرَيْنِ.. لَا يُجَابُ طَالِبُ قِسْمَتِهِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ أَمْكَنَ جَعْلُهُ حَمَّامَيْنِ.. أُجِيبَ، وَلَوْ كَانَ لَهُ عُشْرُ دَارٍ لَا تَصلُحُ لِلسُّكْنَى وَالْبَاقِي لآخَرَ.. فَالأَصَحُّ: إِجْبَارُ صَاحِبِ الْعُشْرِ بِطَلَبِ صَاحِبهِ دُونَ عَكْسِهِ. وَمَا لَا يَعْظُمُ ضَرَرُهُ فَقِسْمَتُهُ أَنْوَاعٌ: أَحَدُهَا: بِالأَجْزَاءِ

(ثم ما عظم الضرر في قسمته؛ كجوهرة وثوب نفيسين وزوجي خف؛ إن طلب الشركاء كلهم قسمته.. لم يجبهم القاضي) إذا كانت تبطل منفعته بالكلية، ويمنعهم أن يقسموا لأنفسهم أيضًا؛ لأنه سفه.
(ولا يمنعهم إن قسموا بأنفسهم إن لم تبطل منفعته) بالكلية (؛ كسيف يكسر)، ولا يجيبهم إلى ذلك على الأصح.
(وما يبطل نفعه المقصود؛ كحمّام وطاحون 1 صغيرين.. لا يجاب طالب قسمته) جبرأ (في الأصح) لما فيه من الضرر للآخر، وفي الحديث: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ"، رواه مالك وغيره 2، والثاني: يجاب إن انتفع به بعد القسمة بوجه ما.
(فإن أمكن جعله حمامين) أو طاحونين (.. أجيب) وأجبر الممتنع؛ إذ لا ضرر فيه، ولو احتاج إلى إحداث بئر أو مستوقد.. أجبر أيضًا على الأصح؛ لتيسر التدارك.
(ولو كان له عشر دار لا تصلح للسكنى والباقي لآخر.. فالأصح: إجبار صاحب العشر بطلب صاحبه) لأن الطالب ينتفع بها، وضرر صاحب العشر لا ينشأ من مجرد القسمة، بل سببه قلة نصيبه، والثاني: المنع؛ لضرر شريكه، (دون عكسه) لأنه مضيع لماله متعنت، والثاني: يجبر؛ ليتميز ملكه.
(وما لا يعظم ضرره فقسمته أنواع: أحدها: بالأجزاء) وتسمى: قسمة

كَمِثْلِيٍّ، وَدَارٍ مُتَّفِقَةِ الأَبْنِيَةِ، وَأَرْضٍ مُشْتَبِهَةِ الأَجْزَاءِ، فَيُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ، فَتُعَدَّلُ السِّهَامُ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا أَوْ ذَرْعًا بِعَدَدِ الأَنْصِبَاءِ إِنِ اسْتَوَتْ، وَيُكْتَبُ فِي كُلِّ رُقْعَةٍ اسْمُ شَرِيكٍ أَوْ جُزْءٌ مُمَيَّزٌ بِحَدٍّ أَوْ جِهَةٍ، وَتُدْرَجُ فِي بَنَادِقَ مُسْتَوِيَةٍ، ثُمَّ يُخْرِجُ مَنْ لَمْ يَحْضرْهَا رُقْعَةً عَلَى الْجُزْءِ الأَوَّلِ إِنْ كَتَبَ الأَسْمَاءَ، فَيُعْطِي مَنْ خَرَجَ أسْمُهُ، أَوْ عَلَى اسْمِ زَيْدٍ إِنْ كَتَبَ الأَجْزَاءَ،

الأجزاء، وقسمة المتشابهات (كمثلي) كالحبوب والنقود، (ودار متفقة الأبنية، وأرض مشتبهة الأجزاء، فيجبر الممتنع) على هذه القسمة، سواء استوت الأنصباء أم تفاوتت؛ لينتفع الطالب بماله على الكمال ويتخلص من سوء المشاركة، مع أنه لا ضرر فيها على الشريك؛ كما لو اختلط له درهم بعشرة.
(فتعدل السهام كيلًا) في المكيل (أو وزنًا) في الموزون (أو ذرعًا) في المذروع؛ كالأرض المتساوية (بعدد الأنصباء إن استوت) كما إذا كانت بين ثلاثة أثلاثًا.. فتجعل ثلاثة أجزاء، ثم تؤخذ ثلاث رقاع متساوية، (ويكتب في كل رقعة اسم شريك) من الشركاء (أو جزء) من الأجزاء (مميز بحد أو جهة) أو غيرهما، (وتدرج في بنادق مستوية) وزنًا وشكلًا من طين مجفف أو شمع، ويجعل في حجر من لم يحضر الكتابة والإدراج، فإن كان صبيًّا أو أعجميًّا.. كان أولى؛ لأن القصد سترها عن المخرِج حتى لا يتوجه إليه تهمة.
وإنما ذكر التساوي في البنادق؛ لأنها لو اختلفت.. لسبقت الكبيرة إلى اليد، وفيه ترجيح لصاحبها.
(ثم يخرج من لم يحضرها) أي: لم يحضر هذه الأمور المذكورة (رقعة على الجزء الأول إن كتب الأسماء) في الرقاع، (فيعطي من خرج اسمه)، ثم يؤمر بإخراج أخرى على الجزء الذي يليه، فمن خرج اسمه من الآخرين.. أخذه، ويتعين الثالث للثالث، ويقاس على هذا المثال، (أو على اسم زيد إن كتب الأجزاء) أي: وإن كتب في الرقاع أسماء الأجزاء.. أخرجت رقعة باسم زيد مثلًا، ثم أخرى باسم عمرو، ويتعين الثالث للثالث، والاعتبارُ في البداءة بواحد من الشركاء والأجزاء منوطٌ بنظر القاسم، فيقف على أي طرف شاء، ويسمي من شاء.

فَإِنِ اخْتَلَفَتِ الأَنْصِبَاءُ كَنِصْفٍ وَثُلُثٍ وَسُدُسٍ.. جُزِّئَتِ الأَرْضُ عَلَى أَقَلِّ السِّهَامِ وَقُسِّمَتْ كَمَا سَبَقَ، وَيَحْتَرِزُ عَنْ تَفْرِيقِ حِصَّةِ وَاحِدٍ. الثَّانِي: بِالتَّعْدِيلِ كَأَرْضٍ تَخْتَلِفُ قِيمَةُ أَجْزَائِهَا بِحَسَبِ قُوَّةِ إِنْبَاتٍ وَقُرْبِ مَاءٍ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهَا فِي الأَظْهَرِ، وَلَوِ اسْتَوَتْ قِيمَةُ دَارَيْنِ أَوْ حَانُوتَيْنِ فَطَلَبَ جَعْلَ كُلٍّ لِوَاحِدٍ.. فَلَا إِجْبَارَ، أَوْ عَبيدٍ أَوْ ثِيَابٍ مِنْ نَوْعٍ.. أُجْبِرَ، أَوْ نَوْعَيْنِ.. فَلَا

(فإن اختلفت الأنصباء؛ كنصف وثلث وسدس.. جزئت الأرض على أقل السهام)، فتجزأ في مثاله ستة أجزاء، (وقسمت كما سبق، ويحترز عن تفريق حصة واحد).
قوله: (ويحترز عن تفريق حصة واحد): يحتمل أنه احترز به عن كتابة الأجزاء في الرقاع؛ فإنه إذا كتبها وأخرجت على الأسماء.. ربما خرج لصاحب السدس الجزء الثاني أو الخامس، فيفرق ملك من له النصف أو الثلث، فيتعين حينئذ كتابة الأسماء وهو وجه، والأصح: الجواز، وقوله: (وقسمت كما سبق): يقتضيه، ولكن الأولى أن تكتب الأسماء دون الأجزاء؛ لما ذكرناه.
وطريق الاحتراز عن تفريق حصة واحد حينئذ: ألا يخرج اسم صاحب السدس أولًا؛ فإن التفريق إنما جاء من قِبله.
النوع (الثاني: بالتعديل؛ كأرض تختلف قيمة أجزائها بحسب قوة إنبات وقرب ماء) ونحو ذلك مما يرفع قيمة أحد الطرفين على الآخر، فيكون ثلثها لجودته مثل ثلثيها بالقيمة مثلًا، فيجعل هذا سهمًا وهذا سهمًا إن كانت بينهما نصفين، وإن اختلفت الأنصباء؛ كنصف وثلث وسدس.. جعلت ستة أسهم بالقيمة دون المساحة.
(ويجبر عليها في الأظهر) إلحاقًا للتساوي في القيمة بالتساوي في الأجزاء، والثاني: لا؛ لاختلاف الأغراض والمنافع.
(ولو استوت قيمة دارين أو حانوتين فطلب جعل كل لواحد.. فلا إجبار)، سواء تجاورا أو تباعدا؛ لتفاوت الأغراض باختلاف المحال والأبنية، (أو عبيد أو ثياب) أو دوابَّ (من نوع.. أجبر) لقلة الأغراض فيها، بخلاف الدور، (أو نوعين) كعبدين؛ تركي وهندي، وثوبين؛ أَبْرَيسم وكتان، أو جنسين؛ كعبد وثوب (.. فلا) إجبار؛

الثَّالِثُ: بِالرَّدِّ؛ بِأَنْ يَكُونَ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ بِئْرٌ أَوْ شَجَرٌ لَا تُمْكِنُ قِسْمَتُهُ، فَيَرُدُّ مَنْ يَأْخُذُهُ قِسْطَ قِيمَتِهِ، وَلَا إِجْبَارَ فِيهِ، وَهُوَ بَيْعٌ، وَكَذَا التَّعْدِيلُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِسْمَةُ الأَجْزَاءِ إِفْرَازٌ فِي الأَظْهَرِ

لشدة تعلق الأغراض بكل جنس وبكل نوع، وإنما يقسم مثل هذا بالتراضي.
النوع (الثالث: بالرد؛ بأن يكون في أحد الجانبين بئر أو شجر لا تمكن قسمته، فيرد من يأخذه قسط قيمته) كما إذا كانت قيمةُ كل جانب ألفًا وقيمةُ البئر أو الشجر ألفًا فاقتسما.. رد آخذ ما فيه البئر أو الشجر خمسَ مئة.
(ولا إجبار فيه) أي: في هذا النوع؛ لأنه دخله ما لا شركة فيه، وهو المال المردود، فإذا تراضيا على قسمة الرد.. جاز أن يتفقا على من يأخذ النفيس يرد، ويجوز أن يحكِّما القرعة؛ ليرد من خرج له النفيس.
(وهو) أي: هذا النوع، وهو قسمة الرد (بيع) لوجود حقيقته، وهو مقابلة المال بالمال، فيثبت فيها أحكام البيع؛ من الخيار والشفعة وغيرهما، إلا أنها لا تفتقر إلى لفظ التمليك والقبول.
(وكذا التعديل على المذهب) لأن كل جزء مشترك بينهما، وإنما دخلها الإجبار؛ للحاجة؛ كما يبيع الحاكم مال المديون جبرًا، والطريق الثاني: طرد القولين في قسمة الأجزاء.
(وقسمة الأجزاء إفراز في الأظهر) لأنها لو كانت بيعًا.. لما دخلها الإجبار ولما جاز الاعتماد على القرعة، ومعنى الإفراز: أن القسمة تبين أن ما خرج لكل واحد منهما هو الذي ملكه؛ كالمال الثابت في الذمة يتعين بالقبض وإن لم تكن العين المقبوضة دينًا، ولا نجعلها عوضًا عن الدين؛ إذ لو قدرنا ذلك.. لما صح قبض المسلَم فيه من جهة امتناع الاعتياض عنه، والثاني: أنها بيع؛ لأن ما من جزء من المال إلا وكان مشتركًا بينهما، فإذا اقتسما.. فكأنه باع كل منهما ما كان له في حصة صاحبه بما له في حصته، وصححه الشيخان في أوائل (باب الربا)، وفي (باب زكاة المعشرات) 1.

وَيُشْتَرَطُ فِي الرَّدِّ الرِّضَا بَعْدَ خُرُوجِ الْقُرْعَةِ. وَلَوْ تَرَاضَيَا بِقِسْمَةِ مَا لَا إِجْبَارَ فِيهِ.. اشْتُرِطَ الرِّضَا بَعْدَ الْقُرْعَةِ فِي الأَصَحِّ، كَقَوْلِهِمَا: (رَضِينَا بِهَذِهِ الْقِسْمَةِ)، أَوْ (بِمَا أَخْرَجَتْهُ الْقُرْعَةُ). وَلَوْ ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ غَلَطٌ أَوْ حَيْفٌ فِي قِسْمَةِ إِجْبَارٍ.. نُقِضَتْ،

(ويشترط في الرد: الرضا بعد خروج القرعة) لأنها بيع، والبيع لا يحصل بالقرعة، فافتقر إلى التراضي بعد خروجها.
(ولو تراضيا بقسمة ما لا إجبار فيه.. اشترط الرضا بعد خروج القرعة في الأصح)، هذه العبارة فيها خلل من وجهين: أحدهما: أن ما لا إجبار فيه هو قسمة الرد فقط، وقد ذكرها قبلها بلا فاصلة، وجزم باشتراط الرضا، فلزم التكرار مع جزمهِ أولًا وحكايةِ الخلاف ثانيًا، الثاني: أنه عكس ما في "المحرر"؛ فإنه لم يذكر فيه هذا الخلاف إلا في قسمة الإجبار، فقال: (والقسمة التي يجبر عليها إذا جرت بالتراضي.. هل يعتبر تكرار الرضا بعد خروج القرعة؟ فيها وجهان، رجح منهما التكرير) 1. والظاهر: أن ما وقع في "الكتاب" سبق قلم، ولعله أراد أن يكتب: (ما الإجبار فيه) بالألف واللام، ثم أسقط الألف، فقرئت: (ما لا إجبار فيه)، فالصواب: إثباتُ الألف وقراءتُها: (ما الإجبار فيه)، وبه يزول إشكال التكرار والتناقض والتعاكس، والخلاف في هذه المسألة كالخلاف فيما إذا حكما رجلًا فحكم بينهما؛ هل يكفي الرضا الأول أم لا؟ (كقولهما: "رضينا بهذه القسمة"، أو "بما أخرجته القرعة") لأن الرضا أمر خفي، فوجب أن يناط بأمر ظاهر يدل عليه.
(ولو ثبت ببينة غلط أو حيف في قسمة إجبار.. نقضت) كما لو قامت بينة على ظلم القاضي وكذب الشهود.
ولو حذف لفظ (البينة).. لكان أخصر وأشمل؛ لتناوله ما إذا ثبت ذلك بإقرار الخصم، أو باليمين المردودة، أو بعلم القاضي الحاكم.. فكل ذلك يثبت به، وليس ببينة.

فَإِنْ لَمْ تَكُنْ: بَيِّنَةٌ وَادَّعَاهُ وَاحِدٌ.. فَلَهُ تَحْلِيفُ شَرِيكِهِ، وَلَوِ ادَّعَاهُ فِي قِسْمَةِ تَرَاضٍ وَقُلْنَا: هِيَ بَيْعٌ.. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْغَلَطِ، فَلَا فَائِدَةَ لِهَذِهِ الدَّعْوَى. قُلْتُ: وَإِنْ قُلْنَا: إِفْرَازٌ.. نُقِضَتْ إِنْ ثَبَتَ، وَإِلَّا.. فَيَحْلِفُ شَرِيكُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوِ اسْتُحِقَّ بَعْضُ الْمَقْسُومِ شَائِعًا.. بَطَلَتْ فِيهِ، وَفِي الْثَّانِي قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، أَوْ مِنَ النَّصِيبَيْنِ مُعَيَّنٌ سَوَاءٌ.. بَقِيَتْ، وَإِلَّا.. بَطَلَتْ.

(فإن لم تكن بينة وادعاه واحد) من الشريكين على شريكه (.. فله تحليف شريكه) لأن من ادعى على خصمه ما لو أقر به لنفعه فأنكر.. كان له تحليفه، فإن نكل وحلف المدعي.. نقضت القسمة؛ كما لو أقر، وإن حلف.. مضت على الصحة.
(ولو ادعاه) أي: الغلطَ أو الحيفَ (في قسمة تراض وقلنا: هي بيع.. فالأصح: أنه لا أثر للغلط، فلا فائدة لهذه الدعوى) وإن تحقق الغلط؛ لأنه رضي بترك الزيادة له، فصار كما لو اشترى شيئًا بغبن، والثاني: أنها تنقض؛ لأنهما تراضيا لاعتقادهما أنهما قسمة عدل.
(قلت: وإن قلنا: إفراز.. نقضت إن ثبت) الغلط أو الحيف؛ لأن الإفراز لا يتحقق مع التفاوت، (وإلا) أي: وإن لم يثبت (.. فيحلف شريكه، والله أعلم) وهذا كله إذا اعتبرنا الرضا بعد خروج القرعة، فإن لم نعتبره.. فالحكم كما لو ادعى الغلط في قسمة الإجبار.
(ولو استحق بعض المقسوم شائعًا) كالربع مثلًا (.. بطلت فيه، وفي الثاني 1: قولا تفريق الصفقة)، فيصح في الباقي في الأظهر ويثبت الخيار، ويبطل في الكل على القول الثاني، (أو من النصيبين معين سواء.. بقيت، وإلا.. بطلت) أي: إذا استُحِقَّ شيء معين؛ فإن اختص المستحق بنصيب أحدهما، أو عم النصيبين لكنه في نصيب أحدهما أكثر.. بطلت القسمة؛ لأن ما تبقى لكل واحد لا يكون قدر حقه، بل يحتاج أحدهما إلى الرجوع على الآخر، وتعود الإشاعة، وإن استوى المستحق في نصيبهما.. بقيت القسمة في الباقي؛ لأنه لا تراجع بين الشريكين.

كتابُ الشهادات شَرْطُ الشَّاهِدِ: مُسْلِمٌ، حُرٌّ، مُكَلَّفٌ، عَدْلٌ، ذُو مُرُوءَةٍ، غَيْرُ مُتَّهَمٍ، وَشَرْطُ الْعَدَالَةِ: اجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ وَالإِصْرَارِ عَلَى

﴿كتاب الشهادات﴾ الشهادة: الإخبار بما شوهد، مأخوذة من الشهود، وهو الحضور؛ لأن الشاهد شاهد ما غاب عن غيره، وقيل: مأخوذة من الإعلام.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ وهو أمر إرشاد لا وجوب، ومن السنة أحاديث شهيرة في الباب.
(شرط الشاهد: مسلم) لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ والكافر ليس بعدل، وسواء شهد على مسلم أو كافر من أهل ملته أو غيرها، في حضر أو سفر، في وصية أو غيرها، كان هناك مسلم أو لم يكن.
(حر) فلا تقبل شهادة عبد؛ لأن الشهادة فيها معنى الولاية، وهو مسلوبٌ منها، (مكلف) فلا تقبل شهادة مجنون وصبي بالإجماع، (عدل) فلا تقبل من فاسق؛ للآية السابقة، (ذو مروءة) لأن ما لا مروءة له.. لا حياء له، ومن لا حياء له.. قال ما شاء، وسيأتي تفسير المروءة.
(غير متهم) لحديث: "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ ذِي الظِّنَّةِ" رواه البيهقي مرسلًا، وأسنده شيخه الحاكم 1، والظنة: التهمة.
وبقي من الشروط النطق؛ فلا تقبل شهادة الأخرس ولو فهمت إشارته في الأصح، وعدم السفه؛ فلا تقبل شهادة المحجور عليه بالسفه؛ كما نقله في "أصل الروضة" قبيل (فصل التوبة) عن الصيمري، وقال: إن كان كذلك.. فهو شرط آخر 2. (وشرط العدالة: اجتناب الكبائر) لأن مرتكب الكبيرة فاسق، (والإصرار على

صَغِيرَةٍ، وَيَحْرُمُ اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيُكْرَهُ شِطْرَنْجٌ، فَإِنْ شُرِطَ فِيهِ مَالٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ.. فَقِمَارٌ،

صغيرة) دون الاجتناب الكلي، فقلَّ من يسلم منها إلا من عصمه الله تعالى.
وقضية كلامه: أن الإصرار على صغيرة مبطل للعدالة مطلقًا، ويخالفه قوله في "الروضة" تبعًا لـ "أصلها": وهل الإصرار السالب للعدالة المداومة على نوع من الصغائر أو الإكثار من الصغائر، سواء كانت من نوع أو أنواع؟ فيه وجهان، ويوافق الثاني قول الجمهور: أن من غلبت طاعاته معاصيه.. كان عدلًا، وعكسه فاسق، ولفظ الشافعي رضي الله عنه في "المختصر" يوافقه؛ فعلى هذا: لا تضر المداومة على نوع من الصغائر إذا غلبت الطاعات، وعلى الأول: تضر 1. (ويحرم اللعب بالنرد على الصحيح) لحديث: "مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ.. فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ" رواه مسلم 2، والثاني: أنه مكروه كالشطرنج؛ لكنه أشد كراهة.
والفرق على الأصح: أن وضع الشطرنج لصحة الفكر والتدبر؛ فهو يعين على تدبر الحروب والحساب، والنرد موضوعة على ما يخرجه الكعبان؛ فهو كالأزلام.
(ويكره بشطرنج) لأن الأصل الإباحة، وقد روي اللعب عن جماعة من الصحابة والتابعين، وروى الشافعي عن سعيد بن جبير رضي الله عنه: أنه كان يلعب به وهو مستدبر ولا يراه 3، وإنما كره وإن لم يثبت فيه نهي؛ لقول علي رضي الله عنه للاعبين به: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون 4، ولخوف الاشتغال به عن الصلاة، وليس في الباب حديث صحيح ولا حسن.
(فإن شرط فبه مال من الجانبين.. فقمار) فيحرم، فإن أخرج أحدهما المال ليبذله إن غُلِبَ، ويمسكه إن غَلَبَ.. فليس بقمار، بل هو عقدُ مسابقةٍ على غير آلة قتال، ولا يصح.

وُيبَاحُ الْحُدَاءُ وَسَمَاعُهُ، وَيُكْرَهُ الْغِنَاءُ بِلَا آلَةٍ وَسَمَاعُهُ، وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ آلَةٍ مِنْ شِعَارِ الشَّرَبَةِ، كَطُنْبُورٍ وَعُودٍ وَصَنْجٍ وَمِزْمَارٍ عِرَاقِيٍّ، وَاسْتِمَاعُهَا، لَا يَرَاعٌ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: تَحْرِيمُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَجُوزُ دُفٌّ لِعُرْسٍ وَخِتَانٍ

ويشترط للجواز أيضًا: ألا يقترن به فحش، أو إخراج الصلاة عن وقتها عمدًا، فإن وجد ذلك.. لرُدَّت شهادته، فإن لم يتعمد الإخراج، بل شغله اللعب به حتى خرج، فإن تكرر منه.. فُسِّق، وإلا.. فلا.
(ويباح الحداء وسماعه) لما فيه من إيقاظ النوام، وتنشيط الإبل للسير، وقد ورد فيه أحاديث.
(ويكره الغناء بلا آلة وسماعه) لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، قال ابن عباس وابن مسعود: هو الغناء بلا آلة على المشهور 1. (ويحرم استعمال آلة من شعار الشربة؛ كطنبور وعود وصنج) وهو صفر يضرب واحد بواحد، (ومزمار عراقي) وسائر المعازف، وهي: آلات اللهو والأوتار؛ كالرباب والجُنْك والسِّنطِير والكَمنْجَة وغيرها.
(واستماعها) لأن سماعها يدعو إلى شرب الخمر لا سيَّما من قرب عهده به (لا يراع) وهو الشبابة (في الأصح) لقصة ابن عمر مع نافع في ذلك، رواه أبو داوود 2، (قلت: الأصح: تحريمه، والله أعلم) لأنه يطرب بانفراده؛ فحرم كسائر المزامير، والقصة المذكورة منكرةٌ؛ كما قاله أبو داوود، وعلى تقدير صحتها؛ فهي حجة في التحريم، وإنما لم يامره بسدِّ أذنيه؛ لأنه لم يصغ إليها، ولهذا قال: أتسمع، ولم يقل أتستمع.
(ويجوز دف لعرس وختان) للنصِّ في العرس 3، والختان بالقياس عليه، وقال البُلْقيني: إنه مستحب؛ لأن مدار ما استدلوا به على الجواز على حديث: "أَعْلِنُوا

  • وَكَذَا غَيْرُهُمَا فِي الأَصَحِّ - وَإِنْ كَانَ فِيهِ جَلَاجِلُ.
    وَيَحْرُمُ ضَرْبُ الْكُوبَةِ - وَهِيَ: طَبْلٌ طَوِيلٌ ضَيِّقُ الْوَسَطِ - لَا الرَّقْصُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَكَسُّرٌ كَفِعْلِ الْمُخَنِّثِ، ===

النِّكَاحَ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ" 1، هو يقتضي زيادة على الجواز.
انتهى، وقد جزم البغوي في "شرح السنة" بالاستحباب 2، كما نقله الأَذْرَعي وغيره.
(وكذا غيرهما) كقدوم غائب، وكل سرور حادث (في الأصح) لأنه قد يراد إظهار السرور، وقد نذرت امرأة أن تضرب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم بالدف إن رجع من سفره سالمًا، فقال عليه الصلاة والسلام: "أَوْفِي بِنَذْرِكِ" حسنه الترمذي 3، والثاني: المنع؛ لأن عمر رضي الله عنه كان إذا سمع صوتًا أو دفًّا.. أنكره؛ فإن كان عرسًا أو ختانًا.. أقره (وإن كان فيه) أي: في الدف (جلاجل) لإطلاق الخبر، ومن ادعى أنها لم تكن بجلاجل.. فعليه الإثبات.
(ويحرم ضرب الكوبة، وهي: طبل طويل ضيق الوسط) واسع الطرفين؛ لحديث: "إِنَّ الله حَرَّمَ الْخَمْرَ وَالْمَيْسِرَ وَالْكُوبَةَ" رواه أبو داوود وابن حبان في "صحيحه" 4. والمعنى فيه: التشبه بالمخنثين؛ فإنهم يعتادون الضرب به، وتفسيره الكوبة بالطبل، قال في "المهمات": (إنه خلاف المشهور في كتب اللغة، قال الخطابي: غلط من قال: الكوبة: الطبل، بل هي النرد، وذكر مثله ابن الأعرابي والزمخشري، وصححه ابن الأثير في "النهاية") 5. (لا الرقص) فإنه لا يحرم؛ لأنه مجرد حركات على استقامة أو اعوجاج، قال القفال: وهو مكروه (إلا أن يكون فيه تكسر؛ كفعل المخنث) فيحرم على الرجال والنساء، كذا حكياه عن الحليمي، وذكر في "المهمات": أن كلام الحليمي ليس

وَيُبَاحُ قَوْلُ شِعْرٍ وَإِنْشَادُهُ، إِلَّا أَنْ يَهْجُوَ، أَوْ يُفْحِشَ، أَوْ يُعَرِّضَ بِامْرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَالْمُرُوءَةُ: تَخَلُّق بِخُلُقِ أَمْثَالِهِ فِي زَمَانِهِ وَمَكَانِهِ، فَالأَكْلُ فِي سُوقٍ، وَالْمَشْيُ مَكْشُوفَ الرَّأْسِ، وَقُبْلَةُ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَإِكْثَارُ حِكَايَاتٍ مُضْحِكَةٍ، وَلُبْسُ فَقِيهٍ قِبَاءً

صريحًا في التحريم، وأنه لم يصرح بذكر النساء 1، وقال البُلْقيني: إن كان التحريم للتشبه بالمخنث المتشبه بالنساء.. فإنما يحرم على الرجال؛ للعن المتشبه من الرجال بالنساء، ولا يحرم على المرأة، فإنه لا دليل يقتضي التحريم، و (المخنث) - بكسر النون، ويجوز فتحها -: الذي يتشبه بالنساء.
(ويباح قول شعر وإنشاده) بالإجماع؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان له شعراء يصغي إليهم؛ منهم: حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك رضي الله عنهم، واستنشد من شعر أمية بن أبي الصلت مئةَ بيت 2. (إلا أن يهجو) في شعره (أو يفحش أو يعرِّض بامرأة معينة) فيحرم في الثلاث، أما في الهجو.. فللإيذاء ولو كان صادقًا، وأما الإفحاش.. فالمراد به: أن يمدح الناس ويطري، ولا يمكن حمله على نوع من المبالغة؛ فهو كسائر أنواع الكذب إذا أكثر منه.. رُدَّت شهادته، وأما التعريض بالمرأة.. فلما فيه من الإيذاء والإشهار والقذف إن صرَّح.
(والمروءة: تخلُّقٌ بخلق أمثاله في زمانه ومكانه) لأن الأمور العرفية قلَّما تضبط بل تختلف باختلاف الأشخاص والأزمنة والبلدان، وقيل: المروءة: التحرز عما يسخر منه ويضحك به، وقيل: أن يصون نفسه عن الأدناس، ولا يشينها عند الناس.
(فالأكل في سوق) والشرب من سقايات الطريق إلا أن يكون سوقيًّا، أو شرب لغلبة العطش.
(والمشي مكشوف الرأس) أو البدن غير العورة، إذا لم يكن ذلك ممن يليق به.
(وقبلة زوجة أو أمة بحضرة الناس، وإكثار حكايات مضحكة، ولبس فقيه قباء

وَقَلَنْسُوَةً حَيْثُ لَا يُعْتَادُ، وَإِكْبَابٌ عَلَى لَعِبِ الشَّطْرَنج أَوْ غِنَاءٍ أَوْ سَمَاعِهِ، وَإِدَامَةُ رَقْصٍ يُسْقِطُهَا، وَالأَمْرُ فِيهِ يَخْتَلِفُ بِالأَشْخَاصِ وَالأَحْوَالِ وَالأَمَاكِنِ، وَحِرْفَةٌ دَنِيَّةٌ كَحِجَامَةٍ وَكَنْسٍ وَدَبغٍ مِمَّنْ لَا يَلِيقُ بِهِ يُسْقِطُهَا، فَإِنِ اعْتَادَهَا وَكَانَتْ حِرْفَةَ أَبِيهِ.. فَلَا فِي الأَصَحِّ.

وقلنسوة) وهي ما يلبس على الرأس، وكذا لبس تاجر ثوب حمَّال، ولبس حمَّال لبس القضاة 1 (حيث لا يعتاد وإكباب على لعب الشطرنج، أو غناء، أو سماعه، وإدامة رقص يسقطها) أي: المروءة؛ لمنافاة ذلك لها.
وقضية تعبيره بـ (الناس): اعتبار الجمع، وليس كذلك، فلو قال: (بحضرة أجنبي).. لكان أحسن.
وقضية عدِّه هذه المذكورات في خوارم المروءة دون ما قبلها: أنها لا تحرم وإن كرهت، وهو ما جزم به في "النهاية" و"الوسيط" 2، وذكر في "المطلب": أنه سمع ابن رزين يحكي عمن لقيه من علماء الشام أن في تحريم تعاطي المباحات التي ترد بها الشهادة أوجهًا: ثالثها: إن تعلقت به شهادة.. حرم، وإلا.. فلا.
(والأمر فيه يختلف بالأشخاص والأحوال والأماكن) لأن المدار على العرف، فقد يقبح الشيء من شخص دون غيره، وفي حال دون حال، فليس لعب الشطرنج في الخلوة مرارًا؛ كلعبه في السوق مرة.
(وحرفة دنية؛ كحجامة وكنس ودبغ) كقيِّم حمام وحارس (ممن لا يليق به يسقطها) لإشعار ذلك بقلة مروءته، (فإن اعتادها وكانت حرفة أبيه.. فلا في الأصح) لأنها حرفة مباحة، وبالناس حاجة إليها، فلو ردت الشهادة بها.. لتورع الناس عنها، فيعم الضرر، والثاني: يسقطها؛ لأن في اختياره لها مع اتساع طرق الكسب إشعارًا بقلة المروءة، قال في "زيادة الروضة": لم يتعرض الجمهور لهذا التقييد، وينبغي ألا يقيد بصنعة آبائه، بل ينظر هل يليق به هو أم لا؟ ثم هنا وافق "المحرر" 3، ولم يعترض عليه.

وَالتُّهَمَةُ: أَنْ يَجُرَّ إِلَيْهِ نَفْعًا أَوْ يَدْفَعَ عَنْهُ ضَرًّا، فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِعَبْدِهِ وَمُكَاتَبِهِ وَغَرِيمٍ لَهُ مَيْتٍ أَوْ عَلَيْهِ حَجْرُ فَلَسٍ، وَبِمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ، وَبِبَرَاءَةِ مَنْ ضَمِنَهُ، وَبِجرَاحَةِ مُوَررِّثهِ. وَلَوْ شَهِدَ لِمُوَرِّثٍ لَهُ مَرِيضٍ أَوْ جَرِيحٍ بِمَالٍ قَبْلَ الانْدِمَالِ.. قُبلَتْ فِي الأَصَحِّ، وَتُرَدُّ شَهَادَةُ عَاقِلَةٍ بِفِسْقِ شُهُودِ قَتْلٍ، وَغُرَمَاءِ مُفْلِسٍ بِفِسْقِ شُهُودِ دَيْنٍ آخَرَ. وَلَوْ شَهِدَا لاثْنَينِ بِوَصِيَّةٍ فَشَهِدَا لِلشَّاهِدَيْنِ بِوَصِيَّةٍ مِنْ تِلْكَ التَّرِكَةِ.. قُبِلَتِ الشَّهَادَتَانِ فِي الأَصَحِّ

(والتهمة: أن يجر إليه نفعًا أو يدفع عنه ضررًا، فترد شهادته لعبده) المأذون وغيره؛ لأن ما يشهد به فهو له، (ومكاتبه) لأن له في مال مكاتبه علقة حال الكتابة؛ لأن له المنع من بعض التصرفات، ولأنه بصدد العود إليه بعجز أو تعجيز.
(وغريم له ميت أو عليه حجر فلس) لأنه إذ أثبت للغريم شيئًا.. أثبت لنفسه المطالبة به 1، وتقبل شهادة لغريم لم يحجر عليه ولو معسرًا على الأصح؛ لتعلق الحق بذمته، بخلاف المحجور عليه؛ لأنه يحكم بماله لغرمائه حال الشهادة.
(وبما هو وكيل فيه) لأنه يثبت لنفسه سلطنة التصرف في المشهود به.
(وببراءة من ضمنه) بأداء أو إبراء؛ لأنه يدفع بها الغرم عن نفسه.
(وبجراحة مورثه، ولو شهد لمورث له مريض أو جريح بمال قبل الاندمال.. قبلت في الأصح، وترد شهادة عاقلة بفسق شهود قتل) هذه المسائل مكررة؛ فقد ذكرها في (باب دعوى الدم) وتقدم شرحها إلا أنه أطلق هنا ما يجب تقييده في موضعين، أحدهما: ردُّ جراحة المورث، وهو فيما قبل الاندمال، ثانيهما: ردُّ العاقلة، وهو فيما يتحملونه، وقد ذكره هناك على الصواب.
(وغرماء مفلس) حجر عليه (بفسق شهود دين آخر) ظهر عليه؛ لتهمة ضرر المزاحمة.
(ولو شهدا لاثنين بوصية فشهدا للشاهدين بوصية من تلك التركة.. قبلت الشهادتان في الأصح) لانفصال كلِّ شهادة عن الأخرى، ولا تجر شهادته نفعًا إلى نفسه، ولا تدفع عنه ضررًا، والثاني: المنع؛ لتهمة المواطأة، وجعل في

وَلَا تُقْبَلُ لِأصْلٍ وَلَا فَرْعٍ، وَتُقْبَلُ عَلَيْهِمَا، وَكَذَا عَلَى أَبيهِمَا بطَلَاقِ ضَرَّةِ أُمِّهِمَا أَوْ قَذْفِهَا فِي الأَظْهَرِ، وَإِذَا شَهِدَ لِفَرْعٍ وَأَجْنَبِيٍّ.. قُبلَتْ لِلأَجْنَبِيِّ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: وَتُقْبَلُ لِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ وَلِأخٍ وَصَدِيقٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا تُقْبَلُ مِنْ عَدُوٍّ - وَهُوَ: مَنْ يُبْغِضُهُ بِحَيْثُ يَتَمَنَّى زَوَالَ نِعْمَتِهِ، وَيَحْزَنُ

"الروضة" الخلاف ضعيفًا فعبر بالصحيح 1، وخالفه هنا.
(ولا تقبل لأصل) وإن علا (ولا فرع) وإن سفل؛ لأنه كالشهادة لنفسه، لأنه جزء منه، ففي الصحيح: "فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي" 2، وعن القديم: القبول؛ لأن الشخص لا يكون صادقًا في شيء دون شيء، ورُدَّ بمنع شهادته لنفسه، وكذا لا تقبل لمكاتب أصله، أو فرعه، ولا لمأذونهما.
(وتقبل عليهما) لانتفاء التهمة (وكذا على أبيهما بطلاق ضرة أمهما أو قذفها في الأظهر) وهي تحته؛ لضعف نفع أمهما بذلك؛ لأنه مهما أراد.. طلقها، أو نكح عليها مع إمساكها، والثاني: المنع؛ لأنها تجر نفعًا إلى أمهما، وهو انفرادها بالأب، فإن الطلاق ينجز ذلك، والقذف يحوج إلى اللعان، وهو سبب الفرقة.
(وإذا شهد لفرع وأجنبي.. قبلت للأجنبي في الأظهر) وردت في حق الفرع قطعًا، وهذا هو الخلاف في تفريق الصفقة.
(قلت: وتقبل لكل من الزوجين) للآخر؛ لأن الحاصل بينهما عقد يطرأ ويزول، فلا يمنع قبول الشهادة؛ كما لو شهد الأجير للمستأجر وعكسه، وقيل: لا تقبل؛ لأن كلَّ واحدٍ منهما وارث لا يحجب، فأشبه الأب، وبه قال الأئمة الثلاثة، وقيل: تقبل شهادته لها دون عكسه؛ لأن لها النفقة عليه فهي متهمة.
(ولأخ وصديق والله أعلم) لضعف التهمة؛ لأنهما لا يتهمان تهمة الأصل والفرع.
(ولا تقبل من عدو) على عدو للتهمة؛ لأنها ربما تفضي إلى الشهادة بالباطل، لأنها عظيمة الموقع في النفوس (وهو: من يبغضه بحيث يتمنَّى زوال نعمته، ويحزن

بِسُرُورِهِ، وَيَفْرَحُ بِمُصِيبَتِهِ - وَتُقْبَلُ لَهُ، وَكَذَا عَلَيْهِ فِي عَدَاوَةِ دِينٍ كَكَافِرٍ وَمُبْتَدِعٍ. وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ مُبْتَدِعٍ لَا نُكَفِّرُهُ، لَا مُغَفَّلٍ لَا يَضْبُطُ

بسروره، ويفرح بمصيبته) لشهادة العرف بذلك، قالا: وقد تكون العداوة من الجانبين، وقد تكون من أحدهما فتختص برد شهادته على الآخر 1. (وتقبل له) لانتفاء التهمة (وكذا عليه في عداوة دين ككافر ومبتدع) فتقبل شهادة المسلم على الكافر، والسني على المبتدع؛ لأن العداوة الدينية لا توجب ردَّ الشهادة.
(وتقبل شهادة مبتدع لا نكفره) لأنه يزعم بدعته دينًا حقًّا، وسواء على هذا من سب الصحابة وغيرهم، هذا هو الراجح في "زيادة الروضة" بخلاف من قذف عائشة رضي الله عنها فإنه كافر 2، وقال السبكي في "الحلبيات": في تكفير من سبَّ الشيخين وجهان لأصحابنا، فإنْ لم نكفره.. فهو فاسق لا تقبل شهادته، ومن سب بقية الصحابة.. فهو فاسق مردود الشهادة، ولا يغلط فيقال: شهادته مقبولة.
انتهى.
فجعل ما رجحه في "الروضة" غلطًا، قال الأَذْرَعي: وهو كما قال، ونقل عن جمع التصريح به، وأن الماوردي قال: مذهب الشافعي: أن من سبَّ الصحابة أو لعنهم أو كفرهم.. فهو فاسق مردود الشهادة 3. ويستثنى من إطلاق المصنف قبول شهادة المبتدع: الخطابية، وهم قوم يجوزون الشهادة لصاحبهم إذا سمعوه يقول: (لي على فلان كذا)، فلا تقبل شهادة الواحد منهم لمثله؛ كما صرحا به في (كتاب البغاة) 4. نعم؛ لو ذكر الخطَّابي في شهادته ما يقطع الاحتمال بأن قال: (سمعته يقرُّ له بكذا)، أو (رأيته يقرضه كذا).. قبل في الأصح.
(لا مغفل لا يضبط) لعدم الوثوق بقوله، والمراد: ألا يضبط أصلًا أو غالبًا، أما

جارٍ التحميل