وَيَتَنَاوَلُ الرَّقِيقُ: صَغِيرًا وَأُنْثَى وَمَعِيبًا وَكَافِرًا وَعُكُوسَهَا، وَقِيلَ: إِنْ أَوْصَى بِإِعْتَاقِ عَبْدٍ.. وَجَبَ الْمُجْزِئُ كَفَّارَةً. وَلَوْ أَوْصَى بِأَحَدِ رَقِيقِهِ فَمَاتُوا أَوْ قُتِلُوا قَبْلَ مَوْتِهِ.. بَطَلَتْ، وَإِنْ بَقِيَ وَاحِدٌ.. تَعَيَّنَ، أَوْ بِإِعْتَاقِ رِقَابٍ.. فَثَلَاثٌ،
الفرس؛ كالعراق.. لا يعطى إلا الفرس، هذا كلُّه عند الإطلاق، فلو قال: (للكَرّ والفرّ).. فهو للفرس، أو (للحمل).. حمل على البغل والحمار؛ فإن اعتادوا الحمل على البراذين.. دخلت.
(ويتناول الرقيقُ: صغيرًا وأنثى، ومعيبًا وكافرًا، وعكوسها) لصدق الاسم على الجميع، (وقيل: إن أوصى بإعتاق عبد.. وجب المجزئ كفارة) لأنه المعروف في الإعتاق، بخلاف: (أعطوه عبدًا)، واختاره أبو الطيب وغيره وغلط في "التجربة" من قال: (غيره)، والخلاف في عتق التطوع، فلو قال: (عن كفارة).. تعين المجزئ فيها.
وقوله: (كفارة) هو منصوب على الحال، أو التمييز.
(ولو أوصى بأحد رقيقه) مبهمًا (فماتوا أو قتلوا قبل موته.. بطلت) الوصية؛ لأنه لا رقيق له، (وإن بقي واحد.. تعيّن) لأنه الموجود، وليس للوارث إمساكه وإعطاؤه قيمة المقتول.
واحترز بقوله: (قبل موته): عما بعد موته، فان كان القتل بعد القبول.. انتقل حقه إلى قيمة أحدهم بخيرة الوارث، أو قبل القبول.. فكذلك إن ملكناه بالموت أو توقفنا، وإلا.. بطلت، قاله الرافعي، قال في "الكفاية": وهو احتمال الإمام، قال هو: إنه لم يصر إليه أحد من الناس 1، وحكى في "المطلب" ما قاله الرافعي عن المتولي، وحكى الأَذْرَعي وغيره عن القاضي الحسين: أنه لا فرق بين أن نقول: يملك بالموت أو بالقبول.
(أو بإعتاق رقاب.. فثلاث) لأنه أقلُّ الجمع على المرجح، والمراد: أنه أقلُّ ما يكفي ثلاثٌ، قال الشافعي: والاستكثار مع الاسترخاص أولى من الاستقلال مع الاستغلاء، ومعناه: أن إعتاق خمس رقاب قليلة القيمة.. أفضلُ من إعتاق أربع كثيرة
فَإِنْ عَجَزَ ثُلُثُهُ عَنْهُنَّ.. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَى شِقْصٌ بَلْ نَفِيسَتَانِ بِهِ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَنْفَسِ رَقَبَتَيْنِ شَيْءٌ.. فَلِلْوَرَثَةِ. وَلَوْ قَالَ: ثُلُثِي لِلْعِتْقِ.. اشْتُرِيَ شِقْصٌ. وَلَوْ وَصَّى لِحَمْلِهَا فَأَتَتْ بِوَلَدَيْنِ.. فَلَهُمَا، أَوْ بِحَيٍّ وَمَيِّتٍ.. فَكُلُّهُ لِلْحَيِّ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ كَانَ حَمْلُكِ ذَكَرًا - أَوْ قَالَ: أُنْثَى - فَلَهُ كَذَا)، فَوَلَدَتْهُمَا.. لَغَتْ
القيمة، ولا يجوز صرف ما أوصى به إلى رقبتين مع إمكان ثلاث.
(فإن عجز ثُلُثه عنهن.. فالمذهب: أنه لا يُشترى شقص) أي: لا يسترى مع رقبتين شقص، (بل نفيستان به) أي: يشترى بما أوصى به نفيستان.
(فإن فضل) من الثلث (عن أنفَس رقبتين شيء.. فللورثة) لأن الشقص ليس رقبة، ألا ترى أنه لو أوصى بأن يشترى بثلثه رقبة، فلم يوجد به إلا شقص.. لم يُشتر قطعًا، وقيل: يشترى في مسألتنا الشقص؛ لأنه أقرب إلى غرض الموصي من صرف الفاضل للورثة، واختاره الغزالي، ومال إليه ابن الرفعة، ورجحه السبكي.
وتعبيره بالمذهب: يقتضي حكاية طريقين وليس في "الروضة" و"أصلها" إلّا وجهان 1.
(ولو قال: "ثلثي للعتق".. اشتُرِي شقص) قطعًا؛ تحصيلًا لغرضه ما أمكن.
(ولو وصى لحملها فأتت بولدين) حيين (.. فلهما) لأنه مفرد مضاف فعمَّ، ولا يفضل الذكر على الأنثى؛ كما لو وهب لرجل وامرأة شيئًا إلا أن يصرح بالتفضيل.
(أو بحي وميت.. فكلُّه للحي في الأصحِّ) لأن الميت كالمعدوم، والثاني: له النصف والباقي لورثة الموصي؛ كما لو أوصى لحيٍّ وميّت.
(ولو قال: "إن كان حملك ذكرًا - أو قال: أنثى - فله كذا"، فولدتهما.. لغت) لأنه شرط صفة الذكورة أو الأنوثة في جملة الحمل ولم يحصل، ولو ولدت غلامين.. فكذلك عند الغزالي 2، وقيل: يقسم بينهما، واختاره في "الروضة" 3.
وَلَوْ قَالَ: (إِنْ كَانَ بِبَطْنِهَا ذَكَرٌ)، فَوَلَدَتْهُمَا.. اسْتَحَق الذَّكَرُ، أَوْ وَلَدَتْ ذَكَرَيْنِ.. فَالأَصَحُّ: صِحَّتُهَا وَيُعْطِيهِ الْوَارِثُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا. وَلَوْ وَصَّى لِجِيرَانِهِ.. فَلأَرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ
بخلاف قوله: إن كان حملها ابنًا.. فله كذا، وإن كان بنتًا.. فلها كذا فولدت ابنين؛ فإنه لا شيء لهما، والفرق: أن الذكر والأنثى اسما جنس يقع على الواحد والعدد، بخلاف الابن والبنت، قال الرافعي: والفرق ليس بواضح، وخالفه المصنف، وقال: إنه واضح 1.
(ولو قال: "إن كان ببطنها ذكر") فله كذا (فولدتهما.. استحقّ الذكر) لأن الصيغة ليست حاصرة للحمل فيه، (أو ولدت ذكرين.. فالأصحُّ: صحتها) لأنه لم يحصر الحمل في واحد، بل حصر الوصية فيه، والثاني: المنع؛ لاقتضاء التنكير التوحيد.
(ويعطيه الوارث من شاء منهما) كما لو وقع الإبهام في الموصى به.. يرجع إلى بيان الوارث، وليس له التشريك بينهما، وقيل: يوزع عليهما، وقيل: يوقف إلى أن يتأهلا للقبول، فيصطلحا.
(ولو وصى لجيرانه.. فلأربعين دارًا من كلِّ جانب) من الجوانب الأربعة؛ لما رواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" عن أبي هريرة مرفوعًا: "حَقُّ الْجِوَاِر إِلَى أَرْبَعِينَ دَارًا هَكَذَا وَهَكَذَا، وَهَكَذَا وَهَكَذَا، يَمِينًا وَشِمَالًا، وَقُدَّامًا وَخَلْفًا" وفي إسناده ضعف، لكن له طرق تقويه، ورواه أبو داوود مرسلًا بإسناد صحيح 2.
وقضية كلامه: أن المجموع مئة وستون، وبه صرح القاضي أبو الطيب، ويقسم المال على عدد الدور لا على عدد سكانها؛ كما جزم به في "الروضة"، قال السبكي: وينبغي أن يزاد فيه وتقسم حصة كلِّ دار على عدد سكانها، وما جزم به المصنف هو الصحيح المنصوص 3.
وَالْعُلَمَاءُ: أَصْحَابُ عُلُومِ الشَّرْعِ مِنْ تَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ وَفِقْهٍ، لَا مُقْرِئٌ وَطَبِيبٌ وَمُعَبِّرٌ وَأَدِيبٌ،
وقيل: هو الملاصق داره، وقيل: من نسب إلى سكنى محلته، وقيل: أهل الزقاق غير النافذ، وقيل: غير ذلك.
(والعلماء) فيما إذا أوصى للعلماء (أصحاب علوم الشرع من تفسير وحديث وفقه) للعرف، والمراد بالتفسير: علم معاني كتاب الله تعالى خبرًا وحكمًا، وبالحديث: العلم بطرقه، ومعانيه، لا من يسمعه ولا علم له بطرقه ومتونه وأسماء رجاله؛ إذ السماع المجرد ليس بعلم، وبالفقه: معرفة الأحكام الشرعية نصًّا واستنباطًا؛ ولهذا لا تدخل فيه الظاهرية كما أجاب به ابن سريج والقاضي الحسين.
ولو أوصى لأعلم الناس.. صرف إلى الفقهاء؛ لتعلق الفقه بأكثر العلوم، قاله الماوردي 1.
وقضية كلام المصنف: الحصر في هذه الثلاثة، وليس كذلك بل يدخل العالم بأصول الفقه؛ كما قاله الصَّيْمَري وصاحب "البيان" لانبناء الفقه عليه 2.
وعدّ الغزالي في مقدمة "المستصفى" من العلم الديني علم الباطن؛ يعني: علم القلب وتطهيره عن الأخلاق الذميمة 3.
(لا مقرئ وطبيب ومُعبِّر وأديب) ومنجم وحاسب ومهندس؛ لأن أهل العرف لا يعدونهم منهم، وكذا العالم باللغة والتصريف، والعروض والقوافي، والمعاني والبيان والبديع، والموسيقا ونحوها.
قال في "المطلب": والمراد بالمقرئ: التالي فقط، أما العالم بالروايات ورجالها.. فكالعالم بطرق الحديث، وقد أفهم كلام "الوسيط" 4: أنه منهم، قال السبكي: وفيه نظر؛ فإن التالي قارئ لا مقرئ، وذكر كلامًا طويلًا، ثم اختار أن
وَكَذَا مُتَكَلِّم عِنْدَ الأَكْثَرِينَ
العلماء بالقراءات علماء قطعًا يصرف إليهم من الوصية للعلماء، ومن الوقف عليهم؛ كما قاله ابن الرفعة، قال: بل هم أولى الناس بهذا، والمراد بالمعبر: مفسر المنام، والأفصح: عابر؛ لأنه يقال: عبرت - بالتخفيف - كما قال تعالى: ﴿لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾.
وبالأديب: النحوي، وقال ابن يونس: ينبغي أن يدخل؛ لانبناء الفقه عليه.
(وكذا متكلم عند الأكثرين) للعرف، ونقله العبادي في "زياداته" عن النصِّ، وقيل: يدخل، ومال إليه الرافعي.
واقتضى كلامه: أن الدليل يقتضي التسوية بينه وبين المحدث والمقرئ، فإما أن يستووا في الدخول كلهم، أو في الخروج، ولأجل هذا التوقف عدل المصنف عن الأصحِّ إلى قوله: (عند الأكثرين).
وقال السبكي ما حاصله: إن العلم بالله وصفاته وما يجب له وما يستحيل عليه؛ ليرد على المبتدعة، ويميز بين الاعتقاد الفاسد والصحيح، وتقرير الحق ونمره.. من أجلِّ العلوم الشرعية، والعالم به من أفضلهم، ويصرف إليه من الوصية للعلماء والوقف عليهم.
ومَنْ دأبُه الجدل والشبه وخبط عشواء في الحق والباطل، والزيادة عليه إلى أن يكون مبتدعًا، أو داعيًا إلى ضلالة.. فذلك باسم الجهل أحق.
انتهى.
وهذا هو القسم الذي أنكره الإمام الشافعي رضي الله عنه وقال: لأن يلقى العبدُ ربه بكلِّ ذنب ما خلا الشرك.. خيرٌ من أن يلقاه بعلم الكلام.
وأما القسم الأول: فهو الذي عدوه في (كتاب السير) من فروض الكفايات.
قال السبكي: وكذا الصوفية ينقسمون إلى هذين القسمين، وذكر في ذلك كلامًا نفيسًا، وقال في آخره: ومن كان من هؤلاء الصوفية المتأخرين؛ كابن عربي وابن سبعين والقطب القونوي والعفيف التلمساني.. فهؤلاء ضلال جهال خارجون عن طريق الإسلام؛ فضلًا عن العلماء 1.
وَيَدْخُلُ فِي وَصِيَّةِ الْفقَرَاءِ الْمَسَاكِينُ وَعَكْسُهُ، وَلَوْ جَمَعَهُمَا.. شُرِّكَ نِصْفَيْنِ، وَأَقَلُّ كُلِّ صنْفٍ ثَلَاثَةٌ، وَلَهُ التَّفْضِيلُ. أَوْ لِزَيْدٍ وَالْفُقَرَاءِ.. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَأَحَدِهِمْ فِي جَوَازِ إِعْطَائِهِ أَقَلَّ مُتَمَوَّلٍ، لكِنْ لَا يُحْرَمُ
(ويدخل في وصية الفقراء المساكينُ وعكسُهُ) فيجوز الصرف لهؤلاء من الوصية لهؤلاء وعكسه، لأن كلَّ واحد من الاسمين يقع على كلٍّ من الفريقين عند الانفراد في العرف.
قال ابن سراقة في "التلقين": وإنما تصرف الوصية لفقراء المسلمين؛ كالزكاة، وهل يختص بها فقراء بلد المال أو يجوز نقلها؟ فيه خلاف مرتب على الخلاف في نقل الزكاة، والمذهب في "أصل الروضة" هنا: الجواز 1؛ لأن الأطماع لا تمتد إليها امتدادها في الزكاة.
(ولو جمعهما) أي: أوصى للفقراء والمساكين (.. شُرِّك نصفين) كما في الزكاة، بخلاف ما إذا أوصى لبني زيد وبني عمرو.. فإنه يقسم على عددهم ولا ينصف.
(وأقلُّ كلِّ صنف ثلاثة) لأنه جمع، وأقلُّ الجمع ثلاثة، فلو دفع الوصي إلى اثنين.. غرم للثالث الثلث، أو أقلَّ ما يتمول، فيه الخلاف في نظيره من الزكاة، والمنصوص عليه في "الأم" في مسألتنا: أنه يضمن الثلث؛ كما قاله الماوردي 2، هذا إذا لم يكونوا محصورين، فإن أوصى لفقراء بلد وهم محصورون.. اشترط استيعابهم والتسوية بينهم؛ كتعيينهم.
(وله التفضيل) بين آحاد كلِّ صنف بحسب الحاجة، ولا تجب التسوية بل يتأكد تفضيل الأشدِّ حاجة وعيالًا.
(أو لزيد والفقراء.. فالمذهب: أنه كأحدهم في جواز إعطائه أقلَّ متموَّل) لأنه ألحقه بهم (لكن لا يحرم) قطعًا وإن كان غنيًّا لنصه عليه.
وقوله: فـ (المذهب): عبر في "الروضة": بالأصحِّ، وحكى في المسألة سبعة
أَوْ لِجَمْعٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ مُنْحَصِرٍ.. صَحَّتْ فِي الأَظْهَرِ، وَلَهُ الاقْتِصَارُ عَلَى ثَلَاثَةٍ. أَوْ لِأقَارِبِ زَيْدٍ.. دَخَلَ كُلُّ قَرَابَةٍ وَإِنْ بَعُدَ، إِلَّا أَصْلًا وَفَرْعًا فِي الأَصَحِّ،
أوجه؛ منها: أن لزيد ربع الوصية؛ لأن أقلَّ من يقع عليه اسم الفقراء ثلاثة، ومنها: أن له النصف ولهم النصف؛ لأنه قابل بينه وبينهم في الذكر، فأشبه ما إذا أوصى لزيد وعمرو 1، وقد اعتمده السبكي فيما لو وقف على مدرس وإمام وعشرة فقهاء.. فقال: المذهب: أنه يقسم على ثلاثة للعشرة ثلثها.
(أو لجمع معين غيرِ منحصر) كالعلوية 2، والهاشمية، وبني تميم ونحوها (.. صحت في الأظهر) كالوصية للفقراء.
(وله الاقتصار على ثلاثة) كما في الفقراء، والثاني: البطلان؛ لأن التعميم يقتضي الاستيعاب وهو ممتنع، بخلاف الفقراء؛ فإن عرف الشرع خصصه بثلاثة فأتبع.
(أو لأقارب زيد.. دخل كلُّ قرابة وإن بعد) ووارثًا وغيره، ومسلمًا وكافرًا، وغنيًّا وفقيرًا وإن بعد؛ لشمول الاسم للكلِّ، ولا يختص هنا بالجمع وإن كان جمعًا حتى لو لم يكن سوى قريبين أو قريب واحد.. أخذ الكلَّ لا القسط في الأصحِّ.
وأفهم قوله: (كل قرابة): وجوب استيعابهم، ومحله: إذا انحصروا، فإن لم ينحصروا.. فكالوصية للعلوية.
(إلا أصلًا وفرعًا في الأصحِّ) إذ لا يسمون أقارب عرفًا، وعبر عنه في "المحرر" بالأظهر 3، والثاني: يدخلان، وصححه في "الكفاية"؛ لأنهما يدخلان في الوصية لأقرب الأقارب، فكيف لا يكونان من الأقارب؟ ! 4
قال السبكي بعد أن نقل عن جماعة الجزم به: وهذا أظهر نقلًا وبحثًا، وقال البُلْقيني: إنه المختار، وإن نص "الأم" و"المختصر" ظاهر فيه.
وَلَا تَدْخُلُ قَرَابَةُ أُمٍّ فِي وَصِيَّةِ الْعَرَبِ فِي الأَصَحِّ، وَالْعِبْرَةُ بِأَقْرَبِ جَدٍّ يُنْسَبُ إِلَيْهِ زَيْدٌ، وَتُعَدُّ أَوْلَادُهُ قَبِيلَةً. وَيَدْخُلُ فِي أَقْرَبِ أَقَارِبِهِ الأَصْلُ وَالْفَرْعُ
والثالث: لا يدخل الأبوان والأولاد؛ لأن القريب في العرف من انتمى بواسطة، ويدخل الأجداد والأحفاد، قال الرافعي في "الشرحين": وهذا أظهر من جهة النقل حتى إن الأستاذ أبا منصور حكى إجماع الأصحاب عليه، وجعله في "الروضة" الأصحَّ، وقال في "المهمات": إن العمل عليه؛ لتصريح الرافعي بأنه أظهر نقلًا، والمذهب نقل 1.
(ولا تدخل قرابة أم في وصية العرب في الأصحِّ) فإنهم لا يفتخرون بها ولا يعدونها قرابة، والثاني: تدخل؛ كما في وصية العجم، وهذا هو الأصحُّ في "الروضة"، والأقوى في "الشرحين" و"التذنيب"، وبه قطع العراقيون، قال في "المهمات": والفتوى عليه؛ لموافقته ظاهر النص وقول الأكثرين 2.
(والعبرة بأقرب جد ينسب إليه زيد، وتُعدُّ أولاده قبيلة) يعني: أولاد ذلك الجد، فيرتقي في بني الأعمام إلى أقرب جد يعرف به، مثاله: أوصى لأقارب الشافعي في زمانه.. صرف إلى من ينسب إلى شافع؛ لأنه أقرب جد يعرف به الشافعي، ولا يصرف إلى ما ينسب إلى جد بعد شافع؛ كأولاد علي والعباس أخوي شافع؛ لأنهم إنما ينسبون إلى المطلب.
ولو أوصى لأقارب بعض أولاد الشافعي في هذا الوقت.. دخل فيها أولاد الشافعي دون غيرهم من أولاد شافع.
ولو أوصى حسني لأقاربه.. لم يدخل الحسينيون - بالتصغير - أو حسيني لم يدخل الحسنيون - بالتكبير - لأنه لولا ذلك.. أدى إلى دخول جميع الناس؛ فإن آدم يجمعهم.
وخرج بقوله: (ينسب إليه): جدُّ الأم؛ فإنه لا ينسب إليه.
(ويدخل في أقرب أقاربه الأصلُ والفرع) لأن أقربهم هو المنفرد بزيادة القرابة، وهما كذلك.
وَالأَصَحُّ: تقدِيمُ ابْنٍ عَلَى أَبٍ، وَأَخٍ عَلَى جَدٍّ، وَلَا يُرَجَّحُ بِذُكُورَةٍ وَوِرَاثَةٍ، بَلْ يَسْتَوِي الأَبُ وَالأُمُّ، وَالابْنُ وَالْبِنْتُ، وَيُقدَّمُ ابْنُ الْبِنْتِ عَلَى ابْنِ ابْنِ الابْنِ. وَلَوْ أَوْصَى لِأقَارِبِ نَفْسِهِ.. لَمْ تَدْخُلْ وَرَثَتُهُ فِي الأَصَحِّ
واعترض قوله: (ويدخل في أقرب أقاربه الأصل والفرع) فإنه ليس أقرب الأقارب غيرهما، فكان ينبغي أن يقول: وأقرب الأقارب الأصل والفرع.
وأجيب عنه: بأنهما أقرب الأقارب على الإطلاق، ويصحُّ إطلاق الدخول بمعنى أن كلًّا منهما داخل.
(والأصحُّ: تقديم ابنٍ على أب) لأنه أقوى إرثًا وتعصيبًا، فيقدم الأولاد، ثم أولادهم وإن سفلوا، ويسوى بين أولاد البنين وأولاد البنات، ثم الأبوان، ثم الأجداد إن لم يكن أخ أو أخت، والثاني: يستويان؛ لاستواء درجتهما، فعلى هذا: يقدم الأب على ابن الابن، والأم في ذلك كالأب؛ كما صرح به الجرجاني.
(وأخٍ على جدٍّ) لقوة البنوة، وليس لنا موضع يقدم فيه الأخ على الجد إلا هنا، وفي الولاء، والثاني: يستويان؛ لاستوائهما في الإدلاء، والأخت في ذلك كالأخ؛ كما في "الكفاية" عن الروياني 1.
وإطلاق المصنف الأخ والجد يشمل الأخ للأم والجد للأم، وهو الصحيح، فيجري الخلاف في الجد أب الأب، والجد أب الأم، مع الأخ للأب والأخ للأم.
(ولا يُرجَّح بذكورة ووراثة 2، بل يستوي الأب والأم، والابن والبنت) والأخ والأخت؛ كما يستوي المسلم والكافر، ويقدم الشقيق على غيره قطعًا، ويستوي الأخ من الأب والأخ من الأم.
(ويقدم ابن البنت على ابن ابن الابن) لأنه أقرب منه.
(ولو أوصى لأقارب نفسه.. لم تدخل ورثته في الأصحِّ) اعتبارًا بعرف الشرع لا بعموم اللفظ، ولأن الوارث لا يوصى له غالبًا، فيختص بالباقين، والثاني: يدخلون؛ لأن اللفظ يتناولهم، ثم يبطل نصيبهم، ويصحُّ للباقين.
فصلٌ [في أحكام معنوية للموصى به]
تَصِحُّ بِمَنَافِعِ عَبْدٍ وَدَارٍ وَغَلَّةِ حَانُوتٍ، وَيَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ مَنْفَعَةَ الْعَبْدِ، وَأَكْسَابَهُ الْمُعْتَادَةَ، وَكَذَا مَهْرُهَا فِي الأَصَحِّ، لَا وَلَدٌ فِي الأَصَحِّ، بَلْ هُوَ كَالأُمِّ؛ مَنْفَعَته لَهُ، وَرَقَبَته لِلْوَارِثِ،
(فصل) في الأحكام المعنوية: (تصحُّ بمنافع عبد ودار وغلّةِ حانوت) مؤبدة، ومؤقتة، ومطلقة؛ لأنها أموال مقابلة بالأعواض، فكانت كالأعيان، والإطلاق يقتضي التأبيد، وقد ذكر المصنف في أوائل الباب: الوصية بالمنافع 1، وإنما أعادها؛ لأجل ترتيب الأحكام الآتية عليها.
(ويملك الموصى له منفعة العبد، وأكسابَه المعتادة) كاحتطاب، واصطياد، وأجرة حرفة ونحوها؛ لأنها أبدال المنافع الموصى بها، أما النادرة؛ كاتهابه والتقاطه.. فلا يملكها على الأصحِّ؛ لأنها لا تقصد بالوصية.
(وكذا مهرها في الأصحِّ) أي: مهر الموصى بمنفعتها إذا وجبت بنكاح أو وطء شبهة؛ لأنه من فوائد الرقبة؛ كالكسب، وتبع في هذا التصحيح "المحرر"، ولم يصرحا بتصحيح في "الروضة" و "أصلها" بل نسبا هذا لقطع العراقيين والبغوي، ومقابله -وهو كونه لورثة الموصي-: للمراوزة وقطع المتولي وتصحيح الغزالي، ثم قالا: وهو الأشبه، وقال في "الشرح الصغير": إنه الأظهر؛ لأنه بدل منفعة البضع، وهي لا يوصى بها، فلا تستحق بالوصية بدلها، قال في "المهمات": والراجح نقلًا: ما في "المحرر"، واختاره السبكي 2.
(لا ولد) 3 من نكاح أو زنا (في الأصحِّ، بل هو كالأم؛ منفعته له، ورقبته للوارث) لأنه جزء الأم، والثاني: يملكه الموصى له؛ كالموقوفة.
وَلَهُ إِعْتَاقُهُ، وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ إِنْ أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ مُدَّةً، وَكَذَا أَبَدًا فِي الأَصَحِّ، وَبَيْعُهُ إِنْ لَمْ يُؤَبِّدْ كَالْمُسْتَأْجَرِ، وَإِنْ أَبَّدَ.. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَصِحُّ بَيْعُهُ لِلْمُوصَى لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَأَنَّهُ تُعْتبَرُ قِيمَةُ الْعَبْدِ كُلُّهَا مِنَ الثُّلُثِ إِنْ أَوْصَى بِمَنْفَعَتِهِ أَبَدًا،
وفرق الأول: بأن الملك في الموقوفة أقوى؛ ولهذا يملك الرقبة على قول فقوي الاستتباع، بخلاف هنا.
(وله إعتاقه) أي: للوارث إعتاق العبد الموصى بمنفعته ولو مؤبدًا؛ لأن رقبته خالص ملكه، ومحل عتقه: في التبرع، فلو أعتقه عن الكفارة.. لم يجز عنها في الأصحِّ؛ لعجزه عن الكسب؛ كالزمن، وليس له كتابته على الأصحِّ؛ لاستحقاق أكسابه، وإذا أعتقه.. فالصحيح: بقاء الوصية بحالها؛ كالإجارة.
(وعليه) أي: على الوارث (نفقته إن أوصى بمنفعته مدة) لأنه مالك الرقبة؛ كما إذا أجر عبده.
(وكذا أبدًا في الأصحِّ) لما قلناه، فإن شق عليه.. فخلاصه: أن يعتقه، والثاني: أنها على الموصى له؛ كالزوج، والفطرةُ كالنفقة.
(وبيعُه إن لم يؤبِّد كالمستأجَر) أي: بيع الموصى بمنفعته مدة؛ كبيع العين المأجورة، فيصحُّ في الأظهر، والجامع: استحقاق المنفعة مؤقتة، قال في "المطلب": ويظهر تقييد الخلاف بما إذا كانت المدة معينة، فإن كانت مجهولة؛ كحياة زيد.. فيتعين القطع بالبطلان.
(وإن أبّد.. فالأصحُّ: أنه يصح بيعه للموصى له دون غيره) إذ لا فائدة له فيه، والثاني: يصحُّ مطلقًا؛ لكمال الملك فيه، والثالث: لا يصحُّ مطلقًا؛ لاستغراق المنفعة بحقِّ العين، ونقله القاضيان أبو الطيب والحسين عن الأكثرين، وقالا: إنه المذهب.
(وأنه تعتبر قيمة العبد كللُّها) رقبة ومنفعة (من الثلث إن أوصى بمنفعته أبدًا) لأنه حال بينه وبين الوارث، والحيلولة كالإتلاف، الا ترى أن الغاصب يضمن بها؟
والثاني: يعتبر ما نقص من قيمته؛ إذ لا بدَّ أن تبقى له قيمة طمعًا في إعتاقه، وولائه، ولبقاء الرقبة للوارث، فلا معنى لاحتسابها على الموصى له، وصححه
وَإِنْ أَوْصَى بِهَا مُدَّةً.. قُوِّمَ بِمَنْفَعَتِهِ ثُمَّ مَسْلُوبَهَا تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَيُحْسَبُ النَّاقِصُ مِنَ الثُّلُثِ. وَتصِحُّ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ فِي الأَظْهَرِ، وَيُحَجُّ مِنْ بَلَدِهِ أَوِ الْمِيقَاتِ كَمَا قَيَّدَ، وَإِنْ أَطْلَقَ.. فَمِنَ الْمِيقَاتِ فِي الأَصَحِّ. وَحَجَّةُ الإِسْلَامِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَإِنْ أَوْصَى بِهَا مِنْ رَأْسِ الْمَال أَوِ الثُّلُثِ.. عُمِلَ بِهِ،
الغزالي وطائفة، فعلى هذا: تحسب قيمة الرقبة على الوارث على الأصحِّ.
مثاله: أوصى بعبد قيمته بمنافعه مئة وبدونها عشرة؛ فعلى الأول.. تعتبر المئة من الثلث، ويشترط: أن يكون له مئتان سوى العبد، وعلى الثاني.. المعتبر تسعون فقط، فيشترط: أن يبقى للورثة ضعف التسعين مع العشرة على وجه، ودونها على وجه.
(وإن أوصى بها مدة.. قوِّم بمنفعته ثم مسلوبَها تلك المدة، ويحسب الناقص من الثلث) لأن الحيلولة بعرض الزوال؛ فإذا قوّم بالمنفعة بمئة ثم بدونها تلك المدة بثمانين.. فالوصية بعشرين هذا أصحُّ الطرق، وقيمة الرقبة هنا محسوبة من التركة قطعًا، والطريق الثاني: طرد الخلاف في الوصية المؤبدة، والئالث: أنا إن اعتبرنا هناك ما بين القيمتين.. فهنا أولى، وإلا.. فوجهان، أحدهما: التفاوت، والثاني: الرقبة.
والرابع: أن المعتبر من الثلث: أجرة مثل تلك المدة، وذكر العبد مثال؛ فإن منفعة الدار وثمرة البستان كذلك.
(وتصحُّ) الوصية (بحجِّ تطوُّع في الأظهر) الخلاف مبني على جواز النيابة فيه، والأظهر: الجواز؛ لأنه عادة تدخل النيابة في فرضها فتدخل في نفلها؛ كأداء الزكاة، وهو محسوب من الثلث؛ كسائر التبرعات، والعمرة في ذلك كالحج.
واحترز بالتطوع: عن الفرض؛ فيصحُّ قطعًا.
(ويُحجُّ من بلده أو الميقات كما قيَّد) عملًا بوصيته، (وإن أطلق.. فمن الميقات في الأصحِّ) حملًا على أقلِّ الدرجاتِ، والثاني: من بلده؛ لأنه العرف فيه.
(وحجة الإسلام من رأس المال) وإن لم يوص بها على المشهور؛ كسائر الديون، والحجة المنذورة كحجة الإسلام.
(فإن أوصى بها من رأس المال أو الثلث.. عُمل به) وهو في الأولى تأكيد؛ لأنه
وَإِنْ أَطْلَقَ الْوَصِيَّةَ بِهَا.. فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَقِيلَ: مِنَ الثُّلُثِ، وَيُحَجُّ مِنَ الْمِيقَاتِ. وَلِلأَجْنَبِيِّ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الْمَيْتِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ فِي الأَصَحِّ
المفعول بدونها، وفي الثانية قصد الرفق بالورثة، وفائدة جعلها من الثلث: مزاحمة الوصايا، فيقسم الثلث بينها بالسوية، ويكمل الواجب من رأس المال؛ فإن لم يكن غير الوصية بالحج.. فلا فائدة في قولهم: (تعتبر من الثلث) لأنه يجب قضاؤه على كلِّ تقدير.
(وإن أطلق الوصية بها.. فمن رأس المال) كما لو لم يوص، وتحمل الوصية بها على التأكيد والتذكار بها، (وقيل: من الثلث) لأنها من رأس المال، فوصيته بها قرينة دالة على أنها من الثلث؛ إذ هو مصرف الوصايا، وهذا قول لا وجه، فكان الصواب أن يقول: (وفي قول).
(ويُحجُّ من الميقات) أي: ميقات بلده؛ لأنه لو كان حيًّا.. لم يلزمه سواه، ولا يخرج من ماله إلا ما كان مستحقًّا عليه.
(وللأجنبي أن يحج عن الميت بغير إذنه في الأصحِّ) كقضاء دينه، والثاني: المنع؛ لافتقاره إلى النية فلا بدَّ من استنابة، وصححه المصنف في نظيره من الصوم في (كتاب الصيام) 1 لكن فرق: بأن للصوم بدلًا وهو الأمداد.
وقوله: (بغير إذنه): ظاهره: إذن الميت، ويشترط: كون إذنه في حال جواز الاستنابة، وقال ابن الملقن: أي: بغير إذن الوارث، وكذا صورها في "الروضة" و"أصلها"، وهو صحيح أيضًا؛ فإنه يصحُّ بإذن الوارث، قطعًا 2.
قال الأَذْرَعي: وحينئذ ينبغي أن يقال: (بغير إذن) ليشمل إذنه وإذن الوارث والحاكم حيث لا وارث.
واحترز بقوله: (بغير إذنه): عما إذا أذن هو أو وارثه.. فإنه يجوز قطعًا.
وبالأجنبي: عن الوارث.. فإنه يجوز له جزمًا، هذا كلُّه في حجِّ الفرض، أما التطوع.. فقال العراقيون: إن لم يوص به.. لم يصحَّ عنه، ونقل المصنف في "شرح
وَيُؤَدِّي الْوَارِثُ عَنْهُ الْوَاجِبَ الْمَالِيَّ فِي كَفَّارَةٍ مُرَتّبَةٍ، وَيُطْعِمُ وَيَكْسُو فِي الْمُخَيَّرَةِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يُعْتِقُ أَيْضًا، وَأَنَّ لَهُ الأَدَاءَ مِنْ مَالِهِ إِذَا لَمْ تَكُنْ تَرِكَةٌ، وَأَنَّهُ يَقَعُ عَنْهُ لَوْ تَبَرَّعَ أَجْنَبِيٌّ بِطَعَامٍ أَوْ كِسْوَةٍ،
المهذب" هناك الاتفاق عليه، مع حكايته هنا تبعًا للرافعي عن السَّرَخْسي: أن للوارث الاستنابة، وأن الأجنبي لا يستقل به على الأصحِّ 1.
(ويؤدي الوارث عنه) من التركة (الواجب المالي في كفارة مرتبة) ككفارة القتل والوقاع والظهار.
والمراد بـ (الواجب المالي): العتق أو غيره، ويكون الولاء للميت إذا أعتق.
واحترز بـ (المالي): عن البدني، كالصوم وهو بناء على الجديد، وسبق أن المختار: القديم في أنه يؤديه عنه أيضًا.
(ويطعم ويكسو) من التركة (في المخَيَّرة) ككفارة اليمين، [ونذر اللجاج، وتحريم عين الأمة] 2. و (الواو) في (ويكسو) بمعنى (أو).
(والأصحُّ: أنه يعتق أيضًا) كالمرتبة، لأنه نائبه شرعًا، فإعتاقه كإعتاقه، والثاني: لا؛ لأن فيه إلحادتى الولاء بالميت، ولا ضرورة إليه.
(وأن له) أي: للوارث (الأداء من ماله إذا لم تكن تركةٌ) سواء العتق وغيره، كقضاء الدين، والثاني: المنع، لبعد العبادة عن النيابة، والثالث: يمتنع الإعتاق فقط، لبعد إثبات الولاء للميت.
وقوله: (إذا لم تكن تركة): يفهم منعه عند وجود تركة، وقال السبكي: إن الذي يظهر جواز الأداء من ماله مع وجود تركة، قال: ثم رأيت في "البيان" ما يوافقه، وفي كلام الرافعي ما يخالفه بحثًا، فإنه قال: يشبه أنه كالأجنبي، ونازعه السبكي فيه 3.
(وأنه يقع عنه لو تبرع أجنبي بطعام أو كسوة) على الأصحِّ، كقضاء الدين،
لَا إِعْتَاقٍ فِي الأَصَحِّ. وَينْفَعُ الْمَيْتَ صَدَقَةٌ وَدُعَاءٌ مِنْ وَارِثٍ وَأَجْنَبِيٍّ.
والثاني: لا؛ لبعد العبادة عن النيابة.
(لا إعتاق في الأصحِّ) لاجتماع عدم النيابة، وبعد إثبات الولاء للميت، والثاني: يقع عنه؛ كالوارث، وتابع "المحرر" في هذا الترجيح، وليس في "الشرحين" و"الروضة" هنا ترجيح بل قالا: قيل على الوجهين؛ أي: في تبرعه عنه لغيره 1.
وقيل: بالمنع قطعًا، لكن في "الروضة" و"أصلها" في (باب كفارة اليمين) تصحيح المنع في المخيرة، والجواز في المرتبة؛ بناء على إحدى العلتين في المخيرة، وهي سهولة التكفير بغير الإعتاق 2.
(وينفع الميتَ صدقةٌ ودعاء من وارث وأجنبي) بالإجماع؛ كما نقله المصنف وغيره؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ فدل على أن هذا ينفعهم، وفي "الصحيح": "أَوْ وَلَدٍ صَالِحِ يَدْعُو لَهُ" 3.
وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إِنَّ الله يَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ؛ أَنَّى لِي هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ" 4.
وفي الصحيحِ: (أن سعد بن عبادة قال: يا رسول الله؛ إن أمي توفيت أفأتصدق عنها؛ قال: "نعَمْ" قال: أيُّ الصدقة أفضل؟ قال: "سَقْيُ الْمَاءِ") 5.
وشمل إطلاقه الصدقة: الوقف، وذكر صاحب "العدة": أنه لو أنبط عينًا، أو حفر نهرًا، أو غرس شجرًا، أو وقف مصحفًا في حياته، أو فعله عنه غيره بعد موته..
فَصْلٌ [في الرجوع عن الوصية]
لَهُ الرُّجُوعُ عَنِ الْوَصِيَّةِ وَعَنْ بَعْضِهَا
يلحق الثواب الميت، قال الرافعي: ولا يختص الحكم بوقف المصحف بل يجري في كلِّ وقف 1.
وكلام المصنف قد يفهم: أنه لا ينفعه ثواب غير ذلك؛ كالصلاة عنه قضاء أو غيره، وقراءة القرآن وهو المشهور عندنا 2.
نعم؛ يستثنى: ركعتا الطواف؛ فإن الأجير يأتي بهما عن المحجوج عنه تبعًا للطواف على الأصحِّ.
وحكى في "شرح مسلم" وجهًا: أن ثواب القراءة يصل إلى الميت، واختاره جماعة من الأصحاب منهم: ابن أبي عصرون، وابن الصلاح، وعليه عمل الناس، وما رآه المسلمون حسنًا.. فهو عند الله حسن، وألحق الماوردي القراءة عند القبر بالحج عنه، وذلك يقتضي وصول الثواب إليه.
وجوز القاضي الحسين الاستئجارَ على قراءة القرآن عند الميت، قال ابن الصلاح: وينبغي أن يقول: (اللهم؛ أوصل ثواب ما قرأناه لفلان)، فيجعله دعاء، وينبغي: الجزم بنفع هذا؛ لأنه إذا نفع الميت الدعاء، وجاز بما ليس للداعي.. فلأن يجوز بما له أولى، وهذا لا يختص بالقراءة، بل يجري في سائر الأعمال 3.
(فصل: له الرجوع عن الوصية وعن بعضها) لأنها عطية لم يزل عنها ملك معطيها، فأشبهت الهبة قبل القبض، وقد روى البيهقي تعليقًا عن عمر رضي الله عنه: (يغير الرجل من وصيته ما شاء)، وأسنده عن عائشة رضي الله عنها بإسناد صحيح 4.
بِقَوْلهِ: (نَقَضْتُ الْوَصِيَّةَ)، أَوْ (أَبْطَلْتُهَا)، أَوْ (رَجَعْتُ فِيهَا)، أَوْ (نَسَخْتُهَا)، أَوْ (هَذَا لِوَارِثِي). وَبِبَيْعٍ وَإِعْتَاقٍ وَإِصْدَاقٍ، وَكَذَا هِبَةٌ أَوْ رَهْنٌ مَعَ قَبْضٍ، وَكَذَا دُونَهُ فِي الأَصَحِّ. وَبِوَصِيَّةٍ بِهَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ، وَكَذَا تَوْكِيلٌ فِي بَيْعِهِ وَعَرْضُهُ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ
(بقوله: "نقضت الوصية"، أو "أبطلتها"، أو "رجعت فيها"، أو "نسختها") 1 وكذا أزلتها، ورددتها، ودفعتها ونحوها من الصرائح، (أو) قال: ("هذا لوارثي") بعد موتي، أو (هو ميراث عني) لأنه لا يكون للوارث إلا وقد ردّه إلى نفسه فهو كقوله: (رددته).
(و) يحصل (ببيعٍ) وإن فسخ في زمن الخيار، (وإعتاق وإصداق) ونحوه من التصرفات الناجزة اللازمة في الحياة بالإجماع؛ كما نقله ابن المنذر، ولأنه يدل على الإعراض عن الوصية.
(وكذا هبة أو رهن مع قبض) لزوال الملك في الأولى، وتعريضه للبيع في الثانية، (وكذا دونه في الأصحِّ) لأنه عرضه لزوال الملك، وذلك يدل على الإعراض عن الوصية، والثاني: لا فيهما؛ أما في الهبة.. فلأنه لم يؤثر في ملكه، فكذا في رجوعه، وأما الرهن.. فلأنه لا يزيل الملك بل هو نوع انتفاع؛ كالاستخدام.
وإطلاقه قد يشمل: الهبة الفاسدة، وفيها أوجه في "الحاوي": ثالثها: إن أقبض.. كان رجوعًا، وإلا.. فلا، قال في "الكفاية": وكلامه يفهم: طردها في الرهن الفاسد أيضًا 2.
(وبوصية بهذه التصرفات) أي: بالبيع وما بعده؛ لإشعاره بالرجوع.
(وكذا توكيل في بيعه وعرضُه عليه في الأصحِّ) لأنه توسل إلى أمر يحصل به الرجوع، والثاني: لا؛ لأنه قد لا يوجد، هذا كلُّه في الوصية بمعين، أما إذا أوصى بثلث ماله ثم تصرف فيما يملكه ببيع أو إعتاق أو غيرهما.. لم يكن رجوعًا، ولو هلك جميع ماله.. لم تبطل الوصية؛ لأن الثلث مطلقًا لا يختص بما عنده حال الوصية، بل العبرة بما يملكه عند الموت.
وَخَلْطُ حِنْطَةٍ مُعَيَّنَةٍ رُجُوعٌ، فَلَوْ أَوْصَى بِصَاعٍ مِنْ صُبْرَةٍ فَخَلَطَهَا بِأَجْوَدَ مِنْهَا.. فَرُجُوعٌ، أَوْ بِمِثْلِهَا.. فَلَا، وَكَذَا بِأَرْدَأَ فِي الأَصَحِّ.
وَطَحْنُ حِنْطَةٍ وَصَّى بِهَا، وَبَذْرُهَا، وَعَجْنُ دَقِيقٍ، وَغَزْلُ قُطْنٍ، وَنَسْجُ غَزْلٍ، وَقَطْعُ ثَوْبٍ قَمِيصًا، وَبِنَاءٌ وَغِرَاسٌ فِي عَرْصَةٍ.. رُجُوعٌ.
فَصْلٌ [في الإيصاء وما يتبعه]
يُسَنُّ الإِيصَاءُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ،
(وخلطُ حنطة معيَّنة رجوعٌ) سواء خلطها بمثلها أو أجود أو أردأ؛ لتعذر التسليم بما أحدثه في العين.
(فلو أوصى بصاع من صبرة) معينة (فخلطها بأجود منها.. فرجوع) لأنه أحدث بالخلط زيادة لم يرض بتسليمها، (أو بمثلها.. فلا) قطعًا؛ فإنه لا يحدث تغييرًا؛ إذ لا فرق بين المثلين.
(وكذا بأردأ في الأصحِّ) لأن التغيير عيبه بالنقص، فأشبه تعييب الموصى به، أو إتلاف بعضه، والثاني: رجوع؛ لأنه غيَّر الموصى به عما كان، فأشبه الخلط بالأجود، وهذا ما أورده القاضي أبو الطيب ونسبه إلى عامة الأصحاب، واختاره الإمام، ولم ينسب الشيخان ما رجحاه لأحد 1.
(وطحنُ حنطة وصَّى بها، وبذرُها، وعجن دقيق، وغزل قطن، ونسج غزل، وقطع ثوب قميصًا، وبناء وغراس في عرصة.. رجوع) لزوال الاسم، وإشعاره بالإعراض.
(فصل: يسن الإيصاء بقضاء الدين) لأنه إذا شرع له الوصية في حق غيره.. فحاجة نفسه أولى، وهذا في الدين الذي لا يعجز عن وفائه في الحال، أما الذي يعجز عن وفائه في الحال.. فالوصاية به واجبة؛ كما قاله في "الروضة"، وكذا
وَتنفِيذِ الْوَصَايَا، وَالنَّظَرِ فِي أَمْرِ الأَطْفَالِ. وَشَرْطُ الْوَصِيِّ: تَكْلِيفٌ، وَحُرِّيَّةٌ، وَعَدَالَةٌ، وَهِدَايَةٌ إِلَى التَّصَرُّفِ الْمُوصَى بِهِ، وَإِسْلَامٌ، لَكِنِ الأَصَحُّ: جَوَازُ وَصِيَّةِ ذِمِّيٍّ إِلَى ذِمِّيٍّ
الإيصاء برد المظالم واجب، وقد اعترض في "الروضة" على الرافعي على اقتصاره فيه على الاستحباب 1.
(وتنفيذِ الوصايا) أي: يسن أن يوصي بتنفيذ وصاياه إن أوصى بشيء، (والنّظرِ في أمر الأطفال) أي: يسن أيضًا.
وإن كان القياس منعه؛ لانقطاع سلطنة الموصي وولايته بالموت، لكن الدليل قام على جوازه؛ فروى سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة قال: أوصى إلى الزبير سبعة من الصحابة، منهم: عثمان والمقداد وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود 2؛ فكان يحفظ أموالهم، وينفق عليهم من ماله، ولم يعرف لهم مخالف.
(وشرط الوصي: تكليف) لأن غيره مولّىً عليه، فكيف يلي أمر غيره؟ ! (وحرية) لأن الرقيق مشغول بسيده، والوصاية تستدعي فراغًا، وسواء عبده وعبد غيره، وسواء القن والمكاتب والمبعّض، (وعدالة) فلا تجوز إلى فاسق بالإجماع؛ لأنها ولاية وائتمان.
(وهداية إلى التصرف الموصى به) فلا تصحُّ إلى من لا يهتدي إليه؛ لسفه أو مرض أو هرم أو تغفل؛ إذ لا مصلحة في تولية مَنْ هذا حاله، (وإملام) فلا تصحُّ وصاية مسلم إلى كافر، لتهمته، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ الآية.
(لكن الأصحُّ: جواز وصية ذمي إلى ذمي) بشرط كونه عدلًا في دينه؛ كما يجوز أن يكون وليًّا لأولاده، والثاني: المنع؛ كشهادته.
ويشترط أيضًا: ألّا يكون الوصي عدوًّا للطفل؛ كما حكاه الرافعي عن الروياني وآخرين، وإنهم حصروا الشرائط بلفظ مختصر فقالوا: ينبغي أن يكون الوصي بحيث
وَلَا يَضُرُّ الْعَمَى فِي الأَصَحِّ، وَلَا تشتَرَطُ الذُّكُورَةُ، وَأُمُّ الأَطْفَالِ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا. وَيَنْعَزِلُ الْوَصِيُّ بِالْفِسْقِ، وَكَذَا الْقَاضِي فِي الأَصَحِّ، لَا الإِمَامُ الأَعْظَمُ. وَيَصِحُّ الإِيصَاءُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ. وَتنفِيذُ الْوَصِيَّةِ مِنْ كُلِّ حُرٍّ مُكَلَّفٍ،
تقبل شهادته على الطفل 1. ونقض بالذمي، فإنه يوصي إلى الذمي ولا تقبل شهادته عليه.
وفي وقت اشتراط الشروط المذكورة أوجه: أصحها: حالة الموت.
(ولا يضر العمى في الأصحِّ) لأنه من أهل الشهادة، كالبصير، ويوكل فيما لا يمكنه، والثاني: يضر، لأنه لا يصحُّ بيعه وشراؤه بنفسه، فلا يفوّض إليه أمر غيره.
(ولا تشترط الذكورة) بالإجماع، وقد أوصى عمر رضي الله عنه إلى ابنته حفصة رضي الله عنها؛ كما أخرجه أبو داوود 2.
(وأم الأطفال أولى من غيرها) إذا حصلت الشروط فيها، لأنها أكثر شفقة.
(وينعزل الوصي بالفسق) لزوال الشرط، وفي معناه: قيم الحاكم، (وكذا القاضي في الأصحِّ) لزوال الشرط، والثاني: لا؛ كالإمام.
(لا الإمام الأعظم) لتعلق المصالح الكلية بولايته، بل تجوز تولية الفاسق ابتداء إذا دعت إليه ضرورة، وقيل: ينعزل، ونقل المَحاملي في (الأقضية) من "المجموع" الاتفاق عليه، سوى شذوذ من أصحاب الحديث، وصوّبه في "المطلب"، واقتضى كلامه: تفرد الرافعي بترجيح عدم الانعزال 3.
(ويصحُّ الإيصاء بقضاء الدين، وتنفيذ الوصية من كلِّ حرٍّ مكلّف) لما سبق أول الباب 4، وكللامه يفهم: أن السفيه إذا صححنا وصيته بالمال.. أن له تعيين شخص
وَيُشْتَرَطُ فِي أَمْرِ الأَطْفَالِ مَعَ هَذَا: أَنْ يَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِمْ. وَلَيْسَ لِوَصِيٍّ إِيصَاءٌ، فَإِنْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ.. جَازَ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ قَالَ: (أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ إِلَى بُلُوغِ ابْنِي أَوْ قُدُومِ زَيْدٍ، فَإِذَا بَلَغَ أَوْ قَدِمَ فَهُوَ
لتنفيذها، قال السبكي: ولم أر فيه إلا ما اقتضاه هذا الكلام، وهو محتمل، ومنعه أيضًا يحتمل فيَليهِ الحاكم.
انتهى، وقال في "المطلب": ينبغي إضافة الرشد إلى الشرطين المذكورين.
(ويشترط في أمر الأطفال) والمجانين (مع هذا) أي: مع الحرية والتكليف (أن يكون له ولاية عليهم) مبتدأة من الشرع لا بتفويض، فتثبت الوصاية عليهم للأب والجد وإن علا دون غيرهما من الأقارب، ويخرج الوصي والقيم، وكذا الأب والجد إذا نصبهما الحاكم في مال من طرأ سفهه؛ لأنه وليه الحاكم دونهما على الأصحِّ، ويخرج الأم أيضًا على المذهب.
(وليس لوصيّ إيصاءٌ) كالوكيل (فإن أُذن له فيه.. جاز في الأظهر) كالوكيل يوكل بالإذن، والثاني: لا؛ لبطلان إذنه بالموت.
وصورة الإذن: أن يضيف إليه بأن يقول: (أوصِ بتركتي) (ونحوه، أما إذا قال: (أوص لمن شئت) أو (إلى فلان) (ولم يضف إلى نفسه.. لم يوص عنه على الأصحِّ عند البغوي وأقرّاه 1.
ومحلُّ الخلاف: فيما إذا أذن له أن يوصي عن نفسه، أما إذا أذن له أن يوصي عن الموصي.. صحّ قطعًا، حكاه في "البيان" عن ابن الصباغ، ونقله ابن الرفعة عن القاضي أبي الطيب وابن الصباغ والروياني في (كتاب الوكالة)، قال: وكلام الرافعي مصرح بأن الخلاف في الثانية 2.
(ولو قال: "أوصيت إليك إلى بلوغ ابني أو قدوم زيد، فإذا بلغ أو قدم.. فهو = معلق بـ (يصح) أيضًا فلا تكرار.
اهـ "نهاية المحتاج" (6/ 103). وقال ابن الفركاح: ينبغي أن يقرأ (تنفيذ) بزيادة (ياء) بين (الفاء) (و (الذال) كما هو في "المحرر" و"الشرح" و"الروضة".
اهـ "النجم الوهاج" (6/ 330).
الْوَصِيُّ).. جَازَ. وَلَا يَجُوزُ نَصْبُ وَصِيٍّ وَالْجَدُّ حَيٌّ بِصِفَةِ الْوِلَايَةِ، وَلَا الإِيصَاءُ بِتَزْوِيجِ طِفْلٍ وَبِنْتٍ. وَلَفْظُهُ: (أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ)، أَوْ (فَوَّضتُ)، وَنَحْوُهُمَا. وَيَجُوزُ فِيهِ التَّوْقِيتُ وَالتَّعْلِيقُ
الوصي".. جاز) وكذا لو قال: (أوصيت إليك سنة وبعدها وصيي فلان) لأن الأب هو الموصي إليهما، ولا يضر التعليق، إذ الوصية تحتمل الأخطار والجهالات، ولو قال: (أوصيت إليك؛ فإذا نزل بك حادث الموت فقد أوصيت إلى من أوصيت إليه)، أو (فوصيُّك وصيي).. فباطلة على الأظهر، لجهالة الموصى إليه.
وكان ينبغي للمصنف: تأخير هذا إلى قوله: (ويجوز فيه التوقيت والتعليق) فإنه مثال له.
(ولا يجوز) للأب (نصب وصي) في أمر الأطفال) (والجدُّ حي بصفة الولاية) لأن ولايته ثابتة بالشرع، كولاية التزويج، وقيل: يجوز؛ لأنه أولى من الجد، فكذا نائبه.
واحترز بـ (صفة الولاية): عما إذا كان غير أهل، لفسق ونحوه.. فإنه يجوز، فلو تأهل للولاية بعد الموت.. قال الأَذْرَعي: فالقياس: انعزال الوصي.
(ولا الإيصاء بتزويج طفل وبنت) مطلقًا مع وجود الجد وعدمه وعدم الأولياء، لأن البالغين لا وصاية في حقهم، والصغائر لا يزوجهم غير الأب والجد.
(ولفظه) أي: لفظ الإيصاء كما قاله في "المحرر" 1 ("أوصيت إليك" أو "فوضت") إليك) 2 (ونحوهما) كـ (أقمتك مقامي في أمر أولادي بعد موتي)، هذا في الناطق، أما الأخرس.. فتكفي إشارته المفهمة وكتابته.
(ويجوز فيه) أي: في الإيصاء (التوقيت) كـ (أوصيت إليك سنة)، أو (إلى بلوغ ابني)، (والتعليق) كـ (إذا مت.. فقد أوصيت إليك) لأنها تحتمل الأخطار والجهالات.
وَيُشْتَرَطُ بَيَانُ مَا يُوصِي فِيهِ - فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى: (أَوْصَيْتُ إِلَيْكَ).. لَغَا - وَالْقَبُولُ، وَلَا يَصِحُّ فِي حَيَاتِهِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ وَصَّى اثْنَيْنِ.. لَمْ يَنْفَرِدْ أَحَدُهُمَا
(ويشترط: بيان ما يوصي فيه) كـ (أوصيت إليك في قضاء ديوني)، و (تنفيذ وصيتي)، و (التصرف في مال أطفالي)، ومتى خصص وصايته بحفظ ونحوه.. اتبع، أو عمم.. اتبع، وإن أطلق؛ بأن قال: (أوصيت إليك في أمري)، أو (أمر أطفالي) ولم يذكر التصرف.. ظاهر كلام المصنف: أنه لا يصحُّ، والمصحَّح في "الروضة": الصحة، ويتصرف ونقله الرافعي عن المتولي وأقرّه 1، وقيل: إن له الحفظ فقط، وجزم به في "الحاوي الصغير" 2.
(فإن اقتصر على: "أوصيت إليك".. لغا) كما لو قال: ) (وكلتك) (ولم يبين ما وكل فيه.
(و) يشترط (القبول) لأنها عقد تصرف، فأشبهت الوكالة.
وقضية كلامه: اشتراطه لفظًا، لكن في "الروضة" و"أصلها": وهل يقوم عمل الوصي مقام لفظ قبوله؟ وجهان، وكلُّ هذا مأخوذ من الوكالة.
انتهى 3.
وهو قد يقتضي ترجيح عدم الاشتراط، وبه جزم القفال في "فتاويه"، كما نقله الأَذْرَعي.
(ولا يصحُّ) القبول (في حياته في الأصحِّ) لأنه لم يدخل وقت التصرف؛ كالوصية له بالمال، والثاني: يصحُّ؛ كالوكالة، والرد في حياة الموصي على هذا الخلاف.
(ولو وصى اثنين) 4 بأن قال: (أوصيت إليكما)، كما قالاه في "الشرح" و"الروضة" 5 (لم ينفرد أحدهما) تنزيلًا على الأخذ بالأقل والأحوط، وهو الاجتماع، وقد يكون أحدهما أوثق والآخر أحدق.
إِلَّا إِنْ صَرَّحَ بِهِ. وَلِلْمُوصِي وَالْوَصِيِّ الْعَزْلُ مَتَى شَاءَ. وَإِذَا بَلَغَ الطِّفْلُ وَنَازَعَهُ فِي الإِنْفَاقِ عَلَيْهِ.. صُدِّقَ الْوَصِيُّ،
قال الشيخ عز الدين: وهو مشكل؛ لما فيه من مخالفة الظاهر الحقيقي حملًا على مجاز بعيد لم يدل عليه لفظ الإذن.
وإذا قلنا: باشتراط اجتماعهما.. قال الإمام: فليس المراد: تلفظهما بالعقد معًا، وإنما صدوره عن رأيهما وإن باشره أحدهما، أو غيرهما بأمرهما 1.
ومحلُّ وجوب الاجتماع: في أمر الأطفال وأموالهم، وتفرقة الوصايا غير المعينة، وقضاء دين ليس في التركة جنسه، أما ردُّ الودائع والمغصوب والعواري، وتنفيذ وصية معينة، وقضاء دين في التركة جنسه.. ففي "التهذيب" وغيره: لكل الانفراد؛ فإن لصاحبه الاستقلال بأخذه 2.
قال الرافعي ما معناه: إن هذا واضح في وقوع المدفوع موقعه، وعدم نقضه، وأما جواز الإقدام على الانفراد.. فليس واضحًا؛ فإنهما لم يتصرفا إلا بالوصاية، فليكن بحسبها، قال: وفي كلامهم ما هو كالصريح فيما ذكرته، فلتجئ فيه الأحوال المذكورة في سائر التصرفات؛ أي: من إطلاق أو تصريح، باجتماع أو انفراد 3.
(إلا إن صرح به) فيجوز الانفراد عملًا بالإذن؛ كالوكالة.
(وللموصي والوصيّ العزلُ متى شاء) كالوكالة، ويستثنى: ما إذا تعين عليه أو غلب على ظنه تلف المال باستيلاء ظالم، قاله في "زيادة الروضة" 4، وسبقه إليه ابن الصلاح وابن عبد السلام وصرح بأنه لا يصحُّ عزله.
وصورة المسألة: إذا خلا ذلك عن العوض، قال الماوردي: وقد يكون بعوض إجارة فتلزم 5.
(وإذا بلغ الطفل ونازعه في الإنفاق عليه.. صُدِّق الوصي) بيمينه، وكذا قيّم
أَوْ فِي دَفْعٍ إِلَيْهِ بَعْدَ الْبُلُوغِ.. صُدِّقَ الْوَلَدُ.
الحاكم؛ لأنه أمين، وقيل: لا تقبل منه إلا ببينة؛ كما في دعوى البيع بالمصلحة.
وفرق الأول: بأن هنا تتعذر عليه إقامة البينة، بخلاف البيع، وهذا لا يختص بالطفل، فالمجنون بعد إفاقته والسفيه بعد رشده.. كذلك.
وأفهم كلامه: تصديق الأب والجد من باب أولى.
(أو في دفع إليه بعد البلوغ) والرشد (.. صدق الولد) بيمينه؛ لأنه لا تعسر إقامة البينة عليه.
قيل: وهذه مكررة؛ فقد ذكرها في (الوكالة)، وردّ: بأن تلك في القيّم المنصوب من جهة الحاكم، وهذه في الوصي.
كتابُ الوَدِيعة مَنْ عَجَزَ عَنْ حِفْظِهَا.. حَرُمَ عَلَيْهِ قَبُولُهَا، وَمَنْ قَدَرَ وَلَمْ يَثِقْ بِأَمَانَتِهِ.. كُرِهَ،
﴿كتاب الوديعة﴾
الوديعة لغةً: الشيء الموضوع عند غير صاحبه للحفظ، يقال كـ: أودعه: إذا دفعه إليه وقرره في يده أمانةً، وشرعًا: تطلق على المال نفسه، وعلى العقد المقتضي للاستحفاظ، ويصحُّ حملُ الترجمة على كلٍّ منهما، وعلى الثاني: فحقيقتها شرعًا: توكيل في حفظ مملوك أو محترم مختص على وجه مخصوص؛ ليدخل: النجاسة المنتفع بها، ويخرجَ: العين في يد الملتقط وما تطيّره الريح إلى داره ونحوه؛ فإنّ الائتمان فيها من جهة الشرع لا من المالك.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وهي وإن نزلت في رد مفاتيح الكعبة إلى عثمان بن طلحة.. فهي عامة في جميع الأمانات 1، وقوله صلى الله عليه وسلم: "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ" حسنه الترمذي، وصححه الحاكم على شرط مسلم 2، ولأن بالناس ضرورةً إليها.
(من عَجَز عن حفظها.. حرم عليه قبولها) لأنه يعرضها للتلف، واعتبر في "الحاوي" و"المهذب" للتحريم مع العجز: عدمَ الوثوق بأمانة نفسه 3.
(ومن قَدَر ولم يثق بأمانته.. كره)، المراد: من هو في الحال أمين ولكن يخاف الخيانة في ثاني الحال، ولا يلزم منه الفسق؛ فقد يخشى الأمين الخيانة.
وجزمه بالكراهة: لا يطابق كلام "المحرر"؛ فإنه قال: لا ينبغي أن يقبل،
فَإِنْ وَثِقَ.. اسْتُحِبَّ. وَشَرْطُهُمَا: شَرْطُ مُوَكِّلٍ وَوَكِيلٍ
وأطلقا في "الشرح" و"الروضة" وجهين بلا ترجيح: أحدهما: يحرم، والثاني: يكره 1.
نعم؛ ما ذكره المصنف ظاهر؛ لأجل الشك في حصول المفسدة.
قال صاحب "المطلب": ويظهر: أن هذا كلَّه فيما إذا أراد قبولها من غير اطلاع المالك على الحال، أما إذا أطلعه فرضي بذلك.. فلا تحريم ولا كراهة، قال: وكذا محلُّ ذلك إذا لم يتعين القبول، أما إذا تعين.. فقد نقول عند الخوف به أيضًا؛ كما في ولاية القضاء.
انتهى.
وصرح ابن يونس في "المحيط": بالقيد الأول، وفيه نظر، والوجه: تحريمه عند العجز عليهما، أما على المالك: فلإضاعته مالَه، وأما على المودع: فلإعانته على ذلك.
(فإن وَثِق) بأمانة نفسه وقدرته على حفظها (.. استحب) لأنه من التعاون المأمور به.
هذا إذا لم يتعين، فإن لم يكن غيره.. وجب، قال الرافعي: وهو محمول على أصل القبول؛ كما بينه السَّرَخْسي، دون إتلاف منفعة نفسه وحرزِه مجّانًا 2، قال الزركشي: وهو يفهم: جواز أخذ الأجرة عليها في هذه الصورة، لكن صرح الفارقي وابن أبي عصرون: بأنه لا يجوز له في هذه الحالة أخذ أجرة على الحفظ؛ لأنه صار واجبًا عليه، ويجوز له أخذ أجرة مكانَها.
قال ابن الرفعة: وللخلاف التفات في بنائه على الخلاف فيما إذا تعيّن عليه إنقاذ غريق فشرط عليه أجرة.. هل يستحقها؟، أو تعيّن عليه تعليم الفاتحة فأصدقها إياها.. هل يصحُّ؟ والصحيح فيها: نعم.
(وشرطهما) أي: المودِع والمودَع (شرط موكِّل ووكيل) لأنها استنابة في الحفظ.
وَيُشْتَرَطُ صِيغَةُ الْمُودِع؛ كـ (اسْتَوْدَعْتُكَ هَذَا)، أَوِ (اسْتَحْفَظْتُكَ)، أَوْ (أَنَبْتُكَ فِي حِفْظِهِ). وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لَفْظًا، وَيَكْفِي الْقَبْضُ. وَلَوْ أَوْدَعَهُ صَبِيٌّ أَوْ مَجْنُونٌ مَالًا.. لَمْ يَقْبَلْهُ، فَإِنْ قَبِلَ.. ضَمِنَ
(ويشترط: صيغة المودِع، كـ "استودعتك هذا"، أو "استحفظتك"، أو "أنبتك في حفظه") (ونحوها؛ كـ (أودعتك)، و (هو وديعة عندك)، و (احفظه)، وهي صرائح، وتنعقد بالكناية مع النية؛ كـ (خذه).
وهذا كلُّه في الناطق، أما الأخرس.. فتكفي إشارته المفهمة.
(والأصحُّ: أنه لا يشترط القبول لفظًا، ويكفي القبض) كما في الوكالة.
نعم؛ يشترط عدم الرد؛ كما قاله البغوي 1، والثاني: يشترط؛ بناءً على أنها عقد، والثالث: يفرق بين صيغة الأمر، كـ (احفظه)، والعقد؛ كـ (أودعتك) كما في الوكالة.
وبنى المتولي الخلاف على أن النظر في العقود إلى اللفظ والمعنى.
وقوله: (ويكفي القبض) قد يفهم: أنه لا بدَّ في المنقول من النقل، والذي في "التهذيب": أنه لو جاء به فقال: (هذا وديعتي) أو (احفظه)، فقال: (قبلت) أو قال: (ضعه).. كان إيداعًا 2، وقال المتولي: لا يكون إيداعًا ما لم يقبضه، وفي "فتاوى الغزالي": أنه إن كان الموضع في يده فقال: (ضعه).. دخل المال في يده؛ لحصوله في الموضع الذي هو في يده، وإن لم يكن؛ بأن قال: (انظر إلى متاعي في دكاني)، فقال: (نعم).. لم يكن وديعة 3.
(ولو أودعه صبي أو مجنون مالًا.. لم يقبله) لأن إيداعهما كالعدم، (فإن قبل.. ضمن) إذا قبض؛ لعدم الإذن المعتبر؛ كالغاصب، ولا يبرأ إلا بالردِّ على وليه.
ويستثنى من تضمينه: صورتان: إحداهما: لو خاف هلاكه فأخذه حِسْبة صونًا له.. لم يضمنه في الأصحِّ، الثانية: لو أتلف الصبي وديعةَ نفسِه بلا تسليط من المودع
وَلَوْ أَوْدَعَ صَبيًّا مَالًا فَتَلِفَ عِنْدَهُ.. لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ أَتْلَفَهُ.. ضَمِنَ فِي الأَصَحِّ. وَالْمَحْجُورُ عَليْهِ بِسَفَهٍ كَصَبِيٍّ. وَتَرْتَفِعُ بِمَوْتِ الْمُودِعِ أَوِ الْمُودَعِ وَجُنُونِهِ وَإِغْمَائِهِ
عنده.. قال ابن الرفعة: فالظاهر: براءته لأن فعل الصبي لا يمكن إحباطه، وتضمينه مالَ نفسه محال، فتعين البراءة.
انتهى، وبه صرح الرافعي في (الجراح) قبيل الفصل الثاني في المماثلة 1.
(ولو أودع صبيًّا) أو مجنونًا (مالًا فتلف عنده) (ولو بتفريط (.. لم يضمن) إذ ليس عليه حفظه، فهو كما لو تركه عند بالغ من غير استحفاظ.
(وإن أتلفه.. ضمن في الأصحِّ) لأنه لم يسلطه على إتلافه، وهو من أهل الضمان، والثاني: لا؛ كما لو باعه شيئًا وسلمه إليه.
وفرق الأول: بأن البيع إذن في الاستهلاك، بخلاف الإيداع.
وخصص بعضهم الخلاف: بغير القتل، وقال: لو كان عبدًا فقتله.. ضمن قطعًا، قال الأَذْرَعي: فإن صحَّ هذا.. جاء مثله في كلِّ ما لا يؤكل من الحيوان.
انتهى.
وذكر الشيخان في فوائد الخلاف: أن الوديعة إن قلنا: عقد.. لم يضمن الصبي، أو مجردُ ائتمان.. ضمن، قالا: والموافق لإطلاق الأكثرين: أنها عقد.
انتهى 2.
وقضيته: تصحيح عدم الضمان عكسَ المرجح هنا.
(والمحجور عليه بسفه كصبي) في جميع ما مر في إيداعه والأخذِ منه والإيداعِ عنده وعدم تضمينه بالتلف عنده، وكذا تضمينه بإتلافه؛ كما صرح به الماوردي 3؛ لما سبق من التوجيه.
(وترتفع بموت المودِع أو المودَع وجنونه وإغمائه) لأنها وكالة في الحفظ، وهذا حكم الوكالة، وترتفع أيضًا: بطريان حجر السفه؛ كما قاله في "الحاوي"
وَلَهُمَا الاسْتِرْدَادُ وَالرَّدُّ كُلَّ وَقْتٍ. وَأَصْلُهَا: الأَمَانَةُ، وَقَدْ تَصِيرُ مَضْمُونَةً بِعَوَارِضَ: مِنْهَا: أَنْ يُودِعَ غَيْرَهُ بِلَا إِذْنٍ وَلَا عُذْرٍ، فَيَضْمَنُ، وَقِيلَ: إِنْ أَوْدَعَ الْقَاضِيَ.. لَمْ يَضْمَنْ. وَإِذَا لَمْ يُزِلْ يَدَهُ عَنْهَا.. جَازَتِ الاسْتِعَانَةُ بِمَنْ يَحْمِلُهَا إِلَى الْحِرْزِ أَوْ يَضَعُهَا فِي خِزَانَةٍ مُشْتَرَكَةٍ. وَإِذَا أَرَادَ سَفَرًا.. فَلْيَرُدَّ إِلَى الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ،
و"الشامل" و"البيان" 1، وبعزل المالك، وبالجحود المضمن، وبكل فعل مضمن، وبالإقرار بها لآخر، وبنقل الملك فيها ببيع ونحوه.
(ولهما الاسترداد والرد كلَّ وقت) أي: للمودِع أن يسترده متى شاء؛ لأنه المالك، وللمودع الردُّ كذلك؛ لأنه متبرع بالحفظ.
(وأصلها: الأمانة) فلو تلفت بلا تفريط.. لم يضمن؛ لأن الله تعالى سماها أمانة، والضمان ينافيه، ولأن المودعَ يحفظها للمالك، فيدُه كيده، ولو ضمن المودَع.. لرغب الناس عن قبول الودائع.
(وقد تصير مضمونة بعوارضَ؛ منها: أن يودع غيره بلا إذن ولا عذرٍ، فيضمن) لأن المالك لم يرض بأمانة غيره ولا يدِه، (وقيل: إن أودع القاضي.. لم يضمن) لأن أمانة القاضي أظهر من أمانته، والصحيح: الضمان؛ لأنه مع حضور المالك أو وكيله لا ولاية للقاضي عليه، وفي غيبتهما لا ضرورة بالمودع، ولم يرض المالك بيد غيره.
(وإذا لم يُزِل يده عنها.. جازت الاستعانة بمن يحملُها إلى الحرز) (ولو أجنبيًّا، (أو يضعُها في خِزانة مشتركة) بينه وبين المعين، كما لو كانت خزانته وخزانة ابنه واحدة فدفعها إلى ابنه ليضعها في الخزانة المشتركة؛ لجريان العادة به؛ كما لو استعان في سقي البهيمة وعلفها.
وكان حقه أن يقول: (وإذا لم يزل يده عنها ولا نظرَه) كما صرح به ابن سُرَيج، قال الرافعي: وتابعوه 2.
(وإذا أراد سفرًا) (وإن قَصُر (.. فليرد إلى المالك أو وكيله) المطلق، أو في
فَإِنْ فَقَدَهُمَا.. فَالْقَاضِي، فَإِنْ فَقَدَهُ.. فَأَمِينٌ. فَإِنْ دَفَنَهَا بِمَوْضِعٍ وَسَافَرَ.. ضَمِنَ، فَإِنْ أَعْلَمَ بِهَا أَمِينًا يَسْكُنُ الْمَوْضِعَ.. لَمْ يَضْمَنْ فِي الأَصَحِّ
استرداد هذه خاصةً؛ ليخرج من العهدة، (فإن فقدهما) لغَيبة ونحوها (.. فالقاضي) لأنه نائب عن كلِّ غائب، ويلزمه القبول على الأصحِّ، وكذا الإشهاد على نفسه بقبضها، قاله الماوردي 1، وهذا في القاضي الأمين؛ كما نقله الأَذْرَعي عن تصريح الأصحاب، (فإن فقده.. فأمين) لئلا يتضرر بتأخير السفر، وهل يجب عليه الإشهاد على الأمين؟ فيه وجهان في "الكفاية" بلا ترجيح، قال ابن الملقن: ويظهر: ترجيح الوجوب؛ لأن الأمين قد ينكر 2.
ولو ترك هذا الترتيب.. ضمن.
(فإن دفنها بموضع وسافر.. ضمن) ولو كان حرزًا؛ لأنه عرّضها للأخذ، (فإن أعلم بها أمينًا يسكن الموضع) (وهو حرز مثلها (.. لم يضمن في الأصحِّ) لأن ما في الموضع في يد ساكنه، فكأنه أودعه إياه، والثاني: يضمن؛ لأن ذلك إعلام لا إيداع؛ لعدم التسليم.
وهل هذا الإعلام سبيله سبيل الإشهاد حتى يجب إعلام رجلين حضرا الدفن أو رجلٍ وامرأتين، أو سبيل الائتمان فيكفي إعلام امرأة لم تحضره؟ وجهان؛ أصحهما: الثاني.
وقوله: (يسكن الموضع) ليس بقيد؛ فإنّ مراقبتها من الجوانب أو من فوقُ مراقبةَ الحارس.. كذلك؛ كما نقلاه عن الإمام، وأقراه 3.
وصورة المسألة؛ كما قاله المصنف في "نكت التنبيه"، واقتضاه كلام "الشرح" و"الروضة" ونقله ابن الرفعة عن الأكثرين: عند فقد الحاكم 4، فإن قدر عليه وقلنا: إذا لم يكن حاكم يضمن.. فهنا أولى، وإن قلنا: لم يضمن؛ كما هو
وَلَوْ سَافَرَ بِهَا.. ضَمِنَ إِلَّا إِذَا وَقَعَ حَرِيقٌ أَوْ غَارَةٌ وَعَجَزَ عَمَّنْ يَدْفَعُهَا إِلَيْهِ كَمَا سَبَقَ. وَالْحَرِيقُ وَالْغَارَةُ فِي الْبُقْعَةِ، وَإِشْرَافُ الْحِرْزِ عَلَى الْخَرَابِ.. أَعْذَارٌ؛ كَالسَّفَرِ. وَإِذَا مَرِضَ مَرَضًا مَخُوفًا.. فَلْيَرُدَّهَا إِلَى الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ، وَإِلَّا.. فالْحَاكِمِ أَوْ أَمِينٍ أَوْ يُوصِي بِهَا،
المذهب.. فهي مسألة ما إذا أودع الأمينَ مع القدرة على الحاكم، وفيها وجهان؛ وقضيته: ترجيح التضمين.
(ولو سافر بها.. ضمن) لأن حرز السفر دون حرز الحضر، هذا إذا أودع حاضرًا، فإن أودع مسافرًا فسافر بها، أو منتجعًا فانتجع بها.. فإنه لا ضمان؛ لأن المالك رضي بذلك حين أودعه مع العلم بحاله، (إلا إذا وقع حريق أو غارة وعجز عمن يدفعها إليه كما سبق) أي: من المالك أو وكيله ثم الحاكم ثم أمين؛ فإنه لا يضمن؛ لقيام العذر، ويلزمه السفر بها حينئذ، وإلا.. كان مضيعًا لها.
وقضيته: أنه لا بدَّ في نفي الضمان من اجتماع الأمرين؛ العذر المذكور، والعجز عمن يدفعها إليه، وليس كذلك؛ فالعجز كافي، فلو سافر بها عند العجز من غير عذر من حريق ونحوه.. لم يضمن على الأصحِّ؛ لئلا ينقطع عن مصالحه وينفر الناس عن قبول الودائع.
(والحريقُ والغارة في البقعة، وإشرافُ الحرز على الخراب) (ولم يجد هناك حرزًا آخر ينقلها إليه (.. أعذار؛ كالسفر) في جواز الإيداع كما سبق؛ لظهور العذر.
والغارة لغة قليلة، والأفصح: الإغارة.
(وإذا مرض مرضًا مَخُوفًا.. فليردها إلى المالك أو وكيله) المطلق أو في قبضها، (وإلا) أي: وإن لم يمكنه ردها إلى أحدهما (.. فالحاكمِ أو أمينٍ) إن عجز عن الحاكم، (أو يوصي بها) إلى الحاكم إن أمكنه، أو إلى آمين؛ كما لو أراد سفرًا.
وقيل: تكفي الوصية وإن أمكن الرد إلى المالك، قال الزركشي: وهو حسن وسيأتى النص يشهد له؛ لأن الأصل عدمُ الموت.
والمراد بالوصية بها: أن يعلم بها ويصفها بما تتميز به، أو يشير إلى عينها ويأمر الوصي بردها بعد موته من غير أن يخرجها من يده، فإن سلّمها إلى الوصي ليردها..
فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ.. ضمِنَ، إِلَّا إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ، بِأَنْ مَاتَ فَجْأَةً
كان في حكم الإيداع، ولا بدّ مع ذلك من الإشهاد على ما يفعله؛ صونًا لها عن الإنكار، حكاه الرافعي عن الغزالي وأقره، وأسقطه من "الروضة"، وجزم به في "الكفاية" 1.
قال الأَذْرَعي: والظاهر: أن كلَّ حالة يعتبر فيها الوصية من الثلث مما سبق.. كالمرض المخُوف ههنا، فمن ذلك: الطلق، والأسر، والطاعون، وهيجان البحر، كما سبق بيانه، وفي "الروضة" و"أصلها" هنا: أن الحبس ليقتل كالمرض المخوف 2، وهذا قد يخالف كلامهم في الوصية، حيمث عدوا من المخوف التقدّمَ للقتل، فمقتضاه: أن ما قبل ذلك من الحبس ليس بمخوف.
قال البُلْقيني: ويمكن أن يفرق: بأن وقتَ التقديم للقتل وقتُ دهشة، فلو قلنا: له أن يؤخر الوصية إليه ثم تركها وضمناه.. لم يوف له بعذر الدهشة، وإن قلنا: يؤخر ثم إذا ترك لا يضمن.. لكنا مضيعين لحق مالك الوديعة، فمن أجل ذلك جُعِل وقتُ وصيته ما ذكره الأصحاب، وأما كونه في هذه الحالة لا يحسب تبرعه من الثلث.. فلأن بدنه صحيح ولم يغلب على ظنه حصول الهلاك، بخلاف ما إذا قُدّم للقتل؛ فإنه يغلب ذلك، فكان تبرعه فيه من الثلث.
انتهى
(فإن لم يفعل) ما ذكر (.. ضمن) لتقصيره، فإنه عرّضها للفوات؛ إذ الوارث يعتمد يده ويدّعيها له، وقيد ابن الرفعة ذلك: بما إذا لم يكن بالوديعة بينة باقية؛ لأنها كالوصية 3.
(إلا إذا لم يتمكن؛ بأن مات فجأة) أو قُتل غِيلة؛ لانتفاء التقصير 4 (وهذا الاستثناء منقطع؛ فإنه لم يدخل في قوله: (وإذا مرض مرضًا مخوفًا).
وَمِنْهَا: إِذَا نَقَلَهَا مِنْ مَحَلَّةٍ أَوْ دَارٍ إِلَى أُخْرَى دُونَهَا فِي الْحِرْزِ.. ضَمِنَ، وَإِلَّا.. فَلَا. وَمِنْهَا: أَلَّا يَدْفَعَ مُتْلِفَاتِهَا، فَلَوْ أَوْدَعَهُ دَابَّةً فَتَرَكَ عَلْفَهَا.. ضَمِنَ، فَإِنْ نَهَاهُ عَنْهُ.. فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ
(ومنها: إذا نقلها من مَحَلّة) إلى محلة (أو دار إلى) دار (أخرى دونها في الحرز.. ضمن) لأنه عرضها للتلف، (وإلا.. فلا) أي: فإن تساويا في الحرز أو كان المنقول إليه أحرزَ.. لم يضمن؛ لعدم التفريط.
نعم؛ لو نهاه عن النقل.. ضمن وإن نقل إلى أحرز، وكذا لو تلف بسبب النقل؛ كانهدام الدار المنقول إليها؛ فإنه يضمن وإن كانت أحرز.
واحترز بقوله: (إلى أخرى): عما إذا نقلها من بيت إلى بيت في دار واحدة أو خانٍ واحد.. فإنه لا ضمان وإن كان الأولُ أحرزَ؛ كما نقلاه عن "التهذيب" وأقراه، وحكى الإمام فيه الاتفاق 1.
وهذا كلُّه فيما إذا أطلق الإيداع، فإن أمره بالحفظ في موضع معين.. فسيأتي.
(ومنها: ألا يدفع متلِفاتها) مع المكنة؛ لأنه يجب عليه دفعها على المعتاد؛ لأنه من أصول حفظها، (فلو أودعه دابة فترك علْفها) - بإسكان اللام - مدةً يموت مثلها فيها لتَرْكِ العَلْف (.. ضمن) سواء أمره به أو سكت عنه؛ لتعدّيه؛ فإنه يلزمه أن يعلفها لحق الله تعالى، وبه يحصل الحفظ الذي التزمه بقبولها، وإن نقصت.. ضمن النقصان، وتختلف المدة باختلاف الحيوانات، وإن ماتت قبل مضيها.. فلا ضمان إن لم يكن بها جوع سابق، فإن كان وهو عالم به.. ضمن، وإلا.. فلا على الأصحِّ.
والسقي كالعلف فيما ذكر.
(فإن نهاه عنه.. فلا على الصحيح) كما لو أذن في الإتلاف، والثاني: يضمن؛ لأنه لا حكم لنهيه عما أوجبه الشرع؛ بدليل أنه أثم قطعًا.
هذا إذا نهاه لا لعلة، فإن كان لقُولَنْج أو تُخَمة.. لزمه امتثال نهيه، فلو خالف وعلفها قبل زوال العلة فماتت.. ضمن.
فَإِنْ أَعْطَاهُ الْمَالِكُ عَلَفًا.. عَلَفَهَا مِنْهُ، وَإِلَّا.. فَلْيُرَاجعْهُ أَوْ وَكِيلَهُ، فَإِنْ فُقِدَا.. فَالْحَاكِمَ، وَلَوْ بَعَثَهَا مَعَ مَنْ يَسْقِيهَا.. لَمْ يَضْمَنْ فِي الأَصَحِّ. وَعَلَى الْمُودَع تَعْرِيضُ ثِيَابِ الصُّوفِ لِلرِّيحِ؛ كَيْلَا يُفْسِدَهَا الدُّودُ، وَكَذَا لُبْسُهَا عِنْدَ حَاجَتِهَا. وَمِنهَا: أَنْ يَعْدِلَ عَنِ الْحِفْظِ الْمَأمُورِ بِهِ وَتَلِفَتْ بِسَبَبِ الْعُدُولِ.. فَيَضْمَنُ،
(فإن أعطاه المالك علفًا) بفتح اللام (.. علفها منه، وإلا.. فليراجعه أو وكيلَه) 1 ليستردها أو يعطيَ علفها، (فإن فُقدا.. فالحاكمَ) ليقترض عليه، أو يبيع جزءًا منها، أو يؤجرها ويصرف الأجرة في مؤنتها؛ كما في هرب الجمّال.
(ولو بعثها مع من يسقيها.. لم يضمن في الأصحِّ) لأنه العادة، وهو استنابة لا إيداع، والثاني: يضمن؛ لإخراجها من حرزها على يد من لم يأتمنه المالك.
ومحلُّ الخلاف: إذا كان المبعوث معه أمينًا ولا خوفَ، والمودع لا يخرج دوابه للسقي وعادتُه سقي دوابه بنفسه؛ فمع غير الأمين والخوف يضمن قطعًا، ومع إخراج دوابه للسقي أو كونه لا يسقي دوابه بنفسه لا ضمان قطعًا.
(وعلى المودَع تعريض ثياب الصوف) وما في معناها من شعر ووبر (للريح؛ كيلا يفسدها الدود، وكذا لُبْسها عند حاجتها) إذا تعيّن طريقًا لدفع الدود بسبب عَبَق ريح الآدمي بها.
ونبّه بالعلة -وهو خوف الإفساد- على جريانه في كلِّ ما في معناه؛ كركوب الدابة خوفًا عليها من الزَّمانة بكثرة الوقوف.
وقضية إطلاقه: أنه لا فرق بين أن يأمره بذلك أم لا، وهو كذلك.
نعم؛ إن نهاه.. لم يضمن.
وهذا كلُّه إذا عَلِم المودعَ، فإن لم يعلم؛ بأن كانت في صندوق أو كيس مشدود ولم يُعلمْه المالك.. فلا ضمان.
(ومنها: أن يعدل عن الحفظ المأمور به، وتلفت بسبب العدول.. فيضمن) لأن التلف حصل من جهة المخالفة.
فَلَوْ قَالَ: (لَا تَرْقُدْ عَلَى الصُّنْدُوقِ) فَرَقَدَ وَانْكَسَرَ بِثِقَلِهِ وَتَلِفَ مَا فِيهِ.. ضَمِنَ، وَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِهِ.. فَلَا عَلَى الأَصَحِّ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (لَا تُقْفِلْ عَلَيْهِ قُفْلَيْنِ) فَأَقْفَلَهُمَا. وَلَوْ قَالَ: (ارْبِطِ الدَّرَاهِمَ فِي كُمِّكَ) فَأَمْسَكَهَا بِيَدِهِ فَتَلِفَتْ.. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ إِنْ ضَاعَتْ بِنَوْمٍ وَنسْيَانٍ.. ضَمِنَ،
(فلو قال: "لا ترقُد على الصندوق"، فرقد وانكسر بثقله وتلف ما فيه.. ضمن) للمخالفة، (وإن تلف بغيره.. فلا على الأصحِّ) 1 لأنه زاد خيرًا ولم يأت التلف مما جاء به، والثاني: يضمن؛ لأن رقوده عليه يوهم السارق نفاسةَ ما فيه فيقصده.
وصورة المسألة: ما إذا كان في بيت محرز وأخذه اللص مطلقًا، أو كان في صحراء وأخذه من رأس الصندوق، فإن كان في صحراء وأخذه اللص من جانب الصندوق.. ضمن في الأصحِّ، قال الرافعي: وإنما يظهر: إذا أخذه من جانب لو لم يرقُد فوقه لرقد هناك؛ بأن كان يرقُد قدّام الصندوق فانتهز السارق الفرصة، أو أمره بالرقاد قدامه فرقد فوقه فسرق من قدامه، قال: وقد تعرض لهذا القيد متعرضون 2.
(وكذا لو قال: "لا تقفل عليه قفلين" فأقفلهما) فلا ضمان على الأصحِّ، لأنه زاد احتياطًا، والثاني: يضمن؛ لأنه أغرى السارق به.
ومثله: ما لو قال: (لا تقفل عليه أصلًا) فأقفل قفلًا، أو (لا تغلق الباب) فغلقه.
قال صاحب "المعين": ومحلُّ الخلاف: في بلد لم تجر عادتهم بذلك، وإلا.. فلا ضمان قطعًا.
(ولو قال: "اربط الدراهم في كمك"، فأمسكها بيده فتلفت.. فالمذهب: أنه إن ضاعت بنوم ونسيان.. ضمن) لحصول التلف بالمخالفة؛ لأنها لو كانت مربوطة لم تَضِع بهذا السبب.
ولو قال: (أو نسيان) كما في "المحرر".. لكان أحسن 3.
أَوْ بأَخْذِ غَاصِبٍ.. فَلَا، وَلَوْ جَعَلَهَا فِي جَيْبهِ بَدَلًا عَنِ الرَّبْطِ فِي الْكُمِّ.. لَمْ يَضْمَنْ، وَبِالعَكْسِ.. يَضْمَنُ. وَلَوْ أَعْطَاهُ دَرَاهِمَ بِالسُّوقِ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ الْحِفْظِ فَرَبَطَهَا فِي كُمِّهِ وَأَمْسَكَهَا بِيَدِهِ أَوْ جَعَلَهَا فِي جَيْبِهِ.. لَمْ يَضْمَنْ،
(أو بأخذ غاصب.. فلا) لأن اليد أمنع للغصب حينئذ، وهذا نصه في "عيون المسائل"، ونقل المزني: أنه لا ضمان مطلقًا 1، والربيع عكسه.
ومقابل المذهب في كلام المصنف: إجراء قولين مطلقًا، وقيل: يضمن قطعًا.
وقضية كلامه: أنه إذا امتثل وربط.. لم يضمن مطلقًا، وفيه تفصيل؛ وهو أنه إن جعل الخيط خارج الكم فأخذها الطرَّار.. ضمن، أو استرسلت.. لم يضمن إذا أحكم الربط، وإن جعله داخله.. فبالعكس، هكذا أطلقوه، واستشكله الرافعي؛ لأن المأمور به مطلق الربط، فإذا أتى به.. لا ينظر إلى جهات التلف، بخلاف ما إذا عدل عن المأمور إلى غيره فحصل التلف، قال: وقضية ما قالوه: أنه لو قال: (احفظه في البيت) فوضعه في زاوية منه فانهدمت.. ضمن؛ لأنه لو كان في زاوية غيرها.. لسلم، وهو بعيد 2.
وفرق ابن الرفعة: بأن جهاتِ الربط مختلفة، وجهاتِ البيت مستوية، فإن فرض اختلافها في البناء والقرب من الشارع ونحوه.. فقد نقول: يختلف الحكم، ثم قال: والحق: صحة إشكال الرافعي، فإن الربط في الكم حرز كيف كان، ولا يجب الحفظ في الأحرز.
انتهى.
(ولو جعلها في جيبه بدلًا عن الربط في الكم.. لم يضمن) لأنه أحرز، إلا إذا كان واسعًا غير مزرور، ) (وبالعكس.. يضمن) لأن الجيب أحرز منه؛ لأنه بإرسال الكم قد تسقط.
(ولو أعطاه دراهم بالسوق ولم يبين كيفية الحفظ، فربطها في كمه وأمسكها بيده أو جعلها في جيبه.. لم يضمن) لأنه احتاط في الحفظ.
نعم؛ إن كان الجيب واسعًا غير مزرور.. ضمن، لسهولة أخذها منه باليد.
وَإِنْ أَمْسَكَهَا بِيَدِهِ.. لَمْ يَضْمَنْ إِنْ أَخَذَهَا غَاصِبٌ، وَيَضْمَنُ إِنْ تَلِفَتْ بِغَفْلَةٍ أَوْ نَوْمٍ، وَإِنْ قَالَ: (احْفَظْهَا فِي الْبَيْتِ).. فَلْيَمْضِ إِلَيْهِ وَيُحْرِزْهَا فِيهِ، فَإِنْ أَخَّرَ بِلَا عُذْرٍ.. ضمِنَ. وَمِنْهَا: أَنْ يُضَيِّعَهَا؛ بِأَنْ يَضَعَهَا فِي غَيْرِ حِرْزِ مِثْلِهَا، أَوْ يَدُلَّ عَلَيْهَا سَارِقًا أَوْ مَنْ يُصَادِرُ الْمَالِكَ. فَلَوْ أَكْرَهَهُ ظَالِمٌ حَتَّى سَلَّمَهَا إِلَيْهِ.. فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُهُ فِي الأَصَحِّ، ثُمَ يَرْجِعُ
ولو ربطها في كمه ولم يمسكها بيده.. قال الرافعي: فقياس ما سبق: أن ينظر إلى كيفية الربط وجهة التلف 1.
(وإن أمسكها بيده) من غير ربط في شيء (.. لم يضمن إن أخذها غاصب، ويضمنُ إن تلفت بغفلة أو نوم) لأنه حصل بسبب من جهته، بخلاف أخذ الغاصب منه.
(وإن قال) (وهو في السوق ("احفظها في البيت".. فليمض إليه) في الحال (ويحوزها فيه) عقب وصوله، (فإن أخّر بلا عذر.. ضمن) لتفريطه، قال السبكي: وينبغي: أن يرجع فيه إلى العرف، وهو يختلف باختلاف نفاسة الوديعة وطول التأخير وضدهما.
(ومنها: أن يضيعها؛ بأن يضعها في غير حرز مثلها) بغير إذن المالك وإن قصد بذلك إخفاءها، (أو يدل عليها سارقًا، أو من يصادر المالك) لأنه مأمور بحفظها في حرز مثلها والتحرّزِ عن أسباب تلفها.
وقضية كلامه: التضمين بمجرد الدلالة، حتى لو ضاعت بغير السرقة أو المصادرة.. ضمنت، وبه صرح القفال والماوردي والسنجي في "شرح التلخيص"، وكلامُ "الشرح" و"الروضة" مضطرب في اقتضاء ذلك 2.
ولا ينحصر التضييع فيما ذكره المصنف، بل لو ضاعت بالنسيان.. ضمنها في الأصحِّ.
(فلو أكرهه ظالم حتى سلمها إليه.. فللمالك تضمينه) أي: المودع (في الأصحِّ) لتسليمه، والضمان يستوي فيه الاختيار والاضطرار، (ثم يرجع) المودع
عَلَى الظَّالِمِ. وَمِنْهَا: أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا؛ بِأَنْ يَلْبَسَ أَوْ يَرْكَبَ خِيَانَةً، أَوْ يَأْخُذَ الثَّوْبَ لِيَلْبَسَهُ أَوِ الدَّرَاهِمَ لِيُنْفِقَهَا.. فَيَضْمَنَ
(على الظالم) لاستيلائه عليها، والثاني: المنع؛ لأنه مُلجأ؛ كما لو أخذها الغاصب بنفسه، ولا يلزمه أن يقي مال غيره بنفسه؛ كما لو صال عليه فحل فقتله.
واحترز بقوله: (سلمها إليه): عما لو أخذها منه قهرًا من غير دلالة.. فالضمان على الظالم فقط قطعًا، فلو لم يسلمها لكن دل عليها فأخذها.. قال الماوردي: المذهب: أنه لا يضمن؛ كالمُحْرِم إذا دل على صيد.. لا يضمنه؛ تقديمًا للمباشرة على السبب 1.
ويلزمه إخفاء الوديعة عن الظالم، ويحلف كاذبًا جوازًا؛ كما قاله الشيخان، وقال الغزالي في "الوسيط": وجوبًا 2، ثم إذا حلف بالله.. لزمه الكفارة، أو بالطلاق.. وقع على الأصحِّ، بخلاف ما لو أخذ القطاع مال رجل وقالوا: لا نتركك حتى تحلف بالطلاق أنك لا تخبر بنا، فحلف وأطلقوه وأخبر بهم.. فإنه لا يحنث؛ لأنهم أكرهوه على الحلف عينًا، وهنا خير بين الحلف والاعتراف، فتعينه لأحدهما اختيار له.
(ومنها: أن ينتفع بها؛ بأن يلبس أو يركب خيانة) لتعدّيه، قال البغوي: ومنه القراءة في الكتاب.
واحترز بقوله: (خيانة): عن لبس الصوف لدفع الدود ونحو ذلك.
نعم؛ يرد عليه: ما لو انتفع بها ظانًّا أنها ملكه.. فإنه يضمن؛ كما نقلاه عن الإمام في أوائل (باب الغصب) مع أنه لا خيانة 3.
(أو يأخذ الثوب ليلبَسه أو الدراهم لينفقها.. فيضمن) وإن لم يلبَس ولم ينفق؛ لاقتران الفعل بنية التعدي، قال البغوي: ويضمن قيمتها إذا تلفت في يده، فإن مضت
وَلَوْ نَوَى الأَخْذَ وَلَمْ يَأْخُذْ.. لَمْ يَضمَنْ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ خَلَطَهَا بِمَالِهِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ.. ضَمِنَ. وَلَوْ خَلَطَ دَرَاهِمَ كِيسَيْنِ لِلْمُودِع.. ضَمِنَ فِي الأَصَحِّ. وَمَتَى صَارَتْ مَضْمُونَةً بِانْتِفَاعٍ وَغَيْرِهِ ثُمَّ تَرَكَ الْخِيَانَةَ.. لَمْ يَبْرَأ، فَإِنْ أَحْدَثَ لَهُ الْمَالِكُ اسْتِئْمَانًا.. بَرِئَ فِي الأَصَحِّ
في يده مدة بعد التعدي.. وجب عليه أجرة مثل تلك المدة.
واحترز بقوله: (الدراهم) عما لو أخذ منها درهمًا لينفقه ثم رده.. فإنه يصير مضمونًا وحده دون الباقي على الأصحِّ، فلو تلف الكلُّ.. لم يلزمه إلا درهم.
(ولو نوى الأخذ ولم يأخذ.. لم يضمن على الصحيح) لأنه لم يحدث فعلًا، والثاني: يضمن؛ كما لو أخذ ابتداءً بنية الخيانة.
(ولو خلطها بماله ولم يتميز.. ضمن) لأنه لم يرض به، فإن تميزت بسكّة أو عتق أو حداثة، أو كانت دراهم فخلطها بدنانير.. فإنه لا ضمان.
نعم؛ إن حدث بالخلط نقص.. ضمن؛ كما نقله في "الكفاية" عن الماوردي 1.
(ولو خلط دراهم كيسين للمودِعِ) (ولم تتميز (.. ضمن في الأصحِّ) لتعديه، والثاني: لا؛ لأنه كلَّه لمالك واحد.
(ومتى صارت مضمونة بانتفاع وغيره ثم ترك الخيانة.. لم يبرأ) كما لو جحدها ثم اعترف بها، وعليه ردها إلى مالكها.
(فإن أحدث له المالك استئمانًا) من غير ردٍّ إليه؛ كقوله: (استأمنتك عليها)، أو (أذنت لك في حفظها)، ونحو ذلك (.. برئ في الأصح) لأنه أسقط حقه، والثاني: لا حتى يردها إليه أو إلى وكيله؛ لحديث: "عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ" 2.