بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 361-400

وَقِيلَ: أَرْبَعَةً، وَفِي قَوْلٍ: أَبَدًا، وَقِيلَ: الْخِلَافُ فِي خَائِفِ الْقِتَالِ، لَا التَّاجِرِ وَنَحْوِهِ. وَلَوْ عَلِمَ بَقَاءَهَا مُدَّةً طَوِيلَةً.. فَلَا قَصْرَ عَلَى الْمَذْهَبِ.

ابن الصلاح والسبكي؛ لما في "البخاري" عن ابن عباس: (أنه عليه الصلاة والسلام قَصَرَ تسعة عشر يومًا)، قال البيهقي: وهو أصحُّ الروايات 1. (وقيل: أربعةً) غير يومي الدخول والخروج؛ لأن الترخص إذا امتنع بنية إقامتها.. فبإقامتها أولى، وحكياه في "الشرح" و"الروضة" قولًا 2، (وفي قول: أبدًا) وحكى الترمذي الإجماع عليه 3؛ لأن الظاهر: أنه لو زادت الحاجة.. لدام عليه الصلاة والسلام على القصر، بل روى أبو داوود: (أنه عليه الصلاة والسلام أقام بتبوكَ عشرين يومًا يقصر الصلاة) وصححه ابن حبان 4. ويروى: (أن ابن عمر رضي الله عنهما أقام بأَذْرَبِيجانَ ستة أشهر يَقصُر) 5. (وقيل: ) هذا (الخلاف في خائف القتال، لا التاجرِ ونحوِه) أي: فيُقطَع فيهما بالمنع فيما زاد على أربعة أيام؛ إذ الأصل الإتمام، والوارد إنما كان في القتال، والمقاتلُ أحوج إلى الترخّص، وأجاب الأول بأن القتال ليس هو المُرخِّص، وإنما المُرخِّص وصف السفر، وهو وغيره فيه سواء.
(ولو علم بقاءَها مدةً طويلةً) بأن كان يعلم أنه لا يتنجز شغلُه إلّا في خمسة أيام مثلًا (.. فلا قصر على المذهب) لأنه ساكن بعيد عن هيئة المسافرين، ووجه القصر: القياس على عدم انعقاد الجمعة به.
وظاهر كلامه: أنه لا فرق في جريان الخلاف بين المحارب وغيره، وليس كذلك، فالمعروف في غير المحارب الجزمُ بالمنع، وحكاية الخلاف فيه غلط؛ كما قاله في "الروضة" 6.

فَصْلٌ [في شروط القصر وتوابعها]

طَوِيلُ السَّفَرِ: ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا هَاشِمِيَّةً. قُلْتُ: وَهِيَ مَرْحَلَتَانِ بِسَيْرِ الأَثْقَالِ، وَالْبَحْرُ كَالْبَرِّ،

(فصل: طويل السفر: ثمانيةٌ وأربعون ميلًا هاشميةً) وفاقًا لابن عمر وابن عباس 1، قال الليث: وهو الذي عليه عمل الناس، وروى الدارقطني: أنه عليه الصلاة والسلام قال: "يَا أَهْلَ مَكَّةَ؛ لَا تقصُرُوا فِي أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ؛ مِنْ مَكَّةَ إِلَى عُسْفَانَ وَإِلَى الطَائِفِ" 2. والبريد: أربعة فراسخ، والفرسخ: ثلاثة أميال، والميل: أربعة آلاف خطوة، والخطوة: ثلاثة أقدام.
وقوله: (هاشمية) نسبة إلى بني هاشم؛ فإنهم وضعوها حين أفضت إليهم الخلافة.
واحترز بها: عن الأموية؛ فإنها أكبر من الهاشمية، كلّ خمسة منها ستة من تلك، وبها قدر الشافعي في القديم فقال: أربعون ميلًا يريد أموية.
واستحب الشافعي: ألا يقصر في أقل من مسيرة ثلاثة أيام؛ للخروج من خلاف أبي حنيفة في ضبطه به 3، والمعتبر: بلوغ الذهاب هذه المسافة لا بانضمام الإياب إليه، وهذه المسافة تحديد على الأصحِّ.
(قلت: وهي مرحلتان بسيرِ الأثقال) ودبيب الأقدام؛ لأن ذلك مقدارُ المسافة التي نقلت عن ابن عباس وابن عمر، (والبحر كالبر) في اعتبار المسافة،

فَلَوْ قَطَعَ الأَمْيَالَ فِيهِ فِي سَاعَةٍ.. قَصَرَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيُشْتَرَطُ قَصْدُ مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ أَوَّلًا، فَلَا قَصْرَ لِلْهَائِمِ وَإِنْ طَالَ تَرَدُّدُهُ، وَلَا طَالِبِ غرِيمٍ وَآبِقٍ يَرْجعُ مَتَى وَجَدَهُ وَلَا يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ. وَلَوْ كَانَ لِمَقْصِدِهِ طَرِيقَانِ: طَوِيلٌ وَقَصِيرٌ، فَسَلَكَ الَطَّوِيلَ لِغَرَضٍ كَسُهُولَةٍ أَوْ أَمْنٍ.. قَصَرَ، وَإِلَّا.. فَلَا فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ تبَعَ الْعَبْدُ أَوِ الزَّوْجَةُ أَوِ الْجُنْدِيُّ مَالِكَ أَمْرِهِ فِي السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُ مَقْصِدَهُ.. فَلَا قَصْرَ،

(فلو قَطع الأميالَ فيه في ساعة) لسرعة السير بالهواء (.. قصر، والله أعلم) لأنها مسافةٌ صالحة للقصر، فلا يؤثر قطعها في زمن يسير؛ كما لو قطعها في البرّ على فرس جواد في بعض يوم، وإذا شك في المسافة.. اجتهد.
(ويشترط قصدُ موضعٍ معينٍ أولًا، فلا قصرَ للهائم وإن طال تردُّده) لفوات الشرط؛ لأن كون السفر طويلًا لا بد منه، وهذ لا يدري أن سفره طويل أم لا.
نعم؛ الأسير إذا لم يعلم أين يذهبون به.. فإنه يقصر إذا سار معهم مرحلتين، حكاه في "الروضة" عن النص 1. (ولا طالبِ غريمٍ وآبقٍ يَرجع متى وجده ولا يَعلم موضعَه) وإن طال سفره؛ لما ذكرناه، نعم؛ لو علم أنه لا يلقاه إلا فوق مسافة القصر.. فإنه يَقصُر.
(ولو كان لمقصده) بكسر الصاد (طريقان: طويلٌ وقصيرٌ، فسلك الطويلَ لغرضٍ؛ كسهولة أو أمن.. قصر) لوجود الشرط، وهو السفر الطويل.
(وإلّا) أي: وإن لم يكن له غرض سوى القصر (.. فلا) يَقصُر (في الأظهر) لأنه طَوّل الطريق على نفسه من غير غرض، فصار كما لو سلك الطريقَ القصير، وكان يذهب يمينًا وشمالًا حتى قطعها في مرحلتين، والثاني: يَقصُر؛ لأنه سفر مباح فأشبه سائر الأسفار، ونظير الخلاف: ما إذا سلك الجنب في خروجه من المسجد الطريقَ الأبعدَ من غير غرض، والأصحُّ في "الروضة": أنه لا كراهة 2. (ولو تبع العبدُ أو الزوجةُ أو الجنديُّ مالك أمرِه في السفر ولا يَعرف) كلّ واحد منهم (مَقصِدَه.. فلا قصر) لأن الشرط لم يتحقق، وهذا قبل بلوغهم مسافةَ القصر؛

فَلَوْ نَوَوْا مَسَافَةَ الْقَصْرِ.. قَصَرَ الْجُنْدِيُّ دُونَهُمَا. وَلو قَصَدَ سَفَرًا طَوِيلًا فَسَارَ ثُمَّ نَوَى رُجُوعًا.. انْقَطَعَ، فَإِنْ سَارَ.. فَسَفَرٌ جَدِيدٌ. وَلَا يَتَرَخَّصُ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ كَآبِقٍ وَنَاشِزَةٍ، وَلَوْ أَنْشَأَ مُبَاحًا ثُمَّ جَعَلَهُ مَعْصيَةً.. فَلَا تَرَخُّصَ فِي الأَصَحِّ،

فإن بلغوها.. قال في "شرح المهذب": فيتعين الجواز؛ كما إذا سار الكفارُ بأسير؛ فإن الشافعي نص فيه على هذا التفصيل، قال الإسنوي: وما ذكره بحثًا قد صرح به المتولّي 1. (فلو نووا مسافةَ القصر) وحدَهم دون متبوعهم (.. قصر الجنديُّ دونهما) لأنه ليس تحت يد الأمير وقهره، بخلافهما، كذا قاله الرافعي 2، وهو ينافي قول المصنف: (مالك أمره).
قال السبكي: والذي يقتضيه الفقه: أن يقال: إن الجندي إن خرج مع الأمير في سفر يجب طاعته فيه؛ كالخروج للقتال ونحوه.. فحكمه حكمُ العبد والزوجة، وإلا.. فهو مستقلّ ورفيق لا تابع.
واحترز بقوله: (ولا يعرف مَقصِده) عما إذا عرف.. فإنهم يترخصون.
(ولو قصد سفرًا طويلًا فسار ثم ثوى رجوعًا.. انقطع) 3 سفره بالنية، فلا يقصر ما دام في المنزل، (فإن سار.. فسفرٌ جديدٌ) فلا يترخص إلا أن يقصد مرحلتين.
(ولا يترخص العاصي بسفره؛ كآبق وناشزةٍ) لأن مشروعية الترخص للإعانة، والعاصي لا يعان، وألحق بسفر المعصية إتعاب نفسه ودابته بالركض من غير غرض؛ فإن ذلك لا يحلّ، حكياه عن الصيدلاني وأقراه 4. واحترز بقوله: (بسفره) عن العاصي في سفره، وهو الذي سافر سفرًا مباحًا، ولكن يرتكب المعاصي في طريقه.. فإنه يترخص؛ لأن السبب مباح.
(ولو أنشأ مباحًا ثم جعله معصية.. فلا ترخص في الأصح) كما لو أنشأ السفر بهذه النية، والثاني: يترخص؛ نظرًا للابتداء.

وَلَوْ أَنْشَأَهُ عَاصِيًا ثُمَّ تَابَ.. فَمَنْشَأُ السَّفَرِ مِنْ حِينِ التَّوْبَةِ. وَلَوِ اقْتَدَى بِمُتِمٍّ لَحْظَةً.. لَزِمَهُ الإِتْمَامُ. وَلَوْ رَعَفَ الإِمَامُ الْمُسَافِرُ وَاسْتَخْلَفَ مُتِمًّا.. أَتَمَّ الْمُقْتَدُونَ، وَكَذَا لَوْ عَادَ الإِمَامُ وَاقْتَدَى بِهِ. وَلَوْ لَزِمَ الإِتْمَامُ مُقْتَدِيًا فَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ أَوْ صَلَاةُ إِمَامِهِ، أَوْ بَانَ إِمَامُهُ مُحْدِثًا.. أَتَمَّ. وَلَوِ اقْتَدَى بِمَنْ ظَنَّهُ مُسَافِرًا فَبَانَ مُقِيمًا، أَوْ بِمَنْ جَهِلَ سَفَرَهُ.. أَتَمَّ، وَلَوْ عَلِمَهُ مُسَافِرًا وَشَكَّ فِي نِيَّتِهِ.. قَصَرَ،

ومحل الخلاف: ما إذا استمر قصد المعصية؛ فإن تاب.. قصر جزمًا؛ كما نبه عليه الرافعي في (باب اللقطة) 1. (ولو أنشأه عاصيًا) به (ثم تاب.. فمَنشأ السفر من حين التوبة) فإن كان منه إلى مَقصِده مسافة القصر.. ترخص، وإلا.. فلا.
(ولو اقتدى بمُتِمٍّ لحظةً.. لزمه الإتمام) لقول ابن عباس رضي الله عنهما: (إنه سنة أبي القاسم) أَخرجه الإمام أحمد، وأصله في "مسلم" 2. وقوله: (بمتم) يشمل المسافر إذا نوى الإتمام والمقيم ولو كان يصلي الصبح والجمعة.
(ولو رَعَفَ الإمامُ المسافرُ واستخلف مُتِمًّا.. أتم المقتدون) لاقتدائهم بمتم.
نعم؛ لو نووا فراقه حين أحسُّوا برعافه قبل تمام استخلافه.. قصروا.
(وكذا لو عاد الإمامُ واقتدى به) يلزمه الإتمام؛ لاقتدائه بمتم في جزء من صلاته.
(ولو لزم الإتمام مقتديًا ففسدت صلاتُه أو صلاة إمامه، أو بان إمامه محدثًا.. أَتَمَّ) لأنها صلاةٌ وجب عليه إتمامها، فلم يجز له قصرها؛ كما لو فاتته في الحضر ثم سافر.
(ولو اقتدى بمن ظنَّه مسافرًا فبان مقيمًا، أو بمن جهل سفرَه.. أتم (ولو بان مسافرًا؛ لتقصيره، فإن شعار المسافر بَيِّن.
(ولو عَلِمه مسافرًا وشكّ في نيته.. قَصَرَ) لأن الظاهر من حال المسافر القصرُ، وليس للنية شعارٌ تُعرف به، فهو غير مقصر في الابتداء، والظن في هذا كالعلم.

وَلَوْ شَكَّ فِيهَا فَقَالَ: (إِنْ قَصَرَ.. قَصَرْتُ، وَإِلَّا.. أَتْمَصْتُ).. قَصَرَ فِي الأَصَحِّ. ويُشْتَرَطُ لِلْقَصرِ نِيَّتُهُ فِي الإِحْرَامِ، وَالتَّحَرُّزُ عَنْ مُنَافِيهَا دَوَامًا، وَلَوْ أَحْرَمَ قَاصِرًا ثُمَّ ترَدَّدَ فِي أَنَّهُ يَقْصرُ أَمْ يُتِمُّ، أَوْ فِي أَنَّهُ نَوَى الْقَصْرَ، أَوْ قَامَ إِمَامُهُ لِثَالِثَةٍ فَشَكَّ: هَلْ هُوَ مُتِمٌّ أَمْ سَاهٍ؟.. أَتَمَّ. وَلَوْ قَامَ ألْقَاصِرُ لِثَالِثَةٍ عَمْدًا بلَا مُوجِبٍ لِلإِتْمَامٍ.. بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ كَانَ سَهْوًا.. عَادَ وَسَجَدَ لَهُ وَسَلَّمَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ.. عَادَ ثُمَّ نهَضَ مُتِمًّا

(ولو شك فيها) أي: في نية إمامه (فقال: إن قَصَرَ.. قصرتُ، وإلّا.. أتممتُ.. قصر في الأصح) إن قصر الإمام؛ لأنه نوى ما في نفس الأمر، فهو تصريح بالمقتضى، والثاني: لا يقصر؛ للتردد في النية.
(ويُشترط للقصر نيتُه) لأن الأصل الإتمام، فإذا لم ينو القصرَ.. انعقد إحرامه على الأصل (في الإحرام) كسائر النيات.
(والتحرز عن مُنافيها) أي: عما ينافي نيةَ القصر (دوامًا) بألا يجزم بالإتمام، أو يتردد فيه.
(ولو أحرم قاصرًا ثم تردد في أنه يَقصُر أم يُتِمُّ 1، أو في أنه نوى القصرَ) أو لا، (أو قام إمامُه لثالثةٍ فشكَّ: هل هو مُتِمّ أم ساهٍ؟.. أتمَّ) أما في الأولى.. فلفوات جزم النية، وأما في الثانية.. فلأن الأصل عدم النية، وأما في الثالثة.. فلأن الإتمام لازم على أحد الاحتمالين فيلزمه؛ كما إذا شك في نية نفسه.
وقوله: (أو في أنه نوى القصر) تركيب غير مستقيم؛ لأنه جعله قسمًا مما لو أحرم قاصرًا، وهو لا يصح؛ لتدافعه، فلو قال: (أو شك في أنه نوى القصر).. لاستقام؛ لأنه حينئذ يصير عطفًا على (أحرم).
(ولو قام القاصرُ لثالثةٍ عمدًا بلا موجبٍ للإتمام.. بطلت صلاته) كما لو قام المتنفل إلى ركعة زائدة قبل تغيير النية، فإن حدث ما يوجب الإتمامَ.. لم تبطل؛ لأنه فعل ما يجب عليه، (وإن كان سهوًا.. عاد وسجد له وسلّم) كغيره مما يبطل عمده.
(فإن أراد) وهو قائم (أن يتم.. عاد ثم نهض مُتمًّا) لأن نهوضه إلى الركعة الثالثة

وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مُسَافِرًا فِي جَمِيعِ صَلَاتِهِ، فَلَوْ نَوَى الإِقَامَةَ فِيهَا، أَوْ بَلَغَتْ سَفِينَتُهُ دَارَ إِقَامَتِهِ.. أَتَمَّ. وَالْقَصْرُ أَفْضَلُ مِنَ الإِتْمَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ إِذَا بَلَغَ ثَلَاثَ مَرَاحِلَ، وَالصَّوْمُ أَفْضَلُ مِنَ الْفِطْرِ إِنْ لَمْ يَتَضَرَّرْ بِهِ.

واجب، ونهوضه كان لاغيًا لسهوه.
(ويشترط كونُه مسافرًا في جميع صلاته، فلو نوى الإقامةَ فيها، أو بلغت سفينتُه دار إقامته.. أَتَمَّ) لزوال سبب الرخصة؛ كما لو كان يصلي قاعدًا لمرض فزال المرض.. يجب عليه أن يقوم.
ويشترط لصحة القصر أيضًا: العلم بجوازه، فلو جهل جوازه فقصر.. لم تصح صلاته؛ لأنه متلاعب، وفيه احتمال للإمام 1. (والقصر أفضل من الإتمام على المشهور إذا بلغ) سفره (ثلاثَ مراحلَ) للخروج من خلاف من يوجب القصر، ويستثنى: مُديم السفر في البرّ والبحر بأهله؛ كالمَلَّاح والمُكاري؛ للخروج من خلاف أحمد، والثاني: الإتمام أفضل؛ لأنه أكثر عملًا.
وقيل: هما سواء؛ لتعارض الأدلة، فإن لم يبلغ ثلاث مراحل.. فالإتمام أفضل؛ لأن أبا حنيفة يمنع القصر في هذه الحالة، بل نقل الماوردي عن الشافعي: أن القصر في هذه الحالة مكروه 2. (والصوم أفضل من الفطر إن لم يتضرر به) لما فيه من تبرئة الذمة، وعدم إخلاء الوقت من العبادة، فإن تضرر به تضررًا لا يفضي إلى التلف.. فالفطر أفضل؛ لحديث: "لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ أَنْ تَصُومُوا فِي المسَّفَرِ " متفق عليه 3، فإن أفضى إلى تلف نفس أو عضو أو منفعة.. حرم الصوم؛ كما قاله الغزالي في "المستصفى" 4.

فَصْلٌ [في الجمع ببن الصلاتين]

يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا -وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ كَذَلِكَ- فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ، وَكَذَا الْقَصِيرُ فِي قَوْلٍ. فَإِنْ كَانَ سَائِرًا وَقْتَ الأُولَى.. فَتَأْخِيرُهَا أَفْضَلُ، وَإِلَّا.. فَعَكْسُهُ. وَشُرُوطُ التَّقْدِيمِ ثَلَاثةٌ: الْبُدَاءَةُ بِالأُولَى، فَلَوْ صَلَّاهُمَا فَبَانَ فَسَادُهَا.. فَسَدَتِ الثَّانِيَةُ

(فصل: يجوز الجمع بين الظهر والعصر تقديمًا وتأخيرًا -والمغربِ والعشاءِ كذلك- في السفر الطويل) المباح؛ للاتباع، أما جمع التأخير: فثابت في الصحيح 1، وأما جمع التقديم: فحسنه الترمذي وصححه ابن حبان والبيهقي 2. والتعبير بالجواز يُؤْذن بأن تركه أفضل وهو كذلك؛ للخروج من خلاف أبي حنيفة، ويستثنى الحاج بعرفة وبمزدلفة؛ فإنه سنة؛ للاتباع 3، ويستثنى من الجواز: المتحيرة فليس لها أن تجمع تقديمًا، وخرج بما ذكره الصبحُ فلا تُجمَع مع غيرها، وكذ (لا يجمع بين العصر والمغرب وهو إجماع.
(وكذا القصيرُ في قول) كالتنفل على الراحلة، ووجه مقابله: القياس على القصر.
(فإن كان سائرًا وقتَ الأولى.. فتأخيرها أفضلُ، وإلّا.. فعكسه) للاتباع 4، ولأنه أرفق بالمسافر.
(وشروط التقديم ثلاثة: البُداءةُ بالأولى) لأن الوقت للأولى والثانيةُ تبع لها، والتابع لا يتقدم على متبوعه، (فلو صلاهما فبان فسادها) أي: الأولى (.. فسدت الثانيةُ) لفوات الشرط.

وَنيَّةُ الْجَمْعِ، وَمَحَلُّهَا: أَوَّلُ الأُولَى، وَتَجُوزُ فِي أَثنائِهَا فِي الأَظْهَرِ. وَالْمُوَالَاةُ؛ بِأَلَّا يَطُولَ بَيْنَهُمَا فَصْل، فَإِنْ طَالَ وَلَوْ بِعُذْرٍ.. وَجَبَ تَأْخِيرُ الثَّانِيَةِ إِلَى وَقْتِهَا، وَلَا يَضُرُّ فَصْلٌ يَسِيرٌ، وَيُعْرَفُ طُولُهُ بِالْعُرْفِ. وَلِلْمُتَيَمِّمِ الْجَمْعُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلَا يَضُرُّ تَخَلُّلُ طَلَبٍ خَفِيفٍ. وَلَوْ جَمَعَ ثُمَّ عَلِمَ تَرْكَ رُكْنٍ مِنَ الأُولَى.. بَطَلَتَا

(ونية الجمع) ليتميز التقديم المشروع عن غيره، (ومحلُّها: أول الأولى) كسائر النيات (وتجوز في أثنائها في الأظهر) أما المنع.. فقياسًا على نية القصر بجامع أنهما رخصتا سفر، وأما الجواز.. فلأن الجمع هو ضم الثانية إلى الأولى، فإذا وجدت في هذه الحالة.. لم يوجد الجمع بدون النية، بخلاف نية القصر؛ فإنها لو تأخرت.. لتأدى بعض الصلاة على التمام، وحينئذ يمتنع القصر.
وقوله: (في أثنائها) قد يوهم: أنه لا يجوز مع التحلل منها، وهو وجه، والمرجح: الجواز.
وقيل: يجوز بعد التحلل من الأولى وقبل الإحرام بالثانية، قال في "شرح المهذب": (وهو قوي) 1. (والموالاة؛ بألّا يطول بينهما فصلٌ) لأنها تابعة والتابع لا يفصل عن متبوعه، ولأنه المأثور؛ ولهذا تُركت الرواتبُ بينهما.
(فإن طال ولو بعذر) كالجنون والإغماء والسهو (.. وجب تأخيرُ الثانية إلى وقتها) لزوال موجب التقديم وهو الجمع، (ولا يضر فصل يسير) للأمر بالإقامة بينهما 2. (ويُعرف طُوله بالعرف) إذ لم يرد فيه ضابط، وقيل: إن اليسير بقدر الإقامة.
(وللمتيمم الجمع على الصحيح) كالمتوضئ.
(ولا يضر تخللُ طلبٍ خفيفٍ) لأنه من مصلحة الصلاة، فأشبه الإقامة، والثاني: لا؛ للفصل بالطلب.
(ولو جَمع ثم عَلم تركَ ركنٍ من الأولى.. بطلتا) الأولى؛ لترك بعض أركانها،

وَيُعِيدُهُمَا جَامِعًا، أَوْ مِنَ الثَّانِيَةِ، فَإِنْ لَمْ يَطُلْ.. تَدَارَكَ، وَإِلَّا.. فَبَاطِلَةٌ وَلَا جَمْعَ، وَلَوْ جَهِلَ.. أَعَادَهُمَا لِوَقْتَيهِمَا. وَإِذَا أَخَّرَ الأُولَى.. لَمْ يَجِبِ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالَاةُ وَنيَّةُ الْجَمْعِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَجِبُ كَوْنُ التَّأْخِيرِ بنِيَّةِ الْجَمْع، وَإِلَّا.. فَيَعْصِي وَتَكُونُ قَضَاءً

وتعذر التدارك؛ لطول الفصل، والثانية؛ لفقدان شرط صحتها، وهو: تقديم الأولى، والأولى باطلة، (ويعيدهما جامعًا) إن شاء عند اتساع الوقت؛ لأنه لم يصل.
(أو من الثانية، فإن لم يطل.. تدارك) ومضت الصلاتان على الصحة، (وإلّا.. فباطلة ولا جَمْعَ) لعدم الموالاة؛ لوقوع الفصل الطويل بالصلاة الثانية فيعيدها في وقتها.
(ولو جهل) كون الركن المتروك من أيهما (.. أعادهما لوقتيْهما) لاحتمال الترك من الأولى، ولا يجوز الجمع؛ لاحتمال تركه من الثانية، وقد فاتت الموالاة.
(وإذا أخر الأولى.. لم يجب الترتيبُ والموالاةُ ونية الجمع) عند الشروع في الصلاة (على الصحيح) أما عدم الترتيب.. فلأن الوقت للثانية، فلا تجعل تابعة، وأما الموالاة.. فلأن الأولى بخروج وقتها الأصلي قد أشبهت الفائتةَ، بدليل عدم الأذان لها وإن لم تكن فائتة، وينبني على عدم وجوب الموالاة عدم وجوب نية الجمع، ووجه مقابل الصحيح: القياس على جمع التقديم، ووقع في "المحرّر" الجزم بوجوب نية الجمع، وتبعه في "الحاوي الصغير"، قال في "الدقائق": (ولم يقل به أحد، بل في المسألة وجهان، الصحيح: أن الثلاث سنة، والثاني: أن كلها واجبة) 1. (ويجب كون التأخير بنية الجمع، وإلّا.. فيعصي وتكون قضاءً) لأن التأخير لغير الجمع قد يكون معصية، وله مباح، فلا بد من نية مميزة بينهما، ويشترط: أن ينوي وقد بقي من وقت الأولى ما يسعها فأكثر؛ فإن بقي ما لا يسعها... عصى، كذا جزم

وَلَوْ جَمَعَ تَقْدِيمًا، فَصَارَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ مُقِيمًا.. بَطَلَ الْجَمْعُ، وَفِي الثَّانِيَةِ وَبَعْدَهَا.. لَا يَبْطُلُ فِي الأَصَحِّ، أَوْ تَأْخِيرًا، فَأَقَامَ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا.. لَمْ يُؤَثِّرْ، وَقَبْلَهُ.. يَجْعَلُ الأُولَى قَضَاءً. وَيَجُوزُ الْجَمْعُ بِالْمَطَرِ تَقْدِيمًا،

به المصنف في شرحي "المهذب" و"مسلم" 1، وظاهر ما في "الشرح" و"الروضة": أنه إن نوى وقد بقي من الوقت ما يسع ركعة.. كفى، أو دونها.. فلا، وصححه ابن الرفعة 2. (ولو جمع تقديمًا، فصار بين الصلاتين) أو في الأولى (مقيمًا) بنية الإقامة، أو بلوغ السفينة مَقصِده (.. بطل الجمع) لزوال سببه، فيؤخر الثانية إلى وقتها، ولا تتأثر الأولى بذلك.
(وفي الثاثية وبعدها.. لا يبطل في الأصح) اكتفاء باقتران العذر بأولها إذا أقام في أثنائها؛ صيانةً لها عن البطلان بعد الانعقاد، والثاني: تبطل؛ كما يمتنع القصر بالإقامة في أثنائها.
وفرق الأول؛ بأن القصر ينافي الإقامة، بخلاف الجمع، وأما إذا أقام بعدها.. فالخلاف مرتب، وأولى بالصحة؛ لتمام رخصة الجمع؛ كالإقامة بعد القصر.
(أو تأخيرًا، فأقام بعدَ فراغهما.. لم يؤثر) بالاتفاق (وقبله) أي: قبل فراغهما (.. يَجعل الأولى قضاءً) لأن الأولى تبع للثانية عند التأخير، فاعتبر وجود سبب الجمع في جميعها، وهذا إذا كانت الإقامة في أثناء الأولى، فإن كانت في أثناء الثانية.. ففي "شرح المهذب": ينبغي أن تكون الأولى أداء قطعًا 3. (ويجوز الجمع بالمطر) في الحضر (تقديمًا) لما في "الصحيحين" عن ابن عباس: (أنه صلى الله عليه وسلم صلّى بالمدينة سبعًا وثمانيًا الظهرَ والعصر والمغربَ والعشاء) 4، وفي رواية لهما: (سبعًا جميعًا وثمانيًا جميعًا) 5، وفي رواية لمسلم

وَالْجَدِيدُ: مَنْعُهُ تَأْخِيرًا. وَشَرْطُ التَّقْدِيمِ: وُجُودُهُ أَوَّلَهُمَا، وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُهُ عِنْدَ سَلَامِ الأُولَى. وَالثَّلْجُ وَالْبَرَدُ كَمَطَرٍ إِنْ ذَابَا. وَالأَظْهَرُ: تَخْصيصُ الرُّخْصَةِ بِالْمُصَلِّي جَمَاعَةً بِمَسْجِدٍ بَعِيدٍ يَتَأَذَّى بِالْمَطَرِ فِي طَرِيقِهِ.

أيضًا: (من غير خوف ولا سفر) 1. قال مالك: أُرَاهُ بالمطر، لكن في رواية لمسلم أيضًا: (من غير خوف ولا مطر) 2. قال البيهقي: والأولى رواية الجمهور 3، فإن صحت.. فالمراد: لا مطرٍ كثيرٍ أو مستدامٍ، ولا فرق بين كثير المطر وقليله إذا بلّ الثوب.
(والجديد: منعُه تأخيرًا) لأن المطر قد ينقطع، فيؤدي إلى الجمع من غير وجود عذر، والقديم: الجواز، كالسفر.
(وشرط التقديم: وجوده) أي: المطر (أولَهما) أي: أول الصلاتين، لتحقق الجمع مع العذر.
(والأصح: اشتراطُه عند سلام الأولى) لتحقق اتصال آخرِ الأولى بأول الثانية في حال العذر، والثاني: لا يشترط؛ كما في الركوع والسجود.
(والثلج والبَرَدُ كمطر إن ذابا) وبلّا الثوب؛ لتضمنهما القدر المبيح من المطر.
(والأظهر: تَخصيص الرخصة بالمصلي جماعةً بمسجدٍ بعيدٍ يتأذى بالمطر في طريقه) لأن الجمع جُوِّز للمشقة وتحصيل الجماعة، وهذا المعنى مفقود في ضد هؤلاء، والثاني: يجوز مطلقًا، لأنه عليه السلام كان يجمع في المسجد وبيوت أزواجه بقربه.
وأجاب الأول: بأن بيوت أزواجه مختلفة، منها: ما هو بجنب المسجد، ومنها: ما هو بخلافه، فلعله حين جمع لم يكن بالبيت الملاصق.

بابٌ صلاة الجمعة إِنَّمَا تَتَعَيَّنُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ ذَكَرٍ مُقِيمٍ بِلَا مَرَضٍ وَنَحْوِهِ. وَلَا جُمُعَةَ عَلَى مَعْذُورٍ بِمُرَخِّصٍ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَالْمُكَاتَبِ، وَكَذَا مَنْ بَعْضُهُ رَقِيقٌ عَلَى الصَّحِيحِ. وَمَنْ صَحَّتْ ظُهْرُهُ.. صَحَّتْ جُمُعَتُهُ

﴿باب صلاة الجمعة﴾ هي بإسكان الميم، وضمها، وفتحها، وحكي كسرها أيضًا، سميت بذلك؛ لاجتماع الناس فيها، وقيل: لما جمع فيها من الخير 1. (إنما تتعين على كل مكلف حر ذكر مقيم بلا مرض، ونحوِه) من الأعذار؛ لحديث: "الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوِ آمْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ" رواه أَبو داوود، وغيره 2. فلا جمعة على صبي، ومجنون، وعبد، وا مرأة، ومريض؛ للحديث المذكور، ولا على مسافر سفرًا مباحًا ولو قصيرًا؛ لاشتغاله به.
(ولا جمعة على معذور بمرخِّص في ترك الجماعة) مما يمكن مجيئه في الجمعة؛ فإن الريح بالليل لا يمكن عدّها.
(والمكاتَب) لأنه عبد ما بقي عليه درهمٌ، (وكذا مَن بعضه رقيق على الصحيح) لعدم كماله واستقلاله، والثاني: إن كان بينهما مُهايأة، ووقعت الجمعة في نوبته.. لزمته؛ لفراغه حينئذٍ.
(ومن صحت ظُهره) ممن لا تلزمه الجمعة؛ كالصبي، والعبد (.. صحت جمعته) بالإجماع.

وَلَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنَ الْجَامِعِ، إِلَّا الْمَرِيضَ وَنَحْوَهُ فَيَحْرُمُ انْصِرَافُهُ إِنْ دَخَلَ الْوَقْتُ إِلَّا أَنْ يَزِيدَ ضَرَرُهُ بِانْتِظَارِهِ. وَتَلْزَمُ الشَّيْخَ الْهَرِمَ وَالزَّمِنَ إِنْ وَجَدَا مَرْكَبًا وَلَمْ يَشُقَّ الرُّكُوبُ، وَالأَعْمَى يَجِدُ قَائِدًا. وَأَهْلُ الْقَرْيَةِ إِنْ كَانَ فِيهِمْ جَمْعٌ تَصِحُّ بِهِ الْجُمُعَةُ، أَوْ بَلَغَهُمْ صَوْتٌ عَالٍ فِي هُدُوٍّ مِنْ طَرَفٍ يَلِيهِمْ لِبَلَدِ الْجُمُعَةِ.. لَزِمَتْهُمْ، وَإِلَّا.. فَلَا.

(وله أن ينصرف من الجامع) قبل التحرم، لقيام المانع (إلا المريضَ، ونحوه) ممن ألحق به (فيحرم انصرافُه إن دخل الوقت) لزوال المشقة بالحضور.
(إلا أن يزيد ضررُه بانتظاره) هذا الاستثناء للإمام، ومن تبعه 1، قال الرافعي: في "الشرح": ولا يبعد أن ينزل عليه إطلاقهم 2، وجزم به في "الكتاب" تبعًا لـ" أصله" 3، لكنه لم يستوفه، بل فاته أن يستثني ما إذا أقيمت الصلاة.. فإنه لا يجوز له الانصراف؛ كما قاله الإمام 4، والأعمى الفاقد للقائد إذا حضر.. تلزمه بلا خلاف؛ كما قاله في "شرخ المهذب" 5. (وتلزم الشيخَ الهرِمَ والزَّمِنَ إن وجدا مركبًا) ولو بإعارة أو إجارة، ولو كان آدميًّا؛ كما قاله في "شرح المهذب" 6، (ولم يَشُقَّ الركوبُ) كمشقة المشي في الوَحَل؛ لانتفاء الضرر، (والأعمى يَجد قائدًا) ولو بأجرة مثل يجدها، فإن لم يجدها.. لم تلزمه؛ لما فيه من التعرض للضرر، وعن القاضي الحسين: أنه إن كان يحسن المشي بالعصا.. لزمه ذلك، وهو ظاهر.
(وأهل القرية إن كلان فيهم جمعٌ تصح به الجمعةُ، أو بلغهم صوتٌ عالٍ في هدو من طرفٍ يليهم لبلد الجمعة.. لزمتْهم، وإلّا.. فلا) لحديث: "الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ" رواه أبو داوود 7.

وَيَحْرُمُ عَلَى مَنْ لَزِمَتْهُ السَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ إِلَّا أَنْ تُمْكِنَهُ الْجُمُعَةُ فِي طَرِيقِهِ، أَوْ يَتَضَرَّرَ بِتَخَلُّفِهِ عَنِ الرُّفْقَةِ. وَقَبْلَ الزَّوَالِ كَبَعْدِهِ فِي الْجَدِيدِ إِنْ كَانَ سَفَرًا مُبَاحًا، فَإِنْ كَانَ طَاعَةً.. جَازَ.

والمعتبر: سماع من أصغى إليه، ولم يكن أصمّ، ولا جاوز سمعُه حدَّ العادة، فإذا سمع ذلك بعضُ أهل القرية.. وجب على أهلها.
ويعتبر أيضًا: كون النداء بمستو من الأرض، فلو ارتفعت قرية فسمعت، ولو ساوت لم تسمع أو عكسه.. فالأصحُّ في "الروضة" و"أصلها"، و"شرح المهذب": لزوم الثانية دون الأولى؛ اعتبارًا بالاستواء، لا بنفس السماع، لكن صحح في "الشرح الصغير" عكسه، وكلام "الكتاب" يقتضيه 1. ولو وافق العيد يوم الجمعة فحضر أهل القرية الذين يبلغهم النداء لصلاة العيد، ولو رجعوا إلى أهلهم فاتتهم الجمعة.. فلهم الرجوع وترك الجمعة على الأصحِّ، فتستثنى هذه الصورة من إطلاقه.
(ويحرم على من لزمتْه السفرُ بعد الزوال) لتفويته الفرض بعد وجوبه 2 (إلا أن تُمكنه الجمعةُ في طريقه) لحصول المقصود، (أو يتضرر بتخلفه عن الرُّفقة) لحصول الضرر.
(وقبل الزوال كبَعْدِه) فإن أمكنه الجمعة في طريقه، أو تضرر بتخلفه عن الرفقة.. جاز، وإلا.. فلا (في الجديد) لأن الجمعة مضافة إلى اليوم، ولهذا يجب السعي على بعيد الدار قبل الزوال، والقديم - ونص عليه في رواية حرملة، وهو من الجديد -: أنه يجوز، لأنه لم يدخل وقت الوجوب، وهو الزوال؛ كما إذا باع النصاب قبل تمام الحول (إن كان سفرًا مباحًا) أي: القولان في المباح.
(فإن كان طاعةً.. جاز) قطعًا، مستحبة كانت أو واجبة؛ لحديث فيه في

قُلْتُ: الأَصحُّ: أَنَّ الطَاعَةَ كَالْمُبَاحِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ.. تُسَنُّ الْجَمَاعَهُ فِي ظُهْرِهِمْ فِي الأَصَحِّ، وَيُخْفُونَهَا إِنْ خَفِيَ عُذْرُهُمْ. وَيُنْدَبُ لِمَنْ أَمْكَنَ زَوَالُ عُذْرِهِ تَأْخِيرُ ظُهْرِهِ إِلَى الْيَأْسِ مِنَ الْجُمُعَةِ، وَلِغَيْرِهِ كَالْمَرْأَةِ وَالزَّمِنِ: تَعْجِيلُهَا. وَلِصِحَّتِهَا -مَعَ شَرْطِ غَيْرِهَا- شُرُوطٌ: أَحَدُهَا: وَقْتُ الظُّهْرِ، فَلَا تُقْضَى جُمُعَةً،

"الترمذي"، لكنه ضعيف 1، (قلت: الأصح: أن الطاعة كالمباح، والله أعلم) فيجري فيه القولان؛ لعدم صحة نص في التفرقة، أما بعد الزوال: فيمتنع فيهما وإن كان كلام "المحرر" يوهم إجراءَ الخلاف فيه 2. (ومن لا جمعة عليهم.. تُسن الجماعةُ في ظهرهم في الأصح) لعموم الأدلة الطالبة للجماعة، والثاني: لا؛ لأن الجماعة في هذا اليوم شعار الجمعة، والخلاف في المعذورين في البلد، فإن كانوا في غيره.. استحبت الجماعة في ظهرهم إجماعًا؛ كما في "شرح المهذب" 3. (ويُخفونها إن خفي عذرُهم) دفعًا لتهمة الرغبة عن الجمعة، أما إذا كان ظاهرًا.. فلا تهمة، وقيل: يستحب الإخفاء مطلقًا.
(ويندب لمن أمكن زوالُ عذره) كالعبد يرجو العتق، والمريض يتوقع الخفة (تأخير ظهره إلى اليأس من الجمعة) وذلك برفع الإمام من الركوع الثاني؛ لأنه قد يزول عذره، ويتمكن من فرض أهل الكمال، (ولغيره كالمرأة والزَّمِن: تعجيلُها) محافظة على فضيلة أول الوقت.
(ولصحتها مع شرطِ غيرِها) من سائر الصلوات (شروطٌ: أحدها: وقتُ الظهر) للاتباع 4، ولأنهما فرضا وقت واحد، فلم يختلف وقتهما؛ كصلاة الحضر، وصلاة السفر، (فلا تُقضى جمعةً) بل ظهرًا بالإجماع.

فَلَوْ ضَاقَ عَنْهَا.. صَلَّوْا ظُهْرًا، وَلَوْ خَرَجَ وَهُمْ فِيهَا.. وَجَبَ الظُّهْرُ بِنَاءً، وَفِي قَوْلٍ: اسْتِئْنَافًا. وَالْمَسْبُوقُ كَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يُتِمُّهَا جُمُعَةً. الثَّانِي: أَنْ تُقَامَ فِي خِطَّةِ أَبْنِيَةِ أَوْطَانِ الْمُجَمِّعِينَ،

(فلو ضاق عنها) بأن لم يبق من الوقت ما يسع أركانَ الخطبتين والركعتين (.. صلَّوا ظهرًا) كما لو فات شرط القصر.. لزم الإتمام.
(ولو خرج) الوقت (وهم فيها.. وجب الظهرُ) وفاتت الجمعة، لأنها عبادة لا يجوز الابتداء بها بعد خروج وقتها، ففاتت بفواته؛ كالحج، (بناءً) أي: تنقلب الجمعة ظهرًا، ويبنون على ما مضى وجوبا، لأنهما صلاتا وقت واحد، فجارينا أطولَهما على أقصرهما؛ كصلاة الحضر مع السفر، (وفي قول: استئنافًا) أي: تبطل الجمعة، ويستأنفون الظهر، والقولان مبنيان على أن الجمعة ظهرٌ مقصورة، أم صلاة على حِيالها؟ قاله الرافعي 1، وقضية البناء: تصحيح الثاني، فإن الأصحَّ في "زيادة الروضة": أنها صلاة بحِيالها، ومع هذا صُحِّح قول البناء 2. (والمسبوق كغيره) إذا خرج الوقت بعد قيامه إلى الثانية، فيتمها ظهرًا على الأصحِّ، قال الإسنوي: وعلى هذا: فالقياس: أنه يجب عليه أن يفارق الإمام في التشهد، ويقتصر على الفرائض، إذا لم يمكنه إدراكُ الجمعة إلَّا بذلك.
(وقيل: يُتمها جمعةً) لأنه تابع لجمعة القوم، وهي صحيحة، بخلاف ما إذا خرج الوقت قبل سلام الإمام.
(الثاني: أن تقام في خطةِ أبنيةِ أوطانِ المجمِّعين) للاتباع 3، ويستثنى من اشتراط الأبنية: ما إذا انهدمت قرية فأقام أهلها لعمارتها.. فإنه تلزمهم إقامةُ الجمعة فيها، بخلاف ما إذا أقاموا لعمارة أرض فَيْحَاءَ، نصَّ عليه 4، والفرق: الاستصحاب في الموضعين.

وَلَوْ لَازَمَ أَهْلُ الْخِيَامِ الصَّحْرَاءَ أَبَدًا.. فَلَا جُمُعَةَ فِي الأَظْهَرِ. الثَّالِثُ: أَلَّا يَسْبقَهَا وَلَا يُقَارِنَهَا جُمُعَةٌ فِي بَلْدَتِهَا إِلَّا إِذَا كَبُرَتْ وَعَسُرَ اجْتِمَاعُهُمْ فِي مَكَانٍ، وَقِيلَ: لَا تستَثْنَى هَذِهِ الصُّورَةُ، وَقِيلَ: إِنْ حَالَ نَهْرٌ عَظِيمٌ بَيْنَ شِقَّيْهَا.. كَانَا كَبَلَدَيْنِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ قُرىً فاتَّصَلَتْ.. تَعَدَّدَتِ الْجُمُعَةُ بِعَدَدِهَا

(ولو لازم أهلُ الخيام الصحراءَ أبدًا.. فلا جمعة) عليهم (في الأظهر) لأن قبائل العرب كانوا مقيمين حول المدينة، وما كانوا يصلونها، وما أمرهم الشارع بها، وهذا؛ لأنهم على هيئة المستوفزين، نعم؛ يلزم من سمع النداء منهم، والثاني: تجب عليهم، ويقيمونها في موضعهم؛ لأن الصحراء وطنُهم، هذا إذا لازموا موضعًا واحدًا صيفًا وشتاء، أما لو كانوا ينتقلون من موضع إلى موضع بسبب المرعى، أو يُصَيِّفون في ناحية، ويَشْتُون في أخرى.. فلا تلزمهم، ولا تصحّ منهم قطعًا.
(الثالث: ألّا يسبقَها، ولا يقارنَها جمعةٌ في بلدتها) وإن عظمت؛ لأنها لم تفعل في زمنه عليه أفضل الصلاة والسلام، ولا في زمن الخلفاء الراشدين إلا في موضع واحد، وحكمته: ظهور شعار الاجتماع، واتفاق كلمة الإسلام.
(إلّا إذا كبرتْ، وعَسُرَ اجتماعُهم في مكان) فتجوز الزيادة بقدر الحاجة؛ لأن الشافعي دخل بغداد وهم يقيمونها في موضعين، فلم ينكره، فقال الجمهور: هذا سببه.
(وقيل: لا تُستثنى هذه الصورةُ) وإنما لم ينكره الشافعي؛ لأن المسألة اجتهادية، وليس للمجتهد الإنكارُ على المجتهدين، وقال السبكي: إن عدم الاستثناء هو الصحيح مذهبًا ودليلًا، وهو قول أكثر العلماء، ولا يُحفَظ عن صحابي ولا تابعي تجويزُه، ولم يزل الناس على ذلك إلى أن أحدث المهدي ببغداد جامعًا آخر، وبسط ذلك.
(وقيل: إن حال نهرٌ عظيم بين شِقَّيها.. كانا كبلدين) لأنه يَجعل الشقين كبلدين، فلا يقام في كل شق أكثر من جمعة، وقائله يحمل عدم الإنكار على ذلك، (وقيل: إن كانت قرىً فاتصلتْ.. تعددت الجمعةُ بعددها) أجرى عليها الحكمَ الأول، وقائله يحمل عدم الإنكار على ذلك.

فَلَوْ سَبَقَهَا جُمُعَةٌ.. فَالصَّحِيحَةُ السَّابِقَةُ، وَفِي قَوْلٍ: إِنْ كَانَ السُّلْطَانُ مَعَ الثَّانِيَةِ.. فَهِيَ الصَّحِيحَةُ. وَالْمُعْتبَرُ: سَبْقُ التَّحَرُّمِ، وَقِيلَ: التَّحَلُّلِ، وَقِيلَ: بِأَوَّلِ الْخُطْبَةِ. فَلَوْ وَقَعَتَا مَعًا أَوْ شُكَّ.. اسْتُؤْيفَتِ الْجُمُعَةُ. وَإِنْ سَتقَتْ إِحْدَاهُمَا وَلَمْ تَتَعَيَّنْ، أَوْ تَعَيَّنَتْ وَنُسِيَتْ.. صَلَّوْا ظُهْرًا، وَفِي قَوْلٍ: جُمُعَةً. الرَّابعُ: الْجَمَاعَةُ، وَشَرْطُهَا: كَغَيْرِهَا،

(فلو سبقها جمعةٌ) حيث لا يجوز التعدد (.. فالصحيحة السابقة) لاجتماع الشرائط فيها، واللاحقة باطلة؛ لما مرّ من أنه لا يزيد على واحدة، (وفي قول: إن كان السلطانُ مع الثانية.. فهي الصحيحةُ) مخافة من التفويت على الجم الغفير؛ لأنهم يحضرون بحضوره، قال ابن الأستاذ: وسواء كان إمامًا، أو مأمومًا، قال الجيلي: والمراد بالسلطان: الإمام الأعظم، أو خليفته في الإمامة، أو الراتب من جهته، وقال السبكي: يظهر أن كلَّ خطيب ولّاه السلطان هو كالسلطان في ذلك، وأنه مراد الأصحاب.
انتهى، وفيه نظر.
(والمعتبر: سَبْق التحرم) بتمام التكبير، وهو الراء وإن سبق الآخر له بالهمزة؛ لأن به الانعقادَ، وقيل: العبرة بأول التكبير، (وقيل: التحلل) وهو السلام؛ للأمن معه من عروض فساد الصلاة، فكان اعتباره أولى من اعتبار ما قبله، (وقيل: بأول الخطبة) بناء على أن الخطبتين بدل عن الركعتين.
(فلو وقعتا معًا أو شك) في سبق إحداهما (.. استؤنفت الجمعة) إن اتسع الوقت؛ لأن الأصل عدم وقوع جمعة مجزئة في حق كل طائفة.
(وإن سبقت إحداهما ولم تتعين، أو تعينت، ونُسيتْ.. صلَّوا ظهرًا) لتيقن وقوع جمعة صحيحة في نفس الأمر، ولا يمكن إقامة جمعة بعدها، والطائفة التي صحت لها الجمعةُ غيرُ معلومة، والأصل: بقاء الفرض في حق كل طائفة، فوجب عليهما الظهر، (وفي قول: جمعةً) لأن المفعولتين غير مجزئتين، فصار وجودهما كعدمهما 1. (الرابع: الجماعة) بإجماع من يعتدّ به.
(وشرطها: كغيرها) من الجماعات، إلّا في نية الإمامة، فتجب هنا على

وَأَنْ تُقَامَ بِأَرْبَعِينَ مُكَلَّفًا حُرًّا ذَكَرًا مُسْتَوْطِنًا لَا يَظْعَنُ شتَاءً وَلَا صَيْفًا إِلَّا لِحَاجَةٍ. وَالصَّحِيحُ: انْعِقَادُهَا بِالْمَرْضَى، وَأَنَّ الإِمَامَ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ فَوْقَ أَرْبَعِينَ

الأصحِّ؛ لتحصل له الجماعة.
(وأن تقام بأربعين) لأنه أقلُّ عددٍ ثبت فيه التوقيف 1، وتستثنى صلاة الخوف في صلاة ذات الرقاع؛ فإنه يشترط في انعقاد الجمعة: أن يزيدوا على الأربعين؛ ليحرم الإمام بأربعين، ويقف الزائد في وجه العدو، ولا يشترط بلوغهم أربعين على الصحيح؛ لأنهم تبع للأولين.
(مكلَّفًا حرًّا ذكرًا) لأن أضدادهم لا تجب عليهم لنقصهم، فلا تنعقد بهم، بخلاف المريض؛ فإنها إنما لم تجب عليه؛ رفقًا به لا لنقصه.
(مستوطنًا لا يَظعَن شتاءً، ولا صيفًا إلّا لحاجة) فلا تقام بمن أقام على عزم عوده إلى بلده بعد مدة قصيرة، أو طويلة؛ كفقيه وتاجر على الأصحِّ (لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقم الجمعة في حجة الوداع، وقد وافق يوم عرفة يوم الجمعة، مع عزمه على الإقامة أيامًا) 2، وقوله: (لا يظعن... ) إلى آخره هو بيان لقوله: (مستوطنًا)، وقد بين ذلك في "المحرر" 3. (والصحيح: انعقادُها بالمرضى) لأنهم كاملون، والثاني: لا؛ كالمسافرين، وهو قول لا وجه؛ كما حكياه في "الشرح" و"الروضة" 4. (وأن الإمام لا يشترط كونُه فوق أربعين) لإطلاق الأخبار، والثاني: يشترط؛ لما روي أنه عليه السلام جمع بالمدينة، ولم يجمع بأقل من أربعين 5، قال الرافعي: (وهذا يُشعر بزيادته على الأربعين) 6.

وَلَوِ انْفَضَّ الأَرْبَعُونَ أَوْ بَعْضُهُمْ فِي الْخُطْبَةِ.. لَمْ يُحْسَبِ الْمَفْعُولُ فِي غَيْبَتِهِمْ، وَيَجُوزُ الْبنَاءُ عَلَى مَا مَضَى إِنْ عَادُوا قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ، وَكَذَا بِنَاءُ الصَّلَاةِ عَلَى الْخُطْبَةِ إِنِ انْفَضُّوا بَيْنَهُمَا. فَإِنْ عَادُوا بَعْدَ طُولهِ.. وَجَبَ الاسْتِئْنَافُ فِي الأَظْهَرِ، وَإِنِ انْفَضُّوا فِي الصَّلَاةِ.. بَطَلَتْ، وَفِي قَوْلٍ: لَا، إِنْ بَقِيَ اثْنَانِ. وَتَصِحُّ خَلْفَ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالْمُسَافِرِ فِي الأَظْهَرِ إِذَا تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيْرِهِ

(ولو انفضَّ الأربعون، أو بعضُهم في الخطبة.. لم يُحسب المفعولُ) من واجباتها (في غيبتهم) قطعًا؛ إذ سماعها واجب، والمراد بالأربعين: العدد المعتبر، وهو تسعة وثلاثون على الأصحِّ، فلو كان مع الإمام الكامل أربعون، فانفض واحد منهم.. لم يضرّ.
(ويجوز البناءُ على ما مضى إن عادوا قبل طول الفصل) لأن الفصل اليسير لا يعد قاطعًا للموالاة، ويُعرف الطول، والقصر بالعرف؛ كما قاله في "شرح المهذب" 1. (وكذا بناءُ الصلاة على الخطبة إن انفضُّوا بينهما) فإنه يجوز أيضًا إذا عادوا قريبًا؛ لما ذكرناه.
(فإن عادوا) في المسألتين (بعد طوله.. وجب الاستئنافُ في الأظهر) سواء كان بعذر أم لا؛ لأنه لم ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، والأئمة من بعده إلّا متواليًا، والثاني: لا يجب؛ لأن غرض الوعظ والتذكير يحصل مع تفريق الكلمات.
(وإن انفضوا في الصلاة.. بطلت) الجمعة، ويُتمّونها ظهرًا؛ لأن العدد شرط في الابتداء، فيكون شرطًا في سائر الأجزاء؛ كالوقت.
(وفي قول: لا إن بقي اثنان) مع الإمام ليكونوا جمعًا، نظرًا إلى الابتداء فقط، لأنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء.
(وتصح) الجمعة (خلف العبد والصبي والمسافر في الأظهر إذا تم العدد بغيره) لأن الجمعة تصح من الثلاثة، والعدد قد وجد بصفة الكمال، والاقتداءُ في صلاة بمن

وَلَوْ بَانَ الإِمَامُ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا.. صَحَّتْ جُمُعَتُهُمْ فِي الأَظْهَرِ إِنْ تَمَّ الْعَدَدُ بِغَيرِهِ، وَإِلَّا.. فَلَا. وَمَنْ لَحِقَ الإِمَامَ الْمُحْدِثَ رَاكِعًا.. لَمْ تُحْسَبْ رَكْعَته عَلَى الصَّحِيحِ. الْخَامِسُ: خُطْبَتَانِ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَأَرْكَانُهُمَا خَمْسَةٌ: حَمْدُ اللهِ تَعَالَى،

لا تجب عليه تلك الصلاة.. جائز، والثاني: لا تصح؛ لأن الإمام ركن في صحة هذه الصلاة، فاشترط فيه الكمال كالأربعين بل أولى، فإن لم يتم العدد إلا به.. فلا تصح جزمًا.
(ولو بان الإمام جنبًا، أو محدثًا.. صحت جمعتُهم في الأظهر إن تم العدد بغيره) كما في سائر الصلوات، والثاني: لا تصح؛ لأن الجماعة شرط في الجمعة، والجماعة تقوم بالإمام والمأموم، فإذا بان الإمام محدثًا.. بَانَ ألّا جمعة له ولا جماعة، بخلاف غيرها، وحقيقة الخلاف راجعة إلى أن الجماعة وفضلَها يحصلان خلف المحدث أم لا؟ والمذهب: الحصول.
(وإلّا.. فلا) أي: وإن لم يتمّ العدد بغيره.. لم تصح جمعتهم قطعًا؛ لأن الكمال شرط في الأربعين كما سبق.
(ومن لحق الإمامَ المحدثَ راكعًا.. لم تُحسب ركعتُه على الصحيح) لأنها غير محسوبة للإمام، فلم يمكن أن يتحمل عن الغير، والثاني: تحسب؛ كما لو أدرك معه كل الركعة.
وفرق الأولُ بأنه إذا أدركه راكعًا.. لم يأت بالقراءة، والإمام لا يتحمل عن المأموم إذا كان محدثا، بخلاف ما إذا قرأ بنفسه.
(الخامس: خطبتان) للاتباع 1 (قبل الصلاة) بالإجماع، إلّا من شذّ.
(وأركانهما خمسة: حمد الله تعالى) لما رواه مسلم عن جابر رضي الله عنه، قال: (كانت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يحمد الله تعالى، ويثني عليه) 2.

وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَفْظُهُمَا مُتَعَيِّنٌ،

(والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم) للاتباع 1، [و] لأنها عبادة افتقرت إلى ذكر الله تعالى.. فافتقرت إلى ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كالأذان والصلاة.
(ولفظهما) أي: لفظ الحمد والصلاة (مُتعيِّن) لأنه الذي مضى عليه الناس من عصر النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا، فلا يجزئ الشكر والثناء.
وقضية كلام الغزالي: تعين لفظ (الله) تعالى، فلا يجزئ (الحمد للرحمن)، قال الرافعي: ولم أره مسطورًا، ولا يبعد؛ ككلمة التكبير 2، وجزم به في "شرح المهذب" 3. ولا يتعين لفظ (رسول الله)، فلو قال: (على النبي)، أو (على محمد).. كفى.
قال الغزي: ولا يكفي (صلى الله عليه وسلم)، وبه صرح في "الأنوار"، فقال في الكلام على التشهد: ولا بدّ من إظهار اسمه؛ كما في الخطبة، فلو قال: (وأشهد أن محمدًا رسول الله، اللهم؛ صلّ عليه).. لم يكف.
انتهى 4، ويؤيده تصريحهم في التشهد بأن أقلّ الصلاة على النبي صلّى الله عليه وسلم.. (اللهم؛ صلّ على محمد).

وَالْوَصِيَّةُ بِالتَّقْوَى، وَلَا يَتَعَيَّنُ لَفْظُهَا عَلَى الصَّحِيحِ، وَهَذِهِ الثَّلَاثة أَرْكَان فِي الْخُطْبَتَيْنِ، وَالرَّابِعُ: قِرَاءَةُ آيَةٍ فِي إِحْدَاهُمَا، وَقِيلَ: فِي الأُولَى، وَقِيلَ: فِيهِمَا، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ، وَالْخَامِسُ: مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ دُعَاءٍ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الثَّانِيَةِ،

(والوصية بالتقوى) والطاعة؛ للاتباع 1، ولأن المقصود من الخطبة الوعظ والتحذيرُ.
(ولا يتعين لفظها) أي: لفظ الوصية (على الصحيح) لأن الغرض الوعظ والحمل على طاعة الله، فيكفي ما دل على الموعظة، والثاني: يتعين؛ كالحمد والصلاة.
(وهذه الثلاثة أركانٌ في الخطبتين) لأن كلّ خطبة منفصلةٌ عن الأخرى.
(والرابع: قراءة آية) للاتباع 2 (في إحداهما) لا بعينها؛ إذ المنقول القراءة في الخطبة بلا تعيين، فدلّ على إجزائها في إحداهما، (وقيل: في الأولى) مقابلة للدعاء في الثانية، (وقيل: فيهما) لأنها ركن فأشبهت الثلاثة الأول، (وقيل: لا تجب) لأن مقصود الخطبة بعد ذكر الله ورسوله الوعظُ، وإذا قلنا بالوجوب.. قال الإمام: فلا يبعد الاكتفاء بشطر آية طويلة، ولا شك أنه لا يكفي ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، وإن كانت آية؛ لأنها غيرُ مفهمة، وأقراه 3، وقال في "شرح المهذب": إنه لا خلاف فيه 4. (والخامس: ما يقع عليه اسمُ دعاء للمؤمنين) لنقل الخلف له عن السلف، قال الأَذْرَعي: ولا أعلم على ركنيته دليلًا، (في الثانية) لأن حالة الاختتام به أليق، وقد يفهم: أنه لا يجب للمؤمنات، وظاهر نص "المختصر" يفهم إيجابه 5، وجرى عليه كثيرون، وصرح به في "الانتصار"، وقال السبكي: إن الوجوب غريب، ولم

وَقِيلَ: لَا يَجِبُ. وَيُشْتَرَطُ كَوْنُهَا عَرَبِيَّةً مُرَتَّبَةَ الأَرْكَانِ الثَّلَاثَةِ الأُولَى، وَبَعْدَ الزَّوَالِ، وَالْقِيَامُ فِيهِمَا إِنْ قَدَرَ، وَالْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا، وَإِسْمَاعُ أَرْبَعِينَ كَامِلِينَ. وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الْكَلَامُ، وَيُسَنُّ الإِنْصَاتُ

أر من صرح به، ولا بخلافه، (وقيل: لا جب) لأنه لا يجب في غير الخطبة، فكذا فيها، وهو قول، لا وجه.
(ويُشترط كونُها عربيةً) للاتباع، فإن لم يكن فيهم من يُحسن العربيةَ.. خطب بغيرها، ويجب أن يتعلم واحد منهم الخطبة بالعربية، فإن مضت مدةُ إمكانِ التعلم، ولم يتعلم واحد منهم.. عصوا، ولا جمعة لهم.
(مرتبةَ الأركانِ الثلاثةِ الأُولى) 1 فيبدأ بالحمد، ثم بالصلاة، ثم بالوصية؛ لأنه الذي جرى عليه الناس، وهذا هو المصحح في "الشرح الصغير".
(وبعد الزوال) لأنه لو جاز تقديمها على الزوال.. لفعله النبي صلى الله عليه وسلم؛ تخفيفًا على المبكرين، وإيقاعًا للصلاة في أول الوقت.
(والقيامُ فيهما إن قَدَرَ، والجلوسُ بينهما) للاتباع 2، وتشترط الطمأنينة في الجلوس.
(وإسماع أربعين كاملين) للأركان فقط؛ لأن مقصود الوعظ لا يحصل إلا بالإبلاع، فلو خطب سرًّا، أو رفع صوته، ولكن لم يَسمعوا لبعدهم عنه.. لم يصح، وكذا لو كانوا صمًّا على الصحيح.
وقوله: (أربعين كاملين) فيه تساهل؛ فالواجب إسماع تسعة وثلاثين؛ لأن الأصحَّ: أن الإمام من الأربعين.
(والجديد: أنه لا يحرم عليهم الكلام، ويسن الإنصات) لما في الصحيح: أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب عن الدعاء بسبب الجدب، والمطر، وأقره 3، والقديم، ونص "الإملاء" من الجديد: أنه يحرم لغير ضرورة، ويجب

قُلْتُ: الأَصَحُّ: أَنَّ تَرْتِيبَ الأَرْكَانِ لَيْسَ بشَرْطٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالأَظْهَرُ: اشْتِرَاطُ الْمُوَالَاةِ، وَطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، وَالسَّتْرِ. وَتسُنُّ عَلَى مِنْبَرٍ أَوْ مُرْتَفِع، وَيُسَلِّمُ عَلَى مَنْ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَأَنْ يُقْبِلَ عَلَيْهِمْ إِذَا صَعِدَ، وَيُسَلِّمَ عَلَيْهِمْ، وَيَجْلِسَ، ثَمَّ يُؤَذَّنُ،

الإنصات؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، قال أكثر المفسرين: إنها نزلت في الخطبة 1، ولحديث: "إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبكَ: أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالإِمَامُ يَخْطُبُ.. فَقَدْ لَغَوْتَ" متفق عليه 2. (قلت: الأصح: أن ترتيب الأركان ليس بشرطٍ، والله أعلم)، وهذا هو المنصوص عليه في "الأم" و"المبسوط" 3، لأن المقصود الوعظ، وهو حاصل، ولم يرد نصّ في اشتراط الترتيب.
(والأظهر: اشتراط الموالاة) للاتباع، ولها أثر ظاهر في استمالة القلوب، والثاني: لا؛ لأن غرض الوعظ والتذكير يحصل مع تفريق الكلمات، وهذه المسألة مكررة قد سبقت في الكلام على الانفضاض.
(وطهارةِ الحدث والخبثِ، والسترِ) لأنه عليه أفضل الصلاة والسلام كان يصلي عقب الخطبة، فلزم أن يكون متطهرًا مستترًا، والثاني: لا؛ كالاستقبال، واشتراط الستر من زيادات "المنهاج" على "أصله".
(وتُسن على مِنبرٍ) للاتباع 4، (أو مُرتفعٍ) إن لم يكن هناك منبر؛ لأنه أبلغ في الإعلام.
(ويُسلِّم على من عند المنبر، وأن يُقبل عليهم إذا صَعِدَ، ويُسلِّم عليهم) للاتباع 5. (ويجلسَ، ثم يُؤذَّنُ) في حال جلوسه؛ للاتباع أيضًا 6.

وَأَنْ تَكُونَ بَلِيغَةً مَفْهُومَةً قَصِيرَةً، وَلَا يَلْتَفْتُ يَمِينًا وَشِمَالًا فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَأَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى سَيْفٍ أَوْ عَصًا وَنَحْوِهِ.
وَيَكُونُ جُلُوسُهُ بَيْنَهُمَا نَحْوَ (سُورَةِ الإِخْلَاصِ)، وَإِذَا فَرَغَ.. شَرَعَ الْمُؤَذِّنُ فِي الإِقَامَةِ، وَبَادَرَ الإِمَامُ لِيَبْلُغَ الْمِحْرَابَ مَعَ فَرَاغِهِ، وَيَقْرَأُ فِي الأُولَى (الْجُمُعَةَ)، وَفِي الثَّانِيَةِ (الْمُنَافِقِينَ) جَهْرًا.

فَصْلٌ [في الأغسال المستحبة في الجمعة وغيرها]

يُسَنُّ الْغُسْلُ لِحَاضِرِهَا،

(وأن تكون بليغةً) أي: فصيحة؛ لأن ذلك أوقع في القلوب من الكلام المبتذل؛ وهو ما كثر استعماله وأُلِفَ، (مفهومةً) لأن الغريب الذي لا يفهم لا يؤثر، (قصيرةً) لقوله عليه السلام: "فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ " رواه مسلم 1. (ولا يَلتفت يمينًا وشمالًا في شيء منها) لأنه بدعة.
(وأن يعتمد على سيف أو عصًا ونحوِه) 2 كالقوس؛ للاتباع 3، والحكمة فيه: الإشارة إلى أن هذا الدين قد قام بالسلاح، ويَقبض ذلك بيده اليسرى.
(ويكونُ جلوسُه بينهما نحوَ "سورة الإخلاص") استحبابًا، وقيل: إيجابًا.
(وإذا فَرَغَ.. شرع المؤذنُ في الإقامة، وبادر الإمامُ ليبلغ المحرابَ مع فراغه) من الإقامة؛ تحقيقًا للموالاة، وتخفيفًا على الحاضرين.
(ويقرأُ في الأولى "الجمعةَ"، وفي الثانية "المنافقين") للاتباع 4، (جهرًا) بالإجماع، وهذا من زيادات "الكتاب" بلا تمييز.

(فصل: يسن الغسل لحاضرها) 5 أي: لمن يحضرها؛ لحديث: "مَنْ أَتَى

وَقِيلَ: لِكُلِّ أَحَدٍ، وَوَقْتُهُ: مِنَ الْفَجْرِ، وَتقرِيبُهُ مِنْ ذَهَابِهِ أَفْضَلُ، فَإِنْ عَجَزَ.. تَيَمَّمَ فِي الأَصَحِّ. وَمِنَ الْمَسْنُونِ: غُسْلُ الْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَالاسْتِسْقَاءِ، وَلِغَاسِلِ الْمَيِّتِ،

الْجُمُعَةَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.. فَلْيَغْتَسِلْ" رواه ابن حبان 1، وهو أمرُ ندبٍ؛ لحديث: "مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.. فَبِهَا وَنعْصَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ.. فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ"، حسنه الترمذي، وصححه أبو حاتم الرازي 2. (وقيل: لكل أحد) وإن لم يحضر؛ كالعيد.
(ووقته من الفجر) الصادق؛ لأن الأخبار علقته باليوم؛ كحديث: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأُولَى.. فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً" 3، (وتقريبه من ذهابه أفضل) لزيادة غرض التنظيف.
(فإن عجز) عن الماء؛ بأن توضأ ثم عدمه، أوكان جريحًا في غير أعضاء الوضوء (.. تيمم في الأصح) كسائر الأغسال المسنونة، والثاني: لا؛ لأن المقصود منه التنظيف، والتيمم لا يفيده، وهو احتمال للإمام 4. (ومن المسنون: غسل العيد والكسوف والاستسقاء) لاجتماع الناس لها؛ كالجمعة، (ولغاسل الميت) لما رواه الترمذي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا.. فَلْيَغْتَسِلْ"، وصححه ابن حبان، وابن السكن 5، وقال الماوردي: = رفعه: "مَنْ قَرَأَ إِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلِ أَنْ يَثْنِي رجْلَيْهِ فَاتِحَةَ الْكِتَاب، وَقُلْ هُوَ الله أَحَدٌ، وَالْمُعَوِّذَتينِ سَبْعًا.. غُفِرَ لهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَأُعْطِيَ مِنَ الأَجْرِ بعَدَدِ مَنْ آمَنَ بالله وَرَسُولِهِ".
وروى ابن السني [ص 181 - 182] من حديث عائشة رضي الله عنها رفَعته: "مَنْ قَرَأَ بَعْدَ صلَاةِ يَوْم الْجُمُعَةِ قُلْ هُوَ الله أَحْدٌ، وَالْمُعَوِّذَتينِ سَبع مَرَّاتٍ.. أَعَاذَهُ الله بهَا مِنَ السُّوءِ إِلَى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى".
اهـ هامش (أ).

وَالْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَا، وَالْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ، وَأَغْسَالُ الْحَجِّ. وَآكَدُهَا: غُسْلُ غَاسِلِ الْمَيِّتِ ثُمَّ الْجُمُعَةِ، وَعَكَسَهُ: الْقَدِيمُ. قُلْتُ: الْقَدِيمُ هُنَا أَظْهَرُ، وَرَجَّحَهُ الأَكْثَرُونَ، وَأَحَادِيثُهُ صَحِيحَةٌ كَثيرَةٌ، وَلَيْسَ لِلْجَدِيدِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ

خرج بعض أصحاب الحديث لصحته مئةً وعشرين طريقًا 1. (والمجنون والمغمى عليه إذا أفاقا) لثبوته في الإغماء 2، والجنونُ من باب أولى؛ إذ يقال: قلّ من جنّ إلّا وأنزل، وإنما لم يجب وإن كان الجنون مظنة الإنزال؛ كما وجب الوضوء من النوم، لكونه مظنة الحدث.. لأن حدث النائم ليس له أمارة ولا علامة، بخلاف الجنابة، فإن لها أمارةً، وهي وجود المني في الثوب أو البدن، فإذا لم توجد.. لم يجب.
(والكافر إذا أسلم) أي: بعد الإسلام؛ لأمره عليه السلام قيس بن عاصم به، صححه ابن حبان وغيره 3، وإنما لم يجب؛ لأن خلقًا أسلموا ولم يأمرهم صلى الله عليه وسلم به.
نعم؛ إن عرض له ما يوجب الغسل؛ من جنابة أو حيض.. لزمه الغسل على الأصح ولو اغتسل في الكفر.
(وأغسال الحج) لما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى.
ونقل عن صاحب "الفروع": أنه ينوي بهذه الأغسال أسبابها إلا الاغتسال من الجنون والإغماء، فإنه ينوي الجنابة، وفيه نظر.
(وآكدها: غسل غاسل الميت) للتردد في وجوبه.
(ثم الجمعة، وعكسه القديم، قلت: القديم هنا أظهر، ورجحه الأكثرون، وأحاديثه صحيحة كثيرة، وليس للجديد حديث صحيح، والله أعلم)، قوله: (وليس للجديد حديث صحيح): فيه نظر، لما قدمناه قريبًا.

وَالتَّبْكِيرُ إِلَيْهَا مَاشِيًا بسَكِينَةٍ، وَأَنْ يَشْتَغِلَ فِي طَرِيقِهِ وَحُضُورِهِ بِقِرَاءَة أَوْ ذِكْرٍ، وَلَا يَتَخَطَّى، وَأَنْ يَتَزَيَّنَ بِأَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَطِيبٌ، وَإِزَالَةُ الظُّفرِ وَالرِّيحِ

(والتبكير إليها) لقوله صلى الله عليه وسلم: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الأُولَى.. فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً" الحديث متفق عليه 1. ويستثنى: الإمام؛ فيحضر وقت الصلاة، قاله الماوردي 2. (ماشيًا بسكينة) إن لم يضق الوقت؛ لحديث: "إِذَا أَتيتُمُ الصَّلَاةَ.. فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تسعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ" رواه مسلم 3. (وأن يشتغل في طريقه وحضوره) الجامع (بقراءة أو ذكر) لحديث: "وَإِنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتِ الصَّلَاةُ تَحْبسُهُ" متفق عليه 4، وروى مسلم: "فَإِنَّ أَحَدَكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ" 5، وفي التنزيل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾.
(ولا يتخطى) للنهي عنه 6، نعم؛ للإمام التخطي في مضيه إلى المنبر والمحراب إذا لم يجد طريقًا سواه، وكذا لغير الإمام إذا وجد بين يديه فرجةً لا يصل إليها إلا بالتخطي، كذا أطلقاه 7، وهو مُقيَّد بما إذا كان التخطي بصفّ أو صفين، فإن زاد.. فالكراهة باقية، قاله الشيخ أبو حامد وغيره، ونص عليه في "الأم" 8. (وأن يتزين بأحسن ثيابه، وطيب، وإزالة الظفر) الطويل؛ لورود الحث على ذلك 9، (والريح) الكريهة؛ لئلا يؤذي الناس.

قُلْتُ: وَأَنْ يَقْرَأَ (الْكَهْفَ) يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، وَيُكْثِرَ مِنَ الدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وَيَحْرُمُ عَلَى ذِي الْجُمُعَةِ التَّشَاغُلُ بِالْبَيع وَغَيْرِهِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الأَذَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَطِيبِ،

(قلت: وأن يقرأ الكهف يومها وليلتها) لحديث: "مَنْ قَرَأَ الْكَهْفَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ.. أَضَاءَ لَهُ مِنَ النورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ" صححه الحاكم 1، وروى الدارمي: "مَنْ قَرَأَهَا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ.. أَضَاءَ لَهُ مَا بَيْنَهَ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ" 2. (ويكثر من الدعاء) رجاءَ أن يصادف ساعة الإجابة، قال في "الروضة": والصواب في ساعة الإجابة: ما ثبت في "صحيح مسلم": أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الإمَامُ إِلَى أَنْ تقضَى الصَّلَاةُ" 3. (والصلاه على رسول الله صلى الله عليه وسلم) لحديث: "أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً.. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ عَشْرًا" رواه البيهقي بإسناد جيد 4. (ويحرم على ذي الجمعة) أي: من تلزمه (التشاغل بالبيع وغيره بعد الشروع في الأذان بين يدي الخطيب) لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، وقيس على البيع غيره.
وقد يفهم: أنه لو كان أحدُ المتبايعين لا تلزمه.. لا يحرم عليه، وليس كذلك؛ = خزيمة (1762)، وأبو داوود (343)، وأحمد (3/ 81) عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما، والتطيب عند البخاري برقم (880)، ومسلم برقم (846) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وأما إزالة الظفر.. فأخرجه البزار (8291)، والطبراني في "الأوسط" (846)، والبيهقي في "الشعب" (2508) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وعقد ابن أبي شيبة في "مصنفه" بابًا في تنقية الأظفار وغيرها يوم الجمعة، ثم أورد فيه آثارًا (5615 - 5619)، وانظر أحاديث الباب عند أبي الشيخ في "أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه" (ص 278 - 279).

فَإِنْ بَاعَ.. صَحَّ، وَيُكْرَهُ قَبْلَ الأَذَانِ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ [في بيان ما يحصل به إدراك الجمعة]

مَنْ أَدْرَكَ رُكُوعَ الثَّانِيَةِ.. أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ فَيُصَلِّي بَعْدَ سَلَامِ الإِمَامِ رَكْعَةً،

كما جزما به 1؛ لإعانته على معصية.
وأشارب (التشاغل): إلى جوازه في الطريق وفي المسجد، وهو ما نقله في "الروضة" عن المتولي وقال: إنه ظاهر 2. وخرج بقوله: (بين يدي الخطيب): الأذان الأول؛ لأنه لم يكن في عهده عليه السلام.
(فإن باع.. صح) لأن النهي لأمر خارج عن العقد، فلم يمنع الصحةَ؛ كالصلاة في الدار المغصوبة، (ويكره قبل الأذان بعد الزوال، والله أعلم) لدخول وقت الصلاة، فالتشاغل عنه كالإعراض 3.

(فصل: من أدرك ركوع الثانية) المحسوب للإمام، لا كالمحدث كما سلف (.. أدرك الجمعه فيصلي بعد سلام الإمام ركعة) يجهر فيها؛ لحديث: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ.. فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ" متفق عليه 4، وفي رواية: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً

وِإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَهُ.. فَاتَتْهُ فَيُتِمُّ بَعْدَ سَلَامِهِ ظُهْرًا أَرْبَعًا، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَنْوِي فِي اقْتِدَائِهِ الْجُمُعَةَ. وَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ مِنَ الْجُمُعَةِ أَوْ غَيْرِهَا بِحَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ.. جَازَ الاسْتِخْلَافُ فِي الأَظْهَرِ. وَلَا يَسْتَخْلِفُ لِلْجُمُعَةِ إِلَّا مُقْتَدِيًا بِهِ قَبْلَ حَدَثِهِ،

منَ الْجُمُعَةِ.. فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى" رواه الحاكم، وقال: إسناده على شرطهما 1. (وإن أدركه بعده.. فاتته) لمفهوم الحديث المذكور، (فيتم بعد سلامه ظهرًا أربعًا) لفوات الجمعة، (والأصح: أنه) أي: هذا المُدرِك بعد ركوع الثانية (ينوي في اقتدائه الجمعة) موافقة للإمام، ولأن اليأس لا يحصل إلا بالسلام؛ إذ قد يتذكر الإمام ترك ركن فيأتي بركعة فيدرك الجمعة، والئاني: ينوي الظهر؛ لأنها التي تحصل له.
(وإذا خرج الإمام من الجمعة أو غيرها بحدث أو غيره) كرُّعاف، أو بلا سبب أيضًا (.. جاز الاستخلاف في الأظهر) لأنها صلاة بإمامين على التعاقب فيجوز؛ كما أن أبا بكر رضي الله عنه كان يصلي بالناس، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فجلس إلى جنبه، فاقتدى به أبو بكر رضي الله عنه والناس، متفق عليه 2، وقد استَخلف عمرُ رضي الله عنه حين طُعن، رواه البيهقي 3، والثاني: المنع؛ لأنها صلاة واحدة، فلا تجوز بإمامين؛ كما لو اقتدى بهما دفعة واحدة.
ويجوز الاستخلاف للإمام والمأمومين، واستخلافهم أولى من استخلافه، ولو لى يستخلف في الجمعة.. وجب على القوم في الأولى دون الثانية.
(ولا يستخلف للجمعة إلا مقتديًا به قبل حدثه) لأنه لا تُبتدأ جمعةٌ بعد انعقاد جمعة، ويخالف المأموم؛ فإنه تابع، أما في غير الجمعة.. فيجوز على الأصحِّ بشرط: ألا يخالف إمامَه في ترتيب الصلاة؛ بأن يكون في الأولى مطلقًا، أو في الثالثة من الرباعية، فإن استخلفه في الثانية، أو في الرابعة من الرباعية، أو في الثالثة من المغرب.. لم يجز؛ لأنه يحتاج إلى القيام وعليهم القعود، فيختلف الترتيب بينهم.

وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ حَضَرَ الْخُطْبَةَ وَلَا الرَّكْعَةَ الأُولَى فِي الأَصَحِّ فِيهِمَا، ثُمَّ إِنْ كَانَ أَدْرَكَ الأُولَى.. تَمَّتْ جُمُعَتُهُمْ، وَإِلَّا.. فَتَتِمُّ لَهُمْ دُونَهُ فِي الأَصَحِّ، وَيُرَاعِي الْمَسْبُوقُ نَظْمَ الْمُسْتَخْلِفِ، فَإِذَا صَلَّى رَكْعَةً.. تَشَهَّدَ وَأَشَارَ إِلَيْهِمْ لِيُفَارِقُوهُ أَوْ يَنْتَظِرُوا، وَلَا يَلْزَمُهُمُ اسْتِئْنَافُ نِيَّةِ الْقُدْوَةِ فِي الأَصَحِّ

(ولا يشترط كونه حضر الخطبة ولا) أن يكون أدرك (الركعة الأولى في الأصح فيهما) أما في الأولى.. فلأنه بالاقتداء صار في حكم من حضرها وسمعها، ولهذا تصح جمعته، كما تصح جمعة الحاضرين السامعين، ووجه مقابله: القياس على ما لو استخلف بعد الخطبة من لم يحضرها ليصلي بهم؛ فإنه لا يجوز، وأما الثانية.. فلأن الخليفة الذي كان مقتديًا بالإمام بمثابة الإمام، ووجه مقابله: أنه غير مدرك للجمعة، والمذكور في "الروضة" وغيرها نقل الخلاف في الثانية قولين 1. (ثم إن كان أدرك الأولى.. تمت جمعتهم) أي: جمعة الخليفة والمأمومين، سواء أحدث الإمام في الأولى أو الثانية؛ لأنه لما أحرم.. صار باستخلافه قائما مقامه.
(وإلا) أي: وإن لم يكن أدركها (.. فتتم لهم دونه في الأصح) لأنهم أدركوا مع الإمام ركعة، بخلاف الخليفة؛ فإنه لم يدركها معه، فيتمها ظهرًا، والثاني: تتم له جمعة أيضًا؛ لأنه صلى ركعة من الجمعة في جماعة، فأشبه المسبوق.
وفرق الأول: بأن المأموم يمكن جعله تبعًا للإمام، والخليفة إمام لا يمكن جعله تبعًا للمأمومين.
(ويراعي المسبوقُ نظمَ المستخلِف) أي: يراعي الخليفة إذا كان مسبوقًا نظمَ صلاة المستخلِف له؛ لأنه التزم ذلك بالاقتداء.
(فإذا صلى ركعة.. تشهد وأشار إليهم ليفارقوه أو ينتظروا) ويقوم إلى ركعة أخرى حيث أتمها جمعة، وإلى ثلاث حيث أتمها ظهرًا، قال في "شرح المهذب": (والأفضل: انتظاره) 2. (ولا يلزمهم استئناف نية القدوة في الأصح) لأن غرض الاستخلاف: جعل

وَمَنْ زُحِمَ عَنِ السُّجُودِ فَأَمْكَنَهُ عَلَى إِنْسَانٍ.. فَعَلَ، وَإِلَّا.. فالصَّحِيحُ: أَنَّهُ يَنْتَظِرُ، وَلَا يُومِئُ بِهِ، ثُمَّ إِنْ تَمَكَّنَ قَبْلَ رُكُوعِ إِمَامِهِ.. سَجَدَ، فَإِنْ رَفَعَ وَالإِمَامُ قَائِمٌ.. قَرَأَ، أَوْ رَاكِعٌ.. فَالأَصَحُّ: يَرْكَعُ وَهُوَ كَمَسْبُوقٍ، فَإِنْ كَانَ إِمَامُهُ فَرَغَ مِنَ الرُّكُوعِ وَلَمْ يُسَلِّمْ.. وَافَقَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ ثمَّ صَلَّى رَكْعَةً بَعْدَهُ، وَإِنْ كَانَ سَلَّمَ.. فَاتَتِ الْجُمُعَةُ

الخليفة كالأول وإدامة الجماعة، والثاني: يلزمهم، لأنهم بعد خروج الإمام من الصلاة قد انفردوا، ألا ترى أنهم يسجدون لسهوهم في تلك الحالة.
(ومن زُحِمَ عن السجود فأمكنه على إنسان) أو بهيمة أو غيرها (.. فعل) وجوبًا؛ لإمكانه، وروى البيهقي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (إذا اشتد الزحام.. فليسجد أحدكم على ظهر أخيه) 1، ولا يعرف له مخالف.
ولا بدَّ من رعاية هيئة الساجدين؛ بأن ترتفع أسافله على أعاليه، وإلا.. فلا يفعله.
(وإلا) أي: وإن لم يمكنه ذلك (.. فالصحيح: أنه ينتظر) زوال الزحام، (ولا يومئ به) لقدرته على إتمامه وندور هذا العذر وعدم دوامه، والثاني: يومئ ول أقصى ما يمكنه؛ كالمريض؛ لمكان العذر، والثالث: يتخير بينهما.
(ثم إن تمكن قبل ركوع إمامه) في الثانية (.. سجد) تداركًا له عند زوال العذر.
(فإن رفع والإمام قائم.. قرأ) الفاتحة؛ جريًا على متابعته، فإن لم يتمها حتى ركع الإمام.. فله حكم المسبوق في الأصحِّ، ولا يضر التخلف الماضي؛ لأنه تخلف بعذر، (أو راكع.. فالأصح: يركع وهو كمسبوق) لأنه لم يدرك محلّ القراءة، فسقطت عنه، والثاني: تلزمه القراءة ويسعى وراء الإمام، وهو متخلف بعذر؛ لأنه مؤتم بالإمام في حال قراءته، فلزمته، بخلاف المسبوق.
(فإن كان إمامه فرغ من الركوع ولم يسلم.. وافقه فيما هو فيه، ثم صلى ركعة بعده) 2 لفواتها؛ كالمسبوق، (وإن كان سلم.. فاتت الجمعة) لأنه لم يدرك معه ركعة.

وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ السُّجُودُ حَتَّى رَكَعَ الإِمَامُ.. فَفِي قَوْلٍ: يَرْعَى نَظْمَ نَفْسِهِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ يَرْكَعُ مَعَهُ، وَيُحْسَبُ رُكُوعُهُ الأَوَّلُ فِي الأَصَحِّ، فَرَكْعَته مُلَفَّقَة مِنْ رُكُوعِ الأُولَى وَسُجُودِ الثَّانِيَةِ، وَيُدْرِكُ بِهَا الْجُمُعَةَ فِي الأَصَحِّ، فَلَوْ سَجَدَ عَلَى تَرْتِيبِ نَفْسِهِ عَالِمًا بِأَنَّ وَاجِبَهُ الْمُتَابَعَةُ.. بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ نَسِيَ أَوْ جَهِلَ.. لَمْ يُحْسَبْ سُجُودُهُ الأَوَّلُ، فَإِذَا سَجَدَ ثَانِيًا.. حُسِبَ،

(وإن لم يمكنه السجود حتى ركع الإمام) في الثانية (.. ففي قول: يرعى نظم نفسه) لحديث: "إِذَا سَجَدَ.. فَاسْجُدُوا" 1، وقد سجد إمامه في الأولى، فيسجد هو أيضًا؛ امتثالًا للأمر، ولئلا يتوالى ركوعان.
(والأظهر: أنه يركع معه) لظاهر: "إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ.. فَارْكَعُوا" 2، ولأن متابعة الإمام آكد، ولهذا يتبعه المسبوق، ويترك القراءة والقيام.
(ويُحسب ركوعُه الأول في الأصح) لأنه أتى به في وقته، وإنما أتى بالثاني لموافقة الإمام، والثاني: يحسب الثاني؛ لتعقبه السجود.
(فركعته ملفقة من ركوع الأولى وسجود التانية، ويدرك بها الجمعة في الأصح) لإطلاق قوله عليه السلام: "مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ.. فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى" 3، ولأن التلفيق لازم قطعًا؛ بدليل تكبيرة الإحرام، والثاني: لا؛ لنقصانها بالتلفيق.
(فلو سجد على ترتيب نفسه) عامدًا (عالمًا بأن واجبه المتابعة) تفريعًا على الأظهر (.. بطلت صلاته) لتلاعبه، حيث سجد في موضع الركوع، وعليه التحرم بالجمعة إن أمكنه إدراك الإمام في الركوع.
(وإن نسي أو جَهل.. لم يحسب سجوده الأول) لأنه أتى به في غير محله، ولا تبطل به الصلاة؛ للعذر.
(فإذا سجد ثانيًا.. حُسِبَ) أي: فإذا فرغ من هاتين السجدتين اللتين لم نحسبهما

وَالأَصَحُّ: إِدْرَاكُ الْجُمُعَةِ بِهَذِهِ الرَّكْعَةِ إِذَا كَمُلَتِ السَّجْدَتَانِ قَبْلَ سَلَامِ الإِمَامِ، وَلَوْ تَخَلَّفَ بِالسُّجُودِ نَاسِيًا حَتَّى رَكَعَ الإِمَامُ لِلثَّانِيَةِ.. رَكَعَ مَعَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ.

له، واستمر على ترتيب صلاة نفسه فقام وركع، فماذا انتهى إلى السجود الثاني.. حسبناه له، وأتممنا به ركعته؛ لدخول وقته، وألغينا ما قبله.
وما ذكره من حسبان السجود الثاني حتى تحصل له الركعة.. تبع فيه "المحرر"؛ فإنه قال: إنه المنقول، ونقله في "الشرحين" عن الصَّيْدَلاني والإمام والغزالي، ثم استشكله وقال: إن المفهوم من كلام الأكثرين: أنه لا يعتد له بشيء مما يأتي به على غير المتابعة، وإذا سلم الإمام.. سجد سجدتين، لتمام الركعة، ولا يكون مدركًا للجمعة، وجرى في "الروضة" على أن ذلك مفهوم كلام الأكثرين، ونقل في "شرح المهذب" عن الجمهور: أنهم قطعوا بعدم الحسبان 1. (والأصح: إدراك الجمعة بهذه الركعة إذا كملت السجدتان قبل سلام الإمام) لما مرّ في الركعة الملفقة، والثاني: لا؛ لأن الملفقة فيها نقصان، وهذه فيها نقصانان؛ نقصان بالتلفيق، ونقصان بالقدوة الحكمية؛ فإنه لم يتابع الإمام في معظم ركعته متابعة حسية، بل سجد متخلفًا عنه.
(ولو تخلف بالسجود ناسيًا حتى ركع الإمام للثانية.. ركع معه على المذهب) أي: إذا نسي السجود في غير الزحام، فلم يسجد حتى ركع الإمام في الثانية.. ففيه طريقان: أظهرهما في "الشرح الصغير" و"المحرر": فيه قولا المزحوم للعذر 2، فيركع معه على الأظهر، ويراعي ترتيب نفسه على الآخر، والطريق الثاني: الجزم بالمتابعة، ورجحها الروياني 3.

بابُ صلاة الخوف هِيَ أَنْوَاعٌ: الأَوَّلُ: يَكُونُ الْعَدُوُّ فِي الْقِبْلَةِ، فَيُرَتِّبُ الإِمَامُ الْقَوْمَ صَفَّيْنِ وَيُصَلِّي بِهِمْ، فَإِذَا سَجَدَ.. سَجَدَ مَعَهُ صَفٌّ سَجْدَتيهِ وَحَرَسَ صَفٌّ، فَإِذَا قَامُوا.. سَجَدَ مَنْ حَرَسَ وَلَحِقُوهُ، وَسَجَدَ مَعَهُ فِي الثَّانِيَةِ مَنْ حَرَسَ أَوَّلًا، وَحَرَسَ الآخَرُونَ، فَإِذَا جَلَسَ.. سَجَدَ مَنْ حَرَسَ وَتشَهَّدَ بِالصَّفَّيْنِ وَسَلَّمَ، وَهَذِهِ صَلَاهُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُسْفَانَ،

﴿باب صلاة الخوف﴾ أي: كيفية الصلاة المفروضة إذا فعلت في حال الخوف، قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾... الآية، وفعلها الصحابة رضي الله عنهم بعده في مواطن 1. (هي أنواع) تبلغ ستة عشر نوعًا، اختار الشافعي منها ما ذكره المصنف.
(الأول: يكون العدو في القبلة) وفي المسلمين كثرة بحيث تقاوم كلّ فرقة العدوّ، ولا ساتر بينهم وبين العدو (فيرتب الإمام القوم صفين ويصلي بهم، فإذا سجد.. سجد معه صفّ سجدتيه وحرس صفّ، فإذا قاموا.. سجد من حرس ولحقوه، وسجد معه في الثانية من حرس أولًا، وحرس الآخرون، فإذا جلس.. سجد من حرس وتشهد بالصفين وسلم، وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعُسفان) هذه الكيفية رواها مسلم من حديث جابر، لكن فيه أن الذي سجد معه أولًا هو الصف الأول 2، ونص في "المختصر": على أنه الثاني 3. فمنهم: من أخذ بظاهر النص، ومنهم: من رده، وقال: إن مذهبه ما ثبت في الحديث، قال في "الروضة": والصحيح: جواز الأمرين، وهو مراد الشافعي، وقد فهم من كلامه: أنه لا حراسة في الركوع، وهو الصحيح 4.

وَلَوْ حَرَسَ فِيهمَا فِرْقَتَا صَفٍّ.. جَازَ، وَكَذَا فِرْقَةٌ فِي الأَصَحِّ. الثَّانِي: يَكُونُ فِي غَيْرِهَا، فَيُصَلِّي مَرَّتينِ، كُلَّ مَرَّةٍ بِفِرْقَةٍ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِبَطْنِ نَخْلٍ. [الثَّالِثُ]: أَوْ تَقِفُ فِرْقَةٍ فِي وَجْهِهِ وَيُصَلِّي بِفِرْقَةٍ رَكْعَةً، فَإِذَا قَامَ لِلثَّانِيَةِ.. فَارَقَتْهُ وَأَتَمَّتْ وَذَهَبَتْ إِلَى وَجْهِهِ، وَجَاءَ الْوَاقِفُونَ فَاقْتَدَوْا بِهِ فَصَلَّى بِهِمُ الثَّانِيَةَ، فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ.. قَامُوا فَأَتَمُّوا ثَانِيتهُمْ وَلَحِقُوهُ وَسَلَّمَ بِهِمْ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَاتِ الرِّقَاعِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهَا أَفْضَلُ مِنْ بَطْنِ نَخْلٍ،

(ولو حرس فيهما) أي: في الركعتين (فِرْقتا صفٍّ) على التناوب؛ فرقة في الأولى، وفرقة في الثانية (.. جاز) قطعًا؛ لحصول المقصود، وهو الحراسة (وكذا فرقة) تحرس فيهما (في الأصح) لأنه قد لا يتأهل للحراسة إلا معينون، والثاني: لا يجوز؛ لأن التخلف يتضاعف حينئذ، ويزيد على ما ورد به الخبر.
(الثاني: يكون) العدو (في غيرها) أو فيها وبين المسلمين وبينه حائل يمنع من رؤيته لو أراد أن يهجم عليهم (فيصلي مرتين كل مرة بفرقة، وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ببطن نخل) هذه الكيفية في "الصحيحين" 1. ويشترط: أن تكون في المسلمين كثرة، وفي العدو قلة، بحيث تقاوم كلّ فرقة العدوَّ، وأن يخافوا هجومَ العدو عليهم في الصلاة.
([الثالث]: أو تقف فرقة في وجهه، ويصلي بفرقة ركعة، فإذا قام للثانية.. فارقته وأتمت وذهبت إلى وجهه، وجاء الواقفون فاقتدوا به، فصلى بهم الثانية، فإذا جلس للتشهد.. قاموا فأتموا ثانيتهم ولحقوه وسلّم بهم، وهذه صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع) وهذه الكيفية في "الصحيحين" أيضًا 2. (والأصح: أنها أفضل من بطن نخل) لأنها أعدل بين الطائفتين، وهي صحيحة بالإجماع، وتلك فيها خلافُ المفترضِ خلف المتنفل، ووجه مقابله: حصول فضيلة الجماعة على التمام لكلّ طائفة 3.

وَيَقْرَأُ الإِمَامُ فِي انْتِظَارِهِ الثَّانِيَةَ وَيَتَشَهَّدُ، وَفِي قَوْلٍ: يُؤَخِّرُ لِتَلْحَقَهُ. فَإِنْ صَلَّى مَغْرِبًا.. فَبِفِرْقَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ عَكْسِهِ فِي الأَظْهَرِ، وَيَنْتَظِرُ فِي تَشَهُّدِهِ، أَوْ قِيَامِ الثالِثَةِ وَهُوَ أَفْضَلُ فِي الأَصَحِّ. أَوْ رُبَاعِيَّةً.. فَبكُلٍّ رَكْعَتَيْنِ، فَلَوْ صَلَّى بِكُلِّ فِرْقةٍ رَكْعَةٍ

(ويقرأ الإمام في انتظاره) الفرقة (الثانية ويتشهد) لأن السكوت مُخالِف لهيئة الصلاة، وليس القيام موضعَ ذكر، نعم؛ يطيل القراءة بعد لحوقهم بقدر (الفاتحة)، وسورة قصيرة (وفي قول: يؤخر لتلحقه) ليسوي بين الفرقتين في القراءة، وعلى هذا يشتغل بالذكر.
(فإن صلى مغربًا فبفرقة ركعتين، وبالثانية ركعة، وهو أفضل من عكسه في الأظهر) لأن السابقة أحقّ بالتفضيل، ولأن في عكسه تكليفَ الثانية تشهدًا زائدًا، والثاني: العكس أولى جبرًا للثانية عن فضيلة التحرم، ويروى أن عليًّا رضي الله عنه صلّى ليلة الهَرِير بالناس هكذا 1. (وينتظر) أي: تفريعًا على الأظهر الفرقة الثانية (في تشهده، أو قيام الثالثة) لحصول المقصود بكل منهما.
(وهو) أي: انتظاره في قيام الثالثة (أفضل في الأصح) لبنائه على التطويل، وبناء التشهد الأول على التخفيف، والثاني: أن الانتظار في التشهد أولى؛ ليدركوا معه الركعة من أولها، وكان ينبغي التعبير بالأظهر؛ فإن الخلاف قولان، كما في "الروضة" وغيرها 2. (أو رباعية فبكلٍّ ركعتين) لأن فيه تحصيلًا للمقصود مع المساواة بين المأمومين، وهذا إذا قضى في السفر رباعية فاتته في الحضر، أو وقع الخوف في الحضر، أو فيما دون ثلاثة أيام؛ لأن الإتمام أفضل، وإلا.. فالقصر أفضل لا سيما أنه أليق بحالة الخوف.
(فلو صلى بكل فرقة ركعة) أي: إذا فرّقهم أربع فرق، وصلى بكل فرقة ركعة،

جارٍ التحميل