بِخِلَافِ ضَرْبِهِ. ولَوْ خَاطَبَتْهُ بِمَكْرُوهٍ كَـ (يَا سَفِيهُ يَا خَسِيسُ) فَقَالَ: (إِنْ كُنْتُ كَذَلِكَ.. فَأَنْتِ طَالِقٌ)؛ إِنْ أَرَادَ مُكَافَأَتَهَا بِإِسْمَاعِ مَا تَكْرَهُ.. طَلُقَتْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَفَهٌ، أَوِ التَّعْلِيقَ.. اعْتُبِرَتِ الصِّفَةُ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَقْصِدْ فِي الأَصَحِّ. وَالسَّفَهُ: مُنَافٍ إِطْلَاقَ التَّصَرُّفِ. وَالْخَسِيسُ: قِيلَ: مَنْ بَاعَ دِينَهُ بِدُنْيَاهُ،
(بخلاف ضربه) فإنه لا يتناول إلا الحي؛ لأن القصد بالضرب ما يؤلم أو يضر، وهو يستدعي الحياة، وهل يشترط في الضرب الإيلام؟ صححا في "الروضة" و"أصلها" هنا الاشتراط 1، وصححا في (الأيمان) عدم الاشتراط، وصوبه في "المهمات" 2.
(ولو خاطبته بمكروه كـ "يا سفيه يا خسيس"، فقال: "إن كنت كذلك.. فأنت طالق"، إن أراد مكافأتها بإسماع ما تكره) من الطلاق كما غاظته بالشتم (.. طلقت) في الحال.
(وإن لم يكن سفه) ولا خسة، ومعناه: (إذا كنتُ كذلك في زعمك.. فأنت طالق) (أو التعليق.. اعتبرت الصفة) كما هو سبيل التعليقات.
(وكذا إن لم يقصد) مكافأة ولا تعليقًا (في الأصح) مراعاة للفظ، فإن مقتضاه التعليق.
والثاني: يحمل على المكافأة؛ اعتبارًا بالعرف.
(والسفه مناف إطلاق التصرف) كذا قاله الرافعي بحثًا 3، قال الأَذْرَعي: ينبغي حمله على: بذيء اللسان المتفحش المواجه بما يستحي غالب الناس من المواجهة به؛ لأنه العرف، لا سيما العامي الذي لا يعرف السفه غيره 4.
(والخسيس: قيل: من باع دينه بدنياه) قاله العبادي قال: وأخس الأخساء من
وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مَنْ يَتَعَاطَى غَيْرَ لَائِقٍ بِهِ بُخْلًا.
باع آخرته بدنيا غيره، (ويشبه أن يقال: هو من يتعاطى غير لائق به بخلًا) لأن ذلك قضية العرف، وهذا من تفقه الرافعي.
واحترز بقوله: (بخلًا) عما لو تعاطاه تواضعًا، أو زهدًا، أو طرحًا للكلفة.
كتابُ الرَّجْعَة شَرْطُ الْمُرْتَجِع: أَهْلِيَّةُ النِّكَاحِ بِنَفْسِهِ، وَلَوْ طَلَّقَ فَجُنَّ.. فَلِلْوَليِّ الرَّجْعَةُ عَلَى الصَّحِيحِ حَيْثُ لَهُ ابتِدَاءُ النِّكَاحِ
﴿كتاب الرجعة﴾
هي بفتح الراء وكسرها، والفتح أفصح، قاله الجوهري، وقال الأزهري: الكسر أكثر 1، وهي في اللغة: المرة من الرجوع، وفي الشرع: الرد إلى النكاح بعد طلاق غير بائن.
والأصل فيها قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في العدة ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ أي: رجعة، قاله الشافعي 2.
وطلق النبي صلى الله عليه وسلم حفصة ثم راجعها، كما رواه أبو داوود 3.
(شرط المرتجع: أهلية النكاح بنفسه) لأنها إنشاء نكاح.
وخرج بالأهلية: المرتد؛ لأن مقصود الرجعة الحل، والردة تنافيه.
واحترز بقوله: (بنفسه) عن الصبي والمجنون، فإنهما أهل للنكاح بوليهما لا بنفسهما، [ودخل فيه السكران والسفيه والعبد، فإنه يصح رجعتهم وإن لم يأذن السيد للعبد والولي للسفيه؛ لأنهما أهل النكاح بأنفسهم] 4 وإن كان شرطه في العبد والسفيه إذن السيد والولي، كذا قاله في "الدقائق" 5.
والاحتراز عن الصبي فيه تجوز، إذ لا يتصور وقوع طلاقه حتى يقال: لا تصح رجعته.
(ولو طلق فجن.. فللولي الرجعة على الصحيح حيث له ابتداء النكاح) بناء على جواز التوكيل في الرجعة، وهو الصحيح.
وَتَحْصُلُ بِـ (رَاجَعْتُكِ) وَ (رَجَعْتُكِ) وَ (ارْتَجَعْتُكِ). وَالأَصَحّ: أَنَّ الرَّدَّ وَالإِمْسَاكَ صَرِيحَانِ، وَأَنَّ التَّزْوِيجَ وَالنِّكَاحَ كِنَايَتَانِ. وَلْيَقُلْ: (رَدَدْتُهَا إِلَيَّ أَوْ إِلَى نِكَاحِي).
(وتحصل بـ "راجعتك"، و"رجعتك"، و"ارتجعتك") وهذه الألفاظ صريحة؛ لشيوعها وورود الأخبار بها، وسواء أضاف إليه أو إلى نكاحه؛ كقوله: (إلي أو إلى نكاحي) أم لا، لكنه مستحب، ولا بد من إضافتها إلى مُظهرٍ؛ كـ (راجعت فلانة)، أو مضمر؛ كـ (راجعتك)، أو مشار إليه؛ كـ (راجعت هذه)، وأما مجرد (راجعت)، و (ارتجعت).. فلا ينفع.
(والأصح: أن الرد والإمساك صريحان) لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ وقوله صلى الله عليه وسلم لركانة: "اُرْدُدْهَا" 1، والثاني: أنهما كنايتان؛ لعدم اشتهارهما اشتهار الرجعة، وصوبه في "المهمات" بالنسبة إلى الإمساك؛ لنقله في "البحر" إياه عن نصه في عامة كتبه 2.
(وأن التزويج والنكاح كنايتان) لعدم استعمالهما في الرجعة، والثاني: صريحان؛ لأنهما صالحان لابتداء العقد والحل فلأن يصلحا للتدارك أولى، والثالث: أنهما لغو؛ لعدم الإشعار بالتدارك، هذا كله إذا قال: (تزوجتك)، أو (نكحتك) وحده، فلو جرى العقد على صورة الإيجاب والقبول.. قال الروياني: الأصحُّ هنا: الصحة؛ لأنه آكد في الإباحة، وأقراه في "الشرح" و"الروضة" 3، وقال المصنف في "فتاويه": إنه الصحيح.
ولو قال: (اخترت رجعتك)، ونوى الرجعة.. حصلت الرجعة على الأصحِّ في "زيادة الروضة" 4.
(وليقل: "رددتها إلي أو إلى نكاحي") حتى يكون صريحًا؛ لأن الرد وحده قد يفهم الرد إلى أهلها بسبب الفراق.
وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الإِشْهَادُ، فَتَصِحُّ بِكِنَايَةٍ. وَلَا تَقْبَلُ تَعْلِيقًا، وَلَا تَحْصُلُ بِفِعْلٍ كَوَطْءٍ. وَتَخْتَصُّ الرَّجْعَةُ بِمَوْطُوءَةٍ
وظاهر كلامه: أن هذا واجب، وهو ما رجحاه تبعًا للغزالي 1، لكن قال ابن الرفعة: المشهور: عدم الاشتراط 2.
ولم يذكر المصنف الإضافة في الإمساك، ومقتضاه: عدم الاشتراط، لكن في "الشرح" و"الروضة": إذا جعلنا الإمساك صريحًا.. فيشبه أن يجيء في اشتراط الإضافة وجهان؛ كالرد، وجزم البغوي بعدم الاشتراط، وأنه مستحب 3.
(والجديد: أنه لا يشترط الإشهاد) لأن الرجعة في حكم استدامة النكاح السابق، ولذلك لا يحتاج إلى الولي ورضا المرأة، وإنما أشهد على النكاح؛ لإثبات الفراش، وهو ثابت هنا، والثاني: يشترط، ونص عليه في "الإملاء"، وهو من الجديد؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وحَمل الأولُ الأمر على الندب.
(فتصح بكناية) بناء على عدم اشتراط الإشهاد؛ لأنه مستقل بها؛ كالطلاق، فإن قلنا: باشتراطه.. لم تصح؛ كالنكاح؛ لعدم اطلاع الشهود على النية، وفيه احتمال للغزالي؛ لأن القرينة قد يفهمها الشهود 4.
(ولا تقبل تعليقًا) كالنكاح وسائر العقود (ولا تحصل بفعل؛ كوطء) ومقدماته؛ لأن الوطء يوجب العدة، فكيف يقطعها؟ !
نعم؛ الأخرس تصح منه بإشارته المفهمة.
(وتختص الرجعة بموطوءة) لأنه لا عدة على غيرها، والله تعالى إنما أثبت الرجعة في العدة بقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في التربص المفهوم من قوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾.
طُلِّقَتْ بِلَا عِوَضٍ لَمْ يُسْتَوْفَ عَدَدُ طَلَاقِهَا، بَاقِيَةٍ فِي الْعِدَّةِ، مَحَلٍّ لِحِلٍّ، لَا مُرْتَدَّةٍ. وَإِذَا ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّةِ أَشْهُرٍ وَأَنْكَرَ.. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، أَوْ وَضْعَ حَمْلٍ لِمُدَّةِ إِمْكَانٍ، وَهِيَ مِمَّنْ تَحِيضُ لَا آيِسَةٌ.. فَالأَصَحُّ: تَصْدِيقُهَا بِيَمِينٍ
وشمل إطلاقه: الموطوءة في الدبر، وهو الأصحُّ؛ بناءً على الصحيح أنه يوجب العدة، لكنه يخرج من استدخلت ماء الزوج، والأصحُّ: أنه يوجب العدة، فعلى هذا: تثبت به الرجعة، وبه جزم في "الروضة" في (باب مثبتات الخيار) في الكلام على العنة 1، وتخرج الخلوة، وهو كذلك؛ بناء على المذهب: أنه لا عدة بها.
(طلقت بلا عوض) فالمفسوخ نكاحها لا رجعة فيها؛ لأن الله تعالى أناطها بالطلاق، فاختصت به، والمطلقة بعوض قد ملكت نفسها بما بذلته (لم يُستوف عدد طلاقها) فإن استوفي.. لم تحل إلا بعد نكاح زوج آخر؛ كما تقرر في موضعه (باقيةٍ في العدة) لقوله تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾، ولو كان حق الرجعة باقيًا.. لما كان يباح لهن النكاح.
وكان ينبغي أن يقول: (في العدة الأولى) حتى يخرج ما إذا خالط الرجعية مخالطة الأزواج بلا وطء؛ فإن العدة لا تنقضي، ولا رجعة له بعد الأقراء والأشهر؛ كما سيأتي في (العدد).
(محلٍّ لحل) أي: قابلة للحل (لا مرتدة) لأن مقصود الرجعة الحل، والردة تنافيه، وشمل إطلاقه: الطلاق المبهم، والأصحُّ: أنه لا رجعة حال الإبهام؛ لأنها لا تقبل التعليق، فلا تقبل الإبهام.
(وإذا ادعت انقضاء عدة أشهر وأنكر.. صدق بيمينه) لأن الخلاف يرجع إلى وقت الطلاق، والقول قوله في أصل الطلاق، فكذا في وقته.
(أو وضع حمل لمدة إمكان، وهي ممن تحيض لا آيسة.. فالأصح: تصديقها بيمين) بالنسبة إلى انقضاء العدة خاصة؛ لأن النساء مؤتمنات على ما في أرحامهن، والثاني: لا، وتطالب بالبينة؛ لأنها مدعية، والغالب: أن القوابل يشهدن الولادة.
واحترز بقوله: (لمدة إمكان) عما إذا لم يمكن؛ كما سيأتي، وبقوله: (وهي
وَإِنِ ادَّعَتْ وِلَادَةَ تَامٍّ.. فَإِمْكَانُهُ سِتَّةُ أَشْهُرٍ وَلَحْظَتَانِ مِنْ وَقْتِ النِّكَاحِ، أَوْ سِقْطٍ مُصَوَّرٍ.. فَمِئَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ، أَوْ مُضْغَةٍ بِلَا صُورَةٍ.. فَثَمَانُونَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ. أَوِ انْقِضَاءَ أَقْرَاءٍ؛ فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً وَطُلِّقَتْ فِي طُهْرٍ.. فَأَقَلُّ الإِمْكَانِ اثْنَانِ وَثَلَاثونَ
ممن تحيض) عن الآيسة والصغيرة، فإنهما لا تحبلان؛ فلا تصدقان في الوضع، وصرح بالآيسة بعد، وصرح في "المحرر" بالصغيرة أيضًا 1، وحذفها المصنف؛ لأنه لا يقع الاختلاف معها؛ إذ لا حكم لقولها.
(وإن ادعت ولادة تام.. فإمكانه سته أشهر ولحظتان من وقت النكاح) وإمكان اجتماع الزوجين بعد النكاح؛ لأن الستة أقل مدة الحمل، واللحظتان: لحظة للوطء، ولحظة للوضع.
(أو سقط مصوَّر.. فمئة وعشرون يومًا ولحظتان) من وقت إمكان اجتماعهما بعد العقد؛ لحديث ابن مسعود: "إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا 2، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ" متفق عليه 3.
واعتبرت اللحظتان لحظة للوطء، ولحظة للإسقاط، وذكر الرافعي وجمع من العراقيين في (باب العدد) أن الولد يتصور في ثمانين يومًا، وحمل على مبادئ التصوير، والمذكور هنا على تكامل التصوير.
(أو مضغة بلا صورة.. فثمانون يومًا ولحظتان) من إمكان الوطء بعد العقد؛ للحديث المذكور، وإنما يحكم بها إذا شهد القوابل أنها أصل آدمي.
(أو انقضاء أقراء؛ فإن كانت حرة وطلقت في طهر.. فأقل الإمكان اثنان وثلاثون
يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ، أَوْ فِي حَيْضٍ.. فَسَبْعَة وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا وَلَحْظَة، أَوْ أَمَةً وَطُلِّقَتْ فِي طُهْرٍ.. فَسِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَحْظَتَانِ،
يومًا ولحظتان) وذلك بأن تطلق وقد بقي من الطهر لحظة، وهي قرء، ثم تحيض يومًا وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يومًا 1، وذلك قرء ثان، ثم تحيض يومًا وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، وذلك قرء ثالث، ثم تطعن في الحيضة، وهذه اللحظة ليست من العدة، بل لاستيقان انقضائها، فلا تصح الرجعة فيها، وقيل: هي من نفس العدة، وكلام المصنف يوهمه.
هذا في غير المبتدأة، أما المبتدأة إذا طلقت ثم حاضت وقلنا: بالأصح: أن القرء هو المُحْتَوش بدمين.. فأقل الإمكان في حقها ثمانية وأربعون يومًا ولحظة.
(أو في حيض.. فسبعة وأربعون يومًا ولحظة) وذلك بأن يطلق في آخر جزء من الحيض، كأن علق طلاقها بآخر جزء من حيضها، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، ثم تحيض يومًا وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، ثم تحيض يومًا وليلةً، وتطهر خمسة عشر يومًا، وتطعن في الحيضة، وفي لحظة الطعن ما ذكرناه في المطلقة في الطهر، ولا يحتاج هنا إلى تقدير لحظة في الأول؛ لأن اللحظة هناك تحسب قرءًا، وحكم طلاقها في النفاس: حكم طلاقها في الحيض.
(أو أمة وطلقت في طهر.. فستة عشر يومًا ولحظتان) وذلك بأن يطلق وقد بقي لحظة من الطهر، فتحسب قرءًا، ثم تحيض بعدها يومًا وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، ثم تطعن في الدم لحظة يتبين بها تمام الطهر.
أَوْ حَيْضٍ.. فَأَحَدٌ وَثَلَاثُونَ وَلَحْظَةٌ. وَتُصَدَّقُ إِنْ لَمْ تُخَالِفْ عَادَةً دَائِرَةً، وَكَذَا إِنْ خَالَفَتْ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ وَطِئَ رَجْعِيَّةً وَاسْتَأْنَفَتِ الأَقْرَاءَ مِنْ وَقْتِ الْوَطْءِ.. رَاجَعَ فِيمَا كَانَ بَقِيَ
هذا في غير المبتدئة، فإن كانت مبتدئة.. فأقله اثنان وثلاثون يومًا ولحظة؛ بناءً على اشتراط الاحتواش.
(أو حيض.. فأحد وثلاثون ولحظة) وذلك بأن يطلق في آخر جزء من الحيض، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، وتحيض يومًا وليلة، ثم تطهر خمسة عشر يومًا، ثم تشرع في الحيض (وتصدق) بيمينها، حرة كانت أو أمة (إن لم تخالف عادة دائرة) لأنه لا يعرف إلا من جهتها.
(وكذا إن خالفت في الأصح) أي: كان لها عادة دائرة، فادعت مخالفتها إلى دونها مع الإمكان، فإنها تصدق؛ لأن العادة قد تتغير، وهي مؤتمنة، وهذا ما نقلاه عن الأكثرين 1، والثاني: لا تصدق؛ لأنها تتهم بالاستعجال، قال الشيخ أبو محمد: وهو المذهب، وقال الروياني: إنه الاختيار في هذا الزمان، ونقله في "المهمات" عن نص "الأم" 2.
قال الروياني: وإذا قالت: (انقضت عدتي).. وجب أن نسألها عن حالها: كيف الطهر والحيض؟ ونحلفها عند التهمة؛ لكثرة الفساد، وأقراه، وجزم به الما وردي أيضًا 3.
(ولو وطئ) الزوج (رجعية) بشبهة أو غيرها (واستأنفت الأقراء من وقت الوطء.. راجع فيما كان بقي) من أقراء الطلاق، فإن وقع الوطء بعد قرأين.. ثبتت الرجعة في واحد، وإن كان بعد قرء.. فله الرجعة في قرأين؛ لأن الرجعة تختص بعدة الطلاق.
وَيَحْرُمُ الاسْتِمْتَاعُ بِهَا، فَإِنْ وَطِئَ.. فَلَا حَدَّ، وَلَا يُعَزَّرُ إِلَّا مُعْتَقِدُ تَحْرِيمِهِ، وَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ إِنْ لَمْ يُرَاجِعْ، وَكَذَا إِنْ رَاجَعَ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَيَصِحُّ إِيلَاءٌ وَظِهَارٌ وَطَلَاقٌ وَلِعَانٌ وَيَتَوَارَثَانِ
(ويحرم الاستمتاع بها) ولو بلمس ونظر، لأن النكاح يبيح الاستمتاع، فيحرمه الطلاق؛ لأنه ضده.
(فإن وطى.. فلا حد) وإن كان عالمًا بالتحريم؛ لاختلاف العلماء في إباحته، (ولا يعزر إلا معتقد تحريمه) لإقدامه على معصية عنده، فإن كان جاهلًا حله أو معتقده.. لم يعزر.
(ويجب مهر المثل إن لم يراجع) لأنها في تحريم الوطء كالبائن، فكذا في المهر.
(وكذا إن راجع على المذهب) هكذا نص عليه هنا، ونص فيما لو ارتدت فوطئها في العدة، ثم أسلمت فيها.. أن لا مهر لها وكذا لو أسلم أحد المجوسيين أو الوثنيين، ووطئها، ثم أسلم المتخلف في العدة.. فقيل: فيهما قولان: بالنقل والتخريج.
والأصحُّ: تقرير النصين.
والفرق: أن أثر الطلاق لا يرتفع بالرجعة، بل يبقى نقصان العدد، فيكون ما بعد الرجعة وما قبل الطلاق كعقدين، وأثر الردة يرتفع بالإسلام، فيكون الوطء مصادفًا للعقد الأول، ولم يرجح الرافعي في "شرحيه" واحدًا من هذين الطريقين، بل قال: الأظهر هنا: وجوب المهر، وهناك نفيه، وعبارة "الروضة": المذهب: تقرير النصين 1.
(ويصح إيلاء وظهار وطلاق ولعان، ويتوارثان) لأن الرجعية زوجة في هذه الأحكام الخمسة، ولا يثبت حكم الظهار وضرب مدة الإيلاء إلا بعد الرجعة، وخلعها كطلاقها، وتجب نفقتها؛ كما سيأتي في بابه.
وَإِذَا ادَّعَى وَالْعِدَّةُ مُنْقَضيَةٌ رَجْعَةً فِيهَا فَأَنْكَرَتْ؛ فَإِنِ اتّفَقَا عَلَى وَقْتِ الانْقِضَاءِ كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَقَالَ: (رَاجَعْتُ يَوْمَ الْخَمِيسِ) فَقَالَتْ: (بَلْ يَوْمَ السَّبْتِ).. صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا، أَوْ عَلَى وَقْتِ الرَّجْعَةِ كَيَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَقَالَتْ: (انْقَضَتِ الْخَمِيسَ)، وَقَالَ: (السَّبْتَ).. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَإِنْ تنَازَعَا فِي السَّبْقِ بِلَا اتِّفَاقٍ.. فَالأَصَحُّ: تَرْجِيحُ سَبْقِ الدَّعْوَى؛ فَإِنِ ادَّعَتِ الانْقِضَاءَ ثُمَّ ادَّعَى رَجْعَةً قَبْلَهُ.. صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا، أَوِ ادَّعَاهَا قَبْلَ انْقِضَاءٍ فَقَالَتْ: (بَعْدَهُ).. صُدِّقَ
(وإذا ادعى والعدة منقضية رجعةً فيها فأنكرت؛ فإن اتفقا على وقت الانقضاء؛ كيوم الجمعة، وقال: "راجعت يوم الخميس" فقالت: "بل يوم السبت".. صدقت بيمينها) أنها لا تعلم أنه راجع يوم الخميس؛ لأن وقت انقضاء العدة متفق عليه، والأصل عدم الرجعة قبله.
(أو على وقت الرجعة؛ كيوم الجمعة، وقالت: "انقضت الخميس"، وقال: "السبت".. صدق بيمينه) لأن وقت الرجعة متفق عليه، والأصل عدم انقضاء العدة قبله.
(وإن تنازعا في السبق بلا اتفاق.. فالأصح: ترجيح سبق الدعوى) لاستقرار الحكم بقوله.
(فإن ادعت الانقضاء) بأن قالت أولًا: (انقضت عدتي) (ثم ادعى رجعة قبله) بأن قال: (راجعتك قبل انقضائها) (.. صدقت بيمينها) لأنها إذا قالت: (انقضت عدتي).. فلا بد من تصديقها، ولا التفات إلى قوله بعد التصديق.
(أو ادعاها قبل انقضاء) أي: قال: (راجعتك قبل انقضاء عدتك) (فقالت: "بعده") أي: بعد الانقضاء (.. صدق) لأنه يملك الرجعة، وقد صحت في الظاهر، فلا يقبل قولها في إبطالها، ومقابل الأصحِّ أوجه:
أحدها: هي المصدقة.
والثاني: هو.
والثالث: يقرع، ويقدم قول من خرجت قرعته.
قُلْتُ: فَإِنِ ادَّعَيَا مَعًا.. صُدِّقَتْ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَتَى ادَّعَاهَا وَالْعِدَّةُ بَاقِيَةٌ.. صُدِّقَ. وَمَتَى أَنْكَرَتْهَا وَصُدِّقَتْ ثُمَّ اعْتَرَفَتْ.. قُبِلَ اعْتِرَافُهَا. وَإِذَا طَلَّقَ دُونَ ثَلَاثٍ وَقَالَ: (وَطِئْتُ فَلِيَ الرَّجْعَةُ) وَأَنْكَرَتْ.. صُدِّقَتْ بِيَمِينٍ، وَهُوَ مُقِرٌّ لَهَا بِالْمَهْرِ، فَإِنْ قَبَضَتْهُ.. فَلَا رُجُوعَ لَهُ، وَإِلَّا.. فَلَا تُطَالِبُهُ إِلَّا بِنِصْفٍ.
واختلف فقهاء اليمن في المراد بسبق الدعوى: فقال ابن عجيل: المراد: سبق الدعوى عند الحاكم، وقال الحضرمي: يظهر من كلامهم أنهم لا يرونه 1، قال الزركشي: والظاهر: أن مرادهم أعم من ذلك.
(قلت: فإن ادعيا معًا) بأن قال: (قد راجعتك)، فقالت مع قوله: (قد انقضت عدتي) (.. صدقت) بيمينها (والله أعلم) لأن انقضاء العدة لا يعلم إلا من جهتها، والزوج يمكنه الإشهاد على الرجعة، ولم يترجح بسبق حتى يتقدم به.
(ومتى ادعاها) أي: الرجعة (والعدة باقية.. صدق) لقدرته على الإنشاء، فلو ادعاها بعد انقضاء العدة.. فهي المصدقة بالإجماع، (ومتى أنكرتها وصدقت ثم اعترفت.. قبل اعترافها) لأنها جحدت حقًّا ثم اعترفت به.
وهذا بخلاف ما لو أقرت أنها بنت زيد أو أخته ثم رجعت، وكذبت نفسها.. لا يقبل رجوعها.
وفرق الإمام بينهما: بأن ادعاء البنوة والأخوة إقرار بإثبات، فلا يصدر إلا عن ثبت، بخلاف قولها: (ما راجعت)، فإنه نفي قد يصدر بناء على الأصل 2، وفرق غيره: بأن البنوة والأخوة تقتضي تأبد الحرمة، بخلاف مسألتنا.
(وإذا طلق دون ثلاث، وقال: "وطئت فلي الرجعة"، وأنكرت.. صدقت بيمين)؛ لأن الأصل عدم الوطء (وهو مقر لها بالمهر، فإن قبضته.. فلا رجوع له) لأنه مقر أنه لا حق له فيه، وأنها تستحقه جميعه.
(وإلا) أي: وإن لم تكن قبضته (.. فلا تطالبه إلا بنصف) لأنها مقرة بأنها
..................................
لا تستحق غيره، فإذا أخذته ثم عادت واعترفت بالوطء.. فهل لها أخذ النصف الآخر أم لابدَّ من إقرار مستأنف من الزوج؟ فيه وجهان بلا ترجيح في "الشرح" و"الروضة" 1.
كتابُ الإِيلاء هُوَ حَلِفُ زَوْجٍ يَصِحُّ طَلَاقُهُ لَيَمْتَنِعَنَّ مِنْ وَطْئِهَا مُطْلَقًا، أَوْ فَوْقَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ. وَالْجَدِيدُ: أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بالْحَلِفِ بِاللهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ، بَلْ لَوْ عَلَّقَ بِهِ طَلَاقًا أَوْ عِتْقًا، أَوْ قَالَ: (إِنْ وَطِئْتُكِ.. فلله عَلَيَّ صَلَاةٌ أَوْ صَوْمٌ أَوْ حَجٌّ أَوْ عِتْقٌ).. كَانَ مُوليًا
﴿كتاب الإيلاء﴾
هو مصدر آلى يولي إيلاء: إذا حلف، وهو في الشرع: ما ذكره المصنف، وكان طلاقًا في الجاهلية، فغيَّر الشارع حكمه.
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ الآية، وآلى صلى الله عليه وسلم من نسائه شهرًا" 1.
(هو حلف زوج يصح طلاقه ليمتنعن من وطئها مطلقًا، أو فوق أربعة أشهر) احترز بالزوج: عن السيد والأجنبي، فإنه يمين، فإذا خالف.. وجبت الكفارة، وليس بإيلاء، قال ابن الرفعة: ولو حذف لفظة زوج.. لكان أولى؛ لأنه يدخل الرجعية، ولفظ الزوج يخرجها إذا قلنا: أن الطلاق الرجعي يقطع الزوجية، وبقوله: (يصح طلاقه) عن الصبي والمجنون، ويدخل فيه السكران -فإنه يصح إيلاؤه على المذهب- والعبد والكافر والمريض، لكن يرد عليه الممسوح ونحوه، وبقوله: (من وطئها) عن امتناعه من الاستمتاع بغير الوطء، فليس بإيلاء، وقوله: (مطلقًا) يعني: أطلق الحلف ولم يقيده بمدة، وفي معناه: ما إذا أكده بقوله: أبدًا، وقوله: (أو فوق أربعة أشهر) يخرج ما دونها؛ لأن المرأة تصبر عن الزوج أربعة أشهر، وبعد ذلك يفنى صبرها أو يشق عليها الصبر.
(والجديد: أنه لا يختص بالحلف بالله تعالى وصفاته، بل لو علق به طلاقًا أو عتقًا، أو قال: "إن وطئتك.. فلله علي صلاة أو صوم أو حج أو عتق".. كان موليًا) لأن جميع ذلك يُسمَّى يمينًا، فتناولته الآية؛ إذ الإيلاء هو الحلف، وهو يشمل
وَلَوْ حَلَفَ أَجْنَبِيٌّ عَلَيْهِ.. فَيَمِينٌ مَحْضَةٌ، فَإِنْ نَكَحَهَا.. فَلَا إِيلَاءَ. وَلَوْ آلَى مِنْ رَتْقَاءَ، أَوْ قَرْنَاءَ، أَوْ آلَى مَجْبُوبٌ.. لَمْ يَصِحَّ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ قَالَ: (وَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ)، فَإِذَا مَضَتْ.. فَوَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) وَهكَذَا مِرَارًا.. فَلَيْسَ بِمُولٍ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (وَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ)، فَإِذَا مَضَتْ.. فَوَاللهِ لَا وَطِئْتُكِ سَنَةً.. فَإِيلَاءَانِ لِكُلٍّ حُكْمُهُ.
الحلف بالله وغيره؛ ولأنه لا يمكنه الوطء إلا بضرر يلحقه، فكان موليًا؛ كالحلف بالله، والقديم: الاختصاص؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ والمغفرة إنما تكون في الحنث في اليمين بالله، بخلاف الطلاق وغيره.
(ولو حلف أجنبي عليه) أي: على ترك الوطء (فيمين محضة) فتجب الكفارة إن وطئها قبل المدة أو بعدها.
(فإن نكحها.. فلا إيلاء) لاختصاصه بالنكاح؛ كالطلاق (ولو آلى من رتقاء، أو قرناء، أو آلى مجبوب.. لم يصح على المذهب) لأنه لم يتحقق منه قصد الإيذاء والإضرار؛ لامتناع الأمر في نفسه، وقيل: يصح؛ لعموم الآية، والطريق الثاني: القطع بالبطلان، والثالث: القطع بالصحة.
هذا كله إذا كان المانع موجودًا عند الإيلاء، فلو طرأ بعده.. لم يبطل على المذهب؛ لأن العجز عارض، وكان قد قصد الإيذاء.
(ولو قال: "والله لا وطئتك أربعة أشهر، فإذا مضت.. فوالله لا وطئتك أربعة أشهر"، وهكذا مرارًا.. فليس بمول في الأصح) لأنه بعد الأربعة لا يمكن مطالبته بموجب اليمين الأولى؛ لانحلالها، ولا بموجب الثانية؛ لأنه لم تمض مدة المهلة من وقت انعقادها.
نعم؛ يأثم على الراجح في "زيادة الروضة" 1، والثاني: أنه مولٍ؛ لتحقق الضرر.
(ولو قال: "والله لا وطئتك خمسة أشهر، فإذا مضت.. فوالله؛ لا وطئتك سنة".. فإيلاءان لكل حكمه) فتطالبه بموجب الأولى في الشهر الخامس، فإن فاء..
وَلَوْ قَيَّدَ بِمُسْتَبْعَدِ الْحُصُولِ فِي ألأَرْبَعَةِ كَنُزُولِ عِيسَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. فَمُولٍ، وَإِنْ ظَنَّ حُصُولَهُ قَبْلَهَا.. فَلَا، وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي الأَصَحِّ. وَلَفْظُهُ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ. فَمِنْ صَرِيحِهِ: تَغْيِيبُ ذَكَرٍ بِفَرْجٍ، وَوَطْءٌ، وَجِمَاعٌ، وَافْتِضَاضُ بِكْرٍ
انحلت، فإن أخرت حتى مضى الخامس.. انحلت الأولى، وتضرب مدة الثانية، فإذا مضت أربعة أشهر.. طولب بالفيئة أو الطلاق.
(ولو قيد بمستبعد الحصول في الأربعة؛ كنزول عيسى صلى الله عليه وسلم فمولٍ) لأن الظاهر تأخر ذلك عن الأربعة، فتتضرر بقطع الرجاء.
(وإن ظن حصوله قبلها) أي: قبل المدة؛ كمجيء الأمطار في الشتاء (.. فلا) يكون موليًا، وإنما هو عقد يمين.
وأفهم أن محقق الحصول؛ كذبول البقل وجفاف الثوب أولى بعدم الإيلاء، وبه صرح في "المحرر" 1.
(وكذا لو شك في الأصح) كما لو علق بمرضه أو موت زيد.. فلا يكون موليًا في الحال، فإن مضت الأربعة، ولم يوجد المعلق به.. فوجهان: أصحهما: أنه لا يكون موليًا أيضًا؛ لأنه لم يتحقق قصد المضارة أولًا.
(ولفظه صريح وكناية) كما في غيره من الأبواب (فمن صريحه: تغييب ذكر بفرج، ووطء، وجماع، وافتضاض بكر) لشيوع استعمالها في الوقاع، وقضيته: أنه لا يدين في ذلك؛ لأن ذلك شأن الصرائح، وهو كذلك في الأول؛ لأنه لا يشعر بمعنى آخر، وأما الوطء والجماع.. فيدين فيهما، فلو قال: (أردت بالجماع الاجتماع، وبالوطء الدوس بالقدم).. دين، وكذا يدين في الافتضاض على الأصحِّ.
هذا إذا لم يقل بذكري، فلو قال: (بذكري).. لم يدين في الثلاثة.
وكان ينبغي التعبير بتغييب الحشفة؛ لأنه لو حلف على تغييب الذكر، وغيبها فقط.. لم يحنث مع تحصيل المقصود.
وَالْجَدِيدُ: أَنَّ مُلَامَسَةً وَمُبَاضَعَةً وَمُبَاشَرَةً وَإِتْيَانًا وَغِشْيَانًا وَقِرْبَانًا وَنَحْوَهَا كِنَايَاتٌ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ وَطِئْتُكِ.. فَعَبْدِي حُرٌّ) فَزَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ.. زَالَ الإِيلَاءُ. وَلَوْ قَالَ: (فَعَبْدِي حُرٌّ عَنْ ظِهَارِي) وَكانَ ظَاهَرَ.. فَمُولٍ، وَإِلَّا.. فَلَا ظِهَارَ وَلَا إِيلَاءَ بَاطِنًا، وَيُحْكَمُ بِهِمَا ظَاهِرًا، وَلَوْ قَالَ: (عَنْ ظِهَارِي إِنْ ظَاهَرْتُ).. فَلَيْسَ بِمُولٍ حَتَّى يُظَاهِرَ
(والجديد: أن ملامسة ومباضعة ومباشرة وإتيانًا وغشيانًا وقربانًا ونحوها) كالإفضاء والمس والمبالغة (كنايات) لأن لها حقائق غير الوطء، ولم تشتهر فيه اشتهار الألفاظ السابقة، والقديم: أنها صرائح؛ لغلبة استعمالها في الجماع.
(ولو قال: "إن وطئتك.. فعبدي حر" فزال ملكه عنه) ببيع أو هبة (.. زال الإيلاء) لعدم ترتب شيء على وطئه حينئذ، ونبه في "المحرر": على أن هذا مفرع على الجديد: في عدم اختصاص الإيلاء بالحلف بالله تعالى وصفاته 1، وأغفله المصنف؛ لوضوحه، وظاهر كلامه: أنه لا يعود الإيلاء إذا عاد إلى ملكه، وهو قضية قولهما: فيه قولا عود الحنث 2.
(ولو قال: "فعبدي حر عن ظهاري"، وكان ظاهر) وعاد قبل ذلك (فمولٍ) لأنه وإن لزمته كفارة الظهار فعتق ذلك العبد بعينه وتعجيل العتق زيادة التزمها بالوطء، وهو مشتق، فصار كالتزام أصل العتق، ثم إذا وطى في مدة الإيلاء أو بعدها.. عتق عن الظهار في الأصحِّ.
(وإلا) أي: وإن لم يكن قد ظاهر (.. فلا ظهار ولا إيلاء باطنًا) أما الأول.. فلأنه كذب في كونه مظاهرًا، وأما الثاني.. فلأنه علق على الوطء عتقًا عن الظهار، والفرض أن لا ظهار فلا عتق؛ إذ لم توجد الصفة المعلق عليها.
(ويحكم بهما ظاهرًا) لإقراره على نفسه بالظهار، فيحكم بكونه موليًا ومظاهرًا، فإذا وطئ.. عاد الوجهان في وقوع العتق عن الظهار.
(ولو قال: "عن ظهاري إن ظاهرت".. فليس بمول حتى يظاهر) لأنه لا يعتق العبد لو وطئها قبل الظهار، ولا يناله محذور، فإذا ظاهر.. صار موليًا؛ لأن العتق
أَوْ (إِنْ وَطِئْتُكِ.. فَضَرَّتُكِ طَالِقٌ).. فَمُولٍ، فَإِنْ وَطِئَ.. طَلُقَتِ الضَّرَّةُ وَزَالَ الإِيلَاءُ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِأرْبَعٍ: (وَاللهِ لَا أُجَامِعُكُنَّ).. فَلَيْسَ بِمُولٍ فِي الْحَالِ، فَإِنْ جَامَعَ ثَلَاثًا.. فَمُولٍ مِنَ الرَّابِعَةِ، فَلَوْ مَاتَ بَعْضُهُنَّ قَبْلَ وَطْءٍ.. زَالَ الإِيلَاءُ، وَلَوْ قَالَ: (لَا أُجَامِعُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْكُنَّ).. فَمُولٍ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ. وَلَوْ قَالَ: (لَا أُجَامِعُكِ إِلَى سَنَةٍ إِلَّا مَرَّةً).. فَلَيْسَ بِمُولٍ فِي الْحَالِ فِي الأَظْهَرِ،
حينئذ يحصل لو وطئ، (أو "إن وطئتك.. فضرتك طالق".. فمول) عن المخاطبة؛ تفريعًا على الجديد: أنه لا يختص بالحلف بالله تعالى؛ لأنه يلحقه ضرر من طلاق الضرة عند الوطء.
(فإن وطئ) في المدة، أو بعدها (.. طلقت الضرة) لوجود المعلق عليه طلاقها (وزال الإيلاء) لأنه لا يترتب عليه شيء بوطئها بعد ذلك.
(والأظهر أنه لو قال لأربع: "والله لا أجامعكن".. فليس بمول في الحال) لأن الكفارة لا تجب إلا بوطء الجميع؛ كما لو حلف لا يكلم جماعة، فهو متمكن من وطء ثلاثة بلا شيء يلحقه، والثاني: نعم؛ كقوله: (لا جامعت واحدة منكن).
(فإن جامع ثلاثًا.. فمول من الرابعة) لأنه يحنث بوطئها، وسواء وطى الثلاث في النكاح أو بعد البينونة؛ لأن اليمين يشمل الحلال والحرام، ولو وطئها في الدبر.. فكذلك على الأصحِّ.
(فلو مات بعضهن قبل وطء.. زال الإيلاء) لتحقق امتناع الحنث، ولا نظر إلى تصوير الإيلاج بعد الموت، فإن اسم الوطء يقع مطلقه على ما في الحياة.
واحترز بقوله: (قبل وطء) عما لو ماتت بعد وطئها وقبل وطء الأخريات فلا يزول الإيلاء.
(ولو قال: "لا أجامع كل واحدة منكن".. فمول من كل واحدة) على حالها؛ كما لو أفردها بالإيلاء، فإذا مضت.. فلكل مطالبته، وظاهر كلامه: أنه لو وطئ واحدة.. لا يرتفع الإيلاء في حق الباقيات، وهو وجه، والأصحُّ: انحلال اليمين، وزوال الإيلاء؛ لأنه حلف ألا يطأ واحدة، وقد وطئ.
(ولو قال: "لا أجامعك إلى سنة إلا مرة"، فليس بمول في الحال في الأظهر)
فَإِنْ وَطِئَ وَبَقِيَ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.. فَمُولٍ.
فَصْلٌ [في أحكام الإيلاء من ضرب مدة وما يتفرع عليها]
يُمْهَلُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنَ الإِيلَاءِ بِلَا قَاضٍ، وَفِي رَجْعِيَّةٍ مِنَ الرَّجْعَةِ. وَلَوِ ارْتَدَّ أَحَدُهُمَا بَعْدَ دُخُولٍ فِي الْمُدَّةِ.. انْقَطَعَتْ، فَإِذَا أَسْلَمَ.. اسْتُؤْنِفَتْ
لاستثنائه الوطء مرة.
(فإن وطئ وبقي منها أكثر من أربعة أشهر.. فمول) من يومئذ؛ لحصول الحنث ولزوم الكفارة لو وطئ، وإن بقي أربعة أشهر فما دونها.. فليس بمول، بل حالف فقط، والقول الثاني: أنه مولٍ في الحال؛ لأن الوطأة الأولى وإن لم يتعلق بها حنث.. فهي مقربة منه، وذلك ضرر عليه، والمولي: هو من منع نفسه من الوطء؛ لخوف ضرر، وعلى هذا: فيطالب بعد مضي المدة، فإن وطئ.. فلا شيء عليه؛ لأن الوطأة الواحدة مستثناة، وتضرب المدة ثانيًا إن بقي من السنة مدة الإيلاء، ويجري الخلاف إذا استثنى وطآت؛ لحصول التقريب بكل وطأة.
(فصل: يمهل) المولي (أربعة أشهر) لقوله تعالى: ﴿تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ (من الإيلاء) لا من وقت المرافعة؛ لأنه مول من وقت الحلف (بلا قاضٍ) لأنها مدة ثابتة بالنص والإجماع، بخلاف مدة العنين؛ لأنها مجتهد فيها، (وفي رجعية من الرجعة) لا من اليمين؛ لأنها شرعت للمهلة في وقت يحل له الوطء، وفي العدة لا يحل له الوطء.
(ولو ارتد أحدهما بعد دخول في المدة.. انقطعت) فلا يحسب زمن الردة منها؛ لأن المرأة تحرم بها، فلا وقع لامتناعه من الحرام، وفي ردته وجه: أنها لا تمنع الاحتساب؛ كمرضه.
واحترز بقوله: (بعد دخول) عما قبله؛ فإن النكاح ينقطع لا محالة.
(فإذا أسلم) المرتد منهما (.. استؤنفت) المدة بناءً على وجوب الموالاة في المدة؛ لأن طلبها منوط بتوالي الضرر أربعة أشهر ولم يوجد، هذا إذا كانت اليمين
وَمَا مَنَعَ الْوَطْءَ وَلَمْ يُخِلَّ بِنِكَاحٍ؛ إِنْ وُجِدَ فِيهِ.. لَمْ يَمْنِعِ الْمُدَّةَ كَصَوْمٍ وَإِحْرَامٍ وَمَرَضٍ وَجُنُونٍ، أَوْ فِيهَا وَهُوَ: حِسِّيٌّ كَصِغَرٍ وَمَرَضٍ.. مَنعَ، وَإِنْ حَدَثَ فِي الْمُدَّةِ.. قَطَعَهَا، فَإِذَا زَالَ.. اسْتُؤْنِفَتْ، وَقِيلَ: تُبْنَى. أَوْ شَرْعِيٌّ كَحَيْضٍ وَصَوْمِ نَفْلٍ.. فَلَا، وَيَمْنَعُ فَرْضٌ فِي الأَصَحِّ
على الامتناع من الوطء مطلقًا، أو كان قد بقي من مدة اليمين ما يزيد على أربعة أشهر، فإن كان أقل من ذلك.. فلا معنى للاستئناف.
(وما منع الوطء، ولم يخل بنكاح؛ إن وجد فيه) أي: في الزوج (.. لم يمنع المدة؛ كصوم وإحرام ومرض وجنون) وحبس ونحوه؛ لأنها ممكنة، والمانع منه، ولهذا استحقت النفقة، وهو المقصر بالإيلاء، وقصده المضارَّة، (أو فيها) أي: في الزوجة (وهو: حسي؛ كصغر ومرض) مانعان من إيلاج الحشفة (.. منع) المدة (وإن حدث في المدة.. قطعها) إذ لم يمتنع الوطء باليمين، بل بتعذره.
(فإذا زال) المانع في المدة (.. استؤنفت) المدة؛ إذ المطالبة مشروطة بالإضرار أربعة أشهر متوالية، ولم يوجد، (وقيل: تبنى) لأنه لم ينقطع النكاح، فلا يوجب الاستئناف، بخلاف الطلاق والردة.
(أو شرعي؛ كحيض وصوم نفل.. فلا) يمنع المدة ولا يقطعها لو حدث فيها؛ لأن الحيض لا يخلو عنه الشهر غالبًا، فلو منع لامتنع ضرب المدة غالبًا، وأما صوم النفل.. فلأنه متمكن من وطئها وتحليلها منه، بل في عده مانعًا نظر؛ لأنه يباح له الوطء معه، فلا يحسن جعله مانعًا، والنفاس كالحيض على الأصحِّ في "أصل الروضة" و"الشرح الصغير" و"تصحيح التنبيه"، ونقل تصحيحه في "الكبير" عن البغوي فقط 1، وجزم جمع منهم الشيخ في "التنبيه" بأن النفاس يمنع، ورجحه جمع، وظاهر كلام "الكفاية": أنه المشهور 2، وقال البُلْقيني: إنه الأصحُّ، واختاره الأَذْرَعي وغيره.
(ويمنع فرض في الأصح) لعدم تمكنه من الوطء، والثاني: لا؛ لتمكنه ليلًا،
فَإِنْ وَطِئَ فِي الْمُدَّةِ، وَإِلَّا.. فَلَهَا مُطَالَبَتُهُ بِأَنْ يَفِيءَ أَوْ يُطَلِّقَ. وَلَوْ تَرَكَتْ حَقَّهَا.. فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدَهُ. وَتَحْصُلُ الْفَيْئَةُ بِتَغْيِيبِ حَشَفَةٍ بِقُبُلٍ. وَلَا مُطَالَبَةَ إِنْ كَانَ بِهَا مَانِعُ وَطْءٍ كَحَيْضٍ وَمَرَضٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَانِعٌ طَبْعِيٌّ كَمَرَضٍ.. طُولِبَ بِأَنْ يَقُولَ: (إِذَا
والاعتكاف كالصوم فرضًا ونفلًا.
(فإن وطئ في المدة) انحلت، وفات الإيلاء (وإلا) أي: وإن لم يطأها (.. فلها مطالبته بأن يفيء أو يطلق) إن لم يف؛ لظاهر الآية.
وسمي الوطء فيئة: من فاء: إذا رجع؛ لأنه امتنع ثم رجع.
وكلامه يفهم: أنه ليس لها المطالبة بأحدهما، وبه صرح الإمام في (الفيئة)، فقال: ليس لها توجيه الطلب بالفيئة، فإن نفسه قد لا تطاوعه، وقال المتولي: تطالبه بالاستمتاع الذي هو حقها، فإن امتنع.. أمره الحاكم بطلاقها، وقد تناقض كلام الشيخين في هذا 1.
(ولو تركت حقها.. فلها المطالبة بعده) لتجدد الضرر كالرضا بإعساره بالنفقة، بخلاف الرضا بالعنة أو العيب، فإن ضررهما في حكم خصلة واحدة كالرضا بالإعسار بالمهر.
(وتحصل الفيئة بتغييب حشفة) أو قدرها من مقطوعها (بقبل) لأن سائر أحكام الوطء تتعلق بذلك، وسواء الوطء المباح والمحرم.
وقضيته: الاكتفاء بتغييب الحشفة وإن لم تزل البكارة، لكن في "الكفاية" عن النص: أنه لا بد من افتضاض البكر 2، وبه صرح القاضي الحسين وغيره.
واحترز بالقبل: عن التغييب في الدبر؛ فلا تحصل به الفيئة.
(ولا مطالبة إن كان بها مانع وطء؛ كحيض) وصوم وإحرام (ومرض) لا يمكن معه الوطء؛ لأن المطالبة تكون بالمستحق، وهي لا تستحق الوطء حينئذ.
(وإن كان فيه مانع طبعي؛ كمرض) يضر معه الوطء (.. طولب بأن يقول: "إذا
قَدَرْتُ.. فِئْتُ)، أَوْ شَرْعِيٌّ كَإِحْرَامٍ.. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُطَالَبُ بِطَلَاقٍ، فَإِنْ عَصَى بِوَطْءٍ.. سَقَطَتِ الْمُطَالَبَةُ. وَإِنْ أَبَى الْفَيْئَةَ وَالطَّلَاقَ.. فَالأَظْهَرُ: أَنَّ الْقَاضِيَ يُطَلِّقُ عَلَيْهِ طَلْقَةً، وَأَنَّهُ لَا يُمْهَلُ ثَلَاثَةً،
قدرتُ.. فئت") لأن به يندفع الأذى الذي حصل باللسان، قالا: (وزاد الشيخ أبو حامد عليه: ندمت على ما فعلت) 1.
(أو شرعي؛ كإحرام.. فالمذهب: أنه يطالب بطلاق) عينًا، ولا يطالب بالفيئة أو الطلاق؛ إذ كيف يطلب منه ما يحرم عليه، وهذا بناء على أنه إذا أراد وطأها، والحالة هذه.. يحرم عليها التمكين، وهو الأصحُّ.
وقيل: يقنع منه بفيئة اللسان، والطريق الثاني: أن يقال له: (ورطت نفسك بالإيلاء؛ فإن فئت.. عصيت وأفسدت عبادتك، وإن طلقت.. ذهبت زوجتك، وإن لم تطلق.. طلقنا عليك)؛ كمن غصب دجاجة ولؤلؤة، فابتلعتْها، فيقال له: (إن ذبحتها.. غرمتها، وإلا.. غرمت اللؤلؤة).
(فإن عصى بوطء) في القبل (.. سقطت المطالبة) وانحلت اليمين.
(وإن أبى الفيئة والطلاق.. فالأظهر: أن القاضي يطلق عليه طلقة) نيابة عنه؛ كما يزوج عن العاضل، ويستوفي الحق من المماطل، والثاني: لا يطلق عليه بل يحبسه أو يعزره؛ ليفيء أو يطلق؛ لحديث: "الطَّلَاقُ لِمَنْ أَخَذَ بِالسَّاقِ" 2.
(وأنه لا يمهل ثلاثة) إذا لم يكن عذر يمنع؛ لأنه زيادة على ما أمهله الله، والحق إذا حل.. لا يؤجل ثانيًا.
نعم؛ يمهل بقدر ما يتهيأ لذلك الشغل، فإن كان صائمًا.. أمهل حتى يفطر، أو جائعًا.. فحتى يشبع، أو ثقيلًا من الشبع.. فحتى يخف، قالا: والاستعداد في مثل هذه الأحوال بقدر يوم فما دونه 3.
وَأَنَّهُ إِذَا وَطِئَ بَعْدَ مُطَالَبَةٍ.. لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
والثاني: يمهل؛ لأنها مدة قريبة، وقد ينتظر نشاطًا، ولا يمهل زيادة عليها قطعًا.
هذا كله في الفيئة بالفعل، أما الفيئة باللسان.. فلا يمهل قطعًا؛ لقدرته عليها في الحال.
(وأنه إذا وطيء بعد مطالبة.. لزمه كفارة يمين) إن كان حلفه بالله؛ لحنثه، والثاني: لا تلزمه؛ لظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولم يذكر تكفيرًا.
وأجاب الأول: بأن المغفرة والرحمة إنما ينصرفان إلى ما يعصى به، والفيئة الموجبة للكفارة مندوب إليها.
كتابُ الظِّهار يَصِحُّ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ مُكَلَّفٍ وَلَوْ ذِمِّيٌّ وَخَصِيٌّ. وَظِهَارُ سَكْرَانَ كَطَلَاقِهِ. وَصَرِيحُهُ أَنْ يَقُولَ لِزَوْجَتِهِ: (أَنْتِ عَلَيَّ أَوْ مِنِّي أَوْ مَعِي أَوْ عِنْدِي كَظَهْرِ أُمِّي)، وَكَذَا (أَنْتِ كَظَهْرِ أُمِّي) صَرِيحٌ عَلَى
﴿كتاب الظهار﴾
مشتق من الظهر، سمي بذلك، لتشبيه الزوجة بظهر الأم، وكان طلاقًا في الجاهلية، وقيل: في أول الإسلام، ويقال: كانت المرأة بالظهار تحرم على زوجها، ولا تباح لغيره، فنقل الشارع حكمه إلى تحريمها بعد العود، ووجوب الكفارة، وأبقى محله: وهو الزوجية، وهو حرام؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾.
وأصل الباب: أول سورة المجادلة.
وسببها: أن أوس بن الصامت ظاهر من زوجته، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم مشتكية منه؛ فأنزلها الله فيها، رواه أبو داوود، وصححه ابن حبان والحاكم 1.
(يصح من كل زوج مكلف ولو ذمي) وحربي (وخصي) ومجبوب وعنين؛ لعموم الآية.
وخرج بالزوج: السيد، فلا يصح من أمته ولو كانت أم ولد، وبالمكلف: الصبي والمجنون والمغمى عليه، فلا يصح منهم؛ لما مر في الطلاق.
وكان ينبغي أن يزيد: مختارًا، ولو قال: (زوج يصح طلاقه)، كما في الإيلاء.. لكان أخصر وأشمل.
(وظهار سكران كطلاقه) وقد مر ما فيه.
(وصريحه) أي: الظهار (أن يقول لزوجته: "أنت علي أو مني أو معي أو عندي كظهر أمي") لأنه المعهود في الجاهلية، (وكذا "أنت كظهر أمي" صريح على
الصَّحِيحِ. وَقَوْلُهُ: (جِسْمُكِ أَوْ بَدَنُكِ أَوْ نَفْسُكِ كَبَدَنِ أُمِّي أَوْ جِسْمِهَا أَوْ جُمْلَتِهَا) صَرِيحٌ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ قَوْلَهُ: (كَيَدِهَا أَوْ بَطْنِهَا أَوْ صَدْرِهَا) ظِهَارٌ، وَكَذَا (كَعَيْنِهَا) إِنْ قَصَدَ ظِهَارًا، وَإِنْ قَصَدَ كَرَامَةً.. فَلَا، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الأَصَحِّ. وَقَوْلُهُ: (رَأْسُكِ أَوْ ظَهْرُكِ أَوْ يَدُكِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) ظِهَارٌ فِي الأَظْهَرِ. وَالتَّشْبيهُ بالْجَدَّةِ ظِهَارٌ. وَالْمَذْهَبُ: طَرْدُهُ فِي كُلِّ مَحْرَمٍ لَمْ يَطْرَأْ تَحْرِيمُهَا، لَا مُرْضِعَةٍ وَزَوْجَةِ ابْنٍ. وَلَوْ شَبَّهَ بِأَجْنَبِيَّةٍ وَمُطَلَّقَةٍ وَأُخْتِ زَوْجَةٍ وَبِأبٍ وَمُلَاعَنَةٍ.. فَلَغْوٌ
الصحيح) ولا يضر ترك الصلة؛ كما أن قوله: (أنت طالق) صريح، وإن لم يقل: (مني)، والثاني: أنه كناية؛ لاحتمال أن يريد أنها على غيره كظهر أمه، بخلاف الطلاق.
(وقوله: "جسمك أو بدنك أو نفسك) أو جملتك علي (كبدن أمي أو جسمها أو جملتها" صريح) لدخول الظهر في ذلك.
(والأظهر: أن قوله: "كيدها أو بطنها أو صدرها") ونحوها مما سوى الظهر (ظهار) لأنه عضو يحرم التلذذ به، فكان كالظهر، والثاني: المنع؛ لأنه ليس على صورة الظهار المعهود في الجاهلية.
(وكذا "كعينها" إن قصد ظهارًا) لأنه نوى ما يحتمله اللفظ، (وإن قصد كرامة.. فلا) لأن هذه الألفاظ تستعمل في الكرامة والإعزاز.
(وكذا إن أطلق في الأصح) حملًا على الكرامة؛ لاحتمالها، والثاني: أنه ظهار؛ لأن اللفظ صريح في التشبيه ببعض أجزاء الأم.
(وقوله: "رأسك أو ظهرك أو يدك) أو فرجك أو شعرك (علي كظهر أمي" ظهار في الأظهر) لما مر في قوله: (كيدها أو بطنها).
(والتشبيه بالجدة) من الجهتين (ظهار) لأنها تُسمَّى أمًّا، ولها ولادة.
(والمذهب: طرده) أي: هذا الحكم (في كل محرم لم يطرأ تحريمها)، كالأخت؛ لمساواتهن الأم في التحريم المؤبد، والثاني: المنع؛ لورود النص في الأم، (لا مرضعة وزوجة ابن) لأنهما كانتا حلالًا له في وقت، فيحتمل إرادته.
(ولو شبه بأجنبية ومطلقة وأخت زوجة وبأب وملاعنة.. فلغو) لأن غير الأب
وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ؛ كَقَوْلِهِ: (إِنْ ظَاهَرْتُ مِنْ زَوْجَتِي الأُخْرَى.. فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي) فَظَاهَرَ.. صَارَ مُظَاهِرًا مِنْهُمَا، وَلَوْ قَالَ: (إِنْ ظَاهَرْتُ مِنْ فُلَانَةَ) وَفُلَانَةُ أَجْنَبِيَّةٌ فَخَاطَبَهَا بِظِهَارٍ.. لَمْ يَصِرْ مُظَاهِرًا مِنْ زَوْجَتِهِ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ اللَّفْظَ، فَلَوْ نَكَحَهَا وَظَاهَرَ مِنْهَا.. صَارَ، وَلَوْ قَالَ: (مِنْ فُلَانَةَ الأَجْنَبيَّةِ).. فَكَذَلِكَ، وَقِيلَ: لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا وَإِنْ نَكَحَهَا وَظَاهَرَ مِنْهَا، وَلَوْ قَالَ: (إِنْ ظَاهَرْتُ مِنْهَا وَهِيَ أَجْنَبِيَّةٌ).. فَلَغْوٌ
والملاعنة يحلون له في زمن، فلعله أراده، وأما الأب.. فلأنه ليس محلًّا للاستمتاع، وأما الملاعنة.. فلأن تحريمها وإن كان مؤبدًا فليس تأبده للمحرمية والوصلة.
(ويصح تعليقه؛ كقوله: "إن ظاهرت من زوجتي الأخرى.. فأنت علي كظهر أمي" فظاهر.. صار مظاهرًا منهما) لأنه من حيث تعلق التحريم كالطلاق، ومن حيث تعلق الكفارة كاليمين، وكلاهما يقبل التعليق.
(ولو قال: "إن ظاهرت من فلانة") فأنت علي كظهر أمي (وفلانة أجنبية) أي: والحال أنها أجنبية (فخاطبها بظهار.. لم يصر مظاهرًا من زوجته) لعدم صحة الظهار من الأجنبية.
(إلا أن يريد اللفظ) أي: يريد التعليق على الإتيان بهذا اللفظ؛ فإنه يكون مظاهرًا؛ لوجود الصفة.
(فلو نكحها) أي: الأجنبية (وظاهر منها.. صار) مظاهرًا 1 من زوجته؛ لوجود الصفة.
(ولو قال: "من فلانة الأجنبية".. فكذلك) يعني: فحكمه ما سبق، وذكر الأجنبية للتعريف لا للشرط، كما لو قال: (لا أدخل دار زيد هذه)، فباعها ثم دخلها.. حنث.
(وقيل: لا يصير مظاهرًا) من زوجته الأولى (وإن نكحها وظاهر منها) لأنه إذا نكحها.. خرجت عن كونها أجنبية، وجعل قائله ذكر الأجنبية شرطًا.
(ولو قال: "إن ظاهرت منها وهي أجنبية") فأنت علي كظهر أمي (.. فلغو) لأنه كالتعليق بمستحيل.
وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ كَظَهْرِ أُمِّي) وَلَمْ يَنْوِ، أَوْ نَوَى الطَّلَاقَ، أَوِ الظِّهَارَ، أَوْ هُمَا، أَوِ الظِّهَارَ بِـ (أَنْتِ طَالِقٌ) وَالطَلَاقَ بـ (كَظَهْرِ أُمِّي).. طَلُقَتْ وَلَا ظِهَارَ، أَوِ الطَّلَاقَ بِـ (أَنْتِ طَالِقٌ) وَالظِّهَارَ بِالْبَاقِي.. طَلَقَتْ وَحَصَلَ الظِّهَارُ إِنْ كَانَ طَلَاقَ رَجْعَةٍ.
(ولو قال: "أنت طالق كظهر أمي"، ولم ينو أو نوى الطلاق، أو الظهار، أو هما، أو) نوى (الظهار بـ "أنت طالق"، والطلاق بـ "كظهر أمي.. " طلقت ولا ظهار) في الكل؛ أما في الأولى -وهي ما إذا لم ينو شيئًا-.. فوجه وقوع الطلاق: إتيانه بلفظ الصريح، ووجه عدم صحة الظهار: أن قوله: (كظهر أمي) لا استقلال له، وقد انقطع عن قوله: (أنت) بالفاصل الحاصل بينهما، فخرج عن الصراحة، ولم يقصد به الظهار.
وأما في الثانية -وهي ما إذا نوى الطلاق بمجموع كلامه-.. فلأنه قصد أنها تصير محرمةً بالطلاق كظهر أمه، فيكون الظهار تفسيرًا؛ فتطلق ولا ظهار.
وأما في الثالثة -وهي ما إذا قصد الظهار وحده-.. فوجه وقوع الطلاق وجود اللفظ الصريح، وعدم وقوع الظهار أن لفظ الطلاق صريح في بابه، ووجد نفاذًا في موضعه، فلا يكون كناية في الظهار.
وأما في الرابعة -وهي أن يقصد الطلاق والظهار معًا بمجموع كلامه-.. فلما مر من أنه لم ينو به الظهار وإنما نواه بالمجموع.
وأما في الخامسة -وهي ما إذا نوى الظهار بـ (أنت طالق)، والطلاق بـ (كظهر أمي) -.. فوجه وقوع الطلاق: لفظ الصريح، فلا يكون كناية في الظهار، ووجه عدم وقوع الظهار: خروجه عن الصراحة بالفاصل، ولم يقصد به الظهار.
(أو) نوى (الطلاق بـ "أنت طالق"، و) نوى (الظهار بالباقي.. طلقت) لوجود اللفظ الصريح، (وحصل الظهار إن كان طلاق رجعة) لأن الظهار يصح من الرجعية، وقد أتى به مع النية.
واحترز بـ (طلاق رجعة): عن البائن، فإنه لا ظهار فيها؛ لأنها أجنبية.
فَصْلٌ [في أحكام الظهار من وجوب كفارة وغير ذلك]
عَلَى الْمُظَاهِرِ كَفَّارَةٌ إِذَا عَادَ؛ وَهُوَ: أَنْ يُمْسِكَهَا بَعْدَ ظِهَارِهِ زَمَنَ إِمْكَانِ فُرْقَةٍ، فَلَوِ اتَّصَلَتْ بِهِ فُرْقَةٌ بِمَوْتٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ طَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ رَجْعِيٍّ وَلَمْ يُرَاجِعْ أَوْ جُنَّ.. فَلَا عَوْدَ، وَكَذَا لَوْ مَلَكَهَا أَوْ لَاعَنَهَا فِي الأَصَحِّ بِشَرْطِ سَبْقِ الْقَذْفِ ظِهَارَهُ فِي الأَصَحِّ
(فصل: على المظاهر كفارة إذا عاد) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ الآية، (وهو) أي: العود (أن يمسكها بعد ظهاره زمن إمكان فرقة) لأن تشبيهها بالأم يقتضي ألا يمسكها زوجة، فإذا أمسكها زوجة.. فقد عاد فيما قال؛ لأن العود للقول مخالفته، يقال: قال فلان قولًا ثم عاد فيه، وعاد له؛ أي: خالفه ونقضه.
(فلو اتصلت به فرقة بموت) منه أو منها (أو فسخ) بسببه أو بسببها، (أو طلاق بائن أو رجعي ولم يراجع أو جن) الزوج أو أغمي عليه عقب اللفظ (.. فلا عود) ولا كفارة؛ للفرقة المتصلة، وتعذرها في الجنون والإغماء، فإن أمسكها بعد الإفاقة.. فعائد.
(وكذا لو ملكها) بشراء على الاتصال من غير اشتغال بمساومة وتقرير ثمن (أو لاعنها في الأصح) فيهما، أما في الأولى.. فلأنه لم يمسكها على النكاح، ووجه مقابله: أنه لم يحرمها على نفسه، وإنما أبدل حلًا بحل أقوى منه وهو إمساك.
وإنما صورنا الملك في كلامه بالشراء تبعًا لـ "المحرر" 1؛ للاحتراز عما لو ورثها عقب الظهار.. فإنه لا يكون عائدًا قطعًا؛ لعدم تمكنه من الطلاق، وأما في الثانية.. فوجه الأصحِّ: اشتغاله بما يوجب الفراق، ولا فرق في الكلمات الموجبة بين الطويلة والقصيرة، ووجه مقابله: تخلل زمن اللعان.
(بشرط سبق القذف ظهاره في الأصح) فلو قدم الظهار، ثم قذف، ثم لاعن.. كان عائدًا على الأصحِّ؛ لما فيه من التطويل مع إمكان الفراق، ووجه مقابله: اشتغاله
وَلَوْ رَاجَعَ، أَوِ ارْتَدَّ مُتَّصِلًا ثُمَّ أَسْلَمَ.. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ عَائِدٌ بالرَّجْعَةِ، لَا الإِسْلَامِ، بَل بَعْدَهُ. وَلَا تَسْقُطُ الْكَفَّارَةُ بَعْدَ الْعَوْدِ بفُرْقَةٍ. وَيَحْرُمُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ وَطْءٌ، وَكَذَا لَمْسٌ وَنحْوُهُ بِشَهْوَةٍ فِي الأَظْهَرِ. قُلْتُ: الأَظْهَرُ: الْجَوَازُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَصِحُّ الظِّهَارُ الْمُؤَقَّتُ مُؤَقَّتًا، وَفِي قَوْلٍ: مُؤَبَّدًا،
بأسباب الفراق، وعلى الأول: يشترط أيضًا سبق الرفع إلى الحاكم؛ كما قاله البغوي، وجزم به في "الروضة" 1.
(ولو راجع) بعد ظهار من رجعية، أو بعد طلاق رجعي بعد الظهار (أو ارتد متصلًا) بالظهار، وهي مدخول بها (ثم أسلم.. فالمذهب: أنه عائد بالرجعة) وإن لم يمسكها عقب الرجعة بل طلقها (لا الإسلامِ بل بعده) بزمن يسع الفرقة.
والفرق: أن مقصود الرجعة الاستباحة، ومقصود الإسلام الرجوع إلى الدين الحق.
(ولا تسقط الكفارة بعد العود بفرقة) بطلاق أو غيره؛ لاستقرارها بالإمساك؛ كالدين لا يسقط بعد ثبوته.
(ويحرم قبل التكفير وطء) للتقييد في العتق والصوم بقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، وأطلق في الإطعام، فيحمل المطلق على المقيد؛ لاتحاد الواقعة، هذا في الظهار المطلق، أما المؤقت؛ فإن انقضت مدته ولم يطأ.. حل الوطء ولا شيء عليه؛ لارتفاع الظهار، وإن وطئ في المدة.. حرم عليه الوطء بعد ذلك، حتى يكفر أو تنقضي المدة.
(وكذا لمس ونحوه بشهوة في الأظهر) لأنه قد يدعو إلى الوطء ويفضي إليه، (قلت: الأظهر: الجواز، والله أعلم) لبقاء الزوجية، والتماس في الآية محمول على الدخول، وهذا ما عزاه الرافعي في "الشرحين" للأكثرين، وكلام المصنف يشمل الاستمتاع بما بين السرة والركبة، وفيه احتمالان للإمام: أقواهما عنده: أنه على الخلاف في الحيض 2.
(ويصح الظهار المؤقت مؤقتًا) تغليبًا لشبه اليمين، (وفي قول: مؤبدًا) تغليبًا
وَفِي قَوْلٍ: لَغْوٌ. فَعَلَى الأَوَّل: الأَصَحُّ: أَنَّ عَوْدَهُ لَا يَحْصُلُ بِإِمْسَاكٍ، بَلْ بِوَطْءٍ فِي الْمُدَّةِ، وَيَجِبُ النَّزْعُ بمَغِيبِ الْحَشَفَةِ. وَلَوْ قَالَ لِأرْبَعٍ: (أَنْتُنَّ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي).. فَمُظَاهِرٌ مِنْهُنَّ، فَإِنْ أَمسَكَهُنَّ.. فَأَرْبَعُ كَفَّارَاتٍ، وَفِي الْقَدِيمِ: كَفَّارَةٌ. وَلَوْ ظَاهَرَ مِنْهُنَّ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ.. فَعَائِدٌ مِنَ الثَّلَاثِ الأُوَلِ. وَلَوْ كَرَّرَ فِي امْرَأَةٍ مُتَّصِلًا وَقَصَدَ تَأْكِيدًا.. فَظِهَارٌ وَاحِدٌ،
لشبه الطلاق، (وفي قول: لغو) لأنه لم يؤبد التحريم، فأشبه ما إذا شبهها بامرأة لا تحرم على التأبيد.
(فعلى الأول: الأصح: أن عوده لا يحصل بإمساك، بل بوطء في المدة) لأن الحل منتظر بعد المدة، فالإمساك يحتمل أن يكون لانتظار الحل، أو للوطء في المدة، والأصل: براءته من الكفارة، فإذا وطء.. فقد تحقق الإمساك لأجل الوطء، والثاني: أن العود كالعود في الظهار المطلق؛ إلحاقًا لأحد نوعي الظهار بالآخر.
وأفهم قوله: (في المدة) أنه لو وطئ بعدها.. لا شيء عليه، وبه صرح في "المحرر" لارتفاع الظهار 1.
(ويجب النزع بمغيب الحشفة) كما في قوله: (إن وطئتك.. فأنت طالق).
(ولو قال لأربع: "أنتن علي كظهر أمي".. فمظاهر منهن) لوجود اللفظ الصريح.
(فإن أمسكهن.. فأربع كفارات) لوجود الظهار والعود] في حق كل واحدة منهن] 2، (وفي القديم: كفارة) كتعليق اليمين بجمع، قال الإمام: والأول مبني على تغليب شائبة الطلاق، والثاني: شائبة اليمين 3.
(ولو ظاهر منهن بأربع كلمات متوالية.. فعائد من الثلاث الأول) لعوده في الأولى بظهار الثانية، وفي الثانية بظهار الثالثة، وفي الثالثة بظهار الرابعة، فإن فارق الرابعة عقب ظهارها.. فعليه ثلاث كفارات، وإلا.. فأربع.
(ولو كرر في امرأة متصلًا، وقصد تأكيدًا.. فظهار واحد) كالطلاق، فيلزمه
أَوِ اسْتِئْنَافًا.. فَالأَظْهَرُ: التَّعَدُّدُ، وَأَنَّهُ بِالْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَائِدٌ فِي الأَوَّلِ.
كفارة إن أمسكها عقب المرات، لا إن فارقها على الأصحِّ.
واحترز بقوله: (متصلًا) عما إذا تفاصلت الكلمات، وتخلل بينهما زمان، وقصد التأكيد، فإنه لا يقبل في الأصحِّ؛ تغليبًا للطلاق.
والخلاف فيما إذا لم يكفر عن الأول، فإن كفر.. فالثاني ظهار جديد قطعًا؛ لانقضاء حكم الأول بالتكفير.
(أو استئنافًا.. فالأظهر: التعدد) كالطلاق، والثاني: الاتحاد؛ لتكرر اليمين على شيء مرات، وسكت عما إذا أطلق، والأظهر فيه: الاتحاد، بخلاف نظيره من الطلاق.
والفرق: أن الطلاق محصور، والزوج يملكه، فإذا كرر.. فالظاهر: استيفاء المملوك، بخلاف الظهار.
(وأنه بالمرة الثانية عائد في الأول) لأنه كلام آخر، فاشتغاله به عود، والثاني: لا؛ لأن الظهار من جنس واحد، فما لم يفرغ من الجنس لا يجعل عائدًا.
كتابُ الكفّارة تشتَرَطُ نِيَّتُهَا لَا تَعْيِينُهَا. وَخِصَالُ كَفَّارَةِ الْظِّهَارِ: عِتْقُ رَقَبَةٍ، مُؤْمِنَةٍ، بِلَا عَيْب يُخِلُّ بِالْعَمَلِ وَالْكَسْبِ
﴿كتاب الكفارة﴾
لفظها مأخوذ من الكفر، وهو الستر؛ لأنها تستر الذنب، وسمي الكافر بذلك: لستره الحقَّ، وكذا الزارع: لستره البذرَ، وافتتحه في "المحرر" بقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، وبقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ 1.
(تشترط نيتها) لأنها عمل، والأعمال بالنيات 2، كذا جزموا به، لكن نص الشافعي: على أن إخراج المرتد يسقطها، وأن إعتاق الكافر وإطعامه عن الكفارة مجزئ، وهو يدل على أن اللفظ كافٍ بغير نية، لكن في "الروضة" و"أصلها": أنه يشترط أن ينوي الكافر بالإعتاق والإطعام التمييز دون التقرب 3.
(لا تعيينها) عن ظهار أو قتل، بل يكفي أصلها؛ كما لا يجب تعيين المال المزكى عنه.
نعم؛ لو نوى غير ما عليه ولو خطأً.. لم يجزه.
(وخصال كفارة الظهار: عتق رقبة مؤمنة) ولو بإسلام أحد الأبوين؛ حملًا لمطلق آية الظهار على المقيد في آية القتل؛ كحمل المطلق في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ على المقيد في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
(بلا عيب يخل بالعمل والكسب) إخلالًا بينًا؛ لأن المقصود: تكميل حاله ليتفرغ لوظائف الأحرار، وإنما يحصل ذلك: إذا استقل بكفاية نفسه، وإلا.. فيصير كلًّا على نفسه وعلى غيره.
وقد نظر الشافعي رضي الله عنه في العيوب في كل باب إلى ما يليق به؛ فأعتبر
فَيُجْزِئُ صَغِيرٌ وَأَقْرَعُ وَأَعْرَجُ يُمْكِنُهُ تِبَاعُ مَشْيٍ، وَأَعْوَرُ وَأَصَمُّ، وَأَخْشَمُ، وَفَاقِدُ أَنْفِهِ وَأُذُنَيْهِ وَأَصَابِعِ رِجْلَيْهِ، لَا زَمِنٌ وَفَاقِدُ رِجْلٍ أَوْ خِنْصِرٍ وَبِنْصِرٍ مِنْ يَدٍ أَوْ أَنْمُلَتَيْنِ مِنْ غَيْرِهِمَا. قُلْتُ: أَوْ أَنْمُلَةِ إِبْهَامٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا هَرِمٌ عَاجِزٌ، وَمَنْ أَكْثَرُ وَقْتِهِ
هنا: ما يضر بالعمل، وفي الأضحية: ما ينقص اللحم، وفي النكاح: ما يخل بمقصود الجماع، وفي المبيع: ما يخل بالمالية.
(فيجزئ صغير) ولو ابنَ يوم؛ لأنه يرجى كبره؛ كالمريض، بخلاف الهرم، (وأقرعُ وأعرج يمكنه تباع مشي، وأعورُ) إذا لم يضعف نظر السليمة؛ لقلة تأثير هذه في العمل.
وقوله: (وأعرج) بالواو: كذا هو في أكثر النسخ، وحكي عن نسخة المصنف: (وأقرع أعرج) بلا واو، وهو يدل على إحدى الصفتين من باب أولى.
(وأصم، وأخشم) هو فاقد الشم، (وفاقد أنفه وأذنيه) لأن فقدها لا يضر بالعمل إضرارًا بينًا (وأصابعِ رجليه) كلِّها؛ لأن منفعة الرِّجل المشي، وهو يمكن بدون الأصابع.
(لا زمن وفاقد رجل) أو يد؛ لإضراره بالعمل إضرارًا بينًا، (أو خِنصر وبِنصر من يد) لذهاب نصف منفعة الكف، وهو ضرر بيّن، بخلاف فقد أحدهما أو فقدهما من يدين، (أو أَنملتين من غيرهما) يعني: من الإبهام أو السبابة أو الوسطى؛ لأن فقدهما يضر.
وكلامه يوهم: أن فقد أنملتين من خنصر وبنصر من يد لا يضر، وإنما يضر فقدهما جملة، وليس كذلك، وعبارة "المحرر": (وفقد أنملتين من إصبع كفقد تلك الإصبع) 1.
(قلت: أو أنملة إبهام، والله أعلم) لتعطل منفعتها إذن، بخلاف الأنملة من باقي الأصابع، ولو قطعت أنامله العليا من أصابعه الأربع.. أجزأ، وفيه تردد للإمام 2.
(ولا هرم عاجز) عن العمل والكسب؛ لإخلاله بالمقصود، (ومن أكثر وقته
مَجْنُونٌ، وَمَرِيضٌ، فَإِنْ بَرِئَ.. بَانَ الإِجْزَاءُ فِي الأَصَحِّ. وَلَا يُجْزِئُ شِرَاءُ قَرِيبٍ بِنِيَّةِ كَفَّارَةٍ، وَلَا أُمِّ وَلَدٍ وَذِي كِتَابَةٍ صَحِيحَةٍ. وَيُجْزِئُ مُدَبَّرٌ وَمُعَلَّق بِصِفَةٍ،
مجنون) لعدم حصول المقصود منه، فإن كان مطبقًا.. منع قطعًا وإن كان أقل.. أجزأ، وكذا لو تساويا على الأصحِّ.
قال الأَذْرَعي: ومحله: إذا استويا بالنسبة إلى الليل والنهار، أما إذا كان يجن نهارًا ويفيق ليلًا.. فلا يجزئ، وعكسه يجزئ قطعًا.
انتهى.
ولو كانت الإفاقة اكثر لكن لا يقدر على العمل بعدها إلا بعد حين.. قال الماوردي: لم يجز، قال في "الروضة": وهو حسن، ويجزئ المغمى عليه؛ لأن زواله مرجو 1.
(ومريض) لا يرجى برؤه؛ كالسل؛ لإخلاله بالمقصود، (فإن برئ.. بان الإجزاء في الأصح) لخطأ الظن، والثاني: لا؛ لاختلال النية وقتَ العتق.
(ولا يجزئ شراء قريب بنية كفارة) لأن عتقه مستحق بجهة أخرى، فأشبه ما إذا دفع إليه النفقة الواجبة ونوى الكفارة.
ولو قال: (تملك قريب).. لكان أشمل؛ فإنّ هبته وإرثه وقبول الوصية به كذلك.
(ولا أم ولد) لاستحقاقها العتقَ؛ كما لو باع من فقير صاعًا من طعام ثم سلمه إليه عن الكفارة، (وذي كتابة صحيحة) لاستحقاقه العتقَ بالكتابة، فيمتنع صرفه إلى غيرها.
واحترز بالصحيحة: عن الفاسدة؛ فإنه يجزئ على المذهب في "أصل الروضة" 2.
(ويجزئ مدبر ومعلق بصفة) غير التدبير؛ لأن ملكه عليهما تام؛ بدليل نفوذ جميع تصرفاته، هذا إذا نجزه عن الكفارة أو علقه بما يوجد قبل الصفة الأولى، فإن علقه بالصفة الأولى.. لم يجزئه، وهذا معنى قوله:
فَإِنْ أَرَادَ جَعْلَ الْعِتْقِ الْمُعَلَّقِ كَفَّارَةً.. لَمْ يَجُزْ. وَلَهُ تَعْلِيقُ عِتْقِ الْكَفَّارَةِ بِصِفَةٍ، وَإِعْتَاقُ عَبْدَيْهِ عَنْ كَفَّارَتَيْهِ عَنْ كُلٍّ نِصْفُ ذَا وَنصْفُ ذَا. وَلَوْ أَعْتَقَ مُعْسِرٌ نِصْفيْنِ عَنْ كَفَّارَةٍ.. فَالأَصَحُّ: الإِجْزَاءُ إِنْ كَانَ بَاقِيهِمَا حُرًّا. وَلَوْ أَعْتَقَ بِعِوَضٍ.. لَمْ يُجْزِ عَنْ كَفَّارَةٍ. وَالإِعْتَاقُ بِمَالٍ كَطَلَاقٍ بِهِ، فَلَوْ قَالَ: (أَعْتِقْ أُمَّ وَلَدِكَ عَلَى أَلْفٍ) فَأَعْتَقَ.. نَفَذَ وَلَزِمَهُ
(فإن أراد جعل العتق المعلق كفارة.. لم يجز) مثاله: قال: (إن دخلت الدار.. فأنت حر)، ثم قال: (إن دخلتها.. فأنت حر عن كفارتي) فإنه يعتق بالدخول ولا يجزئه عن الكفارة؛ لأنه مستحق العتق بالتعليق الأول.
(وله تعليق عتق الكفارة بصفة) على الأصحِّ، فلو قال: (إن دخلت الدار.. فأنت حر عن كفارتي) فدخلها.. عتق عن الكفارة؛ لأن المأمور به تحرير رقبة، وهو حاصل بالتعليق السابق عند وجود الصفة.
نعم؛ يشترط كونه حالَ التعليق بصفة الإجزاء، فلو قال لمكاتبه: (إذا عجزت عن النجوم.. فأنت حر عن كفارتي) فعجز.. عتق ولم يجز عن الكفارة، وكذا لو قال لعبده الكافر: (إذا أسلمت)، أو قال: (إن خرج الجنين سليمًا).
(وإعتاق عبديه عن كفارتيه عن كلٍّ نصفُ ذا ونصف ذا) لتخليص الرقبتين عن الرق.
(ولو أعتق معسر نصفين عن كفارة.. فالأصح: الإجزاء إن كان باقيهما حرًّا) لحصول المقصود، وهو إفادة الاستقلال، والثاني: المنع مطلقًا؛ كما لا يجزئ شقصان في الأضحية، والثالث: الإجزاء مطلقًا؛ تنزيلًا للأشقاص منزلة الأشخاص.
(ولو أعتق بعوض.. لم يجز عن كفارة) لعدم تجرد العتق للكفارة، ويعتق عن الملتمس ويلزمه المال.
(والإعتاق بمال كطلاق به) فيكون معاوضةً فيها شوب تعليق من المالك، ومعاوضةً فيها شوب جعالة من المستدعي؛ كما مر في (الخلع)، وقد عقد في "المحرر" لهذا فصلًا، وقال: إنه دخيل في الباب 1.
(فلو قال: "أعتق أم ولدك على ألف" فأعتق) متصلًا (.. نفذ ولزمه) أي:
الْعِوَضُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (أَعْتِقْ عَبْدَكَ عَلَى كَذَا) فَأَعْتَقَ فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ قَالَ: (أَعْتِقْهُ عَنِّي عَلَى كَذَا) فَفَعَلَ.. عَتَقَ عَنِ الطَّالِبِ وَعَلَيْهِ الْعِوَضُ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَمْلِكُهُ عَقِبَ لَفْظِ الإِعْتَاقِ ثُمَّ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، وَمَنْ مَلَكَ عَبْدًا أَوْ ثَمَنَهُ فَاضِلًا عَنْ كِفَايَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ نَفَقَةً وَكِسْوَةً وَسُكْنَى وَأَثَاثًا لَابُدَّ مِنْهُ.. لَزِمَهُ الْعِتْقُ
الملتمسَ (العوض)، ويكون ذلك افتداء من المستدعي نازلًا منزلة اختلاع الأجني.
هذا إذا لم يقل: (عني)، فإن قال: (أعتق مستولدتك عني على ألف) فقال: (أعتقتها عنك).. عتقت ولغا قوله: (عنك) لأن المستولدة لا تقبل النقل، ولا يستحق العوض على الصحيح.
(وكذا لو قال: "أعتق عبدك على كذا") ولم يقل: (عني) ولا (عنك) (فأعتق في الأصح).. فيكون افتداء؛ كأم الولد، والثاني: لا يستحق، بخلاف استدعاء إعتاق المستولد؛ فإن ذلك جوِّز افتداءً؛ ضرورةَ أنه لا يمكن انتقال الملك فيها، وهنا يمكن.
(وإن قال: "أعتقه عني على كذا" ففعل.. عتق عن الطالب، وعليه العوض) المُسمَّى؛ عملًا بالتزامه، فإن قال: (مجانًا).. فلا شيء عليه ويعتق عن الطالب، وإن لم يشترط عوضًا ولا نفاه.. فوجهان، كقوله: (اقض ديني) ولم يشرط الرجوع، والأصحُّ: الرجوع.
(والأصح: أنه يملكه عقب لفظ الإعتاق) الواقع بعد الاستدعاء؛ لأنه الناقل للملك، (ثم يعتق عليه) أي: على الطالب في زمنين لطيفين متصلين؛ لأن وقوع عتقه عنه يستدعي تقديم الملك، فإذا وجد.. ترتب العتق عليه، وهذا بناءً على أن الشرط يترتب على المشروط، والثاني: يملكه ويعتق معًا بعد تمام اللفظ، بناءً على أن الشرط مع المشروط.
(ومن ملك عبدًا أو ثمنه فاضلًا عن كفاية نفسه وعياله) الذين تلزمه مؤنتهم (نفقةً وكسوة وسكنى وأثاثًا لا بد منه.. لزمه العتق) لقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾... ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ الآية، وهذا واجد.
قال الرافعي: ولم يقدروا للنفقة والكسوة مدة، فيجوز اعتبار مدة العمر الغالب،
وَلَا يَجِبُ بَيع ضَيْعَةٍ وَرَأْسِ مَالٍ لَا يَفْضُلُ دَخْلُهُمَا عَنْ كِفَايَتِهِ، وَلَا مَسْكَنٍ وَعَبْدٍ نَفِيسَيْنِ أَلِفَهُمَا فِي الأَصَحِّ، وَلَا شِرَاءٌ بِغَبْنٍ. وَأَظْهَرُ الأَقْوَالِ: اعْتِبَارُ الْيَسَارِ بِوَقْتِ الأَدَاءِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ عِتْقٍ.. صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ بِالْهِلَالِ
ويجوز اعتبار سنة، ويؤيده قول البغوي: يترك له ثوب للشتاء وثوب للصيف، وصوب في "زيادة الروضة": الثاني 1.
(ولا يجب بيع ضَيْعة، ورأس مال لا يفضل دخلهما عن كفايته) بحيث لو باعهما صار مسكينًا؛ لأن الانتقال إلى الفقر والمسكنة أشق من الانتقال من المسكن المألوف.
(ولا مسكنٍ وعبدٍ نفيسين ألفهما في الأصح) لمشقة مفارقة المألوف.
نعم؛ لو كان المسكن المألوف واسعًا يكفيه بعضه ويحصل رقبة بباقيه.. لزمه العتق؛ لأنه لا يفارقه.
والثاني: يلزمه البيع والإعتاق؛ كالثوب النفيس يجد بثمنه ثوبًا يليق به وعبدًا يعتقه، واقتضى كلام "الروضة" ترجيحه؛ فإنه قال من "زوائده": قطع العراقيون أو جمهورهم: بأنه يلزمه الإعتاق في العبد النفيس، ونقله صاحب "الشامل" عن الأصحاب، وصححه المتولي 2.
أما إذا لم يكونا مألوفين.. فيلزمه البيع والإعتاق قطعًا، والأمة كالعبد في ذلك.
(ولا شراءٌ بغبن) وإن قل؛ كالماء للطهارة.
(وأظهر الأقوال: اعتبار اليسار بوقت الأداء)، حتى لو كان معسرًا عند الوجوب وموسرًا عند الأداء.. يلزمه الإعتاق؛ لأنها عبادة لها بدل من غير جنسها، فأشبهت الوضوء والتيمم والقيام والقعود في الصلاة، والثاني: الاعتبار بوقت الوجوب، والثالث: أنه يعتبر الأغلظ من الوجوب إلى الأداء، وقيل: أغلظ الحالين لا ما بينهما.
(فإن عجز عن عتق.. صام شهرين متتابعين) للآية (بالهلال) وإن نقصا؛ لأنها
بِنِيَّةِ كَفَّارَةٍ، وَلَا تشتَرَطُ نِيَّةُ التَّتَابُعِ فِي الأَصَحِّ، فَإِنْ بَدَأَ فِي أَثناءِ شَهْرٍ.. حُسِبَ الشَّهْرُ بَعْدَهُ بِالْهِلَالِ وَأَتَمَّ الأَوَّل مِنَ الثَّالِثِ ثَلَاثِينَ. وَيَزُول التَّتابُعُ بِفَوَاتِ يَوْمٍ بلَا عُذْرٍ وَكَذَا بمَرَضٍ فِي الْجَدِيدِ، لَا بِحَيْضٍ وَكَذَا جُنُونٌ عَلَى الْمَذْهَبِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ الصَّوْم بِهَرَمٍ، أَوْ مَرَضٍ.. قَال الأَكْثَرُونَ: لَا يُرْجَى زَوَالُهُ، أَوْ لَحِقَّهُ بِالصَّوْمِ مَشَقَّة شَدِيدَةٌ لا، أوْ خَافَ زِيَادَةَ مَرَضٍ.. كَفَّرَ بِإِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا
الأشهر شرعًا، (بنية كفارةٍ) كلَّ ليلة من الليل؛ لما سبق في (كتاب الصيام).
(ولا تشترط نية التتابع في الأصح) اكتفاءً بالتتابع الفعلي، والثاني: يشترط في كل ليلة؛ للتمييز، والثالث: يجب في الليلة الأولى؛ لحصول التمييز به.
(فإن بدأ في أثناء شهر.. حسب الشهر بعده بالهلال وأتم الأول من الثالث ثلاثين) لتعذر الرجوع فيه إلى الهلال، فاعتبر بالعدة.
(ويزول التتابع بفوات يوم بلا عذر) ولو كان في اليوم الآخِر، كما إذا أفسد صومه، أو نسي النية في بعض الليل، (وكذا بمرض) مسوغ للفطر (في الجديد) لأن المرض لا ينافي الصوم، وقد أفطر باختياره، فأشبه ما لو أجهده الصوم فأفطر، والقديم: لا يقطع التتابع، لأن التتابع لا يزيد على أصل وجوب رمضان، وهو يسقط بالمرض.
(لا بحيض) لأنه ليس باختيارها، ولا يخلو منه شهران غالبًا، والتأخير إلى اليأس خطر.
والنفاس كالحيض على الصحيح، وطروّ الحيض والنفاس إنما يتصور في كفارة قتل لا ظهار؛ إذ لا تجب على النساء.
(وكذا جنون على المذهب) لعدم الاختيار، والإغماء كالجنون، وقيل: كالمرض.
(فإن عجز عن الصوم) -أي: صوم الشهرين أو تتابعهما- (بهرم أو مرض قال الأكثرون: لا يرجى زواله، أو لحقه بالصوم مشقة شديدة، أو خاف زيادة مرض.. كفّر بإطعام ستين مسكينًا) لأنه غير مستطيع، فاندرج في الآية، ومقابل قول الأكثرين: قول الإمام: إنه يعتبر دوام المرض في ظنه مدة شهرين، قال في "زيادة
أَوْ فَقِيرًا -لَا كَافِرًا، وَلَا هَاشِمِيًّا وَلَا مُطلِبِيًّا- سِتِّينَ مُدًّا مِمَّا يَكُونُ فِطْرَةً.
الروضة": والأصحُّ: ما قاله الإمام، وقد وافق عليه آخرون 1، ويعرف دوام المرض شهرين: من العادة الغالبة، أو من قول الأطباء، (أو فقيرًا) لأنه أشد حالًا من المسكين، ويكفي البعض مساكين والبعض فقراء، (لا كافرًا ولا هاشميًّا ولا مطلبيًّا) كالزكاة؛ بجامع التطهير، ولا يجوز صرفها أيضًا إلى من تلزمه نفقته؛ كزوجة وقريب، ولا إلى عبد ومكاتب.
(ستين مدًّا) لكل واحد مد؛ ككفارة وقاع رمضان، وروى البيهقي في حديث سلمة بن صخر: أنه -صلى الله عليه وسلم - أتي بعرق فيه خمسة عشر صاعًا، فقال: "تَصَدَّقْ عَلَى سِتِّينَ مِسْكِينًا" 2، ولأن الله تعالى عوّض عن كل جوعة شبعة مسكين، وغالبُها مد، (مما يكون فطرة) أي: جنس الطعام المخرج هنا جنس المخرج في الفطرة، فلا يجزئ الدقيق والسويق والخبز، ولا التغدية والتعشية.
كتابُ اللّعان يَسْبقُهُ قَذْفٌ. وَصَرِيحُهُ الزِّنَا، كَقَوْلِهِ لِرَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ: (زَنَيْتَ أَوْ زَنَيْتِ)، أَوْ (يَا زَانِي أَو يَا زَانِيَةُ). وَالرَّمْيُ بِإِيلَاجِ حَشَفَةٍ فِي فَرْجٍ مَعَ وَصْفِهِ بِتَحْرِيمٍ أَوْ دُبُرٍ صَرِيحَانِ
﴿كتاب اللعان﴾
هو لغة: المباعدة، ومنه: لعنه الله؛ أي: أبعده الله وطرده، سمي بذلك: لبعد الزوجين من الرحمة، أو لبعد كل منهما عن الآخر فلا يجتمعان أبدًا.
وفي الشرع: كلمات معلومة جعلت حجة للمضطر إلى قذف مَنْ لطخ فراشه والحق العار به، سمي لعانًا؛ لقول الرجل: (عليه لعنة الله إن كان من الكاذبين)، وإطلاقُه في جانب المرأة: من مجاز التغليب، والمغلب على اللعان حكم اليمين لا الشهادةِ على الأصحِّ.
والأصل فيه قبل الإجماع: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآيات 1، والأحاديث فيه كثيرة.
(يسبقه قذف) أو نفي الولد؛ لأنه حجة ضرورة لدفع الحد أو نفي الولد، ولا ضرورة قبل ذلك.
(وصريحه) أي: القذفِ (الزنا؛ كقوله لرجل أو امرأة: "زنيتَ أو زنيتِ"، أو "يا زاني أو يا زانية") لتكرر ذلك وشهرته، ولا يضر اللحن بالتذكير والتأنيث.
هذا إذا قاله لمن يمكن وطؤه في معرض التعيير، فلو قال لابنةِ سنةٍ مثلًا (زنيتِ).. فليس بقذف؛ كما قاله الماوردي 2؛ لأن القذف ما احتمل الصدق أو الكذب، وهذا مقطوع بكذبه.
(والرميُ بإيلاج حشفة في فرج مع وصفه بتحريم) مطلق (أو دبر.. صريحان) لأنه صريح لا يقبل التأويل، وإنما اشترط الوصف بالتحريم في القبل دون الدبر؛ لأن