فَلاَ رُجُوعَ لَهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لَفْظًا وَلَا الإِعْطَاءُ فِي الْمَجْلِسِ، وَإِنْ قَالَ: (إِنْ، أَوْ إِذَا أَعْطَيْتِنِي).. فَكَذَلِكَ، لكِنْ يُشْتَرَطُ إِعْطَاءٌ عَلَى الْفَوْرِ. وَإِنْ بَدَأَتْ بِطَلَبِ طَلاَقٍ فَأَجَابَ.. فَمُعَاوَضَةٌ
جانبه، ولا نظر فيه إلى شبهة المعاوضة؛ لأنه من صرائح ألفاظ التعليق، فلا يقع الطلاق من غير تحقق الصفة؛ كسائر التعليقات، (فلا رجوع له) قبل الإعطاء؛ كما لا يرجع عن التعليق إذا خلا عن العوض في نحو: (إن دخلت الدار.. فأنت طالق).
(ولا يشترط القبول لفظًا ولا الإعطاء في المجلس) أي: مجلس الواجب، وهو ما يرتبط به القبول بالإيجاب دون مكان العقد؛ كما ذكره في "المحرر" 1، فمتى وجد الإعطاء.. طلقت؛ لدلالة اللفظ على الزمان وعمومه، ولا تصلح قرينة المعاوضة رافعة لمقتضاه.
وهذا بخلاف جانب المرأة؛ فإنها لو قالت: (متى طلقتني.. فلك علي ألف).. اختص الجواب بمجلس التواجب، وفرَّق الغزالي بينهما: بأن الغالب على جانبه التعليق، وعلى جانبها المعاوضة 2.
(وإن قال: "إن أو إذا أعطيتني".. فكذلك) أي: فلا رجوع له، ولا يشترط القبول لفظًا، (لكن يشترط إعطاء على الفور) لأن ذكر العوض قرينة يقتضي التعجيل؛ لأن الأعواض تتعجل في المعاوضات، وإنما تركت هذه القرينة في نحو: (متى)؛ لأنها صريحةٌ في جواز التأخير، شاملةٌ لجميع الأوقات، بخلاف (إن)، و (إذا).
ومحل الفور: في الحرة، فالأمة أي وقت أعطت طلقت وإن امتد الزمان؛ لأنها لا تقدر على الإعطاء في المجلس؛ لأنه لا يد لها في الغالب ولا ملك، قاله المتولي وأقراه 3، لكن ابن الرفعة أنكره.
(وإن بدأت بطلب طلاق فأجاب.. فمعاوضة) لأنها تملك البضع بما تبذله من
مَعَ شَوْبِ جَعَالَةٍ فَلَهَا الرُّجُوعُ قَبْلَ جَوَابِهِ. وَيُشْتَرَطُ فَوْرٌ لِجَوَابِهِ. وَلَوْ طَلَبَتْ ثَلاَثًا بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَ طَلْقَةً بِثُلُثِهِ.. فَوَاحِدَةٌ بِثُلُثِهِ. وَإِذَا خَالَعَ أَوْ طَلَّقَ بِعِوَضٍ.. فَلاَ رَجْعَةَ، فَإِنْ شَرَطَهَا.. فَرَجْعِيٌّ وَلَا مَالَ، وَفِي قَوْلٍ: بَائِنٌ بِمَهْرِ مِثْلٍ
العوض (مع شوب جعالة) لأنها تبذل المال في مقابلة ما يستقل به الزوج، وهو الطلاق، فإذا أتى به.. وقع الموقع وحصل غرضها؛ كما أن في الجعالة يبذل الجاعل المال في مقابلة ما يستقل العامل به في وقوعه الموقع وتحصيل الغرض.
(فلها الرجوع قبل جوابه) لأن هذا حكم المعاوضات والجعالات جميعًا، (ويشترط فور لجوابه) أي: في مجلس التواجب، فلو طلقها بعد تخلل مدة.. حمل على الابتداء على الصحيح، فيكون رجعيًّا إن لم يستكمل الثلاث، ولا يستحق عوضًا.
(ولو طلبت ثلاثًا بألف) وهو يملك عليها الثلاث (فطلق طلقة بثلثه.. فواحدة بثلثه) كما لو قال: (إن رددت عبيدي الثلاث.. فلك ألفٌ)، فردَّ واحدًا استحق ثلث الألف، وهذا بخلاف ما تقدم فيما إذا طلق ثلاثًا بألف.. فقبلت واحدة بثلثه فإنه لا يقع الطلاق.
والفرق: أن الخلع من جانبها معاوضة مشبهة بالجعالة، ومن جانبه تعليق فيه شائبة المعاوضات، ومن شرط الوقوع بالتعليق حصول الصفة المعلق عليها ومن شرط المعاوضة توافق الإيجاب والقبول، ولم يتحقق واحد من الشرطين.
(وإذا خالع أو طلق بعوض.. فلا رجعة) سواء أكان العوض صحيحًا أم فاسدًا، جعلناه فسخًا أم طلاقًا؛ لأنها بذلت المال لتملك بضعها، فلا يملك الزوج ولاية الرجوع إليه؛ كما أن الزوج إذا بذل المال صداقًا ليملك البضع.. لا يكون للمرأة ولاية الرجوع إلى البضع.
(فإن شرطها) بأن قال: (خالعتك أو طلقتك بكذا على أن لي عليك الرجعة) (.. فرجعي ولا مال) لأن شرط الرجعة والمال متنافيان فيسقطان، ويبقى مجرد الطلاق، وقضيته: ثبوت الرجعة، (وفي قول: بائن بمهر مثل) لأن الخلع لا يفسد بفساد العوض؛ كالنكاح، ونقلا في "الروضة" و"أصلها"
وَلَوْ قَالَتْ: (طَلِّقْنِي بِكَذَا) وَارْتَدَّتْ فَأَجَابَ؛ إِنْ كَانَ قَبْلَ دُخُولٍ أَوْ بَعْدَهُ وَأَصَرَّتْ حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ.. بَانَتْ بِالرِّدَّةِ وَلَا مَالَ، وَإِنْ أَسْلَمَتْ فِيهَا.. طَلُقَتْ بِالْمَالِ.
وَلَا يَضُرُّ تَخَلُّلُ كَلاَمٍ يَسِيرٍ بَيْنَ إِيجَابٍ وَقَبُولٍ.
فصلٌ [في الألفاظ الملزمة للعوض وما يتبعها]
قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ وَعَلَيْكِ أَوْ وَلِي عَلَيْكِ كَذَا) وَلَمْ يَسْبِقْ طَلَبُهَا بِمَالٍ.. وَقَعَ رَجْعِيًّا قَبِلَتْ أَمْ لَا، وَلَا مَالَ،
القطع بالأول عن الجمهور 1.
وقد يدخل في كلامه: ما لو خالعها بعوض على أنه متى شاء رده وكان له الرجعة، وقد نصَّ الشافعي فيه على البينونة بمهر المثل 2، فقيل: بطرد الخلاف، والمذهب: الجزم بالمنصوص؛ لأنه رضي بسقوط الرجعة هنا، ومتى سقطت.. لا تعود.
(ولو قالت: "طلقني بكذا" وارتدت فأجاب؛ إن كان قبل دخولٍ أو بعده وأصرَّت حتى انقضت العدة.. بانت بالردة ولا مال) لانقطاع النكاح بالردة في الحالتين، (وإن أسلمت فيها) أي: في العدة (.. طلقت بالمال) لأنا تبيَّنا صحة الخلع، (ولا يضر تخلل كلام يسير بين إيجاب وقبول) سواء أكان الكلام من الرجل أم من المرأة؛ لأن الكلام اليسير لا يُعدُّ قائله به معرضًا عما هو فيه، وقد اضطرب كلام الشيخين في ذلك، وقدمنا بيانه في أوائل (النكاح).
(فصل: قال: "أنت طالق وعليك) ألف (أو ولي عليك كذا"، ولم يسبق طلبها بمال.. وقع رجعيًّا قبلت أم لا ولا مال)، إذ لم يشع في العرف استعمال هذا اللفظ في طلب العوض، وإلزامه؛ لأنه أوقع الطلاق مجانًا، ثم أخبر أن له عليها كذا فلا يلزمها، وحكى الإمام فيه الاتفاق، وشبهه الشافعي بما إذا قال: (أنت طالق
فَإِنْ قَالَ: (أَرَدْتُ مَا يُرَادُ بِـ"طَلَّقْتُكِ بِكَذَا") وَصَدَّقَتْهُ.. فَكَهُوَ فِي الأَصَحِّ، وإِنْ سَبَقَ.. بَانَتْ بِالْمَذْكُورِ. وَإِنْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى أَنَّ لِي عَلَيْكِ كَذَا).. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ كَـ (طَلَّقْتُكِ بِكَذَا)، فَإِذَا قَبِلَتْ.. بَانَتْ وَوَجَبَ الْمَالُ
وعليك حج) 1، وهذا بخلاف قولها: (طلقني ولك عليَّ ألف) فأجابها، فإنه يقع بائنًا بالألف؛ لأن المتعلق بها من عقد الخلع الالتزام فيحمل لفظها عليه، والزوج ينفرد بالطلاق على الصحيح، فإذا لم يأت بصيغة المعاوضة.. حمل كلامه على ما ينفرد به.
واحترز بقوله: (ولم يسبق طلبها بمال) عمَّا إذا سبق؛ فإن الصيغة تكون مقتضية للالتزام.
(فإن قال: "أردت ما يراد بطلقتك بكذا" وصدقته.. فكهو في الأصح) أي: فهو في حكم قوله: (طلقتك بكذا)، فيقع بائنًا بذلك المسمَّى؛ لأنه يصلح أن يكون كناية في اقتضاء العوض، والثاني: المنع؛ لأن قوله: (ولي عليك كذا) إخبار لا إلزام، فلا يصح توافقهما على خلافه.
واحترز بقوله: (وصدقته) عمَّا إذا لم تُصدِّقه.. فلا يلزمها المال قطعًا، سواء قبلت أم لا.
(وإن سبق) الطلب منها (.. بانت بالمذكور) إذا كان معيَّنًا؛ لأنه لو اقتصر على قوله: (طلقتك).. كان كذلك؛ فقوله: (وعليك ألف) إن لم يكن مؤكدًا.. لا يكون مانعًا.
وإن سبق طلبها بمبهم؛ كـ (طلقني ببدل) فقال: (طلقتك).. بانت بمهر مثل.
(وإن قال: "أنت طالق على أن لي عليك كذا".. فالمذهب: أنه كـ"طلقتك بكذا"، فإذا قبلت.. بانت ووجب المال) لأن (على) للشرط؛ فجعل كونه عليها شرطًا، فإذا ضمنته.. طلقت هذا هو المنصوص المقطوع به، ومقابله: قول الغزالي: يقع الطلاق رجعيًّا ولا مال؛ لأن الصيغة صيغة شرط، والشرط في الطلاق
وَإِنْ قَالَ: (إِنْ ضَمِنْتِ لِي أَلْفًا فَأَنْتِ طَالِقٌ)، فَضَمِنَتْ فِي الْفَوْرِ.. بَانَتْ وَلَزِمَهَا اأَلْفُ، وَإِنْ قَالَ: (مَتَى ضَمِنْتِ)؛ فَمَتَى ضَمِنَتْ.. طَلُقَتْ، وَإِنْ ضَمِنَتْ دُونَ أَلْفٍ.. لَمْ تَطْلُقْ، وَلَوْ ضَمِنَتْ أَلْفَيْنِ.. طَلُقَتْ، وَلَوْ قَالَ: (طَلِّقِي نَفْسَكِ إِنْ ضَمِنْتِ لِي أَلْفًا)، فَقَالَتْ: (طَلَّقْتُ وَضَمِنْتُ) أَوْ عَكْسُهُ.. بَانَتْ بِأَلْفٍ، وَإِنِ اقْتَصَرَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا.. فَلَا. وَإِذَا عَلَّقَ بِإِعْطَاءِ مَالٍ فَوَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ.. طَلُقَتْ،
يلغو إذا لم يكن من قضاياه 1؛ كما لو قال: (أنت طالق على ألا أتزوج بعدك).
(وإن قال: "إن ضمنت لي ألفًا فأنت طالق"، فضمنت في الفور) أي: في مجلس التواجب (.. بانت ولزمها الألف) لوجود الشرط والعقد المقتضي للإلزام إيجابًا وقبولًا.
(وإن قال: "متى ضمنت"، فمتى ضمنت.. طلقت) ولا يشرط فور؛ لأن هذا اللفظ صريح في التراخي ولا يحتمل سواه؛ بدليل أنه لو قال: (متى أعطيتني الساعة) كان محالًا.
(وإن ضمنت دون ألف.. لم تطلق) لعدم وجود الصفة المعلق عليها.
(ولو ضمنت ألفين.. طلقت) لوجود الصفة مع زيادة، بخلاف قوله: (طلقتك على ألف) فقبلت بألفين؛ لأن تلك صيغة معاوضة، فاعتبر فيها توافق الإيجاب والقبول.
(ولو قال: "طلقي نفسك إن ضمنت لي ألفًا"، فقالت: "طلقت وضمنت" أو عكسه) أي: ضمنت وطلقت (.. بانت بألف) لأن أحدهما شرط في الآخر يعتبر اتصاله به فهما قبول واحد فاستوى تقديم أحدهما وتأخيره.
(وإن اقتصرت على أحدهما) بأن ضمنت ولم تطلق أو عكسه (.. فلا) لأنه فوَّض إليها التطليق وجعل له شرطًا، فلا بُدَّ من التطليق والشرط.
والمراد بالضمان في هذه المسائل: الالتزام لا الضمان المحتاج إلى الأصالة.
(وإذا علق بإعطاء مال.. فوضعته) أو أزيد منه (بين يديه.. طلقت) وإن لم يأخذه إذا كان متمكنًا من أخذه؛ لأنه إعطاء عرفًا، ولهذا يقال: (أعطيته
وَالأَصَحُّ: دُخُولُهُ فِي مِلْكِهِ. وَإِنْ قَالَ: (إِنْ أَقْبَضْتِنِي).. فَقِيلَ: كَالإِعْطَاءِ، وَالأَصَحُّ: كَسَائِرِ التَّعْلِيقِ فَمَا يَمْلِكُهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ لِلإِقْبَاضِ مَجْلِسٌ. قُلْتُ: وَيَقَعُ رَجْعِيًّا، وَيُشْتَرَطُ لِتَحَقُّقِ الصِّفَةِ أَخْذٌ بِيَدِهِ مِنْهَا
فلم يأخذ)، ولا يقع بإعطاء وكيلها.
نعم؛ إن حضرت وقالت لوكيلها: (سلِّمه إليه).. وقع، قاله المتولي وأقراه 1، وأفتى به ابن الصلاح.
(والأصح: دخوله في ملكه) بمجرد الوضع وإن لم يقبضه؛ لأن التعليق يقتضي الوقوع عند الإعطاء، فإذا ملكت المعوض.. اقتضت الضرورة دخول العوض في ملك الزوج؛ لأن ملك العوضين متقارنان، الثاني: لا؛ لأن حصول الملك من غير لفظ تمليك من جهتها بعيد، فيرد المعطى، ويرجع إلى مهر المثل.
(وإن قال: "إن أقبضتني".. فقيل: كالإعطاء) فيأتي فيه ما سبق لأن ذِكْرهُ مشعرٌ بقصد تحصيله.
(والأصح: كسائر التعليق فما يملكه) 2 لأن الإقباض لا يقتضي التمليك فهو صفة محضة، بخلاف الإعطاء، وخصه المتولي بما إذا لم يسبق منه قرينة تدل على التمليك، فإن سبقت كقولها: (طلقني بألف).. فقال: (إن أقبضتني ألفًا.. فأنت طالق)، أو قال ابتداءً: (إن أقبضتني ألفًا وجعلتها لي، أو لأصرفها في حوائجي).. فهو كالإعطاء، قال في "زيادة الروضة": وهو متعين 3، وقال في "الشرح الصغير": لا خلاف فيه.
(ولا يشترطُ للإقباض مجلسٌ) تفريعًا على عدم الملك؛ لأنه صفة محضة؛ كالتعليق بدخول الدار، (قلت: ويقع رجعيًّا) لأن الإقباض لا يقتضي التمليك بخلاف الإعطاء؛ فكأنه لم يطمع في شيء.
(ويشترط لتحقق الصفة أخذ بيده منها) فلا يكفي الوضع بين يديه؛ لأنه لا يسمَّى
وَلَوْ مُكْرَهَةً، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ عَلَّقَ بِإِعْطَاءِ عَبْدٍ وَوَصَفَهُ بِصِفَةِ سَلَمٍ، فَأَعْطَتْهُ لَا بِالصِّفَةِ.. لَمْ تَطْلُقْ، أَوْ بِهَا مَعِيبًا.. فَلَهُ رَدُّهُ وَمَهْرُ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: قِيمَتُهُ سَلِيمًا. وَلَوْ قَالَ: (عَبْدًا).. طَلُقَتْ بِعَبْدٍ، إِلَّا مَغْصُوبًا فِي الأَصَحِّ،
قبضًا، وهذا الشرط ذكراه في "الشرح" و"الروضة" في صيغة: (إن قبضت منك) لا في: (إن أقبضتني)، وبينهما فرق 1.
نعم؛ في "الوسيط" و"الوجيز" كما في "الكتاب" 2، لكن صرح الإمام في "النهاية" بأنه إذا قال: (إن أقبضتني) فجاءت به وأوقعته بين يديه: أن هذا إقباض ولا يشترط أن يقبضه بالبراجم 3.
(ولو مكرهة، والله أعلم) لوجود الصفة وهذا أيضًا إنما ذكراه في "الشرح" و"الروضة" في صيغة: (إن قبضت منك)، فَذِكْرهُ في: (إن أقبضتني) سهوٌ؛ كما قاله السبكي؛ لأن الإقباض بالإكراه المُلغى شرعًا لا اعتبارَ به.
(ولو علق بإعطاء عبد ووصفه بصفة سلم، فأعطته لا بالصفة.. لم تطلق) لعدم وجود المعلق عليه.
(أو بها) أي: بالصفة (معيبًا.. فله رده) لأن الإطلاق يقتضي السلامة، (ومهر مثل، وفي قول: قيمته سليمًا) الخلاف مبني على: أن بدل الخلع في يد الزوجة مضمون ضمان عقد أو ضمان يد؟
(ولو قال: "عبدًا") أي: أطلقه ولم يصفه (.. طلقت بعبد) أيّ عبد كان، كبيرًا كان أو صغيرًا، مدبرًا أو معلقًا عتقه بصفة، سليمًا أو معيبًا؛ لوجود الاسم، ولا يملكه الزوج؛ لأن الملك يثبت معاوضة، والمجهول لا يصلح عوضًا، فيجب الرجوع إلى عوض البضع، وهو مهر المثل، وهذا معنى قوله بعد: (وله مهر المثل).
(إلا مغصوبًا في الأصح) أي: فلا تطلق به؛ لأن الإعطاء يقتضي التمليك، فلا
وَلَهُ مَهْرُ مِثْلٍ، وَلَوْ مَلَكَ طَلْقَةً فَقَطْ فَقَالَتْ: (طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ)، فَطَلَّقَ الطَّلْقَةَ.. فَلَهُ أَلْفٌ، وَقِيلَ: ثُلُثُهُ، وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَتِ الْحَالَ.. فَأَلْفٌ، وَإِلَّا.. فَثُلُثُهُ، وَلَوْ طَلَبَتْ طَلْقَةً بِأَلْفٍ، فَطَلَّقَ بِمِئَةٍ.. وَقَعَ بِمِئَةٍ، وَقِيلَ: بِأَلْفٍ، وَقِيلَ: لَا يَقَعُ
يصدق بدفع ما لا يمكن تمليكه إذ ذاك، والثاني: تطلق؛ لأنه لا يملك المعطى، فلا فرق بين المغصوب وغيره، وعلى هذا: يرجع بمهر المثل.
ويرد على حصره الاستثناء في المغصوب: المكاتب والمرهون والجاني المتعلق برقبته مال، والمشترك بينها وبين غيرها، والموقوف، والمستأجر من غيره إن منع بيعه؛ فإنها كالمغصوب في ذلك، وعبارة "المحرر" سالمةٌ من ذلك؛ فإنه لم يذكره على وجه الاستثناء 1.
(وله مهر مثل) في غير المغصوب ونحوه؛ لأنه لم يطلق مجانًا.
(ولو ملك طلقة فقط، فقالت: "طلقني ثلاثًا بألف"، فطلق الطلقة.. فله ألف) لأن الواحدة حينئذ كالثلاث في تحصيل البينونة الكبرى، (وقيل: ثلثه) كما يغرم قالع عين الأعور النصف، (وقيل: إن علمت الحال.. فألف، وإلا.. فثلثه) فعلى هذا: لو اختلفا؛ فقال الزوج: (كنت تعلمين ذلك)، وأنكرت.. تحالفا، فإذا حلفا.. لزمها مهر المثل، وفي وجه رابع: أنه يستحقُّ مهر المثل، وخامس: أنه لا يستحقُّ شيئًا؛ لأنه لم يطلِّق كما سألت.
(ولو طلبت طلقة بألف، فطلق بمئة... وقع بمئة) لأنه قادر على الطلاق بغير عوض؛ فببعض العوض أولى، وقد رضي بالمبذول، فلا يزاد عليه، (وقيل: بألف) لأنها بانت بقوله: (طلقتك)، واستحق الألف، وأُلغيَ قوله: (بمئة)، (وقيل: لا يقع) للمخالفة؛ كما لو خالفت في قبولها.
وأهمل من "المحرر" مسألة، وهي ما لو قالت: (طلقني واحدة بألف)، فقال: (أنت طالق ثلاثًا).. وقع الثلاث، واستحق الألف، ولو أعاد ذكر الألف فقال: (أنت طالق ثلاثًا بألف).. فكذلك على الأظهر، وكأن ذلك سقط من نسخة
وَلَوْ قَالَتْ: (طَلِّقْنِي غَدًا بِأَلْفٍ)، فَطَلَّقَ غَدًا أَوْ قَبْلَهُ.. بَانَتْ بِمَهْرِ الْمِثْلِ، وَقِيلَ: فِي قَوْلٍ: بِالْمُسَمَّى. وَإِنْ قَالَ: (إِذَا دَخَلْتِ الدَّارَ.. فَأَنْتِ طَالِقٌ بِأَلْفٍ)، فَقَبِلَتْ وَدَخَلَتْ.. طَلُقَتْ
المصنف بـ"المحرر" وهو ثابت في النسخ الصحيحة، وحكي عن نسخة المصنف.
(ولو قالت: "طلقني غدًا بألف"، فطلق غدًا أو قبله.. بانت) لأنه إن طلق في الغد.. فقد حصل مقصودها، وإن طلق قبله.. فقد حصله مع زيادة؛ فأشبه ما لو قالت: (طلقني واحدة بألف) فطلق ثلاثًا بألف.
واحترز بقوله: (قبله) عما إذا أجاب بعده.. فيقع رجعيًّا لا بائنًا؛ لأنه خالف وأخرَّ، فكان مبتدئًا، فإن ذكر مالًا اشترط في وقوعه القبول (بمهر المثل) بناءً على فساد الخلع؛ لأنه سلم في الطلاق، والطلاق لا يثبت في الذمة، وإذا فسدت الصيغة.. رجع بمهر المثل (وقيل: في قول: بالمسمَّى) أشار المصنف بهذا إلى حكاية طريقين:
أصحهما: القطع بالأول.
والثاني: حكاية قولين:
أحدهما: مهر المثل.
والثاني: المسمَّى؛ كالقولين فيما إذا خالع على خمر أو مغصوب.
وقضية كلامه كـ"المحرر" و"الشرح الصغير": أنه لا فرق بين أن يعلم بفساد الخلع أم لا، لكن القاضي والبغوي والمتولي خصوه بالجاهل، فإن علم فساده.. وقع رجعيًّا، وضعفه الإمام، وقال: لا حاصل له، واستشهد بالخلع على الخمر وسائر الأعواض الفاسدة؛ فإنه لا فرق في ثبوت المال بين العلم والجهل، ولم يصرحا في "الشرح و"الروضة" بترجيح شيء من ذلك 1.
(وإن قال: "إذا دخلت الدار.. فأنت طالق بألف"، فقبلت ودخلت.. طلقت
عَلَى الصَّحِيحِ بِالْمُسَمَّى، وَفِي وَجْهٍ أَوْ قَوْلٍ: بِمَهْرِ الْمِثْلِ. وَيَصِحُّ اخْتِلَاعُ أَجْنَبِيٍّ وَإِنْ كَرِهَتِ الزَّوْجَةُ، وَهُوَ كَاخْتِلَاعِهَا لَفْظًا وَحُكْمًا
على الصحيح) لوجود المعلق عليه، والثاني: لا تطلق، لأن المعاوضات لا تقبل التعليق، فيمتنع ثبوت المال، وإذا لم يثبت.. لم تطلق؛ لارتباطه به، وعلى الأول: يشترط قبولها على الاتصال على الصحيح، وإليه أشار بقوله: (فقبلت) بفاء التعقيب، (بالمسمَّى) أي: ويجوز الاعتياض عن الطلاق المعلق كما يجوز عن المنجَّز، وهل يلزم تسليمه المُسمَّى حالًا أو عند حصول الصفة؟ وجهان، صحح في "أصل الروضة" الأول 1، والذي يقتضيه كلام "الكتاب": الثاني، (وفي وجه أو قول: بمهر المثل) لأن المعاوضات لا تقبل التعليق؛ فتؤثر في فساد العوض دون الطلاق، لقبوله التعليق، وإذا فسد العوض.. وجب مهر المثل.
(ويصح اختلاع أجنبي وإن كرهت الزوجة) لأن الطلاق مما يستقلُّ به الزوج، والأجنبي مستقلٌّ بالالتزام، وله بذل المال، والتزامه فداء، لأن الله تعالى سمَّى الخلع فداءً فجاز كفداء الأسير، وكما يبذل المال في عتق عبد لسيده، تخليصًا له من الرق، وقد يكون للأجنبي فيه غرض ديني أو دنيوي لغرض مباح.
وهذا إذا أتى بلفظ الطلاق أو بلفظ الخلع وقلنا: إنه طلاق، فإن جعلناه فسخًا.. لم يصح؛ لأن الزوج لا ينفرد بالفسخ بلا سبب.
(وهو كاختلاعها لفظًا) أي: في ألفاظ الالتزام (وحكمًا) في جميع ما تقدم.
نعم، يستثنى من قوله: (وحكمًا) صور: إحداها: لو قال الأجنبي: (طلقها على هذا المغصوب أو على هذا الخمر أو على عبد زيد هذا)، فطلق.. وقع رجعيًّا، بخلاف ما إذا التمست المرأة ذلك، نقلاه عن البغوي وأقراه 2، والفرق: أن
وَلِوَكِيلِهَا أَنْ يَخْتَلِعَ لَهُ. وَلِأجْنَبيٍّ تَوْكِيلُهَا فَتَتَخَيَّرُ هِيَ. وَلَوِ اخْتَلَعَ رَجُلٌ وَصَرَّحَ بِوَكَالَتِهَا كَاذِبًا.. لَمْ تَطْلُقْ. وَأَبُوهَا كَأَجْنَبِيٍّ فَيَخْتَلِعُ بِمَالِهِ، فَإِنِ اخْتَلَعَ بِمَالِهَا وَصَرَّحَ بِوَكَالَةٍ أَوْ وِلاَيَةٍ.. لَمْ تَطْلُقْ، أَوْ بِاسْتِقْلَالٍ.. فَخُلْعٌ بِمَغْصُوبٍ.
البضع وقع للمرأة؛ فلزمها بدله بخلاف الأجنبي، الثانية: تحريمه في الحيض إذا سأله الأجنبي، بخلافها؛ كما ذكره في الطلاق، الثالثة: لو كان له امرأتان فخالعه الأجنبي عنهما بألف من ماله.. صح بالألف قطعًا وإن لم يفصل حصة كل منهما؛ لأن الألف تجب للزوج على الأجنبي وحده، بخلاف الزوجتين إذا اختلعتا؛ فإنه يجب أن يفصل ما تلتزمه كل منهما، قاله الماوردي 1.
(ولوكيلها أن يختلع له) أي: لنفسه بالتصريح أو بالنية، فيكون خلع أجنبي، والمال عليه كوكيل المشتري، (ولأجنبي توكيلها) في اختلاع نفسها على ماله (فتتخير هي) بين أن يخالع عن نفسها أو عنه بوكالته، فإن أطلقت.. قال الأَذْرَعي: فالظاهر: وقوعه عنها.
(ولو اختلع رجل، وصرح بوكالتها كاذبًا.. لم تطلق) لأنه مربوط بالمال، وهو لم يلتزمه في نفسه، وقد بان أن لا التزام منها؛ فأشبه ما إذا خاطبها.. فلم تقبل.
(وأبوها كأجنبي فيختلع بماله) صغيرةً كانت أو كبيرة، (فإن اختلع بمالها وصرح بوكالة) كاذبًا، (أو ولاية.. لم تطلق) لارتباط الطلاق بلزوم المال عليها، وهي لم تلتزمه، (أو باستقلال) كـ (اختلعت لنفسي أو عن نفسي) (فخلع بمغصوب) لأنه غاصب لمالها فيقع الطلاق بائنًا جزمًا إن لم يعلم الزوج، وكذا إن علم على الأصحِّ، ويرجع الزوج عليه بمهر المثل على الأظهر، وببذل المُسمَّى على قول.
فصلٌ [في الاختلاف في الخلع أو في عوضه]
ادَّعَتْ خُلْعًا فَأَنْكَرَ.. صُدِّقَ بِيَمِينِهِ. وَإِنْ قَالَ: (طَلَّقْتُكِ بِكَذَا) فَقَالَتْ: (مَجَّانًا).. بَانَتْ وَلَا عِوَضَ. وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي جِنْسِ عِوَضِهِ أَوْ قَدْرِهِ وَلَا بَيِّنَةَ.. تَحَالَفَا وَوَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ. وَلَوْ خَالَعَ بِأَلْفٍ وَنَوَيَا نَوْعًا.. لَزِمَ، وَقِيلَ: مَهْرُ مِثْلٍ، وَلَوْ قَالَ: (أَرَدْنَا دَنَانِيرَ)، فَقَالَتْ: (بَلْ دَرَاهِمَ أَوْ فُلُوسًا).. تَحَالَفَا عَلَى الأَوَّلِ،
(فصل: ادعت خلعًا فأنكر) ولا بيِّنة (.. صدق بيمينه) إذ الأصل بقاء النكاح وعدم الخلع، (وإن قال: "طلقتك بكذا".. فقالت: "مجانًا".. بانت ولا عوض) إذا حلفت، أما البينونة.. فلإقراره، وأما عدم العوض.. فلأن الأصل براءة ذمتها.
(وإن اختلفا في جنس عوضه أو قدره) أو نوعه أو صفته أو أجله (ولا بينة.. تحالفا) كالمتبايعين؛ فإن أقام أحدهما بينة.. عمل بها وقضي له، وإن أقاما بينتين.. تساقطتا على الصحيح، (ووجب مهر المثل) لأنه تعذر رد البضع إليه فرجع إلى بدله، وهو مهر المثل؛ كما لو وقع التحالف بعد تلف المبيع، وأما البينونة.. فواقعة.
وأثر التحالف في العوض خاصة، وفي كيفية اليمين ومن يبدأ به على ما تقدم في البيع.
(ولو خالع بألف ونويا نوعًا.. لزم) جعلًا للمنوي كالملفوظ، بخلاف البيع؛ لأنه يحتمل في الخلع ما لا يحتمل في البيع، ولهذا يملك العوض فيه بالإعطاء، بخلاف البيع.
وصورة المسألة: ألا يكون في البلد نقد غالب؛ فإن كان.. حمل عليه.
(وقيل: مهر مثل) أي: وتفسد التسمية؛ للجهل بالعوض كالبيع.
(ولو قال: "أردنا) بالألف التي أطلقناها (دنانير"، فقالت: "بل دراهم أو فلوسًا".. تحالفا على الأول) وهو قولنا: (لو نويا نوعًا.. لزم)، كما لو اختلفا في
وَوَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ بِلَا تَحَالُفٍ فِي الثَّانِي.
الملفوظ، فإذا حلفا.. وجب مهر المثل، (ووجب مهر مثل بلا تحالف في الثاني) وهو قولنا: بوجوب مهر المثل فيما إذا نويا نوعًا؛ لأنهما لو اتفقا على الإرادة.. وجب؛ فلا أثر للتنازع.
كتابُ الطَّلاق يُشْتَرَطُ لِنُفُوذِهِ التَّكْلِيفُ إِلَّا السَّكْرَانَ. وَيَقَعُ بِصَرِيحِهِ بِلَا نِيَّةٍ، وَبِكِنَايَةٍ بِنِيَّةٍ. وَصَرِيحُهُ: الطَّلَاقُ، وَكَذَا الْفِرَاقُ وَالسَّرَاحُ عَلَى الْمَشْهُورِ
﴿كتاب الطلاق﴾
هو لغة: حل القيد والإطلاق، ومنه ناقة طالق؛ أي: مرسلة بلا قيد، ترعى حيث شاءت، وشرعًا: حل قيد النكاح فقط.
والآيات الواردة في الطلاق والأخبار المروية فيه غنيةٌ؛ لشهرتها عن الإيراد والتعداد، معتضدة بإجماع الملل أيَّ اعتضاد.
(يشترط لنفوذه التكليف) فلا يقع طلاق صبي ومجنون ومغمى عليه ونائم تنجيزًا, ولا تعليقًا؛ لفساد عبارتهم، ورفع القلم عنهم.
نعم؛ لو تولد جنون من سكر تعدى به.. نفذ طلاقه في جنونه.
(إلا السكران) أي: فيقع طلاقه وإن كان غير مكلف.
وهذا الاستثناء من زياداته على "المحرر"، وقال في "الدقائق": إنه لا بد منه؛ لأنه ليس بمكلف 1، وعزى في "الروضة" كونه غير مكلف إلى قول أصحابنا وغيرهم في كتب الأصول، قال: (ولكن مراد أهل الأصول: أنه غير مخاطب حال السكر، ومرادنا هنا: أنه مكلف بقضاء العبادات بأمر جديد) 2، قال السبكي: ولا حاجة لهذه الزيادة؛ لأن مذهب الشافعي: أن السكران مكلف.
انتهى، وحكاه الأَذْرَعي عن نص "الأم"، وعن جمع من المراوزة والعراقيين، منهم شيخ المراوزة القفال، وشيخ العراقيين أبو حامد.
(ويقع بصريحه بلا نية) عند عدم الإكراه (وبكناية بنية) بالإجماع (وصريحه: الطلاق) وما اشتق منه؛ بالإجماع، (وكذا الفراق والسراح على المشهور) لتكررهما في القرآن بمعنى الطلاق، والثاني: أنهما كنايتان؛ لاستعمالهما فيه وفي غيره
كَـ (طَلَّقْتُكِ) وَ (أَنْتِ طَالِقٌ) وَ (مُطَلَّقَةٌ) وَ (يَا طَالِقُ)، لاَ (أَنْتِ طَلَاقٌ وَالطَّلَاقُ) فِي الأَصَحِّ. وَتَرْجَمَةُ الطَّلَاقِ بِالْعَجَمِيَّةِ صَرِيحٌ عَلَى الْمَذْهَبِ
كالحرام، وفي صراحة لفظ الخلع ما مر في بابه؛ كما قاله في "المحرر" 1، ولا وجه لحذف المصنف له.
ويستثنى من صراحة لفظ الفراق: ما لو أسلم على أكثر من أربع نسوة، فقال لإحداهن: (فارقتك) فإن الأصح أنه فسخ.
(كـ"طلقتك" و"أنت طالق" و"مطلقة") أي: بتشديد اللام، (و"يا طالق") وكذا: (أنت مفارقة) أو (مسرحة) بناء على المشهور في صراحة الفراق والسراح، ومحل صراحة (يا طالق): في غير من اسمها ذلك؛ كما ذكره المصنف بعد 2.
(لا "أنت طلاق"، و"الطلاق" في الأصح) بل هما كنايتان؛ لأنهما مصدران، والمصادر لم توضع للأعيان، وتستعمل فيها على سبيل التوسع، والثاني: أنهما صريحان؛ كـ (يا طالق).
(وترجمة الطلاق بالعجمية صريح على المذهب) لشهرة استعمالها عندهم في معناها شهرةَ العربية عند أهلها، وقيل: وجهان، ثانيهما: أنه كناية؛ لأن اللفظ الوارد في القرآن هو العربي، قال الرافعي: ولم يورد أكثرهم سوى الأول؛ فلذلك رجح في "أصل الروضة" القطع به، ثم حكى طريقة الوجهين 3.
واقتصاره على الطلاق قد يفهم: أن ترجمة الفراق والسراح بالعجمية كناية، وهو ما نقله الرافعي عن تصحيح الإمام والروياني، وجزم بتصحيحه في "أصل الروضة"؛ لأن ترجمتهما بعيدة عن الاستعمال 4، وقضية ما في "الشرح الصغير": تصحيحه، لكن مقتضى ما في "المحرر": أنها صريح، فإنه قال: وترجمة الطلاق بسائر اللغات صريحة، ثم ذكر الفراق والسراح وقال: وترجمتهما كترجمته 5، قال: الأَذْرَعي:
وَ (أَطْلَقْتُكِ) وَ (أَنْتِ مُطْلَقَةٌ) كِنَايَةٌ. وَلَوِ اشْتَهَرَ لَفْظٌ لِلطَّلَاقِ كَـ (الْحَلَالُ أَوْ حَلَالُ اللهِ عَلَيَّ حَرَامٌ).. فَصَرِيحٌ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ: أَنَّهُ كِنَايَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَكِنَايَتُهُ: كَـ (أَنْتِ خَلِيَّةٌ)، (بَرِيَّةٌ)، (بَتَّةٌ)، (بَتْلَةٌ)، (بَائِنٌ)، (اعْتَدِّي)، (اسْتَبْرِئِي رَحِمَكِ)، (اِلْحَقِي
وهو المذهب، لا ما في "الروضة"، ونقل عن جمع: الجزم به، وبسط ذلك.
(و"أطلقتك" و"أنت مطلقة") بإسكان الطاء فيهما (كناية) لعدم اشتهاره، وقيل: صريح 1.
(ولو اشتهر لفظ للطلاق كـ"الحلالُ أو حلالُ الله علي حرام".. فصريح في الأصح) لغلبة الاستعمال، وحصول التفاهم، ونقله الرافعي عن "التهذيب"، قال: (وعليه ينطبق ما في "فتاوى القفال" و"القاضي الحسين" والمتأخرين).
انتهى 2، وحُكي عن القفال أنه كان يقول إذا استفتي عن هذه المسألة: إذا سمعت غيرك قال لامرأته هذا.. ما كنت تفهم منه؟ فإن فهصت منه الصريح.. فهو صريح لك.
(قلت: الأصح: أنه كناية، والله أعلم) لأنه لم يتكرر في القرآن، ولا على لسان حملة الشريعة، فأشبه سائر الألفاظ، قال في "الروضة": (وقطع به العراقيون والمتقدمون).
انتهى 3، ونقله الأَذْرَعي عن نص "الأم" و"البويطي".
واحترز المصنف بقوله: (اشتهر) عن البلاد التي لم يشتهر فيها هذا اللفظ للطلاق، فإنه كناية في حق أهلها قطعًا.
(وكنايته: كـ"أنت خلية") أي: من الزوج، فعيلة بمعنى: فاعلة ("برية") أي: منه أيضًا ("بتة") أي: مقطوعة الوصلة، مأخوذة من البت، وهو القطع، ("بتلة") أي: متروكة النكاح، ومنه: (نهى عن التبتل) 4، ("بائن") أي: مفارقة، من البين: وهو الفرقة، ("اعتدي"، "استبرئي رحمك"، "الحقي
بِأَهْلِكِ)، (حَبْلُكِ عَلَى غَارِبِكِ)، لَا (أَنْدَهُ سَرْبَكِ)، (اعْزُبِي)، (اغْرُبِي)، (دَعِينِي)، (وَدِّعِينِي)، وَنَحْوِهَا. وَالإِعْتَاقُ كِنَايَةُ طَلَاقٍ وَعَكْسُهُ، وَلَيْسَ الطَّلَاقُ كِنَايَةَ ظِهَارٍ وَعَكْسُهُ
بأهلك") أي: لأني طلقتك ("حبلك على غاربك") أي: خليت سبيلك كما يخلى البعير في الصحراء بإلقاء زمامه على غاربه، وهو ما تقدم من الظهر، وارتفع عن العنق؛ ليرعى كيف شاء.
(لا "أنده سربك") هو بفتح السين، وإسكان الراء، وأنده معناه: أزجر، والسَّرْبُ: الإبل وما يرعى من المال؛ فكأنه قال: (تركتك لا أهتم بشأنك) ("اعزبي") بـ (عين) مهملة، ثم (زاي) معجمة، معناه: اذهبي عني وتباعدي مني ("اغربي") بـ (غين) معجمة، ثم (راء) مهملة؛ أي: (صيري غريبة أجنبية مني) ("دعيني"، "ودعيني") أي: لأني طلقتك، و (الدال) من الثانية مشددة، و (الواو) من أصل الكلمة، ليست عاطفةً، وهو من الوداع، (ونحوها) مما يحتمل الفراق والسراح، ولم يشع استعماله فيه شرعًا ولا عرفًا كـ (تجردي)، و (تزودي)، و (سافري)، قال في "المحرر": ولا تكاد تنحصر 1.
(والإعتاق) بألفاظه الصريحة والكناية (كناية طلاق وعكسه) أي: ألفاظ الطلاق صريحها وكنايتها كناية في العتق؛ لدلالة كل منهما على إزالة ما يملكه.
نعم؛ يستثنى: ما إذا قال لعبده أو أمته: (أنا منك حر)، أو (أعتقت نفسي)، ونوى العتق، فإنه لا عتق على الأصحِّ، بخلاف الزوجة، لأن الزوجية تشمل الجانبين، بخلاف الرق؛ فإنه يختص بالمملوك، وما لو قال لعبده: (اعْتَدَّ) أو (استبرئ رحمك)، ونوى العتق.. لم يعتق؛ لاستحالته في حقه، فإن قاله لأمته.. فكناية في الأصحِّ؛ كالزوجة.
(وليس الطلاق كنايةَ ظهار وعكسه) أي: وليس الظهار كناية طلاق وإن اشتركا في إفادة التحريم؛ لأن ما كان صريحًا في بابه ووجد نفاذًا في موضوعه.. لا يكون كناية في غيره، قال في "الوسيط": (ولا يمكن تنفيذهما جميعًا؛ لأن اللفظ لم يوضع
وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ) أَوْ (حَرَّمْتُكِ) وَنَوَى طَلاَقًا أَوْ ظِهَارًا.. حَصَلَ، أَوْ نَوَاهُمَا.. تَخَيَّرَ وَثَبَتَ مَا اخْتَارَهُ -وَقِيلَ: طَلاَقٌ، وَقِيلَ: ظِهَارٌ- أَوْ تَحْرِيمَ عَيْنِهَا.. لَمْ تَحْرُمْ
لهما وَضْعَ العموم، فصرف إلى ما هو صريح فيه) 1.
(ولو قال: " أنت علي حرام"، أو "حرمتك"، ونوى طلاقًا أو ظهارًا.. حصل) ما نواه؛ لأن التحريم ينشأ عن الطلاق، وعن الظهار بعد العود، فصحت الكناية به عنهما، من باب إطلاق المسبب على السبب.
(أو نواهما.. تخيَّر، وثبت ما اختاره) ولا يثبتان جميعًا؛ لأن الطلاق يزيل النكاح، والظهار يستدعي بقاءه، هذا إذا نواهما دفعة، فإن نواهما مرتبًا.. فعن ابن الحداد إن تقدم الظهار.. صحا جميعا، أو الطلاق البائن.. فلا معنى للظهار بعده، أو الرجعيَّ.. فالظهار موقوف، فإن راجعها.. فهو صحيح، والرجعة عود، وإلا.. فهو لغو، وقال الشيخ أبو علي: هذا التفصيل فاسد عندي؛ لأن اللفظ الواحد إذا لم يجز أن يراد به التصرفان.. فلا يفترق الحال بين أن يريدهما معًا أو متعاقبين، وأيضًا فإنه إذا نواهما على التعاقب.. كانت كل واحدة من النيتين مقارنة لبعض اللفظ، لا لجميعه، وفي ذلك خلاف سيأتي، كذا في "الروضة" و"أصلها" 2، وأطلق في "المحرر" و"الشرح الصغير" كـ "الكتاب" 3، وهو يقتضي: ترجيح مقالة الشيخ أبي علي.
(وقيل: طلاقٌ) لأنه أقوى، من حيث أنه يزيل الملك، (وقيل: ظهارٌ) لأن الأصل: بقاء النكاح.
(أو تحريمَ عينها) أو فرجها أو وطئها (.. لم تحرم) لما روى النسائي: أن رجلًا سأل ابن عباس فقال: إني جعلت امرأتي علي حرامًا، فقال: كذبت، ليست عليك
وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَكَذَا إِنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ فِي الأَظْهَرِ، وَالثَّانِي: لَغْو. وَإِنْ قَالَهُ لِأمَتِهِ وَنَوَى عِتْقًا.. ثَبَتَ، أَوْ تَحْرِيمَ عَيْنِهَا أَوْ لاَ نِيَّةَ.. فَكَالزَّوْجَةِ................
بحرام، ثم تلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية 1.
(وعليه كفارة يمين) لأنه لو خاطب أمته بذلك.. لزمته، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ على الأشهر عند أهل التفسير، كما قاله البيهقي في "المعرفة" 2.
وقوله: (كفارة يمين) أي: مثل كفارة اليمين، وليست يمينًا، لأن اليمين لا تنعقد إلا باسم الله أو صفته.
(وكذا إن لم تكن نية في الأظهر) لأن لفظ التحريم صريح في وجوب الكفارة، فلا معنى للنية، (والثاني: لغو) أي: لا شيء عليه فيه، وتكون هذه اللفظة كناية في الكفارة، وإلا.. لم تصر كناية في الطلاق والظهار، وهذا التفصيل في المسألة مستمر فيمن قال: (أنت علي حرام) في البلاد التي لم يشتهر فيها هذا اللفظ في الطلاق، وكذا حيث اشتهر إذا قلنا: إن الاشتهار لا يلحقه بالصرائح، أما إذا قلنا: إنه يلحقه بالصرائح.. قال الشيخان: فمقتضى ما في "التهذيب": أنه يتعين الطلاق، وقال الإمام: لا يمنع ذلك صرف النية إلى التحريم الموجب للكفارة، كما أنَّا وإن جعلناه صريحًا في الكفارة عند الإطلاق يجوز صرفه بالنية إلى الطلاق 3.
ومحل الخلاف: إذا قال: (أنت علي حرام) كما فرضه المصنف، فلو قال: (أنت حرام) ولم يقل: (علي).. فإنه كناية قطعًا، كما قاله البغوي 4.
(وإن قاله لأمته، ونوى عتقًا.. ثبت) قطعًا، لأنه كناية فيه، ولا مجال للطلاق والظهار فيها، (أو تحريم عينها أو لا نية.. فكالزَّوجة) أي: فلا تحرم وعليه كفارة يمين في الأولى، وكذا في الثانية على الأظهر.
وَلَوْ قَالَ: (هَذَا الثَّوْبُ أَوِ الطعَامُ أَوِ الْعَبْدُ حَرَامٌ عَلَيَّ).. فَلَغْو. وَشَرْطُ نِيَّةِ الْكِنَايَةِ: اقْتِرَانُهَا بِكُلِّ اللَّفْظِ - وَقِيلَ: يَكْفِي بِأَوَّلهِ - وَإِشَارَةُ نَاطِقٍ بِطَلَاقٍ لَغْو، وَقِيلَ: كِنَايَةٌ. وَيُعْتَدُّ بِإِشَارَةِ أَخْرَسَ فِي الْعُقُودِ وَالْحُلُولِ، فَإِنْ فَهِمَ طَلَاقَهُ بِهَا كُلُّ أَحَدٍ.. فَصَرِيحَة، وَإِنِ اخْتَصَّ بِفهْمِهِ فَطِنُونَ.. فَكِنَايَةٌ..
(ولو قال: "هذا الثوب أو الطعام أو العبد حرام علي".. فلغو) لا تتعلق به كفارة ولا غيرها، لعدم قدرته على تحريم شيء من ذلك على نفسه، بخلاف الزوجة والأمة، فإنه يقدر على تحريمهما بالطلاق والعتق.
(وشرط نية الكناية: اقترانها بكل اللفظ) فلو قارنت أوله، وعزبت قبل تمامه.. لم يقع؛ لأن ما قارنته النية غير مستقل بالإفادة، (وقيل: يكفي بأوله) لأنه حينئذ يعرف قصده من اللفظ، ويلتحق بالصرائح.
وترجيح الأول تبع فيه "المحرر" 1، والأصحُّ في "أصل الروضة" و"الشرح الصغير"، واقتضاه إيراد "الكبير": تصحيح الثاني 2، وقال في "المهمات": إن الفتوى عليه 3.
(وإشارة ناطق بطلاق لغو) وإن أفهم بها كل أحد؛ لأن عدوله إليها مع القدرة يوهم أنه غير قاصد للطلاق، (وقيل: كناية) لحصول الإفهام بها كالكتابة، ورد: بأن استعمال الإشارة من الناطق في التفهيم نادر، بخلاف الكتابة.
(ويعتد بإشارة أخرس في العقود، والحلول) والأقارير، والدعاوي وإن أمكنه الكتابة، للضرورة.
(فإن فهم طلاقه بها كل أحد.. فصريحة) كما إذا قيل له: (كم طلقت امرأتك؟ ) فأشار بأصابعه الثلاث.
(وإن اختص بفهمه فطنون.. فكناية) كما في لفظ الناطق، وهذا ما حكياه عن الإمام وآخرين، ومن الأصحاب من أدار الحكم على إشارته المفهمة، ويوقع الطلاق
وَلَوْ كَتَبَ نَاطِقٌ طَلَاقًا، وَلَمْ يَنْوِهِ.. فَلَغْوٌ، وَإِنْ نَوَاهُ.. فَالأَظْهَرُ: وُقُوعُهُ، فَإِنْ كَتَبَ: (إِذَا بَلَغَكِ كِتَابِي فَأَنْتِ طَالِقٌ).. فَإِنَّمَا تَطْلُقُ بِبُلُوغِهِ، وَإِنْ كَتَبَ: (إِذَا قَرَأْتِ كِتَابِي) وَهِيَ قَارِئَةٌ، فَقَرَأَتْهُ.. طَلَقَتْ، وَإِنْ قُرِئَ عَلَيْهَا.. فَلَا فِي الأَصَحِّ،
بها نوى أو لم ينو، منهم البغوي، ولم يصححا في "الشرحين" و"الروضة" واحدة من المقالتين 1.
(ولو كتب ناطق طلاقًا، ولم ينوه.. فلغو) إذ لا لفظ ولا نية، ويحتمل تجربة القلم والمداد.
(وإن نواه) ولم يتلفظ بما كتبه (.. فالأظهر: وقوعه) لأنها أحد الخطابين، إذ يقال: القلم أحد اللسانين، فجاز أن يقع بها الطلاق، كاللفظ، والثاني: لا؛ لأنه فعلٌ من قادر على القول، فلم يقع به الطلاق، كالإشارة من الناطق.
والخلاف جار في الغَيْبة والحضور على أصح الطرق، فلو قرأ ما كتبه، واقترنت به النية.. طلقت جزمًا.
وقوله: (ناطق) قيد مضر؛ إذ كتابة الأخرس أيضًا كناية على الأصحِّ.
(فإن كتب: "إذا بلغك كتابي فأنت طالق") ونوى الطلاق (.. فإنما تطلق ببلوغه) مراعاة للشرط، فلو انمحى كله قبل وصوله إليها.. لم تطلق في الأصحِّ؛ كما لو ضاع، وكذا لو لم يمح كله، ولكن بقي ما لا يمكن قراءته، أو انمحى موضع الطلاق على الصحيح، ولو ذهبت سوابقه ولواحقه؛ كالبسملة والحمدلة، وبقيت المقاصد.. وقع على الأصح وكذا لو انمحى وبقي ما يمكن قراءته.
(وإن كتب: "إذا قرأت كتابي" وهي قارئة، فقرأته.. طلقت) لوجود المعلق عليه، وقضية تعبيره: اشتراط التلفظ به، وليس كذلك، بل نقل الإمام الاتفاق على أنها لو طالعته، وفهمت ما فيه.. طلقت وإن لم تتلفظ بشيء 2، وظاهر هذا: اشتراط قراءة جميعه، وقال الأَذْرَعي: ويشبه: الاكتفاء بالمقاصد.
(وإن قرئ عليها.. فلا في الأصح) لعدم قراءتها مع الإمكان، والثاني: يقع؛
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَارِئَةً فَقُرِئَ عَلَيْهَا.. طَلُقَتْ.
فَصْلٌ [في تفويض الطلاق إليها]
لهُ تَفْوِيضُ طَلَاقِهَا إِلَيْهَا. وَهُوَ تَمْلِيكٌ فِي الْجَدِيدِ -فَيُشْتَرَطُ لِوُقُوعِهِ: تَطْلِيقُهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَإِنْ قَالَ: (طَلِّقِي بِأَلْفٍ) فَطَلَّقَتْ.. بَانَتْ وَلَزِمَهَا الأَلْفُ- وَفِي قَوْلٍ: تَوْكِيلٌ، فَلَا يُشْتَرَطُ فَوْرٌ فِي الأَصَحّ،
إذ المقصود اطلاعها، وهو المصحح في نظيره من عزل القاضي.
وفرق الأول: بأن المقصود من القاضي: إعلامه بالعزل، وسيأتي الفرق هناك.
(وإن لم تكن قارئة فقرئ علبها.. طلقت) لأن القراءة في حق الأمي محمولة على الاطلاع، بخلاف القارئ، وقيل: لا يقع؛ نظرًا للفظ، قال الرافعي تبعًا للإمام: ومن ذهب إليه.. جعل تعليق الطلاق بقراءة الأمية كالتعليق بالأمور الممتنعة؛ مثل صعود السماء وغيره 1، وفيه نظر؛ لإمكان حصوله بالتعلم.
(فصل: له تفويض طلاقها إليها) بالإجماع 2.
(وهو تمليك في الجديد) لأنه يتعلق بغرضها، كغيره من التمليكات.
(فيشترط لوقوعه: تطليقها على الفور) لأن التمليك يقتضي الجواب على الفور، فلو أخرت بقدر ما ينقطع القبول عن الإيجاب، ثم طلقت.. لم يقع، ويشترط لصحة التفويض: التكليف، فإن كانت صغيرة أو مجنونة.. لم يصح.
(وإن قال: "طلقي بألف" فطلَّقت.. بانت ولزمها الألف) ويكون تمليكًا بعوض؛ كالبيع، (وفي قول: توكيل) كما لو فوض طلاقها لأجنبي.
(فلا يشترط فور في الأصح) كما في توكيل الأجنبي، والثاني: يشترط؛ لما فيه
وَفِي اشْتِرَاطِ قَبُولهَا خِلَافُ الْوَكِيلِ. وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ: لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ تَطْلِيقِهَا. وَلَوْ قَالَ: (إِذَا جَاءَ رَمَضانُ فَطَلِّقِي).. لَغَا عَلَى التَّمْلِيكِ. وَلَوْ قَالَ: (أَبينِي نَفْسَكِ)، فَقَالَتْ: (أَبَنْتُ) وَنَوَيَا.. وَقَعَ، وَإِلَّا.. فَلَا. وَلَوْ قَالَ: (طَلِّقِي) فَقَالَتْ: (أَبَنْتُ) وَنَوَتْ، أَوْ (أَبينِي) وَنَوَى، فَقَالَتْ: (طَلَّقْتُ).. وَقَعَ. وَلَوْ قَالَ: (طَلِّقِي) وَنَوَى ثَلَاثًا فَقَالَتْ: (طَلَّقْتُ) وَنَوَتْهُنَّ.. فَثَلَاث، وَإِلَّا.. فَوَاحِدَ فِي الأَصَحِّ
من شائبة التمليك، (وفي اشتراط قبولها خلاف التوكيل) المتقدم في بابه، حتى يجيء الوجه الفارق بين صيغة الأمر، بأن يقول: (طلقي نفسك)، وصيغة العقد؛ كقوله: (وكلتك في طلاق نفسك).
(وعلى القولين: له الرجوع قبل تطليقها) لأن التمليك والتوكيل يجوز الرجوع فيهما قبل القبول.
(ولو قال: "إذا جاء رمضان فطلقي".. لغا على التمليك) لأنه لا يصح تعليقه؛ كقوله: (ملكتك هذا العبد إذا جاء رأس الشهر)، ويصح على قول التوكيل؛ كما لو وكل أجنبيًّا بتطليقها بعد شهر.
(ولو قال: "أبيني نفسك"، فقالت: "أبنت" ونويا) أي: نوى هو التفويض إليها عند قوله: (أبيني نفسك)، ونوت هي عند (أبنت نفسي) الطلاق (.. وقع) لأن الكناية مع النية كالصريح، (وإلا.. فلا) أي: وإن لم ينويا، أو لم ينو أحدهما.. فلا يقع الطلاق؛ لأنه إن لم ينو هو.. فلا تفويض، وإن لم تنو هي.. فلا تطليق؛ إذ الطلاق لا يقع بهذا اللفظ وحده.
(ولو قال: "طلقي") نفسك (فقالت: "أبنت" ونوت، أو "أبيني") نفسك (ونوى، فقالت: "طلَّقت".. وقع) لأنها أُمرت بالطلاق، وقد فعلته في الحالين؛ كما لو قال: (بع) فباع بلفظ التمليك.
(ولو قال: "طلقي" ونوى ثلاثًا فقالت: "طلَّقت" ونوتهن.. فثلاث) لأن اللفظ يحتمل العدد، وقد نوياه، (وإلا) أي: وإن لم تنو هي العدد (.. فواحدة في الأصح) لأن صريح الطلاق كناية في العَدد؛ كما أن البينونة مثلًا كناية في أصل
وَلَوْ قَالَ: (ثَلَاثًا) فَوَحَّدَتْ أَوْ عَكْسُهُ.. فَوَاحِدَةٌ.
فَصْلٌ [في بعض شروط الصيغة والمطلق]
مَرَّ بِلِسَانِ نَائِمٍ طَلَاقٌ.. لَغَا. وَلَوْ سَبَقَ لِسَانٌ بِطَلَاقٍ بِلَا قَصْدٍ.. لَغَا، وَلَا يُصَدَّقُ ظَاهِرًا إِلَّا بِقَرِينَةٍ
الطلاق، ولو قال: (أبيني نفسك) ونوى، فقالت: (أبنت)، ولم تنو.. لا يقع الطلاق، فكذلك العدد، والثاني: تقع الثلاث، وتغني نيته في العدد عن نيتها، وكأنه فوض إليها أصل الطلاق، ونوى بنفسه العدد، وقد يرد على تعبيره: ما إذا نوت ثنتين.. فإنهما يقعان.
(ولو قال: ) طلقي نفسك ("ثلاثًا" فوحَّدت) أي: قالت: (طلقت نفسي واحدة) (أو عكسه) أي: وَحَّدَ، فثلثت (.. فواحدة) أما في الأولى.. فلأن ما أوقعته داخل في المفوض إليها، وأما في الثانية.. فلأن المفوض إليها واحدة، والزائد غير مأذون فيه، فيقع ما تملكه؛ كما إذا لم يبق للزوج إلا طلقة، فقال: (أنت طالق ثلاثًا).
(فصل: مرّ بلسان نائم طلاق.. لغا) لحديث: "رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ -منها- النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ 1.
ولو استيقظ وقال: (أجزت ذلك الطلاق)، أو (أوقعته).. فهو لغو، وفي معنى النائم: كل من زال عقله بسبب لم يعص به.
(ولو سبق لسان بطلاق بلا قصد.. لغا) قياسًا على لغو اليمين (ولا يُصدَّق ظاهرًا) لتعلق حق الغير به، (إلا بقرينة) كما سيأتي فيمن اسمها طارق أو طالب، فقال: (يا طالق) وزعم أنه التفَّ الحرف بلا قصد، فيقبل في الظاهر؛ لظهور القرينة.
وَلَوْ كَانَ اسْمُهَا طَالِقًا فَقَالَ: (يَا طَالِقُ) وَقَصَدَ النِّدَاءَ.. لَمْ تَطْلُقْ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ كَانَ اسْمُهَا طَارِقًا أَوْ طَالِبًا فَقَالَ: (يَا طَالِقُ)، وَقَالَ: (أَرَدْتُ النِّدَاءَ فَالْتَفتَّ الْحَرْفُ).. صُدِّقَ. وَلَوْ خَاطَبَهَا بِطَلَاقٍ هَازِلًا أَوْ لَاعِبًا، أَوْ هُوَ يَظُنُّهَا أَجْنَبيَّةً؛ بِأَنْ كَانَتْ فِي ظُلْمَةٍ، أَوْ نَكَحَهَا لَهُ وَلِيُّهُ أَوْ وَكِيلُهُ وَلَم يَعْلَمْ.. وَقَعَ. وَلَوْ لَفَظَ أَعْجَمِيٌّ بِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَمْ يَعْرِفْ مَعْنَاهُ.. لَمْ يَقَعْ، وَقِيلَ: إِنْ نوَى مَعْنَاهُ.. وَقَعَ. وَلَا يَقَعُ طَلَاقُ مُكْرَهٍ،
(ولو كان اسمها طالقًا فقال: "يا طالق"، وقصد النداء) أي: نداءها باسمها (.. لم تطلق) للقريط، (وكذا إن أطلق) ولم يقصد شيئًا (في الأصح) حملًا على النداء، والثاني: تطلق لصراحة اللفظ، ولم يقصد النداء.
(وإن كان اسمها طارقًا أو طالبًا فقال "يا طالق"، وقال: "أردت النداء فالتفَّ الحرف".. صدق) ظاهرًا؛ لظهور القرينة.
(ولو خاطبها بطلاق هازلًا أو لاعبًا، أو هو يظنها أجنبية؛ بأن كانت في ظلمة، أو نكحها له وليه أو وكيله ولم يعلم.. وقع) أما في الهزل -وهو قصد اللفظ دون المعنى-.. فلحديث: "ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَّلَاقُ وَالنكاحُ وَالرَّجْعَةُ" حسَّنه الترمذي، وصححه الحاكم 1، ولأنه قصد اللفظ مختارًا، ولكنه لم يرض بحكمه، وذلك لا ينفعه؛ كما لو قال: (أنت طالق طلاقًا لا يقع عليك)، وأما في الثانية.. فلوجود الخطاب في محله.
(ولو لفظ أعجمي به) أي: بالورق (بالعربية ولم يعرف معناه.. لم يقع) كما لو لُقِّنَ كلمة الكفر وهو لا يعرف معناها، فتكلم بها.. لا نحكم بكفره، قال المتولي: هذا إذا لم يكن مخالطًا لأهل ذلك اللسان، فإن خالطهم.. لم يقبل ظاهرًا، ويدين.
(وقيل: إن نوى معناه) عند أهله (.. وقع) لأنه قصد لفظ الطلاق لمعناه، والأصحُّ: المنع؛ لأنه إذا لم يعرف معناه.. لا يصح قصده.
(ولا يقع طلاق مكره) بغير حق؛ لحديث: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ
فَإِنْ ظَهَرَ قَرِينَةُ اخْتِيَارٍ؛ بِأَنْ أُكْرِهَ عَلَى ثَلَاثٍ فَوَحَّدَ، أَوْ صَرِيحٍ أَوْ تَعْلِيقٍ فَكَنَى أَوْ نَجَّزَ، أَوْ عَلَى (طَلَّقْتُ) فَسَرَّحَ، أَوْ بِالْعُكُوسِ.. وَقَعَ. وَشَرْطُ الإِكْرَاهِ: قُدْرَةُ الْمُكْرِهِ عَلَى تَحْقِيقِ مَا هَدَّدَ بِهِ بِوِلَايَةٍ أَوْ تغلُّبٍ، وَعَجْزُ الْمُكْرَهِ عَنْ دَفْعِهِ بِهَرَبٍ وَغَيْرِهِ، وَظَنُّهُ أَنَّهُ إِنِ
ومَا اسْتكرِهُوا عَلَيْهِ" 1.
وحديث: "لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ" رواه أبو داوود، وصححه الحاكم على شرط مسلم 2.
وفسر الشافعي وأبو عبيد والخطابي وغيرهم الإغلاق: بالإكراه، ومنعوا أن يكون المراد: الغضب 3، فإن أكثر الطلاق إنما يقع في حال الغضب، وممن أفتى بعدم وقوع طلاق المكره عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، قال البيهقي: (ولا مخالف لهم من الصحابة) 4.
واستثني من عدم وقوع طلاق المكره: ما إذا نوى الإيقاع، فإنه يقع على الأصحِّ، وفيه نظر، فإن هذا ليس مكرهًا.
نعم؛ يستثنى: ما لو أكرهه على طلاق زوجة نفسه، فإنه يقع على الأصحِّ؛ لأنه إذن وزيادة.
(فإن ظهر قرينة اختيار؛ بأن أكره على ثلاث فوحد، أو صريح أو تعليق فكنى أو نجز، أو على "طلقت" فسرح أو بالعكوس) أي: أكره على واحدة فثلَّث، أو على كناية فصرَّح، أو على التنجيز فعلَّق، أو على أن يقول: (سرحتها)، فقال: (طلقتها) (.. وقع) لأن مخالفته تشعر باختياره فيما أتى به.
(وشرط) حصول (الإكراه: قدرة المكره) بكسر الراء (على تحقيق ما هدد به بولاية أو تغلب، وعجز المكره) بفتح الراء (عن دفعه بهرب وغيره، وظنه أنه إن
امْتَنَعَ.. حَقَّقَهُ. وَيَحْصلُ بِتَخْوِيفٍ بِضَرْبٍ شَدِيدٍ أَوْ حَبْسٍ أَوْ إِتْلَافِ مَالٍ وَنَحْوِهَا، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ قَتْلٌ، وَقِيلَ: قَتْلٌ أَوْ قَطْع أَوْ ضرْبٌ مَخُوفٌ
امتنع.. حقَّقه) أي: فعل ما خوفه به؛ لأنه لا يتحقق العجز إلا بهذه الأمور الثلاثة.
وتعبيره بالظن يقتضي: أنه لا يشترط تحققه، وهو الأصحُّ.
وكان ينبغي أن يقول: قدرة المكره عاجلًا؛ ليخرج ما لو قال: (لأقتلنك غدًا)، فليس بإكراه، وألا يكون المهدد به مستحقًّا على المكره، فلو قال ولي القصاص للجاني: (طلقها، وإلا.. اقتصصت منك).. لم يكن إكراهًا، ولا أثر لقوله: (طلق، وإلا.. قتلت نفسي).
نعم؛ لو كان القائل ذلك أصلًا أو فرعًا للمطلق، فينبغي ألا يقع؛ كما لو قال أجنبي: (طلق، وإلا.. قتلت أباك أو ابنك).. فإنه لا يقع.
(ويحصل) الإكراه (بتخويف بضرب شديد أو حبس أو إتلاف مال ونحوها) كاستخفاف برجل وجيه وصفعه.
وأطلق الحبس، وهو مقيد بالطويل؛ كما نقله في "الشامل" عن النص، وكذا قيده في "الروضة" على الوجه الذي صححه 1، وما صححه من كون إتلاف المال إكراهًا خالفه في "الروضة"، فصحح: أنه ليس بإكراه 2، قال الأَذْرَعي وغيره: والصواب: ما في "الكتاب" فإنه المنصوص.
نعم؛ يختلف باختلاف الناس، فلا يكون تخويف الموسر بأخذ خمسة دراهم إكراهًا.
(وقيل: يشترط قتل) لأن ما دونه يدوم معه النظر والاختيار، (وقيل: قتل أو قطع أو ضرب مخوف) لإفضائهما إلى القتل، وما رجحه تبع فيه "المحرر" فإنه نسبه لاختيار الأكثرين 3، ورجَّح في "زيادة الروضة" ما يؤثر العاقل ارتكابه؛ حذرًا مما هدد به 4، قال: الزركشي: وهو في الحقيقة راجع لما صححه هنا وإن كان كلام
وَلَا تشتَرَطُ التَّوْرِيَةُ؛ بِأَنْ يَنْوِيَ غَيْرَهَا، وَقِيلَ: إِنْ تَرَكَهَا بِلَا عُذْرٍ.. وَقَعَ. وَمَنْ أَثِمَ بمُزِيلِ عَقْلِهِ مِنْ شَرَابٍ أَوْ دَوَاءٍ.. نَفَذَ طَلَاقُهُ وَتَصَرُّفُهُ لَهُ وَعَلَيْهِ قَوْلًا وَفِعْلًا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَفِي قَوْلٍ: لَا، وَقِيلَ: عَلَيْهِ. وَلَوْ قَالَ: (رُبُعُكِ أَوْ بَعْضُكِ أَوْ جُزْؤُكِ أَوْ كَبِدُكِ أَوْ شَعْرُكِ أَوْ ظُفْرُكِ طَالِقٌ).. وَقَعَ،
"الروضة" يفهم تغايرهما.
(ولا تشترط التورية؛ بأن ينوي غيرها) أي: بأن ينوي بقوله: (طلقت فاطمة) غير زوجته، أو يقول عقب اللفظ: (إن شاء الله) سرًّا؛ لأنه مجبر على اللفظ، ولا نية له تشعر باختياره، (وقيل: إن تركها بلا عذر.. وقع) لإشعاره بالاختيار، ولهذا يلزمه التورية إذا أكره على كلمة الكفر.
ونبه بقوله: (بلا عذر) إلى أنه لو تركها لعذر؛ كغباوة، أو دهشة.. فلا يقع قطعًا، كما قاله في "المحرر" 1.
(ومن أثم بمزيل عقله من شراب أو دواء.. نفذ طلاقه وتصرفه له وعليه قولًا وفعلًا على المذهب) لتعديه.
واحترز بقوله: (أثم) عما إذا لم يتعدَّ؛ كما لو أكره على شربها، أو شربَ دواءً يزيل العقل؛ لأجل التداوي، فإنه لا يقع طلاقه، ولا يصح تصرفه.
(وفي قول: لا) لاختلال نظره؛ كالمجنون، (وفيل: عليه) أي: ينفذ فيما عليه؛ كالطلاق، لا فيما له؛ كالنكاح؛ تغليظًا عليه.
ويرجع في حد السكر إلى العرف على الأقرب في "الشرح" و"الروضة" 2، وعن الشافعي رضي الله عنه أنه الذي اختل كلامه المنظوم، وانكشف سره المكتوم.
(ولو قال: "ربعك أو بعضك، أو جزؤك، أو كبدك، أو شعرك، أو ظفرك طالق".. وقع) بالإجماع، فيما عدا الشعر والظفر، وفي الشعر والظفر قول، وبالقياس على العتق، قال بعضهم: وفي القياس نظر؛ لأن العتق محبوب والطلاق مبغوض، ولأن العتق يقبل التجزئة، فصحت إضافته للبعض، بخلاف الطلاق.
وَكَذَا دَمُكِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَا فَضْلَةٌ كَرِيقٍ وَعَرَقٍ، وَكَذَا مَنِيٌّ وَلَبَنٌ فِي الأَصحِّ. وَلَو قَالَ لِمَقْطُوعَةِ يَمِينٍ: (يَمِينُكِ طَالِقٌ).. لَمْ يَقَعْ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَوْ قَالَ: (أَنَا مِنْكِ طَالِقٌ) وَنَوَى تَطْلِيقَهَا.. طَلُقَتْ، وَإِنْ لَمْ يَنوِ طَلَاقًا.. فَلَا،
وإذا وقع فهل يقال: يقع على المذكور ثم يسري إلى الباقي، أو هو من باب التعبير بالبعض عن الكل؟ وجهان، قال الرافعي: يشبه أن يكون الأصحّ: الأول.
وتظهر فائدة الخلاف فيما لو قال: (إن دخلت الدار.. فيمينك طالق) فقطعت يمينها، ثم دخلت؛ إن قلنا: بالثاني.. طلقت، وإلا.. فلا 1.
(وكذا "دمك" على المذهب) لأن به قوام البدن؛ كالروح، والطريق الثاني: وجهان: أحدهما: كذلك، والثاني: المنع؛ كالفضلات.
(لا فضلة كريق وعرق) لأنها غير متصلة اتصال خلقة، فلا يلحقها حل ولا تحريم، وإنما البدن وعاء لها، والطلاق شرع لقطع الحل الثابت بالعقد، وقيل: يقع؛ كالدم.
(وكذا مني ولبن في الأصح) لأنهما مهيئان للخروج؛ كالفضلات، بخلاف الدم، والثاني: الوقوع؛ كالدم؛ لأنه أصل كل واحد منهما.
(ولو قال: لمقطوعة يمين: "يمينك طالق".. لم يقع على المذهب) لأنا وإن جعلنا البعض عبارة عن الكل.. فلا بد من وجود المضاف إليه لتنتظم الإضافة، فإذا لم تكن.. لغت؛ كما لو قال لها: (لحيتكِ) أو (ذكركِ طالق)، والطريق الثاني: تخريجه على الخلاف؛ فإن جعلناه من باب التعبير بالبعض عن الكل.. وقع، أو من باب السراية.. فلا.
(ولو قال: "أنا منك طالق" ونوى تطليقها.. طلقت) لأن على الزوج حجرًا من جهتها؛ فإنه لا ينكح أختها ولا أربعًا سواها، وأنه يلزمه صونها ومؤنتها، فإضافته إليه حل لهذا الحجر.
(وإن لم ينو طلاقًا.. فلا) لأن اللفظ خرج عن الصراحة بإضافته إلى غير محله، فشرط فيه: ما يشترط في الكناية من قصد الإيقاع.
وَكَذَا إِنْ لَمْ يَنْوِ إِضَافَتَهُ إِلَيْهَا فِي الأَصَحِّ.
وَلَوْ قَالَ: (أَنَا مِنْكِ بَائِنٌ).. اشْتُرِطَ نِيَّةُ الطَّلَاقِ، وَفِي الإِضَافَةِ الْوَجْهَانِ.
وَلَوْ قَالَ: (اسْتبرِئي رَحِمِي مِنْكِ).. فَلَغْوٌ، وَقِيلَ: إِنْ نَوَى طَلَاقَهَا.. وَقَعَ.
فَصْلٌ [في بيان محل الطلاق والولاية عليه]
خِطَابُ الأَجْنَبِيَّةِ بِطَلَاقٍ، وَتَعْلِيقُهُ بِنِكَاح وَغَيْرِهِ لَغْوٌ
(وكذا إن لم ينو إضافته إليها في الأصح) لأن محل الطلاق: المرأة لا الرجل، واللفظ مضاف إليه، فلا بد من نية صارفة، تجعل الإضافة إليه إضافة إليها، والثاني: يكفي نية الطلاق، وإن لم يضفه، فإن الطلاق يقتضي رفع العقد، وإذا ارتفع العقد.. فلا حاجة للتنصيص على المحل نطقًا، أو نية.
(ولو قال: "أنا منك بائن") ونحوها من الكنايات (.. اشترط نية الطلاق) كسائر الكنايات، (وفي) نية (الإضافة) إليها (الوجهان) في (أنا منك طالق)، وقد تقدم، ولا حاجة إلى ذكره هذه المسألة بعد ذكر التي قبلها؛ لأنه إذا شرطت النية في (أنا منك طالق) وهي من الصرائح.. اشترطت في (أنا منك بائن) بطريق أولى.
(ولو قال: "استبرئي رحمي منك".. فلغو) لأن اللفظ غير منتظم في نفسه، والكناية شرطها: أن تحتمل معنيين فصاعدًا، وهي في بعض المعاني أظهر، (وقيل: إن نوى طلاقها.. وقع) ويكون المعنى: (استبرئي الرحم التي كانت لي).
(فصل: خطاب الأجنبية بطلاق، وتعليقه بنكاح) كقوله: (إن تزوجتها فهي طالق) (وغيره) كقوله لأجنبية: (إذا دخلت الدار.. فأنت طالق)، ثم نكحها، ثم دخلت (.. لغو) أما المنجز.. فبالإجماع، وأما المعلق.. فلقوله صلى الله عليه وسلم: "لَا طَلَاقَ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحٍ" قال الترمذي: حديث حسن صحيح 1. وحمل المخالف له على الطلاق المنجز، وتصحيح التعليق يرده ما رواه الدارقطني
وَالأَصَحُّ: صِحَّةُ تَعْلِيقِ الْعَبْدِ ثَالِثَةً؛ كَقَوْلهِ: (إِنْ عَتَقْتُ أَوْ إِنْ دَخَلْتِ.. فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا)، فَيَقَعْنَ إِذَا عَتَقَ أَوْ دَخَلَتْ بَعْدَ عِتْقِهِ. وَيَلْحَقُ رَجْعِيَّةً لَا مُخْتَلَعَةً. وَلَوْ عَلَّقَهُ بِدُخُولٍ فَبَانَتْ ثُمَّ نَكَحَهَا ثُمَّ دَخَلَتْ.. لَمْ يَقَعْ إِنْ دَخَلَتْ فِي الْبَيْنُونَةِ،
عن زيد بن علي بن الحسين يسنده عن آبائه رضي الله عنهم: أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ إن أمي عرضت علي قرابة لها، فقلت: هي طالق إن تزوجتها، فقال صلى الله عليه وسلم: "هَل كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ مِلْكٌ؟ " قلت: لا، قال: "لَا بَأْسَ" 1، فإنّ هذا صريح في بطلان التعليق، فيكون الحديث الأول على عمومه.
ونَاظَرَ الكسائي أبا يوسف في هذه المسألة، وتعلق بقولهم: السيل لا يسبق المطر، وتعليق العتق بالملك كتعليق الطلاق بالنكاح بلا فرق.
(والأصح: صحة تعليق العبد ثالثة؛ كقوله: "إن عتقت، أو إن دخلت.. فأنت طالق ثلاثًا" فيقعن إذا عتق أو دخلت بعد عتقه) لأن ملك النكاح مفيد لملك الطلقات الثلاث بشرط الحرية، وقد وُجد، والثاني: لا يصح؛ لأنه لا يملك تنجيزها، فلا يملك تعليقها؛ كالطلاق قبل النكاح، قال الرافعي: ويجري الوجهان في قوله لأمته الحائل: (إذا ولدت.. فولدك حر) 2، فلو كانت حاملًا عند التعليق.. عتق قطعًا.
(ويلحق) الطلاق (رجعيةً) لأنها في حكم الزوجات، قال الشافعي: الرجعية زوجة في خمس آيات في كتاب الله 3، يريد بذلك لحوق الطلاق، وصحة الظهار، واللعان، والإيلاء، والميراث، (لا مختلعة) لقطع الزوجية؛ إذ لو كانت زوجة.. لثبت له الرجعة، وصَحَّ إيلاؤه منها ونحوه.
(ولو علقه بدخول) بصيغة (إن) ونحوها مما لا يقتضي التكرار (فبانت ثم نكحها ثم دخلت.. لم يقع إن دخلت في البينونة) حتى إذا علق الطلاق الثلاث بالدخول.. فبانت، ودخلت في البينونة، ثم دخلت بعد النكاح.. لم يقع؛ لأن اليمين تناولت
وَكَذَا إِنْ لَمْ تَدْخُلْ فِي الأَظْهَرِ، وَفِي ثَالِثٍ: يَقَعُ إِنْ بَانَتْ بدُونِ ثَلَاثٍ. وَلَوْ طَلَّقَ دُونَ ثَلَاثٍ وَرَاجَعَ أَوْ جَدَّدَ وَلَوْ بَعْدَ زَوْجٍ.. عَادَتْ بِبَقِيَّةِ الثَّلَاَثِ، وَإِنْ ثلَثَ.. عَادَتْ بِثَلَاثٍ. وَلِلْعَبْدِ طَلْقَتَانِ فَقَطْ، وَلِلْحُرِّ ثَلَاثٌ
دخولًا واحدًا، وقد وجد في حالة لا تقع فيها، فانحلت.
(وكذا إن لم تدخل في الأظهر) لامتناع أن يريد النكاح الثاني؛ لأنه يكون تعليق طلاق قبل نكاح، فتعين أن يريدَ الأول، والأول قد ارتفع، والثاني: يقع؛ لقيام النكاح في حالتي التعليق والصفة، وتخلل البينونة لا يؤثر؛ لأنه ليس وقت الإيقاع ولا وقت الوقوع.
(وفي ثالث: يقع إن بانت بدون ثلاث) لأن العائد في النكاح الثاني ما بقي من الطلقات من الأول، فتعود بصفتها وهي التعليق بالفعل المعلق عليه، بخلاف ما لو بانت بالثلاث؛ لأنه استوفى ما علق من الطلاق، والعائد طلقات جديدة.
(ولو طلق دون ثلاث وراجع أو جدد ولو بعد زوج) وإصابةٍ (.. عادت ببقية الثلاث) أما إذا لم يكن زوج.. فبالإجماع، وأما بعد الزوج.. فهو قول أكابر الصحابة، كما قاله ابن المنذر، منهم عمر رضي الله عنه 1، ولم يظهر لهم مخالف؛ ولأنها إصابة ليست بشرط في الإباحة، فلم تؤثر؛ كإصابة السيد أمته المطلقة ثلاثًا.
(وإن ثلث.. عادت بثلاث) لأن دخول الثاني أفاد حل النكاح للأول، ولا يمكن بناؤه على العقد الأول، فثبت نكاح مستفتح بأحكامه.
(وللعبد طلقتان فقط) وإن كانت الزوجة حرة؛ لأن الاعتبار في الطلاق بالزوج؛ لأنه المالك له، وعن عمر رضي الله عنه: (العبد يطلق طلقتين، وتعتد الأمة بقرئين) 2، وروى الدارقطني مرفوعًا: "طَلَاقُ الْعَبْدِ اثنتَانِ" 3، والمدبر والمكاتب والمبعض كالقن.
(وللحر ثلاث) وإن كانت زوجته أمته؛ لما ذكرناه من أن اعتبار الطلاق بالرجال؛
وَيَقَعُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، وَيَتَوَارَثَانِ فِي عِدَّةِ رَجْعِيٍّ لَا بَائِنٍ، وَفِي الْقَدِيمِ: تَرِثُهُ.
فَصْلٌ [في تعدد الطلاق بنية العدد فيه أو ذكره وما يتعلق بذلك]
قَالَ: (طَلَّقْتُكِ)، أَوْ (أَنْتِ طَالِقٌ) وَنَوَى عَدَدًا.. وَقَعَ، وَكَذَا الْكِنَايَةُ. وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً) وَنَوَى
ولأنه صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ أين الثالثة؟ فقال: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ رواه أبو داوود، وصححه ابن القطان 1، وعمومها يشمل الأمة.
(ويقع في مرض موته) كما يقع في صحته (ويتوارثان في عدة رجعي) بالإجماع؛ لبقاء أثر الزوجية (لا بائنٍ) لانقطاع الزوجية، وكما لا يرثها لو ماتت قبله بالاتفاق، (وفي القديم: ترثه) لأن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، طلق امرأته الكلبية في مرض موته، فورَّثها عثمان رضي الله عنه، رواه مالك في "الموطأ" 2، قال: ابن داوود والماوردي: فصولحت من ربع الثمن على ثمانين ألف، قيل: دنانير 3، وقيل: دراهم، وهذا القول نص عليه في الجديد أيضًا 4، كما قاله: القاضي أبو الطيب، والمَحاملي، وسليم الرازي، قال في "زيادة الروضة": إنما ترث على القديم إذا كانت وارثة وطلقها بغير رضاها في مرض مخوف، واتصل به الموت، ومات بسببه 5.
(فصل: قال: "طلقتك"، أو "أنت طالق"، ونوى عددًا.. وقع، وكذا الكناية) أي: إذا نوى بها عددًا.. وقع؛ لأن اللفظ يحتمل العدد؛ بدليل جواز تفسيره به، وما احتمله إذا نواه.. وقع؛ كالطلاق بالكناية.
(ولو قال: "أنت طالق واحدة") بالنصب؛ كما ضبطه المصنف بخطه (ونوى
عَددًا.. فَوَاحِدَةٌ، وَقِيلَ: الْمَنْوِيُّ. قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ: (أَنْتِ وَاحِدَةٌ) وَنَوَى عَدَدًا.. فَالْمَنْوِيُّ، وَقِيلَ: وَاحِدَةٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: (أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا) فَمَاتَتْ قَبْلَ تَمَامِ طَالِقٌ.. لَمْ يَقَعْ، أَوْ بَعْدَهُ قَبْلَ ثَلَاثٍ.. فَثَلَاثٌ، وَقِيلَ: وَاحِدَةٌ،
عددًا.. فواحدة) لأن الملفوظ يناقض المنويَّ، واللفظ أقوى، فالعمل به أولى، (وقيل: المنويُّ) ومعنى (أنت واحدة) أنك تتوحدين مني بالعدد الذي أوقعته، وترجيح الأول تبع فيه "المحرر"، ورجح في "أصل الروضة": الثاني، وكلام "الشرح" يشعر به، فإنه نقل الأولَ عن الغزالي وحده، والثاني عن البغوي وغيره 1، وفي وجه ثالث: إن بسط الثلاث على جميع اللفظ.. لم يقع الثلاث، وإن نوى الثلاث بقوله: (أنت طالق).. وقع الثلاث، ولغا ذكر الواحدة بعده، ولو قال: (أردت طلقة ملفقة من أجزاءِ ثلاثِ طلقات).. وقع الثلاث على الصحيح، ولو قال: (أنت واحدة) بالنصب، وحذف لفظة (طالق)، قال الزركشي وغيره: الظاهر: أنه كقوله: (أنت طالق واحدة) انتهى، ويؤيده عدم الفرق بين قوله: (أنت طالق واحدة) بالرفع، وبين قوله: (أنت واحدة) بالرفع، وحذف (طالق)، كما سيأتي.
(قلت: ولو قال: "أنت واحدة") بالرفع (ونوى عددًا.. فالمنوي) حملًا للتوحيد على التوحد والتفرد عن الزوج با لعدد المنوي، (وقيل: واحدة، والله أعلم) لأن لفظ الواحدة نص لا يحتمل ما زاد عليها، فإيقاع الزائد إيقاع بالنية دون اللفظ، ويجري الخلاف فيما لو قال: (أنت طالق واحدة) بالرفع، ولو قال: (واحدة) بالخفض أو السكون.. فعن " المطلب": أنه لا يبعد جريان الخلاف فيه.
(ولو أراد أن يقول: "أنت طالق ثلاثًا"، فماتت قبل تمام "طالق.. لم يقع) لخروجها عن محل الطلاق قبل تمامه، (أو بعده قبل "ثلاث".. فثلاث) لأنه كان قاصدًا للثلاث حين قال: (أنت طالق)، وهذه اللفظة مع قصد الثلاث تقتضي وقوع الثلاث؛ لأن قوله: (ثلاثًا) مبيِّن لقوله: (أنت طالق)، (وقيل: واحدةٌ) ولغى
وَقِيلَ: لَا شَيْءَ
قوله: (ثلاثًا) لوقوعه بعد موتها، (وقيل: لا شيء) إذ الكلام الواحد لا يتبعض، وقد ماتت قبل تمامه.
وتظهر فائدة الخلاف في المدخول بها هل يرثها أم لا؟ فعلى الأول: لا يرثها، وعلى الآخرَين: يرثها، وترجيح الأول تبع فيه "المحرر" فإنه قال: إنه رُجِّحَ، ونقلا تصحيحه في "الروضة" و"أصلها" عن البغوي، ثم قالا: وقال إسماعيل البُوشَنْجي: الذي تقتضيه الفتوى: أنه إن نوى الثلاث بقوله: (أنت طالق)، وقصد تحقيقه باللفظ.. وقع الثلاث، وإلا.. فواحدة، وكذا قال المتولي في تعبيره عن هذا الوجه.
انتهى 1، قال في "التوشيح": ويظهر ترجيح ما قاله البُوشَنْجي، وكأنه تحقيق مناط، وقال الأَذْرَعي: إن كان التصوير كما ذكره البُوشَنْجي.. فلا شك في رجحان ما قاله، لكن الظاهر: أن الذي أراده الأصحاب: أنه قصد أولًا الطلاق بمجموع قوله: (أنت طالق ثلاثًا) فهذا محل الأوجه، وحينئذ يقوي وقوع طلقة؛ لأن الثلاث والحالة هذه إنما تقع بمجموع اللفظ.
وذكر الموت في كلام المصنف مثال، ومثله ما إذا ارتدت، أو أسلمت قبل قوله: (ثلاثا) في غير المدخول بها، وكذا لو أخذ شخص على فمه ومنعه أن يقول: (ثلاثًا).
واحترز بقوله: (ولو أراد أن يقول: "أنت طالق ثلاثًا") عما لو قال: (أنت طالق)، على عزم الاقتصار عليه، فماتت، فقال: (ثلاثًا)، قال: الإمام: لا شك أن الثلاث لا تقع بل تقع واحدة 2، وحاول الرافعي تخريج وجه بعدم وقوع الواحدة أيضًا.
واختلفوا في قوله: (أنت طالق ثلاثًا)، كيف سبيله؟ فقيل: قوله: (ثلاثًا) منصوب بالتفسير والتمييز، قال الإمام: وهذا جهل بالعربية 3، وإنما هو صفة
وَإِنْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ) وَتَخَلَّلَ فَصْلٌ.. فَثَلَاثٌ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ قَصَدَ تَأْكِيدًا.. فَوَاحِدَةٌ، أَوِ اسْتِئْنَافًا.. فَثَلَاثٌ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الأَظْهَرِ، وَإِنْ قَصَدَ بِالثَّانِيَةِ تَأْكِيدًا وَبِالثَّالِثَةِ اسْتِئْنَافًا أَوْ عَكَسَ.. فَثِنْتَانِ، أَوْ بِالثَّالِثَةِ تَأْكِيدَ الأَولَى.. فَثَلَاثٌ فِي الأَصَحِّ
لمصدر محذوف؛ أي: طالق طلاقًا ثلاثًا؛ كقوله: ضربت زيدًا شديدًا؛ أي: ضربًا شديدًا 1.
(وإن قال: "أنت طالق أنت طالق أنت طالق"، وتخلل فصل.. فثلاث) سواء قصد التأكيد أم لا؛ لأنه خلاف الظاهر، ولأن التأكيد لا يكون مع الفصل، وهذا في الظاهر، أما في الباطن.. فيدين.
والمراد بالفصل: أن يسكت ما فوق سكتة التنفس، وهذا في الطلاق المنجَّز، أما المعلق إذا كرره، وقال: (أردت التأكيد).. قُبلَ منه وإن طال الفصل على الصحيح في "الروضة" و"أصلها" في آخر باب الإيلاء 2.
(وإلا) أي: وإن لم يتخلل فصل (فإن قصد تأكيدًا) أي: تأكيد الأولى بالأخريين (.. فواحدة) لأن التأكيد في كلامهم معهود في جميع اللغات، وقد ورد به الشرع، (أو استئنافًا.. فثلاث) لأن اللفظ ظاهر فيه، وتأكد بالنية.
(وكذا إن أطلق في الأظهر) عملًا بظاهر اللفظ؛ لأن حمله على فائدة جديدة أولى منه على التأكيد، والثاني: لا يقع إلا واحدة؛ لأنه يحتمل التأكيد والاستئناف، فلا يقع ما زاد على واحدة بالشك.
(وإن قصد بالثانية تأكيدًا) أي: تأكيد الأولى (وبالثالثة استئنافًا، أو عكس) أي: قصد بالثانية استئنافًا، وبالثالثة تأكيد الثانية (.. فثنتان) عملًا بقصده، (أو بالثالثة تأكيد الأولى.. فثلاث في الأصح) لتخلل الفاصل بين المؤكد والمؤكد، والثاني: طلقتان، ويغتفر الفصل اليسير.
وَإِنْ قَالَ: (أَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ).. صَحَّ قَصْدُ تَأْكِيدِ الثَّانِي بِالثَّالِثِ، لَا الأَوَّلِ بِالْثَّانِي. وَهَذِهِ الصُّوَرُ فِي مَوْطُوءَةٍ، فَلَوْ قَالَهُنَّ لِغَيْرِهَا.. فَطَلْقَةٌ بِكُلِّ حَالٍ، وَلَوْ قَالَ لِهَذِهِ: (إِنْ دَخَلْتِ.. فَأَنْتِ طَالِقٌ وَطَالِقٌ) فَدَخَلَتْ.. فَثِنْتَانِ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ لِمَوْطُوءَةٍ: (أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً مَعَ أَوْ مَعَهَا طَلْقَةٌ).. فَثِنْتَانِ، وَكَذَا غَيْرُ مَوْطُوءَةٍ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (طَلْقَةً قَبْلَ طَلْقَةٍ أَوْ بَعْدَهَا طَلْقَةٌ).. فَثِنْتَانِ فِي مَوْطُوءَةٍ،
(وإن قال: "أنت طالق وطالق وطالق ".. صح قصد تأكيد الثاني بالثالث) لتساويهما في الصيغة، (لا الأول بالثاني) لاختصاص الثاني بـ (واو) العطف، وموجبه التغاير.
(وهذه الصور في موطوءة، فلو قالهن لغيرها.. فطلقة بكل حال) لأنها تبين بالأولى، فلا يقع ما بعدها.
(ولو قال لهذه) أي: لغير المدخول بها ("إن دخلت.. فأنت طالق وطالق" فدخلت.. فثنتان في الأصح) لأنهما معلقان بالدخول، ولا ترتيب بينهما، وإنما يقعان معًا، والثاني: لا يقع إلا واحدة؛ كالمنجز.
وبنى القاضي أبو الطيب والمتولي الوجهين على أن (الواو) للجمع أو للترتيب، وفي وجه ثالث: إن قدم الجزاء فقال: (أنت طالق، وطالق إن دخلت الدار).. وقعت ثنتان، وإن عكس.. فواحدة، ولو عطف ب (ثم) بدل (الواو).. لم يقع بالدخول إلا واحدة؛ لأن (ثم) للتراخي، وسواء قدم الشرط أو أخره؛ كما نقلاه عن المتولي وأقراه 1.
(ولو قال: لموطوءة: "أنت طالق طلقة مع أو معها طلقة ".. فثنتان) لقبول المحل، وظاهره أنهما يقعان معًا، وهو الأصحُّ، وقيل: على الترتيب.
(وكذا غير موطوءة في الأصح) هذا الخلاف مرتب على الخلاف السابق في الموطوءة إن قلنا: يقعان معًا.. فكذا ههنا؛ كقوله: (أنت طالق طلقتين)، وإن قلنا: بالترتيب.. لا يقع إلا واحدة؛ لأنها تبين بالأولى.
(ولو قال: "طلقة قبل طلقة أو بعدها طلقة".. فثنتان في موطوءة) إذ مقتضاه
وَطَلْقَةٌ فِي غَيْرِهَا. وَلَوْ قَالَ: (طَلْقَةً بَعْدَ طَلْقَةٍ أَوْ قَبْلَهَا طَلْقَةٌ).. فَكَذَا فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (طَلْقَةً فِي طَلْقَةٍ) وَأَرَادَ مَعَ.. فَطَلْقَتَانِ، أَوْ الظَّرْفَ أَوِ الْحِسَابَ أَوْ أَطْلَقَ.. فَطَلْقَةٌ، وَلَوْ قَالَ: (نِصْفَ طَلْقَةٍ فِي طَلْقَةٍ).. فَطَلْقَةٌ بِكُلِّ حَالٍ
إيقاع طلقتين إحداهما في الحال، وتعقبها الأخرى، فيقعان كذلك، (وطلقة في غيرها) لأنها تبين بالأولى، فلم تصادف الثانية نكاحًا.
(ولو قال: "طلقة بعد طلقة، أو قبلها طلقة".. فكذا في الأصح) أي: فتقع اثنتان في موطوءة، وواحدة في غيرها، أما الواحدة في غيرها: فواضح، وأما الاثنتان في الموطوءة.. فلأن مضمون اللفظين إيقاع طلقة تسبقها طلقة، فتقع عليه طلقتان متعاقبتان، والثاني: لا تقع إلا واحدة؛ لجواز أن يكون المعنى قبلها طلقة مملوكة أو ثابتة.
وفي كيفية وقوع الاثنتين: وجهان: أصحهما: وقوع المضمنة أولًا ثم المنجزة، إذ المعنى يقتضي ذلك، وثانيهما: عكسه، ويلغو قوله قبلها؛ كما لو قال: (أنت طالق أمس).. يقع.
(ولو قال: "طلقة في طلقة"، وأراد مع.. فطلقتان) لأن لفظة (في) تستعمل بمعنى (مع)، قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ أي: مع أمم، (أو الظرفَ أو الحساب أو أطلق.. فطلقة) إذ مقتضى الظرف، والحساب ذلك، وأما عند الإطلاق.. فلأنه الأقل.
(ولو قال: "نصف طلقة في طلقة".. فطلقة بكل حال) كذا هو في كثير من النسخ، وحكي عن نسخة المصنف، ولا يستقيم ذلك، فإنه يقع عند قصد المعية طلقتان، والذي في "المحرر" و"الروضة"، وبعض نسخ "المنهاج": نصف طلقة في نصف طلقة 1، قال ابن الملقن: وقد خرجت في نسخة المصنف بغير خطه 2.
ووجه وقوع الطلقة في هذه الصورة: فيما إذا قصد الظرف أو الحساب أو أطلق
وَلَوْ قَالَ: (طَلْقَةً فِي طَلْقَتَيْنِ) وَقَصَدَ مَعِيَّةً.. فَثَلَاثٌ، أَوْ ظَرْفًا.. فَوَاحِدَةٌ، أَوْ حِسَابًا وَعَرَفَهُ.. فَثِنْتَانِ، وَإِنْ جَهِلَهُ وَقَصَدَ مَعْنَاهُ.. فَطَلْقَةٌ، وَقِيلَ: ثِنْتَانِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا.. فَطَلْقَةٌ، وَفِي قَوْلٍ: ثِنْتَانِ إِنْ عَرَفَ حِسَابًا. وَلَوْ قَالَ: (بَعْضَ طَلْقَةٍ).. فَطَلْقَةٌ، أَوْ (نِصْفَيْ طَلْقَةٍ).. فَطَلْقَةٌ إِلَّا أَنْ يُرِيدَ كُلَّ نِصْفٍ مِنْ طَلْقَةٍ. وَالأَصَحُّ: أَنَّ قَوْلَهُ: (نصْفَ طَلْقَتَيْنِ) طَلْقَةٌ،
ظاهر، وأما إذا نوى المعية.. فلأنه في معنى نصفي طلقة، ولو قال ذلك.. لم يقع إلا طلقة.
(ولو قال: "طلقة في طلقتين"، وقصد معيةً.. فثلاث) لما سبق في قوله: (طلقة في طلقة)، (أو ظرفًا.. فواحدة) لأن مقتضاه وقوع المظروف دون الظرف؛ كما لو قال: (أنت طالق في الدارين)، (أو حسابًا وعرفه.. فثنتان) لأنه موجبه عند أهل الحساب.
(وإن جهله، وقصد معناه) عند أهل الحساب (.. فطلقة) لأن ما لا يعلم لا يصح إرادته، (وقيل: ثنتان) لأنه موجبه عند أهل الحساب، وقد قصده، والوجهان كالوجهين فيما لو تلفظ العجمي بكلمة الطلاق، وقال: (أردت به ما يريده العربي)، وهو لا يعرف معناه.
(وإن لم ينو شيئًا.. فطلقة) سواء عرف الحساب أو جهله؛ لأنه يحتمل الحساب والظرف، فلا يزاد على المستيقن، وهو طلقة، وما زاد مشكوك فيه، (وفي قول: ثنتان إن عرف حسابًا) لأن عرفه كذلك، وفي ثالث: يقع ثلاث؛ لتلفظه بها.
(ولو قال: "بعض طلقة") أو نصف طلقة (.. فطلقة) لأن الطلاق لا يتبعض، فإيقاع بعضه كإيقاع جميعه؛ لقوته، (أو "نصفي طلقة".. فطلقة) لأن ذلك طلقة (إلا أن يريد كل نصف من طلقة) فيقع ثنتان؛ عملًا بقصده.
(والأصح: أن قوله: "نصف طلقتين" طلقة) لأن ذلك نصفهما، فحمل اللفظ عليه صحيح، فلا نوقع ما زاد من غير يقين، والثاني: طلقتان؛ لأنه أضاف النصف إلى طلقتين، فقضيته: النصف من هذه، والنصف من هذه، فيقع من كل طلقة نصفها، وتكمل.
وَ (ثَلَاثةَ أَنْصَافِ طَلْقَةٍ)، أَوْ (نِصفَ طَلْقَةٍ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ) طَلْقَتَانِ. وَلَوْ قَالَ: (نِصفَ وَثُلُثَ طَلْقَةٍ).. فَطَلْقَةٌ. وَلَوْ قَالَ لِأرْبَعٍ: (أَوْقَعْتُ عَلَيْكُنَّ أَوْ بَيْنَكُنَّ طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا).. وَقَعَ عَلَى كُلٍّ طَلْقَةٌ،
(و"ثلاثة أنصاف طلقة"، أو "نصف طلقة وتلث طلفة" طلقتان) أما في الأولى.. فلأن ثلاثة أنصاف طلقة طلقة ونصف، فيكمل النصف، ووجه مقابله فيها، وهو وقوع طلقة واحدة: أن الأجزاء المذكورة مضافة إلى طلقة، والواحدة لا تشتمل على تلك الأجزاء فتلغو الزيادة، ويصير كأنه قال: (أنت طالق نصفي طلقة أو ثلاثة أثلاث طلقة)، وفيها وجه ثالث: أنه يقع ثلاث طلقات، ويجعل كل نصف من طلقة، وضابط هذا الخلاف: أنا هل ننظر إلى المضاف أو إلى المضاف إليه.
وأما في الثانية.. فلأنه أضاف كل جزء إلى طلقة وعطف، فاقتضى ذلك التغاير، ووجه مقابله فيها، وهو وقوع طلقة: أن الطلقة وإن كررت فهي محتملة للتأكيد، والأجزاء وإن كانت متغايرة فهي مضافة، والمضاف يتبع المضاف إليه، ولو لم يدخل (الواو) فقال: (أنت طالق نصف طلقة ثلث طلقة).. لم يقع إلا طلقة.
وفرقوا: بأنه إذا لم يدخل (الواو).. كان الكل بمنزلة كلمة واحدة، وإذا أدخلها.. فلكل واحدة حكمها؛ فيقع بقوله: (نصف طلقة) طلقة، وبقوله (ثلث طلقة) طلقة، ولهذا لو قال: (أنت طالق طالق).. لم يقع إلّا واحدة، ولو قال: (أنت طالق وطالق).. وقع طلقتان.
(ولو قال: "نصف وثلث طلقة ".. فطلقة) لأن مجموع النصف والثلث لا يزيد على طلقة.
(ولو قال لأربع: "أوقعت عليكن أو بينكن طلقة أو طلقتين أو ثلاثًا أو أربعًا".. وقع على كل طلقة) لأنه إذا وزَّع ذلك عليهن.. أصاب كل واحدة منهن طلقة أو بض طلقة، فتكمل، وفي وجه شاذ، فيما زاد على قوله طلقة: أنه يقسم كل طلقة عليهن.
قال ابن الملقن بعد حكايته لهذا الوجه عن "الذخائر": نعم؛ لو نوى ذلك.. عمل به؛ لأن ظاهر اللفظ يقتضي التشريك 1، وتبعه الأَذْرَعي، وهو عجيب منهما،