بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 120-160

كتابُ قَسْم الفيء والغنيمة

صفحات 120-160

وَالْمُسَمَّى إِنْ حَدَثَ بَعْدَ وَطْءٍ. وَلَوِ انْفَسَخَ بِرِدَّةٍ بَعْدَ وَطْءٍ.. فَالْمُسَمَّى. وَلَا يَرْجِعُ الزَّوْجُ بَعْدَ الْفَسْخِ بِالْمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ فِي الْجَدِيدِ. وَيُشْتَرَطُ فِي الْعُنَّةِ رَفْعٌ إِلَى حَاكِمٍ، وَكَذَا سَائِرُ الْعُيُوبِ فِي الأَصَحِّ. وَتَثبُتُ الْعُنَّةُ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِبيِّنَةٍ عَلَى إِقْرَارِهِ،

(والمسمَّى إن حدث بعد وطء) لأنه قد استقر به قبل وجود سبب الخيار، فلا يغير، والوجه الثاني: يجب المُسمَّى مطلقًا، لوجوبه قبل سبب الخيار، والثالث: يجب مهر المثل مطلقًا؛ كالمقارن.
(ولو انفسخ بردة بعد وطء.. فالمسمّى) لأن الوطء قرر المسمّى قبل وجودها، (ولا يرجع الزوج بعد الفسخ بالمهر على من غرّه) من الزوجة والولي (في الجديد) لاستيفائه منفعة البضع المتقوم عليه بالعقد، كما لو كان المبيع معيبًا فأتلفه ثم فسخ العقد، والقديم: يرجع؛ كما يرجع بقيمة الولد المغرور بحرية أمه.
ومحلُّ الخلاف: في العيب المقارن، أما الحادث.. فلا رجوع به جزمًا؛ لعدم التغرير.
وقوله: (المهر) يشمل المُسمَّى ومهر المثل، وبه قال البغوي، وصححه في "أصل الروضة" 1. وقال المتولي: محلُّ الخلاف: إذا كان المغروم هو مهر المثل، أما إذا كان المُسمَّى.. فلا رجوع جزمًا؛ لأنه سلّم له بدل ما ملكه بالعقد، وهي الوطأة الأولى.
(ويشترط في العُنة رفع إلى حاكم) قطعًا (وكذا سائر العيوب في الأصح) لأنه مجتهد فيه، فأشبه الفسخ بالإعسار، والثاني: لا؛ كفسخ المبيع بالعيب، قال البغوي: وعلى الوجهين: لو أخر إلى أن يأتي الحاكم ويفسخ بحضرته.. جاز 2. (وتثبت العُنة بإقراره) عند الحاكم، كغيرها من الحقوق (أو ببينة على إقراره) ولا يتصور ثبوتها بالبينة؛ لأنه لا مطلع للشهود عليها، ومن هذا يؤخذ أنه لا تسمع دعوى امرأة الصبي والمجنون العنة عليهما؛ لسقوط قولهما.

وَكَذَا بِيَمِينِهَا بَعْدَ نُكُولهِ فِي الأَصَحِّ. وَإِذَا ثَبَتَتْ.. ضَرَبَ الْقَاضِي لَهُ سَنَةً بِطَلَبِهَا، فَإِذَا تَمَّتْ.. رَفَعَتْهُ إِلَيْهِ؛ فَإِنْ قَالَ: (وَطِئْتُ).. حُلِّفَ، فَإِنْ نَكَلَ.. حُلِّفَتْ،

(وكذا بيمينها بعد نكوله) عن اليمين (في الأصح) لأنها تعرف الحال بالقرائن والممارسة، والثاني: لا ترد اليمين عليها؛ لأنها لا اطلاع لها على عجزه؛ فإنه قد يبغضها أو يستحي منها، وعلى هذا قيل: لا يقضي بنكوله، وقيل: يقضي ويضرب المدة بغير يمينها.
(وإذا ثبتث.. ضرب القاضي له سنة) بالإجماع، والمعنى فيه: مضي الفصول الأربعة، فإن كان ثم مانع.. زال فيها، وأول هذه المدة من ضرب القاضي لها، وسواء الحر والعبد، (بطلبها) لأن الحق لها، ويكفي قولها: (أنا طالبة حقي بما يقتضيه الشرع الشريف) وإن جهلت التفصيل، فلو سكتت.. لم يضرب.
نعم؛ إن حمل القاضي سكوتها على دهش أو جهل.. فلا بأس بتنبيهها.
(فإذا تمت) السنة ولم يطأها (.. رفعته إليه) ولم يكن لها أن تفسخ النكاح بلا رفع ثان على الصحيح؛ لأن بناء الأمر على الإقرار والإنكار، فيحتاج إلى نظر الحاكم واجتهاده.
(فإن قال: "وطئت") إما بعد المدة أو فيها وهي ثيب (.. حلِّف) لتعذر إقامة البينة على الوطء، والأصل: سلامة الشخص ودوام النكاح، وإن كانت بكرًا.. فالقول قولها مع يمينها؛ للظاهر.
(فإن نكل.. حُلِّفت) وفيه الخلاف السابق في قوله: (وكذا بيمينها بعد نكوله في الأصح)، كذا في "الروضة" و"أصلها" 1، وفي مجيئه نظر؛ فإنها تحلف هناك على العُنة التي مستندها فيها القرائن وقد يتخلف، وهنا تحلف على ترك الوطء، وهو محسوس، فكيف يجيء الخلاف؟ ! ذكره السبكي وتعجب من الرافعي كيف وقع منه هذا! قال شيخنا: ولعل أصل الخلاف في الموضعين أن اليمين المردودة كالإقرار؛ فتحلف، أو كالبينة؛ فلا تحلف؛ لأن كلًّا من العُنة وعدم الوطء لا يمكن إقامة البينة عليه.

فَإِنْ حَلَفَتْ أَوْ أَقَرَّ.. اسْتَقَلَّتْ بِالْفَسْخِ، وَقِيلَ: تَحْتَاجُ إِلَى إِذْنِ الْقَاضِي أَوْ فَسْخِهِ. وَلَوِ اعْتَزَلَتْهُ أَوْ مَرِضَتْ أَوْ حُبسَتْ فِي الْمُدَّةِ.. لَمْ تُحْسَبْ، وَلَوْ رَضِيَتْ بَعْدَهَا بِهِ.. بَطَلَ حَقُّهَا، وَكَذَا لَوْ أَجَّلَتْهُ عَلَى الصَّحِيحِ.

(فإن حلفت أو أقرّ.. استقلت بالفسخ) كما يستقل بالفسخ من وجد بالمبيع تغيرًا وأنكر البائع كونه عيبًا، وأقام المشتري على ذلك بينة عند القاضي، ولا بدَّ بعد حلفها أو إقراره أن يقول القاضي: (ثبتت عندي العنة)، أو (ثبت حق الفسخ، فاختاري) على الأصحِّ في "أصل الروضة" 1، فليقيد إطلاق الكتاب.
(وقيل: تحتاج إلى إذن القاضي أو فسخه) لأنه محل نظر واجتهاد.
(ولو اعتزلته أو مرضت أو حبست في المدة.. لم تحسب) لأن أثر المهلة إنما يظهر إذا كان الزوج مخلّىً مع زوجته، فأما إذا لم يكن.. فلا حكم للمدة.
وقضيته: أن حبسه ومرضه لا يمنع حسبانها وهو ما في "الكبير" عن ابن القطان، وحذفه من "الروضة"، لكن حكيا وجهين في سفره مع كونه باختياره غالبًا، فهذا أولى 2. وقضية ما في "البسيط" و"النهاية": أن حبسه ومرضه الذي يتعذر معه وطؤها مانع من حسبانها 3، قال الأَذْرَعي: وهو الحق.
(ولو رضيت بعدها به.. بطل حقها) كما في سائر العيوب، بخلاف الإيلاء والإعسار؛ لأن الضرر يتجدد، والعُنة عيب واحد لا يتوقع إزالتها إذا تحققت.
وقوله: (بعدها) زيادة على "المحرر" 4 وهو حسن، فإنها إذا رضيت به في المدة أو قبل ضربها.. لم يبطل حقها في الجديد، ولها الفسخ بعد المدة؛ لأنها رضيت بإسقاط حقها قبل ثبوته فلم يسقط، كالعفو عن الشفعة قبل البيع.
(وكذا لو أجّلته) زمنًا آخر بعد المدة (على الصحيح) لأنه على الفور، والثاني:

وَلَوْ نَكَحَ وَشُرِطَ فِيهَا إِسْلَامٌ، أَوْ فِي أَحَدِهِمَا نَسَبٌ أَوْ حُرِّيَّةٌ، أَوْ غَيْرُهُمَا فَأُخْلِفَ.. فَالأَظْهَرُ: صِحَّةُ النِّكَاحِ، ثُمَّ إِنْ بَانَ خَيْرًا مِمَّا شُرِطَ.. فَلَا خِيَارَ، وَإِنْ بَانَ دُونَهُ.. فَلَهَا الْخِيَارُ،

لا؛ كما إذا أمهل الدين بعد حلول الأجل لا يلزم الإمهال، وتعجب السبكي من هذا القياس؛ لأن بعد حلول الأجل حق طلب الدين على التراخي، وحق الخيار على الفور، فكيف يقاس أحدهما بالآخر؟ !. (ولو نكح وشرط فيها إسلام، أو في أحدهما نسب أو حرية، أو غيرهما، فأُخلف.. فالأظهر: صحة النكاح) لأن الخلف في الشرط لا يوجب فساد البيع مع تأثيره بالشروط الفاسدة، فالنكاح أولى، والثاني: فساده؛ لأن النكاح يعتمد الأوصاف دون المشاهدة، فيكون اختلاف الصفة كاختلاف العين.
ولا يخفى أن محل القولين فيما إذا شرطت حريته فبان عبدًا: أن يكون السيد أذن له في النكاح، وإلا.. لم يصح قطعًا؛ لعدم الإذن.
وفيما إذا شرطت حريتها فبانت أمة: إذا نكحت بإذن السيد وكان الزوج ممن يحل له نكاح الأمة، وإلا.. لم يصح جزمًا.
وفيما إذا شرط فيها الإسلام فأخلف: أن يظهر كونها كتابية؛ فلو بانت وثنية.. لم يصح جزمًا.
فلو قال: (فالأظهر: صحة النكاح وإن وجدت شرائط الصحة).. لفهم ذلك منه.
ولو شرطت حريته فخرج مبعضًا.. فهو كما لو خرج قنًّا فيما يظهر.
وقضية كلامه: أن اشتراط الإسلام فيه لا يتصور، وليس كذلك بل يتصور في الكتابية، ويجري الخلاف في كل وصف شرط ثم تبين خلافه، سواء كان المشروط صفة كمال؛ كالجمال والبكارة والنسب، أو صفة نقص؛ كأضدادها، أو كان مما لا يتعلق به نقص ولا كمال، وإليه أشار بقوله: (أو غيرهما).
(ثم إن بان خيرًا مما شرط) كما إذا شرط أنها كتابية فخرجت مسلمة، أو ثيب فخرجت بكرًا (.. فلا خيار) لزيادة الخير.
(وإن بان دونه) أي: دون المشروط (.. فلها الخيار) للخلف، وقضية إطلاقه:

وَكَذَا لَهُ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ ظَنَّهَا مُسْلِمَةً أَوْ حُرَّةً فَبَانَتْ كِتَابِيَّةً أَوْ أَمَةً وَهِيَ تَحِلُّ لَهُ.. فَلَا خِيَارَ فِي الأَظْهَرِ.

ثبوت الخيار لها إذا بان نسبه دون ما شرطته ولو ساواها في نسبها أو زاد عليها، والأظهر في "الروضة" و"الشرح الصغير": المفع، وهو قضية "الشرح الكبير" 1، لكن نقل البُلْقيني والزركشي: أن الشافعي رضي الله عنه رجّح في "الأم" ثبوت الخيار فقال: إنه أشبه القولين، وبه أقول.
انتهى.
وقضية إطلاق المصنف أيضًا: أنها لو شرطت حريته، فبان عبدًا أن لها الخيار ولو كانت أمة، وفي المسألة وجهان في "الروضة" و"أصلها" بلا ترجيح؛ فإن أثبتناه.. فهو للسيد لا لها، قاله القاضي والإمام والمتولي 2. (وكذا له في الأصح) للغرور، والثاني: لا؛ لإمكان الطلاق، وحكم النسب من جانبها كهو من جانبه؛ فلا خيار له إلا إذا كان نسبها دون نسبه؛ كما قدمناه.
وقضية كلامه: ثبوت الخيار إذا شرط حريتها فخرجت أمة وإن كان عبدًا، والذي في "أصل الروضة": إن كان الزوج حرًّا.. فله الخيار، أو عبدًا.. فلا على المذهب فيهما 3. (ولو ظنها مسلمة أو حرة) ولم يشرط ذلك (فبانت كتابية أو أمة وهي تحل له.. فلا خيار في الأظهر) كما لو اشترى عبدًا يظنه كاتبًا فأخلف ظنه، والثاني: له الخيار؛ لأن ظاهر الدار الإسلام والحرية، فإذا خالف ذلك.. ثبت الخيار؛ كما أنه لمّا كان الظاهر في المبيع السلامة؛ فإذا اطلع على عيب به.. ثبت الخيار، ومنهم من قطع بثبوت الخيار في الكتابية دون الأمة؛ كما هو المنصوص 4. وفرق بتقصير ولي الكافرة بإخفاء العلامة التي يتميز بها، وولي الرقيقة لا يتميز عن ولي الحرة، ولأن الكفر منفر.

وَلَوْ أَذِنَتْ فِي تَزْوِيجِهَا بِمَنْ ظَنَّتْهُ كُفْئًا فَبَانَ فِسْقُهُ أَوْ دَنَاءَةُ نَسَبهِ أَوْ حِرْفَتِهِ.. فَلَا خِيَارَ لَهَا. قُلْتُ: وَلَوْ بَانَ مَعِيبًا أَوْ عَبْدًا.. فَلَهَا الْخِيَارُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَمَتَى فُسِخَ بِخُلْفٍ.. فَحُكْمُ الْمَهْرِ وَالرُّجُوعِ بِهِ عَلَى الْغَارِّ مَا سَبَقَ فِي الْعَيْبِ، وَالْمُؤَثِّرُ تَغْرِيرٌ قَارَنَ الْعَقْدَ

(ولو أذنت في تزويجها بمن ظنته كفئًا.. فبان فسقه أو دناءة نسبه أو حرفته.. فلا خيار لها) لأن التقصير منها ومن الولي حيث لم يبحثا، وليس كظن السلامة عن العيب؛ إذ الغالب السلامة، وهنا لا يمكن أن يقال: الغالب الكفاءة، وحكى الإمام الاتفاق عليه، وجرى عليه الغزالي، لكن في "فتاوى البغوي": الجزم بثبوت الخيار إذا بان فسقه، وحكاه عنه الرافعي قبيل (الصداق)، ووافقه المصنف في "الروضة" من "زياداته" هنا فقال: المختار: ثبوت الخيار في الجميع؛ يعني: إذا بان دناءة نسبه أو حرفته أو فسقه أو رقّه، وتعجب من الرافعي حيث خالفه هنا وقال بعدم ثبوت الخيار، وتعجب السبكي من المصنف كيف وافق في "المنهاج" الرافعي مع نقله هذا؟ ! (قلت: ولو بان معيبًا أو عبدًا.. فلها الخيار، والله أعلم) لاقتضاء الإطلاق السلامة في المعيب، وأما في العبد.. فلأن نقص الرق يؤثر في حقوق النكاح؛ لما لسيده من منعه منها بالخدمة، ولا يلزمه إلا نفقة المعسرين.
ومسألة المعيب قد علم حكمها من أولي الباب فذكرها تكرار.
(ومتى فسخ بخلف.. فحكمُ المهر والرّجوع به على الغارِّ ما سبق في العيب) أي: فيسقط قبل الدخول، ويجب بعده مهر المثل على الأصحِّ، ولا يرجع به على من غرّه.
(والمؤثر تغرير قارن العقد) أي: مشروطًا فيه؛ لأن الشروط إنما تؤثر في العقود إذا ذكرت في صلب العقد، وأما التغرير السابق.. فلا يؤثر في صحة العقد ولا في الخيار على الصحيح، وأما الرجوع بالمهر -إذا قلنا: بالرجوع على القديم-.. فالتغرير السابق كالمقارن، قاله الغزالي، وارتضياه 1. والفرق: أن تعلق الضمان بالتغرير أوسع بابًا؛ بدليل رجوعه على قول بمجرد السكوت.

وَلَوْ غُرَّ بِحُرِّيَّةِ أَمَةٍ وَصَحَّحْنَاهُ.. فَالْوَلَدُ قَبْلَ الْعِلْمِ حُرٌّ، وَعَلَى الْمَغْرُورِ قِيمَتُهُ لِسَيِّدِهَا وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْغَارِّ، وَالتَّغْرِيرُ بِالْحُرِّيَّةِ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْ سَيِّدِهَا بَلْ مِنْ وَكِيلِهِ أَوْ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ مِنْهَا.. تَعَلَّقَ الْغُرْمُ بِذِمَّتِهَا، وَلَوِ انْفَصَلَ الْوَلَدُ مَيْتًا بِلَا جِنَايَةٍ.. فَلَا شَيْءَ فِيهِ.

(ولو غُرَّ بحرية أمة وصححناه.. فالولد قبل العلم حرٌّ) ولو كان الزوج عبدًا؛ لاعتقاده أنها حرة، وولد الحرة لا ينعقد إلا حرًّا فاعتبر ظنه؛ كما لو وطئ أمة الغير على ظن أنها زوجته الحرة، أما بعد العلم.. فهو رقيق.
وقوله: (صححناه) قيد مضر؛ فإن الولد حرّ صححنا النكاح أو أفسدناه؛ للتعليل السابق.
(وعلى المغرور قيمته لسيدها) لأنه فوت الرق بظنه الحرية، وتعتبر قيمته يوم الولادة وهي في ذمة الحر، وكذا العبد على الأصحِّ، (ويرجع بها على الغارِّ) إن غرم؛ لأنه هو الذي أوقعه في الغرامة.
(والتغرير بالحرية لا يتصور من سيدها) لأنه متى قال: (زوجتك هذه الحرة) أو (على أنها حرة).. عتقت، كذا قالاه 1. قال ابن الرفعة: وفيه نظر إن لم يقصده؛ لأن هذه صيغة وصف، وليست صريحة في الإنشاء.
وما ذكره من عدم تصوره من سيدها ممنوع، بل يتصور في صور: منها: ما لو كانت مرهونة، وهو معسر، ومنها: ما لو كان محجورًا عليه بفلس، وأذن له الراهن والغرماء في التزويج، ومنها: لو كان مكاتبًا وزوجها بإذن سيده، ومنها: ما إذا كان اسمها حرة.
(بل من وكيله أو منها) أو منهما جميعًا، وفي معنى وكيله وليه إذا كان محجورًا عليه، ولا اعتبار بقول من ليس بعاقد ولا معقود عليه.
(فإن كان منها.. تعلّق الغرم بذمتها) فتطالب به إذا عتقت؛ لأنه لا مال لها في الحال، ولا يتعلق بكسبها ولا برقبتها.
(ولو انفصل الولد ميتًا بلا جناية.. فلا شيء فيه) لأن قيمته تعتبر عند الوضع، وإذا خرج ميتًا.. لم تكن له قيمة في ذلك الوقت؛ فلا يقابل بالضمان، وإن انفصل

وَمَنْ عَتَقَتْ تَحْتَ رَقِيقٍ أَو مَنْ فِيهِ رِقٌّ.. تَخَيَّرَتْ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ، وَالأَظْهَرُ: أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ؛ فَإِنْ قَالَتْ: (جَهِلْتُ الْعِتْقَ).. صُدِّقَتْ بِيَمِينِهَا إِنْ أَمْكَنَ؛ بِأَنْ كَانَ الْمُعْتِقُ غَائِبًا، وَكَذَا إِنْ قَالَتْ: (جَهِلْتُ الْخِيَارَ بِهِ) فِي الأَظْهَرِ،

بجناية؛ فإن كان الجاني أجنبيًّا.. فتجب على عاقلته غرة للجنين، وهي للمغرور؛ لأنه أبوه ووارثه، ويغرم المغرور عشر قيمة الأمّ للسيد وإن زادت على قيمة الغرة في الأصحِّ؛ لأن الجنين الرقيق يغرم بهذا القدر، وإن كان الجاني المغرورَ أو عبدَه.. فللسيد أيضًا عشر قيمة الأم، وإن كان سيدَ الأمة.. فعلى عاقلته الغرة للمغرور، وعليه 1 عشر قيمة الأم.
(ومن عتقت تحت رقيق أو من فيه رقّ.. تخيَّرت في فسخ النكاح) بالإجماع، ولا تحتاج إلى حاكم؛ لثبوته بالنص والإجماع 2. ويستثنى: ما لو عتقت في مرض الموت قبل الدخول وكانت لا تخرج من الثلث إلا بضم الصداق إلى المال.. فلا خيار لها؛ إذ لو فسخت.. لسقط الصداق، فيرق بعضها بسبب سقوطه، ومتى عاد الرق في بعضها.. امتنع الخيار، فثبوته يؤدي إلى نفيه، فمنع من أصله، ولو عتق الزوج قبل فسخها.. سقط خيارها على المذهب؛ لزوال الضرر.
(والأظهر: أنه على الفور) إذا كانت بالغة عاقلة؛ كخيار العيب، والثاني: إلى ثلاثة أيام؛ لأنها مدة قريبة فتتروّى فيها.
(فإن قالت: "جهلت العتق".. صُدِّقت بيمينها إن أمكن؛ بأن كان المعتق غائبًا) أو كان في محلة أخرى من البلد، إذ الأصل: عدم علمها، وإن كذبها ظاهر الحال؛ كأن كانت معه في بيته.. فالمصدّق الزوج، وعبارة "المحرر" كـ"الروضة" 3: إن لم يكذبها ظاهر الحال، وهي أحسن، فإن الإمكان موجود في الحالتين.
(وكذا إن قالت: "جهلت الخيار به" في الأظهر) لأنه مما يخفى على غالب الناس، والثاني: لا تصدق، كما في الرد بالعيب، قال الرافعي: والفرق: أن الفسخ بالعيب مشهور يعرفه كل أحد، وهذا خفي لا يعرفه إلا الخواص، وخص

فَإِنْ فَسَخَتْ قَبْلَ وَطْءٍ.. فَلَا مَهْرَ، وَبَعْدَهُ بعِتْقٍ بَعْدَهُ.. وَجَبَ الْمُسَمَّى، أَوْ قَبْلَهُ.. فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَقِيلَ: الْمُسَمَّى، وَلَوْ عَتَقَ بَعْضُهَا أَوْ كُوتِبَتْ أَوْ عَتَقَ عَبْدٌ تَحْتَهُ أَمَةٌ.. فَلَا خِيَارَ.

فَصْلٌ [في الإعفاف]

يَلْزَمُ الْوَلَدَ إِعْفَافُ الأَبِ

الماوردي الخلاف بمن يحتمل صدقها وكذبها، أما من علم صدقها -كالعجمية-.. فقولها مقبول قطعًا، ومن علم كذبها بمخالطة الفقهاء.. فقولها غير مقبول قطعًا 1. ولو ادعت جهل الفور.. فكجهل الخيار به، قاله ابن الصباغ في (باب اللعان)؛ كما قاله في "المهمات" 2. (فإن فسخت قبل وطء.. فلا مهر) وإن كان حقًّا للسيد؛ لأن الفسخ من جهتها، وليس للسيد منعها من الفسخ؛ لما يلحقها من الضرر مع البقاء.
(وبعده) أي: بعد الوطء (بعتق بعده.. وجب المسمّى) لاستقراره بالوطء (أو قبله) أي: فسخت بعد الوطء بعتق قبله وكانت جاهلة به (.. فمهر مثل) لأن الفسخ يستند إلى حالة العتق، وصار الوطء كأنه في نكاح فاسد، (وقيل: المسمّى) لاستقراره بالوطء.
(ولو عتق بعضها أو كوتبت، أو عتق عبد تحته أمة.. فلا خيار) أما في الأوليين.. فلبقاء النقصان وأحكام الرق، وأما في الثالثة.. فلأنه لا يتعير بافتراش الناقصة، ويمكن الخلاص بالطلاق، بخلاف العكس، وللزوج وطء العتيقة ما لم تفسخ، وكذا لزوج الصغيرة والمجنونة العتيقتين ما لم يفسخا بعد البلوغ والإفاقة، ذكره في "زوائد الروضة" 3.

(فصل: يلزم الولد) الموسر، ولو أنثى وكافرًا (إعفاف الأب) الحر، ولو كافرًا

وَالأَجْدَادِ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ بِأَنْ يُعْطِيَهُ مَهْرَ حُرَّةٍ، أَوْ يَقُولَ: (انْكِحْ وَأُعْطِيكَ الْمَهْرَ)، أَوْ يَنْكِحَ لَهُ بِإِذْنِهِ وَيُمْهِرَ، أَوْ يُمَلِّكَهُ أَمَةً أَوْ ثَمَنَهَا، ثُمَّ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُمَا. وَلَيْسَ لِلأَبِ تَعْيِينُ النِّكَاحِ دُونَ التَّسَرِّي، وَلَا رَفِيعَةٍ. وَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى مَهْرٍ.. فَتَعْيِينُهَا لِلأَبِ. وَيَجِبُ التَّجْدِيدُ إِذَا مَاتَتْ أَوِ انْفَسَخَ بِرِدَّةٍ أَوْ فَسَخَهُ بِعَيْبٍ، وَكَذَا إِنْ طَلَّقَ بِعُذْرٍ فِي الأَصَحِّ.

في الأصحِّ (والأجداد) ولو من جهة الأم (على المشهور) لأن في تركه تعريضًا للزنا المفضي إلى هلاكه، وليس من المصاحبة بالمعروف، ولأنه من وجوه حاجاته المهمة؛ كالنفقة والكسوة، والثاني: لا يلزم، وهو مخرج كما لا يلزم إعفاف الابن، أما إذا كان الأب عبدًا.. لم يلزم إعفافه.
وفهم من قوله: (إعفاف الأب): أنه لا يلزم إعفاف الأم، وهو كذلك.
(بأن يعطيه مهر حرة) ولو كتابية في الأصحِّ (أو يقول: "انكح وأعطيك المهر"، أو ينكح له بإذنه ويُمهر، أو يُملِّكه أمة) تحل له (أو ثمنها) لأن غرض الإعفاف يحصل بجميع هذه الطرق، ولا بدّ في الحرة والأمة أن يحصل مقصود الإعفاف؛ فلا يكفي تزويجه أو تمليكه عجوزًا أو شوهاء؛ كما ليس له أن يطعمه طعامًا فاسدًا لا ينساغ.
(ثم عليه مؤنتهما) أي: مؤنة الأب ومن أعفه به من زوجة أو أمة؛ لأن ذلك من تتمة الإعفاف.
(وليس للأب تعيين النكاح دون التسري) ولا عكسه (ولا رفيعة) أي: رفيعة المهر بجمال أو شرف أو يسار؛ لأن ذلك قد يجحف بالولد، والغرض يحصل بدونها.
(ولو اتفقا على مهر.. فتعيينها للأب) لأنه أقرب إلى إعفافه، ولا ضرر فيه على الابن.
(ويجب التجديد إذا ماتت أو انفسخ بردة) أو رضاع (أو فسخه بعيب) فيها؛ لبقاء الحاجة إلى الإعفاف في الصور كلها؛ كما لو دفع إليه نفقة فسرقت منه.
(وكذا إن طلق) أو خالع (بعذر) كشقاق ونشوز (في الأصح) كما في الموت، والثاني: المنع؛ لأنه المفوت، أما إذا طلّق بغير عذر.. فلا يجب التجديد؛ لتقصيره، وقيل: يجب؛ لأن في تكليفه إمساك زوجة واحدة عسرًا 1، وإذا وجب

وَإِنَّمَا يَجِبُ إِعْفَافُ فَاقِدِ مَهْرٍ مُحْتَاج إِلَى النِّكَاحِ، وَيُصَدَّقُ إِذَا ظَهَرَتْ حَاجَتُهُ بِلَا يَمِينٍ. ويحْرُمُ عَلَيْهِ وَطْءُ أَمَةِ وَلَدِهِ، وَالْمَذهَبُ: وُجُوبُ مَهْرٍ لَا حَدٍّ، فَإِنْ أَحْبَلَ.. فَالْوَلَدُ حُرٌّ نَسِيبٌ،

التجديد؛ فإن كان بائنًا.. ففي الحال، أو رجعيًا.. فبعد انقضاء العدة، ولو أعتق الأمة بعذر.. فالوجهان، كذا قالاه 1، وفيه نظر؛ إذ يمكن بيعها والاستبدال بغيرها.
(وإنما يجب إعفاف فاقد مهر) لأن به تتحقق الحاجة (محتاج إلى النكاح) أي: تائق إليه.
(ويُصَدّق، إذا ظهرت حاجته) لأنه لا يعلم إلا من جهته (بلا يمين) لأن تحليفه في هذا المقام لا يليق بحرمته.
(ويحرم عليه وطء أمة ولده) بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، وليست بواحدة منهما.
(والمذهب: وجوب مهرٍ لا حدٍّ) أما درء الحد.. فلشبهة الإعفاف، وأما وجوب المهر.. فلأنه وطء شبهة يسقط الحد، فوجب به المهر؛ كوطء أمة الأجنبي بشبهة.
نعم؛ يعزر على الأصحِّ؛ وفاء لحق الله تعالى.
ومحل الخلاف في الحد: إذا لم يخْف عليه التحريم، فإن خفي.. فلا حدّ قطعًا.
وقضيته: أنه لا حدّ ولو كانت مستولدة الفرع، وهو قضية كلام الشيخ أبي حامد وغيره، وقضية ما في "الشرح الصغير" ترجيحه، لكن في "الروضة" و"أصلها" عن الروياني عن الأصحاب وأقراه: وجوبه قطعًا؛ لتعذر أن يملكها الأب، بخلاف أمته الموطوءة 2. (فإن أحبل.. فالولد حرٌّ نسيب) كما لو وطئ جارية أجنبي بشبهة.
وشمل إطلاقه: ما لو كان الأب رقيقًا، وبه أفتى القفال وأقرّاه 3، لكن في

فَإِنْ كَانَتْ مُسْتَوْلَدَةً لِلابْنِ.. لَمْ تَصِرْ مُسْتَوْلَدَةً لِلأَبِ، وَإِلَّا.. فالأَظْهَرُ: أَنَّهَا تَصِيرُ، وَأَنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهَا مَعَ مَهْرٍ،

"تعليق القاضي حسين": أن الصحيح من المذهب: المنع.
(فإن كانت مستولدة للابن.. لم تصر مستولدة للأب) لأن أمية الولد لا تقبل النقل.
(وإلا) أي: وإن لم تكن مستولدة الابن (.. فالأظهر: أنها تصير) مستولدة للأب؛ للشبهة التي اقتضت انتفاء الحدِّ ووجوب المهر، والثاني: أنها لا تصير؛ لأنها ليست ملكه وقت الإحبال، فصار كما لو استولد جارية بالنكاح، والثالث: إن كان الأب موسرًا.. فنعم، وإلا.. فلا.
ويستثنى من إطلاقه: ما لو كان رقيقًا أو مكاتبًا أو مبعضًا.. فلا يثبت الاستيلاد.
(وأن عليه قيمتها مع مهر) كما لو استولد أحد الشريكين الجارية المشتركة.. يجب عليه نصف القيمة مع نصف المهر.
وقضية كلامه: أن مقابل الأظهر: قول: أنه لا تجب عليه القيمة ولا المهر، ولم يحكياه في "الشرح" و"الروضة"، بل الذي فيهما: أنا إن أثبتنا الاستيلاد.. فالحكم: ما ذكر، وإن لم نثبته.. فلا يجوز للابن بيع الأمة ما لم تضع؛ لأنها حامل بحرٍّ، وهل على الأب قيمتها في الحال للحيلولة، ثم يسترد عند الوضع؟ فيه وجهان: أصحهما: المنع؛ لأن يده مستمرة عليها، وينتفع بالاستخدام وغيره.
انتهى 1. وما أطلقه من وجوب المهر فيما إذا أحبل محمولٌ على ما إذا تأخر الإنزال عن تغييب الحشفة؛ كما هو الغالب، فان حصل الإنزال مع تغييبها.. فقد اقترن وجوب المهر بالعلوق، فينبغي أن ينزل المهر منزلة قيمة الولد، قاله الإمام، وأقرّاه 2. ولو كانت بكرًا فافتضها.. لزمه أرش بكارتها مع ذلك؛ لأنه أتلف عضوًا من بدنها، قاله الماوردي 3.

لَا قِيمَةَ وَلَدٍ فِي الأَصَحِّ. وَنكَاحُهَا، فَلَوْ مَلَكَ زَوْجَةَ وَالِدِهِ الَّذِي لَا تَحِلُّ لَهُ الأُمَةُ.. لَمْ يَنْفَسِخِ النِّكَاحُ فِي الأَصَحِّ. وَلَيْسَ لَهُ نِكَاحُ أَمَةِ مُكَاتَبِهِ، فَإِنْ مَلَكَ مُكَاتَبٌ زَوْجَةَ سَيِّدِهِ.. انْفَسَخَ النِّكَاحُ فِي الأَصَحِّ.

(لا قيمة ولد في الأصح) لأنه التزم قيمتها، والولد جزء منها فاندرج، والثاني: تجب؛ كوطء الشبهة.
(ونكاحها) أي: ويحرم عليه نكاح أمة ولده؛ لأن له فيها شبهة، فسقط الحد بوطئها، فلم يحل له نكاحها؛ كالأمة المشتركة بينه وبين غيره، وهذا في الأب الحر، أما الرقيق.. فيجوز له نكاحها، إذ ليس عليه إعفافه ولا نفقته.
ويستثنى: جارية ابنه من الرضاع؛ فإنه يجوز له نكاحها؛ كما قاله في "زيادة الروضة" قال: ويجوز له نكاح جارية أبيه وأمه قطعًا؛ لعدم وجوب الإعفاف 1. (فلو ملك زوجة والده الذي لا تحل له الأمة) أي: في حال تمليكها الابن وكان نكحها قبل ذلك بشرطه (.. لم ينفسخ النكاح في الأصح) لأن الأصل في النكاح الثابت الدوام، وللدوام من القوة ما ليس للابتداء، والثاني: ينفسخ؛ كما لو ملك زوجته.
وقوله: (الذي لا تحل له) يحترز به عما لو حلّ له نكاح أمة ولده؛ لكون الأصل رقيقًا، أو لكون الولد معسرًا لا يلزمه إعفافه، أو لكون الولد مكاتبًا وأذن له سيده في تزويجها، وجوزنا للأب حينئذ نكاح هذه الأمة؛ فإن طرو ملك الولد لا ينفسخ به النكاح جزمًا؛ إذ لم يطرأ ما ينافي النكاح، وبذا يظهر أن ما قاله في "المهمات": إن هذا التقييد لا فائدة له.. ليس كذلك 2. (وليس له نكاح أمة مكاتبه) لقوة الشبهة؛ ولهذا تصير أم ولد بإيلاده.
(فإن ملك مكاتب زوجة سيده.. انفسخ النكاح في الأصح) لأن تعلق السيد بملك المكاتب أشد من تعلق الأب، والثاني: لا ينفسخ؛ كما سبق في ولده.

فَصْلٌ [في نكاح الرقيق]

السَّيِّدُ بِإِذْنِهِ فِي نِكَاحِ عَبْدِهِ لَا يَضْمَنُ مَهْرًا وَنَفَقَةً فِي الْجَدِيدِ، وَهُمَا فِي كَسْبِهِ بَعْدَ النِّكَاحِ الْمُعْتَادِ وَالنَّادِرِ. فَإِنْ كَانَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الْتِّجَارَةِ.. فَفِيمَا بِيَدِهِ مِنْ رِبْحٍ، وَكَذَا رَأْسُ مَالٍ فِي الأَصَحِّ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُكْتَسِبًا وَلَا مَأْذُونًا لَهُ.. فَفِي ذِمَّتِهِ،

(فصل: السيد بإذنه في نكاح عبده لا يضمن مهرًا ونفقة في الجديد) لأنه لم يلتزمه تصريحًا ولا تعريضًا، ولو أذن بشرط الضمان.. فلا ضمان أيضًا؛ لأنه لا وجوب عند الإذن، والقديم: يضمن؛ لأن الإذن يقتضي الالتزام، وليس فيه تخصيص بالكسب، ولا فرق بين مال ومال.
(وهما في كسبه) لأن الأمر بشيء أمر بلوازمه، وأقرب شيء إلى العبد كسبه، وظاهره: أنهما لا يتعلقان مع الكسب بذمة العبد وهو وجه، والأصحُّ: التعلق (بعد النكاح) فلا يؤدي مما كسبه قبله؛ لأن الإذن لم تتناوله، وهذا بالنسبة إلى المهر الحال، أما النفقة.. فتتوقف بعد النكاح على التمكين، وأما المهر المؤجل.. فلا يتعلق إلا بما يكسبه بعد الحلول.
وقضيته: التسوية بين المهر والنفقة، وليس كذلك، بل يبدأ بالنفقة فينظر في كسبه كل يوم، فيؤدي منه النفقة؛ فإن فضل شيء.. صرف إلى المهر، وهكذا كل يوم، فإذا تم.. صرف الفاضل عن النفقة إلى السيد ولا يدخر للنفقة.
(المعتاد) كالحرفة والاصطياد، والاحتطاب، (والنادر) كالهبة والوصية.
(فإن كان مأذونًا له في التجارة.. ففيما بيده من ربح) لأنه نماء كسبه، سواء الحاصل قبل النكاح وبعده على الأصحِّ، بخلاف الكسب.
(وكذا رأس مال في الأصح) لأنه دين لزمه بعقد مأذون فيه؛ فكان كدين التجارة، والثاني: المنع؛ كسائر أموال السيد، وهذا كله في المهر الذي يتناوله الإذن، أما لو قدّر السيد مهرًا، فزاد العبد.. فالزيادة لا تتعلق إلا بالذمة، وفيه احتمال للإمام 1. (وإن لم يكن مكتسبًا ولا مأذونًا له.. ففي ذمته) إن رضيت بالمقام معه؛ لأنه دين

وَفِي قَوْلٍ: عَلَى السَّيِّدِ. وَلَهُ الْمُسَافَرَةُ بِهِ وَيَفُوتُ الاسْتِمْتَاعُ. وَإِذَا لَمْ يُسَافِرْ.. لَزِمَهُ تَخْلِيَتُهُ لَيْلًا لِلاسْتِمْتَاعِ، وَيَسْتَخْدِمُهُ نَهَارًا إِنْ تَكَفَّلَ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ، وَإِلَّا.. فَيُخْلِيهِ لِكَسْبِهِمَا، وَإِنِ اسْتَخْدَمَهُ بِلَا تَكَفُّلٍ.. لَزِمَهُ الأَقَلُّ مِنْ أُجْرَةِ مِثْلٍ وَكُلِّ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْمَهْرُ وَالنَّفَقَةُ. وَلَوْ نَكَحَ فَاسِدًا وَوَطِئَ.. فَمَهْرُ مِثْلٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَفِي قَوْلٍ: فِي رَقَبَتِهِ. وَإِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ.. اسْتَخْدَمَهَا نَهَارًا

لزم برضا مستحقه، فتعلق بذمته؛ كبدل القرض، (وفي قول: على السيد) لأن الإذن لمن هذا حاله التزام للمؤن.
(وله المسافرة به ويفوت الاستمتاع) لأنه مالك الرقبة، فقدم حقه، وللعبد استصحاب الزوجة، والكراء في كسبه.
(وإذا لم يسافر.. لزمه تخليته ليلًا للاستمتاع) لأنه وقت الاستراحة؛ إذ لا يجوز استخدامه في جميع الأوقات.
(ويستخدمه نهارًا إن تكفل المهر والنفقة) قطعًا (وإلا.. فيُخْلِيه لكسبهما) لأنه أحال حقوق النكاح على الكسب، فوجب التخلية.
(وإن استخدمه بلا تكفل.. لزمه الأقل من أجرة مثل، وكل المهر والنفقة) لأن أجرته إن زادت.. كان له أخذ الزيادة، وإن نقصت.. لم يلزمه إتمام النفقة؛ كفداء الجاني، (وقيل: يلزمه المهر والنفقة) وإن زادت على أجرة المثل؛ لأنه ربما كسب في ذلك ما يفي بالجميع، وعلى الوجهين: المراد بالنفقة: نفقة مدة الاستخدام، وقيل: مدة النكاح ما امتدّت.
(ولو نكح فاسدًا) مثل إن قرن به شرط فاسد يخل بمقصود النكاح؛ كشرط الخيار، وعدم الوطء، أو تزوج بغير إذن السيد، (ووطئ.. فمهر مثل في ذمته) لحصوله برضا المستحق؛ كما لو اشترى بغير إذن السيد وأتلف، قال الرافعي: والقياس: تعلقه بكسبه إن أذن له السيد في النكاح الفاسد 1، (وفي قول: في رقبته) لأنه إتلاف، فبدله في رقبته؛ كسائر الإتلافات.
(وإذا زوّج أمته.. استخدمها نهارًا) بنفسه أو يؤجرها؛ لأن ملكه لم يزل عنها،

وَسَلَّمَهَا لِلزَّوْجِ لَيْلًا، وَلَا نَفَقَةَ عَلَى الزَّوْجِ حِينَئِذٍ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ أَخْلَى فِي دَارِهِ بَيْتًا وَقَالَ لِلزَّوْجِ: (تَخْلُو بِهَا فِيهِ).. لَمْ يَلْزَمْهُ فِي الأَصَحِّ. وَلِلسَّيِّدِ السَّفَرُ بِهَا وَلِلزَّوْجِ صُحْبَتُهَا.

(وسلّمها للزوج ليلًا) لأنه وقت الاستمتاع عادة.
وقضيته: أنه من الغروب، لكن نص في "البويطي": أنه يسلمها بعد الثلث الأول 1، وقال ابن الصباغ: يسلمها إذا فرغت من الخدمة بحكم العادة، واستحسنه السبكي.
وأفهم قول المصنف: (استخدمها): أن هذا في غير المكاتبة؛ لأن المكاتبة ليس له استخدامها أصلًا، فيسلمها ليلًا ونهارًا؛ كما جزم به الماوردي، وحكى القاضي فيها وجهين.
(ولا نفقة على الزوج حينئذ في الأصح) لعدم التمكين التام، والثاني: يجب شطر النفقة؛ توزيعًا لها على الزمان، والثالث: يجب الكل؛ للتسليم الواجب، ويجري الوجهان الأوّلان فيما إذا سلمت الحرة نفسها ليلًا، واشتغلت عن الزوج نهارًا، قاله الرافعي، وجزم في "زوائد الروضة": بالمنع هنا، لكنه أثبت وجه التقسيط في (النفقات) 2. وأفهم كلام المصنف: وجوب المهر، وهو الأصحُّ في "زيادة الروضة" لأنه يجب بسبب واحد وقد حصل 3. (ولو أخلى في داره بيتًا، وقال للزوج: "تخلو بها فيه".. لم يلزمه في الأصح) لأن الحياء، والمروءة يمنعانه من دخول دار السيد، والثاني: يلزمه؛ لتدوم يده على ملكه، وفيه وصول الزوج إلى غرضه، وعلى الأول: لا نفقة.
(وللسيد السفر بها) تقديمًا لمالك الرقبة على مالك المنفعة، (وللزوج صحبتها) ليستمتع بها في وقته؛ لأن السفر كالحضر، ولا نفقة عليه إذا لم يسافر جزمًا.

وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ السَّيِّدَ لَوْ قَتَلَهَا أَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا قَبْلَ دُخُولٍ.. سَقَطَ مَهْرُهَا، وَأَنَّ الْحُرَّةَ لَوْ قَتَلَتْ نَفْسَهَا، أَوْ قَتَلَ الأَمَةَ أَجْنَبِيٌّ أَوْ مَاتَتْ.. فَلَا كَمَا لَوْ هَلَكَتَا بَعْدَ دُخُولٍ. وَلَوْ بَاعَ مُزَوَّجَةً.. فَالْمَهْرُ لِلْبَائِعِ، فَإِنْ طُلِّقَتْ قَبْلَ دُخُولٍ.. فَنِصْفُهُ لَهُ. وَلَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ بِعَبْدِهِ.. لَمْ يَجِبْ مَهْرٌ.

(والمذهب: أن السيد لو قتلها أو قتلت نفسها قبل دخول.. سقط مهرها، وأن الحرّة لو قتلت نفسها، أو قتل الأمةَ أجنبي أو ماتت.. فلا؛ كما لو هلكتا بعد دخول) اعلم: أن الشافعي رضي الله عنه نص في قتل السيد الأمة، وقتلها نفسها على السقوط؛ كما ذكره في "الكفاية"، وفي قتل الحرة نفسها على عدمه؛ فمنهم: من خرجهما على قولين.
ووجه المنع فيهما: أنها فرقة حصلت بانتهاء العمر فكانت كالموت، ووجه السقوط: انقطاع النكاح قبل الدخول من قبل مستحق المهر، فكان كالردة.
ومنهم: من قرر النصين وفرق: بأن الحرة في حكم المقبوضة؛ ولهذا يسافر بها، بخلاف الأمة، ولأن الغرض من نكاح الحرة الألفة والمواصلة دون الوطء وقد وجد بالعقد، والغرض من الأمة الوطء؛ ولهذا يشترط خوف العنت، وذلك غير حاصل قبل الدخول، ولأنه استفاد ميراث الحرة فغرم مهرها، بخلاف الأمة، والأصحُّ: طريقة القولين، والأصحُّ من القولين فيهما: ما ذكره المصنف.
وأما إذا قتل الأمة أجنبي أو ماتت.. فلا يسقط على المذهب؛ لأن الفرقة لم تحصل من جهة الزوجة، ولا من مستحق المهر، وقيل: يسقط فيهما؛ لأنها ليست في قبضته.
(ولو باع مزوجة.. فالمهر للبائع) وإن لم يدخل بها إلا بعد البيع؛ لوجوبه بالعقد والعقد كان في ملكه، وهذا في النكاح الصحيح، أما الفاسد؛ فإن وطئت بعد البيع.. فمهر المثل للمشتري، أو قبله.. فللبائع.
ويستثنى: ما لو فوضها ثم جرى الفرض أو الدخول بعد البيع.. فالمفروض أو مهر المثل للمشتري على الأصحِّ؛ لوجوبه في ملكه.
(فإن طُلقت قبل دخول.. فنصفه له) لأنه مستحق بالعقد.
(ولو زوج أمته بعبده.. لم يجب مهر) لأن السيد لا يثبت له على عبده دين بدليل

..................................

جنايته أو إتلافه، وظاهره: أنه لم يجب شيء أصلًا وهو الأصحُّ، وقيل: وجب ثم سقط.
وفائدة الخلاف: تظهر فيما إذا زوّجه بها وفوض بضعها، ثم وطئها بعدما أعتقه؛ فإن قلنا بعدم الوجوب.. فلا شيء للسيد على العبد، وإن قلنا: يجب ثم يسقط.. وجب للسيد عليه مهر المثل؛ لأنه وجب بالوطء، وهو حر، فلا يسقط ما وجب عليه في تلك الحالة للسيد؛ لأنا إنما أسقطناه وهو رقيق؛ لأن السيد لا يثبت له على عبده شيء، وقد انتفى ذلك المعنى.

كتابُ الصَّدَاق يُسَنُّ تَسْمِيَتُهُ فِي الْعَقْدِ، وَيَجُوزُ إِخْلَاؤُهُ مِنْهُ. وَمَا صَحَّ مَبِيعًا.. صَحَّ صَدَاقًا.

﴿كتاب الصداق﴾ هو بفتح الصاد وكسرها، وأصله من الصِّدْقِ؛ لإشعاره بصدق رغبة الزوج في الزوجة، وله ثمانية أسماء مجموعة في بيت واحد: [من الطويل] صَدَاقٌ وَمَهْرٌ نِحْلَةٌ وَفَرِيَضَةٌ... حِبَاءٌ وَأَجْرٌ ثُمَّ عُقْرٌ عَلَائِقُ والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾، وقوله عليه السلام: "الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ" 1، وهو مجمع عليه.
(يسن تسميته في العقد) للاتباع، ولأنه أقطع للنزاع بل يكره إخلاؤه منه؛ كما قاله الماوردي والمتولي 2. (ويجوز إخلاؤه منه) بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.
(وما صح مبيعًا.. صح صداقًا) ولا يتقدر بشيء؛ لأنه عوض في العقد، فإن انتهى في القلة إلى حدٍّ لا يتمَّول.. فسدت التسمية؛ كما اقتضاه كلامه؛ لأن مثل هذا لا يصح مبيعًا.
ويستحب: ألا ينقص عن عشرة دراهم خالصةً؛ لأن أبا حنيفة لا يُجوِّز أقلَّ منها، وألا يزيد على خمس مئة درهم؛ اقتداءً بنساء النبي صلى الله عليه وسلم 3. ومقتضى كلام المصنف: أنه يستحب التسمية فيما إذا زوج أمته من عبده، وهو الجديد في "الروضة" تبعًا لبعض نسخ الرافعي، وفي بعض النسخ: أن الجديد: عدم الاستحباب، قال في "المهمات": والصواب الذي ذكره أئمة المذهب هو: استحبابه في القديم، وعدمه في الجديد، بل إن شاء.. سمَّى، وإن شاء.. لم يسم،

وَإِذَا أَصْدَقَ عَيْنًا فَتَلِفَتْ فِي يَدِهِ.. ضَمِنَهَا ضَمَانَ عَقْدٍ، وَفِي قَوْلٍ: ضَمَانَ يَدٍ، فَعَلَى الأَوَّلِ: لَيْسَ لَهَا بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ. وَلَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ.. وَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ، وَإِنْ أَتْلَفَتْهُ.. فَقَابِضَةٌ. وَإِنْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ.. تَخَيَّرَتْ عَلَى الْمَذْهَبِ،

كذا صرح به ابن الصباغ والمتولي والروياني والعمراني وابن الرفعة.
واستثنى ابن الرفعة من هذا الضابط: جعل رقبة العبد صداقًا لزوجته الحرة، وجعل الأب أُمَّ ابنه صداقًا عن ابنه، وجعل إحدى أبوي الصغيرة صداقًا لها، فإن ذلك لا يثبت صداقًا مع صحة كونه مبيعًا.
وأجيب: بأن هذه تصح صداقًا في الجملة، والقصد بيان ما يصح إصداقه، وإنما امتنع في هذه الصور لمعنىً.
واستثنى بعضهم: الجواهر والقسي؛ فإن الشيخ أبا حامد قال: لا يجوز السلم فيها، كما لا يجوز جعلها صداقًا.
ورُدَّ: بأنه لا يصح بيعها في الذمة، ويصح بيعها وإصداقها إن كانت معينة.. فالضابط منطبقٌ عليها.
(وإذا أصدق عينًا فتلفت في يده.. ضمنها ضمان عقد) لأنها مملوكة بعقد معاوضة، فأشبهت المبيع في يد البائع، (وفي قول: ضمانَ يدٍ) كالمستعار والمستام؛ لعدم الانفساخ بالتلف.
والفرق بين الضمانين: أن ضمان العقد ما يضمن بمهر المثل، وضمان اليد يضمن بالبدل؛ المثل إن كان مثليًّا، والقيمة إن كان من ذوات القيم.
(فعلى الأول: ليس لها بيعه قبل قبضه) كالمبيع، وعلى الثاني: يجوز.
(ولو تلف في يده.. وجب مهر مثلٍ) لأنه بدل البضع، ويتلف على ملك الزوج حتى لو كان عبدًا.. لزمه تجهيزه، وعلى الثاني: يجب بدله من مثل أو قيمة؛ كما ذكرناه، ويتلف على ملكها.
(وإن أتلفته.. فقابضة) ويبرأ الزوج؛ لأنها أتلفت حقها، وهذا على كل من القولين.
(وإن أتلفه أجنبي.. تخيرت على المذهب) كنظيره في البيع.

فَإِنْ فَسَخَتِ الصَّدَاقَ.. أَخَذَتْ مِنَ الزَّوْجِ مَهْرَ مِثْلٍ، وَإِلَّا.. غَرَّمَتِ الْمُتْلِفَ. وَإِنْ أَتْلفَهُ الزَّوْجُ.. فَكَتَلَفِهِ، وَقِيلَ: كَأَجْنَبِيٍّ. وَلَوْ أَصْدَقَ عَبْدَيْنِ فَتَلِفَ عَبْدٌ قَبْلَ قَبْضِهِ.. انْفَسَخَ فِيهِ لَا فِي الْبَاقِي عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَهَا الْخِيَارُ، فَإِنْ فَسَخَتْ.. فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَإِلَّا.. فَحِصةُ التَّالِفِ مِنْهُ. وَلَوْ تَعَيَّبَ قَبْلَ قَبْضِهِ.. تَخَيَّرَتْ عَلَى الْمَذْهَبِ،

(فإن فسخت الصداق.. أخذت من الزوج مهر مثل) إن قلنا ضمان عقد، وعلى مقابله: المثل أو القيمة، والزوج يرجع على المتلف، (وإلا) أي: وإن لم تفسخ (غرَّمت المتلف) المثل أو القيمة، وليس لها مطالبة الزوج إن قلنا بضمان العقد، فإن قلنا بضمان اليد.. فلها تغريم الزوج أيضًا.
(وإن أتلفه الزوج.. فكتلفه) بالآفة السماوية، (وقيل: كأجنبي) ورجحه في "الشرح الصغير"، والخلاف مبني على الخلاف في أن إتلاف البائع المبيع قبل القبض كالآفة أو كإتلاف الأجنبي، والأصحُّ: الأول.
(ولو أصدق عبدين فتلف عبدٌ قبل قبضه.. انفسخ فيه لا في الباقي على المذهب) وهذا هو الخلاف في تفريق الصفقة في الدوام، وقد تقدم (ولها الخيار) لعدم سلامة المعقود عليه، (فإن فسخت.. فمهرُ مثلٍ) على ضمان العقد، وعلى مقابله: تأخذ قيمة العبدين، (وإلا) أي: وإن لم تفسخ وأجازت (.. فحصة التالف منه) أي: فلها من مهر المثل حصة قيمة التالف، فإن كان الثلث.. فلها ثلث مهر المثل، وهذا على ضمان العقد، وعلى ضمان اليد لها قيمة التالف.
(ولو تعيب قبل قبضه) كعمى العبد، ونسيان الحرفة (.. تخيرت على المذهب) وعن ابن الوكيل: لا خيار على قول ضمان اليد.
وقضية كلام المصنف: أن ذلك مفرع على ضمان العقد، ولا خلاف في ثبوت الخيار حينئذ، فكيف يقول على المذهب؟ ! ولا يصح أن يقال: إنه فرَّعه على القولين، كما صرح به الإمام والغزالي وغيرهما، وقال الرافعي: إنه الظاهر 1؛ فإنه قال بعده: (فإن فسخت)، وذلك مختص بضمان العقد.

فَإِنْ فَسَخَتْ.. فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَإِلَّا.. فَلَا شَيْءَ. وَالْمَنَافِعُ الْفَائِتَةُ فِي يَدِ الزَّوْجِ لَا يَضْمَنُهَا وَإِنْ طَلَبَتِ التَّسْلِيمَ فَامْتَنَعَ عَلَى ضَمَانِ الْعَقْدِ، وَكَذَا الَّذِي اسْتَوْفَاهَا بِرُكُوبٍ وَنَحْوِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَلَهَا حَبْسُ نَفْسِهَا لِتَقْبِضَ الْمَهْرَ الْمُعَيَّنَ وَالْحَالَّ لَا الْمُؤَجَّلَ، فَلَوْ حَلَّ قَبْلَ التَّسْلِيمِ.. فَلَا حَبْسَ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ كُلٌّ: (لَا أُسَلِّمُ حَتَّى تسُلِّمَ).. فَفِي قَوْلٍ: يُجْبَرُ هُوَ، وَفِي قَوْلٍ: لَا إِجْبَارَ، فَمَنْ سَلَّمَ.. أُجْبِرَ صَاحِبُهُ،

(فإن فسخت.. فمهر مثل) على ضمان العقد، وعلى مقابله: لها بدل الصداق، (وإلا) أي: وإن لم تفسخ بل أجازت (.. فلا شيء) بل تأخذه معيبًا؛ كالبائع إذا رضي بالعيب، وهذا على ضمان العقد، وعلى مقابله: لها أرش النقص.
(والمنافع الفائتة في يد الزوج لا يضمنها وإن طلبت التسليم فامتنع على ضمان العقد) كما لو اتفق ذلك من البائع، وعلى ضمان اليد: عليه أجرة المثل من وقت الامتناع؛ لأنه بمنعه غاصبٌ.
(وكذا الذي استوفاها بركوبٍ ونحوه على المذهب) هو الخلاف في أن إتلاف البائع كتلفه بآفه سماوية، وقد سلفَ في بابه.
(ولها حبس نفسها لتقبض المهر المعيَّن والحالَّ) دفعًا لضرر فوات البضع؛ كما يثبت للبائع حق الحبس (لا المؤجل) لرضاها بالتأخير.
(فلو حلَّ قبل التسليم.. فلا حبس في الأصح) لأنها قد رضيت أولًا بأن يكون الصداق على ذمته، ووجب عليها التسليم قبل القبض، فلا يرتفع بحلول الحق، والثاني: لها الحبس؛ كما لو كان حالًّا ابتداءً، ورجحه في "الشرح الصغير"، وصوبه في "المهمات" اعتمادًا على نصٍّ نقله عن المزني 1، لكن قال الأَذْرَعي: راجعت كلام المزني فوجدته من فقهه، ولم ينقله عن الشافعي.
(ولو قال كلٌّ: "لا أسلِّم حتى تُسلِّم".. ففي قول: يجبر هو) لأن استرداد الصداق ممكن دون البضع، (وفي قول: لا إجبار، فمن سلَّم.. أُجبر صاحبه) لأن كلًّا منهما وجب عليه حق بإزاء حقٍّ له، فلم يجبر على إيفاء ما عليه دون ماله،

وَالأَظْهَرُ يُجْبَرَانِ؛ فَيُؤْمَرُ بوَضْعِهِ عِنْدَ عَدْلٍ، وَتُؤْمَرُ بِالتَّمْكِينِ، فَإِذَا سَلَّمَتْ.. أَعْطَاهَا الْعَدْلُ. وَلَوْ بَادَرَتْ فَمَكَّنَتْ.. طَالَبَتْهُ، فَإِنْ لَمْ يَطَأِ.. امْتَنَعَتْ حَتَّى يُسَلِّمَ، وَإِنْ وَطِئَ.. فَلَا. وَلَوْ بَادَرَ فَسَلَّمَ.. فَلْتُمَكِّنْ، فَإِنِ مَنَعَتْ بِلَا عُذْرٍ اسْتَرَدَّ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ يُجْبَرُ.

(والأظهر: يجبران؛ فيؤمر بوضعه عند عدل، وتؤمر بالتمكين؛ فإذا سلَّمت.. أعطاها العدل) لما فيه من فصل الخصومة، قال الإمام: فلو سلمت نفسها فلم يأتها.. فالذي أراه أن على العدل تسليم الصداق إليها، فلو سلَّمه إليها فَهَمَّ بالوطء فامتنعت.. فالوجه: استرداد الصداق منها 1. ومحل القول الأول: ما إذا كانت مهيأة للاستمتاع، فإن كانت محبوسة أو ممنوعة بمرض.. لم تجبر جزمًا، كذا قالاه 2، قال الأَذْرَعي وغيره: ولا يختص بهذا القول، بل هو متعين على كلِّ قولٍ، حتى لو بذلت نفسها وبها مانع من إحرام أو غيره.. لم تجبر، صرَّح به بعضهم، وهو واضح ولا يجيء هنا القول الرابع في البيع، وهو إجبار الزوجة وإن كان مقتضى كلام الفوراني مجيئه؛ لفوات البضع عليها بالتسليم، بخلاف المبيع.
(ولو بادرت فمكنت.. طالبته) على كل قول إذا بذلت ما في وسعها.
(فإن لم يطأ.. امتنعت حتى يسلم) لأن القبض في النكاح بالوطء دون التسليم، وتصير بامتناعه كمن لم تسُلِّم، (وإن وطئ) طائعة (.. فلا) كما لو تبرع البائع بتسليم المبيع، ليس له استرداده ليحبسه، فلو كانت مكرهة.. فلها الامتناع على الأصحِّ.
(ولو بادر فسلم.. فلتمكن) لأنه فعل ما عليه.
(فإن منعت بلا عذر.. استردَّ إن قلنا: إنه يجبَر) 3 على التسليم أولًا؛ لأنه لم يتبرع، أما إذا قلنا: لا يجبر.. لم يسترد في الأصحِّ؛ لأنه تبرع بالمبادرة؛ كتعجيل الدين المؤجل.

وَلَوِ اسْتَمْهَلَتْ لِتَنَظُّفٍ وَنَحْوِهِ.. أُمْهِلَتْ مَا يَرَاهُ قَاضٍ وَلَا يُجَاوِزُ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ، لَا لِيَنْقَطِعَ حَيْضٌ. وَلَا تُسَلَّمُ صَغِيرَةٌ وَلَا مَرِيضَةٌ حَتَّى يَزُولَ مَانِعُ وَطْءٍ. وَيَسْتَقِرُّ الْمَهْرُ بِوَطْءٍ وَإِنْ حَرُمَ كَحَائِضٍ، وَبِمَوْتِ أَحَدِهِمَا

(ولو استمهلت لتنظف ونحوه) كاستحداد وإزالة وسخ (.. أمهلت) وجوبًا على الأصحِّ (ما يراه قاض) من يوم أو يومين (ولا يجاوز ثلاثة أيام) لأنها أكثر القليل وأقل الكثير، ولها في الشرع اعتبار، (لا لينقطع حيض) ونفاس، لأنها محل الاستمتاع في الجملة، وإنما تعذَّر نوع منه.
نعم؛ لو لم تأمن على نفسها.. فلها الامتناع.
(ولا تسلم صغيرة ولا مريضة حتى يزول مانع وطء) لحصول الضرر، ويكره للولي تسليم هذه الصغيرة، ولا يجوز للزوج وطؤها إلى أن تصير محتملة.
وشمل إطلاقه: ما لو قال: (سلِّموها إليَّ ولا أقربها)، وهو الأصحُّ المنصوص؛ كما قاله الأَذْرَعي وغيره وإن كان ثقة؛ إذ لا يؤمن من هيجان الشهوة، وقال البغوي: يجاب في المريضة دون الطفلة، فإن الأقارب.. أولى بالحضانة 1. (ويستقر المهر بوطء وإن حرم كحائض) لقوله تعالى: ﴿وَوَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾، ولأن وطء الشبهة يوجب المهر ابتداءً، ففي النكاح أولى أن يقرر.
ودخل في عبارته: الوطء في الدبر، وخرج بها: المباشرة فيما دون الفرج، واستدخال الماء، وإزالة البكارة بغير آلة الجماع، وهو الأصحُّ فيها.
والمراد من الوطء: تغييب الحشفة أو مقدارها من مقطوعها.
(وبموت أحدهما) قبل الدخول حرة كانت أو أمة؛ لأنه لا يبطل النكاح؛ بدليل التوارث، فكأن الموت نهاية له، وانتهاء العقد كاستيفاء المعقود عليه في إيجاب البدل؛ كالإجارة، هذا إذا كان الموت بغير قتل، أما إذا قتلت الأمة نفسها أو قتلها سيدها.. فقد مرَّ حكمه.
ومحل تقريره بالموت: إذا كان النكاح صحيحًا، دون ما إذا كان فاسدًا، قاله الجيلي.

لَا بِخَلْوَةٍ فِي الْجَدِيدِ.

فَصْلٌ [في بيان أحكام الصداق المسمى الصحيح والفاسد]

نَكَحَهَا بِخَمْرٍ أَوْ حُرٍّ أَوْ مَغْصُوبٍ.. وَجَبَ مَهْرُ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: قِيمَتُهُ،

(لا بخلوة في الجديد) لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ الآية ولا مسيس، وكما لا تلتحق بالوطء في سائر الأحكام من حدٍّ وغسل ونحوها، والقديم: يتقرر بها وإن لم تدع المرأة الوطء، روي ذلك عن عمر، وعلي، وزيد رضي الله عنهم 1، هذا حيث لا مانع حسي؛ كجب ورتق، ولا عادي؛ كوجود ثالث، وفي اعتبار عدم المانع الشرعي؛ كالحيض والإحرام وجهان، جزم المتولي وغيره بأنه لا يمنع ويستقر، ونقل الغزالي مقابله عن المحققين 2، والقاضي أبو الطيب عن الأصحاب، وقيل: أثر الخلوة على القديم: تصديقها إذا ادعت الوطء؛ كما هو مذهب مالك رضي الله عنه.

(فصل: نكحها بخمر أو حر أو مغصوب.. وجب مهر مثل، وفي قول: قيمته) الخلاف مبني على أن الصداق في يد الزوج مضمون ضمان عقد أو ضمان يد، والمراد بقيمته: أنه يقدر الحرُّ رقيقًا، والمغصوب مملوكًا، وهل يقدر الخمر خلًّا أو عصيرًا أو تعتبر قيمتها بحالها عند من يرى لها قيمة؟ فيه اضطراب للشيخين، فقد رآها هنا بالعصير، وفي نكاح المشرك بالقيمة عند أهلها، وفي تفريق الصفقة بالخل.
ولو قال: (وفي قول: بدله).. لكان أولى؛ لأن الخمر إذا قدر عصيرًا.. يجب مثله، وبدل المغصوب إذا كان مثليًّا يجب مثله، واختلف في محل القولين في الحر، فقيل: مطلقًا، والأصحُّ: هما فيما إذا قال: (أصدقتك هذا العبد) على ظن أنه عبد، أما إذا قال: (أصدقتك هذا الحر).. فالعبارة فاسدة، ويجب مهر المثل قطعًا.

أَوْ بِمَمْلُوكٍ وَمَغْصُوبٍ.. بَطَلَ فِيهِ وَصَحَّ فِي الْمَمْلُوكِ فِي الأَظْهَرِ وَتَتَخَيَّرُ؛ فَإِنْ فَسَخَتْ.. فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: قِيمَتُهُمَا، وَإِنْ أَجَازَتْ.. فَلَهَا مَعَ الْمَمْلُوكِ حِصَّةُ الْمَغْصُوب مِنْ مَهْرِ مِثْلٍ بحَسَبِ قِيمَتِهِمَا، وَفِي قَوْلٍ: تَقْنَعُ بِهِ. وَلَوْ قَالَ: (زَوَّجْتُكَ بنْتِي وَبِعْتُكَ ثَوْبَهَا بِهَذَا العَبْدِ).. صَحَّ النِّكَاحُ، وَكَذَا الْمَهْرُ وَالْبَيع فِي الأَظْهَرِ، وَيُوَزَّعُ الْعَبْدُ عَلَى الثَّوْبِ وَمَهْرِ مِئْلٍ. وَلَوْ نَكَحَ بِأَلْفٍ عَلَى أَنَّ لِأبِيهَا أَوْ أَنْ يُعْطِيَهُ أَلْفًا.. فَالْمَذْهَبُ: فَسَادُ الصَّدَاقِ وَوُجُوبُ مَهْرِ مِثْلٍ.

(أو بمملوك ومغصوب.. بطل فيه وصحَّ في المملوك في الأظهر) هما قولا تفريق الصفقة، وسبق في المبيع شرحهما، (وتتخير) هي؛ لأن المسمَّى بتمامه لم يسلم لها (فإن فسخت.. فمهر مثل، وفي قول: قيمتهما) هما القولان السابقان.
وكان ينبغي أن يقول: (بدلهما)؛ لما ذكرناه.
(وإن أجازت.. فلها مع المملوك حصة المغصوب من مهر مثل بحسب قيمتهما) عملًا بالتوزيع، (وفي قول: تقنع به) ولا شيء لها غيره.
(ولو قال: "زوجتك بنتي وبعتك ثوبها بهذا العبد".. صح النكاح، وكذا المهر والبيع في الأظهر) لتفريق الصفقة في الحكم.
وهذه المسألة مكررة؛ فإن المصنف ذكرها في آخر (باب المناهي).
(ويوزع العبد على الثوب ومهر مثل) فإذا كان مهر المثل ألفًا وقيمة الثوب ألفًا، والعبد يساوي ألفين؛ فنصفه مبيع، ونصفه صداق حتى يرجع إلى نصفه عند الطلاق، وإلى جميعه عند ردتها.
(ولو نكح بألف على أن لأبيها) ألفًا (أو أن يعطيه ألفًا.. فالمذهب: فساد الصداق ووجوب مهر مثل).
اعلم: أن المزني رحمه الله تعالى نقل في "المختصر" في الأولى: فساد الصداق، وفي الثانية: جوازه 1، وللأصحاب طرق: أصحها: ما ذكره المصنف، ويفسد شرط الإعطاء؛ كما يفسد بشرط الاستحقاق؛ لأن لفظ الإعطاء يقتضي

وَلَوْ شَرَطَ خِيَارًا فِي النِّكِّاحِ.. بَطَلَ النِّكِّاحُ، أَوْ فِي الْمَهْرِ.. فَالأَظْهَرُ: صِحَّةُ النِّكِّاحِ لَا الْمَهْرِ. وَسَائِرُ الشُّرُوطِ إِنْ وَافَقَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ أَوْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ غَرَضٌ.. لَغَا،

الاستحقاق والتمليك أيضًا، ألا ترى أنه لو قال: (بعتك هذا على أن تعطيني عشرة).. صح البيع.
وعلى هذا: منهم من غلَّط المزني في نقله الصورة الثانية، ومنهم من تأوله فقال: قوله: (جاز) يحتمل أن يريد النكاح دون الصداق.
والطريق الثاني: تقرير النصين، والفرق: أن قوله: (على أن لأبيها) ظاهر في استحقاق الألف لغير الزوجة، بخلاف الثانية؛ لاحتمال أن يعطيه ألفًا من الصداق؛ لأنها وكلته في إيصاله أحد الألفين.
والثالث: طرد قولين فيهما وجه الفساد: ما بيناه، ووجه الصحة: أن الكل في مقابلة البضع وهي المالكة له فتستحقهما، وتلغو الإضافة إلى الأب، وقيل: إن شرط الزوج ذلك.. فسد، وإن شرطته.. فلا.
(ولو شرط خيارًا في النكاح.. بطل النكاح) لأنه عقد معاوضة لا يثبت فيه خيار الشرط، فيفسد بشرطه؛ كالصرف.
(أو في المهر.. فالأظهر: صحة النكاح) لأن فساد الصداق لا يؤثر في النكاح، والثاني: يبطل؛ لأنه أحد العوضين، والخيار في أحد العوضين يتداعى إلى الآخر؛ فكأنه شرط الخيار في المنكوحة.
(لا المهر) أي: فإن الأصح: أنه يفسد ويجب مهر المثل؛ لأن الصداق لا يتمحض عوضًا بل فيه معنى النحلة؛ فلا يليق به الخيار، والمرأة لم ترض بالمُسمَّى إلا بالخيار، والثاني: يصح؛ لأن الصداق عقد مستقلٌّ بنفسه والمقصود منه: المال، فلا يفسد بشرط الخيار؛ كالبيع.
(وسائر الشروط) أي: باقيها (إن وافق مقتضى العقد) 1 كشرط القسم والنفقة (أو لم يتعلق به غرض) كما إذا زوَّجه على أن يهب لفلان شيئًا (.. لغا) كما في نظيره

وَصَحَّ النِّكَاحُ وَالْمَهْرُ. وَإِنْ خَالَفَ وَلَمْ يُخِلَّ بِمَقْصُودِهِ الأَصْلِيِّ كَشَرْطِ أَلَّا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا أَوْ لَا نَفَقَةَ لَهَا.. صَحَّ النِّكَاحُ وَفَسَدَ الشَّرْطُ وَالْمَهْرُ، وَإِنْ أَخَلَّ كَأَلَّا يَطَأَ أَوْ يُطَلِّقَ.. بَطَلَ النِّكَاحُ. وَلَوْ نَكَحَ نِسْوَةً بِمَهْرٍ.. فالأَظْهَرُ: فَسَادُ الْمُسَمَّى، وَلِكُلٍّ مَهْرُ مِثْلٍ.

من البيع، ومراده بالإلغاء: عدم التأثير فيهما، لا أنه باطل، (وصح النكاح والمهر) لأن ذلك تأكيد من غير منافاة.
(وإن خالف) مقتضاه (ولم يخل بمقصوده الأصلي؛ كشرط ألا يتزوج عليها، أو لا نفقة لها.. صح النكاح) لأنه لا يمنع المقصود، وهو الاستمتاع، والنكاح لا يفسد بفساد العوض فلأن لا يفسد بفساد الشرط أولى.
(وفسد الشرط) لها وعليها؛ لأنه يخالف موجب العقد (والمهر) لأن الشرط إن كان لها.. فلم ترض بالمُسمَّى وحده، وإن كان عليهما.. فلم يرض الزوج ببدل المُسمَّى إلا عند سلامة ما شرطه، وقيل: لا يفسد المهر؛ كالنكاح؛ فعلى الصحيح: يجب مهر المثل، زاد المُسمَّى أو نقص.
(وإن أخل؛ كألا يطأ أو يطلق.. بطل النكاح) لأنه ينافي مقصود العقد فأبطله، وجزم المصنف بالبطلان تبعًا لـ"المحرر" 1، وقال في "الشرح الصغير": إنه الأشبه، لكن صححا في "الروضة" و"أصلها" و"تصحيح التنبيه" البطلان فيما إذا شرطت ذلك الزوجة، والصحة فيما إذا شرطه الزوج؛ لأنه حقه فله تركه والتمكين عليها 2، قال الأَذْرَعي: وهذا الذي عليه الجمهور، ولا فرق بين اشتراط ترك الوطء مطلقًا أو ليلًا فقط أو نهارًا فقط، أو في السنة إلا مرة، ومسألة ما إذا شرط أن يطلق مكررة في "الكتاب"؛ فقد ذكرها عند الكلام على التحليل.
(ولو نكح نسوة بمهر.. فالأظهر: فساد المسمَّى، ولكلٍّ مهرُ مثلٍ) 3 لأن كل واحدة تجهل ما يخصها في الحال؛ فلم يصح، والثاني: يصح؛ كما لو اشترى منهن أربعة أعبد صفقة واحدة، وعلى هذا: يوزع المسمَّى على مهر أمثالهن، ولكل

وَلَوْ نَكَحَ لِطِفْلٍ بِفَوْقِ مَهْرِ مِثْلٍ، أَوْ أَنْكَحَ بنْتًا لَا رَشِيدَةً، أَوْ رَشِيدَةً بِكْرًا بِلَا إِذْنٍ بِدُونِهِ.. فَسَدَ الْمُسَمَّى، وَالأَظْهَرُ: صِحَّةُ النِّكَاحِ بِمَهْرِ مِثْلٍ. وَلَوْ تَوَافَقُوا عَلَى مَهْرٍ سِرًّا وَأَعْلَنُوا زِيَادَةً.. فَالْمَذْهَبُ: وُجُوبُ مَا عُقِدَ بِهِ. وَلَوْ قَالَتْ لِوَليِّهَا: (زَوِّجْنِي بِأَلْفٍ) فَنَقَصَ عَنْهُ.. بَطَلَ النِّكَاحُ، فَلَوْ

واحدة منهن ما يقتضيه التوزيع.
(ولو نكح لطفل بفوق مهر مثل، أو أنكح بنتًا لا رشيدة، أو رشيدة بكرًا بلا إذن بدونه) أي: بدون مهر المثل (.. فسد المسمَّى) لأن الولي مأمور بالحظ، ولا حظ والحالة هذه، والسفيه والمجنون كالطفل.
وقضية إطلاقه: فساد المُسمَّى ولو عقده الأب من ماله، وفيه احتمالان للإمام: أحدهما: [الفساد؛ كما اقتضاه كلام "الكتاب" لأنه يدخل في ملك الابن ولا يجوز التبرع به، وهذا ما رجحه المتولي والسرخسي، والثاني: ] 1 وبه قطع الغزالي والبغوي الصحة، وجزم به في "الحاوي الصغير" واختاره الأَذْرَعي وغيره 2؛ لأن في إفساده إضرارًا بالابن وإلزامًا له بإكمال المهر في ماله، ولم يرجحا في "الشرحين" و"الروضة" شيئًا 3. وقوله: (بنتًا) هو بالباء الموحدة ثم نون ثم مثناة من فوق، كذا ضبطه المصنف بخطه.
(والأظهر: صحة النكاح بمهر مثل) لأنه لا يفسد بفساد الصداق، والثاني: لا يصح؛ لأنه ترك مصلحة المُولي عليه، فصار كترك الكفاءة.
(ولو توافقوا على مهر سرًّا وأعلنوا زيادة.. فالمذهب: وجوب ما عقد به) لأن الصداق يجب به؛ فوجب ما عقد به، وسواء كان العقد سرًّا بالأقل أو بالأكثر، والطريق الثاني: إثبات قولين؛ لتعارض التصريح وإصطلاحهما.
(ولو قالت لوليها: "زوجني بألف" فنقص عنه.. بطل النكاح) للمخالفة (فلو

أَطْلَقَتْ فَنَقَصَ عَنْ مَهْرِ مِثْلٍ.. بَطَلَ، وَفِي قَوْلٍ: يَصِحُّ بِمَهْرِ مِثْلٍ.
قُلْتُ: الأَظْهَرُ: صِحَّةُ النِّكَاحِ فِي الصُّورَتَيْنِ بمَهْرِ الْمِثْلِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ [في التفويض]

قَالَتْ رَشِيدَةٌ: (زَوِّجْنِي بِلَا مَهْرٍ)، فَزَوَّجَ وَنَفَى الْمَهْرَ أَوْ سَكَتَ.. فَهُوَ تَفْوِيضٌ صَحِيحٌ،

أطلقت، فنقص عن مهر مثل.. بطل) لأن الإذن المطلق محمول على مهر المثل؛ فكأنها قيدت به، (وفي قول: يصح بمهر المثل) إذ ليست المخالفة صريحة، ولو زوجها بلا مهر.. فالقولان، وديل: يبطل قطعًا، وهذا الخلاف والترجيح ذكره الخراسانيون، وجرى عليه الرافعي، (قلت: الأظهر: صحة النكاح في الصورتين بمهر المثل، والله أعلم) كما في سائر الأسباب المفسدة للصداق، وهذا ما قطع به العراقيون، ونصَّ الشافعي في "الأم" في مواضع على ما يوافقه 1.

(فصل: قالت رشيدة: "زوجني بلا مهر"، فزوَّج ونفى المهر أو سكت) عن ذكر المهر (.. فهو تفويض صحيح) لأن حقيقته إخلاء النكاح عن المهر، وقد وجد، وحكم التفويض الصحيح: أنه لا يجب شيء بالعقد، والفاسد: أنه يجب مهر مثل بالعقد، وسيأتي حكمه.
وظاهره: أنها لو قالت: (زوجني) وسكتت عن المهر.. فليس بتفويض، وهو ما رجحه في "الشرح الصغير"؛ لأن النكاح يعقد بالمهر غالبًا، فيحمل مطلق الإذن عليه، وقيل: هو تفويض صحيح، ونصَّ عليه في "الأم"، وصوبه في "المهمات" وقال: إنه المفتى به 2، وليس في "الروضة" و"أصلها" ترجيح 3، وقضية إطلاق المصنف نفي المهر: أنها لو قالت: (زوجني بلا مهر في الحال ولا عند الدخول،

وَكَذَا لَوْ قَالَ سَيِّدُ أَمَةٍ: (زَوَّجْتُكَهَا بلَا مَهْرٍ). وَلَا يَصِحُّ تفوِيضُ غَيْرِ رَشِيدَةٍ. وَإِذَا جَرَى تفوِيضٌ صَحِيحٌ.. فَالأَظْهَرُ: أنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ بِنَفْسِ الْعَقْدِ، فَإِنْ وَطِئَ.. فَمَهْرُ مِثْلٍ، وَيُعْتبَرُ بِحَالِ الْعَقْدِ فِي الأَصَحِّ.

ولا غيره) فزوجها.. يكون تفويضًا صحيحًا، وهو أحد وجهين بلا ترجيح، والثاني: أنه تفويض فاسد.
ولو عبر المصنف بمطلقة التصرف.. لكان أولى، إذ الأصح: أنها لو سفهت ولم يحجر عليها.. كانت كرشيدة في التصرف.
(وكذا لو قال سيد أمة: "زوجتكها بلا مهر") لأنه المستحق للمهر، فأشبه الرشيدة، فظاهر كلامه: أنه لو سكت عن ذكر المهر لا يكون تفويضًا، وليس كذلك؛ كما حكاه الرافعي عن الأصحاب، ونص عليه في "الأم"، وفرق ابن الرفعة بين هذا وبين ما إذا سكتت الحرة عن المهر، وقلنا: لا يكون تفويضًا؛ فإن المرأة إذا أطلقت الإذن.. جاز أن يحمل على أن الولي يذكر المهر، فلذلك لم يجعل تفويضًا، ولا كذلك السيد فإنه لم يكن له تحليفه، فعُدَّ تفويضًا.
(ولا يصح تفويض غير رشيدة) لأن التفويض تبرع.
نعم؛ يستفيد الولي من السفيهة بذلك الإذن في النكاح، ويلغو فيما يرجع إلى المهر.
(وإذا جرى تفويض صحيح.. فالأظهر: أنه لا يجب شيء بنفس العقد) إذ لو وجب به لتشطر بالطلاق قبل الدخول؛ كالمُسمَّى، وقد دلَّ القرآن على أنها لا تستحق إلا المتعة، والثاني: يجب؛ لأنه لو لم يجب.. لما استقر بالموت.
(فإن وطئ.. فمهو مثل) لأن البضع لا يتمحض حقًّا للمرأة بل فيه حق لله تعالى؛ بدليل أنه لا يباح بالإباحات، فيصان عن التصوير بصورة المباحات.
نعم؛ يستثنى: ما لو نكحها في الكفر تفويضًا، ثم أسلما ووطئ.. فلا مهر إن اعتقدوا أن لا مهر لها بحال.
(ويعتبر) مهر المثل (بحال العقد في الأصح) لأنه الذي اقتضى الوجوب عند الوطء، وهذا ما صححه في "المحرر" و"الشرح الصغير" 1، والثاني:

وَلَهَا قَبْلَ الْوَطْءِ مُطَالَبَةُ الزَّوْجِ بِأَنْ يَفْرِضَ مَهْرًا، وَحَبْسُ نَفْسِهَا لِيَفْرِضَ، وَكَذَا لِتَسْلِيمِ الْمَفْرُوضِ فِي الأَصَحِّ. وَيُشْتَرَطُ رِضَاهَا بِمَا يَفْرِضُهُ الزَّوْجُ لَا عِلْمُهَا بِقَدْرِ مَهْرِ الْمِثْلِ فِي الأَظْهَرِ.

بحال الوطء؛ لأنه وقت الوجوب.
قال في "العجالة": وهذا ما صححه في "الروضة" تبعًا للرافعي.
انتهى 1، وهو وهم، بل الأظهر في "الروضة" و"أصلها": وجوب أكثر مهر من العقد إلى الوطء 2، فلو كان يوم الوطء أكثر.. اعتبر؛ لأنه لما دخل البضع في ضمانه وأقترن به إتلاف.. وجب الأقصى؛ كالمقبوض بالبيع الفاسد.
(ولها قبل الوطء مطالبة الزوج بأن يفرض مهرًا) لتكون على بصيرة من تسليم نفسها، (وحبس نفسها ليفرض) لما ذكرناه (وكذا لتسليم المفروض في الأصح) كما لها ذلك في المُسمَّى في العقد، والثاني: لا، لأنها سامحت بالمهر فكيف تضايق بتقديمه؟ وحكاه الإمام عن الأصحاب 3، ولا تصحيح في "الشرحين".
نعم؛ صحح في "زيادة الروضة" ما في "الكتاب" 4. (ويشترط رضاها بما يفرضه الزوج) 5 لأن الحق لها؛ فإن لم ترض به.. فكأنه لم يفرض، (لا علمها بقدر مهر المثل في الأظهر) هذا الخلاف مبني على أنها ملكت بالعقد أن تملك مهر المثل، أو مهرًا يتقدر بالفرض؛ فإن قلنا: بالأول وهو الجديد.. فلا بد من العلم به، وإلا.. فلا، وقضية البناء: ترجيح الاشتراط، وهو المنصوص في "الأم" و"المختصر" و"البويطي" 6، والخلاف فيما قبل الدخول، أما بعده.. فلا يصح تقديره إلا بعد علمها بقدره قولًا واحدًا؛ لأنه قيمة مستهلك، قاله الماوردي 7.

وَيَجُوزُ فَرْضُ مُؤَجَّلٍ فِي الأَصَحِّ، وَفَوْقَ مَهْرِ مِثْلٍ، وَقِيلَ: لَا إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ. وَلَوِ امْتَنَعَ مِنَ الْفَرْضِ أَوْ تنَازَعَا فِيهِ.. فَرَضَ الْقَاضِي نَقْدَ الْبَلَدِ حَالًّا. قُلْتُ: ويفْرِضُ مَهْرَ مِثْلٍ وَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَا يَصِحُّ فَرْضُ أَجْنَبِيٍّ مِنْ مَالِهِ فِي الأَصَحِّ.

(ويجوز فرض مؤجل في الأصح) بالتراضي؛ كما يجوز تأجيل المُسمَّى ابتداءً، والثاني: المنع؛ لأنه لا مدخل للأجل في الأصل، وهو مهر المثل فكذا بدله.
(وفوق مهر مثل) سواء أكان من جنسه أم لا؛ للتراضي، (وقيل: لا إن كان من جنسه) لأن مهر المثل هو الأصل، فلا يزاد البدل عليه.
وقضيته: أنه لو كان من غير جنسه.. جاز قطعًا، وهو كذلك، فلو عيَّن عوضًا تزيد قيمته على مهر المثل.. فلا خلاف في جوازه؛ لأن القيمة ترتفع وتنخفض فلا تتحقق الزيادة.
(ولو امتنع من الفرض أو تنازعا) أي: الزوجان (فيه) أي: في قدر المفروض (.. فرض القاضي) لأنه نائبه؛ فصلًا للخصومة (نقد البلد حالًّا) وإن رضيت بالتأجيل؛ كقِيَم المُتْلفات؛ لأن منصب القاضي يقتضي ذلك.
(قلت: ويفرض مهر مثل) بلا زيادة ولا نقص؛ لأنه قيمة البضع، ودفعًا للضرر من الجانبين.
نعم؛ تُغتفر الزيادة والنقص اليسير الواقع في الاجتهاد.
(ويشترط علمه به، والله أعلم) أي: يشترط علم القاضي بقدر مهر المثل حتى لا يزيد عليه ولا ينقص؛ لأنه متصرف على غيره بغير إذن.
(ولا يصح فرض أجنبي من ماله في الأصح) لأنه تغيير لما يقتضيه العقد، فلا يليق بغير المتعاقدين إلا بوكالة أو نيابة، والثاني: يصح؛ كما يؤدى الصداق عنه بغير إذنه، وكلام المصنف والغزالي يقتضي جريان الخلاف في إصداق الدين والعين 1، قال صاحب "المطلب": وكلام العراقيين يقتضي: تخصيصه بالعين، وهو أقيس؛ لأن الدين لا يقبل أن يدخله في ملك الزوج حتى يقع عنه، بخلاف العين.

وَالْفَرْضُ الصَّحِيحُ كَمُسَمّى؛ فَيَتَشَطَّرُ بِطَلَاقٍ قَبْلَ وَطْءٍ، وَلَوْ طَلَّقَ قَبْلَ فَرْضٍ وَوَطْءٍ.. فَلَا شَطْرَ، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَهُمَا.. لَمْ يَجبْ مَهْرُ مِثْل فِي الأَظْهَرِ.
قُلْتُ: الأَظْهَرُ: وُجُوبُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ [في بيان مهر المثل]

مَهْرُ الْمِثْلِ: مَا يُرْغَبُ بِهِ فِي مِثْلِهَا، وَرُكْنُهُ الأَعْظَمُ نَسَبٌ، فَيُرَاعَى أَقْرَبُ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى مَنْ تُنْسَبُ إِلَيْهِ،

(والفرض الصحيح كمسمّى؛ فيتشطر بطلاق قبل وطء) لأنه مفروض بالتراضي، فصار كالمُسمَّى في العقد.
واحترز بـ (الصحيح): عن الفاسد، فإنه يلغى ولا يؤثر في تشطير المهر.
(ولو طلق قبل فرض ووطء.. فلا شطر) ولها المتعة؛ لما سيأتي أواخر الباب.
(وإن مات أحدهما قبلهما.. لم يجب مهر مثل في الأظهر) قياسًا على الفرقة بالطلاق، وهذا ما عزاه في "الشرح الصغير" للأكثرين، واقتضاه كلام "الكبير" 1. (قلت: الأظهر: وجوبه، والله أعلم) لأنه صلى الله عليه وسلم قضى في بِرْوَعَ بنت واشِق -وقد نكحت بغير مهر فمات زوجها- بمهر نسائها والميراث، قال الترمذي: حسن صحيح 2، ولأن الموت قبل الدخول مقرر، بخلاف الطلاق.

(فصل: مهر المثل: ما يُرغب به في مثلها، وركنه الأعظم نسبٌ) لوقوع التفاخر به؛ فكان كالكفاءة في النكاح، (فيراعى أقرب من يُنسب إلى من تنسب إليه) لقضائه صلى الله عليه وسلم بمهر نسائها في الحديث السابق، والمراد: نساء عصباتها؛

وَأَقْرَبُهُنَّ: أُخْتٌ لِأبَوَيْنِ ثُمَّ لِأبٍ، ثُمَّ بَنَاتُ أَخٍ، ثُمَّ عَمَّاتٌ كَذَلِكَ... فَإِنْ فُقِدَ نِسَاءُ الْعَصَبَةِ أَوْ لَمْ يَنْكِحْنَ أَوْ جُهِلَ مَهْرُهُنَّ.. فَأَرْحَامٌ كَجَدَّاتٍ وَخَالَاتٍ.

لأن إطلاق هذا اللفظ ينصرف إليهن.
(وأقربهن: أخت لأبوين ثم لأب) لأن المدلي بجهتين مقدمٌ على الجهة، (ثم بنات أخ، ثم عمات كذلك) ثم بنات الأعمام، وتقدم جهة الأخوة على جهة العمومة، فلو وجد بنت بنت أخ وعمه.. قدمت بنت بنت الأخ؛ كما صرح به الماوردي 1، وإن اقتضى كلام المصنف والرافعي خلافه.
(فإن فقد نساء العصبة) من الأصل، أما لو متن.. اعتبرت كالحياة (أو لم ينكحن أو جهل مهرهن.. فأرحام كجدات وخالات) لأنهن أولى بالاعتبار من الأجانب، وتقدم القربى فالقربى من الجهات، وكذا تقدم القربى فالقربى من الجهة الواحدة؛ كالجدات، فإن تعذر الاعتبار بهن.. اعتبر نساء بلدها؛ فإن عدمن.. فأقرب البلاد ثم أقرب النساء بها شبهًا؛ لأنه الممكن، وتعتبر العربية بعربية مثلها، والأمة بأمة مثلها، وينظر إلى شرف سيدها وخسته، ومهر العتيقة بمثلها، وقيل: تعتبر المعتقة بنساء الموالي ويعتبر مع ما ذكر البلد، فإذا كان نساء عصباتها ببلدين هي في إحداهما.. اعتبر بعصبات بلدها، فإن كن كلهن ببلدة أخرى.. فالاعتبار بهن لا بأجنبيات بلدها، كذا جزما به 2، لكن نصَّ الشافعي رضي الله عنه في "الأم" و"البويطي" والقديم: على أنه لا يعتبر بعصباتها الغائبات عن بلدها، وجرى عليه الماوردي 3 والمَحاملي والجرجاني والدارمي، قال الأَذْرَعي: وهو المذهب، والرافعي متبع فيما ذكره البغوي، وهو شاذ.
وقضية كلام المصنف والرافعي: أن الأم لا تعتبر، وتعتبر أمها 4، وفي "الحاوي" و"البحر": تقدم الأم ثم الأخت للأم ثم الجدات 5، والمراد بالأرحام هنا: قرابات

وَيُعْتبَرُ سِنٌّ وَعَقْلٌ وَيَسَارٌ وَبَكَارَةٌ وَثيُوبَةٌ وَمَا اخْتَلَفَ بِهِ غَرَضٌ، فَإِنِ اخْتَصَّتْ بِفَضْلٍ أَوْ نَقْصٍ.. زِيدَ أَوْ نُقِصَ لَائِقٌ بِالْحَالِ. وَلَوْ سَامَحَتْ وَاحِدَةٌ.. لَمْ تَجِبْ مُوَافَقَتُهَا. وَلَوْ خَفَضْنَ لِلْعَشِيرَةِ فَقَطْ.. اعْتُبِرَ. وَفِي وَطْءِ نِكَاحٍ فَاسِدٍ مَهْرُ مِثْلٍ يَوْمَ الْوَطْءِ، وَإِنْ تَكَرَّرَ.. فَمَهْرٌ

الأم لا ذوو الأرحام المذكورون في الفرائض؛ لأن الجدة أم الأم ليست منهن قطعًا.
(ويعتبر سن وعقل ويسار وبكارة وثيوبة وما اختلف به غرض) كالعلم والفصاحة والجمال، والصراحة وهي: شرف الأبوين، والهجين: الذي أبوه شريف دون أمه؛ لأن المهور تختلف باختلاف هذه الصفات، وإنما لم يعتبر الجمال وكذا المال على الأصحِّ في الكفاءة؛ لأن مدارها على دفع العار، ومدار المهر على الرغبات.
(فإن اختصت بفضل أو نقص.. زيد) في صورة الفضل (أو نقص) في الثاني (لائق بالحال) والرأي في ذلك منوط بنظر الحاكم.
(ولو سامحت واحدة.. لم تجب موافقتها) اعتبارًا بالغالب؛ كما لو سامح شخص ببيع سلعته بدون قيمتها لا يجعل ذلك أصلًا يرجع إليه.
نعم؛ يستثنى: ما لو كانت المسامحة لنقص دخل في النسب وفترت الرغبات.
(ولو خفضن للعشيرة فقط.. اعتبر) في حقهم دون غيرهم جريًا على عادتهن، بل ذكر الماوردي أنهن لو سامحن غير العشيرة دون العشيرة.. اعتبر، قال: ويكون ذلك في القبيلة الدنيئة، قال: وكذا لو سامحن الشباب دون الشيوخ، أو الشريف دون غيره 1، وذكر الفارقي وابن يونس: أن المهر يعتبر بحال الزوج أيضًا من اليسار والعلم والعفة والنسب؛ فقد تخفف عن العالم والموسر وتثقل على غيره؛ فعلى هذا: إذا وجد من النساء من بصفتها، وزوجُها مثل زوجها في الصفات المذكورة.. اعتبر بها، وإلا.. فلا.
(وفي وطء نكاح فاسد مهر مثل) لاستيفائه منفعة البضع؛ كوطء الشبهة (يوم الوطء) أي: حالة الوطء؛ إذ هو وقت الإتلاف.
(وإن تكرر.. فمهر) لأن فاسد كل عقد كصحيحه في الضمان، والوطآت في

فِي أَعْلَى الأَحْوَالِ. قُلْتُ: وَلَوْ تَكَرَّرَ وَطْءٌ بِشُبْهَةٍ وَاحِدَةٍ.. فَمَهْرٌ، فَإِنْ تَعَدَّدَ جِنْسُهَا.. تَعَدَّدَ الْمَهْرُ، وَلَوْ كَرَّرَ وَطْءَ مَغْصُوبَةٍ أَوْ مُكْرَهَةٍ عَلَى زِنًا.. تَكَرَّرَ الْمَهْرُ، وَلَوْ تَكَرَّرَ وَطْءُ الأَبِ وَالشَّرِيكِ وَسَيِّدٍ مُكَاتَبَةً.. فَمَهْرٌ، وَقِيلَ: مُهُورٌ،

النكاح الصحيح لا يوجب إلا واحدًا (في أعلى الأحوال) لأنه لو لم يوجد إلا تلك الوطأة.. وجب ذلك المهر العالي، فإذا لم توجب الوطآت الباقية زيادة لا توجب نقصًا.
وصورة المسألة: أن يطأها سليمة سمينة ثم مقطوعة هزيلة؛ فتجب مهر سليمة سمينة.
(قلت: ولو تكرر وطء بشبهةٍ واحدةٍ.. فمهرٌ) لشمول الشبهة [ويستثنى من وجوب المهر في وطء الشبهة ثلاث صور: إحداها: الحربية، فلا تستحق مهرًا وإن تكرر وطؤها، ذكره الرافعي في آخر (الردة) 1، الثانية: المرتدة، الثالثة: وطء العبد جارية سيده أو سيدته] 2. (فإن تعدد جنسها) بأن وطئها بنكاح فاسد، ثم وطئها يظنها أمته (.. تعدد المهر) لأن تعدد الشبهة كالأنكحة، ولو عبر: بتعدد الشبهة دون الجنس.. لكان أحسن، فإنه لو ظنها زوجته، ثم انكشف الحال، ثم ظنها زوجته ووطئها.. تعدد المهر مع أن الجنس واحد.
(ولو كرر وطء مغصوبة أو مكرهة على زنًا.. تكرر المهر) لانتفاء الشبهة الملحقة بالنكاح، والوجوب هنا بالإتلاف وقد تعدد، ولا بد من تقييد المغصوبة بكونها مكرهة، فإن كانت مطاوعة.. فلا مهر؛ لأنها بغي، وحينئذ فلا وجه لعطف المكرهة عليها.
(ولو تكرر وطء الأب) جارية الابن (والشريك) الجارية المشتركة (وسيد مكاتبة.. فمهر) لشمول الشبهة، (وقيل: مهور) لتعدد الإتلاف في ملك الغير مع

وَقِيلَ: إِنِ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ.. مَهْرٌ، وَإِلَّا.. فَمُهُورٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ [في تشطير المهر وسقوطه]

الْفُرْقَةُ قَبْلَ وَطْءٍ مِنْهَا أَوْ بِسَبَبِهَا.. كَفَسْخِهِ بعَيْبهَا يُسْقِطُ الْمَهْرَ، وَمَا لَا كَطَلَاقٍ وَإِسْلَامِهِ وَرِدَّتِهِ وَلِعَانِهِ وَإِرْضَاعِ أُمِّهِ أَوْ أُمِّهَا.. يُشَطِّرُهُ. ثُمَّ قِيلَ: مَعْنَى التَّشْطِيرِ: أَنَّ لَهُ خِيَارَ الرُّجُوعِ، وَالصَّحِيحُ: عَوْدُهُ بِنَفْسِ الطَّلَاقِ.

العلم بحقيقة الحال، (وقيل: إن اتحد المجلس.. فمهر، وإلا.. فمهور، والله أعلم) لانقطاع كل مجلس عن الآخر.

(فصل: الفرقة قبل وطء منها) كفسخها النكاح بعيبه، أو عتقها (أو بسببها.. كفسخه بعيبها.. يسقط المهر) لأنها أتلفت المعوض قبل التسليم فسقط العوض؛ كما لو أتلف المبيع قبل التسليم، (وما لا) يكون منها ولا بسببها (كطلاق) ولو باختيارها؛ بأن فوض إليها وعلقه على فعلها ففعلت، وسواء البائن وغيره، وكذا الخلع وإن جعلناه فسخًا.
(وإسلامه، وردته، ولعانه، وإرضاع أمه، أو أمها يُشطِّره) أما في الطلاق.. فلقوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، وأما في الباقي.. فبالقياس عليه.
(ثم قيل: معنى التشطير: أنَّ له خيار الرجوع) في النصف؛ فإن شاء تملكه وإن شاء تركه كالشفيع؛ لأنه لا يدخل في الملك بغير اختيار سوى الإرث.
(والصحيح: عوده) أي: النصف (بنفس الطلاق) للآية المتقدمة، ولم يصرح المصنف بمن يعود إليه الشطر، وهو الزوج، إن كان هو المصدق، أو كان صغيرًا وأصدق عنه أبوه من مال نفسه، ولو أصدق الأب عن البالغ من مال نفسه ثم طلق.. عاد الشطر إلى الأب؛ كما لو أصدق عن الزوج أجنبي، ثم طلق الزوج.. فإنه يعود الشطر إلى الأجنبي على الأصحِّ؛ كذا نقلاه في (الباب الثاني في الصداق الفاسد)، وأقراه 1، لكن قال الأَذْرَعي: إن المذهب الذي أورده أكثر العراقيين وغيرهم، ونصَّ

فَلَوْ زَادَ بَعْدَهُ.. فَلَهُ. وَإِنْ طَلَّقَ وَالْمَهْرُ تَالِفٌ.. فَنِصْفُ بَدَلِهِ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ. وَإِنْ تَعَيَّبَ فِي يَدِهَا؛ فَإِنْ قَنِعَ بِهِ.. فَلَا أَرْشَ، وَإِلَّا.. فَنِصْفُ قِيمَتِهِ سَلِيمًا.

عليه في "الأم" نصًّا صريحًا: عوده إلى الزوج.
ولو سلم العبد الصداق من كسبه ثم طلق قبل الدخول.. عاد النصف إلى السيد؛ فالعبرة بالمالك عند الإصداق لا عند ملك الزوج الصداق على الأصحِّ.
(فلو زاد) الصداق (بعده) أي: بعد الطلاق (.. فله) نصف الزيادة المتصلة والمنفصلة؛ لحدوثها من الملك المشترك، وأشار بـ (الفاء) إلى تفريع هذا على الصحيح، أما على الأول.. فالزيادة لها إن حدثت قبل اختيار التملك؛ كالحادثة قبل الطلاق.
(وإن طلق والمهر تالف.. فنصف بدله من مثلٍ) إن كان مثليًّا (أو قيمة) إن كان متقومًا؛ لأنه لو كان باقيًا.. لأخذ نصفه، فإذا فات.. رجع بنصف بدله؛ كما في الرد بالعيب.
(وإن تعيب في يدها؛ فإن قنع به) أي: بنصفه (.. فلا أرش) كما لو تعيب المبيع في يد البائع، (وإلا) أي: وإن لم يقنع به (.. فنصف قيمته سليمًا) لأنه لا يلزمه الرضا بالمعيب، فله العدول إلى بدله.
واقتصاره على نصف القيمة محمولٌ على المتقوم، وأما المثلي.. فقيمة مثل نصفه؛ كما صرَّح به ابن الصباغ وغيره، وجزم فيه في "المطلب"، وهو واضح.
والتعبير بنصف القيمة عبر به الشافعي والجمهور، ووقع في كلام الغزالي قيمة النصف 1، وهو تساهل.
انتهى.
وما ذكره الغزالي تبع فيه إمامه، وذكر أن تعبيرهم بنصف القيمة تساهل، ومرادهم: قيمة النصف، وهو أقل من نصف القيمة؛ أي: لأنا إذا قومنا النصف.. نظرنا إلى جزء من الجملة، وذلك مما يوجب النقصان، فإن التشقيص عيب، وما ذكره مال إليه المصنف في (كتاب الوصية) فقال: القياص: قيمة النصف وهي

وَإِنْ تَعَيَّبَ قَبْلَ قَبْضِهَا.. فَلَهُ نِصْفُهُ نَاقِصًا بَلَا خِيَارٍ. فَإِنْ عَابَ بِجِنَايَةٍ وَأَخَذَتْ أَرْشَهَا.. فَالأَصَحُّ: أَنَّ لَهُ نِصْفَ الأَرْشِ. وَلَهَا زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ، وَخِيَارٌ فِي مُتَّصِلَةٍ، فَإِنْ شَحَّتْ.. فَنِصْفُ قِيمَتِهِ بِلَا زِيَادَةٍ، وَإِنْ سَمَحَتْ.. لَزِمَهُ الْقَبُولُ. وَإِنْ زَادَ وَنَقَصَ كَكِبَرِ عَبْدٍ

أقل 1، ومال إليه أيضًا ابن الرفعة والسبكي والإسنوي والبُلْقيني، ومن تبعهم.
(وإن تعيب قبل قبضها) بآفة سماوية (.. فله نصفه ناقصًا بلا خيار) ولا طلب أرش؛ لأنه حالة نقصه كان من ضمانه لا من ضمانها.
(فإن عاب بجناية وأخذت أرشها.. فالأصح: أن له نصف الأرش) مع نصف العين؛ لأنه بدل الفائت، والثاني: لا؛ كزيادة منفصلة.
(ولها زيادة منفصلة) كولد وثمرة وأجرة؛ لأنها حدثت في ملكها، والطلاق إنما يقطع ملكها من حين وجوده لا من أصله؛ فهو كرجوع الواهب بعد حدوث هذه الزيادة، إلا إذا كانت الزيادة ولد جارية لا يميز؛ فليس له ذلك؛ للتفريق، بل يرجع بقيمة النصف.
(و) لها (خيار في متصلة) كسمن وحرفة، (فإن شحَّت.. فنصف قيمته بلا زيادة) لأن الزيادة غير مفروضة، ولا يمكن الرد دونها فجعل المفروض كالهالك، ولا تمنع الزيادة المتصلة الاستقلال بالرجوع إلا في هذا الموضع، وفرقوا بفروق؛ منها: أن الزوج متهم بالطلاق بخلاف غيره.
(وإن سمحت) بالزيادة (.. لزمه القبول) لأنه حقه مع زيادة لا تتميز ولا تفرد بالتصرف، بل هي تابعة؛ فلا تعظم فيها المِنَّة.
(وإن زاد ونقص ككبر عبد) أي: كبرًا غير نقص؛ بأن بلغ حدًّا يمنع من دخوله على الحريم، فالزيادة من حيث إنه يقصد للصنائع والأسفار، والنقص من حيث منعه من الدخول على الحريم، وقد يكون الكبر زيادة محضة، كبلوغ ابن سنة خمس سنين أو نقصًا محضًا؛ كصيرورة الشاب شيخًا.

جارٍ التحميل