بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 537-576

كتاب المسابقة والمناضلة

صفحات 537-576

فَإِنْ لَمْ يَحْلِفِ الْمُدَّعِي وَلَمْ يَتَعَلَّلْ بِشَيْءٍ.. سَقَطَ حَقُّهُ مِنَ الْيَمِينِ، وَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْخَصْمِ، وَإِنْ تَعَلَّلَ بِإِقَامَةِ بَيِّنَةٍ أَوْ مُرَاجَعَةِ حِسَابٍ.. أُمْهِلَ ثَلَاثةَ أَيَّامٍ، وَقِيلَ: أَبَدًا، وَإِنِ اسْتَمْهَلَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حِينَ اسْتُحْلِفَ لِيَنْظُرَ حِسَابَهُ.. لَمْ يُمْهَلْ، وَقِيلَ: ثَلَاثةً، وَلَوِ اسْتَمْهَلَ فِي ابْتِدَاءِ الْجَوَابِ.. أُمْهِلَ إِلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ،

بالإقرار، وعلى القول الأول: تسمع، كذا قالاه هنا 1، وخالفاه بعد ذلك في أثناء الركن الخامس قبيل المدرك الثالث من مدرك ترجيح البينة فرجحا السماع 2، قال في "المهمات" هناك: والصحيح: عدم سماعها 3، وقال البُلْقيني: الأصح: سماعها، وعدم السماع تفرد به القاضي الحسين، وهو ضعيف، وقال الزركشي: الصواب: هو السماع؛ فإنه إقرار تقديري لا تحقيقي، فلم يصدر منه إقرار مكذب لها.
(فإن لم يحلف المدعي، ولم يتعلل بشيء.. سقط حقه من اليمين) لإعراضه (وليس له مطالبة الخصم) إلا أن يقيم بينة؛ كما لو حلف المدعى عليه.
(وإن تعلل بإقامة بينة، أو مراجعة حساب) أو سؤال الفقهاء في جواز الحلف له (.. أمهل ثلاثة أيام) فقط؛ لئلا تطول المدافعة، (وقيل: أبدًا) لأن اليمين حقه، فله تأخيره إلى أن يشاء؛ كالبينة.
(وإن استمهل المدعى عليه حين استحلف لينظر حسابه.. لم يمهل) إلا برضا المدعي؛ لأنه مقهور محمول على الإقرار أو اليمين، بخلاف المدعي، فإنه مختار في طلب حقه وتأخيره، (وقيل: ثلاثة) للحاجة، وهي مدة قريبة لا يتضرر بها المدعي.
(ولو استمهل في ابتداء الجواب) لينظر في الحساب (.. أمهل إلى آخر المجلس) لم يجزم بهذا في "المحرر" بل قال: فقد ذكر أنه يمهل 4، وأشار به إلى القاضي

وَمَنْ طُولِبَ بِزَكَاةٍ فَادَّعَى دَفْعَهَا إِلَى سَاعٍ آخَرَ أَوْ غَلَطَ خَارِصٍ وَأَلْزَمْنَاهُ الْيَمِينَ فَنَكَلَ وَتَعَذَّرَ رَدُّ الْيَمِينِ.. فالأَصَحُّ: أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ. وَلَوِ ادَّعَى وَلِيُّ صَبِيٍّ دَيْنًا لَهُ فَأَنْكَرَ وَنَكَلَ.. لَمْ يُحَلَّفِ الْوَلِيُّ، وَقِيلَ: يُحَلَّفُ، وَقِيلَ: إِنِ ادَعَى مُبَاشَرَةَ سَبَبِهِ.. حُلِّفَ.

أبي سعيد الهروي؛ فإنه قال: يمهله إلى آخر المجلس إن شاء، ونقلاه عنه في "الشرح" و"الروضة" 1، قال البُلْقيني: وهو مخالف لما يظهر من كلام الشافعي وأصحابه ولمقتضى القواعد، وبسط ذلك.
(ومن طولب بزكاة فادعى دفعها إلى ساع آخر أو غلط خارص وألزمناه اليمين فنكل وتعذر رد اليمين.. فالأصح: أنها تؤخذ منه) لأن مقتضى ملك النصاب ومضي الحول: الوجوب، فإذا لم يأت بدافع.. أخذنا الزكاة منه بمقتضى الأصل، وليس هذا حكمًا بالنكول، خلافًا لابن القاص، والثاني: لا يطالب بشيء؛ إذ لم تقم عليه حجة، وهذا مستثنى من قوله أولًا: (ولا يقضى بنكوله)، وقوله: (وألزمناه اليمين)؛ أي: على المرجوح؛ فإن الأصح: استحبابها؛ فإن قلنا به.. لم يطالب بشيء.
وقوله: (وتعذر رد اليمين)؛ أي: بألا ينحصر المستحقون في البلد أو انحصروا وجوزنا النقل؛ فإن الرد على السلطان أو الساعي متعذر، فأما إذا انحصروا ومنعنا النقل.. فإن اليمين لا يتعذر ردها عليهم.
(ولو ادعى ولي صبي) أو مجنون (دينًا له فأنكر ونكل.. لم يحلف الولي) لأن إثبات الحق للإنسان بيمين غيره مستبعد فيوقف للبلوغ أو الإفاقة، (وقيل: يحلف) لأنه المستوفي له، (وقيل: إن ادعى مباشرة سببه) أي: ادعى ثبوته بسبب باشره بنفسه (.. حلف) وإلا.. فلا، قال الرافعي: ولا بأس به، وقد رجحه العبادي، وأجاب به السَّرَخْسي، لكن مال المذهبيون إلى ترجيح المنع مطلقًا 2، وما رجحه هنا مخالف لما صححه في (كتاب الصداق) فيما إذا اختلف في قدره زوج وولي صغيرة أو مجنونة؛ فإنه صحح التحالف كما سلف في بابه، وكذا في "الروضة" و"أصلها"

فصلٌ [في تعارض البينتين]

ادَّعَيَا عَيْنًا فِي يَدِ ثَالِثٍ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً.. سَقَطَتَا، وَفِي قَوْلٍ: تُسْتَعْمَلَانِ، فَفِي قَوْلٍ: تُقْسَمُ، وَقَوْلٍ: يُقْرَعُ،

هناك 1، قال في "المهمات": وعليه الفتوى، فقد نصَّ عليه في "الأم" 2.

(فصل: ادعيا عينًا في يد ثالث) ولم ينسبها إلى أحدهما لا قبل البينة ولا بعدها، (وأقام كل منهما بينة.. سقطتا) لأنهما مثناقضتا الموجب؛ فأشبه الدليلين إذا تعارضا ولا مرجح؛ فعلى هذا كأنه لا بينة، ويصار إلى التحليف، قال الرافعي: وهذا منسوبٌ إلى القديم 3؛ فالمسألة من المسائل التي رجح فيها القديم، واعترض: بأن الشافعي نصَّ عليه في "الأم" و"البويطي" كما أفاده البَنْدَنيجي؛ فليس قديمًا صرفًا.
(وفي قول: تستعملان) صيانةً لهما عن الإسقاط بقدر الإمكان؛ فعلى هذا: تنزع العين ممن هي؛ لاتفاق البينتين على أنها ليست له، (ففي قول: تقسم) بينهما نصفين؛ لما رواه ابن حبان في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلين ادعيا دابة، وأقام كلُّ واحد شاهدين بأنها له، فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم نصفين 4. وأجيب عنه: بأنه يحتمل أن العين كانت في يديهما؛ فأبطل البينتين وقسمها بينهما.
(وقول: يقرع) ويرجح من خرجت قرعته؛ لحديث فيه في "مراسيل أبي داوود"، وذكر البيهقي له شاهدًا 5.

وَقَوْلٍ: تُوقَفُ حَتَّى يَتبَيَّنَ أَوْ يَصْطَلِحَا. فَلَوْ كَانَتْ فِي يَدِهِمَا وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ.. بَقِيَتْ كَمَا كَانَتْ، وَلَوْ كَانَتْ بِيَدِهِ فَأَقَامَ غَيْرُهُ بِهَا: بَيِّنَةً وَهُوَ: بَيِّنَةً.. قُدِّمَ صَاحِبُ الْيَدِ، وَلَا تسمَعُ بَيِّنَتُهُ إِلَّا بَعْدَ بَيِّنَةِ الْمُدَّعِي

وأجاب الأول عنه: بأنه يحتمل أن يكون ذلك الأمر، عتقًا أو قسمة.
(وقول: توقف حتى يتبين، أو يصطلحا) لأن إحداهما صادقة، والأخرى كاذبة فتوقف؛ كما لو زوج المرأة وليان مرتبان ونسي السابق.
ولم يرجح واحدًا من هذه الأقوال، وكأن عدم الاعتناء به؛ لتفريعها على الضعيف، وفي "المهمات": أن المصحح منها: الوقف، جزما به في أوائل التحالف 1. (فلو كانت في يدهما وأقاما بينتين.. بقيت كما كانت) تفريعًا على الصحيح، وهو التساقط؛ إذ لا مستحق لها غيرهما، وليس أحدهما أولى من الآخر.
(ولو كانت بيده فأقام غيره بها بينة وهو بينة.. قُدِّم صاحب اليد) لما رواه أبو داوود عن جابر: أن رجلين تداعيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا، وأقام كل واحد منهما بينة، فقضى به للذي هو في يده 2، ولأنهما استويا في إقامة البينة، وترجحت بينته بيده فقدمت؛ كالخبرين مع أحدهما قياس، وسواء اليد الحكمية؛ كالتصرف، والحسيَّة؛ كالإمساك.
واقتضى إطلاقه: أنه لا يشترط في سماع بينة اليد أن يبيِّن سبب الملك؛ من شراء أو إرث ونحوهما؛ كبينة الخارج، وأنه لا يشترط أن يحلف مع بينته، وهو الأصح فيهما.
(ولا تسمع بينته إلا بعد) سماع (بينة المدعي) لأن الحجة إنما تقام على خصم، وقيل: تسمع بينته وإن لم يدع عليه لغرض التسجيل، قال الزنجاني في "شرح الوجيز": وعليه العمل في الآفاق، وتسمع بينته بعد بينة المدعي وإن لم تعدل على الأصح؛ لتعرض يده للزوال.

وَلَوْ أُزِيلَتْ يَدُهُ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةٍ بِمِلْكِهِ مُسْتَنِدًا إِلَى مَا قَبْلَ إِزَالَةِ يَدِهِ وَاعْتَذَرَ بِغَيْبَةِ شُهُودِهِ.. سُمِعَتْ وَقُدِّمَتْ، وَقِيلَ: لَا. وَلَوْ قَالَ الْخَارِجُ: (هُوَ مِلْكِي اشْتَرَيْتُهُ مِنْكَ)، فَقَالَ: (بَلْ مِلْكِي)، وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ.. قُدِّمَ الْخَارِجُ، وَمَنْ أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِشَيْءٍ ثُمَّ ادَّعَاهُ.. لَمْ تُسْمَعْ إِلَّا أَنْ يَذْكُرَ انْتِقَالًا، وَمَنْ أُخِذَ مِنْهُ مَالٌ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ ادَّعَاهُ.. لَمْ يُشْتَرَطْ ذِكْرُ الانْتِقَالِ فِي الأَصَحِّ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ زِيَادَةَ عَدَدِ شُهُودِ أَحَدِهِمَا لَا تُرَجِّحُ،

(ولو أزيلت يده ببينة ثم أقام بينة بملكه مستندًا إلى ما قبل إزالة يده واعتذر بغيبة شهوده.. سمعت وقدمت) لأن يده أزيلت؛ لعدم الحجة، فإذا ظهرت.. حكم بها، (وقيل: لا) لأن تلك اليد قُضيَ بزوالها، فلا ينقض القضاء، قال القاضي: وقد أشكلت عليَّ هذه المسألة نيفًا وعشرين سنة؛ لما فيها من نقض الاجتهاد بالاجتهاد [وتردد جوابي فيها ثم استقر على أنه لا ينقض.
انتهى، والقائل بالأول يمنع كونه من باب نقض الاجتهاد بالاجتهاد] 1؛ لأنه إنما قضى على تقدير ألا معارضة ولا حجة، فإذا ظهرت الحجة.. حكم بها، وكأنه لما حكم.. استثنى هذه الحالة.
(ولو قال الخارج: "هو ملكي اشتريته منك"، فقال: "بل ملكي"، وأقاما بينتين.. قدم الخارج) لزيادة علم بينته بالانتقال، وكذا لو أقام الخارج بينة أن المدعى به ملكه غصبه منه الداخل أو أجره له أو أودعه عنده، وأقام الداخل بينة بأنه ملكه؛ فإنه يقدم بينة الخارج على الأصح، ولو قال كل منهما لصاحبه: (اشتريته منك)، وأقام بذلك بينة، وخفي التاريخ.. قدم الداخل.
(ومن أقر لغيره بشيء ثم ادعاه.. لم تسمع إلا أن يذكر انتقالًا) من المقر له؛ لأن المقر مؤاخذ بإقراره في المستقبل، فيستصحب ما أقر به إلى أن يثبت الانتقال.
(ومن أخذ منه مال ببينة ثم ادعاه.. لم يشترط ذكر الانتقال في الأصح) كالأجنبي؛ فإنه لا خلاف أنه لو ادعى عليه أجنبي وأطلق أنه يسمع، والثاني: يشترط؛ كما لو أقَّر.
(والمذهب: أن زيادة عدد شهود أحدهما لا ترجح) بل يتعارض؛ لكمال الحجة من الطرفين هذا هو الجديد، والقديم: يرجح؛ كالرواية،

وَكَذَا لَوْ كَانَ لِأحَدِهِمَا رَجُلَانِ وَلِلآخَرِ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، فَإِنْ كَانَ لِلآخَرِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ.. رُجِّحَ الشَّاهِدَانِ فِي الأَظْهَرِ، وَلَوْ شَهِدَتْ لِأحَدِهِمَا بِمِلْكٍ مِنْ سَنَةٍ وَلِآخَرَ مِنْ أَكْثَرَ.. فَالأَظْهَرُ: تَرْجِيحُ الأَكْثَرِ،

وفرق الجديد: بأن للشهادة نصابًا فيتبع، ولا ضبط في الرواية؛ فيعمل بأرجح الظنين، والطريق الثاني: القطع بالأول، وحمل الثاني: على حكاية مذهب الغير، ورجحها في "أصل الروضة"، وهو مخالف لترجيح "الشرح" طريقة القولين 1. (وكذا لو كان لأحدهما رجلان، وللآخر رجل وامرأتان) فإنه لا يرجح على المذهب، لقيام الحجة بكل واحدة منهما بالاتفاق، وقيل: قولان، كما حكاه في "أصل الروضة" 2، ووجه الترجيح: زيادة الوثوق بقولهما، ولذلك يثبت بهما ما لا يثبت برجل وامرأتين.
(فإن كان للآخر شاهد ويمين.. رجح الشاهدان في الأظهر) لأنهما حجة بالإجماع، والشاهد واليمين مختلف فيه، ومحله: ما إذا لم يكن لصاحب الشاهد واليمين يد، فإن كان.. قدم الشاهد واليمين على الأصح؛ لاعتضادهما باليد المحسوسة، والقول الثاني: يتعادلان؛ لأن كل واحد منهما حجة كافية في المال عند الانفراد.
(ولو شهدت لأحدهما بملك من سنة ولآخر من أكثر.. فالأظهر: ترجيح الأكثر) لأنها تثبت الملك في وقت لا تعارضها البينة الأخرى فيه، وفي وقت تعارضها الأخرى فيتساقطان في محل التعارض، ويثبت موجبها فيما قبل: محل التعارض، والأصل في الثابت دوامه، والثاني: لا ترجيح، ويتعارضان، لأن المقصود إثبات الملك في الحال، ولا تأثير للسبق؛ فإنه غير متنازع فيه.
وما رجحاه هنا خالفاه في (باب اللقيط) فقالا: إن البينتين على الالتقاط إذا قيدتا بتاريخين مختلفين.. قدم السابق، بخلاف المال، فإنه لا يقدم فيه بسبق التاريخ على

وَلِصَاحِبِهَا الأُجْرَةُ وَالزِّيَادَةُ الْحَادِثَةُ مِنْ يَوْمِئِذٍ. وَلَوْ أَطْلَقَتْ بَيِّنَةٌ وَأَرَّخَتْ بَيِّنَةٌ.. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ لِصَاحِبِ مُتَأَخِّرَةِ التَّارِيخِ يَدٌ.. قُدِّمَ،

الأظهر 1، قال المنكت: والصواب: المذكور هنا، وكأن ما في (اللقيط) سبق قلم من الرافعي أو من ناسخ، فمشى عليه النووي من غير تأمل، ويؤيده: أن الذي في "الشرح الصغير" في (باب اللقيط) في أحد القولين لا في أصحهما.
انتهى.
وصورة المسألة: أن تكون العين في يدهما أو في يد ثالث، فإن كانت في يد متقدم التاريخ.. رجح قطعًا أو في يد متأخر التاريخ.. فسيأتي.
(ولصاحبها الأجرة والزيادة الحادثة من يومئذ) أي: من يوم الأكثر؛ لأنها ثمرات ملكه، وإن قلنا بالقول الثاني.. ففيه الخلاف السابق في أصل تعارض البينتين.
(ولو أطلقت بينة وأرخت بينة.. فالمذهب: أنهما سواء) فيتعارضان؛ لأن المطلقة كالعامة بالنسبة إلى الأزمان، ولو فسرناها.. ربما أرخت بأكثر مما أرخت المؤرخة، وقيل: تقدم المؤرخة؛ لأنها تثبت الملك في وقت معين، والأخرى لا تقتضي إلا إثبات الملك في الحال.
(وأنه لو كان لصاحب متأخرة التاريخ يد.. قدم) لتساوي البينتين في إثبات الملك حالًا فتساقتطا فيه، ويبقى من أحد الطريقين اليد، والآخر إثبات الملك السابق، واليد أقوى من الشهادة على الملك السابق، ولهذا لا تزال بها اليد، والثاني: ترجيح السبق؛ لأن البينة مقدمة على اليد، والثالث: يتساويان؛ لتعارض المعنيين، وحكى الفوراني وابن الصباغ طريقة قاطعة بالأول، وبه يتم في المسألة طريقان؛ فيحسن العطف على المذهب.
وشمل إطلاق المصنف: ما لو كانت متقدمة التاريخ شاهدة بوقف، والمتأخرة صاحبة اليد شاهدة بملك أو وقف، وهو ما أفتى به المصنف، قال البُلْقيني: وعليه جرى العمل ما لم يظهر أن اليد عادية باعتبار ترتبها على بيع صدر من أهل الوقف أو بعضهم بغير سبب شرعي؛ فهناك يقدم العمل بالوقف.
انتهى، وهو متعين، واعتمده شيخي ووالدي أمتع الله بحياته في الإفتاء.

وَأَنَّهَا لَوْ شَهِدَتْ بِمِلْكِهِ أَمْسِ وَلَمْ تَتَعَرَّضْ لِلْحَالِ.. لَمْ تسمَعْ حَتَّى يَقُولُوا: (وَلَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ)، أَوْ (لَا نَعْلَمُ مُزِيلًا لَهُ). وَتَجُوزُ الشَّهَادَةُ بِمِلْكِهِ الآنَ اسْتِصْحَابًا لِمَا سَبَقَ مِنْ إِرْثٍ وَشِرَاءٍ وَغَيْرِهِمَا. وَلَوْ شَهِدَتْ بِإِقْرَارِهِ أَمْسِ بِالْمِلْكِ لَهُ.. اسْتُدِيمَ. وَلَوْ أَقَامَهَا بِمِلْكِ دَابَّةٍ أَوْ شَجَرَةٍ.. لَمْ يَسْتَحِقَّ ثَمَرَةً مَوْجُودَةً، وَلَا وَلَدًا مُنْفَصِلًا، وَيَسْتَحِقُّ حَمْلًا فِي الأَصَحِّ. وَلَوِ اشْتَرَى شَيْئًا فَأُخِذَ مِنْهُ بِحُجَّةٍ مُطْلَقَةٍ.. رَجَعَ عَلَى بَائِعِهِ بِالثَّمَنِ،

(وأنها لو شهدت بملكه أمس ولم تتعرض للحال.. لم تسمع حتى يقولوا: "ولم يزل ملكه"، أو "لا نعلم مزيلًا له") لأن دعوى الملك السابق لا تسمع، فكذلك البينة، والثاني: تسمع وإن لم يقولوه؛ لأنها تثبت الملك سابقًا، والشيء إذا ثبت.. فالأصل فيه الدوام والاستمرار، هذا أشهر الطريقين، والطريق الثاني: القطع بالأول.
(وتجوز الشهادة بملكه الآن استصحابًا لما سبق من إرث وشراء وغيرهما) وإن كان يجوز زواله، لكن ترك ذلك اعتمادًا على الاستصحاب لأجل الحاجة الداعية إليه؛ إذ لا يمكن استمرار الشاهد مع صاحبه دائمًا لا يفارقه لحظة؛ لأنه متى فارقه أمكن زوال ملكه عنه فتتعذر عليه الشهادة.
نعم؛ يشترط ألا يصرح في شهادته بأن معتمده الاستصحاب، فإن صرح.. لم يقبل على الأصح.
(ولو شهدت بإقراره أمس بالملك له.. استديم) حكم الإقرار وإن لم يصرح الشاهد بالملك في الحال؛ إذ لولاه.. لبطلت فائدة الأقارير.
(ولو أقامها بملك دابة أو شجره.. لم يستحق ثمرة موجودة، ولا ولدًا منفصلًا) عند الشهادة؛ لأن الثمرة والولد ليسا من أجزاء الدابة والشجرة، ولذلك لا يتبعهما في البيع المطلق، (ويستحق حملًا في الأصح) تبعًا للأم؛ كما لو اشتراها، ومقابله: احتمال للإمام بعدم استحقاقه؛ لجواز أن يكون الحمل لغير مالك الأم بوصية 1. (ولو اشترى شيئًا فأخذ منه بحجة مطلقة.. رجع على بائعه بالثمن) وإن كان مقتضى الأصل السابق عدم الرجوع؛ لاحتمال انتقال الملك من المشتري إلى

وَقِيلَ: لَا، إِلَّا إِذَا ادَّعَى مِلْكًا سَابِقًا عَلَى الشِّرَاءِ.
وَلَوِ ادَّعَى مِلْكًا مُطْلَقًا فَشَهِدُوا لَهُ مَعَ سَبَبهِ.. لَمْ يَضُرَّ، وَإِنْ ذَكَرَ سَبَبًا وَهُمْ سَبَبًا آخَرَ.. ضَرَّ.

فصلٌ [في اختلاف المتداعيين في العقود]

قَالَ: (آجَرْتُكَ الْبَيْتَ بِعَشَرَةٍ)، فَقَالَ: (بَلْ جَمِيعَ الدَّارِ بِالْعَشَرَةِ)، وَأقامَا بَيِّنَتَيْنِ.. تَعَارَضَتَا، وَفِي قَوْلٍ: يُقَدَّمُ الْمُسْتَأْجِرُ. وَلَوِ ادَّعَيَا شَيْئًا فِي يَدِ ثَالِثٍ، وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهُ اشْتَرَاهُ وَوَزَنَ لَهُ ثَمَنَهُ؛ فَإِنِ اخْتَلَفَ تَارِيخٌ.. حُكِمَ لِلأَسْبَقِ،

المدعي، وتكون المبايعة صحيحة مصادفة محلها؛ لمسيس الحاجة إليه في عهدة الحقود، (وقيل: لا، إلا إذا ادعى ملكًا سابقًا على الشراء) 1 وفاءً بالأصل المذكور، وقال البُلْقيني: إنه الصواب المتعين، والمذهب الذي لا يجوز غيره.
(ولو ادعى ملكًا مطلقًا فشهدوا له مع سببه.. لم يضر) لأن سبب الملك تابع للملك، وليس مقصودًا في نفسه، وإنما المقصود الملك، وقد وافقت البينة فيه الدعوى.
(وإن ذكر سببًا وهم سببًا آخر.. ضر) فترد شهادتهم؛ لمناقضتها الدعوى.

(فصل: قال: "آجرتك البيت بعشرة"، فقال: "بل جميع الدار بالعشرة"، وأقاما بينتين.. تعارضتا) فيتساقطان لتكاذبهما؛ لأن العقد واحد، وكل كيفية تنافي الأخرى، (وفي قول: يقدم المستأجر) لاشتمال بينته على زيادة، وهي اكتراء جميع الدار؛ كما لو شهدت بينة بألف وبينة بألفين.. ثبت الألفان.
وفرق الأول: بأن بينة الألف، وبينة الألفين لا يتنافيان؛ لأن التي شهدت بالألف لا تنافي الألفين، وههنا العقد واحد، وكل كيفية تنافي الكيفية الأخرى.
(ولو ادعيا شيئًا في يد ثالث، وأقام كل منهما بينة أنه اشتراه ووزن له ثمنه، فإن اختلف تاريخ.. حكم للأسبق) لأنه إذا باع من أحدهما.. لم يتمكن من البيع من الثاني.

وَإِلَّا.. تَعَارَضَتَا. وَلَوْ قَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: (بِعْتُكَهُ بِكَذَا)، وَأَقَامَاهُمَا؛ فَإِنِ اتَّحَدَ تَارِيخُهُمَا.. تَعَارَضَتَا، وَإِنِ اخْتَلَفَ.. لَزِمَهُ الَثَّمَنَانِ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَتَا أَوْ إِحْدَاهُمَا فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ مَاتَ عَنِ ابْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ فَقَالَ كُلٌّ مِنْهُمَا: (مَاتَ عَلَى دِينِي)؛ فَإِنْ عُرِفَ أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا.. صُدِّقَ النَّصْرَانِيُّ، وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ مُطْلَقَتَيْنِ.. قُدِّمَ الْمُسْلِمُ، وَإِنْ قَيَّدَتْ أَنَّ آخِرَ كَلَامِهِ إِسْلَامٌ وَعَكَسَتْهُ الأُخْرَى

(وإلا) أي: وإن لم يختلف تاريخهما (.. تعارضتا) فعلى الصحيح: يتساقطان، ويحلف لكل واحد منهما، كما لو لم تكن بينة، ويرجعان عليه بالثمن؛ لثبوته بالبينة، هذا إذا لم تتعرض البينة لقبض المبيع، فإن فرض التعرض له.. فلا رجوع بالثمن؛ لأن العقد قد استقر بالقبض، وليس على البائع عهدة ما يحدث بعده.
(ولو قال كل منهما) أي: من المتداعيين لمن بيده ذلك الشيء ("بعتكه بكذا"، وأقاماهما؛ فإن اتحد تاريخهما) كأن أرختا بأول طلوع الشمس (.. تعارضتا) لامتناع كونه ملكًا في وقت واحد لهذا وحده، ولذا وحده، فعلى التساقط كأن لا بينة.
(وان اختلف) تاريخهما (.. لزمه الثمنان) لجواز أن يكون اشتراه من أحدهما في التاريخ الأول ثم باعه، واشتراه من الآخر في التاريخ الثاني.
نعم؛ يشترط في ذلك أن يكون الزمان متسعًا للعقد الأول، ثم الانتقال إلى البائع الثاني، ثم العقد الثاني؛ فإن لم يتسع لذلك.. لم يجب الثمنان.
(وكذا إن أطلقتا أو إحداهما) وأرخت الأخرى (في الأصح) لاحتمال أن يكونا في زمانين، وإذا أمكن الاستعمال.. لم يحكم بالإسقاط، والثاني: أنهما كمتحدي التاريخ؛ لأن الأصل براءة المشتري، فلا يؤاخذ إلا باليقين.
(ولو مات عن ابنين مسلم ونصراني، فقال كل منهما: "مات على ديني" فإن عرف أنه كان نصرانيًّا.. صدق النصراني) بيمينه؛ إذ الأصل بقاء كفره، والمسلم يدعي انتقالًا عنه، والأصل عدمه.
(وإن أقاما بينتين مطلقتين.. قدم المسلم) لأن مع بينته زيادة علم، وهو انتقاله إلى الإسلام، والأخرى استصحبت الأصل، والناقلة أولى من المستصحبة.
(وإن قيدت أن آخر كلامه إسلام، وعكسته الأخرى) فقيَّدت أن آخر كلامه

تَعَارَضَتَا، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ دِينُهُ وَأَقَامَ كُلٌّ: بَيِّنَةً أَنَّهُ مَاتَ عَلَى دِيِنِهِ.. تَعَارَضَتَا. وَلَوْ مَاتَ نَصْرَانِيٌّ عَنِ ابْنَيْنِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيٍّ فَقَالَ الْمُسْلِمُ: (أَسْلَمْتُ بَعْدَ مَوْتهِ.. فَالْمِيرَاثُ بَيْنَنَا)، وَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: (بَلْ قَبْلَهُ).. صُدِّقَ الْمُسْلِمُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ أَقَامَاهُمَا.. قُدِّمَ النَّصْرَانِيُّ، فَلَوِ اتَّفَقَا عَلَى إِسْلَامِ الابْنِ فِي رَمَضَانَ، وَقَالَ الْمُسْلِمُ: (مَاتَ الأَبُ فِي شَعْبَانَ)، وَقَالَ النَّصْرَانِيُّ: (فِي شَوَّالٍ).. صُدِّقَ النَّصْرَانِيُّ، وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ عَلَى بَيِّنَتِهِ

النصرانية (.. تعارضتا) لتناقضهما؛ إذ يستحيل موته عليهما فيسقطان، وكأن لا بينة، ويصدق النصراني بيمينه.
(وإن لم يعرف دينه وأقام كلٌّ بينة أنه مات على دينه.. تعارضتا) سواء أطلقتا أم قيدتا لفظه عند الموت؛ للتكاذب، وتسقطان على الصحيح، وكأن لا بينة، وحينئذ فإن كان المال في يد غيرهما.. فالقول قوله، وإن كان في يدهما.. فيحلف كل منهما لصاحبه وتجعل بينهما، وإن كان في يد أحدهما.. فقيل: إن القول قوله، والصحيح: أنه يجعل بينهما أيضًا، ولا أثر لليد بعد اعتراف صاحب اليد بأنه كان للميت، وأنه يأخذه إرثًا، والتعارض بالنسبة إلى الإرث خاصة، فيصلَّى على هذا الميت المشكوك في دينه، ويدفن في مقابر المسلمين، ويقول: (أصلي عليه إن كان مسلمًا)، وكذا يقيِّد الدعاء بذلك 1. (ولو مات نصراني عن ابنين مسلم ونصراني، فقال المسلم: "أسلمت بعد موته؛ فالميراث بيننا"، وقال النصراني: "بل قبله") فلا ميراث لك (.. صدق المسلم بيمينه) لأن الأصل استمراره على دينه، فيحلف ويشتركان في المال.
(وإن أقاماهما.. قدم النصراني) لأن بينته ناقلة، والأخرى مستصحبة لدينه؛ فمع الأولى زيادة علم.
(فلو اتفقا على إسلام الابن في رمضان، وقال المسلم: "مات الأب في شعبان"، وقال النصراني: "في شوال".. صدق النصراني) لأن الأصل بقاء الحياة، (وتقدم بينة المسلم على بينته) لأنها تنقل من الحياة إلى الموت في شعبان،

وَلَوْ مَاتَ عَنْ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ وَابْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ فَقَالَ كُلٌّ: (مَاتَ عَلَى دِينِنَا).. صُدِّقَ الأَبَوَانِ بِالْيَمِينِ، وَفِي قَوْلٍ: يُوقَفُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَوْ يَصْطَلِحُوا. وَلَوْ شَهِدَتْ أَنَّهُ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ سَالِمًا، وَأُخْرَي غَانِمًا، وَكُلُّ وَاحِدٍ ثلُثُ مَالِهِ؛ فَإِنِ اخْتَلَفَ تَارِيخٌ.. قُدِّمَ الأَسْبَقُ، وَإِن اتَّحَدَ.. أُقْرِعَ، وَإِنْ أَطْلَقَتَا.. قِيلَ: يُقْرَعُ، وَقِيلَ: فِي قَوْلٍ: يَعْتِقُ مِنْ كُلٍّ نِصْفُهُ. قُلْتُ: الْمَذْهَبُ: يَعْتِقُ مِنْ كُلٍّ نِصْفُهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ

والأخرى تستصحب الحياة إلى شوال.
(ولو مات عن أبوين كافرين وابنين مسلمين، فقال كل: "مات على ديننا".. صدق الأبوان باليمين) لأن الولد محكوم بكفره في الابتداء؛ تبعًا لهما فيستصحب حتى يعلم خلافه، (وفي قول: يوقف حتى يتبين أو يصطلحوا) لتساوي الحالين بعد بلوغه في إسلامه وكفره؛ لأنا إنما نحكم بالتبعية في صغره، فأما إذا بلغ.. فلا، قال في "زيادة الروضة": وهذا أرجح دليلًا، لكن الأصح عند الأصحاب: الأول 1. (ولو شهدت أنه أعتق في مرضه) الذي مات منه (سالمًا، وأخرى غانمًا، وكل واحد ثلث ماله) ولم تجز الورثة، (فإن اختلف تاريخ.. قدم الأسبق) لأن التبرعات المنجزة في مرض الموت يقدم فيها الأسبق فالأسبق.
(وإن اتحد.. أقرع) لعدم المزية (وإن أطلقتا) أو إحداهما (.. قيل: يقرع) لاحتمال المعية، (وقيل في قول: يعتق من كل نصفه) لاستوائهما، والقرعة ممتنعة؛ لأنا لو أقرعنا.. لم نأمل أن يخرج الرق على السابق، وللسابق حق الحرية.. فيلزم منه إرقاق حُرٍّ، وتحرير رقيق.
(قلت: المذهب: يعتق من كل نصفه) ونص عليه في "المختصر" 2، (والله أعلم) لما قلناه، ونوقش المصنف في ترجيحه طريقة القطع بالقسمة، فإن البغوي جزم في "التهذيب" بالإقراع 3، وهو الموافق للسنة، فإنها وردت بالقرعة، وجمع الحرية في واحد، وقال الشيخ أبو علي في "شرحه الكبير": إنه الصحيح، واختاره

وَلَوْ شَهِدَ أَجْنَبِيَّانِ أَنَّهُ أَوْصَى بِعِتْقِ سَالِمٍ وَهُوَ ثُلُثُهُ، وَوَارِثَانِ حَائِزَانِ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَوَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ وَهُوَ ثُلُثُهُ.. ثبًتَتْ لِغَانِمٍ، فَإِنْ كَانَ الْوَارِثَانِ فَاسِقَيْنِ.. لَمْ يَثْبُتِ الرُّجُوعُ فَيَعْتِقُ سَالِمٌ وَمِنْ غَانِمٍ ثُلُثُ مَالِهِ بَعْدَ سَالِمٍ.

فصلٌ [في شروط القائف]

شَرْطُ الْقَائِفِ: مُسْلِمٌ، عَدْلٌ،

المزني، وقال: لا أدري كيف وقع التنصيف؟ ! فإن أصول مذهب الشافعي تنبو عنه وهو كما قال؛ فإنه لا يخلو إما أن يكون عتقهما معًا أو مرتبًا؛ فإن كان مرتبًا.. عتق السابق، وإن كان معًا.. فالإقراع فمن أين جاء التنصيف؟ ! وقد قال في "الروضة" بعد هذا بورقتين: أن المذهب الإقراع 1، وقال الفارقي وابن أبي عصرون: إنه الصحيح، وحكى ابن الرفعة عن جماعة القطع به، وحمل نصَّ "المختصر" على ما إذا شهدت بالوصية بالعتق لا بتنجيزه.
(ولو شهد أجنبيان أنه أوصى بعتق سالم، وهو ثلثه، ووارثان حائزان أنه رجع عن ذلك، ووصى بعتق غانم، وهو ثلثه.. ثبتت) الوصية الثانية (لغانم) لأنهما أثبتا للرجوع عنه بدلًا يساويه فلا تهمة.
(فإن كان الوارثان فاسقين.. لم يثبت الرجوع) لعدم قبول شهادة الفاسق (فيعتق سالم) بشهادة الأجنبيين؛ لأن الثلث يحتمله ولم يثبت الرجوع فيه، (و) يعتق (من غانم) قدر ما يحتمله (ثلث) الباقي من (ماله بعد سالم) وكأن سالمًا قد هلك أو غصب من التركة؛ مؤاخذة للورثة بإقرارهم.

(فصل: شرط القائف: مسلم عدل) لأن الكافر والفاسق لا يعتمد قولهما.
ولو عبر بأهلية الشهادة؛ كما في "الروضة" 2.. لكان أخصر وأعم؛ فإنه أهمل كونه بصيرًا ناطقًا، وانتفاء العداوة عن الذي ينفيه عنه، وانتفاء الولادة عمن يلحق به.

مُجَرِّبٌ، وَالأَصَحُّ: اشْتِرَاطُ حُرٍّ ذَكَرٍ، لَا عَدَدٍ وَلَا كَوْنِهِ مُدْلِجِيًّا

(مجرب) كما لا يولَّى القضاء من لا علم له بالأحكام، وفسر في "المحرر" التجربة: بأْن يعرض عليه ولد في نسوة ليس فيهن أمه، ثم مرة أخرى، ثم مرة أخرى كذلك، ثم في نسوة فيهن أمه؛ فإن أصاب في الكل.. فهو مجرب.
(والأصح: اشتراط حر ذكر) كالقاضي، والثاني: لا؛ كالمفتي، (لا عدد) كالقاضي، والثاني: لا بد من اثنين؛ كالمزكي.
(ولا كونه مدلجيًّا) لأن القيافة نوع علم؛ فمن علمه.. عمل بعلمه، سواء كان من بني مدلج أم غيرهم، من العرب أو من العجم، والثاني: يشترط؛ لرجوع الصحابة إلى بني مدلج دون غيرهم، وقد يخص الله تعالى جماعة بنوع من المناصب والفضائل؛ كما خصَّ قريشًا بالإمامة.
والأصل في الباب: حديث عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم دخل عليها ذات يوم مسرورًا، فقال: "أَلمْ تَرَي أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ فَرَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا عَلَيْهِمَا قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيَا رُؤُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ" متفق عليه 1. قال أبو داوود: وكان أسامة أسود وزيد أبيض 2، قال الشافعي: فلو لم يعتبر قوله.. لمنعه من المجازفة، وهو صلى الله عليه وسلم لا يُسرُّ ولا يُقرُّ إلا على الحق 3، ويعضده ما رواه البزار من حديث أنس رفعه: "إِنَّ للهِ عِبَادًا يَعْرِفُونَ النَّاسَ بِالتَّوَسُّمِ" 4، وروى أبو أمامة مرفوعًا: "اِتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ؛ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ الله تَعَالَى" 5.

فَإِذَا تَدَاعَيَا مَجْهُولًا.. عُرِضَ عَلَيْهِ، وَكَذَا لَوِ اشْتَرَكَا فِي وَطْءٍ فَوَلَدَتْ مُمْكِنًا مِنْهُمَا وَتنَازَعَاهُ؛ بِأَنْ وَطِئَا بشُبْهَةٍ أَوْ مُشْتَرَكَةً لَهُمَا، أَوْ وَطِئَ زَوْجَتَهُ فَطلَّقَ فَوَطِئَهَا آخَرُ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ أَمَتَهُ فَبَاعَهَا فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَسْتَبْرِئْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَكَذَا لَوْ وَطِئَ مَنْكُوحَةً فِي الأَصَحِّ، فَإِذَا وَلَدَتْ لِمَا بَيْنَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَأَرْبَعِ سِنِينَ مِنْ وَطْأَيْهِمَا وَادَّعَيَاهُ.. عُرِضَ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَخَلَّلَ بَيْنَ وَطْأَيْهِمَا حَيْضَةٌ.. فَلِلثَّانِي، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الأَوَّلُ زَوْجًا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ،

(فإذا تداعيا مجهولًا) لقيطًا كان أو غيره (.. عرض عليه) أي: على القائف، (وكذا لو اشتركا في وطء، فولدت ممكنًا منهما وتنازعاه؛ بأن وطئا بشبهة أو مشتركة لهما، أو وطئ زوجته، فطلق فوطئها آخر بشبهة أو نكاح فاسد) كان نكحها في العدة جاهلًا بكونه فيها.
(أو) وطئ (أمته فباعها، فوطئها المشتري ولم يستبرئ واحد منهما) لما تقدم من قصة مُجزِّز وغيرها 1. (وكذا لو وطئ منكوحة) لغيره بشبهة (في الأصح) ولا يتعين الزوج للإلحاق؛ لأنه موضع اشتباه، والثاني: يلحق الزوج؛ لقوة الافتراش.
(فإذا ولدت لما بين ستة أشهر وأربع سنين من وطأيهما وادعياه.. عرض عليه) أي: على القائف؛ لإمكان كونه من كلٍّ منهما.
(فإن تخلل بين وطأيهما حيضة.. فللثاني) لأن الحيض أمارة ظاهرة في حصول البراءة عن الأول؛ فينقطع تعلقه عنه، وإذا انقطع الأول.. تعيَّن الثاني.
(إلا أن يكون الأول زوجًا في نكاح صحيح) والثاني واطئًا بشبهة أو نكاح فاسد فلا ينقطع تعلق الأول؛ لأن إمكان الوطء مع الفراش قائم مقام نفس الوطء، والإمكان حاصل بعد الحيضة.
واحترز بالصحيح: عمَّا لو كان الأول زوجًا في نكاح فاسد؛ فإنه ينقطع تعلقه،

وَسَوَاءٌ فِيهِمَا اتَّفَقَا إِسْلَامًا وَحُرِّيَّةً أَمْ لَا.

ويكون للثاني على الأظهر؛ لأن المرأة في النكاح الفاسد لا تصير فراشًا ما لم يوجد حقيقة الوطء.
(وسواء فيهما) أي: في المتنازعين (اتفقا إسلامًا وحريةً أم لا) لأنَّ النسب لا يختلف، وهو تفريع على صحة استلحاق العبد، وهو الأظهر.

كتابُ العتِق إِنَّمَا يَصِحُّ مِنْ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ، وَيَصِحُّ تَعْلِيقُهُ وَإِضَافَتُهُ إِلَى جُزْءٍ

﴿كتاب العتق﴾ أصله من عتق الفرخ: إذا طارَ واستقلَّ، والعبد يستقل إذا عتق، وهو في الشرع: إسقاط ملك عن آدمي لا إلى مالك؛ تقربًا إلى الله تعالى، فخرج بقيد الآدمي: الطير والبهائم؛ فلا يصح عتقهما على الأصح؛ كما قاله الغزالي وابن الرفعة 1، وبقيد لا إلى مالك: الوقف؛ لأنه نقل ملك إلى الله تعالى لا إسقاط، ولهذا يضمن بالقيمة؛ فدلَّ على بقاء الملك فيه.
والأصل فيه: قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (13)﴾، وفي "الصحيحين": "مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً.. أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ مِنَ النَّارِ، حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ" 2، إلى غير ذلك من الأخبار الشهيرة، والإجماع منعقد على صحته، وأنه من القرب.
(إنما يصح من مطلق التصرف) مسلمًا كان أو كافرًا ولو كان حربيًّا؛ لأنه تصرف في المال في حال الحياة فأشبه الهبة.
نعم؛ عتق الكافر ليس بقربة؛ كما صرح به الرافعي في (الوقف) في الكلام على أقوال الملك؛ لأن الإسلام شرط في التقرب.
وخرج الصبي والمجنون والمحجور عليه بسفه أو فلس؛ فلا يصح إعتاقهم؛ لعدم إطلاق تصرفهم.
وأورد على مفهومه صورٌ؛ منها: المشتري قبل القبض، فإنه يصح إعتاقه مع أنه ليس بمطلق التصرف فيه.
(ويصح تعليقه) بالصفات كالتدبير؛ لما فيه من التوسعة لتحصيل القرب، ويصح تعليقه بعوض أيضًا، (وإضافته إلى جزء) معين كـ (يدك حر)، أو شائع

فَيَعْتِقُ كُلُّهُ، وَصَرِيحُهُ: تَحْرِيرٌ وَإِعْتَاقٌ، وَكَذَا فَكُّ رَقَبَةٍ فِي الأَصَحِّ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، وَيَحْتَاجُ إِلَيْهَا كِنَايَةٌ، وَهِيَ: (لَا مِلْكَ لِي عَلَيْكَ)، (لَا سُلْطَانَ)، (لَا سَبِيلَ)، (لَا خِدْمَةَ)، (أَنْتِ سَائِبَةٌ)، (أَنْتَ مَوْلَايَ)، وَكَذَا كُلُّ صَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ لِلطَّلَاقِ. وَقَوْلُهُ لِعَبْدٍ: (أَنْتِ حُرَّةٌ)، وَلِأمَتِهِ: (أَنْتَ حُرٌّ).. صَرِيحٌ. وَلَوْ قَالَ: (عِتْقُكَ إِلَيْكَ) أَوْ (حَيَّرْتُكَ) وَنَوَى تَفْوِيضَ الْعِتْقِ إِلَيْهِ فَأَعْتَقَ

كـ (بعضك) (فيعتق كله) إذا كان باقيه له ولو كان معسرًا؛ لأنه لو أعتق شركًا له في عبد.. سرى إلى نصيب شريكه إذا كان قادرًا على ثمنه، فإلى باقي ملكه أولى.
(وصريحه: تحرير وإعتاق) وما تصرف منهما؛ لورودهما في القرآن والسنة متكررين، (وكذا فك رقبة في الأصح) لوروده في القرآن، والثاني: إنه كناية؛ لاستعماله في العتق وغيره.
(ولا يحتاج) الصريح (إلى نية) بل يعتق به وإن لم يقصد إيقاع العتق؛ لأن هزله جِدٌّ، كما رواه الترمذي 1. (ويحتاج إليها كناية) وإن احتفت بها قرينة؛ لاحتمالها غير العتق، فلا بُدَّ من نية التمييز، (وهي) أي: الكناية ("لا ملك لي عليك"، "لا سلطان"، "لا سبيل"، "لا خدمة"، "أنت سائبة"، "أنت مولاي") أو (أنت لله) لإشعارها بإزالة الملك مع احتمال غيره.
(وكذا كل صريح أو كناية للطلاق) لإشعارها بإزالة قيد الملك، وقد مرَّ في (الطلاق) ما يستثنى من ذلك.
(وقوله لعبده: "أنت حرة"، ولأمته: "أنت حر" صريح) ولا يضرُّ الخطأ في التذكير والتأنيث؛ تغليبًا للإشارة على العبارة.
(ولو قال: "عتقك إليك" أو "خيرتك" 2 ونوى تفويض العتق إليه، فأعتق

نَفْسَهُ فِي الْمَجْلِسِ.. عَتَقَ، أَوْ (أَعْتَقْتُكَ عَلَى أَلْفٍ)، أَوْ (أَنْتَ حُرٌّ عَلَى أَلْفٍ) فَقَبِلَ، أَوْ قَالَ لَهُ الْعَبْدُ: (أَعْتِقْنِي عَلَى أَلْفٍ) فَأَجَابَهُ.. عَتَقَ فِي الْحَالِ وَلَزِمَهُ الأَلْفُ. وَلَوْ قَالَ: (بِعْتُكَ نَفْسَكَ بِأَلْفٍ)، فَقَالَ: (اشْتَرَيْتُ).. فَالْمَذْهَبُ: صِحَّةُ الْبَيْعِ، وَيَعْتِقُ فِي الْحَالِ وَعَلَيْهِ أَلْفٌ، وَالْوَلَاءُ لِسَيِّدِهِ. وَلَوْ قَالَ لِحَامِلٍ: (أَعْتَقْتُكِ)، أَوْ (أَعْتَقْتُكِ دُونَ حَمْلِكِ).. عَتَقَا،

نفسه في المجلس) أي: مجلس التخاطب (.. عتق) كما في الطلاق، (أو "أعتقتك على ألف"، أو "أنت حر على ألف" فقبل) في الحال، (أو قال له العبد: "أعتقني على ألف" فأجابه.. عتق في الحال ولزمه الألف) في الصور الثلاث؛ كالخلع بل أولى؛ لتشوف الشارع إلى تخليص الرقبة دون الفراق.
وقوله: (في الحال) تبع فيه "المحرر" 1، ولا حاجة إليه، ولهذا لم يذكراه في "الشرح" و"الروضة".
(ولو قال: "بعتك نفسك بألف") في ذمتك (فقال: "اشتريت".. فالمذهب: صحة البيع) كما لو أعتقه على مال هذا ظاهر المذهب، وذكر الربيع قولًا: أنه لا يصح البيع؛ لأن السيد لا يبايع عبده، فمن الأصحاب من أثبته وضعفه، ومنهم من قطع بما ذكره المصنف وقال: هذا من تخريج الربيع.
(ويعتق في الحال وعليه ألف) عملًا بمقتضى العقد، وهو عقد عتاقه على الأصح لا بيعًا، فلا يثبت خيار المجلس، ولو كان بيعًا.. لثبت فيه، (والولاء لسيده) لأنه عتق بعقد معاوضة، فهو كما لو كاتبه، وقيل: لا ولاء عليه؛ لأنه عتق على ملك نفسه.
(ولو قال: لحامل) بمملوك ("أعتقتك") وأطلق (أو "أعتقتك دون حملك".. عتقا) أما في الأولى.. فكما يدخل في البيع، وأما في الثانية.. فلأنه جزء منها؛ فأشبه ما لو قال: (أعتقتك إلا يدك)، ويخالف ما لو قال: (بعتك الجارية دون حملها).. فإنه لا يصح البيع؛ لأن العتق لا يبطل بالاستثناء؛ لقوته.

وَلَوْ أَعْتَقَهُ.. عَتَقَ دُونَهَا، وَلَوْ كَانَتْ لِرَجُلٍ وَالْحَمْلُ لآخَرَ.. لَمْ يَعْتِقْ أَحَدُهُمَا بِعِتْقِ الآخَرِ. وَإِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا عَبْدٌ فَأَعْتَقَ أَحَدُهُمَا كُلَّهُ أَوْ نَصِيبَهُ.. عَتَقَ نَصِيبُهُ، فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا.. بَقِيَ الْبَاقِي لِشَرِيكِهِ، وَإِلَّا.. سَرَي إِلَيْهِ أَوْ إِلَى مَا أَيْسَرَ بِهِ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ ذَلِكَ يَوْمَ الإِعْتَاقِ. وَتَقَعُ السِّرَايَةُ بِنَفْسِ الإِعْتَاقِ، وَفِي قَوْلٍ: بِأَدَاءِ الْقِيمَةِ،

(ولو أعتقه) يعني: الحمل (.. عتق دونها) لأن الأم لا تتبع الحمل، هذا إذا نفخت فيه الروح، وإلا.. فلا يعتق؛ كما حكياه قبيل (باب التدبير) عن القاضي الحسين، وأقراه 1. (ولو كانت لرجل والحمل لآخر.. لم يعتق أحدهما بعتق الآخر) لأنه لا استتباع مع اختلاف المالكين.
(وإذا كان بينهما عبد فأعتق أحدهما كله أو نصيبه.. عتق نصيبه) لأنه جائز التصرف، وقد وجه العتق إلى ملكه، (فإن كان معسرًا.. بقي الباقي لشريكه) ولا يسري؛ لمفهوم الحديث الآتي، (وإلا) أي: وإن لم يكن معسرًا (.. سرى إليه) أي: على نصيب شريكه إن كان موسرًا بقيمته؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ.. قُوِّمَ الْعَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ، وَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا.. فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ" متفق عليه 2. (أو إلى ما أيسر به) من قيمته؛ لتقرب حاله من الحرية والاستقلال، (وعليه قيمة ذلك يوم الإعتاق) أي: وقته؛ لأنه وقت الإتلاف أو وقت سببه.
(وتقع السراية بنفس الإعتاق) لظاهر الحديث المذكور.
نعم؛ يستثنى: ما لو كاتب الشريكان ثم أعتق أحدهما نصيبه.. فإنما يحكم بالسراية بعد العجز عن أداء نصيب الشريك على الصحيح؛ فإن في التعجيل ضررًا على السيد؛ لفوات الولاء، وبالمكاتب؛ لانقطاع الكسب عنه.
(وفي قول: بأداء القيمة) لأن في رواية للبخاري: "قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ

وَفِي قَوْلٍ: إِنْ دَفَعَهَا.. بَانَ أَنَّهَا بالإِعْتَاقِ. وَاسْتِيلَادُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ الْمُوسِرِ يَسْرِي، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَحِصَّتُهُ مِنْ مَهْرِ مِثْلٍ، وَتَجْرِي الأَقْوَالُ فِي وَقْتِ حُصُولِ السِّرَايَةِ، فَعَلَى الأَوَّلِ وَالثَّالِثِ: لَا تَجِبُ قِيمَةُ حِصَّتِهِ مِنَ الْوَلَدِ. وَلَا يَسْرِي تَدْبِيرٌ، وَلَا يَمْنَعُ السِّرَايَةَ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ قَالَ لِشَرِيكِهِ الْمُوسِرِ: (أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ فَعَلَيْكَ قِيمَةُ نَصِيبِي)، فَأَنْكَرَ

يعْتَقُ" 1 ولأنه عتق بعوض؛ فلا يتقدم على العوض كالمكاتب، (وفي قول: إن دفعها) أي: القيمة (.. بان أنها بالإعتاق) وإن لم يدفعها.. بان أنه لم يعتق؛ رعايةً للجانبين.
(واستيلاد أحد الشريكين الموسر يسري) كالعتق، قال البُلْقيني: ويستثنى من اعتبار اليسار: إذا كان الشريك المستولد أصلًا لشريكه؛ فإنه يسري وإن كان معسرًا؛ كما لو استولد الجارية التي كلها له، (وعليه قيمة نصيب شريكه) للإتلاف بإزالة الملك، (وحصته من مهر مثل) للاستمتاع بملك غيره.
(وتجري الأقوال في وقت حصول السراية) والعلوق هنا؛ كالإعتاق (فعلى الأول) وهو الحصول بنفس العلوق، (والثالث) وهو التبين (لا تجب قيمة حصته من الولد) لأنا جعلناها أم ولده في الحال؛ فيكون الوضع في ملكه، فلا تجب قيمة الولد.
وأفهم: الوجوب على الثاني وهو كذلك.
(ولا يسري تدبير) سواء كان جميعه ملكه أم مشتركًا؛ لأنه ليس بإتلاف؛ بدليل: جواز بيعه، فلا تقتضي السراية؛ كما لو علق عتق نصيبه بصفة، فلو مات السيد.. عتق ما دبره من العبد ولا يسري أيضًا؛ لأن الميت معسر.
(ولا يمنع السراية دين مستغرق في الأظهر) لأنه مالك لما في يده نافذ التصرف فيه، ولهذا لو اشترى عبدًا وأعتقه.. نفذ، والثاني: يمنع؛ لأنه معسر يحل له أخذ الزكاة.
(ولو قال لشريكه الموسر: "أعتقت نصيبك فعليك قيمة نصيبي"، فأنكر)

صُدِّقَ بِيَمِينِهِ، فَلَا يَعْتِقُ نَصِيبُهُ، وَيَعْتِقُ نَصِيبُ الْمُدَّعِي بِإِقْرَارِهِ إِنْ قُلْنَا: يَسْرِي بِالإِعْتَاقِ، وَلَا يَسْرِي إِلَى نَصِيبِ الْمُنْكِرِ. وَلَوْ قَالَ لِشَرِيكِهِ: (إِنْ أَعْتَقْتَ نَصِيبَكَ.. فَنَصِيبِي حُرٌّ بَعْدَ نَصِيبِكَ)، فَأَعْتَقَ الشَّرِيكُ وَهُوَ مُوسِرٌ.. سَرَى إِلَى نَصِيب الأَوَّلِ إِنْ قُلْنَا: السِّرَايَةُ بِالإِعْتَاقِ، وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ

ولا بينة (.. صدق) المنكر (بيمينه) عملًا بالأصل (فلا يعتق نصيبه) إن حلف؛ فإن نكل.. حلف المدعي واستحق القيمة، ولا يعتق نصيب المدعى عليه بهذه اليمين على الصحيح؛ لأن الدعوى إنما توجهت عليه لأجل القيمة، واليمين المردودة لا تثبت إلا ما توجهت الدعوى نحوه.
(ويعتق نصيب المدعي بإقراره إن قلنا: يسري بالإعتاق) مؤاخذةً له بإقراره.
وأفهم: أنه لا يعتق على القولين الأخيرين بإقراره، وهو كذلك.
نعم؛ لو نكل المدعى عليه، وحلف المدعي اليمين المردودة.. عتق جزمًا، لكن بإقرار المدعى عليه؛ لأن اليمين المردودة كإقراره.
(ولا يسري إلى نصيب المنكر) وإن كان المدعي موسرًا؛ لأنه لم ينشئ عتقًا.
(ولو قال لشريكه: "إن أعتقت نصيبك.. فنصيبي حر بعد نصيبك"، فأعتق الشريك) المقول له نصيبه (وهو موسر.. سرى إلى نصيب الأول إن قلنا: السراية بالإعتاق، وعليه قيمته) أي: قيمة نصيب المعلق، ولا يعتق بالتعليق؛ لأنه اجتمع على النصف تعليق وسراية، والسراية أقوى؛ لأنها قهرية تابعة لعتق نصيبه لا مدفع لها، والتعليق قابل للدفع بالبيع ونحوه؛ فإن قلنا بالتبيين.. فالحكم كذلك إذا أديت القيمة، خلافًا لما يوهمه كلام المصنف، وإن قلنا: بالأداء.. فنصيب المعلق عمن يعتق، فيه وجهان في "الروضة" بلا ترجيح 1، ورجح البُلْقيني: أنه يسري عند الأداء، ويعتق عن المنجز لا عن المعلق.
واحترز المصنف بقوله: (وهو موسر): عمَّا إذا كان معسرًا.. فإنه يعتق على كل واحد منهما نصيبه على المقول له بالتنجيز، وعلى المعلق بمقتضى التعليق.

فَلَوْ قَالَ: (فَنَصِيبِي حُرٌّ قَبْلَهُ)، فَأَعْتَقَ الشَّرِيكُ؛ فَإِنْ كَانَ الْمُعَلِّقُ مُعْسِرًا.. عَتَقَ نَصِيبُ كُلٍّ عَنْهُ، وَالْوَلَاءُ لَهُمَا، وَكَذَا إِنْ كَانَ مُوسِرًا وَأَبْطَلْنَا الدَّوْرَ، وَإِلَّا.. فَلَا يَعْتِقُ شَيْءٌ. وَلَوْ كَانَ عَبْدٌ لِرَجُلٍ نِصْفُهُ وَلآخَرَ ثُلُثُهُ وَلآخَرَ سُدُسُهُ، فَأَعْتَقَ الآخِرَانِ نَصِيبَيْهِمَا مَعًا.. فَالْقِيمَةُ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَشَرْطُ السِّرَايَةِ: إِعْتَاقُهُ بِاخْتِيَارِهِ، فَلَوْ وَرِثَ بَعْضَ وَلَدِهِ.. لَمْ يَسْرِ

(فلو قال: "فنصيبي حر قبله"، فأعتق الشريك) المقول له نصيبه (فإن كان المعلق معسرًا.. عتق نصيب كل عنه) المنجز في الحال، والمعلق قبله بموجب التعليق، ولا سراية، (والولاء لهما) لاشتراكهما في العتق، وكذا إذا كانا معسرين، (وكذا إن كان) المعلق (موسرًا، وأبطلنا الدور) اللفظي، وهو الأصح؛ فيعتق نصيب كل واحد منهما عنه، ولا شيء لأحدهما على الآخر.
(وإلا) أي: وإن لم نبطل الدور (.. فلا يعتق شيء) على أحد من الشريكين؛ لأنه لو نفذ إعتاق المقول له في نصيبه.. لعتق نصيب القائل قبله، ولو عتق.. لسرى، ولو سرى.. لبطل عتقه، فيلزم من نفوذه عدم نفوذه، وهذا يوجب الحجر على المالك في إعتاق نصيب نفسه، ومن ثَمَّ ضعَّفه الأصحاب؛ لما فيه من الحجر على الغير في ملكه.
(ولو كان عبد لرجل نصفه، ولآخر ثلثه، ولآخر سدسه، فأعتق الآخران نصيبهما معًا.. فالقيمة عليهما نصفان على المذهب) لأن ضمان المتلف يستوي فيه القليل والكثير؛ كما لو مات من جراحاتهما المختلفة، والطريق الثاني: حكاية قولين؛ أحدهما: هذا، والثاني: يجب على قدر الملكين؛ كنظيره من الشفعة.
وفرق الأول: بأن الأخذ بالشفعة من فوائد الملك ومرافقه؛ كالثمرة، وهذا سبيله سبيل ضمان المتلف.
ومحل الخلاف: ما إذا كانا موسرين؛ فإن كان أحدهما موسرًا فقط.. قوم عليه نصيب الثالث قطعًا.
(وشرط السراية: إعتاقه باختياره؛ فلو ورث بعض ولده.. لم يسر) لأنه لا سبيل إلى السراية من غير عوض؛ لما فيه من الإجحاف بالشريك، ولا بعوض؛ لأن التغريم

..................................

سبيله سبيل غرامة المتلف، ولم يوجد منه صنعٌ وقصدُ إتلاف.
وقضيته: اعتبار مباشرة الإعتاق للسراية، وليس كذلك؛ فإنه لو اشترى بعض قريبه أو اتهبه أو وصَّى له به وقبله.. فإنه يسري؛ كما لو تلفظ بالعتق.
واحترز بقوله: (باختياره): عمَّا لو عتق عليه بغير اختياره، وذلك في صور: منها: ما لو اشترى المكاتب بعض قريبه حيث يصح، وعتق بعتقه.. فلا سراية؛ لأنه لم يعتق باختياره، بل عتق ضمنًا؛ كما حكياه آخر الباب عن "فتاوى القفال" وأقراه 1. ومنها: ما لو اشترى المكاتب بعض من يعتق على سيده، ثم عجزه السيد فصار الشقص له وعتق.. لم يسر على الأصح؛ لأن مقصوده: فسخ الكتابة، والملك حصل قهرًا.
ومنها: ما لو باع شقصًا ممن يعتق على وارثه؛ بأن باع بعض ابن أخيه بثوب ومات ووارثه أخوه، ثم اطلع مشتري الشقص على عيب فيه وردَّه؛ فإنه لا يسري كالإرث.
ولو وجد العيب بالثوب وردَّه الوارث واسترد الشقص.. عتق عليه، وفي حصول السراية وجهان: أصحهما في "زيادة الروضة" هنا: السراية، لأنه تسبب في ملكه 2، لكنه ذكر في موضع آخر ما يقتضي عدمها؛ لأن مقصوده رد الثوب.
ومنها: ما لو أوصى لزيد بشقص ممن يعتق على وارثه؛ كأن أوصى له ببعض ابن أخيه، ومات زيد بعد موت الموصي وقبل قبول الوصية، فقبلها أخوه.. عتق عليه الشقص، والأصح في "أصل الروضة": أنه لا يسري 3. وكان ينبغي للمصنف أن يقول: (ومن شرط السراية كذا) لئلا يوهم الحصر فيما ذكره؛ فإنه قد سبق من الشروط اليسار، وبقي شروط أخر.
منها: أن يكون محلها قابلًا للنقل؛ ليخرج ما لو ثبت في نصيب الآخر حكم

وَالْمَرِيضُ مُعْسِرٌ إِلَّا فِي ثُلُثِ مَالِهِ، وَالْمَيْتُ مُعْسِرٌ، فَلَوْ أَوْصَى بعِتْقِ نَصِيبهِ.. لَمْ يَسْرِ.

فصلٌ [في العتق بالبعضية]

إِذَا مَلَكَ أَهْلُ تَبَرُّعٍ أَصْلَهُ أَوْ فَرْعَهُ.. عَتَقَ عَلَيْهِ،

الاستيلاد؛ لإعساره.. فلا يسري العتق إليه على الأصح، ولا يسريان إلى الحصة الموقوفة ولا إلى المنذور إعتاقه، ولو رهن نصف عبده الذي لا يملك سواه فأعتق النصف الخالي عن الرهن.. فلا سراية لنصفه المرهون على الأصح.
ومنها: أن يوجه الإعتاق إلى نصيبه أو إلى الجميع حتى يتناول نصيبه ثم يسري، فلو قال: (أعتقت نصيب شريكي).. لغا؛ لأن نصيب الشريك يصير بإعتاق ملكه تبعًا، ولا يعتق نصيبه بهذا القول؛ فلا يعتق ما هو تابع، قال في "المطلب": وهو ظاهر إذا لم ينو المتلفظ بما صدر منه عتق نصيبه، فلو حصل ذلك.. فالظاهر: أنه يعتق ويسري؛ لأن حصة شريكه تعتق بعتق حصته، فكان ذلك كناية في عتق حصته.
(والمريض) مرض الموت (معسر إلا في ثلث ماله) فلو أعتق في مرض موته نصيبه ولم يخرج من الثلث غيره.. فلا سراية، وكذا إذا خرج نصيبه وبعض نصيب شريكه.. فلا سراية في الباقي؛ لما سبق في (الوصية).
(والميت معسر) مطلقًا (فلو أوصى بعتق نصيبه) بعد موته (.. لم يسر) وإن خرج كله من الثلث؛ لأن المال بالموت ينتقل إلى الوارث، ولا يقوَّم على من لا يملك شيئًا وقت نفوذ العتق، بل لو أوصى بعتق بعض عبده.. لم يسر إلى باقيه.

(فصل: إذا ملك أهل تبرع أصله أو فرعه.. عتق عليه) أما في الأصول.. فلقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾، ولا يتأتى خفض الجناح مع الاسترقاق، وفي "صحيح مسلم": "لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ" 1 أي: فيعتقه الشراء؛ لرواية: "فَيَعْتِقُ عَلَيْهِ" كما ذكره ابن الرفعة 2، وأما

وَلَا يُشْتَرَي لِطِفْلٍ قَرِيبُهُ، وَلَوْ وُهِبَ لَهُ أَوْ وُصِّيَ لَهُ؛ فَإِنْ كَانَ كَاسِبًا.. فَعَلَى الْوَليِّ قَبُولُهُ،

في الفروع.. فلقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ فجعل العبودية منافية للولادة حيث ذكرت في مقابلتها؛ فدل على امتناع اجتماع البنوة والملك.
وشمل قوله: (أصله أو فرعه) الذكور والإناث، علوا أو سفلوا، ملكوا قهرًا أو اختيارًا، اتحد دينهما أو اختلف، وهو كذلك، وخرج ما عداهما من الأقارب؛ كالإخوة؛ فإنهم لا يعتقون بالملك.
ولو ملك أصله أو فرعه من الرضاع.. لم يعتق بالإجماع.
والتقييد بـ (أهل التبرع) تبع فيه "المحرر" 1، ولم يذكره في "الروضة"، ولا يحسن الاحتراز به عن الصبي والمجنون؛ فإنهما إذا ملكا ذلك.. عتق عليهما، وقد ذكره بعد، وكأنه احترز به عن صور: إحداها: المكاتب إذا ملكه.. فإنه لا يعتق عليه؛ بل يتكاتب عليه؛ لأنه لو عتق.. لكان ولاؤه له، ولا يتصور الولاء للرقيق، الثانية: المبعض إذا ملك ببعضه الحر أصله أو فرعه؛ لتضمنه الإرث والولاء، وهو ليس من أهله، الثالثة: من عليه دين مستغرق إذا اشترى من يعتق عليه.. ففي عتقه وجهان، الرابعة: ما لو ملك شخص ابن أخيه ثم مات وعليه دين مستغرق وورثه أخوه فقط وقلنا: الدين لا يمنع الإرث -كما هو الأصح-.. فإن الأخ يملك ابنه ولا يعتق عليه؛ لأنه ليس أهلًا للتبرع فيه.
(ولا يشترى لطفل) أو مجنون أو سفيه (قريبه) الذي يعتق عليه؛ لأنه يعتق عليه، وقد يطالب بالنفقة وفي ذلك ضرر؛ فإن اشتري.. فباطل.
(ولو وهب له) من يعتق عليه (أو وصي له) به، (فإن كان) الموهوب أو الموصى به (كاسبًا) بما يفي بمؤنته (.. فعلى الولي قبوله) لانتفاء الضرر، وحصول

وَيَعْتِقُ ويُنْفِقُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ مُعْسِرًا.. وَجَبَ الْقَبُولُ، وَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ مُوسِرًا.. حَرُمَ. وَلَوْ مَلَكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَرِيبَهُ بِلَا عِوَضٍ.. عَتَقَ مِنْ ثُلُثِهِ

الكمال للأب، ولا نظر إلى احتمال يوقع وجوب النفقة في المستقبل بعجز يطرأ؛ لأنه مشكوك.
(ويعتق) لعموم الأدلة السابقة، (وينفق) عليه (من كسبه) لاستغنائه عن القريب، هذا إذا وهب له جميعه؛ فلو وهب له بعض من يعتق عليه والموهوب له موسر.. لم يجز للولي قبوله وإن كان كاسبًا؛ لأنه لو قبله.. لملكه وعتق عليه وسرى؛ فتجب قيمة حصة الشريك في مال المحجور عليه، كما هو الأصح في "الروضة" و"أصلها" 1، لكن رجح المصنف في "التصحيح": أنه يقبله، ويعتق ولا يسري 2؛ لأن المقتضي للسراية الاختيار، وهو منتف.
(وإلا) أي: وإن لم يكن كاسبًا (فإن كان الصبي معسرًا.. وجب القبول) لأن نفقته لا تجب عليه حينئذ، ويعتق عليه؛ فيحصل له بذلك كمال وثواب بلا ضرر، (ونفقته في بيت المال) إن كان مسلمًا، وليس من تجب نفقته عليه غير الموهوب له؛ لأنه من محاويج المسلمين.
(أو موسرًا.. حرم) القبول؛ لأنه يعتق عليه ويطالب بنفقته، وفي ذلك ضرر.
نعم؛ لو أوصى لصبي بجده وعمه الذي هو ابن هذا الرجل موجود موسر.. لزم الولي القبول ولو كان الجد غير كاسب والموهوب له موسرًا؛ لأن نفقته في هذه الحالة على العم لا على الصبي.
(ولو ملك في مرض موته قريبه) الذي يعتق عليه (بلا عوض) كالإرث (.. عتق من ثلثه) حتى لو لم يكن له غيره.. لم يعتق إلا ثلثه؛ لأنه دخل في ملكه وخرج بلا مقابلة فاعتبر من الثلث؛ كما لو تبرع به، وهذا ما رجحه البغوي، وتبعه في

-وَقِيلَ: مِنْ رَأْسِ الْمَالِ- أَوْ بِعِوَضٍ بلَا مُحَابَاةٍ.. فَمِنْ ثُلُثِهِ -وَلَا يَرِثُ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ.. فَقِيلَ: لَا يَصِحُّ الشِّرَاءُ، وَالَأَصَحُّ: صِحَّتُهُ، وَلَا يَعْتِقُ، بَلْ يُبَاعُ لِلدَّيْنِ أَوْ بِمُحَابَاةٍ.. فَقَدْرُهَا كَهِبَةٍ، وَالْبَاقِي مِنَ الثُّلُثِ. وَلَوْ وُهِبَ لِعَبْدٍ بَعْضُ قَرِيبِ سَيِّدِهِ فَقَبِلَ وَقُلْنَا: يَسْتَقِلُّ بِهِ.. عَتَقَ وَسَرَي، وَعَلَى سَيِّدِهِ قِيمَةُ بَاقِيهِ

"المحرر" و"الشرح الصغير" 1، (وقيل: من رأس المال) لأنه لم يبذل مالًا، والملك زال بغير رضاه، وهذا هو الأصح في "أصل الروضة"، وقال الرافعي في "الشرح الكبير": إنه أولى بالترجيح 2، وقال البُلْقيني: إنه المعتمد في الفتوى.
(أو بعوض بلا محاباة) بل بثمن مثله (.. فمن ثلثه) فلا يعتق منه إلا ما يخرج من الثلث؛ لأنه فوَّت على الورثة ما بذله من الثمن، ولم يحصل لهم في مقابله شيء.
(ولا يرث) في صورتي الملك بلا عوض ومعه؛ لأن عتقه من الثلث وصية، ولا سبيل إلى الجمع بين الوصية والميراث.
(فإن كان عليه دين) مستغرق (.. فقيل: لا يصح الشراء) لأن تصحيحه يؤدي إلى ملكه ولا يعتق عليه فلم يصح؛ كما لا يصح شراء الكافر العبد المسلم، (والأصح: صحته) إذ لا خلل فيه (ولا يعتق، بل يباع للدين) علله في "البيان" بأن موجب الشراء الملك والدين لا يمنع منه؛ فلم يمنع صحة الشراء، وعتقه معتبر من الثلث والدين يمنع منه كما يمنع الدين العتق بالإعتاق، ويخالف شراء الكافر للمسلم؛ لأن الكفر يمنع الملك للعبد المسلم 3. (أو بمحاباة) من البائع (.. فقدرها كهبة) أي: يكون قدر المحاباة كالموهوب له؛ فيجيء الخلاف السابق في أنه يعتبر من الثلث أو من رأس المال، (والباقي من الثلث) فيأتي فيه ما مرَّ.
(ولو وهب لعبد بعض قريب سيده فقبل وقلنا: يستقل به) أي: بالقبول، ولا يحتاج إلى إذن السيد، وهو الأصح (.. عتق وسرى، وعلى سيده قيمة باقيه)

فصلٌ [في الإعتاق في مرض الموت وبيان القرعة في العتق]

أَعْتَقَ فِي مَرَضِ مَوْتهِ عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ.. عَتَقَ ثُلُثُهُ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ.. لَمْ يَعْتِقْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَلَوْ أَعْتَقَ ثَلَاثَةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ.. عَتَقَ أَحَدُهُمْ بِقُرْعَةٍ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: (أَعْتَقْتُ ثُلُثَكُمْ)، أَوْ (ثُلُثُكُمْ حُرٌّ)

لأن قبوله حينئذ كقبول سيده شرعًا، كذا جزم به الرافعي هنا 1، وقال في "زيادة الروضة": هذا مشكل، وينبغي ألا يسري؛ لأنه دخل في ملكه قهرًا كالإرث.
انتهى 2، وما بحثه هو ما رجحاه في (باب الكتابة) في تبرعات المكاتب، وعلله الرافعي بأنه قهري، وحكيا وجه السراية عن الغزالي، وقالا: إنه لم يوجد في "النهاية" 3، قال في "المهمات": والصواب: السراية، ولهذا صححوا أن السيد يحلف على البتِّ في نفي فعل عبده، وعللوه: بأن فعله كفعله 4، وقال البُلْقيني: إن عدم السراية هو المعتمد، والذي في "المنهاج" وجه ضعيف غريب لا يلتفت إليه.

(فصل: أعتق) تبرعًا (في مرض موته عبدًا لا يملك غيره.. عتق ثلثه) ورق ثلثاه؛ لأن المريض إنما ينفذ تبرعه من ثلثه.
(فإن كان عليه دين مستغرق.. لم يعتق منه شيء) لأن العتق حينئذ كالوصية، والدين متقدم عليها.
(ولو أعتق ثلاثة) معًا (لا يملك غيرهم قيمتهم سواء) ولم تجز الورثة (.. عتق أحدهم بقرعة) لحديث عمران بن حصين في ذلك، أخرجه مسلم 5، (وكذا لو قال: "أعتقت ثلثكم"، أو "ثلثكم حر") فيقرع لتجتمع الحرية في واحد؛ لأن عتق المالك لا يتجزأ، وإعتاق بعض مملوكه كإعتاقه كله.

وَلَوْ قَالَ: (أَعْتَقْتُ ثُلُثَ كُلِّ عَبْدٍ).. أُقْرِعَ، وَقِيلَ: يَعْتِقُ مِنْ كُل ثُلُثُهُ. وَالْقُرْعَةُ: أَنْ يُؤْخَذَ ثَلَاثُ رِقَاعٍ مُتَسَاوِيَةٍ، يُكْتَبُ فِي ثِنْتَيْنِ رِقٌّ وَفِي وَاحِدَةٍ عِتْقٌ، وَتُدْرَجُ فِي بَنَادِقَ كَمَا سَبَقَ وَتُخْرَجُ وَاحِدَةٌ بِاسْمِ أَحَدِهِمْ؛ فَإِنْ خَرَجَ الْعِتْقُ.. عَتَقَ وَرَقَّ الآخَرَانِ، أَوِ الرِّقُّ.. رَقَّ وَأُخْرِجَتْ أُخْرَى بِاسْمِ آخَرَ، وَيَجُوزُ أَنْ تُكْتَبَ أَسْمَاؤُهُمْ ثُمَّ تُخْرَجَ رُقْعَةٌ عَلَى الْحُرِّيَّةِ، فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ.. عَتَقَ وَرَقَّا، وَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةً قِيمَةُ وَاحِدٍ مِئَةٌ، وَآخَرَ مِئَتَانِ وَآخَرَ ثَلَاثُ مِئَةٍ.. أُقْرعَ بِسَهْمَيْ رِقٍّ وَسَهْمِ عِتْقٍ؛ فَإِنْ خَرَجَ الْعِتْقُ لِذِي الْمِئَتَيْنِ.. عَتَقَ وَرَقَّا، أَوْ لِلثَّالِثِ.. عَتَقَ ثُلُثَاهُ، أَوْ لِلأَوَّلِ.. عَتَقَ، ثُمَّ يُقْرَعُ بَيْنَ الآخَرَيْنِ بِسَهْمِ عِتْقٍ وَسَهْمِ رِقٍّ، فَمَنْ خَرَجَ.. تُمِّمَ مِنْهُ الثُّلُثُ. وَإِنْ كَانُوا فَوْقَ ثَلَاثَةٍ وَأَمْكَنَ تَوْزِيعُهُمْ بِالْعَدَدِ وَالْقِيمَةِ كَسِتَّةٍ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ

(ولو قال: "أعتقت ثلث كل عبد".. أقرع) لما ذكرناه، (وقيل: يعتق من كل ثلثه) ولا إقراع؛ لتصريحه بالتبعيض، وهذا هو القياس؛ لكن تشوف الشارع إلى تكميل العتق يوجب اتباع الجبر.
(والقرعة: أن يؤخذ ثلاث رقاع متساوية) إذا كان العبيد ثلاثة (يكتب في ثنتين رق، وفي واحدة عتق، وتدرج في بنادق كما سبق) في (باب القسمة)، (وتخرج واحدة باسم أحدهم، فإن خرج العتق.. عتق ورق الآخران، أو الرق.. رق، وأخرجت أخرى باسم آخر) فإن خرج العتق.. عتق ورق الثالث، وإن خرج الرق.. فبالعكس؛ لأن فائدة القرعة ذلك.
(ويجوز أن تكتب أسماؤهم ثم تخرج رقعة على الحرية فمن خرج اسمه.. عتق، ورقا) لانفصال الأمر بذلك أيضًا.
(وإن كانوا ثلاثة قيمة واحد مئة، وآخر مئتان وآخر ثلاث مئة.. أقرع بسهمي رق، وسهم عتق، فإن خرج العتق لذي المئتين.. عتق ورقا) لأن به يتم الثلث، (أو للثالث.. عتق ثلثاه) لأنه الثلث، (أو للأول.. عتق، ثم يقرع بين الآخرين بسهم عتق، وسهم رق، فمن خرج.. تمم منه الثلث) ورق الباقي، فإن خرج للثاني.. عتق نصفه، أو للثالث.. فثلثه.
(وإن كانوا فوق ثلاثة وأمكن توزيعهم بالعدد والقيمة؛ كستة قيمتهم سواء..

جُعِلُوا اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أَوْ بِالْقِيمَةِ دُونَ الْعَدَدِ كَسِتَّةٍ قِيمَةُ أَحَدِهِمْ مِئَةٌ، وَقِيمَةُ اثْنَيْنِ مِئَةٌ، وَثَلَاثَةٍ مِئَةٌ.. جُعِلَ الأَوَّلُ جُزْءًا، وَالاثْنَانِ جُزْءًا، وَالثَّلَاثَةُ جُزْءًا. وَإِنْ تَعَذَّرَ بِالْقِيمَةِ كَأَرْبَعَةٍ قِيمَتُهُمْ سَوَاءٌ.. فَفِي قَوْلٍ: يُجَزَّؤُونَ ثَلَاثةَ أَجْزَاءٍ: وَاحِدٌ وَوَاحِدٌ وَاثْنَانِ؛ فَإِنْ خَرَجَ الْعِتْقُ لِوَاحِدٍ.. عَتَقَ ثُمَّ أُقْرِعَ لِتَتْمِيمِ الثُّلُثِ، أَوْ لِلاِثْنَيْنِ.. رَقَّ الآخَرَانِ ثُمَّ أُقْرِعَ بَينَهُمَا، فَيَعْتِقُ مَنْ خَرَجَ لَهُ الْعِتْقُ وَثُلُثُ الآخَرِ، وَفِي قَوْلٍ: يُكْتَبُ اسْمُ كُلِّ عَبْدٍ فِي رُقْعَةٍ، فَيَعْتِقُ مَنْ خَرَجَ أَوَّلًا وَثُلُثُ الثَّانِي. قُلْتُ: أَظْهَرُهُمَا: الأَوَّلُ، وَاللهُ أَعْلَمُ

جعلوا اثنين اثنين) وضع كما سبق في الثلاثة المتساوية القيمة، (أو بالقيمة دون العدد؛ كستة قيمة أحدهم مئة، وقيمة اثنين مئة، وثلاثة مئة.. جعل الأول جزءًا، والاثنان جزءًا، والثلاثة جزءًا) وأقرع كما سبق، (وإن تعذر) توزيعهم (بالقيمة) وبالعدد؛ بأن لم يكن لهم ولا لقيمتهم ثلث صحيح (كأربعة قيمتهم سواء.. ففي قول: يجزؤون ثلاثة أجزاء: واحد وواحد واثنان) لأنه أقرب إلى فعله صلى الله عليه وسلم.
(فإن خرج العتق لواحد.. عتق ثم أقرع) بين الثلاثة (لتتميم الثلث) فمن خرج له سهم الحرية.. عتق ثلثه، (أو للاثثين) المجموعين جزءًا (.. رق الآخران ثم أقرع بينهما) أي: بين الذين خرج لهم رقعة العتق (فيعتق من خرج له العتق وثلث الآخر) لأن بذلك يتم الثلث، (وفي قول: يكتب اسم كل عبد في رقعةٍ، فيعتق من خرج أولًا وثلث الثاني) أي: القارع ثانيًا؛ لأن ذلك أقرب إلى فصل الأمر، والمراد: أن يكتب أسماءهم في أربع رقاع، ويخرج واحدة بعد واحدة إلى أن يتم الثلث؛ فمن خرجت له أولًا رقعة الحرية.. عتق، وتعاد القرعة بين الباقي؛ فمن خرجت له ثانيًا.. عتق ثلثه.
قال البُلْقيني: وقع في بعض النسخ (وثلث الباقي) بالباء الموحدة والقاف، وفي بعضها (الثاني) بالثاء المثلثة والنون، وهو الصواب.
(قلت: أظهرهما: الأول) والله أعلم، وهو تجزئتهم ثلاثة أجزاء بحيث يقرب من الثلث (والله أعلم) لأنه صلى الله عليه وسلم جزأهم ثلاثة أجزاء 1، وهذا

وَالْقَوْلَانِ فِي اسْتِحْبَابٍ، وَقِيلَ: إِيجَابٍ. وَإِذَا أَعْتَقْنَا بَعْضَهُمْ بِقُرْعَةٍ فَظَهَرَ مَالٌ وَخَرَجَ كُلُهُمْ مِنَ الثُّلُثِ.. عَتَقُوا، وَلَهُمْ كَسْبُهُمْ مِنْ يَوْمِ الإِعْتَاقِ، وَلَا يَرْجِعُ الْوَارِثُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيهِمْ، وَإِنْ خَرَجَ بِمَا ظَهَرَ عَبْدٌ آخَرُ.. أُقْرعَ. وَمَنْ عَتَقَ بِقُرْعَةٍ.. حُكِمَ بِعِتْقِهِ مِنْ يَوْمِ الإِعْتَاقِ، وَتُعْتبَرُ قِيمَتُهُ حِينَئِذٍ، وَلَهُ كَسْبُهُ مِنْ يَوْمِئِذٍ غَيْرَ مَحْسُوبٍ مِنَ الثُّلُثِ. وَمَنْ بَقِيَ رَقِيقًا قُوِّمَ يَوْمَ الْمَوْتِ وَحُسِبَ مِنَ الثُّلُثَيْنِ هُوَ وَكَسْبُهُ الْبَاقِي قَبْلَ الْمَوْتِ، لَا الْحَادِثُ بَعْدَهُ،

ما صححه الرافعي في "الشرح" 1. (والقولان في استحباب) لأن المقصود يحصل بكل من الطريقين، (وقيل: إيجاب) لأنه أقرب إلى فعله عليه الصلاة والسلام، وهذا ما نقلاه في "الشرح" و"الروضة" عن مقتضى كلام الأكثرين 2. (وإذا أعتقنا بعضهم بقرعة فظهر مال) آخر للميت لم نعلم به وقت القرعة، (وخرج كلهم من الثلث.. عتقوا) أي: تبين عتقهم من حين الإعتاق، ولهذا قال: (ولهم كسبهم من يوم الإعتاق، ولا يرجع الوارث بما أنفق عليهم) كمن نكح امرأة نكاحًا فاسدًا على ظن أنه صحيح، ثم فرَّق القاضي بينهما.. لا يرجع بما أنفق.
(وإن خرج) من الثلث (بما ظهر عبد آخر.. أقرع) بينه وبين من بقي من العبيد؛ فمن خرجت له القرعة.. فهو حر مع الأول.
وقوله: (عبد آخر) مثال، وإلا فلو ظهر بعض عبد.. فالحكم كذلك.
(ومن عتق بقرعة.. حكم بعتقه من يوم الإعتاق) لا من يوم القرعة؛ لأنها مبينة للعتق لا مثبتة له، (وتعتبر قيمته حينئذ) أي: حين الإعتاق؛ لأنه تبينَّ بالقرعة أنه كان حرًّا قبله.
(وله كسبه من يومئذ غير محسوب من الثلث) سواء كسبه في حياة المعتق أو بعد موته؛ لحصوله على ملكه.
(ومن بقي رقيقًا قوم يوم الموت) لأنه وقت استحقاق الوارث، (وحسب من الثلثين هو وكسبه الباقي قبل الموت، لا الحادث بعده) لأنه حدث على ملك الوارث.

فَلَوْ أَعْتَقَ ثَلَاثةً لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُمْ قِيمَةُ كُلٍّ مِئَةٌ، فَكَسَبَ أَحَدُهُمْ مِئَةً.. أُقْرِعَ، فَإِنْ خَرَجَ الْعِتْقُ لِلْكَاسِبِ.. عَتَقَ وَلَهُ الْمِئَةُ، وَإِنْ خَرَجَ لِغَيْرِهِ.. عَتَقَ ثُمَّ أُقْرِعَ، فَإِنْ خَرَجَتْ لِغَيْرِهِ.. عَتَقَ ثُلُثُهُ، وَإِنْ خَرَجَتْ لَهُ.. عَتَقَ رُبُعُهُ، وَتبَعَهُ رُبُعُ كَسْبهِ.

فصلٌ [في الولاء]

مَنْ عَتَقَ عَلَيْهِ رَقِيقٌ بِإِعْتَاقٍ أَوْ كِتَابَةٍ وَتَدْبِيرٍ وَاسْتِيلَادٍ وَقَرَابَةٍ وَسِرَايَةٍ.. فَوَلَاؤُهُ لَهُ،

(فلو أعتق ثلاثة لا يملك غيرهم قيمة كل مئة فكسب أحدهم) قبل موت السيد (مئة.. أقرع؛ فإن خرج العتق للكاسب.. عتق وله المئة) لما سبق، ورق الآخران، (وإن خرج لغيره.. عتق ثم أقرع) بين الكاسب والآخر؛ ليتم الثلث، (فإن خرجت لغيره.. عتق ثلثه) وبقي ثلثاه مع المكتسب، وكسبه للورثة، وذلك مثلا قيمة الأول وما عتق من الثاني، (وإن خرجت له) أي: للمكتسب (.. عتق ربعه، وتبعه ربع كسبه) لأنه يجب أن يبقى للورثة ضعف ما عتق، ولا يبقى ذلك إلا بذلك؛ فإنه عتق ربعه، وقيمته خمسة وعشرون، وتبعه من كسبه قدرها وهو غير محسوب عليه، فبقي من كسبه خمسة وسبعون، وبقي منه ما قيمته خمسة وسبعون، وبقي عبد قيمته مئة؛ فجملة التركة المحسوبة ثلاث مئة وخمسة وسبعون؛ منها: قيمة العبيد كلهم ثلاث مئة، ومنها: كسب أحدهم خمسة وسبعون، وجملة ما عتق قيمته: مئة وخمسة وعشرون، وجملة ما بقي للورثة: مئتان وخمسون، وأما ربع كسبه.. فغير محسوب؛ لأنه تابعٌ لِمَا عتق منه.

(فصل) في الولاء، وأصله: الموالاة، وفي الشرع: عُصوبة متراخية عن عُصوبة النسب؛ فيرث بها المعتق، ويلي أمر النكاح والصلاة، ويعقل.
والأصل فيه: قوله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" متفق عليه 1. (من عتق عليه رقيق بإعتاق أو كتابة وتدبير واستيلاد وقرابة وسراية.. فولاؤه له)

ثُمَّ لِعَصَبَتِهِ. وَلَا تَرِثُ امْرَأَةٌ بِوَلَاءٍ إِلَّا مِنْ عَتِيقِهَا وَأَوْلَادِهِ وَعُتَقَائِهِ، فَإِنْ عَتَقَ عَلَيْهَا أَبُوهَا ثُمَّ أَعْتَقَ عَبْدًا فَمَاتَ بَعْدَ مَوْتِ الأَبِ بِلَا وَارِثٍ.. فَمَالُهُ لِلْبِنْتِ، وَالْوَلَاءُ لِأعْلَى الْعَصَبَاتِ،

أما في من باشر العتق.. فللحديث المذكور، وأما في الباقي.. فقياسًا عليه، (ثم لعصبته) الأقرب فالأقرب، على ما سبق في (الفرائض) لحديث: "الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ" 1. (ولا ترث امرأة بولاء) يثبت لغيرها؛ فإذا كان للمعتق ابن وبنت، أو أم وأب، أو أخ وأخت.. ورث الذكر دون الأنثى؛ لأن الولاء أضعف من النسب المتراخي، وإذا تراخى النسب.. ورث الذكور دون الإناث؛ ألا ترى أن ابن الأخ والعم وبنيهما يرثون دون أخواتهم، فإذا لم ترث بنت الأخ وبنت العم والعمة.. فبنت المعتق أولى ألَّا ترث؛ لأنها أبعد منهن.
(إلا من عتيقها) لحديث: "إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ" 2، فجعل الولاء على بريرة لعائشة رضي الله عنها، (وأولاده وعتقائه) كالرجل؛ لأن نعمة إعتاقها شملتهم كما شملت المعتَق، فاستتبعوه في الولاء.
وهذه المسألة مكررة؛ فقد ذكرها المصنف في (الفرائض).
(فإن عتق عليها أبوها ثم أعتق عبدًا فمات بعد موت الأب بلا وارث.. فماله للبنت) لا لكونها بنت معتقه؛ بل لأنها معتقة المعتق، هذا إذا لم يكن للأب عصبة، فإن كان -كأخ وابن عم قريب أو بعيد-.. فميراث العتيق له ولا شيء لها؛ لأن معتق المعتق يتأخر عن عصوبة النسب.
قال الشيخ أبو علي: وقد غلط في هذه المسألة أربع مئة قاضٍ، فقالوا: إن الميراث للبنت، لأنهم رأوها أقرب، وهي عصبة له بولائها عليه.
(والولاء لأعلى العصبات) لقول عمر وعثمان رضي الله عنهما: (الولاء للكُبْر) 3،

وَمَنْ مَسَّهُ رِقٌّ.. فَلَا وَلَاءَ عَلَيْهِ إِلَّا لِمُعْتِقِهِ وَعَصَبَتِهِ. وَلَوْ نَكَحَ عَبْدٌ مُعْتَقَةً فَأَتَتْ بِوَلَدٍ.. فَوَلَاؤُهُ لِمَوْلَى الأُمِّ، فَإِنْ أُعْتِقَ الأَبُ.. انْجَرَّ إِلَى مَوَالِيهِ. وَلَوْ مَاتَ الأَبُ رَقِيقًا وَعَتَقَ الْجَدُّ.. انْجَرَّ إِلَى مَوَالِيهِ، فَإِنْ أُعْتِقَ الْجَدُّ وَالأَبُ رَقِيقٌ.. انْجَرَّ، فَإِنْ أُعْتِقَ الأَبُ بَعْدَهُ انْجَرَّ إِلَى مَوَالِيهِ، وَقِيلَ: يَبْقَى لِمَوَالِي الأُمِّ حَتَّى يَمُوتَ الأَبُ فَيَنْجَرُّ إِلَى مَوَالِي الْجَدِّ، وَلَوْ مَلَكَ هَذَا الْوَلَدُ

وهو بضم الكاف وإسكان الباء؛ بمعنى: الأكبر في الدرجة لا كبير السن؛ إذ لا فرق بين الصغير والكبير، ومثل هذا لا يكون إلا توقيفًا، فإذا خلَّف ابن مولى وابن ابن مولى.. فالمال للابن.
(ومن مسَّه رق) فعتق (.. فلا ولاء عليه إلا لمعتقه وعصبته) فإن لم يوجدوا.. فالمال لبيت المال، ولا ولاء عليه لمعتق الأصول بحال؛ لأن نعمة من أعتقه عليه أعظم من نعمة من أعتق بعض أصوله، ولأن عتق المباشرة أقوى.
(ولو نكح عبد معتقة، فأتت بولد.. فولاؤه لمولى الأم) لأنه المنعم عليه؛ فإنه أعتق بإعتاق أمه، (فإن أعتق الأب.. انجرَّ) الولاء (إلى مواليه) لأن الولاء فرع النسب، والنسب إلى الآباء دون الأمهات، وإنما يثبت لموالي الأم؛ لعدمه من جهة الأب، فإذا أمكن.. عاد إلى موضعه.
ومعنى الانجرار: أن ينقطع من وقت عتق الأب عن موالي الأم، فإذا انجرَّ إلى موالي الأب، فلم يبق منهم أحد.. لم يرجع إلى موالي الأم، بل يكون الميراث لبيت المال.
(ولو مات الأب رقيقًا وعتق الجد.. انجرَّ إلى مواليه) لأنه كالأب في النسب والتعصيب، (فإن أعتق الجد) أبو الأب (والأب رقيق.. انجرَّ) إلى موالي الجد؛ لما سبق، (فإن أعتق الأب بعده.. انجرَّ إلى مواليه) لأن الجد إنما جرَّه لكون الأب رقيقًا، فإذا أعتق.. كان أولى بالجرِّ، (وقيل: يبقى لموالي الأم حتى يموت الأب فينجر إلى موالي الجد) أو يعتق الأب فينجر إليه؛ لأن الولاء ينبغي أن يستقر، وما دام الأب رقيقًا يمكن أن يعتق.. فلا يستقر لمولى الجد.
(ولو ملك هذا الولد) أي: ولد العبد من المعتَقة بعد ثبوت الولاء لموالي الأم

أَبَاهُ.. جَرَّ وَلَاءَ إِخْوَتِهِ إِلَيْهِ، وكَذَا وَلَاءُ نَفْسِهِ فِي الأَصَحِّ. قُلْتُ: الأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ: لا يَجُرُّهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

(أباه.. جرَّ ولاء إخوته إليه) قطعًا؛ لأن الأب يعتق، فيثبت له الولاء عليه وعلى أولاده، سواء كانوا من أمه أو من معتَقة أخرى، (وكذا ولاء نفسه في الأصح) كإخوته؛ كما لو أعتق الأب غيره ثم يسقط ويصير كحر لا ولاء عليه، (قلت: الأصح المنصوص: لا يجره، والله أعلم) بل يبقى لموالي الأم؛ لأنه لو جرَّه.. لثبت له على نفسه ولاء، ولا يمكن أن يكون له على نفسه ولاء، ولهذا لو اشترى العبد نفسه.. عتق، وكان الولاء للسيد، وهذا ما صححه الرافعي في "الشرحين" 1، قال في "المهمات": والظاهر: أن ما وقع في "المحرر" سهو 2.

كتابُ التَّدبير صَرِيحُهُ: (أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي)، أَوْ (إِذَا مِتُّ أَوْ مَتَى مِتُّ.. فَأَنْتَ حُرٌّ)، أَوْ (أَعْتَقْتُكَ بَعْدَ مَوْتِي)، وَكَذَا (دَبَّرْتُكَ) أَوْ (أَنْتَ مُدَبَّرٌ) عَلَى الْمَذْهَبِ. وَيَصِحُّ بِكِنَايَةِ عِتْقٍ مَعَ نِيَّةٍ كَخَلَّيْتُ سَبِيلَكَ بَعْدَ مَوْتِي، وَيَجُوزُ مُقَيَّدًا؛ كـ (إِنْ مِتُّ فِي ذَا الشَّهْرِ أَوِ الْمَرَضِ.. فَأَنْتَ حُرٌّ)،

﴿كتاب التدبير﴾ هو لغةً: النظر في عواقب الأمور، وشرعًا: تعليق عتق يقع بعد الموت، وهو مأخوذ من الدبر؛ لأن الموت دبر الحياة، ونقل ابن المنذر الإجماع على جوازه 1. (صريحه: "أنت حر بعد موتي"، أو "إذا مت أو متى مت.. فأنت حر"، أو "أعتقتك بعد موتي") 2 وكذا (حررتك بعد موتي)، أو (إذا مت.. فأنت عتيق) لأن هذه الألفاظ لا احتمال فيها، وهو شأن الصرائح.
(وكذا "دبرتك"، أو "أنت مدبر" على المذهب) كذا نصَّ عليه، ونصَّ في (الكتابة) على أن قوله: (كاتبتك على كذا) لا يكفي حتى يقول: (فإذا أديت.. فأنت حر)، أو ينويه؛ فقيل: قولان فيهما نقلًا وتخريجًا؛ أحدهما: أنهما صريحان؛ لاشتهارهما في معنييهما، كالبيع والهبة، والثاني: كنايتان؛ لخلوهما عن لفظ الحرية والعتق، والمذهب: تقرير النصين.
والفرق: شهرة التدبير، ولا يعرف معنى الكتابة إلا الخواص، وأيضًا كان التدبير معروفًا في الجاهلية وقرره الشرع؛ فلا يستعمل في معنى آخر، والكتابة قد تستعمل في المخارجة.
(ويصح بكناية عتق مع نية، كـ "خلَّيت سبيلك بعد موتي") لأنه نوع من العتق فدخلته كنايته.
(ويجوز) التدبير (مقيدًا؛ كـ "إن مت في ذا الشهر أو المرض.. فأنت حر") فإن

وَمُعَلَّقًا؛ كـ (إِنْ دَخَلْتَ.. فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي)؛ فَإِنْ وُجِدَتِ الصِّفَةُ وَمَاتَ.. عَتَقَ، وَإِلَّا.. فَلَا. وَيُشْتَرَطُ الدُّخُولُ قَبْلَ مَوْتِ السَّيِّدِ، فَاِنْ قَالَ: (إِنْ مِتُّ ثُمَّ دَخَلْتَ.. فَأَنْتَ حُرٌّ).. اشْتُرِطَ دُخُولٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَهُوَ عَلَى التَّرَاخِي، وَلَيْسَ لِلْوَارِثِ بَيْعُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَلَوْ قَالَ: (إِذَا مِتُّ وَمَضى شَهْرٌ.. فَأَنْتَ حُرٌّ).. فَلِلْوَارِثِ اسْتِخْدَامُهُ فِي الشَّهْرِ لَا بَيْعُهُ. وَلَوْ قَالَ: (إِنْ شِئْتَ.. فَأَنْتَ مُدَبَّرٌ)، أَوْ (أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي إِنْ شِئْتَ).. اشْتُرِطَتِ الْمَشِيئَةُ مُتَّصِلَةً، فَإِنْ قَالَ: (مَتَى شِئْتَ).. فَلِلتَّرَاخِي

وجدت الصفة ومات.. عتق، وإلا.. فلا، (ومعلقًا) على شرط (كـ "إن دخلت.. فأنت حر بعد موتي") لأنه دائرٌ بين أن يكون وصية أو تعليق عتق بصفة، وكلٌّ منهما يقبل التعليق.
(فإن وجدت الصفة ومات.. عتق، وإلا.. فلا) لعدم وجود الصفة.
(ويشترط الدخول قبل موت السيد) كسائر الصفات المعلَّق عليها، وإن مات السيد قبل الدخول.. فلا تدبير، ويلغى التعليق.
(فإن قال: "إن مت ثم دخلت.. فأنت حر".. اشترط دخول بعد الموت) عملًا بقضية اللفظ من الترتيب في ذلك، (وهو) أي: الدخول بعد الموت (على التراخي) لاقتضاء (ثم) ذلك، (وليس للوارث بيعه قبل الدخول) وكذا كلُّ تصرفٍ يزيل الملك؛ إذ ليس له إبطالُ تعليق الميت وإن كان للميت أن يبطله؛ كما لو أوصى لرجل بشيء ثم مات.. ليس للوارث بيعه وإن كان للموصي أن يبيعه.
(ولو قال: "إذا مت ومضى شهر.. فأنت حر".. فللوارث استخدامه في الشهر) لبقائه على ملكه (لا بيعه) لما سبق.
(ولو قال: "إن شئت.. فأنت مدبر"، أو "أنت حر بعد موتي إن شئت".. اشترطت المشيئة متصلة) باللفظ؛ لأن الخطاب يقتضي جوابًا في الحال؛ كالبيع، ولأنه كالتمليك، والتمليك يفتقر إلى القبول في الحال.
(فإن قال: "متى شئت".. فللتراخي) لأن (متى) موضوعة للزمان؛ فاستوى فيها جميع الأزمان، و (إن) موضوعة للفعل؛ فاعتبر فيها زمان الفعل، كذا قاله

وَلَوْ قَالَا لِعَبْدِهِمَا: (إِذَا مِتْنَا فَأَنْتَ حُرٌّ).. لَمْ يَعْتِقْ حَتَّى يَمُوتَا، وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا.. فَلَيْسَ لِوَارثهِ بَيْعُ نَصِيبِهِ. وَلَا يَصِحُّ تَدْبِيرُ مَجْنُونٍ وَصَبِيٍّ لَا يُمَيِّزُ، وَكَذَا مُمَيِّزٌ فِي الأَظْهَرِ، وَيَصِحُّ مِنْ سَفِيهٍ وَكَافِرٍ أَصْلِيٍّ، وَتَدْبِيرُ الْمُرْتَدِّ يُبْنَى عَلَى أَقْوَالِ مِلْكِهِ. وَلَوْ دَبَّرَ ثُمَّ ارْتَدَّ.. لَمْ يَبْطُلْ عَلَى الْمَذْهَبِ،

الماوردي 1، واستشكل بقوله: (إن دخلت الدار.. فأنت حر)، فإنه للتراخي، و (مهما) كـ (متى)، وإطلاقه التراخي مقيَّدٌ بحياة السيد، كسائر الصفات المُعلَّق عليها إلا إذا علَّق صريحًا بمشيئته بعد الموت.
(ولو قالا لعبدهما: "إذا متنا فأنت حر".. لم يغتق حتى يموتا) إما معًا أو مرتبًا؛ لأنه معلَّقٌ بصفتين فلا يعتق حتى يوجدا، ثم إن ماتا معًا.. فالحاصل: عتق بتعليق لا تدبير على الأصح؛ لأنه تعليق بموته وموت غيره، والتدبير بموت نفسه، وإن ماتا مرتبًا.. فقيل له: ليس بتدبير، والأصح: أنه بموت الأول يصير نصيب الثاني مدبرًا، ونصيب الأول ليس مدبرًا.
(وإن مات أحدهما.. فليس لوارثه بيع نصيبه) لأنه صار مستحق العتق بموت الشريك.
(ولا يصح تدبير مجنون وصبي لا يميز) لعدم أهليتهما للعقود (وكذا مميز في الأظهر) كإعتاقه، والثاني: الصحة؛ لأن الحجر عليه لمصلحته، والمصلحة هنا في جوازه؛ لأنه إن عاش.. لم يلزمه، وإن مات.. حصل له الثواب.
(ويصح من سفيه) لأنه صحيح العبارة، ولا ضرر عليه في ذلك، وتدبير المفلس كإعتاقه، وقد سبق في بابه، وفي تدبير السكران الخلاف في تصرفاته.
(وكافر أصلي) ولو حربيًّا، كما يصح استيلاده وتعليقه العتق بصفة، (وتدبير المرتد يُبنى على أقوال ملكه) فإن بقيناه.. صح، وإن أزلناه.. فلا، أو وقفناه؛ فإن أسلم.. بانت صحته، وإلا.. فلا.
(ولو دبر ثم ارتد.. لم يبطل على المذهب) بل إذا مات مرتدًّا.. عتق العبد؛ صيانةً لحق العبد عن الضياع؛ لأن الردة تؤثر في العقود المستقبلة دون الماضية؛

وَلَوِ ارْتَدَّ الْمُدَبَّرُ.. لَمْ يَبْطُلْ، وَلِحَرْبِيٍّ حَمْلُ مُدَبَّرِهِ إِلَى دَارِهِمْ. وَلَوْ كَانَ لِكَافِرٍ عَبْدٌ مُسْلِمٌ فَدَبَّرَهُ.. نُقِضَ وَبِيعَ عَلَيْهِ، وَلَوْ دَبَّرَ كَافِرٌ كَافِرًا فَأَسْلَمَ وَلَمْ يَرْجِعِ السَّيِّدُ فِي التَّدْبِيرِ.. نُزِعَ مِنْ يَدِهِ وَصُرِفَ كَسْبُهُ إِلَيْهِ، وَفِي قَوْلٍ: يُبَاعُ، وَلَهُ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ

بدليل: عدم فساد البيع والهبة السابقين عليها، والطريق الثاني: القطع بالبطلان، والثالث: البناء على أقوال الملك، (ولو ارتد المدبر.. لم يبطل) تدبيره وإن صار دمه مهدرًا؛ لبقاء الملك فيه؛ كما لا يبطل الاستيلاد والكتابة بها.
(ولحربي حمل مدبره إلى دارهم) ولو جرى التدبير في دار الإسلام ولم يرض المدبر بالرجوع؛ لأن أحكام الرق باقية فيه، ويجوز له إبطال ما أثبته له، وهكذا حكم مستولدته، بخلاف مكاتبه؛ لاستقلاله، ولا يخفى أن ذلك في المدبر الكافر، وبه صرح في "الروضة" و"أصلها" 1، ويدل له قوله بعد: (فيما لو دبَّر كافر كافرًا فأسلم.. نزع من يده)، ومحل ذلك: في الكافر الأصلي، أما المرتد.. فإنه يمنع من حمله؛ لبقاء علقة الإسلام.
(ولو كان لكافر عبد مسلم فدبَّره.. نقض وبيع عليه) لما في بقاء ملكه عليه من الإذلال.
ويعلم من قوله: (فدبره) بالفاء أن صورة المسألة: أن يقع التدبير بعد الإسلام، فأما إذا وقع قبله.. فسيذكره.
(ولو دبر كافر كافرًا فأسلم ولم يرجع السيد في التدبير.. نزع من يده) ويجعل في يد عدل؛ دفعًا للذل، ولا يباع بل يبقى مدبرًا؛ لما فيه من مصلحة العتق، (وصرف كسبه إليه) أي: إلى السيد؛ كما لو أسلمت مستولدته، (وفي قول: يباع) وينقض التدبير؛ لأن العبد المسلم لا يقر في ملك كافر.
(وله) أي: للسيد (بيع المدبر) لأنه صلى الله عليه وسلم باعه؛ كما ثبت في "الصحيحين" 2، وفي معنى البيع: كلُّ تصرفٍ يزيل الملك؛ كالإصداق والخلع والهبة المقبوضة.

جارٍ التحميل