بداية المحتاج في شرح المنهاجصفحات 496-536

كتاب المسابقة والمناضلة

صفحات 496-536

وَلَا مُبَادِرٍ. وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ فِي حُقُوقِ اللهِ تَعَالَى، وَفِيمَا لَهُ فِيهِ حَقٌّ مُؤَكَّدٌ كَطَلَاقٍ وَعِتْقٍ وَعَفْوٍ عَنْ قِصَاصٍ، وَبَقَاءِ عِدَّةٍ وَانْقِضَائِهَا، وَحَدٍّ لَهُ، وَكَذَا النَّسَبُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَمَتَى حَكَمَ بِشَاهِدَيْنِ فَبَانَا كَافِرَيْنِ أَوْ عَبْدَيْنِ أَوْ صَبيَّيْنِ.. نَقَضَهُ هُوَ وَغَيْرُهُ، وَكَذَا فَاسِقَانِ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ شَهِدَ كَافِرٌ أَوْ عَبْدٌ أَوْ صَبِيٌّ ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ كَمَالِهِ.. قُبِلَتْ، أَوْ فَاسِقٌ تَابَ

من لا يضبط نادرًا والأغلب منه الحفظ.. قبل قطعًا؛ لأن أحدًا لا يسلم منه.
نعم؛ موضع الردِّ فيمن كثر غلطه: إذا لم تكن الشهادة مفسرة؛ فإن فسرها مثل أن يقول: (لفلان كذا أقر له به)، أو (اقترضه منه)، أو بيَّن الزمان والمكان الذي تحمل فيه الشهادة، وتأنق في ذكر الأوصاف.. قبلت.
(ولا مبادر) بالشهادة قبل الدعوى، وكذا بعدها وقبل أن يستشهد على الأصح، حيث تمتنع شهادة الحسبة؛ لما في ذلك من التهمة.
(وتقبل شهادة الحسبة في حقوق الله تعالى، وفيما له فيه حق مؤكد) أي: لا يتأثر برضا الآدمي (كطلاق) بائن أو رجعي، (وعتق وعفو عن قصاص وبقاء عدة، وانقضائها وحد له) أي: لله تعالى؛ كحد الزنا وقطع الطريق، والسرقة؛ لأن المغلب فيها حق الله تعالى، (وكذا النسب على الصحيح) لأن فيه حقًّا لله تعالى؛ إذ الشرع أكد الأنساب ومنع قطعها، فضاهى الطلاق والعتاق، والثاني: لا؛ لتعلق حق الآدمي فيه.
واحترز بحق الله: عن حق الآدمي؛ كالقصاص وحد القذف والبيوع والإقرار، فإن شهادة الحسبة لا تقبل فيه، فإن لم يعلم صاحب الحق.. أعلمه الشاهد حتى يدعي، ويستشهده فيشهد.
(ومتى حكم بشاهدين فبانا كافرين أو عبدين أو صبيين) أو بان أحدهما كذلك (.. نقضه هو وغيره) لأنه تبين الخطأ؛ كما لو حكم باجتهاد ثم بان النص بخلاف.
(وكذا فاسقان في الأظهر) كسائر من سبق بل أولى؛ لأن اعتبار العدالة منصوصٌ عليه في غير آية، والثاني: لا ينقض؛ لأن فسقهم إنما يعرف ببينة تقوم عليه، وعدالة تلك البينة إنما تدرك با لاجتهاد، والاجتهاد لاينقض بالاجتهاد.
(ولو شهد كافر أو عبد أو صبي ثم أعادها بعد كماله.. قبلت، أو فاسق تاب..

فَلَا، وَتقبَلُ شَهَادَتُهُ فِي غَيْرِهَا بِشَرْطِ اخْتِبَارِهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ مُدَّةً يُظَنُّ بِهَا صِدْقُ تَوْبَتِهِ، وَقَدَّرَهَا الأَكْثَرُونَ بِسَنَةٍ

فلا) والفرق: أن الرد كان لمَّا قام بهم فلا يتهمون بدفع عار الرد، بخلاف الفاسق؛ فإنه كان يخفي فسقه، والرد يظهره فيسعى في دفع عار الرد السابق، وسواء المستتر بفسقه والمعلن به.
نعم؛ في المعلن به وجه، وأطلق الكافر، وهو في المعلن بكفره أما لو كان يستره، ثم أعادها بعد التوبة.. فالأصح في "أصل الروضة" و"الشرح الصغير": عدم القبول؛ كالرد بالفسق، ولو ردت شهادته لعداوة فزالت وأعادها.. لم تقبل على الأصح 1. (وتقبل شهادته في غيرها) أي: في غير تلك الشهادة التي شهد بها حال فسقه ثم تاب بالاتفاق؛ إذ لا تهمة (بشرط اختباره بعد التوبة مدة يظن بها صدق توبته) لأن التوبة من أعمال القلوب وهو متهم بإظهارها لترويج شهادته وعود ولايته فاعتبر الشارع ذلك؛ ليقوى ما ادعاه.
(وقدرها الأكثرون بسنة) لأن للفصول الأربعة تأثيرًا في النفوس، واتباعها لشهواتها، فإذا مضت على حاله.. أشعر ذلك بحسن السريرة، وقد اعتبر الشارع السنة في العنة، وفي مدة التغريب، والزكاة، والجزية، واستثني من اشتراط الاختبار: صور؛ منها: شاهد الزنا إذا وجب عليه الحد؛ لعدم تمام العدد، فإذا تاب.. قبلت شهادته في الحال من غير استبراء على المذهب في "أصل الروضة" 2، ومنها: ما لو عصى الولي بالعضل ثم تاب زوج في الحال، ولا يحتاج إلى استبراء، حكاه الرافعي عن البغوي، ثم حاول اعتبار الاستبراء 3، ومنها: مخفي الفسق إذا تاب وأقرَّ وسلم نفسه للحد؛ لأنه لم يظهر التوبة عما كان مستورًا عليه إلا عن صلاح، قاله الروياني

وَيُشْتَرَطُ فِي تَوْبَةِ مَعْصِيَةٍ قَوْلِيَّةٍ الْقَوْلُ، فَيَقُولُ الْقَاذِفُ: (قَذْفِي بَاطِلٌ وَأَنَا نَادِمٌ عَلَيْهِ وَلَا أَعُودُ إِلَيْهِ)، وَكَذَا شَهَادَةُ الزُّورِ.
قُلْتُ: وَغَيْرُ الْقَوْلِيَّةِ يُشْتَرَطُ إِقْلَاعٌ، وَنَدَمٌ، وَعَزْمٌ أَلَّا يَعُودَ، وَرَدُّ ظُلَامَةِ آدَمِيٍّ إِنْ تَعَلَّقَتْ بهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ.

فصلٌ [فيما يعتبر فيه شهادة الرجال]

لَا يُحْكَمُ بِشَاهِدٍ إِلَّا فِي هِلَالِ رَمَضَانَ فِي الأَظْهَرِ،

والماوردي، قال في "المهمات": (وهو ظاهر) 1. (ويشترط في توبة معصية قولية القول) قياسًا على التوبة من الردة بكلمتي الشهادة (فيقول القاذف: "قذفي باطل وأنا نادم عليه ولا أعود إليه") أو يقول: (ما كنت محقًّا في قذفي وقد تبت منه) ونحو ذلك، ولا يكلف أن يقول: (كذبت فيما قذفته به) لأنه قد يكون صادقًا، فكيف يؤمر بالكذب؟ ! (وكذا شهادة الزور) لأنه في معنى ما سبق، وقضيته: أن يقول: (شهادتي باطلة وأنا نادم عليها ولا أعود إليها)، لكن في "الروضة" و"أصلها" عن "المهذب" أن يقول: (كذبت فيما فعلت ولا أعود إلى مثله)، وأقراه 2. (قلت: وغير القولية يشترط إقلاع) عن المعصية (وندم وعزم ألا يعود) لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ وهو وهو الندم ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ وهو العزم، ولأن الإقلاع يتعلق بالحال، والندم بالماضي، والعزم في المستقبل؛ فلا يكمل إلا بذلك.
(ورد ظلامة آدمي إن تعلقت به، والله أعلم) لو عبر بالخروج من ظلامة آدمي بدل الرد.. لكان أولى؛ ليشمل الرد والإبراء منها، وإقباض غير المال أو بدله، ويشمل المال والعرض والقصاص.

(فصل: لا يحكم بشاهد إلا في هلال رمضان في الأظهر) لما تقدم في (الصوم)، وليست مكررة في "الكتاب"؛ لأنها ذكرت هنا لقصد الحصر، وهو زائد على ذلك.

وَيُشْتَرَطُ لِلزِّنَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ، وَلِلإِقْرَارِ بِهِ اثْنَانِ - وَفِي قَوْلٍ: أَرْبَعَةٌ - وَلِمَالٍ وَعَقْدٍ مَالِيٍّ كَبَيع وَإِقَالَةٍ وَحَوَالَةٍ وَضَمَانٍ

نعم؛ أورد على الحصر مسائل؛ منها: لو مات ذمي فشهد عدل أنه أسلم قبل موته.. لم يحكم بها بالنسبة إلى الإرث والحرمان، وفي الاكتفاء بالنسبة إلى الصلاة عليه وتوابعها وجهان، بناهما المتولي على القولين في هلال رمضان، حكاه عنه المصنف في "شرح المهذب" في أواخر الصلاة على الميت وأقره 1، ومقتضاه: ترجيح القبول، قال الأَذْرَعي: لكن جزم القاضي الحسين في "فتاويه" بالمنع، ومنها: شهادة العدل الواحد لوثٌ؛ كما ذكره المصنف في (القسامة) 2، وذكر في (القسمة) الاكتفاء بقاسم واحد 3، وفي (زكاة النبات) بخارص 4. (ويشترط للزنا أربعة رجال) لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ فجعل التخلص من حد القذف بذلك، ولأنه من أغلظ الفواحش؛ فغلظت الشهادة فيه؛ ليكون أستر، ويلتحق بالزنا اللواط، وكذا إتيان البهائم على المذهب المنصوص في "الأم" 5. وهذا العدد شرط بالنسبة لإقامة الحد، أما لو شهد بجرحه شاهدان بالنسبة إلى الزنا.. ثبت فسقه، ولا يكونان قاذفين؛ كما رجحه في "زيادة الروضة" في (فصل التزكية) 6. (وللإقرار به اثنان) كغيره من الأقارير، (وفي قول: أربعة) لأن المثبت بالشهادة الزنا، فصار كالشهادة على نفس الزنا.
وفرق الأول: بأن المقر لا يتحتم حده، بخلاف المعاين، فلذلك غُلِّظت بينته.
(ولمال، وعقد مالي؛ كلبيع وإقالة وحوالة وضمان) وصلح ورهن وشفعة

وَحَقٍّ مَالِيٍّ كَخِيَارٍ وَأَجَلٍ.. رَجُلَانِ أَوْ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ، وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عُقُوبَةٍ للهِ تَعَالَى أَوْ لآدَمِيٍّ وَمَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ رِجَالٌ غَالِبًا كَنِكَاحٍ وَطَلَاقٍ وَرَجْعَةٍ وَإِسْلَامٍ وَرِدَّةٍ وَجَرْحٍ وَتَعْدِيلٍ وَمَوْتٍ وَإِعْسَارٍ وَوَكَالَةٍ وَوِصَايَةٍ وَشَهَادَة عَلَى شَهَادَةٍ.. رَجُلَانِ،

ومسابقة وحصول السبق، (وحق مالي؛ كخيار وأجل) وقتل خطأ، وسائر الجنايات الموجبة للمال (رجلان أو رجل وامرأتان) لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ فكان على عمومه إلا ما خصه دليل.
واقتصاره على العقد المالي مضرٌّ؛ فإن فسوخ العقود المالية كذلك، ثم جعله الإقالة من أمثلة العقد إنما يأتي على وجه ضعيف، والصحيح: أنها فسخ، فلو قال: (وعقد مالي وفسخه).. لاستقام.
وشمل إطلاقه: الشركة، والقراض، لكن الراجح في "الشرح" و"الروضة" اشتراط رجلين؛ لأن كل واحد منهما توكيل، وتفويض تصرف إلى الغير 1. (ولغير ذلك) أي: ما ليس بمال، ولا يقصد منه مال (من عقوبة لله تعالى) كحدِّ شرب وقطع طريق وقتل ردة، (أو لآدمي) كقصاص وحد قذف.
(وما يطلع عليه رجال غالبًا؛ كنكاح وطلاق ورجعة وإسلام وردة وجرح وتعديل وموت وإعسار ووكالة ووصاية وشهادة على شهادة.. رجُلان) ولا يثبت برجل وامرأتين، أما العقوبات.. فلقول الزهري: مضت السُّنَّة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والخليفتين من بعده ألا تقبل شهادة النساء في الحدود 2. وألحق بالحدود: التعازير؛ لأنها في معناها، وأما فيما يطلع عليه الرجال.. فلأن الله تعالى نصَّ في الشهادة فيما سوى الأموال على الرجال دون النساء في ثلاثة مواضع في الطلاق والرجعة والوصية، وصحَّ الحديث: "لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ" 3. وقال ابن شهاب: مضت السُّنَّة من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا تجوز

وَمَا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ النِّسَاءُ أَوْ لَا يَرَاهُ رِجَالٌ غَالِبًا كَبَكَارَةٍ وَوِلَادَةٍ وَحَيْضٍ وَرَضَاعٍ وَعُيُوبٍ تَحْتَ الثِّيَابِ تَثْبُتُ بِمَا سَبَقَ وَبِأَرْبَعِ نِسْوَةٍ

شهادة النساء في الحدود، ولا في النكاح، ولا في الطلاق 1، وهذا وإن كان مرسلًا فهو حجة على أبي حنيفة، وهو المخالف، وألحق الباقي بذلك؛ لأنه ليس المقصود منه المال، ولا نظر إلى رجوع الوكالة والوصاية إلى مال؛ لأن القصد منهما الولاية والخلافة لا المال.
(وما يختص بمعرفته النساء أو لا يراه رجال غالبًا؛ كبكارة) وثيوبة ورتق وقرن، (وولادة وحيض ورضاع وعيوب تحت الثياب) أي: ثياب النساء؛ كبرص وغيره (تثبت بما سبق) أي: برجلين وبرجل وامرأتين، (وبأربع نسوة) منفردات؛ لما رواه ابن أبي شيبة عن الزهري: مضت السُّنَّة أن تجوز شهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن؛ من ولادة النساء وعيوبهن 2. والمعنى فيه: الحاجة؛ لتعذر إثباتها بالرجال غالبًا، وأما اعتبار الأربع.. فلأن ما ليس بمال لا يثبت إلا برجلين، والله قد أقام الرجل مقام المرأتين، وإذا ثبت قبولهن منفردات.. فقبول الرجلين، والرجل والمرأتين أولى، ومسألة الرضاع مكررة سبقت في (باب الرضاع) وقدمنا ما فيها.
واحترز بقوله: (تحت الثياب): عن العيوب الظاهرة؛ فإن البغوي قال: العيب في وجه الحرة وكفيها لا يثبت إلا برجلين؛ تفريعًا على أنهما ليسا من العورة، وفي وجه الأمة وما يبدو منها عند المهنة يثبت برجل وامرأتين؛ لأن المقصود منه المال، كذا نقلاه عنه، وأقراه 3، وأطلق الماوردي نقل الإجماع على أن عيوب النساء في الوجه والكفين لا تقبل فيهما إلا الرجال دون النساء، ولم يفصل بين الحرة والأمة 4، وصرح به القاضي الحسين فيهما، وقال في "المطلب" بعد ذكره كلام البغوي:

وَمَا لَا يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتينِ لَا يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَيمِينٍ، وَمَا ثَبَتَ بِهِمْ ثَبَتَ بِرَجُلٍ وَيَمِينٍ إِلَّا عُيُوبَ النِّسَاءِ وَنَحْوَهَا، وَلَا يَثْبُتُ شَيْءٌ بِامْرَأَتينِ وَيَمِينٍ. وَإِنَّمَا يَحْلِفُ الْمُدَّعِي بَعْدَ شَهَادَةِ شَاهِدِهِ وَتَعْدِيلِهِ،

ومقتضى هذه العلة: أن ذلك فيما إذا قصد به الرد في البيع، أما إذا قصط به فسخ النكاح.. فلا، وعليه ينزل إطلاق القاضي وغيره.
وقول المصنف: (تحت الثياب) أعم من عبارة "المحرر" و"الشرحين" و"الروضة": (تحت الإزار)؛ فإن مقتضى تعبير المصنف: قبول شهادتهن منفردات فيما فوق السرة من لعيوب، وفيما تحت الركبة منها، بخلاف تعبير "المحرر" و"الشرحين" و"الروضة" 1. (وما لا يثبت رجل وامرأتين لا يثبت برجل ويمين) لأن الرجل والمرأتين أقوى، وإذا لم يثبت بالأقوى.. لم يثبت بما دونه.
(وما ثبت بهم) أي: برجل وامرأتين (ثبت برجل ويمين) 2 لأنه عليه الصلاة والسلام قضى بيمين وشاهد، رواه مسلم من حديث ابن عباس 3، وله طرق أخر رواه من الصحابة بضعة وعشرون صحابيًّا 4. قال الأَذْرَعي: ووافق على القضاء بالشاهد واليمين مالك وأحمد وجمهور الأئمة؛ منهم: الخلفاء الراشدون الأربعة رضي الله عنهم.
(إلا عيوب النساء ونحوها) من الرضاع وغيره؛ فإنها لا تثبت بشاهد ويمين؛ لأنها خطرة، بخلاف المال.
(ولا يثبت شيء بامرأتين ويمين) لأن كلًّا منهما حُجَّةٌ ضعيفة.
(وإنما يحلف المدعي بعد شهادة شاهده وتعديله) لتقوية جانبه حينئذ، واليمين إبداء في الجانب القوي.

وَيَذْكُرُ فِي حَلِفِهِ صِدْقَ الشَّاهِدِ، فَإِنْ تَرَكَ الْحَلِفَ وَطَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ.. فَلَهُ ذَلِكَ، فَإِنْ نَكَلَ.. فَلَهُ أَنْ يَحْلِفَ يَمِينَ الرَّدِّ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ أَمَةٌ وَوَلَدُهَا فَقَالَ رَجُلٌ: (هَذِهِ مُسْتَوْلَدَتِي عَلِقَتْ بِهَذَا فِي مِلْكِي) وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدٍ.. ثَبَتَ الاسْتيلَادُ، لَا نَسَبُ الْوَلَدِ وَحُرِّيَّتُهُ فِي الأَظْهَرِ. وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ غُلَامٌ فَقَالَ رَجُلٌ: (كَانَ لِي وَأَعْتَقْتُهُ) وَحَلَفَ مَعَ شَاهِدٍ.. فَالْمَذْهَبُ: انْتِزَاعُهُ وَمَصِيرُهُ حُرًّا

(ويذكر في حلفه صدق الشاهد) وجوبًا، فيقول: (والله؛ إن شاهدي لصادق وإني مستحق كذا) لأن اليمين والشهادة حجَّتان مختلفتا الجنس فاعتبر ارتباط بالأخرى؛ ليصيرا كالنوع الواحد، واستفدنا من تعبير المصنف بـ (الواو): أنه لا ترتيب بين الحلف على إثبات الحق وصدق الشاهد، وحكى الإمام فيه الاتفاق.
(فإن ترك الحلف) مع شاهده (وطلب يمين خصمه.. فله ذلك) لأنه قد يتورع؛ فإن حلف.. سقطت الدعوى.
(فإن نكل) المدعى عليه (.. فله) أي: فللمدعي (أن يحلف يمين الرد في الأظهر) كما لو لم يكن له شاهد ونكل المدعى عليه؛ لأنها غير التي امتنع عنها؛ لأن تلك لقوة جهته بالشاهد، وهذه لقوة جهته بنكول المدعى عليه، والثاني: لا؛ لأنه يمكنه الحلف مع الشاهد.
(ولو كان بيده أمة وولدها، فقال رجل: "هذه مستولدتي علقت بهذا) مني (في ملكي"، وحلف مع شاهد.. ثبت الاستيلاد) فتنزع ممن هي في يده وتسلم إليه، لأن الرق مال فيثبت بالشاهد واليمين، وإذا مات.. حكم بعتقها بإقراره.
(لا نسب الولد وحريته في الأظهر) لأنهما لا يثبتان بالشاهد واليمين، فلا تنزع من صاحب اليد، والثاني: يثبتان تبعًا، فينزع ممن هو في يده، ويكون حرًّا نسيبًا بإقرار المدعي.
(ولو كان بيده غلام فمال رجل: "كان لي وأعتقته"، وحلف مع شاهد.. فالمذهب: انتزاعه ومصيره حرًّا) لأنه يدعي ملكًا متقدمًا، وحجته تصلح لإثبات الملك، وإذا ثبت الملك.. ترتب عليه العتق بإقراره، وهذا ما نصَّ عليه، فمنهم من خرج فيه قولًا من المسألة قبلها؛ لأنها شهادة بملك متقدم، والجمهور قطعوا

وَلَوِ ادَّعَتْ وَرَثَةٌ مَالًا لِمُوَرِّثِهِمْ وَأَقَامُوا شَاهِدًا وَحَلَفَ مَعَهُ بَعْضُهُمْ.. أَخَذَ نَصِيبَهُ وَلَا يُشَارَكُ فِيهِ. وَيَبْطُلُ حَقُّ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ بِنُكُولِهِ إِنْ حَضَرَ وَهُوَ كَامِلٌ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا.. فَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ لَا يَقْبِضُ نَصِيبَهُ،

بالمنصوص، وفرقوا بأنه في العبد يدعي ملكًا متقدمًا، وحجته تصلح لإثبات الملك، وإذا ثبت الملك.. ترتب عليه العتق بإقراره، وفي صورة الاستيلاد إنما قامت الحجة على ملك الأم لا جرم رتبنا العتق عليه إذا جاء وقته بإقراره، وأما الولد.. فقضية الدعوى والحجة كونه حرًّا نسيبًا، وهما لا يثبتان بهذه الحجة؛ فلذلك افترقا.
(ولو ادعت ورثة مالًا لمورثهم وأقاموا شاهدًا وحلف معه بعضهم.. أخذ) الحالف (نصيبه ولا يشارك فيه) أي: لا يشاركه فيه من لم يحلف، غائبًا كان أو حاضرًا؛ لأن الحجة تمت في حقه وحده، وهذا ما نصَّ عليه هنا، ونصَّ في (الصلح) فيما إذا ادعيا دارًا إرثًا فصدق المدعى عليه أحدهما وكذَّب الآخر؛ فإن المكذب يشارك المصدق فخرج بعضهم منه قولًا هنا: أن ما يأخذه الحالف يشاركه فيه من لم يحلف؛ لأن الإرث يثبت على الشيوع، وقطع الجمهور بما نصَّ عليه هنا، وفرقوا بينهما بفرقين: أحدهما: أن الثبوت هنا بشاهد ويمين؛ فلو أثبتنا الشركة.. لملكنا الناكل بيمين غيره، وهناك الثبوت بإقرار المدعى عليه ثم ترتب إقرار المصدق بأنه إرث، الثاني: أن الممتنع هنا قادر على الوصول إلى حقه بيمينه؛ فحيث لم يفعل صار كالتارك لحقه على خصمه.
(ويبطل حق من لم يحلف بنكوله إن حضر وهو كامل) حتى لو مات.. لم يكن لوارثه أن يحلف، كذا حكياه عن الإمام ثم قالا: وفي كتاب ابن كَجٍّ ما ينازع فيه 1، وقال في "المهمات": إن الصحيح: أن حقه لا يبطل حتى يحلف هو ووارثه، وبسط ذلك 2. (فإن كان غائبًا أو صبيًّا أو مجنونًا.. فالمذهب: أنه لا يقبض نصيبه) نصَّ الشافعي في المجنون أنه يوقف نصيبه، قال الجمهور: مراده: أنا نمتنع من الحكم في

فَإِذَا زَالَ عُذْرُهُ.. حَلَفَ وَأَخَذَ بِغَيْرِ إِعَادَةِ شَهَادَةٍ. وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلٍ كَزِنًا وَغَصْبٍ وَإِتْلَافٍ وَوِلَادَة إِلَّا بِالإِبْصَار، وَتُقْبَلُ مِنْ أَصَمَّ، وَالأَقْوَالُ كَعَقْدٍ يُشْتَرَطُ سَمْعُهَا وَإِبْصَارُ قَائِلِهَا، وَلَا يُقْبَلُ أَعْمَى إِلَّا أَنْ يُقِرَّ فِي أُذُنِهِ فَيَتَعَلَّقَ بِهِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَ قَاضٍ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ،

نصيبه، ويوقف حتى يفيق؛ لأنه لا يمكن تحليفه، ولا تحليف وليه عنه؛ لأن اليمين لا تدخلها النيابة، وقيل: مراده: أنه يؤخذ نصيبه ويوقف، وألحق الصبي والغائب بالمجنون 1. (فإذا زال عذره) بأن حضر الغائب، وبلغ الصبي، وأفاق المجنون (.. حلف وأخذ بغير إعادة شهادة) لأن الشهادة متعلقة بالميراث وإثبات ملك المورث، وذلك في حكم الخصلة الواحدة، فإذا ثبتت الشهادة في حق البعض.. ثبتت في حق الكل، وما جزم به من عدم الإعادة محله: إذا لم يتغير حال الشاهد بما يقتضي رد شهادته؛ فإن تغير.. فوجهان في "الشرحين" و"الروضة" بلا ترجيح 2. (ولا تجوز شهادة على فعل؛ كزنا وغصب وإتلاف وولادة إلا بالإبصار) لأنه يصل به إلى العلم من أقصى جهاته.
(وتقبل من أصم) لأن المعتمد فيها على الفعل، وهو مدرك بالبصر لا بالسمع.
(والأقوال كعقد) وفسخ (يشترط سمعها وإبصار قائلها) فلا بد من مشاهدة المقر أو العاقد حمال تلفظه ببصره وسماعه مما يتلفظ به حتى لو نطق به من وراء حجاب وهو متحققه.. لم يكف؛ لأن ما أمكن إدراكه بعلم الحواس لا يجوز أن يعمل فيه بالاستدلال المقتضي لغلبة الظن؛ لجواز اشتباه الأصوات، وقد يحاكي الإنسان صوت غيره فيشتبه به.
(ولا يقبل أعمى) لانسداد طريق المعرفة مع اشتباه الأصوات وإمكان التصنع فيها (إلا أن يقر في أذنه) بطلاق أو عتاق أو مال (فيتعلق به حتى يشهد عند قاض به على الصحيح) لحصول العلم بأنه المشهود عليه، والثاني: المنع؛ حسمًا للباب.

وَلَوْ حَمَلَهَا بَصِيرٌ ثُمَّ عَمِيَ.. شَهِدَ إِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ وَعَلَيْهِ مَعْرُوفَيِ الاسْمِ وَالنَّسَبِ. وَمَنْ سَمِعَ قَوْلَ شَخْصٍ أَوْ رَأَى فِعْلَهُ؛ فَإِنْ عَرَفَ عَيْنَهُ وَاسْمَهُ وَنَسَبَهُ.. شَهِدَ عَلَيْهِ فِي حُضُورِهِ إِشَارَةً، وَعِنْدَ غَيْبَتِهِ وَمَوْتِهِ باسْمِهِ وَنَسَبهِ، فَإِنْ جَهِلَهُمَا.. لَمْ يَشْهَدْ عِنْدَ مَوْتِهِ وَغَيْبَتِهِ. وَلَا يَصِحُّ تَحَمُّلُ شَهَادَةٍ عَلَى مُتَنَقِّبَةٍ اعْتَمَادًا عَلَى صَوْتِهَا، فَإِنْ عَرَفَهَا بِعَيْنِهَا أَوْ بِاسْمٍ وَنَسَبٍ.. جَازَ،

وجعل القاضي الحسين موضع الخلاف ما إذا جمعهما مكان خال وألصق فاه بأذنه، وضبطه كما سلف، فلو كان هناك جماعة وأقر في أذنه.. لم يقبل قطعًا.
(ولو حملها بصير ثم عمي.. شهد إن كان المشهود له وعليه معروفي الاسم والنسب) لحصول العلم، وكذا لو عمي ويد المقر في يده فشهد عليه كمعروفي الاسم والنسب، وإن لم يكن كذلك.. لم تقبل شهادته؛ لأنه لا يمكنه تعيين المشهود عليه ولا الإشارة إلى المشهود به.
وقضية كلامه: أنه لا يستثنى من عدم قبول الأعمى غير هاتين المسألتين، وليس كذلك بل تقبل فيما يشهد به بالاستفاضة؛ كالموت وغيره مما سيأتي على الأصح، إذا لم يحتج إلى تعيين وإشارة، وكذا شهادته في الترجمة على الأصح، قال ابن الصباغ: وينبغي قبولها فيما إذا عرف شخصًا وعرف صوته ضرورة؛ لأنه تعين، قال صاحب "الذخائر": ولم يذكره غيره، وليس بصحيح، ورده الأَذْرَعي وغيره: بأن شريحًا الروياني حكاه في "روضته" وجهًا عن رواية جده.
(ومن سمع قول شخص أو رأى فعله؛ فإن عرف عينه واسمه ونسبه.. شهد عليه في حضوره إشارة، وعند غيبته وموته باسمه ونسبه) لحصول التمييز بذلك، (فإن جهلهما) أي: اسمه ونسبه (.. لم يشهد عند موته وغيبته) لعدم العلم.
(ولا يصح تحمل شهادةٍ على متنقبة اعتمادًا على صوتها) ولا في ظلمة أو من وراء حائل صفيق؛ لاشتباه الأصوات، ولا يمنع الحائل الرقيق على الأصح، (فإن عرفها بعينها أو باسم ونسب.. جاز) التحمل، ولا يضر النقاب بل لا يجوز كشف الوجه حينئذ؛ كما قاله صاحبا "الحاوي" و"العدة" وغيرهما.

وَيَشْهَدُ عِنْدَ الأَدَاءِ بِمَا يَعْلَمُ، وَلَا يَجُوزُ التَّحَمُّلُ عَلَيْهَا بِتَعْرِيفِ عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ عَلَى الأَشْهَرِ، وَالْعَمَلُ عَلَى خِلَافِهِ. وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى عَيْنِهِ بِحَقٍّ فَطَلَبَ الْمُدَّعِي التَّسْجِيلَ.. سَجَّلَ الْقَاضِي بِالْحِلْيَةِ لَا الاسْمِ وَالنَّسَبِ مَا لَمْ يَثْبُتَا، وَلَهُ الشَّهَادَةُ بِالتَّسَامُع عَلَى نَسَبٍ مِنْ أَبٍ أَوْ قَبيلَةٍ، وَكَذَا أُمٌّ فِي الأَصَحِّ، وَمَوْتٌ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَا عِتْقٌ وَوَلَاءٌ وَوَقْفٌ وَنِكَاحٌ وَمِلْكٌ فِي الأَصَحِّ.

(ويشهد عند الأداء بما يعلم، ولا يجوز التحمل عليها بتعريف عدل أو عدلين) أو أكثر (على الأشهر) وهو الذي أورده الأكثرون، (والعمل على خلافه) أي: يجوز التحمل عليها بذلك.
وهذه العبارة قد سبق نظيرها في (صلاة العيد)، وهي تقتضي الميل إليه، ولم يصرحا بذلك في "الروضة" و"أصلها" بل نقلا عن الأكثرين المنع، وساقا الثاني مساق الأوجه الضعيفة 1. (ولو قامت بينة على عينه بحق فطلب المدعي) من القاضي (التسجيل.. سجل القاضي بالحلية لا الاسم والنسب ما لم يثبتا) بالبينة فيكتب (حضر رجل ذكر أنه فلان، ومن حليته: كَيْت وكَيْت)، ولا يكفي في الاسم والنسب قول المدعي، ولا إقرار المدعى عليه؛ فإن نسب الشخص لا يثبت بإقراره.
(وله الشهادة بالتسامع على نسب من أب أو قبيلة) فيشهد أن هذا ابن فلان إذا كان يعرف عينه، أو من قبيلة كذا؛ لأنه لا مدخل للرؤية فيه؛ فإن غاية الممكن أن تشاهد الولادة على الفراش، وذلك لا يفيد القطع بل الظاهر فقط، والحاجة داعية إلى إثبات الأنساب إلى الأجداد المتوفين والقبائل القديمة، فسومح فيه.
(وكذا أم) أي: يثبت النسب من الأم بالتسامع (في الأصح) كالأب، والثاني: المنع؛ لإمكان رؤية الولادة، بخلاف العلوق.
(وموت على المذهب) كالنسب، وقيل: فيه وجهان؛ كالولاء وما في معناه؛ لأنه يمكن فيه المعاينة.
(لا عتق وولاء ووقف ونكاح وملك في الأصح) لأن مشاهدتها متيسرة، وأسبابها

قُلْتُ: الأَصَحُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ وَالأَكْثَرِينَ فِي الْجَمِيعِ: الْجَوَازُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَشَرْطُ التَّسَامُعِ: سَمَاعُهُ مِنْ جَمْعٍ يُؤْمَنُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَقِيلَ: يَكْفِي مِنْ عَدْلَيْنِ، وَلَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى مِلْكٍ بِمُجَرَّدِ يَدٍ، وَلَا بِيَدٍ وَتَصَرُّفٍ فِي مُدَّةٍ قَصِيرَةٍ،

غير متعددة، (قلت: الأصح عند المحققين والأكثرين في الجميع: الجواز، والله أعلم) لأنها أمور مؤبدة، وإذا طالت مدتها.. عسر إقامة البينة على ابتدائها فمست الحاجة إلى إثباتها بالتسامع، وهذا ما رجحه في "زيادة الروضة" بالنسبة إلى العتق والولاء والوقف والنكاح 1، لكن في "المهمات": أن الصواب الذي عليه الفتوى: إنما هو المنع، فقد نصَّ عليه الشافعي، ونقله عنه ابن الرفعة في "الكفاية" 2، وأما بالنسبة إلى الملك.. فهو مخالف لما في "أصل الروضة" حيث قال: فيه وجهان؛ أقربهما إلى إطلاق الأكثرين: الجواز، والظاهر: أنه لا يجوز، وهو محكي عن نصه في "حرملة"، واختاره القاضي حسين والإمام والغزالي، وهو الجواب في "الرقم" 3. (وشرط التسامع: سماعه من جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب) وأن يقع العلم أو الظن القوي بخبرهم؛ كما ذكراه في "الروضة" و"أصلها" 4؛ لأن الأصل في الشهادة اعتمادُ اليقين، وإنما يعدل عنه عند عدم الوصول إليه إلى ظن يقرب منه على حسب الطاقة، (وقيل: يكفي من عدلين) لأن الحاكم يعتمد قولهما فكذا الشاهد، والأصح: عدم الاكتفاء.
نعم؛ لو أشهداه.. شهد على شهادتهما.
(ولا تجوز الشهادة على ملك بمجرد يد) لأنها لا تستلزم الملك؛ إذ قد تكون عن إجارة أو عارية، وقيل: يجوز، ويجوز أن يشهد له باليد.
(ولا بيد وتصرف في مدة قصيرة) لاحتمال أنه وكيل عن غيره.

وَتَجُوزُ فِي طَوِيلَةٍ فِي الأَصَحِّ، وَشَرْطُهُ: تَصَرُّفُ مُلَّاكٍ مِنْ سُكْنَى وَهَدْمٍ وَبِنَاءٍ وَبَيْعٍ وَرَهْنٍ، وَتُبْنَى شَهَادَةُ الإِعْسَار عَلَى قَرَائِنِ وَمَخَائِلِ الْضُّرِّ وَالإِضَاقَةِ.

فصلٌ [في تحمل الشهادة وأدائها]

تَحَمُّلُ الشَّهَادَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي النِّكَاحِ، وَكَذَا الإِقْرَارُ وَالتَّصَرُّفُ المَالِيُّ وَكِتَابَةُ الصَّكِّ فِي الأَصَحِّ

(وتجوز في طويلة في الأصح) لأن امتداد الأيدي والتصرف مع طول الزمان من غير منازع يغلب على الظن الملك، والثاني: المنع؛ لأن الغاصب والمستأجر والوكيل أصحاب يد وتصرف؛ فإن انضم إلى اليد والتصرف الاستفاضة ونسبة الناس الملك إليه.. جازت الشهادة قطعًا، وطول المدة وقصرها يرجع فيه إلى العرف على الأصح.
(وشرطه) أي: التصرف المعتبر في هذا الباب (تصرف ملاك من سكنى وهدم، وبناء وبيع) وفسخ (ورهن) لأنها مع عدم النكير تدل على الملك، والإجارة كذلك على الأصح، ولا يكفي التصرف مرةً واحدة؛ فإنه لا يثير الظن.
(وتبنى شهادة الإعسار على قرائن ومخائل الضر والإضاقة) لأنه لا يمكن الوقوف على اليقين فيه.
نعم؛ تعتبر فيه الخبرة الباطنة؛ كما ذكره المصنف (في التفليس).

(فصل: تحمل الشهادة فرض كفاية في النكاح) لتوقف الانعقاد عليه؛ فلو امتنع الكل.. أثموا، (وكذا الإقرار والتصرف المالي وكتابة الصك في الأصح) للحاجة إليها لتمهيد إثبات الحقوق عند التنازع، وكتابة الصك يستعان بها في تحصين الحقوق، والثاني: المنع؛ لصحتها بدونه.
ومحل الوجوب: إذا حضره المحمل، فإن دعاه لم يلزمه في الأصح إلا أن يكون المحمل معذورًا بمرض أو حبس، أو كانت مخدرة، وكذا لو دعاه قاض ليشهده على أمر ثبت عنده.

وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْقَضِيَّةِ إِلَّا اثْنَانِ.. لَزِمَهُمَا الأَدَاءُ، فَلَوْ أَدَّى وَاحِدٌ وَامْتَنَعَ الآخَرُ وَقَالَ: (احْلِفْ مَعَهُ).. عَصَى. وَإِنْ كَانَ شُهُودٌ.. فَالأَدَاءُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَلَوْ طَلَبَ مِنَ اثْنَيْنِ.. لَزِمَهُمَا فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا وَاحِدٌ.. لَزِمَهُ إِنْ كَانَ فِيمَا يَثْبُتُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، وَإِلَّا.. فَلَا، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُ الأَدَاءُ إِلَّا مَنْ تَحَمَّلَ قَصْدًا لَا اتِّفَاقًا. وَلِوُجُوبِ الأَدَاءِ شُرُوطٌ: أَنْ يُدْعَى مِنْ مَسَافَةِ الْعَدْوَى،

(وإذا لم يكن في القضية إلا اثنان) بأن لم يتحمل غيرهما أو مات الباقون أو جنوا أو فسقوا أو غابوا (.. لزمهما الأداء) لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ أي: للأداء، ولأنه يؤدي فرضًا التزمه في ذمته.
(فلو أدى واحد وامتنع الآخر) بلا عذر (وقال: "احلف معه".. عصى) وإن كان القاضي يرى الحكم بشاهد ويمين؛ لأن من مقاصد الإشهاد التورع عن اليمين؛ فلا يفوت عليه.
(وإن كان) في الواقعة (شهود.. فالأداء فرض كفاية) لحصول الغرض بالبعض؛ كالجهاد ونحوه، (فلو طلب) الأداء (من اثنين) بأعيانهما (.. لزمهما في الأصح) لئلا يفضي إلى التواكل، والثاني: لا؛ كالتحمل.
وفرَّق الأول: بأنه هناك طلبهما ليحمل أمانة، وهنا لأدائها.
ومحل الخلاف؛ كما قاله الإمام، وأقراه: ما إذا علم المدعوان أن في الشهود من يرغب في الأداء أو لم يعلما من حالهم رغبةً ولا إباءً، أما إذا علما إباءهم.. فليس ذلك موضع الخلاف 1. (وإن لم يكن إلا واحد.. لزمه إن كان فيما يثبت بشاهد ويمين) والقاضي المدعو للأداء عنده يعتقد ذلك، (وإلا.. فلا) لأن المقصود لا يحصل به، (وقيل: لا يلزم الأداء إلا من تحمل قصدًا لا اتفاقًا) لأنه لم يوجد منه التزام، والأصح: لا فرق؛ لأنها أمانة حصلت عنده فلزمه أداؤها وإن لم يلتزمها؛ كما لو طيرت الريح ثوبًا إلى داره.
(ولوجوب الأداء شروط: أن يدعى من مسافة العدوى) وهي التي يتمكن المبكر

وَقِيلَ: دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ.
وَأَنْ يَكُونَ عَدْلًا، فَإِنْ دُعِيَ ذُو فِسْقٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، قِيلَ: أَوْ مُخْتَلَفٍ فِيهِ.. لَمْ يَجِبْ.
وَأَلَّا يَكُونَ مَعْذُورًا بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ كَانَ.. أَشْهَدَ عَلَى شَهَادَتِهِ، أَوْ بَعَثَ الْقَاضِي مَنْ يَسْمَعُهَا.

فصلٌ [في الشهادة على الشهادة]

تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي غَيْرِ عُقُوبَةٍ، وَفِي عُقُوبة لآدَمِيٍّ عَلَى الْمَذْهَبِ،

إليها من الرجوع إلى أهله في يومه كما سلف؛ للحاجة إلى الإثبات، وتعذره بالشهادة على الشهادة، (وقيل: دون مسافة قصر) لأنه في حكم الحاضر.
والخلاف مبني: على أن الشهادة على الشهادة في مثلها هل تقبل؟ والأصح: نعم؛ وعدم وجوب الإجابة للمشقة؛ فإن دعي من فوق مسافة القصر.. لم تجب الإجابة جزمًا.
(وأن يكون عدلًا، فإن دعي ذو فسق مجمع عليه) ظاهر أو خفي، (قيل: أو مختلف فيه.. لم يجب) أما المجمع عليه.. فلأنه لا فائدة له، بل يحرم عليه أن يشهد فضلًا عن الوجوب؛ لأنه يحمل الحاكم على الحكم بغير حجة، وأما المختلف فيه؛ كشرب النبيذ.. فعليه أن يشهد وإن كان القاضي يرى التفسيق به؛ لأنه قد يتغير اجتهاده، وقيل: لا يجب؛ لأن الظاهر استمرار القاضي على اجتهاده.
ويستثنى من الوجوب على العدل: ما إذا كان رفيقه ذا فسق مجمع عليه، وكان الحق لا يثبت بشاهد ويمين.
(وألا يكون معذورًا بمرض) يشق معه الحضور (ونحوه) كخوف على ماله أو تعطل كسبه في ذلك الوقت، (فإن كان.. أشهد على شهادته أو بعث القاضي من يسمعها) رفعًا للمشقة عنه.

(فصل: تقبل الشهادة على الشهادة في غير عقوبة) كالأموال والأنكحة والعقود والفسوخ ونحوها؛ للحاجة إلى ذلك؛ لأن شهود الواقعة قد يموتون أو يغيبون ونحو ذلك من العوائق، (وفي عقوبة لآدمي على المذهب) كقصاص وحد قذف، لا في

وَتَحَمُّلُهَا بِأَنْ يَسْتَرْعِيَهُ فَيَقُولَ: (أَنَا شَاهِدٌ بِكَذَا وَأُشْهِدُكَ)، أَوِ (اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي)، أَوْ يَسْمَعَهُ يَشْهَدُ عِنْدَ قَاضٍ، أَوْ يَقُولَ: (أَشْهَدُ أَنَّ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ أَلْفًا عَنْ ثَمَنِ مَبِيعٍ أَوْ غَيْرِهِ)، وَفِي هَذَا وَجْهٌ، وَلَا يَكْفِي سَمَاعُ قَوْلِهِ: (لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ كَذَا)، أوْ (أَشْهَدُ بِكَذَا)، أَوْ (عِنْدِي شَهَادَةٌ بكَذَا). وَلْيُبَيِّنِ الْفَرْعُ عِنْدَ الأَدَاءِ جهَةَ التَّحَمُّلِ،

عقوبة لله تعالى؛ لأن حق الآدمي مبني على الشُّح والضِّيق، وحقه تعالى على المسامحة؛ لاستغنائه.
(وتحملها بأن يسترعيه) الأصل؛ لأنها نيابة فاعتبر فيها الإذن (فيقول: "أنا شاهد) على فلان (بكذا وأشهدك"، أو "اشهد على شهادتي") أو إذا استشهدت على شهادتي.. فقد أذنت لك في أن تشهد، ونحوه مما لا يحتمل إلا الشهادة.
(أو يسمعه يشهد عند قاض) بأن لفلان على فلان كذا فيجوز له وإن لم يسترعه؛ إذ لا يقيمها عند القاضي إلا بعد تحقق الوجوب.
(أو يقول: "أشهد أن لفلان على فلان ألفًا عن ثمن مبيع أو غيره") من قرض أو أرش جناية أو غيرها، فيجوز له أن يشهد على شهادته على الأصح وإن لم يسترعه ولم يكن عند حاكم؛ لأن إسناده إلى السبب يرفع احتمال الوعد والتساهل.
(وفي هذا) أي: فيما إذا بيَّن السبب (وجه) أنه لا يكفي التحمل، بل لا بد من الاسترعاء؛ لأنه ما لم يسترعه لا يتحقق الوجوب، فإن الشخص قد يتوسع في العبارة لغرض صحيح أو فاسد، ولو دُعي لأدائها.. لأحجم.
(ولا يكفي سماع قوله: "لفلان على فلان كذا"، أو "أشهد بكذا"، أو "عندي شهادة بكذا") لاحتمال أنه يريد أن له عليه ذلك من جهة وعدٍ وعَدَه إياه، ويشير بكلمة (على) أن مكارم الأخلاق تقتضي الوفاء بها.
(وليبين الفرع عند الأداء جهة التحمل) فإن استرعاه الأصل.. قال: (أشهد أن فلانًا شهد أن لفلان على فلان كذا، وأشهدني على شهادته)، وإن لم يسترعه.. بيَّن أنه شهد عند القاضي، أو أنه أسند المشهود به إلى سببه؛ ليكون مؤديًا لها على الوجه الذي يتحملها فيعرف القاضي صحتها وفسادها؛ إذ الغالب على الناس الجهل بطريق التحمل.

فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ وَوَثِقَ الْقَاضِي بِعِلْمِهِ.. فَلَا بَأْسَ، وَلَا يَصِحُّ التَّحَمُّلُ عَلَى شَهَادَةِ مَرْدُودِ الشَّهَادَةِ، وَلَا تَحْمِلُ النِّسْوَةُ، فَإِنْ مَاتَ الأَصْلُ أَوْ غَابَ أَوْ مَرِضَ.. لَمْ يَمْنَعْ شَهَادَةَ الْفَرْعِ، وَإِنْ حَدَثَ رِدَّةٌ أَوْ فِسْقٌ أَوْ عَدَاوَةٌ.. مَنَعَتْ، وَجُنُونُهُ كَمَوْتِهِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ تَحَمَّلَ فَرْعٌ فَاسِقٌ أَوْ عَبْدٌ فَأَدَّى وَهُوَ كَامِلٌ.. قُبِلَتْ، وَتَكْفِي شَهَادَةُ اثْنَيْنِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ، وَفِي قَوْلٍ: يُشْتَرَطُ لِكُلِّ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ اثْنَانِ،

(فإن لم يبين) جهة التحمل (ووثق القاضي بعلمه.. فلا بأس) لانتفاء المحذور.
نعم؛ يندب للقاضي أن يسأله بأيِّ سببٍ ثبت هذا المال، وهل أخبرك به الأصل؟ (ولا يصح التحمل على شهادة مردود الشهادة) برق ونحوه؛ لأنه غير مقبول الشهادة، (ولا تحمل النسوة) ولو كانت الأصول نسوة وكانت الشهادة في ولادة أو رضاع؛ لأن شهادة الفرع تثبت شهادة الأصل لا ما شهد به الأصل، ونفس الشهادة على الشهادة يطلع عليها الرجال غالبًا، والخنثى في ذلك كالمرأة.
نعم؛ لو بانت ذكورته.. صح تحمله.
(فإن مات الأصل أو غاب أو مرض.. لم يمنع شهادة الفرع) لأن ذلك ليس نقصًا؛ فلا يؤثر بل فائدة الفرع: أن يشهد في هذه الأحوال، (وإن حدث ردة أو فسق أو عداوة.. منعت) شهادة الفرع؛ لأن هذه الأمور لا تهجم دفعة واحدة، بل الفسق يورث الريبة فيما تقدم، والردة تشعر بخبث سابق في العقيدة، والعداوة بضغائن كانت مستكنة، وليس لمدة ذلك ضبط فينعطف إلى حالة التحمل.
(وجنونه) أي: الأصل (كموته على الصحيح) لأنه لا يوقع ريبة في الماضي، والثاني: يمنع؛ كالفسق.
(ولو تحمل فرع فاسق أو عبد) أو صبي (فأدى وهو كامل.. قبلت) كالأصل إذا تحمل وهو ناقص ثم أدى بعد كماله.
(وتكفي شهادة اثنين على الشاهدين) لأنها شهادة على قول اثنين، فصار كما لو شهد على إقرار رجلين، والمراد: أن يشهد كلٌّ من الفرعين على كل من الأصلين، ولا يكفي واحد على هذا وواحد على هذا قطعًا، (وفي قول: يشترط لكل رجل أو امرأة اثنان) غير اللذين شهدا على شهادة الآخر؛ لأنهما إذا شهدا على شهادة أحد

وَشَرْطُ قَبُولِهَا: تَعَذُّرُ أَوْ تَعَسُّرُ الأَصْلِ بِمَوْتٍ أَوْ عَمَىً، أَوْ مَرَضٍ يَشُقُّ حُضُورُهُ، أَوْ غَيْبَةٍ بِمَسَافَةِ عَدْوَى، وَقِيلَ: قَصْرٍ، وَأَنْ يُسَمِّيَ الأُصُولَ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يُزَكِّيَهُمُ الْفُرُوعُ،

الأصلين.. كانا كشاهد واحد قام بشهادته أحد الشطرين فلا يقوم بها الشطر الثاني؛ كمن شهد مرة على شيء لا يشهد عليه مرة أخرى، قال الرافعي: وربما سموا هذا الجديد 1، والأول القديم 2. (وشرط قبولها) أي: شهادة الفرع على الأصل (تعذر، أو تعسر الأصل بموت أو عمى، أو مرض يشق حضوره) مشقة ظاهرة، ولا يكفي مطلق المرض؛ لأنها جوزت للحاجة، ولا يشترط ألا يمكنه الحضور، وضبطه الإمام بما يجوز له ترك الجمعة 3، واعتبر الشيخ أبو علي أن يكون صاحب فراش في المرض، قال ابن أبي الدم: وهو ظاهر، واستبعد اعتباره بالجمعة.
(أو غيبة بمسافة عدوى) 4 فيقبل حينئذ الفرع؛ لما في تكليف الأصل إلى الحضور من المشقة، (وقيل: قصر) لأن ما دونها في حكم البلد.
وقوله: (بمسافة عدوى) لعله سبق قلم، فإن المشهور في "الروضة" و"أصلها": أن من بمسافة العدوى لا تسمع الشهادة على شهادته؛ كالحاضر في البلد 5، وصواب العبارة: لفوق مسافة العدوى؛ فإنه الذي يسوغ فيها شهادة الفرع، ووقع في "المحرر" على الصواب 6. (وأن يسمِّي الأصول) ليعرف القاضي عدالتهم أو ضدها، ويتمكن الخصم من الجرح إن عرفه، والمراد: تسمية يحصل بها تعريفهم.
(ولا يشترط أن يزكيهم الفروع) بل لهم إطلاق الشهادة، والقاضي يبحث عن

فَإِنْ زَكَّوْهُمْ.. قُبِلَ، وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ أَوْ عُدُولٍ وَلَمْ يُسَمُّوهُمْ.. لَمْ يَجُز.

فصلٌ [في الرجوع عن الشهادة]

رَجَعُوا عَنِ الشَّهَادَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ.. امْتَنَعَ، أَوْ بَعْدَهُ وَقَبْلَ اسْتِيفَاءِ مَالٍ.. اسْتُوفِيَ، أَوْ عُقُوبَةٍ.. فَلَا، أَوْ بَعْدَهُ.. لَمْ يُنْقَضْ، فَإِنْ كَانَ الْمُسْتَوْفَى قِصَاصًا أَوْ قَتْلَ رِدَّةٍ أَوْ رَجْمَ زِنًا أَوْ جَلْدَهُ وَمَاتَ وَقَالُوا: (تَعَمَّدْنَا).. فَعَلَيْهِمْ قِصَاصٌ أَوْ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ،

عدالتهم، وقيل: يشترط؛ لأن تركه يورث ريبة.
(فإن زكوهم.. قبل) إذا كانوا من أهل التعديل؛ لأنهم غير متهمين في تعديلهم.
(ولو شهدوا على شهادة عدلين أو عدول ولم يسموهم.. لم يجز) لأنه يسدُّ بابَ الجرح على الخصم.

(فصل: رجعوا) أي: الشهود (عن الشهادة) بعد الأداء (قبل الحكم.. امتنع) الحكم بشهادتهم؛ لأن الحاكم إنما يحكم بسبب موجود وقت الحكم، والسبب شهادتهم وقد عدم، ولأن القاضي لا يدري أصدقوا في الأول أو في الثاني، فلا يبقى ظن الصدق، (أو بعده) أي: بعد الحكم (وقبل استيفاء مال.. استوفي) لأن القضاء قد تم، وليس هو مما يسقط بالشبهة حتى يتأثر بالرجوع، وإن كانت الشهادة في شيء من العقود أمضى؛ كاستيفاء المال، (أو عقوبة) لآدمي؛ كقصاص وحد قذف، أو لله تعالى؛ كحد زنا أو سرقة (.. فلا) تستوفى؛ لأنها تسقط بالشبهة، والرجوع شبهة بخلاف المال، (أو بعده) أي: بعد الاستيفاء (.. لم ينقض) لتأكد الأمر.
(فإن كان المستوفى قصاصًا أو قتل ردة أو رجم زنًا أو جلده ومات) من الجلد، ثم رجعوا، (وقالوا: "تعمدنا ".. فعليهم قصاص، أو دية مغلَّظة) في مالهم موزعة على عدد رؤوسهم؛ لتسببهم إلى إهلاكه، ويحدون في شهادة الزنا حدَّ القذف أولًا، ثم يقتلون، وهل يرجمون أو يقتلون بالسيف؟ فيه احتمالان للعبادي،

وَعَلَى الْقَاضِي قِصَاصٌ إِنْ قَال: (تَعَمَّدْتُ)، وَلَوْ رَجَعَ هُوَ وَهُمْ.. فَعَلَى الْجَمِيعِ قِصَاصٌ إِنْ قَالُوا: (تَعَمَّدْنَا)، فَإنْ قَالُوا: (أَخْطَأْنَا).. فَعَلَيْهِ نِصْفُ دِيَةٍ وَعَلَيْهِمْ نِصْفٌ، وَلَوْ رَجَعَ مُزَكٍّ.. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ يَضْمَنُ، أَوْ وَلِيٌّ وَحْدَهُ.. فَعَلَيْهِ قِصَاصٌ أَوْ دِيَةٌ، أَوْ مَعَ الشُّهُودِ.. فَكَذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ وَهُمْ شُرَكَاءُ

أصحهما عند الشيخين: الأول 1. وهذه المسألة مكررة في "الكتاب" سبقت في أول (الجراح).
واستثنى المصنف من وجوب القصاص عليهم: ما إذا اعترف الولي بعلمه بكذبهما.
(وعلى القاضي قصاص) إذا رجع دون الشهود (إن قال: "تعمدت") لاعترافه بالعمدية وعدم الإلجاء؛ إذ هو مختار في الاستيفاء، فإن آل الأمر إلى الدية.. وجبت مغلظة في ماله.
(ولو رجع هو وهم) يعني: القاضي والشهود (.. فعلى الجميع قصاص) أو دية مغلظة (إن قالوا: "تعمدنا") لاستناد الجناية إلى الجميع.
(فإن قالوا: "أخطأنا".. فعليه نصف دية وعليهم نصف) توزيعًا على المباشرة والسبب.
(ولو رجع مزك.. فالأصح: أنه يضمن) بالقصاص أو الدية؛ لأنه بالتزكية يلجئ القاضي إلى الحكم المفضي إلى القتل، والثاني: لا؛ لأنه لم يتعرض للمشهود عليه، وإنما أثنى على الشاهد، والحكم إنما يقع بشهادة الشاهد، فكان كالممسك مع القاتل.
(أو ولي وحده) دون الشهود (.. فعليه قصاص أو دية) لأنه المباشر (أو مع الشهود.. فكذلك) أي: فعليه القصاص أو الدية وحده؛ لأنه المباشر وهم معه كالممسك مع القاتل، (وقيل: هو وهم شركاء) لتعاونهم على القتل، بخلاف الممسك؛ فعلى هذا: عليه وعليهم القود؛ فإن آل الأمر إلى الدية.. فعليه نصفها

وَلَوْ شَهِدَا بِطَلَاقٍ بَائِنٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ لِعَانٍ وَفَرَّقَ الْقَاضِي فَرَجَعَا.. دَامَ الْفِرَاقُ وَعَلَيْهِمْ مَهْرُ مِثْلٍ، وَفِي قَوْلٍ: نِصْفُهُ إِنْ كَانَ قَبْلَ وَطْءٍ. وَلَوْ شَهِدَا بِطَلَاقٍ وَفَرَّقَ وَرَجَعَا فَقَامَتْ: بَيِّنَةٌ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا رَضَاعٌ.. فَلَا غُرْمَ، وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ مَالٍ.. غَرِمُوا فِي الأَظْهَرِ،

وعليهم نصفها، وترجيح الأول من "زيادات الكتاب" على "أصله" من غير تمييز، فإنه قال في "المحرر": فيه وجهان رجح كلًّا مرجحون، ولم يرجح في "الشرح" أيضًا شيئًا 1. نعم؛ صحح في "الروضة" الأول من زياداته 2. (ولو شهدا بطلاق بائن أو رضاع) محرم (أو لعان وفرق القاضي فرجعا.. دام الفراق) لأن قولهما في الرجوع محتمل، فلا يُرَدُّ القضاء بقول محتمل، (وعليهم مهر مثل) لأنه بدل ما فوتاه عليه، (وفي قول: نصفه إن كان قبل وطءٍ) لأنه الذي فات على الزوج؛ لأن النصف الآخر عاد إليه سالمًا، والأظهر: يلزمهم مهر المثل أيضًا؛ لأنه بدل ما أتلفوه، والنظر في الإتلاف إلى المتلف لا إلى ما قام به على المستحق، ولهذا لو أبرأته عن الصداق وشهدا بالطلاق ورجعا.. غرما وإن لم يفت على الزوج شيء، وفي قول آخر: نصف المُسمَّى.
واحترز بالطلاق البائن: عن الرجعي؛ فإنه إذا راجع لا غرم؛ إذ لا تفويت ولا غرم؛ فإن لم يراجع حتى انقضت العدة.. التحق بالبائن، ووجب الغرم على الصحيح في "أصل الروضة"، ولم يصرح الرافعي بترجيح 3. (ولو شهدا بطلاق وفرَّق) بينهما (ورجعا فقامت بينة أنه كان بينهما رضاع) محرم (.. فلا غرم) إذ لم يفوتا شيئًا، ولو غرما قبل إقامة البينة.. استرد المغروم.
(ولو رجع شهود مال.. غرموا) للمحكوم عليه (في الأظهر) لحصول الحيلولة بشهادتهم، والثاني: المنع؛ لأن الضمان باليد أو الإتلاف، ولم يوجد واحد منهما، وإن أتوا بما يقتضي الفوات؛ كمن حبس المالك عن ماشيته حتى ضاعت، وعزاه

وَمَتَى رَجَعُوا كُلُّهُمْ.. وُزِّعَ عَلَيْهِمُ الْغُرْمُ، أَوْ بَعْضُهُمْ وَبَقِيَ نِصَابٌ.. فَلَا غُرْمَ، وَقِيلَ: يَغْرَمُ قِسْطَهُ. وَإِنْ نَقَصَ النِّصَابُ وَلَمْ يَزِدِ الشُّهُودُ عَلَيْهِ.. فَقِسْطُهُ، وَإِنْ زَادَ.. فَقِسْطٌ مِنَ النِّصَابِ، وَقِيلَ: مِنَ الْعَدَدِ، وَإِنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ.. فَعَلَيْهِ نِصْفٌ وَهُمَا نِصْفٌ، أَوْ وَأَرْبَعٌ فِي رَضَاعٍ.. فَعَلَيْهِ ثُلُثٌ وَهُنَّ ثُلُثَانِ،

الفوراني والإمام إلى الجديد، وذكر في "العدة": أنه ظاهر المذهب، وأن الفتوى على الأول 1، كذا قالاه 2. (ومتى رجعوا كلهم.. وزع عليهم الغرم) بالسوية عند اتحاد نوعهم، (أو بعضهم وبقي نصاب) كما إذا رجع من الثلاثة واحد فيما يثبت بشاهدين؛ كالعتق (.. فلا غرم) لبقاء من تقوم به الحجة، فكأن الراجع لم يشهد، (وقيل: يغرم قسطه) لأن الحكم وقع بشهادة الجميع، وكل منهم قد فوَّت قسطًا فيغرم ما فوت.
(وإن نقص النصاب، ولم يزد الشهود عليه.. فقسطه) فإذا شهد اثنان فيما يثبت بهما؛ كالقتل ثم رجع أحدهما.. فعليه النصف؛ لأن ما لزم المجموع يوزع عند الانفراد.
(وإن زاد) عدد الشهود على النصاب؛ كما إذا رجع من الخمسة في الزنا أو الثلاثة في غيره اثنان (.. فقسط من النصاب) بناءً على أنه لا غرم إذا بقي نصاب، فيجب النصف على الراجعين من الثلاثة؛ لبقاء نصف الحجة، (وقيل: من العدد) بناءً على الغرم فيما إذا بقي نصاب، فيجب الثلثان على الراجعين من الثلاثة؛ لأن البينة إذا نقص عددها.. زال حكمها، وصار الضمان متعلقًا بالإتلاف وقد استووا فيه.
(وإن شهد رجل وامرأتان) فيما يثبت بذلك ثم رجعوا (.. فعليه نصف، وهما نصف) على كل واحدة ربع؛ لأنهما كالرجل.
(أو وأربع في رضاع) ونحوه مما يثبت بمحض النساء ثم رجعوا (.. فعليه ثلث وهن ثلثان) وتنزل كل امرأتين منزلة رجل؛ لأن هذه الشهادة تنفرد بها النساء، فلا يتعين الرجل للشطر.

فَإِنْ رَجَعَ هُوَ أَوْ ثِنْتَانِ.. فَلَا غُرْمَ فِي الأَصَحِّ، وَإِنْ شَهِدَ هُوَ وَأَرْبَعٌ بِمَالٍ.. فَقِيلَ: كَرَضَاعٍ، وَالأَصَحُّ: هُوَ نِصْفٌ وَهُنَّ نِصْفٌ، سَوَاءٌ رَجَعْنَ مَعَهُ أَوْ وَحْدَهُنَّ، وَإِنْ رَجَعَ ثِنْتَانِ.. فَالأَصَحُّ: لَا غُرْمَ، وَأَنَّ شُهُودَ إِحْصَانٍ أَوْ صفَةٍ مَعَ شُهُودِ تَعْلِيقِ طَلَاقٍ وَعِتْقٍ لَا يَغْرَمُونَ.

(فإن رجع هو) أي: الرجل (أو ثنتان) فقط (.. فلا غرم في الأصح) لبقاء الحجة، والثاني: عليه أو عليهما ثلث الغرم؛ كما لو رجع الجميع.
(وإن شهد هو وأربع بمال.. فقيل: كرضاع) فعليه ثلث، وعليهن ثلثان (والأصح: هو نصف، وهن نصف، سواء رجعن معه أو وحدهن) بخلاف الرضاع؛ لأن المال لا يثبت بشهادة النساء المتمحضات، وإن كثرن.. فنصف الحجة تقوم بالرجل معهن، سواء قلوا أم كثروا.
(وإن رجع ثنتان.. فالأصح: لا غرم) لبقاء الحجة، والثاني: عليهما ربع الغرم؛ لأنهما ربع البينة.
(وأن شهود إحصان) مع شهود الزنا (أو) شهود (صفة مع شهود تعليق طلاق وعتق لا يغرمون) إذا رجعوا، أما شهود الإحصان.. فلأنهم لم يشهدوا بموجب عقوبة وإنما وصفوه بصفة كمال، وأما في شهود الصفة مع شهود تعليق الطلاق والعتق.. فلأنهم لم يشهدوا بطلاق ولا عتق، وإنما أثبتوا صفة، والثاني: يغرمون؛ لأن الرجم يتوقف على ثبوت الزنا والإحصان جميعًا، فالقتل لم يستوف إلا بهم، وكذلك الطلاق والعتق وقع بقولهم.

كتابُ الدعوى والبيّنات تُشْتَرَطُ الدَّعْوَى عِنْدَ قَاضٍ فِي عُقُوبَةٍ كَقِصَاصٍ وَقَذْفٍ، وَإِنِ اسْتَحَقَّ عَيْنًا.. فَلَهُ أَخْذُهَا إِنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً، وَإِلَّا.. وَجَبَ الرَّفْعُ إِلَى قَاضٍ، أَوْ دَيْنًا عَلَى غَيْرِ مُمْتَنِعٍ مِنَ الأَدَاءِ.. طَالَبَهُ، وَلَا يَحِلُّ أَخْذُ شَيْءٍ لَهُ،

﴿كتاب الدعوى والبينات﴾ الدعوى لغة: الطلب والتمني، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ وتجمع على دعاوى بفتح الواو وكسرها، وشرعًا: إخبار بنزاع بمجلس الحكم بحق أو باطل.
والبينات: جمع بينة، وهم الشهود سموا به؛ لأن بهم يبين الحق.
والأصل في الباب: قوله صلى الله عليه وسلم: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ.. لادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ" متفق عليه 1، ورواه البيهقي بلفظ: "الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ" وإسناده حسن 2. (تشترط الدعوى عند قاض في عقوبة؛ كقصاص و) حدِّ (قذف) ولا يستقل به المستحق؛ لعظم خطره بل يحتاج إلى إثباته ثم استيفائه.
(وإن استحقَّ عينًا) وليس لذي اليد حبسها عنه (.. فله أخذها إن لم يخف فتنةً) لأنه عليه الصلاة والسلام أذن لهند في أخذ النفقة وهي في الذمة 3؛ فعين المال أولى، (وإلا) أي: وإن خاف الفتنة (.. وجب الرفع إلى قاض) لتمكنه من الخلاص به، فلا حاجة على إثارة الفتنة.
(أو دينًا) حالًّا (على غير ممتنع من الأداء.. طالبه) ليؤدي ما عليه، (ولا يحل أخذ شيء له) لأن مَنْ عليه الحق مخيرٌ في الدفع من أيِّ مال شاء، فليس للمستحق إسقاط حقه من ذلك الخيار.

أَوْ عَلَى مُنْكِرٍ وَلَا بَيِّنَةَ.. أَخَذَ جِنْسَ حَقِّهِ مِنْ مَالِهِ، وَكَذَا غَيْرُ جِنْسِهِ إِنْ فَقَدَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، أَوْ عَلَى مُقِرٍّ مُمْتَنِعٍ أَوْ مُنْكِرٍ وَلَهُ: بَيِّنَةٌ.. فَكَذَلِكَ، وَقِيلَ: يَجِبُ الرَّفْعُ إِلَى قَاضٍ. وَإِذَا جَازَ الأَخْذُ.. فَلَهُ كَسْرُ بَابٍ، وَنَقْبُ جِدَارٍ لَا يَصِلُ الْمَالَ إِلَّا بِهِ، ثُمَّ الْمَأْخُوذُ مِنْ جِنْسِهِ يَتَمَلَّكُهُ،

(أو على منكر ولا بينة.. أخذ جنس حقه من ماله) إن ظفر به؛ لعجزه عن حقه إلا بذلك، (وكذا غير جنسه إن فقده على المذهب) للضرورة، وقيل: قولان.
وجه المنع: أنه لا يتمكن من تملكه، وليس له أن يبيع مال غيره لنفسه، وأطلقا الجواز من غير الجنس، ومحله: إذا لم يجد أحد النقدين، فإن وجده.. تعين ولم يعدل إلى غيره، كذا نقله في "المطلب" عن المتولي وارتضاه.
(أو على مقر ممتنع أو منكر وله بينة.. فكذلك) له الاستقلال بالأخذ، لأن في المرافعة مؤنة ومشقة وتضييع زمان، (وقيل: يجب الرفع إلى قاض) كما لو أمكنه تخليص الحق بالمطالبة والتقاضي.
(وإذا جاز الأخذ.. فله كسر باب، ونقب جدار لا يصل المالَ إلا به) 1 ولا يضمن ما فوته على الأصح؛ كمن لا يقدر على دفع الصائل إلا بإتلاف ماله، فأتلفه لا يضمن، واستشكل البُلْقيني هذا، وقال: أصل الظفر: القياس على قصة هند، وبينها وبين المديون فرق، وهو تكرر نفقة الزوجة والأولاد كلَّ يوم، فيشق الرفع إلى القاضي، ولو سُلِّم.. فمن أين في المقيس عليه كسر باب ونقب جدار؟ ولم أجد للشافعي نصًّا بذلك، ولم يذكره أكثر الأصحاب وإنما ذكره القاضي الحسين، وجرى عليه أتباعه، والدليل يخالفه، ثم يترتب عليه دخول السُّرَّاق ونحوهم، وقد يكون الباب أكثر ثمنًا من الدين وهذا ضرر لا يصار إليه.
انتهى.
(ثم المأخوذ من جنسه يتملكه) بدلًا عن حقه، وظاهر كلامهما: أنه لا يملكه بنفس الأخذ بل لا بد من إنشاء تملك، والذي صرح به القاضي والبغوي واقتضاه كلام غيرهما: أنه يملكه بمجرد الأخذ، واعتمده في "المهمات"، ووجهه بأنه إنما يجوز

وَمِنْ غَيْرِهِ يَبِيعُهُ، وَقِيلَ: يَجِبُ رَفْعُهُ إِلَى قَاضٍ يَبِيعُهُ، وَالْمَأْخُوذُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ فِي الأَصَحِّ، فَيَضْمَنُهُ إِنْ تَلِفَ قَبْلَ تَمَلُّكِهِ وَبَيعِهِ، وَلَا يَأْخُذُ فَوْقَ حَقِّهِ إِنْ أَمْكَنَ الاقْتِصَارُ،

لمن يقصد أخذ حقه، وإذا وجد القصد مقارنًا للأخذ.. كفى، ولا حاجة إلى اشتراطه بعد ذلك 1. (ومن غيره يبيعه) بنفسه مستقلًا للحاجة؛ كما يتسلط على الأخذ، ولا يتملكه على الأصح، (وقيل: يجب رفعه إلى قاض يبيعه) لأنه كيف يلي التصرف في مال غيره لنفسه؟ ! وترجيح الاستقلال بالبيع من تصرف المصنف، وعبارة "المحرر": فيه وجهان رجح كلًّا منهما طائفة من الأصحاب.
انتهى 2. نعم؛ ظاهر كلام "الشرح الكبير": ترجيحه 3، هذا إذا كان القاضي جاهلًا بالحال ولا بينه للآخذ، فإن كان عالمًا بالحال.. لم يبع إلا بإذنه على المذهب.
(والمأخوذ مضمون عليه) أي: على الآخذ (في الأصح، فيضمنه إن تلف قبل تملكه، وبيعه) لأنه أخذه لغرض نفسه فكان من ضمانه؛ كالمُستام، بل أولى؛ فإن المالك لم يأذن فيه، والثاني: لا يضمنه من غير تفريط؛ لأنه مأخوذ للتوثق والتوصل به إلى الحق؛ فأشبه الرهن، وإذن الشرع في الأخذ يقوم مقام إذن المالك.
(ولا يأخذ) المستحق (فوق حقه إن أمكن الاقتصار) على قدر حقه، فإن زاد.. فالزيادة مضمونة عليه، فإن لم يمكن الاقتصار؛ بأن كان حقه خمسين فوجد سيفًا يساوي مئة 4؛ فإن قلنا: إن المأخوذ بقدر الحق لا يضمن.. فكذا الزيادة، وإن ضمناه.. فقيل: يضمن الزيادة أيضًا، والأصح: المنع؛ لأنه لم يأخذه بحقه وهو معذور في أخذه.

وَلَهُ أَخْذُ مَالِ غَرِيمِ غَرِيمِهِ. وَالأَظْهَرُ: أَنَّ الْمُدَّعِيَ: مَنْ يُخَالِفُ قَوْلُهُ الظَّاهِرَ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ: مَنْ يُوَافِقُهُ، فَإِذَا أَسْلَمَ زَوْجَانِ قَبْلَ وَطْءٍ فَقَالَ: (أَسْلَمْنَا مَعًا).. فالنِّكَاحُ بَاقٍ، وَقَالَتْ: (مُرَتَّبًا).. فَهُوَ مُدَّعٍ

(وله أخذ مال غريم غريمه) بأن يكون لزيد على عمرو دين، ولعمرو على بكر مثله؛ يجوز لزيد أن يأخذ من مال بكر ما له على عمرو، ولا يمنع من ذلك رد عمرو، وإقرار بكر له، ولا جحود بكر استحقاق زيد على عمرو، كذا أطلقاه 1. واستشكله البُلْقيني: بأن تسليطه على مال غريم غريمه من غير أن يوجد منه ما يقتضي أن للغريم أن يأخذ من ماله بطريق الظفر.. محذور، وخرق لا يصار إليه، ويلزم منه محذور آخر، وهو أن الظافر يأخذ من مال غريم الغريم والغريم لا يدري فيأخذ من غريمه فيؤدي إلى الأخذ مرتين، قال شيخنا: ورأيت المسألة في "تتمة التتمة"، وذكر لها شرطين؛ أحدهما: ألا يظفر بمال الغريم، والثاني: أن يكون غريم الغريم جاحدًا ممتنعًا أيضًا، وبهذا الشرط الثاني ينتفي المحذور الذي ذكره شيخنا أولًا.
انتهى.
وأشار بقوله: (أولًا) إلى أن المحذور الثاني لا ينتفي، وقد صرح بالشرط الثاني الذي نقله عن "تتمة التتمة" القاضي الحسين والشيخ إبراهيم المروذي في "تعليقهما"، وكلام البغوي يقتضي التصوير به؛ كما نقله الأَذْرَعي.
(والأظهر: أن المدعي: من يخالف قوله الظاهر، والمدَّعى عليه: من يوافقه) أي: يوافق الظاهر، وهو براءة الذمة، والثاني: أن المدعي: من لو سكت.. خُلِّيَ، ولم يطالب بشيء والمدعى عليه: من لا يُخلَّى، ولا يكفيه السكوت، وينبني على هذين التفسيرين قول المصنف: (فإذا أسلم زوجان قبل وطء فقال: "أسلمنا معًا.. فالنكاح باق، وقالت: "مرتبًا") فلا نكاح بيننا (.. فهو مُدَّعٍ) على الأظهر؛ لأن المعية خلاف الظاهر، والمرأة مدعىً عليها؛ لموافقتها الظاهر؛ فتحلف ويرتفع النكاح، وإن قلنا: بالقول الثاني.. فالمرأة مدعية، وهو مدعى عليه؛ لأنه

وَمَنِ ادَّعَى نَقْدًا.. اشْتُرِطَ بَيَانُ جِنْسٍ وَنَوْعٍ وَقَدْرٍ وَصِحَّةٍ وَتَكَسُّرٍ إِنِ اخْتَلَفَتْ بِهِمَا قِيمَةٌ، أَوْ عَيْنًا تَنْضَبِطُ كَحَيَوَانٍ.. وَصَفَهَا بِصِفَةِ السَّلَمِ - وَقِيلَ: يَجِبُ مَعَهَا ذِكْرُ الْقِيمَةِ، فَإِنْ تَلِفَتْ وَهِيَ مُتَقَوِّمَةٌ.. وَجَبَ ذِكْرُ الْقِيمَةِ - أَوْ نِكَاحًا.. لَمْ يَكْفِ الإِطْلَاقُ عَلَى الأَصَحِّ، بَلْ يَقُولُ: (نَكَحْتُهَا بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ وَرِضَاهَا) إِنْ كَانَ يُشْتَرَطُ، فَإِنْ كَانتْ أَمَةً.. فَالأَصَحُّ: وُجُوبُ ذِكْرِ الْعَجْزِ عَنْ طَوْلٍ وَخَوْفِ عَنَتٍ،

لا يُترك إذا سكت، فإنها تزعم انفساخ النكاح؛ ليترتب لها جواز التزويج بغيره فيحلف، ويحكم باستمرار النكاح إذا حلف.
(ومن ادعى نقدًا.. اشترط بيان جنس ونوع وقدر وصحة وتكسر إن اختلفت بهما قيمة) فيقول مثلًا: (لي عليه مئة درهم فضة أشرفية أطالبه بها) لأن العلم بالمُدَّعى شرط، وبذلك يحصل التعريف، وإنما يحتاج إلى ذكر الصحة والتكسير عند الاختلاف؛ للتفاوت بينهما، فإن لم تختلف.. لم يحتج إليه.
(أو عينًا تنضبط؛ كحيوان.. وصفها بصفة السلم) ولم يحتج لذكر القيمة على الأصح؛ لحصول التمييز بذلك، (وقيل: يجب معها ذكر القيمة) احتياطًا (فإن تلفت وهي متقومة) بكسر الواو (.. وجب ذكر القيمة) لأنها الواجبة عند التلف، وإن كانت مثلية.. فلا حاجة إلى ذكرها، ويكفي الضبط بالصفات؛ فإن المطلوب المثل.
(أو نكاحًا.. لم يكف الإطلاق على الأصح، بل يقول: "نكحتها بولي مرشد وشاهدي عدل ورضاها" إن كان يشترط) لكونها غير مجبرة؛ لأن النكاح فيه حق الله تعالى، وحق الآدمي، وإذا وقع.. لا يمكن استدراكه؛ فلا تسمع دعواه إلا ببينة؛ كالقتل، والثاني: يكفي الإطلاق؛ كما لا يشترط ذكر انتفاء الموانع؛ كالردة والرضاع.
وفرق الأول: بأن الشروط يعتبر وجودها ليصح العقد، والموانع يعتبر عدمها، والأصل العدم؛ فاكتفي به.
(فإن كانت أمة.. فالأصح: وجوب ذكر العجز عن طول وخوف عنت) مع ما سبق؛ لأن الفروج يحتاط لها، والثاني: لا يجب؛ كما لا يجب التعرض لعدم الموانع.

أَوْ عَقْدًا مَالِيًّا كَبَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَهِبَةٍ.. كَفَى الإِطْلَاقُ فِي الأَصَحِّ. وَمَنْ قَامَتْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ.. لَيْسَ لَهُ تَحْلِيفُ المُدَّعِي، فَإِنِ ادَّعَى أَدَاءً أَوْ إِبْرَاءً أَوْ شِرَاءَ عَيْنٍ أَوْ هِبَتَهَا وَإِقْبَاضَهَا.. حَلَّفَهُ عَلَى نَفْيِهِ، وَكَذَا إِذَا ادَّعَى عِلْمَهُ بِفِسْقِ شَاهِدِهِ أَوْ كَذِبِهِ فِي الأَصَحِّ، وَإِذَا اسْتَمْهَلَ لِيَأْتِيَ بِدَافِعٍ.. أُمْهِلَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَوِ ادَّعَى رِقَّ بَالِغٍ فَقَالَ: (أَنَا حُرٌّ).. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، أَوْ رِقَّ صَغِيرٍ لَيْسَ فِي يَدِهِ.. لَمْ يُقْبَلْ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، أَوْ فِي يَدِهِ.. حُكِمَ لَهُ بِهِ إِنْ لَمْ يَعْرِفِ اسْتِنَادَهَا إِلَى الْتِقَاطٍ،

(أو عقدًا ماليًّا؛ كبيع وإجارة وهبة.. كفى الإطلاق في الأصح) لأنه أخفُّ حكمًا من النكاح، ولهذا لا يشترط فيه الإشهاد، بخلاف النكاح، والثاني: يشترط؛ كالنكاح، فيقول: (تعاقدناه بثمن معلوم ونحن جائزا التصرف، وتفرقنا عن تراض).
(ومن قامت عليه بينة.. ليس له تحليف المدعي) على استحقاق ما ادعاه؛ لأنه كالطعن في الشهود، (فإن ادعى أداء أو إبراء أو شراء عين أو هبتها، وإقباضها.. حلفه على نفيه) لاحتمال ما يدعيه، هذا إذا ادعى حدوث شيء من ذلك بعد قيام البينة، ومضى زمن إمكان ذلك؛ فإن لم يمكن.. لم يلتفت إليه.
(وكذا لو ادعى علمه بفسق شاهده، أو كذبه في الأصح) لأنه لو أقرَّ به.. لبطلت شهادته، والثاني: لا؛ اكتفاءً بظاهر العدالة وتعديل المزكين.
(وإذا استمهل ليأتي بدافع.. أمهل ثلاثة أيام) لأنها مدَّةٌ قريبة لا يعظم الضرر فيها، ومقيم البينة يحتاج إلى مثلها للفحص عن الشهود.
(ولو ادعى رق بالغ فقال: "أنا حر") في الأصل (.. فالقول: قوله) لموافقته الأصل، فلو قال: (أعتقتني) أو (أعتقني الذي باعني منك).. لم يقبل إلا ببينة وإن كان فيه دعوى الحرية.
(أو رق صغير ليس في يده.. لم يقبل إلا ببينة) لأن الأصل عدم الملك، (أو في يده.. حكم له به إن لم يعرف استنادها إلى التقاط) كما لو ادعى الملك في دابة أو ثوب في يده ولا أثر لإنكاره إذا بلغ في الأصح، بل يستمر الرق، فإن استندت إلى التقاط.. فلا في الأظهر.
وهذه المسألة مكررة، فقد ذكرها في (اللقيط).

فَلَوْ أَنْكَرَ الصَّغِيرُ وَهُوَ مُمَيِّزٌ.. فَإِنْكَارُهُ لَغْوٌ، وَقِيلَ: كَبَالِغٍ، وَلَا تُسْمَعُ دَعْوَى دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ فِي الأَصَحِّ.

فصلٌ [فيما يتعلق بجواب المدعى عليه]

أَصَرَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى السُّكُوتِ عَنْ جَوَابِ الدَّعْوَى.. جُعِلَ كَمُنْكِرٍ نَاكِلٍ، فَإِنِ ادَّعَى عَشَرَةً فَقَال: (لَا تَلْزَمُنِي الْعَشَرَةُ).. لَمْ يَكْفِ حَتَّى يَقُولَ: (وَلَا بَعْضُهَا)، وَكَذَا يَحْلِفُ، فَإِنْ حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعَشَرَةِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ.. فَنَاكِلٌ، فَيَحْلِفُ الْمُدَّعِي عَلَى اسْتِحْقَاقِ دُونِ عَشَرَةٍ بِجُزْءٍ وَيَأْخُذُهُ

(فلو أنكر الصغير وهو مميز.. فإنكاره لغو) لأن عبارته ملغاة، (وقيل: كبالغ) فيحتاج مدعي الرق إلى بينة؛ لأنه يعرف نفسه.
(ولا تسمع دعوى دين مؤجل في الأصح) إذ لا يتعلق بها إلزام ومطالبة في الحال، فيفوت نظام الدعوى، والثاني: تسمع؛ ليثبت في الحال ويطالب به في الاستقبال.

(فصل: أصر المدعى عليه على السكوت عن جواب الدعوى) الصحيحة (.. جعل كمنكر ناكل) عن اليمين، فترد اليمين على المدعي بعد أن يقول له القاضي: (أجب عن دعواه، وإلا.. جعلتك ناكلًا).
(فإن ادعى عشرة فقال: "لا تلزمني العشرة".. لم يكف حتى يقول: "ولا بعضها"، وكذا يحلف) إن حلف؛ لأن مدعي العشرة ماع بكل جزء منها؛ فلا بد أن يطابق الإنكار واليمين دعواه.
وقوله: (لا تلزمني العشرة) إنما هو نفي لمجموعها، ولا يقتضي نفي كل جزء منها، فقد يكون له عشرة إلا حبة 1. (فإن حلف على نفي العشرة، واقتصر عليه.. فناكل) عما دون العشرة (فيحلف المدعي على استحقاق دون عشرة بجزء) وإن قلَّ (ويأخذهُ) هذا إذا لم يسند المدعي إلى عقد؛ فإن أسنده؛ كما لو ادعت امرأة على رجل أنه نكحها بخمسين وطالبته بها،

وَإِذَا ادَّعَى مَالًا مُضَافًا إِلَى سَبَبٍ كـ (أَقْرَضْتُكَ كَذَا).. كَفَاهُ فِي الْجَوَابِ: (لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا)، أَوْ شُفْعَةً.. كَفَاهُ: (لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا)، أَوْ (لَا تستَحِقُّ تسلِيمَ الشِّقْصِ)، وَيَحْلِفُ عَلَى حَسَب جَوَابِهِ هَذَا، فَإِنْ أَجَابَ بِنَفْيِ السَّبَبِ الْمَذْكُورِ.. حَلَفَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَهُ حَلِفٌ بِالنَّفْيِ الْمُطْلَقِ، وَلَوْ كَانَ بِيَدِهِ مَرْهُونٌ أَوْ مُكْرَىً وَادَّعَاهُ مَالِكُهُ.. كَفَاهُ: (لَا يَلْزَمُنِي تَسْلِيمُهُ)، فَلَوِ اعْتَرَفَ بِالْمِلْكِ وَادَّعَى الرَّهْنَ أَوِ الإِجَارَةَ.. فَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا وَخَافَ أَوَّلًا إِنِ اعْتَرَفَ بِالْمِلْكِ جَحْدَهُ الرَّهْنَ وَالإِجَارَةَ.. فَحِيلَتُهُ أَنْ يَقُولَ: (إِنِ ادَّعَيْتَ مِلْكًا مُطْلَقًا.. فَلَا يَلْزَمُنِي تسْلِيمٌ، وَإِنِ ادَّعَيْتَ مَرْهُونًا

ونكل الزوج.. فلا يمكنها الحلف على أنه نكحها ببعض الخمسين؛ لأنه يناقض ما ادعته أولًا، وهو الخمسون.
(وإذا ادعى مالًا مضافًا إلى سبب؛ كـ "أقرضتك كذا".. كفاه في الجواب: "لا تستحق علي شيئًا"، أو شفعة.. كفاه: "لا تستحق علي شيئًا"، أو "لا تستحق تسليم الشقص") ولا يشترط التعرض لنفي تلك الجهة؛ لأن المدعي قد يكون صادقًا في الإقراض وغيره، وعرض ما أسقط الحق من أداء، أو إبراء، فلو نفى السبب.. كذب، أو اعترف به وادعى المسقط.. طولب ببينة قد يعجز عنها، فقبل الإطلاق للضرورة.
(ويحلف على حسب جوابه هذا) ولا يكلف نفي السبب، (فإن أجاب بنفي السبب المذكور) بأن قال: (ما أقرضتني) أو (ما بعتني) أو (ما غصبت) (.. حلف عليه) كذلك لتطابق اليمين الإنكار، (وقيل: له حلف بالنفي المطلق) كما لو أجاب في الابتداء لذلك.
(ولو كان بيده مرهون أو مكرىً وادعاه مالكه.. كفاه: "لا يلزمني تسليمه") ولا يجب التعرض للملك.
(فلو اعترف بالملك وادعى الرهن أو الإجارة.. فالصحيح: أنه لا يقبل إلا ببينة) لأن الأصل عدمها، والثاني: يقبل؛ لأن اليد تصدقه في ذلك.
(فإن عجز عنها وخاف أولًا إن اعترف بالملك جحده الرهن والإجارة.. فحيلته أن يقول: "إن ادعيت ملكًا مطلقًا.. فلا يلزمني تسليم وإن ادعيت مرهونًا) عندي

فَاذْكُرْهُ لِأجِيبَ)، وَإِذَا ادَّعَى عَلَيْهِ عَيْنًا فَقَال: (لَيْسَ هِيَ لِي)، أَوْ (هِيَ لِرَجُلٍ لَا أَعْرِفُهُ)، أَوْ (لابْنِي الطِّفْلِ)، أَوْ (وَقْفٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ)، أَوْ (مَسْجِدِ كَذَا).. فَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا تَنْصَرِفُ الْخُصُومَةُ وَلَا تُنْزَعُ مِنْهُ، بَلْ يُحَلِّفُهُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّسْلِيمُ إِنْ لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ. وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِمُعَيَّنٍ حَاضِرٍ تُمْكِنُ مُخَاصَمَتُهُ وَتَحْلِيفُهُ.. سُئِلَ، فَإِنْ صَدَّقَهُ.. صَارَتِ الْخُصُومَةُ مَعَهُ،

(.. فاذكره لأجيب") كذا جزم به تبعًا لأصله، وحكاه الرافعي في "الشرح" عن القفال، وحكى عن القاضي الحسين: أن الجواب لا يسمع مع التردد، ولكن حيلته أن يجحد ملكه إن جحد صاحبه الدين والرهن، ولم يرجح شيئًا 1. نعم؛ صحح في "أصل الروضة" ما في "الكتاب" 2، وقال البُلْقيني: هذه الحيلة - يعني: ما قاله القفال - ليست صحيحة، ولا حاجة إليها مع سبق الاكتفاء بجواب جازم، وهو قوله: (لا يلزمني تسليمه)، وما ذكره القاضي من عدم سماع الجواب المردد هو الصحيح.
انتهى.
(وإذا ادعى عليه عينًا فقال: "ليس هي لي"، أو "هي لرجل لا أعرفه") أو لا أسميه (أو "لابني الطفل") وقف عليه أو ملك له، (أو "وقف على الفقراء" أو "مسجد كذا".. فالأصح: أنه لا تنصرف الخصومة ولا تنزع منه) لأن الظاهر: أن ما في يده ملكه، وما صدر عنه ليس بمزيل، ولم يظهر لغيره استحقاق.
(بل يحلفه المدعي أنه لا يلزمه التسليم إن لم تكن بينة) والوجه: أنها تنصرف عنه 3؛ لأنه تبرأ من الدعوى، ولا سبيل إلى تحليف الولي ولا طفله، ولا يغني إلا البينة، وينتزع الحاكم العين من يده، فإن أقام المدعي بينة على الاستحقاق.. أخذها وإلا.. حفظها إلى أن يظهر مالكها.
(وإن أقر به لمعين حاضر تمكن مخاصمته وتحليفه.. سئل؛ فإن صدَّقه.. صارت الخصومة معه) لصيرورة اليد له، والخصومة إنما تدور بين متنازعين.

وَإِنْ كَذَّبَهُ.. تُرِكَ فِي يَدِ الْمُقِرِّ، وَقِيلَ: يُسَلَّمُ إِلَى الْمُدَّعِي، وَقِيلَ: يَحْفَظُهُ الْحَاكِمُ لِظُهُورِ مَالِكٍ. وَإِنْ أَقَرَّ بِهِ لِغَائِبٍ.. فَالأَصَحُّ: انْصِرَافُ الْخُصُومَةِ عَنْهُ، وَيُوقَفُ الأَمْرُ حَتَّى يَقْدَمَ الْغَائِبُ، فَإِنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ.. قُضِيَ بِهَا، وَهُوَ قَضَاءٌ عَلَى غَائِبٍ، فَيَحْلِفُ مَعَهَا، وَقِيلَ: عَلَى حَاضرٍ،

وأفهم: انصراف الخصومة عن المدعى عليه، وليس كذلك، فللمدعي طلب يمين المدعى عليه؛ بناءً على أنه يغرم له البدل لو أقرَّ له، وهو الأظهر.
(وإن كذبه.. ترك في يد المقر، وقيل: يسلم إلى المدعي، وقيل: يحفظه الحاكم لظهور مالك) لما سبق في (باب الإقرار)، فإن هذه الأوجه قد تقدمت هناك.
(وإن أقر به لغائب.. فالأصح: انصراف الخصومة عنه، ويوقف الأمر حتى يقدم الغائب) لأن المال بظاهر إقراره لغيره؛ بدليل: أن الغائب لو قدم وصدَّقه.. أخذه، والثاني: لا تنصرف، وهو ظاهر نصِّ "المختصر"؛ لأن المال في يده، والظاهر: أنه له، فلا يمكن من صرف الخصومة عنه بالإضافة إلى غائب قد يرجع وقد لا يرجع، ويخالف: ما إذا أضاف إلى صبي أو مجنون؛ فإن هناك يمكن مخاصمة وليه.
(فإن كان للمدعي بينة.. قضي بها، وهو قضاء على غائب، فيحلف معها) أي: مع البينة؛ لأن المال صار له بحكم الإقرار، وهذا ما نقلاه في "الشرح" و"الروضة" عن اختيار الإمام والغزالي، وقالا: إنه أقوى وأليق بالوجه المفرع عليه 1. (وقيل: على حاضر) فلا يحلف معها؛ لأن الدعوى توجهت إليه فيوجه القضاء عليه، وهذا ما نقلاه عن ترجيح العراقيين والروياني 2، وهو المنصوص في "الأم" و"المختصر" كما قاله في "البحر"، قال: ولا معنى للوجهين مع النص 3، وقال البُلْقيني: إنه المذهب المعتمد.

وَمَا قُبِلَ إِقْرَارُ عَبْدٍ بِهِ كَعُقُوبَةٍ.. فَالدَّعْوَي عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْجَوَابُ، وَمَا لَا كَأَرْشٍ.. فَعَلَى السَّيِّدِ.

فصلٌ [في كيفية الحلف والتغليظ فيه]

تُغَلَّظُ يَمِينُ مُدَّعٍ وَمُدَّعىً عَلَيْهِ فِيمَا لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يُقْصَدُ بِهِ مَالٌ، وَفِي مَالٍ يَبْلُغُ نِصَابَ زَكَاةٍ،

وإن لم يكن للمدعي بينة.. فله تحليف المدعى عليه أنه لا يلزمه تسليمه إليه، فإن نكل.. حلف المدعي وأخذ المال من يده، ثم إذا عاد الغائب وصدق المقر.. رد المال عليه بلا حجة؛ لأن اليد له بإقرار صاحب اليد، ثم يستأنف المدعي الخصومة معه؛ هذا كله إذا لم يقم المدعى عليه بينة أن المال للغائب، فإن أقامها.. نظر إن ادعى أنه وكيل من جهة الغائب وأثبت الوكالة.. فبينته على أن المال للغائب مسموعة مرجحة على بينة المدعي، وإن لم تثبت الوكالة.. فأوجه؛ أصحها: لا تسمع بينته؛ لأنه ليس بمالك ولا نائب.
(وما قبل إقرار عبد به كعقوبة) لآدمي (.. فالدعوى عليه، وعليه الجواب) لأنه يقبل إقراره في ذلك دون السيد، (وما لا كأرش) وضمان (.. فعلى السيد) لأن الرقبة التي هي متعلقها حق السيد.

(فصل: تغلظ يمين مدع ومدعىً عليه فيما ليس بمال ولا يقصد به مال) كدعوى دم، ونكاح وعتق ونحوها، حتى في ولادة ورضاع وعيوب النساء، وليس قبول شهادة النساء فيها منفردات لقلة خطرها، بل لأن الرجال لا يطلعون عليها غالبًا؛ لأن اليمين موضوعة للزجر عن التعدي؛ فشرع التغليظ مبالغة، وتأكيدًا للردع؛ فاختص بما هو متأكد في نظر الشرع؛ كهذه المذكورات.
ويرد على المصنف: الحقوق؛ كالسرجين وكلب الصيد، فإنها ليست بمال، ولا يقصد منها المال، ومع ذلك لا يغلظ فيها.
(وفي مال يبلغ نصاب زكاة) لا فيما دونه؛ لأنه الموصوف بالعظم في نظر

وَسَبَقَ بَيَانُ التَّغْلِيظِ فِي اللِّعَانِ، وَيَحْلِفُ عَلَى الْبَتِّ فِي فِعْلِهِ، وَكَذَا فِعْلُ غَيْرِهِ إِنْ كَانَ إِثْبَاتًا،

الشرع، ولذلك أوجب المواساة فيها.
نعم؛ للقاضي ذلك فيما دون النصاب إذا رآه لجرأة يجدها في الحالف.
وقضية كلامه: أنه إذا بلغ نصابًا.. غلظ أيَّ نصاب كان؛ من نَعَم ونبات وغير ذلك، وهو وجه حكاه الماوردي 1، والذي في "الشرح" و"الروضة" اعتبار عشرين دينارًا أو مئتي درهم 2، والمنصوص عليه في "الأم" و"المختصر": اعتبار عشرين دينارًا عينًا أو قيمة 3، وقال البُلْقيني: إنه الأصح المعتمد، حتى لو كان المدعى به من الدراهم.. اعتبر بالذهب.
وظاهر كلام المصنف: وجوب التغليظ، والأصح: استحبابه، وأنه لا يتوقف على طلب الخصم، وهو الأصح، بل قال القاضي الحسين: لو رضي المدعي بترك التغليظ.. لم يتركه الحاكم؛ لأنه حق الله تعالى.
(وسبق بيان التغليظ في اللعان) ويستثنى من إطلاقه: حضور جمع أقله أربعة؛ فإنه لا يغلَّظ به هنا على الصواب في "زيادة الروضة" 4، ومن به مرض شاق أو زمانة.. فإنه لا يغلَّظ عليه بالمكان، وكذا الحائض؛ إذ لا يمكنها اللبث في المسجد، قاله الرافعي 5، وقال غيره: إنها تحلف بباب المسجد؛ كما سبق في (اللعان).
(ويحلف على البتِّ) أي: القطع (في فعله) نفيًا كان أو إثباتًا؛ لأنه يعلم حال نفسه، فيقول في الإثبات: (والله؛ لقد بعتك)، أو (اشتريت منك)، وفي النفي: (والله؛ ما بعت ولا اشتريت).
(وكذا فعل غيره إن كان إثباتًا) كبيع وإتلاف؛ لأنه يسهل الوقوف عليه.

وَإِنْ كَانَ نَفْيًا.. فَعَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ. وَلَوِ ادَّعَى دَيْنًا لِمُوَرثهِ فَقَالَ: (أَبْرَأَنِي).. حَلَفَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالْبَرَاءَةِ، وَلَوْ قَالَ: (جَنَى عَبْدُكَ عَلَيَّ بمَا يُوجِبُ كَذَا).. فَالأَصَحُّ: حَلِفُهُ عَلَى الْبَتِّ. قُلْتُ: وَلَوْ قَالَ: (جَنَتْ بَهِيمَتُكَ). حَلَفَ عَلَى الْبَتِّ قَطْعًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيَجُوزُ الْبَتُ بِظَنٍّ مُؤَكَّدٍ يَعْتَمِدُ خَطَّهُ أَوْ خَطَّ أَبِيهِ، وَتُعْتبَرُ نِيَّةُ الْقَاضِي الْمُسْتَحْلِفِ،

(وإن كان نفيًا.. فعلى نفي العلم) فيقول: (والله؛ ما علمت أنه فعل كذا)، ولا يحلف على القطع؛ لأنه لا طريق له إلى القطع به.
نعم؛ لو حلف على القطع.. اعتد به؛ كما قاله القاضي أبو الطيب وغيره، ويحمل على العلم.
(ولو ادعى دينًا لمورثه فقال: "أبرأني") منه أو استوفاه أو أحال به (.. حلف على نفي العلم بالبراءة) ونحوها؛ لأنه حلف على نفي فعل الغير، ولا بد أن يضم إلى الدعوى: (وأنت تعلم أنه أبرأني منه) ونحوه.
(ولو قال: "جنى عبدك عليَّ بما يوجب كذا ".. فالأصح: حلفه على البت) إن أنكر؛ لأن عبده ماله، وفعله كفعل نفسه، ولذلك سمعت الدعوى عليه، والثاني: على نفي العلم؛ لتعلقه بفعل الغير.
(قلت: ولو قال: "جنت بهيمتك ".. حلف على البت قطعًا، والله أعلم) لأنه لا ذمة لها، والمالك لا يضمن بفعل البهيمة، وإنما يضمن لتقصيره في حفظها، وهذا أمر يتعلق بنفس الحالف.
(ويجوز البت بظن مؤكد يعتمد خطه أو خط أبيه) إذا وثق بدينه وأمانته؛ كما قيد في (باب القضاء)، ولا يشترط فيه اليقين، وكذا يجوز اعتمادًا على قرينة؛ كنكول الخصم.
(وتعتبر نية القاضي المستحلف) لقوله عليه الصلاة والسلام: "الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ" رواه مسلم 1، وحملوه على الحاكم؛ لأنه الذي له الاستحلاف، ولأنه

فَلَوْ وَرَّى أَوْ تَأَوَّلَ خِلَافَهَا أَوِ اسْتَثْنَى بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ الْقَاضِي.. لَمْ يَدْفَعْ إِثْمَ الْيَمِينِ الْفَاجِرَةِ. وَمَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ لَوْ أَقَرَّ بِمَطْلُوبِهَا لَزِمَهُ فَأَنْكَرَ.. حُلِّفَ، وَلَا يُحَلَّفُ قَاضٍ عَلَى تَرْكِهِ الظُّلْمَ فِي حُكْمِهِ، وَلَا شَاهِدٌ أَنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ

لو اعتبر نية الحالف.. لبطلت فائدة الأيمان وضاعت الحقوق؛ إذ كل أحد يحلف على ما يقصد.
وإنما قال: (القاضي المستحلف)، ولم يقل: (المستحلف)؛ ليخرج ما لو حلفه الغريم أو غيره.. فإن العبرة بنية الحالف، وكذا لو حلف هو بنفسه ابتداءً؛ كما قاله في "زيادة الروضة" 1. (فلو ورى) الحالف (أو تأول خلافها أو استثنى بحيث لا يسمع القاضي.. لم يدفع إثم اليمين الفاجرة) لما قلناه، هذا إذا كان الحلف بالله؛ فإن حلَّفه القاضي بالطلاق أو العتاق فحلف وورى.. نفعته التورية؛ لأنه ليس له التحليف بها، كما قاله المصنف في "شرح مسلم"، و"الأذكار" 2، وكما تعتبر نية القاضي تعتبر عقيدته؛ كما قاله في "المحرر" 3، فلا يحل للشافعي إذا حلَّفه الحنفي على شفعة الجوار أن يحلف على عدم الاستحقاق في الأصح.
(ومن توجهت عليه يمين لو أقر بمطلوبها لزمه فأنكر... حلف) لقوله عليه الصلاة والسلام: "وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ" 4. وقوله: (يمين) سبق قلم وقع في نسخة المصنف، وصوابه: (دعوى)، كما في "المحرر" و"الشرحين" و"الروضة" 5؛ لأن الإنكار يكون بعد الدعوى لا بعد طلب اليمين.
(ولا يحلف قاض على تركه الظلم في حكمه، ولا شاهد أنه لم يكذب) لارتفاع

وَلَوْ قَالَ مُدَّعَىً عَلَيْهِ: (أَنَا صَبِيٌّ).. لَمْ يُحَلَّفْ، وَوُقِفَ حَتَى يَبْلُغَ. وَالْيَمِينُ تُفِيدُ قَطْعَ الْخُصُومَةِ فِي الْحَالِ لَا بَرَاءَةً، فَلَوْ حَلَفَ ثُمَّ أَقَامَ بَيِّنَةً.. حَكَمَ بِهَا، وَلَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ: (قَدْ حَلَّفَنِي مَرَّةً فَلْيَحْلِفْ أَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْنِي).. مُكِّنَ فِي الأَصَحِّ،

منصبهما، وهذا مستثنى من الضابط؛ لأنه لو اعترف القاضي والشاهد.. لانتفع المدعي به، وقد صرح في "المحرر" بالاستثناء 1، قال الزركشي: وفيه نظر؛ لأن ذلك يخرج من قوله: (دعوى) وهذا لا تسمع عليه الدعوى؛ كما عبر به المصنف في (باب القضاء).
(ولو قال مدعىً عليه: "أنا صبي".. لم يحلف، ووقف حتى يبلغ) لأنه لو كان كذابًا.. لم يمتنع من الإقدام على الحلف فلا فائدة، وهذا مستثنى من الضابط أيضًا.
(واليمين تفيد قطع الخصومة في الحال لا براءة) لأنه عليه الصلاة والسلام أمر رجلًا بعدما حلف بالخروج من حق صاحبه؛ كأنه عرف كذبه، رواه الإمام أحمد، وصحح الحاكم إسناده 2، فدل على أن اليمين لا توجب البراءة، (فلو حلف ثم أقام بينة.. حكم بها) لما قلناه.
وشمل إطلاقه البينة: الحجة الكاملة، وكذا الشاهد الواحد إذا حلف معه، وبه صرح صاحب "العدة" وغيره.
(ولو قال المدعى عليه: "قد حلفني مرة فليحلف أنه لم يحلفني".. مكن في الأصح) لأن ما قاله محتمل غير مستبعد، والثاني: المنع؛ لأنه لا يؤمن أن يدعي المدعي أنه حلفه على أنه ما حلفه، وهكذا فيدور.
وأجاب الأول عن هذا: بمنع إجابة المدعي إلى ما ذكره؛ لإفضاء ذلك إلى التسلسل، هذا كله إذا قال: (حلفني عند قاض آخر) أو أطلق، أما إذا قال: (عندك أيها القاضي) فإن حفظ القاضي ذلك.. لم يحلفه ومنع المدعي ما طلبه، وإن لم يحفظه.. حلفه، ولا ينفعه إقامة البينة عليه في الأصح؛ لأن القاضي متى تذكر حكمه.. أمضاه، وإلا.. فلا يعتمد البينة.

وَإِذَا نَكَلَ.. حَلَفَ الْمُدَّعِي وَقُضِيَ لَهُ، وَلَا يُقْضَى بِنكُولِهِ، وَالنُّكُولُ: أَنْ يَقُولَ: (أَنَا نَاكِلٌ)، أَوْ يَقُولَ لَهُ الْقَاضِي: (احْلِفْ)، فَيَقُولُ: (لَا أَحْلِفُ)، فَإِنْ سَكَتَ.. حَكَمَ الْقَاضِي بِنُكُولِهِ، وَقَوْلُهُ لِلْمُدَّعِي: (احْلِفْ).. حُكْم بِنُكُولِهِ. وَالْيَمِينُ الْمَرْدُودَةُ فِي قَوْلٍ كَبيِّنَةٍ، وَفِي الأَظْهَرِ: كَإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَلَوْ أَقَامَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَهَا بَيِّنَةً بِأَدَاءٍ أَوْ إِبْرَاءٍ.. لَمْ تسْمَعْ،

(وإذا نكل) المُدَّعى عليه عن اليمين (.. حلف المدعي) اليمين المردودة إن كان الحق للمدعي، (وقُضي له، ولا يُقضى بنكوله) لأنه عليه الصلاة والسلام ردَّ اليمين على طالب الحق، رواه الدارقطني، وقال الحاكم: صحيح الإسناد 1، وحكم بذلك عمر رضي الله عنه بحضرة الصحابة، كما رواه الشافعي 2. (والنكول: أن يقول: "أنا ناكل"، أو يقول له القاضي: "احلف"، فيقول: "لا أحلف") لظهوره فيه، هذا إذا عرف المدعى عليه معنى النكول، أما العامي الذي لا يعرفه.. فيجب على القاضي أن يعرفه أنه إن نكل عرض اليمين على المدعي، فإن حلف.. استحق عليه ما ادعاه، ولا تسمع بينته بأداء أو إبراء بعد ذلك.
(فإن سكت) بعد عرض اليمين عليه لا لدهشة ونحوها (.. حكم القاضي بنكوله) كما أن السكوت عن الجواب في الابتداء نازلٌ منزلة الإنكار، ولا بد من الحكم هنا؛ ليرتب عليه رد اليمين، وهذا بخلاف ما لو صرح بالنكول برد وإن لم يحكم القاضي.
والحكم: أن يقول: (جعلتك ناكلًا)، أو (نكلتك) بالتشديد.
(وقوله) أي: القاضي (للمدعي) بعد امتناع المدعى عليه ("احلف".. حكم بنكوله) نازل منزلة قوله: (حكمت بأن المدعى عليه ناكل).
(واليمين المردودة في قولٍ كبينة) يقيمها المدعي؛ لأن الحجة اليمين، واليمين وجدت منه، (وفي الأظهر: كإقرار المدعى عليه) لأنه بنكوله توصل إلى الحق؛ فأشبه إقراره.
(فلو أقام المدعى عليه بعدها بينةً بأداء أو إبراء.. لم تسمع) لكونه مكذبًا للبينة

جارٍ التحميل