وَمَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ جِهَتَا فَرْضٍ وَتَعْصِيبٍ كَزَوْجٍ هُوَ مُعْتِقٌ أَوِ ابْنُ عَمٍّ.. وَرِثَ بِهِمَا. قُلْتُ: فَلَوْ وُجِدَ فِي نِكَاحِ الْمَجُوس أَوِ الشُّبْهَةِ بِنْتٌ هِيَ أُخْتٌ.. وَرِثت بِالْبُنُوَّةِ، وَقِيلَ: بِهِمَا، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَوِ اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي جِهَةِ عُصُوبَةٍ وَزَادَ أَحَدُهُمَا بِقَرَابَةٍ أُخْرَى كابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأمٍّ.. فَلَهُ السُّدُسُ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا،
(ومن اجتمع فيه جهتا فرض وتعصيب؛ كزوج هو معتق أو ابن عم.. ورث بهما) فيأخذ النصف بالزوجية، والآخر بالولاء أو ببنوة العم؛ لأنه وارث بسببين مختلفين؛ فأشبه ما لو كانت القرابتان في شخصين.
(قلت: فلو وجد في نكاح المجوس أو الشبهة بنتٌ هي أخت) لأب؛ بأن وطئ بنته فأولدها بنتًا ثم ماتت العليا، فقد خلَّفت أختًا من أب وبنتًا (.. ورثت بالبنوة) فقط؛ لأنهما قرابتان يورث بكلٍّ منهما عند الانفراد، فيورث بأقواهما، ولم يورث بهما؛ كالأخت للأبوين لا ترث بالقرابتين معًا، فلا ترث النصف بأختية الأب، والسدس بأختية الأم إجماعًا.
(وقيل: بهما، والله أعلم) فترث النصف بالبنوة، والباقي بالأخوة؛ لأنهما سببان يورث بكلٍّ منهما عند الانفراد، فإذا اجتمعا.. لم يسقط أحدهما الآخر؛ كابن عم هو أخ لأم، قال ابن الملقن: وهذه الزيادة تدخل في قوله بعد: (ومن اجتمع فيه جهتا فرض... ) إلى آخره؛ لأن المذكور هناك قاعدة عامة، وهذه من بعض أمثلتها.
نعم؛ أفاد وجهًا ليس في "المحرر" بقوله: (وقيل: بهما).
انتهى 1.
وهو مردود؛ فإن الزيادة من قاعدة اجتماع الفرض والتعصيب، والمذكور آخرًا من قاعدة اجتماع الفرضين، ولا يلزم من انتفاء التوريث بجهتي الفرض انتفاؤه بجهتي فرض وتعصيب، ولهذا مثَّل هنا ببنت هي أخت.
(ولو اشترك اثنان في جهة عصوبة وزاد أحدهما بقرابة أخرى؛ كابني عمٍّ أحدهما أخ لأم.. فله السدس) فرضًا (والباقي بينهما) بالعصوبة؛ لما مرَّ.
فَلَوْ كَانَ مَعَهُمَا بِنْتٌ.. فَلَهَا النِّصْفُ وَالْبَاقِي بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ بِهِ الأَخُ. وَمَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ جِهَتَا فَرْضٍ.. وَرِثَ بأَقْوَاهُمَا فَقَطْ. وَالْقُوَّةُ بِأَنْ تَحْجُبَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى، أَوْ لَا تَحْجُبَ، أَوْ تكُونَ أَقَلَّ حَجْبًا: فَالأُولَى: كَبنْتٍ هِيَ أُخْتٌ لِأمٍّ؛ بِأَنْ يَطَأَ مَجُوسِيٌّ، أَوْ مُسْلِمٌ بِشُبْهَةٍ أُمَّهُ فَتَلِدَ بِنْتًا. وَالثَّانِي: كَأُمٍّ هِيَ أُخْتٌ لِأبٍ؛ بِأَنْ يَطَأَ بِنْتَهُ فَتَلِدَ بِنْتًا. وَالثَّالِثُ: كَأُمِّ أُمٍّ هِيَ أُخْتٌ؛ بأَنْ يَطَأَ هَذِهِ الْبنْتَ الثَّانِيَةَ فَتَلِدَ وَلَدًا.. فَالأَولَى أُمُّ أُمِّهِ وَأُخْتُهُ
(فلو كان معهما بنتٌ.. فلها النصف والباقي بينهما) بالسوية 1؛ لأن أخوة الأم تسقط بالبنت، (وقيل: يختص به الاخ) لأن البنت منعت من الأخذ بقرابة الأم، وإذا لم يأخذ بها.. ترجحت عصوبته؛ كأخ لأبوين مع أخ لأب.
وصورة ابني عم أحدهما أخ لأم: أن يتعاقب أخوان على امرأة، وتلد لكلِّ واحد منهما ابنا ولأحدهما ابن من غيرها؛ فابناه ابنا عم الآخر، وأحدهما أخوه لأمه.
(ومن اجتمع فيه جهتا فرض.. ورث بأقواهما فقط) لما سبق (والقوة بأن تحجب إحداهما الأخرى) حجب حرمان أو نقصان، (أو لا تحجب) أصلًا، والأخرى قد تحجب، (أو تكون أقل حجبًا) أي: تحجب كلّ واحدة لكن حجب أحدهما أقل؛ فهذه ثلاث صور.
(فالأولى 2: كبنت هي أخت لأم؛ بأن يطأ مجوسي، أو مسلم بشبهة أمه فتلد بنتًا) فالأخوة للأم ساقطة بالبنتية، ولا تكون هذه الصورة إلا والميت رجل.
(والثاني: كأم هي أخت لأب؛ بأن يطأ بنته فتلد بنتًا) فترث بالأمومة؛ لأنها لا تحجب حجب حرمان أصلًا، والأخت تحجب.
(والثالث: كأم أم هي أخت؛ بأن يطأ هذه البنت الثانية فتلد ولدًا؛ فالأولى أمُّ أمِّه وأخته) أي: أم أم الولد وأخته لأبيه فترث بالجدودة؛ لأنها أقلُّ حجبًا؛ إذ لا يحجبها إلا الأم، وأما الأخت.. فيحجبها جماعة كما مرَّ، ولا يرثون بالزوجية قطعًا؛
فصلٌ [في أصول المسائل وما يعول منها]
إِنْ كَانَتِ الْوَرَثة عَصَبَاتٍ.. قُسِّمَ الْمَالُ بِالسَّوِيَّةِ إِنْ تَمَحَّضُوا ذُكُورًا أَوْ إِنَاثًا. وَإِنِ اجْتَمَعَ الصِّنْفَانِ.. قُدِّرَ كُلُّ ذَكَرٍ أُنْثَيَيْنِ، وَعَدَدُ رُؤُوسِ الْمَقْسُومِ عَلَيْهِمْ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ. وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ ذُو فَرْضٍ أَوْ ذوَا فَرْضَيْنِ مُتَمَاثِلَيْنِ.. فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ مَخْرَجِ ذَلِكَ الْكَسْرِ؛
لبطلانها، كذا قاله الشيخان هنا 1، لكنهما حكيا عن البغوي في (كتاب النكاح): أن منهم من بنى التوارث على الخلاف في صحة أنكحتهم 2.
(فصل: إن كانت الورثة عصبات.. قُسِّم المال بالسوية إن تمحَّضوا ذكورًا) كبنين أو إخوة، أو أعمام، أو بنيهم، سواء النسب والولاء، (أو إناثًا) كأربع نسوة أعتقن عبدًا بينهن بالسوية، وهذا لا يتصور إلا في الولاء؛ فإن تفاوت الملك.. تفاوت الإرث.
(وإن اجتمع الصنفان.. قُدِّر كلُّ ذكر أنثيين) ولا يقدر للأنثى نصف نصيب؛ لئلا ينطق بالكسر، واتفقوا على عدم النطق به.
(وعدد رؤوس المقسومِ عليهم أصلُ المسألة) فإذا خلَّف ابنين وبنتين.. فأصل المسألة من ستة، وهكذا.
(وإن كان فيهم) أي: في الورثة (ذو فرض، أو ذوا فرضين متماثلين.. فالمسألة) أصلها (من مخرج ذلك الكسر) مثال الأول: بنت، وعم؛ المسألة من اثنين، ومثال الثاني: أم، وأخ لأم، وأخ لأب؛ هي من ستة، وكذا الحكم فيما إذا لم يكن فيهم عصبة؛ كزوج، وأخت لأبوين، أو لأب؛ هي من اثنين أيضًا.
وهذه المسألة تُسمَّى النصفية؛ إذ ليس لنا شخصان يرثان المال مناصفة فرضًا سواهما، وتُسمَّى اليتيمة؛ إذ ليس لها نظير.
وقوله: (متماثلين) أي: إما فرضًا؛ كزوج، وأخت، أو مخرجًا؛ كشقيقتين، وأخوين لأم.
فَمَخْرَجُ النِّصْفِ: اثْنَانِ، وَالثُّلُثِ: ثَلَاثَةُ، وَالرُّبُعِ: أَرْبَعَةٌ، وَالسُّدُسِ: سِتَّةٌ، وَالثُّمُنِ: ثَمَانِيَةٌ. وَإِنْ كَانَ فَرْضَانِ مُخْتَلِفَا الْمَخْرَجِ؛ فَإِنْ تَدَاخَلَ مَخْرَجَاهُمَا.. فَأَصْلُ الْمَسْأَلَةِ أَكْثَرُهُمَا كَسُدُسٍ وَثُلُثٍ، وَإِنْ تَوَافَقَا.. ضُرِبَ وَفْقُ أَحَدِهِمَا فِي الآخَرِ وَالْحَاصِلُ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ كَسُدُسٍ وَثُمُنٍ فَالأَصْلُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَإِنْ تَبَايَنَا.. ضُرِبَ كُلٌّ فِي كُلٍّ وَالْحَاصِلُ الأَصْلُ كَثُلُثٍ وَرُبُعٍ، الأَصْلُ اثْنَا عَشَرَ
واعلم: أن المخرج هو أقل عدد يصحُّ منه الكسر، وهو أصل المسألة.
والكسر: هو الجزء وهو ما دون الواحد.
(فمخرج النصف: اثثان، والثلث: ثلاثة، والربع: أربعة، والسدس: ستة، والثمن: ثمانية) لأن أقلَّ ما له نصف اثنان، وأقلَّ ما له ثلث ثلاثة، وأقلَّ ما له ربع أربعة، وأقلَّ ما له سدس ستة، وأقلَّ ما له ثمن ثمانية، وكلُّها مشتقة من أسماء العدد لفظًا ومعنىً إلا النصف، فلم يشتق من اسم العدد، ولو اشتق منه.. لقيل: ثنُي بضم أوله، وإنما اشتق من التناصف؛ يعني: أن المقتسمين قد تناصفا واقتسما بالسوية.
وسكوته عن الثلثين يفهم أنه ليس جزءًا برأسه، وهو كذلك، وإنما هو تضعيف الثلث.
(وإن كان فرضان مختلفا المخرج؛ فإن تداخل مخرجاهما.. فأصل المسألة أكثرهما؛ كسدس وثلث) كأم، وأخ لأم، وعم؛ هي من ستة، للأم الثلث، وهو من ثلاثة، وللاخ السدس، وهو من ستة، والثلاثة داخلة في الستة؛ لأن المتداخلين كلُّ عددين مختلفين أقلهما جزء من الأكثر لا يزيد على نصفه؛ كالثلاثة من الستة ومن التسعة، والأربعة من الثمانية.
(وإن توافقا) بجزء من الأجزاء (.. ضرب وفق أحدهما في الآخر، والحاصل أصل المسألة؛ كسدس وثمن؛ فالأصل: أربعة وعشرون) كما إذا خلَّف أُمًّا، وزوجة، وابنًا؛ فالسدس والثمن متوافقان بالأنصاف، فاضرب نصف أحدهما في الآخر يبلغ أربعة وعشرين.
(وإن تباينا.. ضرب كلٌّ في كلٍّ، والحاصل الأصل؛ كثلث وربع، الأصل: اثنا عشر) كأم، وزوجة، وأخ؛ فالثلث والربع متباينان، فاضرب مجموع أحدهما في الآخر يبلغ اثني عشر.
فَالأُصُولُ سَبْعَةٌ: اثْنَانِ وَثَلَاثةٌ وَأَرْبَعَةٌ وَسِتَّةٌ وَثَمَانِيَةٌ وَاثْنَا عَشَرَ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ، وَالَّذِي يَعُولُ مِنْهَا: السِّتَّةُ إِلَى سَبْعَةٍ كَزَوْجٍ وَأُخْتَيْنِ،
(فالأصول) أي: المخارج (سبعة: اثنان، وثلاثة، وأربعة، وستة، وثمانية، واثنا عشر، وأربعة وعشرون) لأن الفروض المذكورة في القرآن لا يخرج حسابها إلا من هذه السبعة، وهذا ما عليه قدماء الأصحاب، وزاد المتأخرون أصلين آخرين في مسائل الجد والإخوة حيث كان ثلث الباقي بعد الفروض خيرًا له؛ أحدهما: ثمانية عشر؛ كجد، وأم، وإخوة، والثاني: ستة وثلاثون؛ كجد، وأم، وزوجة، وإخوة.
أصل الأولى: من ثمانية عشر؛ لأنه أقلُّ عدد يكون له سدس، وثلث ما بقي، وأصل الثانية: من ستة وثلاثين، واختار في "الروضة" طريق المتأخرين؛ لأنه أخصر، ولأن ثلث ما تبقى فرض مضموم إلى السدس والربع؛ فلتكن الفريضة من مخرجها 1.
(والذي يعول منها) أي: من هذه الأصول ثلاثة؛ وهي: ستة، واثنا عشر، وأربعة وعشرون؛ لإمكان اجتماع فروض تزيد عليها، بخلاف الباقي.
(الستة إلى سبعة؛ كزوج وأختين) شقيقتين، أو لأب؛ فتعول بمثل سدسها.
وهذه الصورة أول فريضة عالت في الإسلام 2؛ لأنها وقعت في زمن عمر رضي الله عنه فجمع لها الصحابة، وقال لهم: فرض الله تعالى للزوج النصف، وللأختين الثلثين، فإن بدأت بالزوج.. لم يبق للأختين حقهما، وإن بدأت بالأختين.. لم يبق للزوج حقه، فأشار عليه العباس رضي الله عنه بالعول، وقال: أرأيت لو مات رجل وترك ستة دراهم، ولرجل عليه ثلاثة، ولآخر أربعة أليس يجعل المال سبعة أجزاء؟ قال: نعم؛ فقال العباس: هو ذاك، فأجمع الصحابة عليه، وكان ابن عباس صغيرًا فلما كبر أظهر الخلاف.
وَإِلَى ثَمَانِيَةٍ كَهُمْ وَأُمٍّ، وَإِلَى تِسْعَةٍ كَهُمْ وَأَخٍ لِأمٍّ، وَإِلَى عَشَرَةٍ كَهُمْ وَآخَرَ لأُمٍّ. وَالاثْنَا عَشَرَ إِلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ كَزَوْجَةٍ وَأُمٍّ وَأُخْتَيْنِ، وَإِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ كَهُمْ وَأَخٍ لأُمٍّ، وَسَبْعَةَ عَشَرَ كَهُمْ وَآخَرَ لأُمٍّ. وَالأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ إِلَى سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ كَبِنْتَيْنِ وَأَبَوَيْنِ وَزَوْجَةٍ
والعول: عبارة عن رفع الحساب، ومعناه: أنا نرفع سهام المسألة عن سهام ذوي الفروض؛ ليدخل النقص على كلٍّ بقدر فرضه.
(وإلى ثمانية؛ كهم وأم) فتعول بمثل ثلثها، وإدخال الكاف على الضمير لغة قليلة.
(وإلى تسعة؛ كهم وأخ لأم) فيزاد عليها سهم واحد لولد الأم فتعول بمثل نصفها.
(وإلى عشره؛ كهم وآخر لأم) فتعول بمثل ثلثيها، وتُسمَّى هذه: أم الفُروخ، لكثرة سهامها العالية فيها، والشُّريحية؛ لأن شُريحًا قَضى فيها بذلك؛ فتلخص أن الستة تعول أربع مرات، ثم إنها متى عالت إلى أكثر من سبعة لا يكون الميت إلا امرأة؛ لأنها لا تعول إلى ذلك إلا بزوج.
(والاثنا عشر إلى ثلاثة عشر؛ كزوجة وأم وأختين) لغير أمٍّ، فتعول بنصف سدسها.
(وإلى خمسة عشر؛ كهم وأخ لأم) فتعول بربعها، فيزاد على ما سبق سهمان للأخ للأم.
(وسبعة عشر؛ كهم وآخر لأم) فتعول بربعها، وسدسها، ويزاد على ما مرَّ سهمان للأخ الآخر، وهذه الثلاث مراتب لا يتصور إلا والميت رجل، كما أفهمه تمثيل المصنف 1.
(والأربعة والعشرون إلى سبعة وعشرين) فقط (كبنتين وأبوين وزوجة) فتعول بمثل ثمنها، وهو نصيب الزوجة، وتسمى هذه: المنبرية؛ لأن عليًّا رضي الله عنه سئل عنها على المنبر، فقال ارتجالًا: صار ثمنها تسعا" 2، ومضى في خطبته، وذلك
وَإِذَا تَمَاثَلَ الْعَدَدَانِ.. فَذَاكَ. وَإِنِ اخْتَلَفَا وَفَنِيَ الأَكْثَرُ بِالأَقَلِّ مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ.. فَمُتَدَاخِلَانِ كَثَلَاثَةٍ مَعَ سِتَّةٍ أَوْ تِسْعَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُفْنِهِمَا إِلَّا عَدَدٌ ثَالِثٌ.. فَمُتَوَافِقَانِ بِجُزئِهِ كَأَرْبَعَةٍ وَسِتَّةٍ بِالنِّصْفِ، وَإِنْ لَمْ يُفْنِهِمَا إِلَّا وَاحِدٌ.. تَبَايَنَا كَثَلَاثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ
لأن ثلاثة من سبعة وعشرين تسع في الحقيقة، ولا يكون هذا العول إلا والميت رجل بل لا تكون المسألة من أربعة وعشرين إلا وهو رجل.
(وإذا تماثل العددان.. فذاك) أي: فأمره واضح؛ كثلاثة وثلاثة، فتسقط أحدهما وتكتفي بالآخر.
(وإن اختلفا وفَنِيَ الأكثر بالأقل مرتين فأكثر.. فمتداخلان؛ كثلاثة مع ستة أو تسعة) أو خمسة وعشرة؛ فإن الستة تفنى بإسقاط الثلاثة مرتين، والتسعة بإسقاط الثلاثة منها ثلاث مرات؛ لأنها ثلثها، والعشرة تفنى بإسقاط الخمسة مرتين؛ لأنها نصفها.
(وإن لم يفنهما إلا عدد ثالث) أي: وإن اختلفا، ولم يفن أقلهما أكثرهما، ولكن يفنيهما عدد ثالث (.. فمتوافقان بجزئه؛ كأربعة وستة بالنصف) لأنك إذا سلطَّت الأربعة على الستة.. يبقى منها اثنان، سَلِّطْهما على الأربعة مرتين تفنى بهما؛ فقد حصل الإفناء باثنين، وهو عدد غير الستة والأربعة، فهما متوافقان بجزء ذلك العدد وهو النصف.
وحكم المتوافق: أنك تضرب وفق أحد العددين في كامل الآخر، فإن أفنى عددين أكثر من عدد واحد.. فهما متوافقان بأجزاء ما في ذلك العدد من الآحاد؛ كالاثني عشر والثمانية عشر، تفنيهما الستة والثلاثة والاثنان، فهما متوافقان بالأسداس، والأثلاث، والأنصاف، والعمل والاعتبار في مثل ذلك بالجزء الأقلِّ؛ فيعتبر في هذا المثال السدس.
(وإن لم يفنهما إلا واحد.. تباينا؛ كثلاثةٍ وأربعةٍ) لأنك إذا أسقطت الثلاثة من الأربعة.. بقي واحد، فإذا سلطته على الثلاثة.. فنيت به، وسُمِّيا بالمتباينين؛ لأن فناءهما بمُباينهما، وهو الواحد، وإنما قلنا إن الواحد مباين لهما؛ لأنهما عددان والواحد ليس بعدد، والمنفي ضد المثبت ومباين له، بخلاف ما إذا أفناهما عدد
وَالْمُتَدَاخِلَانِ مُتَوَافِقَانِ، وَلَا عَكْسَ.
فَرْعٌ [في تصحيح المسائل]
إِذَا عَرَفْتَ أَصْلَهَا وَانْقَسَمَتِ السِّهَامُ عَلَيْهِمْ.. فَذَاكَ. وَإِنِ انْكَسَرَتْ عَلَى صِنْفٍ.. قُوبِلَتْ بِعَدَدِهِ؛ فَإِنْ تَبَايَنَا.. ضُرِبَ عَدَدُهُ فِي الْمَسْألةِ بِعَوْلِهَا إِنْ عَالَتْ،
ثالث؛ فإن التوافق حاصل في العددية.
وحكم المتباين: أنك تضرب أحد العددين في الآخر؛ فانحصر حينئذ نسبة كلِّ عددين أحدهما إلى الآخر في هذه الأربعة: التماثل، والتداخل، والتوافق، والتباين.
(والمتداخلان متوافقان) بأجزاء ما في العدد الأقلِّ؛ كالخمسة مع العشرة بينهما موافقة بالأخماس مع التداخل.
(ولا عكس) لأنه يكون التوافق ولا تداخل؛ كالستة مع الثمانية؛ لأن شرط التداخل ألا يزيد على نصفه.
(فرع) في تصحيح المسائل (إذا عرفت أصلها) أي: أصل المسألة (وانقسمت السهام عليهم) أي: على المستحقين (.. فذاك) أي: فلا حاجة إلى ضرب؛ كزوج وثلاث بنين؛ هي من أربعة تنقسم عليهم، وكزوج وأختين لغير أم؛ هي من ستة، وتعول إلى سبعة؛ للزوج ثلاثة، ولكلِّ أخت اثنان.
(وإن انكسرت على صنف.. قوبلت بعدده) أي: قوبلت سهامه بعدد رؤوسه (فإن تباينا) أي: السهام والرؤوس (.. ضرب عدده في المسألة بعولها إن عالت) فما اجتمع صحت منه المسألة؛ مثاله: زوجة وأخوان؛ هي من أربعة، للزوجة الربع سهم، وللأخوين ثلاثة أسهم منكسرة عليهما، فاضرب عددهما في المسألة وهي أربعة تكن ثمانية ومنها تصحُّ.
ومثاله بالعول: زوج وخمس أخوات، أصلها من ستة وتعول إلى سبعة، ونصيب الأخوات أربعة، وهي لا تصحُّ عليهن ولا توافق، فاضرب خمسة في سبعة تبلغ خمسة وثلاثين، ومنها تصحُّ.
وَإِنْ تَوَافَقَا.. ضُرِبَ وَفْقُ عَدَدِهِ فِيهَا. وَإِنِ انْكَسَرَتْ عَلَى صِنْفَيْنِ.. قُوبِلَتْ سِهَامُ كُلِّ صِنْفٍ بِعَدَدِهِ؛ فَإِنْ تَوَافَقَا.. رُدَّ الصِّنْفُ إِلَى وَفْقِهِ، وَإِلَّا.. تُرِكَ، ثُمَّ إِنْ تَمَاثَلَ عَدَدُ الرُّؤُوسِ.. ضُرِبَ أَحَدُهُمَا فِي أَصْلِ الْمَسْأَلةِ بِعَوْلِهَا، وَإِنْ تَدَاخَلَا.. ضُرِبَ أَكْثَرُهُمَا، وَإِنْ تَوَافَقَا.. ضُرِبَ وَفْقُ أَحَدِهِمَا فِي الآخَرِ ثُمَّ الْحَاصِلُ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَإِنْ تَبَايَنَا.. ضُرِبَ أَحَدُهُمَا فِي الآخَرِ
(وإن توافقا.. ضُربَ وفق عدده) أي: الصنف (فيها) 1 أي: في أصل المسألة بعولها إن عالت؛ كأم وأربعة أعمام وهي من ثلاثة، للأم سهم، وللأعمام سهمان، لا تصحُّ عليهم ولكن توافق بالنصف، فاضرب اثنين في ثلاثة بستة ومنها تصحُّ.
واعلم: أن الضرب عند الحُسَّاب تضعيف أحد العددين بقدر ما في الآخر من الآحاد، والواحد ليس بعدد وإنما هو مبدؤه.
(وإن انكسرت على صنفين.. قوبلت سهام كلِّ صنف بعدده) أي: بعدد الصنف الذي انكسر عليهم، (فإن توافقا.. رُدَّ الصنف إلى وفقه) أي: رد رؤوس كلِّ صنف إلى جزء الوفق.
(وإلا) أي: وإن لم يكن بين كلِّ صنف منهما وسهامه موافقة (.. ترك) عدد كلِّ فريق بحاله، فإن كان الوفق في أحد الصنفين.. رددت رؤوسه إلى جزء الوفق، وتركت رؤوس الآخر بحالها؛ فهذه ثلاثة أحوال؛ لأنه إما أن يكون بين عدد كلِّ فريق وسهامه موافقة بجزءٍ أم لا، أو بين أحدهما دون الآخر، وفي كلٍّ منها أربعُ مسائل؛ لأن عدد الفريقين فيها إما أن يكونا متماثلين أو متداخلين أو متوافقين أو متباينين؛ كما سيذكره المصنف، وفيه اثنا عشر مسألة سنذكر أمثلتها.
(ثم إن تماثل عدد الرؤوس) في هذه الأحوال (.. ضرب أحدهما في أصل المسألة بعولها) إن عالت (وإن تداخلا.. ضرب أكثرهما) في أصل المسألة بعولها.
(وإن توافقا.. ضرب وفق أحدهما في الآخر، ثم الحاصل في المسألة) بعولها (وإن تباينا.. ضرب أحدهما في الآخر) ويُسمَّى الحاصل من ضرب وفق أحدهما أو كله في الآخر: جزء السهم.
ثُمَّ الْحَاصِلُ فِي الْمَسْأَلةِ، فَمَا بَلَغَ.. صَحَّتْ مِنْهُ
(ثم) اضرب (الحاصل) وهو جزء السهم (في) أصل (المسألة) بعولها (فما بلغ.. صحت منه) أمثلة الحالة الأولى: وهي ما إذا كان بين عدد كل فريق وسهامِه موافقةٌ بجزء، وفيها أربع مسائل: أم، وستة إخوة لأم، واثنا عشر أختًا لأب؛ أصلها من ستة، وتعول إلى سبعة، للإخوة سهمان يُوافِقان عددَهم بالنصف، فتردُّ عددَهم إلى ثلاثة، وللأخوات أربعة توافق عددهم بالربع، فترد عددهم إلى ثلاثة؛ فتماثل العددان المردودان، فاضرب ثلاثة في سبعة تبلغ أحدًا وعشرين ومنها تصحُّ.
أم، وثمانية إخوة لأم، وثمان أخوات لأب؛ ترجع عددَ الإخوة إلى أربعة، والأخوات إلى اثنين، وتضرب أربعةً في سبعة تبلغ ثمانية وعشرين ومنها تصحُّ.
أم، واثنا عشر أخًا لأم، وستة عشر أختًا لأب؛ ترجع الإخوةَ إلى ستة، والأخوات إلى أربعة، وهما متوافقان، وتضرب اثنين في ستة باثني عشر ثم تضرب اثني عشر في سبعة تبلغ أربعة وثمانين، ومنها تصحُّ.
أم، وستة إخوة لأم، وثمان أخوات لأب؛ ترجع الإخوةَ إلى ثلاثة، والأخوات إلى اثنين، وهما متباينان، تضرب اثنين في ثلاثة بستة، ثم اضرب ستة في سبعة تبلغ اثنين وأربعين.
أمثلة الحالة الثانية: وهي ألا يكون بين فريق وسهامِه موافقةٌ بجزء؛ ثلاث بنات، وثلاثة إخوة لأب، تصحُّ من تسعة.
ثلاث بنات، وستة إخوة، تصحُّ من ثمانية عشر.
تسع بنات، وستة إخوة، تصحُّ من أربعة وخمسين.
ثلاث بنات، وأخوان لأب، تصحُّ من ثمانية عشر.
أمثلة الحالة الثالثة: وهي ما إذا كان بين سهام أحد الفريقين ورؤوسِهم موافقةٌ دون الآخر؛ ست بنات، وثلاثة إخوة لأب، تصحُّ من تسعة.
أربع بنات، وأربع إخوة لأب، ترجع عدد البنات إلى اثنين فيتداخل العددان، فتضرب أربعة في ثلاثة تبلغ اثني عشر، ومنها تصحُّ.
ثمان بنات، وستة إخوة لأب، ترجع عددهن إلى أربعة، ويتوافق العددان
وَيُقَاسُ عَلَى هَذَا: الانْكِسَارُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ وَأَرْبَعَةٍ، وَلَا يَزِيدُ الْكَسْرُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ نَصِيبِ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ مَبْلَغ الْمَسْأَلَةِ.. فَاضْرِبْ نَصِيبَهُ مِنْ أَصلِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا ضَرَبْتَهُ فِيهَا، فَمَا بَلَغَ.. فَهُوَ نَصِيبُهُ، ثُمَّ تَقْسِمُهُ عَلَى عَدَدِ الصِّنْفِ
بالنصف، فتضرب أربعة في ثلاثة تبلغ اثني عشر، تضربها في ثلاثة تبلغ ستة وثلاثين، ومنها تصحُّ.
أربع بنات، وثلاثة إخوة لأب، ترجع عددهن إلى اثنين، ويتباين العددان، فتضرب اثنين في ثلاثة بستة، ثم تضرب ستة في ثلاثة تبلغ ثمانية عشر، ومنها تصحُّ.
(ويقاس على هذا: الانكسار على ثلاثة أصناف وأربعة) فينظر أولًا في سهام كلِّ صنف وعددِ رؤوسهم، فحيث وجدنا الموافقة رددنا الرؤوس إلى جزء الوفق، وحيث لم نجدها بقيناه بحاله، ثم يجيء في عدد الأصناف الأحوالُ السابقة في النظر إلى التماثل، والتداخل، والتوافق، والتباين.
(ولا يزيد الكسر على ذلك) أي: على أربعة أصناف؛ لأن الوارثين في الفريضة الواحدة لا يزيدون على خمسة أصناف؛ كما تقدم عند اجتماع كلِّ الورثة، ولا بدَّ من صحة نصيب أحد الأصناف عليه؛ لأن أحد الأصناف الخمسة أحد الزوجين والأبوان، والواحد يصحُّ نصيبه عليه فلزم الحصر، كذا أطلقوه، ومحلُّه: في غير الولاء أما الولاء.. فيمكن فيه الزيادة على أربعة.
(فإذا أردت) بعد فراغك من تصحيح المسألة (معرفة نصبب كلِّ صنف من مبلغ المسألة.. فاضرب نصيبه من أصل المسألة فيما ضربته فيها، فما بلغ.. فهو نصيبه ثم تقسمه على عدد الصنف) مثاله كما في "المحرر": جدتان، وثلاث أخوات لأب، وعم، هي من ستة، وتبلغ بالضرب ستة وثلاثين؛ للجدتين من أصل المسألة سهم مضروب فيما ضربناه في المسألة يكون ستة، وللأخوات أربعة مضروبة في ستة تبلغ أربعة وعشرين، والباقي -وهو ستة- للعم 1.
فَرْعٌ [في المناسخات]
مَاتَ عَنْ وَرَثَةٍ فَمَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ؛ فَإِنْ لَمْ يَرِثِ الثَّانِيَ غَيْرُ الْبَاقِينَ وَكَانَ إِرْثُهُمْ مِنَ الثَّانِي كَإِرثهِمْ مِنَ الأَوَّلِ.. جُعِلَ كَأَنَّ الثَّانِيَ لَمْ يَكُنْ وَقُسِمَ بَيْنَ الْبَاقِينَ كَإِخْوَةٍ وَأَخَوَاتٍ أَوْ بَنِينَ وَبَنَاتٍ مَاتَ بَعْضُهُمْ عَنِ الْبَاقِينَ. وَإِنْ لَمْ يَنْحَصِرْ إِرْثُهُ فِي الْبَاقِينَ
(فرع) في المناسخات (مات عن ورثة فمات أحدهم قبل القسمة؛ فإن لم يرث الثاني غيرُ الباقين وكان إرثهم) أي: الباقين (من الثاني كإرثهم من الأول.. جعل كأن الثاني لم يكن وقسم بين الباقين؛ كإخوة وأخوات، أو بنين وبنات مات بعضهم عن الباقين) لأن المال صار إليهم بطريق واحد فكأن الذين ماتوا بعد الأول لم يكونوا.
وكلام المصنف وتمثيله يشعران بكون جميع الباقين وارثين، وكونهم عصبة، وليس ذلك بشرط، بل يأتي فيما إذا كان الورثة في الثانية بعض الباقين بشرط كونهم عصبةً في المسألتين، وغير الوارث من الثاني ذا فرض في الأولى؛ كأن ماتت عن زوج، وابنين من غيره ثم مات أحد الابنين قبل القسمة.. فإن ورثة الميت الثاني هو الباقي من الاثنين دون الزوج، وهذا الوارث عصبة في المسألتين، والزوج الذي لا يرث في الثانية ذو فرض في الأولى، فيفرض أن الميت الثاني لم يكن، ويدفع ربع تركة المرأة إلى زوجها، والباقي لابنها الحي.
ويأتي أيضًا فيها إذا كان ورثته هم الباقون جميعهم، وإرثهم بالفريضة في الثانية كما في الأولى بشرط أن يكون الميت الثاني ذا فرض في الأولى ولكن فرضه قدر عول المسألة الأولى؛ كأن ماتت امرأة عن زوج، وأخت شقيقة، وأخت لأب، ثم نكح الزوج الأخت لأب، فماتت الأخت للأب المنكوحة عن الزوج والأخت؛ فإن المسألة الأولى من ستة وتعول بنصيب الأخت للأب إلى سبعة، فإذا ماتت هي.. فُرِض أنها لم تكن، وترك العول، وقسم المال نصفين بين الزوج والأخت؛ لأن فرض كل منهما النصفُ في المسألتين، ومثله: ما لو مات عن زوج، وأم، وولدي أم، وأخت لأبوين، ثم نكح الزوج الأخت الشقيقة فماتت عن الباقين.
(وإن لم ينحصر إرثه في الباقين) إما لأن الوارث غيرُهم، أو لأن غيرهم يشركهم
أَوِ انْحَصرَ وَاخْتَلَفَ قَدْرُ الاسْتِحْقَاقِ.. فَصَحِّحْ مَسْأَلَةَ الأَوَّلِ ثُمَّ مَسْأَلَةَ الثَّانِي، ثُمَّ إِنِ انْقَسَمَ نَصِيبُ الثَّانِي مِنْ مَسْأَلَةِ الأَوَّلِ عَلَى مَسْأَلَتِهِ.. فَذَاكَ، وَإِلَّا؛ فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُوَافَقَةٌ.. ضُرِبَ وَفْقُ مَسْأَلَتِهِ فِي مَسْأَلَةِ الأَوَّلِ، وَإِلَّا.. كُلُّهَا فِيهَا، فَمَا بَلَغِ صَحَّتَا مِنْهُ، ثُمَّ مَنْ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الأُولَى.. أَخَذَهُ مَضرُوبًا فِيمَا ضُرِبَ فِيهَا، وَمَنْ لَهُ شيْءٌ مِنَ الثَّانِيَةِ.. أَخَذَهُ مَضرُوبًا فِي نَصِيبِ الثَّانِي مِنَ الأُولَى أَوْ فِي وَفْقِهِ إِنْ كَانَ بَيْنَ مَسْأَلَتِهِ وَنَصِيبِهِ وَفْقٌ.
فيه (أو انحصر واختلف قدر الاستحقاق.. فصَحِّح مسألة الأول ثم مسألة الثاني، ثم إن انقسم نصيب الثاني من مسألة الأول على مسألته.. فذاك) مئاله: زوج، وأختان لأب ماتت إحداهما عن الأخرى، وبنت؛ فالمسألة الأولى بعولها من سبعة، والثانية من اثنين، ونصيب الميتة الثانية من المسألة الأولى اثنان ينقسم على مسألتها.
(وإلّا) أي: وإن لم ينقسم (فإن كان بينهما موافقة.. ضرب وفقُ مسألته في مسألة الأول) مثاله: جدتان، وثلاث أخوات متفرقات، ثم ماتت الأخت من الأم عن أخت لأم هي الشقيقة في الأولى، وعن أختين شقيقتين، وعن أم أم هي إحدى الجدتين في الأولى.
(وإلّا) أي: وإن لم يكن بينهما موافقة بل كان بينهما تباين.. ضربت (كلها فيها، فما بلغ صحَّتا مثه، ثم) تقول (من له شيء من الأولى.. أخذه مضروبًا فيما ضرب فيها) وهو وفق المسألة الثانية أو جميعها (ومن له شيء من الثانية.. أخذه مضروبًا في نصيب الثاني من الأولى، أو في وفقه إن كان بين مسألته ونصيبه وفقٌ) مثاله: زوجة، وثلاث بنين، وبنت، ثم ماتت البنت عن أم، وثلاثة إخوة وهم الباقون من ورثة الأول، فالأولى من ثمانية، والثانية تصحُّ من ثمانية عشر، ونصيب الميتة من الأولى سهمٌ لا يوافق مسألتها؛ فتضرب الثانية في الأولى تبلغ مئة وأربعة وأربعين؛ للزوجة سهم مضروب في ثمانية عشر، ولكلِّ ابن سهمان مضروبان في ثمانية عشر، وللأم في الثانية ثلاثةٌ مضروبة في سهم الميتة وهو واحد، ولكلِّ أخ خمسة.
وقوله: (وإلا) يوهم ثلاث صور: التباين، والتداخل، والتماثل، لكن مراده
..................................
التباين خاصة، ولهذا فسرنا به كلامه، وقد صرح الفوراني بعدم مجيء التداخل والتماثل.
والحمد لله ربّ العالمين
وصلّى الله على سيّدنا محّمدٍ وآله وصحبه أجمعين
تم الجزء الأول من "بداية المحتاج في شرح المنهاج" في ليلة يسفر صباحها عن نهار عيد الأضحى عاشر الحجة الحرام عام اثنين وخمسين وثمان مئة على يد أفقر عباد الله وأحوجهم إلى عفوه وغفرانه محمد بن حسين بن أحمد الكركي مولدًا، الدمشقي منشأً، الشافعي مذهبًا، عفا الله عنه آمين.
كتابُ الوصايا تَصِحُّ وَصِيَّةُ كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا، وَكَذَا مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِسَفَهٍ عَلَى الْمَذْهَبِ،
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وبه توفيقي، وهو حَسبي يا رَبِّ يَسَّرْ، وَامْنُنْ بإتْمَامِهِ يا كرِيم، وَاخْتِمْ بخَيْر 1
﴿كتاب الوصايا﴾
هي جمع وصية؛ كعرايا وعرية، وهدايا وهدية، مأخوذة من وَصَيْتُ الشيء بالشيء أَصِيه: إذا وصلته؛ لأن الموصي وصل القربةَ الواقعة بعد الموت بالقربات المُنجَّزة في حياته، وهي في الشرع: تبرع مضاف إلى ما بعد الموت.
والأصلُ فيها: قوله تعالى في أربعة مواضع من المواريث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
وحديث: "مَا حَقُّ أمْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مُكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ" متفق عليه 2، والإجماع قائم على مشروعيتها.
(تصح وصية كلِّ مكلف حرّ) مختار بالإجماع؛ لأنها تبرع (وإن كان كافرًا) ولو حربيًّا؛ لأنه يصحُّ إعتاقه وتمليكاته، والمرتد؛ إن أبقينا ملكه.. صحت وصيته على الأصحِّ في "البحر"، وإن وقفناه.. وقفنا وصيته؛ كما ذكره المصنف في (كتاب الردة) 3.
(وكذا محجور عليه بسفه على المذهب) لصحة عبارته، بدليل قبول إقراره بالعقوبة، ونفوذ طلاقه، ولاحتياجه إلى الثواب، هذا أصحُّ الطريقين.
ونقل ابن
لَا مَجْنُونٍ وَمُغْمَىً عَلَيْهِ وَصَبِيٍّ - وَفِي قَوْلٍ: تَصِحُّ مِنْ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ -
عبد البرِّ والأستاذ أبو منصور وغيرهما: الإجماع فيه 1.
وقيل: على القولين في الصبي المميز؛ لأنه مثلُه في أن عبارته ملغاة في التبرع.
وقضية تقييده بالمحجور: أن السفيه الذي لم يحجر عليه بأن طرأ السفه.. تصحُّ وصيته بلا خلاف، وليس كذلك؛ فإنا إذا قلنا: بعود الحجر من غير حاكم.. ففيه الخلاف في المحجور.
واحترز بالسفه: عن حجر الفلس.. فإنه تصحُّ وصيته قطعًا؛ كما قاله القاضي الحسين.
وقال الماوردي: إن ردها الغرماءُ.. بطلت، وإن أجازوها.. صحت، إن قيل: حجره حجر مرض، وإن قيل: حجر سفه.. ففيه الخلاف 2.
وقال الجرجاني: لا تصحُّ وصيته في غير المال، وتصحُّ مطلقة؛ لأنه لا ضرر على الغرماء.
(لا مجنون ومغمىً عليه) إذ لا عبارة لهما، وفي معناهما: من عاين الموت؛ إذ لا قول له، حكاه الرافعي عن الأصحاب في الكلام على المرض المخوف 3.
(وصبي) لأنها عقد تمليك، فلم تصحَّ؛ كهبته وإعتاقه، (وفي قول: تصحُّ من صبي مميز) لأنها لا تزيل ملكه في الحال، وتفيد الثواب بعد الموت، فصحت كسائر القربات، بخلاف الهبة والإعتاق، وهذا ما رجحه جمع من الأصحاب، فعلى هذا: لو وهب في مرض موته أو أعتق.. فقضية كلام الشيخين: الجزمُ بعدم نفوذه؛ لأن الوصية يمكن الرجوع فيها 4، بخلافهما.
وحكى الماوردي وغيره في نفوذ العتق والهبة: وجهين، ورجح السبكي منهما: المنع.
وَلَا رَقِيقٍ، وَقِيلَ: إِنْ عَتَقَ ثُمَّ مَاتَ.. صَحَّتْ. وَإِذَا وَصَّى لِجهَةٍ عَامَّةٍ.. فَالشَّرْطُ: أَلَّا تَكُونَ مَعْصِيَةً كَعِمَارَةِ كَنِيسَةٍ، أَوْ لِشَخْصٍ.. فَالشَّرْطُ: أَنْ يُتَصَوَّرَ لَهُ الْمِلْكُ؛ فَتَصِحُّ لِحَمْلٍ
وأفهم كلام المصنف: أن غير المميز لا تصحُّ منه قطعًا، وبه صرح الدارمي والمتولي.
(ولا رقيق) ولو مدبرًا ومكاتبًا وأم ولد؛ لأن الله تعالى جعل الوصية حيث التوارث، والعبد لا يورث فلم يدخل في الأمر بالوصية.
(وقيل: إن عتق ثم مات.. صحت) لأن عبارته صحيحة، وقد أمكن العمل بها، والصحيح: المنع؛ لعدم أهليته حينئذ.
(وإذا وصى لجهة عامة.. فالشرط: ألّا تكون معصيةً؛ كعمارة كنيسة) وكتابة التوراة والإنجيل، وكتب النجوم والفلسفة، وسائر العلوم المحرمة؛ لأن القصد من الوصية تداركُ ما فات في حال الحياة من الإحسان؛ فلا يجوز أن تكون معصية، وسواء أوصى بذلك مسلم أو كافر، بل حكى الشيخ عز الدين عن الأشعري: أن الوصية ببناء الكنيسة من المسلم.. ردة.
وإذا انتفت المعصية.. فلا فرق بين أن تكون قربة؛ كالفقراء وبناء المسَاجد، أو مباحة لا تظهر فيها القربة؛ كالوصية للأغنياء.
وأطلق منع الوصية بعمارة الكنيسة، ومحلُّه: في بناء كنيسة للتعبد، أما كنيسة ينزلها المارة، أو وقفها على قوم يسكنونها، أو يحمل كِراؤها للنصارى.. فتجوز، وقيل: إن خص نزولها بأهل الذمة.. لم يجز؛ لأن فيه جمعًا له، فيفضي إلى تعبدهم، واختاره السبكي، وقال: ينبغي تخصيص الجواز بما إذا لم يسمها باسم الكنيسة، فإن سماها باسمها.. بطل قطعًا.
(أو لشخص) معين وإن تعدد أفراده؛ كزيد وعمر وبكر (.. فالشرط: أن يتصور له الملك) عند الموت ولو بمعاقدة وليه، أو بإرثه؛ لأنها تمليك.
(فتصحُّ لحمل) كما يرث، بل أولى؛ لصحة الوصية لمن لا يرث؛ كالمكاتب، هذا في الحمل الموجود ولو نطفة، أما لو قال: (لحملها الذي سيحدث).. فالأصحُّ: البطلان.
وَتَنْفُذُ إِنِ انْفَصَلَ حَيًّا وَعُلِمَ وُجُودُهُ عِنْدَهَا؛ بِأَنِ انْفَصَلَ لِدُونِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِنِ انْفَصَلَ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَأَكْثَرَ وَالْمَرْأَةُ فِرَاشُ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ.. لَمْ يَسْتَحِقَّ، فَإِنْ لَمْ تكُنْ فِرَاشًا وَانْفَصَلَ لِأكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ سِنِينَ.. فَكَذَلِكَ، أَوْ لِدُونهِ.. اسْتَحَقَّ فِي الأَظْهَرِ
(وتنفذ إن انفصل حيًّا) بحياة مستقرة، فإن انفصل ميتًا ولو بجناية جان.. فلا شيء له؛ كما لا يرث.
(وعُلم وجوده عندها؛ بأن انفصل لدون ستة أشهر) من الوصية؛ لأنها أقلُّ مدة الحمل، فإذا خرج قبلها.. علم أنه كان موجودًا عند الوصية، وسواء كان لها زوج أو سيد أم لا.
(فإن انفصل لستة أشهر فأكثر والمرأة فراش زوج أو سيد.. لم يستحق) لاحتمال حدوثه بعد الوصية فلا يستحق بالشك، وقيده الإمام بما إذا ظن أنه يغشاها أو أمكن بأن كان معها في بلد ولا مانع، ويكفي من السيد إقرارُه بوطئها 1.
وإلحاقهم الستة أشهر هنا بما فوقها يخالف ما ذكروه في (الطلاق) و (العدة) من إلحاقها بما دونها، وصوبه في "المهمات" لأنه لا بدَّ من تقدير زمن للعلوق بلحظتي الوطء والوضع، وإمكان غَشَيانها 2.
ويستثنى من إطلاق المصنف: ما لو انفصل لدون ستة أشهر أحد توأمين ثم انفصل توأم آخر وبينه وبين الأول دون ستة أشهر.. فإنه يدخل في الوصية وإن زاد ما بين الوصية وبين انفصاله على ستة أشهر.
(فإن لم تكن فراشًا وانفصل لأكثر من أربع سنين.. فكذلك) للعلم بأنه لم يكن موجودًا عند الوصية، فإن أكثر الحمل أربعُ سنين.
(أو لدونه.. استحق في الأظهر) كما يثبت النسب، ولأن الظاهر وجودُه عند الوصية؛ لأن وطء الشبهة نادر، والزنا إساءة ظن، والثاني: المنع؛ لاحتمال العلوق بعد الوصية ويخالف النسب؛ فإنه يثبت بالإمكان، والوصية لا تثبت إلا باليقين.
قال السبكي: وصورته - كما يقتضيه كلام أبي الطيب -: في متوفى عنها أو
وَإِنْ وَصَّى لِعَبْدٍ فَاسْتَمَرَّ رِقُّهُ.. فَالْوَصِيَّةُ لِسَيِّدِهِ، فَإِنْ عَتَقَ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي.. فَلَهُ، وَإِنْ عَتَقَ بَعْدَ مَوْتِهِ ثُمَّ قَبِلَ.. بُنِيَ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ بِمَ تُمْلَكُ؟
مطلقة، أما من لم يعرف لها زوج ولا سيد.. فينبغي القطع بعدم الاستحقاق؛ لانتفاء الظهور حينئذ.
وذكر المصنف الضمير في قوله: (لدونه) تبعًا لـ "المحرر" 1 ليعود على (أكثر)، فيفيد أنه لو انفصل لأربع سنين بغير زيادة.. استحق.
(وإن وصى لعبد) لغيره وليس بمكاتب ولا مبعض (فاستمر رقه) إلى موت الموصي (.. فالوصية لسيده) عند موت الموصي؛ كما لو اصطاد أو احتطب، فلو قتل العبد الموصيَ.. لم تبطل الوصية 2، ولو قتله سيده.. كانت الوصية لقاتل.
ويقبلها العبد لا السيد وإن كانت الوصية له؛ لأن الخطاب ليس معه، ولا يفتقر قبول العبد إلى إذن السيد على الأصحِّ في المسألتين.
(فإن عتق قبل موت الموصي.. فله) لأن الوصية تملك بعد الموت، وهو حرٌّ حينئذ.
(وإن عتق بعد موته ثم قَبِل.. بُني على أن الوصية بمَ تملك؟ ) فإن قلنا بالموت أو موقوفة.. فللسيد، وإن قلنا: بالقبول.. فللعبد.
واحترز بقوله: (ثم قبل): عما لو قبل ثم عتق.. فهي للسيد.
واعلم: أنهم أطلقوا هنا كونَ الوصية للسيد، وفصلوا في (الوقف) و (الهبة) بين أن يقصد العبد نفسه؛ فيبطل في الجديد، أو السيد أو يطلق؛ فلسيده، قال السبكي: ولم يقل أحد هنا بهذا التفصيل، فيحتمل حمل كلامهم هنا على حالة الإطلاق، وإليه جنح ابن الرفعة 3، ويحتمل عدم مجيء التفصيل هنا.
والفرق: أنه قد يعتق قبل موت الموصي؛ فتكون الوصية له أو لا؛ فلسيده، بخلاف الهبة والوقف؛ فإن الاستحقاق فيهما ناجز، فأبطلنا فيما إذا قصد من ليس أهلًا للملك، وصححنا في غيره.
وَلَوْ وَصَّى لِدَابَّةٍ وَقَصَدَ تَمْلِيكَهَا أَوْ أَطْلَقَ.. فَبَاطِلَةٌ، فَإِنْ قَالَ: (لِيُصرَفَ فِي عَلْفِهَا).. فَالْمَنْقُولُ: صِحَّتُهَا. وَتَصِحُّ لِعِمَارَةِ مَسْجِدٍ،
وخرّج بعضهم صحةَ الوصية فيما إذا قصد العبد نفسه: على أن العبد يملك أم لا؟
(ولو وصى لدابة وقصد تمليكها أو أطلق.. فباطلة) لأن مطلق اللفظ للتمليك، والدابة لا تملك، بخلاف الإطلاق للعبد؛ فإنه ينتظم معه الخطاب ويتأتى منه القبول، وربما عتق قبل موت الموصي؛ فيثبت له الملك، بخلاف الدابة، وقد جزموا هنا بالبطلان، وذكروا في إطلاق الوقف عليها وجهين في كونه وقفًا على مالكها.
قال الرافعي: فيشبه مجيئهما هنا وقد يفرق: بأن الوصية تمليكٌ محض، فينبغي إضافته إلى من يملك، بخلاف الوقف، قال النووي: والفرق أصحُّ، وقال ابن الرفعة: في الفرق نظر من حيث إنه لا خلاف أن الموقوف عليه يملك المنفعة، والدابة لا تملك شيئًا 1، ورده السبكي بأن المنفعة تابعة للعين، وإنما يملكها عند التناول.
انتهى، وفيه نظر.
قال الزركشي: وقد حكى ابن يونس عن جده: أنه في حالة الإطلاق تكون على الوجهين في الوقف عليها، قال: وأولى بالصحة؛ لأن باب الوصية أوسع.
(فإن قال: "ليصرف في علفها".. فالمنقول: صحتها) لأن علفها على مالكها، فهو المقصود بالوصية، ويشرط قبوله على الأصحِّ؛ لأنه الذي يملكها؛ كسائر الوصايا.
وأشار بقوله: (المنقول) إلى احتمال للرافعي من مجيء وجهين؛ كنظيره من الوقف 2.
وضبط المصنف بخطه (علفها)، بإسكان اللام وفتحها، وهو صحيح، فبالإسكان: المصدر، وبالفتح: المأكول.
(وتصحُّ لعمارة مسجد) إنشاءً وترميمًا؛ لأنه قربة، وسواء المسلم والكافر، وكذا تصحُّ على مصالح المسجد.
وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ فِي الأَصحِّ ويُحْمَلُ عَلَى عِمَارَتِهِ وَمَصَالِحِهِ، وَلِذِمِّيٍّ،
(وكذا إن أطلق في الأصحِّ) فإن قال: (أوصيت به للمسجد).. فيصحُّ.
(ويحمل على عمارته ومصالحه) عملًا بالعرف، ويصرفه الناظر إلى الأهم والأصلح باجتهاده، والثاني: تبطل؛ لأنه لا يملك؛ كالدابة، وردّه الإمام؛ بأن الوصية للدابة نادر مستنكر في العرف، فتعين اعتبار اللفظ 1.
وسكت المصنف عما إذا قال: (أردت تمليك المسجد)، ونقل الرافعي عن بعضهم: أن الوصية باطلة، ثم بحث فيه؛ لأن للمسجد ملكًا وعليه وقفًا، وذلك يقتضي صحة الوصية، قال المصنف: وهذا هو الأفقه الأرجح 2، وقال ابن الرفعة: في كلام الرافعي ما يفهم جواز الهبة للمسجد، قال ابن الملقن: (وبه صرح القاضي في "تعليقه" في "باب الوقف" 3.
والكعبة في ذلك كالمسجد؛ كما صرح به في "البيان" نقلًا عن الشيخ أبي علي، قال: ويصرف إلى عمارتها 4، وقيل: إلى مساكين مكة.
قال ابن الملقن: (وينبغي إلحاق الكسوة بالعمارة؛ فإنها من جملة المصالح، وكذا ما أوصي به للضريح النبوي يحمل على ما يختص به دون الأشياء الخارجة عنه في حرمه؛ فإنها قد تدخل في الوصية للحرم) 5.
(ولذمي) كما يجوز التصدق عليه، وروى البيهقي: (أن صفية أوصت لأخيها بألف دينار وكان يهوديًّا) 6.
وعن محمد بن الحنفية وعطاء وقتادة في قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾: هو وصية المسلم لليهودي والنصراني 7، والمعاهدُ والمستأمن: كالذمي.
وَكَذَا حَرْبِيٌّ وَمُرْتَدٌّ فِي الأَصَحِّ، وَقَاتِلٌ فِي الأَظْهَرِ،
ومحلُّ الصحة: بما يجوز له تملكه؛ فلا يصحُّ بالمصحف والعبد المسلم على النصِّ.
(وكذا حربي ومرتد في الأصحِّ) كالهبة والصدقة والبيع، ويفارق الوقف؛ لأنه يراد للدوام، وهذان مقتولان، والثاني المنع؛ للأمر بقتلهما، فلا معنى للوصية لهما ونقض التعليل: بالزاني المحصن؛ فإن الوصية تصحُّ له مع كونه مقتولًا.
ومحلُّ الخلاف في الحربي: إذا أوصى له بغير السلاح والخيل، فإن أوصى له بشيء منهما.. فهو كبيعه منه.
ومسألة المرتد من زوائد الكتاب على "المحرر" من غير تمييز، وإنما تأتي على القول ببقاء ملكه، كما قاله صاحب "الذخائر" وغيره، وحينئذ: فهذا من تفريع المرجوح.
وصورة المسألة: أن يوصي لشخص وهو مرتد، فلو أوصى لمن يرتد.. بطل، أو لمسلم فارتد.. فهي جائزة قطعًا، ذكرهما الماوردي 1.
(وقاتل في الأظهر) لأنها تمليك بعقد فضاهت الهبة، وخالفت الإرث، والثاني: المنع؛ لأنه مال مستحق بالموت؛ كالإرث، وخص ابن يونس في "شرح التعجيز" وابن الرفعة الخلافَ بالقاتل الحرّ 2؛ فلو أوصى للقاتل الرقيق.. صحت قطعًا، ولا حاجة إليه فإن الوصية لسيده وليس قاتلًا، ولهذا لو قتله السيد.. كانت وصية للقاتل.
وقد استشكل محلُّ الخلاف؛ فإنه إن كان فيما إذا أوصى لمن يقتله.. لم يصحَّ قطعًا، أو فيما إذا أوصى لشخص فقتله.. فليس بقاتل حقيقة عند الوصية قطعًا، والخلاف في هذه الحالة إنما يتجه في بطلانها لا في انعقادها؛ ولهذا قال صاحب "الذخائر": إن في العبارة تسمحًا، وتحريرها أن يقال: إذا قتل الموصى له الموصي أو وجد منه ما ينسب به القتل إليه.. هل تبطل الوصية أو لا؟ قولان.
وَلِوَارِثٍ فِي الأَظْهَرِ إِنْ أَجَازَ بَاقِي الْوَرَثَةِ، وَلَا عِبْرَةَ بِرَدِّهِمْ وَإِجَازَتِهِمْ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، وَالْعِبْرَةُ فِي كَوْنِهِ وَارِثًا بِيَوْمِ الْمَوْتِ. وَالْوَصِيَّةُ لِكُلِّ وَارِثٍ بقَدْرِ حِصَّتِهِ.. لَغْوٌ، وَبِعَيْنٍ هِيَ قَدْرُ حِصَّتِهِ.. صَحِيحَةٌ، وَتَفْتَقِرُ إِلَى الإِجَازَةِ فِي الأَصَحِّ. وَتَصِحُّ بِالْحَمْلِ وَيُشْتَرَطُ انْفِصَالُهُ
(ولوارث) خاص (في الأظهر إن أجاز باقي الورثة) المطلقين التصرف؛ لما رواه البيهقي عن ابن عباس مرفوعًا: "لَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ"، قال الذهبي: في "مختصره" وهو: صالح الإسناد 1، وقياسًا على الوصية للأجنبي بالزائد على الثلث، والثاني: باطلة وإن أجازوها؛ لأنه صحَّ: "لا وَصِيَّةَ لوَارِثٍ" 2.
(ولا عبرة بردِّهم وإجازتهم في حياة المُوصي) إذ لا استحقاق لهم قبل موته وقد يبرأ وقد يموتون قبله، وأفهم اعتباره: بعد موته ولو قبل القسمة وهو الصحيح، وقيل: كالإجازة قبل الموت.
(والعبرة في كونه وارثًا بيوم الموت) أي: حالة الموت، فلو أوصى لأخيه فحدث له ابن قبل موته.. صحت، ولو أوصى لأخيه وله ابن فمات قبل الموت.. فهي وصية لوارث.
(والوصية لكلِّ وارث بقدر حصته) مشاعًا؛ من نصف وربع ونحوهما بحسب فرض الوارث (.. لغو) لأنه يستحقه بغير وصية.
(وبعين هي قدر حصته.. صحيحة، وتفتقر إلى الإجازة في الأصحِّ) لا ختلاف الأغراض في الأعيان ومنافعها؛ ولهذا لو أوصى ببيع عين ماله لزيد.. صحت الوصية على الأصحِّ، والثاني: لا يفتقر إليها؛ لأن حقوقهم في قيمة التركة لا في عينها، بدليل أنه لو باع المريض التركةَ بأثمان أمثالها.. صحَّ وإن لم يرضوا بذلك.
(وتصحُّ بالحمل) الموجود؛ كإعتاقه، (ويشترط) لصحة الوصية به (انفصاله
حَيًّا لِوَقْتٍ يُعْلَمُ وُجُودُهُ عِنْدَهَا، وَبِالْمَنَافِعِ، وَكَذَا بِثَمَرَةٍ أَوْ حَمْلٍ سَيَحْدُثَانِ فِي الأَصَحِّ، وَبِأَحَدِ عَبْدَيْهِ، وَبِنَجَاسَةٍ يَحِلُّ الانْتِفَاعُ بِهَا
حيًّا لوقت يعلم وجوده عندها) أي: عند الوصية؛ كما سبق في الوصية له، ويرجع إلى أهل الخبرة في حمل البهائم.
وقضية كلامه: البطلان إذا انفصل ميتًا مطلقًا، ويستثنى: ما لو انفصل بجناية جان.. فإن الوصية لا تبطل وتنفذ من الضمان؛ لأنه انفصل مُتقوَّمًا، بخلاف ما إذا أوصى لحمل وانفصل ميتًا بجناية جان.. فإنها تبطل؛ لأن المعتبر هناك المالكية 1.
(وبالمنافع) المباحة وحدها مؤبدة ومطلقة؛ لأنها أموال تقابل بالأعواض؛ كالأعيان، وكذا تصحُّ بالعين دون المنفعة، وبالعين لواحد والمنفعة لآخر.
(وكذا بثمرة أو حمل سيحدثان في الأصحِّ) لأن الوصية احتمل فيها وجوه من الغرر؛ رفقًا بالناس وتوسعة، فصحت بالمعدوم كما تصحُّ بالمجهول، والثاني: المنع؛ لأن التصرف يستدعي متصرفًا فيه ولم يوجد، والثالث: تصحُّ بالثمرة دون الحمل؛ لأنها تحدث من غير إحداث أمر في أصلها، بخلاف الولد، وإذا قلنا بالصحة في الحمل فولدته لأقلَّ من ستة أشهر.. لم يكن موصى به؛ لأنه كان موجودًا، وإنما أوصى بما سيحدث.
(وبأحد عبديه) لأن الوصية تحتمل الجهالة، فلا يؤثر فيها الإبهام ويعين الوارث، بخلاف: (أوصيت لأحد الرجلين)، فإنه باطل في الأصحّ؛ فإنه يحتمل في الموصى به ما لا يحتمل في الموصى له، ولهذا صحت: (بحمل سيحدث) لا (لحمل سيحدث).
نعم؛ لو قال: (أعطوا لأحد الرجلين كذا).. صحَّ؛ كما لو قال لوكيله: (بع لأحد الرجلين).
(وبنجاسة يحلُّ الانتفاع بها) لثبوت الاختصاص فيها وانتقالها بالإرث والهبة، وخرج ما لا يحلُّ الانتفاع به؛ كالخنزير وفرعه، والكلب العقور، والخمر غير المحترمة.
كَكَلْبٍ مُعَلَّمٍ وَزِبْلٍ وَخَمْرٍ مُحْتَرَمَةٍ. وَلَوْ أَوْصَى بِكَلْبٍ مِنْ كِلَابِهِ.. أُعْطِيَ أَحَدَهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَلْبٌ.. لَغَتْ،
(ككلب مُعلَّم) على الصحيح؛ لجواز اقتنائه.
وقوله: (معلَّم): يفهم المنع في الجرو القابل للتعلم، والأصحُّ: جوازه بناء على جواز اقتنائه لذلك، وكذا تجوز الوصية بكلب يتخذ للدور وإن لم يكن معلَّمًا؛ لأنه يدافع بطبعه.
(وزِبْل) ونحوه مما ينتفع به؛ كالسَّماد، (وخمر محترمة) وهو ما عصر بقصد الخلية أو لا يقصد الخمر به على الخلاف فيه.
نعم؛ لو استحكمت المحترمة وأيس من عودها خلًّا إلا بصنع آدمي.. لم يجز إمساكها على الأشبه عند ابن الرفعة، وقياسه: بطلان الوصية بها.
(ولو أوصى بكلب من كلابه.. أُعطي أحدَها) والخيرة للوارث إن كان الموصى له صاحب صيد وزرع وحرث، فإن لم يعان واحدًا منها 1.. ففي بطلان الوصية وجهان في "الحاوي" 2، قال الأَذْرَعي: الأقرب: المنع، وقد صححه في "شرح المهذب" بالنسبة إلى جواز اقتنائه.
وإن عانى أحدَها فقط، فهل يلزم الوارث ما يناسبه دون غيره أو يتخير فيعطيه ما شاء؟ وجهان: قال: المنكت: أوفقهما لإطلاقهم: لا يلزم 3، لكن جزم الدارمي بأنه يعطى ما يليق به، قال الأَذْرَعي: وهو المختار.
(فإن لم يكن له كلب.. لغت) سواء قال: (من كلابي) أو (مالي)، بخلاف: (أعطوه عبدًا من مالي).. فإنه يشترى له؛ لإمكانه، بخلاف الكلب؛ فإنه يتعذر شراؤه، ولو تجدد له كلب.. قال الأَذْرَعي: فيشبه أن يكون على وجهين: أقربهما: الصحة؛ نظرًا إلى حالة الموت، لا حالة الوصية.
وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ وَكِلَابٌ وَوَصَّى بِهَا أَوْ بِبَعْضِهَا.. فَالأَصَحُّ: نُفُوذُهَا وَإِنْ كَثُرَتْ وَقَلَّ الْمَالُ. وَلَوْ أَوْصَى بِطَبْلٍ وَلَهُ طَبْلُ لَهْوٍ وَطَبْلٌ يَحِلُّ الانْتِفَاعُ بِهِ كَطَبْلِ حَرْبِ أَوْ حَجِيجٍ.. حُمِلَتْ عَلَى الثَّانِي، وَلَوْ أَوْصَى بِطَبْلِ اللَّهْوِ.. لَغَتْ إِلَّا أَنْ يَصْلُحَ لِحَرْبٍ أَوْ حَجِيجٍ
(ولو كان له مال وكلاب ووصَّى بها أو ببعضها.. فالأصحُّ: نفوذها وإن كثرت وقلَّ المال) ولو كان دانقًا؛ إذ المعتبر أن يبقى للورثة ضعف الموصى به، وقليلُ المال خيرٌ من كثير الكلاب؛ إذ لا قيمة لها، والثاني: يقدر أنه لا مال له، وتنفذ في ثلث الكلاب؛ لأن الكلاب ليست من جنس المال، والثالث: تقوَّم الكلاب أو منافعها على خلاف فيه، وتضم إلى ماله وتنفذ الوصية في ثلث الجميع؛ أي: في قدره من الكلاب.
ولو أوصى بثلث المال لرجل، وبالكلاب لآخر.. قال القاضي أبو الطيب: تنفذ الوصية بجميع الكلاب؛ لأن ثلثي المال الذي يبقى للورثة.. خيرٌ من ضعف الكلاب، واستبعده في "الشامل"؛ لأن ما يأخذه الورثة من الثلثين هو حقهم؛ لنفوذ الوصية في الثلث، فلا يجوز أن يحسب عليهم مرة أخرى في وصية الكلاب، قال في "الروضة": وهذا أصحُّ 1.
(ولو أوصى بطبل وله طبل لهْوٍ وطبلٌ يحلُّ الانتفاع به؛ كطبل حرب أو حجيج.. حملت على الثاني) حملًا على الصحة؛ إذ الظاهر: أنه يقصد الثواب، وهو فيما تصحُّ الوصية به، هذا إذا لم يصلح طبل اللهو لمنفعة مباحة؛ فإن صلح لها.. يخير الوارث؛ كما صرح به الأصحاب، وكلام المصنف الآتي يشير إليه.
(ولو أوصى بطبل اللهو.. لغت) لأنه معصية (إلّا أن يصلح لحرب أو حجيج) ونحوهما؛ كطبل البازي، أو منفعة أخرى مباحة، وسواء صلح على هيئته أو بعد تغير يبقى معه اسم الطبل؛ فإن لم يصلح إلا بتغير يزيل اسمه.. لغت الوصية، كذا أطلقوه، وقال الإمام والغزالي: إذا كان من جوهر نفيس.. صحت؛ وكأنه أوصى برضاضه إذا كسر، والتعليق لا يقدح في الوصية 2.
فصَلٌ [في الوصية لغير الوارث وحكم التبرعات في المرض]
يَنْبَغِي أَلَّا يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ، فَإِنْ زَادَ وَرَدَّ الْوَارِثُ.. بَطَلَتْ فِي الزَّائِدِ، وَإِنْ أَجَازَ.. فَإِجَازَتُهُ تَنْفِيذٌ، وَفِي قَوْلٍ: عَطِيَّة مُبْتَدَأَةٌ، وَالْوَصِيَّةُ بِالزِّيَادَةِ لَغْوٌ. وَيُعْتَبَرُ الْمَالُ يَوْمَ الْمَوْتِ، وَقِيلَ: يَوْمَ الْوَصِيَّةِ
(فصل: ينبغي ألَّا يوصي بأكثر من ثلث ماله) لقوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثيرٌ" متفق عليه 1.
وقال القاضي والبَنْدَنيجي والماوردي: لا تجوز الزيادة على الثلث 2، وقال المتولي والبغوي والخوارزمي وابن أبي عصرون: تكره الزيادة 3.
(فإن زاد وردّ الوارث.. بطلت في الزائد) بالإجماع؛ لأنه حقه، وهذا في الوارث الخاص، فإن لم يكن له وارث خاص.. فالزيادة على الثلث باطلة [على الصحيح]؛ لأن الحقَّ للمسلمين، فلا مجيز.
(وإن أجاز) المطلق التصرف في ماله (.. فإجازته تنفيذ) أي: إمضاء لتصرف الموصي، وتصرفه موقوف على الإجازة؛ لأنه تصرف مصادف لملك، وحقُّ الوارث إنما يثبت في أثناء الحال، فأشبه بيع الشقص المشفوع، (وفي قول: عطيَّة مبتدأة، والوصية بالزيادة لغو) للنهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، ولأنها حق الوارث.
(ويعتبر المال يوم الموت) لأن الوصية تملك بعد الموت، وحينئذ تلزم، (وقيل: يوم الوصية) كما لو نذر التصدق بثلث ماله.. اعتبر يوم النذر، وردّ: بأن ذلك وقت اللزوم، فهو نظير الموت في الوصية.
وفائدة الخلاف: فيما لو زاد ماله بعد الوصية أو هلك الموجود عندها، ثم اكتسب غيره.. فتتعلق الوصية به على الأول، لا على الثاني.
ويُعْتَبَرُ مِنَ الثُّلُثِ أَيْضًا عِتْقٌ عُلِّقَ بِالْمَوْتِ، وَتَبَرُّعٌ نُجِّزَ فِي مَرَضِهِ كَوَقْفٍ وَهِبَةٍ وَعِتْقٍ وَإِبْرَاءٍ. وَإِذَا اجْتَمَعَ تَبَرُّعَاتٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَوْتِ وَعَجَزَ الثُّلُثُ؛ فَإِنْ تَمَحَّضَ الْعِتْقُ.. أُقْرِعَ، أَوْ غَيْرُهُ.. قُسِّطَ الثُّلُثُ، أَوْ هُوَ وَغَيْرُهُ.. قُسِّطَ بِالْقِيمَةِ، وَفِي قَوْلٍ: يُقَدَّمُ الْعِتْقُ.
(ويعتبر من الثلث أيضًا عتق علّق بالموت) سواء علق في الصحة أو في المرض.
(وتبرّع نُجِّز في مرضه؛ كوقف وهبة وعتق وإبراء) لحديث: "إِنَّ الله تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ" رواه ابن ماجه، وفي إسناده مقال 1.
ويستثنى من العتق المنجز: عتق أم الولد في مرضه.. فإنها تعتق من رأس المال؛ كما سيأتي، مع أنه تبرع نجّز في المرض.
واحترز بقوله: (تبرع): عن الاستيلاد؛ فإنه ليس بتبرع، بل إتلاف واستمتاع، فهو من رأس المال.
(وإذا اجتمع تبرعات متعلقة بالموت وعجز الثلث؛ فإن تمحض العتق) كقوله: (إذا مت.. فأنتم أحرار)، أو (أعتقتكم بعد موتي) (.. أقرع) فمن قرع.. عتق منه ما يفي بالثلث؛ لأن مقصود العتق التخلص من الرق، ولا يحصل مع التشقيص، وسواء وقع ذلك معًا أو مرتبًا.
(أو غيرُه.. قُسّط الثلث) على الجميع باعتبار القيمة أو المقدار؛ فلو أوصى لزيد بمئة ولعمرو بخمسين ولبكر بخمسين وثلث ماله مئة.. أُعطي زيد خمسين، ولكلِّ واحد خمسة وعشرون، ولا يقدم بعضها على بعض بالسبق؛ لأن الوصايا إنما تملك بالموت، فاستوى حكم المتقدم والمتأخر، هذا كلُّه عند الإطلاق، وأما لو قال: (أعتقوا سالمًا بعد موتي ثم غانمًا)، أو (ادفعوا إلى زيد مئة ثم إلى عمرو مئة).. قدم ما قدّمه قطعًا.
(أو هو وغيره) كأن أوصى بعتق سالم ولزيد بمئة (.. قُسّط) الثلث (بالقيمة) لاتحاد وقت الاستحقاق، (وفي قول: يقدم العتق) لقوته؛ لتعلق حق الله به وحق
أَوْ مُنَجَّزَةٌ.. قُدِّمَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ حَتَّى يَتِمَّ الثُّلُثُ. فَإِنْ وُجِدَتْ دُفْعَةً وَاتَّحَدَ الْجِنْسُ كَعِتْقِ عَبِيدٍ أَوْ إِبْرَاءِ جَمْعٍ.. أُقْرِعَ فِي الْعِتْقِ وَقُسِّطَ فِي غَيْرِهِ
الآدمي، قال الرافعي: هذا في وصايا التمليك مع العتق، أما إذا أوصى للفقراء بشيء وبعتق عبد.. فقال البغوي: هما سواء؛ لاشتراكهما في القربة، وقطع الشيخ أبو علي بطرد القولين؛ لوجود القوة والسراية، قال في "الروضة": وهذا أصحُّ.
انتهى 1.
ولهذا أطلق المصنف الخلاف، وإذا سوينا فكان العبيد جماعة.. أقرع بينهم فيما يخصهم.
ويستثنى من إطلاق المصنف: مسألة وهي: ما لو دبر عبده وقيمته مئة، وأوصى له بمئة وثلث ماله مئة.. فإنه يعتق كلُّه ولا شيء للوصية على الأصحِّ.
(أو منجزةٌ) بأن أعتق وتصدق، ووقف وأبرأ، ووهب وأقبض (.. قدّم الأول فالأول حتى يتم الثلث) لقوته ونفوذه؛ لأنه لا يفتقر إلى إجازة، بخلاف ما زاد على الثلث؛ فإن نفوذه يتعلق بإجازتهم.
وإنما قيدت الهبة بالإقباض؛ لأن تقديم الهبة لا يؤثر بلا قبض؛ لأن ملكها بالقبض؛ فلو وهب المريض ثم أعتق، أو حابى في بيع ثم أقبض الموهوب.. قدّم العتق والمحاباة، ولا تفتقر المحاباة في بيع ونحوه إلى قبض؛ لأنها في ضمن معاوضة.
(فإن وجدت دُفعةً) إما منه كقوله: (أعتقتكم) أو (أبرأتكم)، أو بوكالة (واتحد الجنس؛ كعتق عبيد أو إبراء جمع.. أقرع في العتق) خاصة (وقسِّط في غيره) باعتبار القيمة؛ لأن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته لم يكن له عند موته مال غيرهم، فدعاهم النبي صلى الله عليه وسلم فجزأهم أثلاثًا، وأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرقّ أربعة، وقال له قولًا شديدًا، رواه مسلم 2، ولأن القصد من الإعتاق تخليصُ الرقبة، ولا يحصل هذا الغرض مع بقاء رق بعضه، والمقصودُ في الهبة ونحوها: التمليك، والتشقيص لا ينافيه.
وَإِنِ اخْتَلَفَ وَتَصَرَّفَ وُكَلَاءُ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عِتْقٌ.. قُسِّطَ، وَإِنْ كَانَ.. قُسِّطَ، وَفِي قَوْلٍ: يُقَدَّمُ الْعِتْقُ. وَلَوْ كَانَ لَهُ عَبْدَانِ فَقَطْ؛ سَالِمٌ وَغَانِمٌ، فَقَالَ: (إِنْ أَعْتَقْتُ غَانِمًا فَسَالِمٌ حُرٌّ)، ثُمَّ أَعْتَقَ غَانِمًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ.. عَتَقَ وَلَا إِقْرَاعَ
(وإن اختلف) الجنس (وتصرَّف وكلاء) بأن وكل وكيلًا في بيع بمحاباة، وآخر في هبة، وآخر في صدقة ونحوها وتصرفوا دفعة واحدة، (فإن لم يكن فيها عتق.. قُسّط) الثلث على الكلِّ باعتبار القيمة؛ كما يفعل في الديون (وإن كان) فيها عتق (.. قُسّط، وفي قول: يقدم العتق) هما القولان السابقان بتعليلهما، وصوره المصنف بالوكلاء؛ لأنه الغالب، وقد يكون منه؛ بأن يقال له: (أعتقت) و (أبرأت) و (وقفت)؟ فيقول: نعم.
وبقي من أقسام المسألة: ما لو وجدت منه تبرعات منجزة وأُخَر معلقة بالموت.. فتقدم المنجزة؛ لأنها تفيد الملك في الحال، ولازمة لا يتمكن المريض من الرجوع عنها.
(ولو كان له عبدان فقط؛ سالم وغانم، فقال: "إن أعتقت غانمًا.. فسالم حرّ" ثم أعتق غانمًا في مرض موته.. عتق) غانم لسبقه (ولا إقراع) على الصحيح؛ لأن القرعة قد تؤدي إلى إرقاقهما معًا؛ لجواز خروجها على سالم، فيلزم إرقاق غانم، ولا يمكن عتق سالم؛ لأنه مشروط بعتق غانم، والمشروط بدون شرطه محال، وقيل: يقرع، كما لو قال: أعتقتكما.
وقوله: (فقط): من زياداته على "المحرر" 1، وفيه إشكال؛ لأنه إما أن يريد: لا مال له سواهما، أو لا عبيد؛ إن أراد الأول.. لم يستقم قوله آخرًا: (عتق)؛ فإنه حينئذ إنما يعتق من غانم ثلثاه إن تساوت قيمتهما، وإن تفاوتا.. فبقدر الثلث، وإن أراد الثاني -وهو ظاهر تصوير "الشرح" و"الروضة" 2 -.. فينبغي حمله على ما إذا كان الثلث لا يُخرِجُ إلا أحدهما، أما إذا احتملهما الثلث.. فيعتقان؛ غانم بالمباشرة، وسالم بالصفة.
وَلَوْ أَوْصَى بعَيْنٍ حَاضِرَةٍ هِيَ ثُلُثُ مَالِهِ وَبَاقِيهِ غَائِبٌ.. لَمْ تُدْفَعْ كُلُّهَا إِلَيْهِ فِي الْحَالِ، وَالأَصَحُّ: أَنَّهُ لَا يَتَسَلَّطُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي الثُّلُثِ أَيْضًا.
فصلٌ [في بيان المرض المخوف ونحوه]
إِذَا ظَنَنَّا الْمَرَضَ مَخُوفًا.. لَمْ يَنْفُذْ تَبَرُّعٌ زَادَ عَلَى الثُّلُثِ، فَإِنْ بَرَأَ.. نَفَذَ
(ولو أوصى بعين حاضرة هي ثلث ماله، وباقيه غائب.. لم تدفع كلُّها إليه في الحال) لأنه ربما تلف الغائب، فلا يحصل للورثة مِثْلا ما حصل للموصى له.
(والأصحُّ: أنه لا يتسلط على التصرف في الثلث أيضًا) أي: ثلث العين؛ لأن تسليطه يتوقف على تسليط الورثة على مثلي ما تسلط عليه، ولايمكن تسليطهم؛ لاحتمال سلامة الغائب، فيحصل للموصى له الجميع، والثاني: يتسلط؛ لأن استحقاقه لهذا القدر متيقن.
وحكم الدين حكم الغائب، وقد صرح به في "التنبيه" 1.
(فصل: إذا ظننَّا المرض مَخُوفًا.. لم ينفذ تبرُّع زاد على الثلث) لأنه محجور عليه فيه، و (المخوف): كلُّ ما يستعد الإنسان بسببه لما بعد الموت بالإقبال على الأعمال الصالحة، وضبطه الماوردي: بما لا يتطاول بصاحبه معه الحياة 2.
ولا يشترط في كونه مخوفًا حصول الموت به، بل يكفي ألّا يكون نادرًا بدليل البِرْسَامِ، كذا نقلاه عن الإمام، وأقراه 3.
(فإن برأ.. نفذ) الجميع قطعًا؛ لأنه تبين صحة تبرعه، وأن ذلك المرض لم يكن مخوفًا، وإن لم يبرأ بل مات به.. لم ينفذ الزائد على الثلث.
هذا كلُّه إذا لم ينته إلى حالة يقطع فيها بموته عاجلًا، فإن انتهى إلى ذلك.. فلا اعتبار بكلامه في الوصية وغيرها.
وَإِنْ ظَنَنَّاهُ غَيْرَ مَخُوفٍ فَمَاتَ؛ فَإِنْ حُمِلَ عَلَى الْفَجْأَةِ.. نَفَذَ، وَإِلَّا.. فَمَخُوفٌ. وَلَوْ شَكَكْنَا فِي كَوْنِهِ مَخُوفًا.. لَمْ يَثْبُتْ إِلَّا بِطَبيبَيْنِ حُرَّيْن عَدْلَيْنِ. وَمِنَ الْمَخُوفِ: قُولِنْجٌ، وَذَاتُ جَنْبٍ، وَرُعَافٌ دَائِمٌ، وَإِسْهَالٌ مُتَوَاتِرٌ، وَدِقٌّ، وَابْتِدَاءُ
(وإن ظنناه غير مخوف فمات) أي: اتصل به الموت (فإن حمل على الفجأة.. نفذ) جميع تبرعه، (وإلا) أي: وإن لم يحمل على الفجأة (.. فمخوف) فلا ينفذ ما زاد على الثلث، وكلام المصنف مبهم؛ فإنه لا يدرى منه ما المحمول على الفجأة من غيره؟ ! وقال في "أصل الروضة": (إذا رأينا المرض غير مخوف فاتصل به الموت.. فينظر؛ إن كان بحيث لا يحال عليه الموت؛ كوجع الضرس ونحوه.. فالتبرع نافذ، والموت محمول على الفجأة، وإن كان غيره؛ كإسهال يوم أو يومين.. تبينا باتصال الموت به كونه مخوفًا، وكذلك حمى يوم أو يومين، قاله في "الوسيط") 1 انتهى.
فإن قيل: ما الفائدة في حكمنا بأنه غير مخوف مع أنه إذا اتصل به الموت.. ألحق بالمخوف؟ أجيب: بأن فائدته إذا قتله قاتل، أو غرق، أو سقط من سطح.. فإنه يكون من رأس المال، بخلاف ما إذا كان مخوفًا ثم قتل أو غرق.. فإنه يحسب من الثلث؛ كما حكاه في "زيادة الروضة" عن البغوي وأقرّه 2.
(ولو شككنا في كونه مخوفًا.. لم يثبت إلا بطبيبين حرين عدلين) مقبولي الشهادة؛ لأنه تعلق به حقُّ آدمي من الموصى له والوارث، فاشترط فيه شروط الشهادة كغيرها.
(ومن المخوف: قُولنْج) وهو أن ينعقد الطعام في بعض الأمعاء فلا ينزل، ويصعد بسببه البخار إلى الدماغ فيهلك، (وذات جَنْب) وهو قروح تحدث في داخل الجنب بوجع شديد، ثم تنفتح في الجنب ويسكن الوجع، وذلك وقت الهلاك، (ورعاف دائم) لأنه ينزف الدم، وتسقط القوة، (وإسهال متواتر) فإنه يسقط القوة، (ودِقٌّ) بكسر الدال، وهو داء يصيب القلب، ولا تمتد معه الحياة غالبًا، (وابتداء
فَالِجٍ، وَخُرُوجُ الطَّعَامِ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ، أَوْ كَانَ يَخْرُجُ بِشِدَّةٍ وَوَجَعٍ، أَوْ وَمَعَهُ دَمٌ، وَحُمَّى مُطْبِقَةٌ، أَوْ غَيْرُهَا
فالج) وهو استرخاء عام لأحد شقي البدن طولًا، وسببه: غلبة الرطوبة والبلغم، وإنما كان ابتداؤه مخوفًا؛ لأنه إذا هاج.. ربما أطفأ الحرارة الغريزية، وإذا استمر.. لم يخف منه الموت عاجلًا، فلا يكون مخوفًا.
(وخروج الطعام غيرَ مستحيل، أو كان يخرج بشدة ووجع) ويسمى: (الزحير)، (أو ومعه دم) من الكبد ونحوها من الأعضاء الشريفة؛ لأنه يسقط القوة.
وقضيته: أن خروج الطعام على هذه الصفة مخوف وإن لم يكن إسهال، قال السبكي: وهو بعيد، فكان الأصوب ذكره عقب قوله: (وإسهال متواتر)؛ فإنه من تتمته، وكذا صنع في "المحرر" فقال: (والإسهال إن كان متواترًا، وكذا إذا خرج الطعام غير مستحيل... ) إلى (أو معه دم) 1.
(وحمّى مطبقة) أي: ملازمة؛ لأن إطباقها يذهب القوة التي هي دوام الحياة، هذا إذا جاوز الإطباق يومين، وفي وجه: هي مخوفة من أول حدوثها، وهو ظاهر تعبير المصنف.
وعلى الأول: لو اتصل الموت بحمى يوم أو يومين.. نظر؛ فإن تبرع قبل أن يعرق.. فمن الثلث ويتبين أنها مخوفة، أو بعده.. فمن رأس المال، نقلاه عن البغوي والمتولي وأقرّاه، وهذا يقيد إطلاق ما تقدم عن "الوسيط"، ونبه عليه الرافعي 2.
(أو غيرها) أي: غير المطبقة، وهي أنواع: (وِرْد) وهي: التي تأتي في كل يوم.
و (غِبّ) وهي: التي تأتي يومًا، وتقلع يومًا، و (ثِلْث) وهىِ: التي تأتي يومين وتنقطع في الثالث، و (حمى الأخوين) وهي: التي تأتي يومين وتنقطع يومين.
إِلَّا الرِّبْعَ. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالْمَخُوفِ: أَسْرُ كُفَّارٍ اعْتَادُوا قَتْلَ الأَسْرَى، وَالْتِحَامُ قِتَالٍ بَيْنَ مُتَكَافِئَيْنِ، وَتَقْدِيمٌ لِقِصَاصٍ أَوْ رَجْمٍ، وَاضْطِرَابُ رِيحٍ وَهَيَجَانُ مَوْجٍ فِي رَاكِبِ سَفِينَةٍ،
ويدخل في قوله: (أو غيرها): اليسيرة وليست بمخوفة؛ فكان ينبغي أن يقيده بـ (الشديدة).
(إلا الرِّبع) وهي التي تأتي يومًا وتقلع يومين؛ لأنه يقوى في يومي الإقلاع.
وأفهم قول المصنف: (ومن المخوف): عدم انحصار الأمراض المخوفة فيما ذكرها، وهو كذلك بل هي كثيرة، ومنها: الطاعون عافانا الله تعالى منه، فإذا وقع ببلد.. فمخوف في حق من أصابه قطعًا، وكذا في حق من لم يصبه على الأصحِّ في "الشرح الصغير" و"زيادة الروضة" 1، وفي "الكافي": إن من أصابه مخوف، وإذا وقع في البلد في أمثاله: فهو مخوف على الأصحِّ.
قال الأَذْرَعي: وقوله: (في أمثاله) قيد حسن لا بدّ منه على ما شاهدناه.
(والمذهب: أنه يلحق بالمخوف: أسرُ كفار، اعتادوا قتل الأسرى، والتحامُ قتال بين متكافئين، وتقديم لقصاص أو رجم، واضطراب ريح وهيجان موج في راكب سفينة) اعلم: أن الشافعي نصّ في التقديم للقصاص: على أنه غير مخوف، وفي الباقي: على أنه مخوف 2، وفيه طريقان: أصحُّهما: قولان في الجميع، أصحُّهما: أنها تلحق بالمخوف؛ لأنه يخاف منها الهلاك؛ كالمرض وأولى؛ لأنه أسرع إتلافًا، ولا يندفع بدواء، والثاني: المنع؛ لأنه لم يلاقِ البدن وإنما يخاف منه قرب الأجل؛ كالهدم.
والطريق الثاني: تقرير النصين، والفرق: أن المقتص قد يرق فيعفو طمعًا في الثواب، أو المال.
وقوله: (أسر كفار) مثال جرى على الغالب، فلو اعتاده البغاة أو قطاع الطريق..
وَطَلْقُ حَامِلٍ، وَبَعْدَ الْوَضْعِ مَا لَمْ تَنْفَصِلِ الْمَشِيمَةُ
فينبغي أن يكون الحكم كذلك.
واحترز بقوله: (اعتادوا): عما إذا لم يعتادوه؛ كالروم.. فليس بمخوف.
واحترز بـ (الالتحام): عما قبله؛ فليس بمخوف وإن تراموا بالنُّشَّاب والحِراب.
واحترز بـ (المتكافئين): عما إذا لم يتكافأا.. فإنه لا خوف في حقِّ الغالبين قطعًا.
نعم؛ القريبان من التكافؤ كالمتكافئين.
وقوله: (القصاص) ليس بقيد، بل فيه تنبيه على جريانه في قاطع الطريق من باب أولى.
وقوله: (وهيجان موج) لا فائدة له بعد قوله: (واضطراب ريح)؛ فإن الظاهر: أنهما متلازمان، وهما شيء واحد.
واحترز بذلك: عما لو كان البحر ساكنًا.. فلا خوف.
(وطلق حامل) لعظم الأمر؛ ولهذا جُعل موتُها شهادة، والخلاف فيها: قولان - كما في "الروضة" و"أصلها" -: أحدهما: هذا، والثاني: ليس بمخوف؛ لغلبة السلامة 1.
وليس في المسألة طريقان؛ كما اقتضاه عطف المصنف.
(وبعد الوضع ما لم تنفصل المَشِيمة) لأنها تضاهي الجراحات الواصلة إلى الجوف.
وقضيته: أنه لا فرق بين وضع الولد الكامل وغيره، لكن صحح في "زيادة الروضة": أن إلقاء المضغة والعلقة لا خوف فيه، ونقله عن القاضي أبي الطيب عن الأصحاب؛ لأنه أسهل خروجًا من الولد 2، لكن في "الأم" أن الإسقاط والولادة سببان 3، ويمكن حمله على إسقاط الولد المتخلق.
وَصِيغَتُهَا: (أَوْصَيْتُ لَهُ بِكَذَا)، أَوِ (ادْفَعُوا إِلَيْهِ)، أَوْ (أَعْطُوهُ بَعْدَ موْتِي)، أَوْ (جَعَلْتُهُ لَهُ)، أَوْ (هُوَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِي)، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلهِ: (هُوَ لَهُ).. فَإِقْرَارٌ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: (هُوَ لَهُ مِنْ مَالِي)، فَيَكُونُ وَصِيَّةً. وَتَنْعَقِدُ بِالْكِنَايَةِ، وَالْكِتَابَةُ كِنَايَةٌ
وأفهم كلام المصنف: أنه إذا انفصلت.. زال الخوف، ومحله: إذا لم يحصل من الولادة جراحة أو ضَرَبانٌ شديد أو ورم، فإن حصل شيء من ذلك.. دام الخوف؛ كما قطع به المَحاملي.
(وصيغتها) أي: صيغة الوصية: ("أوصيت له بكذا"، أو "ادفعوا إليه"، أو "أعطوه بعد موتي"، أو "جعلته له"، أو "هو له بعد موتي") وهذه صرائح؛ لصراحة الأولى في المقصود، وتأدي الباقي إلى معنى الوصية بالإضافة إلى ما بعد الموت.
وقوله: (بعد موتي) في الموضعين: قيدٌ في المذكورين قبله، وهما: (ادفعوا إليه) و (جعلته له)، فلو ذكر هذا القيد عقب كلِّ صيغة.. لكان أحسن.
(فلو اقتصر على قوله: "هو له".. فإقرار) لأنه من صرائحه، فلا يجعل كناية في الوصية (إلا أن يقول: "هو له من مالي" فيكون وصية) لأن الإقرار لا يصحُّ بذلك، فيحتمل إذن الوصية، فتقبل إرادتها، وظاهر كلامه: صراحته حينئذ؛ لذكره له مع الصرائح، والذي في كتب الرافعي و "الروضة": أنه كناية؛ لأنه يحتمل الهبة الناجزة والوصية، فافتقر إلى النية 1، لكن رجح السبكي: أنه صريح، وقال: لو لم يكن صريحًا.. لكان إذا مات ولم يعلم أنه نوى أم لا.. تبطل الوصية؛ لأن الأصل عدمُ النية، ونصّ الشافعي في مسألتين يقتضي أنه صريح.
(وتنعقد بالكناية) كـ (عينت هذا لزيد) كالبيع وأولى؛ لقبولها التعليق بالأغرار، وإذا قبلت التعليق بالأغرار.. فبأن تقبل الكنايات أولى.
(والكتابة) بالتاء (كناية) فتنعقد بها إذا نوى؛ كالبيع وأولى، قال الشيخ برهان الدين الفَزاري: الظاهر: أن قصد المصنف: فتنعقد بالكتابة؛ لأنها كناية، فذكر مقدمتين ولم يذكر النتيجة.
وَإِنْ أَوْصَى لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْفُقَرَاءِ.. لَزِمَتْ بِالْمَوْتِ بِلَا قَبُولٍ، أَوْ لِمُعَيَّنٍ.. اشْتُرِطَ الْقَبُولُ. وَلَا يَصِحُّ قَبُولٌ وَلَا رَدٌّ فِي حَيَاةِ الْمُوصِي، وَلَا يُشْتَرَطُ بَعْدَ مَوْتهِ الْفَوْرُ. فَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَهُ.. بَطَلَتْ، أَوْ بَعْدَهُ.. فَيَقْبَلُ وَارِثُهُ. وَهَلْ يَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ بِمَوْتِ الْمُوصِي، أَمْ بِقَبُولِهِ، أَمْ مَوْقُوفٌ؛ فَإِنْ قَبِلَ.. بَانَ أَنَّهُ مَلَكَ بِالْمَوْتِ، وَإِلَّا.. بَانَ لِلْوَارِثِ؟ أَقْوَالٌ: أَظْهَرُهَا: الثَّالِثُ،
(وإن أوصى لغير معين؛ كالفقراء.. لزمت بالموت بلا قبول) لتعذره منهم، (أو لمعين.. اشترط القبول) كالهبة، ولو كانت الوصية لمحجور عليه.. قبل له وليه.
والمراد بالمعين: إذا كان محصورًا، فإن كان غير محصور؛ كالعلوية - وقلنا بالصحة وهو الأظهر -.. فلا يشترط القبول في حقهم جزمًا؛ كالفقراء.
ومحلُّ اشتراط القبول من المعين: في غير العتق؛ فلو قال: (أعتقوا عبدي بعد موتي).. لم يفتقر إلى قبول العبد؛ لأن فيه حقًّا لله تعالى، فكان كالجهة العامة، ومثله: التدبير إذا قلنا: إنه وصية؛ فإنه يتنجز بالموت من غير توقف على القبول؛ كما قاله الرافعي في الكلام على رهن المدبر 1.
(ولا يصحُّ قبول ولا ردٌّ في حياة الموصي) إذ لا حقَّ له قبل الموت، فأشبه إسقاط الشفعة قبل البيع.
(ولا يُشترط بعد موته الفور) بل يجوز تراخي القبول عن موت الموصي؛ إذ لو اعتبر.. لاعتبر عقب الإيجاب.
(فإن مات الموصَى له قبله) أي: قبل الموصي (.. بطلت) لأنها قبل الموت غيرُ لازمة، فبطلت بالموت؛ كما لو مات أحد المتبايعين قبل القبول، (أو بعده) أي: بعد موت الموصي وقبل القبول والرد (.. فيقبل وارثُه) أو يرد؛ لأنه فرعه، فقام مقامه في القبول؛ كالشفعة، وإذا قبل وارثه هل يقضى منه دين مورثه؟ فيه وجهان: أصحهما: نعم؛ كديته فإنها تقضى منها ديونه وإن قلنا: إنها تثبت للورثة ابتداءً.
(وهل يملك الموصى له بموت الموصي، أم بقبوله، أم موقوف؛ فإن قبل.. بان أنه ملك بالموت، وإلا.. بان للوارث؟ أقوال: أظهرها: الثالث) لأنه لا يمكن
وَعَلَيْهَا تُبْنَى الثَّمَرَةُ وَكَسْبُ عَبْدٍ حَصَلَا بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْقَبُولِ، وَنَفَقَتُهُ وَفِطْرَتُهُ، وَيُطَالِبُ الْمُوصَى لَهُ بالنَّفَقَةِ إِنْ تَوَقَّفَ فِي قَبُولِهِ وَرَدِّهِ.
فصلٌ [في أحكام الوصية الصحيحة ولفظها]
أَوْصى بِشَاةٍ.. تَنَاوَلَ صَغِيرَةَ الْجُثَّةِ وَكَبِيرَتَهَا، سَلِيمَةً وَمَعِيبَةً، ضَأْنًا وَمَعْزًا، وَكَذَا ذَكَرٌ فِي الأَصَحِّ،
جعله للميت؛ فإنه لا يملك، ولا للوارث؛ فإنه لا يملك إلا بعد الوصية والدين، ولا للموصى له، وإلا.. لم يصحَّ رده؛ كالإرث، فتعين وقفه مراعاة.
وقوله: (فإن قبل... ) إلى آخره: تفسير الوقف، ووجه الأول: التشبيه بالإرث والتدبير، ووجه الثاني: أنه تمليك بعقد فيتوقف على القبول؛ كالبيع، وإذا قلنا بالأول.. فلا يستقر ملكه عليه حتى يقبل؛ كما حكاه العراقيون، وإذا قلنا بالثاني.. فالملك قبله للوارث في الأصحِّ، وقيل: للميت.
(وعليها)؛ أي: على هذه الأقوال (تبنى الثمرة وكسب عبد حصلا بين الموت والقبول، ونفقته وفطرته) فعلى الأول: هما له، وعليه النفقة والفطرة، وإن قلنا بالثاني.. فلا شيء له ولا عليه قبل القبول، أو بالأظهر.. فموقوفة؛ فإن قبل.. فله وعليه، وإلا.. فلا.
(ويطالب الموصى له بالنفقة إن توقف في قبوله وردّه) كما لو امتنع مطلق إحدى زوجتيه من التعيين؛ فإن لم يقبل ولم يرد.. خيّره الحاكم بين القبول والرد، فإن لم يفعل.. حكم عليه بالإبطال؛ كالمتحجر إذا امتنع من الإحياء.
(فصل: أوصى بشاة) وأطلق (.. تناول صغيرةَ الجثة وكبيرتها، سليمةً ومعيبة، ضأنًا ومعزًا) لصدق الاسم، (وكذا ذَكَرٌ في الأصحِّ) لأنه اسم جنس؛ كالإنسان، وليست (التاء) فيه للتأنيث، بل للوحدة؛ كحمام وحمامة، ويدل له قولهم: لفظ (الشاة) يذكر ويؤنث، والثاني: المنع؛ نظرًا للعرف؛ فإنه لا يُسمَّى شاة، بل كبشًا
لَا سَخْلَةٌ وَعَنَاقٌ فِي الأَصَحِّ. وَلَوْ قَالَ: (أَعْطُوهُ شَاةً مِنْ غَنَمِي) وَلَا غَنَمَ لَهُ.. لَغَتْ،
أو تيسًا، وهذا ما نص عليه في "الأم" 1.
ومحلُّ الخلاف: ما إذا لم تدل قرينة على المراد؛ فلو قال: (شاة لينزيها على غنمه).. فذكر، أو (يحلبها) أو (ينتفع بدَرّها ونسلها).. فأنثى كبيرة تصلح لذلك، ولو قال: (لينتفع بصوفها).. حمل على الضأن، أو (بشعرها).. حمل على المعز.
(لا سخلة وعناق في الأصحِّ) لأن كلًّا منهما لا تُسمَّى شاة، كذا علله القاضي الحسين، وكأنه يريد عرفًا، والثاني: يتناولهما؛ لصدق الاسم لغة وشرعًا.
وترجيح الأول تبعا فيه الصَّيْدَلاني 2، قال الإمام: وهو خلاف مقتضى النصِّ، وقول صاحب "التقريب"، وأئمة العراق ومعظم المراوزة 3، وخلاف ما صرح به الأصحاب كلُّهم، واختاره السبكي.
و(السخلة): الأنثى من ولد الضأن ما لم يتم لها أربعة أشهر، و (العناق): الأنثى من ولد المعز ما لم يتم لها سنة، و (الجدي): ذكره.
وفهم من كلام المصنف: أنه إذا امتنع في الأنثى.. ففي الذكر أولى.
(ولو قال: "أعطوه شاة من غنمي" ولا غنم له.. لغت) لعدم ما تتعلق به الوصية، وليس المراد: لا غنم له حال الوصية كما يفهمه كلامه، بل لو ملكها بعد الوصية وقبل موته.. صحت على الأصحِّ.
وشمل إطلاقه الإلغاء: ما إذا كان له ظباء، لكن الرافعي حكى وجهين فيما لو قال: (أعطوه شاة من شياهي): وليس له إلا ظباء، قال في "زيادة الروضة": (ينبغي أن يكون الأصحُّ: تنزيل الوصية على واحدة منها) 4.
وَإِنْ قَالَ: (مِنْ مَالِي) وَلَا غَنَمَ لَهُ.. اشْتُرِيَتْ لَهُ. وَالْجَمَلُ وَالنَّاقَةُ يَتَنَاوَلَانِ الْبَخَاتِيَّ وَالْعِرَابَ، لَا أَحَدُهُمَا الآخَرَ. وَالأَصَحُّ: تَنَاوُلُ بَعِيرٍ نَاقَةً، لَا بَقَرَةٍ ثَوْرًا، وَالثَّوْرُ لِلذَّكَرِ. وَالْمَذْهَبُ: حَمْلُ الدَّابَّةِ عَلَى فَرَسٍ وَبَغْلٍ وَحِمَارٍ
(وإن قال: "من مالي" ولا غنم له.. اشتريت له) 1 أي: اشتري ما ينطلق عليه الاسم عملًا بقوله.
(والجمل والناقة يتناولان البَخَاتيَّ والعِراب) لصدق الاسم (لا أحدهما الآخر) أي: لا يتناول الجمل الناقة ولا عكسه؛ لأن لفظ (الجمل) للذكر، و (الناقة) للأنثى؛ كما قاله الأزهري وغيره 2.
(والأصحُّ: تناول بعيرٍ ناقةً) لأنه لغةً اسم جنس؛ كالإنسان، والثاني: المنع، وهو المنصوص ورجحه كثيرون، وقال الماوردي والإمام والغزالي: إنه المذهب؛ لأنه لا يُسمَّى بعيرًا عرفًا؛ كالجمل 3.
(لا بقرةٍ ثورًا) على الأصحِّ؛ لأن اللفظ موضوع للأنثى، والثاني: يتناول، و (الهاء) للوحدة؛ كثمرة وزبيبة، وهو كالخلاف في الشاة، والتصحيح متعاكس.
وذكر المصنف في "التحرير": اتفاق أهل اللغة على وقوع البقرة على الذكر والأنثى 4 مع حكايته الخلاف هنا، وهو يقدح في تعليلهم الأصحَّ بوضع اللفظ للأنثى.
(والثور للذكر) خاصة لاستعماله فيه لغة وعرفًا.
(والمذهب: حمل الدابة على فرس وبغل وحمار) لشهرة استعمالها في هذه الثلاثة وإن كانت لغة لكلِّ ما دب، وهذا هو المنصوص، وهو مطرد في جميع البلاد على الأصحِّ، وقال ابن سريج: إن المنصوص ذكره الشافعي على عادة أهل مصر في ركوبها جميعًا واستعمال الدابة فيها، وأما سائر البلاد فحيث لا يستعمل اللفظ إلا في